######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0007597 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: 1233هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1233 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبد الوهاب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0007597 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-7597 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/7597 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1404هـ/ 1984م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار طيبة، الرياض، المملكة العربية السعودية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله مكمل الدين وناصره، ومظهر الحق بسيف الوحي، فبه الشرك والباطل ~~قامعه، الذي أتم علينا وافر نعمته. وتفضل فرضى لنا الإسلام دينا بكمال ~~منته. وأمرنا أن نستهديه صراطه المستقيم لعظم شأنه وشرفه. وأوضح لنا قواعد ~~دينه الإسلام وملته، ونصب رايات الهدى فهي تنادي لدار الخلد من جنته، ~~المتحبب إلى خلقه بفتح أبواب رحمته. والمحسن إلى أهل ملته الحنيفية بترادف ~~أنواع الخير من نعمته. وميسر لمن اختاره بنصرة دينه أسباب علو الهمة ه ~~ومانحهم بإقامتهم عليه كشف كل شدة وغمه، والملهم لتوحيده حمدا موافيا لنعمه ~~ومكافئا لمزيده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة تنفع ~~قائلها يوم وعده ووعيده. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، اللهم ~~فصل وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة وسلاما دائمين متلازمين ما استدار ~~الزمن في تكوره وتكويره. # أما بعد. # فإن الله عز رجل خلق السموات والأرض وما فيهما من الآيات ليعرف وتعلم ~~حكمته، وقدرته، فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين كله بأنواعه له مختص ~~بجلاله. وذلك معلوم ضرورة قال الله تعالى: {الله الذي خلق سبع سموات ومن ~~الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله ~~قد أحاط بكل شيء علما} وقال عز من قائل: {وما خلقنا السموات والأرض وما ~~بينهما إلا بالحق} وقال تعالى: {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ~~والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السموات وما ~~في الأرض وأن الله بكل شيء عليم} . وقال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون} فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف بأسمائه وصفاته ~~ويعبد وحده لا يشرك به، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به ~~السموات والأرض. كما # PageV01P005 # قال جل ذكره: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ~~ليقوم الناس بالقسط} . ومن أعظم القسط التوحيد، بل هو رأس العدل وقوامه. ~~وأن الشرك لظلم عظيم، فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، ms001 وأوجب ~~الواجبات وأفرض الطاعات، ولما كان الشرك بالله منافيا بالذات لتوحيده تعالى ~~وإخلاص العبادة له كان اكبر الكبائر على الإطلاق، وحرم الله الجنة على كل ~~مشرك وأباح دمه وماله لأهل التوحيد وأن يتخذوهم عبيدا لهم لما تركوا القيام ~~بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا أو يقبل فيه شفاعة، أو ~~يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة، فإن المشرك أجهل الجاهلين ~~بالله حيث جعل له من خلقه ندا وذلك غاية الجهل به، كما أنه غاية الظلم منه، ~~وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه، رقد أرسل سبحانه وتعالى رسله ~~إلى خلقه، وأنزل كتبه ليعلموا ذلك ويتيقنوه إقامة للحجة علهم، كما قال عز ~~من قائل: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ~~فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {إنا أوحينا ~~إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود ~~زبورا} إلى أن قال: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} فدين الرسل واحد. لم يختلفوا في شيء من أصله. وإنما تحصل الفترة بين ~~الرسولين فيندرس الدين أو بعضه فيجهل ويترك. # وقد بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم إلى الخلق على فترة من الرسل وأهل ~~الأرض مقتهم الله عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ماتوا أو أكثرهم ~~قبل مبعثه صلوات الله وسلامه عليه، والناس إذ ذاك أحد رجلين: إما كتابي ~~معتصم بكتاب إما مبدل، أو مبدل ومنسوخ، والدين كله أو بعضه مجهول متروك، ~~وأمى من عربي وعجمي مقبل على عبادة ما استحسنه وظن أنه ينفعه من نجم أو وثن ~~أو قبر وتمثال أو غير ذلك، والناس في جاهلية جهلاء من مقالات يظنونها علما ~~وهي جهل، وأعمال سيئة يحسبونها صلاحا وهي فساد، وغاية البارع منهم علما ~~وعملا أن يحصل قليلا من العلم الموروث عن الأنبياء المتقدمين قد اشتبه ms002 عليه ~~حقه بباطله، أو يشتغل بعمل القليل منه مشروع وأكثره مبتدع. فهدى الله الناس ~~بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من البينات والهدى # PageV01P006 # هداية جلت عن وصف الواصفين وفاقت معرفة العارفين، حتى حصل لأمته المؤمنين ~~عموما وأولي العلم منهم خصوصا من العلم النافع والعمل الصالح والأخلاق ~~العظيمة والسنن المستقيمة ما لو جمعت حكمة سائر الأمم علما وعملا الخالصة ~~من كل شوب إلى الحكمة التي بعث بها صلى الله عليه وسلم لتفاوتا تفاوتا يمنع ~~معرفة قدر النسبة بينهما. والآيات القرآنية، والأحاديث النبوية تدل على ذلك ~~ولله الحمد والمنة. (وقد روى مسلم في صحيحه عن ثوبان مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله زوى لي ~~الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها وأعطيت ~~الكنزين الأحمر والأبيض وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا ~~يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم وان ربي قال: يا محمد إذا ~~قضيت قضاء فإنه لا يرد وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة وأن لا ~~أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم يستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها ~~أو قال من بين أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضا" ورواه أيضا ~~البرقاني في صحيحه وزاد " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين وإذا وقع ~~عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي ~~المشركين، وحتى تعبد طوائف من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ~~ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة ~~من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك ~~وتعالى". # فملك الأمة لأقطار الأرض، ثم افتراقهم الحاصل لهم، والاختلاف بينهم محقق ~~مضبوط محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه. وكان صلى الله عليه ~~وسلم يحذر أمته منه لينجو من شاء ms003 الله منهم، فعن عبد الله بن مسعود رضي ~~الله عنه قال: "خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا ثم قال هذا سبيل الله ~~ثم خط خطوطا عن يمينه وخطوطا عن شماله وقال هذه السبل المتفرقة وعلى كل ~~سبيل منها شيطان يدعو إليه" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون} رواه الإمام أحمد وغيره. ومع أن الله تعالى حذرنا هذه السبل ~~فقضاؤه سبحانه نافذ بما أخر به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق به علم ~~الله تعالى، حيث قال الصادق المصدوق فيما خرجاه في الصحيحين عن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه # PageV01P007 # قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو ~~القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله اليهود ~~والنصارى؟ قال: "فمن". وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع" فقيل يا رسول الله فارس والروم قال: "ومن الناس ~~إلا أولئك" فأخبر صلى الله عليه وسلم أنه سيكون في أمته مضاهاة لمن سلف من ~~الأم اليهود والنصارى وهم أهل الكتاب وفارس والروم وهم الأعاجم. وقد كان ~~صلى الله عليه وسلم ينهي عن التشبه بهؤلاء وهؤلاء. وليس إخبارا عن جميع ~~الأمة، بل قد تواتر عنه عليه الصلاة والسلام أنه لا تزال من أمته طائفة ~~ظاهرة على الحق حتى تقوم الساعة، وأخبر أن الله لا يجمع هذه الأمة على ~~ضلالة، وأن الله لا يزال يغرس في هذا الدين غرسا يستعملهم فيه بطاعته، وفي ~~الصحيحين عن عقبة بن عامر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوما فصلى على ~~أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر فقال إني فرط لكم وإني شهيد ~~عليكم وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن وإني أعطيت ms004 مفاتيح خزائن الأرض أو ~~قال مفاتيح الأرض وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم ~~أن تتنافسوا فيها" رفي رواية: "ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها ~~وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة فكان آخر ما رأيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على المنبر. فعلم بخبره الصادق أنه في أمته قوم ~~مستمسكون بهديه الذي هو دين الإسلام محضا، وقوم منحرفون إلى شعبة من شعب ~~اليهود أو النصارى والمشركين. وفي حديث الثوري وغيره عن عبد الرحمن بن زياد ~~بن أنعم الأفريقي عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ليأتين على أمتي ما أتى على بني ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية كان في أمتي ~~من يصنع ذلك وان بني إسرائيل افترقت على اثنين وسبعين ملة وتفرقت أمتي على ~~ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة" قالوا: من هي يا رسول الله ~~قال: "ما أنا عليه وأصحابي" رواه أبو عيسى الترمذي وقال هذا حديث غريب مفسر ~~لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وهذا الافتراق مشهور عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من حديث أبي هريرة وسعد بن أبي وقاص ومعاوية وعمرو بن عوف الأشجعي ~~وغيرهم فعن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P008 # قال: " تفرقت اليهود على أحد وسبعين فرقة أو اثنين وسبعين فرقة والنصارى ~~مثل ذلك وتفرقت أمتي على ثلاث وسبعين فرقة ". رواه أبو داود وابن ماجة ~~والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح وعن معاوية بن أبي سفيان قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " إن أهل الكتاب افترقوا في دينهم على اثنين ~~وسبعين ملة وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة يعني أهل الأهواء ~~كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة " وقال: "أنه سيخرج في أمتي أقوام ms005 ~~تتجارى بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه فلا يبقى منه عرق ولا مفصل ~~إلا دخله والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به" هذا حديث محفوظ من حديث صفوان بن ~~عمر. وعن الأزهر بن عبد الله الرازي عن أبي عامر عبد الله بن لحي عن ~~معاوية، رواه عنه غير واحد، منهم أبو اليمان وبقية وأبو المغيرة، ورواه ~~الإمام أحمد وأبو داود في سننه، وقد روى ابن ماجة هذا المعنى من حديث صفوان ~~بن عمرو عن راشد بن سعد عن ابن عوف بن مالك الأشجعي، ويروى من وجوه أخر فقد ~~أخبر صلى الله عليه وسلم بافتراق أمته على ثلاث وسبعين فرقة، والثنتان ~~والسبعون لا ريب أنهم الذين خاضوا كخوض الذين من قبلهم. ثم هذا الاختلاف ~~الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم إما في الدين فقط، وإما في الدين ~~والدنيا معا، ثم قد يؤول إلى سفك الدماء لأجل الدنيا فقط. أولها وللدين ~~معا، أو للدين فقط. وهذا الاختلاف هو ما نهى عنه الله في قوله سبحانه: {ولا ~~تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب ~~عظيم} الآيات وقوله: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~وقول: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ~~ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} وقوله: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه ~~من ينيب وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت ~~من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك ~~منه مريب * فلذلك فادع واستقم كما أمرت} الآية ومنشأ هذا الاختلاف وأصله ~~إما من جهة عدم العمل ms006 # PageV01P009 # بالعلم، كالذي يعرف الحق من الباطل ويميز بينهما ولا يتبع الحق علما ولا ~~قولا ولا عملا، وإما من جهة العمل بلا علم فيجتهد في أصناف البدع بلا شريعة ~~من الله ويقول على الله بلا علم. # فالأول: من مشابهة اليهود الذين قال الله فيهم: {إن الذين يكتمون ما ~~أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم ~~الله ويلعنهم اللاعنون} . # والثاني: من مشابهة النصارى الغالين في الدين والقائلين فيه غير الحق ~~والضالين عن سواء السبيل. وقد ابتلى الله طوائف من هذه الأمة من المنتسبين ~~إلى العلم بما ابتلى به اليهود من الرياسة وحب الدنيا وإيثارها وكتم الحق، ~~فإن هؤلاء المنتسبين إلى العلم تارة يكتمون العلم بخلا به وكراهة أن ينال ~~غيرهم من الفضل ما نالوه، وتارة اعتياضا برياسة أو مال فيخاف من إظهاره ~~انتقاص رياسته أو ماله، وتارة يكون قد خالف غيره في مسئلة أو اعتزى إلى ~~طائفة قد خولفت في مسئلة فيكتم من العلم ما فيه حجة لخالفه وان لم يتيقن أن ~~مخالفه مبطل، ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره: أهل السنة يكتبون ما لهم ~~وما عليهم وأهل الهوى لا يكتبون إلا ما لهم. وكان السلف منهم سفيان بن ~~عيينة وغيره يقولون أن من فسد من علمائنا ففيه شبهة من اليهود، ومن فسد من ~~عبادنا ففيه شبه من النصارى، وليس الغرض من هذا تفصيل ما يجب وما يستحب، ~~وإنما الغرض التنبيه على منهاج الحق المتبع وهو ما كان عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، وفي قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه العرباض بن ~~سارية السلمي رضى الله عنه: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين ~~عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ~~ضلالة وكل ضلالة في النار" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث صحيح ورواه ~~ابن ماجة وفيه قال صلى الله عليه وسلم: "قد تركتكم على البيضاء ليلها ~~كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك" وروى أبو هريرة رضي الله ms007 عنه قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إني خلفت فيكم ما لم تضلوا بعدهما ما ~~أخذتم بهما أو عملتم بهما كتاب الله وسنتي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض" ~~والنظر بعين الإنصاف إلى ما تشعب فيه الناس، وأصبح غالبهم نابذا كتاب الله ~~وسنة نبيه وراء ظهره زاعما أن كتاب الله ما بقي من حكمه الآن إلا # PageV01P010 # مجرد التلاوة باللسان، وأما فهم معانيه وتدبره والعمل بما فيه فلا وصول ~~لأحد إليه، وكذلك الأحاديث. فالقرآن مصرح بنقيض قولهم ورد حججهم قال تعالى: ~~{كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} وقد قال ~~تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} وقال تعالى: {وإنه لكتاب ~~عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} وقال ~~تعالى: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} وقال تعالى: {قل هو للذين ~~آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ~~ينادون من مكان بعيد} فهذا كله مشعر بأن القرآن محفوظ ومصون عن التبديل ~~والتغيير والنسخ جملة وعدم فهم معانيه وتدبره فإنه للذين آمنوا نور وهدى، ~~ولم ينزله الله إلا للعمل به، وذلك متوقف على معرفة معانيه. وكذلك الأحاديث ~~فإنها تفسر لقرآن، كما أن بعضه يفسر بعضا. وقد فسره الصحابة رضي الله عنهم ~~وتفقهوا في الدين منه. كما تفقهوا من السنة. وكذلك كتب الأئمة الأعلام ~~الذين يؤخذ بأقوالهم من أهل الملة الغراء والمحجة البيضاء المفسرين له ~~والمؤولين لمعانيه، والجامعين للأحاديث النبوية، المفارقين كل فرقة غوية، ~~ليس في أيديهم منها إلا مجرد تلاوتها من غير تذكر لها ولما فيها ولا عمل ~~بمعانيها، بل استغنوا عن ذلك كله بزخرفات المبطلين وإتباع حجج المعطلين، ~~وإتباع الهوى وذلك كله من عموم البلوى حتى كتب الفقه التي في أيديهم، ~~ويزعمون العمل بها وبما فيها إنما يأخذون منها ومن معاني ما تضمنته ما كان ~~موافقا لتحذيق الكلام والتشدق به من تعلم الدعاوي والخصومات وتعليمها، وأما ~~العبادات والحدود فإنما تتلى باللسان تلاوة ms008 وقل ما توجد عند فقيه مستجمع ~~لها، بل إن وجدت فهي عند الخواص من ذوي الثروة يساطرها مخزونة عنده من غير ~~انتفاخ بها ولا عمل بمعانيها، بل تفاخرا وتكبرا وحب رياسة، وهو ربما لا ~~يعلم اسمها ولا اسم مؤلفها، وينضاف إلى ذلك عداوة الحق ودحضه، وإيثار ~~الباطل وحبه، اجتلاب لقلوب العوام، وجمع الحطام، ففي جامع الترمذي من حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: "يخرج في آخر ~~الزمان قوم يجتلبون الدنيا بالدين ويلبسون للناس مسوك الضأن من اللين ~~ألسنتهم أحلى من السكر وقلوبهم قلوب الذئاب يقول الله عز وجل أبي تغترون ~~وعلي تجترئون فبي حلفت لأبعثن # PageV01P011 # على أولئك منهم فتنة تدع الحليم فيهم حيرانا" وذكر ابن أبي الدنيا من ~~حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده قال: قال علي كرم الله وجهه: " يأتي على ~~الناس زمان لا يبقى من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه، مساجدهم ~~يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى، علماؤهم شر من تحت أديم السماء، منهم خرجت ~~الفتنة وفيهم تعود" وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " سيظهر شرار أمتي على خيارها حتى يستخفي المؤمن كما يستخفي ~~المنافق فينا اليوم" ومنشأ ذلك وسببه إنما هو الإعراض عن منهاج الرسول وما ~~كان عليه هو وأصحابه صلاة الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، والإقبال ~~والانقياد إلى طاعة هذا العدو اللعين، الذي توعد وجد واجتهد في قوله ~~لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم ~~شاكرين. وقد قال تعالى: {ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من ~~المؤمنين} فلذلك حصل الران والغمرة، ووجدت الغفلة فانعكس الأمر وهجر ما ~~الله به أمر، وارتكب ما عنه نهي وزجر. فصار المعروف منكرا والمنكر معروفا ~~واتبعت الأهواء وعمت البلوى، فالآمر بالمعروف ينكر عليه، والمتبع لهواه ~~المنقاد إلى الباطل والمتنسك به يجل ويوقف بين يديه. وقد آل ذلك إلى عمى ~~القلوب، والجهل بما هو من ms009 العبيد مطلوب حتى إذا أوجد الله رجلا أحيا به ~~قلوبا قد انعكفت وانهمكت في أنواع باطل مضاد للحق متناول للشرك الأكبر فما ~~دونه، فبصرهم به وأنقذهم منه ونهاهم عنه ثم قادهم إلى سبيل الخير والنجاة ~~الذي هو منهاج نبيهم وأصحابه وما أنزل القرآن لأجله قام عليه أهل الأهواء ~~فجرحوه وبدعوه، ومنهم من جعل اليهود والنصارى أخف شرا منه ومن إتباعه بلا ~~تدبر ولا تذكر ولا تفكر في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، ولا في ~~كلام الأئمة الأعلام ممن سلف من الأنام، وما حصل لهم وعليهم من الأذى في ~~ذات الله تعالى حسدا وبغيا، إما لأجل حق عملوا به وقالوه ونهوا عن ضده ~~واجتنبوه أو لتصنيف صنفوه أو على غير ما شيء من ذلك أسلفوه، وإنما هو بسبب ~~عدم موافقتهم لهم فيما اعتادوه. # ومن تأمل أحوال السلف وما جرى عليهم من أنواع البلوى إما قتلا وإما حبسا ~~أو نفيا أو ضربا ابتلاء لو ذكرت أسبابه على تفاصيلها وذكر عدد من ابتلى ممن ~~سلف لاحتمل ذلك مجلدات ضخام ولكن لنا في الاختصار أسوة علم علم اليقين أن ~~الله # PageV01P012 # سبحانه يبتلي أحبابه ابتلاء له فيه حكمة، ولو لم يكن فيه إلا رفع ~~المقامات أو تكفير السيئات، خصوصا هذا التوحيد فإنه سبحانه من حكمته لم ~~يبعث به نبيا قط إلا جعل له أعداء يؤذونه كما قال تعالى: {وكذلك جعلنا لكل ~~نبي عدوا شياطين الأنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا} . # ولما كان العلماء ورثة الأنبياء جعل الله لمن كان منهم عاملا بعلمه ~~مهتديا بقول الله متبعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوا من الإنس ~~والجن يؤذونه ويشوشون عليه اتباعه ويردون عليه ما قال عن الله ورسوله ~~أقواله، وهذا كله من الله عدل إذ فيه رفع درجات الأنبياء، وإظهار مقامهم ~~صلوات الله وسلامه عليهم، وتكفير سيئات هؤلاء العلماء ورفع درجاتهم وتعظيم ~~أجورهم رضي الله عنهم، ولذلك قال تعالى: {ولو شاء ربك ما فعلوه} ومع ذلك ~~فلا بد من نصر ما جاءت به ms010 الرسل الذي عملت به هؤلاء العلماء ودعت إليه قال ~~تعالى: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} ~~وقال تعالى: {ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا كذلك حقا علينا ننج المؤمنين} فمن ~~صبر من هؤلاء العلماء المذكورين نصره الله كما نصر رسله، وهذا مصداق قوله ~~تعالى: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ~~هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون} . # وهكذا لم تزل السلسلة في صعود وهبوط إلى أن حل بهذا الرجل ما حل بالأسلاف ~~الذين خلوا من قبله من صالح سلف الأمة وخيارها. لكن قد هدى الله به أمما ~~ضلالا منهمكة في أكبر الكبائر على الإطلاق فحاز من الأجر العظيم مغنما ~~لقوله صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: " من دعا إلى هدى كان له من الأجر ~~مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيء" أخرجه مسلم وابن ماجه ~~والترمذي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فلله الحمد والمنة. # PageV01P013 # (1) - ### | ما ورد إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب من الرسائل # وقد وردت إليه أسئلة من علماء الحرمين والشام وأقطارها، وعلماء نجد ~~وسكانها، وعلماء الاحساء وأتباعها، متعلقة بكشف أحواله، ومما يدعو الناس ~~إليه من توحيد الله وإخلاص العبادة له، ومتضمنة للسؤال عن بيان ما يدعيه ~~وما يقوله وما دليله فيه، فأجابهم بإجابة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف ~~الأمة ما بمثلها يهتدي المهتدون، وعليها يقف المنصفون، وبها يأخذ ~~المستدلون، فهدى الله به من اهتدى وخاض في لجج طغيانه من شقى، ولو ذكرنا ما ~~حصل من ذلك على التفصيل اللائق لطال الفصل، وانعكس الوصل، ولكن يكفي اللبيب ~~ما قد شاع عنه وذاع، وتقطعت به الأسماع، من أن يدعو الناس إلى توحيد الله ~~وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته وإخلاص وحدانيته وعبادته بأنواعها له ~~وحده ليكون الدين كله له، وهذا ما دعت إليه الرسل وأنزلت به الكتب. # القول على خطبة رسالة عبد الله الراوي: # وقد ms011 وردت إليه رسالة تنسب إلى عبد الله أفندي الراوي البغدادي خطيب ~~المسجد المنسوب للوزير سليمان باشا، وقيل لعبد القادر الجيلي رحم الله روحه ~~ونور مرقده وضريحه، وكان إرسالها بأمر الوزير سليمان باشا المقيم فيه الآن، ~~هداه ربنا الرحمن في السر والإعلان، ومضمونها: أن التوحيد إنما هو مختص ~~بمعنى الربوبية، فالإله اسم مختص بالخالق الرازق الضار النافع وهو الله، ~~ولا يكون اسما لغيره إلا إن اعتقد أن ذلك الغير يوجد ذلك الضر والنفع ~~اعتقادا علميا مع اعتقاد ذلك الغير أيضا شريكا لله حتى يطلق على ذلك ~~المعتقد اسم المشرك واسم الكفر الموجب لسفك دمه وخلوده في النار، فأما من ~~قال بلسانه لا إله إلا الله محمد رسول الله وآمن بالله واليوم الآخر ثم دعا ~~غير الله من ولي أو ملك أو نبي بشيء لا يقدر عليه إلا الله تعالى، واعتقد ~~في ذلك الغير أنه يضر وينفع فهو يعتقد فيه ذلك الذي لا يقدر عليه إلا الله، ~~ولكن لا يعتقد أنه # PageV01P014 # شريك لله. بل إذا سئل فقيل له الله شريك، قال لا. ولكني أدعو هؤلاء ~~لقربهم وصلاحهم، فهم يكشفون شدتي، ويفرجون كربتي، وأطلب منهم شفاعتهم، فإن ~~ذلك لا يخرج عن الملة بل فيه مجرد الحرمة والإثم فقط. ثم استثنى جواز سؤال ~~الشفاعة منهم في هذه الدار وأنه إن دعاهم لشفاعتهم له وطلبها منهم فلا بأس ~~بذلك، وفيه أيضا: أن تارك الصلاة عامدا لا يكفر فلا يقتل وفيها أيضا: جواز ~~شد الرحال إلى زيارة القبور، وانه قريب من الواجب حيث كانت قبور الأنبياء، ~~وفيها مسائل ومسائل واعتراضات كما سنذكرها إن شاء الله تعالى، وقد أرسلها ~~الوزير المكرم لننظر فيها ثم نجيب عنه، فنقول بعد الاستعانة بالله والاتكال ~~عليه والبراءة من الحول والقوة. # أما قولكم بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله أحمده وأستعينه، وأستغفره ~~وأعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن ~~يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا ms012 ~~عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، صلى الله عليه ~~وعلى آله وصحبه وجنده وحزبه وعلى من تبعهم بإحسان، وقفى أثرهم إلى آخر ~~الزمان. # فنقول هذا الابتداء بالبسملة، والحمد له، والاستعانة، والاستغفار، ~~والاستعاذة بالله من شرور النفس وسيئات الأعمال والاخبار، بأن من يهد الله ~~فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له والشهادة بأن لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، والاخبار بإرساله بالهدى ودين الحق ليظهره ~~على الدين كله، وإنشاء الصلاة عليه وعلى آله وأصحابه وجنده وحزبه ومن تبعهم ~~بإحسان وقفي أثرهم إلى آخر الزمان، مشروع للتأسي بالكتاب العزيز ومأمور به ~~في قوله صلى الله عليه وسلم: "كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو ~~أبتر" وفي رواية فهو أجذم. وفي رواية فهو أقطع. والأبتر في اللغة مقطوع ~~الذنب. والأجذم مقطوع الأنف. والأقطع مقطوع اليد. أطلق الشارع صلى الله ~~عليه وسلم كلا منها في الحديث على ما فقدت البركة منه تشبيها له بما فقد ~~ذنبه الذي به تكمل خلقته؛ أو بمن فقدت يداه اللتان يعتمدهما في البطش ~~ومحاولة تحصيل ما يروم تحصيله. فإطلاق كل منها في هذا على وجه التشبيه ~~البليغ أو الاستعاذة، ومعنى ذلك في هذا المعنوي ناقص البركة فهذا حث منه ~~صلى الله عليه وسلم على البدء بالبسملة التي هي سبب لتمام البركة في كل ما ~~يهتم به شرعا، وكما أن الحديث وارد بالبدء بالبسملة فكذلك # PageV01P015 # الحمدلة. ولذلك المصنفون يجمعون بينهما. لكن الابتداء بالبسملة حقيقي، ~~وبالحمدلة إضافي، ليندفع التعارض. والاسم مشتق من السمو، وهو العلو، أو من ~~السمة وهي العلامة. وفيه ست لغات كما هي مبسوطة في محالها من مطولات ~~ومختصرات، ووشرت سينه للتمييز بينه وبين الفاصل للميم عنه. ولذلك كان عمر ~~بن الحطاب رضي الله عنه يضرب الناس على توشيره، وعلى مد الألف المتصلة به ~~قدام الباء، التي وضعت عوضا عن الألف المتصلة بالباء في حال انفرادها عن ~~السين، كما في باسم ربك، وأفردت نقطة الباء ms013 التي تحت الاسم إشارة إلى تفرده ~~تعالى بالألوهية والوحدانية، ودورت ميمه إشارة إلى احاطة ملكه سبحانه ~~وتعالى جميع الكائنات، فاجتمع فيه معنى الألوهية والربوبية، ثم هذا المبدوء ~~به المذكور في صدر المقدمة يحتاج كل ذاكر له وقائل به إلى علم معانيه ~~والعمل بما يدعيه، فإن معنى قول القائل بسم الله، أي أستعين وأتبرك بكل اسم ~~للذات الأقدس، المسمى بهذا الاسم الأنفس، الموصوف بكمال الإنعام وما دونه، ~~فالباء متعلقة بمحذوف مقدر بقوة المذكور وكونه فعلا أولى لأنه الأصل في ~~العمل، وعمل الاسم بالحمل عليه وخاصا من مادة المفعول أولى أيضا، فمريد ~~السفر يقدر بسم الله أتبرك وأستعين به على السفر، والمؤلف يقدر على ~~التأليف، فهو في معنى أسافر أو أؤلف ونحو ذلك، لما فيه من الاستعانة ~~والتبرك في جميع أجزاء الفعل، بخلاف الابتداء والافتتاح سواء قلنا معنى ~~الباء الاستعانة أو المصاحبة أو التعدية، وكونه مؤخرا عن لفظ بسم الله أولى ~~أيضا، ولا يجوز بينهما والأولى تأخيره عن الرحمن الرحيم لمن أتى بهما، وذلك ~~لأن رتبة العامل التقديم، فتأخيره لنكتة وهي إفادة الاهتمام مطلقا ~~والاختصاص والحصر غالبا وهو من حمر القلب ان كان المشركون يتبركون بأسماء ~~آلهتهم وما يعبدون من دون الله، أو من قصر الإفراد ان كانوا يتبركون ~~بالابتداء بأسماء الله وأسماء آلهتهم، واستظهره السعد وغيره. # فلذلك وجب على الموحد قصر الاستعانة والتبرك على اسم الله تبارك وتعالى، ~~أي الإتيان بما يفيد ذلك وان لم يلاحظه أو لم يعرفه، ولا يغني عنه كون ~~المتكلم لا يعتقد ذلك لعدم إطلاعه عليه ومعرفته إياه، إذ الجهل بالشيء لا ~~يزيل حكمه. وأما قوله تعالى اقرأ باسم ربك فللاهتمام بالقراءة لخصوص المحل، ~~فان أول هذه السورة أول ما نزل من القرآن واقرأ فيها راجع للبسملة لأنها ~~بعض ذلك الأول ومقدمة عليه، فهي أول آية نزلت على الإطلاق كما اقتضى ~~الاختصاص والحصر، إياك نعبد وإياك نستعين، والمعنى نخصك بالعبادة # PageV01P016 # والاستعانة، فلا نعبد إلا أنت ولا نستعين إلا بك، ففي تقديم اسم الله ~~اهتمام به للتعظيم واختصاص ms014 أيضا، وحصر للذوق السليم، وتنبيه على أنه ينبغي ~~للعابد أن يكون نظره ابتداء إلى المعبود ثم إلى العبادة، لا من حيث أنها ~~عبادة صدرت عنه بل من حيث أنها نسبة شريفة إليه، ووصلة بينه وبين معبوده، ~~وقدمت العبادة على الاستعانة لتوافق رؤوس الآي، ولأن تقديم الوسيلة التي هي ~~القربة والأعمال الصالحة على طلب الحاجة أدعى إلى القبول والإجابة، ~~وللإشارة إلى أنه لا توجد العبادة من العابد إلا مع الاستعانة، ولذلك قيل ~~إن الواو للحال، وكرر الضمير إشارة إلى حصر الاستعانة به تعالى، وذكر السين ~~في بسم الله للفرق بين التيمن واليمين. # (والله) أصله اله زيدت فيه اللام وشددت وفتحت همزته فصار الله؛ وهو علم ~~على ذاته تعالى وتقدس يوصف ولا يوصف به (والرحمن الرحيم) اسمان بنيا ~~للمبالغة من رحم، كالغضبان من غضب، والعليم من علم، والرحمن أبلغ من ~~الرحيم، لأن زيادة البناء تدل على زيادة المعنى، وإنما قدم، والقياس يقتضى ~~الترقي لأنه صار كالعلم من حيث أنه لا يوصف به غيره تعالى لأن معناه المنعم ~~الحقيقي البالغ في الرحمة غايتها وذلك لا يصدق على غيره، أو لأن الرحمن لما ~~دل على جلائل النعم وأصولها ذكر الرحيم ليتناول ما خرج منها، فيكون ~~كالتتمة، وفي إيثار هذين الوصفين المفيدين المبالغة في الرحمة إشارة لسبقها ~~وغلبتها على أضدادها وعدم انقطاعها، فلينظر القائل بسم الله أهو عامل ~~بمعناه، لقصره الاستعانة والبركة على اسم الله خاصة، فلا يعتقد معنى ذلك في ~~غيره تعالى كما كان يعتقده المشركون في آلهتهم ولا يرضى به أيضا، وان أشعر ~~تقديم العامل بالاحتمال فاعتقاده باق على حاله، أو هو يعتقد ذلك المعنى في ~~غير الله مع كونه إنما ذكر اسم الله خاصة، أو لم يعتقده لكنه يرضى به من ~~غيره، فهذا لم يقصر الاستعانة والبركة على اسم الله وان أتى بما يفيدهما ~~لفظا، لأن عقيدته أفسدت عليه. # (ومعنى الحمد لله) أي جنس الوصف بالجميل أو كل فرد منه مملوك أو مستحق ~~للمعبود بالحق المتصف بكل كمال على الكمال. والحمد هو ms015 الثناء بالصفات ~~الجميلة الاختيارية، والأفعال الحسنة المرضية، سواء كان في مقابلة نعمة أم ~~لا. وفي الاصطلاح فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب إنعامه على الحامد أو ~~غيره. والشكر لغة هو الحمد ومعناه اصطلاحا صرف العبد جميع ما أنعم الله ~~عليه لما خلق لأجله. # PageV01P017 # قال تعالى: {وقليل من عبادي الشكور} وبين الحمد والشكر اللغوي عموم وخصوص ~~من وجه، فان الحمد مورده خاص، ومتعلقه عام، والشكر مورده عام، ومتعلقه خاص ~~كقوله: # أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا # (ولينظر القائل الحمد لله) أيضا هل هو خاص بالمعبود بالحق المتصف بكل ~~كمال على الكمال بما هو حق له، فما كان من جلب نفع أو كشف ضر فلا ينسبه إلا ~~إليه تعالى ويثني عليه به، لأنه المنعم الحقيقي. وغيره وان أسدى معروفا ~~فالثناء عليه مجاز، لأن الله هو الخالق لذلك الغير، وهو المعطي له ما أسداه ~~وحببه إليه وقواه عليه، فهو سبحانه المعطي المانع الضار النافع، وأزمة ~~الأمور كلها في يده ومرجعها إليه، فصار معنى الحمد مختص لله تعالى بهذا ~~الاعتبار، وان أثنى على الناس خيرا، أو هو ينسب شيئا من ذلك لغيره تعالى ~~فقد عدله به. وان قال الحمد لله لفظا، فان كان قد خص المعبود بما هو حق له ~~فقد أتى بمعنى أحمده، لأن معناه أصفه بجميع صفاته التي كل منها جميل، وأثنى ~~عليه بها فان رعاية الجميع أبلغ في التعظيم، وهذه الصيغة يدل معناها على ~~إيجاد الحمد الذي هو الثناء على الله بجميع المحامد لا الإعلام بذلك، وان ~~لم يخصه تعالى بما هو حقه لم يأت بالمعنى وإنما هو مجرد لفظ خال منه. # (ومعنى) أستعينه أي أطلب المعونة في أموري كلها منه، فأنا متوكل عليه ~~ومتبرئ من حولي وقوتي ولا أرضى من نفسي ولا من غيري إلا بذلك، فان عمل به ~~فقد أتى بمعناه، وإلا فهو مجرد لفظ. # (ومعنى) استغفره أي أطلب منه المغفرة. ثم إن كان المستغفر قد فعل ذنبا ~~أقلع عنه وندم عليه وعزم أن لا يعود إليه ms016 فذلك توبة، وإلا فهو مجرد دعاء، ~~والمستغفر المقيم على ذنبه كالمستهزئ بربه. # (ومعنى) أعوذ أي ألوذ وأتحصن واعتصم وأستجير بالله من شر هذه النفس ~~الأمارة أن تصدني عن فعل ما أمرت به، أو تحثني على فعل ما نهيت عنه، فيحصل ~~لي الشر من قبلها لأنها قد حسنت لي سيئات الأعمال، فأعوذ بالله من شرها ومن ~~سيئات أعمالها. فعلامة الصدق في ذلك فعل المأمورات واجتناب المنهيات ~~والانقياد إلى قول الله والإتباع لدين محمد بن عبد الله، وإلا فهو مجرد لفظ ~~خال من معناه. (ومعنى) من يهد الله فلا مضل له أي من يرشده الله إلى # PageV01P018 # سبيل الرشاد وهو الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين ~~والصديقين والشهداء والصالحين فلا محيد له عن ذلك، ومستهل الهداية دخول ~~الدليل إلى الفؤاد والانبساط له كما يراد، ثم خفة الطاعة بعد القيام بمعنى ~~الشهادتين والحمد على الخروج من ساحة الإضاعة ونور البصيرة وجلاء عين ~~السريرة والسلوك في مدارج السالكين، ومناهج المتقين، والسفر إلى أعلى ~~عليين، ومحبة أرحم الراحمين، والإقتداء بأفضل المرسلين، وأما من كان من ~~الضالين- أي الهالكين الغائبين- عن الهدى الزائغين عنه بتقدير الله عليه ~~ذلك فلا هادي له مصداقه قوله تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن ~~تجد له وليا مرشدا} بل قلبه عن الحق مقفل قد نابذ جميع أوامر الله عز وجل، ~~وانتقش في خاطره الكثيف بغض الحق وأهله، وامتلأ قلبه وقالبه بحب الباطل ~~وأهله، والشيطان وحزبه والتلذذ بكل نوع من الطغيان، فنفرت منه كل جارحة عن ~~حزب الرحمن، لا شيء أحب إليه من إطفاء نور الإيمان وتكثير جند الطغيان، وفي ~~المعنى يقول الرحمن: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} وهذه الآية ~~على هؤلاء أشد بلية وأجل رزية، فإنهم يحاولون بجدهم وجهدهم إغواء المؤمنين، ~~ونقض عهدهم مع الموحدين ليراجعوا إلى ما هم عليه من الباطل والطغيان. ومن ~~ذاق طعم الإيمان لأن يقذف في النار أحب إليه من أن يعود في الكفر بعد أن ~~أنقذه رب العالمين. فحلاوة الإيمان لا ألذ ms017 منها عند الموحدين، ثم النصر ~~والتأييد لهم في كل حين. وحزب الشيطان يريدون أن يطفؤا نور الله بأفواههم ~~والله متم نوره ولو كره الكافرون. والمهتدي إذا صارت نفسه لوامة خاف من ~~مورثات الندامة فحزن على ما فات وخاف مما هو آت. ومقام الخوف من أجل ~~المقامات {ولمن خاف مقام ربه جنتان} {وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن ~~الهوى * فإن الجنة هي المأوى} وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه أخوف الأمة ~~لمولاه. فلينظر الإنسان من أي الفريقين هو أمن حزب الرحمن، أم من أولياء ~~الشيطان الذين لم ينقادوا لإتباع ما جاءت به الرسل فقلب قلبه عن الحق بعدم ~~الانقياد كما قال تعالى {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة} ~~وكقوله: {كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون} فجعل علة التقليب ~~والطبع عدم الانقياد لاتباع ما جاءت به الرسل، وذلك أنه تعالى قد فطر عباده ~~على الهدى فمن بقي على الفطرة وقبل ما جاءت به الرسل زاده هدى ولطفا ~~وتوفيقا. ومن # PageV01P019 # غير الفطرة وعاند ما جاءت به الرسل ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت ~~مصيرا، ويسره للعسرى وخذله. (ثم ليعلم) أن إرادته تعالى الخير من عباده، ~~وإرادته الشر لا يستلزم وقوع المراد منهم ضرورة، إنه أراد ذلك فهم مع ~~بقائهم مختارين كما أراد الإيمان منهم فهو أراد وقوع الخير منهم وهم ~~مختارون، فقد يقع ما أراده تعالى منهم وقد يتخلف هذا بخلاف ما يريده تعالى ~~من أفعاله فإنه لا يتخلف عن إرادته وقوع مراده مثل قوله تعالى: {إنما قولنا ~~لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} بخلاف الأول ومنه {يريد الله أن يتوب ~~عليكم} فإن المراد يريد منكم أن يتوب عليكم فيتوب عليكم أي يتقبل توبتكم، ~~إلا أن مع إرادته تعالى الخير لعبده يكون أقرب إلى فعل ما أراده منه لأنه ~~من اللطف، وعكسه إرادته بعبده الشر. إذا عرف هذا فليجعل هذا البحث نصب ~~العينين فقد زلت بجهله عوالم وتهاوش حوله طوائف ولم يقع ms018 لهم محررا مقررا. # (ومعنى نشهد) أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أي أذعن بقلبي واعترف ~~بلساني وأعمل بمقتضى ذلك أن لا معبود بحق في الوجود إلا الله؛ فمن عبد من ~~دونه أو معه فعبادته زور وظلم وبهتان، وأنا برئ من العابد وعبادة المعبود ~~واشتقاق الإله من التوله، ومعناه المألوه وهو الذي تتألهه القلوب بالمحبة ~~والتعظيم والإجلال والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل والإنابة وذبح النسك. ~~قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} فالمحبة التي في الله غير التي كحب الله لأن الأولى ~~محمودة شرعا كما في حديث السبعة الذين يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل ~~إلا ظله والثانية تأله: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب ~~العالمين} وكذلك الخوف {فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} والتوكل {وعلى ~~الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} وقوله تعالى: {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين * لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} فهذا كله يفيد ~~الحصر. ثم استعمل في كل ما يعبد بما تقدم ذكره من دون الله أو معه، فنفى ~~ذلك بلا النافية للجنس وأثبت الألوهية لمستحقها وهو الله بألا المفيدة ~~للحصر. # (وحده) أي حال كونه مفردا بها عما سواه (لا شريك له) حال ثانية مؤكدة ~~للأولى. أي لا شريك له في هذه الألوهية التي نفيت عن غيره واختصت بجلاله ~~وعظمته، فالعبادات بأنواعها له خاصة به ليس لأحد منها شيء البتة، فهذه ~~الكلمة # PageV01P020 # الطيبة التي قد قامت بها الأرض والسموات وفطر الله عليها جميع المخلوقات، ~~وعليها أسست الملة ونصبت القبلة، ولأجلها جردت سيوف الجهاد وبها أمر الله ~~سبحانه جميع العباد، وهي فطرة الله التي فطر الناس عليها ومفتاح عبوديته ~~التي دعا الأمم على ألسنة رسله إليها فهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، ~~وأساس الفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. ضد ~~الكلمة الخبيثة التي كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض ms019 مالها من قرار، ~~فهي خراب الكائنات وعليها تثبت أنواع المنكرات، وبها وجد الذل والصغار ~~ولأجلها فتحت أبواب النار فكل من لم يعمل بمعنى هذه الشهادة التي قد شهد ~~بها فهو كاذب في ادعائه إياها كما كذب الله الذين شهدوا بالرسالة فلم ~~يعملوا بمعناها. (وان محمدا عبده ورسوله) أي أشهد أن محمدا عبده ورسوله، ~~فمحمد اسمه صلى الله عليه وسلم وكنيته أبو القاسم، وسمي به لكثرة خصاله ~~الحميدة سمي به قبله سبعة عشر شخصا على ما قاله ابن الهائم عن بعض الحفاظ، ~~بخلاف أحمد فإنه لم يسم به قبله عبد قالي أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا ~~أتم للمؤمن من الوصف بالعبودية، ورسوله إلى كافة الخلق. والرسول إنسان ذكر ~~أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه أخص من النبي. فبينهما عموم وخصوص مطلق ~~يجتمعان في مادة وينفرد أحدهما في أخرى، وهو الذي أرسله الله رحمة ~~للعالمين، وقدوة للعاملين ومحجة للسالكين، وحجة على المعاندين، وحسرة على ~~الكافرين، (أرسله بالهدى ودين الحق) الذي هو التوحيد بين يدي الساعة بشيرا ~~ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا. فأنعم به على أهل الأرض نعمة ~~لا يستطيعون لها شكورا فأمده بملائكته المقربين، وأيده بنصره وبالمؤمنين، ~~وأنزل عليه كتابه المبين الفارق بين الهدى والضلال والغي والرشاد والشكر ~~واليقين، فشرح له صدره، ووضع عنه وزره، ورفع له ذكره، وجعل الذلة والصغار ~~على من خالف أمره، وفرض على العباد طاعته ومحبته والقيام بحقوقه وسد الطرق ~~كلها إليه وإلى جنته، فلم يفتح لأحد إلا من طريقه فهو الميزان الراجح الذي ~~على أخلاقه وأقواله وأعماله توزن الأخلاق والأقوال والأعمال، والفرقان ~~المبين الذي باتباعه يتميز أهل الهدى من أهل الضلال، فلم يزل صلى الله عليه ~~وسلم مشمرا في ذات الله لا يرده عنه راد، صادعا بأمره لا يصده عنه صاد، ~~صادع إلى أن بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق ~~الجهاد، فأشرقت برسالته الأرض بعد # PageV01P021 # ظلماتها، وتألفت به القلوب بعد شتاتها، وامتلأت به الدنيا نورا وابتهاجا، ~~ودخل الناس في دين ms020 الله أفواجا فلما أكمل الله به الدين، وأتم به النعمة ~~على عباده المؤمنين، استأثر به ونقله إلى الرفيق الأعلى، والمحل الأسنى، ~~وقد ترك أمته على المحجة البيضاء، والطريق الواضحة الغراء، فصلى الله وسلم ~~وملائكته وأنبياؤه ورسله والصالحون من عباده عليه. كما وحد الله وعرف به ~~ودعا إليه. ومن لازم صحة هذه الشهادة الإيمان بما أرسل به وهو التوحيد قولا ~~وعملا واعتقادا، وتصديقه بجميع ما أخبر به وإلا فهو مكذب ودين الحق هو ~~المؤيد المنصور لقوله تعالى {ليظهره} أي يعليه ويعزه {على الدين كله} سائر ~~الأديان المخالفة لدينه (صلى الله وسلم عليه) قال الأزهري معنى الصلاة من ~~الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدمي التضرع والدعاء بخير، ~~وقال أبو العالية صلاة الله ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة ~~الدعاء، والسلام إما بمعنى التحية أو بمعنى السلامة من النقائص والرذائل ~~وتستحب الصلاة عليه بتأكد، وتتأكد كلما ذكر. وقيل بوجوب الصلاة عليه كلما ~~ذكر اسمه (وعلى آله) وهم في مقام الدعاء أتباعه على دينه عند أكثر أهل ~~العلم، قال تعالى: {ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} أي ~~أتباعه. وقيل هم الأتقياء من أمته. وأما في مقام الزكاة فهم أقاربه ~~المؤمنون من بني هاشم والمطلب ابني عبد مناف، وقدموا على الصحب للأمر ~~بالصلاة عليهم وإضافته إلى المضمر جائزة عند الأكثر، وعمل أكثر المصنفين ~~عليه، ومنعه جمع منهم الكسائي والنحاس والزبيدي (وصحبه) جمع صاحب، وجمع ~~الصحب أصحاب، والصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم واجتمع به مؤمنا ~~ومات على ذلك. وعطفهم على الآل من عطف الخاص على العام، وفي الجمع بين ~~الصحب والآل مخالفة للمبتدعة لأنهم يوالون الآل دون الصحب (وجنده) هم خاصته ~~من المؤمنين (وحزبه) المعاونين له بالنصرة (وعلى من تبعهم بإحسان) لم ~~يغيروا بعدهم ولم يبدلوا سيرتهم الحسنى (وقفى أثرهم) على السيرة المحمودة ~~(إلى آخر الزمان) فمن لم يتبع بل غير وبدل فهو مبتدع، وقد أثنى الله على ~~الذين يطلبون المغفرة من ربهم لأنفسهم ولمن سبقهم من المؤمنين فقال تعالى: ms021 ~~{والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} فهذا هو ~~المطلوب بعكس # PageV01P022 # ما عليه أهل الأهواء من الوثوب على مسبة الحق الذي جاء من عند الله فهو ~~له غير محبوب، وتفريق كلمة المؤمنين وسب أكابر الصحابة والتابعين. # وما أمروا إلا ليستغفروا لهم ... فسبوا كراما سبهم لم يحلل # وقال الإمام مالك رحمه الله: من أصبح وفي قلبه بغض لأحد من الصحابة فقد ~~أصابته الآية يعني قوله تعالى: {ليغيظ بهم الكفار} . # وصرح بعض الحنفية بتكفير الرافضة لسبهم الصحابة. فقال صاحب تبيين ~~المحارم: # واعلم أن الروافض كفار عندنا لأنهم يسبون أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ~~وكذا من أنكر خلافتهما يكفر عندنا في الأصح وقد أثنى الله سبحانه على ~~السابقين من الأولين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين في قوله تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} وإنما المتبع لهم العامل بمنهاجهم، والمقتدي بهديهم هو الذي ~~لم يحدث في الدين ولم يغير ما جاءت به سنة سيد المرسلين. # PageV01P023 ### | سبب تأليف الرسالة # وأما قولكم (وبعد فلما أن ورد كتابكم إلى حضرة سليمان باشا طلبتم منه أن ~~يجمع علماء مملكته لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كي يطلعوا على ~~ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب النقض والإبرام صدر منه ~~الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إلي وإشارته حكم وطاعته غنم فامتثالا ~~لأمره نظرنا فيه فبعد أن طالعناه، وفهمنا فحواه، وجدناه كتابا جامعا لشتات ~~من المسائل مشتملا على عدة رسائل لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين، وقوي ووهين ~~ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطرا، ولم يمعن فيها نظرا، ولا قرأ ~~على أحد ممن يهديه إلى النهج القويم ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي ~~هي الصراط المستقيم. # فنقول (وبعد) هذه الكلمة يؤتى بها للانتقال من غرض ms022 إلى غرض آخر ويندب ~~الإتيان بما في الخطب والمكاتبات كما كان صلى الله عليه وسلم يأتي بها في ~~خطبه ومكاتباته. رواه عبد القادر الرهاوى في الأربعين له عن أربعين صحابيا، ~~وأول من تكلم بها داود صلى الله عليه وسلم فهي فصل الحطاب الذي أوتيه، ~~والصحيح أنه فصل الخصومات كما عليه جل العلماء، وقيل أول من تكلم بها يعرب ~~بن قحطان، وقيل قس بن ساعدة، وقيل غير ذلك، وهي من الظروف التي تقع على ~~الزمان والمكان، ويجوز هنا إرادة كل منهما، وهي مبنية على الضم لنية معنى ~~المضاف إليها ويجوز نصها لنية لفظه كما لو ذكر وان لم ينو شيء من ذلك جاز ~~تنويها نصبا وضما، والواو نائبة عن أما، وأما نائبة عن مهما، والأصل مهما ~~يكن من شيء بعد الحمدلة إلى آخره. (فلما) أو غير ذلك (ان ورد) من ورد الشيء ~~إلى مستقره أي وصل (كتابكم) أي مكتوبكم (إلى الوزير) المذكور اسمه أعلاه ~~وفقه الله وهداه وأصلح أحوالنا وإياه (وطلبتم منه أن يجمع علماء مملكته) أي ~~دولته وسلطته وهم علماء بلده المقيمون فيه. # PageV01P024 ### | ترجمة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذكر من أخذ عنه العلم # (لينظروا في كتاب الشيخ محمد بن عبد الوهاب) بن سليمان بن علي بن محمد بن ~~أحمد بن بريد بن مشرف بن عمر بن معضاد بن إدريس بن على بن محمد بن علوي بن ~~قاسم بن موسى بن مسعود بن عقبة بن مسعود بن حارثة بن عمرو بن ربيع بن ساعدة ~~بن ثعلبة بن ربيعة بن ملكان بن عدي بن عبد مناة بن تميم ولد سنة 1115 دخل ~~البصرة والحجاز وأخذ العلم عن جماعة، منهم الشيخ علي أفندي الداغستاني لما ~~اجتمع به في المدينة المنورة مجاورا بها شيخ مشايخ الشام بأجمعهم بعد الشيخ ~~أبي المواهب والشيخ إسماعيل العجلوني فان أبا المواهب الكبير وهو المحدث ~~عبد الباقي متقدم عليه والشيخ العجلوني كان في عصره وأخذ أيضا عن عبد الله ~~بن إبراهيم نزيل المدينة والمشهور بها وأخذ أيضا عن ms023 عبد اللطيف الاحسائي ~~العفالقي وأخذ أيضا عن محمد العفالقي الاحسائي فقد قرأ على الشيخ عبد الله ~~بن إبراهيم وأجازه من طريقين: # (أحدهما) : عن ابن نصر الله عن الشيخ محمد البلباني عن الشيخ أحمد بن علي ~~الوفائي المفلحي عن الشيخ موسى الحجاوي عن القاضي برهان الدين بن مفلح وهما ~~عن والده نجم الدين بن مفلح عن والده القاضي صاحب الفروع عن جده عبد الله ~~بن مفلح عن الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين بن أبي عمر عن عمه ~~موفق الدين بن قدامة عن الشيخ عبد القادر الجيلي عن القاضي أبي يعلى ~~المرداوي عن ابن حامد عن أبي بكر الخلال عن أبي بكر المروزي عن الإمام أحمد ~~عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عليه السلام عن رب العزة تبارك وتعالى. # PageV01P025 # (والثاني) : عن عبد القادر التغلبي عن عبد الباقي أبي المواهب المحدث عن ~~الشيخ أحمد الوفائي عن موسى الحجاوي عن أحمد الشويكي عن العسكري عن عبد ~~الرحمن بن رجب عن ابن القيم عن تقي الدين أحمد بن تيمية عن شمس الدين نجل ~~أبي عمر عن عمه موفق الدين عن الشيخ عبد القادر الجيلاني عن أبي الوفا بن ~~عقيل عن القاضي أبي يعلى عن ابن حامد عن أبي بكر المروزي عن الخلال عن ~~الأثرم عن الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة أيضا عن عمرو بن دينار عن ابن ~~عباس رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عليه السلام ~~عن الله تبارك وتعالى. # وقد أجازه أيضا كل من الشيخ علي أفندي، وعبد الله بن إبراهيم، وعبد ~~اللطيف العفالقي، في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي ~~قراءة وتعلما وتعليما من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وصحيح مسلم بسنده ~~إلى مؤلفه، وشروح كل منهما، وسنن الترمذي بسنده، وسنن أبي داود بسنده، وسنن ~~ابن ماجة بسنده، وسنن النسائي الكبرى بسنده، ms024 وشن الدارمي ومؤلفاته بالسند، ~~وسلسلة العربية بسندها عن أبي الأسود عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ~~وكتب النووي كلها وألفية العراقي، والترغيب والترهيب، والخلاصة لابن مالك، ~~وسيرة ابن هشام، وسائر كتبه، ومؤلفات ابن حجر العسقلاني، وكتب القاضي عياض، ~~وكتب القراآت وكتاب الغنية لعبد القادر الجيلي، وكتاب القاموس بالسند إلى ~~مؤلفه، ومسند الإمام الشافعي، وموطأ مالك، ومسند الإمام الأعظم، ومسند ~~الإمام أحمد، ومسند أبي داود ومعاجم الطبراني وكتب السيوطي فقه الحنابلة ~~وسلسلتها وأصولهم. ثم أنه رجع إلى نجد فوجد أهلها ضالين وعلى أصنام ~~يعبدونها من دون الله عاكفين ما بين أشجار وأحجار وغيران وطواغيت من الإنس ~~والجان فاتنين ومفتونين فلم يسعه إلا الصدع بالحق والإعراض عن المشركين، ~~والنصيحة لهؤلاء العاكفين عملا بنصيحة الدين وخوفا من حلول اللعنة إلى يوم ~~الدين {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ~~في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} فتحتم عليه البلاغ والعلم ~~والتعليم. # فشرع في ذلك وهو على الله متوكل، وبآيات الله متفكر وبحبله معتصم بعد أن ~~طرأ في خلده وخطر في هاجسه أنه مما هم به على خطر، وأنه من ذلك على حذر، ~~فلما أن توكل على الذي ليس دونه مفر ولا يغني عنه مقر، كفاه ومنحه وحباه. # PageV01P026 # فأدركت العناية الإلهية والهداية الربانية من أراد الله هدايته لإقامة ~~دين الإسلام والتمسك في سبل السلام أمير بلدته التي فيها محلته مرحوم ~~الودود محمد بن سعود، فشرح الله لذلك صدره ويسر له أمره ففتحت عين بصيرته ~~وانجلت غشاوة سريرته، فسمع ووعى وذكر وأوعى، وزادته العناية توفيقا ~~والهداية في قلبه ترقيقا، فأجد وأمد وعن ساعده شمر، واجتهد مقبلا على إقامة ~~التوحيد وداعيا إليه العبيد، فلذلك عاداه أهل هذا الباطل وأقاموا بأنواع ~~العداوة عليه فأجمعوا جدهم وجهدهم من خيلهم ورجالهم ومدافعهم التي هي غاية ~~ما عندهم ليرجعوه هو واتباعه عن إقامة التوحيد، والدعاية إليه وإخلاص ~~الوحدانية والعبادة كلها بأنواعها لله وحده، إلى ما كانوا عليه من الطغيان، ~~وعبادة الشيطان، من ms025 الإنس والجان، فأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~المشركون. ولم يزل ذو العناية الهداية معتصما بحبل الله معدا لأولياء ~~الشيطان ما استطاع من قوة الآلات ومن رباط الخيل في سبيل الله تمثلا قوله ~~تعالى في الآيات البينات: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ~~ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما ~~تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} فأعز الله به ~~الإسلام والمسلمين وألف به بين قلوب المؤمنين وظهر الحق وانتصر الدين وقمع ~~الباطل وأولياءه المشركين وهكذا لم يزل الأمر حتى توفاه الله إليه، وأختار ~~له ما لديه من النعيم المقر أبد الآبدين قال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ~~ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} وقال تعالى: {ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~وحسن أولئك رفيقا} فقام مقامه وانتصب انتصابه ناصر السنة والدين وخاذل ~~البدعة والمشركين المجاهد في سبيل الله إيمانا واحتسابا والداعي إلى الله ~~إيجابا نجله الأواه المعتصم بالله الحميد المحمود، عبد العزيز بن محمد بن ~~سعود، فجاهد في الله واجتهد، وبذل نفسه لله وأمد، فأفشى الله به الإسلام ~~وأوسعه، واضمحل به الباطل وقمعه، ولا قام صاحب باطل وهوى على إطفاء نور ~~الله إلا وأهلكه الله في ساعة قصيرة فلله الحمد والمنة، حتى وقع في الإسلام ~~وقائع غرائب وعجائب كما مضى في صدر سلف هذه الأمة عينا بعين ومثلا بمثل ما ~~لو جمع ذلك لاحتمل مجلدات لكثرة البلاوي والوقائع الغريبات بمعادات هذا ~~الدين، والتصديق والانقياد لقول أعدائه من شياطين الإنس المفتونين إذ # PageV01P027 # قالوا وكذبوا وشنعوا وان لم يحققوا ويتحققوا، فقد آل الأمر إلى تجذيب ~~النساء مع الرجال من تحت أستار الكعبة في وقت الشريف مسعود، فحبس وعذب، ~~وسرقن عن بلد الله الحرام من كان فيه تهمة من هذا الحق والتنسك به وانتساب ~~إليه، وغرب عداوة للدين وطواعية لشياطين الإنس المعاندين بلا مراجعة ولا ~~مفاكرة ولا عداوة ms026 دنيوية سابقة وإنما هو عناد وطعن في الحق المراد بلا تحقق ~~ولا تذكر ولا تفكر، ولما حذر الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذا الشرك الأكبر ~~فعنه أنذر وأقام عليه البراهين من القرآن والسنة وكلام الأئمة فقرر وحرر ~~أحب أن يجمع فيه كتابا مختصرا جامعا لمعنى دين الرسل من أولهم إلى آخرهم ~~ومعرفته، ومعنى دين المشركين المتقربين إلى الله بأبغض الأشياء إلية من ~~أعمال المعاندين، بأدلته الجامعة من الكتاب والسنة وكلام صاع سلف الأمة، ~~وليس هو يدعو الناس إلى التزام بمذهب معين فيجمعهم عليه، وينكر كلام ~~واجتهاد الأئمة المجتهدين من غيره، ولا إنه يدعي الاجتهاد بنفسه، وإنما ~~يدعوهم إلى العلم والعمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة التي أرسلت بها الرسل ~~وأنزلت في تقريرها الكتب للعلم بها والعمل بمعناها، وترك الكلمة الخبيثة ~~عملها ومنشأها وسماه (كتاب التوحيد) فيما هو حق على العبيد، وكشف شبه ~~المرتاب فيما التبس عليه من الخطأ والصواب، فشاع وذاع ونفع من الله إنفاد ~~وأطاع، وقد أرسل نسخة منه ولي الأمر المجاهد الأواه من ذكر اسمه المنيف ~~أعلاه، إلى جانب العزيز المكرم سليمان باشا، محبة إليه ونصيحة وحرصا عليه ~~وفضيلة وليتأمل بعين الإنصاف هو ومن كان عالما من أهل الإنصاف، فيعمل بعد ~~تحققه ذلك بإقامة الدين ويترك قول الشياطين المعاندين، ويحقق التوحيد ~~المطلوب من العبيد، وما أصبح عليه غالب الناس من جعلهم من لا يداني رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه ربه في قوله تعالى: {ولقد أوحي إليك ~~وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} بل لعله ~~عدو لرسول صلى الله عليه وسلم الله بمنزلة رب العالمين والسموات السبع، ~~والأرضين السبع، ورب العرش العظيم، فيعذرنا في أمرنا ونهينا ولا يطيع الخصم ~~فينا، لأن العاقل اللبيب إذا فهم ذلك وأتقنه تيقن أن أمرنا الذي قمنا به ~~وباشرناه واجب ومتحتم علينا قال الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة ~~الأمور} وقال تعالى: {كنتم خير ms027 أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن # PageV01P028 # المنكر} ولا منكر أعظم ولا أكبر من الشرك بالله، ونحن قد مكننا الله في ~~الأرض ولله الحمد فلا عذر لنا، ومن لم يمكنه الله فيها ولم يقدر على إظهار ~~ما طلب منه وجب عليه شرعا أن يأوى إلى من ينصره حيث وجد ويعاونه على البر ~~والتقوى كي يطلعوا على ما انطوى عليه من الأحكام ويميزوا بين ما يستوجب ~~النقض والإبرام أتى بكى التعليلية التي تفيد أن الإطلاع والتمييز علة ~~لإرسال الكتاب أي لم يرسل إلا ليطلعوا عليه ويميزوا ما فيه مما يستوجب ~~النقض والإبرام فأما الإطلاع على ما فيه من الأحكام فنعم. # والأحكام: جمع حكم، وهو ما شرعه الله من حلال، وحرام، ومكروه، ومباح، ~~ومندوب. والمقصود بها هنا أبوابه ومسائله الشاملة لذلك، وبيان أصله المشتمل ~~على التوحيد بأدلته التفصيلية، وأما التمييز بين ما ذكره فليس هو علة ~~للإرسال إذ لم يرسل ليحرر ويمر بل قد حرر وأمر عند شيوخ أفاضل وجهابذة ~~أكابر منهم المشايخ الشاميون الشيخ على أفندي الداغسطاني الذي قد ذكرنا ~~اسمه، وابن عمه الشيخ عبد الكريم أفندي الداغسطاني، والشيخ محمد البرهاني، ~~والشيخ عثمان الديار بكري نزيل المدينة المنورة، والشيخ محمد السفاريني ~~نزيل نابلس، وأرسل إليه بنسخة فأمرها وأقرها من غير مشايخه الذين قد ذكروا، ~~فإن منهم من أدرك كلامه وكلهم قد أقروه وحرروه وأجازوه، ولكن عذرهم عدم ~~المساعد لهم في قيام ما تضمنه من إقامة الدين وإخلاصه لرب العالمين وإلا هو ~~الذي يدينون الله به في أنفسهم وأهليهم وأصحابهم من عشائرهم لكن لا يقدرون ~~على نهي الناس عما اعتقدوه وعملوا به وقالوه لأن ذلك يعتاز إلى سيف قائم ~~وإمام عادل وذلك متعذر الآن إلا بتوفيق الله وإيجاده، وإنما أرسل الكتاب ~~لأمرين. # الأول: ليحصل العلم عند الخاص والعام إنا لم نقاتل الناس إلا على إقامة ~~دين المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم من العلم بمعنى هذه الكلمة الطيبة ~~والعمل بها وعمل سائر المعروف التابع لها من صلاة وزكاة كفعل أبي بكر ~~الصديق ms028 رضي الله عنه مع المانعين لها والتعلم بما أوجب الله على عباده وما ~~طلبه منهم وخلقهم له وبما نهاهم عنه وحذرهم منه فإن الرجل من أهل هذا ~~الزمان يشب ويشيب وهو لا يعرف المعروف بأنواعه بل # PageV01P029 # حتى التوحيد وضده وفروض وضوئه وصلاته وما يبطلهما لا يعلمه بل هو منهمك ~~في القول والقيل بلا فائدة ولا عائدة، وعلى ترك ضدها المنافي لها وهو الشرك ~~الذي قال الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~وإزالة صائر ما هو تابع لها من زنا وربا وشرب خمر ولواط وسائر المحرمات ومع ~~ذلك نحن لا نكفر بالمعاصي كما توهمه مطيعو العدو وإنما نكفر المشركين الذين ~~كفرهم الله في كتابه المبين أو الراضين أعمالهم المظاهرين لهم علينا ~~والمكفرينا بأمرنا ونهينا لقوله تعالى: {إنكم إذا مثلهم} ونقاتلهم عليه ~~وعلى سائر أفعال المعروف المتروكة. # الثاني: النصيحة لهذا الوزير الذي هو عندنا في محل، حرصا عليه وشفقة منا ~~إليه لودنا له ما وددنا لأنفسنا من أنواع الخير، فيتأمل ويعمل ورجاء أن ~~الله يهدي به خلقا كثيرا كما قال صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه: "والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ~~وليتأمل أيضا ببصيرة قلبه خير القرون الماضية وأهلها الذين قال عنهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" ~~والقول بأنا لا نقدر على ذلك ليس بعذر سديد لأن الله قال: {وما آتاكم ~~الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} وقال تعالى: {لقد كان لكم في رسول ~~الله أسوة حسنة} وقال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "عليكم بسنتي وسنة ~~الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن ~~كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وليس له صلى الله عليه ~~وسلم طريق ولأصحابه آخر، ولا لأصحابه طريق ولنا آخر، بل الطريق الذي فطر ~~الله عليه الأمة وأمرها إتباعه واحد، ms029 فالنبي صلى الله عليه وسلم يتقدمنا ~~فيه ونحن نقتفي أثره وأثر أصحابه كما كان عليه السلف الصالح، والدنيا فانية ~~مفروغ منها والأمر أسرع من ذلك والعز بأنواعه لم يوجده الله إلا في الإسلام ~~والإقامة عليه، والذل والصغار والمحق في ضده {قل متاع الدنيا قليل والآخرة ~~خير لمن اتقى} (صدر منه الأمر الواجب القبول والإتباع وأشار إلى وإشارته ~~حكم وطاعته غنم فامتثالا لأمره نظرنا فيه) صدر أي مضى من هذا الوزير الأمر ~~لعلماء مملكته لينظروا في هذا الكتاب، والله أعلم بنيته، الواجب القبول ~~والإتباع صفتان للأمر ولا شك أن طاعة الأمير واجبة لكن في غير المعصية. # PageV01P030 ### | تعصب الراوي وكبره # وأشار إلي فيه ان هذا المشار إليه يدعي أنه من أجل علماء المملكة وأكبرهم ~~قدرا عنده فلذلك خصه من بينهم فامتثالا لأمره نظرنا فيه، يعني وإلا لولا ~~أمره لم ننظر فيه ولم نطالعه، ولم نتأمله، وهذا من أعظم التعصب وأكبر ~~التوثب على الركون إلى الرأي العقلي بلا حجة قطعية ولا دليل نقلي، فهو من ~~نوع التوكل على مجرد الرأي، وذلك هو الموجب لقول الزور والبهتان والوقوع في ~~الإثم والعدوان، إذ ما من مستغن برأيه عن مشاهدة الحق وأتباعه والتأمل في ~~أحواله إلا وفات عليه خير كثير ولم يحصل له ما خيل إليه مما يزعم أنه لديه ~~وهذا من العلم العقلي المخالف للدليل النقلي الناشئ عن الجهل الكلي قال ~~تعالى: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون * ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه فأولئك هم الفائزون} وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك أنه ~~إتباع هوى وإعجاب، فروى أبو ثعلبة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه ~~فعليك بنفسك" والترفع عن أخذ العلم والحق وعن سماعه وادعاء الانتهاء فيه ~~والاستغناء عنه من أكبر العجب، وهذا ادعاء فيما لا سبيل له إليه ولا ملك له ms030 ~~فيه وان زعم كمال الفهم فيه والإطلاع عليه إذ ما من عالم إلا وفوقه أعلم ~~منه، قال تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم} أي لكل ذي علم من المخلوقين أعلم ~~منه حتى ينتهي العلم إلى الله عز وجل، ولذلك عتب الله على موسى عليه السلام ~~حين قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل هل أحد أعلم منك؟ قال: لا، قال الله: ~~بلى إن عبدنا خضرا هو أعلم منك، فلا زال يطلبه حتى وجده ليأخذ عنه العلم. ~~ومن استغنى برأيه وزعم أن الباطل حق باستدلالاته التي قامت مخايل جفيلها ~~الخالي في ذهنه وقرب سرابها النائي في ظنه فتخيل أن جميع معانيها وما فيها ~~منسوبة عنه وإليه؛ ولم يعلم أنها حجة عليه، فقد أخطأ سبيل الرشاد وتعنت في ~~أنواع العناد مقلدا لما سمعه من # PageV01P031 # عدو الحق بلا تحقق، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته والله تعالى يقول: {ولا ~~تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} ~~وفي المسند للإمام أحمد عن ابن عمر يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"من تعظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله تبارك وتعالى وهو عليه غضبان" ~~وقال صلى الله عليه وسلم: "إن شر الشر شرار العلماء، وإن خير الخير خيار ~~العلماء" رواه الديلمي في مسند الفردوس وذلك لأنهم سبب صلاح العالم، واليهم ~~ينتهي أمور الدنيا والدين، وبهم الحل والعقد، فإذا فسدوا فسد الناس كلهم، ~~وسبب فسادهم الضار بالخاص والعام. متابعة الهوى وحب الرئاسة والعجب بالرأي، ~~وقد يظهر للناس ما يدل على صلاحه من أمر أو نهي وهو في قيد هواه معجب في ~~نفسه، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: "إن أول الناس يقضى فيه يوم القيامة ثلاثة رجل استشهد ~~فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها قال قاتلت فيك حتى قتلت قال ~~كذبت ولكن قاتلت ليقال هو جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على ms031 وجهه حتى ألقي ~~في النار، ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن فأتي به فعرفه نعمته فعرفها ~~فقال ما عملت فيها قال تعلمت فيك العلم وعلمته وقرأت فيك القرآن فقال كذبت ~~ولكن تعلمت ليقال هو عالم فقد قيل وقرأت القرآن ليقال هو قارئ فقد قيل ثم ~~أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، ورجل وسع الله عليه وأعطاه من ~~أصناف المال كله فأتى به فعرفه نعمته فعرفها فقال ما عملت فيها فقال ما ~~تركت من سبيل تحب أن ينفق فيها إلا أنفقت فيها لك قال كذبت ولكنك فعلت ~~ليقال هو جواد فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار" وفي ~~لفظ: " فهؤلاء أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة" وفي صحيح البخاري ~~عن أسامة بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يجاء بالرجل ~~يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه ~~فيجتمع عليه أهل النار فيقولون أي فلان ما شأنك ألست كنت تأمرنا بالمعروف ~~وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر ~~وآتيه" وسبب هذا إنما هو إتباع الهوى، والقصور على مجرد الرأي من أعظمه وان ~~زعم العلم وادعاه، ولذلك ذم الله سبحانه المعارضين للحق لما جاءهم بما # قام في أنفسهم من الادعاء للعلم والاستغناء به عما جاءهم قال تعالى: ~~{فلما # PageV01P032 # جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} قال أهل التفسير يعني ~~رضوا عن ذلك بما عندهم من العلم في زعمهم فرح استهزاء وضحك منكرين للحق، ~~وسماه سبحانه علما باعتبار ما قام في ذهنهم وإلا فهو أقبح الجهل، ~~والاستغناء بمجرد الرأي الحالي عن الدليل النقلي موجب للتعاون على الإثم ~~والعدوان اللذين نهى الله عنهما في قوله: {ولا تعاونوا على الأثم والعدوان ~~واتقوا الله إن الله شديد العقاب} والمعاونة عليهما من دحض الحق والعمل ~~بنقيضه، وهذا من تسويل إبليس وتحسينه ليدخل الإنسان في ملته، فمن فعل فقد ~~أحياها فصار من حزبه وأعوانه ms032 {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} ~~والمعاونة على الإثم طبقات أقبحها وأفحشها ما يقع من العلماء وهي إما ~~بالفعل أو بالقول، فإن كانت من الفعل فهي من أعظم الضرر على البقية، وذلك ~~أن العلماء إذا عملوا عملا ليس من الدين ولا سنة أفضل المرسلين صاروا سببا ~~لإقدام العوام إليه ولعكوفهم عليه لاعتقادهم أنه من الدين، وأنه مما يتقرب ~~به إلى رب العالمين، وهذا السبب في كل بدعة، وما من فتنة في الوجود تنشأ ~~إلا عنها. وفي هذا المعنى يقول العزيز الحكيم في التحذير من مخالفة أوامر ~~من هو بالمؤمنين رؤوف رحيم {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~أو يصيبهم عذاب أليم} وقد أصيب الناس بفتنة أضرت بالخاص والعام فلم يرض أحد ~~عن أحد غير معتقده ولم يزكه إلا بإتباع ما ارتكبه، وهذا نوع من الزيغ وقد ~~أخبر الصادق المصدوق أن هلاك من كان قبلنا بسبب الاختلاف؛ وحذر أمته أن ~~تصنع كما صنعوا فيقعوا فيما وقع فيه من مضى من الأسلاف قال صلى الله عليه ~~وسلم: "دعوني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم واختلافهم على ~~أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه مما ~~استطعتم" أخرجه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه، وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس ~~منه فهو رد" رواه البخاري ومسلم وفي رواية لمسلم: "من عمل عملا ليس عليه ~~أمرنا فهو رد" وهؤلاء المبتدعون يصيرون سببا لفتنة كل مفتون. ويكون هذا ~~منهم كإعطاء السيف لقاطع طريق المسلمين، وكتذكار الحجر للمجانين، وكإغراق ~~السفينة في الماء، وكإحراق المدينة في النار، وإن كانت في القول فهي أعظم ~~ضررا من الفعل فإنهم إذا أحلوا ما حرم الله أو حرموا ما أحل الله تبعهم ~~العوام مقتدين بهم فبذلك يصيرون # PageV01P033 # عاملين بالإثم ومعاونين عليه فحصل لهم كفلان من العذاب. عن عدي بن حاتم ~~رضي الله عنه أنه سمع رسول الله ms033 صلى الله عليه وسلم يقرأ قوله تعالى: ~~{تخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} الآية فقلت يا رسول الله إنا ~~لسنا نعبدهم قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله ~~فتحلونه فقلت بلى قال تلك عبادتهم" رواه الإمام أحمد والترمذي وحسنه، ~~والتحليل والتحريم ليس قيدا لوجود الإثم بل هو موجود بمجرد الأمر والنهي ~~المخالفين للدين ثم ان كان ذلك المأمور به فعله مكفرا والمنهي عن فعله تركه ~~مكفر فله حكمه، وإلا فهو ذنب ان لم يستحل ولهذا كان السلف يقولون: "احذروا ~~من الناس صنفين: صاحب هوى قد فتنه هواه وصاحب دنيا أعمته دنياه" وكانوا ~~يقولون: "احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فان فنتهما فتنة لكل ~~مفتون" فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه، وهذا يشبه ~~الضالين الذين يعملون بغير علم. وقد وصف الله تعالى أئمة المتقين فقال: ~~{وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} فبالصبر ~~تترك الشهوات، وباليقين تدفع الشبهات، ومنه قوله تعالى: {وتواصوا بالحق ~~وتواصوا بالصبر} وقوله: {أولي الأيدي والأبصار} ووصف بعضهم الإمام أحمد ~~رحمه الله فقال "عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، أتته ~~الباع فنفاها، والدنيا فأباها"ومنه الحديث المرسل عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله يحب البصير الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند ~~حلول الشهوات" وقد دل قوله تعالى {فاستمتعتم بخلاقكم} على إتباع الشهوات ~~وهو داء العصاة، وقوله: {وخضتم كالذي خاضوا} على الشبهات وهو داء المبتدعة ~~وأهل الأهواء والخصومات وكثيرا يجتمعان، فقل من تجد في اعتقاده فسادا إلا ~~وهو يظهر في عمله، وقد دلت الآية على أن الذين قبله استمتعوا وخاضوا وهؤلاء ~~فعلوا مثل أولئك لأن قوله استمتعتم وخضتم خبر عن وقوع ذلك في الماضي، وهو ~~ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة كسائر ما أخبر الله به عن الكفار والمنافقين ~~عند مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ذم لمن حاله كحالهم وعمله يشبه ~~عملهم إلى يوم القيامة قد أشار إلى ذلك الإمام ms034 البغوي والحافظ ابن كثير ~~وغيرهما من المفسرين عند هذه الآية بحديث إلى سعيد الخدري رضي الله عنه ~~المتفق عليه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر # PageV01P034 # ضب تبعتموهم قلنا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن" وفي رواية أبي ~~هريرة: "وهل الناس إلا أولئك" وقال ابن مسعود: (أنتم أشبه الأمم ببني ~~إسرائيل سمتا وهديا تتبعون عملهم حذو القذة بالقذة غير أن لا أدري تعبدون ~~العجل أم لا" وبهذا أيضا يكون خبرا عن أمر دائم مستمر لأنه وان كان بضمير ~~الخطاب فهو كالضمائر في نحو قوله {اعبدوا واركعوا واسجدوا وآمنوا} فكما أن ~~جميع الموجودين في وقت النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبون بهذا الكلام لأنه ~~كلام الله وإنما الرسول مبلغ، فكذلك هو متناول لمن بعدهم إلى يوم القيامة، ~~وهذا مذهب عامة المسلمين، وان كان بعض من تكلم في أصول الفقه اعتقد أن ~~الضمير يتناول الموجودين حين تبليغ الرسول وان سائر الموجودين بعدهم دخلوا ~~إما بما علمناه بالاضطرار من احتواء الحكم كما لو خاطب النبي صلى الله عليه ~~وسلم واحدا من أمته وقصد غيره من سائر الأمة، وإما بالسنة، وإما بالإجماع، ~~وإما بالقياس، فيكون كل من حصل في هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله تعالى ~~{فاستمتعتم وخضتم} وقد توعد سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله: ~~{أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} فأخبر سبحانه ~~أن في هذه الأمة من استمتع بخلاقه كما استمتع الأمم قبلهم، وخاض كالذين ~~خاضوا، وذمهم وتوعدهم على ذلك، ثم خصهم على الاعتبار بمن قبلهم، فقال عز من ~~قائل: {ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ~~وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم رسلهم بالبينات} الآية فطاعة الله ورسوله وصف ~~للمؤمنين قال تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ~~ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري ms035 من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من ~~الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} والاستمتاع بالخلاق والخوض، وصف لمن فيه ~~مشابهة للقرون المتقدمة وقد ذم الله من يفعل ذلك، وأمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم بجهاد الكفار والمنافقين بعد هذه الآية دليل على جهاد هؤلاء ~~المستمتعين الخائضين، ثم هذا الذي دل عليه الكتاب من مشابهة بعض هذه الأمة ~~للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين، وذم من يفعل ذلك دلت عليه أيضا سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأول الآية على ذلك أصحابه رضي الله عنهم ~~فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لتأخذن كما ~~أخذت الأمم من قبلكم ذراعا # PageV01P035 # بذراع وشبرا بشبر وباعا بباع حتى لو أن أحدا من أولئك دخل جحر ضب ~~لدخلتموه" قال أبو هريرة اقرؤا إن شئتم {كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم ~~قوة} الآية قالوا: يا رسول الله كما صنعت فارس والروم وأهل الكتاب. قال: ~~"فهل الناس إلا هم" وعن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية أنه قال ما ~~أشبه الليلة بالبارحة هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم. وعن حذيفة بن اليمان ~~قال: "المنافقون الذين منكم اليوم شر من المنافقين الذين كانوا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: وكيف. قال: أولئك كانوا يخفون نفاقهم ~~وهؤلاء أعلنوه" وقد جاءت السنة بالأخبار بمشابهتهم في الدنيا وذم ذلك ~~والنهي عنه، وكذلك في الدين، فمن الأول ما في الصحيحين عن عمرو بن عوف من ~~حديث أبي عبيدة بن الجراح رضى الله عنه حين بعثه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى البحرين الحديث بتمامه ومن الثاني ما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليأتين على أمتي ما أتى على بني ~~إسرائيل حذو النعل بالنعل الحديث" حتى في الرئاسة وحب الدنيا وإيثارها. # PageV01P036 ### | ما ذكره الراوي في شأن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب # (فبعد أن طالعناه وفهمنا فحواه وجدناه ms036 كتابا جامعا لشتات من المسائل ~~مشتملا على عدة رسائل) . # الضمير في طالعناه يرجع إلى الكتاب المذكور، رأى نظرنا فيه وفهمنا فحواه ~~أي معناه ومذهبه فيه وما يميل إليه، وقوله وجدناه من وجد الشيء إذا علمه ~~وأحس به كتابا أي مكتوبا جامعا أي حاويا لشتات من المسائل جع مسئلة من ~~السؤال وهو ما يبرهن عنه في العلم مشتملا حال من الضمير في وجدناه على عدة ~~رسائل (منها كتاب التوحيد) وقول الله تبارك وتعالى: {وما خلقت الجن والأنس ~~إلا ليعبدون} قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت} ثم أتى فيه بأحاديث من الصحيحين وبوبه أبوابا على تراجم ~~معلومة وأحاديث منهما منقولة (ومنها كتاب الكبائر) وقول الله تبارك وتعالى: ~~{إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} الآية وبوبه أبوابا على ~~تراجم معلومة وأحاديث من الصحيحين # PageV01P036 # مشهورة منقولة (ومنها كشف شبه المرتاب) مصدرة في معرفة حقيقة التوحيد وما ~~هو حق الله على العبيد وكيفية الشرك الذي قال الله عنه: {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وكيف كان صفة شرك الذين قاتلهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأنهم مقرون بتوحيد الربوبية وإنما قصدهم شيئا ~~يتقربون به إلى الله من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم لشفاعتهم لهم ~~زاعمين رضاء الله والقرب إليه، فضرهم ذلك وأفسد عليهم (ومنها شرح الكلمة ~~الطيبة) بمعناها المراد من لفظها والكلمة الخبيثة التي ضد الطيبة ودلائلها ~~وأنهما لا يجتمعان، وان معنى الإله هو المعبود سواء كان بحق أو بباطل وان ~~من جعل بينه وبين الله من خلقه وسائط يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويتقرب ~~بهم فقد جعلهم آلهة مع الله لقول بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها (ومنها ~~كلام الإمام أحمد) في عدة وريقات كتبهن رسالة له في مسابقة المأموم إمامه ~~في الصلاة. # PageV01P037 ### | رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ونقد الراوي لها # (ومنها) رسالة له متعلقة بسيرة الأولين ومعرفتهم للدين وفعلهم مع ~~المعاندين المخالفين (وله رسالة في ms037 الجهاد) وفضله وكيف كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه يجاهدون (وفيه رسائل غير ذلك) متعلقة بالتوحيد ~~وغيره من مسائل الدين (لكنه قد جمع فيه بين غث وسمين وقوي ووهين) هذا ~~استدراك من قوله كتابا جامعا أي لكنه يعني الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد جمع ~~فيه أي في كتابه المتقدم ذكره يين غث عني به الجاف الهشيم الذي لا طعم فيه؛ ~~بدليل ما يقابله في قوله وسمين أي جمع في هذا الكتاب بين ما هو خالي المعنى ~~المراد من الترجمة التي عقدت لأجله، فما قصده فيها هو معلوم لا تؤدي تلك ~~الترجمة وما تضمنته معناه بل ما قام في ذهنه أستدل عليه به فدليله خال مما ~~أراده ليس فيه منه شيء، وبين ما هو موافق لما أراده فمعناه فيه موجود ~~موافق. وقوله وقوى ووهين عطف مغاير، أي جمع في هذا الكتاب أيضا بين قوي وهو ~~ما ليس فيه شيء يوجب ضعفه، ووهين هو الضعيف الذي فيه شيء يوجب نقصه عن درجة ~~ما قبله، أشار بذلك هذا المعترض إلى أنه ناقد بصير مميز يين الأشياء ~~المتضادة والمتوافقة وما تؤديه من المعاني المتغايرة أو المتناسبة وما يراد ~~منها وما # PageV01P037 # متعلقها ونتيجتها وبين ما فيه قوة وضعف وصحة وبطلان وأنه قد نقد هذا ~~الكتاب فوجده كما وصفه. # ونحن نقول من تأمل كلامه الآتي علم يقينا أن ليس عنده من ذلك إلا مجرد ~~الادعاء، إذ هو الجامع للمتضادين جنسا، وهو المازج للصفتين نوعا، وهو ~~الخابط فيه خبط العشوى فلم يفرق فيه بين الجنسين، ولم يميز بين النوعين ~~لعدم معرفته الدين مع قصد الأولين وإقرارهم برب العالمين، فان قصدهم القرب ~~إليه والتحصيل لما لديه، لكن ضرهم جهل الكيفية التي يكون بها التعبد أجل ~~مطلوب ومقربا إلى المحبوب، لكن من له إطلاع على أصحاب التصانيف الحسان، وما ~~حصل لهم وعليهم من الإقران علم يقينا أن ما كان أولا فهو بالأولى وقوعا في ~~آخر الزمان وما أحسن ما قيل في ذلك: # وعين الرضا عن كل ms038 عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا # ومن رزق التوفيق هدي إلى الصواب، ومن استفتح فقد نجح، فيرزق العلم بقول ~~الله وبما جاء عن محمد رسول الله مشروح الصدر للإيمان على نور من ربه يعرف ~~الحق ويقود إليه ويعرف الباطل ويذود نفسه وغيره عنه. # (ووجدنا أحواله أحوال من عرف من الشريعة شطرا ولم يمعن فيها نظرا، ولا ~~قرأ على من يهديه إلى النهج القويم، ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي ~~هي الصراط المستقيم) . # الضمير في وجدنا أحواله يرجع إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب أحوال من عرف ~~من الشريعة أي المشروعة التي شرعها الله على لسان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم شطرا شطر المكان جهته، وشطر الشيء والمتاع ضعفه، وشاطر الوادي جانبه ~~كشاطئه ومعناه أنا وجدنا أحوال هذا الرجل أحوال الذي عرف من الشريعة شطرها ~~أي جهتها التي تؤدى إليها وبعضها التي فيها ولديها، ولذلك قال ولم يمعن ~~فيها نظرا يعني لم يصل إلى معناها الكلي بعد أن عرف الجهة التي هي اللفظ، ~~وملخصه أنه قد عرف لفظ الكلام من الكتب ولم يفهم المعنى. # PageV01P038 ### | رد الشيخ على قول الخصم # ونحن نقول من تأمل القرآن وآياته البينات، وسبب إنزاله وموضوعه، وسنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهديه، وما أرسل به، وسنة أصحابه، ومن تبعهم ~~بإحسان، فهم يقينا أن ما قاله الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأمر به ودعا إليه ~~هو عين ما تضمنه القرآن من توحيد الله الذي هو حقه على العبيد، وما كان ~~عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأئمة الدين بعدهم، وانه بذلك قد ~~علم الشريعة وحققها، وأمعن نظره في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~ومن تبعهم بإحسان، وقررها وأظهرها، فإن آيات الله دالة على وحدانيته تعالى ~~في ألوهيته وتفرده في معاملته مما هو حق على عبيده، فإنزاله سبب لمعرفة حق ~~الله تعالى وتقدس وإخلاص الدين كله له وحده، وهذا موضوع القرآن مع كونه ~~مصرحا بأن الأولين مقرون ومعترفون لله بالخلق والرزق والإماتة والإحياء ms039 ~~والتدبير والضر والنفع وإنما قصدهم الجاه والقربة بواسطة ووسيلة من ~~المخلوقين، أو صورهم توصلهم إلى غاية قصدهم ومطلوبهم {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت ~~من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله} وقال في موضع آخر: {قل من رب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم} إلى أن قال: {سيقولون لله} {قل من بيده ~~ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله} ثم قال ~~بعد تقريرهم وإقرارهم بأن ملكوت كل شيء بيد الملك الحي {ما اتخذ الله من ~~ولد وما كان معه من إله} وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو ~~أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما ~~تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ~~ضل من تدعون إلا إياه} ووصف الإنسان بأنه إذا مسه الضر دعاه وإذا كشفه عنه ~~أشرك معه سواه قال تعالى: {وإذا مس الأنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا ~~خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله ~~قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} وهذه أقبح حالة إذا مسه الشر دعا ~~لحاجته فإذا أنعم عليه مولاه جاءته الاستحالة، وهم قالوا ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى ولشفاعتهم لنا عند الله. فمن عرف لفظ هذه الآيات ~~القرآنية # PageV01P039 # ووفق لفهم معناها، وأنهم مقرون له تعالى بالربوبية علم أن هذا المقام لا ~~نزاع فيه، وإنما اتخذوهم وسائط ووسائل بينهم وبين ربهم كما تكون الواسطة ~~بين الملك ورعيته، وهذه الوسائط التي يدعونها في حال الرخاء فقط ويرجون ~~شفاعتها وقت الشدة يسمونها الآلهة لتأله قلوبهم بها ورجاؤهم منها القرب ~~والتقريب، كما قالوا أجعل الآلهة إلها واحدا، على جهة أن ذلك لا يكون لأنهم ~~ظنوا أن الإله الواحد وهو الله لا يسع الخلق إلا بآلهة معه يدخلون عليه بهم ~~ويصلون إلى قضاء ms040 الحوائج بشفاعتهم لديه، ومنه قول بني إسرائيل لموسى: {اجعل ~~لنا إلها كما لهم آلهة} قال أهل التفسير إنهم لم يكونوا شاكين في الدين ~~وإنما أرادوا شيئا يعظم عندهم وفي نفوسهم ويتقربون بتعظيمه وشفاعته إلى ~~الله تعالى وظنوا أن ذلك لا يضر في الدين لشدة جهلهم. # ومن عرف وحقق معنى الشهادتين اللذين هما رأس الإسلام وقوامه، شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ثم شهد بهما لزمه العمل بمقتضاهما قولا ~~وفعلا واعتقادا وترك المنافي والمناقض لهما قولا وفعلا واعتقادا، فإن معنى ~~الشهادة لله بأنه لا إله إلا هو تتضمن إخلاص الألوهية له وحده في عبادته ~~ومعاملته، فلا يجوز أن يتأله القلب غيره لا بحب ولا خوف ولا رجاء ولا إجلال ~~ولا إكرام ولا رغبة ولا رهبة بل لا بد أن يكون الدين كله لله كما قال جل ~~ذكره: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فإذا كان بعض الدين ~~لله وبعضه لغيره كان في ذلك من الشرك بحسب ما كان لغيره، ثم إن كان أصغر ~~مثل الرياء فله حكمه، وان كان أكبر مثل ما يأتي بيانه فله حكمه، وكمال ~~الدين كما جاء في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره "من أحب لله وأبغض لله ~~وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" فالمؤمنون يحبون لله والمشركون ~~يحبون مع الله وهي الأنداد التي ذكرها في قوله: {ومن الناس من يتخذ من دون ~~الله أندادا} الآية. # والشهادة بأن محمدا عبده ورسوله تتضمن تصديقه صلى الله عليه وسلم في كل ~~ما أخبر به وطاعته في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب ~~نفيه، كما يجب على الخلق أن يثبتوا لله ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، ~~وينفوا عنه ما نفاه عن نفسه من مماثلة المخلوق، فيخلصون من التعطيل ~~والتمثيل، ويكونوا في إثبات بلا تشبيه وتنزيه بلا تعطيل # PageV01P040 # وعليهم أن يفعلوا ما أمر الله به وينتهوا عما نهى عنه، ويحللوا ما حلله، ~~ويحرموا ما حرمه، فلا حرام إلا ms041 ما حرمه الله ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه ~~الله ورسوله، ولهذا ذم الله المشركين في سورة الأنعام والأعراف وغيرهما ~~لكونهم حرموا ما لم يحرم الله وشرعوا دينا لم يأذن به الله كما في قوله ~~تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا} إلى آخر السورة وما ~~ذكره في صدر سورة الأعراف وكذا قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله} وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله بإذنه} فأخبر أنه داع إلى ~~الله بإذنه، فمن دعا إلى غير الله فقد أشرك ومن دعا إليه بغير اذنه فقد ~~ابتدع، والشرك بدعة والمبتدع يؤول إلى الشرك، ومن خاض كما خاض فيه الأولون ~~فلم يعرف اللازم من الملزوم فقد جردهما من المعنى. وإذا كان سبب النزول ~~أحوال مشركي العرب فالعام لا يقصر على السبب. وكذلك الأحاديث الصحيحة كحديث ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: (كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على ~~حمار فقال لي: "يا معاذ أتدري ماحق الله على العباد" قلت: الله ورسوله أعلم ~~قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا أتدري ما حقهم عليه؟ " قلت: الله ~~ورسوله أعلم قال: "أن لا يعذبهم وفي لفظ أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" ~~قلت: أفلا أبشر الناس قال: "لا تبشرهم فيتكلوا" أخرجاه في الصحيحين فإنه ~~قاض في الأخبار بلفظه عن حق الله على العباد من توحيده سبحانه وإخلاص ~~الألوهية له تعالى كما قال جل شأنه: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} ~~وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~وقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} فقد أكمل لنا ~~ديننا وأتم علينا نعمته ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا أن نتبع صراطه ~~المستقيم ولا نتبع السبل فتفرق بنا عن سبيله، وجعل هذه الوصية خاتمة وصاياه ~~العشر التي هي جوامع الشرائع التي تضاهي الكلمات العشر ms042 التي أنزل الله على ~~موسى في التوراة وإن كانت الكلمات التي نزلت على نبينا صلى الله عليه وسلم ~~أكمل وأبلغ وأتم، ولهذا قال الربيع بن خيثم وعبد الله بن مسعود: "من سره أن ~~يقرأ كتاب محمد الذي لم يفض خاتمه بعده فليقرأ آخر سورة الأنعام {قل تعالوا ~~أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} إلى قوله: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} # PageV01P041 # الآية) وأمرنا أن لا نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم ~~البينات وأخبر رسوله {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء} ~~وذكر أنه جعله على شريعة من الأمر، أمره أن يتبعها ولا يتبع سبيل الذين لا ~~يعلمون وقال تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من ~~الكتاب} إلى قوله: {واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} فأمره أن ~~لا يتبع أهواءهم عوضا عما جاءه من الحق، وإن كان ذلك المتبع شرعا أو طريقا ~~لغيره من الأنبياء فإنه سبحانه قد جعل لكل منهم سنة وسبيلا ولكنه صلى الله ~~عليه وسلم حذره ربه أن يفتنوه عن بعض ما أنزل الله إليه، وإذا كان هذا فيما ~~جاءت به شريعة غيره، فكيف بما لم يعلم أنه جاءت به شريعة قط، بل لم ينزل ~~الله به الكتب ويرسل الرسل إلا بتقبيحه والإنذار عنه، وخبث فاعله والحكم ~~عليه بالذل والصغار والخلود في النار، حتى قرر ذلك وحرر في كتب الفقه التي ~~تداولها الأيدي لعلماء كل مذهب فإنهم عقدوا فيه بابا للردة بعبارات مختلفة ~~اللفظ متفقة المعنى. # PageV01P042 ### | تعريف المرتد # منها قولهم المرتد لغة الراجع، يقال ارتد فهو مرتد إذا رجع قال تعالى: ~~{ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين} وشرعا الذي يكفر بعد إسلامه نطقا ~~أو اعتقادا أو شركا أو فعلا، وبعض هؤلاء الأئمة قال ولو مميزا فتصح ردته ~~كإسلامه، وهم الحنابلة ومن وافقهم طوعا لا مكرها بأن فعل لداعي الإكراه ~~لاعتقاده ما أريد منه لقوله تعالى: {إلا من أكره ms043 وقلبه مطمئن بالأيمان ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا} الآية إلى أن قالوا أو أشرك بالله، بأن جعل بينه وبين ~~الله وسائط من خلقه يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم لقوله تعالى: {إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقوله تعالى: {وقل الحمد لله ~~الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره ~~تكبيرا} وهذا قد أجمع عليه أئمة المسلمين وعلماء الدين. # PageV01P042 # ونعنى بهذا الإجماع ما قاله الإمام الغزالي: هو اتفاق أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم على أمر من الأمور الدينية. ولا عذر في الجهل بعد الإنذار ~~بالكتاب والرسول وان جادل وعاند وزعم أنه محق فهو بنزول العذاب والبلاء ~~مستحق. وفي هذا يقول نبي الله هود: على محمد وعليه أفضل الصلاة وأتم السلام ~~مخاطبا لقومه وقد أكثروا عليه في تركهم الآلهة وشددوا في لومه {قد وقع ~~عليكم من ربكم رجس وغضب أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل ~~الله بها من سلطان} فهذه المجادلة بالباطل وقوع الرجس والغضب هو الحامل ~~عليها بعد أن تقدم منهم السبب. # PageV01P043 ### | حكم التوسل بالأعمال الصالحة وبأسماء الله وصفاته # فلم يبق إلا التوسل بالأعمال الصالحة كتوسل أهل الإيمان في قولهم {ربنا ~~إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ~~ذنوبنا} الآيات وكتوسل أصحاب الصخرة المنطبقة عليهم، الحديث في البخاري ~~لأنه تعالى وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، ~~وكسؤاله بصفاته وأسمائه كالأدعية المعروفة في السنن "اللهم إني أسألك بأن ~~لك الحمد أنت الله الحنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام " وفي ~~الحديث الآخر "اللهم إني أسألك بأنك أنت الله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد ولم يكن له كفوا أحد " وفي الحديث الآخر "أسألك بكل اسم هو لك سميت به ~~نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو أستأثرت به في علم الغيب ~~عندك" فهذه الأدعية ونحوها مشروعة باتفاق العلماء، وأما ms044 الإقسام على الله ~~بمخلوق فهو منهي عنه باتفاق الأئمة. وهل هو نهي تحريم أو تنزيه على قولين ~~أصحهما أنه نهي تحريم. وأما سؤاله تعالى بمعاقد العز من عرشه فيأتي بحثه إن ~~شاء الله تعالى، ومن أثبت ما نفاه الله أو نفى ما أثبته الله في كتابه أو ~~على لسان رسوله فقد ضل الطريق وأخطأ المعنى وان ادعى الحفظ والفهم. عن عبد ~~الله بن مسعود قال: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أي # PageV01P043 # الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك" قال: قلت: ثم أي؟ قال: "أن ~~تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك" قال قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك") ~~فأنزل الله تصديقها {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون} رواه البخاري ومسلم عن عثمان بن أبي ~~شيبة عن جرير. فهذا الحديث الصحيح له معان ودرجات على الترتيب في عظم ~~الذنب، وأكبره جعل الأنداد، وما دونه وان كان ذنبا فليس مساويا له إلا أن ~~استحل فيوافقه في اسم الكفر وجعل الند لله أكبر منه، ولكن ليس على العبد ~~أشد من دحض الحق والعمل بخلافه ومعاداته وأهله والقدح عليهم فيه، فمعاداة ~~الحق وأهله سنة متقدمة وعادة مطردة ولذلك لما أنزل الله على نبيه صلى الله ~~عليه وسلم {فاصدع بما تؤمر} صدع بأمر الله لا تأخذه فيه لومة لائم فدعا إلى ~~الله الكبير والصغير والحر والعبد والذكر والأنثى والجن والإنس، فلما صدع ~~بأمر الله وصرح لقومه بالدعوة وبادأهم بسب آلهتهم وعيب دينهم اشتد أذاهم له ~~ولمن استجاب له وادعوا جهلهم وجنونهم، وهذه سنة الله عز وجل في خلقه، كما ~~قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من ~~قبلك} وقال: {وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الأنس والجن} وقال: {كذلك ما ~~أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون} الآية فعزى الله ~~سبحانه نبيه بذلك وان له أسوة بمن ms045 تقدمه من الرسل وعزى سبحانه أيضا أتباعه ~~وهم العلماء العاملون بأمره الداعون إلى شريعته بقوله سبحانه: {أم حسبتم أن ~~تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم} الآية وقوله: {أحسب ~~الناس أن يتركوا..} إلى قوله: {أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين} . # ومن تأمل سياق هذه الآيات وما تضمنته من العبر وكنوز الحكم علم أن الناس ~~بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن يأبى فيستمر على السيئات من ~~مخالفة دين الرسل، فمن قال آمنا ابتلاه ربه واختبره ليتبين الصادق من ~~الكاذب ومن لم يتبع دين الرسل فلا يحسب أنه يفوت الله ويسبقه، فمن آمن ~~بالرسل واتبع دينهم واهتدى بهديهم عاداه أعداؤهم، عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تبارك وتعالى قال من ~~عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى من أداء ما ~~افترضته عليه ومازال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت ~~سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله # PageV01P044 # التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت في ~~شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته" أخرجه ~~البخاري في صحيحه في باب التواضع من كتاب الرقائق، ومن كان طالبا للرتبة ~~العلية تنقل في المقامات العلوية وفارق كل فرقة غوية. ومن كان من حزب ~~الشيطان يعود شيطانا وان كان في صورة الإنسان. # (ولا قرأ على من) أي على الذي (يهديه إلى النهج القويم) يعني أنه لم يقرأ ~~على شيخ يرشده إلى الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وقد تقدم في ترجمته عند ذكر ~~اسمه عدة مشايخه الذين قد اجتمع بهم وأخذ عنهم إجازة ودراية. # PageV01P045 ### | تعريف الدليل لغة واصطلاحا # (ويدله ويوقفه على العلوم النافعة التي هي الصراط المستقيم) الدليل لغة: ~~هو المرشد وهو الناصب والذاكر وما به الإرشاد، # واصطلاحا: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وفاقا وقيل ms046 إلى ~~العلم به فتخرج الامارة، قال الأصوليون لابد للمستدرك من دليل ونظر وعلم، ~~قال الإمام أحمد الدال هو الله، والدليل هو القرآن والمبين هو الرسول صلى ~~الله عليه وسلم والمستدل أولو العلم، هذه قواعد الإسلام والنظر هو الفكر ~~لمعرفة مطلوب من تصور أو تصديق، والعلم وهو حكم الذهن ألجازم المطابق ~~الموجب فلا طريق إلى معرفة الله وإلى الوصول إلى رضوانه والفوز بقربه ~~ومجاورته في الآخرة إلا بالعلم النافع الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه ~~فهو الدليل عليه وبه يهتدي في ظلمات الجهل والشبه والشكوك ولهذا سمى الله ~~كتابه نورا لأنه يهتدى به في ظلمات الجهل والوهم قال الله تعالى: {قد جاءكم ~~من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من ~~الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} ومثل النبي صلى الله ~~عليه وسلم حملة العلم الذي جاء به، بالنجوم التي يهتدى بها في الظلمات، ففي ~~المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~" ان مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم في السماء يهتدى بها في ظلمات البر ~~والبحر" # PageV01P045 # فإذا انطمست النجوم أوشك أن تضل الهداة وما دام العلم باقيا في الأرض ~~فالناس على هدى وبقاء العلم ببقاء حملته العاملين به، فإذا ذهبت حملته أو ~~من يقوم به وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو رضي ~~الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله عز وجل لا يقبض ~~العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بقبض العلماء فإذا لم يجدوا ~~عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" وذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يوما رفع العلم فقيل له كيف يذب العلم وقد قرأنا ~~القرآن وأقرأنا نساءنا وأبناءنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه ~~التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم شيئا" فسئل عبادة بن ~~الصامت رضى الله عنه عن هذا ms047 الحديث فقال: "لو شئت لأخبرتكم بأول علم يرفع ~~عن الناس الخشوع" وإنما قال عبادة هذا لأن العلم قسمان: أحدهما ما كان ~~ثمرته في قلب الإنسان وهو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله المقتضية ~~لخشيته ومهابته وإجلاله والخضوع له ورجائه ومحبته ودعائه والتوكل عليه ونحو ~~ذلك مما هو عبادة مختصة بجلاله فهذا هو العلم النافع كما قال ابن مسعود رضي ~~الله عنه أن أقواما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ولكن إذا وقع في القلب ~~فرسخ فيه نفع، وقال الحسن العلم علمان: علم اللسان فذلك حجة الله على بني ~~آدم وهو كما في الحديث: "القرآن حجة لك أو عليك" وعلم القلب وهو العلم ~~النافع الذائد لصاحبه عن جميع المهالك وهذا لا يمكن إلا بصلاح تلك المضغة ~~التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ألا وإن في الجسد ~~مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب" أخرجه ~~البخاري ومسلم من رواية الشعبي عن النعمان بن بشير وقد أرشد الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم إلى الهدى والعلم وأمره أن يسألهما منه عند الاختلاف فيه ~~رغبة إليه سبحانه وإعراضا عن المشركين الذين قال الله عنهم: {وإذا ذكر الله ~~وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم ~~يستبشرون} وقال: {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا ~~فالحكم لله العلي الكبير} فروى مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة رضي الله ~~عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام يصلي من الليل يقول: " اللهم ~~رب جبرائيل وميكائيل واسرافيل فاطر السموات والأرض علم الغيب والشهادة أنت ~~تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من # PageV01P046 # الحق بإذنك انك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" وذلك أن الله يقول: {كان ~~الناس أمة واحدة} أي فاختلفوا وقد قيل انا كذلك في حرف عبد الله {فبعث الله ~~النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس ms048 فيما ~~اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا ~~بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من ~~يشاء إلى صراط مستقيم} والهداية تورث الإلهام من ذي الجلال والإكرام ~~المنان، وهو نفث في الروع من المولى الكريم لذوي الاستسلام، ويعقبه السكينة ~~معنى ينزله الكريم المنان والطمأنينة نتيجة السكينة إذا قوي اليقين يأمن ~~بها العبد إذا ذعر غيره من العبيد في مظاهر الانتقام والمجاهدة لأعداء كلمة ~~الإسلام، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب قد هدي فاهتدى، وهدى الله به من اهتدى ~~بعد الاسترشاد إلى الرشاد والانحياد عن أهل الفساد، وهو لا يفتر عن الاوراد ~~{فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها ~~وكذلك تخرجون} وما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم، سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، ~~اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد. السلام على النبي ورحمة الله وبركاته. هكذا لا يفتر أبدا لا وقت نوم ~~أو درس لكن لغربة الإسلام أنكر عليه وللحسد والبغضاء عودي ونسب كل فعل قبيح ~~إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل وما ~~أحسن ما قيل في ذلك: # أقول الله ربي والإسلام ... ديني والقرآن لي إمام # مقتديا بأحمد وآله ... مخالفا طوائف الكفر فهل ألام # قد غاظ دين الله كل كافر ... ليس له بحبله اعتصام # أصم أعمى ما له معرفة ... إلا بما تغذي به الأجسام # قد جهل القرآن من شقائه ... ففاته بجهله المرام # يا لائمي إني أطعت أمر من ... عصيانه سبحانه حرام # PageV01P047 # مستمسكا بالعروة الوثقى التي ... ليس لها يا لائمي انفصام # أدعو إلى القرآن من ms049 لم ... يتبع آياته كلها أحكام # عاديتني والله قد أكرمني ... أفق فداعي الله لا يضام # تريد أن تطفي نور خالقي ... ونوره غايته الإتمام # والحق كالشمس إذا ما أشرقت ... أنوارها انجلى عنها الظلام # وفضله سبحانه إذا أتى ... عبدا فلا ترده الأنام # وفي ذلك أيضا: # إن الإله على نصري لمقتدر ... فما أبالي بأعدائي ولو كثروا # إذا تجروا على ظلمي فإني ... بأقوى من هم انتصروا # إن المشركين قوم لا عقول لهم ... يلقيهم الجهل في الكفر الذي حذروا # أمرتهم بإتباع الذكر فامتلأوا ... غيظا فهل آمنوا أم كفروا # لا يستجيبون للداعي إذا سمعوا ... ولا يرون سبيل الرشد لو نظروا # ولا يعون فما نصح بنافعهم ... كأنهم بيننا من جهلهم بقر # إني لأرجو الإله أن يصيبهم ... بنقمة منه لا تبقي ولا تذر # يا صم يا بكم يا عمي الكتاب ... هدى للمتقين وعلم ليس ينحصر # فاتلوه واتبعوا آياته ودعوا ... مذاهب السفهاء إنها ضرر # أتهجرون كتاب الله ويلكم ... هل فارس نفسا لكم قوم له هجروا # لقد مرقتم من الإسلام فانتبهوا ... فليس ترك كتاب الله يغتفر # ما صح إيمان من لم يتبعه ولو ... صلوا وصاموا وحجوا البيت واعتمروا # وقد أرسل إليه العالم الفاضل المدقق شيخ جهابذة العلماء الأعلام في عصره، ~~رباني أهل وقته، شيخ صنعاء اليمن، وزبيدها عمدة دقيقها وجليلها محمد بن ~~إسماعيل الأمير أرجوزة يثني فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب وعلى عقيدته ~~ويشكره على أمره ونهيه وهي هذه: # PageV01P048 ### | قصائد في مدح الشيخ من علماء الأقطار # سلامي على نجد ومن حل في نجد ... وإن كان تسليمي على البعد لا يجدي # وقد صدرت من سفح صنعا سقى الحيا ... رباها وحياها بقهقهة الرعد # سرت من أسير ينشد الريح إن سرت ... ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد # يذكرني مسراك نجدا وأهله ... لقد زادني مسراك وجدا على وجد # قفي واسألي عن عالم حل سوحها ... به يهدي من ضل عن منهج الرشد # محمد الهادي لسنة أحمد ... فيا حبذا الهادي ويا حبذا المهدي # لقد أنكرت كل الطوائف قوله ... بلا صدر في الحق منهم ms050 ولا ورد # وما كل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجب الطرد والرد # سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذاعن الرد # وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على حسب الأدلة في النقد # وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي # وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي # ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد # أعادوا بها معنى سواعا ومثله ... يغوث وودا ليس ذلك من ودي # وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالواحد الفرد # وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد # وكم طائفا حول القبور مقبلا ... ومستلم الأركان منهن باليد # لقد سرني ما جاءني من طريقه ... وكنت أرى هذي الطريقة لي وحدي # يصب عليه سوط ذم وغيبة ... ويجفوه من قد كان يهواه عن بعد # ويعزي إليه كل مالا يقوله ... لتنقيصه عند التهامي والنجدي # فيرميه أهل الرفض بالنصب فرية ... ويرميه أهل النصب بالرفض والجحد # وليس له ذنب سوى أنه أتى ... بتحكيم قول الله في الحل والعقد # * ويتبع أقوال النبي محمد ... وهل غيره بالله في الشرع من يهدي # لئن عده الجهال ذئبا فحبذا ... به حبذا يوم انفرادى في لحدي # PageV01P049 # .. سلامي على أهل الحديث فإنني ... نشأت على حب الأحاديث من مهدي # ... هم بذلوا في حفظ سنة أحمد ... وتنقيحها من جهدهم غاية الجهد # وأعني بهم أسلاف سنة أحمد ... أولئك في بيت القصيدة هم قصدي # ... أولئك أمثال البخاري ومسلم ... وأحمد أهل الجهد في العلم والجد # ... 4بحور أحاشيهم عن الجزر إنما ... لهم مدد يأتي من الله بالمد # ... رووا وارتووا من بحر علم محمد ... وليس لهم تلك الملل من وردي # ... كفاهم كتاب الله والسنة التي ... أتاهم بها صحب الرسول ذوو المجد # ... أأنتم أهدى من صحابة أحمد ... وأهل الكسا هيهات ما الشوك كالورد # ... أولئك أهدى في الطريقة منكم ... فهم قدوتي حتى أوسد في لحدي # ... وشتان ما بين المقلد في الهدى ... ومن يقتدي والضد يعرف بالضد # ... فمقتديا كن في الهدى ms051 لا مقلدا ... وخلي أخا التقليد في الأسر بالقد # ... وأكفر من في الأرض من قال أنه ... إله فإن الله جل عن الند # ... مسماه كل الكائنات جميعها ... من الكلب والخنزير والفهد والقرد # ... وإن عذاب النار عذب لأهلها ... سواء عذاب النار أو جنة الخلد # ... وعباد عجل السامري على هدى ... ولائمهم في اللوم ليس على رشد # ... تناشدنا عنه نصوص فصوصه ... تنادي خذوا في النظم مكنون ما عندي # ... كنت امرأ من جند إبليس فارتمى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي # ... فلو مات قبلي كنت أدركت بعده ... دقائق كنز ليس يدركها بعدي # ... يلذون عند العجز بالذوق ليتهم ... يذوقون طعم الحق فالحق كالشهد # ... نقول لهم ما الذوق قالوا مثاله ... عزيز فلا بالشم يدرك والحد # ... ففشرهم بالكشف والذوق مشعر ... بأنهم عن مطلب الحق في بعد # ... ومن يطلب الإنصاف يدلي بحجة ... ويرجع أحيانا ويهدي ويستهدي # ... وهيهات كل في الديانات تابع ... أباه كان الحق في الأب والجد # ... كذلك أصحاب الكتاب تتابعوا ... على ملة الآباء قردا على قرد # ... وهذا اغتراب الدين فاصبر فإنني ... غريب وأصحابي كثير بلا عد # ... إذا ما رأوني عظموني وإن اغب ... فكم أكلوا لحمي وكم مزقوا جلدي # PageV01P050 ### | رد قول الخصم أن الشيخ أخذ علمه من كتب ابن تيمية # وأما قولكم: (بل طالع بعضا من مؤلفات أبي العباس بن تيمية ومؤلفات تلميذه ~~ابن القيم وقلدها من غير إتقان مع أنهما يحرمان التقليد ليأخذ العلم من غير ~~تسديد) . # معناه أن هذا الرجل لم يقرأ على أحد من العلماء يدله على أمره ويساعد على ~~قصده بل اكتفى عن ذلك بمطالعة بعض الكتب التي ألفها شيخ الإسلام تقي الدين ~~أحمد بن تيمية وتلميذه أبو عبد الله ابن القيم فقلدهما فيما قالاه في ~~كتبهما وهما لا يجوزان التقليد فأخذ العلم من المؤلفات بلا تسديد، فنقول لا ~~يلزم من مطالعة كتب الثقات وإمعان النظر فيها وفي دلائل ما تضمنته وفهم ~~معاني ما حكته عدم أخذ العلم عن أهله وممارسته وتكرار درسه ولا تنافيه، بل ~~أخذ العلم بحثا وتقريرا عن العلماء الثقات عند الخاص ms052 والعام والجهابذة ~~الأعلام هو الحامل عليها، وهو الدال إليها، وفراسته وفهمه فيها هما ~~الحاملان عليها، وفهمه في كل فن هو الحامل على تخصيص أمره في نصحه وإيجاد ~~قصده القائم في ذهنه، وهو المقتضي لأمره ونهيه. ودليل ذلك اعتناؤه بكتب ~~الثقات من أولي العلم، والرجوع إلى الآيات البينات والأحاديث الصحيحة عند ~~اختلاف الفهم، أخذا من كلام الأئمة النقاد وما صححوه مما اتفقوا عليه أو ~~اختلفوا فيه، لا مدعي الاجتهاد، وليس هو يدعو الناس إلى الاتفاق في مسائل ~~الفروع التي قد وقع الاختلاف فيها، وإنما يدعوهم إلى العمل بما هو مطلوب ~~منهم اتفاقا مما لا تقليد فيه، وترك ما نهوا عنه كذلك والرجوع إلى الكتاب ~~والرسول والإجماع ليس بتقليد لقيام الحجة في ذلك، إذ وجود الباري تعالى ~~وتقدس وتوحيده وإخلاص العبادة له والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ~~وبما جاء به لا تقليد فيه فتجب معرفة وجود ذات الله بصفات الكمال شرعا ~~بالنظر في الوجود والموجود على كل مكلف قادر وهي أول واجب له تعالى وتقدس، ~~وكذلك وحدانيته وألوهيته فيستدل عليهما بمخلوقاته ومصنوعاته. قال تعالى: ~~{وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون} فمعرفة ذلك ليست ضرورية ~~بل نظرية، بخلاف علمه سبحانه وتعالى بجميع مخلوقاته فليس هو بضروري ولا ~~نظري ولا كسبي ولا استدلالي بل هو قديم باق ذاتي محيط بكل معلوم كلي أو ~~جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد بتجدد المعلومات ولا يتعدد بتعددها. # PageV01P052 ### | تعريف التقليد # قال الأصوليون: التقليد لغة: وضع الشيء في العنق محيطا به. واصطلاحا: أخذ ~~قول الغير من غير حجة. والرجوع إلى الرسول وإلى الإجماع ليس بتقليد لقيام ~~الحجة. ثم قالوا: وهل يصح إيمان المقلد، على قولين للعلماء، فعن الأشعري لا ~~يصح ومن قال يصح يوجب عليه الاستدلال بالنظر والرجوع إلى الدلائل الظاهرة ~~والآيات الباهرة، ثم أن من قام في ذهنه دلائل قصده ومطلوبه فأراد إقامتها ~~على ما ادعاه من كتاب الله وسنة رسوله وكلام الأئمة الأعلام فباحث وناقش ~~ودل واستدل فتوافق هو وغيره في الدليل ms053 والاستدلال والعقيدة فيما هو مطلوب ~~لا محال لا يلزم من ذلك التقليد لذلك الغير بل ولا يؤديه معناه لوجهين: # أحدهما: أن كثيرا ما يوافق مجتهد مجتهدا، وليس هو مقلدا له فيما قاله ~~وإنما هو موافق له فيه، فالواقع إنما هو اتفاقهما في الحكم والدليل، لا ~~تقليد أحدهما الآخر فيه. وهذا مشاهد في كلام الأئمة وتوافقهم في المسائل ~~الاجتهادية، وقد وافق الإمام الشافعي الإمام زيد بن ثابت رضي الله عنهما مع ~~أن الشافعي ليس مقلدا لزيد. # الثاني: أن تعريف التقليد هو أخذ قول الغير والعمل به من غير حجة للمقلد، ~~وإنما هو اعتماد على قول مقلده وقصر على منطوقه ومفهومه بلا نظر في دليله ~~من ضعفه أو ترجيحه قاله الأصوليون. وقالوا يلزمه أن يقلد في مسائل الفروع ~~الأرجح الفاضل عنده فيجتهد في ذلك على الأصح. وأما توحيد الباري تعالى ~~وتقدس في معاملته وإخلاص عبادته فلا تقليد فيه البتة، وإنما يقتدي اللاحق ~~بالسابق فيه، والإقتداء ليس بتقليد، فكما أن شيخ الإسلام تقي الدين قد ~~استدل في وقته بالكتاب والسنة وبكلام صالح سلف الأمة على التوحيد الذي هو ~~وظيفة العبيد، وعلى الشرك ومعناه الذي هو ضد التوحيد، وحرمه الله وأوهنه ~~وعلق على وجوده عدم المغفرة فعودي وأوذي كذلك هذا الرجل لما قام يأمر أهل ~~وقته بإخلاص التوحيد لله وحده فلا يجعل حقه تعالى لغيره، أو معه ومع غيره، ~~وميز لهم التوحيد من ضده، وأقام عليه الدلائل والبراهين من الكتاب والسنة، ~~وكلام صالح صلف الأمة، من غير تقليد لأحد فيه، إن كان ولا بد # PageV01P053 # فهو نقل كلام لإمام مجتهد حجة على من قلده ليعلم ذلك المقلد أنه قد خالف ~~مقلده فيما قاله واعتقده، نسبوه إلى تقليد الشيخ تقي الدين في التوحيد، ~~ولعل كلامه وافق كلام شيخ الإسلام تقي الدين في شيء من ذلك حتى في ~~استدلالاته فليس هو تقليدا له ولا أخذا منه. والشيخ تقي الدين وتلميذه ~~رحمهما الله تعالى بل وغيرهما إنما يحرمون التقليد في توحيد الله ورسالة ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms054 وما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام، ~~ويدعيان الإجماع على ذلك وعبارتهما: (التقليد السائغ في المسائل المستفتى ~~فيها وهي الاجتهادية) وأما العقلية كوجود الباري تعالى وتوحيده والرسالة ~~فلا تقليد فيها، وكذا ما علم كونه من الدين ضرورة كأركان الإسلام إجماعا. ~~وقال الشيخ تقي الدين في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم: (أما مسائل الفروع ~~التي يسوغ الاجتهاد فيها والتقليد، لا ريب أن المجتهد فيها على أجر فان ~~أصاب فله أجران وان أخطأ فله أجر وكذا المقلد له أجر على حسن قصده وعمله، ~~وإنما انكارهما شديد على من أوجب إتباع طريقة شيخ من مشايخ الدين والصلاح ~~كالشيخ عبد القادر، والشيخ حيوه وأمثالهما. وكذلك من أوجب اتباع إمام معين ~~من أئمة العلم والدين وألزم الناس الاقتصار عليه في كل ما قاله أو أمر به ~~ونهى عنه، وعلى من عادى ووالى في هذه المذاهب أو عليها كالأئمة الأربعة لما ~~فيه من الترجيح، قال ولكن طاعة الرسول إنما تمكن مع العلم بما جاء به ~~والقدرة على العمل به، فإذا ضعف العمل والقدرة صار الوقت وقت فترة في ذلك ~~الأمر، وان كان وقت دعوة ونبوة في غيره" وقال أيضا في رسالته السنية: ~~"وكذلك التفريق بين الأمة وامتحانها بما لم يأمر لله به ولا رسوله مثل أن ~~يقال للرجل أنت شكيلي أو قرقندي أو نقشبندي، فان هذه أسماء باطلة ما أنزل ~~الله بها من سلطان وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا في الآثار المعروفة ~~عن سلف الأمة لا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي، والواجب على المسلم إذا سئل ~~عن ذلك أن يقول لا أنا شكيلي ولا قرقندي ولا نقشبندي بل أنا مسلم متبع ~~لكتاب الله وسنة رسوله. وقد روينا أن معاوية بن أبي سفيان سأل عبد الله بن ~~عباس رضي الله تعالى عنهما فقال أنت على ملة علي أو على ملة عثمان فقال لست ~~على ملة علي ولا ملة عثمان بل أنا على ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وكذلك كان كثير من السلف ms055 يقولون كل هذه الأهواء في النار، ويقول أحدهم ما ~~أبالي أي النعمتين أعظم على أن هداني الله # PageV01P054 # للإسلام وان جنبني هذه الأهواء، والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين ~~المؤمنين عباد الله، ولا يعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء ~~أحدثها قوم وسموها هم وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، بل الأسماء التي ~~يسوغ، لتسمى بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي والمالكي والشافعي ~~والحنبلي أو انتسابهم إلى شيخ كالقادري والعدي ونحوهم، أو مثل الانتساب إلى ~~القبائل كالقيسي واليماني أو إلى الأمصار كالشامي والعراقي والمصري، لا ~~يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها. ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل ~~أكرم الحلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان وأولياء الله الذين هم أولياؤه ~~هم الذين آمنوا وكانوا يتقون كما قال تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون} وقد أخبر سبحانه أن أولياءه ~~هم المؤمنون المتقون وقد بين المتقين في قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا ~~وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا ~~عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك ~~هم المتقون} والتقوى هي فعل ما أمر الله به وترك ما نهى الله عنه" انتهى. # وأما التقليد في أصل الدين من التوحيد فقد أغنى الشارع صلى الله عليه ~~وسلم بالتفصيل وبين الحق وسواء السبيل. ونص على ما يعصم من المهالك نصا ~~قاطعا للعذر. قال تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين ~~لهم ما يتقون} وقال تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ~~ورضيت لكم الأسلام دينا} وقال تعالى: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل} وقال تعالى: {فإنما على رسولنا البلاغ المبين} وقال: {إن هذا القرآن ~~يهدي للتي هي أقوم} وقال تعالى: ms056 {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا ~~لهم} الآية والتي بعدها وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * ~~يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} وقال أبو ذر رضي الله عنه: "لقد ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وما من طائر يقلب جناحيه إلا ذكر لنا ~~فيه علما" وفي صحيح مسلم أن بعض المشركين قالوا لسلمان لقد علمكم رسولكم كل ~~شيء حتى الخراء قال أجل. وقال # PageV01P055 # صلى الله عليه وسلم: "لقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها ~~بعدي إلا هالك" وقال: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به ~~ولا من شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" وقال: "ما بعث الله من نبي ~~إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه خيرا لهم، وينهاهم عن شر ما ~~يعلمه شرا لهم". # وهذا يعلم تفاصيله بالبحث والنظر والتتبع والاستقراء والطلب لعلم هذه ~~المسائل في الكتاب والسنة وكلام صالح سلف الأمة، فمن طلب ذلك وجد في الكتاب ~~والسنة من النصوص القاطعة للعذر في ذلك ما فيه غاية الهدى والبيان والشفاء ~~وذلك يكون بشيئين: # أحدهما: معرفة معاني الكتاب والسنة. # والثاني: معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها المختلفون، حتى يحسن أن يطيق ~~التمييز بين معاني التنزيل ومعاني أهل الحوض في أصول الدين، فحينئذ يبين له ~~أن الكتاب حاكم بين الناس فيما اختلفوا فيه كما قال تعالى: {كان الناس أمة ~~واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم ~~البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} وقال تعالى: {وما اختلفتم فيه من شيء ~~فحكمه إلى الله} وقال تعالى: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ~~وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل ~~من ms057 قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} فكل العبارات من الألفاظ المجملة ~~المتشابهة المشتملة على حق وباطل. كان السلف والأئمة ينهون عن إطلاق موارد ~~النزاع بالنفي والإثبات لأن في إثباتها إثبات حق وباطل وفي نفيها نفي حق ~~وباطل، فيمتنع من كلا الاطلاقين تقليدا وغيره وليس ذلك لحلو النقيضين عن ~~الحق ولا قصورا أو تقصيرا في بيانه، وإنما هو لقطع المادة بخلاف النصوص ~~الإلهية. فإن فيها # PageV01P056 # فرقين، فرق الله بهما بين الحق والباطل ولهذا كان سلف الأمة وأئمتها ~~يجعلون كلام الله وكلام رسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب إتباعه فيثبتون ~~ما اثبت الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات ~~المجملة المحدثة المتشابهة ممنوعا من إطلاقها نفيا واثباتا لا يطلقون اللفظ ~~ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار والتفصيل، فإذا بين المعنى اثبت حقه ونفى ~~باطله، بخلاف كلام الله ورسوله فإنه حق يجب قبوله وإن لم يفهم معناه. وكلام ~~غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه. # وأما المختلفون في الكتاب والمخالفون له فتجعل كل طائفة ما أصلته من أصول ~~دينها الذي ابتدعته إماما لها تتبعه، أو المحلات المتشابهات من الكتاب ~~والسنة التي لا يجوز إتباعها بل يجب ردها إلى المحكم. ويتعين حملها عليه، ~~فهم يتبعونها ابتغاء الفتنة ويحملونها على ما يوافق أصلهم الذي ابتدعوه ~~وهذان الصنفان يشبهان ما ذكره الله تعالى في قوله تعالى: {أفتطمعون أن ~~يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه ~~وهم يعلمون} الآيات إلى قوله: {فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون} فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه وهو متناول لمن حمل ~~الكتاب والسنة على ما أصله من البدع الباطلة وذم الذين لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني، وهو متناول لمن ترك تدبر القرآن فلم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه ~~باللسان، ومتناول ms058 لمن كتب كتابا بيده مخالفا لكتاب الله ليتناول به رياسة ~~أو جاها أو دينا وقال هذا هو الشرع والدين، كما لو قال هذا من عند الله ~~وهذا هو معنى الكتاب والسنة، وهذا قول السلف والأئمة، وهذا هو أصول الدين ~~الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية، ومتناول لمن كتم ما عنده من معنى ~~الكتاب والسنة لئلا يحتج به مخالفة في الحق الذي يقوله وهذه الأمور كثير ~~جدا في كلام أهل الأهواء جملة كالرافضة والجهمية وأهل الاعتقادات الفاسدة ~~والبدع المضلة نسأل الله العفو والعافية. # وأما قولكم (فاحتاج إلى تمييز الخطأ عن الصواب والقشر عن اللباب وبيان ما ~~عليه الفرقة الناجية وهم أهل السنة والجماعة كي يظهر الحق لقليل البضاعة) . ~~هذا # PageV01P057 # مفرع على قوله وأخذ العلم من غير تسديد معناه أن هذا الرجل لما لم يأخذ ~~العلم عن تسديد اعتاز إلى تمييز الخطأ الذي هو ضد الصواب، عن الصواب الذي ~~هو مطابق للحق، أي اعتاز إلى من يميز له ذلك ويفرق له بينهما ويميز له أيضا ~~بين ما التبس عليه من القشر الذي هو الظرف الساتر عن اللباب الذي قد ستره ~~القشر فهو مظروف فيه استعار لفظ القشر واللباب للتشبيه والتكنية من عدم ~~تمييز معاني المسائل التي يفصل بعضها عن بعض في اللفظ والمعنى لأخذه العلم ~~من غير تسديد، وإلى من يميز له بيان ما عليه من الفرقة الناجية وهم أهل ~~السنة والجماعة، من ضدهم وهم من ترك السنة وفارق الجماعة. والعلة في ~~اعتيازه التمييز بين هذه الأشياء المذكورة ظهور الحق بلا التباس بضده لقليل ~~البضاعة من المعرفة بمعاني مسائل العلم قبل ظهور الحق له بالتمييز المذكور. # فنقول يكفي في تمييزه ومعرفته وإدراكه في قصده ومرامه ما قد شاع عنه وذاع ~~وتقطعت به الأسماع من أنه يدعو الناس إلى سبيل النجاة والفوز الأبدي وهو ~~الصراط المستقيم الذي أمر الله تعالى عباده أن يسألوه إياه في كل صلاة ~~والدليل على ذلك أنه لا أحد كائنا من كان يفعل خصلة يحبها الله ويكرهها أهل ~~الفساد ms059 والعناد إلا ونسب ذلك الفعل والفاعل إليه فقيل له وعنه وهابي أو ~~عارضي أو شرقي، وهذا كقول كفار قريش لمن تبع ما جاء من عند الله أنه صابىء ~~وإن كان ذلك الفاعل في نفس الأمر عدوا ظاهرا وباطنا نسبوه إليه بفعله فلو ~~لم يكن فيه من السمة والعلامة على فضله ومعرفته وتمييزه وهديه إلا ذلك ~~لكفى. # شهد العدو بفضلها ... والفضل ما شهدت به الأعداء # فبذلك يستدل على فضله المستدلون، ويهتدي بما دعا إليه المهتدون، ويرجع ~~إلى إتباع الحق المبعدون، ويكف عن خوضهم في طغيانهم الخائضون، فإن من رزق ~~التوفيق تأمل بعين انصافه ما قاله هذا الرجل ودعا الناس إليه من الإخلاص ~~لملك الناس، فميز بينه وبين ما اعتقده أصحاب العقائد الفاسدة والبضايع من ~~الدين الكاسدة الآمرين بالباطل، والقائمين عليه لم والناهين عن سبيل الحق ~~وما يوصل إليه، وهم المجوزون لمن شاء # PageV01P058 # أن يتخذ معتقدا من الحلق ويدعوه ويرجوه عند الشدائد ويتوكل عليه عند أي ~~شدة كانت يعتقد فيه لذلك نائيا كان معتقده أو قول أو ومن يزعم أنه ذو تنسك ~~وعلم، قال ان معناه وسيلة وهي جائزة مطلوبة وهذا منها. فهم أمروا بذلك ~~وجوزوا الشرك. ومن نهى عنه وتبرأ منه وعاداه وأهله خرجوه وبدعوه وقاتلوه ~~زيادة على جنس المنكر الشامل لأنواعه في بلد الله الحرام الذي قال الله ~~فيه: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} وغيره مما اكتسبوه ~~وأقروه ففرق حينئذ بين الباطل والحق، فلم يرض من نفسه إلا اتباع الحق قولا ~~وعملا واعتقادا. ودحض ضده كذلك، لا سيما ان انضاف إلى ذلك تأمل أحوال هؤلاء ~~المشركين وما هم عليه من عدم الرضا إلا باعتقادهم في معتقداتهم. وتأمل معنى ~~قوله تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ~~ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} فإن هؤلاء المعتقدين إذا قيل لهم توبوا ~~وارجعوا إلى الله وادعوه واستعينوا به وحده واستغفروه نظروا إلى القائل ~~بعين العداوة نظر المغشي عليه من الموت اشمئزازا لقوله وكراهة، ms060 وزعموا أنه ~~قد سب الأولياء وأنكر كراماتهم، فإن لم يذكر لهم شيئا من ذلك ولم ينكر ~~عليهم بل أثنى عليهم وعلى عقيدتهم وان ما اعتقدوه في معتقدهم حق ولعله عدو ~~لله ظاهر الفسق استبشروا وسروا واتخذوه صديقا لهم. # والإيمان باليوم الآخر لا يعصم إلا بوجود التوحيد الذي أرسل الله به ~~الرسل وأنزل به الكتب لتكليفه على العبيد، وقد صحح الله به عقائد كثيرة حتى ~~من أعدائه ولله الحمد، فهم مع شدة العداوة له لعهدهم الأول إما تقليدا ~~وجهلا أو تكبرا أو تجبرا عن الحق الذي قال ودعا إليه قد اكتسبوا منه وأخذوا ~~عنه ولكن يسبونه ودينه وما أمر به عنادا وبغيا وحسدا كما حل بالأسلاف الذين ~~مضوا قبله، وذلك كله دليل على فضله وعلمه، وأنه قد ميز بين الخطأ والصواب، ~~وما زاد، وفرق القشر عن اللباب لتفرقته بين ما أمر الله به العباد وأرسل به ~~الرسل وأنزل به الكتب ومعناه وكيفيته، وبين ما نهاهم عنه وعلق على وجوده ~~عدم المغفرة مع أنه كتب على نفسه الرحمة وبين ما غفر أنه تحت مشيئته تعالى ~~ومعنى كل منها. ثم انه دعا الناس إلى الحق وأسر وقال مفرقا بين ما عليه ~~الفرقة الناجية ووضحهم بسيماهم وميزهم عن ضدهم فبينهم بعلاماتهم. وإنما ~~الذي # PageV01P059 # لم يميز بين معنى قوله وما في تسطيره فهو الناقض لحكم الله ورسوله قولا ~~واعتقادا مستدلا على ذلك بما يخالفه منطوقه ومفهومه، لكن ضاقت عليه مدارج ~~الإدراك والشعور فعدل إلى مجرد الادعاء بلا نور، كما قيل الأقرع يفتخر بحمد ~~وابن عمه وابن الحمقاء يذكر حالته إذا عيب بامه. # وأما قولكم (وتفريعكم في مقدمتكم التي قال فيها قائلكم فأقول وبالله ~~التوفيق وبيده أزمة التحقيق أجمعت الفرقة الناجية المستثناة الذين قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي " وهم ~~الأشاعرة والسلف من المحدثين وأهل السنة والجماعة على حدوث العالم ووجود ~~الباري وأنه لا خالق سواه) . # فنقول معنى التوفيق تسهيل سبيل الخير والطاعة ضد الخذلان لأنه حصول الشر ms061 ~~والمعصية وأزمة الشيء ما يقوم بها وينتهي إليها والتحقيق هو المعنى المطابق ~~للحق وهو اسم مصدر حقق والواو في قوله بالله والحال وهذا إقرار القائل ~~بلسانه فإن صح اعتقاده حصلت الموافقة لقوله فيما أقر به وإلا فهو مجرد لفظ. # PageV01P060 ### | تعريف الإجماع # والإجماع لغة يطلق على معنيين: # أحدهما: العزم كقوله {فأجمعوا أمركم} أي إعزموا ومنه لا صيام لمن لا يجمع ~~الصيام من الليل. # وثانيهما: الاتفاق وحقيقة أجمع صار ذا جمع كألبن وأثمر. # وفي الاصطلاح: اتفاق خاص وهو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم في عصر على أمر، فلا يعتبر موافقة المقلد ومخالفته والمراد بقولنا في ~~عصر في زمان ما قل أو كثر وقولنا على أمر يتناول الديني والدنيوي، ثم أنه ~~قد اختلف في أنه هل يشترط في الإجماع وانعقاده حجة انقراض عصر المجمعين، ~~فمن اشترط ذلك لا يكفي عنده الاتفاق في # PageV01P060 # عصر بل يجب استمرار ما بقي من المجمعين واحد، فيزيد في الحد إلى انقراض ~~العصر ليخرج اتفاقهم إذا رجع بعضهم فإنه ليس بالإجماع المقصود وهو ما يكون ~~حجة شرعا، وأيضا قد اختلف الأصوليون في أنه هل يجوز حصول الإجماع بعد خلاف ~~مستقر من حي أو ميت أم لا؟ فإن جاز فهل ينعقد أم لا؟ قال يجوز أو قال يجوز ~~وينعقد فلا يحتاج إلى إخراجه عن الحد، ومن يرى أنه لا يجوز ولا ينعقد فلا ~~بد أن يخرجه عن الحد بأن يزيد فيه ولم يستقر خلاف مجتهد. وقال الغزالي هو ~~اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر من الأمور الدينية مستدلا بقوله ~~صلى الله عليه وسلم: " لا تجتمع أمتي على ضلالة" وبقوله: " لا تزال طائفة ~~من أمتي على الحق حتى تقوم الساعة" وبقوله: "يد الله على الجماعة من فارق ~~الجماعة مات ميتة جاهلية" واستدل الإمام الشافعي على حجية الإجماع بقوله ~~تعالى: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين} بضمه إلى مشاقة الرسول التي هي كفر فيحرم إذ لا يضم مباح ms062 إلى ~~حرام في الوعيد، وإذا حرم إتباع غير سبيلهم فيجب إتباع سبيلهم إذ لا مخرج ~~عن طاعة الرسول واتباع سبيل المؤمنين، وهذا أصل كلي خال من معارض ظني إذ ~~متابعة الرسول شاملة لنصرته في حياته أو شريعته بعده، ولما به صاروا مؤمنين ~~وهو التوحيد والإيمان به لا مخصوصة بما لا يخرج عن شريعته. # PageV01P061 ### | رجوع إسماعيل بن اسحق الأشعري عن معتقداته # وقولكم (الفرقة الناجية المستثناة الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيهم: "هم الذين على ما أنا عليه وأصحابي" وهم الأشاعرة) وهذا غلط ظاهر ~~لوجوه: # منها: أن هؤلاء المنتسبين إلى عقيدة الأشعري لم يرجعوا عنها كما رجع عنها ~~وتاب وأقلع منها فإنه اسمه علي بن إسماعيل بن اسحق الأشعري من ذرية أبي ~~موسى الأشعري رضي الله عنه، كنيته أبو الحسن ولد بالبصرة سنة سبعين وقيل ~~ستين ومائتين وتوفي ببغداد ودفن بها سنة أربع وعشرين وثلاثمائة كما قال ابن ~~الصلاح، وكان من تلامذة المعتزلة كأبي علي الجبائي، ومال إلى طريقة ابن ~~كلاب وأخذ عن زكريا الساجي أصول # PageV01P061 # الحديث بالبصرة، ثم انه رجع إلى بغداد فتاب من عقيدته وانتسب إلى الإمام ~~أحمد وغيره من السلف وانتصر لطريقة أحمد كما ذكر ذلك الأشعري في كتبه التي ~~صنفها ومنها كتابه الإبانة الذي سماه في أصول الديانة، وكتابه الذي صنفه في ~~اختلاف المضلين ومقالات الإسلاميين، وكما قاله أبو اسحق الشيرازي إنما حل ~~الأشعري في قلوب الناس لانتسابه إلى الحنابلة، وكان أئمة الحنبلية ~~المتقدمين كأبي بكر عبد العزيز وأبي الحسين التميمي ونحوهما يذكرون كلام ~~الأشعري ورجوعه وتوبته في كتبهم وتفقه على أبي اسحق المروزي الحنبلي وأخذ ~~عن حنبيلة بغداد أمورا من العقائد وسائر العلوم الشرعية، وكان ذلك آخر أمره ~~كما ذكره هو أصحابه في كتبهم. # ومن أجل أصحابه القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلافي المتكلم فهو أفضل ~~المتكلمين المنتسبين إلى الأشعري ليس في مثله لا قبله ولا بعده وقد تاب عن ~~عقيدته وما يقول أهل الكلام ورجع إلى سلف الأمة وخيارها، ذكره ابن الصلاح ~~والشيخ ms063 تقي الدين وغيرهما فالمنتسبون إليه لم رجعوا كما رجع، بل خاضوا في ~~علم الكلام حتى زعموا أن النصوص عارضها من معقولاتهم ما يجب تقديمه وهم ~~حيارى في أصول مسائل التوحيد. ولهذا كثير منهم لما لم يتبين له الهدى نكص ~~على عقبيه فاشتغل باتباع شهوات الغي في بطنه وفرجه أو رياسته وماله ونحو ~~ذلك لعدم العلم واليقين بما كان عليه السلف الصالح، وفي الحديث المأثور: ~~"إن أخوف ما أخاف عليكم شهوات الغي في بطونكم وفروجكم ومعضلات الغث في ~~قلوبكم" وهؤلاء المعرضون عن الطريقة النبوية يجتمع فيهم هذا وهذا. فهم ~~بخلاف الفرقة المستثناة. # (ومنها) أن غالب ما يعتمدونه يؤول إلى دعوى لا حقيقة لها، أو شبهة مركبة ~~من قياس فاسد، أو قضية كلية لا تصح إلا جزئية أو دعوى اجماع لا حقيقة له ~~والتمسك في المذهب والدليل بالألفاظ المشتركة (وإذا كان فحول النظر) ~~وشياطين الفلسفة الذين بلغوا في الذكاء والنظر إلى الغاية وهم ليلهم ~~ونهارهم يكدحون في معرفة هذه العقليات ثم لم يصلوا فيها إلا إلى حيرة ~~وارتياب، وأما إلى الاختلاف بين الأحزاب، فكيف غيرهم المقلدون لهم ممن لم ~~يبلغ مبلغهم في الذهن والذكاء ومعرفة ما سلكوه، أم كيف يكون هؤلاء المقلدون ~~للمتكلمين الذين قد كثر في باب الدين اضطرابهم وغلظ عن معرفة الله حجابهم، ~~وأخبر الواقف على نهاية أقدامهم بما انتهى # PageV01P062 # إليه من مرامهم حيث يقول: # لعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرقي بين تلك المعالم # فلم أر إلا واضعا كفى حائر ... على ذقن أو قارعا سن نادم # وأقروا على أنفسهم بما قالوه متمثلين به أو منشئين له فيما صنفوه من ~~كتبهم كقول بعض رؤسائهم وهو الفخر الرازي: # نهاية اقدام العقول عقال ... وأكثر سعي العالمين ضلال # وأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وغاية دنيانا أذى ووبال # ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقال # من الذين أثنى الله عليهم في كتابه وممن استثناهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم في جملة اتباعه وأحبابه لأن هؤلاء داخلون في عموم قوله ms064 تعالى: ~~{والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا ذلك ~~الفوز العظيم} فهم ورثة الأنبياء وخلفاء الرشدين وأعلام الهدى الذين بهم ~~قام الكتاب وبه قاموا وبهم نطق الكتاب وبه نطقوا، قد وهبهم الله من العلم ~~والحكمة ما برزوا به على سائر اتباع الأنبياء، وأحاطوا من حقائق المعارف ~~وبواطن الحقائق ما لو جمعت حكمة غيرهم إليها لاستحيا من يطلب المقابلة، ~~بعكس من نبذ الكتاب رراءه واستدل بقول الأخطل، فإن من تأمل عقيدة المتكلم ~~والمقلد له تأملا يميز به بين الضدين ويفرق فيه بين الجنسين. علم يقينا أن ~~من أعرض عن الكتاب لم يعارضه إلا بما هو جهل بسيط أو مركب. فالأول {والذين ~~كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ~~ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} والثاني {أو كظلمات في بحر ~~لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده ~~لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} فأهل البسيط أهل ~~الحيرة. وأهل المركب أرباب الاعتقادات الباطلة التي يزعمونها عقليات. # PageV01P063 # (ومنها) أن الإمام الشافعي رضي الله عنه تكلم على أهل الكلام ومن قلدهم ~~فقال رحمه الله: (حكمي فيهم أن يضربوا بالجريد والنعال ويطاف بهم في ~~القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على علم ~~الكلام والعقل فإنهم أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء وأعطوا فهوما وما أعطوا ~~علوما أعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا ~~أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون. ~~ومن كان عليما بذلك ظفر له من الفرقة المستثناة كيف كان حذقهم وفضلهم ~~وعلمهم وان من لم يقتصر على ما جاء عن الله ورسوله لم يزدد من الله إلا ~~بعدا فنسأل الله العظيم أن يهدينا صراطه المستقيم) . # PageV01P064 ### | تعريف السلف # (وإذا عرف ذلك فنقول ms065 معرفين السلف) وهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~وأفضل الأصحاب الحلفاء الراشدون الذين قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي عضوا عليها بالنواجذ ~~وإياكم ومحدثات الأمور وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" (ومنهم أيضا الأئمة ~~المجتهدون) الذين يقولون الحق وبه كانوا يعدلون. ثم من تبعهم بإحسان وقفى ~~أثرهم عاملا بطريقتهم إلى آخر الزمان، لم يغير ولم يبدل ما كانوا يقولون ~~ويعتقدون. وهؤلاء هم الذين نص عليهم النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: " ~~ما أنا عليه اليوم وأصحابي" كثير من المبتدعة الضالين يفضلون طريقة غيرهم ~~ظانين أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ~~لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: {ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني} وإن طريقة غيرهم هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها ~~بأنواع المجازات وغرائب اللغات. فهذا الظن الفاسد أوجب قول طريقة السلف ~~أسلم وطريقة الخلف أعلم وأحكم، فإنه لا يجوز أن يكون الخالفون أعلم من ~~السالفين. فلم يعرف قدر السلف من هذا وصفه، بل ولا عرف الله ورسوله ~~والمؤمنين حقيقة المعرفة المأمور بها، لأن هؤلاء المحجوبين المنقوصين ~~المسبوقين الحيارى لم يكونوا أعلم بالله # PageV01P064 # وأسمائه وصفاته وأحكم في باب ذاته وآياته من السابقين الأولين من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من ورثة الأنبياء الذين وهبهم ~~الله علم الكتاب وحكمته، وأحاطوا من حقائق معارفه وبواطن حقائقه ما عجز ~~أولئك عن فهم معانيه وإدراكه. ثم كيف يكون خير قرون الأمة انقص في العلم ~~والحكمة لاسيما العلم بالله وأحكام أسمائه وآياته من هؤلاء الأصاغر بالنسبة ~~إليهم. أم كيف يكون المتفلسفة واتباعهم واليونانيون وورثة المجوس والمشركين ~~وضلال الصابئين واشباههم واشكالهم أعلم بالله من ورثة الأنبياء وأهل القرآن ~~والإيمان، وقد استولى الضلال والتهوك على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب ~~الله وراء ظهورهم، وإعراضهم عما بعث الله به محمدا من البينات والهدى ~~وتركهم البحث عن طريق السابقين، والتماسهم علم معرفة الله تعالى بصفات ~~الكمال ممن لم يعرف الله بإقراره ms066 على نفسه وبشهادة الأمة عليه، وبدلالات ~~كثيرة منها أنهم ينزهون وهم يكذبون. وهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة ~~التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهر، وقد كذبوا على طريقة السلف وضلوا في ~~تصويب طريقة غيرهم، وسبب ذلك اعتقادهم أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها ~~هذه النصوص بالشبهات الفاسدة التي أشركوا فيها إخوانهم من المتفلسفين، فلما ~~اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى بقوا ~~مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسمونها طريقة السلف، ~~وبين صرف اللفظ لمعان بنوع تكلف وهي التي يسمونها طريقة غيرهم. فصار هذا ~~الباطل مركبا من فساد العقل وإنكار السمع، فان النفي إنما اعتمدوا فيه على ~~أمور عقلية ظنوها بينات وهي شبهات، والسمع حرفوا فيه الكلم عن مواضعه فلما ~~انبنى أمرهم على هاتين القاعدتين كانت السجية استهمال السابقين الأولين ~~واستبلاههم واعتقاد أنهم كانوا قوما أميين بمنزلة الصالحين من العامة لم ~~يتبحروا في حقائق العلم بالله، ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهي. وإن غيرهم ~~هم الفضلاء فقد حازوا قصب السبق في هذا كله. # ثم هذا القول إذا تدبره الإنسان وجده في غاية الجهالة بل في غاية الضلال. ~~فهذا كتاب الله من أوله إلى آخره وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من أولها ~~إلى آخرها، ثم كلام الصحابة والتابعين، ثم كلام سائر الأئمة ان من اتبع غير ~~سبيل # PageV01P065 # المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، فليس أهل السنة ~~والجماعة إلا السلف الصالح وذوو العقل الراجح والواقفون عند النص من كتاب ~~الله وسنة رسوله، مستغنين بهما عن كل هاجس وقول مخالف للكتاب والسنة مما هو ~~عارض تائح، فهم بحبل الله معتصمون وبكلام رسوله آخذون وعليه واقفون ~~وبالعروة الوثقى مستمسكون. والدليل على ذلك أنهم في باب أسماء الله وصفاته ~~وسط بين أهل التعطيل الذين يلحدون في أسمائه وآياته ويعطلون حقائق ما نعت ~~الله به نفسه حتى شبهوه بالمعدوم وبالأموات، وبين أهل التمثيل الذين يضربون ~~له الأمثال ويشبهونه بالمخلوق. فتؤمن أهل السنة والجماعة ms067 بما وصف الله به ~~نفسه وما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل وتكييف. وهم ~~في باب خلقه وأمره وسط بين المكذبين بقدر الله الذين لا يؤمنون بقدرته ~~الكاملة ومشيئته الشاملة وخلقه كل شيء، وبين المفسدين لدين الله الذين ~~يجعلون العبد ليس له مشيئة ولا قدرة ولا عملا فيعطلون الأمر والنهي والثواب ~~والعقاب فيصيرون بمنزلة المشركين الذين قالوا {لو شاء الله ما أشركنا ولا ~~آباؤنا ولا حرمنا من شيء} فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن الله على كل شيء ~~قدير فيقدر أن يهدي العباد ويقلب قلوبهم وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم ~~يكن. فلا يكون في ملكه ما لا يريد ولا يعجز عن انفاذ أمره، وأنه خالق كل ~~شيء من الأعيان والصفات والحركات، ويؤمنون أن العبد له قدرة ومشيئة وعمل ~~وأنه مختار ولا يسمونه مجبورا إذ المجبور من أكره على خلاف اختياره، والله ~~سبحانه جعل العبد مختارا بما يفعله، فهو مختار مريد والله خالقه وخالق ~~اختياره وهذا ليس لله نظير فان الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ~~ولا في أفعاله. وهم في باب الأسماء والأحكام والوعد والوعيد وسط بين الذين ~~يجعلون أهل الكبائر من المسلمين مخلدين في النار ويخرجونهم من الإيمان ~~بالكلية ويكذبون بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم وبين المرجئة الذين ~~يقولون إيمان الفاسق مثل إيمان الأنبياء. والأعمال الصالحة ليست من الدين ~~والإيمان. ويكذبون بالعقاب بالكلية. فتؤمن أهل السنة والجماعة بأن فساق ~~المسلمين معهم بعض الأيمان وأصله وليس معهم جميع الإيمان الواجب الذي ~~يستوجبون به الجنة وأنهم لا يخلدون في النار بل يخرج منها من كان في قلبه ~~مثقال حبة من إيمان أو مثقال خردلة من إيمان، وان النبي صلى الله عليه وسلم ~~ادخر شفاعته لأهل الكبائر من أمته، وهم أيضا في أصحاب رسول الله # PageV01P066 # صلى الله عليه وسلم وسط بين الغالية الذين يغلون في علي رضي الله عنه ~~فيفضلونه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، أو يعتقدون أنه ms068 الإمام المعصوم ~~دونهما، وأن الصحابة رضي الله عنهم ظلموا وفسقوا وكفروا، والأمة بعدهم كذلك ~~وإنما جعلوه نبيا وإلها. وبين الجافية الذين يعتقدون كفره وكفر عثمان ~~ويستحلون دمهما ودماء من تولاهما أو يستحلون سب علي وعثمان ونحوهما، أو ~~يقدحون في خلافة علي وإمامته، وكذلك في سائر أبواب السنة، هم وسط لأنهم ~~مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. # PageV01P067 ### | حدوث العالم وأنه لا خالق سوى الله # (وقولكم على حدوث العالم ووجود الباري وأنه لا خالق سواه) . # فنحن نقول كل ما سوى الله وصفاته حادث. والله سبحانه هو الذي أوجده وخلقه ~~وابتدأه من العدم، لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا، بل بالحق والحكمة التي لو لم ~~يكن منها إلا ليعرف بسائر صفات الكمال فيعبد وحده لا يشرك به، ويكون الدين ~~كله بأنواعه له مختص بجلاله كما أن الأمر كله له تعالى فلا خالق لجسم ولا ~~جوهر ولا عرض ولا شيء إلا هو تعالى، وجميع أفعال العباد كسب لهم، وهي ~~مخلوقة لله خيرها وشرها حسنها وقبيحها، فالله خالق لا مكتسب. والعبد مكتسب ~~لا خالق، وخلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والرياح والسحاب وغير ~~ذلك من الأجسام العظيمة دال على وحدانية الصانع فهو المتفرد بالألوهية، كما ~~أنه متفرد بالربوبية فهو الخالق لجميع العوالم كلها، وبه قامت الحوادث ~~كلها، إذ هو القادر على أن يمسك العالم كله في قبضته، كما جاءت به الآثار ~~الإلهية، وكما قال تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} وقد ثبت في ~~الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وابن عمر وابن مسعود ~~وابن عباس ما يوافق مضمون هذه الآية، وان الله تعالى يقبض العالم العلوي ~~والسفلي ويمسكه ويهزه ويقول أنا الملك أين ملوك الأرض. وفي بعض الآثار: ~~"ويدحوها # PageV01P067 # كما يدحو أحدكم الكرة" وقال ابن عباس: (ما السموات السبع والأرضون السبع ~~وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن ms069 إلا كخردلة في يد أحدكم) وهو تعالى لا ~~خالق سواه. وهذا مما أجمع عليه أهل الملل كلها فلم ينكر أحد أنه خالق لجميع ~~المخلوقات، إلا أنه قد جرى للمعتزلة كلام في خلق الإنسان أفعاله نفسه ~~وخلافهم غير معتد به بعد قوله تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} وقوله: ~~{أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} فان العبد غير موجد ولا خالق ~~لأفعاله. لأنه تعالى طعن في ألوهية الأجسام بسبب أنها لا تخلق شيئا. فهذا ~~يقتضي أن كل ما كان خالقا كان إلها، فلو كان العبد خالقا لأفعال نفسه لكان ~~إلها، ولما كان ذلك باطلا علمنا أن العبد غير خالق لأفعال نفسه. # ومن الدليل على علم ذلك عند كل أحد، تقرير الله الخلق وإقرارهم بأن الله ~~هو الخالق وحده. قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر ~~الشمس والقمر ليقولن الله} ولذلك قرعهم سبحانه بالاستفهام الإنكاري في قوله ~~عز وجل: {قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق ثم يعيده} لكن لما كان بعضهم ~~منكرا للمعاد الجسماني أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول: {قل الله ~~يبدأ الخلق ثم يعيده} ثم انه جرى كلام هل الخلق غير المخلوق أو هو هو، ~~والجمهور يقولون الخلق غير المخلوق، والفعل غير المفعول، إذ الخلق مصدر، ~~والمخلوق هو المفعول، والمصدر مغاير للمفعول لا نفسه. وهذا قول جماهير ~~الصوفية وأهل الحديث بل كلهم، ولأصحاب مالك والشافعي وأحمد في ذلك قولان ~~والذي عليه أئمتهم ان الخلق غير المخلوق وهو أيضا قول أكثر أهل الكلام وهو ~~الذي حكاه البغوي عن أهل السنة. # (وأما قولكم وأنه قديم متصف بالعلم والقدره وسائر صفات الكمال والجلال ~~منزه عن سمات النقص) . # فنقول إنه تعالى قديم أزلي، فإن كل أزلي قديم ولا عكس، فهو الأول ولا ~~بداية، والآخر ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه متصفا بصفاته العليا ~~وأسمائه الحسنى، فهو إله واحد لا شريك له في عبادته فلا يتجزأ في ذاته. أحد ~~لا من عدم، فرد صمد لم يلد، ولم يولد، ms070 ولم يكن له كفوا أحد، ولا معين له في ~~خلقه، ولا مثل # PageV01P068 # له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، حي موجود لم يزل ولا يزال. ~~ومتصف سبحانه بالعلم. فهو تعالى عالم بعلم واحد قديم باق ذاتي محيط بكل ~~معلوم كلي أو جزئي على ما هو عليه فلا يتجدد علمه تعالى بتجدد المعلومات ~~ولا يتعدد بتعددها. ليس بضروري ولا كسبي، ولا نظري، ولا استدلالي، ومتصف ~~بالقدرة، فهو على كل شيء قدير، وقدرته واحدة وجودية قديمة باقية ذاتية ~~متعلقة بكل ممكن، فلم يوجد شيء إلا بها لأن الفعل صفة والله قادر عليه لا ~~يمنعه منه مانع. وقد خلق المخلوقات فوجدت بالفعل الذي هو الخلق بقدرة الله ~~تعالى. والقدرة على خلق المخلوق هي القدرة على الفعل. قال تعالى: {أوليس ~~الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى} وقوله: {أليس ذلك ~~بقادر على أن يحيي الموتى} وقوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون} وقوله تعالى: {قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} ~~الآية ونحو ذلك مما فيه وصف الله بالقدرة على الأفعال المتناولة للمفعولات، ~~وفيه بيان أن الخلق ليس هو المخلوق، لأن نفس خلقه السموات والأرض غير ~~السموات والأرض، ومتصف سبحانه بسائر صفات الكمال والجلال فهو تعالى مريد ~~إرادة واحدة ذاتية قديمة باقية متعلقة بكل ممكن. وهو تعالى حي بحياة واحدة ~~وجودية قديمة ذاتية. وهو تعالى سميع وبصير بسمع وبصر قديمين ذاتيين وجوديين ~~متعلقين بكل مسموع ومبصر. وهو تعالى قائل ومتكلم بكلام قديم ذاتي وجودي غير ~~مخلوق ولا محدث ولا حادث بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف يسمعه منه أهل ~~الجنة في الجنة إذا دخلوها. والمراد بقوله تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ~~ربهم محدث} من جهة النزول لأنهم لم يسمعوه قبل إنزاله قط ولا يشبه كلام ~~المخلوقين، أو المراد بالذكر المحدث تذكير النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه ~~لم يذاكرهم قبل أن ينبأ، ونسبته إلى الله تعالى لأن المذاكرة من النبي صلى ms071 ~~الله عليه وسلم لهم كانت بأمره تعالى، ومنزه تعالى عن سمات أي علامات ~~النقص، فهو تعالى لا تحله الحوادث ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه. فمن ~~اعتقد أو قال أن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر، بل يجب الجزم ~~بأنه تعالى بائن من خلقه مستو على عرشه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل، ~~فالله تعالى كان ولا مكان، ثم خلق المكان، وهو تعالى كما كان قبل خلق ~~المكان، ولا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، ولا مدخل في ذاته وصفاته ~~وأفعاله للقياس، لم يتخذ صاحبة ولا والدا، فهو الغني عن كل شيء، ولا يستغني ~~عنه شيء، ولا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، فمن شبهه # PageV01P069 # بمخلوقه فقد كفر. وأما قوله تعالى: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم} فقال ابن عباس ما من شيء تناجي به صاحبيك إلا هو رابعهم بالعلم، ~~يعنى أن نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند الرابع الذي هو معهم. # PageV01P070 ### | المعاد الجسماني والمجازاة # وأما قولكم (وان المعاد الجسماني حق وكذا المجازاة والمحاسبة والصراط ~~والميزان وخلق الجنة والنار وخلود أهل الجنة وخلود الكفار في النار) . ~~فنقول هذا مما أجمع عليه المسلمون قاطبة وعلم من الدين ضرورة، إن إعادة ~~الأجسام على هيئتها قبل الموت مبعوثة ثم مجازاة ومحاسبة فهذا حق واجب ~~الإيمان به قال تعالى: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ~~بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول ~~له كن فيكون} وقال تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة} والآيات ~~والأحاديث في ذلك كثيرة جدا منها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يبعث كل عبد على ما مات عليه ~~فالمؤمن على إيمانه والكافر على كفره" وكذا حديث جبريل حين سأل النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الإيمان فعد منه الإيمان ms072 باليوم الآخر والمجازاة على فعل ~~الخير والشر قال تعالى: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} وقال تعالى: {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من ~~سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه} وقوله تعالى: ~~{يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه} والمحاسبة على ~~ما مضى من جميع الأعمال حق قال تعالى: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه} الآية وقوله تعالى: {اقرأ كتابك كفى بنفسك ~~اليوم عليك حسيبا} وحديث من نوقش الحساب عذب. رواه البخاري ومسلم من حديث ~~عائشة رضى الله عنها، فيحاسب المسلمون المكلفون إلا من شاء الله أن يدخل ~~الجنة بغير حساب. وكل مكلف مسؤول، ويسأل الله من شاء من الرسل عن الرسالة ~~ومن شاء من الكفار عن تكذيب الرسل. فالكفار لا يحاسبون ولا توزن صحائفهم ~~قال تعالى: {فلا نقيم لهم يوم القيامة # PageV01P070 # وزنا} وإن فعل كافر قربة من نحو عتق أو صدقة أو عمل حسن وفي له في حياته ~~الدنيا، وليس له في الآخرة جزاء عمل، لكن نرجو أن يخفف عنه من عذاب معاصيه. ~~لحديث ثويبة حين أعتقها أبو طالب. وكذا الصراط وهو جسر ممدود على ظهر جهنم ~~مدحضة مزلة، أحد من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ ~~الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مشاة وركبانا وزحفا، يمر عليه المسلم ~~والكافر فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة فناج ~~مسلم ومخدوش ومكردس في النار، قد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~غير وجه قال الفضيل ابن عياض رحمه الله تعالى في وصفه الصراط أنه سبع جسور ~~فيحاسب العبد في أولها على الإيمان فإن سلم إيمانه من النفاق والرياء ~~والشرك والعجب نجا وإلا تردى في النار، وفي الثانية عن الصلاة فإن أداها ~~مكملا شروطها وأركانها وواجباتها نجا وإلا تردى في النار، وفي الثالثة عن ~~الزكاة فإنا أداها تامة بطيب نفس نجا ms073 وإلا تردى في النار، وفي الرابعة عن ~~الصيام فإن أداه تاما نجا وإلا تردى في النار، وفي الخامسة عن الحج والعمرة ~~فإن أداهما تامين بشرائطهما وأركانهما نجا وإلا تردى في النار، وفي السادسة ~~عن الوضوء والغسل من الجنابة فإن أداهما تامين نجا وإلا تردى في النار، وفي ~~السابعة عن بر الوالدين وصلة الرحم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ~~أتمه نجا وإلا تردى في النار. # وكذا الميزان الذي توزن به الأعمال من الحسنات والسيئات، وفيه النصوص ~~القرآنية والأحاديث النبوية، فهو حق وله لسان وكفتان توزن بهما صحائف ~~الأعمال. قال ابن عباس رضي الله عنهما: "توزن الحسنات في أحسن صورة وتوزن ~~السيئات في أقبح صوره" وكذا خلق الجنة والنار وأنهما موجودتان الآن، فعن ~~أبي سلمة وهو ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: "لما خلق الله الجنة قال لجبريل اذهب فانظر إليها فنظر ~~إليها ثم جاء فقال: أي رب وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها. ثم حفها ~~بالمكاره. ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال: ~~أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يدخلها أحد. فلما خلق النار قال: يا جبريل اذهب ~~فانظر إليها فذهب فنظر إليها ثم جاء فقال وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، ~~فحفها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهب فنظر إليها فقال: ~~أي رب وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها" رواه أبو داود # PageV01P071 # والترمذي والنسائي قال الترمذي حسن صحيح. وأخرج مسلم في صحيحه من حديث ~~أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "حفت ~~الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات" وأخرجه أيضا في صحيحه من حديث الأعرج ~~عن أبي هريرة، وقد ذكر بعضهم أن هذا من بديع الكلام وجوامعه الذي أوتيه صلى ~~الله عليه وسلم من التمثيل الحسن، وأن حفاف الشيء جانباه فكأنه أخبر صلى ~~الله عليه وسلم أنه لا ms074 يوصل إلى الجنة إلا بتخطي المكاره، وكذلك النار لا ~~يوصل إليها إلا بتخطي الشهوات وما تميل إليه النفوس، وان إتباع الشهوات ~~يلقى في النار ويدخلها وأنه لا ينجو منها إلا من تجنب الشهوات. ففي هذا ~~الحديث حث على اجتنابها وعن سهل بن حوشب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها" وعن أبي سعيد الخدري ~~مرفوعا: "أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم كما تتراءون الكوكب ~~الدري الغابر في الأفق من المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا: يا رسول ~~الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم قال: بلى والذي نفسي بيده رجال ~~آمنوا بالله وصدقوا المرسلين" وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال حين مات إبراهيم: " أن له مرضعا في الجنة". وعن أبي هريرة مرفوعا: ~~" اشتكت النار إلى ربها فقالت رب أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في ~~الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر وأشد ما تجدون من الزمهرير" ~~وعنه أيضا مرفوعا: "ناركم هذه جزء من سبعين جزأ من نار جهنم، قيل يا رسول ~~الله ان كانت لكافية قال لقد فضلت عليها بتسعة وتسعين جزءا كلهن مثل حرها " ~~وحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل ~~أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: ومن يأبى قال: من أطاعني دخل الجنة ~~ومن عصاني فقد أبى" أخرجه البخاري في صحيحه. # وخلود أهل الجنة فيها وخلود الكفار في النار حق قال عز من قائل: {فأما ~~الذين شقوا ففي النار لهم فيها زفير وشهيق خالدين فيها} قال ابن عباس في ~~الزفير الصوت الشديد، والشهيق الصوت الضعيف. وقال مقاتل والضحاك الزفير أول ~~نهيق الحمار والشهيق آخره إذا ردده في جوفه. وقال أبو العالية الزفير في ~~الحلق، والشهيق في الصدر. وخالدين فيها أي مقيمين ما دامت السموات والأرض. ~~قال الضحاك: ما دامت سموات الجنة والنار وأرضها. فكل ما علاك وأظلك ms075 فهو ~~سماء. وكل # PageV01P072 # ما استقر عليه قدماك فهو أرض. وقال أهل المعاني: هذا عبارة عن التأبيد، ~~أتي به على عادة العرب، يقولون لا آتيك أو لا يكون الأمر كذا ما دامت ~~السموات والأرض، أو ما اختلف الليل والنهار، يعنون لا يكون ذلك أبدا وأما ~~الاستثناء في قوله: إلا ما شاء ربك، فقال بعضهم هو في الأول منفصل معناه ~~إلا من مات موحدا فإنه يخرج من النار فيدخل الجنة وسماه الله شقيا لدخوله ~~النار بالمعصية مع من شقى وهذا المعنى قد روي من حديث أنس بن مالك رضي الله ~~عنه وعمران بن حصين. فأما حديث أنس ابن مالك فقال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: " ليصيبن أقواما سفع من نار بذنوب أصابوها عقوبة، ثم ~~يدخلهم الله الجنة بفضله ورحمته يقال لهم الجهنميون" وأما حديث ابن حصين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يخرج قوم من النار بشفاعة محمد صلى الله ~~عليه وسلم بإذن الله فيدخلون الجنة فيسمون الجهنميين". وما وإن كان وضعها ~~لما لا يعقل غالبا فهي هنا للوقت، ولكن لما كان الكلام عن حال من يعقل صار ~~لها مناسبة فيه، وقال بعضهم إلا بمعنى سوى أي خالدين فيها هذا القدر سوى ما ~~شاء الله من الزيادة عليه وقيل إلا بمعنى الواو أي وما شاء ربك كقولهم ~~لعمر: أبيك إلا الفرقدان. أي والفرقدان، وأما معناه في الثاني وهو قوله: ~~{وأما الذين سعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما ~~شاء ربك} فهو استثناء متصل إذ لا يخرج من الجنة بعد دخولها أحد، ومعناه ~~يرجع لمدة لبث هؤلاء المستثنيين في النار قبل دخولهم الجنة. وقيل ما شاء ~~ربك من الفريقين من تعميرهم في الدنيا واحتباسهم في البرزخ ما بين الموت ~~والبعث قبل مصيرهم إلى الجنة والنار يعني هم خالدون في الجنة والنار إلا ~~هذا المقدار. ولذلك قال الضحاك عند قوله إلا ما شاء ربك: إي إلا ما مكثوا ~~في النار حتى دخلوا الجنة فهو مراد الفريق. ms076 وظاهر اللفظ يأباه. وقال قتادة: ~~الله أعلم بتنياه. والحاصل أنه يجب علينا اعتقاد أن المؤمن يخلد في الجنة، ~~وأن الكافر يخلد في النار، وإن كلا لا يخرج عن محله بعد أن يدخله، وما روي ~~عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "ليأتين على جهنم زمان ليس فيها أحد ~~وذلك بعد ما يلبثون فيها أحقابا" وعن أبي هريرة نحوه فمعناه عند أهل السنة ~~إن ثبت أن لا يبقى فيها أحد من أهل التوحيد والإيمان. فأما مواضع الكفار ~~فمملوءة منهم ومعنى قوله تعالى: {لابثين فيها أحقابا} واحدها حقب وهو ~~ثمانون سنة. قال المفسرون الحقب # PageV01P073 # الواحد بضع وثمانون سنة. السنة ثلاثمائة وستون يوما. مقدار اليوم ألف سنة ~~من أيام الدنيا وقال الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة بل قال أحقابا ~~فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر ثم آخر هكذا أبدا، وقد بشر الله ~~أهل الجنة بدوام لبثهم فيها قال: {عطاء غير مجذوذ} وقال في الآية الأخرى: ~~{إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا خالدين فيها ~~لا يبغون عنها حولا} # PageV01P074 ### | جواز العفو عن المذنبين # (وأما قولكم ويجوز العفو عن المذنبين) . # فنقول أجمع أهل السنة على أن المسلم لا يكفر بذنب فكل من لم يأت بما ~~يقتضي الخروج عن الملة يجوز العفو عنه ويدخل تحت مشيئته تعالى إن شاء غفر ~~له بفضله وإن شاء عاقبه بعدله مع عدم تخليده في النار، كما نطق به القرآن ~~والسنة قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} إلى ~~قوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة ~~مع الاقتتال وبغى بعضهم على بعض. وفي البخاري عن عمر ابن الحطاب رضي الله ~~عنه: "أن رجلا يشرب الخمر يقال له عبد الله فأتى به شاربا فلعنه رجل فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" وفي المسند ~~للإمام أحمد من ms077 حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " الدواوين عند الله عز رجل ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا، ~~وديوان لا يترك منه شيئا، وديوان لا يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبؤ ~~به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه من صوم تركه وصلاة تركها فإن الله ~~عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه ~~شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا القصاص لا محالة. وأما الديوان الذي لا يغفره ~~الله فالشرك". قال عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء} وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار} ثم ان كانت # PageV01P074 # الذنوب صغيرة وضابطها ما أوجب تعزيرا فأقل فهذا يغفر بالوضوء والصلاة ~~والجمعة والصيام ما اجتنبت الكبائر. # وإن كانت كبيرة فإن استحلت فهي كفر، وضابطها ما أوجب حدا في الدنيا ~~ووعيدا في الآخرة، وإن لم تستحل فإن تاب قبل الغرغرة أو رؤية الملك قبلت ~~التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها وإن لم يتب بأن مات مصرا فأمره مفوض إلى ~~الله إن شاء عاقبه وإن شاء غفر له. وفي صحيح مسلم من حديث المعرور بن سويد ~~عن أبي ذر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله ~~تعالى من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه ~~باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة بر ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك ~~بي شيئا لقيته بقرابها مغفرة" وخرج الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: ~~دخلت على أنس رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم ~~استغفرتم غفرت لكم". # PageV01P075 ### | شفاعة الرسل # (وأما قولكم والشفاعة حق وبعثة الرسل بالمعجزات حق من آدم إلى محمد صلوات ~~الله وسلامه عليهم أجمعين) . # فنقول: أما الشفاعة ms078 فقد قال أهل المعاني أنها مأخوذة من الشفع المقابل ~~للوتر، فاستعملت في الشفيع باعتبارين: # الأول: كونه شافعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسئلة. # الثاني: كونه شافعا للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا ~~بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها. فمن الأول قوله تعالى: {من يشفع # PageV01P075 # شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} ومن ~~الثاني قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون ~~هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في ~~الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} وقوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله ~~لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم} الآية وقوله: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} . # ثم ان الشفاعة من حيث هي قد افترق الناس فيها ثلاث فرق: طرفان ووسط. ~~فالمشركون ومن وافقهم من مبتدعة أهل الكتاب كالنصارى ومبتدعة هذه الأمة قد ~~أثبتوا الشفاعة التي نفاها الله وذلك أنهم اتخذوا وسائط ووسائل من الخلق ~~شفعاء لهم يسمونهم آلهة ومنه قول صاحب يس: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين} ~~لكن هؤلاء الباقون نفوا بألسنتهم اسم الإله عما سوى الله وأثبتوا معناه في ~~معتقدهم وقولهم الذي يسمونه واسطتهم ووسيلتهم من الخلق في تفريج كربهم وكشف ~~شدائدهم. كما تكون الوسائط والوسائل بين السلطان ورعيته فشبهوا الحالق ~~تعالى بالمخلوق. وصريح القرآن من أوله إلى آخره رادا عليهم إذ السلاطين ~~جاهلون أحوال الخلق إلا بمنبه ومفطن، والله تعالى عالم يعلم ما في السموات ~~وما في الأرض كما أن له ما في السموات وما في الأرض وما بينهما وما تحت ~~الثرى، يعلم السر وأخفى، الله لا إله ms079 إلا هو لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا ~~في السماء. والملوك عاجزون عن تدبير الخلق إلا بمعين ومظاهر والله تعالى هو ~~المدبر للأشياء كلها {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في ~~الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} والملوك محتاجون إلى محرك ~~خارجي يحركهم بالموعظة ونحوها والله تعالى لا مانع لما أعطى ولا معطي لما ~~منع، بل هو الخالق للسبب والمسبب وليس في الأسباب ما هو مستقل بل هي جميعها ~~من الله وحده لا شريك له لا قيام لها إلا بمشيئته وقدرته، فلا حول وهى ~~الحركة والتحول من حال إلى حال ولا قوة كل ذلك الحلول إلا به تعالى وسواء ~~في ذلك الحول والقوة الموجود في السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن ~~وسائر الدواب وغيره {قل ادعوا الذين # PageV01P076 # زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم ~~فيهما من شرك وما له منهم من ظهير} ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له ~~فليس لغيره ملك ولا شرك في ملك غيره ولا شريك له. وهذان الصنفان هما اللذان ~~لهما ملك إما كامل وإما مشاع، ومن ليس له ملك فإما أن يكون عونا للمالك ~~كالوكلاء والإجراء والغلمان والجند والأولياء. وإما أن يكون سائلا طالبا ~~منه لأنه إما أن ينفع المالك فيكون له عليه حق وإما أن لا ينفع لكن يسأله ~~فأخبر سبحانه أنه ليس له من المخلوقات من ظهير. # وأما مسئلة الشفاعة فلم ينفها لكن أخبر أنها لا تكون ولا تنفع إلا لمن ~~أذن له، فالشفاعة بعد رضائه تعالى عن المشفوع فيه وهذا بخلاف الشفعاء ~~للمخلوقين فإنهم قد يشفعون لمن لم يؤذن لهم في الشفاعة له وقبل استئذان ~~المشفوع إليه. وهكذا كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} وقوله: {وكم ~~من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ~~ويرضى} وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال: {ما من شفيع ms080 إلا من بعد ~~إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} وهذا يوجب انقطاع تعلق القلوب ~~بغيره ولو كان ملكا أو نبيا فكيف بالمشايخ والعلماء والملوك فإن غاية ~~الراجي لهم المعتمد عليهم أن يقول هم يشفعون لي فقد أخبر سبحانه أنه ما من ~~شفيع إلا من بعد إذنه وأنكر أن يشفع أحد إلا بإذنه وأخبر أن الشفاعة لا ~~تنفع إلا لمن أذن له. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء صلى الله عليه وسلم يوم ~~القيامة إلى ربه ورآه سجد وحمد بمحامد يفتحها عليه ولا يبتدئ بالشفاعة حتى ~~يقال له: أي محمد أرفع رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع. وبهذا تتبين ~~الشفاعة المنفية يوم القيامة كما قال جل ذكره: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون} وقال ~~تعالى: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله} وذلك ان الإنسان في ~~الدنيا يحصل ما ينفعه، تارة يكون بمعاوضة حسية، وتارة معنوية، والله تعالى ~~خالق كل شيء وربه ومليكه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقيرا إليه ~~بخلاف الخلق فإنهم محتاجون إلى ظهير يظاهرهم ويعاونهم فهذه الوسائط في ~~الحقيقة شركاؤهم والله سبحانه ليس له شريك في الملك كما ليس له شريك في ~~استحقاق العبادة بل هو المختص بها ولا تليق إلا لجلاله وعظمته فلا إله إلا ~~هو وحده لا شريك له، له الملك وله # PageV01P077 # الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا حسم مادة الشفاعة عن كل أحد بغير إذن ~~الإله فلا أحد يشفع عنده إلا بإذنه لا ملك ولا نبي ولا غيرهما لأن من شفع ~~عنده غيره بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب لأنه أثر فيه بشفاعته ~~لاسيما إن كانت من غير إذنه فجعله يفعل ما طلب منه والله تعالى لا شريك له ~~بوجه من الوجوه، وكل من أعان غيره على أمر فقد شفعه فيه، والله تعالى وتر ~~لا يشفعه أحد بوجه من الوجوه، ولهذا قال ms081 عز من قائل: {قل لله الشفاعة ~~جميعا} وقال تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما ~~خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد ~~تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون} وقال تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ~~ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ~~ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} والآيات في ذلك كثيرة جدا ~~رادة على المشركين قولهم وعقيدتهم. # PageV01P078 ### | إنكار الخوارج والمعتزلة للشفاعة: # وأما الخوارج والمعتزلة فقد أنكروا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ~~في أهل الكبائر من أمته. بل أنكرت طائفة من أهل البدع والأهواء انتفاع ~~الإنسان بشفاعة غيره ودعائه كما أنكروا انتفاعه بصدقة غيره وصيامه غير ~~الواجب باصل الشرع عنه. وأنكروا الشفاعة من أصلها محتجين بقوله تعالى: {من ~~قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} وبقوله: {ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع} وغير ذلك. # PageV01P078 ### | عقيدة السلف الصالح في الشفاعة # وأما سلف الأمة وخيارها وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ~~ما جاءت به السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. ففي البخاري من حديث أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة ~~مستجابة وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي وهي نائلة منكم إن شاء الله من مات لا ~~يشرك بالله شيئا" وروى حديث # PageV01P078 # الشفاعة بطوله أنس بن مالك. وأخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه. قال (أتى النبي صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع وكانت تعجبه ~~فنهش منها نهشة ثم قال: " أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مم ذك يجمع ~~الله الأولين والآخرين في صعيد واحد فيسمعهم الداعي وينفذهم البصر وتدنو ~~منهم الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون" ثم ~~ساق الحديث بطوله والشفاعة العظمى العامة هي المقام المحمود الذي جاء منكرا ~~في الآية ms082 لعظم شأنه قال تعالى: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} فأهل السنة ~~والجماعة أثبتوا ما أثبت الله ورسوله ونفوا ما نفى الله ورسوله. # PageV01P079 ### | بعثة الرسل بالمعجزات حق # (وكذلك بعثة الرسل بالمعجزات حق) قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقد جعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم من ~~الإيمان وفسره به في حديث جبريل الذي رواه مسلم عن عمر بن الحطاب والإيمان ~~المفسر هو الاعتقاد فقال أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد ~~الموت وفي رواية واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. وقد ذكر الله في ~~كتابه الإيمان بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: {آمن الرسول بما ~~أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين ~~أحد من رسله} وقوله تعالى: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة ~~والكتاب والنبيين} وقال تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما ~~رزقناهم ينفقون * والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة ~~هم يوقنون} والإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما جاءوا به من الكتب ~~والتوحيد ومعجزاتهم التي جعلها الله لهم علامة على صدقهم فيما يدعونه ~~ويقولونه وما أخبروا به مما غاب عنا. # وكذلك الملائكة والكتب والأنبياء والبعث والقدر وغير ذلك من تفاصيل ما ~~أخبروا به من صفات اليوم الآخر كالصراط والميزان والجنة والنار. ومن كذب ~~بشيء من ذلك بأن نفى ما أثبتوه، أو أثبت ما نفوه، فقد كذبهم وان نطق بذكرهم ~~لسانه إذ # PageV01P079 # الغرض من الإيمان بهم تصديقهم في جميع ما أخبروا به. والإيمان بجميع ما ~~جاؤا به، والعمل بمقتضى ذلك، إذ لازم الإيمان، العمل فلا يكون بدونه ولا ~~ينفك عنه. قال علماء السلف وأهل الحديث أن الإيمان قول وعمل ونية وان ~~الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي إجماع الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم وقد أنكر السلف على من أخرج الأعمال عن ~~الإيمان إنكارا شديدا. وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا محدثا ms083 سعيد بن ~~جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأبو أيوب السختياني، والنخعي، والزهري، ~~وابن أبي كثير، وغيرهم قال الأوزاعي: "كان من مضى من السلف لا يعرفون ~~الإيمان إلا العمل) . وقد دل على ذلك قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم ... إلى قوله ... أولئك هم المؤمنون حقا} وقوله: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} وسيأتي إن شاء الله تعالى بحث ~~الإيمان في محله بأتم من هذا ونبين الفرق بينه وبين الإسلام. والرسول عام ~~يطلق على الملك والبشر. والنبي خاص لا يطلق إلا على البشر. وفي معالم ~~التنزيل وجملتهم مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا. والرسل منهم ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر. والمذكور في القرآن منهم ثمانية عشر نبيا، وأولو العزم منهم خمسة: ~~محمد وإبراهيم ونوح وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم، وأول الرسل نوح كما ~~قال تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} فذكر ~~عدة من الرسل الذين أوحى إليهم وبدأ بذكر نوح لأنه أول نبي من أنبياء ~~الشريعة المرسل بها وأول نذير عن الشرك، وأول من عذبت أمته لردهم دعوته ~~وأهلك الله أهل الأرض بدعائه، وكان أطول الأنبياء عمرا وجعلت معجزته في ~~نفسه لأنه عمر ألف سنة فلم ينقص له سن ولم يشب له شعرة ولم ينقص له قوة ولم ~~يصبر على أذى قومه أحد ما صبر هو على طول عمره. وأما آدم صلى الله عليه ~~وسلم فهو نبي لا رسول إلى أمة. وآخر الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بالنص ~~والإجماع. # PageV01P080 # تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} وفي ربيع ~~الأبرار للزمخشري عن فرقد السبخي: لم يبعث نبي قط من مصر من الأمصار وإنما ~~بعثوا من القرى، لأن أهل الأمصار أهل السواد، والريف وأهل القرى أرق. وعن ~~أبي ذر الغفاري قال: قلت: يا رسول الله من أول الأنبياء قال: "آدم" قال: ~~قلت: من أول الرسل قال: "نوح" ثم قال: ms084 "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيت ~~وخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط وخاط ونوح، وأربعة من العرب هود وصالح وشعيب ~~ونبيك يا أبا ذر وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى" قلت: كم أنزل ~~الله من كتاب قال: "مائة صحيفة وأربعة كتب على شيت خمسين صحيفة وعلى أخنوخ ~~ثلاثين صحيفة وعلى إبراهيم عشر صحائف وعلى موسى قبل التوراة عشر صحائف ~~وأنزل التوراة والزبور والإنجيل والفرقان ولم يذكر آدم". # PageV01P081 ### | أهل الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة # (وأما قولكم وكذلك أهل بيعة الرضوان تحت الشجرة وأهل بدر من أهل الجنة) . # فنقول أما شجرة فهي شجرة كانت في الحديبية وقد أمر عمر بن الحطاب رضى ~~الله عنه بقطع الشجرة توهم أنها الشجرة التي بويع الصحابة تحتها بيعة ~~الرضوان لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها كأنها المسجد الحرام أو مسجد ~~المدينة. وأما الصحابة المبايعون رضي الله عنهم فكان عددهم ألفا وأربعمائة ~~وقيل وسبعمائة وقيل وثلاثمائة وقيل وستمائة وقيل وخمسمائة وعشرين وقد ~~بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحتها على أن لا يفروا من قريش وأن ~~يناجزوهم وذلك معنى قول بعضهم: # على الموت بايعت الرسول قتالا ... فإما النصر وإما الموت بلا فرار # وكان سبب البيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا عام ~~الحديبية وأرسل خراش بن أمية الحزاعي لقريش يعلمهم بما جاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم له، وحمل على جمل يقال له الثعلب فعقروا به الجمل وأرادوا ~~قتله فمنعه الأحابيش، فرجع وأخبر رسول الله # PageV01P081 # صلى الله عليه وسلم فأرسل لهم عثمان بن عفان مخبرا بما جاء به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأجاره أبان بن سعيد بن العاص حتى إذا بلغ رسالة محمد ~~صلى الله عليه وسلم ثم حبسوه عندهم فشاع في الناس أن عثمان قتل ولم يبرح ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من المكان الذي بلغه فيه الخبر حتى بايع ~~أصحابه، ثم أتاه الخبر أن عثمان رضي الله عنه لم يقتل وأنزل الله تعالى ~~{لقد ms085 رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة} الآية. وقد روى مسلم في ~~صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يدخل النار إن شاء الله من ~~أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها" قال النووي في شرحه: قال العلماء ~~معناه لا يدخلها أحد منهم قطعا كما صرح به في الحديث الذي قبله حديث حاطب ~~بن أبي بلتعة، وإنما قال إن شاء الله للتبرك، وأهل بدر عددهم ثلاثمائة ~~وثلاثة عشر. وقد قال صلى الله عليه وسلم مخاطبا لعمر بن الحطاب: "وما يدريك ~~لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" الحديث في ~~مسلم قال النووي: قال العلماء معناه الغفران لهم في الآخرة وإلا فلو توجب ~~على أحد منهم حد أو غيره أقيم عليه في الدنيا، ونقل القاضي عياض الإجماع ~~على إقامة الحد، وأقامه عمر رضي الله عنه على بعضهم قال وضرب النبي صلى ~~الله عليه وسلم مسطحا الحد وكان بدريا وهم أفضل الصحابة بعد العشرة. # PageV01P082 ### | وجوب نصب الإمام على المكلفين # (وأما قولكم الإمام يجب نصبه على المكلفين) . # فنقول هذا الحد وهم إذ نصبه فرض كفاية، وحده شرعا ما إذا قام به من يكفي ~~سقط عن الباقين، فهو مباين للواجب لغة، مرادف له شرعا، إلا أن الواجب وضعه ~~على الأعيان والكفاية على العموم. وقالت الحنفية الكفاية آكد من الواجب لأن ~~حده ما ثبت بدليل قطعي، والواجب ما ثبت بدليل ظني، وهو رواية عن أحمد، وحد ~~الواجب من حيث ما عوقب تاركه أو توعد بالعقاب على تركه. فنصب الإمام فرض ~~كفاية يخاطب بذلك طائفتان من الناس أحداهما أهل الاجتهاد حتى يختاروا ~~الأصلح. الثانية من توجد فيه شرائط الإمامة حتى ينتصب احدهم لها ويعتبر في ~~أهل الاختيار ثلاثة # PageV01P082 # شروط. أحدها العدالة. الثانية العلم المتوصل به إلى معرفة من يستحق ~~الإمامة. الثالث أن يكونوا من أهل الرأي والتدبير المؤديين إلى اختيار من ~~هو الأصلح للإمامة. ويشترط فيه الحرية والذكورة والعدالة والعلم بالأحكام ~~الشرعية والكفاية في أمر المسلمين وسياستهم ms086 وإقامة الحدود لا تلحقه رأفة في ~~ذلك، ويجبر شخص متعين لها وهو كيل المسلمين فيما لهم وما عليهم ويثبت نصبه ~~بإجماع أهل الحل والعقد، وبنص إمام بها لمن بعده لأن أبا بكر رضي الله عنه ~~عهد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يحتج في ذلك إلى أحد، ويثبت ~~باجتهاد كفعل عمر وجعله الأمر شورى بين ستة من الصحابة ويثبت بقهر كما لو ~~تنازع الإمامة عدد يصلح كل منهم لها فقهر أحدهم من سواه فإنه تثبت له ~~الإمامة وتلزم الرعية طاعته لما في الخروج على من ثبتت إمامته بالقهر من شق ~~عصى المسلمين وإراقة دمائهم وذهاب أموالهم، والخارج قد دخل في عموم قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " من خرج على أمتي وهم جمع فاضربوا عنقه بالسيف ~~كائنا من كان". وقريش إن وجدوا وتوفرت فيهم الشروط المذكورة أحق لقوله صلى ~~الله عليه وسلم: " الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء ~~فجارها" أخرجه الحاكم من حديث على بن أبي طالب وله شواهد أخر عنه صلى الله ~~عليه وسلم، والمراد بالفجار الفسقة المسلمون، وإنما نصب الإمام لأن بالناس ~~إليه حاجة الحماية لبيضة المسلمين والذب عنهم وإقامة الحدود واستيفاء ~~الحقوق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ففي نصب الإمام مصالح الدنيا ~~والآخرة وسعادة المسلمين في الدنيا ونظم مصالحهم في معايشهم وما يستعينون ~~به على إظهار دينهم وطاعة ربهم، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إن ~~الناس لا يصلحهم إلا إمام برا كان أو فاجرا يعبد المؤمن ربه. # وقال الحسن في الأمراء: ثم إنهم يلون من أمورنا خمسا. الجمعة، والجماعة، ~~والعيد، والثغور، والحدود، والله ما يستقيم الدين إلا بهم وان جاروا وظلموا ~~والله إن الله ليصلح بهم أكثر مما يفسدون. وتحرم مشاقة الإمام والخروج عن ~~طاعته فيما ليس بمعصية، فأخرج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أمامة ~~قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين صلوا العشاء أن احشدوا فإن ~~لي إليكم حاجة فلما فرغوا من صلاة الصبح ms087 قال: " فهل حشدتم كما أمرتكم" ~~قالوا: نعم قال: "اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا هل عقلتم هذه ثلاث مرات" ~~قلنا: نعم. قال: "أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة # PageV01P083 # هل عقلتم هذه؟ ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: "اسمعوا وأطيعوا هل عقلتم هذه؟ ~~ثلاث مرات" قلنا: نعم. قال: فكنا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتكلم كلاما طويلا ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمر كله. ~~فبالسمع والطاعة وصى النبي صلى الله عليه وسلم في خطته في حجة الوداع ~~فأخرج، الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية رضي الله عنها ~~قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع فسمعته يقول: ~~"يا أيها الناس اتقوا الله وان أمر عليكم عبد حبشي مجدع فاسمعوا له وأطيعوا ~~ما أقام فيكم كتاب الله" وأخرج الإمام أحمد والترمذي أيضا من حديث أبي ~~أمامة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة ~~الوداع يقول: "اتقوا الله صلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاة أموالكم ~~وأطيعوا أمراءكم تدخلوا جنة ربكم" وفي رواية أخرى: " يا أيها الناس أنه لا ~~نبي بعدي ولا أمة بعدكم" وذكر الحديث بمعناه وفي المسند للإمام أحمد عن أبي ~~هريرة رضى الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من لقي الله لا ~~يشرك به شيئا وأدى زكاة ماله طيبة بها نفسه محتسبا وسمع وأطاع فله الجنة أو ~~دخل الجنة" وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر ~~بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" متفق عليه. # PageV01P084 ### | الإمام الحق بعد الرسول أبو بكر ورد قول الرافضة # (وأما قولكم والإمام الحق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم أبو بكر ثم عمر) ~~. # فنقول: قد روى مسلم في صحيحه عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها ~~سئلت عمن كان رسول الله صلى الله عليه ms088 وسلم مستخلفا لو استخلفه قالت: أبو ~~بكر فقيل لها: من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: ~~أبو عبيدة بن الجراح ثم انتهت إلى هذا يعني وقفت على إلى عبيدة، وفيه أيضا ~~عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: "ادع لي ~~أباك وأخاك حتى أكتب كتابا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول أنا أولى ويأبى ~~الله والمؤمنون إلا أبا بكر" ففي الحديث الأول دليل لأهل السنة في تقديم ~~أبي بكر ثم عمر للخلافة مع إجماع الصحابة، وفيه # PageV01P084 # دلالة لأهل السنة أن خلافة أبي بكر ليست بنص من النبي صلى الله عليه وسلم ~~على خلافته صريحا بل أجمعت الصحابة على عقد الخلافة له وتقديما لفضيلته ولو ~~كان هناك نص عليه أو على غيره لم تقع المنازعة من الأنصار وغيرهم أولا، ~~ولذكر حافظ النص ما معه ولرجعوا إليه لكن تنازعوا أولا ولم يكن هناك نص. ثم ~~اتفقوا على أبي بكر واستقر الأمر وما تدعيه الشيعة من النص على علي والوصية ~~إليه فباطل لا أصل له باتفاق المسلمين، والاتفاق على بطلان دعواهم في زمن ~~علي، وأول من كذبهم في شأن علي رضى الله عنه قوله ما عندنا إلا ما في هذه ~~الصحيفة الحديث، ولو كان عنده نص لذكره، ولم ينقل أنه ذكره في يوم من ~~الأيام ولا أن أحدا ذكره له. وفي الحديث الثاني دلالة ظاهرة لأهل السنة ~~بفضيلة أبي بكر الصديق رضي الله عنه واخبار منه صلى الله عليه وسلم بما ~~سيقع في المستقبل بعد وفاته وبأن المسلمين يأبون عقد الحلافة لغيره وفيه ~~إشارة إلى أنه سيقع نزاع ووقع كل ذلك وقد عجز النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~حضور الجماعة فاستخلف الصديق غير مرة بل مرات متعددة، وتقديمه في الإمامة ~~الصغرى دليل على تقديمه في الكبرى. وقد قيل لعلي كرم الله وجهه عن ذلك ~~فقال: قد كنت ادخل على النبي صلى الله عليه وسلم وأخرج وشعري قد ملأ وجهي ms089 ~~فلا مرة من المرات إذا تخلف قال لي صل بالناس بل يقول: " مروا أبا بكر ~~فليصل بالناس" فرجل رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاه ~~لدنيانا. وخلافة عمر رضي الله عنه ثبتت بنص من أبي بكر (ثم عثمان بن عفان) ~~رضي الله عنه وكان نصبه باجتهاد من الصحابة واتفاق من ذوي الشورى الذين عهد ~~إليهم عمر رضي الله عنه في المشاورة في أمر الإمامة، وقد رضي علي بها له ~~واطمأنت نفسه فلم يخالف ولم ينازع (ثم علي) بن أبي طالب رضي الله عنه بعد ~~خلافة عثمان. # PageV01P085 ### | الأفضلية على ترتيب الخلافة # قال الإمام أبو عبد الله المازري رحمه الله تعالى: اختلف الناس في تفضيل ~~بعض الصحابة على بعض فقالت فرقة لا يفاضل بل يمسك عن ذلك. وقال الجمهور ~~بالتفضيل. ثم اختلفوا فقال أهل السنة والجماعة أفضلهما أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه، وقالت الخطابية أفضلهم عمر بن الحطاب رضي الله عنه، وقالت ~~المراوندية أفضلهم # PageV01P085 # العباس رضي الله عنه. وقالت الشيعة علي رضي الله عنه، واتفق أهل السنة ~~على أن أفضلهم أبو بكر ثم عمر رضي الله عنهما. وقال بعض أهل السنة من أهل ~~الكوفة بتقديم علي على عثمان والصحيح المشهور تقديم عثمان رضي الله عنه. ~~قال أبو منصور البغدادي أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم الخلفاء الراشدون ~~الأربعة على الترتيب المذكور، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أحد، ثم بيعة ~~الرضوان، وممن له مزية أهل العقبتين من الأنصار، وكذلك السابقون الأولون ~~وهم من صلى إلى القبلتين في قول ابن المسيب وطائفة، وفي قول الشعبي أهل ~~بيعة الرضوان وفي قول عطاء ومحمد بن كعب أهل بدر. وذهبت طائفة منهم ابن عبد ~~البر إلى أن من توفي من الصحابة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل ~~ممن بقي بعده. وهذا القول غير مرضي ولا مقبول. # واختلف العلماء في أن تفضيل المذكور قطعي أم لا. وهل هو في الظاهر ~~والباطن، أم في الظاهر خاصة، بعد الاتفاق على أن جميعهم ms090 في الجنة بالنص ~~القطعي من النبي صلى الله عليه وسلم. وممن قال أنه قطعي أبو الحسن الأشعري ~~قال وهم في الفضل على ترتيبهم في حديث العشرة والإمامة. وممن قال أنه ~~اجتهادي ظني أبو بكر بن الباقلاني. وذكر ابن الباقلاني اختلاف العلماء في ~~أن الفضل هل هو في الظاهر، أم في الظاهر والباطن جميعا. # وكذلك اختلفوا في عائشة وخديجة رضي الله عنهما أيتهما أفضل. وفي عائشة ~~وفاطمة رضي عنهن أجمعين. وحقيقة القول فيه أن عائشة أفضل من جهة العلم، ~~وفاطمة أفضل من جهة الذات فإنها بضعة من أفضل الحلق. # فأما عثمان رضي الله عنه فخلافته صحيحه بالإجماع وقتل مظلوما وقتله ~~الفسقة لأن موجبات القتل مضبوطة ولم يجر منه ما يقتضيه ولم يشارك في قتله ~~أحد من الصحابة وإنما قتله همج من الناس ورعاع في غوغاء القبائل وسفلة ~~الأطراف والأراذل تحزبوا وقصدوه من مصر، فعجزت الصحابة الحاضرون عن دفعهم ~~فحصروه حتى قتلوه رضي الله عنه. # وأما علي رضى الله عنه فخلافته صحيحة بالإجماع. وكان هو الخليفة في وقته ~~لا خلافة لغيره. وأما معاوية رضى الله عنه فهو من العدول الفضلاء والصحابة ~~النجباء رضي الله عنهم. وأما الحروب، التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة ~~فاعتقدت تصويب نفسها بشبهها القائمة في ذهنها وكلهم عدول رضي الله عنهم. ~~ومتأولون في حروبهم # PageV01P086 # وغيرها ولا يخرج بشيء من ذلك أحد منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا ~~في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء ~~وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم وليعلم أن سبب تلك الحروب ان القضايا ~~كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام: # (قسم) ظهر لهم الاجتهاد أن الحق في هذا الطرف. وان مخالفهم باغ فوجب ~~عليهم نصرته، وقتال الباغي عليه فيما اعتقدوه ففعلوا ذلك ولم يكن يحل لمن ~~هذه صفته التأخر عن مساعدة إمام العدل في قتال البغاة في اعتقادهم. # (وقسم) عكس هؤلاء ظهر لهم بالاجتهاد أن الحق في الطرف الآخر فوجب عليهم ~~مساعدته وقتال الباغي ms091 عليه. # (وقسم ثالث) اشتبهت عليهم القضية وتحيروا فيها فلم يظهر لهم ترجيح أي ~~الطرفين فاعتزلوا الفريقين وكان هذا الاعتزال هو الواجب في حق هؤلاء لأنه ~~لا رجحان ولا يحل الإقدام على قتال مسلم حتى يظهر أنه مستحق لذلك ولو ظهر ~~لهؤلاء رجحان أحد الطرفين وأنه الحق لما جاز لهم التأخر عن نصرته في قتال ~~البغاة عليه، فكلهم عدول رضى الله عنهم ولهذا اتفق أهل الحق ومن يعتد به في ~~الإجماع على قبول شهادتهم ورواياتهم وكمال عدالتهم رضي الله عنهم أجمعين. # PageV01P087 ### | عدم تكفير أحد من أهل القبلة # (وأما قولكم ولا نكفر أحدا من أهل القبلة إلا بما فيه نفى للصانع القادر ~~العليم أو شرك العليم أو إنكار ما علم مجيئه صلى الله عليه وسلم به ضرورة ~~أو إنكار لمجمع عليه كاستحلال المحرمات التي أجمع على حرمتها) . # فنقول: أهل القبلة هم الموحدون الله تعالى في عبادته ومعاملته كما أمرهم ~~بجعلهم الدين الذي أرسل الله به رسله وأنزل به كتبه كله لله وحده لا شريك ~~له، فهم فيه لله مستسلمون ومنقادون، ولما أحل الله ورسوله محللون، ولما حرم ~~الله على لسان رسوله محرمون، وعما ينافي الإسلام تاركون، قال سبحانه ~~وتعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} وروى ~~البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ~~فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وصلوا # PageV01P087 # صلاتنا واستقبلوا قبلتنا أكلوا ذبيحتنا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ~~إلا بحقها" وروى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ~~ذلك فقد عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" فقد ~~أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه ms092 وسلم بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوا ~~هذه الكلمة الطيبة ويتركوا المنافي لها من الإشراك بالله فلا تتأله قلوبهم ~~غيره تعالى وحتى يؤدوا حقها ومنه أن يصلوا الصلاة المفروضة على النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلى أمته المضافة إلى الموصوفين منهم بأتباعه، وهي لا تضاف ~~إليهم إلا أن تكون طيبة أي صالحة بصلاح شروطها وأركانها وواجباتها إذ الطيب ~~لا يقبل إلا طيبا، وأن يؤدوا الحق الواجب في أموالهم، وأن يستقبلوا قبلتهم، ~~وأن يأكلوا ذبيحتهم، وهذه الإضافة في الصلاة والقبلة والذبيحة للتشريف شرف ~~الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وشرف ملته الحنيفية ودينه الإسلام، ~~فجعل منه تلك الصلاة التي فيها كمال العبودية والتواضع لله تبارك وتعالى، ~~وجعل منه هذه القبلة المشرفة فهي قبلتهم في الصلاة وغيرها أحياء وأمواتا، ~~وأحل ذبيحتهم وجعل أكلها علامة الإيمان، وذلك لشرفهم وشرف ملتهم ودينهم ~~وهديهم، والمستوجبون لذلك معصومة دماؤهم وأموالهم لإتباعهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم في دينه وملته، فليس أهل القبلة إلا من عمل بمعنى الشهادتين ~~اللذين هما رأس دين الإسلام وملته وقوامه، وصفته شهادة أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا عبده ورسوله قولا وعملا واعتقادا، فإن الشهادة لله بأنه لا إله ~~إلا هو تتضمن إخلاص الالوهية له سبحانه وتعالى فلا يتأله القلب ولا اللسان ~~غيره تعالى لا بحب ولا خشية ولا إنابة ولا توكل ول ارجاء ولا إجلال ولا ~~رغبة ولا رهبة بل لابد أن يكون الدين كله لله كما قال عز من قائل: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فإذا جعل بعض الدين قولا ~~وعملا واعتقادا لله، وبعضه كذلك لغيره لم يكن الدين كله لله بل قد تأله معه ~~غيره، فأهل القبلة يحبون لله، والمشركون يحبون مع الله، كما قال تعالى: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد ~~حبا لله} وأهل القبلة يخلصون الدعوة لله، والمشركون يجعلونها لغير الله، ~~كما قال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ms093 بشيء ~~إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا ~~في ضلال} . # والشهادة بأن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه صلى الله عليه وسلم في جميع ~~ما أخبر به # PageV01P088 # وطاعته واتباعه في كل ما أتى وأمر به، فما أثبته واجب إثباته، وما نفاه ~~وجب نفيه، فروى البخاري من حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" قالوا: ومن يأبى؟! ~~قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى" وروى أيضا من حديث جابر بن ~~عبد الله رضي الله عنهما يقول: جاءت الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو نائم فقال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان، ~~فقالوا ان لصاحبكم هذا مثلا فاضربوا له مثلا فقال بعضهم انه نائم وقال ~~بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان فقالوا مثله كمثل رجل بنى دارا وجعل ~~فيها مأدبة وبث داعيا فمن أجاب الداعي دخل الدار وأكل من المأدبة ومن لم ~~يجب الداعي لم يدخل الدار ولم يأكل من المأدبة فقالوا أولوها له يتيقنها ~~قال بعضهم انه نائم وقال بعضهم ان العين نائمة والقلب يقظان قالوا فالدار ~~الجنة والداعي محمد فمن أطاع محمدا فقد أطاع الله ومن عصى محمدا فقد عصى ~~الله، ومحمد مفرق بين الناس أي مميز بين مؤمنهم وكافرهم. فأهل القبلة هم ~~أهل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد لله وحده وترك جميع الآلهة سواء، وهذا ~~هو تحقيق معنى لا إله إلا الله وحده لا شريك له وإخلاصها له فمن استسلم ~~وانقاد لله ولغيره في معناها فهو مشرك والله لا يغفر أن يشرك به، فلفظ ~~الإسلام يتضمن الاستسلام والانقياد ويتضمن الإخلاص أخذا من قوله: {ضرب الله ~~مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله ~~بل أكثرهم لا يعلمون} فأهل القبلة هم العابدون الله بدين الحق المتبع لا ~~بهوى النفوس والبدع. # PageV01P089 ### | التوحيد وما يتعلق به # (فمن الأول) قوله تعالى: ms094 {فاعبد الله مخلصا له الدين * ألا لله الدين ~~الخالص} يعني من الشرك وما سواه من الأديان فليس بدين الله المأمور به، بل ~~هو عين ما نهى الله عنه قال قتادة: الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله ~~والقيام بمعناها وبحقوقها (ومن الثاني) اتخذوا من دونه شفعاء يعتقدون بهم ~~ويتقربون بشفاعتهم كما قال عز من قائل: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله # PageV01P089 # زلفى} يعني ليشفعوا لنا إلى الله، وذلك التقريب هو الشفاعة في قول ~~المفسرين، والزلفى القربى اسم أقيم مقام المصدر كأنه قال إلا لتقربنا إلى ~~الله تقريبا (ومعنى العبادة) في اللغة: الذل والانقياد كما قال أهل المعاني ~~(وأما معناها) حقيقة: فهي ما كان مختصا لله لأنها اسم جامع لكل ما يحبه ~~الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة ولذلك توعد سبحانه هؤلاء ~~الذين جعلوا حقه لغيره بقوله تعالى: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة} يعني ~~بين المتفرقين من أهل الأديان فيما هم فيه يختلفون من أمر الدين، كل يقول ~~الحق ديني فهم مختلفون وحكم الله بينهم أن يخلد في النار من لم يتبع كتاب ~~الله بل نبذه ورغب عنه باتباع هواه ولا يتدين بدين رسوله محمد صلى الله ~~عليه وسلم ثم أخبر تعالى أنه لا يهديهم إلى طريق النجاة فقال: {إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار} في زعمه ان معتقده يشفع له، كفار في اتخاذه أولياء ~~من دون الله أو معه ليشفعوا له ويقربوه، فالدين المأمور بالإقامة عليه واحد ~~وهو دين الإسلام الذي بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وجملة من الأنبياء ~~لم يختلفوا في أصله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "إنا ~~معاشر الأنبياء ديننا واحد الأنبياء أخوة العلات" وإنما تنوعت شرائعهم فيه ~~كتنويع القبلة في وقتين فإنه قد كان في وقت يجب استقبال الصخرة التي في بيت ~~المقدس في الصلاة وذلك بعد هجرته صلى الله عليه وسلم فصلى إليها بضعة عشر ~~شهرا ثم بعد ذلك وجب ms095 استقبال الكعبة، فهذا التنوع الذي كان بين الأنبياء لا ~~يوجب اختلاف الملة، وإنما يوجبه من لم يفرق بين عبادة الرحمن وعبادة ~~الشيطان قال سبحانه وتعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا ~~إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} ~~وقال تعالى: {يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون ~~عليم} {إن هذه أمتكم أمة واحدة} أي هذه ملتكم دينكم الإسلام ملة واحدة فلا ~~تتفرقوا عنها، وأنا ربكم أي معبودكم الذي خلقتكم وأمرتكم بعبادتي وإخلاصها ~~لي وحدي، فاتقون لا تشركوا بي شيئا بل احذروا عقابي، خطاب لهم وقصد لغيرهم ~~وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا ~~تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون منيبين إليه ~~واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم وكانوا ~~شيعا كل حزب بما لديهم # PageV01P090 # فرحون} فأهل القبلة لله مخلصون وفي الدين متفقون، وأهل الإشراك عن الحق ~~معرضون وهم متفرقون قال تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك} ولذلك ~~خلقهم فأهل الرحمة هم أهل القبلة لأنهم فيما شرع الله متفقون، وفيه مجتمعون ~~وعليه واقفون وبه آخذون، فهم فيما أمرهم الله ورسوله به عاملون، وعلى ما ~~يرضى الله ورسوله مقتصرون، وعما لم يشرعه الله متحادون. # وأما من نبذ القرآن وراءه فلم يعمل بما أنزل لأجله فليس من أهل القبلة بل ~~من المشركين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون وان ~~تلاه بلسانه تلاوة وهو يتدين بشرك كما يتدين به الأولون وتنسك به ~~المتحادون، ومجرد تلاوة القرآن بلا عمل فيما هو الموجب لإنزاله من التوحيد ~~لإله كل العبيد وانحاز عن منافيه من الشرك الذي لا يغفره إلا بالتوبة منه ~~والتجريد لا تخرجه تلك التلاوة عن ملة الأولين قال سبحانه وتعالى: {له دعوة ~~الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ~~ليبلغ فاه وما هو ms096 ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} ولهذا يوجد ما ~~أحدث من الشرك والبدع قد تفرق فيه أهله فكان لكل قوم منهم معتقد يعتقدون ~~فيه دفع الضر وجلب الخير يهتفون باسمه عند نزول الشدة نائيا كان المعتقد أو ~~ميتا، فكل منهم يدعو معتقده ليكشف عنه شدته ويفرج كربته ويجلي غمه، ~~فالموحدون لله وحده لا شريك له العاكفون على توحيده من إخلاص الدعوة له هم ~~أهل القبلة قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} وضدهم هؤلاء المشركون ~~العاكفون على ما يرجونه ويخافونه من دون الله ويتخذونه من تلك المعتقدات في ~~الأحياء الغائبين والأموات يشركون به في عبادة الله ومعاملته فيرجونه يفرج ~~كربتهم ويكشف شدتهم راغبين راهبين منيبين إليه متوكلين عليه أو ليكن شافعا ~~لهم عند الله في قضاء مطالبهم، فقد عطلوا توحيد الله تبارك وتعالى في ~~ألوهيته وصمديته بإشراكهم معه في عبادته ومعاملته وبجعلهم الدين لغيره، ~~ونفي الصانع القادر لم يقل به أحد من المشركين الذين كفرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقاتلهم، فإن المشركين الأولين لم يكن أحد منهم يقول ان ~~العالم له خالقان بل ولا يقولون إن الله له إله يساويه في صفاته هذا لم ~~يقله أحد من المشركين بل كانوا مقرين بأن خالق السموات والأرض واحد كما ~~أخبر الله عنهم في قوله: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ~~وقوله: {قل لمن الأرض ومن فيها إن # PageV01P091 # كنتم تعلمون سيقولون لله} وقوله: {قل من رب السماوات السبع ورب العرش ~~العظيم سيقولون لله} وقوله: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار ~~عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله} وكانوا يقولون في تلبيتهم: لا شريك لك ~~إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، كما يقول هؤلاء المشركون الذين لمشاكليهم ~~مقتفون إن هؤلاء الذين اعتقدناهم ودعوناهم ورجوناهم هم وسائلنا ووسائطنا ~~إلى الله فإنه فوض إليهم وأعطاهم فلهم ما يشاؤن ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون، ومنهم من يصرح بقوله وهم في الكون يتصرفون فوبخهم الله تعالى وذمهم ~~ولامهم وضرب ms097 لهم الأمثال في ذلك فقال عز من قائل: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم ~~هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم ~~كخيفتكم أنفسكم} الآية ولكن تتأله قلوبهم وألسنتهم إما نبيا أو وليا أو ~~ملكا أو غيرهم مما يصورونه على صورة أحد هؤلاء يتخذونه واسطة تقربهم إلى ~~الله زلفى وتشفع لهم كما قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما ~~نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} الآية وقال تعالى: ~~{ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} فقد ~~قطع الله تعالى بهذه الآيات جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعا ~~قطعا يعلم من تأمله ويحقق من تدبره أن من اتخذ من دون الله وليا أو شفيعا ~~فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان أوهن البيوت لبيت العنكبوت، قال تعالى: ~~{مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن ~~البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون} فمن استمسك بغير الله في حال شدته ~~وكربه وغمه فدعاه ورجاه بما لا يقدر عليه إلا الله فليس في يده ممن استمسك ~~به سواه تعالى إلا كمن يستمسك ببيت العنكبوت فإنه لا يجدي عنه شيئا، فلو ~~علم المستمسك هذا الحال لما اتخذ من دون الله وليا ولا شفيعا، وهذا بخلاف ~~أهل القبلة فإنهم لله مخلصون وله في العمل مستسلمون ومحسنون وفي إتباع ما ~~جاء من الله على لسان رسوله منقادون وبالله معتصمون وبالعروة الوثقى ~~مستمسكون وهي العقد الوثيق المحكم في الدين التي لا انفصام لها لقوتها ~~وثباتها # PageV01P092 # وهي الكلمة الطيبة لا إله إلا الله قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى} والطاغوت كل باطل ليس ms098 من الدين وكل ما ~~طغى من شيطان جني أو أنسي وكل عبادة ليست لله فهي باطلة، فالمشرك إنما يتخذ ~~أحدا غير الله لما يحصل له في زعمه من النفع وهو لا يكون إلا فيمن كانت فيه ~~خصلة من أربع: إما أن يكون مالكا لما يريد متخذه، فإن لم يكن مالكا كان ~~معينا، فإن لم يكن كان ظهيرا، فإن لم يكن كان شفيعا، فنفى سبحانه وتعالى ~~هذه المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى الأدنى، فنفى الملك عن ~~غيره والشركة والمظاهرة والشفاعة التي لأجلها وقعت المخالفة والعداوة ~~والمخاصمة، وأثبت سبحانه شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه لمن ~~رضي عنه في قوله سبحانه وتعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا ~~يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له ~~منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} الآية وإنما ذكر ذلك ~~تعالى لأنهم دعوا الملائكة دعاء عبادة لشفاعتهم لهم، قاله المفسرون فكفى ~~بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد وقطعا لأصول الشرك، وكافية ~~لمن عقلها على أن القرآن مملوء بأمثالها ونظائرها، ولكن الغفلة والجهل هما ~~المؤديان إلى فهم قصور العام على السبب، فالأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف ~~الجاهلية والشرك، ولم يميز بين ما عابه القرآن وذمه، وبين ما أنزل لأجله ~~ودعا إليه، فصوب المستقبح وحسنه، وهو لا يعرف حقيقة وصفه. وإنه الذي كان ~~عليه الجاهلية أو نظيره أو أسوأ منه أو دونه فتنقض عرى الإسلام بذلك ويعود ~~المنكر معروفا، والمعروف منكرا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، وهذا بعينه ~~مشاهد، فإنه قد آل الأمر إلى الشك بالشرك والتدين به في اتخاذ الوسائل ~~والوسائط من الأولياء والأنبياء بل والشياطين من الجن والإنس المعاندين ~~والأشجار والنيران والقبور يدعونهم ويرجونهم ويتوكلون عليهم وينسكون النسك ~~لهم راغبين إليهم راهبين منهم ويستدلون على جواز ما اعتقدوه وفعلوه بقوله ms099 ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وإلى فعل ~~الولايات لقبض النذور على الأموات لدفع ما حل من البلايا والمصيبات، ويجعل ~~للقادمين إلى محل الميت الضيافات، وتنحر في باب قبته النحائر من الأنعام ~~للتقرب إليه ورجاء ما لديه، فهذا بعينه هو الذي كان عليه # PageV01P093 # عباد الأصنام. وقد أخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس بن مالك رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا عقر في الإسلام" قال ~~عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. # فكل ما تقدم مما ذكرنا داخل في معنى لا إله إلا الله التي أمرنا النبي ~~صلى الله عليه وسلم بمجاهدة الخلق وقتالهم حتى يقولوها ويتركوا المنافي لها ~~من الإشراك بالله قولا وعملا واعتقادا. وأما حقها فقد جعل أبو بكر الصديق ~~رضي الله عنه فعل الصلاة وإيتاء الزكاة منه، ومن العلماء من أدخل فيه فعل ~~الصيام والحج. واستدلوا بحديث جبريل حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الإسلام فعد منه هذين الركنين فمن لم يقومهما مع القدرة عليهما لم يأت ~~بالإسلام، إذ أركانه لا يقوم بعضها ولا ينوب عن بعض. واستدلوا أيضا بحديث ~~أبي بكر حين بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس وبقول عمر لو ~~ترك الناس الحج لقاتلناهم عليه، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليا يوم حنين فأعطاه الراية وقال: "أسر ~~ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك" فسار على ما شاء الله ثم وقف فصرخ: يا رسول ~~الله على ماذا أقاتل الناس فقال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا ~~بحقها" وفي رواية "إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله عز وجل" فجعل من حقها ~~الامتناع من الصلاة والزكاة مع الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة رضي ~~الله عنهم. ومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من ms100 اقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ~~وقوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} وقوله ~~تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا غزا لم يفر حتى يصبح فإن سمع مؤذنا وإلا أغار عليهم. وكان يوصي سراياه ~~إذا سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدا فلا تقتلوا أحدا. قال العلماء: معنى ذلك ~~والمقصود فيه إذا أظهر قوم توحيد الله والقيام بشرائعه وجب الكف عنهم، لأن ~~فعلهم ذلك دليل على إسلامهم. ثم إن أظهروا منكرا ينكره الشرع ولم ينتهوا ~~عنه إلا بقتال فللإمام قتالهم كما لو تركوا فرض كفاية فيقاتلهم على تركه. ~~ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم على أسامة بن زيد قتل الرجل # PageV01P094 # الذي أظهر الإسلام ظانا أسامة أنه إنما قال الشهادتين والسلام خوفا، ~~وأنزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ~~ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا} الآية فإنه لم يدع الإسلام ~~قبل ذلك؛ ثم انه قد قاله وصدر منه بلا وجود مناف له لا في معناه ولا فيما ~~هو حق له، ولهذا أمر الله تعالى عباده المؤمنين بالتثبت لذلك. وقد بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم كتابا فيه: "من محمد النبي إلى أهل عمان - وكان ~~بعضهم يدعي الإسلام- سلام عليكم أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله ~~وأني رسول الله وأدوا الزكاة وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" أخرجه البزار ~~والطبراني وغيرهما فهذا يدل على أنه كان يغير على الداخلين في الإسلام إذا ~~لم يمتثلوا أمر الله ولم يقوموا بشرائعه فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وقوموا الشرائع كف عنهم وإلا لم يمتنع عن قتالهم. وفي هذا وقع تناظر أبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما كما في الصحيحين عن إلى هريرة رضي الله عنه قال: ~~لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف ms101 أبو بكر رضي الله عنه كفر ~~من كفر من العرب فقاتلهم على الإسلام وقاتل أناسا يدعون الإسلام قد امتنعوا ~~من أداء الزكاة قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال ~~لا إله إلا الله عصم ماله ودمه إلا بحقه وحسابه على الله عز وجل" فقال أبو ~~بكر رضي الله عنه: لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال ~~فوالله لو منعوني عقالا كان يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال ~~له عمر رضي الله عنه: فوالله ما رأيت إلا أن الله قد شرح صدر أبي بكر ~~للقتال فعرفت أنه الحق. فأبو بكر رضى الله عنه أخذ قتالهم بقوله صلى الله ~~عليه وسلم: "إلا بحقه" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين ومنع حقهما جائز، ~~ومن حقهما أداء حق المال الواجب، وعمر رضي الله عنه ظن أن مجرد الإتيان ~~بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا تمسكا بعموم ألفاظ وردت وليست حال الأمر ~~على ذلك، ثم ان عمر رضي الله عنه رجع إلى موافقة أبي بكر رضي الله عنهما. ~~وقد خرج النسائي قصة توافق مناظرة أبي بكر وعمر بزيادة وهي أن أبا بكر قال ~~لعمر رضي الله عنهما: إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة ليأتوا بذلك كله". وخرجه ابن خزيمة في صحيحه وإنما قال أبو ~~بكر لأقاتلن من فرق بين # PageV01P095 # الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال، أخذا والله أعلم من قوله إلا بحقها ~~وفي رواية إلا بحق الإسلام، فجعل من حق الإسلام فعل الصلاة وإيتاء الزكاة ~~كما أن من حقه أن لارتكب الحدود، وجعل كل ذلك مما استثنى من قوله إلا بحقها ~~وقوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال يدل على ان ~~من ترك الصلاة فإنه يقاتل ms102 لأنها حق البدن، فكذلك من ترك الزكاة فإنها حق ~~المال، وهذا فيه إشارة إلى أن تارك الصلاة قتاله أمر مجمع عليه لأنه جعله ~~أصلا لقتال مانعي الزكاة مقيدا عليه وليس هو مذكورا في الحديث الذي احتج به ~~عمر، وإنما أخذه من قوله إلا بحقها فكذا الزكاة فإنها من حقها وكل ذلك من ~~حقوق الإسلام، ويستدل أيضا على قتال تاركي الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم ~~سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يستعمل عليكم أمراء ~~فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع" فقالوا: يا رسول الله ~~ألا نقاتلهم قال: " لا ما صلوا" وحكم ترك سائر أركان الإسلام أو واحد منها ~~أن يقاتلوا عليها كما يقاتلوا على ترك الصلاة والزكاة. فروى ابن شهاب عن ~~حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر رضي الله عنه بعث خالد بن الوليد رضي ~~الله عنه وأمره أن يقاتل الناس على خمس فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها ~~كما تقاتل على الخمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأقام ~~الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام. قال سعيد بن جبير ~~قال عمر بن الحطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل ~~على الصلاة والزكاة. فهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه ~~الواجبات. وأما قتل الواحد الممتنع فأكثر العلماء على أنه يقتل الممتنع من ~~الصلاة وهو قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد القاسم بن سلام وغيرهم ويدل ~~على ذلك ما في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري: (أن خالد بن الوليد استأذن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتل رجل فقال: "لعله يكون مصليا" فقال ~~خالد: فكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال: "إني لم أومر أن أنقب ~~عن قلوب الناس ولا أشق قلوبهم" وفي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عدي بن ~~الخيار: (أن رجلا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي ms103 صلى الله عليه وسلم ~~فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أليس ~~يشهد أن لا إله إلا الله" قال: بلى ولا شهادة له قال: "أليس يصلي" قال: بلى ~~ولا صلاة له قال: " أولئك الذين نهانا الله عز وجل # PageV01P096 # عن قتلهم"، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم المانع من قتله كونه يصلي فدل ~~على أن من لم يصل يقتل، ولهذا قال في الحديث الآخر نهيت عن قتل المصلين فدل ~~على أن غير المصلين لم ينهه الله عن قتلهم. وقال أبو حنيفة رحمه الله ~~تعالى: تارك الصلاة إذا كان واحدا يحبس حتى يموت وتقاتل الجماعة. وأما قتل ~~الرجل الواحد الممتنع عن أداء الزكاة والصوم والحج مع القدرة فعن أحمد ~~والشافعي ومالك أنه يقتل تارك الزكاة وهي الرواية المشهورة عنهم ويستدلون ~~بحديث ابن عمر "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث وأما الصوم فقال أحمد ومالك في ~~رواية عنه: يقتل بتركه واستدلا بما روى ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا: ~~"أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصوم فهو كافر حلال الدم" قال الشافعي ~~في رواية عنه وأحمد في الرواية الأخرى لا يقتل الواحد بل يؤدبه الإمام ~~بالحبس والضرب على ما يرى حتى يصوم واستدلا بحديث ابن عمر رضي الله عنهما ~~وغيره مما في معناه فإنه ليس فيه ذكر الصوم ولهذا قال أحمد في رواية أبي ~~طالب الصوم لم يجيء فيه شيء، وهذا والله أعلم قبل أن يثبت عنده حديث ابن ~~عباس فقد رواه ابن الجوزاء عن ابن عباس قال: ولا أحسبه إلا رفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس ~~الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة وصوم شهر رمضان من ترك منهن ~~واحدة فهو كافر حلال الدم" ورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفا ~~مختصرا ورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن ابن مالك بهذا الإسناد مرفوعا وقال ~~من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر ولا يقبل ms104 الله منه صرفا ولا عدلا وقد حل ~~دمه وماله ولم يذكر ما بعده. وأما الحج إذا تركه رجل واحد مع القدرة عليه ~~فعن أحمد في القتل بتركه روايتان، وحمل بعض أصحابه رواية قتله على من أخره ~~عازما على تركه بالكلية، أو أخره مع غلبة ظنه على موته في ذلك العام، فأما ~~من أخره معتقدا أنه على التراخي كما يقوله بعض العلماء فلا قتل في ذلك وقد ~~روي عن عمر رضي الله عنه ضرب الجزية على من لم يحج، وقال ابن عيينة المرجئة ~~يسمون ترك الفرائض ذنبا بمنزلة ركوب المحارم وان ترك الصلاة والزكاة خاصة ~~كفر دون الصيام والحج وقال: قد روي عن عمر ضرب الجزية على من لم يحج وقال ~~ليسوا بمسلمين ولا إله إلا الله مفتاح الجنة وحقها أسنانه ولا مفتاح إلا ~~بأسنان رواه البخاري عن وهب بن منبه ولفظه: (قال البخاري: قيل لوهب بن ~~منبه: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله # PageV01P097 # قال: بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ~~وإلا لم يفتح) . # (وأما استحلال) المحرمات المجمع على حرمتها أو بالعكس فهو كفر اعتقادي ~~لأنه لا يجحد تحليل ما أحل الله ورسوله أو تحريم ما حرم الله ورسوله إلا ~~معاند للإسلام ممتنع من التزام الأحكام غير قابل للكتاب والسنة وإجماع ~~الأمة، وذلك كما لو جحد حل بهيمة الأنعام أو غيرها مما أحله الله في كتابه ~~ورسوله أو في سنته مما لم يجر فيه اختلاف بين الأمة، بخلاف حل النبيذ ونحوه ~~من المسائل الاجتهادية المختلف فيها بين العلماء فلا تكفير بذلك، أو جحد ~~أمرا مجمعا عليه قال بعضهم: إجماعا قطعيا لا شبهة فيه ولا تأويل ولذلك لم ~~يحكم كثير من الفقهاء بكفر ابن ملجم قاتل أفضل الخلق في وقته ولا بكفر ~~مادحة عمران بن حطان حيث قال: # يا ضربة من تقى ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا # إني لأذكره يوما فأحسبه ... أوفى البربة عند الله ميزانا # وقدر عليه في ms105 ذلك فقيل: # يا ضربة من شقى لم يزل أبدا ... بها عليه إله الخلق غضبانا # إني لأعلم أن الله جاعله ... أوفى البرية عند الله خسرانا # وكذا قد اختلف العلماء في كفر الخوارج الذين قتلوا الموحدين وأخذوا ~~أموالهم بالتأويل مثل قوم ذي الحويصرة التميمي فإن من الفقهاء من لم يحكم ~~بكفرهم لادعائهم وتأويلهم في نصرة دين الله والاجتهاد فيه وفي إظهاره ~~طالبين المصلحة في ذلك. # PageV01P098 ### | الاعتقاد المكفر أقسام # (وأما قولكم ثم الكفر كفران كفر اعتقاد كفر عمل فكفر الاعتقاد حكمه قتل ~~مرتكبه وسبي ذراريهم ونهب أموالهم وهؤلاء الذين بعث رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يدعوهم # PageV01P098 # إلى التوحيد ولا يدفع عنهم هذا الحكم ويعصمهم إلا الإقرار والاعتراف منهم ~~بالشهادتين وبكل ما علم بالضرورة مجيئه صلى الله عليه وسلم به) فنقول ~~الاعتقاد المكفر أقسام (منها) قدم العالم وبقاؤه والشك في ذلك (ومنها) ~~تناسخ الأرواح وانتقالها من شخص في شخص أبد الأبد (ومنها) إثبات شريعة غير ~~الشريعة المحمدية وان للشريعة باطنا لا يعلمه العلماء ولها ظاهر وهي خيالات ~~يقولون بها ويعملون (ومنها) ان ظواهر الشريعة وأكثرها ما جاءت به الرسل من ~~الأخبار عما كان ويكون في الآخرة والحشر والقيامة والجنة والنار ليس منها ~~شيء على مقتضى لفظها مفهوم خطابها وإنما خوطب بها الخلق على جهة المصلحة ~~لهم إذ لم يمكنهم التصريح لقصور أفهامهم (ومنها) خلق القرآن (ومنها) ~~التكذيب بالشفاعة التي أثبتها الله في كتابه والصراط والميزان (ومنها) ~~خيانة الأمين جبريل عليه الصلاة والسلام وأن المبعوث أولا علي بن أبي طالب ~~أو أن عائشة لم يبرئها الله (ومنها) مجالسة الله تعالى لبعض خلقه في الدنيا ~~وحلوله في الأشخاص (ومنها) تجويز الكذب على الأنبياء أو تكذيبهم فيما أتوا ~~به أو أنهم كتموا منه شيئا (ومنها) القدح في كلام الله من كونه سحرا أو ~~شعرا أو منسوخا جملة (ومنها) نسبة الصاحبة والولد إليه سبحانه وتعالى ~~(ومنها) اعتقاد الذين اتخذوا من دون الله أولياء لينصروهم ويشفعوا لهم ~~ويقربوهم كالذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والذين ms106 قال ~~الله فيهم: {مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت ~~بيتا} الآية وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض} الآية وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون ~~الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا} الآيتين وقال تعالى: {ويعبدون من ~~دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} الآية ~~وكل هذه الفرق من أصحاب الاعتقادات المتقدمة كفار بإجماع المسلمين والذين ~~بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم يدعوهم إلى التوحيد فأبوا وامتنعوا ~~فجاهدهم لكفرهم وعنادهم، وأنزل القرآن بسبب اعتقادهم لم يكونوا يعتقدوا1 في ~~معتقداتهم كشف ضر أو جلب نفع بل إنما قصدهم رضا رب العالمين والقرب إليه ~~والتحصيل PageV01P099 # لما لديه. لكن ضرهم جهل لكيفية الموجبة لحسن الماهية التي يكون بها ~~التعبد أجل مطلوب مقربا إلى المحبوب قال تعالى: {ألا لله الدين الخالص} وهم ~~قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وكانوا إذا جاءتهم الشدة ~~أخلصوا الدين لله وحده قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين ~~له الدين} الآية وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم ~~الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ~~إن شاء وتنسون ما تشركون} وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه} الآية والمتخذون وليا ونصيرا من دون الله أو معه من أهل ~~هذا الزمان اعتقادهم أسوأ وأشد جناية ممن نزل القرآن بسبب اعتقادهم وأمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم بجهادهم فان من تأمل أحوال هؤلاء المشركين ~~الذين يرجون من معتقداتهم كشف الشدائد وتفريج الكربات ودفع المضار وقضاء ~~المطالب والدعوات وتيسير الحاجات التي لا يقدر على كشفها وتفريجها ودفعها ~~وجلبها إلا الله رب العالمين من سلامة غائب وعافية مريض ورزق وتحميل عقيم ~~مع أحوال مشركي الأولين علم يقينا ان بينهم مباينة كلية في اعتقاد الضر ~~والنفع، ومجانسة حسية في انخاذ تلك ms107 المعتقدات للشفاعة وقضاء الحاجات، ~~والأولون وان تفرق اعتقادهم وتنوع بما ينسبونه لله، تعالى عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا أجناسهم فليس وجود هذه الأجناس من الخبائث المتقدمة ~~وإجتماعها شرطا في إثبات حكم الله ورسوله من القتل والسبي وخلود النار، هذا ~~لم يقل به عالم من العلماء بل وجود واحد منها كاف، فإنه لم يقل أحد بأن ~~الكفر الاعتقادي لا يحكم به على المعتقد إلا إن اعتقد إجتماع الصاحبة ~~والولد مع وجود معين يعاونه وظهير يظاهره وشريك يستحق معه وشفيع عنده بلا ~~إذنه. بل اتفق العلماء قاطبة على أنه لو وجدت من ذلك خصلة لكفت في الحكم ~~عليه إلا أن الأولين اشد حذقهم ومعرفتهم معنى الإله وموضوعه فإنه عندهم، كل ~~مألوه ومتأله أبت قلوبهم أن تنفر ما تألهته لتتقرب إلى الله وتنال بهم ~~رضاه، ونفي الإله غير الله باللسان مع العكوف عليه في الاعتقاد والجنان ~~يدعوه ويرجوه ويتوكل عليه ويقصده ليتقرب بشفاعته إليه لا يوجب نفيه حقيقة، ~~والإيمان بالقرآن قول باللسان واليوم الآخر بالجنان، وفعل الصلاة والصوم ~~وسائر الأعمال يشترط لصحتها وجود التوحيد والإسلام. والشرك الأكبر في القول ~~والعقيدة منافيا # PageV01P100 # للشهادة برسالة المبعوث بالمحجة البيضاء والفرقان، وشهادة أن محمدا رسول ~~الله لا تغني عن شهادة أن لا إله إلا الله، وهذه الشهادة لا تصح ولا تعصم ~~مع التأله مع الله. فبهذا الاعتقاد حصلت الخاصمة والعداوة ولأجله حصل ~~التمييز بين الفرقة الناجية والهالكة، وشرع الجهاد لدحضه مع سائر الفساد ~~فيعبد الله وحده وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. ونحن لم نجاهد ~~ونعاد ونوال إلا في ذلك، ولم يجر بيننا وبين الخلق اختلاف في سائر المحرمات ~~ووجوب إزالتها في أصل الدين الذي هو منهاج المرسلين وصراط رب العالمين الذي ~~أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله فلا يكون لسواه ولا نعبد إلا إياه مخلصين ~~له الدين ولو كره الكافرون، مع إزالة سائر الفساد والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر، ومنها استحلال ما حرم الله كالفواحش ما ظهر منها وما بطن، وأكل ~~مال اليتيم، ms108 وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، أو إثبات ما نفى الله، أو ~~نفي ما أثبت، أو تحريم ما أحل الله كالزينة التي أخرج لعباده والطيبات من ~~الرزق، وكعمل أهل الجاهلية من البحائر والسوائب معتقدا لحلها، قال عبد الله ~~بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا أحد أغير من الله ~~فلذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا أحد أحب إليه المدح منه فلذلك ~~مدح نفسه". # وكما يكون الكفر بالاعتقاد يكون أيضا بالقول كسب الله أو رسوله أو دينه ~~أو الاستهزاء به قال تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} وبالفعل أيضا كإلقاء المصحف في القاذورات ~~والسجود لغير الله ونحوهما. وهذان وان وجدت فيهما العقيدة فالقول والفعل ~~مغلبان عليها لظهورهما وإسلام أهل العقائد المكفرة والرجوع عنها والبراءة ~~منها مع تجديد الشهادتين وإخلاص الألوهية لله وحده قولا وعملا واعتقادا فلا ~~يدين الله إلا بذلك ولا يرضى إلا به من نفسه وغيره مع الإيمان بجميع الرسل ~~ومعجزاتهم وأنهم بلغوا الرسالة وأدوا الأمانة ونصحوا الأمة وأن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم خاتمهم وأفضلهم مع الإيمان بما تضمنه قوله سبحانه وتعالى: ~~{آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله} الآية وكذا ~~أولياء الله والترضي عنهم والإقرار بكراماتهم لا عبادتهم واتخاذهم في جلب ~~النفع ودفع الضر اللذين لا يقدر على جلبهما ودفعهما إلا الله تبارك وتعالى ~~ولا إثبات الشفاعة التي # PageV01P101 # نفاها الله في كتابه أو نفي ما أثبتها فيه، بل لابد من إثبات ما أثبته ~~الله مها ونفي ما نفاه. وكذا المستحل لما حرم الله، والمحرم لما أحل، يحتاج ~~مع الإتيان بالشهادتين إلى تحليل الحلال وتحريم الحرام، فيثبت ما أثبت الله ~~وينفي ما نفاه، ومن حكم عليه بإسلام فسب الله أو رسوله أو دينه فهل تقبل ~~توبته ظاهرا على قولين للعلماء. ففهم من قال تقبل توبته وهو أصح قولي ~~الشافعي ومن وافقه، ومنهم من لا يقبلها وهي الرواية المشهورة عن ms109 أحمد، وكذا ~~الخلاف فيمن تكررت ردته والزنديق وهو المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن ~~الكفر، والكافر الأصلي تقبل توبته قولا واحدا، وإذا لم يتب حكمه القتل وسبي ~~الأهل والأولاد، والمرتد يستتاب على الأصح فإن تاب وإلا قتل، وما له فيء ~~إلا في حالة الحرب، وإذن فيجب على الإمام قتالهم وغزوهم لفعل الصحابة رضي ~~الله عنهم، وما أخذ منهم في حالة الحرب فهو غنيمة وإذا علمت الدعوة فلا ~~يلزم الإمام تجديدها قبل الغارة بجيشه لفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه من بعده. # PageV01P102 ### | تارك الصلاة كافر، وإقامة الدليل عليه # (وأما قولكم وكفر العمل هو الكفر بإتيان الكبائر وارتكابها كما ورد في ~~تارك الصلاة انه يكفر بتركه إياها أخرجه مسلم في صحيحه وعن جابر بن عبد ~~الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين الرجل وبين الكفر ترك ~~الصلاة" رواه أهل السنن وصححه الترمذي، ومن حديث بريدة بن الحصين الأسلمي ~~قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم ~~الصلاة فمن تركها فقد كفر" أخرجه الطبراني وقال الإسناد صحيح على شرط مسلم، ~~ومن حديث ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة فإذا تركها فقد ~~أشرك" وفي هذا الباب أحاديث كثيرة يسمي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تارك الصلاة عمدا كافرا) . # فنقول: أما الكبائر من الذنوب فقد تقدم كلامنا فيها ويأتي له إن شاء الله ~~تتمة. # وأما الصلاة فهي لغة: الدعاء بخير قال تعالى: {وصل عليهم} أي ادع لهم # PageV01P102 # وعدي لتضمنه معنى الإنزال أي انزل رحمتك عليهم، وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " إذا دعى أحدكم إلى طعام فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وإن كان صائما ~~فليصل" وشرعا: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، ولا ~~يرد عليه صلاة الأخرس ونحوه لأن الأقوال فيها مقدرة، والمقدر كالموجود، ~~وهذا التعريف باعتبار الغالب فلا يرد صلاة الجنازة وسميت صلاة لاشتمالها ~~على الدعاء، ms110 وقيل لأنها ثانية الشهادتين، كالمصلي من خيل الحلبة، واشتقاقها ~~من الصلوين وأحدهما صلى كعصى وهما عرقان من جانبي الذنب، وقيل عظمان ~~ينحنيان في الركوع والسجود، وفرضت ليلة الإسراء. أخرجه الشيخان البخاري ~~ومسلم من حديث أنس كانت قبل الهجرة بخمس سنين وقيل بسنة والأول هو المشهور ~~عند الأكثر، وكان في رجب وقيل في رمضان والأول هو الصحيح، وترك الصلاة كفر ~~عملي يشترك فيه عمل القلب والجوارح كالاستهانة بالمصحف وقتل الأنبياء لا ~~ككفر سائر أعمال المعاصي التي لا تخرج عن الملة كما توهمه صاحب المقدمة لأن ~~عمل القلب هو ومحبته وانقياده للأوامر باق على حاله وإنما غلب عليه إفراط ~~الشهوة وران الغفلة ولعله أن يكون مستدلا بحديث عبادة بن الصامت عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ~~وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله كلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان منه من العمل" ~~أخرجاه في الصحيحين وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ ~~وهو رديفه على الرحل: " يا معاذ" قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثا قال: ~~"ما من عبد يشهد أن لا إله إلا اله وأن محمدا رسول الله إلا حرمه الله على ~~النار" قال: يا رسول الله أفلا أخبر بها الناس فيستبشرون قال: "إذا يتكلوا ~~" فأخبر بها معاذ عند موته. متفق على صحته. وعن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من ~~قبله" رواه البخاري وعن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية في ~~القرآن يرددها حتى صلاة الغداة وقال: "دعوت لأمتي وأجبت بالذي لو اطلع عليه ~~كثير منهم تركوا الصلاة" فقال أبو ذر: أفلا أبشر الناس قال: "بلى" فانطلق ~~فقال عمر: إنك ان تبعث إلى الناس يتكلوا عن العبادة فناداه أن ارجع فرجع" ~~وبالآية: {إن ms111 تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم} ~~رواه # PageV01P103 # الإمام أحمد في مسنده، وفي المسند أيضا من حديث عائشة رضي الله عنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الدواوين عند الله عز وجل ~~ثلاثة: ديوان لا يعبأ الله به شيئا وديوان لا يترك منه شيئا وديوان لا ~~يغفره الله، فأما الديوان الذي لا يعبأ به فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ~~ربه من صوم تركه أو صلاة تركها فإن الله عز وجل يغفر ذلك ويتجاوز عنه إن ~~شاء، وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا فظلم العباد بعضهم بعضا ~~القصاص لا محالة، وأما الديوان الذي لا يغفره الله فالشرك قال الله عز وجل: ~~{إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال تعالى: {إنه ~~من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار} " وفي المسند أيضا عن ~~عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات ~~كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن ~~لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" وفي المسند ~~أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أول ما ~~يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة فإن أتمها وإلا قيل انظروا هل ~~له من تطوع فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة من تطوعه ثم يفعل بسائر ~~الأعمال المفروضة مثل ذلك" رواه أهل السنن وقال الترمذي: حديث حسن وبما ثبت ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل ~~الجنة" وفي لفظ آخر: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة " وفي ~~الصحيح قصة عتبان بن مالك وفيها أن الله قد حرم على النار من قال لا إله ~~إلا الله يبتغى بذلك وجه الله وفي حديث الشفاعة يقول الله ms112 عز وجل: " وعزتي ~~وجلالي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله، وفيه فيخرج من النار من لم ~~يعمل خيرا قط" وفي السنن والمسانيد قصة صاحب البطاقة الذي ينشر له تسعة ~~وتسعون سجلا كل سجل منها مد البصر ثم يخرج له بطاقة فيها شهادة أن لا إله ~~إلا الله فترجح سيئاته ولم يذكر في بطاقته غير الشهادة ولو كان فيها غيرها ~~لقال ثم يخرج له صحائف حسناته فتوزن بسيئاته، ويكفي في هذا قوله فيخرج من ~~النار من لم يعمل خيرا قط إذ لو كان كافرا لكان مخلدا في النار غير خارج ~~منها، فظاهر هذه الأحاديث المنع من تكفير تاركها وتخليده في النار والوجوب ~~له من الرجاء ما يرجى لسائر أهل الكبائر، ولأن الكفر جحود التوحيد ~~والاستهزاء به ومعاداته ومشاقة أهله ليرجعوا عنه وإنكار الرسالة والمعاد # PageV01P104 # وجحد ما جاء به الرسول عنادا وهذا مقر بالوحدانية عامل بها شاهد أن محمدا ~~رسول الله مؤمن بالله وبما جاء عن الله ومن أنه تعالى يبعث من في القبور، ~~فكيف يحكم بكفره. والإيمان هو التصديق وضده التكذيب لا ترك العمل أم كيف ~~يحكم للمصدق بحكم المكذب. # (الجواب عن ذلك كله) ان رواة هذه الأحاديث التي قد يستدل بظاهرها على عدم ~~تكفير تارك الصلاة هم الذين حفظ عنهم تكفير تاركها بأعيانهم وهم أعلم ~~بمعناها من غيرهم قال أبو محمد ابن حزم وغيره من الأئمة الأعلام أن كبار ~~الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقا، ~~ويحكمون عليه بالردة. منهم أبو بكر الصديق وعمر بن الحطاب وابنه عبد الله ~~وابن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وأبو الدرداء ~~وأبو هريرة وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وغيرهم ~~من سائر الصحابة: (أن من ترك صلاة فرض واحد متعمدا حتى خرج وقتها فهو كافر ~~مرتد قالوا ولا يعلم لهؤلاء مخالف من الصحابة وممن ذهب إلى تكفير التكفير ~~المذكور من غير الصحابة أحمد بن ms113 حنبل والشافعي في أحد روايتيه وهي المشهورة ~~عند بعض أصحابه وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك والنخعي والحكم بن ~~عتيبه وأبو أيوب السجستاني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة ~~والتابعين كلهم قد قال بكفر تاركها وأنه ليس من أهل الإسلام بل يقتل كفرا ~~وما له فيء ما لم يتب. وتلك الأحاديث المتقدمة أعني قوله صلى الله عليه ~~وسلم: " من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله ~~الجنة " ونحوها جميعها محمولة عند من تقدم ذكرهم على عدم المحافظة عليهن في ~~وقتهن مع الإتيان بهن بعد، بدليل الأحاديث الواردة وفي تركها بالكلية فإنها ~~مقيدة وتلك مطلقة والمطلق يحمل على المقيد إذا أمكن الحمل ولم يوجد نسخ، ~~ولذلك لم يأخذ رواة تلك الأحاديث المطلقة ولا غيرهم من الأئمة الأعلام ~~بظاهرها في عدم تكفير تاركها بل حملوها على الآيات والأحاديث المقيدة الآتي ~~بيانها. وأما إخراج الله من النار من لم يعمل خيرا قط بل كفى عن العمل وجود ~~أدنى إيمان في قلبه وإقرار بالشهادتين في لسانه فهو إما لعدم تمكنه من أداء ~~ما افترض الله عليه من أركان الإسلام بل بمجرد أدنى إيمان في قلبه وشهادة ~~بلسانه خرمته المنية لكنه قد عمل عملا مفسقا به لوجود # PageV01P105 # ما صدر منه عالما به فاستحق دخول النار عليه وإما لكونه نشأ في مكان قريب ~~من أهل الدين والإيمان فلم يعلم ما أوجب الله على خلقه من تفاصيل الدين ~~والإيمان والإسلام وأركانه، بل جهل ذلك ولم يسأل أهل الذكر عنه، فإن الله ~~أوجب على خلقه المكلفين التفقه في الدين وان لم يحصل إلا بقطع مسافة كثيرة ~~غير معذور بهذا الجهل إذ مثله لا يجهل ذلك لقربه من المسلمين فيعاقبه الله ~~على ترك تعلم ما أوجب الله عليه، ولهذا لا يخلد في النار إن لم يوجد منه ~~مناف للإسلام من إنكار أمر علم من الدين ضرورة ولم يمتنع من إجابة إمام ~~المسلمين إذا دعاه لتقويم أركان الدين بل هو مؤمن ms114 بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر وبالقدر لا ينكر منه شيئا وبأركان الإسلام كلها، لكنه ~~جهل تفاصيل ذلك وأحكامه وما يجب عليه منه، والإيمان يتفاوت ويختلف بحسب ~~أحوال الخلق فمنهم من إيمانه كالجبال الراسيات بحيث لا يزحزحه مزحزح فيزيد ~~إلى ما لا نهاية له، ومنهم من ينقص إيمانه حتى ينتهي إلى مثقال الذرة. ~~فالأول سببه الطاعة والعلم والتفكر في مصنوعات الله، والثاني سببه المعاصي ~~والجهل والغفلة والنسيان. وهذا السبب الثاني لا يوجب الخلود في النار حيث ~~وجد الإيمان وما استطاع عليه من أركان الإسلام لكن لجهله أو غفلته أو ~~نسيانه أو معاصيه وهن إيمانه، ولا يلزم من وهنه عدم فعل الصلاة وسائر أركان ~~الإسلام مما يقدر عليه، بل قد يفعلها وإيمانه ضعيف حتى ينتهي إلى مثقال ~~الذرة واطلاق عدم العمل عليه لكونه عمل جاهل، ولذلك أكثر العلماء منهم ~~الإمام مالك يقول بعدم صحة عبادة الجاهل بتفاصيل أعمال الصلاة فلا يميز بين ~~أركانها وواجباتها وسننها وكذا غير الصلاة فكأنه في هذه الحالة لم يعمل ~~وإخراجه من النار ودخول الجنة سببه الإيمان الذي صدر منه لا مجرد فعل ~~الصلاة من غير إيمان، ولذلك لم يقبل الله صلاة المنافق ولا سائر عمله بل ~~جعله الله في الدرك الأسفل من النار مخلدا مع أنه يفعل الصلاة وسائر ~~الطاعات حتى الجهاد في وقت النبي صلى الله عليه وسلم وغيره، لكن لما كان ~~صلاته وعمله من غير إيمان بطل من أصله ولا يخرج بعمله ذلك عن الكفر إلا أنه ~~ظاهرا يعصم ماله ودمه فأما مجرد الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر وبالقدر وسائر ما كلف الله به العبيد مع العمل فهو الكلي والصلاة ~~قوام الدين وعماد اليقين فمن تركها فقد أضاعه. # PageV01P106 ### | الأدلة على كفر تارك الصلاة # أولا: الاستدلال بالكتاب: # (وقد دل على كفر تارك الصلاة الكتاب والسنة وإجماع الصحابة) أما الكتاب ~~فقوله تعالى: {أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون أم لكم كتاب ~~فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة ms115 إلى يوم ~~القيامة إن لكم لما تحكمون} إلى قوله: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود ~~فلا يستطيعون خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم ~~سالمون} فوجه الدلالة من الآية أنه سبحانه أخبر أنه لا يجعل المسلمين ~~كالمجرمين وان هذا الأمر لا يليق بحكمته ولا حكمه، ثم ذكر أحوال المجرمين ~~الذين هم ضد المسلمين بقوله يوم يكشف عن ساق وأنهم يدعون إلى السجود لربهم ~~تبارك وتعالى فيحال بينهم وبينه فلا يستطيعون السجود مع المسلمين عقوبة لهم ~~على ترك السجود مع المصلين في دار الدنيا وهذا يدل على أنهم مع الكفار ~~والمنافقين الذين تبقى ظهورهم إذا سجد المسلمون كصياصي البقر ولو كانوا من ~~المسلمين لأذن لهم بالسجود كما أذن للمسلمين ولو كانوا ممن جحد وجوبها رأسا ~~ولم يدع الإيمان بها لذهب مع الذاهبين الذين قيل لهم ألا تردوا أو تتبع كل ~~أمة ما كانت تعبد إذ لا يخلو أن يكون من أحد الطائفتين ولم يبق مع من يدعي ~~الإسلام العاملين به وغير العاملين. # الدليل الثاني: # قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين في جنات يتساءلون ~~عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ~~وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين} فلا يخلو ~~هؤلاء إما أن يكون كل واحد من هذه الخصال هو الذي سلكهم في سقر وجعلهم من ~~المجرمين أو مجموعها فإن كل واحد منها مستقل بذلك فالدلالة ظاهرة وإن كان ~~مجموع الأربعة فهذا إنما هو لتغليظ كفرهم وعقوبتهم وإلا فكل واحد منها مقتض ~~للعقوبة إلى ما هو مستقبل بمجموعهما، ومن المعلوم أن ترك الصلاة وما ذكر # PageV01P107 # معه ليس شرطا في العقوبة على التكذيب بيوم الدين بل هو وحده كاف في ~~العقوبة فدل على أن كل وصف ذكر معه كذلك إذ لا يمكن قائلا أن يقول لا يعذب ~~الكافر ولا يحكم عليه بالكفر إلا من جمع هذه الأوصاف فإذا كان كل واحد منها ~~موجبا ms116 للإجرام، وقد جعل الله سبحانه وتعالى المجرمين ضد المسلمين، كان تارك ~~الصلاة من المجرمين السالكين في سقر. وقد قال تعالى: {إن المجرمين في عذاب ~~جهنم} وقال تعالى: {إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على ~~وجوههم ذوقوا مس سقر} وقال تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون} فجعل ضد المؤمنين. # الدليل الثالث: # قوله تعالى: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون} ~~فوجه الدلالة أنه تعالى علق حصول الرحمة لهم بفعل هذه الأمور فلو كان ترك ~~الصلاة لا يوجب تكفيرهم وخلودهم في النار لكانوا مرحومين بدون فعل الصلاة ~~والرب تعالى إنما جعلهم على رجاء الرحمة إذا فعلوها. # الدليل الرابع: # قوله تعالى: {فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال أهل المعاني ~~السهو في الشيء تركه من غير علم به، والسهو عنه تركه مع العلم به، والفرق ~~بين الساهي والناسي أن الساهي متى ذكر تذكر، والناسي لا يتذكر مع التذكير. ~~وقد اختلف السلف، الصالح في معنى السهو عنها فقال سعد بن أبي وقاص ومسروق ~~بن الأجدع وغيرها هو تركها حتى يخرج وقتها، وقد روى ذلك في حديث مرفوع قال ~~محمد بن نصر المروزي قال: حدثنا شيبان بن إلى شيبة قال: حدثنا عكرمة بن ~~إبراهيم قال: حدثنا عبد الملك بن عمير عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه ~~سعد رضي الله عنهما أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون قال: "الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها" وقال حماد بن زيد حدثنا ~~عاصم عن مصعب بن سعد قال: قلت لأبي: يا أبتاه أرأيت قوله تعالى: {الذين هم ~~عن # PageV01P108 # صلاتهم ساهون} أينا لا يحدث نفسه قال: انه ليس ذلك ولكنه اضاعة الوقت. ~~وقال حيوة بن شريح أخبرني أبو صخر أنه سأل محمد بن كعب القرظي عن قوله ~~تعالى: {الذين هم عن صلاتهم ساهون} قال: هو تاركها، ثم سأله عن الماعون ~~قال: منع المال من حقه وأكثر المفسرين على أنه اسم شامل لكل ms117 ما يحتاج إليه ~~كإبرة وفاس وقدر وقصعة وآنية البيت إذا طلبت للعارية كما صححه الحاكم عن ~~ابن عباس فهو اسم شامل لجميع أنواع المعروف، وحصول الويل شرط في اجتماع ~~الثلاثة غالبا كما جاء عن عكرمة حيث سأله بسام قال: الماعون القدر والفاس ~~والدلو قال بسام: قلت لعكرمة: من منع هذا فله الويل قلت: لا ولكن من جمعهن ~~من راآى في صلاته وسها عنها ومنع هذا فله الويل وإلا فمجرد السهو عنها كاف ~~في حصول الويل وإن لم يوجد المنع لكن وصف الساهين بالمانعين للحكم الأغلبي ~~ومجرد المنع بلا سهو ولا مراآة لا يوجب الويل إلا على من يقول بوجوب ~~العارية، ولعله مع الاضطرار إليها ولم يلحق ربها ضرر بإعارته إياها ولم يكن ~~وقت الاستعارة محتاجا إليها وإلا فربها إذن أحق بها فلا تجب عليه الإعارة، ~~إذا علم هذا فالوعيد بالويل مطرد في القرآن للكفار كقوله تعالى: {وويل ~~للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون} وقوله: {ويل لكل ~~أفاك أثيم * يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها} إلى ~~قوله: {ولهم عذاب مهين} وقوله: {وويل للكافرين من عذاب شديد} إلا في موضعين ~~منه وهما في {ويل للمطففين} {ويل لكل همزة} فعلق الويل بالتطفيف وهو نقص ~~المكيال والميزان والمطفف الذي ييخس في الكيل والوزن ومثله العد والذرع قال ~~الزجاج: وإنما قيل للذي ينقص المكيال والميزان ونحوهما مطفف لأنه لا يكاد ~~يسرق في المكيال والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. والهماز كثير الطعن في ~~الناس ويكون باليد والعين أيضا واللماز آكل لحوم الناس باغتيابه لهم واللمز ~~هو العيب ومنه قوله تعالى: {ولا تلمزوا أنفسكم} أي لا يعب بعضكم بعضا فيجعل ~~فيه من العيب ما ليس فيه، إذا فهم ذلك فقد علق سبحانه الويل بالتطفيف ~~والهمز واللمز وهذا لا يكتفي به بمجرده فويل تارك الصلاة إما أن يكون ملحقا ~~بويل الكفار أو بويل الفساق وإلحاقه بويل الكفار هو الحق لوجهين: # أحدهما: أنه قد صح عن سعد بن أبي وقاص في ms118 هذه الآية أنه قال لو تركوها # PageV01P109 # لكانوا كفارا ولكن ضيعوها عن وقتها فجعل تركها كفرا. # الثاني: ما سنذكره من الأدلة الدالة على كفره يوضحه الدليل الخامس هو ~~قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون ~~غيا} قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث ~~طعمه. قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: إن أودية جهنم لتستعيذ منه ومن ~~حره يسيل قيحا ودما. قال كعب: هو أبعد قعرا وأشدها حرا فيه بئر تسمى البهيم ~~كلما خبت جهنم فتح الله تلك البهيم فتستعر منه لشدة حرارته وعذابه وما أعد ~~الله فيه لأعدائه فوجه الدلالة من الآية أن الله تعالى جعل هذا المكان لمن ~~أضاع الصلاة واتبع الشهوات ولو كانوا مع عصاة المسلمين لكانوا في الطبقة ~~العليا من جهنم ولم يكونوا في هذا المكان الذي هو من أسفلها فإن هذا ليس من ~~أمكنة أهل الإسلام بل من أمكنة الكفار، وفي الآية دليل آخر، وهو قوله ~~تعالى: {فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا} فلو كان مضيع الصلاة ~~مؤمنا لم يشترط في توبته الإيمان فإنه يكون تحصيلا للحاصل (فإن قيل) قد قال ~~عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي في تفسير أضاعوا الصلاة بأن أخروها عن ~~وقتها لغير عذر، وقال سعيد بن المسيب: هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ~~ولا يصلي العصر حتى يأتي المغرب، ومفهوم قولهم أن المضيعين عن وقتها ~~يصلونها قضاء ومن أخرها عن وقتها حتى خرج ثم قضاها بعد ذلك فهو فاسق لا ~~كافر مرتد، وأيضا قد ورد في السنة أن ذلك الوادي الذي فيه تلك البئر البهيم ~~أعده الله لمن لم يتب من الزناة ومدمني الخمر وأكلة الربى وعاق والديه ~~وشاهد الزور وهؤلاء فسقة ليسوا بكفار إذا لم يستحلوا ذلك، والطبقة العليا ~~من النار إنما هي للعصاة من الموحدين وهذا الغي فيها (الجواب) ان الإضاعة ~~ليست خاصة في تأخيرها عن الوقت مع القضاء بعد ذلك ms119 بل هي في من تركها ~~بالكلية أولى ولذلك ذهب عبد الله بن مسعود وغيره من الصحابة والتابعين إلى ~~تكفير تاركها مطلقا وأولوا الآية على ذلك فالترك أخص والإضافة أعم، وقد قال ~~مجاهد وقتادة: هم في هذه الأمة أضاعوا الصلاة أي تركوا الصلاة المفروضة فلم ~~يأتوا بها والله سبحانه أوعد المضيعين للصلاة بهذا الغي ولا مانع من اشتراك ~~الكافرين والفاسقين في نوع المعذب فيه ويختلفون في ألمه إذ العذاب على ~~الكافر أشد منه على العاصي والله # PageV01P110 # على كل شيء قدير. وظاهر كلام ابن عباس رضي الله عنهما كغيره من الصحابة ~~أن الغي في جهنم خاصة لا في غيرها من طبقات النار إذ هي سبع طبقات بعضها ~~فوق بعض، قال علي كرم الله وجهه: تدرون كيف أبواب النار هكذا ووضع إحدى ~~يديه على الأخرى أي سبعة أبواب بعضها فوق بعض وان الله وضع الجنان على ~~العرض ووضع النيران بعضها فوق بعض. قال ابن جريج: النار سبع دركات أولها ~~جهنم وفيها يعذب الله العاصين من الموحدين، وفي قعرها هذا الوادي الذي سمى ~~الغي تستعيذ منه جميع أوديتها يعذب الله فيه من أضاع الصلاة واتبع الشهوات، ~~وإنما عذب فيه تارك الصلاة بالكلية مع الحكم عليه بعدم الإسلام والكفر ~~المخلد في العذاب، لأن كفره عناد بعدم فعله لها لا جحود ولا انكار ولا نفاق ~~فليس فيه من مجانسة أفعال من يستحق الدركات الباقية لا شرك ولا غيره ولما ~~كان المضيع للصلاة عن وقتها مع قضائها يعد فيه مجانسة في نوع فعل التارك ~~لها بالكلية عذب معه قي نوع المعذب فيه وفارقه في ألم العذاب لإيمانه الذي ~~قد مات عليه ثم الثانية لظى للنصارى، ثم الثالثة الحطمة لليهود، ثم الرابعة ~~السعير للصابئين، ثم الخامسة سقر للمجوس، ثم السادسة الجحيم لأهل الشرك، ثم ~~السابعة الهاوية للمنافقين، وبهذا الترتيب يعلم أن عذاب أهل الشرك أشد ~~عذابا من الكافرين بترك الصلاة ولا ريب في ذلك أن توحيد الله لا أفضل منه ~~فهو أساس الصلاة وكل عبادة فلا تصح إلا ms120 به ولا تثبت إلا عليه ولذلك قدمت ~~الشهادتان رتبة على سائر الأركان. # الدليل الخامس: # قوله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين} ~~فعلق أخوتهم في الدين بفعل الصلاة فإذا لم يفعلوها لم يكونوا أخوة للمؤمنين ~~فلا يكونون مؤمنين لقوله {إنما المؤمنون إخوة} . # الدليل السادس: # قوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى} فلما كان الإسلام تصديق ~~الخبر والانقياد للأمر جعل الله سبحانه له ضدين عدم التصديق وعدم # PageV01P111 # الصلاة وقابل التصديق بالتكذيب والصلاة بالتولي فقال: {ولكن كذب وتولى} ~~فكما أن المكذب كافر فالمتولي عن الصلاة كافر وكما يزول الإسلام بالتكذيب ~~يزول بالتولي عن الصلاة. قال سعيد عن قتادة {فلا صدق ولا صلى} لا صدق بكتاب ~~الله ولا صلى ولكن كذب وتولى كذب بآيات الله وتولى عن طاعته أولى لك فأولى ~~ثم أولى لك فأولى وعيد على أثر وعيد أي الذم والعذاب أولى لك من غيره فأولى ~~أي لك أيضا وهذا وان كان السبب خاصا فالحكم عام إذ الآية محكمة إلى يوم ~~القيامة. # الدليل السابع: # قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر ~~الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} قال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي ~~رباح يقول: هي الصلاة المكتوبة ووجه الاستدلال بالآية الكريمة أنه سبحانه ~~حكم بالخسران المطلق لمن ألهاه ماله وولده عن الصلاة والخسران المطلق لا ~~يحصل إلا للكافرين، فإن المسلم لو خسر بذنوبه ومعاصيه فآخر أمره إلى الربح ~~يوضحه أنه سبحانه أكد خسران تارك الصلاة في هذه الآية بأنواع من التأكيد. # أحدها: أنه بلفظ الاسم الدال على ثبوت الخسران ولزومه دون الفعل الدال ~~على التجدد والحدوث. # الثاني: تصدر الاسم بالألف واللام المشعر بحصول كمال المسمى لهم فإنه إذا ~~قيل زيد العالم والصالح أفاد ذلك إثبات كل العلم والصلاح له بخلاف ما إذا ~~قيل عالم وصالح. # الثالث: إتيانه سبحانه بالمبتدأ والخبر معرفين وذلك من علامات انحصار ~~الخبر في المبتدأ في قوله تعالى: {فأولئك هم الخاسرون} كما في وأولئك هم ms121 ~~المفلحون والكافرون هم الظالمون وأولئك هم المؤمنون حقا ونظائره. # الرابع: إدخاله ضمير الفصل بين المبتدأ والخبر وهو يفيد مع الفصل فائدتين ~~أخريتين قوة الإسناد واختصاص المسند إليه بالمسند كقوله: {وإن الله لهو ~~الغني # PageV01P112 # الحميد} وقوله: {والله هو السميع العليم} وقوله: {إن الله هو الغفور ~~الرحيم} ونظائر ذلك. # الدليل الثامن: # قوله تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا ~~بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} ووجه الاستدلال بالآية أنه سبحانه نفى الإيمان ~~عمن إذا ذكر بآيات الله لم يخر ساجدا مسبحا بحمد ربه ومن أعظم التذكير ~~بآيات الله التذكير بآيات الصلاة فمن ذكر بها فلم يتذكر ولم يصل ولم يؤمن ~~بما لأنه سبحانه خص المؤمنين بها بأنهم أهل السجود وهذا من أحسن الاستدلال ~~وأقربه فلم يؤمن بقوله تعالى وأقيموا الصلاة إلا من التزم إقامتها. # الدليل التاسع: # قوله تعالى: {وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ويل يومئذ للمكذبين} ذكر هذا ~~بعد قوله: {كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون} ثم توعدهم تعالى على ترك ~~الركوع وهو الصلاة إذا دعوا إليها، ولا يقال إنما توعدهم على التكذيب، فإنه ~~سبحانه انما أخبرهم عن تركهم لها وعليه وقع الوعيد، على أنا نقول لا يصر ~~على ترك الصلاة اصرارا مستمرا من يصدق بأن الله أمر بها أصلا فإنه يستحيل ~~في العادة والطبيعة أن يكون الرجل مصدقا تصديقا جازما بأن الله سبحانه فرض ~~عليه في كل يوم وليلة خمس صلوات وأنه تعالى يعاقبه على تركها أشد العقاب ~~وهو مع ذلك مصر على تركها مصدق بفرضها أبدا، فإن الإيمان يأمر صاحبه بها ~~فحيث لم يكن في قلبه ما يأمر بها فليس في قلبه شيء من الإيمان ولا يصغي إلى ~~كلام من ليس له خبرة ولا علم بأحكام القلوب وأعمالها وليتأمل هل في الطبيعة ~~أن يقوم بقلب العبد إيمان بالوعيد والوعد والجنة والنار وان الله تعالى فرض ~~عليه الصلاة وانه معاقبه على تركها وهو محافظ على الترك في صحته وعافيته ~~وعدم الموانع المانعة من الفعل، وهذا القدر هو الذي ms122 خفي على ذي الجهل ~~المركب حيث أثبت الإيمان لمدعيه مع تركه من الإسلام أعظم الأركان # PageV01P113 # وجعله الإيمان مجرد التصديق وان لم يقارنه فعل واجب ولا ترك وهذا من أن ~~محل المحال أن يقوم بقلب العبد إيمان جازم وليس من لازمه ولا يقتضيه القيام ~~بالأركان ولا فعل طاعته وترك معصيته، ونحن نقول الإيمان هو التصديق ولكن ~~ليس التصديق مجرد اعتقاد صدق الخبر دون الانقياد إيمان، وإلا لكان إبليس ~~وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود والذين عرفوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، وقد قال تعالى: {فإنهم لا ~~يكذبونك} أي يعتقدون أنك صادق {ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون} والجحود ~~لا يكون إلا بعد معرفة الحق، وقال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~ظلما وعلوا} وقال موسى لفرعون: {قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب ~~السماوات والأرض بصائر} وقال تعالى عن اليهود: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ~~وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} وأبلغ من هذا قول النفر من اليهود ~~لما جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عما دلهم على نبوته فقالا: ~~نشهد إنك نبي، فقال: "ما يمنعكما عن إتباعي؟ "، قالا: إن داود دعا أن لا ~~يزال في ذريته نبي وإنا نخاف إن اتبعناك تقتلنا يهود فهؤلاء قد أقروا ~~بألسنتهم إقرارا مطابقا لمعتقدهم أنه نبي ولم يدخلوا بهذا التصديق والإقرار ~~في الإيمان لأنهم لم يلتزموا طاعته والانقياد لأمره. ومن هذا كفر أو طالب ~~فإنه عرف حقيقة المعرفة أنه صادق وأقر بذلك بلسانه وصرح به في شعره ولم ~~يدخل بذلك ني الإسلام فالتصديق إنما يتم بأمرين: # والثاني: محبة القلب والانقياد. # ولهذا قال تعالى لإبراهيم: {قد صدقت الرؤيا} وإبراهيم كان معتقدا لصدق ~~رؤياه حين رآها فإن رؤيا الأنبياء وحي وإنما جعله مصدقا لها بعد أن فعل ما ~~أمر به وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فجعل ~~التصديق عمل الفرج ما عناه القلب والتكذيب تركه لذلك، وهذا صريح في أن ~~التصديق لا يصح ms123 إلا بالعمل وقال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي ~~ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. وقد روي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم من غير وجه والمقصود أنه يمتنع من التصديق الجازم بوجوب الصلاة ~~والوعد على فعلها والوعيد على تركها المحافظة على تركها واجتماعهما محال. # PageV01P114 # الاستدلال بالسنة: # (وأما الاستدلال بالسنة على ذلك فمن وجوه. الدليل الأول:) ما روى مسلم في ~~صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بين ~~الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" ورواه أهل السنن وصححه الترمذي. # الدليل الثاني: ما رواه بريدة بن الحصين الأسلمي قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ~~رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي: حسن صحيح إسناده على شرط مسلم. # الدليل الثالث: ما رواه ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بين العبد وبين الكفر والإيمان ~~الصلاة فإذا تركها ففد أشرك" رواه هبة الله الطبري وقال إسناده صحيح على ~~شرط مسلم. # الدليل الرابع: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصلاة يوما فقال: "من حافظ عليها كانت ~~له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورا ولا ~~برهانا ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" ~~رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو حاتم بن حبان في صحيحه وإنما خص هؤلاء ~~الأربعة بالذكر لأنهم من رؤوس الكفر، وفيه نكتة بديهة وهي أن تارك المحافظة ~~على الصلاة إما أن يشغله عنها ماله أو ملكه أو رياسته أو تجارته فمن يشغله ~~عها ماله فهو مع قارون، ومن يشغله عنها ملكه فهو مع فرعون ومن يشغله عنها ~~رياسته من وزارة وغرها فهو مع هامان وزير فرعون كلمن يشغله عنها تجارته فهو ~~مع أبي بن خلف. # الدليل ms124 الخامس: ما رواه عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " لا تشركوا بالله شيئا ولا تتركوا الصلاة عمدا فمن تركها ~~عمدا خرج عن الملة " رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه. # PageV01P115 # الدليل السادس: ما رواه معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد ~~ولو كان باقيا على إسلامه لكانت له ذمة الإسلام. # الدليل السابع: ما رواه أبو الدرداء قال: "أوصاني أبو القاسم صلى الله ~~عليه وسلم أن لا أترك الصلاة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة" ~~رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه. # الدليل الثامن: ما رواه معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" وهو حديث صحيح مختصر ووجه ~~الاستدلال به أنه أخبر أن الصلاة من الإسلام بمنزلة العمود الذي تقوم عليه ~~الخيمة يسقط عمودها فهكذا يذهب الإسلام بذهاب الصلاة وقد احتج الإمام أحمد ~~بهذا الحديث بعينه. # الدليل التاسع: ما في الصحيحين والسنن والمسانيد من حديث عبد الله بن عمر ~~رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بني الإسلام على ~~خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأقام الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وصوم رمضان وحج البيت" رواه مسلم ورواه الإمام أحمد في بعض ألفاظه ~~"الإسلام خمس" فذكره ووجه الاستدلال به من وجوه: # أحدها: أنه جعل الإسلام كالقبة المبنية على خمسة أركان فإذا وقع ركنها ~~الأعظم وقعت قبة الإسلام. # الثاني: أنه جعل هذه الأركان في كونها أركانا لقبة الإسلام قرينة ~~الشهادتين فهما ركن والصلاة ركن والزكاة ركن فما بال قبة الإسلام تبقى بعد ~~سقوط أحد أركانها دون بقية أركانها. # الثالث: أنه جعل هذه الأركان نفس الإسلام وداخلة في مسمى اسمه وما كان ~~اسما لمجموع أمور إذا ذهب بعضها ذهب ذلك المسمى ولاسيما إذا كان من أركانه ~~لا ms125 من أجزائه التي ليست ركنا له كالحائط للبيت فإنه إذا سقط، سقط البيت ~~بخلاف # PageV01P116 # العمود والخشبة واللبنة ونحوها. # الدليل العاشر: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ما ~~لنا وعليه ما علينا" ووجه الدلالة فيه من وجهين: # أحدهما: أنه إنما جعله مسلما بهذه الأربعة فلا يكون مسلما بدونها. # الثاني: أنه إذا صلى إلى المشرق والقبلة في غير ناحية بالنسبة إليه لم ~~يكن مسلما حتى يصلي إلى جهة قبلة المسلمين فكيف إذا ترك الصلاة بالكلية. # الدليل الحادي عشر: ما رواه الدارمي عبد الله بن عبد الرحمن من حديث جابر ~~بن عبد الله رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مفتاح الجنة ~~الصلاة" وهذا يدل على أن من لم يكن من أهل الصلاة لم تفتح له الجنة وهى ~~تفتح لكل مسلم فليس تارك الصلاة بمسلم ولا تناقض بين هذا وبين الحديث الآخر ~~وهو قوله: "مفتاح الجنة شهادة أن لا إله إلا الله" فإن الشهادة أصل لمفتاح ~~الصلاة وبقية الأركان أسنانه التي لا يحصل الفتح إلا بها إذ دخول الجنة ~~موقوف على المفتاح وأسنانه وقال البخاري: وقيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح ~~الجنة لا إله إلا الله؟ قال بلى ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان فإن جئت ~~بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك. # الدليل الثاني عشر: ما رواه محجن بن الأدرع الأسلمي أنه كان في مجلس مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأذن بالصلاة فقام النبي صلى الله عليه وسلم فصلى ~~ثم رجع ومحجن في مجلسه فقال له: "ما يمنعك أن تصلي ألست برجل مسلم؟ " قال: ~~بلى ولكني صليت في أهلي فقال له: "إذا جئت فصل مع الناس وان كنت قد صليت" ~~رواه الإمام أحمد والنسائي فجعل الفارق بين المسلم والكافر الصلاة ويوجد ~~تحت ألفاظ الحديث أنك لو كنت مسلما لصليت ولم تصل في بيتك وهذا كما يقال ~~لرجل ms126 حي ناطق: مالك لا تتكلم ألست بناطق وما لك لا تتحرك ألست بحي ولو كان ~~الإسلام يثبت مع عدم الصلاة لما قال لمن رآه لا يصلي "ألست برجل مسلم". # PageV01P117 # الاستدلال بالإجماع: # (وأما الاستدلال بإجماع الصحابة) فقد تقدم ذلك عن عمر بن الحطاب وابنه ~~عبد الله ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وابن عباس وجابر بن عبد الله ~~وأبي الدرداء وعلي بن أبي طالب وأبي هريرة وغيرهم ولا يعلم عن صحابي ~~خلافهم. وعلى هذا نهج الأئمة الأسلاف كسفيان بن سعيد الثوري وأبي عمر ~~الأوزاعي وعبد الله بن المبارك وحماد بن زيد ووكيع بن الجراح والإمام مالك ~~بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي في أشهر قوليهما وأحمد بن حنبل واسحق بن ~~راهويه وأصحابهم كلهم قالوا: بكفر تاركها وقتله، ثم جمهورهم قالوا: يقتل ~~بالسيف ضربا في عنقه، وقال بعض الشافعية يضرب بالخشب إلى أن يصلي أو يموت، ~~وقال ابن شريح ينخس بالسيف نخسا حتى يموت لأنه أبلغ، والجمهور على ضرب عنقه ~~بالسيف لأنه أحسن القتلات وأحسنها إزهاقا. وقد سن الله سبحانه في قتل ~~الكفار والمرتدين ضرب الأعناق دون النخس بالسيف، والجمهور عند هؤلاء كلهم ~~أنه يستتاب فإن تاب ترك وإلا قتل، هذا قول الشافعي وأحمد وأحد القولين في ~~مذهب مالك وقال أبو بكر الطرطوشي في تعليقه مذهب مالك أنه يقال له ما دام ~~الوقت باقيا صل فإن فعل ترك، وان امتنع حتى خرج الوقت هل يستتاب أم لا، قال ~~بعض أصحابنا يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وقال بعضهم لا يستتاب لأن هذا تحتم ~~فلا يسقط كالحد، وهذا الذي حكاه الطرطوشي عن بعض أصحابهم أنه يقتل من غير ~~استتابة هو رواية عن مالك، وفي استتابة المرتد روايتان عن أحمد، وقولان ~~للشافعي ومن أوجب الاستتابة قال الرعاية إليها شرط في قتله لأنه قد يتركها ~~لعذر أو ما ظنه عذرا أو لكسل لا يستمر ولذلك أذن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في الصلاة نافلة خلف الأمراء الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج الوقت ولم يأمر ~~بقتالهم ms127 ولم يأذن في قتلهم لأنهم لا يصروا1 على تركها فإذا دعي فامتنع لا ~~من عذر حتى خرج الوقت تحقق تركه وإصراره. وهل يقتل بترك صلاة أو صلاتين أو ~~ثلاث صلوات هذا فيه خلاف بين الناس. فقال سفيان الثوري ومالك وأحمد في ~~PageV01P118 # إحدى الروايات عنه: يقتل بترك صلاة واحدة وهو ظاهر مذهب الشافعي وأحمد، ~~وحجة هذا القول ما تقدم من الأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. فقد روى ~~معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ترك ~~صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله" رواه الإمام أحمد في مسنده وعن ~~أبي الدرداء رضي الله عنه قال: " أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم أن ~~لا أترك صلاة متعمدا فمن ترك صلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة" رواه عبد ~~الرحمن بن أبي حاتم في سننه ولأنه إذا دعي إلى فعلها في وقتها فقال: لا ~~أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فتعين إيجاب قتله وإهدار دمه، واعتبار ~~التكرار ثلاثا ليس عليه دليل من نص ولا إجماع ولا قول صحابي، وقال أبو اسحق ~~من أصحاب أحمد ان كانت الصلاة المتروكة تجمع إلى ما بعدها كالظهر والمغرب ~~لم يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فأورثت ~~شبهة ههنا وان كانت لا تجمع إلى ما بعدها كالصبح والعصر وعشاء الآخرة قتل ~~بتركها وحدها إذ لا شبهة في التأخير، وهذا القول حكاه اسحق عن عبد الله بن ~~المبارك أو عن وكيع بن الجراح الشك من اسحق في تعيينه، فعلى هذا متى دعي ~~إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم يضق وقت ~~الثانية نص عليه الإمام أحمد قال القاضي وأصحابه كابن عقيل وأبي الخطاب لا ~~يقتل حتى يتضايق وقت التي بعدها وقال شيخ الإسلام أبو البركات تقي الدين ~~متى دعي إلى الصلاة في وقتها فقال لا أصلي وامتنع حتى فاتت وجب قتله وان لم ~~يضق وقت الثانية، ms128 وفي المثال الذي ذكر يعني أبا الخطاب أولى لأن القتل ~~بتركها دون الأولى لأنه لما دعي إليها كانت فائتة والفوائت لا يقتل تاركها. ~~وكذا حكم ترك الوضوء والغسل من الجنابة واستقبال القبلة وستر العورة ~~والقيام في الفرض لقادر أو الركوع أو السجود لقادر عليهما كترك الصلاة، ~~وكذا حكم ترك الجمعة لما روى مسلم في صحيحه من حديث ابن مسعود: "أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: وصريح القرآن مشعر ~~بفرضيتها وآمر بإقامتها إلزاما، وأخطأ على الشافعي من نسب إليه القول بأن ~~صلاة الجمعة فرض كفاية إذا قام بها قوم سقطت عن الباقين ولم يقل الشافعي ~~هذا قط وإنما غلط عليه من نسب ذلك إليه بسبب قوله في صلاة العيد أنها تجب # PageV01P119 # على من تجب عليه صلاة الجمعة بل هذا نص من الشافعي رضي الله عنه على أن ~~صلاة العيد واجبة على الأعيان، وهذا هو الصحيح في الدليل فإن صلاة العيدين ~~من أعظم شعائر الإسلام الظاهرة ولم يكن يتخلف عنها أحد من الصحابة ولا ~~تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ولو كانت سنة لتركها ولو مرة ~~واحدة كما ترك قيام رمضان وعلى إنا نقول بفرضية صلاة العيدين لا نكفر من ~~تركها لجريان الخلاف في فرضيتها بخلاف ما تقدم من الصلوات. ولذلك لم يختلف ~~أحد ممن تقدم في قتل تارك الصلاة إلا أبو حنيفة رحمه الله ومحمد بن شهاب ~~الزهري وداود بن علي المزني فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى ~~يموت أو يتوب وحجتهم قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" ~~رواه البخاري ومسلم وحجة من قال بالقتل وهم من تقدم من الصحابة والتابعين ~~والأئمة من كبار المجتهدين تعليقه في الحديث بحقها قالوا: وهذه الصلاة من ~~أعظم حقها وقد قال تعالى: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم ~~واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا ms129 سبيلهم} ~~فأمر بقتلهم حتى يتوبوا من شركهم ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة والقول بأنه ~~متى تاب من شركة سقط عنه القتل وإن لم يقم بالصلاة ولا آتى الزكاة خلاف ~~ظاهر القرآن والسنة وإجماع صدر الأمة، فلا يعتد به بعد انعقاد الإجماع ~~والله تعالى أعلم. # PageV01P120 ### | الأحاديث الواردة في نفي الإيمان عن مرتكب الكبيرة # (وأما قولكم وأخرج الطبراني والبزار عن بن أبى أوفى قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن ولا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن" رواه أبو هريرة في ~~الصحيح وابن عمر وعائشة وجماعة آخرون، فنفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن هؤلاء الإيمان ومن لازمه إثبات الكفر لهم وأخرج أبو داود والترمذي من ~~حديث أبي هريرة مرفوعا: " من أتى كاهنا فصدقه بما يقول أو أتى امرأة حائضا ~~أو في دبرها فقد برئ بما أنزل على محمد" وأمثال هذا كثير # PageV01P120 # في كلام الصادق المصدوق فهذا النوع الذي هو الكفر العملي وان أطلقه ~~الشارع على مرتكب هذه الكبائر فإنه لا يخرج به العبد من الإيمان، ولا يفارق ~~به الملة المحمدية ولا يباح ماله ودمه وأهل كما ظنه من لم يفرق بين الكفرين ~~ولم يميز بين الأمرين) . # فنقول يحتاج كل قائل ومعترض إلى تحقيق معاني قوله وما يعارض به، ومن أعظم ~~الحاجة في ذلك تحقيق معاني كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم إذا عورض ~~به أمر، لا بد من التأمل والتحقيق حتى يسوغ التكلم ويسوغ المعارضة، والعاقل ~~اللبيب إذا تأمل ووعى ما نحن فيه مما اعتقدناه وقلناه علم يقينا الفرق بين ~~ما عنيناه وقصدناه من عقيدتنا ودليلنا ومدلولنا وبين معارضتنا بهذه ~~الأحاديث والاعتراض بها علينا، وعلم أيضا أن بين ما عارضه صاحب المقدمة من ~~عقائدنا ودلائلنا وبين ما عارضنا به من نقل هذه الأحاديث واعتقاده فينا ~~مباينة ومخالفة من وجوه: # أحدها انه لم يفهم قصدنا ولا ما اعتقدنا وقلنا فإن أعظم قصدنا وأمرنا ~~الحث والأمر بتوحيد الله ms130 وحده لا شريك له في عبادته ومعاملته حتى تثبت وتتم ~~الألوهية كلها له وحده لا شريك له، فكما أنه تعالى منفرد بالربوبية فكذلك ~~هو منفرد بالألوهية قولا وعملا واعتقادا فلا يرجى في جلب نفع أو كشف ضر إلا ~~الله وحده ولا يتوكل إلا عليه وان الخلق ليس لهم ولي من دونه ولا شفيع إلا ~~من بعد إذنه، وصاحب المقدمة قد فهم فينا ما لم نقله، واعتقد متقولا علينا ~~ما لا نعتقده فانه يزعم إنا نكفر بالذنوب بدليل السياق. # والاعتراض الثاني: أنه لم يميز بين ما حرم الله به دخول الجنة وأوجب ~~الخلود في النار وبين ما هو تحت مشيئته تعالى إن شاء غفره فلم يعذب عليه ~~وان شاء طهر فاعله في النار ثم مآله إلى الجنة حيث مات موحدا بل عارض الأول ~~بالثاني كما دل عليه صنيعه. # الثالث: أنه لم يميز بين الإيمان الذي يستحق المتصف به أن لا يخلد في ~~النار بل ترجى له الشفاعة بإذن الله والمغفرة منه له فضلا وكرما ويثبت له ~~مناكحة المسلمين وموارثتهم وبين الإيمان الذي يستحق به النجاة من العذاب ~~وتكفير السيئات وقبوله الطاعة وكرامة الله ومثوبته وبه يستحق أن يكون ~~محمودا مرضيا موصوفا بصفات الثناء لا بصفات الذم بل جعل القسمين قسما ~~واحدا. # (وأما الكلام) على معنى هذه الأحاديث التي قد أدلى بها وأوردها صاحب # PageV01P121 # المقدمة علينا فنقول لا يحقق ذلك إلا من حقق معنى الإيمان وعرفه ومازه ~~حتى تحصل له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى هذه الأحاديث وأمثالها والمدلي ~~بها يحتاج إلى فهم معاني ما تضمنته من نفي الإيمان ومعرفة حقيقته، وما هو، ~~كيف هو، ثم ينفي بها نفيا لا إثبات معه أو معه إثبات، أو يثبت إثباتا لا ~~نفى معه، أو معه نفي، ثم يفصل ويبين ذلك المثبت والمنفي وعكسهما، إذا علم ~~هذا فالإيمان قد اشتهر وشاع عن السلف وأهل الحديث أنه قول وعمل ونية وان ~~الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى ~~على ذلك إجماع الصحابة ms131 والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم، وأنكر السلف على من ~~أخرج الأعمال عن الإيمان إنكارا شديدا وممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا ~~محدثا سعيد بن جبير وميمون بن مهران وقتادة وأيوب السجستاني والنخعي ~~والزهري ويحيى بن أبي كثير وغيرهم، وقال الثوري: (هو رأي محدث أدركنا الناس ~~على غيره) وقال الأوزاعي: (كان من مضى من السلف لا يعرفون الإيمان إلا ~~العمل) وكتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إلى أهل الأمصار: (أما بعد ~~فإن للإيمان فرائض وشرائع وسننا فمن استكملها استكمل الإيمان ومن لم ~~يستكملها لم يستكمل الإيمان) ذكره البخاري في صحيحه وقد دل على دخول ~~الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون حقا} وفي الصحيحين ~~عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لوفد عبد ~~القيس: " آمركم بأربع الإيمان بالله وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن ~~لا إله إلا الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وان تعطوا من ~~المغنم الخمس" وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن ~~أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من ~~الإيمان" ولفظه لمسلم قال الخطابي في هذا الحديث بيان أن الإيمان الشرعي ~~اسم بمعنى ذي شعب وأجزاء له أدنى وأعلى، فالاسم يتعلق ببعضها، كما يتعلق ~~بكلها، والحقيقة تقتضي جميع شعبه وتستوفي جملة أجزائه كالصلاة الشرعية لها ~~شعب وأجزاء والاسم يتعلق ببعضها والحقيقة تقتضي جميع أجزائها وتستوفيها ~~ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الحياء شعبة من الإيمان" وفي إثبات ~~التفاضل في الإيمان وتباين المؤمنين في درجاته، هذا آخر كلام الخطابي. # PageV01P122 # وقال الإمام أبو محمد الحسين بن مصعب البغوي الشافعي في حديث سؤال جبريل ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms132 عن الإيمان والإسلام وجوابه قال: جعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم الإسلام اسما لما ظهر من الأعمال وجعل الإيمان اسما لما بطن ~~من الاعتقاد، وليس ذلك، لأن الأعمال ليست من الإيمان أو أن التصديق بالقلب ~~ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين، ولذلك ~~قال صلى الله عليه وسلم: "ذاك جبريل أتاكم يعلمكم دينكم" والتصديق والعمل ~~يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا يدل عليه قوله تعالى: {إن الدين عند ~~الله الأسلام} {ورضيت لكم الإسلام دينا} {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن ~~يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} فأخبر سبحانه وتعالى أن الدين الذي ~~رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام ولا يكون الدين في محل الرضا والقبول إلا ~~بانضمام التصديق إلى العمل هذا كلام البغوي، وقال الإمام أبو عبد الله محمد ~~بن إسماعيل بن محمد بن الفضل التميمي الأصبهاني الشافعي في كتابه التحرير ~~في شرح صحيح مسلم: الإيمان في اللغة هو التصديق فان عني به ذلك فلا يزيد ~~ولا ينقص لأن التصديق ليس شيئا يتجزأ حتى يتصور كماله تارة ونقصه أخرى ~~والإيمان في لسان الشرع هو التصديق بالقلب والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا ~~تطرق إليه الزيادة والنقصان، وهو مذهب أهل السنة، وقال الإمام أبو الحسن ~~علي بن خلف بن بطال المالاسي المغربي في شرح صحيح البخاري مذهب جماعة أهل ~~السنة ممن سلف من الأمة وخلفها ان الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على ~~زيادته ونقصانه ما أورده البخاري رحمه الله تعالى من الآيات يعني قوله ~~تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} وقوله تعالى: {وزدناهم هدى} وقوله ~~تعالى: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} وقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم ~~هدى} وقوله تعالى: {ويزداد الذين آمنوا إيمانا} وقوله تعالى: {أيكم زادته ~~هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} وقوله: {وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما} ومجرد التصديق بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لا ينقص إلا ~~شكا ولذلك توقف مالك رحمه الله تعالى في بعض الروايات مع القول بالزيادة عن ms133 ~~القول بالنقصان إذ لا يجوز نقصان التصديق لأنه إذا نقص صار شاكا فخرج عن ~~اسم الإيمان، وقال بعضهم إنما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان خشية أن ~~يتناول موافقة الخوارج الذين يكفرون أهل المعاصي بالذنوب وإلا فقد قال مالك ~~بنقصان الإيمان مثل قول جماعة أهل السنة، قال عبد الرزاق سمعت من أدركت من ~~شيوخنا وأصحاب سفيان الثوري ومالك بن أنس # PageV01P123 # وعبد الله بن عمر والأوزاعي ومعمر بن راشد وابن جريج وسفيان بن عيينة ~~يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهذا قول ابن مسعود وحذيفة والنخعي ~~والحسن البصري وعطاء وطاوس ومجاهد وعبد الله بن المبارك، فالمعنى الذي ~~يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمنين وهو إتيانه بهذه الأمور التصديق ~~بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالجوارح، وذلك أنه لا خلاف بين الجميع انه ~~لو أقر وعمل على غير علم منه ومعرفة بربه فلا يستحق اسم مؤمن، ولو عرفه ~~بقلبه وجحده بلسانه وكذب ما عرف من التوحيد لا يستحق اسم المؤمن، فكذلك إذا ~~اقر بالله وبرسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولم يعمل بالفرائض لا ~~يسمى مؤمنا بالإطلاق وان كان في كلام العرب يسمى مؤمنا بالتصديق فذلك غير ~~مستحق في كلام الله لقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا} فأخبر سبحانه وتعالى إن ~~المؤمن من كانت هذه صفته، وقال ابن بطال في باب من قال الإيمان هو العمل ~~فان قيل قد تقدم ان الإيمان هو التصديق قيل له التصديق هو أول منازل ~~الإيمان ويوجب للمصدق دخول الأعمال فيه ولا يوجب له استكمال منازله، ولا ~~يسمى مؤمنا مطلقا إلا باستكمال شعب أعماله، هذا مذهب جماعة أهل السنة وان ~~الإيمان قول وعمل، قال أبو عبيد: هو قول مالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم ~~من أرباب العلم والسنة الذين كانوا مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل الحجاز ~~والعراق والشام وغيرهم قال ابن بطال وهذا المعنى أراد البخاري رحمه ms134 الله ~~إثباته في كتاب الإيمان وعليه بوب أبوابه كلها فقال باب أمور الإيمان وباب ~~الصلاة من الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان وسائر ~~أبوابه وإنما أراد الرد على المرجئه في قولهم ان الإيمان قول بلا عمل وتبين ~~غلطهم وسوء اعتقادهم ومخالفتهم للكتاب والسنة ومذهب الأئمة. # (وأما الفرق) بين الإيمان والإسلام فالتحقيق في الفرق بينهما ما قاله ~~المحققون ان الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته مع الأعمال بجميع ما ~~فرض الله. والإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده، وذلك يكون ~~بالعمل وهو الدين كما سمى الله الإسلام دينا في كتابه تعالى وهو حديث جبريل ~~حين سمى صلى الله عليه وسلم الإسلام والإيمان والإحسان دينا، وهذا أيضا مما ~~يدل على أن أحد الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر لجامعية الأعمال كلا منهما ~~وان انفرد التصديق في دخول مسمى الإيمان، وإنما يفرق بينهما حيث قرن أحد ~~الاسمين بالآخر فيكون حينئذ المراد بالإيمان جنس تصديق القلب، وبالإسلام ~~جنس العمل، فأما ما ورد من إثبات أحدهما ونفي الآخر من نحو قوله # PageV01P124 # تعالى: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات} فإنما هو بالنظر إلى ~~معنييهما اللغويين، ولذلك ذكر الصدقة والصوم وغيرهما بعدهما بطريق العطف مع ~~الإجماع على عدم خروج الأعمال عن الإيمان والإسلام، لكن الإيمان أصله تصديق ~~القلب بكل ما جاء عن الله ورسوله، وهو لا يظهر إلا بالعمل الظاهر علانية ~~فهو الإسلام والاستسلام الانقياد لأوامر الله عز وجل، ولذلك قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " الإسلام علانية والإيمان في القلب" أخرجه الإمام ~~أحمد في مسنده عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بلفظه وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه إذا صلى على الميت: "اللهم من ~~أحييته منا فأحيه على الإسلام ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان" لأن العمل ~~بالجوارح إنما يتمكن منه في حال الحياة فأما عند الموت فلا يبقى إلا ~~التصديق بالقلب ومن ههنا قال المحققون من العلماء كل مؤمن مسلم لأن من حقق ~~الإيمان ورسخ ms135 في قلبه قام بأعمال الإسلام، كما قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد ~~كله ألا وهي القلب" فلا يتحقق العبد الإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال ~~الإسلام، وليس كل مسلم مؤمنا، فانه قد يكون الإيمان ضعيفا فلا يتحقق القلب ~~تحققا تاما مع عمل الجوارح في أعمال الإسلام فيكون مسلما وليس مؤمنا ~~الإيمان التام كما قال تعالى: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا ولما يدخل الأيمان في قلوبكم} ولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح ~~التفسيرين وهو قول عبد الله بن عباس وغيره بل كان إيمانهم ضعيفا ويدل عليه ~~قوله تعالى: {وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا} يعنى لا ~~ينقصكم من أجورها فدل على ان معهم من الإيمان ما يقبل به أعمالهم وكذلك ما ~~روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أعطى رهطا وأنا جالس فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجلا هو أعجبهم إلي فقلت: يا رسول الله ما لك عن فلان فوالله إني لأراه ~~مؤمنا فقال رسول الله: "أو مسلما؟ " فسكت قليلا ثم غلبني ما علمت منه فعدت ~~لمقالتي فقلت: مالك عن فلان فوالله إني لأراه مؤمنا فقال: "أو مسلما؟ " ثم ~~غلبني ما أعلم منه فأعدت وأعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته ثم ~~قال: "يا سعد إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية من أن يكبه الله في ~~النار على وجهه" قال الزهري فيرى يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الإسلام هو الكلمة مع التزام الأعمال، والإيمان هو العمل الصالح، قلنا فعلى ~~هذا قد يخرج الرجل من الإيمان إلى الإسلام ولا يخرج من الإسلام إلا إلى ~~الكفر بالله عز وجل، # PageV01P125 # فالإيمان هو الإسلام وزيادة، وحقيقته ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإيمان بضع وسبعون" ms136 وفي رواية " بضع ~~وستون شعبة والحياء شعبة من الإيمان" ولمسلم وأبي داود "فأفضلها قول: لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق" وقد أخبر الله عن ملكة سبأ ~~أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة {رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين} وأخبر عن يوسف عليه السلام أنه دعا بالموت على الإسلام، وهذا ~~كله يدل على ان الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق، ~~وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~يا عدي أسلم تسلم" قلت: وما الإسلام؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد ~~أني رسول الله وتؤمن بالأقدار كلها حلوها ومرها" فهذا نص في أن الإيمان ~~بالقدر من الإسلام، ثم ان الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع وليس المراد ~~الإتيان بلفظها من غير تصديق بهما ولا عمل بمعناهما بل ذلك كله داخل في ~~الإسلام، وقد فسر الإسلام المذكور في قوله تعالى: {إن الدين عند الله ~~الإسلام} بالتوحيد قولا وعملا واعتقادا صادقا قاله طائفة من السلف منهم ~~محمد بن جعفر بن الزبير، وأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام ~~كالأعراب الذين أخبر عنهم فإنه ينفى عنهم رسوخ الإيمان في القلب وأثبت لهم ~~المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل إذ لولا ~~هذا القدر لم يكونوا مسلمين وإنما نفى عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه ~~ونقص بعض واجباته وهذا مبني على ان التصديق القائم بالقلوب يتفاضل وهذا هو ~~الصحيح من مذاهب جماهير السلف وهو أصح الروايتين عن أحمد، فإن إيمان ~~الصديقين الذين تتجلى أنوار المعرفة لقلوبهم حتى يصير كأنه شهادة بحيث لا ~~يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم يبلغ هذه الدرجة بحيث ~~لو شكك لدخله الشك ولهذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتبة الإحسان ~~أن يعبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين، ومن هنا قال بعضهم ما ~~سبقهم أبو بكر بكثرة صوم ms137 ولا صلاة ولكن بشيء وقر في صدره وسئل ابن عمر رضي ~~الله عنهما هل كان الصحابة رضي الله عنهم يضحكون قال: نعم والإيمان في ~~قلوبهم مثل الجبال، فأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين ~~يخرجون من أهل التوحيد من النار، فهو لا يصح أن يقال لم يدخل الإيمان في ~~قلوبهم لضعفه عندهم. # PageV01P126 ### | مسائل الإيمان والإسلام والفرق الضالة # (وهذه المسائل) أعني مسائل الإيمان والإسلام والكفر والنفاق مسائل عظيمة ~~جدا فإن الله عز وجل علق بهذه الأشياء السعادة والشقاوة واستحقاق الجنة ~~والنار، والاختلاف في مسمياتها وقع في هذه الأمة وهو كخلاف الخوارج للصحابة ~~حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، ~~وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم، ثم حدث بعد ~~خلاف المعتزلة، خلاف المرجئة القائلين أن الفاسق مؤمن كامل الإيمان. وقد ~~صنف العلماء قديما وحديثا في هذه المسائل تصانيف متعددة وممن صنف في ~~الإيمان من أئمة السلف الإمام أحمد، وأبو عبيد القاسم بن سلام وأبو بكر بن ~~أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي، وغيرهم من الأئمة الأعلام، فمن حقق هذا ~~المعنى في الإيمان وعرفه ومازه حصلت له المعرفة وكمال الإدراك بمعنى قوله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق ~~حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن" الحديث، ثم صار ~~وسطا بين طرفين فينفي بها نفيا معه إثبات، ويثبت إثباتا معه نفي، فلا يقول ~~مؤمن كامل الإيمان كما قالته المرجئة، ولا كافر خارج عن الملة مخلد في ~~النار كما قالته الخوارج، بل ليس إيمانه تاما، فهو مؤمن واهن الإيمان جارية ~~عليه أحكام الإسلام. قال النووي في شرحه هذا الحديث: وأمثاله مما اختلف ~~العلماء في معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون ان معناه لا يفعل هذه ~~المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد ~~نفي كماله ومختاره، كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الإبل ولا ms138 عيش ~~إلا عيش الآخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره: "من قال ~~لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق" وحديث عبادة بن الصامت الصحيح ~~المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا ~~يعصوا قال لهم صلى الله عليه وسلم: " فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل ~~شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله إن ~~شاء عفا عنه وإن شاء عذبه " فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول ~~الله عز وجل: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} مع ~~إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق # PageV01P127 # والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك بل هم مؤمنون ~~ناقصوا الإيمان، ان تابوا سقطت عقوبتهم، وان ماتوا مصرين على الكبائر كانوا ~~في المشيئة، فإن شاء الله عفا عنهم وأدخلهم الجنة، وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم ~~الجنة، فكل هذه الدلائل تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم ان هذا ~~التأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا، وإذا ورد حديثان مختلفان ~~ظاهرا وجب الجمع بينهما، وقد وردا ههنا فيجب الجمع وقد جمعنا، وتأول بعض ~~العلماء هذا الحديث على من فعل ذلك مستحلا مع علمه بورود الشرع بتحريمه، ~~وقال الحسن وأبو جعفر محمد بن جرير الطبري: معناه ينزع اسم المدح الذي يسمى ~~به أولياء الله المؤمنين، ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق. ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما: ان معناه ينزع منه نور الإيمان وقال المهذب ~~تنزع منه بصيرته في طاعة الله وفيه حديث مرفوع إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: " إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا ~~خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" رواه الترمذي وأبو داود. # PageV01P128 ### | حكم الفاسق # (وقد انقسم الناس) في الفاسق من أهل الملة كالسارق والزاني والشارب ~~ونحوهم على ثلاثة أقسام طرفين ms139 ووسط. # (أحد الطرفين) أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام ~~المتعلقة باسم الإيمان، ثم من هؤلاء من يقول هو كافر كاليهودي والنصراني، ~~وهو قول الخوارج وفيهم من يقول ننزله منزلة بين المنزلتين وهي منزلة الفاسق ~~وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة، وهؤلاء يقولون أن أهل الكبائر يخلدون ~~في النار وان أحدا منهم لا يخرج منها وهذا من مقالات أهل البدع التي دل ~~الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافه، قال الله ~~تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما ~~على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} إلى قوله: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين ~~أخويكم} فسماهم الله مؤمنين وجعلهم إخوة مع # PageV01P128 # الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال تعالى في بيان الكفارة: {فتحرير رقبة ~~مؤمنة} ولو أعتق مذنبا أجزأه عتقه بإجماع العلماء ولهذا يقول العلماء السلف ~~في المقدمات الاعتقادية لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يخرجه من ~~الإسلام بعمل، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين ~~المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا ورجم هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا ~~تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم" وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا ~~الأصل. # (الطرف الثاني) قول من يقول إيمانهم باق كما كان لم ينقص، بناء على ان ~~الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وإنما نقصت شرائع ~~الإسلام، وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم، وهو أيضا قول مخالف ~~للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان قال الله تعالى: {إنما ~~المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ~~في سبيل الله أولئك هم الصادقون} والآيات في ذلك والأحاديث كثيرة جدا كما ~~تقدمت وقد تقدم أيضا إجماع السلف على ان (الإيمان قول وعمل يزيد وينقص) ~~ومدين ذلك أنه قول القلب وعمله، وثم قول اللسان وعمل الجوارح، فأما قول ~~القلب ms140 فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ~~وبالقدر، ويدخل في ذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ~~لأنه في معنى الإيمان برسالته (ثم الناس) في هذا على أقسام: # منهم من صدق به جلة ولم يعرف التفصيل. # ومنهم من صدق به إجمالا وتفصيلا. # ثم منهم من يدوم استحضاره فيه بما قذف الله في قلبه من النور والآيات. # ومنهم من جزم به لدليل قد تعترضه منه شبهة أو لتقليد جازم، وهذا التصديق ~~يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسله وتعظيم الله ورسله وتعزير الرسول ~~وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه، إلى غير ذلك ~~من الأحوال. # فهذه الأعمال القلبية كلها من الآيات، وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد ~~إيجاب العلة للمعلول ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب عمل ~~الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك، وعند هذا فالقول الوسط ~~الذي هو قول # PageV01P129 # السنة والجماعة أنهم لا يسلبون اسم الإيمان على الإطلاق ولا يثبتونه على ~~الإطلاق، بل يقولون هو مؤمن ناقص الإيمان، أو هو مؤمن عاص، أو مؤمن بإيمانه ~~فاسق بكبيرته، ويقال ليس بمؤمن حقا، أو ليس بصادق الإيمان، وكل كلام أطلق ~~في الكتاب والسنة فلا بد أن يدين المراد منه، والأحكام منها ما يترتب على ~~أصله وفرعه كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك. إذا علمت هذه ~~القاعدة فالذي في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يزني الزاني حين ~~يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين ~~يشربها وهو مؤمن ولا تنتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها وهو ~~حين ينتهبها مؤمن" والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة ~~للرواية المشهورة، وفي قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه ~~الترمذي وأبو داود: "إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة ~~فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان" دليل على أن الإيمان لا يفارقه ~~بالكلية، فإن الظلة تظلل ms141 صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط، وأحسن ~~ما قيل في معنى هذا الحديث أن نفس التصديق الفارق بينه وبين الكافر لم ~~يعدمه لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه ~~الكبيرة وأنه تعالى توعد عليها بالعقوبة العظيمة، وأنه تعالى يرى الفاعل ~~ويشاهده، وهو تعالى مع عظمته وجلاله وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا ~~التصور لامتنع صدور الفعل منه متى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد ثلاثة ~~أمور: # وإما اضطراب العقيدة بأن يعتقدان ان الوعيد ظاهره ليس كباطنه، وإنما ~~المقصود منه الزجر كما قالته المرجئة أونما يحرم هذا على العامة دون الخاصة ~~كما قالته الإباحية وغير ذلك من العقائد المكفرة التي تخرج عن الملة. # وإما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب تعالى وتقدس وشدة بأسه فيغتر ~~بسعة رحمته وغفرانه ويقتحم هذا الذنب الكبير ولا يبالي. # وإما فرط الشهوة بحيث تقهر مقتضى الإيمان وتمنع موجبه فيصير الاعتقاد ~~مغمورا مقهورا كالعقل في النائم والسكران وكالروح في النائم ومعلوم أن ~~الإيمان الذي يسمى إيمانا ليس باقيا كما كان إذ ليس مستقرا في القلب ظاهرا، ~~واسم الإيمان عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله ~~عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم فان الله سبحانه يتوفى ~~الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها # PageV01P130 # والنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه، عاقل من وجه ~~وليس بعاقل من وجه، فإذا قال القائل السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله ~~إليه كان صادقا مع العلم أنه ليس بمنزلة البهيمة إذ عقله مستور وعقل ~~البهيمة معدوم بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حالة يعزب فيها عقله ورأيه، ~~وفي الأثر: (إذا أراد الله أنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم ~~ليعتبروا) فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب، وإنما سلب العقل الذي به ~~يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة، كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب ~~لم يعدم الإيمان الذي يستحق أن لا ms142 يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة ~~والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عدم الإيمان الذي يستحق به ~~النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ~~ومثوبته وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا، وهذا يبين ان الحديث على ظاهره ~~الذي يليق به، فلا يؤول بتأويلات تخرجه ونظائره عن مقصود رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد عن علماء السلف كسفيان ~~ابن عيينة وأحمد بن حنبل والزهري وأنهم يقرؤون هذه الأحاديث ويمرونها كما ~~جاءت ويكرهون تأويلها بما يخالف اللائق بها على مراد الرسول فيها، ونص ~~الإمام أحمد رحمه الله تعالى على ان مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه ~~عن ظاهره المقصود به، وقد تأوله الخطابي وغيرهم تأويلات مستنكرة مثل قولهم ~~لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي أي ينبغي للمؤمن أن لا يفعل ذلك وقولهم ~~المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما شاع ذلك لما بين حاله وحال ~~من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة، وقولهم إنما عدم كمال الإيمان ~~وتمامه أو شرائعه أو ثمرته ونحو ذلك، فكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على ~~من أمعن النظر فيها فالحق ما تقدم من معنى القول فيها والله أعلم. # PageV01P131 ### | كفر دون كفر # (وأما قولكم وقد عقد البخاري في صحيحه بابا الكفر دون كفر) فنقول: من ~~أطلق الشارع كفره بالمعاصي التي لا تخرجه عن الملة كدعواه لغير أبيه، ومن ~~أتى عرافا فصدقه بما يقول، أو أتى امرأة حائضا أو في دبرها ونحو ذلك، فإنما ~~هو تشديد لا يخرج به عن ملة الإسلام بل كفر نعمة، قاله طوائف من # PageV01P131 # العلماء عن أئمة الفقه والحديث، وكره ابن رجب في شرح البخاري كغيره من ~~الشراح عن أكثر الشيوخ من العلماء، وقد قال القاضي عياض وجماعة من العلماء ~~في قوله: "من أتى عرافا فقد كفر بما أنزل على محمد" أي جحد تصديقه بكذبهم ~~فقد يكون معناه ان اعتقد تصديقهم بعد معرفتهم بتكذيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم فهو كافر كفرا ms143 حقيقة، وما قاله القاضي عياض رحمه الله تعالى لا ~~مخالفة فيه إذا وجد شرطه إذ فيه تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء ~~به، وتكذيب الكتاب، وهذا النوع ليس نعني هنا، مع أنه داخل في عموم دعوانا ~~على أهل الباطل من أنهم يصدقونهم فيما يقولون لهم ويعملون به بعد سماعهم ~~نهي النبي عنهم وتكذيبه لهم، بل أكثرهم يعلمونه ويسمعونه عنادا للدين ~~وإتباعا للشياطين والمعاندين وما ادعوا ولايتهم وهم مردة الشياطين، وإنما ~~نعني ما هو كفر دون كفر لا يخرج عن الإسلام ككفران العشير وهو ما عنى ~~البخاري رحمه الله تعالى، وقوله باب كفران العشير وكفر دون كفر فيه عن إبي ~~سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثنا عبد الله بن ~~مسلمة عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "رأيت النار ورأيت أكثر أهلها النساء بكفرهن قيل: ~~أيكفرن بالله؟ قال: يكفرن العشير ويكفرن الإحسان لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ~~ثم رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قط"، فقد أعرض النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن السائل القائل أيكفرن بالله فأجابه بما هو ليس من المخرج عن الملة ~~بل من الذنوب التي يستقر معها حكم الإسلام فقال: " يكفرن العشير" كفران ~~العشير كفران نعمة لا يخرج عن الملة، وقد نص عليه أئمة الحديث من العلماء ~~في شرح البخاري وغيره، ولهم في هذه الأحاديث التي يطلق الكفر فيها مسالك، ~~منهم من يحملها على من يفعل ذلك مستحلا، ومنهم من حملها على التغليظ لا على ~~الكفر الذي ينقل، منهم ابن عباس وعطاء، قال النخعي: هو كفر بالنعم، ونقل عن ~~الإمام أحمد وقاله طاووس، وحكى ابن حامد عن الإمام أحمد جواز إطلاق الكفر ~~والشرك على بعض الذنوب التي لا تخرج عن الملة، وروي عن أحمد أنه كان يتوقى ~~الكلام في تفسيره هذه النصوص تورعا ويمرها كما جاءت من غير تفسير لها كغيره ~~من أئمة السلف ms144 كما تقدم مع اعتقادهم ان المعاصي لا تخرج عن الملة وقد قال ~~البخاري: باب المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفر صاحبها بارتكابها إلا ~~بالشرك لقول # PageV01P132 # النبي صلى الله عليه وسلم: "انك امرؤ فيك جاهلية " وقول الله تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} فسماهم مؤمنين. # (وأما قولكم وقال العلامة ابن القيم في كتابه في الصلاة الحكم بغير ما ~~أنزل الله وترك الصلاة كفر عملي وتحقيقه ان الكفر كفر عملي كفر جحود، فكفر ~~الجحود ان يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودا وعنادا فهذا ~~الكفر يضاد الإيمان من كل وجه إذ حقيقة الإيمان التصديق وأما الكفر العملي ~~فهو نوعان نوع يضاد الإيمان ويصير فاعله في حكم الكفر الاعتقادي كالسجود ~~للصنم وسب الرسول وقتله والاستهزاء والاستهانة بالمصحف والذي يقوي عندي أن ~~يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي معا، فإنه لا يسجد للصنم وهو مؤمن ~~بالله ولا يهين المصحف أو يسب نبيا أو يقتله وهو مصدق أنه نبي، ألا ترى إلى ~~قريش في صلح الحديبية لم يرضوا أن يكتب "هذا ما صالح عليه رسول الله ~~وقالوا: اكتب محمد بن عبد الله لو نعلم أنك رسول الله لما صددناك عن البيت" ~~الحديث، ونوع لا يضاده كالحكم بغير ما أنزل الله فان الله سمى فاعله كافرا ~~ومثله تارك الصلاة سماه رسول الله كافرا كما سمعته آنفا ولكن هذا كفر عملي ~~لا كفر اعتقاد) . # فنقول: أنتم إنما فهمتم من كلام ابن القيم ان الكفر الصريح لا يصرن عمليا ~~بل هو خاص بالاعتقادي أو مع اقترانه بالعملي فأما مجرد العملي فلا يكون ~~كفرا موجبا للردة حقيقة وفهمتم منه أيضا ان مراده بالكفر العملي عمل ~~الجوارح الخاص بها وهذا فهم باطل وتعليل عاطل من وجوه: # (أحدها) : أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد شنع في كلامه التشنيع الكلي ~~على من شك في كفر تارك الصلاة كفرا موجبا للردة والخلود في ms145 النار والحالة ~~هذه وعبارته ما نصه: "ومن العجب أن يقع الشك في كفر من أصر على تركها ودعي ~~إلى فعلها على رؤوس الملأ وهو يرى بارقة السيف على رأسه وشد للقتل وعصبت ~~عيناه وقيل له تصلي وإلا قتلناك فيقول اقتلوني ولا أصلي أبدا، ومن لا يكفر ~~تارك الصلاة يقول هذا مؤمن مسلم يغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين ~~وبعضهم يقول هو مؤمن # PageV01P133 # كامل الإيمان إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل أفلا يستحي من هذا قوله، من ~~إنكاره تكفير من شهد بتكفير الكتاب والسنة واتفاق الصحابة. # (الثاني) : أنه جعل في كتابه في الصلاة شعب الإيمان قسمين قولية وفعلية ~~وكذلك شعب الكفر نوعين قولية وفعلية فكما ان من شعب الإيمان القولية شعبة ~~يوجب زوالها زوال الإيمان، فكذلك من شعبه الفعلية ما يوجب زوالها زوال ~~الإيمان كالصلاة، وكذلك شعب الكفر القولية والفعلية فكما يكفر بكلمة الكفر ~~اختيارا وهي شعبة من شعب الكفر، كذلك يكفر بفعل شعبة من شعبه كالسجود للصنم ~~والاستهانة بالمصحف والصلاة وقتل الأنبياء فإنه كفر عملي. # (الثالث) : أنه جعل حقيقة الإيمان مركبة (من قول) وقسمه إلى قسمين: قول ~~القلب وهو الاعتقاد، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام (ومن عمل) وقسمه ~~إلى قسمين أيضا، عمل القلب وهو نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده، وعمل ~~الجوارح، ورتب زوال الإيمان بكماله على زوال هذه الأربعة، فإن زال بعضها، ~~فإن كان التصديق، لم ينفع باقي ما أتى به، وان كان غيره، فإن كان عمل القلب ~~فقط أو مع الجوارح فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وانه لا ينفع ~~التصديق مع انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر وان عملت الجوارح ~~ظاهرا ومع انتفاء عملها اللازم منه انتفاء عمل القلب وعبارته ما نصها: ~~ومنها أصل آخر وهو ان حقيقة الإيمان مركبة من قول وعمل، والقول قسمان: قول ~~القلب وهو اعتقاده وتصديقه، وقول اللسان وهو التكلم بكلمة الإسلام والعمل ~~قسمان: عمل القلب وهو نيته وإخلاصه، وعمل الجوارح، فإذا زالت هذه الأربعة ~~زال الإيمان بكماله وإذا زال تصديق القلب لم تنفعه ms146 بقية الأشياء فإن تصديق ~~القلب شرط في اعتبارها لكونها نافعة صحيحة، وإذا زال عمل القلب فقط مع وجود ~~اعتقاد الصدق أو زال عمل الجوارح أيضا فهذا موضع المعركة بين المرجئة وأهل ~~السنة فأهل السنة مجمعون على زوال الإيمان وأنه لا ينفع مجرد التصديق مع ~~انتفاء عمل القلب وهو محبته وانقياده للأوامر سواء عملت الجوارح ظاهرا أو ~~لم تعمل ووجد التصديق، كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين ~~الذين كانوا يعتقدون صدق الرسول بل ويقرون به سرا وجهرا ويقولون ليس بكاذب ~~ولكن لا نتبعه ولا نؤمن به وإذا # PageV01P134 # كان الإيمان يزول بزوال عمل القلب فغير مستنكر أن يزول بزوال أعظم عمل ~~الجوارح، ولاسيما إذا كان ملزوما لعدم محبة القلب وانقياده الذي هو ملزوم ~~لعدم التصديق الجازم كما تقدم تقريره، فإنه يلزم من عدم طاعة الجوارح عدم ~~طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد لأطاعته الجوارح وانقادت، ويلزم من ~~عدم طاعة القلب وانقياده عدم التصديق المستلزم للطاعة وهو حقيقة الإيمان ~~فإنه ليس مجرد التصديق كما تقدم كلامنا فيه ودلائلنا عليه، وإنما هو ~~التصديق المستلزم للطاعة والانقياد، وهكذا الهدى ليس مجرد معرفة الحق ~~وتثبيته، بل هو معرفة المستلزمة لإتباعه والعمل بموجبه، وان سمي الأول هدى ~~فليس هو الهدى التام المستلزم للاهتداء، كما أن التصديق وان سمي تصديقا ~~فليس هو التصديق المستلزم للإيمان. # (الرابع قوله) : وههنا أصل آخر وهو ان الكفر نوعان: كفر عمل، وكفر جحود ~~وعناد، فكفر الجحود أن يكفر بما علم ان الرسول جاء به من عند الله جحودا ~~وعنادا من أسماء الرب وصفاته وأفعاله وأحكام دينه وما جاءت به رسله، وهذا ~~الكفر يضاد الإيمان من كل وجه، وأما كفر العمل، فينقسم إلى ما يضاد الإيمان ~~وإلى ما لا يضاده، فالأول: كالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف وقتل النبي ~~وسبه والاستهزاء بما جاء به والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص ~~حكم الله عيانا راضيا بذلك وترك الصلاة عنادا وبغيا. # الثاني: من أتى بمعصية لا تخرجه عن الإيمان بالكلية كالزاني ms147 والسارق ~~وشارب الخمر ومن لا يأمن جاره بوائقه، لكن السجود لصنم والاستهانة بالمصحف ~~وقتل النبي وسبه والاستهزاء بما جاء به عمل قلبي لظهوره مضاد للإيمان، وأما ~~الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة فهو من الكفر العملي المحض قطعا ولا ~~يمكن ان ينفي عنه اسم الكفر بعد ان أطلقه الله ورسوله عليه بلا قرينة تقتضي ~~انتفاءه عنه كما انتفت حقيقته عن مرتكب الكبيرة مع تسميته كافرا فالحكم ~~بغير ما أنزل الله كافر وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ولكن هو كفر عملي لا كفر اعتقادي ومن الممتنع أن الله سبحانه سمى ~~الحاكم بغير ما أنزل الله كافرا وسمى رسوله تارك الصلاة كافرا ولا يطلق # PageV01P135 # عليهما اسم الكفر حقيقة مع انتفاء نص على بقائهما مؤمنين فان مراد ابن ~~القيم رحمه الله بالكفر العملي هنا زوال شعبة فعلية موجب زوالها زوال ~~الإيمان وثبوت شعبة فعلية من شعب الكفر موجب ثبوتها ثبوت الكفر، فالعملي ~~هنا أعم من عمل القلب والجوارح في الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة ~~وغيرهما وان بقي قول القلب وهو اعتقاده وتصديقه لانتفاء عمله وهو محبته ~~وانقياده لفعل الأوامر، وفائدة قوله العملي المحض أي مع بقاء تصديق القلب ~~من غير انقياد، وهو لا يستلزم الإيمان الموجب للإسلام. # (الخامس) : تصريحه بأن ترك الصلاة عمدا والحكم بغير ما أنزل الله حيث كان ~~فيه رد لنص حكم الله عيانا عمدا كفر حقيقة مضاد للإيمان. # (السادس) : تفصيله وتفرقته بين كفر تارك الصلاة والحاكم بغير ما أنزل ~~الله بشرطه، وبين كفر السارق والزاني وشارب الخمر ومن لم يأمن جاره بوائقه، ~~فجعل كفر هؤلاء من جهة أعمالهم الظاهرة في قوله، وقد نفى النبي صلى الله ~~عليه وسلم اسم الإيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر وعمن لم يأمن جاره ~~بوائقه، وإذا نفى عنه اسم الإيمان فهو كافر من جهة العمل الظاهر منه منتف ~~عنه كفر عمل القلب لبقاء محبته وانقياده حكما، فحكم الإسلام جار عليه كما ~~تقدم، لكن ليس بمؤمن حقا، وإلى ms148 ذلك أشار بقوله وانتفى عنه كفر الجحود ~~والاعتقاد إذ عمل القلب هنا باق لم يفقد زيادة على قوله الذي هو التصديق ~~وكذا قوله صلى الله عليه وسلم: "لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" ~~فهذا كفر عملي ظاهر في الجوارح فقط، وعمل القلب على حاله كما تقدم في الذي ~~قبله، وكذا يقال في قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا فصدقه أو امرأة ~~في دبرها فقد كفر بما أنزل على محمد " وقوله: "إذا قال الرجل لأخيه يا كافر ~~فقد باء بها أحدهما" وأمثاله هذا كما تقدم الكلام فيه موضحا. # (السابع) : جعله الإيمان العملي يضاده الكفر العملي فيما إذا اتصف شخص ~~بذاك تارة وبهذا أخرى كالذين ثبت إيمانهم بما عملوا به من الميثاق المأخوذ ~~عليهم في الكتاب {لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم} ثم ثبت # PageV01P136 # كفرهم بما تركوه منه ومخالفتهم له، كمن يؤمن عاملا ببعض ويعرض تارة عن ~~بعض، فالإيمان الاعتقادي والحالة هذه يضاد الكفر الاعتقادي، وقد أعلن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بما قلناه في قوله في الحديث الصحيح: "سباب المسلم فسوق ~~وقتاله كفر" ففرق بين سبابه وقتاله، وجعل أحدهما فسقا لا يكفر به، والآخر ~~كفر، ومعلوم أنه إنما أراد الكفر العملي الظاهر لا الاعتقادي، وهو عمل ~~القلب، فما دام محبا منقادا لفعل الأوامر لزم منه فعل المأمورات من صلاة ~~وغيرها، ومتى فقد عمله فقدت المأمورات وان وجد قوله وهو مجرد التصديق بلا ~~انقياد، وإذا حصلت هفوة للقلب بوجود الران عليه من نحو شدة فرط الشهوة فحصل ~~شيء من المعاصي المتقدمة الظاهرة في الجوارح وعمل القلب باق على ما كان ~~عليه أولا فحكم الإسلام باق ولكن انتفى عنه كمال الإيمان بظاهر أعماله ~~السيئة، ومتى أطلق عليه اسم الكفر بذلك فإنه لا يخرجه من الدائرة الإسلامية ~~والملة بالكلية كما تقدمت دلائله من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، وان ~~زال عنه اسم الإيمان، وهذا التفصيل هو قول الصحابة الذين هم أعلم الأمة ~~بكتاب الله وبالإسلام والكفر ولوازمهما، فلا ms149 تتلقى هذه المسائل إلا عنهم، ~~فان المتأخرين لم يفهموا مرادهم فانقسموا فريقين: فريقا أخرجوا من الملة ~~أهل الكبائر ونصوا على أصحابها بالخلود في النار، وفريقا جعلوهم مؤمنين، ~~وهؤلاء الذين جعلوهم مؤمنين لا يرون ترك الصلاة كفرا بل عندهم الإيمان مجرد ~~التصديق وهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة. # (الثامن) : انه قد قال والمقصود ان سلب الإيمان عن تارك الصلاة أولى من ~~سلبه عن مرتكب الكبائر، وسلب اسم الإسلام عنه أولى من سلبه عمن لم يسلم ~~المسلمون من لسانه ويده، فلا يسمى تارك الصلاة مسلما ولا مؤمنا، إلى أن قال ~~هل هي شرط لصحة الإيمان، هذا سر المسألة، والأدلة التي ذكرناها تدل على أنه ~~لا يقبل من العبد شيء من أعماله إلا بفعل الصلاة فهي مفتاح ديوانه ورأس مال ~~ربحه، ومحال بقاء الربح بلا رأس مال، فإذا خسرها خسر أعماله كلها وان أتى ~~بها صورة، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا في قوله: "وإن ضيعها ~~فهو لما سواها أضيع" وفي قوله: " أول ما ينظر في أعماله الصلاة فإن جازت له ~~نظر في سائر أعماله، وان لم تجز له لم ينظر إلى شيء من أعماله" فصريح كلام ~~ابن القيم المتقدم موافق لكلام الله وسنة رسوله ان # PageV01P137 # تارك الصلاة عمدا كافر مستوجب لخلوده في النار، وقد زعم صاحب المقدمة ان ~~الكفر الحقيقي خاص بالاعتقاد وهو عدم تصديق القلب أو مع عمل الجوارح أيضا ~~كالسجود للصنم وإهانة المصحف وقتل النبي فأما فقدان عمل القلب فقط فلا يكون ~~كفرا حقيقيا واستدل على ذلك بقوله: ولا يهين المصحف أو يسب نبيا أو يقتله ~~وهو مصدق أنه نبي، وبقول قريش لو نعلم انك رسول الله لما صددناك عن البيت ~~وزعمه ذلك وهم باطل وفهم عاطل من وجوه: # (أحدها) : انه قد فهم ان العمل إنما منشأه ومورده الجوارح خاصة، فأما ~~القلب فليس فيه إلا الاعتقاد وهو التصديق خاصة وهذا مناف لمعرفة حقيقة ~~الإيمان الذي تترتب على معرفته دعوى العلم والقول به، فان حقيقته ms150 مركبة من ~~عمل القلب وهو محبته وانقياده وإخلاصه لفعل الأوامر وإتباع الرسل في كل ما ~~جاؤا به من عند الله، وعمل الجوارح فيما يوجد من قبلها عند طاعة القلب ~~وانقياده قال سبحانه وتعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين ~~يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا} وقال تعالى: ~~{إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون} ومن قوله وهو تصديقه في كل ما ~~جاءت به الرسل وقول اللسان وهو المتكلم بكلمة الإسلام والإقرار بما يجب ~~الإيمان به، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فإن أفضلها قول لا ~~إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان" ~~ولفظه لمسلم. # (الثاني) : انه فهم ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق القلبي وان لم يوجد ~~عمله ولا عمل الجوارح وهذا بعينه قول المرجئة ومعتقدهم، فإنهم يقولون ~~الإيمان قول بلا عمل، وقد رد البخاري وغيره من الأئمة الأعلام على هؤلاء ~~القوم اللئام وبينوا غلطهم وسوء اعتقادهم للكتاب والسنة ومذاهب الأئمة ~~كمالك والثوري والأوزاعي ومن بعدهم من أرباب العلم والسنة الذين كانوا ~~مصابيح الهدى وأئمة الدين وأهل العراق والحجاز # PageV01P138 # والشام وغيرهم قال البخاري في رده عليهم باب أمور الإيمان وباب الصلاة من ~~الإيمان وباب الزكاة من الإيمان وباب الجهاد من الإيمان، فأهل السنة مجمعون ~~على أنه متى زال عمل القلب فقط أو هو مع عمل الجوارح زال الإيمان بكليته ~~وان وجد مجرد التصديق فلا ينفع مجردا عن عمل القلب والجوارح معا أو أحدهما، ~~كما لم ينفع إبليس وفرعون وقومه واليهود والمشركين الذين كانوا يعتقدون صدق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سرا وجهرا. # (الثالث) : قوله والذي يقوى عندي أن يكون هذا من الكفر الاعتقادي والعملي ~~معا فإنه عني بالاعتقاد عدم التصديق من الذين ms151 سبوا الرسول واستهزؤوا به ~~وهذا يرده صريح قوله تعالى: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله ~~يجحدون} قال المفسرون معنى ذلك أنهم لا يكذبونك يا محمد ولكنهم يجحدون آيات ~~الله، فالجحدان والتكذيب راجع للآيات نفسها لا للرسول، فان القوم لم يكونوا ~~يكذبونه في السر بل أكثرهم يصدقه علانية فان الحرب ابن عامر من قريش قال: ~~يا محمد والله ما كذبت قط ولكن ان اتبعناك نتخطف من أرضنا فنحن لا نؤمن بك ~~لهذا السبب وقال الأخنس بن شريق لأبي جهل: يا أبا الحكم اخبرني عن محمد ~~أصادق هو أم كاذب فإنه ليس عندنا أحد غيرنا فقال له: والله ان محمدا لصادق ~~وما كذب قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والنبوة فماذا يكون ~~لسائر قريش، فهم لا يكذبونه بقلوبهم بل ولا بألسنتهم فيما بينهم ولكن لا ~~يعترفون به ظاهرا عنده، فهم وان قالوا ظاهرا لولا أنزل عليه ملك، يعرفونه ~~في قلوبهم كما يعرفون أبناءهم لكن منهم من يتعنت فيقوله بلسانه يجب أن يكون ~~رسول الله من جنس الملائكة، وذكر الله ذلك عنهم في سورة الأنعام شبهة لهم ~~وأجاب تعالى عنهم، ومنهم من يقول ان محمدا يخبرنا بالحشر والنشر بعد الموت ~~وذلك محال، وكانوا يستدلون بامتناع الحشر والنشر على الطعن في رسالته ظاهرا ~~فذكر الله ذلك وأجاب عنهم بأجوبة كثيرة هي موجودة في القرآن فشافهتهم له ~~بالسفاهة والاستهزاء أو القتل كما قتلوا الأنبياء من قبل وقلوبهم معترفة ~~ولكن جحدوا بآيات ربهم كما قال تعالى في قصة موسى: {وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ظلما وعلوا} . # PageV01P139 ### | الحكم بغير ما أنزل الله كفر عملي # (الرابع) : نفيه الحكم بغير ما أنزل الله، وترك الصلاة، ان يكونا عملي ~~قلب بل جعلهما عمل جوارح خاصة، واستدل به على عدم كفر من لم يحكم بما أنزل ~~الله عيانا عمدا، وتارك الصلاة عمدا، لوجود التصديق والاكتفاء به، فأما كفر ~~من لم يحكم بما أنزل الله فقد قال العلماء هذا إذا رد نص حكم الله عيانا ~~عمدا لعدم انقياده له والعمل ms152 به محبة وإتباعا فانه يلزم من عدم طاعة ~~الجوارح عدم طاعة القلب، إذ لو أطاع القلب وانقاد أطاعته الجوارح وانقادت، ~~ويلزم من عدم طاعة القلب وانقياده للنص عدم التصديق المستلزم للطاعة التي ~~هي حقيقة الإيمان، فإما مجرد التصديق من غير استلزام ولا انقياد فليس ~~بإيمان البتة، وإذا كان كذلك فترك الحكم بما أنزل الله والحكم بغيره من ~~أعمال القلب، لاسيما وقد قال قتادة والضحاك في سبب نزول هذه الآيات انه في ~~اليهود الذين كانوا يعلمون صدق ما حكم عليهم في الكتاب فخالفوهم، وقد قال ~~العلماء ان من خالف نص كتاب الله وحكم بضد ما فيه وما تضمنه عيانا عمدا ~~تناوله حكم هذه الآية لا إن أخطأ معنى التأويل، وقال عكرمة: من عرف بقلبه ~~أنه حكم الله ولم يقر بلسانه وينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفرا لا ~~إيمان معه، أما من اعترف بقلبه ولسانه انه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب، أو ~~حكم بضده مع علمه والإقرار به فلا كفر وقد قال ابن عباس وطاووس: ليس بكفر ~~ينقل عن الملة بل متى وجد منه ذلك كفر وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر. # وسئل عبد العزيز بن يحيى الكتاني عن قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون} فقال: إنها تقع على جميع ما أنزل الله لا على ~~بعضه فكل من لم يحكم بجميع ما أنزل فهو كافر ظالم فاسق. فأما من حكم بما ~~أنزل الله من التوحيد وترك الشرك ثم لم يحكم ببعض ما أنزل الله من الشرائع ~~التي منشؤها الفروع لم يستوجب الكفر حقيقة، وعلى هذا يحمل كلام ابن عباس ~~وطاووس. وأما ترك الصلاة عمدا فهو مناف لحقيقة الإيمان المستلزم للإسلام ~~المترتب على وجوده تخلية السبيل، فإنها وان اقترن فعلها بالجوارح ظاهرا فهي ~~مستلزم عملها لعمل القلب ظاهرا وباطنا فان وجد علمه وجدت، وان عدم عدمت، ~~وقد تقدم الكلام عليها مستوفى مفصلا. بأدلته التفصيلية من الكتاب والسنة ~~وكلام صالح سلف الأمة. # PageV01P140 # (وأما قولكم أخرج الفريابي وسعيد ms153 بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ابن ~~عباس رضي الله عنهما في تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون} أنه ليس كفرا ينقل عن الملة انه كفر دون كفر وقال عطاء ~~كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق) . # فنقول: كلام ابن عباس رضي الله عنهما فيمن لم يحكم بما أنزل الله من ~~الشرائع التي منشأها الفروع خاصة مع الاعتراف بالقلب والإقرار باللسان إنما ~~عدل عنه هو حكم الله كما قال عكرمة في قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله فأولئك هم الكافرون} ان من عرف بقلبه انه حكم الله ولم يقر بلسانه ولم ~~ينقد إليه بقلبه بل جحده فقد كفر كفرا لا إيمان معه وأن من اعترف بقلبه ~~وأقر بلسانه أنه حكم الله ولكنه أخطأ الصواب وأتى بما يضاده من مسائل ~~الفروع التي ليس لها تعلق بالأصل من غير استحلال فلا يدخل في الكفر ~~الحقيقي. # وقد سئل علقمة ومسروق وابن مسعود عن الرشوة في الحكم أهي من السحت فقال: ~~ذاك الكفر ثم تلا {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} وقال ابن ~~أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: ومن لم يحكم بما أنزل الله الآية قال ~~من لم ينقد إليه بقلبه ولم يقر بلسانه كفر كفرا حقيقيا، ومن أقر به وانقاد ~~إليه ولكنه لم يحكم به ظاهرا فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير، وقال عبد ~~الرزاق عن الثوري عن زكريا عن الشعبي: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك ~~هم الكافرون} ، قال: هذا في المسلمين {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون} قال: في اليهود {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون} ~~قال: في النصارى. وكذا رواه هشام والثوري عن زكريا بن أبي زائدة عن الشعبي، ~~وقال البراء وحذيفة وابن عباس وغيرهم نزل قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} في أهل الكتاب، قال الحسن وهي علينا واجبة ~~وقال عبد ms154 الرزاق عن الثوري عن منصور عن إبراهيم الحربي نزلت في بني إسرائيل ~~رضي الله لهذه الأمة نبيها فعفى عنها الكفر. # وسبب النزول وان كان خاصا فعموم اللفظ إذا لم يكن منسوخا معتبر ولأن قوله ~~تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله كلام داخل فيه كلمة من في معرض الشرط ~~فتكون للعموم، لكن تحقيق معنى الآية ان الحكم بغير ما أنزل الله ان كان في ~~الأصل من # PageV01P141 # التوحيد وترك الشرك، أو كان في الفروع ولم يقر اللسان وينقد القلب فهو ~~كفر حقيقي لا إيمان معه كما تقدم عن عكرمة، فأما من اعترف بقلبه وأقر ~~بلسانه بحكم الله ولكنه عمل بضده ظاهرا في الفروع خاصة فليس بكفر ينقله عن ~~الملة قال طاووس: ليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقال الثوري عن ~~ابن جريح عن عطاء أنه قال: هذا كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق درن فسق. ~~رواه ابن جرير وقال وكيع عن سعيد المكي عن طاووس قال: ليس الحكم في الفروع ~~بغير ما أنزل الله مع الإقرار بحكمه والمحبة له ينقل عن الملة وعن طاووس عن ~~ابن عباس قال: ليس بالكفر الذي تذهبون إليه. رواه الحاكم وقال على شرط ~~الشيخين ولم يخرجاه. وقد جنح الخوارج إلى العموم لظاهر الآية وقالوا أنها ~~نص في ان كل من حكم بغير ما أنزل الله فهو كافر، وكل من أذنب فقد حكم بغير ~~ما أنزل الله فوجب أن يكون كافرا. وقد انعقد إجماع أهل السنة والجماعة على ~~خلافهم، ونحن لم نكفر إلا من لم يحكم بما أنزل الله من التوحيد بل حكم بضده ~~وفعل الشرك ووالى أهله وظاهرهم على الموحدين أو من لم يقم أركان الدين ~~عنادا وبغيا بعد ان دعوناه فامتنع وأصر أو من جحد ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من سائر الأمور الدينية والمغيبات الإيمانية. # PageV01P142 ### $ الجمع بين حديثي "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة " وبين حديث " لا يزني الزاني ... ": # (وأما قولكم قال ابن القيم ان الصحابة والتابعين ms155 لما رأوا تعارض الأحاديث ~~مثل حديث حتى يقولوا لا اله إلا الله وحديث من قال لا اله إلا الله دخل ~~الجنة وان زنى وان سرق، مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه ~~النصوص القرآنية مع هذه الأحاديث التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه ~~المعاصي من عدم الحكم بما أنزل الله وترك الصلاة عامدا وإتيان الكاهن ~~وغيرها بالكفر مع ان مرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى ~~تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل) . # فنقول: أما كلام ابن القيم الذي قاله بفمه محبه بقلمه فهو ان الاعتقاد ما ~~كان من وظائف القلب الشامل لعمله كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر # PageV01P142 # وبالقدر وتصديق الرسول فيما جاء به وأخبر عنه، والعمل بمقتضى ذلك شرط في ~~صحة الإيمان، أو ما يضاده من التكذيب أو الشرك أو عدم العمل به بعدم الحكم ~~بما أنزل الله ان كان فيه رد لنص حكم الله عيانا عمدا، وترك الصلاة بالكلية ~~عامدا عنادا. فالأول هو الدين الذي لا يقبل الله غيره. والثاني هو الكفر ~~الذي ليس معه إيمان. فأما أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان ~~الكاهن بلا تقديم لكلامه على كلام الرسول ومن لم يأمن جاره بوائقه وضرب ~~أعناق بعض المسلمين بعضا وعدم الحكم بما أنزل الله في الفروع التي ليست من ~~أصل الدين مع الاعتراف بحكم الله في قلبه وقوله ومحبته واختياره وانقياده ~~إليه فيهما وعدم المحافظة على الصلاة في أوقاتها فهذا وان أطلق الشارع على ~~مرتكبه الكفر فلا يخرج عن الملة لحديث أبي ذر وغيره وحديث عبادة بن الصامت ~~الصحيح المشهور مع قوله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} وعلى هذا مضى سلف الأمة وخيارها وهم أعلم بمعنى كلام الله ~~ونص رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن الصحابة والتابعين لما رأوا تعارض ~~الأحاديث مثل حديث " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ~~وحديث "من ms156 قال لا إله إلا الله دخل الجنة وان زنى وان سرق" مع هذه الأحاديث ~~التي تقدم ذكرها من وصف من أتى بهذه المعاصي كعدم الحكم بما أنزل الله وترك ~~الصلاة عن وقتها عامدا وإتيان الكاهن وغيرها بالكفر ونفي الإيمان عن الزاني ~~والسارق والشارب مع ان الجنة محرمة على الكافرين كما دلت عليه النصوص ~~القرآنية ومرتكب هذه الخصال مقر بالشهادتين معتقد لهما ذهبوا إلى تقسيم ~~الكفر إلى القسمين المذكورين اللذين هما كفر اعتقاد وكفر عمل، فمنه يعلم ~~معنى جعله ترك الصلاة بالكلية وعدم الحكم بما أنزل الله حيث كان فيه رد لنص ~~حكم الله عيانا عمدا كفر عملي انه عني عمل القلب وهو عدم انقياده ومحبته ~~لأوامر الله والعمل بها ظاهرا وباطنا، فأما ان كان قد جحد وأنكر شيئا من ~~أركان الدين فهو اعتقاد محض وان كان الترك مع الإقرار والاعتراف فهو من عمل ~~القلب المحض، وعمله ملحق باعتقاده في عدم انقياده كما قدمه آنفا فبذلك فارق ~~أعمال الجوارح الظاهرة من سائر المعاصي التي لا تخرج عن الملة وتقسيم اسم ~~الكفر إلى قسمين باعتبار أعمال الجوارح الظاهرة واعتقاد القلب الشامل ~~لعمله، ولأن قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~اله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله" دليل على انه لا بد من إقامة حقها ومن # PageV01P143 # أعظمه أقام الصلاة وإيتاء الزكاة كما تقدم عن الصحابة والتابعين، ولحديث ~~ابن عمر بني الإسلام على خمس فعد منه هذين الركنين اللذين هما أعظم دعائمه ~~بعد الشهادتين، وكذا الحكم بما أنزل الله فيما نص على حكمه عيانا وتصديق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما جاء به وأخبر عنه والعمل بمقتضى ذلك ~~شرط في صحة الإيمان المقتضي للإسلام وحديث من قال لا إله إلا الله دخل ~~الجنة مطلق، والأحاديث التي وردت في الصلاة ونفي الشرك مقيدة وكذا الآيات، ~~والمطلق يحمل على المقيد. وقد انعقد الإجماع على ان كلام الله وكلام رسوله ~~لا ms157 يخالف بعضه بعضا وانه لا يخرج أحد من المسلمين بعمل ذنب من غير استحلال ~~له، فيا سبحان الله كيف يدلي علينا بكلام ابن القيم من لم يعلم حقيقة أمرنا ~~وما أدلى به علينا فإنه يزعم انا نكفر بالذنوب وهذا توهم منه وجراءة وبهتان ~~بلا خشية علام الغيوب فهو من القول بلا حلم والحكم بلا علم ومن تصدر لدعوى ~~القول والقيل فإنما يطلب منه الدليل. # وإذا أقررتم بالكفر الاعتقادي وبالحكم به على المشركين فلما لا تحكمون به ~~على هؤلاء الذين يعتقدون النفع والضر في المخلوقين من الأولياء أو من ~~الشياطين وان الله أعطاهم وفوض إليهم فهم ينفعون ويضرون ويقبضون ويبسطون ~~وأنهم للخلق أولياء مع الله، ويشفعون فيما سئل منهم وفي الكون يتصرفون بل ~~تعترضون علينا في رسائلكم ومقدماتكم وتقولون ان ذوى العقائد الذين اعتقدوا ~~أن هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون في جلب ما طلب منهم ويفرون كما ~~اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن هؤلاء جاهلون يقرون بألسنتهم أن لا ~~إله إلا الله ونحن نقول أفلا ميزتم الفرق بين الفريقين إذ الأولون لم ~~يعتقدوا ما اعتقده هؤلاء الآخرون من هذا الاعتقاد المنافي للدين والمثبت ~~للفساد هذا لم يعتقده أحد ممن سلف من العباد، وإنما حدث من عمى القلوب ~~والجهل في حقيقة ما هو من العبيد مطلوب، والأولون لم يعتقدوا إلا مجرد ~~الشفاعة والتقريب في نبي أو ملك أو ما هو مصور على صورته ليشفع له ويقرب له ~~من الرب المجيب ولم يشركوا في كل حين بل يشركون تارة في مجرد الشفاعة ~~والتقريب، ويخلصون الدين تارة لله رب العالمين، واحراها وقت حاجتهم في كل ~~شدة وغمة يخلصون له الدعوة التي سماها الله دينا وقولهم لا شريك لك إلا ~~شريك هو لك تملكه وما ملك دليل على أنهم لم يعتقدوا فيه الضر والنفع ~~والعطاء والمنع والتفويض وإنما # PageV01P144 # اعتقدوا ما حكى الله عنهم في قوله: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} أفلا نهيتم عن هذا الاعتقاد. وأنكرتموه على معتقديه حتى لا تكون ms158 فتنة ~~ولا في الدين فساد. بل من نهى عنه أو عن منكر أقل منه نسب ذلك الناهي ~~إلينا. وحصرت عقيدته علينا. فقيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي. وإن ~~كان نائيا عنا ولم يعرفنا. أفلا أجبتم الداعي حين دعاكم إلى سبيل الرشاد. ~~فإن القرآن ينادي وبآياته للسبيل المطلوب يهدي ويبدي وعلى المختلفين يحكم ~~ويقضي. والسنة الغراء بما حكم به القرآن تحكم. ولمعانيه المرادة منه تعطي ~~مبتغيها وتتم. ومن استمسك بالكتاب والسنة فقد غنم وسلم قال سبحانه وتعالى ~~لحبيبه أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم معلما له أن يقول ما يدل على أن ~~الخير والشر من عند الله، وأنه لا يقدر على جلبهما أو دفعهما إلا الله ~~وحده: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله} ~~الآية وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون} وقال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ~~بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين ~~إلا في ضلال} وقال تعالى: {قل إن الأمر كله لله} وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة ويكون الدين لله} وقال تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم ~~مؤمنين} وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * ~~لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} وقال تعالى لصفوة خلقه: {إذ تقول ~~للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين * بلى ~~إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ~~مسومين * وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من ~~عند الله العزيز الحكيم * ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا ~~خائبين ms159 * ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون} وفي ~~البخاري "أنه صلى الله عليه وسلم قنت على حي من العرب المشركين يدعو عليهم ~~شهرا" فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون} وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه مبلغ عن الله تجب محبته في ~~القلوب على الأهل والنفس والمال والولد، وعلامتها اتباع شرعه وما جاء به، ~~لا عبادته وجعله بمنزلة # PageV01P145 # رب العالمين، فإنه لم يقاتل هو وصحابه ويعادي ويوالي ويهاجر من بلد مولده ~~ويبارز عشيرته ويمثل بعمه ويرسله الله هو وسائر الرسل وتنزل الكتب إلا بسبب ~~عبادة الله وحده لا شريك له ليكون الدين كله له، وغيره صلى الله عليه وسلم ~~من الأولياء من باب الأولى فإن الولى لا ينال الولاية ولا يؤتى الكرامة إلا ~~بالتوحيد قولا وعملا واعتقادا، والإخلاص في اتباع ما جاء به عن الله في ~~كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم وحاشاهم أن يرضوا بزعم من زعم ~~أن لهم من الأمر شيئا، بل هم أطاعوا الله واتبعوا رسله وأحبوه فأحبهم ورضي ~~عنهم وأكرمهم كما قال جل ذكره: {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} ~~وأما الأمر فإنه كله لله فليس للخلق من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه ~~كما قال تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون} وقال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} والنبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيره من سائر الشفعاء لا يشفعون إلا من أذن الله لهم ~~فيها لمن رضي عنهم. ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء يوم القيامة يخر ساجدا ما ~~شاء الله فيقال له ارفع رأسك وقل يسمع واشفع تشفع وسل تعط. وعن عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما فقال: ms160 "يا ~~غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك ~~بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك وان اجتمعت على أن يضروك بشيء لم ~~يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف" رواه الترمذي. ~~وقال حديث حسن صحيح. وفي رواية للترمذي: "احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى ~~الله في الرخاء يعرفك في الشدة. واعلم ان ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك ~~لم يكن ليخطئك. واعلم أن النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرب وان مع العسر ~~يسرا" وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا ~~معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". فهذا كله نص في أن الضر والنفع ~~والاستعانة والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله لا يلتمس شيء من ذلك إلا من ~~الله وحده، وان الخلق ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع إلا من بعد إذنه فلا ~~يدعي بما لا يقدر علية أحد من المخلوقين إلا الله وحده، ولا يتوكل فيه إلا ~~عليه ولا يرجى فيه إلا هو ولا يلتجأ إلا إليه إذ هو المعطي والشافع في ~~القيامة فإنها # PageV01P146 # إذا وقفت على إذنه كان الأمر كله له فحينئذ نقول اللهم إنا نسألك شفاعة ~~نبيك صلى الله عليه وسلم اللهم شفعه فينا، فالعبادة بأنواعها لله وحده ليس ~~له شريك. ولذلك قدم المعمولين ليفيد تقديمهما حصر العبادة والاستعانة ~~لمستحقها وهو الله تبارك وتعالى وحده في قوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} ~~وقوله: {إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له} الآية ~~وقوله: {فصل لربك وانحر} وقوله: {له دعوة الحق} . # أفلا تدبرتم معاني هذه الآيات وما ورد في سياقها من الأحاديث. فانقدتم ~~لعمل ما دعت إليه وأعلنت به ودلت عليه من ان الدين كله لله والأمر كله له. ~~فحينئذ وقفتم على صحة عقيدة من نسب العامل بها ms161 وبمعانيها والناهي عن ضدها ~~ومخالفيها إليه، إذا قيل له أو عنه وهابي أو عارضي أو شرقي كما قيل في ~~الصدر الأول لمن تبع ما جاء عن الله وخالف من خالف أوامر الله أنه صابئ ومن ~~وافق الحق تبع وان كان واحدا ويسمى وحده أمة. كما قال الله عن إبراهيم حين ~~خالف قومه فيما نهى الله عنه واتبع رضوانه وعمل بتوحيده: {إن إبراهيم كان ~~أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين} وقد سمى الله تبارك وتعالى كلمة ~~الإخلاص كلمة التقوى لأنها السبب لكل خير دنيوي وأخروي عكس كلمة الفجور، ~~فإنها السبب في كل شر دنيوي وأخروي، ومن اكتفى بمجرد لفظها عن معناها ~~فجانبه وعمل بضدها وهو الكلمة الخبيثة المنافية لاسمها ومسماها من كل فعل ~~أو قول أو اعتقاد خبيث معناه يبطلها ويأباها فإنه قد عكس اسمها في اعتقادها ~~ومنشئها إذ في زعمه أنه متى قالها مع قرينتها وهي الشهادة لمحمد بالرسالة ~~فلا ينافيها من القول أو الفعل أو الاعتقاد مهما قال أو فعل أو اعتقد وهذا ~~مناف لحقيقة الإسلام فزاع عن الإيمان لعدم استسلامه وانقياده للعمل في ~~الدين الذي قال الله عنه: {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه} وإذا ~~فقد العمل بمعنى هذه الكلمة الطيبة ووجد العمل بضدها الشامل للقول أو ~~الاعتقاد عدمت بالكلية وان تلفظ بها وقالها باللسان إذ لا يجتمع متضادان في ~~شيء واحد والمثبت له الإسلام في هذه الحالة جامع بين النقيضين وهو غير ممكن ~~فلا أحد كائنا من كان يجعل عبادة الله التي هي خاصة بجلاله لغيره تعالى من ~~الخلق إلا كانت للشيطان وأعوانه كما قال جل ذكره: {ألم أعهد إليكم يا بني ~~آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم ~~* ولقد أضل منكم # PageV01P147 # جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون} وقال تعالى: {يا معشر الجن قد استكثرتم ~~من الأنس} يعنى من إغوائهم في دار الدنيا. # (وأما حديث) أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن ms162 ~~الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب (فالجواب عنه من وجوه) . # (أحدها) : أن لفظ الحديث بيأس لا يئس وإذا كان اليأس جاء من قبل نفسه ~~لأمر رآه من أمور النبوة وانتشارة الدعوة وإنزال التنزيل مع كثرة الإجابة ~~في تلك المواطن فلا مانع من عبادته ولو بعد حين، وإنما يئس لما قام في ذهنه ~~مما رأى مع حرصه على إغواء بني آدم. # (الثاني) : ان اللعين كان يداخل الصور التي صورها المشركون ويكلمهم فيها ~~كما قال جل ذكره: {إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ~~* لعنه الله} فلما نزل قوله تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل} كسرت تلك ~~الصور التي يكلمهم فيها يئس في نفسه ان يعبد كذلك، ولا منافاة ان من عبد ~~الله فعبادته واقعة للشيطان لأن إياسه إنما هو بالنسبة إلى إعادة تلك الصور ~~إلى ما كانت على صفتها الأولى. # (الثالث) : انه يئس ان يعبد ظاهرا بلا واسطة قبر أو تمثال كما عبد في غير ~~الجزيرة كذلك فإنه قد وجد من عبد صورته استقلالا. # (وأما بيان) الجزيرة فقال سعيد بن عبد العزيز والأصمعي وأبو عبيدة هي من ~~ريف العراق إلى فدك طولا ومن تهامة وما وراءها إلى طرف الشام عرضا وقيل هي ~~من أقصى عدن أبين اسم رجل إلى ريف العراق في الطول، وأما في العرض فمن جدة ~~وما والاها من ساحل البحر إلى طرف الشام وقال الخليل إنما قيل لها جزيرة ~~لأن بحر الحبش وبحر فارس والفرات قد أحاط بها ونسبت إلى العرب لأنها أرضهم ~~ومسكنهم ومعدنهم، وقال الإمام أحمد جزيرة العرب المدينة وما والاها وهو مكة ~~وخيبر والينبع وفدك ومخاليفيها وما والاها، وهذا قول الشافعي لأنهم لا من ~~تيما ولا من اليمن، والآيات والأحاديث فيما ذكرنا كثيرة جدا ولكن اتباع ~~الهوى من أكبر البلوى ولا أشد ضررا # PageV01P148 # على الإنسان من ميل الهوى وإتباعه فيما يسخط الله تبارك وتعالى فانه قال ~~عز من قائل: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم ms163 على سمعه ~~وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} عن أبي أمامة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما تحت ظل السماء إله يعبد من ~~دون الله أبغض إلى الله من هوى". # (وأما قولكم وقد قسمه العلامة ابن الجوزي في النهاية إلى أربعة أقسام. ~~كفر إنكار بأن لا يعرف الله تبارك وتعالى أصلا ولا يعترف به. كفر جحود ككفر ~~إبليس لعنه الله إذ كان يعرف الله بقلبه ولا يقر بلسانه. كفر عناد وهو أن ~~يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به حسدا وبغيا واستكبارا واستحياء من ~~قومه ككفر أبي جهل وأبي طالب واضرابهما. وكفر نفاق وهو أن يعترف بلسانه ولا ~~يعتقد بقلبه) . # فنقول: قد شاع وذاع وتقطعت به الاسماع وتواترت الأخبار وامتلأت الدواوين ~~أن الكفر من حيث هو ينقسم في تعريفه إلى أربعة أقسام وكل قسم مغاير لقسيمه ~~في المعنى الذي يسمى به وهذه الأقسام متفقة في حقيقة معنى الكفر وأصله من ~~الستر ومنه سمي الليل كافرا لأنه يستر الأشياء بظلمته وسمي الزراع كافرا ~~لأنه يستر الحب بالتراب والكافر يستر الحق بجحوده إياه. # (الأول كفر الجحود) : وهو أن يكفر بما يعلمه في قلبه من أسماء الرب أو ~~صفاته أو أفعاله أو دينه وأحكامه أو رسله أو ما جاء به من الحق فلا يقر به ~~في لسانه ولا يعمل به في جوارحه وهذا كفر إبليس عليه اللعنة ومشابهيه ~~الكاتمين الحق بعد علمهم إياه كاليهود ومشاكليهم من علماء السوء العاملين ~~بالباطل والبهتان والقائلين الزور فيما جاء به القرآن وهم المجوزون المنكر ~~والعاكفون عليه والناهون عن المعروف وما يوصل إليه والصادون عن سبيل الله ~~وما يقرب لديه. قال سبحانه وتعالى في حق أولئك: {مثل الذين حملوا التوراة ~~ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل # PageV01P149 # القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين} وقال تعالى: ~~{فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} فكل من عرف الحق ~~من الدين ولم ms164 ينقد إليه ولم يعمل به فهو كافر ككفرهم، وهو ملعون كما لعنوا، ~~وقال تعالى في حق هؤلاء: {الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ~~ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} وهذه شاملة ~~الفريقين. # (الثاني كفر إنكار) : وهو أن ينكر الله أو دينه أو رسله أو كتبه أو شيئا ~~مما جاؤا به في القلب واللسان. # (الثالث) كفر العناد وهو أن يعرف الحق بقلبه ويعترف به في لسانه ولكن لا ~~يعمل به ككفر أبي طالب وأمثاله حين دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~الدين والعمل به من إيمان وغيره فقال: لولا تعيرني قريش لأقررت بها عينك ~~ولكن أذب عنك ما حييت وقال في النبي صلى الله عليه وسلم ودينه أبياتا يثني ~~عليه بها وهي هذه: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر وقر بذاك منك عيونا # ودعوتني وعرفت أنك ناصحي ... ولقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا قد علمت بأنه ... من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك مبينا # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ومقاتل نزل قول الله سبحانه وتعالى وهم ~~ينهون عنه وينأون عنه في أبي طالب كان ينهى الناس عن أذى محمد صلى الله ~~عليه وسلم ويمنعهم منه وينائي بنفسه عن الإيمان بدينه أي يبعد نفسه عن ~~العمل به حتى أنه اجتمع إليه رؤساء المشركين وقالوا: خذ شابا من أصبحنا ~~وجها وادفع محمدا لنستريح منه فقال أبو طالب: ما أنصفتموني أدفع إليكم ولدي ~~لتقتلوه وأربي ولدكم. ولما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه شق ذلك على ~~قريش وفرح به المؤمنون فقال الوليد بن المغيرة # PageV01P150 # للملأ من قريش وهم الصناديد والأشراف وكانوا خمسة وعشرين رجلا أكبرهم سنا ~~الوليد بن المغيرة، قال لهم: امشوا إلى أبي طالب فأتوا أبا طالب ومعهم أبو ~~جهل وقالوا: أنت شيخنا وكبيرنا وفد علمت ما فعل هؤلاء السفهاء وإنا قد ~~جئناك لتقضي بيننا وبين ms165 ابن أخيك وأنصفنا منه. فأرسل أبو طالب إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فدعا به فقال: يا بن أخي هؤلاء قومك يسألونك فلا تمل كل ~~الميل على قومك. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ماذا يسألوني" قالوا: ~~ارفض ذكر آلهتنا وندعك وإلهك. فقال صلى الله عليه وسلم: "أدعوكم إلى كلمة ~~واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم" أي تطيع، فقال أبو جهل: لله ~~أبوك نعطيكها وعشرة أمثالها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قولوا: ~~لا اله إلا الله" فنفروا من ذلك وقالوا أجعل الآلهة إلها واحدا لظنهم أن ~~الإله الواحد لا يسع الخلق ولا يصلون إلى قربه إلا بوسائط ورسائل يقربونهم ~~إليه يتوكلون عليهم ويتقربون لديهم بشفاعتهم عنده، فهم يتألهونهم بقلوبهم ~~بمحبتهم وتعظيمهم وإجلالهم وإكرامهم زاعمين أن ذلك فيه رضاء الله وانه ~~تعالى أمر به كما قالوا في الآية الأخرى لو شاء الله ما أشركنا نحن ولا ~~آباؤنا، لأن ما تألهوه إما نبيا أو ملكا أو صورة أحدهم فلذلك تعجبوا مما ~~دعاهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا ان هذا لشيء عجاب، أي عجيب ~~والعجب والعجاب واحد كقول الرب: جل كريم وكرام وكبير وكبار وطويل وطوال ~~وعريض وعراض. وانطلق الملأ منهم من مجلس اجتماعهم عند أبي طالب الذي كانوا ~~فيه وسماعهم من النبي صلى الله عليه وسلم تلك الكلمة الطيبة يقول بعضهم ~~لبعض: أن امشوا واصبروا على آلهتكم أي اثبتوا على عبادة آلهتكم يوصي بعضهم ~~بعضا في الصبر على ما هم عليه من الباطل وعداوة الحق أي اثبتوا على ~~معتقداتكم لتقربكم إلى خالقكم لأنه قد أمركم بذلك ولهذا قال ان هذا لشيء ~~يراد أي هذا الاعتقاد بالآلهة يراد منا لا محالة عن ذلك فان الخلق لا يسعهم ~~الإله الواحد بل هم مأمورون بالأسباب الموصلة إليه وقيل معناه أنه لأمر ~~يراد بنا وذلك أن عمر لما أسلم وحصل للمسلمين قوة بمكانه عندهم قالوا: إن ~~هذا الذي نراه من زيادة أصحاب محمد لأمر يراد بنا وقيل يراد بمحمد يملك ms166 ~~علينا فيتولى أمرنا وما نحن فيه، ولما كان الدين الذي لا يقبل الله غيره ~~مخالفا لعادتهم وعادة آبائهم قالوا: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد من ~~التوحيد في الملة الآخرة هي ملة قريش وهي دينهم الذي كانوا عليه بلا # PageV01P151 # أصل وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: يعنون النهاية لأنها آخر الملل وهم لا ~~يوحدون بل يقولون ثالث ثلاثة ان بمعنى ما هذا إلا إختلاق كذب وافتعال ثم ~~لما حسدوا بغيا واستكبارا عن الحق وإتباعه، قالوا: أنزل عليه الذكر من ~~بيننا وليس بأكبرنا ولا أشرفنا قال الله تعالى: {بل هم في شك من ذكري} أي ~~وحيي وما أنزلت على عبدي. والمراد به القرآن، وما أنزل لأجله، وهو التوحيد، ~~بل لما يذوقوا عذاب، تهديد لهم أي سيذوقونه ولو ذاقوه لما قالوا هذا القول ~~ولصدقوا حيث لا ينفعهم التصديق، لأن لما تدل على عدم وقوع المنفي بها في ~~الحال لا في الاستقبال. # (وإذا كان) معنى كفر العناد هو ان يعرف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين بما ~~عرفه واعترف به فالعجب ممن يدلي علينا باعتراضاته ويزعم في مصنفاته ويقول ~~في معتقداته ان الإيمان يكفي فيه مجرد التصديق فمتى وجد أغنى عن العمل ~~ويسمى المصدق مؤمنا وحيث ترك العمل فهو كافر كفرا عمليا لا يخرج عن الملة ~~بل هو مسلم حكما وحقيقة، وهل هذا إلا تناقض فيما قاله أو ادعاه، ونقض لما ~~أبرمه فيما حكاه فلله الحمد والمنة. # (الرابع) : كفر النفاق وهو ان يعترف باللسان ويعمل بشرائع الإسلام ظاهرا ~~ولا يعتقد في القلب بل إما يكذب أو يستخف ولكن يعمل خوفا وتلجئه فهو النفاق ~~الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار وجميع هذه الأنواع سواء في أن من لقي ~~الله بواحد منها لا يغفر له بل هو مخلد في النار بنص التنزيل وأحاديث ~~البشير النذير. # (وأما قولكم قال ابن القيم: وهذا الجمع والتوفيق بهذا التفصيل هو قول ~~الصحابة وعليه الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ ~~إلا عنهم إذ هم الواقفون على ms167 اسرار الكتاب والأحاديث، والمتأخرون لما لم ~~يفقهوا مرامهم افترقوا فرقتين فرقة أخرجت مرتكب الكبيرة عن الملة المحمدية ~~وقضوا عليهم بالخلود بالنار وفرقة جعلوهم مؤمنين كاملي الإيمان فهؤلاء غلوا ~~وهؤلاء جفوا وهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط ~~حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم يقضوا عليهم بالخلود ولم يجعلوهم بحيث لا ~~تضرهم المعاصي وهذا هو الموافق للمنقول عن علماء الصحابة والتابعين من ~~تقسيم الكفر إلى القسمين المذكورين) فنقول: # PageV01P152 # هذا مما قدمناه وقلناه والحق ما قاله ابن القيم، ولكن لا يخص بفهمه ~~والعمل به إلا من سبقت له من الله الحسنى والمقام الأسنى والعناية الربانية ~~والسعادة الأبدية، فإنه عنى بذلك ما عناه الأئمة الأعلام الذين هم مصابيح ~~الهدى والدين من سائر الأنام، وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان، كأبي ~~حنيفة ومالك والشافعي وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم من أئمة الدين حتى ~~البخاري ومسلم، كلهم على أن المسلم لا يكفر بذنب يفعله ولا يخرج به من ~~الملة كالقتل والزنا وشرب الخمر وقوله لأخيه المسلم يا كافر من غير اعتقاد ~~بطلان دين الإسلام وسائر أفعال المعاصي إلا الشرك بالله الأكبر، الذي لا ~~يغفره تعالى كما حكاه بنص التنزيل، أو استحلال ما حرمه الله أو تحريم ما ~~حلل، كما قدمنا الكلام فيه وعلى هذا دل الكتاب والسنة وبه نطق أولو العلم ~~والحكمة قال تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن ~~بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء..} إلى قوله.. {إنما ~~المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم} فسماهم مؤمنين وجعلهم أخوة مع الاقتتال ~~وبغي بعضهم على بعض، وقال تعالى في بيان الكفارة: {فتحرير رقبة مؤمنة} ولو ~~أعتق مذنبا أجزأ عتقه بإجماع أهل العلم. وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر ~~على أناس في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحكم عليهم بالكفر الموجب ~~للردة ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا ورجم هذا وقطع يد ~~هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: " لا تكونوا أعوان الشياطين على أخيكم". ~~وفي البخاري: "عن ms168 عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلا يشرب الخمر يقال له ~~عبد الله فأتى به شاربا فلعنه رجل وقال ما أكثر ما يؤتى به فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" ولما أن ذو الخويصرة ~~وهو رجل ناتئ الجبين غائر العينين كث اللحية وقال: يا محمد اعدل فإنك لم ~~تعدل فأراد بعض الصحابة قتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "دعه إنه يخرج ~~من ضئضىء هذا أقوام يحقر أحدا صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع ~~قراءتهم، القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من ~~الرمية" وهذا الحديث في الصحيحين وغيرهما فهذا العابد الظاهر العبادة هو ~~ومن اتبعه لما جانبوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم واستغنوا بما معهم ~~عنها وخالفوه وخالفوا الصحابة ودعوا إلى بدعتهم واستحلوا دماء من لا ~~يوافقهم عليها أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتالهم، وقال: " لئن أدركتهم ~~لأقتلنهم مثل عاد" وذلك الشارب الخمر لما كان محبا للرسول ولسنته نهى صلى ~~الله عليه وسلم عن لعنه وقال: "لا تلعنه فإنه # PageV01P153 # يحب الله ورسوله". فهذا يرد ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج من التكفير ~~بالذنوب ووجوب النار والتخليد لمن مات عاصيا لمقلب القلوب. وكذلك المرجئة ~~القائلون بأن الإيمان لا تضر معه المعصية، كما أن الكفر لا تنفع معه ~~الطاعة، وترك الأعمال التي من الدين معصية لا تضر مع وجود التصديق القلبي ~~إذ هو الإيمان عندهم ووجوده كاف عن غيره ولكل شبهة مستند إليها قد ذكرناها ~~فيما تقدم، فهدى الله أهل السنة والجماعة للطريقة المثلى والقول الأوسط ~~الذي هو في المذاهب كالإسلام في الملل حيث لم يخرجوهم عن الإيمان ولم ~~يحكموا عليهم بالخلود في النيران ولم يجعلوهم بحيث لا تضرهم المعاصي ~~والاستغراق في الطغيان، لأنهم بقول الله ورسوله متمسكون وعلى قول الصحابة ~~والتابعين لهم بإحسان معتمدون ولمن خالفهم مجانبون إذ هم على أسرار الكتاب ~~واقفون وبسنة نبيهم آخذون فلا تتلقى تلك المسائل وتؤخذ إلا عنهم ولا يهتدي ms169 ~~المهتدي ويفوز المسترشد إلا بهديهم وإتباع سنتهم ومن جانبهم فقد أبعد وضل ~~وأضل فإن انضاف إلى المجانبة الإعراض عن منهاج الرسول وما كان عليه هو ~~وأصحابه ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. # (وأما قولكم قال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم ~~دون ظلم وفسق دون فسق) . # فنقول: هذا بعينه ما قاله ابن القيم وغيره نقلا عن الصحابة والتابعين من ~~أن أعمال الجوارح الظاهرة كالزنا وشرب الخمر وإتيان الكاهن مع عدم تقديم ~~كلامه على كلام الرسول، ومن لم يأمن جاره بوائقه، ومن لم يحكم بما أنزل ~~الله من الشرائع التي منشؤها الفروع مع الانقياد لحكم الله في الأصول ~~بالقلب والقول باللسان، وسائر المعاصي الظاهرة لا يخرج بها مرتكبها عن خطة ~~الإسلام وان لم يسم مؤمنا حقا، فلا يقال عنه كافر حقا فهاهنا كفر درن كفر ~~ونفاق دون نفاق وشرك دون شرك وظلم دون ظلم وفسق دون فسق، قال سفيان بن ~~عيينة عن هشام بن حجر عن طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول تعالى: ~~{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} ليس هو الكفر الذين تذهبون ~~إليه وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه طاووس قال: سئل ~~ابن عباس عن قوله: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} قال: هو ~~بهم كفر ولكن ليس كمن كفر بالله وملائكته # PageV01P154 # وكتبه ورسله، وقال في رواية أخرى: كفر لا ينقل عن الملة، وفد تقدم الكلام ~~فيه مستوفى عند قوله وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وغيرهم عن ~~ابن عباس في تفسير هذه الآية وأنه رضي الله عنه فصل تفصيلا حسنا قد ذكرناه ~~عنه فيما سلف وقال وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء: كفر دون كفر وظلم ~~دون ظلم وفسق دون فسق وهذا كله رد على المعتزلة والخوارج الضالين عن طريق ~~الحق والصواب والجانحين عن طريقة أفضل الأحباب. # (ونحن ولله الحمد) على ما كان عليه ms170 النبي صلى الله عليه وسلم معتمدون ~~وبكلام الله آخذون ولمن خالفه مجانبون ومعادون والدليل على صحة ما قلناه ~~واعتقدناه إنا لا نكفر إلا من كفره الله بنص التنزيل كالمتألهين غير الله ~~من المخلوقين بدعائهم ورجائهم والتوكل عليهم وتفويض جميع أمورهم إليهم قولا ~~واعتقادا والراضين بذلك المكفرينا بأمرنا بما أمر الله به ونهينا عما نهى ~~الله عنه يجاهدوننا ويجعلون اليهود والنصارى أخف شرا منا ومن إتباعنا وكذا ~~الجاحدين من الدين ما علم بالضرورة انه منه عمليا كان أو اعتقاديا، ونجاهد ~~على ذلك كله وعلى تقويم أركان الإسلام كما جاهد النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه عليه بأمر الله له في آيات التنزيل كما قال جل ذكره: {فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا ~~وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} الآية فقدم تعالى التوبة من ~~الشرك إشارة إلى أن الصلاة والزكاة وسائر أعمال البر لا تعتبر ولا يعتد بها ~~إلا بعد وجود الأصل وهو التوحيد إذ هو كأصل الحائط أو أصل الشجرة وسائر ~~الأعمال كفرعه وهو لا يثبت إلا على أصل فلا يستقيم بدونه ولا يتم إلا به ~~قال سبحانه وتعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} فإن ~~حكمتم على ان من جعل بعض الدين لله وبعضه لغيره بأنه عاص لا كافر حقيقة، ~~وقد جنحتم وكيع عن إجماع سلف الأمة في أن المشركين الأولين الجاعلين بعض ~~الدين لله وبعضه لغيره ومن شاكلهم ممن اعتقد اعتقادهم وعمل عملهم مستوجبون ~~للكفر حقيقة وان من اعتقد انهم على صواب أو هدى أو شك في كفرهم فهو مكذب ~~لقول الله طاعن في رسالة محمد صلى الله عليه وسلم وان حكمتم بكفره فلما لا ~~تحكمون به على من اتخذ من دون الله وليا ونصيرا وشفيعا يدعوه ويرجوه ويتوكل ~~عليه قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} # PageV01P155 # وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} ms171 فتعلمون عقيدتنا وحقيقة أمرنا ونهينا ولا تدلوا علينا ~~بكلام هؤلاء الأئمة الأماثل والجهابذة الأفاضل لأن ذلك إنما يلزم به أهل ~~الأهواء من ذوي العقائد الفاسدة الراكسين في المخالفة للنصوص الشرعية ~~والآيات القرآنية لكن من لم يميز الدين ويعرفه عين اليقين عميت بصيرته ~~وأظلمت سريرته فلا حيلة فيه إذا رفعت الشكوى وعمت البلوى. # (وأما قولكم وقال ابن القيم الذي قاله عطاء بين في القرآن لمن فهمه فان ~~الله سمى من حكم بغير ما أنزل الله كافرا ظالما في قوله تعالى: {والكافرون ~~هم الظالمون} وسمى متعدي حدود الله في النكاح والطلاق والرجعة والخلع ظالما ~~فقال: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} وقال يونس عليه السلام: لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقال صفيه آدم ربنا ظلمنا أنفسنا، ~~وقال كليمه موسى عليه السلام: رب إني ظلت نفسي فاغفر لي ومعلوم يقينا ان ~~هذا الظلم ليس كمثل ذلك الظلم) . # فنقول: كل كافر ظالم ولا عكس لأن قوله تعالى: {والكافرون هم الظالمون} ~~مبتدأ محصور في خبره أي ولا ظالم أظلم ممن وافى ربه يومئذ كافرا وتد روى ~~ابن أبي حاتم عن عطاء بن دينار أنه قال: الحمد لله الذي قال والكافرون هم ~~الظالمون ولم يقل والظالمون هم الكافرون، ومتعدي حدود الله في النكاح ~~بالمضارة، أو نكاح ما لا يحل نكاحه، انشاء، أو رجعة، والطلاق فيطلق لغير ~~السنة أو لها، حتى إذا قرب انقضاء عدتها راجعها، ثم طلقها، ثم إذا قرب ~~انقضاء عدتها راجعهاه، ثم طلقها مضارة لها، والخلع فيضارها بمنع حقها ~~لتفتدي منه وكل من فعل كذلك فقد ظلم نفسه، أي أثم فيما بينه وبين الله وان ~~أبدى للناس حاله عكس ما أخفاه عنهم، وقول يونس عليه السلام: لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين أي في ذهابي مغاضبا لقومي بلا إذن من ربي ففي ~~نسبة الظلم إلى نفسه اعتراف منه بأنه عمل خلاف الأليق به فان العبد إذا ~~أرسله سيده بأمر وجعله في وظيفة على عبيد لسيده فغاضبوه ms172 وامتنعوا من أمره ~~لا ينبغي له الاستعجال والمغاضبة لهم والذهاب عنهم بلا مراجعة من سيده فهو ~~عليه السلام قد فهم ذلك وتذكره بعد ذلك فلام نفسه ورجع إلى ربه مستدركا ما ~~فات منه من # PageV01P156 # التقصيرات بمناداته في تلك الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، وهذه رتبة الخواص الفزع عند الشدائد إلى مالك الناس بالإخلاص ~~ولهذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفزع عند كل شدة إلى الصلاة. والظلم ~~تارة يأتي بمعنى الإثم الذي هو أعم من المعاصي والكفر كما تقدم، وتارة يأتي ~~بمعنى خلاف الأولى كقول يونس صلوات الله وسلامه عليه سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، وقول آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا. وكما جاء في الحديث ~~الذي رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: جاء إعرابي إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا وقال: "هذا الوضوء فمن زاد ~~على هذا فقد أساء وتعدى وظلم" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة فسمى خلاف ~~الأولى ظلما. وقد صح في السنة عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: " دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني ~~كنت من الظالمين لم يدع بها مسلم في شيء قط إلا استجيب له" وعنه أيضا قال: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اسم الله الذي إذا دعي به أجاب. ~~وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى" قلت: يا رسول الله هي ليونس خاصة أم ~~لجماعة المسلمين قال: "هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها ألم تسمع ~~قول الله تعالى ننجي المؤمنين" فالإيمان شرط من الله لمن دعاه بهذه الدعوة ~~إذ قد يقولها وهو يوجد المنافي لها قولا أو عملا أو اعتقادا فليس عنده منها ~~إلا مجرد لفظها وكانت هذه الدعوة مفزع الأنبياء، أخرجه ابن مردويه والديلمي ~~عن أبي هريرة وقول آدم عليه السلام ربنا ظلمنا أنفسنا فيه الاعتراف بمخالفة ~~النهي ms173 وفعل خلاف الأولى وأنه فعل المنهي عنه لا عن عمد وإنما هو ظان أن ~~النهي لا يقتضي التلزيم باجتناب المنهي عنه لأن الغار له أقسم بالله على ~~ذلك فظن أن لا أحد يقسم بالله كاذبا فنسب التقصير والظلم إلى نفسه وما أحسن ~~الاعتراف بالذنب والتقصير من العبد لسيده وان أبعد اللوم عنه ظاهرا والعبد ~~إذا ازداد قربه من سيده ازداد خوفه وخشيته ورغبته ورهبته منه وعد ما جرى من ~~غير اللائق به ذنبا وان لاق بغيره ممن هو ليس في درجته ولذلك كانت حسنات ~~الأبرار سيئات المقربين، وقال موسى عليه السلام: رب إني ظلمت نفسي فاغفر ~~لي، فسؤاله المغفرة واعترافه بظلم النفس على جهة طلب الكمال، وان اللائق به ~~كان خلاف ما فعل من الاستعجال بقتل القبطي وإلا فمجرد قتله جائز فإنه عدو ~~للدين حربي للاسرائيلين لكن كان الأولى في حق موسى تأخر قتله لينصحه ويعظه ~~بما قاله # PageV01P157 # رب العالمين، فتسميته من عمل الشيطان للاستعجال بقتله، وتسميته ظلما من ~~حيث حرمان ثواب المندوب، وقال اعترافا وانقطاعا إلى الله فيما هو إليه ~~محبوب وان لم يكن ثم ذنب البتة. والاستغفار منه بمعنى طلب المغفرة بترك هذا ~~المندوب لعمله عدم الأولى المطلوب، ومن المعلوم يقينا عند كل عاقل ان ظلم ~~الكفر ليس كظلم المعاصي، وظلم العبد المنيب ليس كظلم العبد الجافي، فالظلم ~~مختلف، كما أن الكفر أنواعه مختلفة، وهذا لم يقع فيه نزاع بين علماء أهل ~~السنة، إنما القصد الكلي والفائدة العظمى طلب ما أنزل الله على رسوله من ~~الكتاب والحكمة ومعرفة ما أراد بذلك الإنزال والإرسال وما طلبه من عبيده ~~فما خلقهم لأجله وأمرهم به ونهاهم عن ضده ورتب على وجوده رضاه ورحمته ~~والخلود في جنته وعلى عدمه والعمل بضده غضبه وسخطه وحرمان رحمته والخلود في ~~ناره وغضبه وتضعيف عذابه وكل ما يحتاج إليه الناس في دينهم فقد بينه الله ~~ورسوله بيانا شافيا، ثم إذا عرف ما بينه الكتاب وقاله الرسول، نظر في أقوال ~~الخلق فعرضت على الكتاب والسنة فما وافق ms174 قبل، وما خالف نبذه، فهذا هو سبيل ~~الهدى والسنة والعلم والحكمة، وهو الذي كان عليه الصحابة والتابعون لهم ~~بإحسان، ومن سلك سبيلهم من الأئمة الأعلام إلى آخر الزمان، وأما سبيل ~~الضلال والبدعة والجهل فعكس ذلك تجد المبتدع بدعة إما مخرجة عن الدين ~~بالكلية، وإما ليست أصليه منه ولا فرعية بل من رأى رجال وتأويلاتهم، أو من ~~دسائس الشيطان وتحسيناتهم أنها من الدين ومما يقرب إلى رب العالمين، لم ~~يجعل ما جاء به الرسول أصلا وفرعا فيعرض عليه سائر ما هو عامل بل يحرف ~~الألفاظ ويتأولها على وفق ما هو له أصل رفي نفس الأمر لا يعتمد على ما جاء ~~به الرسول ولا يتلقاه منه بالهدى ولكن يتأول منه ما يوافق بدعته ليجعله له ~~حجة كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه وقد قال تعالى: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة} التي من أعظمها الشرك وابتغاء ~~تأويله وقال صلى الله عليه وسلم فيما خرجاه في الصحيحين عن عائشة أم ~~المؤمنين رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ~~ليس عليه أمرنا فهو رد". # (والأعمال قسمان) عبادات ومعاملات. فأما العبادات فكل ما كان خارجا عن ~~كلام الله ورسوله بالكلية من قول أو اعتقاد أو فعل فهو مردود على عامله # PageV01P158 # ويدخل تحت قوله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به ~~الله} فمن تقرب إلى الله بما لم يجعله الله ورسوله قربة فعمله باطل مردود ~~عليه وشبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مكاء وتصدية، وان تلك القربة ~~المعتقدة كقربة الأولين فهي أعظم بعدا عن الدين، وأبغض معصية إلى رب ~~العالمين، وهذا مناف له من أصله فلا يوجد معه أبدا كالذين يشركون بالله ما ~~لم ينزل به سلطانا ويقولون على الله ما لا يعلمون، وهم الجاعلون بينهم وبين ~~خالقهم وسائط ووسائل من خلقه يدعونهم ويرجونهم ويلوذون بهم ويتوكلون عليهم ~~ليشفعوا لهم عند مليكهم في قضاء حوائجهم ومع ذلك يقولون: الله ms175 أمرنا بهذا ~~فهو يرضى به، ويحتجون بقوله تعالى: {وابتغوا إليه الوسيلة} ولم يتأملوا ~~أحوالهم وما هم فيه من العقائد الفاسدة والحجج العاطلة فتستنير قلوبهم ~~لمعناها وإنها الأعمال الصالحة لا سواها بل واسطتهم تلك هي معنى الإله ~~المذكور في قوله تعالى: {قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} ذكره ~~المفسرون في كتبهم نقلا عن البشير النذير، وان كانت غير ذلك كمن تقرب إلى ~~الله بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك ~~من المحدثات التي لم يشرع الله ولا رسوله التقرب بها إليه بالكلية فهي من ~~دسائس الشياطين لتنال الحظ الوافر من العاملين وليس كل ما كان قربة في ~~عبادة يكون قربة في غيرها مطلقا فقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~قائما في الشمس فسأل عنه فقيل انه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وان يصوم ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد ويستظل وان يتم صومه فلم يجعل ~~قيامه وبروزه للشمس قربة يوفي بنذرها، وقد روى ان ذلك كان في يوم جمعة عند ~~سماع خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يخطب اعظاما لخطبته صلى الله عليه وسلم ~~ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قربة يوفي بنذره مع ان القيام عبادة ~~في موضع آخر كالصلاة والأذان والقيام بعرفة والبروز في الشمس قربة للمحرم ~~فدل على أنه ليس كل ما كان قربه في موطن يكون قربة في كل موطن إنما يتبع ~~ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها وكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها ~~كمن صام يوم العيد أو صلى وقت النهي. # (وأما المعاملات) كالعقود والفسوخ ونحوها فما كان منها تغير للأوضاع ~~الشرعية كجعل حد الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فانه مردود من أصله لا ~~يقبله الله # PageV01P159 # لأن هذا غير معهود في الإسلام ويدل على ذلك ما روى البخاري في صحيحه ان ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي سأله ان ابني كان عسيفا على فلان فزنى ms176 ~~بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ~~ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ~~قال: فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت") وبتأمل ما ~~ذكرناه يعلم اختلاف الظلم كما يعلم اختلاف الكفر وان كل كافر ظالم ولا عكس. # (وأما قولكم وسمى الله الكافر فاسقا في قوله: {وما يضل به إلا الفاسقين} ~~الآية، وسمى المؤمن فاسقا في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم ~~فاسق بنبأ فتبينوا} الآية نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط على قول ~~الأكثر في قوله تعالى فيمن رمى المحصنات {ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك ~~هم الفاسقون} والآيات كثيرة في الأمرين) . # فنقول هذا من كلام ابن القيم أيضا وأصل الفسق الخروج يقال فسقت الرطبة ~~إذا خرجت من قشرها، قال الله تعالى في حق إبليس عليه اللعنة ففسق عن أمر ~~ربه أي خرج، وكل كافر خارج من الطاعة فهو فاسق ولا عكس، وان سمي فاسقا إذ ~~الفسق أعم من الكفر وهو أخص وبينهما عموم وخصوص مطلق يجتمعان في مادة ~~الكفر، وينفرد الفسق عنه، ولذلك سمى الله سبحانه وتعالى المؤمن العاصي ~~فاسقا في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن ~~تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} نزلت في الوليد بن عقبة ~~بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم جابيا للصدقات على بني المصطلق فلما ~~قاربهم وسمعوا به اجتمعوا فهابهم وخاف على نفسه بسبب عداوة كانت بينهم في ~~الجاهلية فلما خاف الوليد ورجع مخبرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بمنعهم ~~الزكاة وارتدادهم غضب النبي صلى الله عليه وسلم وهم بهم فجاؤا معتذرين ~~مكذبين للوليد فأرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد ~~آمرا له أن ينظر في أمرهم فان رأى خيرا أخذ الزكاة وان رأى أمارات غيره فعل ~~بهم ms177 كفعله بالكفار، فرأى الخير بسماعه لأذاني صلاة المغرب والعشاء فأخذ ~~الزكاة منهم وأنزل الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق ~~بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة} الآية فاستفيد ان المخبر بشيء لا يعمل ~~بخبره إلا بعد التثبت ومن هنا قيل ان النميمة تمنع قبول خبر النمام لأنه # PageV01P160 # بمجردها يفسق بها لأنها كبيرة إلا أن تكون مصلحة للدين وقمعا لأعدائه ~~المعاندين إذا سبوه واستهزؤا به أو تعدوا وظلموا فيه فقد يجب رفع خبرهم إلى ~~الإمام أو نائبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم رفع إليه خبر العرنيين، وقيل ~~نزلت الآية في الحكم بن أبي العاص وهو مؤمن أيضا، والأول عليه الجمهور، ~~واتفقوا على فسق قاذف المؤمن لأن الله سبحانه سماه فاسقا ما لم يتب، ولا ~~يلزم من تسمية فاعل المعصية فاسقا كفره لما تقدم أن كل كافر فاسق ولا عكس، ~~ولأن الله سبحانه سمى المؤمن العاصي فاسقا ولم يحكم عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم بالكفر مع وجود فسقه، كما لا يلزم من وجود الظلم الكفر بخلاف ~~العكس قال تعالى: {والكافرون هم الظالمون} وقال تعالى: {وما يضل به إلا ~~الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} الآية وقال تعالى: {ولقد ~~أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} والآيات في هذا الحد ~~كثيرة فليس فسق العاصي كفسق الكافر، كما ليس ظلم الأول كظلم الثاني، فالكفر ~~كفران والفسق فسقان، والظلم ظلمان، وكذلك الجهل جهلان، باعتبار الكفر ~~والإيمان. # فالأول كما في قوله تعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين} . # والثاني كقوله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ~~ثم يتوبون من قريب} . وباعتبار حقيقته إلى مركب، وهو فهم المعنى بالعكس على ~~غير المراد منه مع التصميم على ذلك وادعاء العلم به، وبسيط، وهو الغفلة عن ~~المعنى مع عدم ادعاء علمه. # (وأما قولكم والشرك أيضا شركان شرك ينقل عن الملة وشرك لا ينقل عنها وهو ~~الأصغر وهو شرك العمل كالرياء قال الله في الأكبر {ومن يشرك ms178 بالله فكأنما ~~خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} وفي الأصغر {فمن ~~كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ومن ~~الأصغر حديث من حلف بغير الله فقد أشرك لا يخرج عن الملة ولا يوجب له حكم ~~الكفار) . # فنقول: أصل دين الله وقاعدته الذي بعث به رسله وأنزل به كتبه وشرع الجهاد ~~لأجله وجعل الجنة والنار بسببه والذل والصغار على من خالفه إنما هو أمران. # (الأول) توحيده سبحانه بالقيام بعبادته له تعالى وحده لا شريك له وهو # PageV01P161 # إخلاصها بأنواعها لجلاله وعظمته المختصة بألوهيته قال سبحانه وتعالى: ~~{وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} وقال تعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا} وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} وقال تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} وقال تعالى: {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا} والتحريض على ذلك ~~والموالاة فيه وتكفير من تركه. # (الثاني) الكف عن الشرك والنهي والإنذار عنه والتغليظ فيه، والمعاداة به، ~~وتكفير من فعله، والبراءة منه، وعدم مودته وموالاته من دون الله، وان كان ~~قريبا من العشيرة قال الله سبحانه وتعالى: {ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} وقال تعالى: {ومن يشرك ~~بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} ~~وقال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة ~~والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} والمخالفة في هذين الأمرين (أنواع) ~~أشدها المخالفة في كليهما، والخلق قد افترقوا فيهما فرقا: # (فمنهم) من عبد الله وحده لكنه لم ينكر الشرك وهو يعرفه. # (ومنهم) من أشرك ولم ينكر التوحيد. # (ومنهم) من أنكر الشرك لكنه لم يعاد ms179 أهله، بل والاهم من دون المؤمنين أو ~~جعل رتبتهم كرتبة أهل التوحيد محتجا بأن الكل خلق الله. # (ومنهم) من عاداهم لدنيا أو عصبية لا لشركهم ولم يكفرهم ولم يعب عليهم ~~فيه. # (ومنهم) من لم يحب التوحيد ولم غضه وإنما هو تابع فيه غيره سمعت الناس ~~يقولون شيئا فقلته. # (ومنهم) من أنكره ولم يعاد أهله. # PageV01P162 # (ومنهم) من عاداهم لمخالفتهم أهل الأهواء المتبع لهها مع عدم شعوره ولم ~~يكفرهم. # (ومنهم) من كفرهم وأنكر التوحيد بعد أن عرفه وسبه وأهله. # (ومنهم) من لم ينكره لكنه كفر أهله الآمرين به والناهين عن ضده. # (ومنهم) من لم يبغض الشرك ولم يحبه بعدم تمييزه عن ضده. # (ومنهم) من لم يعرف الشرك من أصله فلم ينكره وفعله. # (ومنهم) من لم يعرف التوحيد وأنواع العبادات فلم يقل به مؤديا حقه. # (ومنهم) من قاله بلسانه ولم يعمل به ولم يعرف معناه في قلبه ولا قدره فلم ~~يعاد أهل الشرك ولم يكفرهم. # فهذه ثلاثة عشر فرقة كلها قد خالفت ما جاءت به الرسل من دين الله وتوحيده ~~وأشدهم مخالفة من عرف بتوحيد الله ودينه فأنكره وكفر أهله، ثم من عرفه ولم ~~ينكر لكنه كفر أهله وعاداهم، سم من قال التوحيد بلسانه ولم يعمل به في ~~اعتقاده ولم يعرفه ولا قدره ولم يسأل عنه أهل معرفته بل تسافه عنه مستغن ~~برأيه، ثم من جعل رتبة أهل الشرك كرتبة أهل التوحيد، فهذا من أعظم الجور ~~والبهتان في حكمه حيث جعل المشركين في رتبة الموحدين {أم حسب الذين اجترحوا ~~السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ~~ما يحكمون} ثم الباقي سواء في المخالفة. # (واعلم) ان أمر الله تبارك وتعالى شرع شرعه وقدر قدره ولا يتم الإيمان ~~بأحدهما إلا بالآخر ولا يدرك أمره تعالى ليتمثل ويعمل به إلا بتأمل معاني ~~كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم ~~حميد قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو ~~الألباب} (ثم الشرك من ms180 حيث هو) ينقسم إلى اكبر غير مغفور وإلى أصغر لا ~~يقبله الملك الغفور. فمن الأول ما يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته ~~وأفعاله، ومنه ما يتعلق بعباداته ومعاملاته مع اعتقاد انه سبحانه لا شريك ~~له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. والذي يتعلق بذات المعبود وأسمائه ~~وصفاته وأفعاله نوعان: # (أحدهما) شرك التعطيل وهو أقبح أنواعه كشرك فرعون إذ قال وما رب ~~العالمين، وقال لهامان ابن لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من ~~الكاذبين، # PageV01P163 # والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا ~~يستلزم أصل التعطيل بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وسائر صفاته ~~لكنه لما عطل أصل التوحيد الواجب على العبيد الذي لا ينبغي ولا يكون إلا ~~لله وحده فشرك فيه غيره صار مشركا بذلك، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع ~~إليها هو التعطيل (وهو ثلاثة أقسام) . # تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه. # وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله. # وتعطيل معاملته تعالى عما يجب على العبيد من حقيقة التوحيد وهو إخلاص ~~جميع أنواع العبادة والدين لله، فإذا أشرك غير الله في ذلك فقد أشرك شركا ~~غير مغفور إلا بالتوبة عنه وهذا المشرك مقر بالخالق وصفاته وأسمائه معطل ~~لمعاملته المختصة بجلاله ولا يدخله في الإسلام إقراره ولا ما نفى من الآلهة ~~لسانه لتعطله ما وجب عليه من حقيقة التوحيد يجعله ما يختص بجلال الله لغيره ~~من العبادات المتأله بها من جعلت له، لاحظ المعنى في ذلك الجاعل أو لم ~~يلاحظه، فأما تعطل المصنوع عن صانعه وخالقه فهو كشرك الملاحدة القائلين ~~بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال، والحوادث ~~بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب وسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول ~~والنفوس، ومنه شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ~~ولا ههنا شيئان بل المنزه هو عين المشبه، ومنه شرك القدرية القائلين بأن ~~الحيوان يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله، ولهذا سمادهم ms181 رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مجوس هذه الأمة لأن شرك المجوس إسناد حوادث الخير ~~إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. وفي القرآن العزيز ما يرد عليهم كقوله ~~تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} فالله هو الخالق للأشياء كلها والعبد ~~مكتسب لا خالق وله اختيار في أفعال نفسه لا تقع إلا بهواه وميله إليها ~~ولذلك يحاسب عليها مع كونها بتقدير الله وإرادته فلا يحتج بالقدر لما فيها ~~من الرد على منشيء البشر. # (وأما محاجة آدم موسى) فإنما هي لتسليم الأمر، وله تعالى الحجة البالغة ~~ولو شاء لهدى الناس أجمعين، وهو تعالى حكم عدل لا يؤاخذ إلا بالذنب، ولا ~~يعاقب إلا عليه، وله تعالى أن يجعل الخلق كلهم مذنبين فيعذبهم عدلا منه، ~~وله أن يجعلهم سعداء طائعين فيرحمهم فضلا منه، وقد ركب سبحانه في الإنسان ~~عقلا وجعل آلة الإدراك # PageV01P164 # يميز به الأشياء الضارة من النافعة فضلا منه تعالى ورحمة فهو لا يسئل ~~تعالى عما يفعل وهم يسئلون، وهو الملهم للخير والشر قال جل شأنه: {فألهمها ~~فجورها وتقواها} وقال: {إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء} ~~وكل ميسر لما خلق له، وعلى الإنسان الاجتهاد في طاعة خالقه ما استطاع وسؤال ~~التوفيق والإرشاد إلى الصراط المستقيم. # (وأما تعطيل) الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وصفاته ~~وأفعاله فهو شرك الجهمية والقرامطة لم يبقوا له تعالى اسما ولا صفة بل ~~جعلوا المخلوق أكمل منه تعالى وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا إذ كمال ~~الذات بأسمائها وصفاتها. # وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجبه تعالى على عبيده فهي قسمان. # قسم يخرج عن الملة وهو نفي تفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع ~~والاستغاثة والقرب، ودعاء العبادة، والخوف المحض بجلاله المعلق على وجود ~~الإيمان، والرجاء والالتجاء، والتوكل، وذبح القربان، والإنابة، والخضوع، ~~والتوبة، والاستعانة، وهذا المشرك المعطل قد ساوى التراب برب الأرباب، ~~والعبيد بمالك الرقاب، والفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج ~~بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي ms182 ~~غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من ~~لوازم ذاته فلا ظلم أقبح من هذا ولا حكم أشد جورا منه حيث عدل من لا عدل له ~~بخلقه كما قال جل ذكره: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} وعطل حق الله تعالى المختص بجلاله ~~فجعله لغيره بمشاركته بين الله وبين عبده في محض حقه تعالى من الدعاء بما ~~لا يقدر عليه إلا من أمر بسؤاله، وتوعد على ترك طلب أفضاله والإجلال ~~والتعظيم والطاعة والذل والخشوع والخوف والرجاء والالتجاء والتوكل وذبح ~~القربان ضد أشرك بينه تعالى وبين أبغض الخلق إليه وأهونهم عليه وأمقتهم ~~عنده إذ هو عدوه على الحقيقة، فإن المشرك مطلقا إنما عبد غير الله وما عبد ~~من دون الله إلا شيطانا مريدا كما قال جل ذكره: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم ~~أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} ~~ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم ~~يظنون أنه يعبدون الملائكة. كما قال عز وجل: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول ~~للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا # PageV01P165 # سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} فلا ~~أحد كائنا ما كان يعبد غير الله إلا وقعت عبادته للشيطان نفسه، واللعين ~~يدعو المشركين إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك أو ولي وقد يتصور على صورة ~~المستغاث به والمدعو فهو كثيرا ما يتراآي لأوليائه إبليس للإيهام والتلبيس ~~فيزداد المشرك في شبهه بواسطة القبر أو التمثال رغبة ورهبة وكذلك عباد ~~الشمس والقمر والكواكب يزعمون أنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التي ~~تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج، ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها شيطان فيسجد لها ~~الكفار فيقع سجودهم له وهكذا عند غروبها، وكذلك من عبد المسيح وأمه وعزيرا ~~والأنبياء والصالحين وتعلق عليهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم ويلتجئ إليهم ~~ويقرب لهم وينذر لهم ليدفعوا عنه ضرا أو يجلبوا له خيرا فإن ذلك كله واقع ms183 ~~للشيطان نفسه لا لهم، بل هم بريؤون منه ومن عبادته وسيتبرأ منهم بمعنى أنه ~~يتبرأ من عبادته إياهم ويتمنى الكرة إلى الحياة الدنيا ليعمل غير الذي كان ~~يعمل قال جل ذكره: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب ~~وتقطعت بهم الأسباب * وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار} ~~وهذا العابد يزعم أنه يعبد من أمره بعبادتهم ورضيها لهم وأمرهم بها فهم ~~يقربونه إليه وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله أو رسوله أو نبيه أو وليه ~~فنزل هذا كله على قوله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا ~~الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم} فيستمتع هذا ~~العابد بالمعبود كما يستمتع المعبود بالعابد قال عز من قائل: {ويوم يحشرهم ~~جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس} أي من إغوائهم وإضلالهم: {وقال ~~أولياؤهم من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال ~~النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم} ومن أجل ذلك ~~كان الشرك بالله أكبر الكبائر على الإطلاق، وانه تعالى لا يغفر أن يشرك به ~~بغير توبة منه وكف عنه، وانه يوجب الخلود في النار وليس تحريمه وقبحه بمجرد ~~النهي عنه، بل قبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. يوضح هذا أن ~~العابد معظم متأله خاضع ذليل له خائف منه، والرب تبارك وتعالى وحده هو الذي ~~يستحق التأله بكمال التعظيم والإجلال والخضوع والذل والخوف والرجاء ~~والالتجاء والتوكل والدعاء بما لا يقدر على وجوده أو دفعه إلا هو تبارك ~~وتعالى، وذبح القربان وحلق # PageV01P166 # الرأس عبودية وتواضعا هذا خالص حقه سبحانه، فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه ~~لغيره أو يشرك بينه وبين غيره فيه ولاسيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه ~~هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: {ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ms184 ~~أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء} الآية أي إذا كان أحدكم ~~يأنف من ان يكون مملوكه شريكه في رزقه الذي جعلته له فيكف تجعلون لي من ~~عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به وهو الألوهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصلح ~~لسواي، فمن زعم ذلك فلا قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني ~~فيما أنا منفرد به وحدي، وقال جل ذكره: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب} أي العابد والمعبود، ~~وهذا حال كل من جعل عبادة الله المختصة بجلاله وعظمته لغيره فهو ضعيف هو ~~ومعبوده إذ الكل فقير إلى الله محتاج إليه كما قال تعالى: {يا أيها الناس ~~أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد} فاعتماد العبد على المخلوق ~~ودعاؤه إياه بما لا يقدر عليه إلا الله وتوكله عليه يوجب له الضرر من جهته ~~هو ولا بد فالحاصل له عكس ما أمله منه، فلا بد من الخذلان كما هو ثابت ~~بالسنة ونص القرآن ومعلوم بالاستقراء والتجاريب قال تعالى: {واتخذوا من دون ~~الله آلهة ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} وقال ~~تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم ~~لهم جند محضرون} قال ابن عباس رضي الله عنهما: أي يغضبون لهم ويحاربون كما ~~تغضب الجند وتحارب عن أصحابهم وهم لا يستطيعون نصرهم بل هم كل عليهم، كذلك ~~كل بنية على قبر كل على عابديها وسادينها المعتقدين الضر والنفع والتقريب ~~والتبعيد بما فيها لوضعهم التوابيت وتغشيتها بالستور وإيقاد السرج وفتح ~~الباب وغلقه عن لص القبور والهتف بذكره عند الشدائد وبذل النذور ليدفع ما ~~حل بهم من البؤس والشرور قال سبحانه وتعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر ~~فتكون من المعذبين} وقال تعالى: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما ~~مخذولا} وقال تعالى: {وما ظلمناهم ولكن ظلموا ms185 أنفسهم فما أغنت عنهم آلهتهم ~~التي يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك # PageV01P167 # وما زادوهم غير تتبيب} أي غير تخسير، ولما كان المشرك يرجو بشركه النصر ~~تارة والتقرب أخرى، والحمد والثناء تارة، والشفاعة له أخرى، أخبر سبحانه ~~وتعالى ان مقصوده ينعكس عليه فلم يحصل له إلا الخذلان والذم وحرمان ما أمله ~~قبل لعدم الرضا عنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشبته مشفقون، وكما ~~يستحيل على ذاته تعالى العدم، يستحيل عليه ان يشرع عبادة إلى غيره، كما ~~يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله، كيف ظن فيمن تفرد بالربوبية ~~والألوهية والعظمة والجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضي به تعالى عن ~~ذلك علوا كبيرا، فان من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء ~~والمنع والاستغاثة والقرب والكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه ~~بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها بأنواعها له تعالى مختصة ~~بجلاله، لكن هذا انما ينشأ من نتيجة العبودية التي قامت على ساقين لا قوام ~~لها بدونهما وهما غاية الحب مع غابة الذل وهو تمامها وتفاوت منازل الخلق ~~فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين، فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله ~~فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال ان تجيء به شريعة من الشرائع بل ~~قبحه مستقر في كل فطرة وعقل. لكن غيرت الشياطين فطر أكثير الخلق وعقولهم ~~وأفسدتها عليهم وأحالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله ~~الحسنى فقد أرسل تعالى رسله وأنزل كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم فازدادوا ~~بذلك نورا على نور يهدي الله لنوره من يشاء، بحلاف من أعطى حبه وخضوعه لغير ~~الله فهو في ظلمة الضلال {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب ~~العالمين} وهم لم يسووهم به في الخلق والرزق والتدبير والضر والنفع أنما ~~سووهم به في الحب والذل والخضوع ليقربوهم إلى المولى على خلاف ما هو مشروع. ~~قال تعالى: {والذين اتخذوا من دونه ms186 أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى} ومن كان في هذه الظلمات فلا ينظر إلى الآفات في جميع الأوقات ولا ~~يعرف الطريق الموصل إلى الآيات البينات فليس له تأمل ولا تدبر ولا تذكر ولا ~~تفكر فيما ينجيه ولا مخافة مما يرديه، قد غره الأمل وصار كما قال عز وجل: ~~{إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل} . # (النوع الثاني) من الشرك الذي يتعلق بذات المعبود شرك النصارى الجاعلين # PageV01P168 # معه إلها آخر لكنهم لم يعطلوا أسماء الرب ولا صفاته ولا ربوبيته، بل ~~جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها إنما جعلوا ذلك لأن أول ~~الإنجيل باسم الأب والأم والابن، كما أن أول القرآن بسم الله الرحمن ~~الرحيم، فظنوا أن الأب والأم والابن عبارة عن الزوج ومريم وعيسى، فحينئذ ~~قالوا ان الله ثالث ثلاثة، ولم يعلموا ان المراد بالأب هو الاسم وبالأم ~~كنية الذات المعبر عنها بماهية الحقائق وبالابن الكتاب وهو الموجود المطلق ~~لأنه فرع ونتيجة عن ماهية ما في اللوح المحفوظ، واليه أشار قوله تعالى: ~~{وعنده أم الكتاب} ومنه شرك عباد الشمس والنار وغيرهم فمن هؤلاء من يزعم ان ~~معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من ~~يزعم أنه إله من جملة الآلهة وانه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل عليه ~~واعتنى به، ومنهم من يزعم ان معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه ~~حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله عز وجل، فتارة تكثر تلك الآلهة إلى الله عز ~~وجل، وتارة تكثر تلك الوسائط المتخذة وسيلة إلى المقرب، وتارة تقل، فهم قد ~~جعلوا الشرك سببا في تحصيل بعض مقاصدهم وكل سبب لم يأذن به الله باطل مضر ~~لمتخذه فلا يتعاطى. وإذا حقق المؤمن ان الله سبحانه رب كل شيء وخالقه ~~ومليكه فانه لا ينكر ما خلقه الله تعالى من الأسباب كما جعل المطر سببا ~~للنبات قال الله تعالى: {وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض ~~بعد موتها وبث فيها من كل ms187 دابة} والشمس والقمر سببا لما بخلقه بهما والدعاء ~~سببا لما يحصل للمدعو له أو عليه والدواء سببا لذهاب الداء، قد نبه على ذلك ~~النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لم ينزل الله داء الا أنزل له شفاء" يعني ~~دواء علمه من علمه وجهله من جهله"، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث ~~أسامة بن شريك عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ " ان الله لم يضع داء ~~إلا وضع له دواء أو شفاء إلا داء واحدا" قالوا: يا رسول الله وما هو؟ قال: ~~" الهرم" وهذا يعم داء القلب والروح والبدن وأدويتها فقد أرشد صلى الله ~~عليه وسلم العرنيين لما شكوا له الوخم ووجع البطن أن يلحقوا ابل الصدقة ~~فيشربوا من أبوالها وألبانها وجعل الجهل داء ودواؤه سؤال العلماء. (قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة صاحب الشجة: "قتلوه قتلهم الله الا ~~سألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال") كما أن وجود الداء سبب ~~للألم، روى مسلم في صحيحه من حديث سهل بن حنيف عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "العين حق ولو أن شيئا سابق القدر لسبقته العين وإذا # PageV01P169 # استغسلتم فاغسلوا" وكذا السحر قال تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه} فهو سبب لألم الفؤاد ويوجب البغضاء والفرقة بين الزوجين، ~~والنار سبب للإحراق، والسكين سبب للقطع، والحبل سبب لإظهار الماء في الدلو، ~~وأكل الطعام سبب لذهاب ألم الجوع، وشرب الماء سبب لذهاب ألم العطش، والكدح ~~بالاجتهاد في تحصيل العلم سبب للفهم، والمتاجرة بالمال سبب لفائدة الربح، ~~وطاعة الله سبب لرضائه ورحمته، ومعصيته سبب لسخطه وانتقامه، فالأسباب ~~المنصوص عليها لا تنكر ولا يتكل عليها إذ في إنكارها نقص في العقل وفي ~~الاتكال عليها شرك في الدين وكل من الإنكار والاتكال منتف شرعا لكن قد ~~يتخلف المسبب عنه مع قيام السبب إذ الضار والنافع والمعطي والمانع هو الله ~~وحده قال تعالى: {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} وقال تعالى: {وما ~~رميت ms188 إذ رميت ولكن الله رمى} وكتخلف إحراق النار عن إبراهيم عليه السلام ~~حين وضع فيها، وحدة السكين حين أمرها الخليل على حلقوم ولده إسماعيل عليهما ~~السلام، ولا محيص عن الأخذ في الأسباب فليس المتوكل من فتح للسارق الباب، ~~ولا من قال أنا متوكل أستغني عن الطعام والشراب. قال أفضل الأحباب لمن سأل ~~أيعقل الناقة أم يتكل: "اعقلها وتوكل". وأفضل المتوكلين أشد عباد الله حرصا ~~على فعل الأسباب فقد أمر بإطفاء السراج والتسمية وإغلاق الأبواب ونفض الفرش ~~وطي الثياب وحفظ الصبيان أول الليل لانتشار الشياطين وهذا الباب لا يحصيه ~~العادون من سنن المرسلين فالأخذ فيها لا ينافي التوكل لأنه الانقطاع عن ~~جميع الخلق وتفويض الأمور إلى الملك الحق وحده. وحينئذ فلا بد أن يعرف فيها ~~ثلاثة أمور. # (أحدها) : أنها لا تستقل بالمطلوب بل تتعاطى عن غير ركون إليها ومع هذا ~~فلها موانع، فان لم يكمل الله الأسباب ويدفع الموانع لم يحصل المقصود وهو ~~سبحانه ما شاء كان وان لم يشأ الخلق، وما لم يشأ لم يكن وان شاءه الخلق. # (الثاني) : أنه غير جائز اعتقاد أن الشيء سبب إلا بعلم فمن أثبت شيئا ~~سببا بلا علم أو بما يخالف الشريعة كان مبطلا في إثباته آثما في اعتقاداته. # PageV01P170 # (الثالث) : ان الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ شيء منها سببا إلا أن ~~يكون مشروعا إما استحبابا أو مأذونا، فان العبادات مبناها على التوقيف، فلا ~~يجوز للإنسان أن يشرك بالله ما لم ينزل به سلطانا وان يقول على الله بلا ~~علم فيدعو غير الله بما لا يقدر عليه إلا هو سبحانه وتعالى، وان ظن أن ذلك ~~سبب في حصول غرضه لاعتقاده ان ذلك المدعو يشفع له فيما دعاه فيه لأنه جنس ~~ما اعتقده الأولون في آلهتهم، وكذلك لا يجوز أن يعبد الله بالبدع المخالفة ~~للشريعة وان ظن ان ذلك سبب في حصول ما يطلبه من أغراض دنيا أو ثواب آخرة ~~على زعم اعتقاده، فان الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك ~~وقد يحصل ms189 له بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراضه فلا يحل له ذلك إذ المفسدة ~~الحاصلة بذلك أعظم من المصلحة الحاصلة به والرسول صلى الله عليه وسلم إنما ~~بعث لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها فما أمر الله به ~~فمصلحته راجحة وما نهى عنه فمفسدته راجحة {ومن لم يجعل الله له نورا فما له ~~من نور} . # (من ذلك) : قول المحرمات وقول السخريات ليتوصل بها إلى تحصيل شيء من ~~أمتعة الدنيا أو القرب لدى ملك من ملوكها قال تعالى: {واجتنبوا قول الزور * ~~حنفاء لله غير مشركين به} وكل شرك زور ولا عكس وقال تعالى: {ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار} . # (ومنه) : التداوي بالمحرمات مطلقا فلم يجعل الله الشفاء فيما حرمه بل ~~نزعه عنه وأوهنه، والبدع التي ليست من شريعة الإسلام في شيء بل هي من شعب ~~الشرك الظاهرة كأتربة أضرحة القبور لا يحل استعمالها أدوية ولا تعاطيها لما ~~في استعمالها من الاعتقادات الباطلة والمفاسد في الدين الظاهرة فهي أشبه ما ~~فعله المشركون الأولون بآلهتهم من تعظيم الأصنام والتبرك والتمسح بها في كل ~~مشهد خاص وعام. # (ومنه) : ما اعتنى به بعض الأغبياء الجهال وعوام الضلال دعوتهم بدعاء ~~تمخيشا وتمشيشا، ودعوتهم في الشدائد بأسماء أصحاب الكهف وشمبخ وغيرهم ~~وبالدعوات المجهولات يزعمون أن هذه من الأسماء العظام والأدعية المستجابات ~~وأنه من الإنجيل والتوراة، فكل هذا من تلبيس إبليس على هؤلاء الجند الذين ~~اختاروه واختارهم فلسنا ملتزمين في شريعتنا ملة الإسلام بتلك الأدعية في ~~الصباح والمساء ولم # PageV01P171 # يقل بها أحد من العلماء الألباء، بل الأغبياء السفهاء من القصاص اختاروها ~~لتغرير العوام وجمع الحطام فلم يعاملوا الله بالإخلاص، قال الله تعالى: ~~{ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} وأما الأسماء المنهي عنها فان الشيطان ~~يظهر تأثيرات ويوري تلبيسه فيها منافع ظاهرا في أكثر الأحيان وهي حسرات، بل ~~قد يكون التلفظ بتلك الكلمات كفرا لا يعرف معناها بالعربية قال تعالى: {ما ~~فرطنا في الكتاب من شيء} وكل واسطة أو وسيلة نهى الشارع عنها لا يجوز ~~اتخاذها في جلب نفع أو كشف ms190 ضر قال سبحانه وتعالى: لا وقال تعالى: {وإن ~~يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها ~~آخر} قال قتادة كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم أشركوا فأمر ~~الله المسلمين أن يخلصوا له الدعوة إذا دخلوا مساجدهم، وقال سعيد بن جبير ~~المساجد الأعضاء التي يقع عليها السجود مخلوقة لله فلا تسجدوا عليها لغيره، ~~والأعضاء التي يستعمل بها الإنسان ومن جملتها اللسان الذي هو ترجمان الجنان ~~في كل ما يريد ابداءه من خير ينفعه أو ضر يضره قال تعالى: {له دعوة الحق ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ ~~فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} وقال تعالى: {من ذا الذي ~~يشفع عنده إلا بإذنه} أي لا أحد، فلا يدانيه سبحانه أحد، ولا يستقل سواه ~~تعالى بما أراده ولا يعطي لما منعه، فهذه الأسباب التي تتخذ وسائط ووسائل ~~في الجلب والدفع اللذين لا يقدر عليهما إلا الله وحده منفية بالآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية إلا أسبابا وردت عن الله أو رسوله كالتوحيد ~~والصلاة بحضور قلب وخشوع وذل وانكسار والدعاء والاستغفار بعد الإقلاع عن ~~الذنب والندم على فعله والعزم على أن لا يعود إليه والأعمال الصالحة من ~~صدقة وصلة رحم وطاعة الله وتقواه فهي الأسباب في جلب الخير ودفع الشر كما ~~صرح به القرآن والسنة. # (القسم الثاني) : من قسمي تعطيل معاملته تعالى وتقدس ما لا يخرج عن الملة ~~ولا يوجب له حكم الكفار بل ينهى فاعله ويؤدب عليه وهو الشرك الأصغر فمنه ~~الرياء والسمعة بقطع النظر عن صحة العبادة إذ إخلاص النية شرط لصحتها وهو ~~يصدر ممن يعتقد ويقول لا إله إلا الله وانه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع إلا ~~الله وحده ولكن # PageV01P172 # لا يخلص في معاملته وعبوديته بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ~~ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب ~~ولنفسه وحظه وهواه نصيب وللشيطان نصيب، وهذا حال ms191 أكثر الناس زيادة عن الأول ~~وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في ~~صحيحه: "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل قال أبو بكر رضي الله عنه ~~كيف يا رسول الله ننجوا منه قال قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا ~~أعلم وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك قال تعالى آمرا نبيه صلى الله ~~عليه وسلم: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان ~~يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} أي كما أنه ~~إله واحد لا إله سواه، كذلك ينبغي أن تكون العبادة كلها له وحده فكما تفرد ~~بالألوهية يجب أن ينفرد بالعبودية، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "قال الله عز وجل أنا أغنى الشركاء عن الشرك من ~~عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" وفيه أيضا عن أبي سعيد مرفوعا: " ~~ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول ~~الله قال الشرك الخفي يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ~~إليه" فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة وكان من دعاء عمر ~~بن الخطاب رضي الله عنه اللهم اجعل عملي كله لك صالحا واجعله لوجهك خالصا ~~ولا تجعل لأحد فيه شيئا. # وهذا الشرك يبطل الثواب من أصله أو العمل أيضا لما تقدم، فمن أراد بعمله ~~غير وجه الله أو نوى شيئا غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه فقد أشرك في ~~نيته وإرادته، والإخلاص هو أن يخلص لله في أقواله وأفعاله وإرادته ونيته، ~~فهذه هي حقيقة ملة إبراهيم التي أمر الله بالقيام بها عباده كلهم ولا يقبل ~~من أحد غيرها وهي حقيقة الإسلام {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين} وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه ~~السفهاء لأنه قد هان ms192 عليه أمر خالقه فعصاه، ونهيه فارتكبه، وحقه فضيعه، ~~وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه، فكان هواه آثر عنده من رضاه وطاعة المخلوق أهم ~~عنده من طاعة مولاه فيجعل لله الفضلة من قلبه وقوله وعمله، وسواه المقدم في ~~ذلك لأنها المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه، وهو في قبضته ~~وناصيته في يده، ويعظم نظر المخلوق إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه ~~يستحي من الناس، ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل # PageV01P173 # الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وان عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، ~~وان قام في خدمة إلهه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد فرغ ~~له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه ان ساعده ~~القدر قام قياما لا يرضى مثله مخلوق وبذل من ماله ما يستحي ان يواجه به ~~مخلوق لمثله وإذا هو أجهل الجاهلين وأمقت الممقوتين وأظلم الظالمين وأهلك ~~الهالكين ممن عصى ربه من العاصين. # (ومنه الحلف) بغير الله رواه الإمام أحمد وأبو داود من حديث ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فقد كفر وأشرك" رواه ~~الترمذي وقال هذا حديث حسن، قال وفسر أهل العلم هذا الحديث أن قوله كفر ~~وأشرك على التغليظ فيكون الشرك الأصغر. قال ابن مسعود وغيره لأن أحلف بالله ~~كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا. وإنما قال ذلك لأن حسنة التوحيد ~~أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. # (ومنه) قول القائل للمخلوق ما شاء الله وشئت كما ثبت عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال صلى الله عليه وسلم: "أجعلتني ~~لله ندا قل ما شاء الله وحده" هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة قال ~~تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} فكيف بمن يقول أنا متوكل على الله وعليك، ~~وأنا في حسب الله وحسبك، ومالي إلا الله وأنت، وهذا من الله ms193 ومنك، أو من ~~بركات الله وبركاتك، والله ولي في السماء وأنت ولي في الأرض، أو يقول والله ~~وجاه فلان، أو أنا تائب إلى الله وإلى فلان، وأرجو الله وفلانا، وفي ذلك. ~~فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول ذلك القائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ما شاء الله وشئت ثم انظر أيهما أفحش يتبين لك أن قائلها أولى بجوابه صلى ~~الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة وأنه إذا كان قد جعله لله ندا بها فقد جعل ~~من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من تلك الأشياء بل لعله ~~أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين، وفي مسند الإمام أحمد "أن رجلا أتى به ~~قد أذنب ذنبا وهو أسير فلما وقف بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم قال ~~اللهم أني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال النبي صلى الله عليه وسلم عرف ~~الحق لأهله". # ونحن لم نكفر الناس ونجاهدهم بهذا القسم الثاني بل بالأول، وعليه فانه ~~أمر مجمع عليه مع أنهم هم الذين بدؤنا بالجهاد ليرجعونا عما كان عليه النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الدين القويم الذي هو المراد إلي ما كنا ~~عليه أولا من أنواع الباطل والفساد # PageV01P174 # زاعمين أن اليهود والنصارى أخف شرا منا ومن مال إلينا، ونحن إنما ندعو ~~إلى العمل بالقرآن العظيم والذكر الحكيم الذي فيه كفاية لمن اعتبر وتدبر، ~~وبعين بصيرته نظر وفكر، فانه حجة الله وعهده ووعيده ووعده وأمانه ورفده ومن ~~تبعه عاملا بما فيه جد جده، وعلا مجده، وبان رشده، وبان سعده، والتوحيد ليس ~~هو محل الاجتهاد فلا تقليد فيه ولا عناد. # PageV01P175 ### | النفاق نفاقان # (وأما قولكم وكذلك النفاق نفاقان، نفاق اعتقاد، ونفاق عمل، فنفاق ~~الاعتقاد هو الذي ذكر الله أن أهله في الدرك الأسفل من النار وهو كثير في ~~القرآن، ونفاق العمل كما في الحديث الصحيح آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب ~~وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان وفي بعضها أربع بزيادة وإذا خاصم فجر فهذا ~~نفاق ms194 عملي مجتمع مع أصل الإيمان) . # فنقول: هذا الحديث الذي خرج في الصحيح ليس فيه بحمد الله إشكال ولكن ~~اختلف في معناه والذي قاله المحققون والأكثرون وهو الصحيح المختار عند أهل ~~السنة والجماعة كما حكاه شراح الحديث ان هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها شبيه ~~بالمنافقين في هذه الخصال متخلق بأخلاقهم، فان النفاق إظهار ما يبطن خلافه، ~~وهذا المعنى موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه في حقه من حدثه ووعده ~~وائتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، لا أنه منافق في الإسلام ويظهره وهو يبطن ~~الكفر ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم بهذا انه منافق نفاق الكفار ~~المخلدين في الدرك الأسفل من النار فقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الآخر الذي رواه مسلم كان منافقا خالصا معناه شديد الشبه بالمنافقين بسبب ~~هذه الخصال، قال بعض العلماء وهذا فيمن كانت هذه الخصال غالبة عليه فأما من ~~يندر ذلك منه فليس هو داخلا فيه، فهذا هو المختار في معنى الحديث، وقد نقل ~~الإمام أبو عيسى الترمذي معناه عن العلماء مطلقا فقال إنما معنى هذا عند ~~أهل العلم نفاق العمل، وقال جماعة من العلماء المراد به المنافقون الذين ~~كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثوا بإيمانهم فكذبوا وائتمنوا ~~على دينهم فخانوا ووعدوا في أمر الدين ونصره فاخلفوا وفجروا في خصوماتهم ~~ومن كانت حاله كذلك # PageV01P175 # فهو منافق حقا، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد رجع إليه ~~الحسن البصري رحمه الله بعد أن كان على خلافه، وهو مروى عن ابن عباس وابن ~~عمر رضي الله عنهم ورووه أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال ~~القاضي عياض واليه مال كثير من أئمتنا، وحكى الخطابي قولا آخر معناه ~~التحذير للمسلم أن يعتاد هذه الخصال التي يخاف عليه بها أن تفضي به إلى ~~حقيقة النفاق، وحكى الخطابي أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل بعينه ~~منافق وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان ~~منافق ms195 وإنما يشير إشارة كقوله صلى الله عليه وسلم ما بال أقوام يفعلون كذا ~~وقوله صلى الله عليه وسلم في الرواية الأولى التي رواها مسلم في صحيحه أربع ~~من كن فيه كان منافقا وفي الرواية الثانية آية المنافق ثلاث لا منافاة ~~بينهما فان الشيء الواحد قد يكون له علامات كل واحدة منها يحصل بها صفته ثم ~~قد تكون تلك العلامة شيئا واحدا وقد تكون أشياء، ومعنى قوله وإذا عاهد غدر ~~داخل في معنى وإذا ائتمن خان لأن العهد أمانة ومعنى قوله وإذا خاصم فجر أي ~~مال عن الحق وقال الباطل والكذب، قال أهل اللغة وأصل الفجر الميل عن القصد، ~~ومعنى آية المنافق أي علامته ودلالته فمنه يعلم أن كفر عمل الجوارح ونفاق ~~عملها ليس مما نحن فيه إنما القصد الكلي والفائدة العظمى لمن عقلها عمل ~~القلب وهو اعتقاده وقبوله لما جاء عن الله وأرسل به محمدا عبده ورسوله من ~~ان الدين كله لله. قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله ~~لله} وقد أجمع الصحابة ومن بعدهم رضي الله عنهم أن المراد بالفتنة هنا ~~الشرك ونحن لم نؤم إلا إليه ولم نجاهد إلا عليه. # PageV01P176 ### | حكم ما يفعله العوام من الدعاء والهتف # (وأما قولكم فقد عرفت من هذا كله أن ما يفعله العوام من دعاء الأولياء ~~والهتف بهم عند الشدائد والطواف بقبورهم وتقبيل جدرانهم والنذر لهم بشيء من ~~أموالهم هو من الكفر العملي لا الاعتقادي فإنهم مؤمنون بالله وبرسوله ~~وباليوم الآخر لكن اعتقدوا ان هؤلاء عباد الله الصالحين ينفعون ويشفعون ~~ويضرون جهلا منهم كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك في الأصنام لكن فرق ما بين ~~الفريقين فان هؤلاء يثبتون # PageV01P176 # التوحيد لله لا يجعلون الأولياء شركاء له تعالى، وأولئك قد جعلوا الأصنام ~~شركاء له فأولئك كفرهم كفر اعتقاد وهؤلاء أعني ضعفة العقول من العوام ~~الموحدين لله معترفون بتوحيده ومصدقون الرسول بجميع ما جاء به من عند ربه ~~وحكم أولئك من القتل والسبي، وأما هؤلاء فالواجب على العلماء وعظهم ~~وتعريفهم وتفهيمهم جهلتهم، وزجرهم ms196 عن فعلهم ذلك لو أصروا عليه بعد ذلك ولو ~~بالتعزير البليغ والضرب الشديد كما أمرناهم بحد الزاني والسارق وشارب ~~الخمر، ولا يخرجون به عن الملة ويدل على ما قلناه دلالة صريحة قوله صلى ~~الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عنه "أربع في أمتي من عوراء الجاهلية لا ~~يتركونهن الفخر في الأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة ~~على الميت" أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مالك الأشعري فهم مع إتيانهم ~~بهذه الخصال الجاهلية أضافهم إلى نفسه ولم يخرجهم عن أمته فقال في أمتي) . # فنقول: هذا تفريع على ما تقدم من تقسيم الكفر إلى كفرين والنفاق إلى ~~نفاقين، أي لما انقسم الكفر إلى عملي واعتقادي وميزانهما، علمنا أن ما ~~يفعله العوام من دعاء الأولياء والهتف بهم عند الشدائد من الكفر العملي لا ~~الاعتقادي وعلله بأنهم مؤمنون بالله وبرسوله وباليوم الآخر وبأنهم لم ~~يجعلوا الأولياء شركاء لله ثم أثبت لهم الاعتقاد الذي نتيجته عين ما نفاه ~~أولا عنهم فهو سببه ولا ينشأ إلا منه وهو قوله لكن اعتقدوا أن هؤلاء عباد ~~الله الصالحين ينفعون ويشفعون ويضرون جهلا منهم كما اعتقد أهل الجاهلية ذلك ~~في الأصنام وهل هذا إلا تناقض فيما قاله ونفاه وتناقض فيما اعترض به وادعاه ~~وتعاكس فيما فرعه وعناه وتشاكس في تعليله وفحواه. وذلك من وجوه. # (أحدها) : إثباته عين ما نفاه أولا فقال أنهم اعتقدوا اعتقاد أهل الأصنام ~~فيها. # (الثاني) : أنه جعل هذا الاعتقاد كفرا عمليا يعني به عمل الجوارح الظاهرة ~~لأن كلامه فيما تقدم ينكر عمل القلب. # (الثالث) : جعله الدعاء والهتف ليسا نتيجة الاعتقاد بل يصدران ممن ~~اعتقاده منحصر في الله وهو يدعو غيره ويلتجىء إليه فيما لا يقدر عليه إلا ~~الله وحده # PageV01P177 # ويهتف بذكره عند الشدائد وغيرها ليجلب له أو يدفع عنه وهو لا يعتقد فيه ~~القدرة على شيء مما طلبه منه وهذا محال أن يطلب أحد غيره شيئا أو يدعوه منه ~~وهو يعلم ويعتقد أنه لا يقدر عليه ولا يوصل مطلوبه ومقصوده إليه وصريح ~~كلامه متناقض ms197 في ذلك فانه قال لكن اعتقدوا أن هؤلاء عباد الله الصالحين ~~ينفعون ويشفعون ويضرون بعد قوله هو من الكفر العملي لا الاعتقادي. # (الرابع) : زعمه إسقاط التكليف والعذر بالجهل بعد بلاغ الدعوة وانتشارها ~~كما لو لم تكن. # (الخامس) نفيه الشرك عن معتقد النفع والضر والعطاء والمنع في غير الله ~~حيث لم يصرح بان هذا الضار والنافع والمعطي والمانع شريك لله كتصريح ~~الأولين بالشريك معه تعالى، ولم يعلم ان قصد الأولين بالشريك من حيث أنه ~~يشفع لهم عند الله بما أرادوا منه ويعطي ويمنع بأمره تعالى ما طلبوه ولذلك ~~قالوا في تلبيتهم إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فهم يزعمون أنه شريكه في ~~عبادته ومعاملته لا في تدبيره وإرادته ونفي هذا الشريك باللسان، واعتقاد ~~معناه في الجنان لا يوجب نفيه حقيقة ولا أنه شريك له تعالى في ملكه أو خلقه ~~أو رزقه العباد، أو تدبيره الأمور، هذا لم يقولوا به، بل صرحوا بأن ذلك كله ~~لله وحده كما قررهم به وعرفهم. بنعمته قال تعالى: {قل من يرزقكم من السماء ~~والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من ~~الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله} وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن ~~كنتم تعلمون *سيقولون لله} ولا انه شريك له يملك الضر والنفع قال تعالى: ~~{قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون ~~لله} وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون} وهم كانوا يدعون الله وحده عند ~~نزول الشدة ويخلصون له فيها الدعوة قال تعالى مخبرا عنهم بذلك: {وإذا غشيهم ~~موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} فالدعوة التي أشركوا فيها غيره ~~ليتوصلوا به في قضائها إليه هي الشرك الموجب لسخطه وغضبه والخلود في عذابه ~~والدعوة المختصة بجلاله المسؤولة من نيل أفضاله المخاطب بها عين كمال ذاته ~~هي الدين الخالص الذي # PageV01P178 # أمر به ووعد عليه الإجابة والإنابة ms198 لكن من قدر عليه الشقاء فالأول حاله ~~حتى ان تصبيه الشدة فيخلص لله الدعوة، فإذا استجاب الله دعاءه وأنعم عليه ~~مولاه جاءته الاستحالة {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه ~~الشر فذو دعاء عريض} ومن وفق الإنصاف بالإخلاص رأى وشاهد بحديقة عين رأسه ~~وبصيرة عين جنانه، وتأمل بقلبه أحوال هؤلاء المدعين الإيمان، مع أحوال ~~الأولين وجدهم في أصل دين واحد ومعناه متفقين، وفي تركه جملة مختلفين، إذ ~~الأولون يشركون تارة ويخلصون أخرى التي هي للدعاء أولى، وأما هؤلاء فإنهم ~~أكثر شركا في هذه التي هي محل الإخلاص لملك الناس زيادة على التي قبلها من ~~عدم حصول الشدة والبأس. # (السادس) : أنه قد زعم أن مجرد التصديق بالله وبرسوله وباليوم الآخر هو ~~معنى التوحيد المقصود من لا إله إلا الله، وان ليس لها من المعنى إلا ذلك، ~~فظن ان معناها خاص بتوحيد الربوبية، وأن الله خالق كل شيء ومرسل الرسل ~~ومنزل الكتب ومحيي ومميت ومجاز بالأعمال، وهذا هو الذي يسمونه أهل الكلام ~~توحيد الأفعال حتى قد غلط في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر والكلام وأهل ~~الإرادة والعبادة فقلبوا حقيقته عن موضوعه، فطائفة ظنت أن التوحيد هو مجرد ~~إقرار لسان العبيد بربوبيته تعالى، وأنه خالق كل شيء، وأنه على كل شيء ~~وكيل، وطائفة ظنت أن توحيد الربوبية هو الغاية، والفناء فيه هو النهاية، ~~وان من شهد ذلك سقط عنه استحسان الحسن واستقباح القبيح، فآل بهم الأمر إلى ~~تعطيل الأمر والنهي والوعد والوعيد، ولم يفرقوا بين مشيئة الله الشاملة ~~لجميع المخلوقات، وبين محبته ورضاه المختصة بالطاعات، وبين كلماته الكونيات ~~التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وما حجهم في ذلك إلا لشمول القدر كل مخلوق ~~وكلماته الدينيات التي اختص بموافقتها أنبياؤه وأولياؤه، وطائفة ظنت أن ~~التوحيد هو نفي الصفات بل نفي الأسماء الحسنى أيضا. يسمون أنفسهم أهل ~~التوحيد وأثبتوا ذاتا مجردة عن الصفات وزعموا أن إثبات الصفات يستلزم ~~التركيب والعقل ينفيه فقد علم بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول أن ذلك ~~لا يكون ms199 إلا في الأذهان لا في كل الأعيان والله سبحانه وتعالى ذاته لا تشبه ~~الذوات وصفاته لا تشبه الصفات {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} لم يزل ~~موصوفا بما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. # PageV01P179 # (السابع إثباته) معنى الألوهية أنها القدرة على اختراع الخلق والتدبير لا ~~على الضر والنفع والعطاء والمنع، فمن قال لا اله إلا الله واعتقد أنه لا ~~يقدر على اختراع الخلق والتدبير إلا الله فلا شريك له في ذلك، كان ذلك هو ~~معنى قوله لا إله إلا الله، وان اعتقد الضر والنفع والشفاعة المنفية التي ~~هي بغير إذنه والتقريب والتبعيد اللذين لا يكونان إلا بطاعته وإتباع رسله ~~فيما جاؤا به من عنده في غيره من العبيد فلا يضره هذا الاعتقاد ولا تكون ~~فتنة ولا في الدين فساد، حيث قال بلسانه لا اله إلا الله وصرف معنى ~~الألوهية في معنى الربوبية، ولم يعلم أن مشركي العرب كانوا مقرين بهذا ~~المعنى معترفين به فلم يقولوا أن العالم له خالقان أو مدبران بل الخالق ~~والمدبر واحد {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ~~ليقولن الله فأنى يؤفكون} وقال تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء ~~فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا ~~يعقلون} فهذا التوحيد من الواجب على العبيد، ولكن لا يحصل به التوحيد لإله ~~كل العبيد، ولا يخلص بمجرده عن الشرك الذي هو أكبر الكبائر ولا يغفره الله ~~يوم تبلى السرائر. بل لا بد أن يخلص الدين كله لله فلا يتأله بقلبه غير ~~الله ولا يعبد إلا إياه مخلصا له الدين ولو كره الكافرون. # (الثامن) : زعمه أن المشركين الأولين كانوا يعتقدون النفع والضر والعطاء ~~والمنع من غير رب العالمين، ويرد هذا صريح قوله تعالى: {قل أرأيتكم إن ~~أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه ~~تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشركون} وقوله تعالى: ms200 {وإذا ~~غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} وقوله تعالى: {وما يؤمن ~~أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} وقوله تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون} وهذه ~~الآية مع قوله تعالى: {واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين * قال هل يسمعونكم إذ تدعون * ~~أو ينفعونكم أو يضرون * قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} فقطع مادة من ~~ادعى أنهم كانوا يعتقدون النفع والضر في غيره سبحانه وتعالى، وفي المسند ~~والترمذي من حديث حصين بن المنذر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: ~~"يا حصين كم إلها تعبد قال سبعة ستة في الأرض وواحد في السماء، قال فمن ~~الذي # PageV01P180 # تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء قال له أسلم حتى أعلمك كلمات ينفعك ~~الله بهن فأسلم فقال له فل اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي" وكثير ممن ~~يتكلم في هذه الحقيقة الكونية وبشاهدها التي يشترك فيها وفي شهودها ~~ومعرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر حتى إبليس معترف بها في قوله {رب ~~فأنظرني إلى يوم يبعثون} وقوله {قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ~~ولأغوينهم أجمعين} وقوله {فبعزتك لأغوينهم أجمعين} وقوله {أرأيتك هذا الذي ~~كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته} . وأمثال هذا من الخطاب ~~الذي يعترف فيه بأن الله ربه وخالقه ومليكه، وان ملكوت كل شيء بيده، ~~فالمشركون الأولون إنما عبدوا غير الله بالمحبة التي كحب الله راجين بها ~~التقرب والتقريب إليه طالبين منهم الشفاعة لديه في قضاء الحوائج وما ~~يحتاجون إليه، ومعبودهم ذلك هو عندهم واسطة الشفاعة ووسيلة التقريب ويعبرون ~~عنه بالإله لأن قلوبهم قد تألهته برجائها منه ما أملته مما ليس للعبيد مدخل ~~فيه، وتارة تكثر تلك الآلهة، وتارة تقل بحسب اعتقاد من هي له، قال سبحانه: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال ~~تعالى: {ويعبدون من دون ms201 الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله} فسمى محبتهم المساوية لحب الله التي يرجونهم ويلتجؤن إليهم بها ~~فيدعونهم سببا في قضاء حوائجهم عند خالقهم عبادة، وأنكر تعالى ذلك عليهم ~~وعابهم به ورده في قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} وقال جل شأنه: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين ~~يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا} وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون ~~إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الأنسان كفورا} وقال تعالى: {أم ~~اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل ~~لله الشفاعة جميعا} وقال تعالى: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} وهم قد أقروا بأن الله سبحانه ~~مالك الأشياء كلها وأنه الضار النافع المعطي المانع الذي لا رازق سواه ولا ~~مدبر ولا قابض # PageV01P181 # ولا باسط ولا مخرج الحي من الميت ولا مخرج الميت من الحي إلا هو وحده لا ~~شريك له في ذلك، لكنهم قد جعلوا بين الله سبحانه وبينهم وسائط من خلقه ~~ليقربوهم ويحببوهم إليه ويشفعوا لهم في قضاء حاجاتهم عنده، وذلك بطرق ~~مختلفة، ففرقة قالت ليس لنا أهلية عبادة الله بلا واسطة لتقربنا إليه ~~لعظمته، وفرقة قالت الملائكة ذوو وجاهة عند الله فاتخذنا صورهم من أجل حبنا ~~لهم ليقربونا إلى الله، وفرقة جعلتهم قبلة في عبادة الله والتبتل إليه كما ~~أن الكعبة قبلة في عبادته، وفرقة اعتقدت أن على كل صورة مصورة على صورة ~~الملائكة والأنبياء وكيلا موكلا بأمر الله فمن أقبل عليه وتبتل إليه قضى ~~ذلك الوكيل ما طلب منه بأمر الله وإلا ms202 أصابه بنكبة بأمره. # (التاسع) : جعله هذا الشرك الأكبر ذنبا ليس فيه إلا التعزير مع الإصرار ~~مع قوله فيما تقدم هو من الكفر العملي وهو لا يكون إلا في الكبائر والتعزير ~~إنما هو في الصغائر. # (العاشر) : زعمه وادعاؤه أنه من العلماء الآمرين بحد الزاني والسارق ~~والشارب، والآمر بذلك الله في كتابه وعلى لسان رسوله والعلماء الأعلام ~~ويظهرون أمر ألله ولا يكتمونه، ففي زعمه ذلك ادعاء أنه من العلماء وأنه من ~~الآمرين ولا يخفى ما فيه من التزكية لنفسه، قال ابن مسعود وعمر من قال أنا ~~مؤمن فهو كافر، ومن قال هو في الجنة فهو في النار ومن قال هو عالم فهو ~~جاهل، والله يقول: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} . # (الحادي عشر) : استدلاله على ما ادعاه بقوله صلى الله عليه وسلم أربع في ~~أمتي من أمور الجاهلية لا يتركونهن الفخر في الاحساب والطعن في الأنساب ~~والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت. أما الفخر في الاحساب فمعناه ~~الافتخار بشجاعة الأجداد وكرمهم أو صفة من الصفات الممدوحة فيهم وهذا شأن ~~الأولين، وأما الطعن في الأنساب فهو نسبة الرجل لغير أبيه ينفونه عنه وهذا ~~الرجل مطعون في نسبه مقذوفة أمه. وأما الاستسقاء بالنجوم فقد روى البخاري ~~ومسلم عن زيد بن خالد الجهني [قال صلى لنا رسول الله صلاة الصبح بالحديبية ~~على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا ~~قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال # PageV01P182 # أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك ~~مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن ~~بالكواكب، ولهما من حديث ابن عباس معناه وفيه قال بعضهم لقد صدق نوء كذا ~~وكذا فأنزل هذه الآية {فلا أقسم بمواقع النجوم. .. إلى قوله ... وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون} وقد اختلف العلماء في كفر من قال مطرنا بنوء كذا وكذا ~~على قولين. # (أحدهما) : هو كفر بالله سبحانه وتعالى سالب لأصل الإيمان مخرج عن ملة ms203 ~~الإسلام، قالوا وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب له سبب ومدخل في إنشاء ~~المطر كما كان أهل الجاهلية يزعمون ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره. وهذا ~~القول هو الذي إليه جماهير العلماء والشافعي منهم وهو ظاهر الحديث قالوا ~~وعلى هذا لو قال مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من الله وبرحمته وان النوء ~~ميقات له وعلامة اعتبارا بالعادة فكأنه قال مطرنا في وقت كذا فهذا لا يكفر ~~واختلفوا في كراهته والأظهر كراهة تنزيه لا إثم فيها وسبب الكراهة أنها ~~كلمة مترددة ببن الكفر وغيره فيساء الظن بصاحبها ولأنها شعار الجاهلية ومن ~~سلك مسلكهم. # (والقول الثاني) في أصل تأويل الحديث أن المراد كفر نعمة الله لاقتصاره ~~على إضافة الغيث إلى الكوكب، قالوا وهذا فيمن لا يعتقد تسبب الكوكب وانشاءه ~~المطر وإلا فلا شك في كفره. # وأما النياحة فهي رفع الصوت برنة ومنها لطم الخد وشق الجيب. وفيه قال ~~النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع ~~من جرب. # وهذه الأمور منها ما هو معصية لا تحرج عن الملة، ومنها ما هو مخرج عنها ~~بشرطه وإضافة فاعليها إلى نفسه وجعله من أمته لا منافاة فان العاصي لا يخرج ~~بعصيانه عن أمة الإجابة. ومراد النبي صلى الله عليه وسلم في المستسقي إذا ~~لم يعتقد الكوكب له مدخل في المطر فهو من أمته عامل عمل الجاهلية في قوله ~~مطرنا بالنوء وإلا فهو من أمة الدعوة لا من أمة الإجابة. وفرق بين خصال ~~الذنوب التي تحت مشيئة علام الغيوب وان شاكلت أهل الجاهلية في مجرد الاسم ~~لا في الحقيقة والاعتقاد، وبين الشرك الذي هو أظلم الظلم # PageV01P183 # وأقبح القبائح وأنكر المنكرات وأبغض الأشياء إلى الله أكرهها له وأشدها ~~مقتا لديه، ورتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يترتب على ذنب سواه. ~~وأخبر أنه لا يغفر وأن أهله نجس ومنعهم من قربان حرمه، وحرم ذبائحهم ~~ومناكحهم قطع الموالاة بينهم وبين المؤمنين وجعلهم أعداء له سبحانه ~~ولملائكته ورسله والمؤمنين. وأباح ms204 لأهل التوحيد أموالهم ونساءهم وأبناءهم ~~وان يتخذوهم عبيدا لما تركوا القيام بحقه وعطلوا معاملته المتضمنة لألوهيته ~~وما ذاك إلا أنه هضم لحق الربوبية ونقص لعظمة الألوهية وسو الظن برب ~~العالمين. كما قال تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ~~الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم ~~جهنم وساءت مصيرا} فلم يجمع على أحد من الوعيد والعقوبة ما جمع على أهل ~~الإشراك فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ولو أحسنوا به الظن لوحدوه ~~حق توحيده. ولهذا أخبر سبحانه عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره في ثلاث ~~مواضع من كتابه. كيف يقدره حق قدره من جعل له عدلا وندا يحبه ويخافه ويرجوه ~~ويذل ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته والمؤثر لا يرضى بإيثاره. قال ~~تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين ~~آمنوا أشد حبا لله} فالمؤمن يحب في الله لا مع الله، والكافر يحب مع الله ~~كحب الله، قال تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات ~~والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} أي يجعلون له عدلا في العبادة والمحبة ~~والتعظيم. وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم كما ~~تقدم آنفا وعرفوا وهم في النار أنها كانت ضلالا وباطلا فيقولون لآلهتهم وهي ~~في النار معهم: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين} ~~ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الذات ولا في الصفات والأفعال ولا قالوا أن ~~آلهتهم خلقت الأرض والسموات أو أنها تحيي وتميت أو تدبر الكلام في ذلك ونقل ~~الآيات، وإنما ساووهم به في محبتهم لها تعظيمهم لها وعبادتهم إياها بدعائها ~~والدعاء حولها لتكون سببا وواسطة في حصول المطلوب، والتقريب إلى المحبوب، ~~كما عليه أهل الأشراك ممن ينتسب إلى الإسلام في قولهم لا اله إلا الله، ~~فإنهم أثبتوا لغيره تعالى قولا وفعلا واعتقادا معنى ما أثبتوه له في مجرد ~~القول وحصول ذلك إنما هو بسبب إتباع الهوى، وعموم البلوى، ms205 والجهل بكيفية ~~التوحيد الواجب على # PageV01P184 # العبيد. ولما اتبعوا أهواءهم وزين لهم الشيطان أعمالهم صدهم عن السبيل ~~فهم لا تهدون ويزعمون أنهم هم المهتدون، وما سبب ذلك إلا الإعراض عن كتاب ~~الله وعدم تدبر معانيه والعمل بما فيه، قال تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن ~~نقيض له شيطانا فهو له قرين * وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم ~~مهتدون} ونرى كثيرا منهم مع ارتكابهم أكبر الكبائر على الإطلاق يرتكبون ~~الكبائر ويجترحون المآثم والمظالم، ولا يبالون بالله بل يخافون المخلوق ما ~~لا يخافون الله، فيجعلون تلك المظالم قربات يتقربون بها إلى نبي أو ولي، ~~ويجعلون على قبره الأبنية والتوابيت وأكسية الديباج والحرير، وعلى قبته ~~أبواب الورق ليجلب لهم نفعا، ويدفع عنهم ضرا، ولو لم يفعلوا عادتهم تلك بل ~~اتفق أنهم تركوها وقت فعلها فحصل لهم أو عليهم أمر مزعج ومكدر لم يسندوه ~~إلا إليه لتقصيرهم بعدم صنيعهم. ومنهم من يأت القبر ويقف عليه ويظهر له كيس ~~النفقة خاليا فيومي بها إليه ويكلمه بما هو فيه من الشدة والفاقة وأنه ~~محسوب عليه، وليس فعله ذلك جهلا بل عنادا وبغيا زاعما أنه من الدين، ومما ~~يرضي رب العالمين. وهذا بعينه ما يفعله جميع عباد الأوثان بأوثانهم زيادة ~~على بذل النذور للأموات وسادنيها ليجلبوا لهم الخير ويدفعوا عنهم الشرور. ~~لكن طال الأمد ووجدت الغفلة، وحصل الران، حتى صار المعروف منكرا والمنكر ~~معروفا، فتغشية قبور الأنبياء والصالحين وهو سترها بغاشية ليس مشروعا في ~~دين الرسل، ولا يصح وقف ذلك على الأضرحة لأنه بدعة خبيثة من فعل عباد ~~الأصنام فان فعل فهو باق في ملك ربه فان جهل أو لم يكن موجودا ولا وارث له ~~فمال ضائع مرجعه لبيت المال إلا الكعبة فقط زادها الله تشريفا، وخصت به ~~كالطواف. # ومن العجب أن أهل الأشراك ينسبوننا إلى التنقص بالمشايخ والأنبياء ~~والصالحين وما ذنبنا إلا أنا قلنا لهم أنهم عبيد لا يملكون لأنفسهم ولا ~~لغيرهم ضرا، ولا نفعا، ولا موتا، ولا حياة، ولا نشورا، وأنهم لا يشفعون ~~لعابديهم أبدا، بل ms206 حرم الله شفاعتهم لهم ولا يشفعون لأهل التوحيد إلا بعد ~~إذن الله لهم في الشفاعة فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله له سبحانه، ~~والولاية له، فليس لخلقه من دونه ولي ولا شفيع، فالشرك والتعطيل مبنيان على ~~سوء الظن. ولهذا قال إمام الحنفاء عليه السلام # PageV01P185 # لخصمائه من المشركين أئفكا آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب لعالمين. ~~وان كان المعنى ما ظنكم به أن يعاملكم ويجازيكم به وقد عبدتم معه غيره ~~وجعلتم له ندا فأنت تجد تحت هذا التهديد ما ظنكم بربكم من السوء حتى عبدتم ~~معه غيره. فان المشرك إما أن يظن الله سبحانه وتعالى يحتاج إلى من يدبر أمر ~~العالم معه من وزير أو ظهير أو عوين، وهذا أعظم النقص لمن هو غني عن كل ما ~~سواه بذاته وكل ما سواه فقير إليه بذاته. وأما أن يظن أنه سبحانه إنما تتم ~~قدرته بقدرة الشريك. وأما أن يظن بأنه لا يعلم حتى يعلمه الواسطة، أو لا ~~يرحم عبيده حتى يجعله الواسطة يرحمهم، أولا يكفي وحده أن يفعل ما يريد ~~العبد حتى يشفع عنده الواسطة، كما يشفع المخلوق عند المخلوق، فيحتاج أن ~~يقبل شفاعته لحاجته إلى الشافع وانتفاعه به وتكثيره به من القلة وتعزيزه به ~~من الذلة، أو لا يجيب دعاء عباده حتى يسألوا الواسطة أن يرفع تلك الحاجة ~~إليه، كما هو حال ملوك الدنيا. وهذا أصل شرك الخلق أو يظن أنه لا يسمع ~~دعاءهم لبعده عنهم، حتى يرفع الوسائط إليه ذلك، أو يظن أن للمخلوق عليه ~~حقا، فهو يقسم عليه بحق ذلك المخلوق عليه، ويتوسل إليه بذلك المخلوق، كما ~~يتوسل الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته. وكل ~~هذا نقص للربوبية، وهضم في الألوهية، ولو لم يكن فيه إلا نقص محبة الله ~~وخوفه، ورجائه والتوكل عليه، والإنابة إليه من قلب المشرك، بسبب قسمة ذلك ~~بينه سبحانه وبين من أشرك به، فينقص أو يضعف أو يضمحل ذلك التعظيم والمحبة ~~والخوف والرجاء بسبب صرف أكثره أو بعضه ms207 إلى من عبده من دونه، فالشرك ملزوم ~~لنقص الرب سبحانه، والتنقيص لازم له ضرورة شاء المشرك أم أبى. ولهذا اقتضى ~~حمده تعالى وربوبيته أن لا يغفره وأن يخلد صاحبه في العذاب الأليم، ويجعله ~~أشقى البرية، فلا تجد مشركا قط إلا وهو متنقص لله سبحانه، وان زعم أنه ~~يعظمه بذلك كما أنك لا تجد مبتدعا إلا وهو متنقص للرسول، وان زعم أنه معظم ~~له بتلك البدعة فانه يزعم أنها خير من السنة وأولى بالصواب، ويزعم أنها هي ~~السنة ان كان جاهلا مقلدا وان كان مستبصرا في بدعته فهو مشاق لله ورسوله، ~~فالمنتقصون هم المنقصون عند الله ورسوله. وأولياؤهم أهل الشرك والبدعة ~~ولاسيما من بنى دينه على أن كلام الله ورسوله دلالة لفظية لا تفيد اليقين ~~ولا تغني من العلم واليقين شيئا، فيالله العجب أي شيء أسعد هذا من إيجاده ~~التنقيص، فأهل الشرك والبدعة من أعظم الناس تنقيصا ونقصا لبس عليهم إبليس ~~حتى ظنوا أن تنقصهم هو عين الكمال، وان لم يلاحظوه، ولهذا # PageV01P186 # كانت البدعة قرينة الشرك في كتاب الله سبحانه، قال تعالى: {قل إنما حرم ~~ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والأثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون} فالإثم والبغي ~~قرينان، والشرك والبدعة قرينان، وان افترقا في المعنى والحكم، فليس الموحد ~~إلا من شاهد المخلوقات بأمرها قائمة بأمر الله مدبرة بأمره، وشهد كثرتها ~~بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه رب المصنوعات، وإلهها، وما لكها، ومدبرها ~~مع اجتماع قلبه على الله إخلاصا له سبحانه وتعالى في معنى ألوهيته من محبته ~~وخوفه، ورجائه والاستعانة به والتوكل عليه وحصر الدعاء بالذي لا يقدر على ~~وجوده أو دفعه إلا الله عليه وحده، والموالاة والمعاداة فيه، وأمثال هذا ~~ناظر إلى الفرق بين حق الخالق والمخلوق. وذلك واجب في علم القلب، وشهادته، ~~وذكره، ومعرفته، وفي حال القلب وعبادته وقصده وإرادته ومحبته وموالاته ~~وطاعته، فهذا هو تحقيق شهادته لا اله إلا الله، فان قائل هذه الشهادة ms208 ينفي ~~عن قلبه ألوهية كل ما سوى الله كل ما سوى ألوهيته بحق، وثبت ألوهية الله ~~الملك المعبود بالحق، فيكون نافيا لألوهية جميع المخلوقات، مثبتا لألوهية ~~رب الأرض والسموات، وذلك بتضمن اجتماع القلب على الله، ومفارقته ما سواه، ~~فيكون مفرقا في علمه وقصده لله شهادته وإرادته في معرفته ومحبته بين الخالق ~~والمخلوق، بحيث يكون عالما بالله ذاكرا له، عارفا به وهو مع ذلك عالم ~~بمباينته لخلقه، وانفراده عنهم وحده بعبادته وأفعاله، وصفاته عنهم فيكون ~~محبا له لا معه، معظما له لا معه، عابدا له لا معه، راجيا له لا معه، خائفا ~~منه لا معه، محبا فيه، مواليا فيه، معاديا فيه، مستعينا به لا بغيره، ~~متوكلا عليه لا على غيره، ممتنعا عن عبادة غيره، فلا يجعل حقه تعالى لغيره. ~~وهذا المقام هو المعنى في إياك نعبد وإياك نستعين، وهو من خصائص الألوهية ~~المشهود بها، كما أن رحمته تعالى لعبيده وهدايتهم من خصائص الربوبية ~~وشهادته بهذه الألوهية مع العمل بها يضمن الشهادة بالربوبية، وهو أنه تعالى ~~رب كل شيء ومليكه وخالقه ومدبره، فحينئذ يكون موحدا داعيا الله وحده بما لا ~~يقدر عليه إلا هو عابده به متأله فيه فلا يدعو غيره بما لا يقدر عليه إلا ~~الله، لأنه عبادته مختص بجلاله. قال سبحانه وتعالى: {وقال ربكم ادعوني ~~أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} فسماه عبادة وأضافها إلى نفسه. ~~وروى النعمان بن بشير قال قال رسول # PageV01P187 # الله صلى الله عليه وسلم: "ان الدعاء هو العبادة" ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي} ~~رواه أبو داود والترمذي. وقال حديث حسن صحيح. فوجود العمل والعلم بالشهادة ~~شرط لصحة قولها. فإذا صحت كانت أفضل العبادات لوجود ما تضمنته من معناها ~~المراد منها يبين ذلك أن أفضل الذكر لا اله إلا الله كما رواه الترمذي، ~~وابن حبان وغيرهما مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أفضل ~~الذكر لا إله إلا الله وأفضل الدعاء ms209 الحمد لله" وفي الموطأ وغيره عن طلحة ~~بن عبيد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أفضل ما قلت ~~أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير " وبحسب تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله تعالى قال ~~تعالى: {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا أم تحسب أن أكثرهم ~~يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} فمن جعل ما يألهه هو ~~ما يهواه فقد اتخذ إلهه هواه أي جعل معبوده هو ما يهواه، وهذا حال المشركين ~~الذين يعبد أحدهم ما يستحسنه، فهم يتخذون أندادا من دون الله يحبونهم كحب ~~الله. ولهذا قال الخليل لا أحب الآفلين، فان قومه لم يكونوا منكرين للصانع، ~~ولكن كان أحدهم يعبد ما يستحسنه ويظنه نافعا كالشمس والقمر والكواكب. ~~والخليل بين أن الآفل ينيب عن عابده وتحجبه عنه الحواجب فلا يرى عابده، ولا ~~يسمع كلامه، ولا يعلم حاله، ولا ينفعه، ولا يضره بتسبب، ولا غيره. فأي وجه ~~لعبادة من يأفل، كلما حقق العبد الإخلاص في قوله لا اله إلا الله خرج من ~~قلبه تأله ما يهواه، ويصرف عنه المعاصي والذنوب، كما قال تعالى: {كذلك ~~لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين} فعلل صرف السوء والفحشاء ~~عنه بأنه من عباد الله المخلصين. وهؤلاء هم الذين قال فيهم: {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان} . وقال الشيطان فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " من ~~قال لا اله إلا الله مخلصا من قلبه حرمه الله عليه النار" فان الإخلاص ينفي ~~أسباب دخوله النار، فمن دخل النار من القائلين لا اله إلا الله لم يحقق ~~إخلاصها المحرم له على النار، بل كان في قلبه نوع من الشرك الذي أوقعه فيما ~~أدخله النار، والشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. ولهذا كان العبد ~~مأمورا في كل ms210 # PageV01P188 # صلاة أن يقول إياك نعبد وإياك نستعين، والشيطان يأمر بالشرك، والنفس ~~تطيعه في ذلك فلا تزال النفس تلتفت إلى غير الله إما خوفا منه، وإما رجاء ~~له. فلا يزال العبد مفتقرا إلى تخليص توحيده من شوائب الشرك. وفي الحديث ~~الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول ~~الشيطان أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله، والاستغفار، فلما ~~رأت ذلك بثثت فيهم الأهواء فهم يذنبون ولا يستغفرون لأنهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا") فصاحب الهوى الذي اتبع هواه بغير هدى من الله له نصيب ممن ~~اتخذ إلهه هواه فصار فيه شرك يمنعه من الاستغفار، وأما من حقق التوحيد ~~والاستغفار فلا بد أن يرفع عنه الشر. فلهذا قال ذو النون لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين. ولهذا يقرن بين التوحيد والاستغفار في غير ~~موضع. كقوله تعالى: {فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات} وقوله: {ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير * وأن ~~استغفروا ربكم ثم توبوا إليه} وقوله: {وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} إلى قوله: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه} ~~وقوله: {فاستقيموا إليه واستغفروه} وخاتمة المجلس سبحانك اللهم وبحمدك أشهد ~~أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ان كان مجلس رحمة كانت كالطابع عليه ~~وان كان مجلس لغيره كانت كفارة له. وقد روى أيضا فقال في آخر الوضوء بعد أن ~~يقال أشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين. وهذا الذكر يتضمن التوحيد ~~والاستغفار فان صدره الشهادتان اللتان هما أصلا الدين وجماعه، فان جميع ~~الدين داخل في الشهادتين إذ مضمونهما أن لا نعبد إلا الله، وأن نطيع رسوله، ~~والدين كله داخل في هذا في عبادة الله بطاعة الله ورسوله، وكل ما يجب ~~ويستحب داخل في عبادة الله وطاعة رسوله. وقد عقد البخاري باب ms211 العلم قبل ~~القول والعمل، لقول الله عز وجل. فاعلم أنه لا اله إلا الله، فالموحدون هم ~~المخلصون وهم أهل الصراط المستقيم، الذين عرفوا الحق علموه فاتبعوه ولم ~~يكونوا من المغضوب عليهم ولا الضالين بل أخلصوا دينهم لله وأسلموا وجوههم ~~وأنابوا إلى ربهم فأحبوه ورجوه وخافوه، ورغبوا إليه، وفوضوا أمورهم إليه، ~~وتوكلوا عليه، وأطاعوا رسله وعزروهم ووقروهم وأحبوهم # PageV01P189 # ووالوهم واتبعوا النور الذي أنزل معهم واقتفوا أثرهم واهتدوا بهديهم ~~واستنوا بسنتهم. وذلك هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من ~~الرسل، وهو الذي لا يقبل الله من أحد دينا إلا إياه وهو وظيفة العبادة لرب ~~العالمين، وهو الفاصل بين عباد الرحمن وعباد الشيطان والله المستعان وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل. # PageV01P190 ### | حمل نصوص القرآن وغيرها على ظواهرها # (وأما قولكم ويجب حمل النصوص القرآنية والأحاديث النبوية على معانيها ~~الظاهرة منها ان لم تخالف المحكم وإلا فيجب صرفها عن ظاهرها وردها إلى ~~المحكم) . # فنقول القرآن كله محكم في بيان التوحيد المكلف به العبيد وبيان ضده ~~والحلال والحرام والأمر والنهي والوعد والوعيد فليس فيه اختلاف ولا تناقض ~~في ذلك قال سبحانه وتعالى: {الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ~~* ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} وقال سبحانه وتعالى: {يا ~~أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن ~~أعبد الله الذي يتوفاكم وأمرت أن أكون من المؤمنين * وأن أقم وجهك للدين ~~حنيفا ولا تكونن من المشركين *ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ~~وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} ~~وقال سبحانه وتعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو ~~سبحانه عما يشركون * يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن ~~يتم نوره ولو كره الكافرون} وقال سبحانه: {فاقتلوا المشركين حيث ms212 وجدتموهم ~~وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ويكون الدين كله لله} وقال تعالى: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا ~~الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم ~~الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا ~~الرسول لعلكم ترحمون} . # PageV01P190 # وقوله سبحانه وتعالى: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به ~~شيئا وبالوالدين إحسانا} الآية وقوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ~~وبالوالدين إحسانا} وأمثال هذا. # PageV01P191 ### | تعريف العبادة # و (العبادة) هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال ~~الباطنة والظاهرة. كالتوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق ~~الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد الكفار والمنافقين، والإحسان إلى ~~الجار، واليتيم، والمسكين، والمملوك من الآدميين، والبهائم، وكذلك الدعاء ~~والذكر، والقراءة، وحب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص ~~الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضاء بقضائه، والتوكل عليه، ~~والرجاء لرحمته، والخوف من عذابه، وغير ذلك من العبادة التي شرعها الله ~~لعباده وأمرهم بفعلها خالصة لوجهه، وذلك أن العبادة لله هي الغاية المحبوبة ~~لله، والمرضية له. التي خلق الخلق لها كما قال تعالى: {وما خلقت الجن ~~والأنس إلا ليعبدون} وبها أرسل جميع الرسل، كما قال نوح لقومه: {اعبدوا ~~الله ما لكم من إله غيره} وكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم لقومهم وقال ~~تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم ~~من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك ~~من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {إن هذه ~~أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون} إلى غير ذلك من الآيات الظاهرة المحكمة ~~إلى يوم القيامة. # وأما ms213 الآيات المحكمات اللاتي هن أم الكتاب، فهي المبينات المفصلات سميت ~~بذلك لظهورها ووضوح معناها المراد منها. # وأما الآيات المتشابهات فقال محمد بن إسحاق بن يسار هن ما تحتمل دلالتها ~~موافقة المحكم، وقد تحمل أشياء أخر من حيث اللفظ والتركيب، لا من حيث ~~المراد. فالمتشابهات في الصدق لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن ~~العباد كما ابتلاهم # PageV01P191 # في الحلال والحرام لا يصرفن إلى الباطل ولا يخرجن عن الحق ولهذا قال ~~تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه} أي الذين في ~~قلوبهم ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي ~~يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة لاحتمال لفظه إلى ما يصرفونه إليه. # فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه، ولا سبيل لهم إليه، لأنه دافع لهم وحجة ~~عليهم، ولهذا قال ابتغاء الفتنة التي هي الشرك والإضلال بالبدع وسائر ~~المحظورات. # ومنها أيضا ما استأثر الله بعلمه فلا سبيل لأحد إلى علمه، نحو الخبر عن ~~أشراط الساعة من خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وطلوع الشمس من مغربها، ~~وقيام الساعة، وفناء الدنيا، ونزول المطر، والرحمة، والعذاب والشدة، ~~والراسخ في العلم يقول في متشابه التنزيل آمنا به كل من عند ربنا، فان وجد ~~ما ظاهره يخالف المكم رد الفرع إلى أصله وعرف حقيقة قوله تعالى منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، وان المتشابهات لا يخالفن المحكمات في ~~التوحيد ولا في الأمر والنهي والوعد والوعيد، وقد صح عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى ~~الله فاحذروهم " فيفسر المشابه بأم الكتاب فان بعض الآيات تظهر للجاهل معنى ~~غير مراد فيعجزه عن فهم معناها المراد ويحملها على ما تميل إليه نفسه من ~~الهوى والعناد فرده الراسخ إلى أم الكتاب، فمن ذلك قوله تعالى أمرنا ~~مترفيها ففسقوا فيها فهذه الآية يشعر ظاهرها الأمر بالفسق، ويفسرها قوله ~~تعالى: {إن الله لا يأمر بالفحشاء} وقوله {وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي} ، فمثل هذه ms214 الآيات المحكمات هن أم الكتاب ومنه قوله تعالى: {إن ~~الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر ~~وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون} ربما فهم منه ~~تقرير هذه الملل ما لم يرده إلى محكمه. وهو قوله: {قل يا أيها الناس إني ~~رسول الله إليكم جميعا} وقوله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من ~~كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه} والله سبحانه ~~ذكر أهل الكتاب وما ارتكبوا من قبائح الذنوب الموبقة ثم قال: {لكن الراسخون ~~في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك} فمن لم ~~يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم من قوم أي رسول لم يؤمن برسوله قال تعالى: ~~{كذبت قوم نوح المرسلين} ومن آمن برسوله آمن بكل رسول كما أمر # PageV01P192 # الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله: {قولوا آمنا بالله ... الآية} ~~وقد رد الصديق الأكبر رضي الله عنه فهم من قال في معنى قوله تعالى: {يا ~~أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} انه لا يأمر ~~بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وهذا من المتشابه يرجع فيه إلى محكمه وهو قوله ~~تعالى: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} ويكون ~~معنى لا يضركم من ضل إذا اهتديتم أمرتم ونهيتم فلم يسمع لأن من الاهتداء ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا أدى الذي عليه فلا ضرر عليه من ضلال ~~من لا يأتمر أو ينتهي، وكذا قوله: {لا تزغ قلوبنا} يفهم منه أنه تعالى يزيغ ~~القلب بلا سبب فيفسر بمحكمه وهو قوله: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم} ~~وبقوله: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} وقوله: {ونقلب ~~أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} فقيد ~~المحكم الذي هو أم الكتاب قيد للمطلق وهو واسع النطاق من تأمل وحقق تحقق، ~~ومن زاغ قلبه بعدم القبول أمحق واسحق، ms215 والله قد اتبع قوله: {هو الذي أنزل ~~عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} وبقوله: {ربنا لا ~~تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} وفيه نوع من الاشتباه يرجع فيه إلى قوله {فلما ~~زاغوا أزاغ الله قلوبهم} وإذا وقف العبد إنتبه عن إتباع ما فيه نوع تشابه ~~كما في هذه الآية وفتح له باب في الفصل والوصل نفعه خصوصا في الجمل ~~المعترضة. وحاصله كل ما في الكتاب من آية يستشكلها العقل لاحتمالها معنيين ~~فصاعدا أو بعض تلك المعاني المفهومة بها أو فيها أو عنها فاقض لآيات من ~~الكتاب أو آيات فتلك من المتشابهات تفسرها الآيات المحكمات لأن القرآن كله ~~لا يتناقض بل هو نور وحجج واضحات. قال ابن كيسان المحكمات حججها واضحة ~~ودلائلها لائحة لا حاجة لمن سمعها إلى طلب معانيها، والمتشابه هو الذي يدرك ~~علمه بالنظر ولا يعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل انتهى، ومنه قوله ~~سبحانه: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو ~~عليهم عمى} فان من في قلبه زيغ يتبع ما تشابه منه ابتغاء الفتنة على قصده ~~الفاسد وميل هواه الذي له قائد ويزعم أنه مهتد فيضل بهذا والله يقول: {وما ~~يضل به إلا الفاسقين ... } الآية وقوله: {وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ ~~منكم شهداء} وقوله: {لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا} فمن زاغ قلبه ~~جعل الأمر آنفا ونفى تقدم علم الله بما هو # PageV01P193 # كائن، ومن كان على نور من ربه فسر القرآن بالقرآن، وأعاد هذا إلى قوله: ~~{وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} وقوله: {وإن من شيء إلا عندنا ~~خزائنه} وقوله: {عالم الغيب} . # وأول من تكلم بالقدر وان الأمر أنف، معبد الجهني، الذي في البصرة، قاله ~~يحيى بن يعمر قال فخرجت أنا وحميد بن عبد الرحمن نريد مكة فقلنا لو لقينا ~~أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقوله معبد فلقينا ~~عبد الله بن عمر رضي الله عنه فاكتنفته أنا وصاحبي أحدنا عن ms216 يمينه والآخر ~~عن شماله، فعلمت أنه سيكل الكلام إلي فقلت أبا عبد الرحمن أنه قد ظهر قبلنا ~~ناس يتقفرون هذا العلم ويطلبونه يزعمون أن لا قدر انما الأمر أنف، قال فإذا ~~لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم مني برآء، والذي نفسي بيده لو أن ~~لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه في سبيل الله ما قبل الله منه شيئا حتى يؤمن ~~بالقدر خيره وشره، ثم ساق حديث جبريل الذي رواه عمر بن لخطاب رضي الله عنه، ~~ومما يتخيل ويشبه أن يكون من المتشابه قوله تعالى: {إن عبادي ليس لك عليهم ~~سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} ليسوا من عباده تعالى وقد قال: {إن كل من ~~في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} ومحكم هذا وأمه قوله إلا عبادك ~~منهم المخلصين فهم المقيد بم هذا الإطلاق، وهذا واسع في كلام الخلاق، ويشبه ~~في الآية ان المخلص لا سبيل للشيطان إليه البتة وليس كذلك إنما ليس له ~~سلطان ان يتمكن من المخلص فيرتكب ذنبا لا يغفر، محكمه قوله تعالى: {إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا} وقوله: {وإما ينزغنك من ~~الشيطان نزغ فاستعذ بالله} وقوله: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} ~~وهؤلاء هم عباد الله المخلصون وهذا واسع في كلام رب العالمين، ومنه قوله ~~تعالى: {والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض} يفهم منه عموم ~~الاستغفار فيرد إلى محكمه وهو قوله: {ويستغفرون للذين آمنوا ### | .... # } الآية فإنه لم يأذن الله للمؤمنين أن يستغفروا للمشركين والله لا يغفر ~~أن يشرك به، وهذا تفسير القرآن بالقرآن فانه التبيان، ومنه قوله: {وتمت ~~كلمة ربك} من قصر فهمه خيل أن التمام الانقضاء والانتهاء فيرد إلى محكمه: ~~{ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله} فهذه الآية تدل من لا زيغ في قلبه ان قوله وتمت كلمة ربك معناه ~~قوله الحق الكامل بكل مقصد # PageV01P194 # محكم، وقد أتبعه بقوله لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم، فالقرآن ms217 مصون ~~عن النسخ جملة والتبديل محفوظ عما وقع في التوراة والإنجيل لقوله: {إنا نحن ~~نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} والآيات في المعنى كثيرة جدا ومن قرع باب ~~التحصيل وفق للحصول والمحصول، فالقرآن العزيز كله محكم باعتبار تفسير ما ~~تشابه منه مما ذكر بالمحكم، وعن رسخ ولم يزغ قلبه قال رب زدني علما كما أمر ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب زيادة العلم، وكما أن القرآن كله محكم ~~بأخبار من أنزل كذلك كله متشابه يشبه بعضه بعضا قال تعالى: {الله نزل أحسن ~~الحديث كتابا متشابها مثاني} وهذه الآية الشريفة عرفت الناظر المراد ~~بالمتشابه فيها بقوله مثاني تكرار الآيات والقصص والحسن والوقع في عدة ~~مواضع فيشبه بعضه بعضا في قصصه ومعانيه وألفاظه ومبانيه وحسنه ووقعه ~~والصدق، بعضه يصدق بعضا وهذا بحر زاخر ليس له ساحل وان تخيل من تخيل انه ~~بلغ ما يروم فخياله باطل قاصر وما أوتيتم من العلم إلا قليلا فالقرآن تبيان ~~كل شيء منزل بتوحيد الله، وإفراده سبحانه بعبادته ومعاملته لا شريك له، هذا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق به لا يخفى عليه شاذة ولا فاذة ~~مما أشكل على الأمة ونشأ عنه الخلاف بينهم من اشتراك الألفاظ والمعاني، ~~فانه نشأ عن الاشتراك مما يعرفه أرباب الإدراك، وكذا الحقيقة والمجاز فانه ~~نشأ عنهما في فنون شتى ما يحتاج أقله إلى أطناب ولا يجدي فيه إلا الايجاز، ~~ولا يختلف عليه صلى الله عليه وسلم ما يختلف على الراسخين في العلم من ~~الفرد والتركيب التي يعرف فيها المخطىء من المصيب، ولا يعزب عنه معرفة ~~العموم والخصوص، إذ هو السند المنصوص ولا يختلج عليه الرواية والنقل، فلا ~~ينطق عن الهوى ولا بما يحسنه العقل ولا يتوقف فكره في الاجتهاد فيما لا نص ~~فيه كما يقع لكل تحرير فيما يظهره ويخفيه ولا يقر على الخطأ مجتهدا فيما ~~قاله بفيه، وهو صلى الله عليه وسلم أعرف الخلق بالناسخ والمنسوخ على ~~الإطلاق، وعنه عرفت الإباحة والتوسيع في كل الآفاق، وهذه الثمانية الأمور ms218 ~~المذكورة نشأ عنها الخلاف والاختلاف بين الرفاق إلا في العبادة بأنواعها ~~فإنها لله وحده لا شريك له لم يجز فيها اختلاف بين المسلمين إنما جعلها ~~لغيره من خلقه غيرهم من المشركين، والله تعالى يقول: {بل هو آيات بينات في ~~صدور الذين أوتوا العلم} فكلام الله سبحانه لا يناقض بعضه بعضا لا محكمه ~~ولا متشابهه، وكذلك كلام الني صلى الله عليه وسلم وأحاديثه لا تخالف فيها ~~ولا تناقض، ولا يخالف كلام الله ولا يناقضه بل يحمل مطلقه على مقيده ~~ومتشابهه على محكمه، وكما أن في القرآن آيات متشابهات استأثر # PageV01P195 # الله بعلمها، كذلك في السنة أحاديث متشابهات يجب الإيمان بها وتلقيها ~~بالقبول والتسليم وترك التعرض لمعناها كيفا ومثلا، فالخلاف في التوحيد ~~ممنوع ومردود كالاختلاف فيه، لأنه إنما ينشأ عن الزيغ والله سبحانه يقول: ~~{شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم ~~وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} . # PageV01P196 ### | حمل المؤمن عل الصلاح # (وأما قولكم ويجب حمل المؤمن على الصلاح مهما أمكن حتى لو كان له تسعمائة ~~وتسعة وتسعون احتمالا مؤديا إلى الكفر واحتمالا واحدا إلى النجاة يجب حمله ~~عليه والسر في ذلك ان الإيمان لا يزول إلا بيقين مثله) . # فنقول: لا شك أنه متى وجد الإيمان يقينا فلا يزيله إلا ما ينافيه يقينا، ~~فلا يزول بالشك ولا بالظن استصحابا للأصل السابق لما قارنه من اليقين ~~وتقديما له على الوصف اللاحق به لنزوله عن درجته، وهذا مع وجود وصف محتمل ~~متردد فيه بين الحالتين، ولذلك لما كتب حاطب بن أبي بلتعه إلى المشركين ~~يخبرهم بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم بجنود لا قبل لكم بها ~~ولو جاءكم النبي صلى الله عليه وسلم وحده لكفى، وأراد عمر ابن الخطاب ضرب ~~عنقه، وقال انه منافق، فاعتذر حاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما ~~معناها أنه ليس له من هذا مقصد إلا وضع اليد، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لعمر: "دعه فانه شهد ms219 بدرا وانك لا تدري لعل الله اطلع على أهل بدر ~~فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أو فإني غافر لكم"، ففاضت عينا عمر، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم إنما اعتذر عنه بمشاهدته هذه المنقبة ~~العظيمة استصحابا لفضلها وعظمها وإشارة إلى أن أهلها لا يمكن أن يتصفوا أو ~~بعضهم بردة، لأن الله قال: " اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وهو تعالى لا ~~يغفر إلا ذنوب المؤمنين بخلاف غيرهم فقد يتصف بردة بعد إيمان ولا يكون ذلك ~~بمجرد الحبس فانه كبيرة لا يكفر بها ان لم يكن فيه موالاة الكفار على ~~المسلمين ويجتهد الإمام فيه قاله مالك وأحمد ولذلك قلنا لكن لا تثبت إلا ~~بيقين # PageV01P196 # ومنه جحد ما جاءت به الرسل أو عناده أو إنكاره أو معاداته أو الاستهزاء ~~به ظاهرا أو باطنا أو موالاة المشركين ومظاهرتهم على الموحدين، قال سبحانه ~~وتعالى: {بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما* الذين يتخذون الكافرين أولياء ~~من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا} {وقد نزل عليكم ~~في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ... إلى قوله: يا أيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا} وتسميتهم مؤمنين باعتبار عدم وجود الموالاة، والمعنى أتريدون ~~أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا على كونكم منافقين، وقوله انكم إذا مثلهم ~~ان قعدتم عندهم وهم يخوضون ويستهزؤن بآيات الله ودينه راضين باستهزائهم ~~فأنتم كفار مثلهم، قال أهل العلم: هذا يدل على أن من رضي بالكفر فهو كافر، ~~ومن رضي بمنكر رآه وخالط أهله راضيا به كان في الإثم بمنزلة المباشر، وان ~~لم يباشر هو بدليل أنه تعالى ذكر لفظ المثلية، وإذا خاضوا في حديث غيره فهل ~~للمؤمن القعود عندهم أم لا؟ قال الحسن لا يجوز القعود معهم وان خاضوا في ~~حديث غيره لقوله تعالى: {وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ms220 ~~الظالمين} وقال غيره يجوز والحالة هذه لمفهوم هذه الآية، وآيات الأنعام ~~مكية وهذه الآية مدنية، والمتأخر من الآيتين نزولا أولى بالعمل، وأجاب بان ~~تلك صريحة في النهي، وهذه مفهومة في عدمه، والصريح مقدم على المفهوم إذا ~~تعارض الاستدلال بهما، ثم إذا قعد المؤمن باختيار منه عند من هو عدو للدين ~~عداوة متيقنة، وهو في حال قعوده يسب الدين ويستهزىء بالآيات، فذلك علامة ~~صريحة على أنه مثله في المسابة شريك له فيها، فإن لم يسب ولم يستهزئ وقعد ~~عنده فقد عرض نفسه لسوء الظن به والطعن والقدح في دينه، كما قال بعض السلف، ~~من عرض نفسه للتهم فلا يلومن من أساء الظن به، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه " وفي رواية للترمذي من تركها ~~استبرأ لدينه وعرضه، وفي الصحيحين ما يناسب لهذا الحديث، ومن اجترأ على ما ~~يشك فيه من الاسم أو شك أن يوقع ما استبان، ومع ذلك فينهى عن مواضع التهم ~~والشبهات ولا يظن فيه الردى في دينه وعرضه بمجرد ذلك إلا مع الاصرار على ~~فعل المنهي عنه لقوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا # PageV01P197 # من الظن إن بعض الظن إثم} ولما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعا: ~~"إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث" قال الخطابي هو تحقيق الظن وتصديقه دون ~~ما يهجس في النفس، فإن ذك لا يملك قال الزجاج نهى الله أن نظن بأهل الخير ~~سوءا، فأما أهل السوء والفسوق فلنا أن نظن بهم مثل الذي ظهر منهم، وهذا كله ~~مع الاحتمال وعدم ظهور أمره، فأما مع اليقين ظاهرا فلا يمكن أن يقال فيه ظن ~~بل متيقن ظاهرا، فان كان مؤمنا فلا يظن فيه إلا الخير والصلاح لإيمانه، ~~وأما لخلقته وجبلته فالأصل فيه الظلم والجهل، قال تعالى: {إنه كان ظلوما ~~جهولا} وان كان كافرا فيتيقن كفره ظاهرا، وإن كان عاصيا فيتيقن فيه الفسق ~~ظاهرا، وإنما قلنا ظاهرا لأنا مأمورون بمعاملة الخلق ظاهرا، ونكل علم ~~الباطن إلى الله، وما الظن والاحتمال فيمن ms221 شبه المخلوق بالخالق في خصائص ~~ألوهية من دعائه بما لا يقدر على دفعه أو جلبه إلا الله وحده والتوكل عليه ~~ورجاؤه والالتجاء إليه وذبح القربان والنذر له ليدفع عنه ما حل به أو ينال ~~ما آمله منه، أما معتقدا في الضرر والنفع والعطاء والمنع، وإما راجيا ~~شفاعته متقربا بعبادته، فهل له احتمال واحد مؤد إلى الإيمان مع هذا الكفر ~~الحقيقي والبهتان، فان هذا الاعتقاد مناف لقوله الكلمة الطيبة وإقراره بها ~~في مجرد اللسان، وإذا فلا يصح منه سائر ما عمله ظاهرا من بقية الأركان، وقد ~~كان الجعد بن درهم من أشهر أهل وقته بالعلم والعبادة، فلما جحد شيئا من ~~صفات الله مع كونا مقالة خفية عند أكثر الناس ضحى به خالد القسري يوم عيد ~~الأضحى، فقال وهو على المنبر أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح ~~بالجعد بن درهم لأنه يزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى ~~تكليما، ثم نزل من على منبره فذبحه والخلق ينظرون إليه فيهم التابعون ~~وغيرهم بعد أن شهدوا على إنكار الجعد الخلة والتكليم، فلم ينكر أحد منهم ~~ذبحه ولا التضحية به، ولا أنكر ذلك أحد من العلماء الأعلام، بل نقل ابن ~~القيم رحمه الله تعالى إجماعهم على استحسان هذا وهو مقر بالكلمة الطيبة ~~وبمعناها لكنه جحد أمرا هو من الإيمان متضمن لحقها، فكيف بالذي يجعل معناها ~~لغير الله ويجعل المخلوق بمنزلة الخالق ولا يرضي أن يكون عدلا له بل ربما ~~اعتقد تأثير القدرة منه أسرع من الله لكونه يتصرف في الكون، أين العقل ~~والتمييز أين الانصاف والتمييز في القلب والقالب إلى الملك العزيز، وكذا ~~التشبه به سبحانه وتعالى في التعاظم والتكبر ودعاية الناس إلى إطرائه في # PageV01P198 # الثناء والمدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا منه ورجاء ~~والتجاء واستغاثة ينذر له ويتقرب به ويستعان ويدعى عند الشدائد كالمدعين ~~لله من الضلال فهم كذبة قد تشبهوا بالله ونازعوه ربوبيته وألوهيته، وما ~~الظن والاحتمال فيمن شبه نفسه بالخلق في خصائص ألوهيته ومعاملته المؤديين ms222 ~~إلى الإيمان وهم حقيقون بان يهانوا غاية الهوان، ويذلوا غاية الذل ويجعلوا ~~تحت أقدام خلقه تعالى وهم الشياطين ومن المغضوب عليهم والضالين، وفي الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم قال: "يقول الله عز وجل العظمة إزاري والكبرياء ~~ردائي فمن نازعني واحدا منهما عذبته ". # وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة ~~لتشبهه بالله في مجرد الصنعة فما الظن بالتشبه بالله في ربوبيته وألوهيته، ~~وإذا كان المنازع لشرعه الحاكم بغير حكمه طاغوتا أمرنا الله أن نكفر به، ~~فكيف بمن نازعه ربوبيته وألوهيته وحكمه في عبادته ومعاملته، وهم مع ذلك ~~يحتجون بالمشيئة ويدعون الولاية والحفظ والقرب من الله ومن رسوله ويفعلون ~~الكفريات ويتركون الواجبات ويغترون بشبه استدراجات من نحو أشياء خارقة ~~للعادات من تعظيم ملك، أو جني، أو شيطان لهم، أولئك أهل الخزي في الدنيا ~~والآخرة ما داموا كذلك، ويجب ذمهم والتحذير منهم على كل من عرف حالهم، ولا ~~ينظر في صورة زهد أبدوها في ظاهرهم، وقد انعقد إجماع المسلمين على المعاملة ~~بالظواهر، فما وافق شرع نبينا قبلناه وما خالفه نبذناه، فان أهل الاستقامة ~~سلكوا على ايجاده ولم يلتفتوا إلى شيء من الخواطر والهواجس والإلهامات حتى ~~يقوم عليها شاهدان، شاهد من الكتاب، وشاهد من السنة، قال سهل بن حنيف رضي ~~الله عنه: أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو ~~أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته، واتهام السادات ~~الأولياء من الصحابة رضي الله عنهم لآرائهم كثير مشهور وهم أبر الأمة للدين ~~قلوبا وأعمقها فيه علما وأبعدها عن الشيطان، وكانوا اتبع الأمة للسنة ~~وأشهدهم اتهاما لآرائهم، وهؤلاء المدعون ضد ذلك كله، ومن شروطها عدم ~~ادعائها عن نفسه أو عن الله، قال الجنيد قال أبو سليمان الداراني ربما يقع ~~في قلبي النكتة من نكت القوم أياما فلا أقبلها إلا بشاهدين عدلين من الكتاب ~~والسنة، وقال أبو يزيد # PageV01P199 # البسطامي رضي الله عنه: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى تربع ms223 في ~~الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود، ~~وقال أيضا من ترك قراءة القرآن ولزوم الجماعة وحضور الجنائز وعيادة المرضى ~~وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع، وقال السري السقطي من ادعى باطن علم ينقضه ~~ظاهر حكم فهو غالط، وقال الجنيد مذهبنا مقيد بالأصول، الكتاب والسنة فمن لم ~~يحفظ الكتاب ويكتب الحديث ويتفقه ويعمل لا يقتدي به، وقال أبو بكر الدقاق ~~من ضيع حدود الله في الأمر والنهي حرم مشاهد القلب في الباطن، وقال أبو ~~الحسن من رأيته يدعي مع الله حالا يخرجه عن حد العلم الشرعي فلا تقر به ~~فإنما هو شيطان ضال ومن رأيته يدعي حالا يشهد حفظ ظاهر فاتهمه على دينه، ~~وقال جرير أمرنا هذا كله مجموع على فصل واحد إن لم يلزم قلبك المراقبة ~~ويكون العلم على ظاهرك قائما، وقال عبد القادر الجيلي رحم الله روحه ونور ~~ضريحه جميع الأولياء لا يستمدون إلا من كلام الله ورسوله ولا يأخذون ~~ويعملون إلا بظاهرهما، وقال أبو حفص من لم نزن أفعاله وأحواله وأقواله ~~بالكتاب والسنة ولم يهم خواطره فلا تعدوه. وهؤلاء الكذابون على الله ~~المدعون يتهدهدون ويتهزهزون بالرقص حول الطار والمزمار عند سماعه والبكاء ~~والنحيب ويومؤن بأذنابمم ورؤوسهم شوقا لذلك من الوجدان والهلعات زاعمين أنه ~~ذكر لله، وأنه من الدين المقرب عنده والمحبوب إليه، وهو والله من الجور ~~والبهتان والطغيان، لا من السنة ولا من القرآن، ولا فعله أولياء الرحمن، بل ~~نهوا عنه، وإنما هو من فعل أولياء الشطان وعباد إبليس والجان، فإنهم إذا ~~سمعوا القرآن أعرضوا عن سماعه، وعن العمل به، ولم يأخذهم ما أخذهم عند سماع ~~ذلك المنكر، بل تشاغلوا عنه بالضحك واللعب وشرب الدخان، فهم أقبح حالا من ~~الذين قال الله فيهم: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم ~~يلعبون * لاهية قلوبهم} فهم مع ادعائهم علم الباطن شبيهون بالذين عبدوا ~~العجل في غيبة موسى فلما رجع علهم صياحا وأصواتا وإذا هم يرقصون حوله، ~~ومجرد الرقص بلا ادعاء أنه ms224 من الدين لا يوجب الكفر الحقيقي، بل الفسق فقط، ~~ما لم ينازعوا الله في ألوهيته لعموم ما تقدم، ومتى ظهرت المنازعة ووجد ~~الادعاء فيما قدمناه فأين الاحتمال المؤدي إلى وجود الإيمان مع وجود نقيض ~~الكلمة الطيبة فيه ومنازعته معناها المختص بجلال الله وعظمته ومعاملته ~~بادعائه وتعظيمه، فأصل الدين وقوامه إنما هو إخلاص العبادة والدين بأنواعه ~~لله سبحانه # PageV01P200 # وإتباع ما أمر به وأرسل به رسله وأنزل به كتبه، والانتهاء عما نهى عنه ~~قال تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} . # PageV01P201 ### | وجوب الاستغفار والترضي لمن سلف # (وأما قولكم يجب الترضي والاستغفار لمن سلف من المؤمنين والكف عن مساويهم ~~قال عز من قائل {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا ~~الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف ~~رحيم} ومرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مخلد في النار لقوله تعالى {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره} ، وقوله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} . # فنقول: أما محبة جميع المؤمنين بعضهم بعضا ومودتهم بينهم وسؤال الله ~~المغفرة لهم فأمر مستحسن مطلوب لا يشك فيه شاك، ولا ينفيه إلا هالك، قال ~~سبحانه وتعالى آمرا نبيه أن يستغفر للمؤمنين: {واستغفر لذنبك وللمؤمنين} ~~وقال تعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين ~~سبقونا بالأيمان} وسمع ابن عباس رضي الله عنهما رجلا ينال من بعض أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أمن المهاجرين الأولين أنت، قال لا. قال ~~أمن الأنصار أنت، قال لا. قال فاشهد أنك لست من التابعين بإحسان. فكل من لم ~~يترض عن أصحاب محمد والتابعين لهم بإحسان وكان في قلبه غل لأحد منهم فانه ~~ليس ممن عناه الله بهذه الآية. والله تعالى رتب المؤمنين على ثلاث منازل ~~المهاجرين، والأنصار، والتابعين الموصفين بالإحسان، فمن لم يكن من التابعين ~~بهذه الصفة كان خارجا عن المؤمنين، وفي الصحيحين عن النعمان بن ms225 بشير رضي ~~الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر " وفي رواية لمسلم: "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه # PageV01P201 # تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وفي رواية له أيضا: " المسلمون كرجل ~~واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله" وفي الصحيحين عن ~~أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا" وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله ~~إخوانا ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "تفتح أبواب الجنة يوم ~~الاثنين ويوم الخميس فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئا إلا رجل كانت بينه ~~وبين أخيه شحناء فيقال أنظروا هذين حتى يصطلحا" رواه مسلم وفي روايةله: " ~~تعرض الأعمال في كل يوم خميس أو اثنين وذكر نحوه". فالمؤمنون تجب موالاتهم ~~ومحبتهم، والكف عن أعراضهم، ويحسن الدعاء والاستغفار لهم، وتحرم معاداتهم ~~وتتبع عوراتهم، والبحث عن عثراتهم، وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله ~~في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة " ~~رواه البخاري عن يحيى بن بكير، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الليث قال ~~سبحانه وتعالى: {إنما المؤمنون إخوة} قال الزجاح علم الله سبحانه ان الدين ~~يجمعهم وأنهم أخوة إذا كانوا متفقين في دينهم، فرجعوا بالاتفاق في الدين ~~إلى أصل النسب لأبيهم من آدم وحواء، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي ~~الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم من سلم ~~المسلمون من يده ولسانه والمهاجر من هجر ما نهى ms226 الله عنه" وعن جندب بن عبد ~~الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال رجل والله ~~لا يغفر الله لفلان فقال الله عز وجل من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر ~~لفلان إني قد غفرت له وأحبطت عملك" رواه مسلم وأخرج البخاري من حديث أبي ~~هريرة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عادى لي وليا فقد ~~آذنته بالحرب" وأخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامه بن سهل عن أبيه سهل بن ~~حنيف مرفوعا: "من أذل عنده مسلما فلم ينصره وهو يقدر أن ينصره أذله الله ~~على رؤوس الخلائق يوم القيامة" ولأبي داود مرفوعا: "ما من امرىء يخذل امرأ ~~مسلما في موضع تهتك فيه حرمته وينتقص فيه عرضه إلا خذله الله في موضع يحب ~~فيه نصرته وما من امرىء # PageV01P202 # ينصر امرأ مسلما في موضع ينقص فيه من عرضه وتهتك فيه حرمته إلا نصره الله ~~في موضع يحب فيه نصرته " وروى مسلم من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " ما من عبد مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال ملك ~~ولك بمثل" وعنه أيضا أن رسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: "دعوة المرىء ~~المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعا لأخيه بخير ~~قال الملك الموكل به آمين ولك بمثل" رواه مسلم وفي حديث آخر: "أسرع الدعاء ~~إجابة دعوة غائب لغائب" وقد أثنى الله على الذين يثنون على المؤمنين خيرا ~~ويدعون لهم به قال سبحانه وتعالى: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالأيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ~~ربنا إنك رؤوف رحيم} فالدعاء للغير ينتفع به الداعي والمدعو له وان كان ~~الداعي دون المدعو له رتبة، فقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر ابن الخطاب ~~رضي الله عنه لما أراد أن يعتمر وودعه لا تنسنا يا أخي من دعائك، فالنبي ~~صلى الله عليه وسلم قد طلب ms227 من أمته الدعاء، ولكن ليس ذلك من باب سؤالهم، بل ~~هو كأمره لهم بسائر الطاعات التي يثابون عليها مع أنه عليه الصلاة والسلام ~~له مثل أجورهم في كل ما يعملون لأنه صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص من ~~أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كل عليه من الوزر مثل أوزار من تبعه لا ينقص ~~ذلك من أوزارهم شيئا وهو عليه الصلاة والسلام داعي الأمة إلى هدى فله مثل ~~أجورهم، في كل ما اتبعوه فيه، وكذلك إذا صلوا عليه فان الله يصلي على أحدهم ~~عشرا وله صلى الله عليه وسلم مثل أجورهم مع ما يستجيبه الله تعالى من ~~دعائهم له فكذلك الدعاء قد أعطاهم الله أجرهم عليه وصار ما يحصل له به من ~~النفع نعمة من الله عليه، ومن قال لآخر ادع لي وقصد انتفاعهما جميعا بذلك ~~كان هو وأخوه متعاونين على البر والتقوى، فالسائل نبه المسؤول وأشار عليه ~~بما ينفعهما، والمسؤول قد فعل ما هو نفع لهما، فهما بمنزلة من يأمر غيره ~~ببر وتقوى فيثاب المأمور على فعله، والآمر يثاب لكونه دعا إليه، لاسيما إذا ~~فعل من الأدعية ما أمر الله به العبد كما قال: {استغفر لذنبك وللمؤمنين} ~~فأمره بالاستغفار ثم قال: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} فذكر الله استغفار الرسول صلى ~~الله عليه وسلم لهم في ذلك # PageV01P203 # الوقت حيث أمره الله تعالى أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، ولم يأمر الله ~~مخلوقا ان يسأل مخلوقا شيئا، لم يأمر الله المخلوق المسؤول به، فما أمر ~~الله العبد به أمر إيجاب أو استحباب ففعله هو عبادة لله وطاعة وقربة لله ~~وصلاح لفاعله وحسنة منه، وإذا وفق لفعل ذلك كان من أعظم إحسان الله إليه ~~وإنعامه عليه، بل أجل نعمة أنعمها الله على عبده أن هداه للإيمان وأرشده ~~التوفيق إليه ومحبة المؤمنين وموالاتهم والدعاء والاستغفار لهم، ms228 ومجانبة ~~أهل الشرك والطغيان والجور والبهتان العاملين بالجهل والابتداع والتاركين ~~للأمر المنزل المطاع فعملوا بضده على يقين منهم في ذلك واختراع زاعمين أنه ~~هو المطلوب وأنه هو الوسيلة إلى المحب المحبوب ومعاداتهم وجهادهم عليه ~~وتذكير الله وادعائه إليه، هذا هو الإنعام الحقيقي المذكور في قوله تعالى: ~~{اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا ~~الضالين} وهي الطاعة لله التي من عمل بها يكون مع أوليائه. قال تعالى: {ومن ~~يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} ذلك الفضل من الله، بل نعم الدنيا ~~بدون الدين هل تسمى نعمة أم لا؟ فيه قولان للعلماء مشهوران، والتحقيق انها ~~نعمة من وجه، وان لم تكن نعمة تامة من وجه، وأما الانعام بالدين ومنه حب ~~أهله وموالاتهم، ومعاداة ضدهم فلا يتم بدون ذلك، فهو الخير الذي ينبغي طلبه ~~باتفاق المسلمين، وهو النعمة الحقيقية عند أهل السنة، قال سبحانه وتعالى: ~~{قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} قال أبو سعيد ~~الخدري رضي الله عنه فضل الله الإسلام والقرآن ورحمته ان جعلنا من أهله، ~~وكما أن المؤمنين تجب محبتهم وموالاتهم، والكف عن أعراضهم، ويحسن الدعاء ~~والاستغفار لهم، كذلك أعداء الله من المشركين الكافرين تحبب معاداتهم وتحرم ~~موالاتهم وتذكر مساويهم ليرتدعوا عما هم عليه، قال تعالى: {يا أيها الذين ~~آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما ~~جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم ~~جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم ~~وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل} وعدم الرضا بدينه صلى الله ~~عليه وسلم وما جاء به والعمل به أكبر من إخراج ذات الرسول فانه لم يخرج إلا ~~بسبب ذلك، وقال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين # PageV01P204 # آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله ms229 هم الغالبون} وفي الصحيحين عن عمرو بن ~~العاص أنه صلى الله عليه وسلم قال جهارا: " أن آل أبي فلان ليسوا لي ~~بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين"، ومعناه إنما وليي من كان صالحا ~~وان بعد نسبه مني، وليس وليي من كان غير صالح وان كان نسبه قريبا، قال ~~القاضي عياض قيل ان المكنى عنه هنا هو الحكم ابن أبي العاص، وذلك لأن بعض ~~الرواة كنوا فقالوا في أوله إلا أن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء، ~~إنما وليي الله وصالح المؤمنين، وإنما كنى خشية أن يسميه فيترتب عليه ~~مفسدة، إما في حق نفسه وإما في حقه وحق غيره، فكنى عنه فقد أخبر صلى الله ~~عليه وسلم عن بطن قريب النسب منه أنهم ليسوا بمجرد النسب أولياء له إنما ~~وليه الله وصالح المؤمنين من جميع الأصناف، ومثل ذلك كثير بين في الكتاب ~~والسنة أن العبرة بالأسماء التي حمدها الله وذمها، كالمؤمن والكافر والبر ~~والفاجر والعالم والجاهل لا بالنسب، ومن هذا قول بعضهم: # لعمرك ما الأنساب إلا ابن دينه ... فلا تترك التقوى اتكالا على النسب # لقد رفع الإسلام سلمان فارس ... ووضع الشرك الشقي أبا لهب # وكذالك تجب مقاطعتهم والبراء منهم وعدم الاستغفار لهم، قال تعالى: {لا ~~تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الأيمان ~~وأيدهم بروح منه. .. الآية} وقال: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} ~~وتحقيق وجود الشرك يقوم مقام من علم أنه من أصحاب الجحيم في عدم جواز ~~الاستغفار والحالة هذه قال الله لنبيه: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى نهى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم عن الاستغفار للمشركين والمنافقين وأخبر سبحانه أنه لا ~~يغفر لهم قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ms230 ما دون ذلك لمن ~~يشاء} وقال: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا ~~بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون} وهو تعالى لا يحب المعتدين في الدعاء، ~~ومنه سؤال # PageV01P205 # المغفرة للمشركين أو ما فيه معصية لله كإعانته على الكفر والفسوق ~~والعصيان، فالشفيع الذي أذن الله له في الشفاعة شفاعته من الدعاء الذي ليس ~~فيه عدوان، وهو لا يكون إلا للموحدين لا للمشركين الذين حرم الله عليهم ~~الجنة ومأواهم النار، وإن لم نقطع لمعين بجنة ولا نار إلا لمن نص عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، لأنا مأمورون ان نعامل بالظاهر والأمور مرجعها ~~إليه سبحانه وتعالى، ولو سأل واحد من الأنبياء عليهم السلام فدعا دعاء لا ~~يصلح له لم يقر عليه فإنهم معصومون ان يقروا على ذنب لو صدر منهم جهلا ~~بحكمه أولا، ولهذا قال نوح عليه السلام: {رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق ~~وأنت أحكم الحاكمين} قال الله: {قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين * قال رب ~~إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم وإلا تغفر لي وترحمني أكن من ~~الخاسرين} وأما استغفار إبراهيم لوالديه في قوله ربنا اغفر لي ولوالدي، ~~فللوعد الذي وعد به أباه، وعده أن يستغفر له إن آمن، وهو قوله سأستغفر لك ~~ربي فاستغفر له لمكان الوعد راجيا أن يسلم، فلما تبين له أنه عدو لله لموته ~~على الكفر تبرأ منه، وفي البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر ~~قترة وغبرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه اليوم لا ~~أعصيك فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني انك لا تخزني يوم القيامة يوم ~~يبعثون، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد، فيقول الله تبارك وتعالى إني حرمت ~~الجنة على الكافرين، ms231 ثم يقال لإبراهيم انظر ما تحت رجليك فينظر فإذا هو ~~بضبع ملطخ بالدم فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار فيتبرأ منه يومئذ" فقد بين ~~الله عذر خليله عليه الإسلام في استغفاره لأبيه، وأما أمه فقد أسلمت، وقيل ~~المراد بالوالدين في قوله لوالدي آدم وحوى عليهما السلام، والأول عليه ~~الأكثر. # وأما قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره..} الآية فالذرة هي النملة ~~الصغيرة وعمم فيهما مع أن حسنات الكافر محبطة بالكفر، وسيئات المؤمن ~~الصغائر مغفورة باجتناب الكبائر، لأن معنى فمن يعمل مثقال ذرة من فريق ~~السعداء خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة من فريق الأشقياء شرا يره، وقد ذكر ~~الله سبحانه ذلك بعد قوله: {يومئذ يصدر الناس أشتاتا} يعني يرجع الناس عن ~~موقف الحساب بعد # PageV01P206 # العرض متفرقين أهل التوحيد والإيمان على حدة، وأهل كل دين على حدة، كقوله ~~يومئذ يتفرقون ويومئذ يصدعون ليروا أعمالهم، قال ابن عباس ليروا جزاء ~~أعمالهم، والمعنى أنهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنة ~~والنار. قال مقاتل فمن يعمل في الدنيا مثقال ذرة خيرا يره يوم القيامة في ~~كتابه فيفرح بذلك، وكذلك من الشر يراه في كتابه فيسوؤه ذلك، قال وكان أحدهم ~~يستقل أن يعطى اليسير، ويقول إنما نؤجر على ما نعطى ونحن نحبه واليسير ليس ~~مما نحب ونتهاون بالذنب اليسير، ونقول إنما وعد الله النار على الكبائر ~~فأنزل الله هذه الآية يرغبهم في القليل من الخير ويحذرهم اليسير من الشر، ~~وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: "قلت يا رسول الله ما ينتهي ~~الناس يوم القيامة، قال إلى أعمالهم من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره" واستدلال صاحب المقدمة بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة ~~ليس بكافر لا يصلح له دليلا إذ للمكفر بها من الخوارج والمبتدعة أن يقولوا ~~فمن يعمل مثقال ذرة من فريق المسلمين، وأما الكافرون فيرجع فيه إلى قوله ~~وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا، ولكن الدليل لأهل السنة ~~والجماعة، ونحن ان ms232 شاء الله منهم ما قدمناه وقلناه وبيناه في بحث أهل ~~الإيمان. ومما أجمع عليه صالح سلف الأمة من دلائل الكتاب والسنة وعند قوله ~~نقلا عن ابن القيم، وهذا الجمع والتوقيف بهذا التفصيل هو قول الصحابة وعليه ~~الاعتماد لأن أمثال هذه المسائل لا تتلقى إلا منهم ولا تؤخذ إلا عنهم فلله ~~الحمد والمنة، وهو مما قاله من الاستدلال يزعم أنا نكفر بالذنوب، وقد تكرر ~~ذلك منه وهو بهتان علينا وجور وادعاء بلا تثبت وقول زور، ومن وفق الإنصاف ~~حقق أمرنا ونهينا، ومن الذي كفرنا وجاهدنا، وكلامنا ودلائلنا، فلا يقول ~~علينا إلا حقا ولا يعمل إلا به. # وأما قولكم (إذا تمهد هذا فنقول أما ما ذكرت من تعطيم القبور وتشديد ~~المنكر على من يفعله فهذا أمر مجمع عليه وعلى تحريمه ولا يفعله إلا جهلة ~~الرعاع من العوام والأعراب وأشباههم بل نقول ان الصلاة تكره كراهة تحريم ~~بحضرة أي قبر كان بل عند الإمام أحمد لا تنعقد أصلا لكن لا يلزم من ذلك ~~تكفير مرتكبه كفرا يخرج به عن الملة ويباح دمه وماله وعرضه نعم هو كفر عملي ~~حيث يكون بفعله مرتكبا للمنهي عنه وحكمه كما قدمناه النصيحة والوعظ والزجر ~~لا غير ذلك) . # فنقول معنى تمهد أي انتشر مبسوطا لسامعه من تمهدت الأرض تمهدا إذا # PageV01P207 # اتسعت فراشا مبسوطة، وتمهد الصبي تمهدا إذا سكن اضطرابه في المهاد، ومهد ~~إذا وضع فيه، قاله أهل المعاني، وأما تعظيم القبور بمعنى احترامها، فإن ~~كانت للمسلمين فواجب لا يجوز بول ولا تغوط ولا جلوس ووطء عليها لما في صحيح ~~مسلم عن أبي مرشد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجلسوا على ~~القبور ولا تصلوا إليها" وفيه أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا ~~قد اتكأ على قبر فقال: "لا تؤذوا صاحب القبر" وفيه أيضا عن أبي هريرة قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه ~~فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر مسلم" ms233 وأما تعظيمها بمعنى ~~عبادتها فهو أكبر الكبائر عند الخاص والعام، وأصل فتنة عباد الأصنام كما ~~قاله السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين الذين في قلوبهم وقار ~~لله فيغضبون لأجله ويغارون على توحيده ويقبحون الشرك وأهله ويجاهدون أعداء ~~الله من أجله، ولكن من خالفهم فما الحيلة. ما لجرح بميت إيلام. ولا لمن ~~خالف هؤلاء احترام. وان منشأ هذه الفتنة في الإسلام الفتنة في القبور حتى ~~آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها من دون الله، وعبدت قبورهم واتخذت أوثانا ~~وبنيت عليها الهياكل فصارت تدعى وترجى وتخشى، وكان أول هذا الداء العظيم في ~~قوم نوح. كما أخبر سبحانه عنهم في كتابه حيث يقول: {قال نوح رب إنهم عصوني ~~واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا * ومكروا مكرا كبارا * وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * وقد أضلوا ~~كثيرا} ذكر هذا البخاري في صحيحه وأهل التفسير كابن جرير وغيره منهم ابن ~~كثير وأبو الحسين البغوي وعلي بن أحمد الواحدي والرازي قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما في قوله: {كان الناس أمة واحدة} قال على الاسلام وكان أول ما ~~كادهم به الشيطان من تعظيم الصالحين، كما ذكر الله ذلك في كتابه في قوله: ~~{وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} قال ~~الكلبي كان هؤلاء قوما صالحين فماتوا في شهر فجزع عليهم أقاربهم وصوروا ~~صورهم، وفي غير حديثه قال أصحابهم لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، ~~فكان الرجل يأتي أخاه وابن عمه فيعظمه حتى ذهب ذلك القرن، ثم جاء قرن آخر ~~فعظموهم أشد من الأول، ثم جاء القرن الثالث فقالوا ما عظم أولنا هؤلاء إلا ~~وهم يرجون شفاعتهم، فلما بعث الله نوحا وغرق من غرق أهبط الماء هذه الأصنام # PageV01P208 # من أرض إلى أرض حتى قذفها إلى أرض جدة، فلما نضب الماء بقيت على الشط ~~فسفت الريح عليها حتى وارتها، ثم عمر نوح عليه السلام وذريته الأرض وبقوا ~~على الإسلام ما شاء ms234 الله ثم حدث فيهم الشرك، وما من أمة تخرج إلا ويبعث ~~الله فيهم رسولا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له وينهاهم عن الشرك، ~~فمنهم عاد التي لم يخلق مثلها في البلاد بعث الله لهم هودا وكانوا في ناحية ~~الجنوب بين اليمن وعمان فكذبوه فأرسل الله عليهم الريح فأهلكتهم ونجى الله ~~هودا ومن آمن معه، ثم بعث الله صالحا إلى ثمود وكانوا بالشمال بين الشام ~~والحجاز فاستحبوا العمى على الهدى فأرسل الله عليهم صيحة فأهلكتهم ونجى ~~الله صالحا ومن معه، ثم بعد ذلك أخرج الله إبراهيم عليه السلام وأهل الأرض ~~إذ ذاك كلهم كفار فكذبوه إلا ابنة عمه سارة زوجته وآمن له لوط فأكرمه الله ~~تعالى ورفع قدره وجعله إماما للناس وجعل في ذريته الكتاب والنبوة ومنذ ظهر ~~إبراهيم لم يعدم التوحيد في الأرض، كما قال تعالى: {وجعلها كلمة باقية في ~~عقبه لعلهم يرجعون} وكان له ابنان اسحق عليه السلام وهو أبو بني إسرائيل، ~~وإسرائيل يعقوب بن اسحق، والثاني إسماعيل عليه السلام وهو أبو العرب وقصته ~~وأمه مشهورة لما وضعها عليه السلام في مكة فنشأ إسماعيل في أرض العرب وصار ~~له ولأولاده ولاية البيت ومكة فلم يزالوا على دين أبيهم إسماعيل حتى نشأ ~~فيهم عمرو بن لحى فملك مكة وكان معظما فيهم بسبب الدين والدنيا فسافر إلى ~~الشام ورآهم يعبدون الأوثان فاستحسن ذلك منهم وزينه لأهل مكة، ثم اقتدى بهم ~~أهل الحجاز فلم تزل تعبد حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكسرها ~~وقال: " رأيت عمرو بن لحي يجر قصبه في النار"، وكانت الجاهلية فيهم بقايا ~~من دين إبراهيم مثل تعظيم البيت والطواف به والحج والعمرة وإهداء البدن ~~وكانت تزار تقول في اهلالها لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ~~وروى محمد بن جرير بإسناده إلى الثوري عن موسى ابن محمد بن قيس قال كان ود ~~وسواع ويغوث ويعوق ونسرا قوما صالحين بين آدم ونوح عليهما السلام، وكان لهم ~~اتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال ms235 أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم لو ~~صورناهم كان أشوق لنا إلى عبادة ربنا إذا ذكرناهم فصوروهم، فلما ماتوا وجاء ~~آخرون دب إليهم إبليس فقال إنما كانوا يعبدونهم بدعائهم فبهم يستشفعون ربهم ~~يستسقون المطر فعبدوهم بذلك، قال سفيان عن أبيه عن # PageV01P209 # عكرمة قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، وقال محمد بن ~~كعب هذه أسماء قوم صالحين كانوا بين آدم ونوح فنشأ قوم بعدهم يأخذون بأخذهم ~~في العبادة فقال لهم إبليس لو صورتموهم كان أنشط لكم وأشوق إلى عبادة ربكم ~~ففعلوا، ثم نشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: ان الذين من قبلكم كانوا يستسقون ~~ويتشفعون بهم ويدعونهم ليشفعوا لهم فعبدوهم بذلك. وابتداء عبادة الأوثان ~~كان من ذلك الوقت، وسميت تلك الصور بهذه الأسماء، لأنهم صوروها على صورة ~~أولئك القوم المسلمين بهذه الأسماء. وقال قتادة في هذه الآية يعني قوله ولا ~~تذرن آلهتكم قال: كانت آلهة يعبدها قوم نوح ثم عبدتها العرب بعد ذلك، فكان ~~ود لكلب بدومة الجندل، وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لبني غطيف، وكان يعوق ~~لهمدان، وكان نسر لذي الكلاع من حمير، وقال ابن عباس هذه أصنام كانت تعبد ~~زمان نوح، وقال البخاري عن عطاء عن ابن عباس صارت الأوثان التي كانت في قوم ~~نوح في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، ~~وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ، وأما يعوق فكانت ~~لهمدان، وأما نسر فكانت لحمير، وقال غير واحد من السلف: كان هؤلاء قوما ~~صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال ~~عليهم الأمد فعبدوهم ليشفعوا لهم فهؤلاء قد جمعوا بين الفتنتين فتنة القبور ~~وفتنة التماثيل وهما الفتنتان اللتان أشار إليهما رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الحديث المتفق على صحته عن عائشة رضي الله عنها: أن أم سلمة ذكرت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة بأرض الحبشة يقال لها مارية، وكانت أم ~~سلمة وأم حبيبة أتتا أرض ms236 الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها فرفع النبي ~~صلى الله عليه وسلم رأسه وقال "أو لئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على ~~قبره مسجدا ثم صوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله" وهذه الفتنة ~~هي السبب في عبادة اللات. فروى ابن جرير بإسناده عن سفيان عن منصور عن ~~مجاهد في قوله أفرأيتم اللات والعزى، قال كان يلت السويق فمات فعكفوا على ~~قبره، وكذلك قال أبو أبو الجوزاء عن ابن عباس، كان يلت السويق للحجاج، فسبب ~~عبادة يغوث ويعوق ونسر واللات إنما كانت من تعظيم قبور الأموات وهذه العلة ~~التي نهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ المساجد على القبور لأجلها هي ~~التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في # PageV01P210 # الشرك الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فان النفوس قد أشركت بتماثيل القوم ~~الصالحين وتماثيل يزعمون أنها طلاسم الكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر ~~الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من الشرك بخشبة أو حجر، ولهذا أهل ~~الشرك كثيرا ما يتضرعون عندها ويخشعون ويخضعون ويعبدون بقلوبهم عبادة لا ~~يفعلونها في بيوت الله، ولا وقت الأسحار، ومنهم من يسجد لها وأكثرهم يرجون ~~من بركة الصلاة والدعاء عندها ما لا يرجونه في المساجد، فهم يعبدون أصحابها ~~بدعائهم ورجائهم والاستغاثة بهم وسؤالهم النصرة والرزق والعافية وقضاء ~~الديون وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وبذل النذر لجلب ما أملوه ودفع ~~الشرور مع اتخاذ قبورهم أعيادا، والصلاة إليها والطواف بها وتقبيلها ~~واستلامها وتعفير الخدود على ترباتها، وغير ذلك من أنواع العبادات، ~~والطلبيات التي كانوا عليها عباد الأوثان يسألون أوثانهم ليشفعوا لهم عند ~~مليكهم، فهؤلاء المشركون الغلاة قد جعلوا لأهل القبور أصناف العبادات، وإذا ~~قدموا إلى القبر عقروا له العقائر وتقربوا إليه بأنواع القربات، وقد أخرج ~~أحمد وأبو داود من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا عقر في الإسلام" وقال عبد الرزاق كانوا يعقرون عند القبر ~~بقرة أو شاة فنهوا عن ذلك، وأخبر أنه فعل عباد ms237 الأصنام وإذا رأوا قبته من ~~مكان بعيد نزلوا عن الدواب واشتغلوا بدعائه والنحيب ووضعوا لها الجباه ~~وقبلوا الأرض كشفوا الرؤوس وارتفعت أصواتهم بالضجيج ورأوا أنهم قد زادوا في ~~الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدي ولا يعيد، ونادوه ولكن من مكان ~~بعيد، حتى إذا وصلوا إليه صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا أنهم قد حازوا من ~~الأجر كمن صلى إلى القبلتين، فهم حول القبر ركعا سجدا يبتغون فضلا من الميت ~~ورضوانا، وقد ملؤا أكفهم خيبة وخسرانا فللشيطان ما يراق هناك من العبرات، ~~ويرتفع بالدعاء من الأصوات ويطلب من الميت أنواع الحاجات ويسأل من تفريج ~~الكربات واغناء ذوي الفاقات، ومعافاة أولي العاهات والبليات، ثم انبثوا بعد ~~ذلك حول القبر طائفين تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى ~~للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام، كأنه الحجر الأسود وما يفعل به ~~وفد بيت الله الحرام، ثم عفروا عنده تلك الجباه والخدود التي يعلم الله ~~أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك القبر فلم ~~يكن لهم عند الله من # PageV01P211 # خلاق، وقربوا لذلك القرابين فكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير رب ~~العالمين، وقد آل الأمر إلى فعل أنواع المنكرات من بذل الفروج ثلاثة أيام ~~من كل سنة في مولد أحمد البدوي ومشهده الذي في القاهرة يخرجن إليه الغواني ~~جاعلين ذلك في صحائفه، ولينالوا من بركته وأنهم محسوبون إليه، زيادة على ~~فعلهم عند قبر الست نفيسة، ومشهد الحسين، هذا والعلماء حاضرون والعباد ~~شاهدون والمردان مع الفجار المدعين الولاية والمتزينين بها، مجمعون وفي ~~فراش واحد بلا حائل ليلا ينامون وفي النهار معهم مختلون، ويدعون أنهم لهم ~~يربون، والعلماء والحالة هذه لا ينكرون، والعباد لله لا يغارون، ولا الحق ~~يقولون، بل كلا الفريقين يصنفون الكتب في ذلك ويعتذرون عنه بأجوبة ليست ~~صوابا ولا سديدة بل عن الحق بعيدة. # (ومنها قولهم تنبيه) اعلم أنه قد يعترض بعض الناس على أحمد البدوي، وعلى ~~هؤلاء المجتمعين عنده في حضرة ضريحه ويقولون إذا كان له هذا المولد ms238 العظيم ~~والتصرف التام النافذ بعد الممات فكيف لا يتصرف في دفع أصحاب المعاصي عن ~~حضور مولده فالجواب عن ذلك من أوجه. # أحدها أنه في عناية من ربه فكل من حضر مولده من أهل العصيان وافق نزول ~~الرحمة والغفران فغفر له بسببه وتيب عليه ولو بعد حين من الزمان. # الثاني أن الغالب على حاله البسط وجاهه عريض يسع الخلق ولو وافقه جميع ~~فساق أهل الأرض كذلك كان مغفورا لهم بسببه. # الثالث أنه قد خرج إلى مقام لا تكليف فيه، وهؤلاء العاملون عملهم لهم ~~وعليهم ومنهم من صنف في ذلك طبقات كبرى وقال فيها إن سبب حضوري مولد أحمد ~~البدوي عند ضريحه ان شيخي العارف بالله الشناوي أحد أعيان بيته وكان قد أخذ ~~على العهد في قبته تجاه القبر أن لا أخرج عن طريقته ثم أخذ بيدي وسلمني إلى ~~أحمد البدوي وقال يكون خاطرك على عبد الوهاب فاحفظه واجعله تحت نظرك فسمعته ~~يقول من داخل القبر نعم من آوى إلينا وجب حقه علينا، سم أنه تراءى لي ~~فرأيته وأنا بمصر هو وعبد العال وهما يقولان لي زرنا في مكاننا ونحن نطبخ ~~لك ملوخية ضيافتك فجئت إلى قبرهما وأضافني غالب أهل الضيعة وجماعة المقام ~~ملوخية، ثم رأيته وقد وافقني على جسر قحافة تجاه طنده فوجدته كالسور محيطا ~~بها فقال لي قف ههنا # PageV01P212 # وادخل من شئت وامنع من شئت، قال ولما دخلت بزوجتي أم عبد الرحمن وهي بكر ~~مكثت خمسة أشهر لم أقدر عليها ولم أقرب منها فأتاني من قبره ليلة من ~~الليالي فأخذ بيدي وهي معي في فراشي وفرش لنا فراشا بيده فوق ركن القبة ~~الذي على يسار الداخل وأتى لنا بحلوى ودعا الأحياء والأموات من الأولياء، ~~وقال لي أزل بكارتها ههنا وهم مشغولون بالأكل فكان من أمرنا ما كان في تلك ~~الليلة، قال وقد تخلفت سنة من السنين عن الحضور للمولد وقد كان هناك ~~الأولياء، فأخبرت أن أحمد البدوي كان يكشف الستر ذلك اليوم عن ضريح قبره ~~ويقول أبطأ علينا عبد الوهاب ms239 ما جاءنا يحضر، قال وأردت التخلف سنة من ~~السنين فرأيت أحمد وفي يده جريدة خضراء قد خرج بها من قبره وهو يدعو الناس ~~من سائر الأقطار والناس خلفه وأمامه ويمينه وشماله وهم خلائق لا يحصون فمر ~~علي وأنا بمصر، وقال لي أما تذهب فتحضرنا فقلت إني وجميع فقال الوجع لا ~~يمنع المحب. ومنهم من يحكي عن القبور ويقول فلان استغاث بالقبر الفلاني في ~~شدته فخلصه منها، وفلان دعاه أو دعا به في حاجة فقضيت له، وفلان نزل به ضر ~~فاشتكى إلى صاحب ذلك القبر فكشف ضره، وعند هؤلاء العلماء في دين الشيطان ~~وجنوده الجهلة بالله وما أنزل على رسوله وسدنة الأضرحة والمقابرية الذين هم ~~من أشر البرية شيء كثير من هذه الحكايات والإيرادات والاعتقادات ما لو ~~ذكرناه لاحتمل مجلدات، وهم من أكذب خلق الله على الأحياء والأموات، والنفوس ~~مولعة في قضاء حوائجها وإزالة ضررها، وإذا سمعوا من هؤلاء الجهلة الضلال أن ~~قبر فلان الترياق المجرب في إجابة الدعوة كشف الشدة سمعوا لهم وأجابوا ~~وخضعوا للقبور ودعوهم، وأنابوا والشيطان له تلطف فيما يجلب إليه الدعوة ~~فيدعوا أولا هذا الداعي إلى أن يدعو صاحب القبر أو عنده فيقع دعاء هذا ~~الداعي للملعون لا له، وهذا نتيجة الجهل بحقيقة ما بعث الله به الرسل من ~~تحقيق التوحيد وقطع أسباب الشرك، فلم يكن له نصيب فيما جهلوه وادعوه وقد ~~دعاهم إبليس إلى الفتنة ولم يكن عندهم من العلم ما يبطل دعوته، فاستجابوا ~~له بحسب ما عندهم من الجهل، وادعوا بقدر ما معهم من العلم الذي ظاهره قول ~~معرب وحقيقة لا جهل مركب، حيث أوردوا فيما اعتقدوه وقالوه أحاديث مكذوبة ~~مخلقة موضوعة اختلقها عباد الأصنام من السدنة والمقابرية على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم تناقض دينه وما جاء به كحديث " إذا أعيتكم الأمور فعليكم ~~بأصحاب القبور" وحديث "لو حسن # PageV01P213 # أحدكم ظنه بحجر نفعه" وأمثال هذه الأحاديث التي هي مناقضة لدين الإسلام ~~وضعها المشركون وراجت على المدعين من الجهال والضلال الذي هم عن الحق ~~معرضون ms240 والله بعث رسوله يقتل من حسن ظنه بالأحجار، وجنب أمته الفتنة ~~بالقبور، كما جاءت به الآثار واستفاضت عنه في ذلك الأخبار بنقل أهل الصحيح ~~ونقد أهل التصحيح، فروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" وفي رواية لمسلم: " لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" وفي صحيح مسلم عن جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال سمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله ~~أن يكون إلى منكم خليل فان الله قد اتخذني خليلا كما أتخذ إبراهيم خليلا ~~وان كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وان من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم ~~عن ذلك" وعن عائشة وعبد الله بن عباس قالا لما نزل برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم طفق يطرح خميصة كانت على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو ~~كذلك: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ~~أمته ما صنعوا " متفق عليه قالت عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ ~~مسجدا" متفق عليه، وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد جيد عن عبد الله بن ~~مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ان من شرار الناس ~~من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد" وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج " رواه الإمام أحمد وأهل السنن. وهذا حال ~~من سجد لله عند قبر، فكيف بمن يسجد للقبر نفسه، أو دعاه وعدل عن أوضاع ~~الشرع إلى تعظيم أوضاع الجهال والطغام وضعوها لأنفسهم ms241 بتلبيس إبليس عليهم ~~فسهلت لهم وطابت بها قلوبهم من تعظيم القبور وإكرامها بما تهى عنه الشارع ~~ومن عبادتها بدعائها ورجائها والالتجاء إليها والتوكل عليها والنذر. لها ~~وكتب الرقاع فيها وخطاب الموتى بالحوائج يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا ~~وكذا، وأخذ تربتها والخرق التي عليها تبركا وإيقاد السرج عليها وتقبيلها ~~وتخليقها، وشد الرحال إليها، وينضاف إلى ذلك إلقاء الخرق على الشجرة ~~ودعاؤها والذبح والنذر لها # PageV01P214 # إقتداء بمن عبد اللات والعزى، والويل كل الويل عندهم لمن أعاب وأنكر ~~عليهم، ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبور وما أمر به ~~ونهى عنه وما كان عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم رأى أحدهما ~~مضادا للآخر مناقضا له بحيث لا يجتمعان أبدا، فنهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون عندها، ونهى عن اتخاذها مساجد، ~~وهؤلاء يتخذون عليها القبب والمساجد ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ~~ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقادها بالقناديل ~~والسرج فيها، ونهى عن اتخاذها أعيادا، وهؤلاء يتخذونها مناسك وأعيادا ~~يجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر، ونهى عن العقر والذبح لها، وهؤلاء ~~يعقرون عليها وينذرون لها ويدعونها، وأمر بتسويتها كما روى مسلم في صحيحه ~~عن أبي الهياج الأسدي واسمه حيان بن حصين قال: "قال لي علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" وفي صحيحه أيضا عن ثمامة ~~بن شفي الهمداني قال كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم فتوفي صاحب لنا فأمر ~~فضالة بقبر فسوي، ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها، ~~وهؤلاء يبالغون في مخالفة هذين الحديثين، فيرفعونها من الأرض كالبيت ~~ويعقدون عيها القباب ويضعون عليها التوابيت ويكسونها كما يكسى بيت الله ~~الحرام، ويفعلون عندها الموالد العظام ويجعلون لها السوائب من بهيمة ~~الأنعام، ويكثر لديها رفع الأصوات والضجيج ms242 واختلاط الرجال بالنساء كالحجيج، ~~ومن ذلك ما يفعله عباد الشيطان عند قبر أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث خارج ~~مكة وخديجة في المعلى كل سنة ثلاثة أيام مولد يحصل فيه من الضجيج وارتفاع ~~الأصوات والدعاء بالاستغاثات واختلاط النساء مع الرجال في تلك الساحات، ~~وكذلك عند قبر عبد الرحمن المحبوب بالدفوف ذوات الصنوج والطبول والبيارق ~~والنحائر داعين مستغيثين به راجينه بذلك ليكون علم ناظرا ولهم حافظا لأنه ~~المحب المحبوب، وهكذا عند قبر أبي طالب، وهم يعلمون ظاهر حاله وما هو عليه ~~قبل الممات فالحكم لعلام الغيوب، ولو تعلق مظلوم بأستار الكعبة جذبوه من ~~تحتها وفعلوا به ما أرادوا ولو دخل ظالم بسرقة أو قتل أو نهب مال على قبر ~~أحد هذين الرجلين اللذين الله أعلم بهما من خلقه وهم فقراء إليه لم يقدموا ~~ليأخذوه منه، ولم يقدموا حدود الله عليه، بل عندهم من فعل ذلك فقد تعدى ~~وظلم ومآله إلى # PageV01P215 # الندم، ومن نهى عن فعل ما تقدم وأمر بما أرسل الله به الرسل إلى سائر ~~الأمم والعمل بالأحاديث النبوية والآيات القرآنية التي هي نص على توحيده ~~خرجوه وبدعوه وكفروه ونسبوه إلينا وان كان لا يعرفنا، وما ذنبنا إلا أن ~~أمرنا بما أمر الله به رسله ونهينا عما نهى الله ورسوله، فبسبب ذلك عادونا ~~وجلبوا بخيلهم ورجالهم ومدافعهم علينا وعن حج بيت الله الحرام الذي قال ~~الله فيه: {إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه ~~للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم} ~~صدونا ومنعونا، وهدى النبي صلى الله عليه وسلم صار شعارنا واتباع سنته علما ~~علينا، فهم بذلك يعابوننا ويوبخوننا ويسبوننا ويجاهدوننا وما ذاك منهم ~~علينا إلا إتباع الأهواء وعموم البلوى والطعن في الدين والعناد في اليقين. ~~{أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل ~~على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله} وهم يفعلون المنكرات ويجعلونها ~~قربات ونتيجتها صدقات زيادة على الشرك الأكبر في تلك ms243 المعتقدات، وذلك كله ~~موجود في حرم الله وغيره من الساحات، وهل هذا كله إلا لفقد الإسلام وجهله ~~والاستهانة به عند هؤلاء الخاص منهم والعام، حيث جعلوا المنكر دينا ونتيجة ~~حسنة يقينا، لكن مصيبة فقد الدين تهون ما هو فعل الظالمين المعاندين ونهى ~~عن الكتابة عليها كما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله ~~عنهما قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر وان يقعد عليه ~~وأن يبنى عليه، وروى أبو داود في سننه عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم" نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها" قال الترمذي حديث ~~حسن صحيح، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن والأشعار ~~ويعلقون عليها بيض النعام وقناديل الفضة والرخام، فهؤلاء المعظمون للقبور ~~المتخذونها أعيادا الموقدون عليها السرج الذين يبنون عليها المساجد والقباب ~~مناقضون لما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، محادون لما جاء به، ~~وأعظم ذلك اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها، وهو من الكبائر، ومن يزعم أنا ~~نكفر بمجردها فهو كاذب جائر، إنما نكفر بالشرك الذي لا يغفر، وهو دعاؤها ~~ورجاؤها والاستغاثة بها وذبح القربان والنذر لها لتدفع سوءا أو تجلب خيرا، ~~أو تكون واسطة في ذلك، نعم نحن نهدم القباب التي على القبور، ونأمر بهدمها ~~كما هدم النبي صلى الله عليه وسلم قبة اللات في الطائف، وأمر علي رضي الله ~~عنه بهدمها وخفض القبور المشرفة مطلقا وتسويتها، وقد أمر به وفعله الصحابة ~~والتابعون والأئمة # PageV01P216 # المجتهدون، قال الشافعي في الأم ورأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى ~~على القبور ويؤيد الهدم قوله ولا قبرا مشرفا إلا سويته، وحديث جابر المتقدم ~~ذكره الذي في صحيح مسلم. ولأنها أسست على معصية الرسول لنهيه فبناء أسس على ~~معصيته ومخالفته بناء غير محترم، وهو أولى بالهدم من بناء الغاصب قطعا، ~~وأولى من هدم مسجد الضرار المأمور بهدمه شرعا، إذ المفسدة هنا أعظم حماية ~~للتوحيد، وأما هذه الكبائر فقد صرح الفقهاء من أصحاب ms244 مالك وأحمد وأبي حنيفة ~~والشافعي وغيرهم من الصحابة والتابعين على تحريمها وأنها بدعة نهى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عنها، قال أبو محمد المقدسي لو أبيح اتخاذ السرج ~~عليها لم يلعن من فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وافراطا في ~~تعظيم القبور أشبه تعظيم الأصنام، هذا وبيوت الله ظلمات لا يوقد فيها نور، ~~بل يرون أن الفضل عليها في ذلك القبور، وقد آل الأمر بهؤلاء المعتقدين ~~تعظيم القبور تعظيم عبادة للاحترام في الصدور إلى أن شرعوا لها حجا ووضعوا ~~له وقتا وجعلوه أضعاف حج بيت الله الحرام سبعا هذا قبر ابن علي الذي في ~~مرباط من بلاد اليمن قد شاع عند الخاص منهم والعام ان زيارته والتبتل إليه ~~في رجب تعدل سبع حجات وكذا الزيلعي الذي في اللحية قد شاع عندهم وذاع ان من ~~مات فيها ودفن حوله في تلك البلاد انه في لحيته ليس عليه حساب ولا عذاب، ~~وكذا قبر العيدروس الذي في عدن، وكذا قبر الشاذلي في المخافان أهل البر ~~والبحر ليس لهم لهجة في الشد والرخاء إلا بذكره زاعمين أنهم في أمانه وتحت ~~نظره، وانه يغيث من دعاه في الشدة نائيا كان، أو قريبا في البر أو في ~~البحر، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه مناسك حج مشاهد الأبرار لمن ~~عني إليهم من المقيمين والزوار، وصنف بعضهم كتابا سماه روضة الأبرار في ~~دعوة الأولياء الأخيار عند الشدائد المدلهمة الغزار، ولا يخفى أن هذا بعينه ~~مفارق دين الإسلام والدخول في عبادة الأصنام، ومن نظر منصفا بإخلاص إلى هذا ~~التباين العظيم في هؤلاء المعتقدين من الناس عن الدين القويم والصراط ~~المستقيم ماز وفرق بين ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده من ~~النهي عما تقدم ذكره في القبور والاعتقاد وجاهد عليه وبين ما شرعه هؤلاء ~~وقصدوه واعتقدوا فيه ودعوه ودعوا إليه، وحينئذ يحق أنا إنما ندعوا إلى صراط ~~مستقيم، صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض، إلا إلى الله ms245 تصير # PageV01P217 # الأمور، ويحقق تك المفاسد الناشئة من خبث العقائد التي يعجز العادون عن ~~حصرها، وتشمئز قلوب العارفين لذكرها. # (فمنها) : تعظيمها الموقع في الافتتان بها من العكوف عليها والمجاورة ~~عندها وتعليق الستور والألواح وبيض النعام وقناديل الفضة والرخام عليها ~~وسدنتها وعبادتها يرجحون المجاورة عندها على المجاورة عند البيت والمسجد ~~الحرام، ويرون أن سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل عندهم لقيمها ليلة ~~يطفأ القنديل المعلق عليها. # (ومنها) : بذل النذور لها ولسدنتها لجلب الخير ودفع الشرور. # (ومنها) : اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء وينصر على الأعداء، ~~وينزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار ~~الحائف، ويأمن الحوادث، إلى غير ذلك من الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. # (ومنها) : الدخول في اللعنة، لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها ~~وإيقاد السرج والقناديل فيها ووقفه عليها. # (ومنها) : اجتماع الرجال مع النساء واختلاطهم وضجيجهم ودعاؤهم إياهم. # (ومنها) : جعل المنكرات قربات. # (ومنها) : إيذاء أصحابا بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما ~~يفعل عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح يكره ما تفعله ~~النصارى عند قبره إذا وجد في الأرض وما يعتقدونه في قلوبهم من الإفراط ~~والتفريط في الحب، وكذلك غيره من الأنبياء والأولياء والمشايخ يؤذيهم ما ~~يفعله المعتقدون أشباه النصارى وأشكالهم عند قبورهم ويوم القيامة يتبرؤون ~~منهم كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا} قال الله للمشركين فقد كذبوا بما تقولون وقال تعالى: {ويوم يحشرهم ~~جميعا # PageV01P218 # ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من ~~دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} . # (ومنها) : مشابهة اليهود والنصارى في اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها. # (ومهنا) : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. # (ومنها) : التعب والنصب بالبناء والتشييد ووضع الأبواب ونقشها والجدران ~~والاعتقاد، والتعظيم مع الوزر الكثير والإثم العظيم. # (ومنها) : ان ms246 هذا الاعتقاد يؤول إلى حبط العمل والخسران. # (ومها) : إماتة السنن وإحياء البدع. # (ومنها) : جعل البدعة واجبا وسنة، والواجب والمسنون بدعة وإثما، وهم في ~~ذلك لا يعون ولا يتذكرون بل لمن خالفهم فيه ونهاهم عنه يبدعون ويخرجون ~~ويكفرون. # (ومنها) : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله، فان عباد القبور ~~يقصدونها مع التعظيم والاحترام والخشوع ورقة القلب والعكوف بالهمة والعزم ~~على الموتى بما لا يفعلون في المساجد ربع عشرة ويحصل لهم فيها نظير ولا ~~قريب من مثليه. # (ومنها) : أن ذلك تضمن عمارة القبب والمشاهد وتنويرها وتعطيل المساجد من ~~بيوت الله وعدم توقيرها، ودين الله الذي بعث به رسله وأنزل كتبه بضد ذلك ~~كله. # (ومنها) : ان الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما ~~هو تذكار الآخرة والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه والاستغفار ~~له وسؤاله العافية للزائر وله فيكون الزائر محسنا إلى الميت وإلى نفسه حتى ~~لو كان نبيا أو وليا فالدعاء له مطلوب وهو إليه محبوب، وقد أمرنا صلى الله ~~عليه وسلم أن نسأل الله له الوسيلة والفضيلة وأن يبعثه المقام المحمود الذي ~~وعده وذلك له محقق ولكن تنويها بذكره ورفعا لقدره وليعود ثواب الدعاء إلى ~~الداعي، والكامل يقبل الكمال، فقلب هؤلاء المشركون الأمر وعكسوا الدين، ~~وكانوا من الفريقين المغضوب عليهم والضالين بقصدهم زيارة الشرك الأموات # PageV01P219 # يدعونهم، ويدعون بهم، ويسألونهم حوائجهم، واستنزال الرحمة والبركات بهم ~~ونصرتهم لهم على أعدائهم وتفريج كرباتهم، وكشف شدائدهم، وإقالة عثراتهم، ~~والعفو عن زلاتهم والهتف بذكرهم لحاجاتهم، فهم مسيئون إلى أنفسهم، محبطون ~~لأعمالهم، مؤذون للأموات غالون في العقائد والمعتقدات معرضون عن شريعة ~~الرسول، وما قاله الله في الآيات. وقد روى خالد بن دينار قال لما فتحنا ~~تستر وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف له ~~فأخذنا المصحف فحملناه إلى عمر ابن الحطاب رضي الله عنه فدعا له كعبا فنسخه ~~بالعربية فأنا أول رجل من العرب قرأته مثل ما أقرأ القرآن، قال خالد فقلت ~~لأبي العالية ما كان فيه ms247 قال سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو كائن بعد، ~~قلت فما صنعتم بالرجل قال حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان ~~بالليل دفناه وواسينا القبور كلها مع الأرض لنعميه على الناس لا ينبشونه ~~فقلت وما يرجون منه، قال كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير فيمطرون ~~فقلت من كنتم تظنون الرجل قال رجل يقال له دانيال فقلت منذ كم وجدتموه مات ~~قال: منذ ثلاثمائة سنة قلت ما كان تغير منه شيء قال لا إلا شعيرات من قفاه ~~ان لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما ~~فعله المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به الناس ولم يبرزوه ~~للدعاء عنده والتبرك به ولو ظفر به هؤلاء المشركون وعلموا حقيقته وما يكون ~~لجادلوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله، فإنهم قد اتخذوا من القبور ~~أوثانا من لا يداني هذا ولا يقاربه، بل لعله عدو لله وأقاموا لها سدنة ~~وجعلوها معابد أعظم من المساجد، وهم يقولون ويعتقدون أن الصلاة عندها ~~والدعاء حولها والتبرك بها لها أفضلية مخصوصة ليست في المساجد، ولو كان ~~الأمر كما زعموا بل لو كان مباحا لنصب المهاجرون والأنصار هذا القبر علما ~~لذلك ولما أخفوا قبره خشية الفتنة به وعليه بل دعوا عنده وسنوا ذلك لمن ~~بعدهم ولكن كانوا أعلم بالله ورسوله من هؤلاء الخلوف التي خلفت بعدهم، ولو ~~حضروهم لجادلوهم لأنهم قد اعتقدوا وقالوا ضد ما السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان عليه، وما أحسن ما قال الإمام ~~مالك بن أنس رحمه الله تعالى لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ~~ولكن، كلما ضعفت تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما ~~أحدثوه من # PageV01P220 # البدع والشرك، ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه حتى كان أحدهم ~~إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة وجعل ~~ظهره إلى جدار القبر ثم دعا. # وقال سلمة بن وردان رأيت أنس ابن مالك رضي الله عنه ms248 يسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ثم يدعو، ونص على ذلك الأئمة ~~الأربعة رحمهم الله تعالى ان المسلم إذا فرغ من السلام وأراد الدعاء استقبل ~~القبلة حتى لا يدعو عند القبر، فان الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره ~~مرفوعا: "الدعاء هو العبادة " فجرد السلف العبادة لله ولم يفعلوا عند ~~القبور منها إلا ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذن فيه من السلام ~~كلى أصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم، فان الميت قد انقطع عمله، وهو ~~محتاج إلى من يدعو له ويشفع له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء له ~~وجوبا واستحبابا ما لم يشرع مثله في الدعاء للحي، وعلى هذا مضى الصحابة ~~والتابعون لهم بإحسان، فقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ورضي الله عنهم بالأمصار عدد كثير وهم متوافرون فما منهم من ~~استغاث عند قبر صاحب ولا دعاه، ولا دعا به، ولا دعا عنده، ولا استسقى به، ~~ولا انتصر به. ومن المعلوم أن مثل هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، ~~بل على نقل ما هو دونه وحينئذ فلا يخلو إما أن يكون الدعاء عندها والدعاء ~~بأصحابها أفضل منه في غير تلك البقعة أو لا يكون، فإن كان أفضل فكيف خفي ~~علما وعملا على الصحابة والتابعين وتابعيهم فتكون القرون الثلاثة الفاضلة ~~جاهلة علما وعملا بهذا الفضل العظيم، وتظاهر به الخلوف علما وعملا، ولا ~~يجوز أن يعلم السابقون الأولون علما ويزهدون فيه عملا وهو يحثهم على الطاعة ~~ويرغبهم فيها ثم لا ينقلونه أيضا إلى من بعدهم مع حرصهم على كل خير لاسيما ~~الدعاء فان المضطر يتشبث بكل سبب يعلم أن له فيه نفعا وان كان فيه كراهة ~~هذا، وهم قد عرضت عليهم شدائد واضطرارات وفتن وازعاجات وقحط وسنون مجدبات ~~أفلا جاؤا إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو أحد من أصحابه شاكين وله ~~بها مخاطبين وبكشفها عنهم وتفريج كرباتهم إياه داعين أم كيف يعلمون فضل ~~الدعاء ms249 عند القبور ثم لا يقصدونها، هذا محال طبعا وشرعا، وقد أنكر الصحابة ~~رضي الله عنهم ما هو دون هذا بكثير، فروي غير واحد عن المعرور بن سويد قال ~~صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح فقرأ فيها ألم تر كيف فعل ~~ربك بأصحاب الفيل # PageV01P221 # ولئيلاف قريش ثم رأى الناس يذهبون مذاهب، فقال أين يذهبون هؤلاء فقيل يا ~~أمير المؤمنين مسجد صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم فهم يصلون فيه، فقال ~~إنما هلك من كان قبلكم بمثل هذا كانوا يتبعون آثار أنبيائهم يتخذونها كنائس ~~وبيعا يرغبون عن هديه ويعرضون عما جاء به فمن أدركته الصلاة منكم في هذه ~~المساجد فليصل ومن لا فليمض ولا يتعمدها، وكذلك أرسل عمر رضي الله عنه وأمر ~~بقطع الشجرة السمرة التي بايع تحتها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيعة الرضوان، وذكرها الله في القرآن لما رأى الناس ينتابونها ويصلون عندها ~~كأنها المسجد الحرام أو مسجد المدينة فقطعت بأمره، بل قد أنكر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على أصحابه لما سألوه أن يجعل لهم شجرة يعلقون عليها ~~أسلحتهم وأمتعتهم بخصوصها يعظمونها بذلك ويتنوطون أي يجتمعون عندها ويعلقون ~~أسلحتهم عليها لتعظيمها كما في حديث أبي راقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبل حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة ~~يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا ~~يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "هذا كما قالت بنو إسرائيل اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم ~~قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق ~~الأسلحة والعكوف حولها لتعظيمها إلها مع الله وهم لا يدعونها مع ذلك ولا ~~يسألونها فما الظن بالعكوف حول القبر والدعاء به ودعاؤه ورجاؤه والتوكل ~~عليه والذبح والنذر له ليجلب خيرا أو يدفع سوءا، وأي نسبة للفتنة بشجرة إلى ~~الفتنة بالقبر، ولكن لو ms250 كان أهل الشرك يعون ويعلمون الحق ولا فيه يعاندون ~~ولا به يكذبون لما كانوا لنا يكفرون والفتنة يعتقدون والكفر يقولون ~~ويفعلون، قال أهل العلم من أصحاب مالك وغيرهم انظروا أينما وجدتم سدرة أو ~~شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون البرء منها والشفاء من قبلها أو يضربون ~~بها المسامر ويعقدون بها الخرق فهي ذات أنواط فاقطعوها، وقال الحافظ أبو ~~محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتابه الذي ألفه وبين فيه ~~الحوادث والبدع وسماه كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث، ومن هذا القسم ~~أيضا قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد ~~وتعظيم مواضع مخصوصة من كل بلد يحكي لهم بها حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ~~ممن اشتهر بالصلاح والولاية أو فلان الولي له فيها وطأة # PageV01P222 # فيعظمون تلك الأماكن في قلوبهم وألسنتهم ويأتونهم لشفاء أمراضهم وقضاء ~~حوائجهم بدعائها والنذر لها وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر فهم يفعلون ~~هذا الشرك ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله وسننه ويظنون أنهم يتقربون ~~بذلك إليه إلى ان قال فيه كلاما مجانسا لما ذكرنا فما أسرع هذا الشرك إلى ~~اتخاذ الأوثان من دون الله ولو كانت ما كانت، ويقولون ان هذا الحجر وهذه ~~الشجرة وهذه الوطأة وهذه العين يضر وينفع ويشفع ويقبل النذر أي يقبل ~~العبادة من دون الله فان النذر عبادة قربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور ~~له، فهم يتمسحون بتلك الأنصاب ويستلمونها ولقد أنكر السلف التمسح بحجر مقام ~~إبراهيم عليه السلام الذي أمرنا الله أن نتخذ منه مصلى كما ذكر ذلك ~~الأزريقي في كتاب مكة عن قتادة في قوله تعالى: {واتخذوا من مقام إبراهيم ~~مصلى} قال إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه ولقد تكلفت هذه الأمة ~~شيئا ما تكلفته الأمم قبلها ولو ذكر أثر قدم أو أصبع عكفوا عليه ومسحوه حتى ~~اخلولق الدين وغرب الإسلام، وعاد اعتقاد المشركين وعظمت الفتنة بهذه ~~الأنصاب كفتنة أصحاب القبور التي هي أصل فتنة عباد الأصنام ذكره السلف من ms251 ~~الصحابة والتابعين ولم يكفهم التسمح الآن بالمقام بل يدعونه ويرجونه ~~وينذرون له ويسألونه شفاعته ويخاطبونه بقضاء حوائجهم وردهم إلى أوطانهم ومن ~~عاب ذلك وأنكره عليهم فهو عندهم منسوب إلينا وقالوا له وهابي أو عارضي أو ~~شرقي أو خارجي وما ذنب هذا المعيب المنكر إلا أنه شاكنا أو وافقنا بالأمر ~~فيما أمر الله به ورسوله والنهي عما نهى الله عنه ورسوله، والعلماء بذلك ~~يعلمون وقلوبهم مطمئنة غير كارهة فهم لا ينكرون ولا الحق يقولون. وفي ~~مقابلة المسجد الحرام. والبيت والمقام جهة الشرق زقاق يقال له زقاق الحجر ~~فيه حجر موضوع عرض الحائط يتمسحون به ويدعونه زاعمين أنه الذي سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وهو كذب وبهتان ليس هو، فإنه صلى الله عليه وسلم ~~قال وهو في المدينة أني لأعلم حجرا بمكة يسلم علي ولم يعينه خشية الافتتان ~~به، بل لو تحقق أنه هو ليس هو بأفضل من مقام إبراهيم وجدار الكعبة المشرفة، ~~والسلف الصالح ينهون عن التمسح بشيء من ذلك إلا الحجر الأسود سنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم من جملة حب الله ~~وذكره وان من شيء إلا يسبح بحمده وجميع المخلوقات حتى الجمادات تعرفه صلى ~~الله عليه وسلم لما جعل الله فيها من قوة الادراكات وإذا فلا مزية في حجر ~~أو # PageV01P223 # شجر إلا الحجر الأسود خاصة فانه يمين الله في الأرض، ومع سنية تقبيله ~~ووضع الجبين عليه لا يدعى ولا يرجى ولا يتوكل عليه وان اعتقدنا شفاعته في ~~الآخرة ليس هو بأفضل من الأنبياء والأولياء ومع ذلك لا يشفعون إلا من بعد ~~إذن الله لمن يرضى عنه وإذا فسؤال الشفاعة إنما هو من الله فسأل منه كما ~~يسأل تعالى الثبات على الدين والوفاة على الإيمان وهو أرحم الراحمين. ~~ويقابله حجر منقور على قدر المرفق يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تمرفق عليه فأثر به وهو أيضا كذب لم ينقل عن الصحابة ولا عن التابعين ولا ~~تابعيهم ولا عمن يعتد ms252 به من أهل العلم ولم ينقل ولا في حديث ضعيف انه صلى ~~الله عليه وسلم وجد له أثر قدم أو أثر مرفق أو وضع في حجر، وإنما ذلك من ~~تلبيس إبليس على هؤلاء ليغويهم ويحسن لهم شركهم وهم يزعمون أنه حب لنبيهم، ~~وما محبته إلا اتباع شرعه، وما جاء به والعمل به، ودحض ضده، ومعاداته، ~~زيادة على حب ذاته صلى الله عليه وسلم ففي البخاري عن أبي هريرة رضي الله ~~عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من والده وولده " وفيه أيضا عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه ~~من ولده ووالده والناس أجمعين" وفيه أيضا عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله ومن يكره أن يعود في الكفر ~~بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النا ر" وفيه أيضا عن عبد الله ~~بن هشام قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب ~~فقال عمر: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال له عمر ~~فانه الآن يا رسول الله والله لأنت أحب إلي من نفسي فقال النبي صلى الله ~~عليه وسلم الآن يا عمر" وليس حقوق الأنبياء في تعزيرهم وتوقيرهم إلا مجتهم ~~محبة مقدمة على النفس والأهل والمال وإيثار طاعتهم ومتابعتهم في ستهم ~~وهديهم ونحو ذلك من الحقوق التي من قام بها لم يقم بعبادتهم والإشراك بهم، ~~كما ان عامة من يشرك بهم شيئا أكبر أو أصغر يترك ما عليه من طاعتهم بقدر ما ~~ابتدعه من الإشراك ms253 به، فليس على المؤمن ولا له إلا طلب طاعتهم قال تعالى: ~~{وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} وقال تعالى: {من يطع الرسول فقد ~~أطاع الله} وكذلك حقوق الصديقين المحبة في # PageV01P224 # القلب وتوقيرهم وإجلالهم فيه، ونحو ذلك من الحقوق التي جاء بها الكتاب ~~والسنة وكان عليها سلف الأمة لا عبادتهم ولا عبادة قبورهم أو آثارهم وقد ~~قال صلى الله عليه وسلم" اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وفي المعلى زاوية ~~تنسب لعبد القادر رحم الله روحه ونور ضريحه فيه دوحة عظيمة يعلقون عليها ~~الخرق ويجعلون فيها البيارق والأعلام يرجونها وبركتها ويدعونها وليست إلا ~~ذات أنواط، وفي المدعى زاوية أخرى فيها مثلها غير الزوايا والبنايا التي ~~على القبور تدعى وترجى، فقد وجد في حرم الله طهره الله وصانه وجعل المتقين ~~أولياءه وسكانه جميع ما نهى الله عنه في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم ~~تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر ~~والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} فأما الخمر ~~والميسر والأزلام والزنا واللواط فهذا أمر مشهور دلائله قائمة عليه حتى في ~~المسجد الحرام تجاه الكعبة المشرفة، وأما الأنصاب فهي كل ما نصب يعبد من ~~دون الله أو معه من حجر أو شجر أو وثن أو قبر وأحدها نصب كطنب والجمع أنصاب ~~كأطناب، قال ابن عباس كل معبود من دون الله أو معه فهو نصب قبرا كان أو ~~حجرا أو شجرا. وقال الزجاج أصلها الحجارة التي تتخذ على صورة من يعبدونه ثم ~~استعملت في كل الأوثان وقال مجاهد وقتادة وابن جريح كانت الأنصاب حول البيت ~~أحجارا كان أهل الجاهلية يذبحون عليها وكانوا يعظمونها ويدعونها لتشفع لهم ~~ويعبدونها وكل ما اتخذ لذلك فهو نصب، والأصنام أخص من ذلك، وقال الفراء ~~الأنصاب هي الآلهة التي كانت تعبد من أحجار أو أشجار أو قبور أو غيرها، ~~وأصله من الشيء المنصوب الذي يقصده من أراده ورآه ms254 ومنه قوله تعالى: {يوم ~~يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون} قال ابن عباس إلى غاية أو ~~علم يسرعون وهو قول أكثر المفسرين وقال الحسن يعني إلى أنصابهم أيهم ~~يستلمها أول. قال الزجاج وهذا على قراءة من قرأ نصب بضمتين كقوله وما ذبح ~~على النصب. قال ومعناه أصنام لهم فالشيطان قد نصب للمشركين ما قصدوه فدعوه ~~واعتقدوه وعبدوه كائنا من كان في أي مكان كان ولا يخفى ما اعتقدوا في عبد ~~الرحمن المحجوب وأبي طالب ومحمود ولد إبراهيم بن أدهم وولد البدوي وسائر ~~عباد الله من الأنبياء والأولياء وابن عباس أو غيرهم من الشياطين والأخشاب ~~والأحجار # PageV01P225 # والأشجار والاعتقادات الغزار والمعتقدات حتى الطين والفخار فإنهم يزعمون ~~أن حماية مكة المشرفة بالقبرين المكتنفين لها اللذين في أطرافها من أسفلها ~~وأعلاها أحدهما محمود والآخر أبو طالب وأنها في حفظ البنايا التي بين ذلك ~~وحماها ولم يحققوا معنى قوله تعالى: {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب ~~لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا * فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا ~~عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا..} ~~الآية فبعث عليهم بخت نصر فقتل منهم ألوفا وسبى ذريتهم وخرب بيت المقدس، ~~وهو أكثر أرض الله أنبياء فما حموه ولا أغنوا عنه من الله شيئا، ولكن الله ~~الحافظ لبيته ولحرمه كما حفظه من أبرهة وأمثاله. فبهذا يتبين أن الشيطان ~~اللعين نصب لأهل الشرك قبورا يعظمونها ويعبدونها أوثانا من دون الله، ثم ~~يوحي إلى أوليائه ان من نهى عن عبادتها واتخاذها أعيادا وجعلها والحالة هذه ~~أوثانا فقد انتقصها وغمصها حقها وسبها، فيسعى الجاهلون المشركون في قتالهم ~~وعقوباتهم وما ذنبهم عند هؤلاء المشركين إلا أنهم أمروهم بإخلاص توحيده ~~ونهوهم عن الشرك بأنواعه قالوا وتعطيله نعند ذلك غضب المشركون واشمأزت ~~قلوبهم فهم لا يؤمنون وقالوا قد انتقصوا أهل المقامات والرتب فاستحقوا ~~الويل والعتب، وفي زعمهم أنهم لا حرمة لهم ولا قدر، ويسري ذلك في نفوس ~~الجهال والطغام كثير ممن ينتسب إلى العلم والدين وحب الأولياء ms255 وإتباع ~~المرسلين، وبسبب ذلك عادونا وبالعظائم الكبائر والجرائم الغزار رمونا ~~ونسبوا كل فعل قبيح إلينا ونفروا الناس عنا وعما ندعوا إليه، والوا أهل ~~الشرك وظاهروهم علينا وزعموا أنهم هم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله ~~وكتابه، ويأبى الله ذلك، فما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون له ~~الموافقون له العارفون به، وبما جاء به والعاملون به والداعون إليه لا ~~المتشبعون بما لم يعطوا، اللابسون ثياب الزور الذين يصدون الناس عن دين ~~نبيهم وهديه وسنته ويبغونها عوجا يحسبون أنهم يحسنون صنعا بإتباعه واحترامه ~~والعمل به تعظيم الأنبياء والأولياء واحترامهم ومتابعتهم لهم فيما يحبونه ~~وتجنب ما يكرهونه وهم أعصى الناس لهم وأبعدهم منهم ومن هديهم ومتابعتهم ~~كالنصارى مع المسيح، واليهود مع موسى، والرافضة مع علي، وأهل التوحيد أين ~~كانوا أولى بهم وبمحبتهم ونصرة طريقتهم وسنتهم وهديهم ومنهاجهم، وأولى ~~بالحق قولا وعملا من أهل الباطل، فالمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، ~~والمنافقون والمنافقات # PageV01P226 # والمشركون والمشركات بعضهم من بعض، ومن أصغى إلى كلام الله بكلية قلبه ~~وتدبره وتفهمه أغناه عن إتباع الشيطان وشركه الذي يصد عن ذكر الله وعن ~~الصلاة وينبت النفاق في القلب، وكذلك من أصغى إليه وإلى حديث الرسول بكليته ~~وحدث نفسه وعمل باقتباس الهدى والعلم منه لا من غيره أغناه عن البدع والشرك ~~والآراء والتخرصات والشطحات والخيالات التي هي وساوس الشيطان والنفوس ~~وتخيلات الهوى والبؤس، ومن بعد عن ذلك فلا بد أن يتعوض بما لا ينفعه بل ~~مضرة عليه كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وذكره وخشيته والتوكل عليه ~~والإنابة إليه أغناه ذلك عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، وأغناه عن عشق ~~الصور وإذا خلا من ذلك عبد هواه أي شيء استحسنه ملكه واستعبده، فالمعرض عن ~~التوحيد عابدا الشيطان مشرك شاء أم أبى، والمعرض عن السنة مبتدع شاء أم ~~أبى، والمعرض عن محبة الله وذكره عبد الصور شاء أم أبى، والله المستعان ~~وعليه التكلان وهو حسبنا ونعم الوكيل. # وأما الصلاة في المقبرة فقد اختلف الفقهاء فيها هل هي محرمة أو مكروهة ~~وإذا ms256 قيل هي محرمة فهل تصح مع التحريم أم لا والمشهور عن الإمام أحمد ~~وموافقيه أنها تحرم ولا تصح لما روى عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "أنه نهى عن الصلاة في سبعة مواطن وعد منها المقبرة" وفي صحيح ~~مسلم عن أبي مرثد الغنوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تجلسوا ~~على القبور ولا تصلوا إليها" وقال أبو سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه الإمام أحمد وأهل ~~السنن الأربعة وصححه أبو حاتم بن حبان وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلى عند قبر فقال القبر القبر. وهذا يدل ~~بصريحه على أنه كان من المستقر عند الصحابة رضي الله عنهم ما نهاهم عنه ~~نبيهم من الصلاة عند القبور، وفعل أنس لا يدل على اعتقاد جوازه فإنه فلعله ~~لم يره أو لم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه فلما نبهه عمر تنبه ولم يصل، ومن ~~تأمل النصوص المتقدمة تبين له أنها محرمة بلا شك وأن الصلاة فيها لا تصح، ~~وفي هذا إبطال قول من زعم أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الصلاة ~~فيها لأجل النجاسة فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول وهو باطل من عدة أوجه: # PageV01P227 # منها أن الأحاديث كلها ليس فيها فرق بين المقبرة الحديثة والمنبوشة كما ~~يقوله المعللون بالنجاسة. # ومنها أنه صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور ~~أنبيائهم مساجد ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة فان ذلك لا يختص بقبور ~~الأنبياء ولأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع ليس للنجاسة عليها طريق البتة، ~~فان الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم فهم في قبورهم طريون. ومنها أنه ~~نهى عن الصلاة إليها. # (ومنها) : أنه أخبر أن الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ولو كان ذلك ~~لأجل النجاسة لكان ذكر الحشوش والمجازر أولى من ذكر القبور ولما ذكر ~~الحمام. # (ومنها) : ان ms257 موضع مسجده صلى الله عليه وسلم كان مقبرة للمشركين فنبشوا ~~مكان قبورهم وسواها واتخذه مسجدا، ولم ينقل ذلك التراب بل سوى الأرض ومهدها ~~على ذلك كما ثبت في الصحيحين عن أنس بن مالك قال: لما قدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة فنزل بأعلاها في حي يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ بني النجار ~~فجاؤا متقلدين السيوف وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته ~~وأبو بكر ردفه وملأ بني النجار حوله حتى ألقى بفناء أبي أيوب وكان يحب أن ~~يصلي حيث أدركته الصلاة ويصلي في مرابض الغنم وأنه أمر ببناء المسجد فأرسل ~~إلى ملأ بني النجار فقال يا بني النجار ثامنوني بحائطكم هذا فقالوا لا ~~والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله. فكان فيه ما أقول لكم قبور المشركين وفيه ~~خرب وفيه نخل فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقبور المشركين فنبشت ثم ~~بالحرب فسويت وبالنخيل فقطعت فصفوا النخيل قبلة المسجد وجعلوا عضادتيه ~~الحجارة وجعلوا ينقلون الصخر وهم يرتجزون وذكر الحديث. # (ومنها) : ان فتنة الشرك بالصلاة في القبور ومشابهة عباد الأوثان أعظم ~~بكثير من مفسدة الصلاة بعد العصر والفجر فإذا نهى عن ذلك سدا لذريعة التشبه ~~الذي لا يكاد يخطر ببال المصلى فكيف بهذه الذريعة القربة التي كثيرا ما ~~تدعو صاحبها إلى # PageV01P228 # الشرك من دعاء الموتى واستجابتهم، وطلب الحوائج منهم، واعتقاد أن الصلاة ~~عند قبورهم أفضل منها في المساجد، وغير ذلك مما هو محادة ظاهرة لله ورسوله، ~~فان فصد الصلاة عندها عين المحادة لله ولرسوله، فأنى التعليل بنجاسة البقعة ~~من هذه المفسدة، ومما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد منع الأمة ~~من الفتنة بالقبور كما افتتن بها قوم نوح ومن بعدهم. # (ومنها) : أنه لعن المتخذين عليها المساجد ولو كان ذلك لأجل النجاسة لا ~~يمكن أن يتخذ عليها المسجد مع تطيينها بطين طاهر فتزول اللعنة وهو باطل ~~قطعا. # (ومنها) : أنه قرن ms258 في اللعنة متخذي المساجد عليها ومرقدي السرج عليها ~~فهما في اللعنة قرينان وفي ارتكاب الكبيرة من أصل واحد مجتمعان، فان كل ما ~~لعن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو من الكبائر، ومعلوم أن إيقاد ~~السرج عليها إنما لعن فاعله لكونه وسيلة إلى تعظيمها وجعلها نصبا يقصده ~~المشركون لينالوا منه ما طلبوه ويحصل لهم ما قصدوه، كما هو الواقع الآن من ~~مشركي هذا الزمان، فهكذا اتخاذ المساجد عليها، ولهذا قرن بينهما فان اتخاذ ~~المساجد عليها تعظيم لها وتعريض للفتنة بها، ألا ترى إلى ما حكى الله عن ~~المتغلبين على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا لنتخذن عليهم مسجدا. # (ومنها) : أنه صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فذكر ذلك عقيب قوله ~~اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد تنبيه منه على سبب لحوق اللعن لهم وهو توسلهم ~~بذلك إلى أن تصير أوثانا تعبد بدعائها ورجائها، # وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه وذرائعه وفهم عن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم مقاصده جزم جزما لا احتمال معه للنقيض ان هذه المبالغة منه ~~واللعن والنهي بصيغته صيغة لا تفعلوا أو صيغة إني أنهاكم عن ذلك ليس لأجل ~~النجاسة بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكاب ما عنه نهاه ~~وإتباع هواه وعموم بلواه، ولم يخش الله ربه ومولاه وقل نصيبه أو عدم من ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه ~~وسلم صيانة لحمى التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه # PageV01P229 # وتجريدا له وغضبا لربه أن يعدل به سواه. فأبى المشركون إلا معصية لأمره ~~وارتكابا لنهيه وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ والصالحين ~~وكلما كنتم فيهم أشد غلوا كنتم بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد، ووالله ان ~~من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر، ومنه دخل على عباد ~~الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة، فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن ~~في طريقهم، ms259 وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم والعمل بهديهم وانزلهم ~~منازلهم التي أنزلهم الله إياها من العبودية وسلب خصائص الألوهية عنهم، ~~وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، وأما المشركون فعصوا أمرهم وخالفوا طريقتهم ~~فانتقصوهم بذلك وان عظموا صورهم، قال الشافعي رحمه الله: أكره شديدا أن ~~يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس. ~~وقال مالك: لا يزاد القبر عن السلام عليه والدعاء له ولا يتحرى الدعاء ولا ~~الصلاة عنده، هذا شعار اليهود والنصارى المشركين. وقال أبو حنيفة: يسلم على ~~الميت ويدعو له ولا يدعو به ولا يصلى عنده لأنه من فعل المشركين، وكذا قال ~~أبو يوسف، وممن علل بالشرك أيضا ومشابهة اليهود والنصارى الأثرم في كتاب ~~ناسخ الحديث ومنسوخه، فقال بعد أن ذكر حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا طهورا إلا القبر والحمام" وحديث سعيد ~~بن جبير عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "نهى عن الصلاة في سبع مواطن" فذكر منها المقبرة إنما كرهت الصلاة في ~~المقبرة للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. وهذه ~~المسائل المشهورة عند أربابها معروفة إنما الغرض التنبيه على ما يخفى من ~~غيرها فما دخل في هذا قصد القبور للدعاء عندها أو بها فان الدعاء عند ~~القبور وغيرها من الأماكن ينقسم إلى نوعين: # (أحدهما) : أن يحصل الدعاء في البقعة اتفاقيا لا قصد الدعاء فيها كمن ~~يدعو الله في طريقه ويتفق أن مروره بالقبور أو كمن يزورها فيسلم على أهلها ~~فيسأل الله العافية له وللموتى كما جاءت به السنة فهذا ونحوه لا بأس به بل ~~الثاني مأمور به. # (الثاني) : أن يتحري الدعاء عندها بحيث يعتقد أن الدعاء هناك أحق ~~بالإجابة منه في غيره، فهذا النوع منهي عنه نهي تحريم وما جاء عن الله أو ~~رسوله # PageV01P230 # كالدعاء والذكر في أماكن نسك الحج التي هي من شعائر الله فالعمل به هو ~~المندوب والقصور عليه هو المطلوب. # (وقول ms260 صاحب المقدمة) لكن لا يلزم من ذلك تكفير مرتكبه ... الخ دليل على ~~أمور: # (الأول منها) : أنه لم يعرف الشرك وحقيقته لأنه جعل تعظيم القبور ~~وعبادتها بدعائها برجائها والاستغاثة بما والنذر لها لتدفع سوءا أو تجلب ~~خيرا إنما فيه مجرد الحرمة فقط. # (الثاني) : أنه جاهل حقيقة ما عليه عباد الأوثان كيف كان عبادتهم لها ~~فإنه يعتقد أن عبادتها مجرد السجود لها أو أنها شريكة مع الله في ملكه ~~والله يقول: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} . # (الثالث) : أنه ناقض لحكم الله ورسوله في أهل الشرك الأكبر فان حكم الله ~~فيهم القتل والسبي ما لم يتوبوا قبل القدرة عليهم، وهذا حكمه فيهم عدم ~~القتل والسبي لأنه قال وحكمه كما قدمناه النصيحة والوعظ والزجر لا غير ذلك. # (الرابع) : حصر هذا الشرك في العوام والأعراب ولم يعلم أنه في أكثر قلوب ~~مدعي العلم والعبادة والزهاد ويتخذونه سببا من جملة الأسباب. # (الخامس) : زعمه أنا نكفر بمجرد الصلاة في المقبرة وهذا أيضا مما يدل على ~~عدم تحقيقه أمرنا ونهينا وأنه من قول الزور والبهتان علينا لكن له فيمن ~~قبله أسوة قبيحة حيث رمونا بأكبر من ذلك فقالوا عنا أنهم الكفرة الفجرة ~~ونحن إنما نكفر من قصد أصحاب القبور ليفرجوا كربته ويكشفوا شدته أو هتف ~~بذكرهم نائيا عنهم أو قريبا منهم يدعوهم ويرجوهم ويتوكل عليهم وينذر ويقرب ~~لهم ليجلبوا له خيرا أو يدفعوا عنه سوءا أو ليكونوا واسطة ووسيلة ليشفعوا ~~له في ذلك أو من اعتقد ذلك في # PageV01P231 # الأشجار والأحجار أو من رضي فعلهم ذلك ممن ظاهرهم علينا كفرنا بأمرنا ~~ونهينا ودلائلنا في ذلك كتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة والتابعين ~~والأئمة المجتهدين، وقد تقدم بحثها مستوفاة فلا حاجة إلى إعادتها فأما مجرد ~~الصلاة بلا اعتقاد مما قدمناه وقلنا ففعلها في المقبرة حرام على الصحيح، ~~ولا تنعقد في القول المشهور وحكمها الوعظ والنصيحة والزجر والتعزير ms261 مع ~~الإصرار، وإعادة الصلاة والتوبة من هذا الذنب لا غير ذلك، مع إنا نقول ان ~~قصد الصلاة فيها من الشرك لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها ~~ولعن فاعله وهو يشبه عبادة الأصنام لكن هو من الأصغر حيث لم يعتقد شيئا مما ~~تقدم والله أعلم. # PageV01P232 ### | زيارة القبور الشرعية وما ورد في ذلك # وأما قولكم (ما يفعل من زيارتها فهو أمر مندوب كما ورد في الخبر الصحيح ~~عنه صلى الله عليه وسلم "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فيكف ~~يذهب إلى تكفير من يزورها مع رعاية الأدب لاسيما زيارة قبر الشريف، فإنها ~~من أعظم القرب وأرجى الطاعات وفي شرح المختار هي أفضل المندوبات ~~والمستحبات، بل تقرب من درجة الواجبات، وفي مناسك الطرابلسي نقلا عن مناسك ~~الفارسي أنها قريبة الواجب في حق من كان له سعة قال تعالى: {ولو أنهم إذ ~~ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا ~~رحيما} وري الدارقطني وأبو بكر البزار عن النبي صلى الله عليه وسلم " من ~~زار قبري وجبت له شفاعتي" وقال صلى الله عليه وسلم "من جاءني زائرا لا تهمه ~~إلا زيارتي كان حقا علي أن أكون شفيعا له يوم القيامة" أخرجه الدارقطني وعن ~~أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ("لا عذر لمن كان له سعة من أمته ~~ولم يزره") أخرجه الحافظ محمد ابن عساكر وعنه صلى الله عليه وسلم قال: "من ~~حج وزار قبري بعد موتي كمن زارني في حياتي" أخرجه الدارقطني وعنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "من زارني في المدينة متعمدا كان في جواري إلى يوم ~~القيامة") . # فنقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أولا قد نهى الرجال عن زيارة ~~القبور سدا للذريعة # PageV01P232 # لأنهم قريبو عهد بشرك بأهلها وبصورهم، فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن ~~لهم في زيارتها على الوجه الذي شرعه ونهاهم أن يقولوا هجرا، كما رواه ~~الإمام أحمد والنسائي عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms262 "كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور فمن أراد أن يزور فليزر ولا تقولوا هجرا" ومن أعظمه ~~الشرك عندها قولا وفعلا فزيارة القبور على الوجه المشروع الذي يحبه الله ~~ورسوله هي من أفضل احترامها في الصدور حيث أمر الشارع بها ونهى عن إهانة ~~أهلها ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "زوروا القبور فإنها تذكر بالموت" وعن علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إني كنت نهيتكم عن زيارة ~~القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة " رواه الإمام أحمد، وفي صحيح مسلم عن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانت ~~ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم ~~مؤمنين وآتاكم ما توعدون غدا مؤجلون وإنا ان شاء الله بكم لاحقون اللهم ~~اغفر لأهل بقيع الفرقد" وفي صحيحه أيضا عنها أن جبريل أتاه فقال إن ربك ~~يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم، وفي صحيحه أيضا عن سليمان بن بريدة ~~عن أبيه أنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم إذا خرجوا إلى ~~المقابر أن يقولوا "السلام على أهل الديار وفي لفظ السلام عليكم أهل الديار ~~من المؤمنين والمسلمين وإنا ان شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم ~~العافية" وعند الإمام أحمد والترمذي وحسنه عن ابن عباس قال: مر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقبور المدينة فأقبل عليهم بوجهه فقال: "السلام عليكم أهل ~~القبور يغفر الله لنا ولكم ونحن بالأثر" وعند ابن ماجه عن ابن مسعود أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروا ~~القبور فإنها تزهد في الدنيا وتذكر الآخرة" وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت نهينكم عن زيارة القبور ~~فزوروها فإن فيها عبرة" وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"استأذنت ربي في ms263 أن أستغفر لأمتي فلم يأذن ربي واستأذنته في أن أزور قبرها ~~فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" فعلم من هذا أن زيارة الموحدين ~~القبور مقصو ها ثلاثة أشياء: # أحدها: تذكار الآخرة والاعتبار والاتعاظ وقد أشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى ذلك بقوله زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة. # PageV01P233 # الثاني: الإحسان إلى الميت وأن لا يطول عهده به قبره ويتناساه كما إذا ~~ترك زيارة الحي مدة طويلة تناساه فإذا زار الحي فرح بزيارته وسر بذلك ~~فالميت أولى لأنه قد صار في دار قد هجر أهلها إخوانهم وأهلوهم ومعارفهم ~~فإذا زاروهم وأهدوا إليهم هدية من دعاء أو صدقة أو إهداء قراءة ازدادوا ~~بذلك سرورا وفرحا، كما يسر الحي بمن يزوره ويهدي له، ولهذا شرع النبي صلى ~~الله عليه وسلم للزائر أن يدعو لأهل القبور بالرحمة والمغفرة وسؤال العافية ~~فقط ولم يشرع أن يدعوهم ولا يدعوا بهم ولا يصلي عند قبورهم. # (الثالث) : إحسان الزائر إلى نفسه بإتباع السنة والوقوف عند ما شرعه ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فيحسن إلى نفسه وإلى المزور. # وأما زيارة المشركين فأصلها مأخوذ عن عباد الأصنام قالوا ان الميت المعظم ~~الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا يزال تأتيه الألطاف من الله وتفيض على ~~روحه الخيرات فإذا علق الزائر روحه به وأدناها منه فاض من روح المزور على ~~روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها كما ينعكس شعاع المرآة الصافية والماء ~~ونحوهما على الجسم المقابل له قالوا فتمام الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه ~~وقلبه إلى الميت ويعكف بهمته عليه، ويوجه قصده كله وإقباله عليه بحيث لا ~~يبقى فيه التفات إلى غيره، كلما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب ~~إلى انتفاعه به وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي ~~وغيرهما وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها بدعائها ورجائها والتبتل إليها ~~وتعظيمها بالتعلق علها قالوا إذا تعلقت النفوس الناطقة بالأرواح العلوية ~~فاض عليها منها النور والإعانة والبهجة والسرور فبهذا السر عبدت الكواكب ~~واتخذت لها الهياكل، وصنفت ms264 لها الدعوات، وبها الاستغاثات، وبهذا اتخذت ~~الأصنام المجسدة وهذا بعينه هو الذي أوجب دعاء أصحاب القبور والهتف بذكرهم ~~عند نزول الشدائد والشرور واتخاذها أعيادا وتعليق الستور عليها وإيقاد ~~السرج وبناء المساجد عليها وهذا هو الذي قصد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إبطاله ومحوه بالكلية وسد الذريعة المفضية إليه فوقف المشركون في طريقه ~~وناقضوه في قصده وتفريقه وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم في شق وهؤلاء ~~في شق. # PageV01P234 ### | الشفاعة الثابتة والمنفية والمنهي عنها # ما ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم ~~تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله وتقربهم منه، قالوا فان العبد إذا تعلقت ~~روحه بروح الوجيه المقرب عند الله وتوجه بهمته وعكف بقلبه عليه صار بينه ~~وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله، وشبهوا ذلك بمن ~~يخدم ذا جاه وحظوة وقرب من السلطان فهو شديد التعلق به فما يحصل لذلك من ~~السلطان من الأنعام والأفضال والإفاضة ينال ذلك المتعلق به بحسب تعلقه به، ~~فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزل ~~كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ولعنهم وأباح دماءهم وأموالهم وسبي ذراريهم ~~وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره مملوء من الرد على هؤلاء وإبطال ~~مذاهبهم قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض} وهم وان ~~صوروا صورا لا تعقل فإنها صور الأنبياء والملائكة والصالحين ليتقربوا بهم ~~وليشفعوا لهم ويدعوهم وينالوا منهم فأخبر سبحانه أن الشفاعة لمن له ملك ~~السموات والأرض وهو الله وحده فهو الذي يشفع بنفسه إلى نفسه ليرحم عبده ~~فيأذن هو لمن شاء أن يشفع فيمن رضي عنه فيشفع فيه فصارت الشفاعة في الحقيقة ~~إنما هي له والذي شفع عنده إنما شفع بإذنه له، وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى ~~نفسه وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده، وهذا ضد الشفاعة الشركية التي ~~أثبتها ms265 هؤلاء المشركون ومن وافقهم في عقيدتهم وهي التي أبطلها الله سبحانه ~~في كتابه بقوله: {واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ~~ولا تنفعها شفاعة} وقوله: {يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة} وقال تعالى: {وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون} ~~وقال: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع} فأخبر سبحانه أنه ليس للعباد شفيع ~~من دونه، بل إذا أراد سبحانه رحمة عبده، أذن هو لمن يشفع فيه كما قال # PageV01P235 # تعالى: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه} وقال: {من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه} فالشفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه ولا الشافع شفيع من دونه بل شفيع ~~بإذنه، والفرق بين الشفيعين كالفرق بين الشريك والعبد المملوك المأمور، ~~فالشفاعة التي أبطلها شفاعة الشريك، فإنه لا شريك له، والتي أثبتها شفاعة ~~العبد المأمور الذي لا يشفع ولا يتقدم بين يدي مالكه حتى يأذن له ويقول ~~اشفع في فلان ولهذا كان أسعد بشفاعة سيد الشفعاء وأفضلهم يوم القيامة أهل ~~التوحيد الذين جردوا التوحيد وأخلصوه من تعلقات الشرك وشوائبه وهم الذين ~~ارتضى الله سبحانه قال تعالى: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} وقال: {يومئذ لا ~~تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} ، فأخبر سبحانه أنه لا ~~يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع. فأما ~~الشرك فإنه لا يرضيه ولا يرضاه قولا، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه فإنه ~~سبحانه علقها بأمرين: # أحدهما: رضاه عن المشفوع له. # الثاني: إذنه للشافع، فمتى لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وسر ~~ذلك وقوامه أن الأمر لله وحده فليس لأحد معه من الأمر شيء، وأعلى الخلق ~~وأفضلهم وأكرمهم عنده هم الرسل والملائكة المقربون وهم عبيد محض لا ms266 يسبقونه ~~بالقول ولا يتقدمون بين يديه ولا يفعلون شيئا إلا بعد إذنه لهم وأمره ~~إياهم، ولاسيما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، وإذن فهم ~~مملوكون لا يتكلمون إلا من بعد إذنه، أفعالهم مقيدة بأمره فإذا أشرك بهم ~~المشرك فدعاهم ورجاهم وتوكل عليهم واتخذهم له شفعاء من دون الله ظنا منه ~~أنه إذا فعل ذلك واعتقد بهم ما هنالك تقدموا له وشفعوا عند الله، فهو من ~~أجهل الناس بحق الرب سبحانه وتعالى وما يجب له ويمتنع عليه، فإن هذا محال ~~ممتنع تشبيه قياس الرب تبارك وتعالى على الملوك والكبراء حيث يتخذ الرجل من ~~خواصهم أولياء هم من يشفع له عندهم في قضاء الحوائج. وبهذا القياس الفاسد ~~عبدت الأصنام واتحذ المشركون الشفيع والولي من دون الله، والفرق بينهما هو ~~الفرق بين الخالق، والمخلوق، والرب والمربوب، والسيد المالك والعبد ~~المملوك، والغني بالذات الذي لا حاجة به إلى أحد قط والفقير بالذات المحتاج ~~من كل # PageV01P236 # وجه إلى غيره، فالشفعاء عند المخلوقين هم شركاؤهم، فإن قيام مصالحهم ~~وأعوانهم وأنصارهم الذين قيام أمر الملوك والأكابر بهم ولولاهم سبب، لما ~~انبسطت أيديهم وألسنتهم في الناس فلحاجتهم إليهم احتاجوا إلى قبول شفاعتهم ~~وإن لم يأذنوا فيها، ولم يعرضوا عن الشافع لأنهم يخافون أن يردوا شفاعتهم ~~فتنتقص طاعتهم لهم ويذهبوا إلى غيرهم فلا يجدون بدا من قبول شفاعتهم على ~~الكره والرضا، فأما الغني الذي غناه من لوازم ذاته، وكل ما سواه فقير إليه ~~بذاته، وكل من في السموات والأرض عبد مقهور بقهره مصرفون بمشيئته لو أهلكهم ~~جميعا لم ينقص من عزه وسلطانه وملكه وربوبيته وألوهيته مثقال ذرة ولا أنقص ~~ولا أكثر، قال تعالى: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل ~~فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض ~~جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما ... الآية} وقال سبحانه في أفضل ~~آية في القرآن: {له ما في السماوات وما في الأرض من ذا الذي يشفع ms267 عنده إلا ~~بإذنه} فأخبر أن حال ملكه للسموات والأرض يوجب أن تكون الشفاعة كلها له ~~وحده، وان لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، فإنه ليس له شريك بل مملوك محض. قال ~~تعالى: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن ~~له ولي من الذل وكبره تكبيرا} بخلاف شفاعة أهل الدنيا بعضهم عند بعض فإنهم ~~لإخبارهم من أحوال الناس ما لا يعرفه الملوك، والله سبحانه يعلم السر ~~وأخفى، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يعلم السر وأخفى وهو ~~السميع البصير، يسمع سبحانه ضجيج الأصوات باختلاف اللغات في تفننها وما ~~تنطق به من الكلمات لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه المسائل، ولا يبرمه ~~إلحاح الملحين، بحلاف المخلوقين فإنهم قد لا يريدون نفع الرعية ولا الإحسان ~~إليهم أول وهلة، ويتوقف ذلك على وجود محرك خارجي. فإذا خاطب الملك من ينصحه ~~ويعظه أو من يرجوه ويخافه تحركت إرادة الملك وهمته في قضاء حوائج رعيته، أو ~~ما لما يحصل في قلبه من كلام الناصح الواعظ المشير وأما لما يحصل له من ~~الرغبة والرهبة من كلام المدل عليه، والله تعالى هو رب كل شيء ومليكه، وهو ~~أرحم بعباده من الوالدة بولدها، وكل الأسباب أن تكون بمشيئته تعالى فما شاء ~~كان وما لم يشأ لم يكن، وهو سبحانه الذي أجرى نفع العباد بعضهم على يد بعض ~~فجعل هذا يحسن إلى هذا أو يدعو له أو يشفع فيه، وهو # PageV01P237 # الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي والشافع إرادة ~~الإحسان والدعاء والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف ~~مراده أو يعلمه ما لم يكن يعلمه، أو من يرجوه الرب أو يخافه. ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ~~ارحمني ان شئت ولكن ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له" بخلاف المخلوق فإنه ~~يقبل شفاعة مملوكه لخوفه أن لا يعطيه أو ms268 أن يسعى في ضرره، وكذلك قبل شفاعة ~~ولده وزوجته لذلك فإنه محتاج إلى الزوجة والى الولد حتى لو أعرض عنه ولده ~~أو زوجته أو مملوكه لتضرر بذلك وشفاعة العباد بعضهم لبعض عند بعض كلها من ~~هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلا لرغبة أو رهبة، وقبول الشفاعة من باب ~~النفع للغير، والمخلوق لا ينفع غيرهم إلا لما يحصل له من النفع إما من الله ~~بالثواب، وإما من غيره بالمعاوضة، والله لا يرجو أحدا ولا يخافه ولا يحتاج ~~إلى أحد، بل هو الغني سبحانه فبين سبحانه أن الشفاعة التي نفاها في القرآن ~~هي هذه الشفاعة الشركية التي يعرفها الناس بينهم ويفعلها بعضهم مع بعض، ~~ولهذا يطلق نفيها تارة بناء على أنها هي المعروفة المتعاهدة عند الناس، ~~ويقيدها تارة بأنها لا تنفع إلا بعد إذنه وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه ~~فإنه الذي أذن والذي قبل والذي رضي عن المشفوع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهه ~~ومعبوده ومحبوبه ومرجوه ومخوفه ومتوكله ومدعوه الذي يتقرب إليه وحده ويطلب ~~رضاه بإتباع رسله ويتباعد من سخطه هو الذي يأذن الله سبحانه للشفيع أن يشفع ~~فيه قال تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء..} إلى قوله {.. قل لله ~~الشفاعة جميعا} وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} فهذا إنكار عليهم وتوبيخ لهم، أي ~~أتخبرونه بأن لكم عنده شفعاء وهو لا يعلمها في السموات ولا في الأرض، ففيه ~~تقريع وتهكم بهم لأن ما لا يعلمه العالم بجميع المعلومات لا يكون له وجود ~~ولا تحقيق وقال تعالى: {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون ~~إلا الظن وإن هم إلا يخرصون} فبين سبحانه أن من اتبع من دون الله شركاء ~~بشفاعتهم له عنده من دونه فليس معه إلا ظن وخرص والظن المقرون بالحرص هو ظن ~~باطل غير مطابق للحق، فإن الخرص هنا ms269 ضمن معنى الكذب لقوله تعالى: {قتل ~~الخراصون} ومن ظن أن # PageV01P238 # ما هنا نافية فقد أبعد وفسر الآية بما هو خطأ، بل معناها استفهام إنكاري ~~أي أي شيء يتبع الذين يدعون من دون الله، فبين سبحانه أن المتخذين شفعاء ~~مشركون وان الشفاعة لا تحصل باتخاذهم إياهم، وإنما تحصل بإذنه للشافع ورضاه ~~عن المشفوع له. (فالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ~~وعلمهم إياها فنحن إن شاء الله تعالى نعملها ونأمر بها) هل يوجد فيها شيء ~~مما يعتمده أهل الشرك والبدع أم هي مضادة لما هم عليه من كل وجه، لكن ما ~~أحسن قول مالك بن أنس رحمه الله تعالى: "لن يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح ~~أولها" وكلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم ونقص إيمانهم عوضوا عن ذلك بما ~~أحدثوه من البدع والشرك وجعلوه من الدين، ولقد جرد السلف الصالح التوحيد ~~وحموا جانبه حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أراد ~~الدعاء استقبل القبلة وجعل ظهره إلى جدار القبر، ثم يدعو، ونص على ذلك ~~الأئمة الأربعة ان الداعي يستقبل القبلة وقت الدعاء لأنه عبادة، كما جاء في ~~الترمذي وغيره مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "ان الدعاء هو ~~العبادة" بل هو مخها. فجرد السلف هذه العبادة لله ولم يفعلوها عند القبور ~~إلا للأموات بعد السلام عليهم والاستغفار لهم لانقطاع عملهم، ولهذا شرع في ~~الصلاة عليهم من الدعاء ما لم يشرع مثله للأحياء، قال عوف بن مالك صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اغفر ~~له وارحمه وعافه واعف عنه أكرم نزله ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج ~~والبرد ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس وأبدله دارا خيرا ~~من داره وأهلا خيرا من أهله وزوجا خيرا من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب ~~القبر ومن عذاب النار" حتى تمنيت أن كون أنا الميت لدعاء رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لذلك الميت رواه ms270 مسلم في صحيحه عنه وقال أبو هريرة رضي الله ~~عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته على الجنازة: "اللهم ~~أنت ربها وأنت خلقتها وأنت هديتها للإسلام وأنت قبضت روحها وأنت أعلم بسرها ~~وعلانيتها جئنا شفعاء له فاغفر له وارحمه" رواه الإمام أحمد وفي سنن أبي ~~داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صليتم على ~~الميت فأخلصوا له الدعاء" وقالت عائشة رضي الله عنها وأنس عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " ما من ميت يصلى عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم ~~يستغفرون له إلا شفعوا فيه" رواه مسلم في صحيحه عنه وعن ابن عباس رضي الله # PageV01P239 # عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من رجل مسلم يموت ~~فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" ~~رواه مسلم فهذا مقصود الصلاة على الميت، وهو الدعاء له والاستغفار له، ~~ومعلوم أنه في قبره أشد حاجة منه وهو على نعشه، فإنه حينئذ معرض للسؤال ~~وغيره، وقد كان صلى الله عليه وسلم يقف على القبر بعد الدفن فيقول: "اسئلوا ~~له التثبيت فإنه الآن يسأل" فعلم بهذا أن الميت أحوج إلى الدعاء بعد الدفن ~~فإذا قام المسلمون على جنازته ودعوا له، لا دعوا به وشفعوا له لا استشفعوا ~~به، فعند الدفن أولى وأحرى، فبدل أهل الشرك والبدع قولا غير الذي قيل لهم ~~بدلوا الدعاء له بدعائه، والاستغفار له باستغفاره، والشفاعة له بالاستشفاع ~~به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم إحسانا إلى ~~الميت وإحسانا إلى الزائر وتذكيرا بالآخرة سؤال الميت نفسه، وتخصيص تلك ~~البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة وحضور القلب عندها وخشوعه أعظم منه في ~~الصلاة والمساجد ووقت الأسحار. # PageV01P240 ### | الدعاء عند الموتى أو بهم ليس من الوسائل المشروعة # (ومن المحال) أن يكون دعاء الموتى والدعاء بهم والدعاء عندهم وسيلة ~~مشروعة وعملا صالحا مأمورا به، وتصرف عنه القرون الثلاثة المفضلة بنص رسول ~~الله ms271 صلى الله عليه وسلم ثم يرزقه الخلف الذين يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ~~ما لا يؤمرون، فهذه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل القبور بضعا ~~وعشرين سنة حتى توفاه الله إليه واختار له ما لديه، وهذه سنة الخلفاء ~~الراشدين المهديين وهذه طريقتهم وجميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى ~~يوم الدين، هل يمكن بشرا على وجه الأرض أن يأتي عن أحدهم بنقل صحيح أو حسن ~~أو ضعيف أو منقطع أنهم كانوا إذا كانت لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، ~~وتمسحوا بها، فضلا أن يصلوا عندها أو يسألوها حوائجهم، أو يسألوا الله ~~بأصحابها، فليوقفنا على أثر واحد أو حرف واحد في ذلك، بل يمكنهم أن يأتوا ~~عن الخلوف التي خلفت بعدهم من المتبعين أهواءهم بكثير من المختلقات ~~والحكايات المخترعات والكذبات والتمويهات، وكلما تأخر الزمان وطال العهد ~~كان ذلك # PageV01P240 # أكثر، حتى لقد وجد في ذلك عدة مصنفات زور وبهتان ليس فيها عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين المهديين، ولا عن أصحابه، ولا ~~عن التابعين لهم بإحسان حرف واحد من ذلك بلى فيها ضد الإسلام وخلافه شيء ~~كثير كما تقدم من قولهم إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور وقولهم لو ~~حسن أحدكم ظنه بحجر نفعه وأمثال ما هو منافض لما بعث الله به الرسل وأنزل ~~به الكتب. # (وأما زيارة قبر نبينا محمد) صلى الله عليه وسلم أو سائر الأنبياء عليهم ~~الصلاة والسلام فقال العلماء لا يثبت قبر معروف لنبي إلا نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم وغير إنما هي ظنون لا يمكن تعيينه في مكان معلوم وان علمت ~~البقعة المدفون فيها كما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أخبر بقبر موسى عند ~~الكثيب الأحمر عن القدس رمية حجر، قال: " فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب ~~الطريق عند الكثيب الأحمر" رواه البخاري، وإلا قبري صاحبيه رضي الله عنهما. # وزيارة قبره الشريف فيها تفصيل لائق ينبغي طلبه، قد فصلها الصحابة، ~~والتابعون، والأئمة المجتهدون، وقسموها إلى قسمين ms272 مشروع وغير مشروع. # فأما المشروع منها فهو ما قاله الإمام مالك، وأحمد بن حنبل والشافعي، ~~وأبو حنيفة، وغيرهم من المجتهدين كلهم قالوا ان من كان حاضرا في المدينة ~~فيشرع في حقه أن يأتي إلى القبر فيصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وعلى صاحبيه رضوان الله عليهما قالوا ولا يكثر من المجيء عليه ولا يكرره في ~~اليوم مرات احتراما له، ولأنه لم يفعله الصحابة ولا التابعون، وان من قدم ~~من سفر أو خرج إليه فيقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلى ويسلم ~~عليه، وعلى صاحبيه بعد أن يصلي لله في المسجد ركعتين. وروى ابن بطة في ~~الإبانة بإسناد صحيح عن معاذ بن معاذ قال حدثنا ابن عوف قال سأل رجل نافعا ~~فقال هل كان ابن عمر يسلم على القبر فقال نعم لقد رأيته مائة مرة أو أكثر ~~منها كان يأتي إلى القبر فيقوم عنده فيقول السلام على النبي، السلام على ~~أبي بكر، السلام على أبي. وفي رواية أخرى ذكرها الإمام أحمد محتجا بها ثم ~~ينصرف، وهذا الأثر رواه مالك في الموطأ وكره غيره من العلماء أن كقول زرنا ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر # PageV01P241 # بعضهم أنه علله بلعنه زوارات القبور. قال القاضي عياض والأولى أن يقال ~~إنما كرهه مالك لإضافة الزيارة إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم لو قال ~~زرنا النبي لم يكره لقوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" فلا تضاف الزيارة إلى القبر للتشبه بأولئك، واتفقوا على أنه إذا دعا ~~بمسجد النبي صلى الله عليه وسلم لا يستقبل القبر وإنما يستقبل القبلة، ~~وتنازعوا في الاستقبال عند السلام عليه فقال مالك وأحمد وغيرهم يستقبل قبره ~~ويسلم عليه، وهو الذي ذكره أصحاب الشافعي، وبعضهم يعزوه إليه. وقال أبو ~~حنيفة رحمه الله تعالى بل يستقبل القبلة ويسلم عليه هكذا في كتب أصحابه ~~عنه، وقال مالك فيما ذكر إسماعيل بن اسحق في المبسوط، والقاضي عياض في ~~الشفاء والمشارق وغيرهما من أصحاب مالك، وعنه لا ms273 أرى أن يقف عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويدعو ولكن يسلم ويمضي، وقال أيضا في المبسوط عن مالك ~~لا بأس لمن قدم من سفر أو خرج أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~ويسلم عليه ويدعو له ولأبي بكر، فقيل له ان أناسا من أهل المدينة لا يقدمون ~~من سفر ولا يريدونه إلا وهم يفعلون ذلك في اليوم مرة أو أكثر يأتون عند ~~القبر فيسلمون ويدعون ساعة، فقال لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدنا ~~لا من الصحابة ولا غيرهم، ولا يصلح هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم ~~يبلغني عن أول هذه أمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك ويكررون المجيء إلى ~~القبر، بل كانوا يكرهونه إلا لمن جاء من سفر أو أراده، ولا يختلف مذهبه ~~المعروف بنقل الثقات من أصحابه عنه أن المسلم لا يستقل القبر عند الدعاء، ~~وقد نص أنه لا يقف عند الدعاء مطلقا ذكر طائفة من أصحابه أنه يدنو من القبر ~~ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو مستقبل القبلة ويوالي القبر ~~ظهره وقيل لا يوليه ظهره فاتفقوا في استقبال القبلة وقت الدعاء، وتنازعوا ~~في تولية القبر ظهره وقت دعائه للنبي صلى الله عليه وسلم. وسبب هذا التنازع ~~والله أعلم أن مالكا رحمه الله سئل عن استقبال القبر عند السلام على النبي ~~صلى الله عليه وسلم والدعاء له فاختلفت الرواية عنه في ذلك هل هو وفت ~~السلام عليه والدعاء له يستقبل القبر أو يليه ظهره. وإنما اختلفت الرواية ~~عنه لأن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يسمى دعاء. ولهذا ذهب أبو ~~حنيفة، ومن وافقه من فقهاء العراق إلى أن المسلم يستقبل القبلة. والصحيح ~~المشهور عن مالك استقبال القبر في هذه الحال كما تقدم، وكما قال في رواية ~~ابن وهب عنه إذا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم # PageV01P242 # يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدنو ويسلم ويدعو ولا يمس القبر ~~بيده. وما ذكره القاضي عياض عن ms274 محمد بن حميد قال ناظر أبو جعفر أمير ~~المؤمنين مالكا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له مالك يا أمير ~~المؤمنين لا ترفع صوتك لي هذا المسجد فإن الله أدب قوما فقال {لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي} الآية، ومدح قوما فقال {إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله} وذم قوما فقال {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا ~~يعقلون} الآية، وان حرمته ميتا كحرمته حيا فاستكان لها أبو جعفر وقال مالك ~~يا أبا عبد الله استقبل القبلة وادعوا ثم لم يستقبل رسول الله بعد فقال ولم ~~تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة بل استقبل ~~واستشفع به فيشفعه الله قال تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ... } الآية. ~~فهذا ضعيف لا يصح عنه فإنه من أشد الناس إنكارا على من يأتي إلى القبر ~~ليدعو عنده أو يستشفع به، فان ثبت فلا بد أن يحمل على مذهبه وعدم المخالفة ~~له فقد تقدم قوله ان المسلم يدنو من القبر ويصلي ويسلم ويدعو له، ومعلوم أن ~~الصلاة عليه، والدعاء له يوجب شفاعته للعبد يوم القيامة كما قال في الحديث ~~الصحيح عنه عليه السلام: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ~~فإنه من صلى علي مرة صلى الله عليه بها عشرا ثم سلوا الله لي الوسيلة فإنها ~~درجة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون ذلك العبد فمن ~~سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" فقول مالك ان ثبت معناه ~~أنك إذا استقبلته وصليت وسلمت عليه وسألت الله له الوسيلة يشفع فيك يوم ~~القيامة فان الأمم يوم القيامة يتوسلون بشفاعته، واستشفاع العبد به في ~~الدنيا إنما هو فعل ما هو سبب لحصول شفاعته له يوم القيامة، كإتباعه فيما ~~جاء به وسؤال الله له الوسيلة والصلاة والسلام عليه ونحو ذلك مما أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بفعله لا فعل ما ليس من شرعه مما نهى ms275 هو وأصحابه عنه. ~~وكذلك ما نقل عن مالك في رواية ابن وهب إذا سلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ودعا يقف ووجهه إلى القبر لا إلى القبلة ويدعو ويسلم مني الدعاء للنبي ~~صلى الله عليه وسلم وصاحبيه كما تقدم موضحا عنه. فهذا هو الدعاء المشروع ~~هناك، كالدعاء عند زيارة قبور صائر المؤمنين وهو الدعاء لهم، فإنه صلى الله ~~عليه وسلم أحق الناس بأن يصلي ويسلم عليه ويدعى له. وبهذا يتفق قول مالك ~~ويفرق بين الدعاء الذي أحبه والدعاء الذي كرهه # PageV01P243 # وذكر أنه بدعة. ونقل تلاوة هذه الآية عن مالك باطل وان ثبت أصل ما نقله ~~عياض تقديرا فإن كلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا ولم يذكره أحد ~~من الأئمة الأربعة فيما فعله ولا ذكر أحد منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره، وإنما يعرف مثل هذا فيما ذكره طائفة ~~من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتلا ~~هذه الآية وأنشد بيتين: # أبيات الأعرابي عند المرقد النبوي # يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # وقد ذكر ذلك صاحب المواهب اللدنية أيضا. ولهذا استحب طائفة من متأخري ~~الفقهاء استغفار الله في حضرة القبر وتلاوة هذه الآية عنده محتجين بهذه ~~الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان ~~مشروعا مندوبا لكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون أعلم به ~~وأولى بالعمل من غيرهم، فان العبادات مبناها التوقيف، ولاسيما إذا نسب أمر ~~إلى هديه وشرعه وسنته، والعقل لا مدخل لاستحسانه واستقباحه في الدين، وليس ~~كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعا مأمورا به، فقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا، ~~وتكون المسألة محرمة في حق السائل، حتى قال صلى الله عليه وسلم: "إني ms276 لأعطي ~~أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا" قالوا: يا رسول الله فلم تعطهم قال: ~~"يأبون إلا أن يسألوا ويأبى الله لي البخل" ومعلوم أن مالكا من أعلم الناس ~~بمثل هذه الأمور فإنه مقيم بالمدينة يرى ما يفعله التابعون وتابعوهم ويسمع ~~ما ينقلونه عن الصحابة، وأكابر التابعين، وهو ينهى عن الوقوف على القبر ~~للدعاء ويوبخ فاعله، ويذكر أنه لم يفعله السلف فكيف ينهى عن # PageV01P244 # ذلك ثم كأمر به، وهذا أمر توقيف لا اجتهاد فيه، وقد أجدب الناس على عهد ~~عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فاستسقى بالعباس، ففي صحيح البخاري عن أنس بن ~~مالك "أن عمر رضي الله عنهما استسقى بالعباس وقال اللهم إنا كنا إذا أجدبنا ~~نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون" ~~فاستسقوا به كما كانوا يستسقون بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته فهم ~~يتوسلون بدعائه لهم فيدعو لهم ويدعون معه كالإمام والمأموم من غير أن ~~يقسموا على الله بمخلوق، ولا كانوا يأتون القبر فيدعون عنده بل كانوا ~~يستسقون بأهل الصلاح الأحياء، لأن المقصود دعاؤهم لا ذاتهم، وإذا كانوا من ~~أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو أفضل. ولهذا حكى البخاري رحمه الله ~~تعالى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال ربما ذكرت قول الشاعر وأنا أنظر ~~إلى وجه رسول صلى الله عليه وسلم فيستسقي على المنبر فما ينزل حتى يجيش كل ~~ميزاب: # وأبيض يستقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل # إذا علم ذلك فإن السلام على النبي صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى حضور قلب ~~وأدب، ومنه وقوفه عن القبر مقدار أربعة أذرع والصحيح قبالة وجهه صلى الله ~~عليه وسلم مستدبر القبلة مطرقا رأسه غاض البصر كأنه يرى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيسلم عليه. ويقول السلام عليك يا رسول الله، كان ابن عمر لا ~~يزيد على ذلك. وكان بعض الصحابة يزيد النطق بالشهادتين والصلاة عليه ويقول ~~أشهد أنك بلغت رسالة ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة، ms277 وعبدت الله حتى أتاك اليقين فصلى الله عليك كثيرا كما يحب ~~ربنا ويرضى، وان قال اللهم آته الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي ~~وعدته فحسن، ثم إذا فرغ يتقدم قليلا من مقام سلامه نحو ذراع عن يمينه ويقول ~~السلام عليك يا أبا بكر الصديق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما ~~يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وخليفتيه وضجيعيه، اللهم اجزهما عن ~~نبيهما وعن الإسلام خيرا سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار. ثم ينصرف ~~مستقبل القبلة. # (وإما غير المشروع) فهو قصده للدعاء واتخاذه عيدا بالاجتماع عنده والسفر # PageV01P245 # إليه لما في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن أنه صلى الله عليه وسلم ~~نهى أن يتخذ قبره مسجدا وقال: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" بعد قوله: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" فإنه صلى الله عليه وسلم ~~لم ينه عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد استهانة بأهلها بل لما يخاف ~~على القاصدين لها من الفتنة بدعائها أو الدعاء عندها. فإن أصل عبادة ~~الأوثان بذلك سببها انخاذ المساجد على القبور وقصدها لدعائها والدعاء عندها ~~كما تقدم بيان ذلك. فلولا أنه قد يحصل عند القبور ما يخاف به الافتتان لما ~~نهى الناس عن ذلك ولهذا لم يقصد القبر للدعاء عنده أحد من الصحابة مع شدة ~~احتياجهم واضطرارهم بكثير الأمور والنوائب المدلهمة التي قرعتهم ولا أيضا ~~التابعين، ولا أئمة المسلمين، ولو ذكره أحد من العلماء الصالحين المتقدمين ~~بل كلهم كانوا ينهون عن ذلك، وقد قال الشافعي في الأمم أكره تعظيم قبور ~~المخلوقين خشية الفتنة بها ومراده بتعظيمها الصلاة بحضرتها والدعاء عندها ~~فضلا عن السجود لها أو دعائها، وما يحكى عنه أنه كان يقصد الدعاء عند قبر ~~أبي حنيفة فهو كذب ظاهر لأن الشافعي لما قدم بغداد لم يكن بها قبر ينتاب ~~للدعاء عنده البتة ولم يكن هذا عل عهده معروفا، وقد رأى بالحجاز واليمن ~~والشام من قبور الأنبياء والتابعين من كان عنده أفضل من أبي حنيفة فما باله ~~لم ms278 يتوخ الدعاء إلا عنده. وقد قال في كتابه ما هو ثابت عنه من كراهة تعظيم ~~قبور المخلوقين خشية الفتنة بها وإنما يضع هذه الحكاية وأمثالها من قل علمه ~~ودينه ممن لا خلاق له. # PageV01P246 ### | مسألة شد الرحال إلى زيارة القبور # ... # مسئلة شد الرحال إلى زيارة القبور # (وأما النهي) عن اتخاذه عيدا بالاجتماع عنده والسفر إليه فلما روى أبو ~~داود في سننه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيث ما كنتم" وهذا إسناده حسن ورواته كلهم ثقات مشاهير وقال أبو ~~يعلى الموصلي في مسنده إلى أن ساق سند الحديث عن علي بن الحسين أنه رأى ~~رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها ~~فيدعو فنهاه علي بن الحسين وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته # PageV01P246 # من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا تتخذوا قبري ~~عيدا ولا بيوتكم قبورا فإن تسليمكم يصلني أينما كنتم" رواه أبو عبد الله ~~محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته وعند سعيد بن منصور في السنن عن ~~أبي سعيد مولى المهدي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا ~~بيتي عيدا ولا بيوتكم قبورا، صلوا علي حيثما كنتم فإن صلاتكم تبلغني" وقال ~~سعيد عن أبي سهيل قال لما رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند ~~القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال هلم إلى العشاء فقلت لا أريده. ~~فقال مالي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ~~إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~تتخذوا بيتي عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر، لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد، صلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم ما أنتم ومن ~~بالأندلس إلا سواء" فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين ms279 يدور على ~~ثبوت الحديث لاسيما وقد احتج به من أرسله، ولو لم يكن روى من وجوه مسندة ~~غير هذين لكفى فكيف وقد تقدم مسندا. وقبر النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ~~قبر على وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من ~~كان. ثم إنه أعقب النهي بقوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" ~~وفي الحديث الآخر "فان تسليمكم يبلغني أيما كنتم" يشير بذلك صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري ~~وبعدكم منه فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا. والأحاديث عنه بان صلاتنا ~~وسلامنا يعرض عليه كثيرة: # (منها) ما روى أبو داود في سننه من حدث أبي صخر حميد بن زياد عن يزيد بن ~~عبد الله بن قسيط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما ~~من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام" وهذا الحدث على ~~شرط مسلم. # (ومنها) ما روى أبو داود أيضا عن أوس بن أوس رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: " أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة ~~فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ~~قال: "إن الله حرم # PageV01P247 # على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء". # ثم إن أفضل التابعين من أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنه نهى ذلك ~~الرجل أن يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم، واستدل بالحديث الذي ~~سمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من غيرهم، فتبين بهذا أن ~~قصده للدعاء ونحوه هو اتخاذه عيدا وكذلك ابن عمه حسن بن حسن شيخ أهل بيته ~~كره أن يقصد الرجل القبر للسلام عليه ونحوه عنده غير دخول المسجد والصلاة ~~فيه ورأى أن قصده ذلك من اتخاذه عيدا. فقوله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تجعلوا قبري عيدا" مأخوذ من المعاودة والاعتياد. ومنه ms280 ما هو اسم للزمان ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا أهل ~~الإسلام" رواه أبو داود وغيره. ومنه ما هو اسم للمكان كما روى أبو داود في ~~سننه: "إن رجلا قال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة فقال أبها وثن من ~~أوثان المشركين أو عيد من أعيادهم قال لا قال: أوف بنذرك" وإذا كان اسما ~~للمكان، فهو الذي يقصد للاجتماع فيه وإتيانه للعبادة أو لغيرهما كما أن ~~المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر كلها جعلها الله أعيادا للحنفاء ~~مثابة للناس كما جعل أيام التعبد فيها عيدا وكان للمشركين أعياد زمانية ~~ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد النحر وعيد ~~النحر وأيام منى كما عوضهم عن أعباد المشركين المكانية بالكعبة البيت ~~الحرام وعرفة ومنى والمشاعر، فاتخاذ القبور عيدا هو من أعياد المشركين التي ~~كانوا عليها قبل الإسلام، فلذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصد ~~قبره من بعيد أو للدعاء عنده أو للاجتماع لديه، فإنه بذلك يكون عيدا، ~~وحينئذ فقصد القبر مجردة من الأمصار في وقت معين أو في غير وقت معين هو ~~الذي نهى عنه السلف الصالح لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه في قوله لا ~~تتخذوا قبري عيدا. ولما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وسعيد رضي الله ~~عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة ~~مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" وقد روي هذا من وجوه أخر ~~وهو حديث ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم باتفاق أهل العلم يتلقى بالقبول ~~عنه، فالسفر إلى هذه المساجد الثلاثة للصلاة فيها والدعاء والذكر وقراءة ~~القرآن والاعتكاف هو من الأعمال الصالحة، وما سوى هذه المساجد لا يشرع ~~السفر إليه باتفاق أهل العلم، حتى مسجد قباء يستحب قصده # PageV01P248 # من المكان القريب كالمدينة، ولا يشرع شد الرحال إليه من بعيد. فإن في ~~الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال كان ms281 النبي يأتي مسجد قباء ~~كل سبت ماشيا وراكبا. وكان ابن عمر يفعله. وفي لفظ مسلم فيصلي فيه ركعتين ~~وذكره البخاري بغير إسناد. وذلك أن الله سبحانه وتعالى نهى نبيه صلى الله ~~عليه وسلم عن القيام في مسجد الضرار، وأمره بالقيام في المسجد الذي أسس على ~~التقوى، ومسجده أعظم في تأسيسه على التقوى من مسجد قباء، كما ثبت في ~~الصحيحين عنه أنه سأل عن المسجد الذي أسس على التقوى فقال مسجدي هذا، فكلا ~~المسجد أسس على التقوى، ولكن اختص مسجده بأنه أكمل في هذا الوصف من غيره، ~~فكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي مسجد قباء يوم السبت. فإذا كان السفر ~~إلى مسجد غير المساجد الثلاثة ممتنع شرعا مع أن قصده لأهل مصر يجب تارة ~~ويستحب أخرى وقد جاء في قصد المساجد ما لا يحصى من الفضل، فالسفر إلى مجرد ~~القبور أولى بالمنع ولا يغتر بكثرة العادات الفاسدة فإن هذا من التشبه بأهل ~~الكتاب المتخذين قبور أنبيائهم مساجد وأعيدة، الذي أخبرنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه كائن في هذه الأمة لا محالة. وأصل ذلك إنما هو اعتقاد فضل ~~الدعاء عندها وإلا فلو لم يقم عندها هذا الاعتقاد بالقلوب لا نمحى ذلك كله. ~~وإذا كان قصدها للدعاء يجر هذه المفاسد كان حراما كالصلاة عندها وأولى، ~~وكان ذلك فتنة للخلق فتحا لباب الشرك وإغلاقا لباب الخير والإيمان. وقد آل ~~الأمر إلى قصد مجرد القبر واتخاذه عيدا ومجمعا للنساء مع الرجال حتى ترتفع ~~الأصوات عنده ويكثر الضجيج أضعافا مضاعفة على تلبية الحجيج كل يسأل حاجته ~~وتفريج كربته وهم يعتقدون أن زيارته يحصل بها الغفران والنجاة من النيران ~~وأنها تجب ما قبلها من الآثام، ألا ترى أن أكثر الفجرة الساكنين بمكة ~~المشرفة وجدة طول أيام السنة لا يتركون ذنبا موبقا إلا ارتكبوه، ولا إثما ~~كبيرا إلا اكتسبوه فإذا جاء شهر رجب أخذ على ذمته المعسر منهم واستدان وذهب ~~إلى القبر يسأل المغفرة من خاتم الرسل وأفضل ولد عدنان فأخذوا بالهتف بذكره ~~وبكنيته قائلين جئنا ms282 إليك قاصدين تائبين لا تردنا أبا إبراهيم، منذ يفارقون ~~بلادهم إلا أن يرجعوا يسألونه المغفرة، قضاء الديون وتفرج الكروب فإذا ~~رجعوا خائبين اعتقدوا أنهم خرجوا من آثامهم كيوم ولدتهم أمهاتهم مسرورين، ~~فعادوا على ما كانوا عليه من الباطل والطغيان، ويقولون هم متوكلون على سيد ~~ولد عدنان، ولا نعني العوام بل هم ذو # PageV01P249 # العقائد من أهل العلم غير التام، فهذا السفر إليه وقصده لفعل العبادة ~~عنده من الدعاء والصلاة لا ريب في حرمته والإثم فيه عند أهل العلم لا يتخلف ~~عنه متقدمهم ولا متأخرهم للعنه صلى الله عليه وسلم المتخذين قبور أنبيائهم ~~مساجد، واللعنة في كلام الله ورسوله لا تجامع إلا الحرام والإثم لا مجرد ~~الكراهة، ولقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم ~~اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" ولأن المسافرين إليه والقاصدينه بعضهم يسميه ~~الحج إلى القبر لحصول المغفرة بذلك. وأما ما حكاه أبو حامد الغزالي ومن ~~وافقه من متأخري الفقهاء فرادهم السفر المجرد لزيارة القبر لا لقصد فعل ~~العبادة من الصلاة والدعاء عنده، قالوا والحديث مبني على عدم تناوله النهي ~~لزيارته إذا لم يتخذ عيدا ولم يحصل المحظور الذي نهى عنه كما لم يتناول إلى ~~عن السفر إلى الأمكنة التي فيها الولدان والعلماء والمشايخ والأخوان أو بعض ~~المقاصد من الأمور الدينية المباحة. وصدر صالح سلف الأمة وخيارها جعلوا ~~قوله عليه السلام لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم ~~تبلغني صريحا في النهي مطلقا عن قصده من بعد لأن الاجتماع عنده لازم له، ~~وذلك هو المنهي عنه وأيضا نهيه عليه السلام عن شد الرحال إلى مسجد من ~~المساجد غير الثلاثة مع فضل العبادة الحاصلة في المساجد من صلاة وقراءة ~~واعتكاف، ووجوب قصده تارة على أهل عصره واستحبابه أخرى شامل للنهي عن شد ~~الرحال إلى مجرد زيارة القبور بالأولى إذ ليست زيارتها أفضل عند الله من ~~عبادته في خير بقاع الأرض، وقد نهى عن شد الرحال إليها، فهذه أولى بالنهي ~~قالوا ومن اعتقد أن ms283 السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله ~~فهو إما جاهل بشريعة الرسول وإما كافر به. وإذا وجد السفر المشروع إلى مسجد ~~الرسول لفعل العبادة فيه دخلت الزيارة تبعا فإنها غير مقصودة بشد الرحال ~~إليها بل إلى المسجد نفسه وحينئذ فالزيارة شرعية مجمع على استحبابها بشرط ~~عدم فعل المحظور عند القبر لا صلاة ولا دعاء وهو مستقبل القبر ولا يقصده له ~~وان استقبل القبلة في حال الدعاء ومن لم يفرق بين السفر المشروع إلى مسجده ~~صلى الله عليه وسلم وزيارة قبره الداخلة تبعا الشرعية المجمع على ~~استحبابها، وبين السفر إلى غير قبره فهو إما جاهل بما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم، وإما كافر به، وإدلاء صاحب المقدمة واحتجاجه على سنية ~~السفر وشد الرحال إلى مجرد زيارة القبر تارة وقرب وجوبه أخرى باطل من وجوه: # PageV01P250 # (أحدهما) أن هذه الأحاديث كلها مكذوبة موضوعة باتفاق غالب أهل العلم ولم ~~يجعلها في درجة الضعيف إلا القليل ولذلك تفرد بها الدار قطي عن بقية أهل ~~السنن، والأئمة كلهم يرون بخلافه، ومروياته مقدوح فيها خصوصا أحاديث زيارة ~~القبر ومروياته فيها وهي أجل حديث روى في هذا الباب من حديث أبي بكر البزار ~~ومحمد ابن عساكر. # (الثاني) أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث واحد في زيارة ~~قبر مخصوص، ولا روي في ذلك شيء لأهل الصحيح ولا السنن ولا الأئمة المصنفين ~~في المسانيد كالإمام أحمد وغيره، وإنما روى ذلك من جمع الموضوع وغيره ~~المخالف لأهل الصحيح والتصحيح المميزين بين الحسن والضعيف والموضوع من أهل ~~الترجيح، فالأحاديث المروية في زيارة قبره كقوله من زارني وزار إبراهيم ~~الخليل في عام واحد ضمنت له على الله الجنة، ومن زارني بعد مماتي فكأنما ~~زارني في حياتي، ومن حج ولم يزرني فقد جفاني، ونحو هذه الأحاديث، كلها ~~مكذوبة موضوعة باتفاق أهل المعرفة إنما رخص في زيارة القبور مطلقا بعد أن ~~نهى عنها بلا شد رحال وسفر إليها كما ثبت عنه في الصحيح. # (الثالث) نهيه ms284 صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ قبره عيدا كما ثبت عنه من غير ~~وجه رواه أبو داود من حديث أبي هريرة، ورواه سعيد بن منصور في سننه من حديث ~~أبي سعيد مولى المهرى، ورواه أيضا سعيد من حديث الحسن ابن الحسن بن علي كرم ~~الله وجوههم، فكيف يقول لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ~~حيث ما كنتم، ثم يقول من حج ولم يزرني فقد جفاني، أو يقول من زار قبري وجبت ~~له شفاعتي، أو يقول لا عذر لمن كانت له سعة من أمتي ولم يزرني، أو يقول من ~~زارني في المدينة متعمدا كان في جواري يوم القيامة، أو نحرا من هذه ~~المختلقات عليه، وليخش المدلي بهذه المختلقات صان الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم عنها أن يكون ممن قال صلى الله عليه وسلم فيه "إن كذبا علي ليس ككذب ~~على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" الحديث. مخرج في ~~الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، ولو قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ما نسبه إليه هؤلاء لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد ويلعن ~~فاعل # PageV01P251 # ذلك فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فيكف بملازمتها والعكوف ~~عندها وعليها وان يعتاد قصدها وإتيانها من بعيد وشد الرحال إليها، بل هذا ~~أولى باللعنة وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ثم يأمر بشد الرحال ~~إليه وانه للدعاء عنده يقصد كيف يقول اعلم الخلق من الصحابة بذلك ولولا ذلك ~~لأبرز قبره ولكن خشي أن يتخذ مسجدا، كيف يقول لا تجعلوا قبري عيدا وصلوا ~~علي حيث ما كنتم، وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما فهمه هؤلاء ~~المدعون ولم ينقلوا عنه ما نقله هؤلاء المختلقون. # (الرابع) أنه ندب أمرا قد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله من ~~سنته ودينه وأنه يتقرب بفعله، وأصل الضلال في الأرض إنما نشأ من اتخاذ دين ~~لم يشرعه الله أو ms285 تحريم ما لم يحرمه الله، ولهذا كان الأصل الذي بنى الإمام ~~أحمد والشافعي وغيرهما من الأئمة عليه مذاهبهم أن أعمال الخلق تنقسم إلى ~~عبادات يتخذونها دينا ينتفعون بها في الأخرى أو في الدنيا والآخرة، وإلى ~~عبادات ينتفعون بها في معايشهم، فالأصل في العبادات أن لا يشرع منها إلا ما ~~شرعه الله ورسوله وان استحسنه العقل، إذ لا مدخل له في الدين، والأصل في ~~العادات أن لا يحضر منها إلا ما حضره الله ورسوله، فمن ندب إلى شيء يتقرب ~~به إلى الله ويجعله من سنة رسول الله أو وحيه بقوله أو فعله من غير أن ~~يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن تبعه في ذلك ففد ~~اتخذه شريكا لله شرع له من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اعتقد أن أكثر ~~هذه العادات المخالفة للسنة مجمع عليها بناء على أن الأمة قد أقرتها ولم ~~تنكرها فهو مخطىء في هذا الاعتقاد، فإنه لم يزل ولا يزال في كل وقت من ينهى ~~عن عامة العادات المحدثة المخالفة للسنة ولا يجوز دعوى إجماع بعمل بلد أو ~~بلاد من بلاد المسلمين فكيف بعمل طوائف، فالعادات لا تصرف الأحاديث الواردة ~~في النهي عن الحضرية فإن غالب العاملين بالعادات البدعية هم الملوك ~~وأشباههم ممن سلفهم واتبعهم ولا حجة في فعلهم. # (الخامس) زعمه أنا نكفر من يزور القبور وهذا منه بهتان علينا، وقول زور، ~~فإنا نقول أصل زيارة القبور مسنونة مندوبة أمر بها الشارع بعد أن نهى عنها # PageV01P252 # والترغيب في زيارتها لتذكار الآخرة والإحسان إلى الميت بزيارته والدعاء ~~والاستغفار له لكن بلا شد رحل إليه، ونحن إذا نهينا عن شد الرحال كما نهى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة من بعدهم، لا يلزم من نهينا ~~تكفير مرتكب المنهي عنه إذا لم يصدر منه ما يوجب كفره من الشرك الأكبر غير ~~المغفور كدعاء الميت بما لا يقدر عليه إلا الله من سلامة وعافية وتفريج ~~كربة، وكشف شدة وسؤال مغفرة، أو ليكون ms286 له واسطة ووسيلة في قضاء حوائجه ~~وليشفع له في ذلك فهو متوكل عليه فيه تقدم بيانه موضحا، وأما قصد الدعاء ~~عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره لنفس ذلك الداعي لا له وللميت ~~فهو حرام ولا كفر حيث لم يدع الميت نفسه، وإنما حرم لقصد البقعة للدعاء ~~فنحن نعمل ونأمر بالزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ~~وعلمهم إياها ونجتنب وننهى عن الزيارة التي نهى عنها أمته وأخبر أنها فعل ~~المشركين. # (السادس) ان متأخري الفقهاء القائلين بزيارة القبور من الشافعية وغيرهم ~~حتى ابن حجر الهيثمي صرح في الإمداد الذي شرح به الإرشاد، كلهم قالوا ينوي ~~الزائر مع زيارته التقرب بالسفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم وشد الرحل ~~إليه والصلاة فيه لتكون زيارة القبر تابعة، ويكثر في طريقه من الصلاة ~~والتسليم عليه، ومضمون كلام صاحب المقدمة معاكس لهم لجعله زيارة القبر هي ~~الأصل استحبابا أو قربا من الواجب رأسا وزيارة المسجد تابعة، وصريح ~~الأحاديث المتقدمة وكلام الأئمة راد عليه في ذلك إذ هم القائلون من اعتقد ~~أن السفر إلى مجرد القبر أفضل من السفر إلى المسجد أو مثله فهو إما جاهل ~~بشريعة الرسول وإما كافر بها، وممن صرح بذلك أيضا الإمام الشافعي كغيره من ~~السلف الصالح. # (السابع) أنه لم يفرق بين الزيارتين، ولم يميز بين الجنسين، وفي الحضرية ~~والمشروعية، بل هما عنده شيء واحد، ولذلك نسبنا إلى تكفيره فاعل المحظور ~~منهما مع أنا نفصل بين ما فيه مجرد الإثم والحرمة، وبين ما هو نفسه كفر ~~حقيقي لا يحتمل الأول وبين ما هو من الدين قد شرعه رسول رب العالمين والله ~~أعلم. # PageV01P253 ### | حكم المتهاون بصلاته # وأما اعتراضكم على الشيخ بقولكم: (وأما قوله وليعلم المتهاون بصلاته ~~المستخف المسابق الإمام فيها أنه لا صلاة له وأنه إذا ذهبت صلاته فقد ذهب ~~دينه أخذا هذا القول من تشبيهه صلى الله عليه وسلم الدين بالخيمة. والصلاة ~~بعمود تلك الخيمة. وقوله أن الفسطاط إذا سقط عموده سقط الفسطاط ولم ينتفع ~~بالطنب ms287 ولا بالأوتاد، وإذا قام عمود الفسطاط انتفعت بالطنب والأوتاد، فكذلك ~~الصلاة من الإسلام. فنقول لا نسلم ان سبق الإمام يبطل صلاته، نعم يكره ذلك ~~الفعل منه بل ان ترك الموحد الصلاة رأسا مع اعتقاد فرضيتها لا يكفر كفرا ~~اعتقاديا. نعم عند الشافعي يقتل أحدا لا كفرا فكيف يحكم بسبب المسابقة ~~بخروجه من الدين، ولا يلزم من التشبيه الذي بالحديث المذكور ذلك إذ لا يلزم ~~من تشبيه شيء بشيء مشاركته من جميع الوجوه. مثلا لا يلزم من تشبيه زيد ~~بالأسد في الشجاعة أن يقال الناس كالأسد، نعم الصلاة أم العبادات ومعراج ~~المؤمنين ومناجاة رب العالمين وفرضها أفضل الفرائض ونفلها أفضل النوافل كما ~~هو مفصل في كتب التفسير والحديث والفقه) . # فنقول هذا الاعتراض شاهد على المعترض به أنه ليس له إطلاع على كلام ~~الأئمة الإعلام ولا احاطة بمعاني الأحاديث النبوية الكرام، وإنما يقول من ~~عندياته، ويستدل بظاهر ما خلف من مصنفاته غير محررات تناقضها نصوص كلام ~~إمامه ومروياته وذلك من وجوه. # (أحدها) أن هذا كلام للإمام أحمد بن حنبل الشيباني لا لمحمد بن عبد ~~الوهاب، بل قاله الإمام أحمد في رسالة له عدة ورقات كتبها في أحكام الصلاة ~~والتهاون بها وما بلغه عنها وكان سبب كتابتها على ما ذكره أنه صلى في جماعة ~~ورآهم أو أكثرهم يسابقون الإمام بالأركان الفعلية، فكتبها نصيحة لهم ~~ولغيرهم ان صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه وتابع له في أفعاله لا يتقدم ~~بها عليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما جعل # PageV01P254 # الإمام ليؤتم به" ولقوله أيضا: " أما يخشى أحدكم إذا رفع رأسه قبل الإمام ~~أن يحول الله رأسه رأس حمار أو يجعل صورته صورة حمار" وهذان الحديثان في ~~البخاري ومسلم، ومعلوم أن المسابق لإمامه متهاون بصلاته مستخف بها، ووجود ~~هذين الوصفين أو أحدهما لا يجامع الصحة وإذا بطلت فخطرها عظيم، ولهذا قال ~~الإمام أحمد في رسالته وليعلم المتهاون بصلاته المستخف بها المسابق للإمام ~~فيها أنه لا صلاة له، فإذا ذهبت صلاته فقد ذهب دينه، فعظموا الصلاة وتمسكوا ms288 ~~بها واتقوا الله فيها خاصة وفي أموركم عامة، واعلموا أن الله عز وجل قد عظم ~~حق الصلاة في القرآن وعظم أمرها وشرفها وشرف أهلها وخصها بالذكر من بين ~~الطاعات كلها في مواضع كثيرة من القرآن وأوصى بها خاصة فمن ذلك أنه تعالى ~~ذكر أعمال البر التي أوجب لأهلها الخلود في الفردوس فافتتح تلك الأعمال ~~بالصلاة وختمها بالصلاة وجعل تلك الأعمال التي جعل لأهلها الفردوس بين ذكر ~~الصلاة مرتين قال الله عز وجل: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} فبدأ من صفتهم بالصلاة عند مدحه إياهم ثم وصفهم بالأعمال الظاهرة ~~الزكية المرضية إلى قوله: {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم ~~على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون} فأوجب الله عز وجل لأهل هذه الأعمال الشريفة الزكية المرضية الخلود ~~في الفردوس وجعل هذه الأعمال بين ذكر الصلاة مرتين ثم عاب الله عز وجل ~~الناس كلهم وذمهم ونسبهم إلى اللوم والهلع والجزع والمنع للخير إلا أهل ~~الصلاة فإنه استثناهم منهم فقال: {إن الأنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر ~~جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا} ثم استثنى المصلين فقال: {إلا المصلين * ~~الذين هم على صلاتهم دائمون * والذين في أموالهم حق معلوم * وفي أموالهم حق ~~للسائل والمحروم} ثم وصفهم بالأعمال الزكية الطاهرة المرضية الشريفة إلى ~~قوله: {والذين هم بشهاداتهم قائمون} ثم ختم ثناءه عليهم ومدحه إياهم بأن ~~ذكرهم بمحافظتهم على الصلاة فقال: {والذين هم على صلاتهم يحافظون * أولئك ~~في جنات مكرمون} فأوجب لأهل هذه الأعمال الكرامة في الجنة وافتتح ذكر هذه ~~الأعمال المرتب على وجودها الكرامة بالصلاة وجعل ذكر هذه الأعمال بين ذكر ~~الصلاة مرتين ثم ندب إلى الطاعات كلها، والصلاة هي أكبر الطاعات فقال عز من ~~قائل: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء ~~والمنكر} وفي تلاوة الكتاب # PageV01P255 # جميع الطاعات كلها واجتناب جميع المنهيات فخص الصلاة بالذكر فقال: {وأقم ~~الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} أي والصلاة خاصة وقد ندب ms289 سبحانه ~~وتعالى أنبياءه عليها فقال: {وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا ~~نحن نرزقك والعاقبة للتقوى} فأمر الله نبيه أن يأمر أهله بالصلاة ويصطبر ~~عليها ثم أمر الله المؤمنين بالاستعانة على طاعته بالصبر، ثم خص الصلاة ~~بالذكر من بين الطاعات فقرنها مع الصبر بقوله: {يا أيها الذين آمنوا ~~استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين} وكذلك أمر الله بني إسرائيل ~~بالاستعانة في الصبر على جميع الطاعات ثم أفرد الصلاة من بين سائر الطاعات ~~فقال: {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ومثل ذلك ~~ما أخبر الله عز وجل من حكمه ووصيته خليله إبراهيم ولوطا وإسحق ويعقوب ~~فقال: {وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة} فأفردها بالذكر وأوصاهم ~~بفعل الخيرات عامة وفعل الصلاة خاصة ومثل ذلك ما أخبر عن إسماعيل في قوله: ~~{وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا} فبدأ بالصلاة، ومثله ~~عن موسى عليه السلام في قوله: {وهل أتاك حديث موسى * إنني أنا الله لا إله ~~إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري} فأجمل الطاعات واجتناب المعاصي وأفرد ~~الصلاة وأمر بها خاصة، ثم قال عز من قائل: {والذين يمسكون بالكتاب وأقاموا ~~الصلاة} والتمسك بالكتاب لازمه فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المنهيات. ثم ~~خص الصلاة بالذكر فقال: {وأقاموا الصلاة} وأما تضييع الصلاة فهو تركها ~~والتهاون بها واستخفافها وتعاطي ما يبطلها من فعل ما هو محظور فيها ككلام ~~الناس بينهم وكثرة الحركات فيها عرفا لغير حاجة قتال مباح أو نحوه، ومسابقة ~~إمامه بأفعال الصلاة وعدم تعديل الأركان فيها بأن لم يطمئن طمأنينة وان قلت ~~أو لم يقرأ فيها بأم القرآن فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن ~~هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير ~~وقراءة القرآن" هذا الحديث رواه مسلم من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي ~~الله عنه بلفظه وذكر الحديث بتمامه وعن زيد بن أرقم قال: "كنا نتكلم في ~~الصلاة يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جانبه حتى نزلت وقوموا لله ms290 قانتين فأمرنا ~~بالسكوت ونهينا عن الكلام" وهذا نهى عام فيشمل الأحوال كلها وعن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" وعن أبي هريرة قال: "دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم # PageV01P256 # المسجد ودخل رجل فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"ارجع فصل فإنك لم تصل" ثلاثا فقال والذي بعثك بالحق لا أحسن غيره فعلمني ~~فقال: "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم أقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى ~~تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى ~~تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم افعل ذلك ~~في صلاتك كلها" وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما جعل الإمام ليؤتم ~~به فلا تخلفوا عليه فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا" ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام" ~~وعن البراء بن عازب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله ~~لمن حمده لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا ثم ~~نقع سجودا بعده وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إني أراكم من خلفي كما ~~أراكم من أمامي يحذر مسابقته فيها" وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان ~~يقرأ في الظهر في الأولتين بأم الكتاب وسورتين ويطول الأولى ويقصر الثانية ~~ويسمع الآية أحيانا وفي الركعتين الأخيرتين بأم الكتاب وقال: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي" وروي أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة ~~لمن لم يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب" وعن عبادة بن الصامت قال أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن نقرأ بفاتحة الكتاب في كل ركعة، وعن أبي هريرة ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم ~~القرآن فهي خداج هي خداج هي خداج" وما روي ms291 عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~اقرأ في الأولتين وسبح في الأخيرتين فيرويه الأعور. وقد قال الشعبي أنه ~~كذاب وعمر وجابر يخالفانه إلى أن قال فالصلاة خطرها عظيم، وأمرها جسيم، ~~وبالصلاة أمر الله تبارك وتعالى رسوله أول ما أوحى إليه بالصلاة قبل كل ~~عمل، وقبل كل فريضة، وبالصلاة أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عند خروجه من ~~الدنيا فقال: "الله الله في الصلاة وفيما ملكت إيمانكم" هذا في آخر وصيته ~~إياهم، وجاء في الحديث أنها آخر وصية كل نبي لأمته وآخر عهده إليهم عند ~~خروجه من الدنيا. وجاء في حديث آخر أنه كان يجذب نفسه وهو يقول: "الصلاة ~~الصلاة أول فريضة فرضت عليكم هي آخر ما يذهب من الإسلام وهي أول ما يسأل ~~عنه العبد من عمله يوم القيامة وهي عمود الإسلام ليس بعد ذهابها دين ولا ~~إسلام والله الله في أموركم عامة، وفي صلاتكم خاصة، فتمسكوا بها واحذروا ~~تضييعها، والاستخفاف # PageV01P257 # بها، ومسابقة الإمام فيها، وخداع الشيطان لكم عنها، وإخراجه إياكم عن ~~دينكم، فإنها آخر الدين، ومن ذهب آخر دينه فقد ذهب دينه كله فتمسكوا بآخر ~~دينكم" وقال فيها كلاما طويلا أعرضنا عنه طلبا للاختصار. # PageV01P258 ### | المسابقة مع الإمام يبطل الصلاة وكلام الإمام أحد فيها # (الوجه الثاني) ان قوله لا نسلم أن سبق الإمام تبطل صلاته. وقد قال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمامه بركن أو ركنين تجب ~~عليه إعادة الصلاة لفسادها حيث لم توجد المشاركة مع الإمام أصلا فيما سبقه ~~فيه فإن سابقه إليه المشاركة مع الإمام فمكروه فالأولى للمأموم تخلفه عن ~~إمامه يسيرا بحيث يتميز الإمام عن المأموم بأفعاله، واختلفت الرواية عنهما ~~في مقارنة المأموم لإمامه في تكبيرة الإحرام أو ذكر غيرهما عوضها فعن أبي ~~حنيفة رحمه الله تعالى، الأولى المقارنة له حيث بدأ بها الإمام أولا مسارعة ~~إلى الدخول فيها معه، وعن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى لابد أن يتميز ~~بها الإمام عن المأموم ليكون تابعا له فيكبر بعد تكبيرة الإمام والأصح ms292 أن ~~الاختلاف في الجواز لا في الأفضلية ولو كبر قبله ناويا الإقتداء به بطل ~~الإقتداء وشروعه على الأصح عند الإمام وأبي يوسف ومحمد وعند أحمد والشافعي ~~رحمهما الله تعالى لابد أن يفرغ الإمام من راء اكبر حتى يبدأ الإمام ويشرع ~~بالهمزة من الله، فلو وافقه فيها فصلاته باطلة وحجتهما قوله عليه السلام: ~~"إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا ركع فاركعوا وإذا رفع ~~فارفعوا وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولك الحمد" أخرجه البخاري ~~ومسلم من حديث أنس وظاهر كلامهم في المسابقة التفصيل بين المسابقة بالركن ~~والمسابقة إليه لأن المؤتم تارة يسبق إمامه إلى الركن بأن يشرع في فعله قبل ~~شروع الإمام فيه كأن يركع قبل ركوع إمامه، أو يرفع من ركوعه قبل رفع إمامه، ~~أو يشرع في السجود قبل إمامه، أو يرفع منه قبله، وتارة بسبق إمامه بالركن، ~~بأن يأتي به قبل إمامه كأن يركع ويرفع قبل إمامه، ولا يعد سابقا بركن حتى ~~يتخلص منه إلى غيره فلا يعد سابقا بالركوع حتى يرفع ولا بالرفع حتى يهوي، ~~وقيل حتى يعتدل، والأول هو الصحيح عند أحمد، وقد # PageV01P258 # يسبق إمامه بركنين فأكثر، وإذا سبقه بركن فتارة يكون ركوعا، وتارة لا ~~وإذا سبق بركنين، فتارة يكون أحدهما ركوعا أو لا، إذا علم ذلك فحكم السبق ~~إلى الركن عند الإمام أحمد والشافعي أنه يحرم ولا تبطل صلاته به ولو عالما ~~مسابقته الإمام عامدا أو هو جاهل الحكم وعليه أن يرجع ليأتي بذلك مع إمامه ~~فإن لم يرجع حتى أدركه فيه الإمام فإن كان عالما المسابقة عمدا بطلت صلاته ~~عند أحمد في أصح الروايتين عنه ولا تبطل عند الشافعي في القول المشهور عنه، ~~ومشى عليه أصحابه، وإن كان جاهلا أو ناسيا لم تبطل صلاته بل يعتد له بالذي ~~سبقه إليه من ركوع وسجود ونحوهما من بقية الأركان، لأنه سبق يسير بعسر ~~التحرز عنه، ولأنه اجتمع مع إمامه فيه فلم يخل ذلك بالإقتداء لعذر الجهل أو ~~النسيان بالسبق اليسير، فإن كان ms293 عالما بحكم البطلان فسبقه إليه عمدا ثم رفع ~~منه وركع ثانيا بطلت صلاته لتعمد البطل بزيادة الركوعين. # وأما السبق بالركن فإن كان ركوعا بطلت الصلاة في القول المشهور عن أحمد ~~ومشى عليه أصحابه، حيث كان عالما عامدا، وكذا إن كان غيره على ما في المغني ~~والكافي، والمحرر، وغاية المطلب، والإنصاف، وشرح الوجيز، وغيرها. وما حكاه ~~في الشرح وشرح الوجيز كالإنصاف والمحرر من الوجه بعدم البطل بالسبق بالركن ~~حيث كان عمدا وقيده في المحرر ومن نحا نحوه بشرط كونه غير ركوع. فهذا قول ~~مرجوح بل المذهب المعتمد بطل الصلاة بتعمد السبق بأي ركن مطلقا ولاسيما مع ~~قولهم بالبطل بالسبق إليه عمدا حتى أدركه إمامه فيه والسبق بالركن يستلزم ~~السبق إليه وزيادة، وعدم العذر مفروض فما بقي لعدم البطل مسوغ وأما السبق ~~بالركن جاهلا أو ناسيا فإن كان غير ركوع واستمر على ذلك لم تبطل صلاته ولم ~~تلغ ركعته بل يعتد له بذلك. قال ابن نصر الله في حاشية الكافي الصحيح لا ~~تبطل صلاته ويعتد له بها وأما إن سبقه بركنين أو بركن الركوع خاصة، فإن كان ~~عالما عامدا بطلت صلاته وإن كان جاهلا أو ناسيا بطلت تلك الركعة إن لم يأت ~~بما سبقه به مع الإمام، وكذا ما زاد على الركنين بالأولى، وعند الشافعي إن ~~كان عامدا بطلت وسهوا فلا ولا يعتد له بهذه الركعة، وكذا القول في التخلف ~~عن الإمام بركن فأكثر فمن تخلف بركن فإن كان لعذر من نوم يسير لم ينقص ~~الوضوء أو زحام أو غفلة أو عجلة الإمام ونحو ذلك من الأعذار لم تبطل، ومنها ~~تتميم قراءة الفاتحة إن لم # PageV01P259 # يكن المأموم مسبوقا بها عند الشافعي في أحد القولين الموجب فيه القراءة ~~على المأموم وذلك ان تخلف بطء قراءته لا لوسوسة صرح به في عمدة المسالك، ~~ومتى وجد العذر المشروع للتخلف فإنها لا تبطل صلاته، وعليه أن يأتي بما ~~تخلف به عن إمامه فإن لم يمكنه الإتيان به أو تركه غير عالم عامد مع ~~الإمكان لغت الركعة، ms294 وسواء في ذلك الركوع وغيره على الصحيح وإن كان التخلف ~~بلا عذر بطلت صلاته بأي ركن من الأركان الفعلية التخلف بأكثر من ركن فإن ~~كان بلا عذر بطلت الصلاة وإن كان لعذر فإن أتى بما تركه مع أمن فوت ركعة ~~آتية ولحق إمامه صحت وإلا يأتي به أو خاف فوت آتية لغت الركعة المتروك منها ~~وتابع إمامه والتي تليها عوضها وعند الشافعي لو تخلف بركن بلا عذر كره أو ~~بركنين بطلت. # (وأما) التخلف عن ركن إمامه فإنه مشروع عند أحمد والشافعي لقول البراء بن ~~عازب رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال سمع الله لمن ~~حمده لم يحن منا أحد ظهره حتى يقع النبي صلى الله عليه وسلم ساجدا، ثم نقع ~~سجودا بعده، وقول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله تعالى أن المسابق لإمام ~~بركن أو ركنين تجب عليه إعادة الصلاة، علله أصحابه بالإثم وكراهة التحريم ~~قالوا وهذا الحكم في كل صلاة أديت مع كراهة التحريم كذا في ابن الهمام وإن ~~أديت مع كراهة التنزيه فالإعادة مستحبة (فقول) صاحب المقدمة لا نسلم لا ~~يخفى ما فيه لأنه وما حجته إلا أنه لا يسلم من غير دليل عرضه ولا استدلال ~~قصده، وأما ما يبطل الصلاة من عدم تعديل الأركان في مذهب أبي حنيفة رحمه ~~الله تعالى فعنه في رواية الكرخي أن تعديل الأركان يعني طمأنينة الركوع ~~والسجود والقيام بينهما والرفع بين السجدتين واجب يأثم بتركه فإن أخل به ~~فعليه الإعادة وهذه الرواية عنه أصح من رواية الجرجاني لوجهين. # الأول منهما: أنها هي الموافقة للأئمة الثلاثة ولظاهر الأحاديث عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وكذا فعل أصحابه وتابعيهم. # والثاني: أن أكثر أصحابه على ذلك ما عدا محمدا رحمه الله له رواية عنه ~~حتى أبا يوسف رحمه الله تعالى فإن عنده تعديل الأركان وهو الطمأنينة في ~~الركوع # PageV01P260 # والسجود، وتمام القيام بين الركوع والسجود، والجلوس بين السجدتين فرض ~~تبطل الصلاة بتركه عنده، وعند أكثر أصحاب أبي حنيفة، وهو مذهب ms295 الشافعي، ~~وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله تعالى ان تركه سهوا يلزمه سجود السهو وإن ~~تركه عمدا يأثم وتجب عليه الإعادة إذ هذا الحكم في كل صلاة أديت مع الإثم ~~وكراهة التحريم، وتستحب الإعادة مع كراهة التنزيه. قال في الظهيرية: وعن ~~أصحابنا أنه يأثم بترك قومته، ورفع ظهره من الركوع، وشذ قوله في ~~التتارخانية وشرح الطحاوي، ولو ترك القومة جازت صلاته ويكره أشد الكراهة. ~~فقوله جازت قول مرجوح مخالف للأصل. ولذلك جمع بين القولين في الجواز ~~والكراهة التي فيها الإثم وهي لا تجامع الأجزاء بل لا بد معها من الإعادة ~~كما تقدم. وفي الحديث: "إن العبد إذا صلى الصلاة لوقتها وأداها بأركانها ~~وشروطها صعدت إلى السماء ولها نور حتى تصل إلى الله فتشفع في صاحبها وتقول ~~حفظك الله كما حفظتني وإن ضيعها ولم يتم ركوعها ولا سجودها صعدت ولها ظلمة ~~حتى تنتهي إلى أبواب السماء فتغلق دونها ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فتضرب ~~وجه صاحبها وتقول ضيعك الله كما ضيعتني" وفي السنن عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "أن العبد لينصرف من صلاته ولم يكتب له منها إلا ثلثها إلا ربعها إلا ~~خمسها حتى قال إلا عشرها" فالصلاة إذا أتى بها كما أمر نهته عن الفحشاء ~~والمنكر وإذا لم تنهه دل على تضييعه لحقوقها وإن كان مصليا. # (الوجه الثالث) أن قوله بل أن ترك الموحد الصلاة رأسا مع اعتقاد فرضيتها ~~لا يكفر وهذا خرق لاجماع أكابر بر الصحابة والتابعين، كما قال الحافظ عبد ~~الحق الاشبيلي في كتابه في الصلاة: إن جملة الصحابة ومن بعدهم رضي الله ~~عنهم يكفرون تارك الصلاة متعمدا ويحكمون عليه بالارتداد إذا خرج وقتها، ~~منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، ومعاذ بن جبل، وعبد ~~الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبو الدرداء، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وأبو هريرة، وعلي بن أبي طالب، ولا يعلم عن صحابي خلافهم، ~~قال ومن غير الصحابة أحمد بن حنبل، ومحمد بن إدريس ms296 الشافعي في الرواية ~~الصحيحة المشهورة عن بعض أصحابه في الرجل الممتنع على حدته، واسحق بن ~~راهويه، والإمام مالك في أحد الروايتين عنه، وعبد الله بن المبارك، ~~وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتبية، وأيوب # PageV01P261 # السختياني، وأبو داود الطيالسي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو خيثمة زهير ~~بن حرب، قال يحيى بن معين قيل لعبد الله بن المبارك أن أناسا يقولون من لم ~~يصم ولم يصل بعد أن يقر بهما فهو مسلم مؤمن فقال عبد الله لا نقول نحن كما ~~يقول هؤلاء بل من ترك الصلاة متعمدا من غير علة حتى دخل وقت في وقت فهو ~~كافر يحل قتاله وقال ابن أبي شيبة: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " من ترك ~~الصلاة فقد كفر" فيقال له ارجع عن الكفر فإن فعل وإلا قتل بعد" وفي مسند ~~الإمام أحمد عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله". وعن أبي الدرداء ~~قال أوصاني أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: " أن لا أترك صلاة متعمدا فمن ~~ترك صلاة متعمدا فقد برئت منه الذمة". رواه ابن أبي حاتم في سننه قال أحمد ~~ابن سمار سمعت صدقة بن الفضل يسئل عن تارك الصلاة فقال هو كافر، فقال له ~~السائل أتبين منه امرأته فقال صدقة وأين الكفر من الطلاق لو أن رجلا كفر ~~ولم يطلق خرجت امرأته من عصمته لأنه أعظم، لكن قال أكثر العلماء ينتظر بها ~~انقضاء عدتها ان كانت مدخولا بها لحديث صفوان بن أمية وامرأته بنت الوليد ~~بن المغيرة ان صفوان أسلم بعدها بشهر فإنها أسلمت يوم الفتح وهو بقي علي ~~كفره حتى شهد حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم بعد فلم يفرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بينهما بل استقرت عنده امرأته بذلك النكاح، وقال أبو عبد الله ~~محمد بن نصر سمعت اسحق ابن يسار يقول صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~تارك الصلاة كافر، وكذلك ms297 كان رأى أهل العلم من لدن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى يومنا هذا أن تارك الصلاة عمدا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. ~~وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى ومحمد بن شهاب الزهري وداود بن علي المزني ~~يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب، والرواية التي عن الشافعي في ~~قتله تارك الصلاة حدا إنما هي في الرجل الممتنع منها على حدته، والصحيحة ~~عنه كفره، كما نقلها عنه عبد الحق الاشبيلي، وتارك الصلاة رأسا وان وجد منه ~~التصديق والإقرار بها فإنه معدوم ما هو معتبر به ومتوقف صحته والعصمة به ~~على وجوده وهو عمل القلب نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لفعل الأوامر إذا ~~وجد فعله انقادت له الأعضاء وإلا بان لم يوجد منه إلا التصديق خاصة، فذلك ~~قول القلب مجردا من فعله وهو لا ينفع كما لم ينفع إبليس وفرعون والذين ~~عرفوا النبي # PageV01P262 # صلى الله عليه وسلم وعلموا صدقه وما جاء به من الحق فاعتقدوا صدقه وإن ما ~~جاء به هو الحق ثم لم يعملوا وهؤلاء وإن كذب به بعضهم ظاهرا. فالبعض الآخر ~~يقر عنده وعند غيره ويعتذر عن العمل والإتباع والتكذيب ظاهرا سببه فقد عمل ~~القلب مع أن قوله وهو التصديق موجود فلم ينفعه. # وتقدمت الأدلة على كفر تارك الصلاة مستوفاة من كتاب الله وسنة رسوله ~~وإجماع الصحابة والتابعين وأنه لا خلاف في قتل تاركها إلا أن أبا حنيفة ~~رحمه الله تعالى ومن وافقه قالوا بحبسه حتى يموت في الرواية المشهورة عنهم، ~~وما فهمه صاحب المقدمة من كلام الإمام أحمد في قوله. وليعلم المتهاون ~~بصلاته المستخف بها السابق الإمام فيها أنه لا صلاة له صحيحة، وإنه إذا ~~ذهبت صلاته فقد ذهب دينه من أنه يحكم على المسابق الإمام بالخروج من الدين ~~ولحوقه بالكفار المرتدين إذا بطلت صلاته بالمسابقة فهو أحد الروايتين عنه ~~فيمن ترك من الصلاة ركنا أو شرطا يعتقد التارك وجوبه، أو أتى بمبطل لصلاته ~~عالما عامدا. لأن ذلك كتركها، فيقال فيه ما يقال في ترك جميعها، ms298 وقد قال ~~ابن هبيرة في قول حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وقد رأى رجلا لا يتم ركوعه ~~ولا سجوده ما صليت، ولو مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدا صلى ~~الله عليه وسلم، فيه إن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار، وفيه ~~إشارة إلى تكفير تارك الصلاة، وإلى تغليظ الأمر في الصلاة حتى إن من أساء ~~في صلاته ولا يتم ركوعها ولا سجودها فإن حكمه حكم تاركها، قال الإمام في ~~رسالته الصلاة، أول فريضة فرضت على النبي صلى الله عليه وسلم وهي آخر ما ~~يذهب من الإسلام ليس بعد ذهابها إسلام ولا إيمان ولا دين، وهو أول ما يسأل ~~عنه العبد يوم القيامة من عمله، وهي عمود الإسلام إذا سقط الفسطاط فلا ~~ينتفع بالأطناب والأوتاد، وكذلك الصلاة إذا ذهبت فقد ذهب الإسلام ووجود ~~المبطل لها من مسابقة أو غيرها مذهب ومعدم لها، والرواية الثانية أنه لا ~~يكفر إلا بترك ما هو مجمع عليه مما لا خلاف فيه وإن رأى التارك وجوبه لأنها ~~إذا بطلت تصير كأنها فائتة ولا يكفر تاركها ومراعاة للقائلين بصحتها وإن ~~اعتقد الفاعل بطلانها ونحن وإن قلنا ما قاله الإمام أحمد رحمه الله تعالى ~~من أن المسابقة للإمام عمدا تخل بالصلاة وتصير معدومة لم نحكم على المسابق ~~بالكفر والردة كما لم نحكم على تارك القراءة في الركعتين الأخيرتين بأم ~~القرآن أو لم يعدل الأركان حيث هي التارك صحتها # PageV01P263 # بدونه إذ هذه مسائل اجتهادية لا يكفر بها ولا إنكار في مسائل الاجتهاد، ~~نعم نأمر المسيء في صلاته أن يعدل أركانها، وأن يتم قراءتها وركوعها ~~وسجودها، وأن لا يسابق الإمام فيها فإن فعل يعيدها وننصح ونغلظ القول في ~~ذلك، كما نصح وغلظ فيه صدر الأمة السلف الأول، ونخشى عليه من ذلك فقد قال ~~صلى الله عليه وسلم وكرر ثلاثا للمسيء في صلاته صل فإنك لم تصل وعلمه ~~كيفيتها كما في البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه. # (الوجه الرابع) قوله ولا يلزم من ms299 التشبيه الذي بالحديث المذكور ذلك إذ لا ~~يلزم من تشبيه شيء مشاركته له من جميع الوجوه فهو قد فهم أن التمثيل الذي ~~في كلام الله ورسوله هو التشبيه الواقع على المشبه والمشبه به، والتمثيل ~~غير التشبيه في المعنى فإن تشبيه زيد بالأسد في قولنا زيد أسد أو كالأسد أو ~~ما هو من معاكس التشبيه كقوله صلى الله عليه وسلم: " فضل عائشة على النساء ~~كفضل الثريد على سائر الطعام" ليس كالأمثال التي ضربها الله في القرآن أو ~~رسوله في السنة فإنه سبحانه وتعالى ضرب قصة الشيطان: {إذ قال للإنسان اكفر ~~فلما كفر قال إني بريء منك} مثلا لبني النضير حين اغتروا بالمنافقين، ثم ~~تبرؤا منهم عند الشدة، فقال: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم ~~الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا ~~وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ~~ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون} إلى أن ~~قال: {كمثل الذين من قبلهم قريبا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم * كمثل ~~الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب ~~العالمين} كذلك ضرب سبحانه وتعالى الأمثال في القرآن مخبرا كقوله: {ضرب ~~الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ... } الآية كقوله: {ضرب لكم مثلا ~~من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم ... } الآية ~~إلى غير ذلك من الأمثال التي لا يعملها إلا العالمون فإن هذه الممثل بها ~~ليست أعلى ولا أتم من الممثل بل هو فوقها وأتم منها حسا ومعنى، وضربه صلى ~~الله عليه وسلم الأمثال في السنة، مع كتمثيله الصلاة في عمود الخيمة وهي ~~بالدين فكما لم تستقم بدون عمود ولا ينتفع بها بدونه، كذلك لا يستقيم الدين ~~بدون الصلاة التي هي منه كالعمود بالنسبة إلى الخيمة، أو كالرأس للجسد، أو ~~كالروح للبدن، وكضرب الله الأمثال في القرآن في أن الممثل أعلا وأتم ms300 من # PageV01P264 # الممثل به حسا ومعنى في الأفضلية وفي عدم الوجود والانتفاع، وأما المشبه ~~فإنه إذا كان بينه وبين المشبه به علاقة في صفة من الصفات شبه به ولا يلزم ~~منه مشابهته له ولا به من كل الوجوه، فإن زيد إذا قيل عنه أسد أو كالأسد لا ~~يشاركه في جميع الصفات، كما لا يشاركه في الذات، بل الأسد فيه من الصفات ~~المخالفة مالا توجد في زيد وفي زيد منها ما لا يوجد في الأسد إذ الصفات ~~الإنسانية أفضل وأتم من سائر الحيوانات والجمادات، والشجاعة الموجودة في ~~الأسد والحسن الموجود في البدر أتم وأكمل من الشجاعة والحسن الموجودين أو ~~أحدهما في زيد، بخلاف الأمثال التي ضربها الله في القرآن أو رسوله في السنة ~~فإن الممثل أتم وأكمل من الممثل به وهو تابع معناه إعداما وإيجادا وجوبا ~~وجوازا ووجوبا. # (الوجه الخامس) قوله ونفلها أفضل النوافل وعزاه إلى كتب الأحاديث ~~والتفسير والفقه، والذي فيها أفضل النوافل الجهاد ثم النفقة فيه ثم العلم ~~نعلمه وتعليمه ثم صلاة النافلة ففي الصحيحين عن أبي ذر الغفاري رضي الله ~~عنه قال: " قلت يا رسول الله أي الأعمال أفضل قال: "الإيمان بالله وجهاد في ~~سبيل الله " وفيهما أيضا عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"أفضل الأعمال إيمان بالله وجهاد في سبيل الله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فضل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت ~~القائم الذي لا يفتر عن الصلاة ولا الصيام حتى يرجعه الله بما يرجعه من ~~غنيمة أو أجر أو يتوفاه ليدخله الجنة" وعند الإمام أحمد: " والذي نفس محمد ~~بيده ما شجت ولا اغبرت قدما عبد في عمل يبتغي فيه درجات الجنة بعد الصلاة ~~المفروضة أفضل عند الله من الجهاد في سبيل الله عز وجل" وحديث معاذ ابن جبل ~~رضي الله عنه في قوله صلى الله عليه وسلم: " رأس الأمر الإسلام وعموده ~~الصلاة وذروة سنامه الجهاد" دال بصريحه على أن الجهاد أفضل الأعمال بعد ~~الفرائض كما ms301 هو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء فإنه عليه السلام عبر ~~برأس الأمر وعنى به الدين الذي بعث به الرسل وعموده وهو قوامه الذي يقوم به ~~كما تقوم الخيمة بالفسطاط هو الصلاة وذروة سنامه وهو أعلى ما فيه وأرفعه ~~وهو الجهاد، وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن الزبير قال قال ~~عثمان بن عفان وهو يخطب على منبر أني محدثكم # PageV01P265 # حديثا سمعته من رسول الله لم يكن يمنعني أن أحدثكم به إلا الظن بكم سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "حرس ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ~~ليلة يقام ليلها ويصام نهارها" وقد ترجم ابن حبان في صحيحه ذكر تضعيف ~~النفقة في سبيل الله على غيرها من الطاعات، وذكر عن خريم بن فاتك مرفوعا: ~~"من أنفق في سبيل الله كتب له سبعمائة ضعف " ورواه الإمام أحمد والنسائي ~~والترمذي وحسنه، وعند الإمام أحمد وغيره من عمل حسنة كانت له بعشر أمثالها ~~ومن أنفق نفقة في سبيل الله كانت له سبعمائة ضعف، وفي الصحيحين عن أبي ~~هريرة مرفوعا "تجدون الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام ~~إذا فقهوا"، وممن صرح به من الأئمة اسحق بن راهوية نقله عنه ابن منصور وان ~~من العلم ما يقع نفلا وفي خطبة المحيط للحنفية أفضل العلوم عند الجمهور بعد ~~معرفة أصل الدين وعلم اليقين معرفة الفقه قال الإمام أحمد تذاكر بعض ليلة ~~أحب من إحيائها في العلم الذي ينتفع به الناس في أمر دينهم قال ابن منصور ~~فقلت الصلاة والصوم والحج والطلاق ونحو هذا قال نعم، والأشهر عنه الاعتناء ~~بالحديث والفقه والتحريض على ذلك قال وليس قوم خيرا من أهل الحديث، وعاب ~~على محدث لا يتفقه وقال يعجبني أن يكون الرجل فهيما في الفقه إلا أن ~~الشافعي رحمه الله اختار في القول المشهور تقديم نفلها على نفل العلم ~~للإخبار في أنها أحب الأعمال إلى الله وخيرها ولأن مدوامته صلى الله عليه ~~وسلم على نفلها أشد من غيره ولقتل من تركها ms302 تهاونا وكسلا ولتقديم فرضها، ~~وقال غيره العلم يتعدى نفعه فاشتغال في أفضل مما يقصر نفعه على الفاعل ~~ولذلك كان العالم العامل أفضل من العابد، إلا أن نفل الصلاة أفضل مما يتعدى ~~نفعه سوى العلم كالصدقة وأمثالها وهل نفل الحج أفضل من نفل الصلاة أم نفلها ~~أفضل فمن قال أنه أفضل قال انه جهاد لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قلت ~~يا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النساء جهاد قال: " عليهن جهاد لا ~~قتال فيه الحج والعمرة" إسناده صحيح رواه الإمام أحمد وابن ماجة وروى ~~الإمام أحمد والبخاري عنها قالت يا رسول الله أترى الجهاد أفضل العمل أفلا ~~نجاهد قال: "لكن أفضل الجهاد حج مبرور" وعند الشافعي رحمه الله تعالى في ~~القول المشهور عنه نفل العلم أفضل من نفل الحج لتعديه وإنما قدم نفل الصلاة ~~للأخبار الواردة في أنها أحب الأعمال إلى الله كما تقدم عنه وكذا القول في ~~تقديم نفل # PageV01P266 # الصوم فمن قدمه قال لإضافته إلى الله لما في الحديث: "كل عمل ابن آدم له ~~إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" ومن لم يقدمه قال إنما أضافة الله إليه ~~لأنه لا يعبد به غير الله في جميع الملل بخلاف غيره ولأن من نوى صلة رحمه ~~وأن يصلي ويتصدق ويحج كانت نيته عبادة يثاب عليها، ونطقه بما سمعه الناس من ~~كلمة التوحيد أفضل إجماعا، وأما الصدقة ففي زمن غلا وحاجة أفضل من عتق، وفي ~~غير زمن غلاء وحاجة فعتق أفضل، وصدقة على قريب محتاج أفضل من عتق والله ~~أعلم. # PageV01P267 ### | لبس الخلقة والخيط لدفع البلاء أو رفعه من الشرك # (وأما قولكم وقوله من الشرك لبس الخلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو ~~دفعه وقول الله تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله ~~بضر هل هن كاشفات ضره ... } الآية وعن عمران بن حصين أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رأى رجلا في يده حلقة من صفر فقال ما هذه قال من الواهنة فقال: " ~~انزعها فإنها لا ms303 تزيدك إلا وهنا ولو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" فنقول لا ~~شبهة في أن لبس ما ذكر حرام، وصاحبه آثم، لكن لا يلزم من كون مرتكبه كافرا ~~مشركا خارجا عن دين الإسلام مباح الدم والمال وأيضا ليس مذهب لأحد من السلف ~~الصالحين، مع أن الواجب على كل أحد أن يحمل أخاه المؤمن على الصلاح كما ~~قدمناه، وما ذكر في معرض الاستدلال من الآية والأحاديث لا يدل عليه إذ ~~المراد بالدعاء في الآية الكريمة العبادة كما عليه المفسرون، وأما الأحاديث ~~فمحمولة على من يعتقد فيهما التأثير، كما يجب حمل أمثالها من الأحاديث ~~الواردة من هذا النمط على ذلك) . # فنقول أما الحلقة فقال أهل اللغة كل ما كان يبين بعضه من بعض كحلقة الذكر ~~ووسط الصف ونحو ذلك فهو حلقة، ووسط بالإسكان وما كان مصمتا لا يبين بعضه من ~~بعض كحلقة الباب ونحوها، ووسط الدار والرأس والراحة فهو حلقة، ووسط بفتح ~~اللام في الخلقة والسين في الوسط، قاله الأزهري والجوهري وغيرهما) وقد ~~أجازوا في المفتوح الإسكان ولم يجيزوا في الساكن الفتح، والمقصود هنا حكم ~~لبس حلقة الصفر والحديد ونحوهما، ولا ريب أن لبسهما أو تعلق الخيط أو ~~الخرزة # PageV01P267 # أو العظم ونحوها من التمايم لدفع البلاء أو رفعه إن ذلك من شرك تعطيل ~~المعاملة التي تجب على العبيد المتعلقة بمعنى ألوهية الخالق تعالى وتقدس، ~~فإن الإله معناه كل مألوه في القلب برجائه فيما هو مختص بجلال الله وعظمته ~~والالتجاء إليه كما تقدم تعريفه في بيان معاملته تعالى، وما هو مختص به من ~~سائر الطاعات والعبادات التي من أعظمها دعاؤه ورجاؤه والتوكل عليه واعتقاد ~~أن الخير والشر بيده لا جالب لهما ولا دافعهما ورافعهما إلا هو سبحانه ~~وتعالى قال عز من قائل: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك ~~بخير فلا راد لفضله} فإذا اعتقد دفع البلاء والشر ودفعهما في لبس الحلقة ~~والخيط وتعليق العظم والتميمة فقد أشرك في اعتقاده وعطل معاملة الله ~~المأمور بها فوضعها في غير موضعها ms304 بجعلها لغيره، ولذلك قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم للرجل الحامل في عضده الحلقة من الصفر عن الواهنة: "انزعها فإنها ~~لا تزيدك إلا وهنا ولو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" رواه الإمام أحمد وغيره ~~من حديث عمران بن حصين ونفي الفلاح في الأبد يقتضي الشرك الأكبر غير ~~المغفور بل المخلد في النار للاعتقاد المذكور، وقول الله سبحانه وتعالى: ~~{قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته} دليل على أن كشف الضر وإمساك الرحمة عند ~~الله خاصة لا عند غيره من سائر الخلق، الأنبياء والملائكة وتماثيلهم ولا ~~الحلقة والخرزة والخيط والعظم، والتميمة بالأولى ولذلك قال عقبها: {قل حسبي ~~الله عليه يتوكل المتوكلون} والمتخذون تماثيل الأنبياء والملائكة وسائل ~~ووسائط يسمونها الآلهة يدعونها ويرجونها في الرخاء لتشفع لهم عند الله في ~~قضاء حوائجهم وتقربهم منهم زلفى، لم يعتقدوا فيها الضر ولا كشفه ولا إمساك ~~الرحمة عنهم كما تقدم بيان ذلك موضحا، ولا استشفعوا بها واستقوا ودعوها ~~راجين الشفاء والمطر وإنزاله منها كما ذكر الله ذلك عنهم في عدة آيات بينات ~~وكما قرعهم وأنكر عليهم بالاستفهام الإنكاري حيث قال تعالى: {هل هن كاشفات ~~ضره} ... {هل هن ممسكات رحمته} لأنهم يعلمون ويعرفون أن الله وحده كاشف ~~الضر وممسك الرحمة ومنزل الشفاء والرزق والمطر لا غيره ودعاؤها لشفاعتها ~~ورجاؤها في ذلك وتعلق القلوب بها لتكون واسطة ووسيلة وتألهها بذلك هو معنى ~~عبادتها وصاحب المقدمة قد فهم أن الدعاء ليس هو العبادة ولا هي معناه، ~~لقوله إذا المراد # PageV01P268 # بالدعاء في الآية العبادة، بالظاهر أنه يعني بها خصوص السجود لتماثيل ~~الأنبياء والملائكة، ولم يعلم أنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من ~~دعاء ورجاء وتوكل وصلاة وصوم وزكاة وصلة رحم وبر وإذا جعل شيئا من ذلك لغير ~~الله فقد عبده فيعبر عنها بما هي من معناه، ولذلك قال سبحانه: {قل أفرأيتم ~~ما تدعون من دون الله} فعبر عن العبادة بالدعاء لأنها معناه، ms305 ولأنهم كانوا ~~يدعونها لتشفع لهم فيما يسألونه منها ولهذا قال تعالى في موضع آخر: ~~{ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله} وكل ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء عقلي فهو العبادة، ~~ومن جعل ما هي من معناه المختص بجلال الله لغيره ففد عبده بما هو مأمور به ~~شرعا لله وحده، وقوله تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني ~~الله بضر هل هن كاشفات ضره} قال ابن عباس ومقاتل بمرض أو فقر أو بلاء أو ~~شدة هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة خير وصحة وكشف شدة ورفع بلاء هل هن ~~ممسكات رحمته، قال مقاتل فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا لعلمهم أن ~~ذلك لا يكون إلا من الله وحده، فقال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل ~~حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} ولا يخفى ما في الاستدلال بهذه الآية بل ~~بالقرآن كله والسنة على من علق الخيط والحرزة وعلق العظم والتميمة لدفع ~~البلاء أو رفعه أو حصول خير أو نفعه من كمال مناسبة معناها بمن اعتقد في ~~شيء أعظم مما اعتقد فيه الأولون فعلقه ولبسه وتعلقه ليدفع عنه سوءا وبلاء ~~أو لرفعه أو ليكون سببا في دفعه ورفعه إذ الأسباب لا يجوز أن يتعاطى منها ~~إلا ما شرعه الله ورسوله فلا يجعل الشرك أو المحرم سببا في حصول غرض من ~~الأغراض الدنيوية أو الأخروية، ولا يتخذ سببا من الأسباب إلا بعد علمه ~~بحكمه وحيث جاز فلا يركن إليه ولا يتكل عليه، وهذا وايم والله في الجائز ~~فما الظن فيمن جعل الحرام المجمع عليه حلالا واعتقد فيه وتوكل عليه، هل هذا ~~يجامع الإيمان أو الإسلام أو محملا يعدل به عن اعتقاده إلى رتبة الفساق ~~المرتكبين لأنواع الحرام مع وجود الإسلام وأصل الإيمان، أم اعتقاده أفسد ~~عليه فخرج به عن خطة دين الإسلام الذي أنزل به القرآن وعلق بوجوده الغفران ~~ودخل في خطة عباد الشيطان وتماثيل الأنبياء ms306 والملائكة والمرسلين من الأحجار ~~والأشخاص والطلاسم التي هي أسماء المعبودين، والرسل لم بعثهم الله إلا ~~لإبطال كل ما يخالف دينه وما شرعه ويكسروا الأحجار ويطمسوا التماثيل # PageV01P269 # ويخبروا أن الأمر كله لله فلا يجعل لغيره تعالى ما هو مختص بجلاله من ~~عبادته ومعاملته التي منشؤها القلب والاعتقاد، ولقد زاد هؤلاء على أولئك ~~بأشياء كثيرة لو لم يكن منها إلا اعتقاد كشف الضرر وجلب الخير فيما تعلقوا ~~فيه وعلقوه على أنفسهم ودوابهم وحروثهم لكفى، فإنهم يتوكلون على ما علقوه ~~وتعلقوه ويسندون كشف الضر وجلب الخير إليه وأنه لولاه لنزل به البلاء أو ~~لوجدت الشدة أو لضرته العين أو لنزلت به، لكن هي التي رفعت ذلك كله، أو هي ~~الدافعة له، أو هي التي رفعته، ونحو ذلك من المعتقدات التي لم توجد إلا عند ~~هؤلاء المعتقدين المفتونين في عبادة الشياطين وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ~~ولو لم يعتقدوا فيهم ما اعتقدوه من هذا الاعتقاد الباطل لما علقوه وتعلقوه، ~~ومعلوم أن من لم يعتقد ذلك لم يكن ليفعله ولا ليرضى به ومع تقدير فعله من ~~غير اعتقاد فيه ولا رضي به لا يكفر ولا نكفره نحن كما زعمه صاحب المقدمة بل ~~حمله ذلك وتعليقه حرام والفاعل آثم، فنحن ننهى عن ذلك ونغلظ فيه، ويجب على ~~العالم أن ينهى الجاهل عن ذلك ويحذر منه، إنما الرزية كل الرزية تغافل ~~العالم عن الجاهل وعدم نهيه ونصحه عما يضره من ذلك فإن وزر العالم أكبر من ~~وزر الجاهل وأعظم وأفحش حيث فعلها هو بنفسه أو رأى من يفعلها جاهلا بها ولم ~~ينبه عليها ويبين له فيها، فويل للعالم من الجاهل وويل له، كما قال الصادق ~~المصدوق صلى الله عليه وسلم ولم يكن هؤلاء العلماء الذين نعرفهم واجتمعنا ~~بهم وجمعنا عنهم أنهم لا ينهون عن ذلك، بل قد استقر عندهم وفي نفوسهم أن من ~~نهى عنه وعابه فهو وهابي أو عارضي أو شرقي وان لم ينسبوا ذاته بل عقيدته ~~فتسافهوا عن الحق وأعرضوا عنه تكبرا وتجبرا وحسدا وبغيا ms307 والله يقول: {إنما ~~كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا وأولئك هم المفلحون} وهذا عمر بن الحطاب رضي الله عنه لما أراد ~~تحجير النساء أن يزدن في صداقهم على صداق بنات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قامت إليه امرأة وهو على منبره في مجمع الناس فقالت كيف تمنعنا يا ~~أمير المؤمنين وقد قال الله: {وآتيتم إحداهن قنطارا} فقال جهرا امرأة أصابت ~~ورجل أخطأ، فالحق أحق أن يتبع، وهو ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، وعلى ~~العلماء البلاغ والتبليغ والعلم والتعليم لا المعاندة والطعن في الحق ~~والدين، ومثل المصر على ما ارتكبه المتغرر فيما اجترحه من اتباع هواه وعموم ~~بلواه مع الناصح له المشفق عليه من عمله واتباع # PageV01P270 # هواه كمثل مسافر في مفازة ومعه دابته وماؤه وزاده فنفد الماء والزاد ثم ~~انقطعت به الدابة وقد بقي من المسافة مدة طويلة وبقي يمشي على رجليه فأصابه ~~الجهد من الظمأ والجوع والتعب وضل الطريق فصار في طريق كثيرة السباع كثيرة ~~اللصوص ويسر الله له من يريد انقاذه ويدله على طريق النجاة فأبى وامتنع إلا ~~الإقامة على طريق الخوف وأبى إلا تلك الحال التي بلغه منها الجهد والتعب ~~فلو سمع به وأمره المجانين لتعجبوا من أمره ولنسبوا الجنون إليه لأن ~~المناسب في حقه الرجوع عن المهالك إلى طريق السلامة والأمن، وشكر الدليل ~~المرشد المنقذ، هذا وهو هلاك الجسد في الموت خاصة فما حال من هلاكه النار، ~~أما الخلود فيها وأما ما هو سبب له بر يدله ينشأ منه شيئا فشيئا فهم من ~~أكثر الناس عقدا ونفثا واعتقادا وتعلقا في الخيط وغيره من التمايم ومن أكثر ~~ما يكون النفث في الخيط والعقد فيه إذا صعدوا المنبر لخطبة الجمعة أو غيرها ~~يعقدون وينفثون للتعلق والتعليق من الحمى أو العين ولدفعهما، وقد علم الله ~~سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم الاستعاذة من شر النفاثات في العقد، ~~وهو وان كان السبب خاصا في بنات لبيد كن يعقدن في الخيط بشيء ms308 يقلنه وينفثن ~~فيه بلا ريق، فهو عام في كل نافث في الخيط ونافثه وعاقد وعاقدة، فإن الآية ~~ظاهرها العموم فيمن نفث في الخيط وعقد فيه والعبرة هنا بعموم اللفظ لا ~~بخصوص السبب، ومما يدل عليه وعلى حمل الآية على العموم قوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من نفث وعقد فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكله الله ~~إليه" رواه النسائي من حديث أبي هريرة ومعنى من تعلق شيئا أي علق على نفسه ~~العوذة والخرزة وأمثالهما ويستوي في ذلك قاصدا السحر أو الشفاء لأن الله ~~إذا حرم أمرا لا يغير حكمه عقيدة الفاعل والمفعول له، وأن تلا الفاعل في ~~نفثه القرآن ثم عقد كمن استعمل آلة لهو في ذكر وقراءة، ونفس الخيط وان كان ~~الأصل فيه جواز الاستعمال فالنفث لما قصد منه والعقد إقامة مقام الآلة بقطع ~~النظر عن اعتقاد النافث والعاقد والمنفوث والمعقود له، ولأن السحر في ~~العادة لا يكون من غير نفث ولا عقد، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من تشبه ~~بقوم فهو منهم" فالنافثون والعاقدون والمعلقون والمتعلقون مشركون ومعطلون ~~لحقيقة التوحيد الواجبة على العبيد، ولا بكلام الله يعملون ولا يبالون به ~~ولا بكلام نبيه يأخذون ولا إليه ينتهون، وهم قد جمعوا بين الإثمين ~~والفتنتين الشرك الاعتقادي وحرمة النفث والعقد مع وزر المنفوث والمعقود له ~~من غير أن ينقص # PageV01P271 # من وزره شيء فلا تصلى خلفهم الجمعة ولا الجماعة بالأولى لشركهم وتعطيلهم ~~في اعتقادهم وصنيعهم ما داموا كذلك حتى يتوبوا ويرجعوا، ومن رآهم فلم ينكر ~~عليهم فهو شريك لهم في ذلك الإثم والوزر، فإن رضي باعتقادهم فهو مثلهم سواء ~~بسواء، لنهي الشارع صلى الله عليه وسلم عن التعلق بشيء ورد على فاعله وقال: ~~"لا يزيدك إلا وهنا انبذها عنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" رواه الإمام ~~أحمد وغيره من حديث عمران بن حصين وطرق أخر غيره، وروى أبو منصور ابن ظاهر ~~التميمي عن محمد بن عبد الله بن علي بن زياد الدقاق عن محمد بن ms309 إبراهيم ~~البوسنجي عن عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل عن زهير بن محمد بن معاوية عن ~~عمرو بن قيس الملائي عن المنهال عن سير بن أم أبي عبيدة بن عبد الله أن عبد ~~الله دخل على امرأته وهي أم سير أبي عبيدة وفي عنقها سير أو خيط معقود من ~~مرض بها وعندها نسوة فاجتذبه حتى اختنقت فقطعه فنبذه ثم قال لقد أصبح ابن ~~أم عبد غنيا عن أن يكون في بيته شرك، فقال بعضهم أو شرك هذا قال نعم الرقى ~~والتمائم والتولة شرك فقال بعضهن وما التولة؟ قال ما يحببن به إلى أزواجهن ~~فقال بعضهن إن أحدنا يأخذها الضربان في عينها فإذا استرقت سكن فقال ذلك ~~الشيطان عدو الله ينزغ في عين إحداكن فإذا استرقت كف، ولو أنها إذا أحست ~~شيئا من ذلك أخذت كفا من ماء فنضحت في عينها وقرأت قل هو الله أحد، وقل ~~أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس لسكن وذهب، فما استعاذ مستعيذ بمثلهما، ~~ومن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله فيقرؤه المريض على نفسه، أو يقرؤه الغير ~~عليه، أو يكتب ويسقاه أو يقرأ له في ماء، وكذا أسماء الله تعالى وتقدس، ~~ومما ورد وضع المريض يده على الموضع الذي يؤلمه فيقول بسم الله أعوذ بعزة ~~الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر سبعا، وتقدم ما يجوز من تعاطى الأدوية ~~التي شرعها الله وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم من غير ركون إليها ولا ~~توكل عليها وأخرج أبو يعلى وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن أنس ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أنعم الله على عبد من نعمة في ~~مال أو أهل فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله إلا دفع عنه كل آفة حتى ~~تأتيه منيته" وقرأ: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} ~~فيسن لمن أعجبه ماله أو ولده أو شيء من حاله أن يقول ما شاء الله لا قوة ~~إلا ms310 بالله فإنه لا يرى فيما أعجبه مكروها للحديث المتقدم والله أعلم. # PageV01P272 ### | حكم التبرك بالشجر والحجر # وأما قولكم (وقوله من تبرك بشجرة أو حجر الخ فعلم جوابه مما ذكرنا آنفا ~~مع أنه أيضا ليس على إطلاقه إذ بعض الأحجار قد ينفع بإذن الله وقد يكون ~~لبعضها خواص ومنافع خلقها الله فيها كما نشاهد في حجر المغناطيس من جذب ~~الحديد وأمثاله وكالحجر الأسود فإن عمر بن الخطاب حين استلمه لما قال له ~~إنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقبلك ما قبلتك أجابه عثمان بن عفان بقوله إنه يضر وينفع إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول إنه ليشفع بمثل ربيعة ومضر فافهم ذلك يا ابن ~~عبد الوهاب) . # فنقول معنى تبرك أي طلب البركة وقصدها من الشجرة أو الحجر نفسهما، أو هما ~~السببان في حصولها، فالأول هو اعتقاد المتبركين بهما من غالب مشركي أهل هذا ~~الزمان كما هو مشاهد لمن تأمل وتحقق، والثاني هي ذات الأنواط التي قال عنها ~~أهل العلم من أصحاب مالك وغيرهم: انظروا رحمكم الله أينما وجدتم سدرة أو ~~شجرة يقصدها الناس ويعظمونها ويرجون بسببها البراء والشفاء ويضربون بها ~~الخرق ويعلقونها عليها فاقطعوها فإنها ذات أنواط، وكما روى أبو داود ~~والترمذي عن أبي واقد الليثي قال: (خرجنا مع رسول صلى الله عليه وسلم قبل ~~حنين ونحن حديثو عهد بكفر وللمشركين سدرة يعكفون حولها وينوطون بها أسلحتهم ~~يقال لها ذات أنواط فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط ~~كما لهم ذات أنواط فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا كما قالت بنو ~~إسرائيل اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان ~~قبلكم") وفي رواية للترمذي عنه أنهم مروا بسمرة عظيمة خضراء يقال لها ذات ~~أنواط قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر هذا كما قال قوم موسى اجعل ms311 لنا إلها كما ~~لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون لتركبن سنن من كان قبلكم" قال الترمذي هذا ~~حديث حسن صحيح فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف حولها ~~ليتبركوا بها وينتفعوا بسببها يكون اتخاذها ذلك إلها مع الله مع أنهم لا ~~يدعونها ولا يسألونها فما الظن فيمن يدعوها # PageV01P273 # ويرجو منها ومن بركتها وقد كانت العزى شجرة سمر بنخلة لغطفان يعبدونها ~~بدعائها لتشفع خاصة لهم فبعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد فقطعها بالفاس وهو يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك إني رأيت الله قد ~~أهانك، فخرجت منها شيطانة ناشرة شعرها داعية ويلها، واضعة يدها على رأسها، ~~فجعل يضربها بالسيف حتى قتلها، وكذلك مناة صخرة كانت لهذيل وخزاعة وقيل ~~لثقيف، وسميت بذلك لما كان يمنى أي يراق عندها من الدماء للتبرك بها رجاء ~~شفاعتها، وأخذوا اشتقاق اسمها من منى الله الأمر إذا قدره زاعمين أنه الله ~~يقدر لهم بشفاعتها وإراقة الدماء عندها ما أرادوا طلبوه وعوها لتشفع لهم ~~فيه. # وقد زعم صاحب المقدمة أن من تبرك بشجرة أو حجر فرجى منها ومن بركتها ما ~~تفرج عنه الكروب وتشفى القلوب وتقضي الحوائج وتكشف الشدايد أو لتشفع له ~~فيما رجاها ودعاها أن تشفع له فيه من ذلك فليس شيئا أكبر غير مغفور إلا ~~بالتوبة منه والرجوع إلى دين الإسلام والملة الحنيفية عنه لقوله، فقد علم ~~جوابه مما ذكرنا آنفا، يعني قوله فيما تقدم فيمن لبس الخلقة والخيط ونحوهما ~~لرفع البلاء ودفعه، أنه ليس فيه إلا الحرمة والإثم ولا يلزم منه كون مرتكبه ~~كافرا مشركا، فكذلك من تبرك بشجرة أو حجر ليس فيه إلا الحرمة والإثم لكن لا ~~يلزم منه كون مرتكبه كافرا الخ، ولم يعلم حكم تعطيل معاملة الله تبارك ~~وتعالى الواجبة على خلقه وعبيده التي هي معنى ألوهيته وتفرده فيما هو يختص ~~بجلاله وعظمته من صمديته التي مفتقر بها إليه البر والفاجر، والبائس ~~والشاكر، والمقل والمكثر المتفاخر، وسائر خلقه كلهم بها له قانتون، وإياه ~~يدعون، ومن بركاته ms312 يرجون، إنما كان شرك الأولين بما يظنونه مرضيا لرب ~~لعالمين ومقربا إليه في كل حين، ولذلك يخلصون له الدين في حال الشدة وكل ~~أمر هائل مزعج متين: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير ~~الله تدعون إن كنتم صادقين * بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون} لكن هؤلاء الذين يستجاب لهم لإقرارهم بربوبيته وافتقارهم ~~إلى صمديته وأنه يجيب دعاء المضطرين لا يعطيهم بدعائهم إلا متاعا في الحياة ~~الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق، لأنهم عطلوا معاملته المقتضية لعبادته ~~وعصوا رسله قال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن ~~نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا * # PageV01P274 # ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا * كلا ~~نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} وعدم فهمه شيء ~~عبادة الله ومعاملته وحكم تعطيلها هو الحامل له بأن يحكم على من تبرك بشجرة ~~أو حجر فرجى منها ومن بركتها ما تفرج به عنه الكروب وتقضي الحوائج وتكشف ~~الشدائد، كحكمه فيمن لبس الخلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه، في أن ~~ليس في ذلك إلا مجرد الحرمة فقط. # ومما يدل على ما قلناه دلالة صريحة، اعتقاده وتصريحه في كلامه الذي في ~~قوله مع أنه أي إثم التبرك بالأشجار والأحجار ليس على إطلاقه، إذ بعض ~~الأحجار قد ينفع بإذن الله وقد يكون لبعضها خواص ومنافع خلقها الله فيها ~~كما نشاهد في حجر المغناطيس من جذب الحديد وأمثاله فلا إثم على من دعاه ~~وتبرك به لما فيه من النفع ومن جذب الحديد، وكذا الحجر الأسود لما فيه من ~~نفع الشفاعة في مثل ربيعة ومضر. # ومن له أدنى لب من عقل ومعرفة فيما بعث الله به الرسل وفضلهم وهديهم ~~واقتباس نصيب من نور الله علم يقينا أن معتقد هذا الاعتقاد وقائل هذا القول ~~والحاكم بهذا الحكم محاد لله ولرسوله، راد على الله ورسوله ناقض لحكم الله ~~ورسوله، ms313 وأنه ليس عنده علم ومعرفة في دين الله الذي من يتبع غيره لن يقبل ~~منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ولم يفرق بينه وبين الانتفاع والاستمتاع ~~فيما هو مخلوق من الأرض ومعادنها للآدميين، بل عنده من ذلك مجرد الادعاء في ~~القول والكتابة على حكمه في القول، فإن نظره إلى الصنعة في الخلق ولم ينظر ~~إلى الصانع الخالق رب كل شيء وخالقه ومليكه وإلهه، الذي لم يخلق خلقا إلا ~~لحكمة، وجميع الكائنات شاهد بألوهيته، كما هو دال على ربوبيته، والأرض وما ~~حوته من أنواع المعادن والنبات من حكمة موجودها، وبركة إلهها الموضوعة ~~فيها، إنما وجودها دليل على وحدانية الله وتفرده بالألوهية ليكون الدين كله ~~له، ولينتفع بها وبما فيها سائر الحيوانات التي على ظاهرها وفي باطنها من ~~بني آدم وغيرهم، قال عز من قائل: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ~~والذين من قبلكم لعلكم تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء ~~وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون} ثم قال: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا} فهذا الامتنان ~~من الواحد المنان ناطق بأن الأرض وسائر ما فيها من الأشجار والأحجار لا ~~يعتقد فيها # PageV01P275 # الضرر والنفع ولا العطاء والمنع، وإنما ينتفع بها انتفاع استمتاع لا ~~اعتقاد نفع فيه، إذ الأول من معاني الامتنان، والثاني من وظائف الإله ~~الواحد المنان، واعتقاد السببية الجائزة فيه من غير ركون إليه ولا توكل ~~عليه من جملة الاستمتاع به، وقد تقدت الأسباب الجائزة مستوفاة في بحث ~~الشرك، وان الله خالق السبب والمسبب ومن وقع في ظلمات الوهم وأبعد عن نور ~~الفهم لم يميز بين النوعين، ولم يفرق بين الجنسين، ولو كلف الخاطبون أو أذن ~~لهم في الاقتصار في العبادة على المصنوع والصنعة التي هي نتيجة الحكمة ~~فعطلوا معاملة الصانع الحكيم أو التشريك بينهما لعد ذلك نقصا في جانب ~~الصانع ونفيا لحكمته التي لأجلها خلق الأرضين والسموات وما فيهما وما ~~بينهما من الآيات، ولها أوجد ms314 جميع الكائنات، فكيف وقد تعالى وتقدس أن يأمر ~~إلا بعبادته ومعاملته له وحده لا شريك له فيها، ونصب على ذلك دلائل شاهدة ~~بألوهيته وحده، من ذلك الأرض وما أوجد فيها الإله من معادن الأحجار ~~بأنواعها، فإن فيها خواص ومنافع للناس، ونفعه أكثر من حجر المغناطيس كحجر ~~الأثمد واللؤلؤ والجوهر والزبرجد والزرنيخ والشب وغيرهما من أنواع المعادن، ~~كل له خاصية ينتفع بها ليس في الآخر وقلما يوجد حجر فيها إلا ويصلح ~~للانتفاع به دق أو جل كالبناء وغيره وكذا حجر الألماس والنار كل له خاصية ~~ينتفع بها دالة على ألوهية خالقها، واختلاف ألوانها في كل لون يكون فيها أو ~~منها، كما هو مشاهد في المعادن المستخرجة وكل لون ينقسم إلى أنواع وألوان ~~فإن حمرة المرجان محلفة، كما أن حمرة الزبرجد والياقوت وخضرتهما مختلفة، ~~وكاختلاف بقاع الأرض مع تجاورها قال تعالى: {إنا جعلنا ما على الأرض زينة ~~لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا} وقال تعالى: {وهو الذي مد الأرض وجعل فيها ~~رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن ~~في ذلك لآيات لقوم يتفكرون * وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ~~ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ~~ذلك لآيات لقوم يعقلون} . # وكذلك اختلاف الأجساد من سائر الحيوانات والعقول والادراكات والأشجار ~~وأنواع الثمرات مع اتحاد الأب والأم إن في ذلك لآيات، وهذا سر قوله تعالى: ~~{يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير} . # PageV01P276 ### | الدلائل القائمة على ألوهية الخالق # (ومن الدلائل) على ألوهية خالقها الطعام للبشر، وسائر الحيوانات، وما ~~تترى به الأجسام والعورات من النبات، كالقطن والكتان، وما أبرزه الإله ~~المعبود بالحق من الحيوانات كالإبريسم والصوف والشعر والجلود، وما لا تحيط ~~به الأذهان ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إمتن بها الإله ~~الواحد المنان، وكذا اختلاف الأخشاب بأنواعها واختلاف مصالحها، وهذه الآيات ~~لا تحصيها العبارات، إنما نشير إلى اليسير منها لاعتبارات وفي اختلافها ~~يقول موجد الكائنات: {والبلد ms315 الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج ~~إلا نكدا كذلك نصرف الآيات} وكذلك الحال في الطيب والخبيث يكون في بني آدم ~~كما يكون في الأرض وما يخرج فيها من النبات كما قيل: # الناس كالأرض ومنهاهم ... من حجر قاس ومن لين # فجلمد تدمي به أرجل ... وأثمد يحمل في الأعين # وهذا من نزع البركة عن بعضها ووضعها في بعضها الآخر وجود الحكمة في كل ~~منهما وفي الحديث: "أحد يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة، وهذا عير ~~يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبوب النار" أخرجه الطبراني في الأوسط عن أبي ~~عبس بن جبر رضي الله عنه وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: " أحد جبل يحبنا ونحبه" أخرجه البخاري فأحد طيب يرى الناظر ~~إليه عليه آثار الأنوار، وعير خبيث تنبو عن مشاهدته الأبصار، وقد قال تعالى ~~لنبيه المختار: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} . # (ومن الدلائل) على ألوهية خالقها وموجدها الكعبة الشريفة في البلد الآمن ~~طهره الله وصانه وجعل عباده المتقين أولياءه وسكانه: {إن أول بيت وضع للناس ~~للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} وفيه من البراهين والآيات ما يسع ~~الكائنات، ولو # PageV01P277 # لم يكن فيه إلا أنه منزل البركات من إله الكائنات تنزل عليه كل يوم مائة ~~وعشرين رحمة تتفرق على أهل التوحيد من أهل الطاعات، ومنها توجه وجوه أهل ~~الإسلام في جميع الصلوات من كل الجهات، وكذلك توجه إليه من المسلمين كل ~~الأموات. # (ومنها) مضاعفة الحسنات وتجسيم السيئات. # (ومنها) أن تجبى إليه جميع الثمرات ومنها البركة التي طلب الخليل صلى ~~الله عليه وسلم في الأقوات. # (ومنها) مقام إبراهيم وزمزم طعام طعم ولما شرب له عام. # (وفيها) يمين الله في أرضه، فإنه يأتي يوم القيامة وله شفتان ولسان شاهد ~~لمن استلمه وقبله مؤمنا بالله غير مشرك به ومصدقا بجميع ما جاء به الرسول ~~صلى الله عليه وسلم متبعا لشرعه وهديه مخالفا ومعاديا لضده، فشهادته لأهل ~~التوحيد بأعمالهم الصالحة هي حقيقة نفعه التي أخبر ms316 بها علي بن أبي طالب ~~وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، حيث صح وثبت جواب علي لعمر وإلا فهذه ~~الزيادة بعض العلماء على عدم ثبوتها، إنما الثابت صدر الحديث كما رواه ~~البخاري من طريقين: # الأول: عن عباس بن ربيعة عن عمر أنه جاء إلى الحجر فقبله وقال إني لأعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقبلك ما قبلتك. # الثاني: عن زيد بن أسلم عن أبيه قال رأيت عمر بن الحطاب يقبل الحجر وقال ~~لولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك. وقول صاحب المقدمة أجابه عثمان بن ~~عفان وهم، إنما المجيب علي بن أبي طالب كما ذكره المثبتون لهذه الزيادة في ~~آخر الحديث في بعض السير، فأما شهادة الحجر لأهل التوحيد فهي ثابتة كما روى ~~عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل الحجر ووضع شفتيه ~~عليه يبكي طويلا ثم التفت فإذا عمر بن الخطاب فقال: "يا عمر هاهنا تسكب ~~العبرات" رواه ابن ماجه وروى مسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~استلم الحجر بيده وقبلها فتقبيله واستلامه والبكاء عنده لا يخلو ذلك من ~~حكمة لو لم يكن منها لا أنه يمين الله في أرضه وشهادته لأهل التوحيد توحيده ~~بأعمالهم وذلك لا يقتضي اعتقاد النفع أو الضر فيه بطبعه ولا بقوته فلا يدعى ~~ولا يرجى ولا يتوكل عليه لفضله وشهادته وشفاعته ليستا # PageV01P278 # بأفضل ولا أكمل ولا أتم عن شهادة الرسل وشفاعتهم، ومع ذلك فلا يعتقد فيهم ~~النفع ولا الضر ولا الإعطاء ولا المنع، إلا أنهم يوم القيامة يشهدون على ~~أممهم وعلى بعضهم بعضا بالبلاغ والتبليغ كما قال جل ذكره: {فكيف إذا جئنا ~~من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} ويشفعوا في أهل التوحيد بعد إذن ~~الله لهم فيها لمن رضي عنه، وذلك لا يقتضي أنهم يملكون الضر ولا النفع ولا ~~العطاء ولا المنع، فالحجر أولى بعدم الاعتقاد فيه إذ الأمر كله لمالكه وهو ms317 ~~الله الذي خلق الرسل وفضلهم على سائر الخلق، وخلق الأرض وما فيها من الآيات ~~الدالة على ألوهيته، وتفرده بملك الضر والنفع والعطاء والمنع. # ولقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مخاطبا للكعبة الشريفة شرفها ~~الله ما أطيبك وأطهرك، ولحرمة المؤمن عند الله أعظم من حرمتك، ومعلوم أنه ~~لا أعظم حرمة في الخلق من الرسل عليهم الصلاة والسلام وهم لم يبعثهم الله ~~عز وجل إلا ليزيلوا هذا الاعتقاد في الأحجار والأشجار من قلوب سائر الخلق ~~الكبار والصغار، ويخلصون لله الواحد القهار، وقد حمى النبي صلى الله عليه ~~وسلم التوحيد أعظم حماية أقل من هذا الاعتقاد وأظهره، وغضب منه حين قال له ~~القائل ما شاء الله وشئت فقال عليه السلام: "أجعلتني لله ندا قل ما شاء ~~الله وحده" فكيف باعتقاد المشركين الأولين أو ما هو أعظم منه، وقد ذكرنا ~~بمناسبة حكمة الله في خلقه وإظهار قدرته في مصنوعاته رشيحة من الاستمتاع ~~بما في المقلة، ولم نتعرض لما في المظلة طلبا للإختصار ومخافة في القصور ~~وذله إذ الأرض بالنسبة إليها كحلقة ملقاة في فلاة وإذا فتح الله فؤاد العبد ~~للفكر في أمه رأى ببصيرة قلبه فنطق لسانه بعجائب المظلة فاستدل بذلك على ~~ألوهية الخالق وتفرده فيما هو منفرد به عن خلقه وعبادته وحده لا شريك له في ~~حقه ومعاملته. # والعبد من تراب إذا تكلم بالدليل على ألوهية خالقه فهو في محله، إنما ~~الرزية كل الرزية الإعراض عن الآيات والتغافل عن المشاهدات والمبصرات ~~والمسموعات والمحسوسات: {وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم ~~عنها معرضون} ومن كان فكره في كل واد يهيم فهو من الأفكار الباطلة ~~والاعتقادات الفاسدة في ليل بهيم، ولهذا قال الإله: {تبصرة وذكرى لكل عبد ~~منيب} . # PageV01P279 ### | تعريف النذر لغة وشرعا وحكم النذر لغير الله # (وأما قولكم وقوله من الشرك النذر لغير الله وقول الله يوفون بالنذر ~~الآية وقال تعالى وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر الآية وفي الصحيح عن ~~عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ms318 وسلم قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ~~ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه"، فنقول هذا أيضا غير مسلم أنه من الشرك ~~الاعتقادي وما استدل عليه من الآية والحديث لا يدل عليه بل إنما يدل علي ~~أنه لا يلزم الوفاء به كما عليه اتفاق العلماء) . # فنقول النذر لغة الإيجاب، يقال نذر فلان دم فلان، أي أوجب قتله، ومعناه ~~شرعا: إلزام مكلف مختار نفسه عبادة لله تعالى غير لازمة له بأصل الشرع وهو ~~مكروه إذا كان لله، ولأيات بخير ولا يرد قضاء، وفاقا لأبي حنيفة رحمه الله ~~تعالى لما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما::نهى النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن النذر وقال: "انه لا يرد شيئا ولكن يستخرج به من البخيل" ~~وفي رواية للبخاري يقول ابن عمر أولم تنتهوا عن النذر إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: " إن النذر لا يقدم شيئا ولا يؤخر وإنما يستخرج بالنذر من ~~البخيل" وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ان النذر لا يقرب ~~من ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له ولكن النذر يوافق القدر فيخرج بذلك من ~~البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرجه" فقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن النذر وأخبر أنه لا يأتي بخير وأنه ليس من الأسباب الجالبة لخير أو ~~الدافعة لشر أصلا وإنما يوافق القدر موافقة كما يوافقه سائر الأسباب فيخرج ~~من البخيل حينئذ ما لم يكن يخرجه قبل ذلك. # هذا وقد أجمع أهل العلم في الجملة على انعقاد النذر الذي لله ولزوم ~~الوفاء به لقوله سبحانه وتعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن ~~الله يعلمه} ولما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"من نذر أن يطيع الله فليطعه" ولحديث عمر بن الحطاب رضي الله عنه: يا رسول ~~الله إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة وفي رواية يوما في المسجد ~~الحرام فقال له النبي صلى الله ms319 عليه وسلم: "أوف بنذرك" ومدح الوافين به يدل ~~على جواز النذر إذا كان في طاعة الله لا على # PageV01P280 # استحسانه ومشروعيته ولذلك لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا أمر به ~~بل نهى عنه وأخبر أنه لا يأتي بخير ولا يرد قضاء، وفي البخاري من حديث ~~عمران بن حصين رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "خيركم قرني ثم ~~الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" قال عمران لا أدري ذكر اثنين أو ثلاثة بعد ~~قرنه " ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا ~~يستشهدون ويظهر فيهم السمن". # (ثم النذر) الجائز ثلاثة أقسام: # (أحدها) ما علق على وجود نعمة أو دفع نقمة فإذا وجد ذلك لزم الوفاء به ~~لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم من نذر أن يطيع الله فليطعه ولذمه ~~الذين ينذرون ولا يوفون كما في حديث عمران بن حصين المتقدم. # (والثاني) ما علق على شيء لقصد المنع منه أو الحث عليه، كقوله ان دخلت ~~الدار فعلي لله كذا، وان لم أخبرك بما يكون فلله علي كذا، وهذا القسم هو ~~نذر اللجاج والغضب وقد اختلف في لزوم الوفاء به، وللشافعي قول موافق ~~للرواية الصحيحة عن أحمد أنه يخير بين الوفاء فيما نذر وبين كفارة يمين، ~~لما روي عمران بن حصين قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ~~نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" رواه سعيد بن منصور في سننه ولأنها يمين ~~فيخير فيها بين الأمرين. # (الثالث) ما ينذر من الطاعة بلا تعليق كصلاة وصوم وحج واعتكاف وقراءة ~~وعيادة مريض فيلزم الوفاء به عند عامة أهل العلم. # وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يلزم الوفاء بما لا نظير له ~~بأصل الشرع ولا أصل له في الوجوب كالاعتكاف وعيادة المريض لأن النذر فرع ~~على المشروع فلا يجب به ما لا يجب له نظير بأصل الشرع، وحجة ملزمي الوفاء ~~حديث عمر وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما وذم النبي صلى الله ms320 عليه وسلم ~~الذي ينذرون ولا يوفون، والنذر المطلق غير المقيد بشيء، كقوله لله علي نذر ~~أكثر أهل العلم منهم مالك يوجبون فيه كفارة يمين، كقوله ان فعلت كذا فلله ~~علي نذر وفعله، ففيه كفارة يمين، لما روى عقبة بن عامر قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" رواه ابن ماجه ~~والترمذي وقال هذا حديث حسن صحيح غريب قالوا وهذا نص في المسألة فلا يعدل ~~عنه. # PageV01P281 # والنذر غير الجائز قسمان: # (أحدهما) نذر فعل معصية كشرب خمر، وقتل معصوم، وصوم يوم عيد، أو حيض أو ~~أيام التشريق فيحرم الوفاء به، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من نذر أن ~~يعصي الله فلا يعصه" ولأن معصية الله تبارك وتعالى لا تباح في حال من ~~الأحوال، وهل ينعقد أم لا، جمهور العلماء على أنه لا ينعقد لأن في قوله فلا ~~يعصه دليلا على عدم انعقاده ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا وفاء لنذر ~~بمعصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم" رواه أبو داود. وأصله في الصحيحين. ~~وقال بعضهم وهو الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه ينعقد لأن وجود النذر ~~كوجود اليمين، وعدم جواز الوفاء به لا يمنع انعقاده، ويكفر كفارة يمين. ~~وهذا مروي عن عبد الله بن مسعود وابن عباس وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ~~رضي الله عنهم، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله تعالى إلا أن ~~أبا حنيفة رحمه الله تعالى قال فيمن نذر ذبح آدمي معصوم يلزمه ذبح كبش ~~ويطعمه للمساكين، وهذا القول أحد الروايتين عن عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما. # (الثاني) النذر لغير الله ولأجله عقدت الترجمة، كالنذر لإبراهيم الخليل، ~~أو محمد النبي الأمي صلى الله عليه وسلم، أو ابن عباس رضي الله عنهما، أو ~~الشيخ عبد القادر، أو الحضر، أو لملك من الملائكة أو جني أو شجرة فلا خلاف ~~بين من يعتد به من علماء المسلمين أنه من الشرك الاعتقادي، لأن الناذر لم ~~ينذر هذا النذر ms321 الذي لغير الله إلا لاعتقاده في المنذور له أنه يضر وينفع، ~~ويعطي ويمنع، إما بطبعه، وإما بقوة السببية فيه، ويجلب الخير والبركة ويدفع ~~الشر والعسرة، والدليل على اعتقاد هؤلاء الناذرين وشركهم حكيهم وقولهم أنهم ~~قد وقعوا في شدائد عظيمة فنذروا نذرا لفلان وفلان أصحاب القبور من الأنبياء ~~والمشايخ وللغار الفلاني والشجرة الفلانية فانكشفت شدائدهم واستراحت ~~خواطرهم، ويقول أحدهم مرضت فنذرت للشيخ فلان فشفافي وعافاني، ويقول الآخر ~~خرج علي المحاربون واشتد علي الأمر فنذرت لشيخي ووسيلتي ومعتقدي الولي ~~الفلاني، وانتدبته فأجابني كشف شدتي وفرج كربتي، ويقول الآخر ركبت البحر ~~فحصل الطهف وكثرة الأمواج والريح فنذرنا أصحاب السفينة، ودعونا الولي ~~الفلاني، ومعتقدنا الذي في جزيرة أو محل كذا ونذرنا له كذا وكذا فأسكن ~~الريح # PageV01P282 # وأبطل الموج وركد سفينتنا فسلمنا واسترحنا فلما قدمنا إلى مكانه ابتدر ~~إلينا سادن القبر يلاقينا قائلا ان الشيخ أخبرني وهو في قبره ان له عندكم ~~نذر كذا وكذا، وأرسلني إليكم لأقبضه منكم فيوفون فيتعجبون منه ويزيدون له ~~في الاعتقاد فيه والنذر له، وتثبت عندهم ولايته، وضره ونفعه، فيدعونه ~~ويرجونه ويرسلون له من المكان البعيد شمع العسل يوقد في قبته عند قبره ~~ويأتون إليه بالجوخ وأنواع الخرق يضعونها تغشية على تابوته واعلاما عند ~~ضريحه. وقد قام بنفوسهم ان هذه النذور هي السبب في حصول مطلوبهم ودفع ~~مرهوبهم، ومن تأمل القرآن، وسنة المبعوث به ونظر أحوال السلف الصالح، علم ~~أن هذا النذر نظير ما جعلته المشركون لآلهتهم في قوله تعالى: {هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا} وقوله: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم ~~تالله لتسألن عما كنتم تفترون} حذو القذة بالقذة واعتقاد هؤلاء في المنذور ~~له أعظم من اعتقاد أولئك في المجعول له، لأنهم يعتقدون فيهم الضر والنفع ~~والعطاء والمنع لا بهم، إذ الأول شرك غالب الآخرين، والثاني هو شرك ~~الأولين، ألا يرى أن الحلف بالله وحده عند هؤلاء لا يرضون به ولا يكتفون ~~ولا يكون عندهم قسما بل لا يكون قسما مؤكدا إلا إذا كان بمعتقدهم سواء كان ~~ميتا ms322 أو غيره ولا يقدمون على الحلف به كاذبا خوفا منه نفسه أن يصيبه بضر في ~~جسده أو ماله أو عياله ويقدمون عليه بالله كاذبا ولا يخافون ولا يبالون بل ~~لا يعدونه يمينا. # هذه عقيدة الخواص منهم لا العوام الطغام فلذلك له ينذرون ومنه يرجون ~~ويخافون وعليه يتوكلون وإياه يدعون ويستعينون وبه يستغيثون، ومن خالفهم في ~~ذلك وأنكر عليهم يخرجونه ويدعونه وينالون منه، ولا من الله يبالون ولا ~~يخافون لأن ما اعتقدوه وقالوه هو الدين عندهم وكأنه هو المطلوب منهم، ~~فهؤلاء المشركون مبطلون يضيفون قضاء حوائجهم من المنذور له إلى خصوص النذر ~~مع أن جنسه لا أثر له في ذلك، وقد أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ~~أن نذر طاعة الله فضلا عن معصيته ليس سببا لجلب خير ولا لدفع شر إنما الخير ~~الذي يحصل للناذر يوافق النذر موافقة كما يوافق سائر الأسباب فلا ينسب إليه ~~أثر ولا سيئة فأما نسبة التأثير إليه في جلب الخير أو دفع الشر أو رفعه ~~وأنه من المنذور له أو هو متسبب فيه بشفاعته واسطة للناذر الذي يدعوه ~~ويتوكل عليه ويرجوه يشفع له في كل ما نابه وكشف ما أهمه فلا شبهة أن هذا هو ~~الشرك الأكبر والكفر الاعتقادي لعموم قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله # PageV01P283 # ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وقوله تعالى: ~~{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ~~والنذر عبادة قربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له ولتعلق قلبه بواسطته ~~وتألهه له بدعائه إياه ونذره له وتوكله عليه ولحديث حصين بن المنذر: "أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: "يا حصين كم تعبد قال سبعة ستة في ~~الأرض وواحد في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء ~~فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام فأسلم" خرجه الإمام أحمد في مسنده ~~والترمذي) ولحديث القوم الصالحين الذين افتتن بهم قومهم خرجه البخاري في ~~صحيحه، وأهل التفسير كابن جرير ms323 وغيره، ولاعتقاد قريش في اللات والعزى ~~ومناة، وأما نسبة السببية في النذر خاصة دون المنذور له فلا يعتقد فيه ضر ~~ولا نفع ولا سببية لهما وإنما نذر له ليكون النذر وحده سببا في حصول ~~المطلوب فهذا نذر معصية لا كفر ولا يجوز الوفاء به لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: "من نذر أن يعصى الله فلا يعصه" رواه البخاري عن عائشة ولنهيه صلى ~~الله عليه وسلم عن وفاء نذر المعصية لله، وعن العقر والذبح لغير الله رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود من حديث أنس والنذر لغير الله من ذلك، وفي معناه ولا ~~يجوز الوفاء به وإن تصدق بما نذره من ذلك على مستحقي الصدقة من الفقراء ~~الصالحين غير سدنة القبور وخادميها العاكفين عليها لقبض النذور كان خيرا له ~~وأنفع عند الله تبارك وتعالى، وجواز الاعتقاد في أن هذا النذر هو السبب في ~~حصول المطلوب لا بد له من دليل لا يمكن وجوده على ذلك لنهي النبي صلى الله ~~عليه وسلم عنه وإخباره أنه لا يرد شيئا ولا يقدمه ولا يؤخره ولا يقرب من ~~ابن آدم شيئا لم يكن الله قدره له، كل ذلك مروي في الصحيح عنه صلى الله ~~عليه وسلم ولو نذر فعل قربة من صلاة أو ذبح نسك في مكان معد على قبر نبي أو ~~صالح أو تمثالهما أو أحدهما وذلك المكان يقصد لدعائه ورجائه أو للدعاء عنده ~~أو لم يقصد لذلك ولكن نية الناذر التقرب بعمله لديه والتبتل إليه حرم النذر ~~والوفاء مثل تحريمهما في مكان فيه وثن من أوثان الجاهلية أو عيد من ~~أعيادهم، وذلك لما روى أبو داود عن أبي قلابة: (أن ثابت بن الضحاك حدثه قال ~~نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة فأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد" قال ~~لا قال: "فهل كان فيها عيد ms324 من أعيادهم" قال لا فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ~~ابن آدم ") وبوانة بضم الباء # PageV01P284 # الموحدة من أسفل موضع في أرض اليمن ولا تخفى مناسبة الآية والحديث لذكر ~~الترجمة إذ قوله تعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله ~~يعلمه} شامل لنذر الطاعة والقربة ونذر المعصية المغفورة والمحبطة، وقوله ~~تعالى: {يوفون بالنذر} القرآن دال بمنطوقه ومفهومه وصريحه وكتابته أن الله ~~لا يأمر إلا بالطاعة قولا وعملا واعتقادا، وينهى عن المعصية قولا وعملا ~~واعتقادا، فتعين أن يكون الحث على الوفاء بالنذر ومدح الوافين إذا كان في ~~طاعة لله وقربة إليه وإلا فهو داخل في عموم قوله تعالى: {واجتنبوا قول ~~الزور} حنفاء لله غير مشركين به وقوله: {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن} ومن أعظم الزور والفواحش معاصي الله بأنواعها الشاملة للنذر لغيره ~~تعالى سواء كان نذر شرك أصغر أو كان شركا أكبر فإن النذر لغير الله لا ~~يتناول إلا هذين النوعين ولا يخزج عنهما فلا ينعقد. وجواز الوفاء به متوقف ~~على انعقاده وعدم الاثمية فيه، فذا عن اللزوم، هذا الذي عليه العلماء جمة ~~لا كما زعمه صاحب المقدمة فإنه إنما نفى اللزوم خاصة وأسنده إلى اتفاق ~~العلماء وأبقى جواز الوفاء به وصنيعه يدل على عدم فهمه وقصور إطلاعه، فإن ~~نصوص العلماء قاطبة ناطقة بعدم جواز الوفاء بنذر المعصية وعللوا بنهيه ~~صلوات الله وسلامه عليه عن عصيان الله بالنذر وفيه، ولأن في الجواز تقريرا ~~لمعصية الله وهي منتفية شرعا وعقلا هذا مع اختلافهم في انعقاد نذر فعل ~~المعصية كقطيعة رحم وقتل معصوم وشرب خمر وصوم يوم عيد، وتقدم أن الجمهور لا ~~يرى انعقاده وان من رآه لا يجوز الوفاء به بل يوجب فيه كفارة اليمين، وإن ~~أبا حنيفة رحمه الله تعالى يوجب في نذر قتل المعصوم ذبح كبش وإطعامه ~~المساكين، وأما النذر لغير الله فإنه وإن كان نوعا منه فلا أحد ممن يعتد ms325 به ~~من العلماء يقول بجوازه أو انعقاده أو جواز الوفاء به، نعم قال بعض العلماء ~~من الشافعية وغيرهم فيمن نذر لميت أو نحوه شمعا أو زيتا ونحوه وقصده أن ~~يكون نذره وسيلة في قضاء ما طلبه أو منع ما قصده ولم يقصد ذلك من الميت ~~نفسه ولا أن يكون سببا فيه ان هذا النذر حرام لا يجوز الوفاء به وإن تصدق ~~بثمن ما نذره من ذلك أو عينه على المساكين المستحقين كان خيرا له عند الله ~~تبارك وتعالى وأنفع انتهى، وقوله صلى الله عليه وسلم: " ومن نذر أن يعصى ~~الله فلا يعصه" وقوله: "أنه لا وفاء لنذر في معصية " شامل لكل نذر معصية ~~إما هو بنفسه أو ما هي وصف له، وإن لم يكن هو معصية كنذر الرجل نحر الإبل ~~وذبح النسك أو فعل قربة في مكان معهود فيه # PageV01P285 # شرك، وما هو من أفعال الجاهلية فإن الحكم يتبع الوصف إيجادا، واعداما، ~~جوازا، ومنعا، وهو سبب للحكم فإن وجد فهو مانع من الوفاء وإن لم يكن النذر ~~في نفسه معصية لله، كفعل القربة، ولذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم الرجل ~~لما قال: يا رسول الله إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة فقال له هل كان فيها ~~وثن من أوثان الجاهلية يعبد قال لا قال فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قال ~~لا قال فأوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن ~~آدم"، رواه أبو داود في سننه وغيره، فلما ظهر للنبي صلى الله عليه وسلم عدم ~~المانع لجواز الوفاء وهو فقد الصفة المحرمة في الصورتين قال له فأوف بنذرك، ~~يعني حيث ليس هناك ما يوجب تحريم الذبح في ذلك الموضع فكان جوابه صلى الله ~~عليه وسلم فيه أمر بالوفاء عند الخلو من الصفة المانعة للنذر الجائز مع ~~فقدها، ونهى عن الوفاء به مع وجودها، وأصل الوفاء بالنذر الجائز معلوم. ~~فبين صلى الله عليه وسلم ما لا وفاء فيه واللفظ العام إذا ورد على سبب ms326 ~~فلابد أن يكون السبب مندرجا فيه والله أعلم. # PageV01P286 ### | الاستعاذة بغير الله وتفصيل الكلام فيها # (وأما قولكم وقوله ومن الإشراك الاستعاذة بغير الله فهذا غير مسلم أنه من ~~الإشراك الاعتقادي وما استدل عليه من قوله وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن لا دلالة فيه عليه أصلا) . # فنقول قد تقدم تعريفنا معنى الاستعاذة في أول الكتاب عند قوله ونعوذ ~~بالله من شرور أنفسنا والاستعاذة الالتجاء إلى الله والملاذ بجانبه من كل ~~شر، والعياذ يكون لدفع الشر، والملاذ لطلب الخير كما قال المتنبي: # يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به فيما أحاذره # لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهضمون عظما أنت جابره # PageV01P286 # ومن لاذ واستجار واعتصم بغير الله فقد خاب وخسر وأشرك لله قوله واعتقاده، ~~قال سبحانه تعالى: {أن الله له ملك السماوات والأرض وما لكم من دون الله من ~~ولي ولا نصير} وقال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ~~ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير ~~وبشير لقوم يؤمنون} وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله ~~إنه سميع عليم} وقال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان ~~الرجيم * إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما ~~سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} فبين سبحانه وتعالى في هذه ~~الآيات بل بالقرآن كله أن ليس دونه لخلقه ولي ولا نصير، وان لا أحد يملك ~~لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا فلا يوجدان إلا بتقديره ومشيئته، وأنه الخالق ~~للسبب والمسبب، وأن النزغ من الشيطان والاستعاذة منه لا تكون إلا بالله ~~السميع العليم، وان ليس للعين سلطان قهر وغلبة واستيلاء على عباد الله ~~المنقادين لأمره المؤمنين به وبرسله وما أرسلوا به المفوضين أمورهم إلى ~~خالقهم وإلههم فلا يتمكن من قلوبهم فيصدهم عن ذكره وتوحيده فيقعوا لي ذنب ~~لا تجامعه المغفرة، بل إنما يكون ذلك على أوليائه المنقادين لأمره الذين ms327 ~~يتولونه والذين هم به مشركون، لإعراضهم عن توحيد خالقهم، والاستعاذة بغير ~~الله إعراض عن توحيده ونفي لتفرده تعالى بملك الضر والنفع والعطاء والمنع ~~والاستغاثة والقرب، وتعطيل لمعاملته وافضاله مزيده، والمستعيذ بغيره متخذ ~~وليا ونصيرا من دونه لقوله تعالى: {فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم.. إلى ~~قوله ... إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} فمن استعاذ ~~بغير الله على هذا الوجه فهو بمن استعاذ به مشرك في قوله وعقيدته إذ تعلق ~~قلبه في المستعاذ به من المخلوقين برجائه والملاذة به، والالتجاء إليه، ~~والتوكل عليه، هو الحامل والمقتضي له على الاستعاذة به، وذلك هو الشرك ~~الاعتقادي، ولهذا كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا سافر فأمسى في أرض ~~قفرة أي خالية قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهاء قومه فيبيت في أمن ~~وجوار منهم حتى يصبح فأنزل الله سبحانه وتعالى: {وأنه كان رجال من الأنس ~~يعوذون} أي يلوذون ويستعيذون {برجال من الجن فزادوهم رهقا} أي فزاد الإنس ~~الجن المستعاذ بهم رهقا، سفها وإثما وطغيانا بقولهم سدنا الإنس والجن وكذا # PageV01P287 # ما في صحيح مسلم عن خولة بنت حكيم قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "من دخل منزلا فقال أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق لم ~~يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك" وفي المسند للإمام أحمد عن أبان بن عثمان ~~عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قال بسم الله الذي لا ~~يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يضره شيء" ~~قال الخطابي قال العلماء لا يستعاذ بغير الله أو صفاته، إذ كل ما سواه ~~تعالى وصفاته مخلوق، ولذلك وصفت كلماته تعالى بالتمام وهو الكمال، وما من ~~مخلوق إلا وفيه نقص والاستعاذة بالمخلوق شرك مناف لتوحيد الخالق لما فيه من ~~تعطيل معاملته تعالى الواجبة له على عبيده انتهى. # وبهذا احتج السلف كالإمام أحمد وغيره على أن كلام الله غير مخلوق قالوا ~~وقد استعاذ النبي صلى الله ms328 عليه وسلم بكلمات الله التامات فلا يستعاذ ~~بمخلوق، ولما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا بأس ~~بالرقى ما لم تكن شركا " فنهى عن الرقي التي فيها شرك كالتي فيها استعاذة ~~بالمخلوقين الجن أو غيرهم، قال تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون ~~برجال ... } الآية ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والاقسام التي يستعملها ~~بعض الناس في حق المصروع وغيره التي تتضمن الشرك، بل نهوا عن كل ما لا يعرف ~~معناه، من ذلك كما تقدم خشية أن يكون فيه شرك بخلاف ما كان من الرقى ~~المشروعة فإنه جائز، ومما يؤيد أن الاستعاذة بالمخلوق شرك اعتقادي، جعل ~~المستعيذ نصيبا من ماله مأكولا كان أو غيره لمن استعاذ به من الجن لائذا به ~~وعائذا ليرفع عنه أو غيره ما حل به من المس واللمم أو يدفع ما يحذره من ~~سائر الألم قائلا أعوذ وألوذ بفلان وفلان ومن ساد من انس وجان من شر كذا ~~وكذا ثم ينحر النحيرة لسكان الأرض من الجيران ليرفعوا عنه أو يدفعوا ما حل ~~به وكان، ويدس ما نحره لهم في التراب ليكون لهم خالصا وبهم سائغا، وبعضهم ~~يقول أعوذ بأبي الجان وشهاب الشيطان من العين وما كان من شر كيت وكيت، ونحو ~~هذه الاستعاذات التي هي شرك اعتقادي من هؤلاء المفتونين عبدة الشياطين، ~~ولفظ الاستعاذة بالمخلوق شرك قولي ناشيء عن الاعتقادي، فقول صاحب المقدمة ~~الاستعاذة بغير الله غير مسلم أنه من الإشراك الاعتقادي دال بصريحه على أنه ~~لم يميز اللازم من الملزوم ولم يعرف المقتضي المشؤم وذلك من وجوه. # (أحدها) أنه ما دليله فيه إلا أنه لا يسلم من غير دليل من الكتاب والسنة # PageV01P288 # وكلام الأئمة غرضه ولا استدلال ضده. # (الثاني) أن قوله تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا} دالة الآية بمنطوقها ومفهومها ان الاستعاذة بغيره تعالى من ~~الجن واقعة اعتقادية، لحديث كردم بن أبي السائب الأنصاري قال خرجت مع أبي ~~إلى المدينة وذلك أول ما ذكر رسول ms329 الله صلى الله عليه وسلم بمكة وآوانا ~~المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم فوثب ~~الراعي فنادى يا عامر الوادي جارك. فنادى مناد لا نراه يا سرحان أرسله فإذا ~~الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة فأنزل الله على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم الآية. # (الثالث) أنه لو لم يعتقد فيه القدرة على تحصيل ما يرومه منه ودفع ما ~~يخشى شره لما استعاذ به. # (الرابع) نفيه الاستدلال بالآية على أن الاستعاذة بغير الله شرك اعتقادي ~~لقوله لا دلالة فيه عليه أصلا والله قد أنزلها بسبب الشرك الاعتقادي في ~~عامر الوادي. # (الخامس) ان حكم الآية عام في كل مستعيذ بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا ~~هو سبحانه وتعالى إذ العبرة في القرآن بعموم اللفظ لا بخصوص السبب مع ~~ملاحظته وعدم القصور عليه. # (السادس) ما قاله عبد الرحمن الجلال السيوطي في كتابه الخصائص الكبرى ان ~~من التلاوة على الجن المستفاد من شرورهم بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب ~~من محمد رسول رب العالمين إلى من طرق الدار من العمار والزوار والصالحين لا ~~طارق يطرق إلا بخير يا رحمن، أما بعد: فإن لنا ولكم في الحق سعة فإن تك ~~عاشقا مولعا أو فأجرا مقتحما أو راعيا حقا مبطلا هذا كتاب الله ينطق علينا ~~وعليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ورسلنا يكتبون ما تمكرون، ~~اتركوا صاحبنا هذا وانطلقوا إلى عبدة الأصنام وإلى من يزعم أن مع الله إلها ~~آخر، لا اله إلا هو، كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون، تغلبون ~~لا تنصرون، تفرق أعداء الله بلغت حجة الله # PageV01P289 # ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فسيكفيكهم الله وهو السميع ~~العليم، دال بمنطوقه على أن الاستعاذة لا تكون إلا بالله لأنه ذكر صفة ما ~~كأنه في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم رسول الله إلى سائر الإنس والجن إلى ~~من طرق الدار من العمار والزوار والصالحين طالبا منهم فيه الحق ms330 على ضمن ما ~~في كتاب الله وهو القرآن من تحريم ظلم المسلمين عليهم فلا يظلمونهم ولا ~~يتعدون عليهم، بل يفعلون ما حكم عليهم القرآن وطلبه منهم ويتركون ما نهوا ~~عنه، ولذلك قال هذا كتاب الله ينطق علينا وعليكم بالحق، فإن القرآن الكريم ~~ناطق بتحريم ظلم المسلمين بعضهم بعضا. حاكم بذلك على الإنس والجن، ولهذا ~~قال بلغت حجة الله، وناسبت الحوقلة لط هذا الحال لأنه أمر مهم وما ذكرت على ~~كل مهم إلا فرجه الله، ثم استكفاهم الله السميع العليم فقال فسيكفيكهم الله ~~وهو السميع العليم. # PageV01P290 ### | نداء غير الله هو الدعاء الذي هو العبادة # (وأما قولكم وقوله باب قوله تعالى {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} ~~وقوله تعالى {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} يعني من يدعو غير ~~الله نبيا أو غيره يكون مشركا كما يدل عليه سياق كلامه قلنا ان أردت من ~~الدعاء العبادة كما هو معنى الدعاء في الآية فمسلم لكن لا نسلم أن الداعي ~~غير الله يعبده بل إنما يناديه ويلزم من النداء ذلك وإلا لزم تكفير كل من ~~نادى غيره ولا يقول به أحد من الأمة بل من جميع الأمم) . # فنقول من له أدنى لب من عقل ومعرفة في أي فن عرف بهما حق الله الخاص ~~بجلاله وهو عبادته التي أمر بها في النص المتضمنة السؤال من نيل أفضاله وحق ~~المسلمين بعضهم على بعض وما يقدرون عليه، ففرق بين العادة والعبادة، فإنها ~~اسم جامع لكل ما يحبه ويرضاه، ويثبت عليه مما أمر به من الأقوال والأعمال ~~الظاهرة والباطنة، ثم ان كان ما أمر به مختصا بجلالة لفظه ومعناه فلا يصرف ~~لغيره تعالى من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه أو رفعه إلا الله ~~وحده، فمن دعا به غير الله # PageV01P290 # من سائر الخلق واستعان به فيه فقد عبده به، وهذا المعنى مما عناه ~~المفسرون تحت قوله تعالى: {قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله} في قولهم أي ~~تعبدون وقوله {والذين تدعون من ms331 دونه} أي تعبدون وأمثال ذلك ولهذا قال ~~تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~* أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} فإن المشركين لما أحبوا مع الله كحب ~~الله وظنوا ان ما تألهته قلوبهم تشفع لهم عند الله وتقربهم منه دعوهم لذلك ~~والتمسوا البركة عندهم راجين الشفاعة منهم واتخذوهم أسبابا في قضاء حوائجهم ~~من عند خالقهم، ولذلك قال تعالى عنهم: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وإذا كان اتخاذهم أسبابا في ~~قضاء حوائجهم من عند الخالق ودعاؤهم ورجاؤهم إياهم في ذلك يكون عبادة لهم ~~مع إقرارهم بربوبيته تعالى وملكه وجميع الكائنات وأنه تعالى الذي بيده ~~ملكوت كل شيء وهو الذي يجير ولا يجار عليه فهو الضار النافع المعطي المانع، ~~فكيف بمن اعتقد الضر والنفع والعطاء والمنع فيمن دعاه وسماه وسيلة وزعم أن ~~الله جل شأنه قد أمر بذلك فهو يدعوه قضاء حوائجه وتفريج كرباته والبركة في ~~ماله وأولاده ويتبتل إليه في ذلك وليس معه من التوحيد إلا مجرد ادعاء، لأن ~~صنيعه ذلك في قوله وفعله وعقيدته مكذب له فيما ادعاه بجعله ندا له مماثلا ~~له في عبادته ومعاملته المختصة بجلاله، فمعنى قوله تعالى أيشركون أي ~~أيعبدون بما هو مختص بجلال الله خالق جميع المخلوقات ورب كل الكائنات من ~~نسبة عبودية أسماء المخلوقين إليه وتوكلهم في رجائهم وجميع أمورهم عليه ~~فيجعلون ذلك لغيره وهو ما لا يقدر على خلق شيء وهم يخلقون أي مخلوقون وما ~~لا يقدر على خلق شيء لا يتأله في العبادة فلا يتخذ لها معبودا لا في القول ~~ولا في الاعتقاد، ففي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين ~~سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الذنب أعظم قال: "أن تجعل لله ندا وهو ~~خلقك" والند المثل قال الله: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} وقال ~~تعالى: {وجعل ms332 لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار} والداعي غير الله فيما لا يقدر عليه غيره سبحانه وتعالى جاعل لله ~~ندا من خلقه فيما يستحقه تعالى من الألوهية المقتضية للرهبة والرغبة ~~والاستعاذة وذلك كفر بإجماع الأمة لأن الله سبحانه # PageV01P291 # وتعالى هو المستحق للعبادة لذاته فإنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب ~~بالرغبة لديه والفزع عند الشدائد إليه، وما سواه فهو مفتقر بالعبودية مقهور ~~بها، فكيف يصلح أن يكون إلها مرغوبا مرهوبا مدعوا قال الله تعالى: {وجعلوا ~~له من عباده جزءا إن الأنسان لكفور مبين} وقال تعالى: {إن كل من في ~~السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا} وقال: {لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون ... } الآية وقال تعالى: {ولا تجعلوا مع ~~الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين} وقال تعالى: {قل إني أمرت أن أعبد ~~الله مخلصا له الدين} فالله هو المستحق أن يدعى ويرجى ويعبد بكل ما أمر به ~~لذاته قال الله الحمد لله رب العالمين فذكر الحمد بالألف واللام التي تقتضي ~~الاستغراق لجميع المحامد فدل على أن الحمد كله لله ثم حصره في قوله إياك ~~نعبد وإياك نستعين فهو تفصيل لقوله الحمد لله رب العالمين. # (إذا علم هذا) فالمقصود من قوله تعالى {أيشركون ما لا يخلق شيئا ... } ~~الآية وقوله: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} الآية إقامة الحجة ~~على أن كل ما سوى الله لا يصلح إلها معبودا لأنه غير خالق لأفعال نفسه ولا ~~غيرها فلا يدعى بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله وحده، ولا تنسب ~~عبودية المخلوقين إليه ولا يرجى ولا يتوكل عليه بل لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له مخلصين له الدين ولو كره المشركون ولذلك قال والذين تدعون من دونه ~~ما يملكون من قطمير الذي هو قشر النواة ولفظ الدعاء والدعوة في القرآن ~~يتناول معنيين. # (أحدهما) دعاء العبادة وهو دعاء الله لامتثال أمره في قول عز وجل: {وقال ~~ربكم ادعوني أستجب ms333 لكم..} الآية. # (الثاني) دعاء المسألة وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة بقطع ~~النظر عن الامتثال، ولفظ الصلاة في اللغة أصله الدعاء وسميت الصلاة دعاء ~~لتضمنها معناه، وهو الدعاء الشامل للعبادة والمسألة، وقد فسر قوله تعالى ~~وقال ربكم ادعوني استجب لكم بوجهين: # PageV01P292 # (أحدهما) ما هو عام في الدعاء وغيره وهو العبادة وامتثال الأمر له سبحانه ~~وتعالى أستجب لكم أي كما أثبكم كما قال في الآية الأخرى ويستجيب الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أي يثيبهم عل أحد التفسيرين ويزيدهم من فضله. # (الثاني) ما هو خاص، معناه سلوني أعطكم كما في الصحيحين عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا بثلث الليل ~~الآخرة فيقول من يدعوني فأستجب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له" ~~فذكر أولا لفظ الدعاء ثم ذكر السؤال والاستغفار. والمستغفر سائل كما أن ~~السائل داع، لكن ذكر السائل لدفع الشر بعد السائل الطالب للخير وغيرهما ~~جميعا بعد ذكر الداعي الذي يتناولهما وغيرهما فهو من باب عطف الخاص على ~~العام، وهذا المعنى الثاني أعني الخاص هو الأظهر لوجهين. # (أحدهما) ما رواه النعمان بن بشير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"ان الدعاء هو العبادة" وفي رواية مخ العبادة ثم قرأ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم..} الآية رواه أبو داود والترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح، فاستدلاله عليه الصلاة والسلام بهذه الآية على الدعاء ~~دليل على أن المراد منها سلوني، وخطاب الله لعباده المكلفين بصيغة الأمر ~~منصرف عند الأصوليين إلى الوجوب ما لم يقم دليل يصرفه إلى الاستحباب، ومفيد ~~أيضا قصور فعله على الله فلا يجعل لغيره حيث كان عبادة قولية أو فعلية، ~~ولهذا أمر الله الخلق بسؤاله فقال تعالى: {واسألوا الله من فضله} وفي ~~الترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: "سلوا الله من فضله فإنه يحب أن يسأل" وفيه ~~عن أبي هريرة مرفوعا: "من لا يسأل الله يغضب عليه " وفيه أيضا أن الله يحب ~~الملحين في ms334 الدعاء، وفي حديث آخر ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع ~~نعله إذا انقطع، وفي المعنى أحاديث كثيرة صحيحة. # (الثاني) قوله تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع ~~إذا دعان} وكل سائل راغب فهو عابد للمسؤول وكل عابد له فهو أيضا # PageV01P293 # راغب وراهب يرجو رحمته ويخاف عذابه فكل عابد سائل وكل سائل عابد قال ~~تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا} وقال تعالى: ~~{تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا} ولا يتصور أن يخلو داع ~~الله، دعاء عبادة، أو دعاء مسئلة، من الرغب والرهب والخوف والطمع والرغبة ~~إلى الله والرهبة والخوف منه والطمع عنده، ليس ذلك يكون لغيره فلا يصرف ما ~~هو مستحق به إلى غيره من سائر الخلق إذ فيه تعطيل معاملته المقتضية ~~لإلوهيته وصمديته مع عجز المدعو وضعفه وافتقاره إلى خالقه فإن توحيد ~~الإلهية يتضمن إخلاص ذلك كله له قال جل شأنه: {له دعوة الحق} وقال: {فلا ~~تدعو مع الله أحدا} وقال: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك} ~~وقال: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني من الله أحد ~~ولن أجد من دونه ملتحدا} وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء ~~الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير ~~وبشير لقوم يؤمنون} وقال تعالى: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير * يا أيها ~~الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد * إن يشأ يذهبكم ويأت ~~بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز} والشرك بالرجل المعتقد صلاحه وقربه ~~وولايته أو بقبره أقرب إلى النفوس وأحب إليها من الشرك بخشبة أو حجر مصور ~~على صورته وتمثاله، فمن دعا غير الله بما لا يقدر عليه الخلق أو قال أن ~~المعطي أو المانع أو الضار أو النافع أو المعز أو المذل أحد غير ms335 الله أو ~~معه فقد أشرك في ربوبيته وعطل معاملته وعبادته المقتضية لإلوهيته وصمديته، ~~ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: "واعلم أن ~~الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك أو ~~اجتمعت على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام ~~وجفت الصحف" قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح فهذا يدل بصريحه على أنه لا نفع ~~ولا ضر ولا قبض ولا بسط ولا خفض ولا رفع ولا حركة ولا سكون إلا والله ~~سبحانه هو فاعله وخالقه وقابضه وباسطه ورافعه وحافظه، فلا يدعى ولا يرجى ~~غير الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به، كما قال علي رضي الله ~~عنه لا يرجو عبد إلا ربه ولا يخافن عبد إلا ذنبه، والرجاء بفضل الله ~~ورحمته، وهذا المشهد فيه الكلمات # PageV01P294 # الكونيات وهو علم معرفة صفة الربوبية الأول، وعلم معرفة صفة الألوهية ~~الثاني، وهو كشف التكليفات، فالتحقيق بالأمر والنهي والمحبة والخوف والرجاء ~~يكون عن كشف علم الألوهية، والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد ~~كشف علم الربوبية، وهو علم التدبير الساري في الأكوان كما قال تعالى: {إنما ~~قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فإذا تحقق بهذا المشهد ووفقه ~~الله تعالى لذلك بحيث لا يحجبه مشهد الربوبية عن مشهد الألوهية فهو السعيد ~~في العبودية، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدين، فإن جميع مشاهد الرحمة ~~واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الألوهية، وجميع مشاهد العظمة ~~والكبرياء والملك والقهر والجلال داخل في مشهد الربوبية، ولهذا قيل إن هذه ~~الآية جمعت سر القرآن، بل سائر الكتب الإلهية كلها ترجع إليه وتدور عليها، ~~أعني إياك نعبد وإياك نستعين، لأن أولها اقتضى عبادته بالأمر والنهي ~~والمحبة والخوف والرجاء الذي لازمه الدعاء والإنابة والرغبة والرهبة ~~والتوكل، وآخرها اقتضى عبادته بالتفويض والتسليم وترك الاختيار، وجميع ~~العبوديات داخلة في ذلك، فلا يدعى بما لا يقدر عيه إلا الله غيره، ولا يرجى ~~فيه إلا هو، ولا ms336 يستغاث إلا به، لأنه لا حول وهي الحركة والتحول من حال إلى ~~حال، ولا قوة على ذلك الحول إلا بالله، سواء ذلك الحول والقوة الموجودة في ~~السماء والأرض والآدميين والملائكة والجن وسائر الدواب وغيرها: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما ~~لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن ~~له} وقال تعالى: {ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا ~~تذكرون} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لحصين كم تعبد قال ستة في الأرض ~~وواحدا في السماء قال فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك قال الذي في السماء ... ~~الحديث، رواه الإمام أحمد والترمذي. فهذا يوجب انقطاع تعلق القلب بغيره ~~تعالى وإن كان ملكا أو نبيا فكيف بالمشايخ الأولياء العلماء، أو بالفجار ~~الدجالين الأشقياء، فإن غاية الراجي لهم الداعي منهم المتوكل عليهم أن يقول ~~مرادي يشفعون لي، فقطع سبحانه مادة ذلك كله قطعا شافيا، فأخبر تعالى في ~~محكم كتابه أنه ما من شفيع إلا من بعد إذنه، ونفى أن يشفع أحد لأحد إلا ~~بإذنه، وأعلن بأن سائر الشفعاء لا يشفعون إلا لمن ارتضى أو هم من خشينه ~~مشفقون وقال يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن ورضي له قولا ~~ولهذا إذا جاء سيد الشفعاء وأفضلهم # PageV01P295 # صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ورأى ربه سجد له وحمده بمحامد يفتحها ~~عليه ولا يبتدىء بسؤال الشفاعة حتى يقال له أي محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل ~~تعط واشفع تشفع. # والموفق إذا حقق قيام الله تبارك وتعالى على جميع الأشياء وتصرفه ني جميع ~~الكائنات وتدبيره أمور كل المخلوقات أغناه ذلك عن التعلق على سواه فأخلص له ~~توكله ورجاءه ودعاءه والتجاءه بقصوره ذلك على سيده ومولاه فيما أسره وأبداه ~~من جلب خير ينفعه، أو كشف ضر يضره، وهو القائم على كل نفس بما كسبت فأمره ~~نافذ فيها، وقضاؤه وقدره حاكم عليها، وأزمة الأمور ms337 كلها في يده ومرجعها ~~إليه ومدعى الإيمان بذلك لازمة الشهادة في قوله وعقيدته بأن المعطي والمانع ~~والضار والنافع والخافض والرافع والمعز والمذل هو الله وحده، وأن الأمر كله ~~له والشفاعة كلها له والدين هو له وحده، مختص بجلاله فلا يتأله بدعاء ما لا ~~يقدر عليه إلا الله غيره، ولا يرجو إلا هو ولا يتوكل إلا عليه، ولا يعتقد ~~أن جالب الخير أو كاشف الضر إلا الله وحده، فإن أسدى إليه أحد من الخلق ~~معروفا لقدرتهم عليه كان نظره أولا إلى الخالق فيشكره على ما أولاه من نعمه ~~فإنه سبحانه المعطي للمخلوق ما أسداه وحببه إليه وقواه عليه، ثم لينظر إلى ~~من أسدى إليه المعروف فيكافئه عليه ويثني عليه خيرا لقوله عليه السلام: "من ~~أسدى إليكم معروفا فكافؤه فإن لم تكافؤه فادعوا له حتى تعلموا أن قد ~~كافأتموه" وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا يشكر الله من لا يشكر الناس" رواه أبو داود في سننه وأخرجه الترمذي ~~وقال صحيح وعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال قال رسول الله: "من صنع ~~إليه معروف فقال لفاعله جزاك الله خيرا فقد أبلغ في الثناء" رواه الترمذي ~~وقال حديث حسن صحيح وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " من أعطى عطاء فوجد شيئا فليكافىء به فان لم يجد ~~فيثني فمن أثنى به فقد شكره ومن كتمه فقد كفره" رواه أبو داود، وذلك لأن ~~النعم كلها من الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن ~~الله} وقال: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك} فإن الله سبحانه هو المعطي ~~على الحقيقة فإنه الذي خلق الأرزاق كلها وقدرها وساقها إلى من يشاء من ~~عباده وإذا حقق ذلك عاملا به كان مستعينا بالله متوكلا عليه راغبا وراهبا ~~إليه ولأن في استعانة الله وحده فائدتين. # PageV01P296 # (الأولى) أن العبد عاجز عن الاستقلال بنفسه في أعمال الطاعات. # (الثانية) أنه ms338 لا معين له على صالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل، فمن ~~أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، وفي الحديث الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن" وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا:، الحمد ~~لله نستعينه ونستهديه" ومن دعاء القنوت الذي كان يدعو به عمر وغيره اللهم ~~إنا نستعينك ونستهديك، وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول ~~اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم ~~رب أعني ولا تعن علي، وفي دعائه أيضا صلى الله عليه وسلم لما فعل به أهل ~~الطائف ما فعلوا: "اللهم أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس ~~أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني أو إلى عدو ~~ملكته أمري إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي أعوذ ~~بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي ~~سخطك أو يحل علي غضبك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك" وكان من ~~دعاء موسى عليه الصلاة والسلام لما ضرب البحر فانفلق: "اللهم لك الحمد ~~وإليك المشتكى وأنت المستعان وبك المستغاث وعليك التكلان ولا حول ولا قوة ~~إلا بك". # وإذا كان هذا الدعاء وأمثاله هو دعاء العبادة المشتمل على الاستعانة من ~~رب العالمين بالنص عند كل علماء المسلمين، فلو صرف لغير الله من سائر الخلق ~~لكان معبودا به، والداعي عابد المدعو ومستعين به ومتوكل عليه، ولا يقال ليس ~~هو عابدا ولا مستعينا لأنه إنما يناديه فقط، فيصرف العبادة والاستعانة وجود ~~النداء كما فهمه صاحب المقدمة معللا لزوم العبادة كل منادي، وعدم تكفير كل ~~من نادى غيره، لأنا نقول علة التكفير وجود دعاء العبادة الشاملة لدعاء ~~المسئلة التي هي حق الله، وصرفه إلى غيره سواء وجد النداء أو لم يوجد، ms339 وليس ~~العلة وجود النداء نفسه خاليا من العبادة، وبهذا يعلم ما ذكره المفسرون تحت ~~قوله تعالى: {قل أرأيتم ما تدعون من دون الله} أي تعبدون {والذين تدعون من ~~دونه} أي تعبدون وأمثاله، وذلك لأن العبد محتاج إلى الاستعانة بالله في كل ~~الأفعال المأمورات، وفي ترك المحرمات، وفي # PageV01P297 # الصبر على المقدورات، كما قال يعقوب عليه السلام لبنيه {فصبر جميل والله ~~المستعان على ما تصفون} ولهذا قالت عائشة هذه الكلمة لما قال لها أهل الإفك ~~ما قالوا فبرأها الله مما قالوا، وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا، ~~وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن ~~المستعان على ما تصفون} ولما بشر النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بالجنة ~~على بلوى تصيبه قال: الله المستعان، ولما دخلوا على عثمان فضربوه جعل يقول ~~والدماء تسيل عليه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، اللهم إني ~~أستعينك عليهم وأستعينك على جميع أموري وأسألك الصبر على ما ابتليتني، وروى ~~أبو طلحة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في بعض غزواته حين لقي العدو: ~~"يا مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين" قال أبو طلحة فلقد رأيت الرجال ~~تصرع. أخرجه أبو الفتح الأصبهاني فالعبد محتاج في مصالح دينه ودنياه، وكل ~~ما لا يقدر عليه إلا الله منهما لا يجوز أن يسأل من غيره فلا يعبد إلا ~~الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعان إلا به، لأن ما سواه مفتقر إليه ~~مقهور بالعبودية، فكيف يصلح أن يكون معبودا قال عز من قائل: {وجعلوا له من ~~عباده جزءا إن الإنسان لكفور مبين} ولهذا لما سأل ربيعة بن كعب الأسلمي ~~خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم مرافقته في الجنة وكان خادما له كأتيه ~~بوضوئه وحاجته فقال سلني فقلت أسألك مرافقتك في الجنة فقال أو غير ذلك فقلت ~~هو ذلك قال فأعني على نفسك بكثرة السجود، رواه مسلم، لم يبادر صلى الله ~~عليه وسلم بقوله نعم افعل أجعلك معي إشارة إلى أن ms340 الأمر بيد الله وأن كثرة ~~السجود بإخلاص هي الوسيلة في قضاء الحاجة ونيل المسؤول والسائل لم يسأل ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخله الجنة وإنما سأله أن يكون رفيقا له في ~~الجنة ومعناه صحبته وعدم فراقه فيه كحالته معه في الدنيا فأجابه صلى الله ~~عليه وسلم بقوله فأعني على نفسك بكثرة السجود تعليما له أن نفس دخول الجنة ~~ثابت بوعد الله تعالى لمن مات لا يشرك به شيئا فهو رحمة من الله وفضل ورفع ~~الدرجات، ومرافقة الصالحين الأحباب بسبب كثرة الأعمال الصالحة وإخلاصها لله ~~على أن سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم مرافقته الجنة معناه دعاء الله أن ~~يكون كذلك، كما قاله المحققون من أهل العلم واتفقوا على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يسأل بعد موته لا استغفارا ولا دعاء ولا غيرهما فان الدعاء ~~عبادة مبناها على التوقيف والإتباع لا على الأهواء والابتداع ولو كان هذا ~~من العبادات لسنه الرسول صلى الله عليه وسلم ولكان أصحابه أعلم بذلك وأتبع ~~له، وقوله # PageV01P298 # تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ... } الآية فإتيانه صلى الله ~~عليه وسلم للاستغفار مخصوص بوجوده في الدنيا، ولهذا لم يفعله أحد من ~~الصحابة ولا التابعين مع شدة احتياجهم وكثيرة مدلهماتهم، وهم أعلم بمعاني ~~كتاب الله وسنة رسوله وأحرص إتباعا لملته من غيرهم، بل كانوا ينهون عنه وعن ~~الوقوف عند القبر للدعاء عنده، منهم الإمام مالك وأبو حنيفة وأحمد والشافعي ~~وهم من خير القرون التي قد نص عليها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران لا أدري أذكر ثنتين ~~أو ثلاثا بعد قرنه، رواه البخاري في صحيحه مع أنه صلى الله عليه وسلم حي في ~~قبره حياة برزخية أقوى من حياة الشهداء ولكنه قد انتقل من هذه الدار إلى ~~دار القرار بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، ولهذا استسقى أصحابه بعمه ~~العباس كما رواه البخاري عن أنس، ولم يأتوا إلى قبره ولا وقفوا عنده وما ~~ذهب إليه ms341 طائفة من متأخري الفقهاء من استغفار الله في حضرة القبر مستندين ~~إلى الآية وقصة الأعرابي فلا يعتد به لما تقدم عن الصحابة والتابعين ~~والأئمة المجتهدين، وقولهم في معنى الآية ومثل هذه الحكاية لا يثبت بها حكم ~~شرعي لاسيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعا مندوبا لكان الصحابة ~~والتابعون أعلم به وأولى بالعمل من غيرهم بل لو لم يكن مكروها عندهم شديدا ~~لما نهوا عنه وعن فعله وليس الدين بالعقل إنما هو بالتوقيف والنقل كيف وقد ~~آل بهم هذا الأمر إلى الفتنة العظمى التي هي الشرك بالله من دعائه ورجائه ~~والتوكل عليه صلى الله عليه وسلم. # (وأما حق المسلمين) بعضهم على بعض مما يقدرون عليه والعادة جارية فيه ~~بينهم فمنه توادهم وتعاطفهم وتراحمهم والنصح لهم والتيسير على معسرهم ~~ومعاونة أخرقهم، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل ~~الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" وفي رواية ~~لمسلم: "المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى رأسه تداعى له سائر الجسد بالحمى ~~والسهر" وفي رواية له أيضا: "المسلمون كرجل واحد إذا اشتكى عينيه اشتكى كله ~~وإذا اشتكى رأسه اشتكى كله" وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ~~النبي # PageV01P299 # صلى الله عليه وسلم: "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا" وفيه أيضا ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من نفس عن ~~مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على ~~معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا ~~والآخرة والله في عون العبد ما كان في عون أخيه ... الحديث" وفي الصحيحين ~~من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المسلم ~~أخو المسلم لا يظلمه ولا يثلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن ~~فرج ms342 عن مسلم فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله ~~يوم القيامة" وخرج الطبراني من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "من نفس عن مؤمن كربة من كربه نفس الله عنه كربة يوم ~~القيامة ومن ستر على مؤمن عورته ستر الله عورته ومن فرج عن مؤمن كربة فرج ~~الله عنه كربته" وخرج الإمام أحمد من حديث مسلمة عن مخلد عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "من ستر مؤمنا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة ومن ~~نجى مكروبا فك الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن كان في حاجة أخيه كان ~~الله في حاجته" فقوله صلى الله عليه وسلم: "من نفس عن مؤمن كربة من كرب ~~الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة" هذا يرجع إلى أن الجزاء من ~~جنس العمل وقد تكثرت النصوص من هذا المعنى كقوله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنما رحم الله من عباده الرحماء" وقوله: "ان الله يعذب الذين يعذبون الناس ~~في الدنيا" والكربة هي الشدة العظيمة التي توقع صاحبها في الكرب، وتنفيسها ~~أن يخفف عنه منها مأخوذ من تنفس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نفسا، ~~والتفريج أعظم من ذلك، وهو أن نزيل عنه الكربة فتنفرج عنه كربته ويزول همه ~~وغمه، فجزاء التنفس التنفس وجزاء التفريج التفريج، كما في حديث ابن عمر رضي ~~الله عنهما وقد جمع بينهما في حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " حق المسلم على المسلم ~~خمس رد السلام وعيادة المريض، وإتباع الجنازة، وإجابة الدعوة وتشميت ~~العاطس" متفق عليه، والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا ولا ننكر ثبوت حق ~~المسلمين بعضهم على بعض ولا مناداة بعضهم بعضا فيما يقدر عليه الخلق من ~~سائر أمورهم الجارية بينهم وإنما قولنا وإرادتنا في عبادة الله وحده التي ~~ليس لخلقه منها شيء البتة، ms343 وذلك يوجب # PageV01P300 # الاعتماد على الله في القول والاعتقاد الشامل جميع الأحوال، ولهذا يذكر ~~الله الأسباب وينهىعن الاعتماد عليها، ويأمر بأن لا يرجى إلا الله وحده، ~~كما قال تعالى لما أنزل الملائكة: {وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن ~~قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم} وقال: {إن ينصركم الله ~~فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} وقد قدمنا أن الدعاء نوعان دعاء عبادة، ودعاء مسئلة، وكلاهما لا ~~يصلح إلا لله. فمن جعل مع الله إلها آخر قعد مذموما مخذولا، والراجي سائل ~~طالب فلا يصلح أن يرجو إلا الله ولا يسأل غيره، ولهذا قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الحديث الصحيح: "ما أتاك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مشرف ~~فخذه ومالا فلا تتبعه نفسك" والمتشرف الذي يستشرف بقلبه، والسائل الذي يسأل ~~بلسانه، وفي الحديث الذي في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال: (أصابتنا ~~فاقة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسأله فوجدته يخطب الناس وهو ~~يقول: "أيها الناس والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنكم وأنه من ~~يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن يتصبر يصبره الله وما أعطى أحد ~~عطاء خيرا وأوسع من الصبر والاستغناء أن لا يرجو بقلبه أحدا فيستشرف إليه" ~~ولهذا كان الغنى غنى القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس الغنى ~~عن كثرة العرض إنما الغنى غنى النفس" ولهذا قيل: # إذا رزقت من الدنيا قناعة ... فأنت ومالكها سواء # والاستعفاف أن لا يسأل بلسانه أحدا، ولهذا لما سئل أحمد بن حنبل عن ~~التوكل فقال قطع الاستشراف إلى الخلق، أن لا يكون في قلبك أن أحدا يأتيك ~~بشيء، فقيل له فما الحجة في ذلك فقال قول الخليل لما قال له جبريل هل لك من ~~حاجة فقال أما إليك فلا، فهذا وما يشبهه مما يبين أن العبد في طلب ما ينفعه ~~ودفع ما يضره لا يوجه قلبه إلا إلى ms344 الله ولهذا قال المكروب لا اله إلا أنت، ~~ومثل هذا ما في الصحيحين عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~عند الكرب: "لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش ~~العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم " فإن هذه ~~الكلمات فيها تحقيق التوحيد، ومسألة العبد ربه وتعلق رجائه به # PageV01P301 # وحده لا شريك له، وفي لفظ خير يتضمن الطلب والناس وإن كانوا يقولون ~~بألسنتهم لا إله إلا الله فقول العبد مخلصا من قلبه له حقيقة أخرى وبحسب ~~تحقيق التوحيد تكمل طاعة الله، فيتيقن محقق التوحيد العامل بالطاعة أنه لا ~~نفع ولا ضر ولا عطاء ولا منع إلا من الله وحده، فإن سأل مخلوقا شيئا يقدر ~~عليه الخلق من أمورهم الجارية بينهم فحصل له ما سأله أو منع منه كان نظره ~~إلى الخالق في أنه سبحانه المعطي لهذا المسؤول ما أسداه وحببه إليه وقواه ~~عليه، أو لم يقدر منه شيئا بل كره دفعه إليه فمنعه عنه وإن يكن الدفع واجبا ~~فمنعه المسؤول قادرا عليه عوقب شرعا مع بقائه مكلفا مختارا لعموم خطاب ~~الشرع له ومع جواز سؤال الخلق بعضهم بعضا مما يقدرون عليه من أمورهم ~~الدنيوية فسؤال الله دون خلقه مطلقا هو المتعين عقلا وشرعا وذلك من وجوه ~~متعددة. # (منها) أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل وذلك لا يصلح إلا لله ~~وحده، وهذا هو حقيقة العبادة التي تختص بإله الخلق كلهم، ولهذا كان الإمام ~~أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة ~~لغيرك وفي هذا المعنى يقول بعضهم: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... بدلا وان نال الغنى بسؤال # وإذا السؤال مع النوال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال # فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا ... فابذله للمتكرم المفضال # ولهذا المعنى كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة ~~وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت ذلك في الصحيحين لأنه أذهب ms345 عز وجهه وصيانته ~~وما يأتيه في الدنيا فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه المعنوي ~~فلا يبقى له عند الله وجاهة، وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من ~~الصحابة أن لا يسألوا الناس شيئا منهم الصديق وأبو ذر وثوبان فكان أحدهم ~~يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحدا أن يناوله رضي الله عنهم. # (ومنها) أن سؤاله الله عبودية عظيمة لأنها إظهار للافتقار إليه واعتراف ~~بقدرته على قضاء الحوائج وفي سؤال المخلوق ظلم لأن المخلوق عاجز عن جلب ~~الخير # PageV01P302 # لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره، وسؤاله إقامة له مقام من ~~يقدر وليس هو بقادر، ويشهد لهذا المعنى الحديث الذي في صحيح مسلم عن أبي ذر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم: " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم ~~قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي ~~إلا كما ينقص الخيط إذا أدخل البحر" وفي الترمذي وغيره زيادة في هذا ~~الحديث: " وذلك بأني جواد واجد ماجد أفعل ما أريد عطائي كلام وعذابي كلام ~~إذا أردت شيئا فإنما أقول له كن فيكون" فكيف يسأل الفقير العاجز ويترك ~~الغني القادر إن هذا إلا عجب العجب. # (ومنها أن الله) يحب أن يسأل ويغضب على من لا يسأله فإنه يريد من عباده ~~أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه ويحب الملحين في الدعاء. # (ومنها) أن الله يستدعي من عباده سؤله وينادي كل ليلة هل من سائل فأعطه ~~سؤله هل من داع فأستجيب له وقد قال تعالى: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ~~أجيب دعوة الداع إذا دعان} فأي وقت دعاه العبد وجده سميعا قريبا مجيبا ليس ~~بينه وبينه حجاب ولا بواب. # PageV01P303 ### | الاستغاثة بغير الله وتفصيل الكلام فيها # (وأما قولكم وقوله من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره. # فنقول إن أراد بالاستغاثة، التي جعل مرتكبها كافرا، الاستغاثة به على ~~اعتقاد أن غيره تعالى قادر بقدرة مؤثرة على جلب نفع له أو ms346 دفع مضرة عنه فلا ~~شبهة في كفر من يعتقد ذلك، وإن أراد بمطلق الاستغاثة، يكون المرتكب مشركا ~~فغير مسلم إذ لا شك في أن للعبد قدرة كاسبة وما يفعل من فعل فهو بتأثير ~~الله وكسب من العبد وحال دعاء غيره تعالى قد علم مما تقدم آنفا والآية ~~المذكورة لله معرض الاستدلال لا تصلح له دليلا) فنقول هذا مما يؤيد ما ~~قلناه من أن صاحب المقدمة إنما يقول من # PageV01P303 # عندياته وأنه لم يعلم معاني كلام الله وآياته، وسنة الرسول وأصحابه، وما ~~قاله أهل اللغة في معنى الاستغاثة من أنها طلب الغوث من الغير، قال أهل ~~اللغة المستغاث به هو المطلوب منه الغوث، والمستغيث هو الذي يطلب الإغاثة ~~من غيره، وكذلك ما ذكره النحاة كلهم في باب الاستغاثة، وما نقلوه عن العرب ~~من الفرق بين المستغاث به والمستغاث من أجله، كقولهم يالله للمسلمين بفتح ~~لام المستغاث به وخفض لام المتسغاث من أجله، ومنه قول المهاجري يا ~~للمهاجرين وقول الأنصاري يا للأنصار فاستغاث هذا بالمهاجرين وهذا بالأنصار ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم؟ " ~~فالمستغاث به عندهم هو الذي يدعى ويسأل ويطلب منه الغوث، والمنادي هو داعي ~~المنادى لكن فرقوا بين دعاء المستغاث به وغيره، كما فرقوا بين دعاء الندبة ~~وغيره، كقوله يا حسرتا على ما فرطت، وقولهم يا أبتاه يا عمران ونحو ذلك مما ~~يلحقون في آخره ألفا لأجل مد الصوت إذ النادب الحزين يمد صوته وهو يندب ما ~~قد فات فيمد الصوت في آخر دعائه كقوله يا أسداه يا ركناه يا أبتاه حتى ~~قالوا يا أمير المؤمنيناه يا عبد الملكاه إذ نداء الندبة يقوله الإنسان عند ~~حدوث أمر عظيم، ويقوله للتوجب، كقول سارة حين بشرت بإسحق يا ويلتي، بخلاف ~~المستغيث فإنه يدعو المستغاث به كما يدعو غيره فيقول يا لزيد كقوله يا زيد ~~لكن دل بهذه الصيغة أنه يطلب منه الإعانة على ما يهمه من أموره مطلقا، ~~بخلاف النداء المجرد فإنه لا يدل على ذلك فالمستغيث ms347 بالشيء داعيه مع زيادة ~~طلب الإغاثة، ومن المعلوم بالاضطرار من لغة العرب، وهو موجود في جميع الكتب ~~المتداولة التي يذكر فيها مثل هذا في كتب اللغة والنحو والتفسير ودواوين ~~العرب وغير ذلك، أن المستغيث بالشيء هو الذي يطلب منه الغوث، وهم يقولون ~~استغثته واستغثت به، كما يقولون استعنته واستعنت به، ودعوته ودعوت به، وبين ~~المعنيين فرق لطيف، وهو أنهم إذا عدوه بنفسه لاحظوا أنه فاعل الغوث بنفسه، ~~وإذا عدوه بالباء لاحظوا أنه معين على ذلك، فكأنه إذا قال استغثت فلانا قال ~~طلبت منه أن يغيثني وإذا قال استغثت به تضمن معنى استغثته واستغثت به على ~~أن يغيثني، فالباء فيه متضمنة معنى كتبت بالقلم فالاستغاثة عامة في المعنى ~~الاستغاثة وزيادة، هذا هو معناها في القرآن في قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم ~~أي تستجيرون به من عدوكم وتطلبون منه الغوث والنصر عليه وكذلك السنة في ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # PageV01P304 # " والله لا يأخذ أحدكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة ~~فيأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول يا محمد ~~فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ويأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول ~~يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت" رواه البخاري فالمستغاث به ~~مسؤول مطلوب. ومن المعلوم ضرورة أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لم ~~يشرع فيه للأمة أن تدعوا أحدا من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا ~~غيرهم لا بلفظ الاستغاثة ولا غيرها ولا بلفظ الاستعاذة ولا غيرها كما أنه ~~لم يشرع لها السجود لغيره تعالى، بل نهى عن ذلك كله وأخبر أنه من الشرك ~~المنافي لما جاء به، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة جعل ذلك مما ~~لا بأس به، ولهذا عمت دعوة الأموات والاستغاثة بهم عند نزول الكربات ~~يسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، فكان ما يفعلونه بالأموات أعظم من ~~عبادتهم واعتقادهم في رب الأرض والسموات، لأنهم أنما يقصدونهم في ضرورة ~~نزلت بهم ms348 فيدعونهم دعاء المضطرين ولقضاء حاجاتهم منهم أو بهم راجين، بخلاف ~~عبادتهم لله ودعائهم إياه، فإنما يفعلونه على وجه العادة، واشتراط صاحب ~~المقدمة اعتقاد قدرة مؤثرة على جلب نفع له أو دفع مضرة عنه، دال على عدم ~~معرفة أقسام الشرك الموجب للكفر الاعتقادي وخلود أهله في النار فإن ذلك ~~المشروط إنما هو شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وأنه لم يكن ~~معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال والموجد للحوادث أسباب أثرت فيها واقتضت ~~إيجادها هي بنفسها أو شرك القدرية القائلين بأن الحيوان توجد منه قدرة على ~~خلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله تعالى، أو شرك الجهمية ~~والقرامطة الذين لم يبقوا لله اسما ولا صفة ولا قدرة تامة، بل جعلوا ~~المخلوق له قدرة مؤثرة وأما تعطيل معاملته تعالى عما أوجب على عبيده والشرك ~~فيها فليس عنده من ذلك تمييز ولا معرفة، والحاجب عن ذلك شهود القيومية التي ~~يشترك فيها وفي معرفتها المؤمن والكافر والبر والفاجر، وأما شهود الألوهية ~~التي دعت إليه الرسل حيث أمروا بعبادة الله وحده وطاعته فإن العبد إذا فتحت ~~عين بصيرته له فرق بينه وبين قسيمه الأول ففعل ما أمر به وترك ما نهى عنه ~~وعلم حكم المأمور به فعلا وتركا وكفرا أو معصية، والمنهي عنه كذلك ووالى ~~أولياء الله وعادى أعداءه وصار على ملة إبراهيم ودين محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ومن لم يقل بالفرق بين القسمين كان خارجا عن حقيقة الإيمان كما أنه ~~خارج عن شريعة # PageV01P305 # الإسلام فليس معه حقيقة إيمانية ولا شريعة إسلامية وإنما معه حقيقة خلقية ~~قد أقر بها عباد الأصنام الذين هم مشركون، وذلك أن شهود القيومية بلا جمع ~~بينه وبين شهود الألوهية ممتنع طبعا وشرعا إذ لا يغني أحدهما عن الآخر، فمن ~~لم يشهد الفرق الشرعي الإلهي كان مع الفرق الطبيعي النفساني أو فرق شيطاني، ~~ومن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا ~~فهو له قرين ... } إلى قوله {.. فبئس القرين} وذكر الرحمن يراد به ms349 الذكر ~~الذي أنزله الله، كما قال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا ~~يضل ولا يشقى ... } إلى قوله.. {وكذلك اليوم تنسى} فمن أعرض عن هدى الله ~~الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما أمر الله به وما نهى عنه ~~كان معرضا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانا يصده عن سبيل الله، فيقول ويعمل ~~بمجرد هواه، ومن أضل من اتبع هواه بغير هدى من الله، ولو كان مثل هذا ذكر ~~الله ولم يشهد إلا القيومية العامة لم يشهد ما جاء به الكتاب المنزل بل ~~يكون من أعظم أتباع الشياطين الخارجين من الدين، كما تخرج الشعرة من ~~العجين، ومع كون العبدله قدرة كسبية لا يخرج من مشيئة رب البرية، فلا ~~يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله ولا يستعان به، ولا يتوكل عليه فيه، ~~ولا يطلب من الغائب أو الميت ما يطلب من الحي الحاضر، فليس في المخلوقات ~~شيء ينفع ويضر استقلالا، إذ ليس فيها ما يستقل بأحداث غيره ونفعه، ولا يفعل ~~شيئا إلا بإذن الله، كما ليس فيها من يعطي ويمنع بهذا الاعتبار، وكما أن من ~~أسمائه تعالى المعطي المانع الضار النافع، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقول في دبر كل صلاة: " اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ~~ينفع ذا الجد منك الجد" وكان يقول في رقيته: " اذهب الباس رب البأس رب ~~الناس لا شفاء إلا شفاؤك" وفي رواية: "لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقما" ~~وكذلك النفع والضر المعتاد كالصحة والمرض والغنى والفقر والأمن والخوف ~~واليسر والعسر الحقيقيين لا يفعله رسول ولا غيره، وهذا ليس بخفي على عموم ~~المؤمنين فضلا عن علمائهم، وان وقع في كثير من ذلك ما وقع من العامة ونحوهم ~~ممن ينتسب إلى الزهد والصلاح فهؤلاء وأمثالهم حقهم أن يرجعوا إلى العلم ~~الموروث عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتكون عبادتهم وأعمالهم مقيدة ~~بالشريعة النبوية والعلم الموروث لا بما يخطر لهم من الآراء والأهواء، ms350 قال ~~سبحانه وتعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وفي ~~الصحيحين من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه # PageV01P306 # قال: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية "من عمل عملا ~~ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب اقتصاد في سنة ~~خير من اجتهاد في بدعة، وقد اتفق المسلمون على أنه ليس لأحد أن يعبد الله ~~بما أحبه ورآه بل لا يعبده إلا بما كان عبادة عند الله وهى العبادة ~~الشرعية، ودين الإسلام مبني على أصلين (أحدهما) أن لا نعبد إلا الله ~~(الثاني) أن نعبده بما شرع لا نعبده بالبدع، كما قال الفضيل بن عياض في ~~قوله تعالى ليبلوكم أيكم أحسن عملا قال أخلصه وأصوبه قالوا يا أبا علي ما ~~أخلصه وأصوبه، قال ان العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان ~~صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا، والخالص أن يكون لله، والصواب ~~أن يكون على السنة، ولهذا قال الإمام أحمد إن أصول الإسلام تدور على ثلاثة ~~أحاديث، حديث الحلال بين والحرام بين الحديث، وحديث إنما الأعمال بالنيات ~~الحديث، وحديث من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد، وذلك أن الدين فعل ما ~~أمر الله به وترك ما نهى الله عنه، فالمنهي عنه ذكره في حديث الحلال بين ~~والحرام بين، والمأمور به أمران: عمل باطن وهو إخلاص الدين لله، وعمل ظاهر ~~وهو ما شرع لنا من واجب ومستحب، وأهل الضلال كالمشركين والنصارى يفارقون ~~هذين الأصلين يعبدون غير الله ويبتدعون عبادة لم يأذن بها الله كما ذكر ~~الله ذلك عنهم في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور وقد أمرنا ~~الله أن نقول في صلاتنا: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ~~غير المغضوب عليهم ولا الضالين} وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون" وهم مبتدعون والمشركون يذهبون إلى ما ms351 ~~ذهب إليه الضالون ابتداعا يشرعون دينا لم يأذن به الله فهم يدعون غير الله ~~ويستغيثونه بما لا يقدر عليه الخلق فلا يكون عملهم لله خالصا ولا للشريعة ~~موافقا وبذلك كانوا ضالين، فإن قيل يجوز أن يكون لفظ الاستغاثة بغير الله ~~بمعنى التوسل فمعنى قول المستغيث أستغيث برسول الله وبفلان الولي أي أتوسل ~~برسول الله أو بالولي، ويصح حينئذ أن يقال نجوز الاستغاثة في كل ما يطلب من ~~الله بالأنبياء والصالحين، بمعنى أنه يجوز التوسل بهم في ذلك ويصح لفظا ~~ومعنى. الجواب أن هذا باطل من وجوه: # أحدها: أن لفظ الاستغاثة في الكتاب والسنة وكلام العرب إنما هو مستعمل # PageV01P307 # بمعنى الطلب من المستغاث به فقول القائل استغثت فلانا واستغثت به بمعنى ~~طلبت منه الإغاثة لا بمعنى توسلت به، وقد اتفق من يعتد به من أهل العلم على ~~أن الاستغاثة لا تجوز بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، وقول القائل ~~استغثت به بمعنى توسلت بجاهه، هذا كلام لم ينطق به أحد من الأمم لا حقيقة ~~ولا مجازا ولم يقل أحد مثل هذا ولا معناه لا مسلم ولا كافر، والقائل أستغيث ~~بفلان عندك أن تفعل بي كذا وكذا ناطق بما لم ينطق به أحد في اللغة بل ولا ~~من سائر الأمم. # الثاني: أنه لا يقال إستغثت إليك يا فلان بفلان أن تفعل بي كذا، وإنما ~~يقال استغثت بفلان أن يفعل بي كذا، فأهل اللغة يجعلون فاعل المطلوب هو ~~المستغاث به نفسه، ولا يجعلون المستغاث به واحدا والمطلوب آخر، فالاستغاثة ~~طلب منه لا به، وقولهم يالله للمسلين أحدها مطلوب، والآخر مطلوب له لا ~~مطلوب به. # الثالث: أن من سأل بشيء أو توسل به لا يكون مخاطبا له ولا مستغيثا به، ~~لأن قول السائل المتوسل أتوسل إليك يا الهي بفلان إنما هو خطاب لله لا لذلك ~~المتوسل به بخلاف المستغاث به فإنه مخاطب مسؤول منه الغوث فيما سأل من الله ~~فحصلت المشاركة في سؤال ما لا يقدر عليه إلا الله وكل دعاء شرعي ms352 لابد أن ~~يكون الله هو المدعو فيه كالأدعية التي جاء بها الكتاب والسنة مما قص الله ~~عن عباده الصالحين من أهل السموات والأرضين ومما شرعه لعباده المؤمنين ومما ~~أخبر به عن خلقه واحتج به عليهم في أن لا يعبدوا غيرهم كما قال تعالى: ~~{ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون * ونجيناه وأهله من الكرب العظيم} وقال ~~{ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم} وقال عن ~~إبراهيم {رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات} ~~وقال {رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين * واجعل لي لسان صدق في الآخرين} ~~الآية إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى، فالاستغاثة بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم، أو بغيرهم من الأنبياء والصالحين وغيرهم في كل ما يستغاث ~~الله فيه على معنى أنه وسيلة من وسائل الله قول لم يقل به أحد من علماء ~~المسلمين، ولا من الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم ولا أئمة الفتيا المعتد ~~بهم ولا علماء الحديث والتفسير، بل قائل هذا القول مغتر على الله ملبس على ~~المسلمين، ولا يخرج مدلول قائل ذلك في اللغة المعروفة عن أن يكون # PageV01P308 # كفرا، إذ معناه طلب الإغاثة والتخليص من جنس الكربة والشدة، سواء كان طلب ~~ذلك من الخالق أو المخلوق، وإذا كان كذلك فهذا القول يقتضي أنه يطلب من ~~المخلوق الحي أو الميت إزالة الأمراض والأسقام، وكشف الجدب والقحط بإنزال ~~المطر وإسقام الأنام، وكشف كل شدة وتفريج كل غمة، والنصر على الأعداء في ~~الدين وإزالة الكفار والمشركين، وذلك هو الكفر برب العالمين، والمضاهاة ~~للنصارى والمشركين، مع اعتقاد هذا المستغيث السائل أن لمن استغاثه وسأله من ~~المخلوقين قدرة كاسبة وأن سائر فعله كائن بتأثير الله وكسب من العبد، ولكنه ~~سأله ما استغاث فيه ملاحظا ومجرد المسؤول إما نفس المخلوق المستغاث، أو على ~~معنى أن جاهه قادر على تحصيل ما طلب منه استقلالا، ولا يخرج مدلول استغاثته ~~عن أن يكون مسؤولا مأمولا هو بنفسه ما طلب منه مما لا يقدر عليه إلا ms353 الله ~~زيادة على اعتقاده قدرة الجاه على إيجاد المطلوب وتحصيله. # الرابع: أن لفظ التوسل والتوجه ومعناهما يراد به أن يتوسل إلى الله ~~ويتوجه إليه بدعاء الأنبياء والصالحين وشفاعتهم عند خالقهم في حال دعائهم ~~إياه فهذا هو الذي جاء في ألفاظ السلف من الصحابة رضوان الله عليهم كما في ~~صحيح البخاري: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استسقى بالعباس وقال اللهم ~~إنا كنا إذا أجدبنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا ~~فاسقنا فيسقون) فهذا إخبار عن عمر رضي الله عنه عما كانوا يفعلون وتوسل ~~منهم بدعاء العباس كما كانوا يفعلون بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك ~~معاوية بن أبي سفيان لما استسقى بأهل الشام توسل بدعاء يزيد بن الأسود ~~الجرشي، وهذا هو الذي عناه الفقهاء في كتاب الاستسقاء في قولهم يستحب أن ~~يستسقي بالصالحين وإذا كانوا من أقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~أفضل، وكذلك الأعمى الذي أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله أن ~~يعافيني قال: "ان شئت دعوت لك وإن شئت صبرت فهو خير لك" قال ادع لي فأمره ~~أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك ~~بنبيك سيدنا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ~~لتقضي اللهم فشفعه في" وقد طلب من النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء ليشفعه ~~الله بدعائه صلى الله عليه وسلم، كما طلب الصحابة من النبي الاستسقاء فدعا ~~الله له وأمره صلى الله عليه وسلم أن يسأل الله قبول شفاعته # PageV01P309 # فيه، وقوله يا محمد إني أتوجه بك إلى الله في حاجتي هذه لتقضي خطاب لحاضر ~~معاين في قلبه، كقولنا في صلاتنا السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته وكاستحضار الإنسان محبه أو مبغضه في قلبه فيخاطبه بما يهواه ~~بلسانه، وهذا كثير في لسان الخاصة دون العامة ومعناه أتوجه إليك بدعاء نبيك ~~أو شفاعته المشتملة على الدعاء لي ولهذا قال في تمام الحديث اللهم شفعه في ms354 ~~وهذا متفق على جوازه وقد مضت السنة أن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب منه ~~سائر ما يقدر عليه سواء كان بلفظ الاستغاثة أم بغيرها ومنه ما قص الله عن ~~الإسرائيلي المستغيث بموسى على القبطي لط قوله تعالى: {فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى} أو كاستشفاع الأمة من أهل الموقف ~~بالأنبياء والطواف عليهم يسألونهم أن يشفعوا إلى الله من أهل الموقف عامة، ~~وأما المخلوق الغائب أو الميت فلا يستغاث ولا يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا ~~الله البتة. # الخامس: أن التوسل فيه اجمال واشتراك بحسب الاصطلاح، فمعناه في لغة ~~الصحابة والتابعين طلب الدعاء من النبي أو الصالح أو التوجه بدعائه كما ~~تقدم عنهم، ودعاؤه صلى الله عليه وسلم من أعظم الوسائل عند الله، وأما ~~معناه في لغة هؤلاء المعاندين فهو أن يسأل الله عز وجل بذات ذلك المخلوق ~~ويقسم عليه تعالى به، أو يسأل ذلك المخلوق نفسه على معنى أنه وسيلة من ~~وسائل الله يتقرب بذاته ويسأل منه شفاعته، والله تعالى واحد لا شريك له في ~~عبادته ولا في معاملته، بل هو أحد صمد متعال عن الأنداد والأضداد، ولا يقسم ~~عليه تعالى بشيء من مخلوقاته فلا يقال أقست عليك يا رب بنبيك أو بجاهه، ولا ~~بملائكتك ولا بعبادك الصالحين ولا بكعبتك كما لا يجوز القسم بهذه الأشياء، ~~ومجرد ذوات الأنبياء والصالحين ومحبة الله لهم وحصول الجاه لهم عنده ليس ~~بها ما يوجب حصول مقصود السائل بلا سبب بينه وبينهم من محبتهم وطاعتهم ~~وإتباعهم فيما جاءت الرسل به فيثاب على ذلك، ويكون محبا لله طائعا أمره ~~راضيا عنه فيستجيب له ويزيده من فضله ويقبل دعاءهم له وشفاعتهم فيه كما قال ~~جل شأنه: {ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله} وعلامة ~~محبة الله إتباع الرسول في كل ما جاء به، قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} فأما مجرد سؤاله بهم وبجاههم ~~من غير # PageV01P310 # إتباع لما جاء به الرسول فلا ms355 ينفعه وان عظم جاه المسؤول به عند الله، ولا ~~ينال نصيبا من شفاعته لوجود المنافي الذي هو عدم الاتباع فيما جاء به ~~الرسول من التوحيد لإله كل العبيد، ومع عدم المنافي ووجود التوحيد فلا نقول ~~إن سؤال الله بأحد من خلقه كفر، بل مكروه كراهة تحريم على الأصح، كما قال ~~به جمهور العلماء لما فيه من الأقسام على الله بخلقه، وهو تعالى لا يقسم ~~عليه بشيء من المخلوقات ولكن كثير من الناس تعود ذلك كما تعود الحلف بهم، ~~حتى يقول أحدهم وحقك على الله أو وحق هذه الشيبة على الله، والله إنما يقسم ~~عليه بأسمائه وصفاته؛ كما قال جل شأنه: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} ~~وكالأحاديث الواردة في السنن عن بريدة بن الحصيب أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سمع رجلا يقول اللهم إني أسألك بأنك أنت الله لا اله إلا أنت ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يلد ولم يكن له كفوا أحد فقال: "لقد سألت ~~بالاسم الذي إذا سئل به أعطى وإذا دعي به أجاب" أخرجه أبو داود وغيره ~~وأخرجه أبو حاتم في صحيحه ولفظه عن بريدة أنه كان مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في المسجد فإذا رجل يصلي ويدعو اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا اله ~~إلا أنت الأحد الصمد ... وذكر الحديث بتمامه وفي السنن عن أنس أنه كان مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في حلقة ورجل قائم يصلي فلما ركع وسجد ~~وتشهد دعا فقال في دعائه اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا اله إلا أنت ~~الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أتدرون بما دعا" فقالوا الله ورسوله أعلم ~~فقال: " والذي نفسي بيده لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ~~وإذا سئل به أعطى" ورواه أبو داود وغيره ورواه أبو حاتم في صحيحه واللفظ له ~~عن أنس، ومن قال أسألك بإيماني بك وبرسولك ومحبتي له ms356 ونحو ذلك فقد أحسن، ~~قال تعالى في دعاء المؤمنين: {ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن ~~آمنوا بربكم فآمنا ... } الآية وقال تعالى: {الذين يقولون ربنا إننا آمنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار} وقال تعالى عن الحواريين: {ربنا آمنا ~~بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين} وكان ابن مسعود رضي الله ~~عنه يقول اللهم إنك أمرتني فأطعتك ودعوتني فأجبتك فاغفر لي، ومن هذا الباب ~~حديث الثلاثة الذين أصابهم المطر فآووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة ثم ~~دعوا الله بأعمالهم ففرج عنهم # PageV01P311 # الحديث في الصحيحين عن ابن عمر، وأما توسل السائل في قوله اللهم إني ~~أسألك بمعاقد العز من عرشك ففيه قولان للعلماء: قال الشيخ أبو الحسن ~~القدوري في كتابه المسمى بشرح الكرخي المعروف والمشهور عنه وقد عقد فيه ~~فصلا في باب الكراهية ونقل فيه عن بشر بن الوليد أنه قال سمعت أبا يوسف ~~يقول قال أبو حنيفة رضي الله عنه: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره ~~أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو بحق خلقك وهو قول أبي يوسف فإنه قال بمعاقد ~~العز من عرشك هو الله فلا أكره هذا أو أكره بحق فلان، أو بحق أنبيائك ~~ورسلك، وبحق البيت والمشعر الحرام، قال القدوري المسألة بخلفه تعالى لا ~~يجوز لأنه لاحق للمخلوق على الخالق فلا تجوز، وقال البلدجي في شرح المختار ~~أيضا، وأما حديث أبي سعيد أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا فقد رواه ~~عطية العوفي وفيه وهن ومع تقدير ثبوته إنما هو سؤال الله بأفعاله لأن حق ~~السائلين أن يجيبهم وحق المطيعين أن يثيبهم، كقوله: {وكان حقا علينا نصر ~~المؤمنين} وقوله: {وعدا عليه حقا في التوراة والأنجيل والقرآن} وقوله: {كتب ~~ربكم على نفسه الرحمة} وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث معاذ بن جبل: " حق ~~الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله إذا ~~فعلوا ذلك أن لا يعذبهم" أو هو سؤاله بأعمالهم، لأن المشي إلى الطاعة ~~وسؤاله امتثالا لأمره ms357 عمل طاعة، وذلك من أعظم الوسائل المأمور بها في قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة} وقد أجمع ~~العلماء أنها القربة ولا قربة أعظم من عمل الطاعة والله أعلم. # PageV01P312 ### | من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا # (وأما قولكم وقوله من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا فنقول لا شبهة في ~~أن مرتكبه عاص بقصده آثم، لكن لا يكون بهذا مشركا، وما ذكره في معرض ~~الاستدلال على مدعاه من قوله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ~~نوف إليهم أعمالهم فيها} ومن الحديث ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد ~~الخميصة تعس عبد الخميلة إن أعطي رضى وإن لم يعط سخط تعس وانتكس وإذا شيك ~~فلا انتقش" الحديث لا دلالة فيه على # PageV01P312 # ما ادعاه نعم فيه دلالة على تجح حاله، ولاشك أنه آثم عاص فيما ارتكبه من ~~هذا القصد لا يقال هو كبير مرتبها كافر، لأنا نقول هذا مذهب الخوارج ~~المارقين من الدين كما تقدم) . # فنقول: أيضا مما يوضح ما قلناه من أن صاحب المقدمة لم يعرف الشرك ~~وأقسامه، ولم يتأمل ماذا يقول في كلامه إذ قد نفى الشرك عمن عمل عملا يبتغي ~~به ثواب الآخرة مريدا به غير وجه الله، وعمن فرغ قلبه ولسانه للدنيا وما ~~حوته من زينتها وأمتعتها مقبلا بكليته عليها ومعرضا عن الله ورحمته وما ~~يوصل إليها، زاعما صاحب المقدمة أن ذلك لا يسمى إلا معصية مجردة عن الشرك ~~فلا هو سببها ولا مسماه في هذا الباب يرادفها، ثم انه لم يفهم معنى الآية ~~والحديث، وما قاله أهل العلم في القديم والحديث من المفسرين وشراح الحديث، ~~فلذلك تجلى له وهمه وخاطبه كفاحا ظنه أنه ليس قصدنا من الترجمة وذكر الآية ~~والحديث إلا الشرك اكبر والكفر المخلد في النار الموجب لأنواع الشر، فصدق ~~ما قاله علينا ظنه وأخطأ المعنى فهمه، وذلك أن قوله سبحانه وتعالى: {من كان ~~يريد الحياة الدنيا وزينتها ms358 ... } الآية نزلت في كل من عمل عملا يريد به ~~غير الله قاله المفسرون منهم أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه ~~معالم التنزيل، وروى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ان أخوف ما ~~أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا يا رسول الله وما الشرك الأصغر قال: ~~"الرياء" وحكاه البكري تلخيصا من السنة في معنى الآية ان المرائي لا ثواب ~~له في عمله وإنما يعجل له حظه في الدنيا من صحة وسعة لا ينقص منه شيئا وهذا ~~مع مشيئة الله وإرادته كقوله سبحانه: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ~~ما نشاء لمن نريد ... } الآية وقوله: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في ~~حرثه ... } الآية ثم ان كان المرائي مسلما ففعله ذلك ذنب كبير يؤاخذ به إلا ~~أن يرحمه الله، وإن كان كافرا عجل له ما سبق ويقطع له بالخزي في الآخرة، ~~وقال العوفي عن ابن عباس أن أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا وذلك أنهم ~~لا يظلمون نقيرا فمن عمل صالحا من صوم أو صلاة أو تهجد في الليل لا يعلمه، ~~لا لالتماس الدنيا يقول الله أو فيه الذي التمسه من الدنيا وأحبط عمله في ~~الآخرة وهو من الخاسرين، وروى ذلك عن مجاهد وغيره قالوا ان هذه الآية نزلت ~~في أهل الرياء، قال ابن عباس في رواية عطاء من كان يريد عاجل # PageV01P313 # الدنيا فلا يؤمن بالبث والثواب والعقاب، وقال أنس والحسن نزلت في اليهود ~~والنصارى، وقال قتادة من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله في ~~الدنيا بحسناته ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يجازى بها، هذا في الكافر، ~~وأما المؤمن فإرادته الآخرة غالبة فيجزى في الدنيا بحسناته ويثاب عليها في ~~الآخرة وذلك قوله نوف إليهم أعمالهم فيها، وفي حديث أنس المرفوع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يثاب عليها ~~الرزق في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ~~حتى إذا قبض إلى الآخرة ms359 لم يكن له حسنة يعطى بها خيرا" انتهى. فإذا عمل ~~المؤمن عملا يبتغي به غير الله فإما أن يعمله ملتمسا به منه تعجيل أمر من ~~أمور الدنيا كصحة وعافية وكالذي يعبد الله ليكثر ماله وولده أو يكرمه في ~~الدنيا ويسلمه من آفاتها لا امتثالا لأمره تعالى وإجلالا لعظمته، وقياما ~~بحق عبوديته لأن العمل لذلك من أعلى درجات الإخلاص، وأما أن يعمله ملتمسا ~~به اكتساب محمدة عند الناس أو محبة ومدح منهم، فيظهر في عمله التصنع لهم، ~~فالأول داخل في عموم قول ابن عباس في رواية العوفي عنه أن معنى الآية فيمن ~~عمل صالحا لا يعمله إلا لالتماس الدنيا يقول الله فيه أوفيه الذي التمسه من ~~الدنيا وأحبط عمله في الآخرة وهو من الخاسرين فلا ثواب له في عمله ذلك. # (فإن قيل) باقي الآية وهو قوله: {أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا ~~النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون} دال بصريحه على أن ~~المقصود منها الكفار المنكرون للبعث وأشباههم، أو اليهود والنصارى، كما هو ~~قول ابن عباس في رواية عطاء ان من كان يريد عاجل الدنيا فلا يؤمن بالبعث ~~والثواب والعقاب، وقول أنس والحسن أنها نزلت في اليهود والنصارى. # (الجواب) أن منكري البعث واليهود والنصارى وسائر أنواع الكفار لا يخرجون ~~عن مضمون معنى الآية وغيرها من سائر القرآن، ان من رغب عن الله وما عنده من ~~الجزاء لأوليائه المؤمنين، وعصى رسله واتبع هواه مريدا للدنيا وزينتها ~~ومؤثرها على إتباع أوامره تعالى واجتناب مناهيه راآي في عمله أو لم يراء ~~أنه ليس له في الآخرة إلا النار # PageV01P314 # وحبط ما صنعوا فيها، أي ذهب ما عملوا في الدنيا من حسنة، لأنهم وقت ~~البعثة والجزاء لم يروا لها ثوابا وباطل ما كانوا يعملون، أي ماحق مضمحل، ~~وعبر أولا بالحبوط باعتبار وقت حصول المأمول، وثانيا بالبطلان، باعتبار وقت ~~العمل، وهي في المؤمن العامل لإرادة الحياة الدنيا وزينتها زجر وتهديد ~~لحبوط ثواب ما عمله وخسرانه في الآخرة واستحقاقه دخول النار بذلك إلا أن ms360 ~~يرحمه الله ويغفر له، والإشارة ترجع إليه بهذا المعنى، ولهذا قال ابن عباس ~~في الرواية الأخرى عنه وغيره أن هذه الآية فيمن عمل صالحا من صلاة وصوم ~~ونحوهما لالتماس شيء من الدنيا، وإلا فقد تواترت الأخبار الصحيحة والنقول ~~الصريحة من كلام الله وسنة رسوله أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار، وأكثر ~~الصحابة وأهل العلم من المفسرين وغيرهم على أن هذه الآية نازلة في المرائي ~~بعمله، والثاني أعني من يعمل ملتمسا بعمله اكتساب محمدة عند الناس ونحوها ~~فهو أكبر من الأول، لأن العبادات هنا باطلة من أصلها مع بطلان ثوابها فإن ~~كانت فرضا لا تصح منه ولا تجزئه مع مقارنة الرياء أول العبادة وفعلها ~~لأجله، وهذا هو الذي ذكره مجاهد وغيره أن الآية نزلت فيه ولما ذكر لمعاوية ~~حديث أبي هريرة حديث الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار وهم الذي تعلم ~~العلم ليقال عالم، وتصدق ليقال جواد، وجاهد ليقال شجاع، وبكى معاوية بكاء ~~شديدا ثم قرأ هذه الآية فالعمل لغير الله شرك سواء كان لإرادة الدنيا هي ~~بنفسها وللسلامة من آفاتها لا لامتثال الأمر والقيام بحق العبودية، أو ~~لالتماس محمدة أو محبة ومدح من أهلها، وقد عقدت الترجمة لذلك مقصودا بها ~~الشرك الأصغر، وصريح كلام صاحب المقدمة ناف الشرك عن هذا العمل زاعما أنا ~~نكفر به لأنه كبيرة والخوارج يكفرون بها وقد نسبنا إليهم والى مذهبهم وما ~~هذا الإجراءة وبهتان وقول زور وطغيان. لأنا نقول لاشك أنه شرك أصغر وهو ~~كبيرة لورود الوعيد والعقوبة على فاعله بنص التنزيل والأحاديث الصحيحة ~~المتواترة المشهورة والمصونة عن الأباطيل لكن فاعل الكبائر إذا مات موحدا ~~لا يخلد في النار ولا يكفر صاحبها بمجرد فعلها، قال سبحانه وتعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ولحديث عبادة بن ~~الصامت المتقدم ذكره وحديث أبي ذر وغيره المتفق عليه ولأن الشرك الأصغر دون ~~الأكبر فيدخل تحت المشيئة، والآية واردة في الشرك الأكبر بخصوصه على أن ~~طائفة من العلماء مشوا في ms361 الآية على ظاهرها للعموم فقالوا ان # PageV01P315 # الشرك الأصغر لا يغفر إلا بالتوبة منه وإلا فلابد من تطهير فاعله في ~~النار ثم يخرج منها كبقية أهل الكبائر، لأن الآية نص في عدم غفران الشك من ~~حيث هو، لكن الأكبر أهله مخلدون بنص الكتاب والسنة، والأصغر أهله مسلمون ~~بنصهما غير محكوم على صاحبه بالكفر، وإطلاق الآية في عدم غفرانه فارق بينه ~~وبين سائر المعاصي التي هي دونه قابلة للغفران، والجواب عن ذلك ما تقدم من ~~أنه داخل في الدون فهو تحت المشيئة ويصدر من خواص الأمة ولا قائل بوجوب ~~العذاب والحكم به عليهم إذ لا يسلم منه غالبا إلا من عصمه الله وهم ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولأن الغفران اضمحلال الذنب ~~ومحوه وهو عدم وجوده، وبقاؤه موجب للعذاب ما بقي وذلك مخالف للقاعدة في أن ~~أهل الكبائر لا يخلدون لأن خروجهم منها بعد دخولها بالذنب لأمرين: # (الأول) منهما أن الذنب الذي استحق به دخول النار قابل للمغفرة وان لم ~~يوجد الدخول. # (الثاني) وجود الإيمان الذي ماتوا عليه بخلاف الذنب الذي لا يغفر فإنه ~~يقتضي العذاب الأليم أبدا ولا يضمحل بعذاب مرتكبه لأنه غير قابل للمغفرة ~~قبل العذاب، وكل ما لا يقبل المغفرة قبل العذاب لا يضمحل بوجوده، إلا ترى ~~إلى عذاب الكفار، قال سبحانه: {كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ~~ليذوقوا} وليس هنا ذنب غير قابل المغفرة إلا الشرك الأكبر فإنه لا يغفر بل ~~يعذب أهله العذاب الأكبر فتعين أن يكون الشرك الأصغر ذنبا كبيرا كبقية ~~الذنوب التي تقبل الغفران من علام الغيوب، ومن الدليل أيضا على أن المريد ~~بعمله غير الله يكون مشركا قوله سبحانه وتعالى: {فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ولما في المتفق عليه من حديث ~~جندب بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سمع سمع الله ~~به ومن راآى راآى الله به" وفي المتفق عليه أيضا من حديث عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه ms362 قال قال رسول صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" ولمسلم ~~من حديث أبي هريرة في الثلاثة الذين أول من تسعر بهم النار، وله أيضا من ~~حديثه مرفوعا قال الله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك # PageV01P316 # فيه غيري تركته وشركه" وله أيضا من حديث أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم ~~بما هو أخوف عندي عليكم من المسيح الدجال قالوا بلى يا رسول الله قال الشرك ~~الخفي يقوم الرجل فيصلي فيحسن صلاته لما يرى من نظر الرجل إليه" وأخرج أبو ~~يعلى عن ابن مسعود مرفوعا: "من حسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو ~~فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل" وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه ~~من حديث أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد من ~~كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى ~~الشركاء عن الشرك" وأخرج البزار بإسناد لا بأس به عن أنس مرفوعا: "تعرض ~~أعمال بنوا آدم بين يدي الله عز وجل في صحف مختمة فيقول الله ألقوا هذا ~~واقبلوا هذا كقول الملائكة يا رب والله ما رأينا منه إلا خيرا فيقول ان ~~عمله كان لغير وجهي ولا أقبل من العمل إلا ما أريد به وجهي". # إذا علم ذلك فالمشركون في هذا الباب يتفاضلون فيه تفاضلا عظيما كتفاضل ~~المؤمنين في حقيقة الإيمان وتفاضلهم فيه بحسب مقاصدهم، ولهذا كان الشرك في ~~هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، والقيام بحق العبودية إنما يتم بانقطاع ~~القلب إلى الله وتعلقه به، فكلما التفت العبد إلى غيره وأعرض عنه كان فيه ~~من العبودية لذلك الغير بحسب تعلقه به وانقطاعه إليه، ففي الصحيح عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد ~~القطيفة تعس عبد الخميصة تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش ان أعطي رضى وإن لم ms363 ~~يعط سخط" فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدرهم وعبد الدينار وعبد ~~القطيفة وعبد الخميصة وذكر فيه ما هر بصيغته وخبر بمعناه، والانتقاش إخراج ~~الشوكة مما هي فيه، وهذه حال من عبد المال وأمتعة الدنيا فرغب فيها ومال ~~إليها وأعرض عن الله لم يفلح وإذا أصابه شر لم يخرج منه لكونه تعس وانتكس ~~هلك وخاب فلا نال المطلوب ولا خلص من المكروه وقد وصف ذلك بأنه إذا أعطي ~~رضي وإذا منع سخط كما قال تعالى: {ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا ~~منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} لغير الله فرضاهم وسخطهم لغير ~~الله، وهذا حال عبد ما يهواه من ذلك فهو رقيق له # PageV01P317 # والرق عبودية كلما استرق القلب واستعبده من الأمور فالقلب عبده ورقيقه، ~~ولهذا يقال في العبد حر ما قنع والحر عبد ما طمع ومنه قول القائل: # قصدت الشام أطلب مستقرا ... فلم أجد لي بأرض مستقرا # أطعت مطامعي فاستعبدتني ... ولو إني قنعت لكنت حرا # ويقال الطمع غل في العنق وقيد في الرجل، فإذا زال الغل من العنق زال ~~القيد من الرجل، ويروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: الطمع فقر ~~واليأس غنى وان أحدكم إذا أيس من شيء استغني عنه، وهذا مشاهد فان ما لا طمع ~~فيه إذا أيس منه القلب لا يطلبه ولا يطمع فيه فلا يبقى فقيرا إليه رقيقا له ~~إلا عشق الصورة، وقد يضمحل مع اليأس أيضا، وقال الخليل صلاة الله وسلامه ~~عليه فابتغوا عند الله الرزق، وذلك أن العبد لابد له من رزق وهو محتاج إليه ~~فإن طلبه من الله كان عبد الله فقيرا إليه، وإن طلبه من مخلوق كان عبدا ~~لذلك المخلوق فقيرا إليه، ولهذا كانت مسئلة المخلوق محرمة في الأصل وإنما ~~تباح عند الضرورة، وتد ورد النهي عنها في أحاديث كثيرة مذكورة في الصحاح ~~والمسانيد والسنن كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا تزال المسألة بأحدهم حتى ~~يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم" وقال: ms364 " من سأل الناس وله ما ~~يغنيه جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو كدوحا في وجهه" وقوله: " ~~لا تحل المسألة إلا لذي غرم مفظع أو دم موجع أو فقر مدقع" وهذا المعنى في ~~الصحيح وفيه أيضا: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيذهب فيحتطب خير له من أن يسأل ~~الناس أعطوه أو منعوه" وقد تقدم الكلام على هذا مبسوطا في بحث الدعاء، فطمع ~~العبد في ربه ورجاؤه منه يوجب عبوديته له وإعراض القلب عن الله وعن رجائه ~~يوجب انصراف قلبه عن عبوديته لاسيما من كان يرجو المخلوق ولا يرجو الخالق ~~بحيث يكون قلبه معتمدا إما على رياسة له وجنوده وأتباعه ومماليكه، وإما على ~~أهله وأصدقائه، وإما على أمواله وذخائره، وإما على ساداته وكبرائه كمالكه ~~وملكه وشيخه ومخدومه وغيرهم ممن هو حي قد مات أو يموت قال الله تعالى: ~~{وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} وكل ~~من علق قلبه بالمخلوقين أن يرزقوه أو ينصروه أو يهدوه خضع قلبه لهم وصار ~~فيه من العبودية لهم # PageV01P318 # بقدر ذلك، وان كان في الظاهر أميرا لهم مدبرا لهم متصرفا بهم، فالعاقل ~~ينظر إلى الحقائق لا إلى الظواهر، فالرجل الذي قد تعلق قلبه بامرأة ولو ~~كانت مباحة له يبقى قلبه أسيرا لها تحكم فيه وتتصرف بما تريد وهو في الظاهر ~~سيدها لأنه زوجها، وفي الحقيقة هو أسيرها ومملوكها، لاسيما إذا علمت بفقره ~~إليها وعشقه لها وأنه لا يعتاض عنها بغيرها، فإنها حينئذ تحتكم فيه حكم ~~السيد القاهر الظالم في عبده المقهور الذي لا يستطيع الخلاص منه بل أعظم، ~~فإن أسر القلب أعظم من أسر البدن، واستعباد القلب أعظم من استعباد البدن، ~~لأن من استعبد بدنه واسترق وأسر لا يبالي إذا كان قلبه مستريحا من ذلك ~~مطمئنا بل يمكنه الاحتيال في الخلاص من ذلك، وأما استرقاق القلب واستعباده ~~لغير الله فهو الذل والأسر والاسترقاق المحض، وما العبودية إلا ما استعبد ~~القلب واسترقه وأسره وهذا هو الذي يترتب عليه الثواب والعقاب، فإن ms365 المسلم ~~لو أسره كافر أو استرقه فاجر بغير حق لم يضره ذلك مع قيامه بما يقدر عليه ~~مما أمر به من الواجبات، ولهذا من استعبد بحق فأدى حق الله وحق مواليه فله ~~أجران ولو أكره على الكفر تكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وهذا ~~بخلاف ما استعبد قلبه لغير الله فصار رقيقا له فهذا هو الضار في الدين ~~المنقص عن درجة الموحدين وان كان ملك الناس ظاهر، فالحرية في هذا الباب ~~حرية القلب والعبودية عبوديته، كما أن الغنى غنى القلب، وهذا إذا استعبدت ~~صورة مباحة قلبه فكيف بالمحرمة كالمرأة الأجنبية أو الصبي الأمرد أو الدرهم ~~أو الدينار المحرم فهذا هو العذاب الأليم دنيا ودينا، والعاشق لصورة إذا ~~بقي قلبه متعلقا بها واستعبدته رقيا لها اجتمع عليه من أنواع الشر والفساد ~~ما لا يحصيه إلا رب العباد ولو سلم من فعل الفاحشة الكبرى فدوام تعلق القلب ~~بها بلا فعلها أشد ضررا ممن يفعل ذنبا، ثم يقلع عنه ويتوب منه ويزول من ~~قلبه أثره، إذ تعلق القلب بالفواحش والظلم والشرك والكذب وابتغاء العلو في ~~الأرض موجب لبقاء عبودية القلب لها ما بقي متعلقا بها وهو رقيق أيضا لمن ~~يعينه عليها، وإن كان دونه رتبة والأمور الدنيوية نوعان: # منها ما يحتاج إليه العبد كاحتياجه إلى طعامه وشرابه ومسكنه ومنكحه ونحو ~~ذلك فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه كما قال تعالى: {فابتغوا عند الله ~~الرزق} ويكون المال عنده بهذا النوع يستعمله في حاجته بمنزلة دابته التي ~~يركب عليها وبساطه الذي # PageV01P319 # يجلس عليه بل بمنزلة الكنيف الذي يقضي فيه حاجته فلا هو عبده بذلك ولا ~~رقيقه. # ومنها: ما لا يحتاج إليه فهذا لا ينبغي له أن يعلق قلبه بها لأنه إذا ~~تعلق قلبه بها أقبل بكليته عليها وأعرض عن الله فصار عبدا لها، وربما يكون ~~معتمدا على غير الله فيها فلا تبقى معه حقيقة العبادة لله ولا حقيقة التوكل ~~عليه بل فيه شعبة من العبادة لغير الله وشعبة من التوكل على غير ms366 الله، فهذا ~~من أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار ~~تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميصة" وهذا هو عبد هذه الأمور وإن طلبها من غير ~~الله وهو يسخط أن منعها ويعتمد فيها على غيره لعدم إقباله على الله ورضاه ~~ما رضيه له، وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضى الله ويسخطه ما يسخط الله ~~ويحب ما يحب الله ورسوله ويبغض ما يغضبه الله ورسوله ويوالي أولياء الله ~~ويعادي أعداء الله، هذا هو الذي يستكمل الإيمان كما في الحديث: "من أحب لله ~~وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" لا من أحب لغير الله ~~وسخط لغيره واعتمد على غير الله وتوكل على غيره وعمل لغيره، فإن قلبه رقيق ~~عبد لذلك الغير مشرك به شاء أم أبى. # PageV01P320 ### | قول البوصيري يا أكرم الخلق وحديث بن مظعون وتزكية الناس ورد قول الخصم فيما يتعلق بقول البوصيري # (وأما قولكم وقوله ما شاء الله وشئت وتضليل قائله وتفريعه عليه تضليل من ~~قال: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم # فنقول حاشاه ثم حاشاه من الضلال، والعجب ثم العجب من جراءتك على السلف ~~وتضليل الصالحين الذين قد شاع وذاع بل ملأ الأسماع علمهم وصلاحهم وزهدهم بل ~~إن كان صاحب بردة المديح مشركا فليس على وجه الأرض موحد، وقد علمت أن ~~الواجب على كل مسلم حمل كلام هذا الرجل الصالح الورع الزاهد وأمثاله على ~~محمل حسن، وحسن الظن بالمسلمين واجب أيضا مع ظهور ان الحصر الذي # PageV01P320 # في هذا البيت وأمثاله إضافي بالنسبة إلى المخلوق والمعنى ما لي من ألوذ ~~به من المخلوقات لأجل الشفاعة سواك وليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا ~~الرجل الذي قد توفاه الله قبل أن تخلق بأعوام عديدة أي عداوة حصلت بينك ~~وبينه، أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وحملت كلامه على محمل بعيد ms367 غير لائق ~~بحال آحاد عوام الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي حتى حكمت تضليله بسبب ~~هذه المقالة وما أشبهها من قول صاحب البردة. ولن يضيق رسول الله جاهك بي ~~الأبيات كما نقلها عنه إذ لاشك أن مراده منها لن يضيق جاهك عن الشفاعة لي ~~وهذا ظاهر جدا فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين هذه الأمة بأمثال ~~هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب العوام أو لحب رياسة ~~أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة) . # فنقول: أما قول القائل ما شاء الله وشئت أو ما شاء الله وشاء فلان فقد ~~ورد النهي عنه فيما رواه النسائي وصححه عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلا ~~قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله وشئت فقال النبي: "أجعلتني لله ~~ندا قل ما شاء الله وحده" وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان ولكن قولوا ما ~~شاء الله ثم شاء فلان" رواه أبو داود بسند صحيح، وعن الطفيل أخي عائشة ~~لأمها قال رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت إنكم لأنتم القوم لولا ~~أنكم تقولون عزير ابن الله قالوا وأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله ~~وشاء محمد ثم مررت بنفر من النصارى فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ~~المسيح ابن الله قالوا وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله ~~وشاء محمد فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبرته فقال هل أخبرت بها أحدا قلت نعم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما ~~بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني ~~كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما ~~شاء الله وحده" رواه ابن ماجه بإسناد قوي وعن فتيلة بن معبد الجهني أن ~~يهوديا أتى النبي صلى الله ms368 عليه وسلم فقال إنكم تشركون تقولون ما شاء الله ~~وشئت وتقولون والكعبة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن ~~يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة وأن # PageV01P321 # يقولوا ما شاء الله ثم شئت" رواه النسائي وصححه وروى ابن أبي حاتم في ~~مستدركه عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله سبحانه وتعالى: {فلا تجعلوا ~~لله أندادا وأنتم تعلمون} قال هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء ~~في ظلمة الليل، ومنه قول الرجل لصاحبه ما شاء وشئت ولولا الله وفلان، وقال ~~أبو عبد الله الند هو الضد والله تعالى منزه عن الأضداد والأمثال المتخذين ~~من دونه أو معه، ذكره أهل التفسير، واثبات الله سبحانه المشيئة للعباد في ~~قوله تعالى: {لمن شاء منكم أن يستقيم} قال المفسرون في معناه لمن شاء منكم ~~بدل من العالمين بإعادة الجار يقول سبحانه وتعالى ما القرآن إلا موعظة ~~للخلق أجمعين، ثم أبدل فهم لمن شاء منكم أن يستقيم على الحق، والإيمان بدل ~~بعض من كل ومعناه أن القرآن إنما يتعظ به من استقام على الحق ثم رد سبحانه ~~وتعالى المشيئة إلى نفسه فقال: {وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} ~~فأعلمهم أن المشيئة في التوفيق إليه، وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة ~~الله وتوفيقه، وهذا إعلام منه تعالى بأن الإنسان لا يعمل خيرا إلا بتوفيق ~~الله له ولا شرا إلا بخذلانه وقد ذكر عبد الله بن المبارك عن سعيد بن عبد ~~العزيز عن سليمان بن موسى قال لما نزلت لمن شاء منكم أن يستقيم قال أبو جهل ~~الأمر إلينا إن شئنا استقمنا، وان شئنا لم نستقم، فأنزل الله عز وجل: {وما ~~تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين} وقال عبد الله بن عباس رضي الله ~~عنهما في قوله تعالى: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} أن الضمير في من شاء ~~أي فمن شاء الله إيمانه آمن ومن شاء كفره كفر فالمشيئة حقيقة لله وحده ~~ومشيئة العبد تحت مشيئة الله وقدرته وإرادته خيرها ms369 وشرها وحسنها وقبيحها ~~ولا يخرج شيء عن مشيئته وقدرته تعالى، فإن العبد وأعماله مخلوقة لله، قال ~~تعالى: {والله خلقكم وما تعملون} وأعمال العبد كسب له فالله خالق لا مكسب، ~~والعبد مكتسب لا خالق، هذا مذهب أهل السنة والله تعالى يحاسب العبد بميل ~~هواه واختياره المعصية وميله إليها وله الحجة البالغة لا يسأل عما يفعل، ~~ولو شاء لهدى الناس أجمعين، ونهى الشارع صلى الله عليه وسلم عن التشريك في ~~مشيئة الخالق والمخلوق بالواو دليل على الحضرية إذ قد صرح الأصوليون بأن حد ~~النهي استدعاء كف بالقول على سبيل الوجوب وهو الحتم وأنه دال على فساد ~~المنهي عنه في العبادات سواء نهى عنها لعيها كعبادة الحائض، أو لأمر لازم ~~لها كالصلاة # PageV01P322 # أوقات النهي، وصوم يوم العيد، أو لأمر مطلق على أصح الوجهين، كالوضوء ~~بماء مغصوب، والبيع وقت نداء الجمعة، وفي المعاملات أيضا، سواء رجع النهي ~~إلى نفس العقد كبيع الحصاة، أو إلى أمر داخل فيه كالنهي عن بيع الملاقيح ~~وهو ما في بطون الأمهات، أو الأمر بالشيء نهى عن ضده والنهي عن الشيء أمر ~~بضده فإذا قال اسكن كان ناهيا له عن التحرك، أو لا تتحرك كان آمرا له ~~بالسكون، فتعين أن يكون النهي عن التشريك أمرا بالتوحيد ولك منصرف إلى ~~الوجوب إذ هو متحتم على كل أحد، كالنهي في قوله تعالى: {قل تعالوا أتل ما ~~حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم ~~من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} فكل هذا النهي وما في معناه متضمن ~~الحتم على الخلق عن المنهي عنه سواء كان كفرا أو معصية وقول القائل ما شاء ~~الله وشئت معصية بعد النهي الوارد عن هذه الصيغة بالواو ولا يكفر مرتكبها ~~إلا أنه مشرك شركا أصغر يجب الكف عنه والتوبة منه تغليبا لجانب أصل الإيمان ~~المستصحب على وجود المعصية الصادرة ممن حكم بإسلامه، وفاعل المعصية المتلبس ~~بها ضال ما ms370 لم يتب منها وينحاد عنها فالعبادات التي شرعها الله كلها تتضمن ~~إخلاص الدين وقوامه كله لله تحقيقا لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا ~~الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة} ~~فقوله: # يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم # أولى بنهي النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل عن قوله ما شاء الله وشئت ~~من وجوه: # (منها) أن الرسول صلى الله عليه وسلم مبعوث بتحقيق هذا التوحيد وتحريره ~~ونفي الشرك بكل وجه حتى في الألفاظ كقوله لا يقولن أحدكم ما شاء الله وشاء ~~محمد بل ما شاء الله وحده، كقوله للرجل القائل ما شاء الله وشئت: "أجعلتني ~~لله ندا بل ما شاء الله وحده". # (ومنها) أن الله سبحانه أثبت لعباده مشيئة كقوله: {لمن شاء منكم أن ~~يستقيم} وقوله: {لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر} وكإثباته الشفاعة لمن شاء # PageV01P323 # من خلقه فيمن رضي عنه بعد إذنه فالعبد له مشيئة كسبية ولابد، ولكنها تحت ~~مشيئة الله وإرادته لا توجد إلا بها ولا تصدر إلا عنها، إذ هو الخالق تعالى ~~لأفعال العباد كلها وهو الباعث مقام المحمودية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~مقاما محمودا الذي يحمده فيه الأولون والآخرون، وهو المشفع فيمن رضي عنه من ~~أمته، بخلاف الأمور والتصرفات الكونيات التي أسندها سبحانه إلى نفسه، ~~كقوله: {بل لله الأمر جميعا} وقوله: {يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر ~~يومئذ لله} وما يكون إلا له لا يسند لغير لا حقيقة ولا مجازا لا في الشفاعة ~~ولا في غيرها مما لا يقدر على وجوده إلا الله وهو متوقف على إذنه تعالى ~~ورضاه فلا يقال فيه لأحد من الخلق مالي من ألوذ به سواك، إذ الأمر كله لله، ~~والشفاعة كلها له لعدم وجودها من النبي وغيره إلا من بعد إذن الله له صلى ~~الله عليه وسلم ورضا الله عن المشفوع له كغيره من سائر الشفعاء، وإسناد ~~الشفاعة للأنبياء أو غيرهم إنما هو باعتبار وتحقق الإذن ms371 لهم فيها لمن رضي ~~الله عنه وارتضى عمله، والسائل لم يحقق في نفسه وجود الشرطين المعتبرين فلا ~~يعلم أهو ممن يأذن الله فيه أم لا، وهل هو ممن ارتضى أم لا، فتعين عليه صرف ~~همته وعزائم أمره في طلب ما هو السبب الموصل والمقتضي من الأعمال الباطنة ~~والظاهرة للرضا عنه والإذن فيه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الحديث الذي رواه أبو هريرة عنه: "أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال ~~لا اله إلا الله يبتغي بها وجه الله" وفي رواية خالصا من قلبه، وقال صلى ~~الله عليه وسلم لربيعة ابن كعب الأسلمي خادمه وقد سأله مرافقته في الجنة: ~~"فأعني على نفسك بكثرة السجود" فكل ما كان الرجل أتم إخلاصا لله عاملا ~~بطاعته كان أحق بالشفاعة، وكل ما كان مشغوفا بالتعلق على أحد من المخلوقين ~~يدعوه ويرجوه كان أبعد الناس عن الشفاعة. # (ومنها) أن سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة قد اتفقوا ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسأل في قبره بعد موته لا استغفارا ولا ~~شفاعة ولا غيرهما، وقالوا إن الشفيع يطلب من الله ويسأله ولا تنفع الشفاعة ~~إلا بإذنه، قال تعالى: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} {ولا يشفعون إلا ~~لمن ارتضى} {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقد ثبت في الصحيح أن سيد الشفعاء صلى الله عليه ~~وسلم إذا طلبت منه الشفاعة بعد أن تطلب من آدم وأولي العزم نوح # PageV01P324 # وإبراهيم وموسى عيسى فيردونها إلى محمد صلى الله عليه وسلم العبد الذي ~~غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال: " فاذهب إلى ربي فإذا رأيته ~~خررت ساجدا فاحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحسنها الآن فيقول أي محمد ارفع ~~رأسك وقل يسمع وسل تعط واشفع تشفع فأقول رب أمتي أمتي فيحد لي حدا فأدخلهم ~~الجنة"، فالشفاعة كلها لله، وهو تعالى غني عن العالمين وهو وحده ms372 يدبرهم ~~كلهم فما من شفيع إلا من بعد إذنه، لأنه الذي يأذن للشفيع في الشفاعة، وهو ~~الذي يقبل شفاعته كما يلهم الداعي الدعاء، ثم يجبب دعاءه، فالأمر كله له، ~~وإذا كان العبد يرجو شفعاء من المخلوقين ففد لا يختار ذلك الشفيع أن يشفع ~~له، وإن اختار فقد لا يأذن الله له في الشفاعة ولا يقبل شفاعته فيه، قال ~~تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ~~* أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} قال طائفة من السلف كان قوم يدعون ~~العزير والمسيح والملائكة شفاعتهم، فأنزل الله هذه الآية وأخبر فيها أن ~~هؤلاء المسؤولين يتقربون إلى الله ويبتغون مرضاته ويرجون رحمته ويخافون ~~عذابه وأنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا فلا يملكون الشفاعة من ~~دونه ولا يشفعون إلا بإذنه لمن رضي عنه، وأفضل الخلق محمد، ثم إبراهيم، صلى ~~الله عليهما وعلى سائر الأنبياء وسلم، وقد منعوا من الاستغفار لمن لم يرض ~~عنه ولا ارتضى عمله، وما ذاك إلا أنه تعلق على غير الله وأعرض بقلبه عنه ~~فلم يخلص قلبه ولسانه له بل إما جد واجتهد في دعاء غير الله ورجائه فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله، وأما شابه وفرغ قلبه ولسانه فيما هو الموقع في الشرك ~~نفسه مما هو الأصل في علة عبادة الأصنام الذين قال الله عنهم: {والذين ~~اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} وقال تعالى: ~~{أم اتخذوا من دون الله شفعاء ... إلى قوله ... قل لله الشفاعة جميعا له ~~ملك السماوات والأرض} وقال تعالى: {أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من ~~دوني أولياء ... } الآية فحسبه سبحانه عن غيره في عدة مواضع من القرآن وعلق ~~على وجود إذنه للشافع ورضاه عن المشفوع له حسما لمادة الإشراك وقطعا لما ~~توهم في علته من رجاء الشفاعة والتقريب، فكيف عن المعلول ويعمل فيما جاء به ~~الرسول صلى الله عليه وسلم # PageV01P325 # فيكون ms373 الدين كله لله، وقد ثبت في الصحيح: (أن أبا هريرة قال: يا رسول ~~الله أي الناس أسعد بشفاعتك يوم القيامة قال: "يا أبا هريرة لقد ظننت أن لا ~~يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث أسعد الناس ~~بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله") . # ومعلوم أن إخلاص هذه الكلمة الطيبة ابتغاء وجه الله هو تجريدها من شوائب ~~الشرك، فلا يأله القلب أحدا غير الله، فمن علق قلبه على غير الله وتوكل ~~عليه كان فيه من الشرك بحسب ذلك التعلق قل أو كثر دق أو جل، فإن دعاه ورجاه ~~والتجأ إليه فيما وجوده لا يكون إلا من الله فلا يقدر عليه حتى المسئول لا ~~يناله إلا منه، فهذا الداعي الراجي من أبعد الناس من الشفاعة لتألهه مع ~~الله، فإن أخلص قائل الكلمة الطيبة عمله لله وعلق قلبه ولسانه على الله كان ~~من أحق الناس بالشفاعة وإذا أملها ورجاها من الله وسأله أن يشفع فيه نبيه ~~ووليه حقق الله أمله واستجاب سؤاله فقبله وشفع فيه حيث مات قائلا لا إله ~~إلا الله خالصا من قلبه مبتغيا بذلك وجه الله، فإنه سبحانه يستجيب للذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله. # والفاسق لا يخرج بفسقه عن حكم الإسلام الموجب للتوارث والمناكحة والولاية ~~الإسلامية فلا يخرج به عن حد الشفاعة لأن هذا مذهب الخوارج المنكرين ~~للشفاعة مستدلين بقوله تعالى: {ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع} وأما ~~سلف الأمة وأثبتها ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة فأثبتوا ما جاءت به ~~السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم من شفاعته لأهل الكبائر من أمته وغير ~~ذلك من أنواع شفاعته وشفاعة غيره من الأنبياء والملائكة وقالوا إنه لا يخلد ~~في النار من أهل التوحيد أحد، قالوا وثبوت الشفاعة بالوصف لا بالشخص إذا لم ~~يقع عليه التعيين من النبي صلى الله عليه وسلم كما وصف عليه الصلاة والسلام ~~الذين هم أسعد الناس بشفاعته يوم القيامة وهم ms374 القائلون لا إله إلا الله ~~يبتغون بها وجه الله إلى أن لقوا الله، وكما وصف أهل الكبائر من أمته ولم ~~يعين شخصا من النوعين في هذين الحديثين، وإذا كان كذلك تعين على الشخص دعاء ~~الله أن يجعله من أهل الوصف الذين هم أسعد الناس بشفاعة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإن كان من أهل الكبائر فقد سأل الله أن يتوب عليه ويجعله من ~~المخلصين وإذا كان من # PageV01P326 # المخلصين فقد رغب إلى الله وسأله أن يزيده مما هو فيه من العمل الصالح ~~والقول الراجح ويثبته عليه حتى يلقاه فينال السعادة الأبدية. # (ومنها) أن هذه المقالة مشاكلة قول المشركين وعقيدتهم حيث اتخذوا من دون ~~الله أولياء وشفعاء يشفعون لهم عنده ويقربونهم لديه كقوله: {تلك الغرانيق ~~العلى وإن شفاعتهن لترتجى} وكما دعو العزير والمسيح والملائكة يقربونهم إلى ~~الله ويحببونهم إليه ويشفعون لهم لديه فرد عليهم وعابهم لذلك ولامهم عليه، ~~وأخبر أن الولاية كلها له فليس لخلقه من دونه ولي ولا نصير ولا شفيع إلا من ~~بعد إذنه، وأنه لا يأذن لهم بها إلا لمن رضى عنه كقوله جل شأنه: {الله الذي ~~خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقوله عن الملائكة: {بل عباد مكرمون * ~~لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} وقوله: {وكم من ملك في السماوات ~~لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} وقوله عن ~~الرسل: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا ~~يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون ... } إلى قوله {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . # (ومنها) أن الله سبحانه وتعالى نفى الملك في ذلك اليوم عن غيره فلا يملك ~~أحد عن أحد شيئا ولا يغني عنه شيئا {يوم لا تملك نفس ms375 لنفس شيئا} بل أخبر أن ~~الأمر كله له فقال {والأمر يومئذ لله} وقال: {مالك يوم الدين} وفي القراءة ~~الأخرى: {مالك يوم الدين} وقال سبحانه وتعالى: {اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ~~لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب} . والآيات في هذا الباب كثيرة جدا، وفي ~~حديث أبي ذر الذي رواه مسلم:: قال الله يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها ~~لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن ~~إلا نفسه". # (ومنها) أن الله سبحانه وتعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ينذر ~~عشيرته الأقربين، وأنه # PageV01P327 # لا يخلص أحدا منهم إلا إيمانه بربه عز وجل، وأمره أن يلين جانبه لمن ~~اتبعه من عباد الله المؤمنين، ومن عصاه من الخلق كائنا من كان فليتبرأ منه ~~فقال عز وجل: {وأنذر عشيرتك الأقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين ~~* فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك ~~حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * إنه هو السميع العليم} وهذه النذارة ~~الخاصة لا تنافي العامة بل هي فرد من أجزائها كما قال: {لتنذر قوما ما أنذر ~~آباؤهم فهم غافلون} وقال: {ولتنذر أم القرى ومن حولها} وقال: {وأنذر به ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم ~~يتقون} وفي صحيح مسلم: " والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ~~يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار" وروى البخاري ومسلم ~~والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: لما أنزل الله عز وجل وأنذر عشيرتك ~~الأقربين أتى النبي صلى الله عليه وسلم لصفا فصعد عليه ثم نادى يا صباحاه ~~فاجتمع الناس إليه بين رجل يجيء ورجل يبعث رسوله فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب يا بني فهر أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح ~~هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني" قالوا نعم قال: "فإني لكم نذير بين ~~يدي عذاب شديد" قال أبو لهب ms376 تبا لك سائر اليوم ما دعوتنا إلا لهذا. وفي ~~رواية عنه ألهذا دعوتنا جميعا. وفي رواية أخرى ألهذا جمعتنا، فأنزل الله ~~تبت يدا أبي لهب. وروى البخاري عن عائشة قالت لما أنزل الله وأنذر عشيرتك ~~الأقربين، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا فاطمة ابنة محمد، يا ~~صفية ابنة عبد المطلب، يا عباس بن عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئا، ~~سلوني من مالي ما شئتم" وروى مسلم والترمذي عن أبي هريرة قال لما أنزل الله ~~هذه الآية وأنذر عشيرتك الأقربين دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعم ~~وخص، فقال: "يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب أنقذوا ~~أنفسكم من النار، يا معشر بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا معشر بني ~~عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد أنقذى نفسك من ~~النار، فإني والله ما أملك لكم من الله شيئا" وخرجاه في الصحيحين من حديث ~~الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا بني عبد المطلب اشتروا أنفسكم من الله ~~يا صفية عمة رسول الله، ويا فاطمة بنت رسول الله، اشتريا أنفسكما # PageV01P328 # من الله لا أغني عنكما من الله شيئا سلاني من مالي ما شئتما" وتفرد به ~~البخاري عن معاوية عن زائدة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وقوله صلى الله عليه وسلم يا صفية عمة رسول ~~الله يا فاطمة بنت رسول الله اشتريا أنفسكما من الله لا أغني عنكما من الله ~~شيئا. أمر منه عليه الصلاة والسلام لهما حقيقة في فعل الطاعة، وعمل الإيمان ~~نهى لهما عن الاتكال عليه مع وجودهما لأنهما وقت قوله مؤمنتين به عاملتين ~~بما أمرهما وتذكارا لغيرهما أيضا، فلا يغني عن الله أحد، كما لا يجير عليه ~~أحد. وقوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ذكر جماعة من المفسرين أن هذه ms377 ~~الآية في الشفاعة، وهو قول علي والحسن وعطاء عن ابن عباس، قال هو الشفاعة ~~في أمته وقال محمد بن علي يا أهل العراق تزعمون أن أرجى آية في كتاب الله: ~~{قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله} وإنا أهل ~~البيت نقول أن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى: {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ~~وهي والله الشفاعة ليعطينها في أهل لا اله إلا الله حتى يقول يا رب رضيت ~~وزدني على أمتي في أمتي فكل هذا نؤمن به ونسلمه ولكن لا يخرج عما قاله أهل ~~السنة والجماعة من أن ثبوت الشفاعة في أهل لا اله إلا الله وهم الموصوفون ~~بهذه الكلمة الطيبة فيرضيه ربه فيهم لأجلها لا بالشخص فلا تعين لأحد بعينه ~~إذا لم يرد فيه نص فتعين على كل أحد صرف همته ورجاؤه في تلك الكلمة الطيبة ~~التي هي السبب في وجود الشفاعة مع الإيمان بكل ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لا في مجرد ذات النبي صلى الله عليه وسلم أو شفاعته أهمل ما جاء ~~به أو عمله لقوله تعالى: {ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} ~~وقوله صلى الله عليه وسلم لصفية وفاطمة لا أغني عنكما من الله شيئا مع ~~إيمانهما وعملهما رضي الله عنهما يشير إلى عدم الاتكال عليه وعلى شفاعته ~~كما قدمناه آنفا. فهو أمر لهما بإخلاص العمل لله والدوام والاستمرار عليه ~~وليكون توجههما واتكالهما على الله وغيرهما بالأولى. # (ومنها) أن هذه المقالة قد اتخذها أولو التزيي من العباد والزهاد، وأولي ~~العلم المتزيين به أورادا يتلونها في الصباح والمساء، بل جعلوها تضاهي كلام ~~الله وذكره في البركة يتلونها وينشدونها عقبهما تبركا بها، وبعد ختم كلام ~~الله والصلاة على نبيه كذلك، ويزعمون أن الختمة المقروءة من القرآن إذا لم ~~تتل هذه المقالة عقبهما ولا توجد # PageV01P329 # في ضمنها فتلك الختمة ناقصة الثواب. وليس لها رونق يزداد ويتزايد ولا أنس ~~فيها يخضر ويشاهد، والويل كل الويل عندهم لمن عاب ms378 عليهم ذلك أو أنكر صنيعهم ~~فيما هنالك، فهم قد اتخذوها دينا وقربة حتى في المسجد الحرام تجاه الكعبة ~~طهره الله وصانه، وجعل المتقين أولياءه وسكانه، بل في كل آن ومكان، والله ~~يقول: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وفي حديث ~~عائشة الذي في الصحيح من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد. # (وقوله) صاحب المقدمة العجب ثم العجب من جراءتك على السلف دعوى بغير علم ~~وتعجب بلا فهم وتزكية على الله وحكم لمن قولهم غير مناسب في الشريعة والله ~~بهم أعلم، وثناء على ما اعتقدوه وتقرير لما قالوه في القصيدة من الأوراد ~~ونشدوه لحصول البركة ورفع كل شدة ودليل ما قلناه فيه أمور: # (منها) مخالفة الكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك ~~به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا} وقوله تعالى: ~~{فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا} وأما السنة فأخرج مسلم في صحيحه من حديث ~~عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن ~~كان أحدا مادحا أخاه لا محالة فليقل أحسب فلانا إن كان يرى أنه كذا وكذا ~~ولا أزكي على الله أحدا" فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا ~~نزكي على الله أحدا، وأمرنا أن نقول في التزكية أحسبه كذا والله حسيبه ولا ~~أزكي على الله أحدا، ومما (قالت أم العلاء رضي الله عنها لعثمان بن مظعون ~~أخي رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وقد انتقل إلى رحمة الله ~~شهادتي عليك لقد أكرمك الله قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وما ~~يدريك أن الله أكرمه؟ قالت بأبي أنت وأمي والله لا أدرى، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أما عثمان فقد أتاه اليقين وإني لأرجو له الخير، ووالله ~~ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل بي") أخرجه البخاري، وهو قد طعن علينا في ~~عقيدتنا وعاب أمرنا ونهينا ms379 وزكاه على الله قاطعا علينا في صريح كلامه بما ~~تخيله في باله وقام في ذهنه مما يهواه مرامه فلذلك زكى على الله هذا الرجل ~~الذي الله أعلم به وبأمره منا ومنه وعلمه وزهده فإن وجدا ظاهرا فإسناد على ~~حقيقتهما وباطنهما إلى الله أنسب وأصوب إذ ما من أحد يظهر لنا # PageV01P330 # منه حسن عمله إلا الله والله أعلم به، وقد انعقد إجماع أهل السنة على عدم ~~الجزم لأحد بعينه بجنة أو نار إلا من نص عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء، حتى الكلم في سبيل الله المفضي إلى ~~الشهادة التي أثنى الله عليها في كتابه أسند النبي صلى الله عليه وسلم علمه ~~إلى الله كما في المتفق عليه من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم ~~في سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك" اعلاما منه ~~صلى الله عليه وسلم بأن علم حقائق أعمال العباد وصلاحهم بصلاح نياتهم ~~وأعمالهم، وعلم ذلك عند الله سبحانه وتعالى ومع المعاملة بالظاهر فلا جزم ~~ويتوقى كل كلام معلول مخالف. # (ومنها) تعليقه توحيد أهل الملة الحنيفية الذي قال الله فيهم: {كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} وقال عنهم نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم: " لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق لا يضرهم من خذلهم ~~حتى يأتي أمر الله " على وجود توحيد هذا الرجل الواحد الذي الله أعلم به ~~وبحقيقة أمره وإثباته شركهم بشركه. # (ومنها) نفيه التوحيد عن جميع من على وجه الأرض وتكفيرهم وإثبات شركهم ~~بوجود شرك رجل واحد ليس عند الأمة نص فيه، في قوله بل إن كان صاحب بردة ~~المديح مشركا فليس على وجه الأرض موحد فبكلامه عرف قدره وعلم أنه قد تعدى ~~طوره. # (ومنها) تعليقه مستحيلا وجوده وهو نفي التوحيد عن جميع الأمة وإثبات ~~شركهم على ممكن وهو وجود شرك رجل ms380 واحد ليس عند الأمة من حقيقة أمره نص إذ ~~الرجل الواحد الذي ليس فيه نص قد وقد، وأما الأمة فلانا بالنص القطعي. # (ومنها) إثباته الإيهام في تلك المقالة وأنها تحتاج إلى محمل حسن يليق ~~بها وبقائلها، والمقرر عند الأمة المحفوظ عنها أن الكلام الموهم إذا لم بكن ~~من كلام الله ورسوله المشابه لا تجوز قرابته ولا النظر إليه بحلاف كلام ~~الله ورسوله فيجب الإيمان # PageV01P331 # به وتلقيه وإن لم يفهم معناه، وهؤلاء يتخذون هذا الكلام الموهم أصلا في ~~عقيدتهم ويتلونه أورادا في الصباح والمساء وبعد ختم القرآن في كل آن ومكان. # (ومنها) مبادرة فهمه الذي قام في ذهنه إلى أنا إنما فهمنا من المقالة في ~~نفيه فيها ذات الخالق نفسه تعالى وتقدس ولذلك قال إن الحصر الذي في هذا ~~البيت وأمثاله إضافة بالنسبة إلى المخلوق، والمعنى ما لي من ألوذ به من ~~المخلوقات لأجل الشفاعة سواك، ولم يعلم ويحقق أن هذا المفهوم معطل لا يقول ~~به أحد، بل ذات الله تعالى وتقدس ووجوده. ثابت عند الخاص والعام حتى عباد ~~الأصنام مقرون بخالقهم ورازقهم ومحييهم ومميتهم ومدبر أمورهم كما قرر هم في ~~سورة يونس والمؤمنين والزخرف وأمثالها من السور التي أخبر الله فيها أنهم ~~يعرفون خالقهم ورازقهم فأقروا واعترفوا أنه الله مدبر كل شيء ومليكه ولكن ~~أشركوا معه في عبادته وعطلوا معاملته الشاملة لإخلاص ألوهيته وتكذيب رسله ~~فيما جاؤوا به من عنده ومنهم من يكذبهم ظاهرا وباطنا، ومنهم من يكذبهم ~~ظاهرا وهو تعلم صدقهم باطنا كما قال جل شأنه: {فإنهم لا يكذبونك ولكن ~~الظالمين بآيات الله يجحدون} وكما اختلفت أقوالهم في الرسل كذلك اختلفت ~~أقوالهم وآراؤهم في الكتاب بين مكذب وقائل إنه شعر إنه سحر، وكل ذلك لا يدل ~~على أنهم مكذبون بذات الله بل أقروا به تعالى وعرفوه ولكنهم لم يوحدوه، ~~والقصد بالقرآن والرسل توحيد الله بعبادته، وإفراده تعالى بمعاملته المختصة ~~بجلاله من الأعمال الظاهرة والباطنة، ونبذ ما خالفهما من الأقوال والأفعال ~~والاعتقادات، فبذلك يحصل الإيمان بهما واتباعهما ولا أعظم مخالفة ms381 من اعتقاد ~~ما هما بخلافه، ولم ينزل القرآن ويرسل الرسل إلا بنفيه وليكون الدين كله ~~لله والأمر كله له، والجاعل الدين أو بعضه لغير الله قولا أو فعلا أو ~~اعتقادا لم يؤمن بالقرآن معنى وان آمن به لفظا ولم يؤمن بالرسول حقا، وإن ~~آمن به ظاهرا، وليس اختلافنا مع أعدائنا إلا بذلك لأنا نقول الدين كله لله ~~والأمر كله له، فليس للخالق من دونه ولي ولا نصير، قال سبحانه وتعالى: {ما ~~لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} وقال: {إن ينصركم الله فلا غالب ~~لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده ... } الآية وقال: {أفحسب الذين ~~كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني # PageV01P332 # أولياء ... } الآية وهم يقولون بل لهم ولي ونصير ويستدلون بقوله تعالى: ~~{وابتغوا إليه الوسيلة} وبقوله: {لهم ما يشاءون} وتقدم معنى ذلك في بحثه ~~فنحن حول هذه المسألة من أول أمرنا إلى آخر عصرنا ندندن فلا نشير إلا ~~إليها، ولا نجاهد إلا عليها، مع أنهم بدؤنا أولا ليرجعونا إلى ما كنا عليه ~~من عبادة الطين والأحياء من الشياطين {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون} وقد قدمنا الكلام على قوله: (يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به. ~~سواك) وان هذه المقالة مردودة من أوجه تقدم ذكرها آنفا. # (ومنها) قوله ليت شعري ما الذي حملك على تضليل هذا الرجل الذي توفاه الله ~~قبل أن تخلق بأعوام عديده، أي عداوة حصلت بينك وبينه، أم على أي خصومة ~~لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه، وحملت كلامه على محمل بعيد غير لائق بحال آحاد عوام ~~الناس وهو الحمل على الحصر الحقيقي، يعني به نفي ذات الله، حتى حكمت ~~بتضليله بسبب هذه المقالة إلى قوله فالويل كل الويل لمن يحكم بتضليل أساطين ~~هذه الأمة بأمثال هذه التمويهات ويظهر الطعن في السلف الصالح لجلب قلوب ~~العوام أو لحب رياسة أو عصبية أو لغرض من الأغراض الفاسدة. # فهو قد ms382 قال فينا وافترى علينا تضليل هذا الرجل الذي قولنا فيه والله أعلم ~~به منا ومن غيرنا إلا أن كلامه ذلك غير مناسب من مثله، بل الواجب عليه وعلى ~~جميع الخلق الانقطاع إلى الله وتفويض الأمر إليه، والتوكل عليه، والاستقامة ~~على ما هو السبب في حصول شفاعته صلى الله عليه وسلم من الأعمال المرضية لرب ~~العالمين، والمقربة إليه في كل حين، الشاملة خصال الإيمان، وأركان الإسلام، ~~فيكون كالذين حكى الله عنهم في القرآن أنهم توسلوا إليه فيما يرضيه مما ~~أمرهم به، ونهاهم عن ضده في كتابه، وعلى ألسنة رسله، ولكن أبى الله أن يصلح ~~بالحفظ إلا كتابه، أو يمنع بالعصمة إلا رسوله، والذي يعترى العقول إما فتحا ~~وإما شطحا، والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وإخلاص معاملته لله وحده لا ~~شريك له، وطاعة رسوله، ويدور على ذلك ويتبعه أين وجده، ويعادي فيه ويوالي ~~فيه، ونحن لم نعاد هذا الرجل ولم نحكم عليه # PageV01P333 # بالضلال بل قولنا فيه الله أعلم وأولى به، ولكن مقالته لا تقال بل يكف ~~عنا لورود النهي عنها وعن أمثالها، ولأن الأمر كله لله والخلق لا يغنون عن ~~الحق شيئا بل من رحمه الله فهو المرحوم، ومن أبعده فهو المبعد، فلا أحد ~~كائنا من كان يدخل الجنة إلا بفضل الله ورحمته حتى الأنبياء، فغيرهم ~~بالأولى، وكل من حكم بإسلامه شرعا فهو المسلم والله أعلم بعاقبة أمره، فلا ~~نشهد لمعين بالنار وأن ارتكب المعاصي في الدنيا، لا مكان أنه تاب أو كانت ~~حسناته محت سيئاته، أو كفر الله عنه بمصائب، أو غير ذلك مما هو فضل الله ~~وعفوه، وان ارتكب كفرا عاملناه بما ظهر لنا منه، وأمره إلى الله، ولا لمعين ~~بجنة وان اكتسب أعمالا صالحة في الدنيا، إذ لا يعلم ما في نفس الأمر إلا ~~الله، فلا يقطع لمعين بشيء من دونه بلا نص من الشارع صلى الله عليه وسلم، ~~وللعلماء في الشهادة بالجنة ms383 ثلاثة أقول: # منهم من لا يشهد بالجنة لأحد إلا للأنبياء وهذا قول محمد بن الحنفية ~~والأوزاعي. # والثاني أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه نص وهذا قول أكثر أهل الحديث. # والثالث نشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون كما في البخاري من حديث ~~أنس بن مالك قال مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "وجبت" ثم مر بأخرى فأثنوا عليها شرا فقال: "وجبت" فقال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: ما وجبت يا رسول الله قال هذا أثنيتم عليه خيرا فوجبت ~~له الجنة، وهذا أثنيثم عليه شرا فوجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض"، ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " توشك أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار" قالوا ~~بم يا رسول الله قال: "بالثناء الحسن والثناء السيء" فأخبر أن ذلك مما يعلم ~~به أهل الجنة وأهل النار، وكان أبو ثور يقول أشهد أن أحمد بن حنبل في ~~الجنة، ويحتج بهذا، والمؤمن بالله ورسوله باطنا وظاهرا الذي قصد إتباع الحق ~~وما جاء به الرسول إذا أخطأ ولم يعرف الحق كان أولى أن يعذره الله في ~~الآخرة من المتعمد العالم بالذنب فإن هذا عاص مستحق للعذاب بلا ريب، وأما ~~ذاك فليس متعمدا للذنب بل هو مخطىء والله قد تجاوز لهذه الأمة الخطأ ~~والنسيان، والعقوبة الحاصلة في الدنيا تكون لدفع ضرره عن المسلمين، وإن كان ~~في الآخرة خيرا ممن لم يعاقب كما يعاقب # PageV01P334 # المسلم المتعدي للحدود ولا يعاقب أهل الذمة من النصارى واليهود، والمسلم ~~خير منهم في الآخرة، والمسلم المذنب الذي ذنبه خاص أخف شرا عند الله ممن ~~ذنبه اكتسبه الناس منه، وأفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، ثم بعدهم ~~التابعون، فلا ينتصر لشخص انتصارا عاما مطلقا إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ولا لطائفة انتصارا مطلقا عاما إلا للصحابة فإن الهدى يدور مع الرسول ~~حيث دار، ويدور مع أصحابه حيث داروا، وكذا التابعون لهم بإحسان فإذا أجمعوا ~~لم يجمعوا على خطأ قط، بحلاف عالم من العلماء ms384 أو قائل قولا فقد يصيب وقد ~~يخطىء، بل جل أصحاب مجتهد من المجتهدين قد يكون الصواب معهم وقد يكون مع ~~غيرهم ممن قد خالفهم، وكل قول لم يرد به الكتاب والسنة ولا قاله صدر سلف ~~هذه الأمة استنباطا منهما أو من أحدهما بل قالوا خلافه فهو خطأ لا يعمل به ~~ولا يقر عليه قائله، فكيف وصاحب المقدمة قد افترى وأصمته حمية الجاهلية ~~فيما منه جرى بقوله أم على أي خصومة لأجلها تعاميت عن هذا الوجه الظاهر ~~الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فهو قد أثبت بيننا ~~خصومة رجما بالغيب مع أنها لا تكون إلا بين موجودين في الدنيا لا بين ~~معدومين أو أحدهما إلا من ورد فيه النص بعينه بعداوته لله ورسوله كأبو جهل ~~وأبي لهب وأمثالهما ممن عينته السنة فعداوته متحتمة على العالم به وإن لم ~~يعاصره، أو من تواترت عنه الأخبار بين المسلمين بأنه محاد لله ورسوله متعد ~~حدوده فإنه يكره هو وعمله لظاهر إساءته، والله متولي أمره، والحامل له على ~~هذا الافتراء إثباته تلك المقالة واستحسانه إياها التي قد خالفت الكتاب ~~والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، وجعل تأويله لها مماثلا كلام الله الذي قال ~~تعالى فيه: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} ~~فجعل ذلك التأويل لتلك المقالة وما شاكلها مما بعدها مماثلا للتنزيل مشابها ~~له في صحته وإعجازه والإيمان به وتلقيه وعدم رده والاعتراض عليه، وأهل ~~التصحيح يردون على أهل الصحيح ويناظرونهم وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا كلام ~~الله ورسوله، وما لم يوافقهما فهو باطل مردود لا يعمل به وشفاعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ثابتة في الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، ولكن بالوصف ~~لا بالشخص ومن مات لا يشرك بالله شيئا فهو من ذوي الوصف، وكذا شفاعة غيره ~~صلى الله عليه وسلم، فعلى الإنسان الاجتهاد فيما هو الموجب لها لينالها ~~بفضل الله ورحمته ورضاه عنه وإذنه للشافع، وعليه أيضا إخلاص عمله لله ms385 وقصده ~~طاعة الله فيما أمر به # PageV01P335 # والانتهاء عما نهى عنه، وهو يحب صلاح المأمور به وإقامة الحجة عليه قاصدا ~~أن يكون الدين كله لله وأن تكون كلمة الله هي العليا فلا يغضب على من خالفه ~~مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ولا يرضى عمن كان جاهلا سيىء القصد ليس ~~له علم ولا حسن قصد، بل بحمد من حمده الله ورسوله، ويذم من ذمه الله ~~ورسوله، وتصير موالاته ومعاداته على دين الله ورسوله، لا على هوى النفس، ~~وأصل الدين الذي لا فتنة فيه أن يكون الحب لله والبغض لله، والموالاة لله ~~والمعاداة لله، والعبادة لله والاستعانة بالله، والاتكال على الله، والخوف ~~من الله والرجاء لله، والإعطاء لله والمنع لله، وهذا إنما يكون بمتابعة ~~رسول الله الذي أمره أمر الله ونهيه نهي الله ومعاداته معاداة الله وطاعته ~~طاعة الله ومعصيته معصية الله، وصاحب الهوى يعميه هواه ويصمه، فلا يستحضر ~~في قوله وعقيدته ما لله ورسوله في ذلك، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى ~~إذا حصل ما يرضاه هواه، ويغضب لما يغضب له هواه، فلم يكن قصده أن يكون ~~الدين كله لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا بل قوله وعقيدته وحميته مجرد ~~هوى، وهذا حال المختلفين الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا جانبوا قوله تعالى: ~~{وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون} فكانوا ممن قال الله فيهم: ~~{فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون} وإذا كان المسلم الذي ~~يقاتل الكفار قد يقاتلهم شجاعة وحمية ورياء وذلك ليس في سبيل الله فكيف ~~بأهل البدع الذين يخاصمون ويقاتلون عليها فإنهم يفعلون ذلك شجاعة وحمية ~~وميل نفس وهوى، وربما يعاقبون لما اتبعوا أهواءهم بغير هدى من الله لا ~~بمجرد الخطأ الذي اجتهدوا فيه، ولهذا قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: ~~لأن أتكلم في علم يقال لي فيه أخطأت أحب إلي من أن أتكلم في علم يقال لي ~~فيه كفرت والله أعلم. # PageV01P336 ### | بحث قوله تعالى: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} # وأما قولكم وقوله ms386 تعالى {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} ~~وما ذكر فيه من الرواية عن عبد الله بن عباس أنهما آدم وحواء وأن الشيطان ~~أتاهما ولم يزل بهما حتى سميا ولدهما عبد الحرث ... الخ ما قال. فنقول هذه ~~الرواية وما أشبهها لا أصل # PageV01P336 # لها رأسا بل لا يلتفت إليها في حق الأنبياء المعصومين عن أمثال هذه ~~الأمور بل الواجب على كل مؤمن أن يحكم بكذبها ويحمل قوله: {جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما} على أن الخطاب في خلقكم لقريش وحدهم لا لبني آدم كلهم والنفس ~~الواحدة قضى وجعل منها زوجها أي جعلها عربية قرشية من جنسه لأنه خلقها منه ~~وإشراكهما بتسميتهما إبنيهما عبد مناف وعبد العزى وعبد الدار وعبد قصي ~~والضمير في يشركون لهما ولا عقابهما، وعلى هذا فليس الضمير في جعلا لآدم ~~وحواء وهذا الذي عليه أكثر المفسرين وإن صح أنه لآدم وزوجته فأين الدليل ~~على الشرك في ألوهيته، ولعله أي الشرك المذكور في الآية هو الميل إلى طاعة ~~الشيطان، وقبول وسوسته مع الرجوع إلى الله تعالى بلا مطاوعة للشيطان وذلك ~~الميل المتفرع على الوسوسة غير داخل تحت الاختيار فلا يكون معصية وذنبا، ~~ولعله كان قبل، وان أبيت عن هذا كله فهو على تقدير المضاف أي جعل أولادهما ~~له شركاء فيما آتى أولادهما وكيف لمن في قلبه ذرة من إيمان أن يصدق بهذه ~~الحكاية مع أن الآية التي تتلوها تنادي على كذبهما وهي قوله تعالى: ~~{أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} وهم الأصنام كما عليه المفسرون، مع ~~أن الأصنام لم تعبد من دون الله إلا قريبا من زمن نوح) . # الجواب عما هذى به الخصم في هدا المقام # فنقول هذا مما يؤيد ما قلناه في صاحب المقدمة من أنه يرد من تلقاء نفسه ~~بلا تحقيق ولا تحقق فيما قاله الأئمة الأعلام من أولي العلم والفهم وما ~~نقلته الرواة وتلقته بالقبول الجهابذة الثقات، فإنه قد فهم من معنى الشرك ~~المذكور في هذه الآية شرك الألوهية في آدم وحواء عليهما الصلاة والسلام ms387 ~~فلذلك أوجب نفي رجوع الضمير الذي في الآية عنهما جعل من لازم جواز ثبوته ~~إليهما شركهما في الألوهية، ونسبنا إلى تكفير الأنبياء والصالحين وما ذاك ~~إلا لعدم فهمه ومعرفته معنى الشركة التي في الآية مع ما نقله السلف من صحة ~~رجوع الضمير إليهما، بل في معرفة معنى الشرك من حيث هو وأقسامه والجهل فينا ~~وفي عقيدتنا وفيما قلناه وعنينا وذلك من وجوه. # PageV01P337 # (الوجه الأول) ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن سمرة بن جندب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: "لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ~~ولد فقال سميه عبد الحرث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" وهكذا رواه ~~ابن جرير عن محمد بن بشار عن عبد الصمد بن عبد الوارث ورواه الترمذي في ~~تفسير هذه الآية عن محمد بن المثنى عن عبد الصمد مرفوعا. وقال هذا حديث حسن ~~غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم ~~يرفعه، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث عبد الصمد مرفوعا، وقال هذا صحيح ~~الإسناد ولم يخرجاه، ورواه الحاكم أيضا وصححه عن سمرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم بلفظه المتقدم، ورواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم في تفسيره عن ~~هلال بن فياض عن عمر بن إبراهيم مرفوعا، ورواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في ~~تفسيره من حديث هلال بن فياض قال الحافظ ابن كثير وشاذ لقب لهلال وعمر بن ~~إبراهيم هو البصري قد وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به لكن ~~رواه ابن مردويه من حديث المعتمر عن أبيه عن الحسن عن سمرة وقد روى الحديث ~~عنه مرفوعا وموقوفا. # (الثاني) ما قاله أهل التفسير قاطبة عند قوله تعالى: {هو الذي خلقكم من ~~نفس واحدة} يعني آدم {وخلق منها زوجها} يعني حواء ثم انتشر الناس منهما كما ~~قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} وقال: {يا أيها الناس ~~اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس ms388 واحدة وخلق منها زوجها ... } الآية فكلهم قد ~~فسروا قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها الآية بآدم ~~وحواء عليهما الصلاة والسلام، وأسندوا بيان النفي الواحدة المخلوق منها ~~سائر البشر وبيان الزوج المجعول منها إلى سائر الآيات المعني بها آدم ~~وزوجته حواء والتثنية التي في قوله فلما آتاهما صالحا جعلا له راجعة لهما. # (الثالث) ما أجمع عليه المفسرون وقالوا بعبارات متفقة المعنى مختلفة ~~اللفظ عن ابن عباس من طريقين أو ثلاثة: # الأول منهما: ما قاله محمد ابن إسحاق بن يسار عن داود بن الحصين عن # PageV01P338 # عكرمة عن ابن عباس قال كانت حواء تلد لآدم عليهما الصلاة والسلام أولادا ~~فيعبدهم لله نحو عبد الله وعبد الرحمن فيصيبهم الموت، فأتى إبليس آدم وحواء ~~فقال إنكما لو تسميانه بغير الذي تسميانه أولا لعاش فولدت له غلاما فسمياه ~~عبد الحرث ففيه أنزل الله هو الذي خلقكم من نفس واحدة.. إلى آخر الآية. # الثاني: ما قاله العوفي عن ابن عباس أيضا في قوله تعالى هو الذي خلقكم من ~~نفس واحدة إلى قوله فمرت به فشكت أحملت أم لا لخفته، فلما أثقلت دعوا الله ~~ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فأتاهما الشيطان فقال هل ~~تدريان ما يكون بهيمة أم لا وزين لهما الباطل إنه غوي مبين وقد كانت قبل ~~ذلك ولدت ولدين فماتا فقال لهما إنكما إن لم تسمياه عبد الحرث وكان اسم ~~إبليس في الملائكة الحرث لم يخرج سويا ومات كالأول فسمياه عبد الحرث فذلك ~~قول الله: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما} . # الثالث: ما قاله عبد الله بن المبارك عن شريك عن خصيف عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء ~~فيما آتاهما يعني آدم وحواء أتاهما إبليس وقد حملت حواء فقال إني صاحبكما ~~الذي أخرجتكما من الجنة لتطيعاني أو لأجعلن له قرني ايل فيخرج من بطنك ~~فيشقه أو لأفعلن وأفعلن فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم ms389 حملت الثانية ~~فأتاهما أيضا فقال أنا صاحبكما الذي فعلت ما فعلت لتفعلن وتطيعاني أو ~~لأفعلن يخوفهما فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، ثم حملت الثالثة فأتاها فذكر ~~لهما ما قاله أولا فأدركهما حب الولد فسمياه عبد الحرث فذلك قول الله فلما ~~آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما. رواه ابن أبي حاتم في مستدركه. # وجاء في الحديث خدعهما إبليس مرتين مرة في الجنة ومرة في الأرض، وقد تلقى ~~الأثر الوارد في خدع إبليس لآدم وحواء جماعة من السلف كمجاهد وعكرمة وسعيد ~~ابن جبير، وسعيد بن المسيب، وقتادة، والسدي، وجماعة آخرون من السلف والخلف، ~~ومن المفسرين المتأخرين جماعة لا تحصى كثرتهم إلا ما ذهب إليه الحسن # PageV01P339 # البصري رحمه الله تعالى من أنه ليس المراد من سياق الآية آدم وحواء بل ~~المراد من ذلك المشركون من ذريتهما ولهذا قال تعالى {تعالى الله عما ~~يشركون} وذكره تعالى آدم وحواء في أول الآية كالتوطئة لما بعدها من ~~الوالدين وهو كالاسترداد من ذكر الشخص إلى الجنس كما قال تعالى: {ولقد زينا ~~السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} ومعلوم أن المصابيح وهي ~~النجوم المزين بها ليست هي التي يرجم بها وإنما هو استطراد من شخص المصابيح ~~أي جنسها وهذا له نظائر في القرآن كثيرة. قال الإمام أبو الحسين بن مسعود ~~البغوي وهذا القول حسن لولا قول السلف مثل عبد الله بن عباس ومجاهد وسعيد ~~بن المسيب وجماعة من المفسرين أنه آدم وحواء، ومعنى ما تأوله الحسن وعكرمة ~~أي جعل أولادهما له شركاء فيما آتاهما بقرينة قوله أيشركون بالجمع فحذف ~~الأولاد وأقامهما مقامهم كما أقام الأبناء مقام الآباء في إضافة الفعل إلى ~~الأبناء والفاعل إنما هو الآباء كقوله تعالى مخاطبا اليهود الموجودين في ~~زمن النبي صلى الله عليه وسلم: {ثم اتخذتم العجل} وقوله: {فلم تقتلون ~~أنبياء الله من قبل} {وإذ قتلتم نفسا} وأمثال ذلك. # (الرابع) ما قاله ابن كيسان هم الكفار سموا أولادهم بعبد العزى وعبد مناف ~~وعبد شمس وعبد اللات وعبد مناة. # (الخامس) قولنا وعقيدتنا ما قاله ms390 السلف واعتقدوه في قوله تعالى جعلا له ~~شركاء فيما آتاهما يعني في طاعته ولم يكن شركهما في عبادته فإن كل اسم معبد ~~لغير الله كعبد الحرث وعبد العزى وعبد هبل وعبد عمرو وعبد الكعبة وما أشبه ~~ذلك حرام لا يجوز التسمية به باتفاق من يعتد به من أهل العلم، وتحرم طاعة ~~الآمر بذلك فلا يحل التسمية بعبد علي ولا عبد الحسين ولا عبد الكعبة، فكيف ~~بكلب علي وعبد الحرث الذي هو الشيطان، وقد روي ابن أبي شيبة من حديث هانىء ~~بن شريح قال: "قدم على النبي صلى الله عليه وسلم قوم فسمعهم يسمون رجلا عبد ~~الحجر فقال: "ما اسمك" قال عبد الحجر فقال رسول الله إنما أنت عبد الله" ~~وقد تقدم حديث عبد الصمد بن عبد الوارث وسمرة بن جندب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " لما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد ~~فقال سميه عبد الحرث فعاش فكان ذلك من وحي الشيطان # PageV01P340 # وأمره" رواه الإمام أحمد في مسنده، ورواه الترمذي في تفسير الآية، ورواه ~~الحاكم في مستدركه وصححه، ورواه ابن مردويه في تفسيره من حديث هلال بن ~~فياض، والشرك في طاعته هو امتثال أمره وقبول قوله، وليس ذلك شركا في ~~العبادة كما قلناه وقررناه، ولكنهما زعما أن الحرث سبب نجاة الولد وسلامة ~~أمه فلذلك أضافا ولدهما إليه، لا على جهة أن الحرث مالكه ومعبوده، وقد يطلق ~~اسم العبد على من لا يراد به أنه مملوكه، كما يستعمل اسم الرب مضافا إلى من ~~لا يراد أنه معبوده، وكمن نزل به ضيف يسمي نفسه عبد الضيف على جهة الكرم ~~والتواضع لا على أن الضيف ربه ومعبوده، قال يوسف صلى الله على محمد وعليه ~~وسلم لعزيز مصر إنه ربي، ولم يرد أنه معبوده، فكذلك هنا ولكن المناسب لهما ~~عدم طاعته وعدم قبول قوله وامتثال أمره إذ هو الذي قد غرهما وخدعهما ~~فأخرجهما وفرق بينهما للعداوة الأزلية لهما ولذريتهما أبد الآبدين ودهر ~~الداهرين وبعد يوم الدين. # واتفقوا ms391 على عصمة الأنبياء من تعمد الكبائر قبل الوحي وبعده، وتنازعوا هل ~~تقع منهم بعض الصغائر مع التوبة منها أو لا تقع بحال، فقال كثير من ~~المتكلمين من الشيعة والمعتزلة وبعض أهل الحديث من أهل السنة منهم ابن ~~السبكي وغيره لا تقع منهم الصغيرة بحال ولا قبل النبوة ولا بعدها زادت ~~الشيعة لا يمكن وقوعها منهم خطأ ولا عمدا، والصحيح عند السلف وجمهور أهل ~~الفقه والحديث والتفسير لا تقع الصغائر منهم عمدا. واتفقوا على وقوعها منهم ~~سهوا وخطأ. كما نقله السعد التفتازاني في حاشية الكشاف إلا ما يدل على ~~الخسة كسرقة لقمة والتطفيف بحبة فلا يجوز عليهم، واشترط جمع من المحققين أن ~~ينبهوا على ما فعلوه سهوا فينتهوا عنه، وقال قوم من علماء أهل السنة من أهل ~~الحديث من أصحاب الأشعري وغيرهم وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن ~~الأنبياء صلوات الله وسلامه علهم أجمعين تقع منهم بعض الصغائر مع التوبة ~~منها والله يحب التوابين ويحب المتطهرين، وإذا ابتلي بعض الأكابر بما يتوب ~~منه فذلك لكمال النهاية لا لنقص البداية، كما قال بعضهم لو لم تكن التوبة ~~أحب الأشياء إليه لما ابتلى بالذنب أكرم الخلق عليه، وفي الأثر أن العبد ~~ليعمل السيئة فيدخل بها الجنة، وأن العبد ليعمل الحسنة فيدخل بها النار، ~~يعني أن السيئة يذكرها ويتوب منها فيدخله ذلك الجنة، والحسنة يعجب بها ~~ويستكبر فيدخله ذلك النار. # PageV01P341 # وأيضا فالحسنات والسيئات متنوع بحسب المقامات، كما يقال حسنات الأبرار ~~سيئات المقربين، فمن فهم ما تمحوه التوبة وترفع صاجها إليه من الدرجات وما ~~تفاوت الناس فيه من الحسنات والسيئات زالت عنهم الشبه في هذا الباب، وأقر ~~الكتاب والسنة على ما فيهما من الهدى والصواب، وقد اتفق الأمة على أن من ~~سوى الأنبياء ليس بمعصوم لا من الخطأ ولا من الصواب، سواء كان صديقا أو لا، ~~وعلى أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم فيما يبلغه عن الله ~~تبارك وتعالى، فإن مقصود الرسالة لا يتم إلا بذلك، وكل ما دل على أنه ms392 رسول ~~الله من معجزة فهو يدل على ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فإني لا ~~أكذب على الله" واتفقوا أيضا على أنه لا يقر على الخطأ كما أنه لا ينطق عن ~~الهوى وعلى أنه صلى الله عليه وسلم أخوف الأمة لمولاه وأشدهم خشية منه ~~وتضرعا إليه ورغبة فيما لديه. فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم ~~كان يدعو ربه ويعترف له بذنبه كما في قوله: "اللهم أنت الملك لا إله إلا ~~أنت أنت ربي وأنا عبدك ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي ذنوبي جميعا فإنه ~~لا يغفر الذنوب إلا أنت ... " الحديث وأمثاله إظهارا للعبودية، وافتقارا ~~للصمدية، وتشريعا للأمة، وبيانا لشكر النعمة، قال الأئمة كل يؤخذ من قوله ~~ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه الذي أوجب الله على أهل الأرض ~~الإيمان به وطاعته بحيث يجب عليهم أن يصدقوه بكل ما أخبر ويطيعوه في كل ما ~~أمر، فقد ذكر الله طاعته واتباعه في قريب من أربعين موضعا في القرآن، قال ~~عز من قائل: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} وقال: {وما أرسلنا من رسول إلا ~~ليطاع بإذن الله} وقال: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ... ~~} الآية وقال: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا..} إلى قوله ~~... {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} ~~وقال: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وقال: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} وقال: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} وقال: ~~{ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ... } ~~الآية. وطاعة الله والرسول هي عبادة الله التي خلق لها الجن والإنس، فهي ~~غايتهم التي يحبها الله ورسوله ويرضاها ويأمرهم بها، وإن كان قد شاهد من ~~بعضهم ما هو خلاف ذلك وخلقهم له فتلك غاية شاءها وقدرها وهذه غاية يحبها ~~ويأمر بها ويرضاها. والعبادة لله أن تجمع غاية الحب له بغاية الذل له ~~والانقياد إليه # PageV01P342 # فكل ms393 خير وكمال ومقام وما يقرب إليه مما يحمد من العباد ويطلب منهم شرعا ~~ويرضاه لهم فهو داخل في طاعة الله ورسوله ومستلزم ذلك والنص في وجوب الطاعة ~~قاض في عصمة صاحب الرسالة. # (فإن قيل) قد اتفقوا على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ~~معصومون من تعمد الكبائر قبل الوحي وبعده كما قلتم به وقاعدتكم في الشرك ~~الأصغر أن حكمه من اكبر الكبائر عندكم وذلك مناف لجعل الضمير في قوله تعالى ~~جعلا له شركاء فيما آتاهم عائدا إلى آدم وحواء صلى الله عليهما وسلم إذا ~~كان آدم نبيا معصوما عن الكبائر أن يفعلها هو بنفسه فكيف يوافق حواء على ~~الشرك بالله. # (الجواب) أن آدم وحواء عليهما السلام لم يعتقدا أن ذلك الاسم معصية لله ~~ولم يقصدا به مضارة نهيه تعالى أو عدم فعل أمره بل إنما طاوعا اللعين فيما ~~قاله لهما مكافأة لشره وخوفا على ولدهما من ضره بتوعده لهما فيه وهما لم ~~يطاوعاه أولا لعلمهما بعداوته وأنه الذي أخرجهما مما كانا فيه من النعيم، ~~ثم أدركتهما شفقة الولد فطاوعاه في التسمية فبذلك أشركا في طاعته لا في ~~عبادته وكذلك قوله تعالى فعصى آدم ربه فغوى مع قوله فدلاهما بغرور، فإن ~~اللعين غرهما بالقسم لهما أنه ناصح في قوله لهما {ما نهاكما ربكما عن هذه ~~الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين} فخدعهما لظنهما أن لا أحد ~~يحلف بالله كاذبا فأكلا ولم يقصدا المعصية لأنهما لم يعتقدا أن النهي راجع ~~إلا لما قال لهما وأقسم لهما فيه فتعين نفي تعمد الكبائر على الأنبياء كلهم ~~عليهم الصلاة والسلام وقوله تعالى فعصى آدم ربه فغوى باعتبار الأكل من ~~الشجرة المنهي عنها بمطاوعة الغار. # (فإن قيل) كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله وقد صح عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس ~~عبد الخميلة تعس عبد القطيفة" وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أنا ~~النبي لا كذب أنا ابن ms394 عبد المطلب" ودخل عليه رجل وهو جالس بين أصحابه فقال ~~أيكم ابن عبد المطلب فقالوا هذا وأشاروا إليه. # PageV01P343 # (الجواب) أن قوله تعس عبد الدينار الحديث لم يرد به الاسم وإنما أراد به ~~الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم واختارهما على عبودية ربه ~~تبارك وتعالى، وقوله أنا ابن عبد المطلب ليس من باب إنشاء التسمية بذلك ~~وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي يميز به المسمى دون غيره والاخبار ~~بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم ~~يسمون بني عبد شمس وبني عبد الدار بأسمائهم ولا ينكر عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأن باب الاخبار واسع يجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء فتحرم ~~التسمية أيضا بملك الملوك وسلطان السلاطين وشاه شاه لما ثبت في الصحيحين من ~~حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخنع اسم عند الله ~~رجل يسمى ملك الأملاك" وفي رواية اخنى بدل اخنغ وفي رواية لمسلم أبغض رجل ~~عند الله يوم القيامة وأخسه رجل كان يسمى بملك الأملاك لا مالك إلا الله ~~ومعنى أخنع وأخنى: أوضع. # وأما الأسماء المكروهة، فمنها ما رواه مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسمين غلامك يسارا ولا حربا ولا ~~نجاحا ولا أفلح فإنك تقول أثم فلان فيقال لا" قال ابن القيم والمذكور في ~~الحديث إنما هن أربع لا يزدن عليها، وهذه الجملة الأخيرة ليست من كلام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي من كلام الراوي، وقال أيضا قلت وفي معنى ~~هذا مبارك ومفلح وخير وسرور ونعمة، وما أشبه ذلك لوجود المعنى الذي كرهت ~~تلك الأمور الأربعة لأجله فإنه يقال أعندك خير أعندك سرور أعندك نعمة فيقول ~~لا فتشمئز القلوب من ذلك وتستطير منه. ومنه التسمية بأسماء الشياطين، كخنزب ~~والولهان، وأسماء الفراعنة والجبابرة كفرعون وقارون وهامان والأسماء التي ~~تكرهها النفوس ولا تلائمها كحرب ومرة. وقد كان النبي صلى ms395 الله عليه وسلم ~~يشق عليه الاسم القبيح ويكرهه جدا من الأشخاص والأماكن والقبائل والجبال ~~حتى أنه مر في مسير له بين جبلين فسأل عن اسمهما فقيل فاضح ومخز، فعدل ~~عنهما ولم يمر بينهما، وكان صلى الله عليه وسلم شديد الاعتناء بذلك، ومن ~~تأمل السنة وجد معاني الأسماء مرتبطا بها حتى كأن معانيها مأخوذة منها وكأن ~~الأسماء مشتقة من معانيها فتأمل قوله صلى الله عليه وسلم: " أسلم سالمها ~~الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله" وقوله لما جاء سهيل بن عمرو يوم ~~الصلح: "سهل أمركم" وتأمل تغييره الأسماء غير المناسبة كما في # PageV01P344 # الصحيحين أن رسول صلى الله عليه وسلم أتى بالمنذر بن أسيد حين ولد فوضعه ~~على فخذه فأقاموه فقال: " أين الصبي" قال أبوه أسيد قلبناه يا رسول الله ~~قال ما اسمه قال فلان قال "ولكن اسمه المنذر"، وفي سنن أبي داود من حديث ~~سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما اسمك ~~قال حزن، قال: "أنت سهل" قال لا السهل يؤطا ويمتهن قال سعيد فظننت أن ~~سيصيبنا بعد حزونة، قال أبو داود وغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم اسم ~~العاص والعتلة وشيطان والحكم وغراب وشهاب وخباب فسماه هاشما وسمى حربا ~~سلما، وسمى المضطجع المنبعث، وأرضا يقال لها عفرة خضرة، وشعب الضلالة سماه ~~شعب الهدى، وبنو الزنية سماهم بنو الرشدة، وسمى بنى معاوية بني رشدة، قال ~~أبو داود وتركت أسانيدها للاختصار، وتأمل أيضا حثه على تحسين الاسم كما في ~~حديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فحسنوا أسماكم" رواه أبو ~~داو بإسناد حسن وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن أحب أسمائكم إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن" رواه ~~مسلم في صحيحه. وقوله أن الأصنام لم تعبد من دون الله إلا قريبا من زمن نوح ~~قد ذكر المفسرون ms396 عند قوله تعالى كان الناس أمة واحدة، عن قتادة عق عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة ~~الحق فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، قال وكذلك في قراءة عبد ~~الله كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، ورواه الحاكم في مستدركه من حديث محمد ~~بن بشار ثم قال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وكذا رواه أبو جعفر الرازي عن أبي ~~العالية عن أبي بن كعب أنه كان يقرأها كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث ~~الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في ~~الآية قال كانوا على الهدى جميعا فاختلفوا فبعث الله النبيين فكان أول من ~~بعث نوح، وهكذا قال مجاهد كما قال ابن عباس أولا، وقال العوفي عن ابن عباس ~~في قوله أمة واحدة يقول كفار فبعث الله النبيين، قال الحافظ ابن كثير ~~والأول عن ابن عباس أصح إسنادا ومعنى لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى ~~عبدوا الأصنام فبعث الله إليهم نوحا عليه السلام فكان أول رسول إلى أهل ~~الأرض. ولهذا ذكر سبحانه في سورة يونس ما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ~~فذمهم على الاختلاف بعد أن كانوا على دين واحد فعلم أن ما كانوا عليه حق ~~والله أعلم. # PageV01P345 ### | الكلام في العبادة والعبودية # وأما قول صاحب المقدمة (كيف يكون قوله تعالى: {ادعوا ربكم} بيانا لمعنى ~~العبادة إلى قوله اعلم ان للطاعة مراتب، الأولى أن يلاحظ فيها الثواب ودرء ~~العقاب مع الامتثال وتسمى عبادة، والثانية أن لا يلاحظ إلا تشرف النفس ~~بالتقريب إلى الله وتسمى عباده، الثالثة أن لا يلاحظ إلا الله ويسمى عبودية ~~وهذه أعلى المراتب وفي تقديم إياك على نعبد إشارة إليه) . # فنقول: قد قال الجوهري العبادة والطاعة والخضوع والتذلل لا يستحقه إلا ~~الله سبحانه وتعالى، ويسمى العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، وقال الفخر ~~إسماعيل أبو البقاء العبادة ما أمر به شرعا من غير اطراد عرفي ولا اقتضاء ~~عقلي، وقوله تعالى ادعوا ربكم أمر منه تعالى ms397 بدعائه فهو عبادة بل هو مخها ~~كما قدمناه، قال أبو علي الدقاق ليس شيء أشرف ولا أتم للمؤمن من الوصف ~~بالعبودية قال في المطلع ولهذا وصف الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه ~~وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته حين دعا الخلق إلى توحيد الحق وعبادته قال ~~تعالى: {وأنه لما قام عبد الله يدعوه} وحين أنزل عليه القرآن قال عز من ~~قائل: {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا} وقال: {الحمد لله الذي أنزل ~~على عبده الكتاب} وقال: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى} مع أنه صلى الله عليه وسلم حبيب الله وخليله كما ثبتت خلته ~~في الصحيح قال بعضهم: # لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي # ونحن قد قدمنا مراتب العبادة في بحث إرادة الإنسان بعمله الدنيا وأنها ~~على ثلاثة أنواع باعتبار نياتهم في طاعة الله تبارك وتعالى، لأن العبد إما ~~أن يلتمس بعمله من ربه أمرا من أمور الدنيا كصحة وعافية وتكثير ماله وولده ~~أو سلامتها، وأما أن يلتمس به محمدة عند الناس ومحبة ومدحا منهم، وأما أن ~~يعمل امتثالا لأمره تعالى وتقدس # PageV01P346 # وإجلالا لعظمته وقياما في عبوديته، وهذا الثالث من أعلى درجات الإخلاص ~~كما عليه الصحابة والتابعون وتبعهم فيه المحققون من علماء كل مذهب، وان ~~شابه خوف من الله ورجاء، وأما الأول والثاني فقد تقدم الكلام عليهما ~~مبسوطا. # وهذه المراتب التي ذكرها صاحب المقدمة لا يخرج كل منها عن الإخلاص لأن ~~الموحد لا يخلو عن أن يكون خائفا من ربه راجيا فهي في الحقيقة ترجع إلى ~~معنى واحد إذ من لاحظ بعمله الله لا يعلم هو مقبول منه أم لا فهو خائف راج ~~قال تعالى: {ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم ~~لا يستكبرون * يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} وما يذكر عن بعض ~~الشيوخ أنه جعل الخوف والرجاء من مقامات العامة فالمراد به أن المقربين ~~يلاحظون بعبادتهم وجه الله فيقصدون رضاء الله والتلذذ بالنظر ms398 إليه كما قال ~~الجنيد فهم يرجون حصول هذا المقصود المطلوب ويخافون حرمانه فلم يخلوا عن ~~الخوف والرجاء لكن مرجوهم ومخوفهم بحسب مطلوبهم، ومن قال منهم لم أعبدك ~~شوقا إلى جنتك ولا خوفا من نارك فهر يظن أن الجنة اسم لما يتمتع فيه من ~~نعيم المخلوقات، والنار اسم لما يعذب فيه من ألم المخلوقات، وهذا قصور ~~وتقصير منهم عن فهم مسمى الجنة بل كل ما أعد الله لأوليائه فهو في الجنة ~~والنظر إليه في الجنة ولهذا كان أفضل الخلق صلى الله عليه وسلم يسأل الله ~~الجنة ويستعيذ به من النار، ولما سئل بعض أصحابه عما يقول في صلاته قال إني ~~أسأل الله الجنة وأعوذ به من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ ~~قال حولها ندندن، وأما التألم بالنار فهو أمر ضروري ومن قال لو أدخلتني ~~النار لكنت راضيا. فهو عزم منه على الرضا والعزائم قد تنفسخ عن وجود ~~الحقائق ومثل هذا يقع في كلام بعض القوم مثل ما قال سمنون: # فليس لي في سواك حظ ... فكيف ما شئت فامتحني # فابتلى بعس البول فجعل يطوف على صبيان المكاتب ويقول ادعوا لعمكم الكذاب، ~~وبعض من تكلم في علل المقامات جعل الحب والرضا والخوف والرجاء من مقامات ~~العامة بناء على مشاهدة القدر وان من نظر إلى القدر فشهد توحيد الأفعال حتى ~~فنى من لم يكن وبقى من لم يزل، وهذا الكلام مستدرك حقيقة وشرعا، أما ~~الحقيقة فإن الحي لا يتصور أن لا يكون حساسا محبا لما يلائمه مبغضا لما ~~ينافره ومن # PageV01P347 # قال أن الحي يستوي عنده جميع المقدورات، فهو أحد رجلين إما أنه لا يتصور ~~ما يقول بل هو جاهل، وإما أنه مكابر معاند، وأما الشرع فمن زعم أن المشاهد ~~لتوحيد الربوبية يدخل إلى مقام الجمع والفناء فلا يشهد فرقا فإنه غالط بل ~~لابد من الفرق لأنه أمر ضروري، لكن من خرج عن الفرق الشرعي بقي في الفرق ~~الطبيعي ويبقى متبعا لهواه لا مطيعا لمولاه، ولهذا لما وقعت هذه المسألة ~~بين ms399 الجنيد وأصحابه ذكر لهم الفرق وهو أن يفرق العبد بين المأمور والمحظور ~~وبين ما يحبه الله وما يكرهه مع شهوده المقدر الجامع فيشهد الفرق في الجميع ~~فيكون عابد الله قاصد المطلوب خائفا حرمانه، ومن دعائه رضي الله عنه اللهم ~~إني أسألك منك ما هو لك وأستعيذ بك من كل أمر يسخطك اللهم لا تشغلني بشغل ~~من شغله عنك ما أراده منك إلا أن يكون لك اللهم اجعل غاية قصدي بك ما هو لك ~~ولا تجعل قصدي إليك ما أطلبه منك يا أرحم الراحمين، وقال الشيخ عبد القادر ~~الجيلي رحم الله روحه ونور ضريحه: خصال الأولياء أربعة أوصاف، العبودية ~~بالخوف من الله ورجائه، ونعوت الربوبية بمشاهدة المقدورات، والإشراف على ~~مما كان وما يكون بعلم الشريعة، والوقوف عندها والدخول على الله في كل يوم ~~سبعين مرة بتجديد التوبة وكثرة الاستغفار انتهى. وقال محمد بن الحنفية ليس ~~لأبدانكم قيمة إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها وما كرمت على عبد نفسه إلا ~~هانت عليه الشهوات انتهى. قال سبحانه وتعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} ~~والمؤمن العامل إذا رجا بعمله ما وعده عليه مولاه لا يخرج برجائه ذلك عن ~~الإخلاص الذي هو أعلى مراتب العبودية، وإنما اختلف الناس في مقاصد العبادات ~~وصفاتها، فمنهم من يقول كلما كان أشق على النفس وأشد إبانة لشهوتها فهو ~~أفضل، ومنهم من يقول ان أفضلها ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية، ~~ومنهم من يقول فضل بعضها على بعض لا لعلة بل يرجع فيه إلى المشيئة والصواب ~~أن أفضلها ما كان لله أطوع وللعبد أنفع، فما كان صاحبه أكثر انتفاعا به ~~وكان صاحبه أطوع لله به من غيره فهو أفضل وذلك أن تكون العبادة تابعة لما ~~جاء به الرسول فعلا أو تركا. والجواب لأهل القول الأول أن يقال لهم الجهاد ~~أعظم مشقة من هذا كله فإنه بذل النفس وتعريضها للموت ففيه غاية الزهد ~~المتضمن لترك الدنيا كلها ms400 # PageV01P348 # وفيه جهاد النفس في الباطن، وجهاد العدو في الظاهر، فهو أفضل من الجوع ~~والسهر والصمت والخلوة ونحو ذلك. وعن الثاني فلا ريب أن عبادات الموحدين ~~كصلاتهم وصيامهم وحجهم أدعى إلى العدل الذي هو جماع الواجبات العقلية من ~~عبادات غيرهم التي ابتدعوها فإنها متضمنة للظلم النافي للعدل، وعن الثالث ~~أن يكون الأمر في ذلك راجعا إلى مشيئة الله وتعبده للخلق وحينئذ فمن تكون ~~عباداته تابعة لأمر الله الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ليكون ~~متعبدا بما أمر الله به بخلاف من تكون عباداته من عندياته ابتدعها من غير ~~أن يأتيه بها الرسول من عند الله فإنها غير مقبولة بل وزرها أعظم وليس شيء ~~من أعمال البر إلا ودونه عقبة تحتاج إلى الصبر فيها، فمن صبر على شدتها ~~أفضى إلى السهولة والراحة وإنما هي مجاهدة النفس ثم مخالفة الهوى ثم مكابدة ~~ترك الدنيا ثم الإقبال على ربه خائفا راجيا ثم اللذة والنعيم، هكذا ذكره ~~شارح الحكم محمد المغربي الفاسي. # وقول صاحب المقدمة وفي تقديم إياك على نعبد إشارة إليه ليس كذلك لأن معنى ~~التقديم الحصر وهو نفي العبادة عما سوى الله وإثباتها له وحده وليس له مخصص ~~في بعض تلك المراتب التي ذكرها دون بعض إذ من لاحظ بطاعته امتثال أمر الله ~~تبارك وتعالى مع خوفه ورجائه لا يقال أنه مشترك مع الله في العبادة ولا ~~محتملها بعدم ملاحظته الله وحده لوجود ملاحظة أمره تعالى مع ملاحظة الثواب ~~ودرء العقاب إذ هو مخلص بذلك بإجماع الأمة ولا فيه ما يوهم عدمه وخوف الله ~~ورجاؤه وامتثال أمره عبادة، وحيث لوحظت تلك العبادة لا تكون معبودة ولا ~~احتمال فيها والله تعالى أعلم. # PageV01P349 ### | قول الخصم لا يلزم من دعاء الغير أن يكون شركا في العبادة والجواب عنه # وأما قوله: (لا يلزم من دعاء غيره تعالى أن يكون ذلك الداعي مشركا في ~~العبادة كما تقدم) . # فنقول: قد بين الله سبحانه وتعالى في غير موضع من القرآن أن النفس ليس # PageV01P349 # لها نجاة ولا سعادة ولا ms401 كمال إلا بأن يكون الله وحده معبودها ومحبوبها ~~الذي لا أحب إليها منه، ولفظ العبادة يتضمن كمال الذل بكمال الحب، فلا بد ~~أن يكون العابد محبأ للإله المعبود كمال الحب، ولابد أن يكون ذليلا كمال ~~الذل، وهما لا يصلحان إلا لله وحده، فهو الإله المستحق للعبادة الذي لا ~~يستحقها إلا هو، وذلك يتضمن كمال الحب والذل والإجلال والتوكل والدعاء بما ~~لا يقدر عليه إلا الله، والنفوس محتاجة إلى الله من حيث أنه معبودها الذي ~~هو محبوبها، ومنتهى مرادها وبغيتها من حيث هو ربها وخالقها، فمن آمن بأن ~~الله هو رب كل شيء وخالقه ولم يعبد الله وحده بحيث يكون الله أحب إليه من ~~كل ما سواه، وأخشى عنده من كل ما سواه، وأعظم عنده مما سواه، وأرجى عنده من ~~كل ما سواه، بل من سوى بين الله وبين بعض المخلوقات في الحب بحيث يحبه مثل ~~ما يحب الله ويخشاه مثل ما يخشى الله ويرجوه مثل ما يرجو الله ويدعوه بما ~~لا يقدر عليه إلا الله مثل ما يدعو به الله فهو المشرك الشرك الذي لا يغفره ~~الله، ولو كان مع ذلك عفيفا في طعامه ونكاحه وكان حليما شجاعا. فإن أبا بكر ~~رضي الله عنه وغيره من الصحابة كانوا قبل الإسلام لا يرضون أن يفعلوا ~~الذنوب الكبار كالزنا والسرقة، ولما بايع النبي صلى الله عليه وسلم هند بنت ~~عتبة بن ربيعة أم معاوية بيعة النساء على أن لا يسرقن ولا يزنين قالت أو ~~تزني الحرة فما كانوا في الجاهلية يعرفون الزنا إلا للإماء ولهذا عنت ~~بقولها الحرة العفيفة لأن الحرائر كن عفائف قال سبحانه: {له دعوة الحق ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ ~~فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} وقال: {وما خلقت الجن ~~والأنس إلا ليعبدون} فما خلق العبد لأجله وطلب منه من سائر العبادة لابد من ~~إخلاصه لله وحده فإن الغاية الحميدة التي بها يحصل كمال بني آدم ms402 وسعادتهم ~~ونجاتهم عبادة الله وحده وهي حقيقة قول القائل لا إله إلا الله، وبهذا بعث ~~الله جميع الرسل وأنزل جميع الكتب، ولا تصلح النفوس وتزكو وتكمل إلا بهذا ~~كما قال تعالى {وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة} أي ما تزكو به ~~أنفسهم من التوحيد والإيمان، وكل من لم يحصل له هذا الإخلاص في سائر ~~العبادات المأمور بها شرعا لم يكن من أهل النجاة والسعادة قال تعالى: {إن ~~الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ذكر ذلك في موضعين من ~~كتابه فليس الموحد إلا المخلص بعبادته لله وحده لا شريك له المتبع # PageV01P350 # ما جاءت به الرسل على محمد وعليهم الصلاة والسلام، وضده هو المشرك الشرك ~~الذي لا يغفر بجعله ما هو مختص بجلال الله لغير الله أو له ولغيره، وقد ~~قدمنا الكلام على هذا البحث مبسوطا والله تعالى أعلم. # PageV01P351 ### | قول الخصم كيف يقال طلب شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إشراك والجواب عنه # وأما قوله: (إذ مع الاعتراف بأنه صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع ~~ورجاؤه شفاعته كيف يقول طلب شفاعته إشراك في العبادة) . # فنقول: وإن وجب على كل مسلم الإيمان بشفاعته صلى الله عليه وسلم، فرجاؤها ~~من الله وسؤاله أن يشفع نبيه فيه هو المطلوب، إذ شفاعته صلى الله عليه وسلم ~~بإذن الله لمن رضي عنه ولا يعلم هو ممن يأذن فيه ويرضى عنه أم لا، فتعين ~~عليه صرف همته، وعزائم أمره إلى ربه، بالإقبال عليه والاتكال عليه، والقيام ~~بحق عبوديته لينال الشفاعة، وإن حصل منه تقصير بنوع من المعاصي بخلاف من ~~أهمل ذلك وتركه وارتكب ضده من الإقبال على غير الله بالتوكل عليه ورجائه ~~فيما لا يمكن وجوده إلا من عند الله والالتجاء إليه مقبلا على الشفاعة ~~متوكلا عليها طالبها من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن هذا بعينه فعل ~~المشركين واعتقادهم ولا نشأت فتنة في الوجود إلا بهذا الاعتقاد فلا ينالها، ~~وقد حسم سبحانه مواد المشركين وما يتعلقون به ويرجونه حسما قاطعا في ms403 كتابه ~~المبين، ولا أعظم لهم تعلقا منها فجعلها كلها له وعلق وجودها بشرطين: وجود ~~إذنه للشافع، ورضاه عن المشفوع له، فلا تسأل من غيره سبحانه وتعالى وقد ~~قدمنا الكلام عليها مرارا متعددة مبسوطا في محالها. # PageV01P351 ### | الشفاعة ومعناها ورد قول المخالف # وأما قوله (تنبيه: الشفاعة السعي في إصلاح حال المشفوع فيه عند المشفوع ~~... إلى آخر كلامه) فهو خطأ إذ المشفوع له ليس المشفوع عنده، بل هو # PageV01P351 # المشفوع فيه، فصوابه أن يقول عند المشفوع عنده وهو المشفع بكسر الفاء اسم ~~فاعل، وأما اشتقاقها فقد قال أهل المعاني أن الشفاعة مأخوذة من الشفع ~~المقابل للوتر فاستعملت في الشفيع باعتبارين: # الأول منهما: كونه شافعا لصاحب الحاجة حتى يجتمع معه على المسألة. # الثاني: كونه شافعا للمسئول منه قضاء الحاجة في قضائها إذ هي لم تقض إلا ~~بسبب شفاعته فكأنه شاركه وشفعه فيها. # فمن الأول قوله سبحانه وتعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ... ~~} الآية ومن الثاني قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} (وأما معناها) فإنها تكون في الخير ~~كالإصلاح بين الناس في الدنيا قال تعالى: {من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب ~~منها} وفي الآخرة هي توجه المأذون له فيها لمن ارتضى الله عنه إما برفع ~~درجاته وإما بدخوله الجنة أول وهلة بلا حساب، وإما بعدم دخوله النار التي ~~قد استحق دخولها بأعمال سيئة كانت قد صدرت منه، وإما بإخراجه منها بعد أن ~~دخلها وكما تكون في الخير تكون في الشر كالمشي في الغيبة والتميمة وإساءة ~~القول في الناس. قال سبحانه وتعالى: {ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها} ~~واستعمل الكفل في الشر على جهة التهكم كقوله فبشرهم بعذاب أليم. وقد قدمنا ~~أن الناس قد افترقوا في الشفاعة ثلاث فرق طرفان ووسط، بين مثبت ما نفاه ~~القرآن، وبين ناف ما أثبتته السنة، وهم الخوارج والمعتزلة وبين مثبت ما ~~أثبته الله ورسوله وناف ما نفاه الله ورسوله، وهم أهل السنة والجماعة، ولكن ~~من ms404 حقق معنى الشفاعة ومن هي نائلة علق قلبه بما هو السبب لها من إتباع ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الدين الذي أوله وآخره وظاهره وباطنه هو ~~التوحيد وإخلاص الدين كله لله وتحقيق قول لا إله إلا الله. فإن المسلمين ~~وإن اشتركوا في الإقرار بها فهم متفاضلون في تحقيقها تفاضلا لا نقدر أن ~~نضبطه حتى أن كثيرا منهم يظنون أن التوحيد المفروض هو الإقرار والتصديق بأن ~~الله خالق كل شيء وربه وأن ليس للإله معنى إلا ذلك، ولا يميزون بين الإقرار ~~بتوحيد الربوبية الذي أقر به مشركو العرب وبين توحيد الإلهية الذي دعاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يجمعون بين التوحيد القولي والعملي، فإن ~~المشركين ما كانوا يقولون العالم خلقه إثنان ولا أن مع الله # PageV01P352 # ربا ينفرد دونه بخلق شيء بل كانوا كما قال الله عنهم: {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن الله} وقال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون} وقال تعالى: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون ~~لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون ~~لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون} وكانوا مع إقرارهم بأن الله هو ~~الخالق وحده ويجعلون معه آلهة أخرى يجعلونهم شفعاء لهم إليه، ويقولون إنما ~~نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ويحبونهم كحبه والإشراك في الحب والعبادة ~~والدعاء غير مغفور قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا ~~يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} فمن أحب مخلوقا كما يحب الخالق ~~فهو به مشرك قد اتخذ من دون الله أندادا وإن كان مقرا بأن الله خالقه ولهذا ~~فرق الله ورسوله بين من أحب مخلوقا لله وبين من أحب مخلوقا مع الله، فالأول ~~يكون الله هو محبوبه ومعبوده الذي هو منتهى حبه وعبادته لا يحب معه غيره ~~لكنه لما علم أن ms405 الله يحب أنبياءه وعباده الصالحين أحبهم لأجله وكذلك لما ~~علم أن الله يحب فعل المأمور وترك المحظور أحب ذلك فكان حبه لما يحبه تابعا ~~لمحبة الله وفرعا عليه وداخلا فيه، بخلاف من أحب مع الله فجعله ندا لله ~~يرجوه ويخافه ويطيعه من غير أن يعلم أن طاعته طاعة الله ويتخذه شفيعا له من ~~غير أن يعلم أن الله يأذن له أن يشفع فيه كما قال تعالى: {ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} وقال تعالى: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} وقد قال عدي بن ~~حاتم للنبي صلى الله عليه وسلم ما عبدوهم قال أحلوا لهم الحرام وحرموا ~~عليهم الحلال فأطاعوهم فكانت تلك عبادتهم إياهم. قال تعالى: {أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال تعالى: {ويوم يعض الظالم على ~~يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا ~~خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} ~~فالرسول وجبت طاعته لأنه من يطع الرسول فقد أطاع الله، فالحلال ما حلله ~~والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، ومن سوى الرسول من العلماء والمشايخ ~~والأمراء والملوك إنما تجب طاعتهم إذا كانت طاعتهم طاعة الله، وهؤلاء إذا ~~أمر الله ورسوله بطاعتهم فطاعتهم داخلة في طاعة الرسول. قال # PageV01P353 # تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر ~~منكم} فلم يقل وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم بل جعل طاعة أولي ~~الأمر داخلة في طاعة الرسول، وطاعة الرسول طاعة الله وأعاد الفعل في طاعة ~~الرسول دون طاعة أولي الأمر فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله فليس لأحد ~~إذا أمره الرسول بأمر أن ينظر هل أمر الله به أم لا بخلاف أولي الأمر فإنه ~~قد يأمرون بمعصية الله فليس كل من أطاعهم مطيعا لله بل ms406 لابد فيما يأمرون به ~~أن يعلم أنه ليس معصية لله وينظر هل أمر الله به أم لا سواء كان ولي الأمر ~~من العلماء أو الأمراء ويدخل في هذا تقليد العلماء وطاعة أمراء السرايا ~~وقبول ما ينسب عن المشايخ الصوفية كأبي يزيد البسطامي وغيره فإن كل أحد من ~~الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جمع أبو ~~الفضل كتابا من كلام أبي يزيد البسطامي سماه النور من كلام طيفور، فيه شيء ~~كثير لا ريب أنه كذب على أبي يزيد البسطامي، وفيه أشياء من غلط أبي يزيد ~~رحمه الله، وفي أشياء موافقة لأمر الشرع ومن قيل له عن أبي يزيد أو غيره من ~~المشايخ أنه قال لمريديه ان تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار فأنا منكم ~~بريء وتعقبه الآخرة وقال قلت لمريدي إن تركتم أحدا من أمة محمد يدخل النار ~~فأنا منكم بريء فصدق هذا النقل عنه ثم جعل هذا المصدق لهذا عن أبي يزيد أو ~~غيره يستحسنه ويستعظم حاله، فقد دل على عظيم جهله أو نفاقه فإنه ان كان قد ~~علم ما أخبر به الرسول من دخول من يدخل النار من أهل الكبائر، وان النبي ~~صلى الله عليه وسلم هو أول من يشفع فيهم بعد أن تطلب الشفاعة من الرسل ~~الكبار كنوح وإبراهيم وموسى وعيسى فيمتنعون ويعتذرون، ثم صدق أن مريدي أبي ~~يزيد أو غيره يمنعون أحدا من الأمة من دخول النار أو يخرجون كل من دخلها ~~منهم كان ذلك كفرا منه بما أخبر به الصادق المصدوق بحكاية منقولة كذب ~~ناقلها أو أخطأ قائلها إن لم يكن تعمد الكذب، وإن كان لا يعلم ما أخبر به ~~الرسول كان من أجهل الناس بأصول الإيمان. # PageV01P354 ### | الاعتصام بالكتاب والسنة # (فعلى المسلم) الاعتصام بالكتاب والسنة وأن يجتهد أن يعرف ما أخبر به ~~الرسول وأمر به علما يقينا وحينئذ فلا يدع المحكم المعلوم للمشتبه المجهول، ~~فإن مثال ذلك من كان سائرا إلى مكة في طريق معروفة لاشك أنما توصله ms407 إلى مكة ~~إذا سلكها فعدل عنها إلى طريق مجهولة لا يعرفها ولا يعرف منتهاها، وهذا ~~مثال من عدل عن الكتاب والسنة إلى كلام من لا يدري هل يوافق الكتاب والسنة ~~أو يخالف ذلك. (وأما) من عارض الكتاب والسنة بما يخالف ذلك فهو بمنزلة من ~~كان يسير على الطريق المعروفة إلى مكة فذهب إلى طريق قبرص يطلب الوصول منها ~~إلى مكة فإن هذه حال من ترك المعلوم من الكتاب والسنة إلى ما يخالف ذلك من ~~كلام زيد وعمرو. لهذا قال تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم ~~الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع ~~للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فأخبر أنه أرسل الرسل وأنزل ~~الكتاب والميزان لأجل قيام الناس بالقسط وذكر أنه أنزل الحديد الذي به ينصر ~~هذا الحق، فالكتاب يهدي والسيف ينصر كفى بربك هاديا ونصيرا، ولهذا كان قوام ~~الناس بأهل الكتاب الذي هو القرآن وأهل الحديد كما قال من قال من السلف ~~صنفان إذا صلحوا صلح الناس العلماء والأمراء، وقالوا في قوله تعالى: ~~{أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} أقوال العلماء والأمراء ~~ولهذا نص الإمام أحمد وغيره على دخول الصنفين في هذه الآية إذ كل منهما تجب ~~طاعته فيما يقوم به من طاعة الله وكان نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في حياته كعلي ومعاذ وأبي موسى وعتاب بن أسيد وعثمان بن أبي العاص وأمثالهم ~~يجمعون الصنفين وكذلك خلفاؤه من بعده كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونوابهم، ~~ولهذا كانت السنة أن الذي يصلي بالناس صاحب القرآن، والذي يقوم بالجهاد ~~صاحب الحديد، إلى أن تفرق الأمر بعد ذلك فإذا تفرق صار كل من قام بأمر ~~الحرب من جهاد الكفار وعقوبات الفجار يجب أن يطاع فيما أمر به من طاعة الله ~~في ذلك، وكذلك من قام يجمع الأموال وقسمها يجب أن يطاع فيما أمر به من طاعة ~~الله # PageV01P355 # في ذلك، وكذلك من قام بالكتاب بتبليغ أخباره وأوامره وبيانها يجب أن يصدق ~~ويطاع فيما ms408 أخبر به من الصدق في ذلك وفيما يأمر به من طاعة الله في ذلك. # والمقصود هنا بذلك كله هو أن يقوم الناس بالقسط الذي هو التوحيد وهو ~~عبادة الله وحده لا شريك له قال عز من قائل: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا ~~وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين} وقال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال: {واسأل من ~~أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} وقال: {ولقد ~~بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال: {شرع لكم من ~~الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ~~أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} وقال: {وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ~~ربكم فاتقون} ودين الإسلام العام الذي اتفقت عليه جميع النبيين هو المذكور ~~في قوله تعالى: {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين} وقال نوح عليه السلام {وأمرت أن أكون من المسلمين} وقال الله عن ~~إبراهيم {إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ... } إلى قوله {..فلا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون} وقال عن موسى: {يا قوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه ~~توكلوا إن كنتم مسلمين} . # فهذا التوحيد الذي هو أصل الدين وقوامه هو أعظم العدل وأصوبه وذلك بأن ~~يكون الدين كله لله قولا وعملا واعتقادا بإخلاص هذه الكلمة في لفظها ~~ومعناها شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. ~~اللهم اجعلنا ممن توجه إليك بها مخلصا حتى يلقاك وأنت عنه راض فثبتنا اللهم ~~عليها واجعلنا من أهلها مطيعين لأمرك آمرين بعدلك ناهين بنهيك. # هذا آخر ما أردنا املاءه على تلك المقدمة العجالة في تلك الورقات الرسالة ~~فلله الحمد أولا وآخرا ظاهرا وباطنا، اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به ~~بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به ms409 ~~علينا مصائب الدنيا، ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا أبدا ما أحييتنا ~~واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا، ولا ~~تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ~~ولا يرحمنا يا أرحم الراحمين آمين، اللهم صل # PageV01P356 # وسلم على أفضل خلقك سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين سبحان ربك رب العزة ~~عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين. # PageV01P357 # * هنيئا مريئا في اغتيابي فوائد ... فكل فتى يغتابني فهو لي يهدي # يصلي ولي أجر الصلاة وصومه ... ولي كل شيء من محاسنه بيدي # وكم حاسد قد أنضج الغيظ قلبه ... ولكنه غيظ الأسير على القد # فدونكها تحوى علوما جليلة ... منزهة عن وصف خد وعن قد # فلا مدحت وصلا لليلى وزينب ... ولا هي ذمت هجر سعدى ولا هند # إليك طوت عرض الفيافي وطولها ... فكم جاوزت غورا ونجدا إلى نجد # أناخت بنجد فاستراحت ركابها ... وراح خليا عن رحيل وعن شد # فاحسن قراها بالقراءة ناظما ... عليها جوابا فهي من جملة الوفد # وقد طولت جبرا لضعف نظامها ... كما ستر الوجه المشوه بالبرد # وصل على المختار والآل انهم ... لحسن ختام النظم واسطة العقد # وقد صفحنا عن جوابها إيجازا واختصارا إدراكا للمأمول وتحصيلا للمسئول، ~~فالشيخ محمد بن عبد الوهاب لما قام يدعو الناس إلى إقامة سنة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ودينه وهديه ليقتفوا به وبأصحابه من بعده فيقوموا الشريعة ~~التي عليها من سلف من الأمة، عاداه الناس وآذوه، ونسبوا كل عقيدة باطلة ~~وفعل قبيح إليه، وانقسموا فيه بين مكفر ومخرج، وأجلبوا بجيوشهم ومدافعهم ~~عليه، وما ذنبه إلا أنه يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، فهو ~~الداعي إليه، وهو القائم عليه، ممتثلا قول الله تبارك وتعالى ومقتديا ~~برسوله صلى الله عليه وسلم وبمن مضى من الصحابة والتابعين في إقامة الدين ~~{ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك ~~هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} وقال تعالى: {ومن أحسن قولا ~~ممن دعا ms410 إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} ومن أعرض ونأى بجانبه ~~عن ملة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة الداعي إلى سبيل ربه ~~بالحكمة والموعظة الحسنة فقد أخطأ وضل وأضل فإلى أين العدول عن ملته أصن ~~تطلب النجاة في غير طريقته، أيدعى مسلم إتباع من لا يشك أنه على الصراط ~~المستقيم وأنه رسول رب العالمين أرسله بالهدى ودين الحق فيتركه ويتبع ~~الشيطان الرجيم الذي قد أخبر الله عنه {إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير} . PageV01P501 ms411