######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_007099 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب #META# 011.AuthorBORN :: 1200هـ #META# 011.AuthorDIED :: 1233 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الكتب الجامعة لمسائل العقيدة :: كتب العقائد والملل #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: تيسير العزيز الحميد #META# 030.LibURI :: JK_007099 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: محمد أيمن الشبراوي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عالم الكتب #META# 044.EdPLACE :: بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1999م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي رضي الإسلام للمؤمنين دينا ، ونصب الأدلة على صحته وبينها ~~| تبيينا ، وغرس التوحيد في قلوبهم فأثمرت بإخلاصه فنونا ، وأعانهم على ~~طاعته هداية | منه وكفى بربك هاديا ومعينا . # والحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي | ~~من الذل وكبره تكبيرا ، الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان | ~~ربك قديرا ، ويعبدون من دون الله مالا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر | على ~~ربه ظهيرا . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألهيته ، تعالى عن ~~ذلك | علوا كبيرا ، الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على | العرش الرحمن فاسئل به خبيرا . # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، رسله بالحق شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا | ~~إلى الله بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما ~~كثيرا # أما بعد ، فهذا شرح لكتاب ' التوحيد ' تأليف الشيخ الإمام | محمد بن عبد ~~الوهاب ، أحسن الله له المآب ، وأجزل له الثواب . واف إن شاء | الله تعالى ~~بالتنبيه على بعض ما تضمنه من بيان أنواع التوحيد ، إذ هو المقصود | ~~بالأصالة هنا ، ولم أخله أيضا من التنبيه على بعض ما يتضمنه من غير ذلك ، ~~إلا أن | PageV01P003 | الأولى بنا هو بيان ما وضع لأجله الكتاب لعموم ~~الضرر والفساد الواقع | من مخالفة ما فيه . # والأصل في ذلك هو العراض عن الهدى والنور الذي أنزله الله تعالى على | ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة ، والاستغناء عن ذلك | ~~بمتابعة الآباء والأهواء والعادات المخالفة لذلك . # ولهذا كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من | ~~القرآن ، وضرب الأمثال لذلك ، وأكده وتوعد على الإعراض عنه ، وما | ذاك إلا ~~لشدة الحاجة ، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة ، فإنه لا صلاح | للعبد ولا ~~فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك ، ومتى لم يحصل ذلك | للعبد فهو ~~ميت . # كما قال تعالى : ^ ( أومن كان ميتا فأحييناه وجعلناه له نورا ms001 يمشي به في ~~| الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منه . . . ) ^ الآية . # فسمى سبحانه وتعالى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا ، وسمى من حصل | له ~~ذلك حيا ، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى ، | ~~ومعرفته وخدمته ، والإخلاص له ، والاستلذاذ بذكره ، والتذلل لعظمته ، | ~~والانقياد لأوامره ، والإنابة إليه ، والإسلام له ، فإذا حصل هذا للعبد فهو ~~الحي | بل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين . # كما قال تعالى : ^ ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~| طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ^ فإذا فاته هذا المقصود | ~~فهو ميت ، بل شر من الميت . # قال الله تعالى : ^ ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء | PageV01P004 | قليلا ما تذكرون ) . # وقال تعالى : ^ ( وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل | ~~فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) ^ . # وقال تعالى ^ ( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع | ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى | صراط ~~مستقيم ) . # وقال تعالى : ^ ( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم | ~~نورا مبنيا ) . # وقال تعالى : ^ ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن | تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول أن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر | ذلك خير وأحسن تأويلا ) | إلى قوله : ^ ( وما أرسلنا ~~من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . . . . الآية . | إلى قوله : ( فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا | في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما ) . # وقال تعالى : ^ ( وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة | وبشرى ~~للمسلمين ) . # وقال تعالى : ( وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم | ~~PageV01P005 | القيامة وزرا خالدين فيه ) الآية . # وقال تعالى : ^ ( فأما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى . ~~ومن | أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ) الآية . # قال ابن عباس : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما ms002 فيه أن لا يضل في ~~الدنيا | ولا يشقى في الآخرة . # وقال تعالى : ^ ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري | ما ~~الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك | ~~لتهدي إلى صراط مستقيم ) . # فيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة ، مع ~~أن | النبي صلى الله عليه وسلم لم يهتد إلا بذلك . # كما قال تعالى : ^ ( قل أن ضللت فإنما أضل على نفسي وأن اهتديت فيما يوحي ~~| إلي ربي أنه سميع قريب ) ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان . # وقال تعالى : ^ ( وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فأنتهوا ) . # والآيات في هذا المعنى كثيرة ، فوجب على كل من عقل عن الله أن يكون | على ~~بصيرة ويقين في دينه . # كما قال تعالى : ^ ( قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعني | وسبحان الله وما أنا من المشركين ) . # ومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم | ، وكيف ينال الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن | ~~PageV01P006 | نما يحصل من الآراء الفاسدة التي هي زبالة الأذهان . تالله ~~لقد مسخت عقول | هذا غاية ما عندها من التحقيق والعرفان . # وهذا المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ~~حقيقة | دين الإسلام ، الذي افترضه الله على الخاص والعام . وهو حقيقة ~~الشهادتين | الفارقتين بين المؤمنين والكفار ، والسعداء أهل الجنة ~~والأشقياء أهل النار ، إذ معنى | الإله : هو المعبود المطاع ، وذلك هو دين ~~الله الذي ارتضاه لنفسه وملائكته ورسله | وأنبيائه فبه اهتدى المهتدون ، ~~وإليه دعا المرسلون . ( وما أرسلنا من قبلك من | رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون ) ^ ( أفغير دين الله يبغون وله | أسلم من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ) فلا يتقبل | من أحد دينا سواه من الأولين ~~والآخرين . # كما قال تعالى : ^ ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة | من الخاسرين ) ^ . # شهد الله تعالى بأنه ms003 دينه قبل شهادة المخلوقين ، وأنزلها تتلى في كتابه ~~إلى | يوم الدين . # فقال تعالى وهو العزيز العليم : ^ ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا | العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) . # جعل أهله هم الشهداء على الناس يوم القيامة ، لما فضلهم به من الأقوال ، ~~| والأعمال ، والاعتقادات التي توجب إكرامه . # فقال تعالى ولم يزل عزيزا حميدا : ^ ( وكذلك جعلنا كم أمة وسطا لتكونوا | ~~PageV01P007 | شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) . # وفضله على سائر الأديان ، فهو أحسنها حكما ، وأقومها قيلا . # فقال تعالى ^ ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة | ~~إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا ) . # وكيف لا يميز من له بصيرة بين دين أسس على تقوى من الله ، ورضوان ، | ~~وارتفع بناؤه على طاعة الرحمن ، والعمل بما يرضاه في السر والإعلان ، وبين ~~| دين أسس على شفا جرف هار ، فإنهار بصاحبه في النار ، أسس على عبادة ~~الأصنام | والأوثان ، والالتجاء إلى الصالحين وغيرهم من الإنس والجان ، عند ~~الشدائد | والأحزان ، وصرف مخ العبادة لغير الملك الديان ، ورجا النفع ~~والعطاء والمنع | ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره من نوع ~~الإنسان ، ودعوى | التصرف في الملك لصالح رميم في التراب والأكفان قد عجز ~~عن دفع ما حل | به من أمر الله ، فكيف يدفع عمن دعاه من بعيد الأوطان ؟ ! # أو فاسق يشاهدون فسقه وفجوره فهو ابعد الناس من الرحمن ، أو ساحر | يريهم ~~من سحره ما يحير به الأذهان ، فيظن المخذولون أنها كرامة من الله ، وإنما | ~~هي من مخاريق الشيطان ، تبا لهم سدوا على أنفسهم باب العلم والإيمان : | ~~وفتحوا أعليها باب الجهل والكفران . قابلوا خبر الله بالتكذيب ، وأمر ~~بالعصيان . # أخبر بأن الهدى والنور في كتابه ، فقالوا : كان ذاك فيما مضى من الزمان ، # وأمرهم باتباع ما أنزل إليهم من ربهم ، ولا يتبعوا من دونه أولياء ، ~~فقالوا : | لا بد لنا من ولي غير القرآن . أن جئتهم بكتاب الله قالوا : ~~حسبنا ما وجدنا عليه | أهل الزمان ، أو جئتهم بسنة رسول صلى الله عليه وسلم ms004 ~~قالوا : خالفها الشيخ | PageV01P008 | فلان ، وهو أعلم منا ومنكم ، ~~فاعتبروا يا أولي الإيمان . عمدوا إلى قبور الأنبياء | والصالحين ، فبنوا ~~عليها البنيان ، ونقشوا سقوفها والحيطان ، وحلوها بالغالي | من الأثمان ، ~~وألبسوا ألوان الستور الحسان ، وجعلوا لها السدنة والخدام ، | فعل عباد ~~الأوثان والصلبان ، وذبحوا ونذروا لمن فيها ، وقربوا لهم القربان ، | ~~وقالوا : هؤلاء شفعاؤنا في كشف الكروب وغفران الذنوب ودخول الجنان . # فبالله صف لي شرك المشركين ، هل هو بعينه إلا هذا كما نطق به القرآن | في ~~سورة يونس ، والزمر ، وغيرهما من محكمات الفرقان . وإن غرك أن الأكثر | ~~عليه فقد حكم الله بأنهم أضل سبيلا من الإنعام ، إذا ستبدلوا الشرك ~~بالتوحيد ، | والضلال بالهدى ، والكفر بالإسلام ، نعوذ بالله من موجبات ~~غضبه وأليم عقابه فهو | السلام . أو غرك أن بعض من تعظمه قد رأى شيئا من ~~هذا أو قاله ، فالخطأ | جائز على من سوى الرسول من الأنام . فعليك بالرجوع ~~إلى العصمة لذي لا سبيل إلى | تطرق الخطأ إليه ، وهو كلام ذي الجلال ~~والإكرام ، وسنة رسوله عليه أفضل | الصلاة والسلام ، مع ما قاله العلماء ~~الأعلام ، الذين نطقوا بكلمة التوحيد | وحققوها بالأعمال والكلام . ولم يزل ~~الحال على ما وصفنا لك من الأمور العظام | منتشرا في أهل البلدان المنتسبين ~~إلى الإسلام ، المارقين منه كما تمرق الرمية من | السهام ، إلى أن أراد ~~الله إزالة تلك الظلمات ، وكشف البدع والضلالات ، | ونفي الشبهات والجهالات ~~، وتصدق بشارة رسول رب الأرض والسموات ، | في قوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من | يجدد لها دينها ' رواه ~~أبو داود والحاكم ، والبيهقي في ' المعرفة ' وإسناده صحيح | علي يدي من ~~أقامه هذا المقام ، ومنحه جزيل الفضل والإنعام ، أعني به الشيخ | الإمام ~~خلف السلف الكرام ، المتبع لهدي سيد الأنام ، المنافح عن دين الله في كل | ~~مقام ، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، أحسن الله له المآب ، وضاعف له | ~~PageV01P009 | الثواب ، فدعى إلى الله ليلا ونهارا ، وسرا وجهارا ، وقام ~~بأمر الله في الدعوة | إليه ، وما حابى أحدا ولا دارى ، فعظم على الأكثرين ~~وأنفوا استكبارا ، | ولم ms005 يثنه ذلك عن أمر الله حتى قيض الله له أعوانا ~~وأنصارا ، فرفعوا ألويته وأعلامه | حتى انتشرت في الخافقين انتشارا . # وصنف رحمه الله تعالى التصانيف في توحيد الأنبياء والمرسلين ، والرد على ~~| من خالفه من المشركين ، ومن جملتها كتاب ' التوحيد ' وهو كتاب فرد | في ~~معناه ، لم يسبقه إليه سابق ، ولا لحقه فيه لاحق ، وهو الذي قصدت الكلام | ~~عليه إن شاء الله تعالى ، وإن كنت لست ممن يتصدى لهذا الشأن ، ولكن لما | ~~رأيت الكتاب لم يتعرض للكلام عليه أحد يعتد به ، ورأيت تشوق الطلبة | ~~والأخوان إلى شرح يفي ببعض ما فيه من المقاصد ، أحببت أن أسعفهم بمرادهم | ~~على حسب طاقتي ، ' والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ' . # ولذلك ، يسر الله الكلام عليه ، ومن به من عنده وحده لا شريك له بحوله ~~وقوته ، لا بحولي وقوتي ، فناسب أن يسمى : | ' تيسير العزيز الحميد في شرح ~~كتاب التوحيد ' . # وحيث أطلقت شيخ الإسلام ، فالمراد به الإمام أبو العباس ابن تيمية ، ~~والحافظ | فالمراد به أبو الفضل ابن حجر العسقلاني ، صاحب ' فتح الباري ' ~~وغيره رحمهما | الله تعالى ، واسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم ~~، وسببا للفوز | بجنات النعيم ، إنه جواد كريم ، رؤوف رحيم . # PageV01P010 | # | ( بسم الله الرحمن الرحيم ) # الحمد لله الذي رضي الإسلام للمؤمنين دينا ، ونصب الأدلة على صحته وبينها ~~تبيينا ، | وغرس التوحيد في قلوبهم ، فأثمرت بإخلاصه فنونا ، وأعلنهم على ~~طاعته هداية منه وكفى | بربك هاديا ومعينا . # و ^ ( الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شرك في الملك ولم يكن له ~~ولى من الذل وكبره | تكبيرا ) ^ [ الإسراء : 111 ] @QB@ وهو الذي خلق من ~~الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا @QE@ | [ الفرقان : 54 - 55 ] ~~. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وإلهيته ، تعالى عن ~~ذلك علوا | كبيرا ، ^ ( الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش الرحمن فسئل | به خبيرا ) ^ [ الفرقان : 59 ms006 ] . # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالحق شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا ~~إلى الله | بإذنه وسراجا منيرا ، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم ~~تسليما كثيرا . # أما بعد ، فهذا شرح لكتاب ' التوحيد ' - واف إن شاء الله تعالى بالتنبيه ~~على بعض ما | تضمنه من بيان أنواع التوحيد ، إذ هو المقصود بالأصالة هنا ، ~~ولم أخله أيضا من التنبيه على | بعض ما يتضمنه من غير ذلك ، إلا أن الأولى ~~بنا هو بيان ما وضع لأجله الكتاب لعموم | الضرر والفساد الواقع من مخالفة ~~ما فيه . # والأصل في ذلك هو الإعراض عن الهدى والنور الذي أنزله الله تعالى على ~~رسوله | محمد [ صلى الله عليه وسلم ] من الكتاب والحكمة ، والاستغناء عن ~~ذلك بمتابعة الآباء والأهواء والعادات | المخالفة لذلك . # ولهذا كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من ~~القرآن ، وضرب | الأمثال لذلك ، وأكده وتوعد على الإعراض عنه ، وما ذاك إلا ~~لشدة الحاجة ، بل الضرورة | إلى ذلك فوق كل ضرورة ، فإنه لا صلاح للعبد ولا ~~فلاح ولا سعادة في الدنيا والآخرة إلا | بذلك ، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ~~ميت . | PageV01P015 # كما قال تعالى : @QB@ أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا ~~يعملون @QE@ | [ الأنعام : 122 ] . # فسمى سبحانه وتعالى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا ، وسمى من حصل له ~~ذلك | حيا ، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله تعالى ، ~~ومعرفته | وخدمته ، | والإخلاص له ، والاستلذاذ بذكره ، والتذلل لعظمته ، ~~والانقياد لأوامره ، والإنابة إليه ، | والإسلام له ، فإذا حصل هذا للعبد ، ~~فهو الحي ، بل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين . # كما قال تعالى : ^ ( من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حيوة ~~طيبة | ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) ^ [ النحل : 97 ] . فإذا ~~فاته هذا المقصود فهو | ميت ، بل شر من الميت . # قال الله تعالى : @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ما تذكرون @QE@ [ الأعراف ms007 : 3 ] . # وقال تعالى : @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق ~~بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون @QE@ [ الأنعام : 153 ] . # وقال تعالى : ^ ( قد جاءكم من الله نور وكتب مبين يهدى به الله من | اتبع ~~رضونه سبل السلم ويخرجهم من الظلمت إلى النور بإذنه ويهديهم إلى | صراط ~~مستقيم ) ^ [ المائدة : 15 - 16 ] . # وقال تعالى : ^ ( يا أيها الناس قد جاءكم برهن من ربكم وأنزلنا إليكم ~~نورا مبينا ) ^ | [ النساء : 174 ] . # وقال تعالى : ^ ( يا أيها الذين ءامنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول ~~وأولى الأمر منكم فإن تنزعتم في شيء | فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ^ [ النساء : | 59 ] . # ^ ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك | فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ) 8 [ ~~النساء : 64 ] . # ^ ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم ~~| حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) ^ [ النساء : 65 ] . # وقال تعالى : ^ ( ونزلنا عليك الكتب تبينا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين ) ^ | [ النحل : 89 ] . PageV01P016 # وقال تعالى : ^ ( وقد ءاتينك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيمة | وزرا خلدين فيه وسآء لهم يوم القيمة حملا ) ^ [ طه : 99 - 101 ] . # وقال تعالى ^ ( فإما يأتينكم منى هدى فمن اتبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن ~~| أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيمة أعمى ) ^ [ طه : 123 - ~~124 ] . # قال ابن عباس : تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في ~~الدنيا ، ولا | يشقى في الآخرة . # وقال تعالى : ^ ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب ~~ولا الإيمن ولكن | جعلنه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدى إلى ~~صراط مستقيم ) ^ [ الشورى : 52 ] . # فيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة ، مع ~~أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لم يهتد إلا بذلك . كما قال تعالى : @QB@ ~~قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي ms008 وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب ~~@QE@ [ سبأ : 50 ] ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان . # وقال تعالى : ^ ( وما ءاتكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ^ [ ~~الحشر : 7 ] . | والآيات في هذا المعنى كثيرة ، فوجب على كل من عقل عن الله ~~أن يكون على بصيرة | ويقين في دينه . # كما قال تعالى : ^ ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعنى وسبحن الله وما | أنا من المشركين ) ^ [ يوسف : 108 ] . # ومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] ، وكيف ينال | الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن ~~إنما يحصل من الآراء الفاسدة التي | هي زبالة الأذهان . تالله لقد مسخت ~~عقول هذا غاية ما عندها من التحقيق والعرفان . # وهذه المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] هي ~~حقيقة دين الإسلام ، الذي افترضه | الله على الخاص والعام ، وهو حقيقة ~~الشهادتين الفارقتين بين المؤمنين والكفار ، والسعداء | أهل الجنة ~~والأشقياء أهل النار ، إذ معنى الإله : هو المعبود المطاع ، وذلك هو دين ~~الله | الذي ارتضاه لنفسه وملائكته ورسله وأنبيائه . فبه اهتدى المهتدون ، ~~وإليه دعا المرسلون . | @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ [ الأنبياء : | 25 ] ^ ( أفغير دين الله يبغون ~~وله أسلم من في السموات و الأرض طوعا وكرها وإليه | يرجعون ) ^ [ آل عمران ~~: 83 ] فلا يتقبل من أحد دينا سواه من الأولين والآخرين . # كما قال تعالى : @QB@ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في ~~الآخرة من الخاسرين @QE@ [ آل عمران : 85 ] . | PageV01P017 | شهد الله ~~تعالى بأنه دينه قبل شهادة المخلوقين ، وأنزلها تتلى في كتابه إلى يوم ~~الدين . | فقال تعالى وهو العزيز العليم : ^ ( شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولوا العلم قائما | بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ) ^ [ ~~آل عمران : 18 ] . # جعل أهله هم الشهداء على الناس يوم القيامة ، لما فضلهم به من الأموال ، ~~و الأعمال ، | والاعتقادات التي توجب إكرامه . # فقال تعالى ms009 ولم يزل عزيزا حميدا : ^ ( وكذلك جعلنكم أمة وسطا لتكونوا ~~شهداء على | الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ^ [ البقرة : 143 ] . # وفضله على سائل الأديان ، فهو أحسنها حكما ، وأقومها قيلا . | فقال تعالى ~~: @QB@ ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ~~واتخذ الله إبراهيم خليلا @QE@ [ النساء : 125 ] . # وكيف لا يميز من له بصيرة بين دين اسس على تقوى من الله ورضوان ، | ~~وارتفع بناؤه | على طاعة الرحمن ، والعمل بما يرضاه في السر والإعلان ، ~~وبين دين أسس على شفا جرف | هار ، فانهار بصاحبه في النار ، أسس على عبادة ~~الأصنام و الأوثان ، والالتجاء إلى الصالحين | وغيرهم من الإنس والجان ، ~~عند الشدائد والأحزان ، وصرف مخ العبادة لغير الملك الديان ، | ورجا النفع ~~والعطاء والمنع ممن لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا عن غيره من نوع | ~~الإنسان ، ودعوى التصرف في الملك لصالح رميم في التراب والأكفان . قد عجز ~~عن دفع | ما حل به من أمر الله ، فكيف يدفع عمن دعاه من بعيد الأوطان ؟ ! # أو فاسق يشاهدون فسقه وفجوره فهو أبعد الناس من الرحمن ، أو ساحر يريهم ~~من | سحره ما يحير به الأذهان ، فيظن المخذولون أنها كرامة من الله ، وإنما ~~هي من مخاريق | الشيطان ، تبا لهم سدوا على أنفسهم باب العلم والإيمان ، ~~وفتحوا عليها باب الجهل | والكفران . قابلوا خبر الله بالتكذيب ، وأمره ~~بالعصيان . # أخبر بأن الهدى والنور في كتابه ، فقالوا : كان ذاك فيما مضى من الزمان ، ~~وأمرهم | باتباع ما أنزل إليهم من ربهم ، ولا يتبعوا من دونه أولياء ، ~~فقالوا : لا بد لنا من ولي غير | القرآن . إن جئتهم بكتاب الله قالوا : ~~حسبنا ما وجدنا عليه أهل الزمان ، أو جئتهم بسنة | رسوله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] قالوا : خالفها الشيخ فلان ، وهو أعلم منا ومنكم ، فاعتبروا يا أولي ~~الإيمان . | عمدوا إلى قبور الأنبياء والصالحين ، فبنوا عليها البنيان ، ~~ونقشوا سقوفها والحيطان ، وحلوها | بالغالي من الأثمان ، وألبسوها ألوان ~~الستور الحسان ، وجعلوا لها السدنة والخدام ، فعل عباد | الأوثان والصلبان ~~، وذبحوا ونذروا لمن فيها ، وقربوا لهم القربان ، وقالوا : هؤلاء شفعاؤنا ~~في ms010 | كشف الكروب ، وغفران الذنوب ، ودخول الجنان . | PageV01P018 # فبالله صف لي شرك المشركين ، هل هو بعينه إلا هذا كما نطق به القرآن في ~~سورة | يونس ، والزمر ، وغيرهما من محكمات الفرقان . إن غرك أن الأكثر عليه ~~، فقد حكم الله | بأنهم أضل سبيلا من الأنعام ، إذ استبدلوا الشرك بالتوحيد ~~، والضلال بالهدى ، والكفر | بالإسلام نعوذ بالله من موجبات غضبه وأليم ~~عقابه فهو السلام . أو غرك أن بعض من | تعظمه قد رأى شيئا من هذا أو قاله ، ~~فالخطأ جائز على من سوى الرسول من الأنام . فعليك | بالرجوع إلى العصمة ~~الذي لا سبيل إلى تطرق الخطأ إليه ، وهو كلام ذي الجلال والإكرام ، | وسنة ~~رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام ، مع ما قاله العلماء الأعلام ، الذين ~~نطقوا بكلمة | التوحيد وحققوها بالأعمال والكلام . # ولم يزل الحال على ما وصفنا لك من الأمور العظام منتشرا في أهل البلدان ~~المنتسبين | إلى الإسلام ، المارقين منه كما تمرق الرمية من السهام ، إلى ~~أن أراد الله إزالة تلك الظلمات ، | وكشف البدع والضلالات ، ونفي الشبهات ~~والجهالات ، وتصديق بشارة رسول رب الأرض | والسموات ، في قوله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] : ' إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها ~~| دينها ' رواه أبو داود والحاكم ، والبيهقي في ' المعرفة ' وإسناده صحيح - ~~على يدي من | أقامه هذا المقام ، ومنحه جزيل الفضل والإنعام ، أعني به ~~الشيخ الإمام خلف السلف | الكرام ، المتبع لهدي سيد الأنام ، المنافح عن ~~دين الله في كل مقام ، شيخ الإسلام محمد بن | عبد الوهاب ، أحسن الله له ~~المآب ، وضاعف له الثواب ، فدعا إلى الله ليلا ونهارا ، وسرا | وجهارا ، ~~وقام بأمر الله في الدعوة إليه ، وما حابى أحدا فيه ولا دارى ، فعظم على ~~الأكثرين | وأنفوا استكبارا . ولم يثنه ذلك عن أمر الله حتى قيض الله له ~~أعوانا وأنصارا ، فرفعوا ألويته | وأعلامه حتى انتشرت في الخافقين انتشارا ~~. # وصنف رحمه الله تعالى التصانيف في توحيد الأنبياء والمرسلين ، والرد على ~~من خالفه | من المشركين ، ومن جملتها كتاب ' التوحيد ' وهو كتاب فرد في ~~معناه ، لم يسبقه إليه سابقا PageV01P019 | ولا لحقه ms011 فيه لاحق ، وهو الذي ~~قصدت الكلام عليه إن شاء الله تعالى ، وإن كنت لست ممن | يتصدى لهذا الشأن ~~، لكن لما رأيت الكتاب لم يتعرض للكلام عليه أحد يعتد به ، ورأيت | تشوق ~~الطلبة والإخوان إلى شرح يفي ببعض ما فيه من المقاصد ، أحببت أن أسعفهم | ~~بمرادهم على حسب طاقتي ، ' والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ' ~~ولذلك | يسر الله الكلام عليه ، ومن به من عنده وحده لا شريك له بحوله ~~وقوته ، لا بحولي وقوتي ، | فناسب أن يسمى : | ' تيسير العزيز الحميد في ~~شرح كتاب التوحيد ' . # وحيث أطلقت شيخ الإسلام ، فالمراد به الإمام أبو العباس ابن تيمية . # والحافظ فالمراد به أبو الفضل ابن حجر العسقلاني ، صاحب ' فتح الباري ' ~~وغيره | رحمهما الله تعالى . # وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا ، لوجهه الكريم ، وسببا للفوز بجنات ~~النعيم ، إنه جواد | كريم ، رؤوف رحيم . | PageV01P020 | بسم الله الرحمن ~~الرحيم # افتتح المصنف رحمه الله كتابه بالبسملة ، اقتداء بالكتاب العزيز . وعملا ~~بالحديث ' كل | أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع ' ~~رواه الحافظ عبد القادر | الرهاوي في ' الأربعين ' من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا ، وأخرجه الخطيب في ' الجامع ' | بنحوه . # فإن قلت : هلا جمع المصنف بين البسملة والحمدلة ، لما روى ابن ماجه ~~والبيهقي عن | أبي هريرة مرفوعا ' كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله ~~فهو أقطع ' وفي رواية لأحمد : | ' لا يفتح بذكر الله فهو أبتر وأقطع ' . # قيل : المراد الافتتاح بما يدل على المقصود من حمد الله والثناء عليه ، ~~لأن الحمد | متعين ، لأن القدر الذي يجمع الذي ذلك هو ذكر الله وقد حصل ~~بالبسملة . | PageV01P021 # وأيضا فليس في الحديث ما يدل على أنه تتعين كتابتها مع النطق بها ، فقد ~~يكون | المصنف نطق بذلك في نفسه . # واتفق العلماء على أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف قدره الكوفيون فعلا ~~مقدما ، | والتقدير : أبدأ ، وقدره البصريون اسما مقدما ، والتقدير : ~~ابتدائي كائن ، أو مستقر . قال : | فالجار والمجرور في موضع نصب على الأول ~~، وعلى الثاني في موضع رفع . وذكر ابن | كثير أن القولين ms012 متقاربان ، وكل قد ~~ورد به القرآن . # أما من قدره باسم تقديره : باسم الله ابتدائي . فلقوله تعالى : ^ ( وقال ~~اركبوا فيها بسم | الله مجرها ومرسها ) ^ [ هود : 41 ] ومن قدره بالفعل ~~أمرا أو خبرا نحو : بدأ باسم الله ، وابتدأت | باسم الله ، فلقوله تعالى : ~~@QB@ اقرأ باسم ربك الذي خلق @QE@ [ العلق : 1 ] وكلاهما صحيح ، فإن | ~~الفعل لا بد له من مصدر ، فلك أن تقدر الفعل ومصدره ، وذلك بحسب الفعل الذي ~~سميته | قبله إن كان قياما أو قعودا ، أو أكلا ، أو شربا ، أو قراءة ، أو ~~وضوءا ، أو صلاتا . فالمشروع | ذكر اسم الله تعالى في ذلك كله تبركا وتيمنا ~~واستعانة على الإتمام والتقبل . وقدره الزمخشري | فعلا مؤخرا ، أي باسم ~~الله أقرأ أو أتلوا لأن الذي يتلوه مقروء ، وكان فاعل يبدأ في فعله | بسم ~~الله كان مضمرا ما تجعل التسمية مبدأ له ، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل ~~، فقال : | بسم الله ، كان المعنى بسم الله أحل ، وبسم الله أرتحل ، وهذا ~~أولى من أن يضمر أبدا ، لعدم | ما يطابقه ويدل عليه ، أو ابتدائي لزيادة ~~الإضمار فيه ، وإنما قدم المحذوف متأخرا وقدم | المعمول ، لأنه أهم وأدل ~~على الاختصاص ، وأدخل في التعظيم وأوفق للوجود ، فإن اسم | الله تعالى مقدم ~~على القراءة ، كيف وقد جعل آلة لها من حيث إن الفعل لا يعتد به شرعا ما | ~~لم يصدر باسمه تعالى . # وأما ظهور فعل القراءة في قوله : @QB@ اقرأ باسم ربك @QE@ فلأن الأهم ثمة ~~القراءة ، ولذا قدم | الفعل فيها على متعلقه ، بخلاف البسملة فإن الأهم ~~فيها الابتداء ، قاله البيضاوي . وهذا | القول أحسن الأقوال ، وأظنه اختيار ~~شيخ الإسلام ، وقد ألم به ابن كثير إلا أنه جعل | المحذوف مقدرا قبل ~~البسملة . # وذكر ابن القيم لحذف العامل في بسم الله فوائد عديدة ، منها . . . . أنه ~~موطن لا ينبغي | أن يتقدم فيه سوى ذكر الله تعالى ، فلو ذكرت الفعل وهو لا ~~يستغني عن فاعله ، كان ذلك | مناقضا للمقصود ، فكان في حذفه مشاكلة اللفظ ~~للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله ، كما | تقول في الصلاة : الله أكبر ، ~~ومعناه : من كل ms013 شيء ، ولكن لا تقول هذا القدر ليكون اللفظ | مطابقا لمقصود ~~الجنان ، وهو أن لا يكون في القلب إلا ذكر الله وحده ، فكما تجرد ذكره في | ~~قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه . # ومنها : أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة ، ~~وليس PageV01P022 | فعل أولى بها من فعل ، فكان الحذف أعم من الذكر ، فأي ~~فعل ذكرته كان المحذوف أعم | منه . # ( الله ) : علم على الرب تبارك وتعالى . ذكر سيبويه أنه أعرف المعارف . ~~ويقال : إنه | الاسم الأعظم ، لأنه يوصف بجميع الصفات ، كما قال تعالى : ^ ~~( هو الله الذي لا إله إلا هو | علم الغيب والشهدة هو الرحمن الرحيم هو ~~الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس | السلم المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحن الله عما يشركون هو الله | الخلق البارئ المصور له ~~الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموت والأرض وهو العزيز | الحكيم ) ^ [ ~~الحشر : 22 - 24 ] فأجرى الأسماء الباقية كلها صفات له . # واختلفوا هل هو اسم جامد أو مشتق ؟ على قولين أصحهما أنه مشتق . # قال ابن جرير : فإنه على ما روي لنا عن ابن عباس قال : الله ذو الألوهية ~~والعبودية | على خلقه أجمعين . # وذكر سيبويه عن الخليل أن أصله إله مثل فعال ، فأدخلت الألف واللام بدلا ~~من | الهمزة . قال سيبويه : مثل الناس أصله ناس . وقال الكسائي والفراء : ~~أصله الإله ، حذفوا | الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية ، وعلى هذا ~~فالصحيح أنه مشتق من أله الرجل : إذا | تعبد ، كما قرأ ابن عباس : ^ ( ~~ويذرك وءالهتك ) ^ [ الأعراف : 127 ] أي عبادتك وأصله الإله ، | أي المعبود ~~، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة فالتقت اللام التي هي عينها مع اللام ~~التي | للتعريف ، فأدغمت إحداهما في الأخرى ، فصارتا في اللفظ لاما واحدة ~~مشددة وفخمت | تعظيما ، فقيل : الله . # قال ابن القيم : القول الصحيح أن الله أصله : الإله كما هو قول سيبويه ~~وجمهور | أصحابه إلا من شذ منهم ، وإن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى | والصفات العلى . قال : وزعم السهيلي وشيخه أبو بكر ~~ابن العربي أن اسم ms014 الله غير مشتق ، | لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها ، ~~واسمه تعالى قديم ، والقديم لا مادة له فيستحيل | الاشتقاق ، ولا ريب أنه ~~إن أريد بالاشتقاق هذا المعنى وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل ، | ولكن ~~الذين قالوا بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى ، ولا ألم بقلوبهم ، وإنما ~~أرادوا أنه دال | على صفة له تعالى وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى ، ~~كالعليم ، والقدير ، والغفور ، | والرحيم ، والسميع ، والبصير . فإن هذه ~~الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ريب ، وهي | قديمة ، والقديم لا مادة له ، ~~فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو جواب القائلين باشتقاق | اسم الله تعالى ~~ثم الجواب عن الجميع أنا لا نعني بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في | ~~اللفظ والمعنى ، لا أنها متولدة منه تولد الفرع من أصله . وتسمية النحاة ~~للمصدر والمشتق | منه أصلا وفرعا ليس معناه أن أحدهما تولد من الآخر ، ~~وإنما هو باعتبار أن أحدهما يتضمن | PageV01P023 | الآخر وزيادة . وذكر ابن ~~القيم لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية ثم قال : وأما | خصائصه المعنوية ~~فقد قال فيها أعلم الخلق به [ صلى الله عليه وسلم ] : ' لا أحصي ثناء عليك ~~أنت كما أثنيت | على نفسك ' وكيف تحصى خصائص اسم مسماه كل كمال على الإطلاق ~~وكل مدح وكل | حمد وكل ثناء وكل مجد وكل جلال وكل إكرام وكل عز وكل جمال ~~وكل خير وإحسان | وجود وبر وفضل فله ومنه ، فما ذكر هذا الاسم في قليل إلا ~~كثرة ، ولا عند خوف إلا | أزاله ، ولا عند كرب إلا كشفه ، ولا عند هم وغم ~~إلا فرجه ، ولا عند ضيق إلا وسعه ، ولا | تعلق به ضعيفا إلا أفاده القوة ، ~~ولا ذليل إلا أناله العز ، ولا فقير إلا أصاره غنيا ، ولا | مستوحش إلا ~~آنسه ، ولا مغلوب إلا أيده ونصره ، ولا مضطر إلا كشف ضره ، ولا شريد إلا | ~~آواه . فهو الاسم الذي تكشف به الكربات ، وتستنزل به البركات والدعوات ، ~~وتقال به | العثرات ، وتستدفع به السيئات ، وتستجلب به الحسنات ، وهو الاسم ~~الذي به قامت | السموات والأرض ، وبه أنزلت الكتب ، وبه أرسلت الرسل ، وبه ~~شرعت الشرائع ms015 ، وبه | قامت الحدود ، وبه شرع الجهاد ، وبه انقسمت الخليقة ~~إلى السعداء والأشقياء ، وبه حقت | الحاقة ، ووقعت الواقعة ، وبه وضعت ~~الموازين القسط ، ونصب الصراط ، وقام سوق الجنة | PageV01P024 | والنار ، ~~وبه عبد رب العالمين وحمد ، وبحقه بعثت الرسل ، وعنه السؤال في القبر ويوم ~~| البعث والنشور وبه الخصام ، وإليه المحاكمة ، وفيه الموالاة و المعاداة ، ~~وبه سعد من عرفه | وقام بحقه ، وبه شقي من جهله وترك حقه ، فهو سر الخلق ~~والأمر وبه قاما وثبتا ، وإليه | انتهيا ، فالخلق والأمر به وإليه ولأجله ~~فما وجد خلق ولا أمر ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئا | منه ، منتهيا إليه ، ~~وذلك موجبه ومقتضاه ، ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار | إلى ~~آخر كلامه رضي الله عنه . # ( الرحمن الرحيم ) قال ابن كثير : اسمان مشتقان من الرحمة على وجه ~~المبالغة ورحمن | أشد مبالغة من رحيم . قال ابن عباس : وهما اسمان رقيقان ~~أحدهما أرق من الآخر ، أي | أوسع رحمة . وقال ابن المبارك : الرحمن إذا سئل ~~أعطى ، والرحيم إذا لم يسأل يغضب . # قلت : كأن فيه إشارة إلى معنى كلام ابن عباس ، لأن رحمته تعالى تغلب غضبه ~~، | وعلى هذا فالرحمن أوسع معنى من الرحيم كما يدل عليه زيادة البناء . # وقال أبو علي الفارسي : الرحمن اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به ~~الله | تعالى ، والرحيم إنما هو في جهة المؤمنين . قال الله تعالى : @QB@ ~~وكان بالمؤمنين رحيما @QE@ | [ الأحزاب : 43 ] ونحوه قال بعض السلف . ويشكل ~~عليه قوله تعالى : ^ ( إن الله بالناس | لرءوف رحيم ) ^ [ البقرة : 143 ] . ~~وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] في الحديث : ' رحمن الدنيا والآخرة | ~~ورحيمهما ' فالصواب إن شاء الله تعالى ما قاله ابن القيم أن الرحمن دال على ~~الصفة | القائمة به سبحانه ، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم ، فكان الأول ~~للوصف والثاني | للفعل ، فالأول دال على أن الرحمة صفته ، والثاني دال على ~~أنه يرحم خلقه برحمته . وإذا | أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى : @QB@ وكان ~~بالمؤمنين رحيما @QE@ ^ ( إنه بهم رءوف رحيم ) ^ | [ التوبة : 117 ] ولم ~~يجيء قط رحمن بهم ، فعلم أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ، ورحيم | هو ms016 الراحم ~~برحمته . والرحمن الرحيم نعتان لله تعالى . واعترض بورود اسم الرحمن غير | ~~تابع لاسم قبله . قال تعالى : @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ [ طه : 5 ] ~~فهو علم فكيف | ينعت به . والجواب ما قاله ابن القيم أن أسماء الرب تعالى ~~هي أسماء ونعوت فإنها دالة | PageV01P025 | على صفات كماله ، فلا تنافي ~~فيها بين العلمية والوصفية ، فالرحمن اسمه تعالى ووصفه تعالى | لا ينافي ~~اسميته ، فمن حيث هو صفة جرى تابعا لاسم الله تعالى ، ومن حيث هو اسم ورد | ~~في القرآن غير تابع ، بل ورد الاسم العلم . ولما كان هذا الاسم مختصا به ~~سبحانه حسن | مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم الله ، وهذا لا ينافي دلالته ~~على صفة الرحمة كاسم الله ، | فإنه دال على صفة الألوهية فلم يجيء قط تابعا ~~لغيره بل متبوعا ، وهذا بخلاف العليم | والقدير والسميع والبصير ونحوها ، ~~ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة . # قلت : قوله عن اسم الله : ' ولم يجيء قط تابعا لغيره ' بل لقد جاء في ~~قوله تعالى : | @QB@ إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات ~~وما في الأرض @QE@ [ إبراهيم : | 1 - 2 ] على قراءة الجر وجواب ذلك من ~~كلامه المتقدم ، فيقال فيه ما قاله في اسم الرحمن . # الكتاب مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا ومدار المادة على الجمع . ومنه ~~تكتب بنو | فلان : إذا اجتمعوا . والكتيبة لجماعة الخيل ، والكتابة بالقلم ~~لاجتماع الكلمات والحروف ، | وسمي الكتاب كتابا لجمعه ما وضع له ، ذكره غير ~~واحد . والتوحيد مصدر وحد يوحد | توحيدا ، أي : جعله واحدا ، وسمي دين ~~الإسلام توحيدا ، لأن مبناه على أن الله واحد في | ملكه وأفعاله لا شريك له ~~، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له ، وواحد في إلهيته وعبادته لا | ند له ، ~~وإلى هذه الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء والمرسلين الذين جاؤوا به ~~من عند الله | وهي متلازمة ، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر ، فمن أتى بنوع ~~منها ولم يأت بالآخر ، فما | ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب ~~. وإن شئت قلت : التوحيد نوعان : | توحيد في المعرفة ms017 والإثبات ، وهو توحيد ~~الربوبية والأسماء والصفات . وتوحيد في الطلب | والقصد وهو توحيد الإلهية ~~والعبادة . ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وذكر معناه غيرهما . # ( النوع الأول ) توحيد الربوبية والملك ، وهو الإقرار بأن الله تعالى رب ~~كل شيء ومالكه | وخالقه ورازقه ، وأنه المحيي المميت النافع الضار المتفرد ~~بإجابة الدعاء عند الاضطرار ، | الذي له الأمر كله ، وبيده الخير كله ، ~~القادر على ما يشاء ، ليس له في ذلك شريك ، ويدخل | في ذلك الإيمان بالقدر ~~، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام ، بل لا بد أن يأتي | مع ذلك ~~بلازمه من توحيد الإلهية ، لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا ~~| التوحيد لله وحده قال تعالى : ^ ( قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن ~~يملك السمع والأبصار ومن | يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحي ومن ~~يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون ) ^ | [ يونس : 31 ] وقال تعالى : ~~^ ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولون الله ) ^ [ الزخرف : 87 ] وقال : | ^ ( ~~ولئن سألتهم من أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن ~~الله ) ^ [ العنكبوت : | 63 ] وقال تعالى : ^ ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أءله | مع الله قليلا ما تذكرون ) ^ [ ~~النمل : 62 ] فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم | PageV01P026 | ~~يكونوا بذلك مسلمين ، بل قال تعالى : @QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم ~~مشركون @QE@ | [ يوسف : 106 ] قال مجاهد في الآية : إيمانهم بالله قولهم : ~~إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا ، | فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره . رواه ~~ابن جرير وابن أبي حاتم . وعن ابن عباس وعطاء | والضحاك نحو ذلك ، فتبين أن ~~الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته ، وملكه وقهره ، وكانوا | مع ذلك ~~يعبدونه ويخلصون له أنواعا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر ~~والدعاء | وقت الاضطرار ونحو ذلك . ويدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه ~~السلام ، فأنزل الله تعالى : | @QB@ ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين @QE@ [ آل عمران : | 67 ] وبعضهم ~~يؤمن بالبعث والحساب ، وبعضهم يؤمن بالقدر . # كما قال زهير : | # % يؤخر فيوضع ms018 في كتاب فيدخر % % ليوم الحساب أو يعجل فينقم % # وقال عنترة : | # % يا عبل أين من المنية مهرب % % إن كان ربي في السماء قضاها % # ومثل هذا يوجد في أشعارهم ، فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ~~ويبحث | عن السبب الذي أوجب سفك دماءهم ، وسبي نسائهم ، وإباحة أموالهم ، ~~مع هذا الإقرار | والمعرفة ، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي ~~هو معنى لا إله إلا الله . # ( النوع الثاني ) : توحيد الأسماء والصفات ، وهو الإقرار بأن الله بكل ~~شيء عليم ، وعلى | كل شيء قدير ، وأنه الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا ~~نوم ، له المشيئة النافذة ، والحكمة | البالغة ، وأنه سميع بصير ، رؤوف ~~رحيم ، على العرش استوى ، وعلى الملك احتوى ، | وأنه | الملك القدوس السلام ~~المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر ، سبحان الله عما يشركون ، | إلى غير ~~ذلك من الأسماء الحسنى ، والصفات العلى . # وهذا أيضا لا يكفي في حصول الإسلام ، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه ~~، من | توحيد الربوبية والإلهية . والكفار يقرون بجنس هذا النوع ، وإن كان ~~بعضهم قد ينكر بعض | ذلك ، إما جهلا ، وإما عنادا ، كما قالوا : لا نعرف ~~الرحمن إلا رحمن اليمامة ، فأنزل الله | فيهم : ^ ( وهم يكفرون بالرحمن ) ^ ~~[ الرعد : 30 ] . | قال الحافظ ابن كثير : والظاهر أن إنكارهم هذا إنما هو ~~جحود وعناد وتعنت في | كفرهم ، فإنه قد وجد في بعض أشعار الجاهلية تسمية ~~الله بالرحمن . # قال الشاعر : وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق . # وقال الآخر : ألا قضب الرحمن ربي يمينها . # وهما جاهليان . | PageV01P027 # وقال زهير : | # % فلا تكتمن الله ما في نفوسكم % % ليخفى ومهما يكتم الله يعلم % # قلت : ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد إلا في اسم الرحمن خاصة ، ~~ولو | كانوا ينكرونه لردوا على النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ذلك ، كما ~~ردوا عليه توحيد الإلهية . # فقالوا : ^ ( أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ) ^ [ ص : 5 ] لا ~~سيما السور المكية | مملوءة بهذا التوحيد . # ( النوع الثالث ) : توحيد الإلهية المبني على إخلاص التأله لله تعالى ، ~~من المحبة | والخوف ، والرجاء والتوكل ، والرغبة والرهبة ، والدعاء لله ms019 ~~وحده . وينبني على ذلك | إخلاص العبادات كلها ظاهرها وباطنها لله وحده لا ~~شريك له ، لا يجعل فيها شيئا لغيره ، لا | لملك مقرب ، ولا لنبي مرسل ، ~~فضلا عن غيرهما . # وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى : @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين ~~@QE@ | وقوله تعالى : ^ ( فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغفل عما تعملون ) ^ [ ~~هود : 123 ] وقوله تعالى : | @QB@ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم @QE@ | [ التوبة : 129 ] وقوله تعالى : ^ ( ~~رب السموات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبدته هل تعلم له | سميا ) ^ ~~[ مريم : 65 ] وقوله تعالى : ^ ( عليه توكلت وإليه أنيب ) ^ [ هود : 88 ] ~~وقوله تعالى : | @QB@ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به ~~بذنوب عباده خبيرا @QE@ [ الفرقان : | 58 ] وقوله : @QB@ واعبد ربك حتى ~~يأتيك اليقين @QE@ [ الحجر : 99 ] . # وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره ، وباطنه وظاهره ، وهو أول دعوة الرسل ~~وآخرها ، | وهو معنى قول : لا إله إلا الله . فإن الإله هو المألوه المعبود ~~بالمحبة ، والخشية ، والإجلال ، | والتعظيم ، وجميع أنواع العبادة ، ولأجل ~~هذا التوحيد خلقت الخليقة ، وأرسلت الرسل ، | وأنزلت الكتب ، وبه افترق ~~الناس إلى مؤمنين وكفار ، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار . | قال الله ~~تعالى : @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون @QE@ | [ البقرة : 21 ] فهذا أول أمر في القرآن . وقال تعالى : ^ ( ~~ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يقوم | اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ) ^ ~~[ المؤمنون : 23 ] فهذا دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك . | وقال هود لقومه : ~~@QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ [ الأعراف : 65 ] وقال صالح ~~لقومه : | @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ [ هود : 61 ] وقال ~~شعيب لقومه : @QB@ اعبدوا الله ما لكم من إله غيره @QE@ [ الأعراف : 85 ] ~~وقال إبراهيم عليه السلام لقومه : ^ ( إني وجهت وجهي للذي فطر | السموت ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ) ^ [ الأنعام : 79 ] وقال تعالى : @QB@ ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ ~~[ الأنبياء : 25 ] وقال | PageV01P028 | تعالى : ^ ( وسئل من أرسلنا من ~~قبلك ms020 من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن ءالهة يعبدون ) ^ | [ الزخرف : 45 ] ~~وقال تعالى : @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ [ الذاريات : 56 ~~] . # وقال هرقل لأبي سفيان لما سأله عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ما يقول ~~لكم ؟ قال يقول : اعبدوا الله ، | ولا تشركوا به شيئا ، واتركوا ما يقول ~~آباؤكم . # وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لمعاذ : ' إنك تأتي قوما أهل كتاب ~~فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن | لا إله إلا الله ' . وفي رواية : ' أن ~~يوحدوا الله ' . # وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف ، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا ~~الشك | في الله ، كما هي أقوال لمن لم يدر ما بعث الله به رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] من معاني الكتاب | والحكمة ، فهو أول واجب وآخر واجب ، ~~وأول ما يدخل به الإسلام وآخر ما يخرج به من | الدنيا ، كما قال [ صلى الله ~~عليه وسلم ] : ' من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ' حديث صحيح . # وقال : ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ~~رسول | الله ' متفق عليه . # PageV01P029 # وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح وأبدأ فيه وأعاد ، وضرب لذلك ~~الأمثال ، | بحيث إن كل سورة في القرآن فيها الدلالة على هذا التوحيد ، ~~ويسمى هذا النوع توحيد | الإلهية ، لأنه مبني على إخلاص التأله ، وهو أشد ~~المحبة لله وحده ، وذلك يستلزم إخلاص | العبادة ، وتوحيد العبادة لذلك ، ~~وتوحيد الإرادة ، لأنه مبني على إرادة وجه الله بالأعمال ، | وتوحيد القصد ~~، لأنه مبني على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله وحده . | وتوحيد ~~العمل ، لأنه مبني على إخلاص العمل لله وحده . قال الله تعالى : @QB@ فاعبد ~~الله مخلصا له الدين @QE@ [ الزمر : 2 ] وقال @QB@ قل إني أمرت أن أعبد ~~الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين @QE@ [ الزمر : 11 - 12 ] ~~@QB@ قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه @QE@ إلى | قوله ~~: ^ ( ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء متشكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان ~~مثلا الحمد لله | بل أكثرهم لا ms021 يعلمون * ) ^ إلى قوله : ^ ( قل أفرءيتم ما ~~تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر | هل هن كشفت ضره أو أرادني برحمة هل ~~هن ممسكت رحمته ) ^ الآية إلى قوله : ^ ( اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفعة | جميعا ) ^ . الآية إلى ~~قوله : @QB@ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا ~~تنصرون @QE@ إلى قوله : ^ ( قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجهلون * ~~ولقد أوحى إليك | وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخسرين * بل الله فاعبد وكن من | الشكرين * ) ^ [ الزمر : 14 - 66 ] إلى ~~آخر السورة . # فكل هذه السور في الدعاء إلى هذا التوحيد ، والأمر به ، والجواب عن ~~الشبهات | والمعارضات ، وذكر ما أعد الله لأهله من النعيم المقيم ، وما أعد ~~لمن خالفه من العذاب | الأليم . وكل سورة في القرآن بل كل آية في القرآن ، ~~فهي داعية إلى هذا التوحيد ، شاهدة | به ، متضمنة له ، لأن القرآن إما خبر ~~عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وهو توحيد | الربوبية ، وتوحيد ~~الصفات فذاك مستلزم لهذا ، متضمن له . # وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له ، وخلع ما يعبد من دونه أو أمر ~~بأنواع من | العبادات ، ونهي عن المخالفات ، فهذا هو توحيد الإلهية ~~والعبادة ، وهو مستلزم للنوعين | الأولين ، متضمن لهما أيضا . # وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته ، وما فعل بهم في الدنيا ، وما ~~يكرمهم به في | الآخرة ، فهو جزاء توحيده . # وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال ، وما يحل بهم في ~~العقبى | من الوبال ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد . | PageV01P030 # وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه ، كما ~~قال | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وإقام | الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم ~~رمضان ، وحج البيت ' رواه البخاري ومسلم ، فأخبر أن دين | الإسلام مبني على ~~هذه الأركان الخمسة وهي الأعمال ، فدل على ms022 أن الإسلام هو عبادة الله | وحده ~~لا شريك له ، بفعل المأمور ، وترك المحظور ، والإخلاص في ذلك لله . # وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة ، فيجب إخلاصها لله تعالى ، فمن أشرك ~~بين الله | تعالى وبين غيره في شيء فليس بمسلم . # فمنها : المحبة ، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في المحبة التي لا ~~تصلح إلا لله ، | فهو مشرك . # كما قال تعالى : @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله @QE@ إلى | قوله تعالى : ^ ( وما هم بخرجين من النار ) ^ [ البقرة : ~~165 - 167 ] . # ومنها : التوكل ، فلا يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله قال ~~الله تعالى : | @QB@ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين @QE@ [ المائدة : 23 ~~] @QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ | [ المجادلة : 10 ] والتوكل على ~~غير الله فيما يقدر عليه شرك أصغر . # ومنها : الخوف ، فلا يخاف خوف السر إلا من الله . ومعنى خوف السر ، هو أن ~~يخاف | العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم ~~يباشره ، فهذا شرك أكبر ، لأنه | اعتقاد للنفع والضر في غير الله . قال ~~الله تعالى : ^ ( فإيى فارهبون ) ^ [ النخل : 51 ] وقال تعالى : | @QB@ فلا ~~تخشوا الناس واخشون @QE@ [ المائدة : 44 ] وقال تعالى : ^ ( وإن يمسسك الله ~~بضر فلا | كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به يشآء من ~~عباده وهو الغفور | الرحيم * ) ^ [ يونس : 107 ] . # ومنها : الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله كمن يدعو الأموات أو غيرهم ~~راجيا حصول | PageV01P031 # مطلوبه من جهتهم فهذا شرك أكبر . قال الله تعالى : ^ ( إن الذين ءامنوا ~~والذين هاجروا وجهدوا | في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله ) ^ [ البقرة : ~~218 ] وقال علي رضي الله عنه : لا يرجون | عبد إلا ربه . # ومنها : الصلاة والركوع والسجود . قال الله تعالى : @QB@ فصل لربك وانحر ~~@QE@ | [ الكوثر : 2 ] . # وقال تعالى : ^ ( يأيها الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ) ^ [ ~~الحج : | 77 ] . # ومنها : الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله ، سواء كان طلبا للشفاعة أو ~~غيرها من | المطالب . # قال الله تعالى : ^ ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير * إن ms023 ~~تدعوهم | لا يسمعوا دعآءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون ~~بشرككم ولا ينبئك مثل | خبير * ) ^ [ فاطر : 13 - 14 ] . # وقال تعالى : @QB@ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين @QE@ [ غافر : 60 ] # وقال تعالى : ^ ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ~~فإنك إذا من | الظلمين ) ^ [ يونس : 106 ] . # وقال تعالى : ^ ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون ~~شيئا ولا | يعقلون * قل لله الشفعة جميعا ) ^ [ الزمر : 43 - 44 ] . # ومنها : الذبح ، قال الله تعالى : @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ [ الأنعام : ~~162 - 163 ] ، والنسك : الذبح . # ومنها : النذر ، قال الله تعالى : @QB@ وليوفوا نذورهم @QE@ [ الحج : 29 ~~] وقال تعالى : | @QB@ يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا @QE@ [ ~~الإنسان : 7 ] . # ومنها : الطواف ، فلا يطاف إلا ببيت الله . قال الله تعالى : @QB@ ~~وليطوفوا بالبيت العتيق @QE@ [ الحج : 29 ] . # ومنها : التوبة ، فلا يتاب إلا لله . قال الله تعالى : @QB@ ومن يغفر ~~الذنوب إلا الله @QE@ [ آل | عمران : 135 ] . وقال تعالى ^ ( وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون ) ^ [ النور : | 31 ] . | ~~PageV01P032 # ومنها : الاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله . قال الله تعالى : @QB@ ~~قل أعوذ برب الفلق @QE@ . وقال تعالى : @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ . # ومنها : الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله . قال الله تعالى : @QB@ ~~إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ [ الأنفال : 9 ] . # فمن أشرك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق تعالى من هذه ~~العبادات أو | غيرها ، فهو مشرك . وإنما ذكرنا هذه العبادات خاصة ، لأن ~~عباد القبور صرفوها للأموات من | دون الله تعالى ، أو أشركوا بين الله ~~تعالى وبينهم فيها ، وإلا فكل نوع من أنواع العبادة ، من | صرفه لغير الله ~~، أو شرك بين الله تعالى وبين غيره فيه ، فهو مشرك . قال الله تعالى : | ~~@QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ [ النساء : 36 ] . # وهذا الشرك في العبادة هو الذي كفر الله به المشركين ، وأباح به دماءهم ~~وأموالهم | ونساءهم ، وإلا فهم يعلمون أن الله ms024 هو الخالق الرازق المدبر ليس ~~له شريك في ملكه ، وإنما | كانوا يشركون به في هذه العبادات ونحوها ، ~~وكانوا يقولون في تلبيتهم : | # % لبيك لا شريك لك % % إلا شريكا هو لك % # % تملكه وما ملك % % # فأتاهم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالتوحيد الذي هو معنى لا إله إلا ~~الله الذي مضمونه أن لا يعبد إلا | الله ، لا ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، ~~فضلا عن غيرهما فقالوا : ^ ( أجعل الآلهة إلها وحدا إن | هذا لشيء عجاب ) ^ ~~[ ص : 5 ] . # وكانوا يجعلون من الحرث والأنعام نصيبا لله وللآلهة مثل ذلك ، فإذا صار ~~شيء من | الذي لله إلى الذي للآلهة تركوه لها ، وقالوا : الله غني ، وإذا ~~صار شيء من الذي للآلهة إلى | الذي لله تعالى ردوه ، وقالوا : الله غني ، ~~والآلهة فقيرة . # فأنزل الله تعالى : ^ ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا ~~فقالوا هذا | لله بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى الله ~~وما كان لله | فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون * ) ^ [ الأنعام : 136 ] ~~. # وهذا بعينه يفعله عباد القبور ، بل يزيدون على ذلك فيجعلون للأموات نصيبا ~~من | الأولاد . # إذا تبين هذا فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع ~~التوحيد ، وكل منها | قد يكون أكبر وأصغر مطلقا ، وقد يكون أكبر بالنسبة ~~إلى ما هو أصغر منه ، ويكون أصغر | بالنسبة إلى ما هو أكبر منه . ~~PageV01P033 # القسم الأول : الشرك في الربوبية ، وهو نوعان : أحدهما : شرك التعطيل ، ~~وهو أقبح | أنواع الشرك ، كشرك فرعون . إذ قال : وما رب العالمين ؟ ومن هذا ~~شرك الفلاسفة القائلين | بقدم العالم وأبديته ، وأنه لم يكن معدوما أصلا ، ~~بل لم يزل ولا يزال ، والحوادث بأسرها | مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط ~~اقتضت إيجادها ، يسمونها : العقول ، والنفوس . # ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود ، كابن عربي ، وابن سبعين ، والعفيف | ~~التلمساني ، وابن الفارض ، ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحاد حلية ~~الإسلام ، | ومزجوه بشيء من الحق ، حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر . # ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب وأوصافه ، من غلاة الجهمية ، والقرامطة . # النوع الثاني : شرك من ms025 جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته ~~، كشرك | النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة ، وشرك المجوس القائلين بإسناد ~~حوادث الخير إلى النور | وحوادث الشر إلى الظلمة . # ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ، ويجعلها مدبرة لأمر هذا ~~العالم ، | كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم . # قلت : ويلتحق به من وجه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح ~~الأولياء | تتصرف بعد الموت ، فيقضون الحاجات ، ويفرجون الكربات ، وينصرون ~~من دعاهم ، | ويحفظون من التجأ إليهم ، ولاذ بحماهم ، فإن هذه من خصائص ~~الربوبية ، كما ذكره | بعضهم في هذا النوع . | القسم الثاني : الشرك في ~~توحيد الأسماء والصفات ، وهو أسهل مما قبله ، وهو نوعان : # أحدهما : تشبيه الخالق بالمخلوق ، كمن يقول : يد كيدي ، وسمع كسمعي ، ~~وبصر | كبصري ، واستواء كاستوائي ، وهو شرك المشبهة . # الثاني : اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق . قال الله ~~تعالى : @QB@ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ | [ الأعراف : 180 ] . # قال ابن عباس : يلحدون في أسمائه : يشركون . وعنه : سموا اللات من الإله ~~، والعزى | من العزيز . # القسم الثالث : الشرك في توحيد الإلهية والعبادة . قال القرطبي : أصل ~~الشرك المحرم | اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية ، وهو الشرك الأعظم ، وهو ~~شرك الجاهلية ، ويليه في | الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في الفعل ، وهو ~~قول من قال : إن موجودا ما غير الله تعالى | يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن ~~لم يعتقد كونه إلها ، هذا كلام القرطبي . | PageV01P034 # وهو نوعان : # أحدهما : أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله ، ويسأله الشفاعة كما يسأل ~~الله ، | ويرجوه كما يرجو الله ، ويحبه كما يحب الله ، ويخشاه كما يخشى ~~الله . وبالجملة فهو أن | يجعل لله ندا يعبده كما يعبد الله ، وهذا هو ~~الشرك الأكبر ، وهو الذي قال الله فيه : | @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا @QE@ [ النساء : 36 ] وقال : ^ ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا | أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت ) ^ [ النحل : 36 ] . وقال تعالى : ^ ( ~~ويعبدون من دون الله | ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلآء شفعؤنا عند ~~الله ms026 قل أتنبئون الله بما لا يعلم في | السموات ولا في الأرض سبحنه وتعلى ~~عما يشركون ) ^ [ يونس : 18 ] . # وقال تعالى : @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ~~ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ [ ~~السجدة : 4 ] والآيات في النهي | عن هذا الشرك وبيان بطلانه كثيرة جدا . # الثاني : الشرك الأصغر ، كيسير الرياء والتصنع للمخلوق ، وعدم الإخلاص ~~لله تعالى | في العبادة ، بل يعمل لحظ نفسه تارة ، ولطلب الدنيا تارة ، ~~ولطلب المنزلة والجاه عند | الخلق تارة ، فله من عمله نصيب ، ولغيره منه ~~نصيب ، ويتبع هذا النوع الشرك بالله في | الألفاظ ، كالحلف بغير الله وقول ~~: ما شاء الله وشئت ، وما لي إلا الله وأنت ، وأنا في حسب | الله وحسبك ، ~~ونحوه . وقد يكون ذلك شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده . هذا حاصل | كلام ~~ابن القيم وغيره . # وقد استوفى المصنف رحمه الله بيان جنس العبادة التي يجب إخلاصها لله ~~بالتنبيه على | بعض أنواعها ، وبيان ما يضادها من الشرك بالله تعالى في ~~العبادات والإرادات والألفاظ ، كما | سيمر بك إن شاء الله تعالى مفصلا في ~~هذا الكتاب ، فالله تعالى يرحمه ويرضى عنه . # فإن قلت : هلا أتى المصنف رحمه الله بخطبة تنبئ عن مقصده ، كما صنع غيره ~~؟ # قيل : كأنه - والله أعلم - اكتفى بدلالة الترجمة الأولى على مقصوده ، ~~فإنه صدره | بقوله : ( كتاب التوحيد ) وبالآيات التي ذكرها وما يتبعها ، ~~مما يدل على مقصوده ، فكأنه | قال : قصدت جمع أنواع توحيد الإلهية التي وقع ~~أكثر الناس في الإشراك فيها وهم لا | يشعرون ، وبيان شيء مما يضاد ذلك من ~~أنواع الشرك ، فاكتفى بالتلويح عن التصريح . | والألف واللام في التوحيد ~~للعهد الذهني . # قوله : وقول الله تعالى : @QB@ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون @QE@ [ ~~الذاريات : 56 ] . # يجوز في ' قول الله ' الرفع والجر ، وهكذا حكم ما يمر بك من هذا الباب . # قال شيخ الإسلام : العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة ~~الرسل PageV01P035 # وقال أيضا : العبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه ، من الأقوال ، ~~والأعمال | الباطنة ms027 والظاهرة . # قال ابن القيم : ومدارها على خمس عشرة قاعدة ، من كملها كمل مراتب ~~العبودية ، | وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب ، واللسان ، والجوارح ~~. والأحكام التي للعبودية . | خمسة : واجب ، ومستحب ، وحرام ، ومكروه ، ~~ومباح . وهن لكل واحد من القلب واللسان | والجوارح . وقال القرطبي : أصل ~~العبادة : التذلل والخضوع ، وسميت وظائف الشرع على | المكلفين عبادات ، ~~لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى . # وقال ابن كثير : العبادة في اللغة من الذلة ، يقال : طريق معبد وغير معبد ~~، أي : مذلل . | وفي الشرع : عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف ، ~~وهكذا ذكر غيرهم من | العلماء . # ومعنى الآية : أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الإنس والجن إلا لعبادته ، ~~فهذا هو الحكمة | في خلقهم ، ولم يرد منهم ما تريده السادة من عبيدها من ~~الإعانة لهم بالرزق والإطعام ، بل | هو الرازق ذو القوة المتين ، الذي يطعم ~~ولا يطعم ، كما قال تعالى : @QB@ قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات ~~والأرض وهو يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من ~~المشركين @QE@ [ الأنعام : 14 ] . # وعبادته هي طاعته بفعل المأمور ، وترك المحظور ، وذلك هو حقيقة دين ~~الإسلام ، لأن | معنى الإسلام هو الاستسلام لله المتضمن غاية الانقياد ، في ~~غاية الذل والخضوع . قال | علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، في الآية : إلا ~~لآمرهم أن يعبدوني ، وأدعوهم إلى | عبادتي . وقال مجاهد : إلا لآمرهم ~~وأنهاهم ، واختاره الزجاج وشيخ الإسلام . قال : ويدل | على هذا قوله : ^ ( ~~أيحسب الإنسن أن يترك سدى * ) ^ [ القيامة : 36 ] قال الشافعي : لا يؤمر ~~ولا | ينهى . # وقوله : ^ ( قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعآؤكم ) ^ [ الفرقان : 77 ] أي ~~لولا عبادتكم إياه . # وقد قال في القرآن في غير موضع : @QB@ اعبدوا ربكم @QE@ ، @QB@ اتقوا ~~ربكم @QE@ فقد أمرهم بما | خلقوا له ، وأرسل الرسل إلى الجن والإنس بذلك ، ~~وهذا المعنى هو الذي قصد بالآية | قطعا ، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين ، ~~ويحتجون بالآية عليه ، ويقرون أن الله إنما | خلقهم ليعبدوه العبادة ~~الشرعية وهي طاعته وطاعة رسله لا ليضيعوا حقه الذي خلقهم له . | قال : وهذه ~~الآية تشبه قوله ms028 تعالى : ^ ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هدكم ) ^ ~~| [ البقرة : 185 ] وقوله : @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ~~@QE@ [ النساء : 64 ] ثم | قد يطاع وقد يعصى . وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة ~~، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون . وهو | سبحانه لم يقل : إنه فعل الأول وهو ~~خلقهم ليفعل بهم كلهم الثاني وهو عبادته ، ولكن ذكر | PageV01P036 | الأول ~~ليفعلوا هم الثاني فيكونوا هم الفاعلين له ، فيحصل لهم بفعله سعادتهم ، ~~ويحصل ما | يحبه ويرضاه منهم ولهم . انتهى . # والآية دالة على وجوب اختصاص الخالق تعالى بالعبادة ، لأنه سبحانه هو ~~ابتدأك | بخلقك والإنعام عليك بقدرته ومشيئته ورحمته من غير سبب منك أصلا ، ~~وما فعله بك لا | يقدر عليه غيره ، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ضر ~~فهو الذي يأتي بالرزق لا | يأتي به غيره ، وهو الذي يدفع الضر لا يدفعه ~~غيره . # كما قال تعالى : ^ ( أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن ~~الكفرون إلا في | غرور * أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ~~ونفور * ) ^ [ الملك : 20 - 21 ] . # وهو سبحانه ينعم عليك ، ويحسن إليك بنفسه ، فإن ذلك موجب ما تسمى به ، | ~~ووصف به نفسه ، إذ هو الرحمن الرحيم ، الودود المجيد ، وهو قادر بنفسه ، ~~وقدرته من | لوازم ذاته ، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته ، لا يحتاج إلى خلقه ~~بوجه من الوجوه ، بل هو | الغني عن العالمين @QB@ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ~~ومن كفر فإن ربي غني كريم @QE@ [ النمل : 40 ] | فالرب سبحانه غني بنفسه ، ~~وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له بنفسه ، واجب له من | لوازم ذاته ، لا ~~يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره ، ففعله وإحسانه وجوده من كماله ، لا يفعل | ~~شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه ، بل كل ما يريد فعله فإنه فعال لما ~~يريد . وهو سبحانه | بالغ أمره ، فكل ما يطلبه فهو يبلغه ويناله ويصل إليه ~~وحده ولا يعينه أحد ، ولا يعوقه أحد ، | لا يحتاج في شيء من أموره إلى معين ~~، وما له من المخلوقين من ظهير ms029 ، وليس له ولي من | الذل ، قاله شيخ الإسلام ~~. # قال : وقوله : ^ ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطغوت ) ^ [ النحل : 36 ] . # قالوا : الطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد . وقد فسره السلف ببعض ~~أفراده . # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الطاغوت : الشيطان . # وقال جابر رضي الله عنه : الطواغيت : كهان كانت تنزل عليهم الشياطين . ~~رواهما ابن | أبي حاتم . # وقال مجاهد : الطاغوت : الشيطان في صورة الإنسان ، يتحاكمون إليه وهو ~~صاحب | أمرهم . # وقال مالك : الطاغوت : كل ما عبد من دون الله . # قلت : وهو صحيح ، لكن لا بد فيه من استثناء من لا يرضى بعبادته . # وقال ابن القيم : الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو ~~مطاع . | PageV01P037 | فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إلى غير الله ورسوله ، ~~أو يعبدونه من دون الله ، أو يتبعونه | على غير بصيرة من الله ، أو يطيعونه ~~فيما لا يعلمون أنه طاعة الله . فهذه طواغيت العالم ، إذا | تأملتها وتأملت ~~أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة | الطاغوت ~~، وعن طاعته ومتابعة رسول [ صلى الله عليه وسلم ] إلى طاعة الطاغوت ~~ومتابعته . # وأما معنى الآية ، فأخبر تعالى أنه بعث في كل أمة ، أي : في كل طائفة ~~وقرن من الناس | رسولا بهذه الكلمة : أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت . أي ~~: اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة | ما سواه ، فلهذا خلقت الخليقة ، وأرسلت ~~الرسل ، وأنزلت الكتب ، كما قال تعالى @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ [ الأنبياء : 25 ] وقال | تعالى ~~: ^ ( قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ولآ أشرك به إليه أدعوا وإليه مئاب ) ^ [ ~~الرعد : 36 ] وهذه . | الآية هي معنى : لا إله إلا الله ، فإنها تضمنت ~~النفي والإثبات كما تضمنته لا إله إلا الله ، | ففي قوله : @QB@ اعبدوا ~~الله @QE@ الإثبات ، وفي قوله ^ ( اجتنبوا الطغوت ) ^ النفي . فدلت الآية ~~على | أنه لا بد في الإسلام من النفي والإثبات ، فيثبت العبادة لله وحده ، ~~وينفي عبادة ما سواه وهو | التوحيد الذي تضمنته سورة ^ ( قل يأيها ms030 الكفرون ~~* ) ^ [ الكافرون : 1 ] وهو معنى قوله : | ^ ( فمن يكفر بالطغوت ويؤمن ~~بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع | عليم ) ^ [ ~~البقرة : 256 ] . # قال ابن القيم : وطريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات ، ~~فينفي عبادة ما | سوى الله ، ويثبت عبادته ، وهذا هو حقيقة التوحيد ، ~~والنفي المحض ليس بتوحيد ، وكذلك | الإثبات بدون النفي ، فلا يكون التوحيد ~~إلا متضمنا للنفي والإثبات ، وهذا حقيقة لا إله إلا الله . انتهى . # ويدخل في الكفر بالطاغوت بغضه وكراهته ، وعدم الرضى بعبادته بوجه من ~~الوجوه . | ودلت الآية على أن الحكمة في إرسال الرسل هو عبادة الله وحده ~~وترك عبادة ما سواه ، | وأن أصل دين الأنبياء واحد وهو الإخلاص في العبادة ~~لله ، وإن اختلفت شرائعهم ، كما قال | تعالى : @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ~~ومنهاجا @QE@ [ المائدة : 48 ] وأنه لا بد في الإيمان من العمل ردا | على ~~المرجئة . # قال : قوله : ^ ( وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالولدين إحسنا ) ^ [ ~~الإسراء : 23 ] هكذا | ثبت في بعض الأصول ، لم يذكر الآية بكمالها . قال ~~مجاهد : وقضى يعني : وصى ، | وكذلك قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس ~~وغيرهم . # وروى ابن جرير ، عن ابن عباس في قوله : @QB@ وقضى ربك @QE@ يعني أمر . ~~وقوله : @QB@ ألا تعبدوا إلا إياه @QE@ ' أن ' : هي المصدرية وهي في محل جر ~~بالباء ، والمعنى : أن تعبدوه ولا | PageV01P038 | تعبدوا غيره ممن لا يملك ~~ضرا ولا نفعا ، بل هو إما فقير محتاج إلى رحمة ربه يرجوها كما | ترجونها ، ~~وإما جماد لا يستجيب لمن دعاه وقوله : ^ ( وبالولدين إحسنا ) ^ أي : وقضى ~~أن | تحسنوا بالوالدين إحسانا كما قضى بعبادته وحده لا شريك له . وعطف ~~حقهما على حق الله | تعالى دليل على تأكد حقهما وأنه أوجب الحقوق بعد حق ~~الله ، وهذا كثير في القرآن يقرن بين | حقه عز وجل وبين حق الوالدين ، ~~كقوله : ^ ( أن اشكر لي ولولديك إلى المصير ) ^ [ لقمان : | 14 ] وقال : ^ ~~( وإذ أخذنا ميثق بني إسرئيل لا تعبدون إلا الله وبالولدين إحسانا ) ^ [ ~~البقرة : 83 ] . # ولم يخص تعالى نوعا من أنواع الإحسان ليعم أنواع الإحسان . وقد تواترت ~~النصوص | عن ms031 النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالأمر بين الوالدين والحث على ~~ذلك ، وتحريم عقوقهما كما في القرآن ، ففي | ' صحيح البخاري ' عن ابن معسود ~~قال : سألت النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أي الأعمال أحب إلى الله ؟ قال : ~~| ' الصلاة على وقتها ' قلت : ثم أي ؟ قال : بر الوالدين ' قلت : ثم أي ؟ ~~قال : ' الجهاد في | سبيل الله ' حدثني بهن ولو استزدته لزادني . # وعن أبي بكرة قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ألا أنبئكم ~~بأكبر الكبائر ' قلنا : بلى يا | رسول الله . قال : ' الإشراك بالله ، ~~وعقوق الوالدين ' وكان متكئا فجلس فقال : ' ألا وقول | الزور ، ألا وشهادة ~~الزور ' فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت . رواه البخاري ومسلم . # وعن أبي هريرة قال : قال رجل : يا رسول الله ! من أحق الناس بحسن صحابتي ~~؟ قال : | ' أمك ' قال : ثم من ؟ قال : ' أمك ' قال : ثم من ؟ قال ' أمك ' ~~قال : ثم من ؟ قال : | ' أبوك ' ، أخرجاه . # وعن عبد الله بن عمرو ، قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ~~رضى الرب في رضى الوالدين ، | PageV01P039 | وسخطه في سخط الوالدين ' رواه ~~الترمذي ، وصححه ابن حبان والحاكم . # وعن أبي أسيد الساعدي ، قال : بينا نحن جلوس عند النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] إذ جاء رجل من بني | سلمة فقال : يا رسول الله هل بقي من بر أبوي ~~شيء أبرهما به بعد موتهما ؟ فقال : ' نعم الصلاة عليهما ، والاستغفار لهما ~~، وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما ، وإكرام ~~صديقهما ' رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في ' صحيحه ' . # والأحاديث في هذا كثيرة قد أفردها العلماء بالتصنيف وذكر البخاري منها ~~شطرا صالحا | في كتاب ' الأدب المفرد ' . # قال : وقوله : ^ ( قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين | إحسنا ولا تقتلوا أولادكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر | منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصكم به لعلكم | تعقلون * ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي ~~أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان | بالقسط ms032 لا نكلف نفسا إلا وسعها ~~وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا | ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تذكرون * وأن هذا صرطى مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل | فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصكم به لعلكم تتقون ) ^ [ الأنعام : 151 : 153 ] . # قال ابن كثير : يقول الله تعالى لنبيه ورسوله محمد [ صلى الله عليه وسلم ~~] : قل يا محمد لهؤلاء المشركين | الذين عبدوا غير الله ، وحرموا ما رزقهم ~~الله ، وقتلوا أولادهم وكل ذلك فعلوه بآرائهم | PageV01P040 | الفاسدة ، ~~وتسويل الشيطان لهم @QB@ تعالوا @QE@ أي : هلموا وأقبلوا @QB@ أتل ما حرم ~~ربكم عليكم @QE@ أي : أقصص عليكم ، وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا ، لا ~~تخرصا ولا ظنا ، | بل وحي منه وأمر من عنده @QB@ ألا تشركوا به @QE@ قال : ~~وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق ، | وتقديره : وصاكم أن لا تشركوا به ~~شيئا ، ولهذا قال في آخر الآية : ^ ( ذلكم وصكم به ) ^ | قلت : ابتدأ تعالى ~~هذه الآيات المحكمات بتحريم الشرك والنهي عنه ، فحرم علينا أن | نشرك به ~~شيئا فشمل ذلك كل مشرك به ، وكل مشرك فيه من أنواع العبادة ، فإن ' شيئا ' ~~من | النكرات فيعم جميع الأشياء ، وما أباح تعالى لعباده أن يشركوا به شيئا ~~فإن ذلك أظلم الظلم | وأقبح القبيح ، ولفظ ' الشرك ' يدل على أن المشركين ~~كانوا يعبدون الله ، ولكن يشركون به | غيره من الأوثان والصالحين والأصنام ~~فكانت الدعوة واقعة على ترك عبادة ما سوى الله ، | وإفراد الله بالعبادة ، ~~وكانت ' لا إله إلا الله ' متضمنة لهذا المعنى ، فدعاهم النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] إلى | الإقرار بها نطقا وعملا واعتقادا ، ولهذا إذا سئلوا عما ~~يقول لهم ، قالوا : يقول : اعبدوا الله | ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما ~~يقول آباؤكم كما قاله أبو سفيان . # وقوله : ^ ( وبالوالدين إحسنا ) ^ قال القرطبي : الإحسان إلى الوالدين ~~برهما وحفظهما | وصيانتهما ، وامتثال أمرهما ، وإزالة الرق عنهما ، وترك ~~السلطنة عليهما و ^ ( إحسنا ) ^ نصب | على المصدرية ، وناصبه فعل مضمر من ~~لفظه : تقديره : وأحسنوا بالوالدين إحسانا . # وقوله : ^ ( ولا تقتلوا أولدكم من إملق نحن نرزقكم وإياهم ) ^ [ الأنعام ~~: 151 ] | الإملاق الفقر : أي : لا تئدوا بناتكم خشية ms033 العيلة والفقر ، فإني ~~رازقكم وإياهم ، وكان منهم | من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر ذكره ~~القرطبي . # وفي ' الصحيحين ' عن ابن مسعود قال : قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم عند ~~الله ؟ | قال : ' أن تجعل لله ندا وهو خلقك ' . قلت : ثم أي ؟ قال : ' أن ~~تقتل ولدك خشية أن يطعم | معك ' قلت : ثم أي قال : أن تزاني حليلة جارك ' ~~ثم تلا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ^ ( والذين لا | يدعون مع الله ~~إلها ءاخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل | ~~ذلك يلق أثاما * ) ^ [ الفرقان : 68 ] . # @QB@ ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن @QE@ قال ابن عطية : نهي ~~عام عن جميع | PageV01P041 | أنواع الفواحش ، وهي المعاصي ، و ' ظهر وبطن ' ~~حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من | الأشياء . وفي التفسير المنسوب إلى ~~أبي علي الطبري من الحنفية ، وهو تفسير عظيم @QB@ ولا تقربوا الفواحش @QE@ ~~أي : القبائح . وعن ابن عباس ، والضحاك ، والسدي ، أن من الكفار من | كان ~~لا يرى بالزنا بأسا إذا كان سرا ، وقيل : الظاهر ما بينك وبين الخلق ، ~~والباطن ما بينك | وبين الله . انتهى . # وفي ' الصحيحين ' عن ابن مسعود مرفوعا ' لا أحد أغير من الله ، من أجل ~~ذلك حرم | الفواحش ما ظهر منها وما بطن ' . # @QB@ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق @QE@ قال ابن كثير : هذا ~~مما نص تعالى على | النهي عنه تأكيدا ، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ~~. # وفي ' الصحيحين ' عن ابن مسعود مرفوعا ' لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا ~~إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث : الثيب الزاني ، والنفس ~~بالنفس ، والتارك لدينه المفارق | للجماعة ' . # وعن [ عبد الله بن عمرو ] مرفوعا ' من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة ، ~~وإن ريحها | ليوجد من مسيرة أربعين عاما ' رواه البخاري . # ^ ( ذلكم وصكم به لعلكم تعقلون ) ^ . | PageV01P042 # قال ابن عطية : ذلكم إشارة إلى هذه المحرمات ؛ والوصية الأمر المؤكد ~~المقرر . | وقوله : @QB@ لعلكم تعقلون @QE@ ترج بالإضافة إلينا ، أي : من ~~سمع هذه الوصية يرجى وقوع أثر | العقل بعدها . # قلت : هذا ms034 غير صحيح ، والصواب أن ' لعل ' هنا للتعليل ، أي : أن الله ~~وصانا بهذه | الوصايا لنعقلها عنه ، ونعمل بها ، كما قال : ^ ( ومآ أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفآء | ويقيموا الصلوة ويؤتوا الزكوة ~~وذلك دين القيمة * ) ^ [ البينة : 5 ] وفي تفسير الطبري الحنفي | ذكر أولا ~~@QB@ تعقلون @QE@ ثم @QB@ تذكرون @QE@ ثم ( تتقون ) ^ لأنهم إذا عقلوا ~~تذكروا ، فإذا | تذكروا خافوا واتقوا المهالك . # ^ ( ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده ) ^ . # قال ابن عطية : هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف ، وفيه سد الذريعة ~~، ثم | استثنى ما يحسن وهو التشمير والسعي في نمائه . قال مجاهد : ^ ( ~~بالتي هي أحسن ) ^ التجارة | فيه ، فمن كان من الناظرين ، له مال يعيش به ، ~~فالأحسن إذا ثمر مال اليتيم أن لا يأخذ منه | نفقة ولا أجرة ولا غيرهما ، ~~ومن كان من الناظرين لا مال له ، ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق | على نفسه ~~من ربح نظره ، وإلا دعت الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر ، فالأحسن أن | ~~ينظر ويأكل بالمعروف . قاله ابن زيد . # وقوله : ^ ( حتى يبلغ أشده ) ^ قال مالك وغيره : هو الرشد وزوال السفه مع ~~البلوغ . قال | ابن عطية : وهو أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع . قلت وقد ~~روي نحوه عن زيد بن | أسلم ، والشعبي ، وربيعة ، وغيرهم ، ويدل عليه قوله ~~تعالى : ^ ( وابتلوا اليتمى حتى إذا بلغوا | النكاح فإن ءانستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم ) ^ [ النساء : 6 ] فاشترط تعالى للدفع إليهم ثلاثة ~~| شروط : # الأول : ابتلاؤهم ، وهو اختبارهم وامتحانهم بما يظهر به معرفتهم لمصالح ~~أنفسهم | وتدبير أموالهم . # والثاني : البلوغ . # والثالث : الرشد : # ^ ( وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ) ^ قال ابن كثير : يأمر تعالى بإقامة ~~العدل في الأخذ | والإعطاء ، كما توعد عليه في قوله : ^ ( ويل للمطففين * ~~الذين إذا اكتالوا على الناس | يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون * ~~ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم | * يوم يقوم الناس لرب العلمين * ~~) ^ [ المطففين : 1 - 6 ] وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا | يبخسون ~~المكيال والميزان . وقال غيره : القسط : العدل . وقد روى الترمذي وغيره ~~بإسناد | PageV01P043 | ضعيف عن ابن ms035 عباس قال : قال رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] لأصحاب الكيل والميزان : ' إنكم وليتم أمرا | هلكت فيه الأمم ~~السالفة قبلكم ' وروي عن ابن عباس موقوفا بإسناد صحيح . # @QB@ لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ قال ابن كثير : أي : من اجتهد في أداء ~~الحق وأخذه ، | فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده ، فلا حرج عليه . # وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب مرفوعا : @QB@ وأوفوا الكيل ~~والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها @QE@ قال : من أوفى على يده في ~~الكيل والميزان والله يعلم صحة نيته | بالوفاء فيهما لم يؤاخذ ، وذلك تأويل ~~وسعها . قال : هذا مرسل غريب . # قلت : وفيه رد على القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق . | @QB@ وإذا قلتم ~~فاعدلوا ولو كان ذا قربى @QE@ هذا أمر بالعدل في القول والفعل على القريب | ~~والبعيد . قال الحنفي : العدل في القول في حق الولي والعدو ، لا يتغير ~~بالرضى والغضب ، | بل يكون على الحق والصدق ، وإن كان ذا قربى فلا يميل إلى ~~الحبيب ، ولا إلى القريب | ^ ( ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا ~~اعدلوا هو أقرب للتقوى ) ^ [ المائدة : 8 ] . # @QB@ وبعهد الله أوفوا @QE@ قال ابن جرير : يقول : وبوصية الله التي ~~وصاكم بها فأوفوا | وانقادوا لذلك ، بأن تطيعوه فيما أمر به ونهاكم عنه ، ~~وتعملوا بكتابه وسنة رسوله ، وذلك هو | الوفاء بعهد الله ، وكذا قال غيره . # قلت : وهو حسن ، ولكن الظاهر أن الآية فيما هو أخص ، كالبيعة والذمة ~~والأمان | والنذر ونحو ذلك ، وهذه الآية كقوله : ^ ( وأوفوا بعهد الله إذا ~~عهدتم ) ^ [ النحل : 91 ] فهذا | هو المقصود بالآية ، وإن كانت شاملة ، لما ~~قالوا بطريق العموم . # ^ ( ذلكم وصكم به لعلكم تذكرون ) ^ يقول تعالى : هذا وصاكم وأمركم به ~~وأكد | عليكم فيه لعلكم تذكرون ، أي : تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه . | ~~PageV01P044 # قوله : @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله @QE@ . | ش : قال القرطبي : هذه آية عظيمة عطفها الله على ما تقدم ~~، فإنه لما نهى وأمر ، حذر | عن اتباع غير سبيله وأمر فيه باتباع طريقه على ~~ما بينته الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف . | ' وأن ' في ms036 موضع نصب ، أي : ~~واتلوا أن هذا صراطي عن الفراء والكسائي . قال الفراء : | ويجوز أن يكون ~~خفضا ، أي وصاكم به ، وبأن هذا صراطي . قال والصراط : الطريق الذي | هو دين ~~الإسلام . ' مستقيما ' نصب على الحال ، ومعناه : مستويا قويما لا اعوجاج ~~فيه ، فأمر | باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ~~وشرعه ، ونهايته الجنة ، وتشعبت منه طرق ، | فمن سلك الجادة نجا ، ومن خرج ~~إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار . قال الله تعالى : | @QB@ ولا تتبعوا ~~السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ [ الأنعام : 153 ] أي : تميل . انتهى . وروى ~~| أحمد والنسائي ، والدارمي ، وابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، عن ابن ~~مسعود قال : خط | رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده ، ثم قال : ' هذا ~~سبيل الله مستقيما ' ثم خط خطوطا عن يمين ذلك | الخط وعن شماله ، ثم قال : ~~' وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ' ، ثم | قرأ : @QB@ ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله @QE@ . # وعن النواس بن سمعان مرفوعا قال : ' ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعلى ~~جنبتي | الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة ، وعلى الأبواب ستور مرخاة ، وعلى ~~الصراط داع يقول : | يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا ، وداع ~~يدعو من جوف الصراط ، فإذا أراد | الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب ، ~~قال : لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه . فالصراط : | الإسلام ، والسوران : ~~حدود الله ، والأبواب المفتحة : محارم الله ، وذلك الداعي على رأس | الصراط ~~: كتاب الله والداعي من فوق الصراط : واعظ الله في قلب كل مسلم ' رواه | ~~أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير ، وابن أبي حاتم . # # | PageV01P045 # وعن مجاهد في قوله : @QB@ ولا تتبعوا السبل @QE@ [ الأنعام : 153 ] قال : ~~البدع والشبهات . | رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم . وهذه السبل تعم ~~اليهودية ، والنصرانية ، والمجوسية ، وعباد | القبور ، وسائر أهل الملل ~~والأوثان ، والبدع والضلالات من أهل الشذوذ والأهواء ، والتعمق | في الجدل ~~، والخوض في الكلام ، فاتباع هذه من اتباع السبل التي تذهب بالإنسان عن | ~~الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم ، كما قال النبي [ صلى الله ms037 عليه ~~وسلم ] : ' من أحذث في أمرنا | هذا ما ليس منه فهو رد ' وفي رواية ' كل عمل ~~ليس عليه أمرنا فهو رد ' حديث صحيح . # قال ابن مسعود : تعلموا العلم قبل أن يقبض ، وقبضه ذهاب أهله ، ألا ~~وإياكم والتنطع | والتعمق والبدع ، وعليكم بالعتيق . رواه الدارمي . # قلت : العتيق هو القديم ، يعني ما كان عليه رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] وأصحابه من الهدي ، دون | PageV01P046 | ما حدث بعدهم ، فالهرب ~~الهرب ، والنجاء النجاء ، والتمسك بالطريق المستقيم والسنن | القويم ، وهو ~~الذي كان عليه السلف الصالح ، وفيه المتجر الرابح ، قاله القرطبي . # وقال سهل بن عبد الله : عليكم بالأثر والسنة ، فإني أخاف أنه سيأتي عن ~~قليل زمان إذا | ذكر إنسان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] والاقتداء به في ~~جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه ، وأذلوه | وأهانوه . # قلت : رحم الله سهلا ما أصدق فراسته ، فلقد كان ذلك وأعظم ، وهو أن يكفر ~~الإنسان | بتجريد التوحيد والمتابعة ، والأمر بإخلاص العبادة لله ، وترك ~~عبادة ما سواه والأمر بطاعة | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، وتحكيمه ~~في الدقيق والجليل . # قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ولنذكر في الصراط المستقيم قولا وجيزا ، ~~فإن الناس | قد تنوعت عباراتهم عنه ، وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته ، ~~وحقيقته شيء واحد وهو | طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه ، ولا ~~طريق إليه سواه ، بل الطرق كلها مسدودة | على الخلق إلا طريقه الذي نصبه ~~على ألسن رسله ، وجعله موصلا لعباده إليه وهو إفراده | بالعبودية وإفراد ~~رسوله بالطاعة ، فلا يشرك به أحد في عبوديته . ولا يشرك برسوله أحد في | ~~طاعته ، فيجرد التوحيد ، ويجرد متابعة الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ، ~~وهذا معنى قول بعض العارفين : إن | السعادة كلها والفلاح كله مجموع في ~~شيئين : صدق محبة ، وحسن معاملة . وهذا كله | مضمون شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله . فأي شيء فسر به الصراط | المستقيم ، فهو داخل ~~في هذين الأصلين . ونكتة ذلك أن تحبه بقلبك كله ، وترضيه بجهدك | كله ، فلا ~~يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ، ولا يكون ms038 لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته ~~، | فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله ، والثاني يحصل بتحقيق ~~شهادة أن محمدا | رسول الله ، وهذا هو الهدى ودين الحق ، وهو معرفة الحق ~~والعمل به ، وهو معرفة ما بعث | الله به رسوله والقيام به ، فقل ما شئت من ~~العبارات التي هذا آخيتها وقطب رحاها . # قال : وقوله : @QB@ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا @QE@ [ النساء : 36 ~~] هكذا أثبت في نسخة | بخط شيخنا ولم يذكر الآية . قال ابن كثير : يأمر ~~تعالى عباده بعبادته وحده لا شريك له ، فإنه | الخالق الرازق المنعم ~~المتفضل على خلقه في جميع الحالات ، فهو المستحق منهم أن | يوحدوه ولا ~~يشركوا به شيئا من مخلوقاته . # قلت : هذا أول أمر في القرآن ، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له ، ~~والنهي عن | الشرك ، كما في قوله : @QB@ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي ~~خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون @QE@ [ البقرة : 21 ] وتأمل كيف أمر ~~تعالى بعبادته ، أي : فعلها خالصة له ، ولم | يخص بذلك نوعا من أنواع ~~العبادة ، لا دعاء ولا صلاة ولا غيرهما ، ليعم جميع أنواع | العبادة ، ونهى ~~عن الشرك به ، ولم يخص أيضا نوعا من أنواع العبادة بجواز الشرك فيه . | ~~PageV01P047 # وفي هذه الآية واللواتي قبلها دليل على أن العبادة هي التوحيد ، لأن ~~الخصومة فيه ، | وإلا فكان المشركون يعبدون الله ويعبدون غيره ، فأمروا ~~بالتوحيد ، وهو عبادة الله وحده ، | وترك عبادة ما سواه ، وفيهن دليل على ~~أن التوحيد أول واجب على المكلف ، وهو الكفر | بالطاغوت والإيمان بالله ~~المستلزم لعبادته وحده لا شريك له ، وأن من عبد غير الله بنوع من | أنواع ~~العبادة فقد أشرك ، سواء كان المعبود ملكا أو نبيا أو صالحا أو صنما . # ( قال ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد [ صلى الله عليه وسلم ] ~~التي عليها خاتمه فليقرأ @QB@ قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم @QE@ إلى ~~قوله : ^ ( وأن هذا صرطى مستقيما فاتبعوه ولا | تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصكم به لعلكم تتقون * ) ^ # ' ابن مسعود ' هو عبد الله بن مسعود بن غافل ms039 بمعجمة وفاء ابن حبيب الهذلي ~~أو | عبد الرحمن ، صحابي جليل من السابقين الأولين وأهل بدر وبيعة الرضوان ~~، ومن كبار | العلماء من الصحابة ، أمره عمر على الكوفة ، ومات سنة اثنتين ~~وثلاثين . وهذا الأثر رواه | الترمذي وحسنه ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ~~والطبراني بنحوه . # وروى أبو عبيد وعبد بن حميد عن الربيع بن خثيم نحوه . # قال بعضهم ما معناه ، أي : من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت ~~وختم عليها ، | ثم طويت فلم تغير ولم تبدل ، تشبيها لها بالكتاب الذي كتب ~~ثم ختم عليه فلم يزد فيه ولم | ينقص ، لأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~كتبها وختم عليها وأوصى بها ، فإن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لم يوص إلا ~~بكتاب الله ، | كما قال فيما رواه مسلم : ' وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به ~~لن تضلوا : كتاب الله ' . | PageV01P048 # قلت : وقد روى عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ~~] : ' أيكم يبايعني على | هؤلاء الآيات الثلاث ، ثم تلا @QB@ قل تعالوا أتل ~~ما حرم ربكم عليكم @QE@ حتى فرغ من | ثلاث آيات ، ثم قال : ' من وفى بهن ~~فأجره على الله ، ومن انتقص منهن شيئا فأدركه الله في | الدنيا كانت عقوبته ~~، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله ، إن شاء آخذه ، وإن شاء عفا | ~~عنه ' رواه ابن أبي حاتم ، والحاكم وصححه ، فهذا يدل على أن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] يعتني بهن ، | ويبالغ في الحث على العمل بهن . # وعن معاذ بن جبل قال : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال ~~لي : يا معاذ أتدري ما | حق الله على العباد ؟ وما حق العباد على الله ؟ ~~فقلت : الله ورسوله أعلم قال : حق الله على | العباد : أن يعبدوه ولا ~~يشركوا به شيئا ، وحق العباد على الله : أن لا يعذب من لا يشرك به | شيئا . ~~فقلت : يا رسول الله : أفلا أبشر الناس ؟ قال : لا تبشرهم فيتكلوا ' أخرجاه ~~في | ' الصحيحين ' . | PageV01P049 # هذا الحديث في ' الصحيحين ' وبعض رواياته نحو ما ذكر المصنف . ' ومعاذ ' ~~وهو | معاذ بن ms040 جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي ، أبو عبد الرحمن ، ~~صحابي مشهور | من أعيان الصحابة ، شهد بدرا وما بعدها ، وكان إليه المنتهى ~~في العلم بالأحكام والقرآن | رضي الله عنه ، مات سنة ثمان عشرة بالشام . # قوله : كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم ، فيه جواز الإرداف على الدابة ~~وفضيلة لمعاذ من جهة | ركوبه خلف النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . # قوله : ' على حمار ' في رواية اسمه عفير بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة ~~. | قال ابن الصلاح : وهو الحمار الذي كان له [ صلى الله عليه وسلم ] . قيل ~~: إنه مات في حجة الوداع ، وفيه | تواضعه [ صلى الله عليه وسلم ] للإرداف ~~ولركوب الحمار ، خلاف ما عليه أهل الكبر . # قوله : ' أتدري ما حق الله على العباد ' الدراية هي المعرفة ، وأخرج ~~السؤال بصيغة | الاستفهام ، ليكون أوقع في النفس ، وأبلغ في فهم المتعلم ، ~~فإن الإنسان إذا سئل عن مسألة | لا يعلمها ثم أخبر بها بعد الامتحان ~~بالسؤال عنها ، فإن ذلك أوعى لفهمها وحفظها ، وهذا | من حسن إرشاده وتعليمه ~~[ صلى الله عليه وسلم ] . # وحق الله على العباد ، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتما ، وحق العباد ~~على الله معناه | أنه متحقق لا محالة ، لأنه قد وعدهم ذلك جزاء لهم على ~~توحيده ، ووعده حق ، إن الله لا | يخلف الميعاد . # وقال شيخ : الإسلام : كون المطيع يستحق الجزاء ، هو استحقاق إنعام وفضل ، ~~ليس هو | استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق ، فمن الناس من ~~يقول : لا معنى | للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك ، ووعده صدق ، ولكن أكثر ~~الناس يثبتون استحقاقا زائدا على | هذا كما دل عليه الكتاب والسنة . قال ~~تعالى : @QB@ وكان حقا علينا نصر المؤمنين @QE@ [ الروم : | 47 ] . # ولكن أهل السنة يقولون : هو الذي كتب على نفسه الرحمة ، وأوجب هذا الحق ~~على | نفسه لم يوجبه عليه مخلوق ، والمعتزلة يدعون أنه واجب عليه بالقياس ~~على الخلق ، وأن | العباد هم الذين أطاعوه بدون أن يجعلهم مطيعين له ، ~~وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن | يكون هو الموجب ، وغلطوا في ذلك ، وهذا ~~الباب غلطت فيه القدرية والجبرية أتباع جهم | والقدرية ms041 النافية . # قوله : فقلت : الله ورسوله أعلم . فيه حسن أدب المتعلم ، وأنه ينبغي لمن ~~سئل عما لا | يعلم أن يقول ذلك بخلاف أكثر المتكلفين . | PageV01P050 # قوله : ( أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ) أي : يوحدوه بالعبادة وحده ولا ~~يشركوا به | شيئا . وفائدة هذه الجملة بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه ~~في العبادة ، وإلا فلا يكون | العبد آتيا بعبادة الله بل مشرك ، وهذا هو ~~معنى قول المصنف : إن العبادة هي التوحيد ، لأن | الخصومة فيه ، وفيه معرفة ~~حق الله على العباد ، وهو عبادته وحده لا شريك له . # فيا من حق سيده الإقبال عليه ، والتوجه بقلبه إليه ، لقد صانك وشرفك عن ~~إذلال قلبك | ووجهك لغيره ، فما هذه الإساءة القبيحة في معاملته مع هذا ~~التشريف والصيانة ! فهو يعظمك | ويدعوك إلى الإقبال وأنت تأبى إلا مبارزته ~~بقبائح الأفعال . # في بعض الآثار الإلهية : إني والجن والإنس في نبأ عظيم ، أخلق ويعبد غيري ~~، وأرزق | ويشكر سواي ، خيري إلى العباد نازل ، وشرهم إلي صاعد ، أتحبب ~~إليهم بالنعم ، ويتبغضون | إلي بالمعاصي . وكيف يعبده حق عبادته من صرف ~~سؤاله ودعاءه وتذلله واضطراره وخوفه | ورجاءه وتوكله وإنابته وذبحه ونذره ~~لمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولا موتا ولا حياة | ولا نشورا ، من ميت ~~رميم في التراب ، أو بناء مشيد من القباب ، فضلا مما هو شر من ذلك . # قوله : ' وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا ' قال ~~الخلخالي : تقديره : | أن لا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئا والعبادة هي ~~الإتيان بالأوامر ، والانتهاء عن المناهي ، | أن مجرد عدم الإشراك لا يقتضي ~~نفي العذاب ، وقد علم ذلك من القرآن والأحاديث الواردة | في تهديد الظالمين ~~والعصاة . # وقال الحافظ : اقتصر على نفس الإشراك ، لأنه يستدعي التوحيد بالاقتضاء ، ~~ويستدعي | إثبات الرسالة باللزوم ، إذ من كذب رسول الله ، فقد كذب الله ، ~~ومن كذب الله ، فهو مشرك ، | وهو مثل قول القائل : من توضأ صحت صلاته ، أي ~~: مع سائر الشروط ، فالمراد من مات | حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان ~~به . # قلت : وسيأتي تقرير ms042 هذا في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى . # قوله : ' أفلا أبشر الناس ' فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره . وفيه ما ~~كان عليه | الصحابة من الاستبشار ، بمثل هذا نبه عليه المصنف . # قوله : قال : ' لا تبشرهم فيتكلوا ' وفي رواية : ' إني أخاف أن يتكلوا ' ~~، أي : يعتمدوا | على ذلك ، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة ، وفي ~~رواية : فأخبر بها معاذ عند موته | تأثما ، أي تحرجا من الإثم . # قال الوزير أبو المظفر : لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء ~~الأدب | بترك الخدمة في الطاعة ، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا ~~ازدادوا في الطاعة ، ورأوا | أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة فلا وجه ~~لكتمانها عنهم . . . | PageV01P051 | وقال الحافظ : دل هذا على أن النهي ~~للتبشير ليس على التحريم ، وإلا لما أخبر به | أصلا ، أو أنه ظهر له أن ~~المنع إنما هو من الأخبار عموما ، فبادر قبل موته فأخبر بها خاصا | من ~~الناس . # وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم التنبيه على عظمة حق الوالدين ، وتحريم ~~عقوقهما ، | والحث على إخلاص العبادة لله تعالى ، وأنها لا تنفع مع الشرك ، ~~بل لا تسمى عبادة شرعا ، | والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات في سورة ~~الأنعام ، ذكره المصنف . وجواز كتمان العلم | للمصلحة ، ولا سيما أحاديث ~~الرجاء التي إذا سمعها الجهال ازدادوا من الآثام . # كما قال بعضهم : | # % فأكثر ما استطعت من الخطايا % % إذا كان القدوم على كريم % # وتخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض ، وفضيلة معاذ ، ومنزلته من العلم ، ~~لكونه | خص بما ذكر ، واستئذان المتعلم في إشاعة ما خص به من العلم ، ~~والخوف من الاتكال | على سعة رحمة الله ، وأن الصحابة لا يعرفون مثل هذا ~~إلا بتعليمه صلى الله عليه وسلم ، ذكره المصنف . # قوله : أخرجاه في ' الصحيحين ' أي : أخرجه البخاري ومسلم في ' صحيحيهما ' ~~وإنما | أضمرهما للعلم بهما . # والبخاري هو الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي مولاهم ، الحافظ ~~الكبير | صاحب ' الصحيح ' و ' والتاريخ ' و ' الأدب المفرد ' وغير ذلك من ~~مصنفاته . # روى عن الإمام أحمد بن حنبل والحميدي وابن المديني وطبقتهم . # وروى عنه ms043 مسلم والترمذي والنسائي والفربري راوي ' الصحيح ' وغيرهم . ولد ~~سنة | أربع وتسعين ومائة ، ومات سنة ست وخمسين ومائتين . # ومسلم هو ابن الحجاج بن مسلم أبو الحسين القشيري النيسابوري صاحب ' ~~الصحيح ' | و ' العلل و ' الوحدان ' ' وغير ذلك . # روى عن أحمد بن حنبل ، ويحيى بن معين ، وأبي خيثمة ، وابن أبي شيبة ، ~~وطبقتهم . # روى عنه الترمذي ، وإبراهيم بن محمد بن سفيان راوي ' الصحيح ' وغيرهم . ~~ولد سنة | أربع ومائتين ، ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمه الله ~~تعالى . | PageV01P052 | # | ( [ 1 ] باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب ) # باب : خبر مبتدأ محذوف ، تقديره : هذا باب بيان فضل التوحيد ، وبيان ما ~~يكفر من | الذنوب ، و ' ما ' يجوز أن تكون موصولة ، أي : وبيان ما يكفره من ~~الذنوب . ويجوز أن | تكون مصدرية ، أي : وبيان تكفيره الذنوب ، وهذا أرجح ، ~~لأن الأول يوهم أن ثم ذنوبا لا | يكفرها التوحيد ، وليس بمراد ، ولما ذكر ~~معنى التوحيد ، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب | ترغيبا فيه وتحذيرا من الضد ~~. # وقول الله تعالى : ^ ( الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمنهم بظلم أولئك لهم ~~الأمن وهم | مهتدون ) ^ [ الأنعام : 82 ] . # قال بعض الحنفية في تفسيره : هذا ابتداء . قال ابن زيد وابن إسحاق : هذا ~~من الله على | فصل القضاء بين إبراهيم وقومه . قال الزجاج : سأل إبراهيم ~~وأجاب بنفسه . # وعن ابن مسعود قال : لما نزلت هذه الآية قالوا : فأينا لم يظلم ؟ قال ~~عليه السلام : | @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ وكذا عن أبي بكر الصديق أنه ~~فسره بالشرك ، فيكون الأمن | من تأييد العذاب . # وعن عمر أنه فسره بالذنب ، فيكون الأمن من كل عذاب . # وقال الحسن والكلبي : أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا . ~~انتهى ، | وإنما ذكرته لأن فيه شاهدا لكلام شيخ الإسلام الآتي في الحديث ~~الذي ذكره حديث صحيح | في ' الصحيح ' و ' المسند ' وغيرهما . # وفي لفظ لأحمد عن عبد الله قال : لما نزلت ^ ( الذين ءامنوا ولم يلبسوا ~~إيمنهم بظلم ) ^ | [ الأنعام : 82 ] شق ذلك على أصحاب رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] فقالوا : يا رسول الله فأينا لا يظلم نفسه . | قال : ' إنه ليس ~~الذي ms044 تعنون ، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح : ^ ( يابني لا تشرك بالله إن ~~PageV01P053 | الشرك لظلم عظيم ) ^ [ لقمان : 13 ] إنما هو الشرك ' . # قال شيخ الإسلام : والذي شق عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد ~~لنفسه ، | وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه ، فبين لهم النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ما دلهم على أن الشرك | ظلم في كتاب الله ، وحينئذ ~~فلا يحصل الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانهم بهذا | الظلم ، فمن لم ~~يلبس إيمانه به كان من أهل الأمن والاهتداء ، كما كان من أهل الاصطفاء | في ~~قوله : ^ ( ثم أورثنا الكتب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ) ^ ~~[ فاطر : 32 ] | وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب ~~، كما قال ^ ( فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) ^ ~~[ الزلزلة : 7 - 8 ] . # وقد سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] عن ذلك فقال ~~: يا رسول الله ، وأينا لم يعمل | سوءا فقال : ' يا أبا بكر ألست تنصب ، ~~ألست تحزن ، أليس تصيبك اللأواء ، فذلك ما | تجزون به ' . فبين أن المؤمن ~~الذي إذا مات دخل الجنة ، قد يجزى بسيئاته في الدنيا | بالمصائب التي تصيبه ~~، قال : فمن سلم من أجناس الظلم الثلاثة ، يعني الظلم الذي هو | ~~PageV01P054 | الشرك ، وظلم العباد ، وظلمه لنفسه بما دون الشرك ، كان له ~~الأمن التام والاهتداء التام ، ومن | لم يسلم من ظلم نفسه كان له الأمن و ~~الاهتداء مطلقا ، بمعنى أنه لا بد أن يدخل الجنة ، كما | وعد بذلك في الآية ~~الأخرى ، وقد هداه الله إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى | ~~الجنة ، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء ، بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه ~~لنفسه ، ليس | مراد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بقوله : ' إنما هو الشرك ~~' أن من لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام | والاهتداء التام ، فإن ~~أحاديثه الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون | للخوف ، لم ~~يحصل لهم الأمن التام والاهتداء التام ms045 الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط | ~~المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من غير عذاب يحصل لهم ، بل معهم أصل ~~الاهتداء | إلى هذا الصراط ومعهم الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم ، ولا ~~بد لهم من دخول الجنة . وقوله : ' إنما | هو الشرك ' إن أراد به الأكبر ~~فمقصوده أن من لم يكن من أهله ، فهو آمن مما وعد به | المشركون من عذاب ~~الدنيا والآخرة ، وهو مهتد إلى ذلك ، وإن كان مراده جنس الشرك | فيقال : ~~ظلم العبد نفسه ، كبخله - لحب المال - ببعض الواجب وهو شرك أصغر ، وحبه ما ~~| يبغض الله حتى يقدم هواه على محبة الله شرك أصغر ، ونحو ذلك ، فهذا فاته ~~من الأمن | والاهتداء بحسبه ، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم ~~بهذا الاعتبار . انتهى | ملخصا . وبه تظهر مطابقة الآية للترجمة ، فدلت على ~~فضل التوحيد وتكفيره للذنوب ، لأن | من أتى به تاما فله الأمن التام ~~والاهتداء التام ، ودخل الجنة بلا عذاب ، ومن أتى به ناقصا | بالذنوب التي ~~لم يتب منها ، فإن كانت صغائر كفرت باجتناب الكبائر ، لآية ( النساء ) | و ~~( النجم ) وإن كانت كبائر فهو في حكم المشيئة ، إن شاء الله غفر له ، وإن ~~شاء عذبه ، ومآله | إلى الجنة ، والله أعلم . # ( عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' من ~~شهد أن لا إله إلا الله وحده لا | شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن ~~عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم | وروح منه ، والجنة حق ~~والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) أخرجاه . # عبادة هو ابن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو الوليد ، أحد النقباء ~~بدري | مشهور من جلة الصحابة ، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان ~~وسبعون سنة . وقيل : | عاش إلى خلافة معاوية . | PageV01P055 # قوله : ^ ( من شهد أنه لا إله إلا الله ) ^ ، أي : من تكلم بهذه الكلمة ~~عارفا لمعناها ، | عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا ، كما دل عليه قوله : @QB@ ~~فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ [ محمد : 19 ] | وقوله : @QB@ إلا من شهد ~~بالحق وهم يعلمون @QE@ [ الزخرف ms046 : 86 ] أما النطق بها من غير معرفة لمعناها ~~| ولا عمل بمقتضاها ، فإن ذلك غير نافع بالإجماع . # وفي الحديث ما يدل على هذا ، وهو قوله : ' من شهد ' إذ كيف يشهد وهو لا ~~يعلم ، | ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به . قال بعضهم : أداة الحصر لقصر ~~الصفة على | الموصوف قصر إفراد ، لأن معناه : الألوهية في الله الواحد في ~~مقابلة من يزعم اشتراك غيره | معه ، وليس قصر قلب ، لأن أحدا من الكفار لم ~~ينفها عن الله ، وإنما أشرك معه غيره . # وقال النووي : هذا حديث عظيم جليل الموقع ، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث ~~| المشتملة على العقائد ، فإنه [ صلى الله عليه وسلم ] جمع فيه ما يخرج عن ~~ملل الكفر على اختلاف عقائدهم | وتباعدها ، فاقتصر [ صلى الله عليه وسلم ] ~~في هذه الأحرف على ما يباين به جميعهم . انتهى . # ومعنى ' لا إله إلا الله ' ، أي : لا معبود بحق إلا إله واحد ، وهو الله ~~وحده لا شريك | له ، كما قال تعالى : @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا ~~نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ [ الأنبياء : 25 ] مع قوله ~~تعالى : ^ ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا | الله واجتنبوا الطغوت ~~) ^ [ النحل : 36 ] فصح أن معنى الإله هو المعبود ، ولهذا لما قال | النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم ] لكفار قريش ' قولوا لا إله إلا الله ' ، قالوا : ^ ~~( أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشيء | عجاب ) ^ [ ص : 5 ] وقال قوم هود : ~~^ ( أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد | ءابآؤنا ) ^ [ الأعراف : 70 ~~] وهو إنما دعاهم إلى ' لا إله إلا الله ' فهذا هو معنى لا إله إلا الله ، ~~| وهو عبادة الله وترك عبادة ما سواه ، وهو الكفر بالطاغوت ، وإيمان بالله ~~. # فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله ، وأن إلهية ما سواه ~~أبطل | الباطل ، وإثباتها أظلم الظلم ، فلا يستحق العبادة سواه ، كما لا ~~تصلح الإلهية لغيره ، | فتضمنت نفي الإلهية عما سواه ، وإثباتها له وحده لا ~~شريك له وذلك يستلزم الأمر باتخاذه | إلها وحده ، والنهي عن اتخاذ غيره معه ms047 ~~إلها وهذا يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات ، | كما إذا رأيت رجلا ~~يستفتي أو يستشهد من ليس أهلا لذلك ، ويدع من هو أهل له ، فتقول : | هذا ~~ليس بمفت ولا شاهد ، المفتي فلان ، والشاهد فلان ، فإن هذا أمر منه ونهي . ~~وقد دخل | في الإلهية جميع أنواع العبادة الصادرة عن تأله القلب لله بالحب ~~والخضوع والانقياد له وحده | لا شريك له ، فيجب إفراد الله تعالى بها ، ~~كالدعاء والخوف والمحبة ، والتوكل والإنابة ، | والتوبة ، والذبح ، والنذر ~~، والسجود ، وجميع أنواع العبادة فيجب صرف جميع ذلك لله | وحده لا شريك له ~~، فمن صرف شيئا مما لا يصلح إلا لله من العبادات لغير الله ، فهو مشرك | ~~ولو نطق ب لا إله إلا الله ، إذ لم يعمل بما تقتضيه من التوحيد والإخلاص . ~~| PageV01P056 # ذكر نصوص العلماء في معنى الإله قال ابن عباس رضي الله عنه : الله ذو ~~الألوهية | والعبودية على خلقه أجمعين . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . ~~وقال الوزير أبو المظفر في | ' الإفصاح ' قوله : ' شهادة أن لا إله إلا ~~الله ' يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن : لا إله إلا | الله ، كما قال الله ~~عز وجلك @QB@ فاعلم أنه لا إله إلا الله @QE@ [ محمد : 19 ] وينبغي أن يكون ~~| الناطق بها شاهدا فيها ، فقد قال الله عز وجل ما أوضح به أن الشاهد بالحق ~~إذا لم يكن | عالما بما شهد به ، فإنه غير بالغ من الصدق به مع من شهد من ~~ذلك بما يعلمه في قوله | تعالى : @QB@ إلا من شهد بالحق وهم يعلمون @QE@ [ ~~الزخرف : 86 ] قال واسم الله تعالى مرتفع بعد | ' إلا ' من حيث إنه الواجب ~~له الإلهية . فلا يستحقها غيره سبحانه . قال : واقتضى الإقرار بها | أن ~~تعلم أن كل ما فيه أمارة للحدث ، فإنه لا يكون إلها ، فإذا قلت : لا إله ~~إلا الله ، فقد | اشتمل نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله ، فيلزمك ~~إفراده سبحانه بذاك وحده . # قال : وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر ~~بالطاغوت | والإيمان بالله ، فإنك لما نفيت الإلهية ms048 وأثبت الإيجاب لله ~~سبحانه ، كنت ممن كفر بالطاغوت | وآمن بالله . | وقال أبو عبد الله القرطبي ~~في التفسير : لا إله إلا هو ، أي : لا معبود إلا هو . وقال | الزمخشري : ~~الإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - اسم يقع على كل معبود بحق أو | ~~بباطل ، ثم غلب على المعبود بحق . # وقال شيخ الإسلام : الإله هو المعبود المطاع . وقال أيضا : في لا إله إلا ~~الله ، إثبات | انفراده بالإلهية ، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته ~~وحكمته ، ففيها إثبات إحسانه | إلى العباد . فإن الإله هو المألوه ، ~~والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد ، وكونه يستحق أن يعبد | هو بما اتصف به من ~~الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب ، المخضوع له | غاية ~~الخضوع . # وقال ابن القيم رحمه الله : الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا ~~وإنابة وإكراما | وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا . # وقال ابن رجب رحمه الله : الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ~~ومحبة | وخوفا ورجاء وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له ، ولا يصلح ذلك كله ~~إلا لله عز وجل ، فمن | أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص ~~الإلهية كان ذلك قدحا في | إخلاصه في قول : لا إله إلا الله ، ونقصا في ~~توحيده ، وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب | ما فيه من ذلك ، وهذا كله من ~~فروع الشرك . # وقال البقاعي : لا إله إلا الله ، أي : انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود ~~بحق غير الملك | PageV01P057 | الأعظم ، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى ~~المنجية من أهوال الساعة ، وإنما يكون علما إذا | كان نافعا ، وإنما يكون ~~نافعا إذا كان الإذعان والعمل بما تقتضيه ، وإلا فهو جهل صرف . # وقال الطيبي : الإله فعال بمعنى مفعول ، كالكتاب بمعنى المكتوب ، من أله ~~إلهة ، أي : عبد عبادة . # وهذا كثير جدا في كلام العلماء ، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود ، ~~خلافا لما | يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو ~~القادر على الاختراع أو نحو هذه | العبارات ، ويظنون أنهما إذا قالوها بهذا ~~المعنى ms049 ، فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى ، ولو | فعلوا ما فعلوا من ~~عبادة غير الله ، كدعاء الأموات ، والاستغاثة بهم في الكربات ، وسؤالهم | ~~قضاء الحاجات ، والنذر لهم في الملمات ، وسؤالهم الشفاعة عند رب الأرض ~~والسموات ، | إلى غير ذلك من أنواع العبادات ، وما شعروا أن إخوانهم من ~~كفار العرب يشاركونهم في | هذا الإقرار ، ويعرفون أن الله هو الخالق القادر ~~على الاختراع ، ويعبدونه بأنواع من | العبادات ، فليهن أبو جهل وأبو لهب ~~ومن تبعهما بحكم عباد القبور ، وليهن أيضا إخوانهم | عباد ود وسواع ويغوث ~~ويعوق ونسر ، إذ جعل هؤلاء دينهم هو الإسلام المبرور . # ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال ، لم يكن بين الرسول [ صلى الله ~~عليه وسلم ] وبينهم نزاع ، بل | كانوا يبادرون إلى إجابته ، ويلبون دعوته ، ~~إذ يقول لهم : قولوا : لا إله إلا الله ، بمعنى : أنه | لا قادر على ~~الاختراع إلا الله . فكانوا يقولون : سمعنا وأطعنا . قال الله تعالى : @QB@ ~~ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ [ الزخرف : 87 ] ^ ( ولئن سألتهم من ~~خلق السموت والأرض ليقولن | خلقهن العزيز العليم * ) ^ [ الزخرف : 9 ] ^ ( ~~قل من يرزقكم من السمآء والأرض أمن يملك السمع | والأبصر ) ^ [ يونس : 31 ] ~~الآية إلى غير ذلك من الآيات . # لكن القوم أهل اللسان العربي ، فعلموا أنها تهدم عليهم دعاء الأموات ~~والأصنام من | الأساس ، وتكب بناء سؤال الشفاعة من غير الله ، وصرف الإلهية ~~لغيره لأم الرأس ، فقالوا : | @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ [ الزمر : 3 ] ^ ( هؤلآء شفعؤنا عند الله ) ^ [ يونس : 18 ] | ^ ( ~~أجعل الألهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب * ) ^ [ ص : 5 ] فتبا لمن كان أبو ~~جهل ورأس الكفر | من قريش وغيرهم أعلم منه ب : ' لا إله إلا الله ' قال ~~تعالى : ^ ( إنهم كانوا إذا قيل لهم لآ إله إلا | الله يستكبرون * ويقولون ~~أئنا لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون * ) ^ [ الصافات : 35 - 36 ] فعرفوا | ~~أنها تقتضي ترك عبادة ما سوى الله ، وإفراد الله بالعبادة ، وهكذا يقول ~~عباد القبور إذا طلبت | منهم إخلاص الدعوة والعبادة لله وحده : أنترك ~~سادتنا وشفعاءنا في قضاء حوائجنا . فيقال | لهم : نعم وهذا الترك والإخلاص ~~هو الحق ms050 ، كما قال تعالى : @QB@ بل جاء بالحق وصدق المرسلين @QE@ [ الصافات ~~: 37 ] ف : ' لا إله إلا الله ' اشتملت على نفي وإثبات ، فنفت | ~~PageV01P058 | الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى ، فكل ما سواه من الملائكة ~~والأنبياء فضلا عن غيرهم | فليس بإله ، ولا له من العبادة شيء ، وأثبتت ~~الإلهية لله وحده ، بمعنى أن العبد لا يأله غيره ، | أي : لا يقصده بشيء من ~~التأله وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة ، | كالدعاء ~~والذبح والنذر وغير ذلك . # وبالجملة فلا يأله إلا الله ، أي : لا يعبد إلا هو ، فمن قال هذه الكلمة ~~عارفا لمعناها ، | عاملا بمقتضاها ، من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع ~~الإعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك | والعمل به ، فهذا هو المسلم حقا ، فإن ~~عمل به ظاهرا من غير اعتقاد ، فهو المنافق ، وإن | عمل بخلافها من الشرك ، ~~فهو الكافر ولو قالها ، ألا ترى أن المنافقين يعملون بها ظاهرا | وهم في ~~الدرك الأسفل من النار ، واليهود يقولونها وهم على ما هم عليه من الشرك | ~~والكفر ، فلم تنفعهم ، وكذلك من ارتد عن الإسلام بإنكار شيء من لوازمها ~~وحقوقها ، فإنها | لا تنفعه ، ولو قالها مائة ألف ، فكذلك من يقولها ممن ~~يصرف أنواع العبادة لغير الله ، كعباد | القبور والأصنام فلا تنفعهم ولا ~~يدخلون في الحديث الذي جاء في فضلها ، وما أشبهه من | الأحاديث . وقد بين ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ذلك بقوله : ' وحده لا شريك له ' تنبيها على ~~أن الإنسان قد | يقولها وهو مشرك ، كاليهود والمنافقين وعباد القبور ، لما ~~رأوا أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] دعا قومه إلى | قول : ' لا إله إلا ~~الله ' ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط ، وهذا جهل عظيم ، وهو عليه ~~| السلام إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها ويتركوا عبادة غير ~~الله ، ولهذا قالوا : ^ ( أئنا | لتاركوا ءالهتنا لشاعر مجنون ) ^ [ ~~الصافات : 36 ] وقالوا : @QB@ أجعل الآلهة إلها واحدا @QE@ [ ص : 5 ] | ~~فلهذا أبوا عن النطق بها ، وإلا فلو قالوها وبقوا على عبادة اللات والعزى ~~ومناة لم يكونوا | مسلمين ، ولقاتلهم عليه السلام حتى يخلعوا ms051 الأنداد ~~ويتركوا عبادتها ، ويعبدوا الله وحده لا | شريك له ، وهذا أمر معلوم ~~بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع ، وأما عباد القبور فلم | يعرفوا معنى ~~هذه الكلمة ، ولا عرفوا الإلهية المنفية عن غير الله الثابتة له وحده لا ~~شريك | له ، بل لم يعرفوا من معناها إلا ما أقر به المؤمن والكافر ، واجتمع ~~عليه الخلق كلهم من أن | معناها : لا قادر على الاختراع ، أو أن معناها : ~~الإله ، هو الغني عما سواه ، الفقير إليه كل ما | عداه ، ونحو ذلك ، فهذا ~~حق ، وهو من لوازم الإلهية ، ولكن ليس هو المراد بمعنى ' لا إله | إلا الله ~~' فإن هذا القدر قد عرفه الكفار ، وأقروا به ، ولم يدعوا في آلهتهم شيئا من ~~ذلك ، بل | يقرون بفقرهم ، وحاجتهم إلى الله ، وإنما كانوا يعبدونهم على ~~معنى أنهم وسائط وشفعاء عند | الله في تحصيل المطالب ونجاح المآرب ، وإلا ~~فقد سلموا الخلق والملك والرزق والإحياء | والإماتة ، والأمر كله لله وحده ~~لا شريك له ، وقد عرفوا معنى ' لا إله إلا الله ' وأبوا على | النطق والعمل ~~بها ، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في الإلهية ، كما قال تعالى : ~~@QB@ وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون @QE@ [ يوسف : 106 ] وعباد ~~القبور نطقوا بها وجهلوا | PageV01P059 | معناها ، وأبوا عن الإتيان به ، ~~فصاروا كاليهود الذين يقولونها ولا يعرفون معناها ولا يعملون | به ، فتجد ~~أحدهم يقولها وهو يأله غير الله بالحب والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء | ~~والتوكل والدعاء عند الكرب ، ويقصده بأنواع العبادة الصادرة عن تأله قلبه ~~لغير الله مما هو | أعظم مما يفعله المشركون الأولون ، ولهذا إذا توجهت على ~~أحدهم اليمين بالله تعالى | أعطاك ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا ، ولو ~~قيل له : احلف بحياة الشيخ فلان أو بتربته | ونحو ذلك ، لم يحلف إن كان ~~كاذبا ، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أعظم في قلبه من | رب الأرباب ، ~~وما كان الأولون هكذا ، بل كانوا إذا أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله ~~| تعالى ، كما في قصة القسامة التي وقعت في الجاهلية ، وهي في ' صحيح ~~البخاري ' وكثير | منهم وأكثرهم يرى ms052 أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند ~~قبره أو غيره أنفع وأنجح من | الاستغاثة بالله في المسجد ، ويصرحون بذلك ، ~~والحكايات عنهم بذلك فيها طول ، وهذا أمر | ما بلغ إليه شرك الأولين ، ~~وكلهم إذا أصابتهم الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب ، وهتفوا | بأسمائهم ~~، ودعوهم ليكشفوا ضر المصاب في البر والبحر والسفر والإياب ، وهذا أمر ما ~~فعله | الأولون ، بل هم في هذه الحال يخلصون للكبير المتعال ، فاقرأ قوله ~~تعالى : @QB@ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين @QE@ [ ~~العنكبوت : 65 ] الآية ، وقوله : ^ ( ثم إذا مسكم الضر فإليه | تجئرون * ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون * ) ^ [ النحل : 53 - 54 ] | ~~وكثير منهم قد عطلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد ، فإذا قصد أحدهم ~~القبر الذي | يعظمه أخذ في دعاء صاحبه باكيا خاشعا ذليلا خاضعا ، بحيث لا ~~يحصل له ذلك في | الجمعة والجماعات وقيام الليل وإدبار الصلوات ، فيسألونهم ~~مغفرة الذنوب وتفريج الكروب | والنجاة من النار ، وأن يحطوا عنهم الأوزار ، ~~فكيف يظن عاقل فضلا عن عالم أن التلفظ ب : | ' لا إله إلا الله ' مع هذه ~~الأمور تنفعهم ، وهم إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم | وأعمالهم ، ~~ولا ريب أنه لو قالها أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله ~~| ولم يعرف معنى الإله ولا معنى الرسول وصلى وصام وحج ولا يدري ما ذلك إلا ~~أنه رأى | الناس يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك ، فإنه لا يشك أحد ~~في عدم إسلامه ، وقد | أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي ~~عشر أو قبله في شخص كان كذلك | كما ذكره صاحب ' الدر الثمين في شرح المرشد ~~المعين ' من المالكية ، ثم قال شارحه : | وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية ~~الجلاء ، لا يمكن أن يختلف فيه اثنان انتهى . ولا ريب أن | عباد القبور أشد ~~من هذا لأنهم اعتقدوا الإلهية في أرباب متفرقين . # فإن قيل : قد تبين معنى الإله والإلهية ، فما الجواب عن قول من قال : بأن ~~معنى الإله | القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة ؟ # قيل : الجواب من وجهين ms053 : أحدهما أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من ~~العلماء PageV01P060 | ولا من أئمة اللغة ، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو ~~معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا القول | باطلا . # الثاني : على تقدير تسليمه ، فهو تفسير باللازم للإله الحق ، فإن اللازم ~~له أن يكون | خالقا قادرا على الاختراع ، ومتى لم يكن كذلك ، فليس بإله حق ~~وإن سمي إلها ، وليس | مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع ، ~~فقد دخل في الإسلام وأتى بتحقيق | المرام من مفتاح دار السلام ، فإن هذا لا ~~يقوله أحد ، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب | مسلمين ، ولو قدر أن بعض ~~المتأخرين أرادوا ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية | والعقلية . # قوله : ' وأن محمدا عبده ورسوله ' أي : وشهد بذلك ، وهو معطوف على ما ~~قبله ، | فتكون الشهادة واقعة على هذه الجملة وما قبلها وما بعدها ، فإن ~~العامل في المعطوف وما | عطف عليه واحد ، ومعنى ' العبد ' هنا يعني المملوك ~~العباد ، أي : مملوك لله تعالى ، وليس | له من الربوبية والإلهية شيء ، ~~إنما هو عبد مقرب عند الله ورسوله ، أرسله الله كما قال | تعالى : ^ ( وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا * قل إنما أدعوا ربي ولآ ~~أدعوا أشرك به | أحدا * قل إني لآ أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن ~~يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه | ملتحدا * إلا بلغا من الله ورسلته ~~ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خلدين فيهآ أبدا * ) ^ | [ الجن : 19 ~~- 23 ] . # قيل : وقدم العبد هنا على الرسول ترقيا من الأدنى إلى الأعلى ، وجمع ~~بينهما لدفع | الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن عيسى عليه السلام ، وقد ~~أكد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] هذا المعنى | بقوله : ' لا تطروني كما ~~أطرت النصارى ابن مريم ، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ' | رواه ~~البخاري عن عمر بن الخطاب . وذلك يتضمن تصديقه فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ~~، | والانتهاء عما عنه زجر ، فلا يكون كامل الشهادة له بالرسالة من ترك ~~أمره وأطاع غيره ، | وارتكب نهيه ms054 . # قوله : ' وأن عيسى عبد الله ورسوله ' وفي رواية ' وابن أمته ' أي خلافا ~~لما يعتقده | النصارى أنه الله أو ابن الله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ~~^ ( ما اتخذ الله من ولد وما كان | معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ~~ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله عما يصفون * علم | الغيب والشهدة فتعالى عما ~~يشركون * ) ^ [ المؤمنون : 91 - 92 ] فيشهد بأنه عبد الله ، أي : | ~~PageV01P061 | عابد مملوك لله ، لا مالك ، فليس له من الربوبية ولا من ~~الإلهية شيء ، ورسول صادق ، خلافا | لقول اليهود : إنه ولد بغي ، بل يقال ~~فيه ما قال عن نفسه كما قال تعالى : | ^ ( قال إني عبد الله | ءاتنى الكتب ~~وجعلني نبيا * وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصني بالصلوة والزكاة ما دمت | ~~حيا * وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا * والسلم على يوم ولدت ويوم أموت ~~ويوم | أبعث حيا * ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون * ) ^ [ ~~مريم : 30 - 34 ] . | وقال تعالى : @QB@ لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ~~ولا الملائكة المقربون @QE@ [ النساء : | 172 ] قال القرطبي : ويستفاد منه ~~ما يلقنه النصراني إذا أسلم . # قوله : ' وكلمته ' إنما سمي عليه السلام كلمة الله ، لصدوره بكلمة ' كن ' ~~بلا أب . # قاله قتادة وغيره من السلف . # قال الإمام أحمد فيما أملاه في الرد على الجهمية : الكلمة التي ألقاها ~~إلى مريم حين | قال له : ( كن ) فكان عيسى ب : ( كن ) ، وليس عيسى هو كن ، ~~ولكن ب كن كان ، ف : كن من | الله قول ، وليس كن ، مخلوقا ، وكذب النصارى و ~~الجهمية على الله في أمر عيسى ، وذلك | أن الجهمية قالت : عيسى روح الله ~~وكلمته ، إلا أن الكلمة مخلوقة ، وقالت النصارى ، عيسى | روح الله من ذات ~~الله ، وكلمة الله من ذات الله ، كما يقال : إن هذه الخرقة من هذا الثوب . ~~| وقلنا نحن : إن عيسى بالكلمة كان ، وليس عيسى هو الكلمة . انتهى . يعني ~~به ما قال قتادة | وغيره . # قوله : ^ ( ألقهآ إلى مريم ) ^ قال ابن كثير : خلقه بالكلمة التي أرسل ~~بها جبرائيل عليه | السلام إلى مريم ، فنفخ فيها في روحه ms055 إذن ربه عز وجل ، ~~فكان عيسى بإذن الله عز وجل ، | وصارت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها ~~فنزلت حتى ولجت فرجها ، بمنزلة لقاح | الأب الأم ، والجميع مخلوق لله عز ~~وجل ، ولهذا قيل لعيسى : إنه كلمة الله وروح منه ، لأنه | لم يكن له أب ~~تولد منه ، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له : كن ، فكان ، الروح التي ~~| أرسل بها جبرائيل عليه السلام . # قوله : @QB@ وروح منه @QE@ قال أبي بن كعب : عيسى روح من الأرواح التي ~~خلقها الله عز | وجل واستنطقها بقوله : @QB@ ألست بربكم قالوا بلى @QE@ [ ~~الأعراف : 172 ] بعثه الله إلى مريم فدخل | [ من ] فيها . رواه عبد بن حميد ~~، وعبد الله بن أحمد في زوائد ' المسند ' وابن جرير ، | PageV01P062 | وابن ~~أبي حاتم وغيرهم . وقال أبو روق @QB@ وروح منه @QE@ أي : نفخة منه ، إذ هي ~~من جبرائيل | بأمره ، وسمي روحا ، لأنه حدث من نفخة جبرائيل عليه السلام . # وقال الإمام أحمد @QB@ وروح منه @QE@ يقول : من أمره كان الروح فيه ، ~~كقوله : ^ ( وسخر لكم | ما في السموت وما في الأرض جميعا منه ) ^ [ الجاثية ~~: 13 ] يقول : من أمره . # وقال شيخ الإسلام : المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ~~ولا إضافته | إضافة مخلوق مربوب ، وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها ، ~~كعيسى وجبرائيل عليهما السلام | وأرواح بني آدم ، امتنع أن يكون صفة لله ~~تعالى ، لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره ، لكن | الأعيان المضافة إلى ~~الله تعالى على وجهين : أحدهما : أن تكون تضاف إليه لكونه خلقها | وأبدعها ~~، فهذا شامل لجميع المخلوقات ، كقولهم : سماء الله ، وأرض الله ، ومن هذا ~~الباب ، | فجميع المخلوقين عبيد الله ، وجميع المال مال الله ، وجميع ~~البيوت والنوق لله . # الوجه الثاني : أن يضاف إليه ما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه كما ~~خص | البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره ، وكما يقال عن مال الفيء ~~والخمس : هو مال الله | ورسوله ، ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه ~~وأطاعوا أمره ، فهذه إضافة تتضمن | ألوهيته وشرعه ودينه وتلك إضافة تضمن ~~ربوبيته وخلقه ms056 . انتهى ملخصا . # والمقصود منه أن إضافة روح الله هو من الوجه الثاني ، والله أعلم . # قوله : ' والجنة حق والنار حق ' أي : وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله ~~في كتابه أنه أعدها | لمن آمن به وبرسوله حق ، أي ثابتة لا شك فيها ، وشهد ~~أن النار التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها | للكافرين به وبرسله حق كذلك ~~، كما قال تعالى : ^ ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها | كعرض السمآء ~~والأرض أعدت للذين ءامنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء والله ذو ~~| الفضل العظيم * ) ^ [ الحديد : 21 ] وقال تعالى : ^ ( فاتقوا النار التي ~~وقودها الناس والحجارة | أعدت للكفرين ) ^ [ البقرة : 24 ] وفيهما دليل على ~~أن الجنة والنار مخلوقتان الآن ، خلافا لأهل | البدع الذين قالوا : لا ~~يخلقان إلا في يوم القيامة ، وفيه دليل على المعاد وحشر الأجساد . # قوله : ' أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ' هذه الجملة جواب الشرط ~~وفي رواية : | ' أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية ' قال القاضي ~~عياض : وما ورد في حديث عبادة | PageV01P063 | يكون خصوصا لمن قال ما ذكره ~~[ صلى الله عليه وسلم ] وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد ~~في | حديثه فيكون له من الأجر ما يرجح على سيئاته ، ويوجب له المغفرة ~~والرحمة ودخول الجنة | لأول وهلة . # قال : ( ولهما من حديث عتبان . فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا ~~الله يبتغي | بذلك وجه الله ) . # قوله : ولهما ، أي للبخاري ومسلم في ' صحيحيهما ' وهذا الحديث طرف من ~~حديث | طويل أخرجه الشيخان كما قال المصنف . # وعتبان - بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة - ابن مالك بن عمر بن ~~العجلان | الأنصاري من بني سالم بن عوف صحابي شهير ، مات في خلافة معاوية . # قوله : ' فإن الله حرم على النار . . . الحديث ' . # اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار ، ~~كهذا | الحديث ، وحديث أنس قال : كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ومعاذ ~~رديفه على الرحل ، فقال : يا معاذ . قال | لبيك يا رسول الله وسعديك . قال ~~: ' ما من ms057 عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا | رسول الله ، إلا حرمه [ ~~الله ] على النار ' قال : يا رسول الله ألا أخبر بها الناس فيستبشروا ؟ | ~~قال : ' إذا يتكلوا ' فأخبر بها معاذ عند موته تأثما . أخرجاه . | ~~PageV01P064 | ولمسلم عن عبادة مرفوعا : ' من شهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله ، حرم | الله عليه النار ' . # ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة ، وليس فيها أنه يحرم ~~على | النار . # منها حديث عبادة الذي تقدم قبل هذا ، وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في | غزوة تبوك . . . الحديث ، وفيه : فقال ~~رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول | ~~الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة ' رواه مسلم . # وحديث أبي ذر في ' الصحيحين ' مرفوعا : ' ما من عبد قال : لا إله إلا ~~الله ثم مات | على ذلك إلا دخل الجنة . . . ' . # وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ الإسلام وغيره : إن هذه الأحاديث إنما ~~هي فيمن | PageV01P065 | قالها ومات عليها كما جاءت مقيدة ، وقالها خالصا ~~من قلبه مستيقنا بها قلبه ، غير شاك فيها | بصدق ويقين ، فإن حقيقة التوحيد ~~انجذاب الروح إلى الله جملة ، فمن شهد أن لا إله إلا الله | خالصا من قلبه ~~، دخل الجنة ، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن يتوب من | ~~الذنوب توبة نصوحا ، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك فإنه قد تواترت ~~الأحاديث بأنه | يخرج من النار من قال : لا إله إلا الله وكان في قلبه من ~~الخير ما يزن شعيرة ، وما يزن | خردلة وما يزن ذرة ، وتواترت بأن كثيرا ممن ~~يقول : لا إله إلا الله يدخل | النار ثم يخرج | منها ، وتواترت بأن الله ~~حرم على النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم ، فهؤلاء كانوا | يصلون ~~ويسجدون لله ، وتواترت بأنه يحرم على النار من قال : لا إله إلا الله ، ومن ~~شهد أن | لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . لكن جاءت ms058 مقيدة بالقيود ~~الثقال ، وأكثر من يقولها لا | يعرف الإخلاص ولا اليقين ، ومن لا يعرف ذلك ~~يخشى عليه أن يفتن عنها عند الموت ، | فيحال بينه وبينها ، وأكثر من يقولها ~~إنما يقولها تقليدا أو عادة ، ولم يخالط الإيمان بشاشة | قلبه وغالب من ~~يفتن عند الموت وفي القبور أمثال هؤلاء كما في الحديث : ' سمعت الناس | ~~يقولون شيئا فقلته ' . وغالب أعمال هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم ~~وهم أقرب الناس | من قوله تعالى : ^ ( إنا وجدنآ ءاباءنا على أمة وإنا ~~علىءاثرهم مقتدون ) ^ [ الزخرف : 23 ] وحينئذ | PageV01P066 | فلا منافاة ~~بين الأحاديث ، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام ، لم يكن في هذه الحال ~~مصرا | على ذنب أصلا ، فإن كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه ~~من كل شيء | فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر ~~الله ، وهذا هو الذي يحرم من | النار ، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك ، فإن هذا ~~الإيمان ، وهذه التوبة ، وهذا الإخلاص ، | وهذه المحبة وهذا اليقين ، لا ~~يتركون له ذنبا إلا يمحى كما يمحى الليل بالنهار ، فإذا قالها | على وجه ~~الكمال المانع من الشرك الأكبر والأصغر ، فهذا غير مصر على ذنب أصلا ، ~~فيغفر | له ويحرم على النار ، وإن قالها على وجه خلص به على الشرك الأكبر ~~دون الأصغر ، ولم | يأت بعدها بما يناقض ذلك ، فهذه الحسنة لا يقاومها شيء ~~من السيئات ، فيرجح بها ميزان | الحسنات ، كما في حديث البطاقة فيحرم على ~~النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر | ذنوبه ، وهذا بخلاف من رجحت سيئاته ~~على حسناته ومات مصرا على ذلك ، فإنه يستوجب | النار ، وإن قال : لا إله ~~إلا الله وخلص بها من الشرك الأكبر ، لكنه لم يمت على ذلك ، بل | أتى بعد ~~ذلك بسيئات رجحت على حسنة توحيده ، فإنه في حال قولها كان مخلصا ، لكنه | ~~أتى بذنوب أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته ، وقويت نار الذنوب حتى ~~أحرقت | ذلك ، بخلاف المخلص المستيقن ، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على ~~سيئاته ، ولا يكون | مصرا على سيئة ، فإن مات على ms059 ذلك دخل الجنة ، وإنما ~~يخاف على المخلص أن يأتي | بسيئات راجحة يضعف إيمانه ، فلا يقولها بإخلاص ~~ويقين مانع من جميع السيئات ، ويخشى | عليه من الشرك الأكبر والأصغر ، فإن ~~سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر ، فيضيف إلى ذلك | سيئات تنضم إلى هذا ~~الشرك ، فيرجح جانب السيئات ، فإن السيئات تضعف الإيمان واليقين ، | فيضعف ~~بذلك قول : لا إله إلا الله فيمتنع الإخلاص في القلب ، فيصير المتكلم بها ~~كالهاذي | أو النائم ، أو من يحسن صوته بآية من القرآن من غير ذوق طعم ولا ~~حلاوة ، فهؤلاء لم | يقولوها بكمال الصدق واليقين ، بل يأتون بعدها بسيئات ~~تنقص ذلك الصدق واليقين ، بل | يقولونها من غير يقين وصدق ويموتون على ذلك ~~ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول | الجنة ، وإذا كثرت الذنوب ثقل على ~~اللسان قولها ، وقسا القلب عن قولها ، وكره العمل | الصالح ، وثقل عليه ~~سماع القرآن ، واستبشر بذكر غيره ، واطمأن إلى الباطل واستحلى | الرفث ~~ومخالطة أهل الغفلة ، وكره مخالطة أهل الحق ، فمثل هذا إذا قالها قال ~~بلسانه ما | ليس في قلبه ، وبفيه ما ما لا يصدق عمله ، كما قال الحسن : ليس ~~الإيمان بالتحلي ولا | بالتمني ، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال ، ~~فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه ، | ومن قال شرا وعمل شرا لم يقبل منه . | ~~PageV01P067 # وقال بكر بن عبد الله المزني : ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة ، ~~ولكن بشيء | وقر في قلبه . فمن قال : لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها ، بل ~~اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات ، | وكان صادقا في قولها موقنا بها ، لكن ذنوبه ~~أضعاف أضعاف صدقه ويقينه ، وانضاف إلى | ذلك الشرك الأصغر العملي ، رجحت ~~هذه الأشياء على هذه الحسنة ، ومات مصرا على | الذنوب ، بخلاف من يقولها ~~بيقين وصدق تام ، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب ، إما أن لا | يكون مصرا ~~على سيئة أصلا أو يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته ، والذين | ~~يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين : إما أنهم لم يقولوها ~~بالصدق واليقين | التامين المنافيين للسيئات ، أو ms060 لرجحان السيئات ، أو ~~قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت | على حسناتهم ، ثم ضعف لذلك صدقهم ~~ويقينهم ، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين | تام ، لأن الذنوب قد أضعفت ~~ذلك الصدق واليقين من قلوبهم ، فقولها من مثل هؤلاء لا | يقوى على محو ~~السيئات بل ترجح سيئاتهم على حسناتهم . انتهى ملخصا . وقد ذكر معناه | غيره ~~كابن القيم ، وابن رجب ، والمنذري ، والقاضي عياض ، وغيرهم . # وحاصله أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة ، والنجاة من النار ، ومقتض ~~لذلك ولكن | المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه ، وانتفاء موانعه ، ~~فقد يتخلف عنه مقتضاه | لفوات شرط من شروطه ، أو لوجود مانع . ولهذا قيل ~~للحسن إن ناسا يقولون : من قال : لا | إله إلا الله دخل الجنة ، فقال : من ~~قال : لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة . # وقال وهب بن منبه ، لمن سأله : أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة ؟ قال : ~~بلى ، ولكن ما | من مفتاح إلا وله أسنان ، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك ~~وإلا لم يفتح . ويدل على ذلك | أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان ~~والأعمال الصالحة ، وكذلك النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كما في | ' ~~الصحيحين ' عن أبي أيوب ، أن رجلا قال : يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني ~~الجنة . | فقال : ' تعبد الله ولا تشرك به شيئا ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي ~~الزكاة ، وتصل الرحم ' . # وفي ' المسند ' عن [ بشير ] بن الخصاصية قال : أتيت النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] لأبايعه ، فاشترط علي | PageV01P068 | شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن أقيم الصلاة ، وأن أوتي الزكاة ، وأن | ~~أحج حجة الإسلام ، وأن أصوم رمضان ، وأن أجاهد في سبيل الله ، فقلت : يا ~~رسول الله ، أما | اثنتين ، فوالله ما أطيقهما الجهاد والصدقة [ فإنهم ~~زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضب من | الله فأخاف إن حضرت تلك جشعت ~~نفسي وكرهت الموت والصدقة فوالله ما لي إلا غنيمة | وعشر ذو دهن رسل أهلي ~~وحمولتهم ] ، فقبض رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يده ثم حركها وقال : ' ~~فلا | جهاد ms061 ولا صدقة ، فبم تدخل الجنة إذا ؟ ! ' قلت : يا رسول الله أبايعك ~~عليهن كلهن . # ففي الحديث أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد ، | ~~والصلاة ، والحج ، والصيام ، والأحاديث في هذا الباب كثيرة . # وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد ، ~~وبالعكس . # وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل . # وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا كان خالصا لله تعالى . # قال : وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' ~~قال موسى : يا رب علمني | شيئا أذكرك وأدعوك به . قال : قل يا موسى : لا ~~إله إلا الله . قال : [ يا رب ] كل عبادك | يقولون هذا [ قال : قل لا إله ~~إلا الله . قال إنما أريد شيئا تخصني به ] . قال : يا موسى لو أن | السموات ~~السبع وعامرهن غيري ، [ والأرضين ] السبع في كفة ، ولا إله إلا الله في كفة ~~، مالت | بهن لا إله إلا الله ' . رواه ابن حبان ، والحاكم وصححه . # أبو سعيد : اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي ، صحابي | ~~جليل ، وأبوه أيضا كذلك ، استصغر أبو سعيد بأحد ، ثم شهد ما بعدها ، مات ~~بالمدينة سنة | PageV01P069 | ثلاث أو أربع أو خمس وستين . وقيل : أربع ~~وسبعين . # قوله : ( أذكرك ) هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف ، أي : أنا أذكرك . وقيل : ~~بل هو صفة ، | وأدعوك معطوف عليه ، أي : أثني عليك وأحمدك به ، وأدعوك ، أي ~~: أتوسل به إليك إذا | دعوتك . # قوله : ( قل يا موسى : لا إله إلا الله ) . فيه أن الذاكر بها يقولها ~~كلها ، ولا يقتصر على | لفظ الجلالة كما يفعله جهال المتصوفة ، ولا يقول ~~أيضا : هو كما يقوله غلاة جهالهم ، فإذا | أرادوا الدعاء قالوا : يا هو ، ~~فإن ذلك بدعة وضلالة . وقد صنف جهالهم في المسألتين ، | وصنف ابن عربي ~~كتابا سماه ب ' الهو ' . # قوله : ' كل عبادك يقولون هذا ' هكذا ثبت بخط المصنف . يقولون بالجمع ~~مراعاة | لمعنى كل ، والذي في الأصول يقول بالإفراد مراعاة للفظها دون ~~معناها ، لكن قد روى | الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو هذا الحديث بهذا ~~اللفظ ms062 الذي ذكره المصنف أطول منه . # وفي ' سنن النسائي ' و ' الحاكم ' و ' شرح السنة ' بعد قوله : كل عبادك ~~يقولون هذا ' إنما | أريد أن تخصني به ' أي : بذلك الشيء من بين عموم عبادك ~~فإن من طبع الإنسان أن لا يفرح | فرحا شديدا إلا بشيء يختص به دون غيره ، ~~كما إذا كانت عنده جوهرة ليست موجودة عند | غيره . مع أن من رحمة الله ~~وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة ، كان أكثر | وجودا ، ~~كالبر والملح ، والماء ونحو ذلك دون الياقوت واللؤلؤ ، ولما كان بالناس بل ~~| بالعالم كله من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية في الضرورة فوقه ~~كانت أكثر الأذكار | وجودا ، وأيسرها حصولا ، وأعظمها معنى . والعوام ~~والجهال يعدلون عنها إلى الأسماء | الغريبة والدعوات المبتدعة التي لا أصل ~~لها في الكتاب والسنة كالأحزاب والأوراد التي | ابتدعها جهلة المتصوفة . # قوله : ' وعامرهن غيري ' هو بالنصب عطف على السموات ، أي : لو أن السموات ~~| السبع ومن فيهن من العمار غير الله والأرضين السبع ومن فيهن وضعوا في كفة ~~الميزان ، ولا | إله إلا الله في الكفة الأخرى ، مالت بهن لا إله إلا الله ~~. # وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~أن نوحا عليه السلام قال لابنه | عند موته : ' آمرك ب : لا إله إلا الله ، ~~فإن السموات السبع والأرضين السبع لو وضعت في | كفة ، ولا إله إلا الله في ~~كفة رجحت بهن لا إله إلا الله ، ولو أن السموات السبع والأرضين | ~~PageV01P070 | السبع كن حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله وفيه دليل على ~~أن الله تعالى فوق السموات . # قوله : ' في كفة ' بكسر الكاف وتشديد الفاء من كفة الميزان . قال بعضهم : ~~ويطلق لكل | مستدير . # قوله : ' مالت بهن لا إله إلا الله ' ، أي : رجحت عليهن ، وذلك لما ~~اشتملت عليه من | توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال ، وذلك لما اشتملت عليه ~~من توحيد الله الذي هو أفضل | الأعمال ، وأساس الملة ، ورأس الدين ، فمن ~~قالها بإخلاص ويقين ، وعمل بمقتضاها | ولوازمها ، واستقام على ذلك ms063 ، فهو من ~~الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، كما قال | تعالى : ^ ( إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقموا تتنزل عليهم الملئكة ألا تخافوا ولا تحزنوا | وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون * نحن أوليآؤكم في الحيوة الدنيا وفي الأخرة ولكم ~~| فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون * نزلا من غفور رحيم * ) ^ | [ ~~فصلت : | 31 - 32 ] . # والحديث يدل على أن ' لا إله إلا الله ' أفضل الذكر ، كما في حديث عبد ~~الله بن عمرو | مرفوعا : ' خير الدعاء دعاء يوم عرفة وخير ما قلت أنا ~~والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له [ له ] الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير ' رواه أحمد والترمذي . | PageV01P071 # وعنه أيضا مرفوعا : ' يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة ، ~~فينشر له | تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مد البصر ثم يقال : أتنكر من ~~هذا شيئا ؟ فيقوا : لا يا | رب ، فيقال : ألك عذر أو حسنة ؟ فيهاب الرجل ~~فيقول : لا ، فيقال : بلى إن لك عندنا | حسنات ، وإنه لا ظلم عليك ، فيخرج ~~له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن | محمدا عبده ورسوله . ~~فيقول : يا رب ، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات فيقال : إنك لا | تظلم ، ~~فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات ، وثقلت البطاقة ' ~~| رواه الترمذي وحسنه ، والنسائي ، وابن حبان والحاكم وقال : صحيح على شرط ~~مسلم . وقال | الذهبي في ' تلخيصه ' : صحيح . # قال ابن القيم : فالأعمال لا تتفاضل بصورها وعددها ، وإنما تتفاضل بتفاضل ~~ما في | القلوب ، فتكون صورة العمل واحدة ، وبينهما من التفاضل كما بين ~~السماء والأرض . قال : | تأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة ، ويقابلها ~~تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل منها مد | البصر ، فتثقل البطاقة ، وتطيش ~~السجلات ، فلا يعذب . ومعلوم أن كل موحد له هذه | البطاقة ، وكثير منهم ~~يدخل النار بذنوبه . # وعن أبي هريرة مرفوعا : ' ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا قط إلا فتحت ~~له أبواب | السماء حتى تفضي إلى العرش ما اجتنب الكبائر ' رواه الترمذي ~~وحسنه والنسائي ms064 ، | والحاكم وقال : على شرط مسلم . | PageV01P072 # قوله : ' رواه ابن حبان ، والحاكم ' . ابن حبان اسمه محمد بن حبان - بكسر ~~المهملة | وتشديد الموحدة - ابن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي ~~الحافظ صاحب التصانيف | ك ' الصحيح ' و ' التاريخ ' و ' الضعفاء ' و ' ~~الثقات ' وغير ذلك قال الحاكم : كان من أوعية | العلم في الفقه واللغة ~~والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال ، مات سنة أربع وخمسين | وثلاثمائة بمدينة ~~بست بالمهملة . # وأما الحاكم ، فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد الضبي النيسابوري أبو عبد ~~الله | الحافظ ، ويعرف بابن البيع . ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة ، وصنف ~~التصانيف ك | ' المستدرك ' و ' تاريخ نيسابور ' وغيرهما ، مات سنة خمس ~~وأربعمائة . # قال : وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول ~~: ' قال الله تعالى : يا ابن | آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ، ثم ~~لقيتني لا تشرك بي شيئا ، لأتيتك بقرابها مغفرة ' . | PageV01P073 | ~~الترمذي اسمه محمد بن عيسى بن سورة - بفتح المهملة - ابن موسى بن الضحاك | ~~السلمي أبو عيسى صاحب ' الجامع ' وأحد الأئمة الحفاظ ، كان ضرير البصر . ~~روى عن | قتيبة وهناد والبخاري وخلق ، ومات سنة تسع وسبعين ومائتين . # وأنس هو ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي ، خادم رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم [ خدمه عشر | سنين ، ودعا له النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، ~~فقال : ' اللهم أكثر ماله وولده وأدخله الجنة ' ومات سنة اثنتين | وقيل : ~~ثلاث وتسعين . وقد جاوز المائة . # والحديث قطعه ة ن حديث رواه الترمذي من طريق كثير بن فائد : حدثنا سعيد ~~بن | عبيد ، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول : حدثنا أنس بن مالك قال : ~~سمعت | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : ' قال الله تعالى يا ابن ~~آدم إنك ما دعوتني ورجوتني إلا غفرت لك | على ما كان منك ولا أبالي ، يا ~~ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت | PageV01P074 | لك ، ~~يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض . . . ' الحديث . # قال ابن رجب : وإسناده لا بأس به وسعيد بن عبيد : هو الهنائي : ذكره ابن ~~حبان في | ' الثقات ' وقال ms065 الدارقطني : تفرد به كثير بن فائد عن سعيد بن ~~عبيد مرفوعا . # قال ابن رجب : وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم ، فرواه عن سعيد ~~بن عبيد | مرفوعا . # وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه . # وأخرجه الطبري من حديث ابن عباس عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . # وروى مسلم من حديث أبي ذر عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' يقول ~~الله : من تقرب مني شبرا | تقربت منه ذراعا . . . ' الحديث وفيه ' ومن ~~لقيني بقراب الأرض خطيئة ، لا يشرك بي شيئا | لقيته بقرابها مغفرة ' . # قوله : ' لو أتيتني بقراب الأرض ' . قراب الأرض ، بضم القاف ، وقيل ~~بكسرها ، والضم | أشهر ، وهو ملؤها أو ما يقارب ملأها . # قوله : ' ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ' . شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة ~~، وهو | السلامة من الشرك كثيره وقليله ، صغيره وكبيره ، ولا يسلم من ذلك ~~إلا من سلمه الله ، | وذلك هو القلب السليم . كما قال تعالى : @QB@ يوم لا ~~ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم @QE@ [ الشعراء : 88 - 89 ] . # قال ابن رجب : من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها ~~مغفرة ، لكن | هذا مع مشيئة الله عز وجل ، فإن شاء غفر له ، وإن شاء أخذه ~~بذنوبه ، ثم كان عاقبته أن لا | يخلد في النار ، بل يخرج منها ثم يدخل ~~الجنة ، فإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى | فيه ، وقام بشروطه بقلبه ~~ولسانه وجوارحه ، أبو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة | ما سلف من ~~الذنوب كلها ومنعه من دخول النار بالكلية ، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه ، ~~| أخرجت منه كل ما سوى الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا ، ~~وحينئذ تحرق | ذنوبه وخطاياه كلها ولو كانت مثل زبد البحر ، وربما قلبتها ~~حسنات ، فإن هذا التوحيد هو | الإكسير الأعظم ، فلو وضع منه ذرة على جبال ~~الذنوب والخطايا لقلبها حسنات . # وقال شيخ الإسلام : الشرك نوعان : أكبر ، وأصغر ، فمن خلص منهما وجبت له ~~| الجنة ، ومن مات على الأكبر ، وجبت له النار ، ومن خلص من الأكبر ، وحصل ms066 ~~له بعض | الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه ، دخل الجنة ، فإن تلك الحسنات ~~توحيد كثير مع | PageV01P075 | يسير من الشرك الأصغر ، ومن خلص من الأكبر ، ~~ولكن كثر الأصغر حتى رجحت به سيئاته | دخل النار ، فالشرك يؤاخذ به العبد ~~إذا كان أكبر أو كان كثيرا أصغر ، والأصغر القليل في | جانب الإخلاص الكثير ~~لا يؤاخذ به . # وفي هذه الأحاديث كثرة ثواب التوحيد ، وسعة كرم الله وجوده ورحمته ، حيث ~~وعد | عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد فإنه ~~يقابله بالمغفرة | الواسعة التي تسع ذنوبه ، والرد على الخوارج الذين ~~يكفرون المسلم بالذنوب ، وعلى | المعتزلة الذين يقولون بالمنزلة بين ~~المنزلتين وهي منزلة الفاسق ، فيقولون : ليس بمؤمن ولا | كافر ويخلد في ~~النار والصواب في ذلك قول أهل السنة أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان على | ~~الإطلاق ، ولا يعطاه على الإطلاق ، بل يقال : هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن ~~عاص أو | مؤمن بإيمانه ، فاسق بكبيرته . وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع ~~سلف الأمة . # وقال المصنف : تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة ، فإنك إذا جمعت بينه ~~وبين | حديث عتبان تبين لك معنى قول لا إله إلا الله ، وتبين لك خطأ ~~المغرورين وفيه أن الأنبياء | يحتاجون للتنبيه على معنى قول لا إله إلا ~~الله ، وفيه التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع | أن كثيرا ممن يقولها ~~يخف ميزانه . وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في | حديث عتبان : ' ~~إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله ' إذا | ~~ترك الشرك ، ليس قولها باللسان . انتهى مخلصا . PageV01P076 | # | ( [ 2 ] باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب ) # أي : ولا عذاب . وتحقيق التوحيد : هو معرفته ، والإطلاع على حقيقته ، ~~والقيام بها علما | وعملا ، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة ~~وخوفا ، وإنابة وتوكلا ، ودعاء وإخلاصا | وإجلالا وهيبة ، وتعظيما وعبادة . ~~وبالجملة فلا يكون في قلبه شيء لغير الله ، ولا إرادة لما حرم | الله ، ولا ~~كراهة لما أمر الله ؟ وذلك هو حقيقة لا إله إلا ms067 الله ، فإن الإله هو ~~المألوه المعبود . # وما أحسن ما قال ابن القيم : | # % فلواحد كن واحدا في واحد % % أعني سبيل الحق والإيمان % # وذلك هو حقيقة الشهادتين ، فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ~~ألفا الذين | يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب . # قوله : وقال تعالى : @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين @QE@ | [ النحل : 120 ] مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله ~~تعالى وصف إبراهيم عليه السلام في | هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي ~~أعلى درجات تحقيق التوحيد ، ترغيبا في اتباعه في | التوحيد ، وتحقيق ~~العبودية باتباع الأوامر ، وترك النواهي ، فمن اتبعه في ذلك ، فإنه يدخل | ~~الجنة بغير حساب ولا عذاب كما يدخلها إبراهيم عليه السلام . # الأولى : أنه كان أمة ، أي : قدوة وإماما معلما للخير ، وإماما يقتدى روي ~~معناه عن ابن | مسعود . وما كان كذلك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين ~~اللذين بهما تنال الإمام في الدين . | كما قال تعالى : @QB@ وجعلنا منهم ~~أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون @QE@ | [ السجدة : 24 ] # الثانية : أنه كان قانتا لله ، أي : خاشعا مطيعا ، دائما على عبادته ~~وطاعته كما قال شيخ الإسلام : القنوت في اللغة : دوام الطاعة . والمصلي إذا ~~طال قيامه أو ركوعه أو سجوده ، | فهو قانت في ذلك كله . قال تعالى : ^ ( ~~أمن هو قنت ءانآء اليل ساجدا وقآئما يحذر الأخرة | ويرجوا رحمة ربه ) ^ [ ~~الزمر : 9 ] فجعله قانتا في حال السجود والقيام . انتهى . # فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه . | PageV01P077 | أولا ~~: علما وعملا . # وثانيا : دعوة وتعليما واقتداء به ، وما كان يقتدي به إلا لعمله به في ~~نفسه ، ووصفه في | الثانية بالاستقامة على ذلك كما قال تعالى : ^ ( ومن ~~أحسن قولا ممن دعآ إلى الله وعمل صلحا | وقال إننى من المسلمين * ) ^ [ ~~فصلت : 33 ] فتضمنت العلم والعمل والاستقامة والدعوة . # الدعوة الثالثة : أنه كان حنيفا ، والحنف الميل ، أي : مائلا منحرفا قصدا ~~عن الشرك كما | قال تعالى حكاية عنه : @QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا وما أنا من المشركين @QE@ [ الأنعام : 79 ] وقال تعالى : ^ ( ~~فأقم وجهك ms068 للدين حنيفا فطرت الله التي فطر | الناس عليها لا تبديل لخلق ~~الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون * ) ^ | [ الروم : 30 ] # الرابعة : أنه ما كان من المشركين . أي : هو موحد خالص من شوائب الشرك ~~مطلقا ، | فنفى عنه الشرك على أبلغ وجوه النفي ، بحيث لا ينسب إليه شرك وإن ~~قل ، تكذيبا لكفار | قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام . ~~وقال المصنف في الكلام على هذه | الآية : @QB@ إن إبراهيم كان أمة @QE@ [ ~~النحل : 120 ] لئلا يستوحش سالك الطرق من قلة | السالكين @QB@ قانتا لله ~~@QE@ لا للملوك ولا للتجار المترفين @QB@ حنيفا @QE@ لا يميل يمينا ولا ~~شمالا | كفعل العلماء المفتونين @QB@ ولم يك من المشركين @QE@ خلافا لمن ~~كثر سوادهم وزعم أنه من | المسلمين . قلت : وهو من أحسن ما قيل في تفسير ~~هذه الآية ، لكنه ينبه بالأدنى على | الأعلى . وقوله : لئلا يستوحش . تنبيه ~~على بعض معنى الآية ، وهو المنفرد وحده في | الخير . وقد روى ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس في قوله : @QB@ إن إبراهيم كان أمة قانتا @QE@ كان | على ~~الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره ، فلذلك قال الله : ~~@QB@ كان أمة قانتا @QE@ ولا تنافي بينه وبين كلام ابن مسعود المتقدم . # قوله : وقال @QB@ والذين هم بربهم لا يشركون @QE@ [ المؤمنون : 59 ] ~~مناسبة الآية للترجمة | من جهة أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى ~~الجنات بصفات ، أعظمها الثناء عليهم | بأنهم بربهم لا يشركون ، أي : شيئا ~~من الشرك في وقت من الأوقات فإن الإيمان النافع | مطلقا لا يوجد إلا بترك ~~الشرك مطلقا . ولما كان المؤمن قد يعرض له ما يقدح في إيمانه | من شرك جلي ~~أو خفي ، نفى عنهم ذلك ، ومن كان كذلك فقد بلغ من تحقيق التوحيد | النهاية ~~، وفاز بأعظم التجارة ، ودخل الجنة بلا حساب ولا عذاب . # قال ابن كثير : @QB@ والذين هم بربهم لا يشركون @QE@ [ المؤمنون : 59 ] ~~أي : لا يعبدون معه | غيره ، بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد ~~صمد ، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا | نظير له . # قال عن حصين ms069 بن عبد الرحمن قال : كنت عند سعيد بن جبير فقال : أيكم رأى | ~~PageV01P078 | الكوكب الذي انقض البارحة ؟ فقلت : أنا ، ثم قلت : أما إني ~~لم أكن في صلاة ، ولكني لدغت | قال : فما صنعت ؟ قلت : ارتقيت . قال : فما ~~حملك على ذلك ؟ قلت : حديث حدثنا | الشعبي . قال : وما حدثكم الشعبي ؟ قلت ~~: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال : ' لا رقية | إلا من عين أو حمة ' . ~~فقال : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ولكن حدثنا ابن عباس عن | النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] قال : ' عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط ، ~~والنبي ومعه الرجل والرجلان ، | والنبي وليس معه أحد ، إذ رفع لي سواد عظيم ~~، فظننت أنهم أمتي ، فقيل لي : هذا موسى | وقومه [ ولكن انظر إلى الأفق ] . ~~فنظرت فإذا سواد عظيم [ فقيل لي انظر إلى الأفق الآخر فإذا | سواد عظيم ] ، ~~فقيل لي : هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ' ، | ~~ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك [ الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا ~~| عذاب ] ، فقال بعضهم : فلعلهم الذين صحبوا رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] . وقال بعضهم : فلعلهم الذين | ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله ~~شيئا [ وذكروا أشياء ] فخرج عليهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] [ فقال ~~: | ' ما الذي تخوضون فيه ؟ ' ] فأخبروه فقال : ' هم الذين [ لا يرقون ] ' ~~ولا يسترقون ، ولا | يكتوون ، ولا يتطيرون ، وعلى ربهم يتوكلون ' فقام ~~عكاشة بن محصن فقال : يا رسول الله | ادع الله أن يجعلني منهم فقال : أنت ~~منهم ، ثم قام رجل آخر فقال : ادع الله أن يجعلني | منهم ، فقال : سبقك بها ~~عكاشة ' . # ش : هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو ، وقد رواه البخاري مختصرا ~~ومطولا | ومسلم واللفظ له ، والترمذي ، والنسائي . # قوله : ' عن حصين بن عبد الرحمن ' هو السلمي ، أبو الهذيل الكوفي ، ثقة ، ~~تغير حفظه | في الآخر ، مات سنة ست وثلاثين ومائة ، وله ثلاث وتسعون سنة . ~~وسعيد بن جبير هو | الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس ، روايته عن عائشة ~~، وأبي موسى مرسلة ، وهو | كوفي مولى لبني أسد ms070 ، قتل بين يدي الحجاج سنة ~~خمس وتسعين ، ولم يكمل الخمسين . # | PageV01P079 # قوله : ' انقض ' هو بالقاف والضاد المعجمة ، أي : سقط والبارحة هي أقرب ~~ليلة | مضت . قال أبو العباس ثعلب : يقال قبل الزوال : رأيت الليلة ، وبعد ~~الزوال : رأيت | البارحة ، وهكذا قال غيره ، وهي مشتقة من برح : إذا زال . # قوله : ' أما إني لم أكن في صلاة ' . القائل هو حصين ، خاف أن يظن ~~الحاضرون أنه ما | رأى النجم إلا لأنه يصلي ، فأراد أن ينفي عن نفسه إيهام ~~العبادة وأنه يصلي مع أنه لم يكن | فعل ذلك ، وهذا يدل على فضل السلف ~~الصالح وحرصهم على الإخلاص ، وشدة ابتعادهم | عن الرياء بخلاف من يقول : ~~فعلت وفعلت ليوهم الأغمار أنه من الأولياء ، وربما علق | السبحة في عنقه أو ~~أخذها في يده يمشي بها بين الناس إعلاما للناس أنه يسبح عدد ما فيها | من ~~الخرز . # وقد قال الإمام محمد بن وضاح : حدثنا أسد ، عن جرير بن حازم ، عن الصلت ~~بن [ بهرام ] | قال : ' مر ابن مسعود بامرأة [ معها تسبح ] تبسبح به فقطعه ~~وألقاها ، ثم مر برجل يسبح بحصى | فضربه برجله ثم قال : لقد جئتم ببدعة ~~ظلما ، أو : لقد غلبتم أصحاب محمد [ صلى الله عليه وسلم ] علما ؟ ! ' . # قوله : ' ولكني لدغت ' هو بضم أوله وكسر ثانيه مبني لما لم يسم فاعله ، ~~أي : لدغته عقرب أو نحوها # وقوله : ' قلت : ارتقيت ' لفظ مسلم : استرقيت ، أي : طلبت من يرقيني . # قوله : فما حملك على ذلك ؟ ' فيه طلب الحجة على صحة المذهب . # قوله : ' حديث حدثنا الشعبي ' ، أي : حملني عليه حديث حدثناه الشعبي ، ~~واسمه | عامر بن [ شراحيل ] الهمداني - بسكون الميم - الشعبي . ولد في ~~خلافة عمر وهو من ثقات | التابعين وحفاظهم وفقهائهم ، مات سنة ثلاثة ومائة ~~. # قوله : ' عن بريدة ' - بضم أوله وفتح ثانيه - تصغير بردة - بن الحصيب - ~~بضم الحاء | وفتح الصاد المهملتين - ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي صحابي ~~شهير . مات سنة ثلاث | PageV01P080 | وستين . قاله ابن سعد . # قوله : ' لا رقية إلا من عين أو حمة ' . هكذا روي هنا موقوفا ، وقد رواه ~~أحمد وابن | ماجه عنه مرفوعا ، ورواه أحمد وأبو ms071 داود والترمذي عن عمران بن ~~حصين ، به مرفوعا . قال | الهيثمي : رجال أحمد ثقات . # والعين : هي إصابة العائن غيره بعينه ، والحمة - بضم المهملة وتخفيف ~~الميم - سم | العقرب وشبهها . قال الخطابي : ومعنى الحديث : لا رقية أشفى ~~أو أولى من رقية العين | والحمة . وقد رقى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~ورقي . قلت : وسيأتي ما يتعلق بالرقى إن شاء الله تعالى . # قوله : ' قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ' ، أي : من أخذ بما بلغه من العلم ~~وعمل به | فقد أحسن ، لأنه أدى ما وجب وعمل بما بلغه من العلم ، بخلاف من ~~يعمل بجهل أو لا | يعمل بما يعلم فإنه مسيء آثم . وفيه فضيلة علم السلف ~~وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في | تبليغ العلم ، وإرشادهم من أخذ بشيء - إن ~~كان مشروعا - إلى ما هو أفضل منه ، وإن من | عمل بما بلغه عن الله وعن ~~رسوله فقد أحسن ، ولا يتوقف العمل به على معرفة كلام أهل | المذاهب أو ~~غيرهم . # قوله : ' ولكن حدثنا ابن عباس ' . هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ~~الهاشمي ابن | عم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، دعا له النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] فقال : ' اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ' . فكان | ~~PageV01P081 | كذلك . قال : عمر لو أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد ~~، أي : ما بلغ عشره في العلم ، | مات بالطائف سنة ثمان وستين . # قال المصنف : فيه عمق علم السلف ، لقوله : قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ، ~~ولكن | كذا وكذا ، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني . # قوله : ' عرضت علي الأمم ' . وفي رواية الترمذي والنسائي من رواية عبثر ~~بن القاسم ، | عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه : لما ~~أسري بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] جعل يمر | بالنبي ومعه الواحد . # قال الحافظ : فإن كان ذلك محفوظا ، كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد ~~الإسراء ، وأنه | وقع بالمدينة أيضا غير الذي وقع بمكة ، كذا قال ، وليس ~~بظاهر ، بل قد يكون رأى ذلك ليلة | الإسراء ولم يحدث به إلا في المدينة ms072 . ~~وليس في الحديث ما يدل على أنه حدث به قريبا من | العرض عليه . # قوله : ' فرأيت النبي ومعه الرهط ' : هو الجماعة دون العشرة ، قاله ~~النووي . # قوله : ' والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد ' . فيه أن ~~الأنبياء متفاوتون | في عدد أتباعهم ، وأن بعضهم لا يتبعه أحد ، وفيه الرد ~~على من احتج بالأكثر ، وزعم أن | الحق محصور فيهم ، وليس كذلك بل الواجب ~~اتباع الكتاب والسنة مع من كان وأين كان . # قوله : ' إذ رفع لي سواد عظيم ' . السواد : ضد البياض ، والمراد هنا : ~~الشخص الذي | يرى من بعيد ، أي : رفع لي أشخاص كثيرة . # قوله : ' فظننت أنهم أمتي ' . استشكل الاسماعيلي كونه [ صلى الله عليه ~~وسلم ] لم يعرف أمته حتى ظن | أنهم أمة موسى عليه السلام ؛ وقد ثبت حديث ~~أبي هريرة : كيف تعرف من لم تر من أمتك ؟ | فقال : ' إنهم غر محجلون من أثر ~~الوضوء ' وأجاب بأن الأشخاص التي رآها في الأفق لا | PageV01P082 | يدرك ~~منها إلا الكثرة من غير تمييز لأعيانهم . وأما ما في حديث أبي هريرة فمحمول ~~على ما | إذا قربوا منه ، ذكره الحافظ . قوله : فقيل لي : هذا موسى وقومه ، ~~أي : موسى بن عمران ، | كليم الرحمن ، وقومه : الذين اتبعوه وفيه فضيلة ~~موسى وقومه . # قوله : فنظرت فإذا سواد عظيم ' . لفظ مسلم بعد قوله : هذا موسى وقومه ، ~~ولكن انظر | إلى الأفق فنظرت ، فإذا سواد عظيم ، فقيل لي : انظر إلى الأفق ~~الآخر ، فنظرت فإذا سواد | عظيم فقيل لي : هذه أمتك . # قوله : ' ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب ' ، أي : ~~لتحقيقهم | التوحيد . # قال الحافظ : المراد بالمعية المعنوية ، فإن السبعين ألفا المذكورين من ~~جملة أمته ، لكن | لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك ، فأريد الزيادة في ~~تكثير أمته بإضافة السبعين ألفا إليهم . | قلت : وما قاله ليس بظاهر فإن في ~~رواية ابن فضيل : ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك | سبعون ألفا . وقد ورد في ~~حديث أبي هريرة في ' الصحيحين ' وصف السبعين ألفا بأنهم | تضيء وجوههم ~~إضاءة القمر ليلة البدر . # وفيهما عنه مرفوعا : ' أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ms073 ، والذين على ~~آثارهم | كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة ' . # وجاء في أحاديث أخر أن مع السبعين ألفا زيادة عليهم ، فروى أحمد والبيهقي ~~في | البعث حديث أبي هريرة في السبعين ألفا فذكره وزاد . قال : ' فاستزدت ~~ربي فزادني مع كل | PageV01P083 | ألف سبعين ألفا ' . # قال الحافظ : وسنده جيد ، وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني ، وعن ~~حذيفة عند | أحمد ، وعن أنس عند البزار ، وعن ثوبان عند أبي عاصم قال : ~~فهذه طرق يقوي بعضها بعضا . # قال : وجاء في أحاديث أخر أكثر من ذلك ، فأخرج الترمذي وحسنه ، والطبراني ~~، وابن | حبان في ' صحيحه ' من حديث أبي أمامة رفعه ' وعدني ربي أن يدخل ~~الجنة من أمتي سبعين | ألفا مع كل ألف سبعين كذا ألفا لا حساب عليهم ولا ~~عذاب ، وثلاث حثيات من حثيات ربي ' . # وروى أحمد وأبو يعلى من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : قال | ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ~~، وجوههم كالقمر ليلة | البدر ، قلوبهم على قلب رجل واحد ، فاستزدت ربي عز ~~وجل فزادني مع كل واحد سبعين | ألفا ' . # قال الحافظ : وفي سنده راويان ، أحدهما ضعيف الحفظ والآخر لم يسم . # قلت : وفيه أن كل أمة تحشر مع نبيها . # قوله : ' ثم نهض ' ، أي : قام . # قوله : ' فخاض الناس في أولئك ' . قال النووي هو بالخاء والضاد المعجمتين ~~، أي : | تكلموا وتناظروا . قال : وفي هذا إباحة المناظرة في العلم ~~والمباحثة في نصوص الشرع على | PageV01P084 | جهة الاستفادة وإظهار الحق ، ~~وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعلم ، | وفيه حرصهم ~~على الخير ؛ ذكره المصنف . # قوله : ' فقال هم الذين لا يسترقون ' . هكذا ثبت في ' الصحيحين ' وفي ~~رواية مسلم التي | ساقها المصنف هنا زيادة : ' ولا يرقون ' وكأن المصنف ~~اختصرها كغيرها لما قيل : إنها | معلولة . قال شيخ الإسلام : هذه الزيادة ~~وهم من الراوي ، لم يقل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : لا يرقون ، | لأن ~~الراقي محسن إلى أخيه . وقد قال [ صلى الله عليه وسلم ] وقد سئل عن الرقي ~~قال : ' من استطاع منكم أن | ينفع ms074 أخاه فلينفعه ' . # وقال : ' لا بأس بالرقى ما لم تكن شركا ' قال : وأيضا فقد رقى جبريل ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . # ورقى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أصحابه . # قال : والفرق بين الراقي والمسترقي في أن المسترقي سائل مستعط ملتفت إلى ~~غير الله | بقلبه ، والراقي محسن . # قال : وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام التوكل فلا يسألون غيرهم أن ~~يرقيهم ولا | يكويهم ولا يتطيرون . وكذا قال ابن القيم ؛ ولكن اعترضه بعضهم ~~بأن قال : تغليط الراوي | مع إمكان تصحيح الزيادة لا يصار إليه ، والمعنى ~~الذي حمله على التغليط موجود في | المرقي ، لأنه اعتل بأن الذي لا يطلب من ~~غيره أن يرقيه تام التوكل ، فكذا يقال : والذي | PageV01P085 | يفعل به ~~غيره ذلك ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل ، وليس في وقوع ذلك من | ~~جبريل عليه السلام دلالة على المدعى ، ولا في فعل النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] له أيضا دلالة في مقام | التشريع ، وتبيين الأحكام كذا قال هذا ~~القائل وهو خطأ من وجوه : # الأول : أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح ~~حملها عليها | كقول بعضهم : المراد لا يرقون بما كان شركا أو احتمله فإنه ~~ليس في الحديث ما يدل على | هذا أصلا وأيضا فعلى هذا لا يكون للسبعين مزية ~~على غيره ؛ فإن جملة المؤمنين لا يرقون | بما كان شركا . # الثاني : قوله : فكذا يقال . . . الخ . لا يصح هذا القياس ، فإنه من أفسد ~~القياس وكيف | يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل ؟ ! مع أنه قياس مع وجود ~~الفارق الشرعي ، فهو فاسد | الاعتبار ، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع ~~بينهما بقوله : ' من اكتوى أو استرقى فقد برئ من | التوكل ' رواه أحمد ~~والترمذي وصححه ابن حبان وابن ماجه ، وصححه ابن حبان | والحاكم أيضا وكيف ~~يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببا للسبق إلى الجنان ؟ ! وهذا بخلاف | من رقى ~~أو رقي من غير سؤال ، فقد رقى جبريل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . ولا ~~يجوز أن يقال : إنه عليه | السلام لم يكن متوكلا في تلك ms075 الحال . # الثالث : قوله : ليس في وقوع ذلك من جبريل عليه السلام . الخ ، كلام غير ~~صحيح بل | هما سيدا المتوكلين ، فإذا وقع ذلك منهما ، دل على أنه لا ينافي ~~التوكل فاعلم ذلك . # قوله : ' ولا يكتوون ' أي : لا يسألون غيرهم أن يكويهم ، كما لا يسألون ~~غيرهم أن | يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء . أما الكي في نفسه ، ~~فجائز كما في ' الصحيح ' عن | جابر بن عبد الله أن النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] ، بعث إلى أبي بن كعب طبيبا ، فقطع له عرقا وكواه . # وفي ' صحيح البخاري ' عن أنس : أنه كوي : من ذات الجنب والنبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] حي | وروى الترمذي وغيره عن أنس : أن النبي [ صلى الله عليه ~~وسلم ] كوى أسعد بن زرارة من الشوكة . | PageV01P086 # وفي ' صحيح البخاري ' عن ابن عباس مرفوعا : ' الشفاء ' في ثلاث : شربة ~~عسل ، | وشرطة محجم ، وكية نار . وأنا أنهى عن الكي ' وفي لفظ : ' وما أحب ~~أن أكتوي ' . # قال ابن القيم : فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع : أحدها : فعله ، ~~والثاني : عدم | محبته له . والثالث : الثناء على من تركه . والرابع : ~~النهي عنه . ولا تعارض بينها بحمد الله ، | فإن فعله له يدل على جوازه ، ~~وعدم محبته له لا يدل على المنع منه . وأما الثناء على تاركيه ، | فيدل على ~~أن تركه أولى وأفضل ، وأما النهي عنه ، فعلى سبيل الاختيار والكراهية . # قوله : ' ولا يتطيرون ' أي : لا يتشاءمون بالطيور ونحوها ، وسيأتي بيان ~~الطيرة وما يتعلق | بها في بابها إن شاء الله تعالى . # قوله : ' وعلى ربهم يتوكلون ' . ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه ~~الأفعال وهو | التوكل على الله ، وصدق الالتجاء إليه ، والاعتماد بالقلب ~~عليه الذي هو خلاصة التفريد ، | ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام ~~شريف من المحبة والخوف والرجاء ، والرضى به | ربا وإلها ، والرضى بقضائه ، ~~بل ربما أوصل العبد إلى التلذذ بالبلاء ، وعده من النعماء ، | فسبحان من ~~يتفضل على من يشاء بما يشاء ، والله ذو الفضل العظيم . # واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا كما يظنه ~~الجهلة ، فإن | مباشرة الأسباب ms076 في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد ~~عنه حتى الحيوان البهيم ، بل | نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال ~~تعالى : @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] أي : كافيه ~~إنما المراد أنهم يتركون الأمور المكروهة مع حاجتهم إليها توكلا | على الله ~~، كالاسترقاء والاكتواء فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببا مكروها ، ~~لا سيما والمريض يتشبث بما يظنه سببا لشفائه بخيط العنكبوت # أما نفس مباشرة الأسباب ، والتداوي على وجه لا كراهية فيه ، فغير قادح في ~~التوكل ، | فلا يكون تركه مشروعا كما في ' الصحيحين ' عن أبي هريرة مرفوعا ~~: ' ما أنزل الله من داء إلا | أنزل له شفاء ' وعن أسامة بن شريك قال : كنت ~~عند النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وجاءت الأعراب ، فقالوا : | PageV01P087 ~~| يا رسول الله ! أنتداوى ؟ فقال : نعم يا عباد الله تداووا ، فإن الله عز ~~وجل لم يضع داءا إلا | وضع له شفاء ، غير داء واحد قالوا : ما هو ؟ قال : ' ~~الهرم ' رواه أحمد . # قال ابن القيم : فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات ، ~~وإبطال قول | من أنكرها والأمر بالتداوي ، وأنه لا ينافي التوكل كما لا ~~ينافيه دفع داء الجوع والعطش | والحر والبرد بأضدادها ، بل لا تتم حقيقة ~~التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله | مقتضيات لمسبباتها قدرا ~~وشرعا ، وأن تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل ، كما يقدح | في الأمر ~~والحكمة ، ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل ، فإن تركها | ~~عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد ~~في دينه | ودنياه ، ودفع ما يضره في دينه ودنياه . ولا بد مع هذا الاعتماد ~~من مباشرة الأسباب ، وإلا | كان معطلا للأمر والحكمة والشرع ، فلا يجعل ~~العبد عجزه توكلا لا توكله عجزا . # وقد اختلف العلماء في التداوي ، هل هو مباح وتركه أفضل ، أو مستحب أو ~~واجب ؟ | فالمشهور عن أحمد الأول لهذا الحديث وما في معناه ، ولكن على ما ~~تقدم لا يتم الاستدلال | به على ذلك ، والمشهور عند الشافعي الثاني ، حتى ~~ذكر النووي في ' شرح ms077 مسلم ' أنه مذهبهم | ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف . ~~واختاره الوزير أبو المظفر . # قال : ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب قال : ومذهب مالك ~~أنه | يستوي فعله وتركه فإنه قال : لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه . وقال ~~شيخ الإسلام : ليس | بواجب عند جماهير الأئمة إنما أوجبه طائفة قليلة من ~~أصحاب الشافعي وأحمد . # قوله : ' فقام إليه عكاشة بن محصن ' . بضم العين وتشديد الكاف ويجوز ~~تخفيفها | ومحصن بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الصاد المهملتين - ابن حرثان ~~- بضم المهملة | وسكون الراء وبعدها مثلثة - الأسدي من بني أسد بن خزيمة ~~ومنه خلفاء بني أمية ، كان من | السابقين إلى الإسلام ، ومن أجمل الرجال - ~~هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها . قال ابن إسحاق : | وبلغني أن النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] قال : - ' خير فارس في العرب عكاشة ' ومناقبه مشهورة استشهد في ~~قتال | أهل الردة مع خالد بن الوليد بيدي طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم ~~أسلم طليحة بعد | ذلك . # قوله : قال : ' ادع الله أن يجعلني منهم ، فقال : ' أنت منهم ' في رواية ~~البخاري : ' فقال | PageV01P088 | اللهم اجعله منهم ' وكذلك في حديث أبي ~~هريرة عند البخاري مثله . وفي بعض الروايات : | أمنهم أنا يا رسول الله ؟ ~~قال : نعم . قال الحافظ : ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا ، فدعا له ثم | ~~استفهم هل أجيب ؟ فأخبره . وفيه طلب الدعاء من الفاضل . # قوله : ' ثم قام إليه رجل آخر ' . لم نقف على تسميته إلا في طريق واهية ~~ذكرها | الخطيب في ' المبهمات ' من رواية أبي حذيفة إسحاق بن بشر أحد ~~الضعفاء من طريقين له | عن مجاهد أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لما ~~انصرف من غزاة بني المصطلق ، فساق قصة طويلة فيها | ذلك . قال الحافظ : ~~وهذا مع ضعفه وإرساله يستبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة فإن كان | محفوظا ، ~~فلعله آخر باسم سيد الخزرج واسم أبيه ، فإن في الصحابة كذلك آخر له في | ' ~~مسند بقي بن مخلد ' وفي الصحابة سعد بن عمارة فلعل اسم أبيه تحرف . # قوله : ' سبقك بها عكاشة ' قال ابن بطال : معنى قوله سبقك . أي ms078 : إلى ~~إحراز هذه | الصفات ، وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه ، وعدل عن قوله : ~~لست منهم ، أو لست | على أخلاقهم تلطفا بأصحابه ، وحسن أدب معهم . # وقال القرطبي : لم يكن عند الثاني من الأحوال ما كان عند عكاشة ، فلذلك ~~لم يجب إذ | لو أجابه لجاز أن يطلب ذلك كل من كان حاضرا فيتسلسل الأمر ، ~~فسد الباب بقوله ذلك ، | وهذا أولى من قول من قال : كان منافقا لوجهين : # أحدهما : أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل ~~| صحيح . # والثاني : أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين بتصديق | ~~الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] . وكيف يصدر ذلك من منافق . قلت : هذا أولى ~~ما قيل في تأويله ، وإليه مال | شيخ الإسلام . # قال المصنف : وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه [ صلى الله عليه وسلم ] . ~~| PageV01P089 | # | ( [ 3 ] باب الخوف من الشرك ) # ش : لما كان الشرك أعظم ذنب عصي الله به ، ولهذا رتب عليه من عقوبات ~~الدنيا | والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه من إباحة دماء أهله وأموالهم ~~وسبي نسائهم وأولادهم ، | وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه ؛ نبه ~~المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي | للمؤمن أن يخاف منه ويحذره ويعرف ~~أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه ، ولهذا قال | حذيفة : كان الناس ~~يسألون رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عن الخير ، وكنت أسأله عن الشر ~~مخافة أن أقع | فيه . رواه البخاري . وذلك أن من لم يعرف إلا الخير قد ~~يأتيه الشر ولا يعرف أنه شر فإما | أن يقع فيه ، وإما أن لا ينكره كما ~~ينكره الذي عرفه ، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله | عنه : إنما تنقض عرى ~~الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية . قال | شيخ ~~الإسلام : وهو كما قال عمر ، فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف والنهي عن ~~| المنكر وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله ، ومن نشأ في المعروف ، فلم يعرف ~~غيره ، فقد لا | يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند ms079 من علمه ، ولا ~~يكون عنده من الجهاد لأهله ما | عند الخبير بهم ؛ ولهذا يوجد الخبير بالشر ~~وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز | عنه والجهاد لهم ما ليس عند ~~غيره . ولهذا كان الصحابة . أعظم إيمانا وجهادا ممن بعدهم | لكمال معرفتهم ~~بالخير والشر ، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر لما علموه من حسن | حال ~~الإيمان والعمل الصالح ، وقبح حال الكفر والمعاصي . # قال : وقول الله : @QB@ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن ~~يشاء @QE@ [ النساء : 48 | و 116 ] . # قال ابن كثير : أخبر تعالى أنه لا يغفر أن يشرك به ، أي : لا يغفر لعبد ~~لقيه وهو مشرك | به ، ويغفر ما دون ذلك ، أي : من الذنوب لمن يشاء من عباده ~~. | PageV01P090 # قلت : فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب ، لأن الله تعالى أخبر أنه لا ~~يغفره ، أي : إلا | بالتوبة منه ، وما عداه ، فهو داخل تحت مشيئة الله إن ~~شاء غفره بلا توبة وإن شاء عذب به . | وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من هذا ~~الذنب الذي هذا شأنه عند الله ، وإنما كان كذلك ، | لأنه أقبح القبح وأظلم ~~الظلم إذ مضمونه تنقيص رب العالمين ، وصرف خالص حقه لغيره ، | وعدل غيره به ~~كما قال تعالى : @QB@ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ [ الأنعام : 1 ] ~~ولأنه | مناقض للمقصود بالخلق والأومر مناف له من كل وجه ، وذلك غاية ~~المعاندة لرب العالمين ، | و الاستكبار عن طاعته والذل له ، والانقياد ~~لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك . فمتى | خلا منه خرب وقامت القيامة ~~، كما قال [ صلى الله عليه وسلم ] : ' لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض ~~الله | الله ' رواه مسلم . ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى وتقدس ~~في خصائص الإلهية | من ملك الضر والنفع ، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق ~~الدعاء والخوف والرجاء والتوكل | وأنواع العبادة كلها بالله وحده . فمن علق ~~ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق وجعل من لا | يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا ~~موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره شبيها بمن له الخلق | كله ، وله ~~الملك كله ms080 وبيده الخير كله ، وإليه يرجع الأمر كله . فأزمة الأمور كلها ~~بيديه | سبحانه ، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، لا مانع ~~لما أعطى ، ولا معطي لما | منع ، الذي إذا فتح للناس رحمة ، فلا ممسك لها ، ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ، وهو | العزيز الحكيم . فأقبح التشبيه تشبيه ~~العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ، ومن | خصائص الإلهية الكمال ~~المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، | وذلك يوجب أن ~~تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء | ~~والإنابة والتوكل والتوبة والاستعانة وغاية الحب مع غاية الذل كل ذلك يجب ~~عقلا وشرعا | وفطرة أن يكون لله وحده ، ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون ~~لغيره ، فمن فعل شيئا من | ذلك لغيره ، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ~~ولا مثل له ولا ند له ، وذلك أقبح التشبيه | وأبطله ، فلهذه الأمور وغيرها ~~أخبر سبحانه أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة ، هذا | معنى كلام ~~ابن القيم . # وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب ، وعلى المعتزلة القائلين بأن ~~أصحاب | الكبائر يدخلون النار ولا بد ، ولا يخرجون منها ، وهم أصحاب ~~المنزلة بين المنزلتين . | ووجه ذلك أن الله تعالى جعل مغفرة ما دون الشرك ~~معلقة بالمشيئة ، ولا يجوز أن يحمل هذا على التأكيد ، فإن التائب لا فرق في ~~حقه بين الشرك وغيره كما قال تعالى في الآية | الأخرى : ^ ( قل يا عبادي ~~الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب ~~PageV01P091 | جميعا ) ^ [ الزمر : 53 ] فهنا عمم وأطلق ، لأن المراد به ~~التائب ، وهناك خص وعلق لأن المراد | به ما لم يتب . قاله شيخ الإسلام . # قوله : وقال الخليل عليه السلام : ^ ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) ^ ~~[ إبراهيم : 35 ] . # الصنم : ما كان منحوتا على صورة البشر . والوثن : ما كان منحوتا على | ~~غير ذلك . | ذكره الطبري عن مجاهد ، والظاهر أن الصنم ما كان مصورا على أي ~~صورة ، والوثن بخلافه | كالحجر والبنية ، وإن كان الوثن قد يطلق على ms081 الصنم ~~، ذكر معناه غير واحد ، ويروى عن | بعض السلف ما يدل عليه . # وقوله : ( واجنبني ) أي : اجعلني وبني في جانب عن عبادة الأصنام ، وباعد ~~بيني وبينها . | قيل : وأراد بذلك بنيه وبناته من صلبه ، ولم يذكر البنات ~~لدخولهم تبعا في البنين ، وقد | استجاب الله دعاءه وجعل بنيه أنبياء وجنبهم ~~عبادة الأصنام ، وإنما دعا إبراهيم عليه السلام | بذلك ، لأن كثيرا من ~~الناس افتتنوا بها ، كما قال : ^ ( رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) ^ | [ ~~إبراهيم : 36 ] فخاف من ذلك ودعا الله أن يعافيه وبنيه من عبادتها ، فإذا ~~كان إبراهيم عليه | السلام يسأل الله أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام ، ~~فما ظنك بغيره ؟ كما قال إبراهيم | التيمي : ومن يأمن من البلاء بعد ~~إبراهيم ؟ ! رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، وهذا يوجب | للقلب الحي أن ~~يخاف من الشرك ، لا كما يقول الجهال : إن الشرك لا يقع في هذه الأمة ، | ~~ولهذا أمنوا الشرك فوقعوا فيه ، وهذا وجه مناسبة الآية للترجمة . # قال : وفي الحديث ' أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، فسئل عنه فقال : | ~~' الرياء ' . | ش : هكذا أورد المصنف هذا الحديث مختصرا غير معرف ، وقد ~~رواه الإمام أحمد | والطبراني ، وابن أبي الدنيا ، والبيهقي في ' الزهد ' ، ~~وهذا لفظ أحمد قال : حدثنا يونس ، ثنا | ليث ، عن يزيد ، يعني ابن الهاد ، ~~عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' إن ~~| أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ' قالوا : وما الشرك الأصغر يا رسول ~~الله ؟ قال : | ' الرياء ، يقول الله يوم القيامة إذا جزى الناس بأعمالهم : ~~اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ' . # قال المنذري : ومحمود بن لبيد رأى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولم يصح ~~له منه سماع فيما أرى . وذكر | PageV01P092 | ابن أبي حاتم أن البخاري قال ~~: له صحبة . قال : وقال أبي : لا تعرف له صحبة ، ورجح ابن | عبد البر ~~والحافظ أن له صحبة وقال : جل روايته عن الصحابة ، وقد رواه الطبراني ~~بإسناد جيد | عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج . وقيل : إن ms082 حديث محمود هو ~~الصواب دون ذكر | رافع . مات محمود سنة ست و تسعين . وقيل : سنة سبع ، وله ~~تسع وتسعون سنة . # قوله : ' إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر هذا من رحمته [ صلى الله ~~عليه وسلم ] لأمته وشفقته | عليهم ، وتحذيره مما يخاف عليهم ، فإنه ما من ~~خير إلا دلهم عليه وأمر به ، وما من شر إلا | وأخبرهم به وحذرهم عنه . كما ~~قال [ صلى الله عليه وسلم ] فيما صح عنه : ' ما بعث الله من نبي إلا كان ~~حقا | عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم ، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم ~~' . # ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من ~~سلم الله ، | كان هذا أخوف ما يخاف على الصالحين ، لقوة الداعي إلى ذلك ، ~~والمعصوم من عصمه الله ، | وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك الأكبر ، فإنه إما ~~معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين ، ولهذا | يكون الإلقاء في النار أسهل ~~عندهم من الكفر . وإما ضعيف ، هذا مع العافية ، وإما مع البلاء ، | فيثبت ~~الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، ويضل الله ~~الظالمين ويفعل الله | ما يشاء . فلذلك صار خوفه [ صلى الله عليه وسلم ] ~~على أصحابه من الرياء أشد لقوة الداعي وكثرته ، دون الشرك | الأكبر لما ~~تقدم ، مع أنه أخبر أنه لا بد من وقوع عبادة الأوثان في أمته ، فدل على أنه ~~ينبغي | للإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر إذا كان الأصغر مخوفا على ~~الصالحين من الصحابة | مع كمال إيمانهم ، فينبغي للإنسان أن يخاف الأكبر ~~لنقصان إيمانه ومعرفته بالله ، فهذا وجه إيراد | المصنف له هنا مع أن ~~الترجمة تشمل النوعين . # قال المصنف : وفيه أن الرياء من الشرك ، وأنه من الأصغر ، وأنه أخوف ما ~~يخاف على | الصالحين ، وفيه قرب الجنة والنار ، والجمع بين قربهما في حديث ~~واحد على عمل واحد | متقارب في الصورة . | PageV01P093 # قال : وعن ابن مسعود أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' من مات ~~وهو يدعو لله ندا دخل | النار ' رواه البخاري . # ش : قال ابن ms083 القيم : الند : الشبه ، يقال : فلان ند فلان ونديده ، أي : ~~مثله وشبهه | انتهى . وهذا كما قال تعالى : @QB@ فلا تجعلوا لله أندادا ~~وأنتم تعلمون @QE@ [ البقرة : 22 ] وقال | تعالى : ^ ( وجعل لله أندادا ~~ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحب النار ) ^ | [ الزمر : 8 ] ~~أي : من مات وهو يدعو لله ندا ، أي : يجعل لله ندا فيما يختص به تعالى | ~~ويستحقه من الربوبية والإلهية دخل النار ، لأنه مشرك ، فإن الله تعالى هو ~~المستحق للعبادة | لذاته ، لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب ~~إليه ، وتفزع إليه عند الشدائد ، وما | سواه فهو مفتقر إليه ، مقهور ~~بالعبودية له ، تجري عليه أقداره وأحكامه طوعا وكرها ، فكيف | يصلح أن يكون ~~ندا ؟ قال الله تعالى : ^ ( وجعلوا له من عباده جزءا إن الإنسن لكفور | ~~مبين ) ^ [ الزخرف : 15 ] وقال : ^ ( إن كل من في السموت والأرض إلا ءاتى ~~الرحمن | عبدا لقد أحصهم وعدهم عدا وكلهم ءاتيه يوم القيامة فردا ) ^ [ ~~مريم : 93 - 95 ] | وقال تعالى : @QB@ يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله ~~والله هو الغني الحميد @QE@ | [ فاطر : 15 ] | فبطل أن يكون له نديد من ~~خلقه ، تعالى عن ذلك علوا كبيرا ^ ( ما اتخذ الله من ولد وما | كان معه من ~~إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحن الله عما | يصفون ~~علم الغيب والشهدة فتعلى عما يشركون ) ^ [ المؤمنون : 91 - 92 ] . | واعلم ~~أن دعاء الند على قسمين : أكبر وأصغر ، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة ~~منه ، | وهو الشرك الأكبر . والأصغر كيسير الرياء ، وقول الرجل ما شاء الله ~~وشئت ، ونحو ذلك . | فقد ثبت أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لما قال له ~~رجل : ما شاء الله وشئت . قال : ' أجعلتني لله ندا بل ما | شاء الله وحده ؟ ~~' رواه أحمد وابن شيبة ، والبخاري في ' الأدب المفرد ' والنسائي ، وابن | ~~ماجه ، وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد PageV01P094 # قال : ولمسلم عن جابر أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' من ~~لقي الله لا يشرك به شيئا دخل | الجنة ، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار ms084 ' ~~. # ش : جابر : هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملتين الأنصاري ثم السلمي ~~| بفتحتين ، صحابي جليل مكثر ، ابن صحابي ، له ولأبيه مناقب مشهورة رضي ~~الله عنهما . | مات بالمدينة بعد السبعين ، وقد كف بصره وله أربع وتسعون ~~سنة . # قوله : ' من لقي الله لا يشرك به شيئا ' . قال القرطبي : أي : من لم يتخذ ~~معه شريكا في | الإلهية ولا في الخلق ، ولا في العبادة . ومن المعلوم من ~~الشرع المجمع عليه عند أهل السنة | أن من مات على ذلك ، فلا بد له من دخول ~~الجنة وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب | والمحنة ، وإن مات على الشرك ~~لا يدخل الجنة ولا يناله من الله رحمة ، ويخلد في النار أبد | الآباد من ~~غير انقطاع عذاب ، ولا تصرم آماد ، وهذا معلوم ضروري من الدين ، مجمع عليه ~~| بين المسلمين . # وقال النووي : أما دخول المشرك إلى النار ، فهو على عمومه ، فيدخلها ~~ويخلد فيها ، | ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني ، وبين عبدة ~~الأوثان وسائر الكفرة من المرتدين | والمعطلين ، ولا فرق عند أهل الحق بين ~~الكافر عنادا وغيره ، ولا بين من خالف ملة الإسلام | وبين من انتسب إليها ~~ثم حكم بكفره بجحده وغير ذلك . وأما دخول من مات غير مشرك | الجنة ، فهو ~~مقطوع له به ، لكن إن لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة | أولا ، ~~وإن كان صاحب كبيرة مات مصرا عليها ، فهو تحت المشيئة ، فإن عفا عنه دخل | ~~الجنة أولا ، وإلا عذب في النار ثم أخرج فيدخل الجنة . # وقال غيره : اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء ، ~~واستدعائه إثبات | الرسالة باللزوم ، إذ من كذب رسل الله ، فقد كذب الله ، ~~ومن كذب الله ، فهو مشرك ، وهو | قولك : من توضأ صحت صلاته ، أي مع سائر ~~الشروط فالمراد من مات حال كونه مؤمنا | بجميع ما يجب الإيمان به إجمالا في ~~الإجمالي ، وتفصيلا في التفصيلي . # قلت : قد تقدم بعض ما يتعلق بذلك في باب فضل التوحيد . # قال المصنف : وفيه تفسير لا إله إلا الله ، كما ذكره البخاري في ms085 ' صحيحه ~~' يعني أن | معنى لا إله إلا الله : ترك الشرك وإفراد الله بالعبادة ~~والبراءة ممن عبد سواه كما بينه | الحديث ، وفيه فضيلة من سلم من الشرك . | ~~PageV01P095 | # | 1 ( [ 4 ] باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله ) # ش : لما بين المصنف رحمه الله الأمر الذي خلقت له الخليقة وفضله وهو ~~التوحيد ، | وذكر الخوف من ضده الذي هو الشرك ، وأنه يوجب لصاحبه الخلود في ~~النار ، نبه بهذه | الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على ~~نفسه كما يظن الجهال ؛ ويقولون : | اعمل بالحق واترك الناس وما يعنيك من ~~الناس ، بل يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة | والمجادلة بالتي هي ~~أحسن ، كما كان ذلك شأن المرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين ، وكما | جرى ~~للمصنف وأشباهه من أهل العلم والدين والصبر واليقين . # وإذا أراد الدعوة إلى ذلك ، فليبدأ بالدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى ~~شهادة أن : لا إله إلا الله ، إذ لا تصح الأعمال إلا به فهو أصلها الذي ~~تبنى عليه ، ومتى لم يوجد ، لم ينفع | العمل ، بل هو حابط ، إذ لا تصح ~~العبادة مع الشرك ، كما قال تعالى : ^ ( ما كان للمشركين أن | يعمروا مسجد ~~الله شهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم | خالدون ) ~~^ [ التوبة : 17 ] ولأن معرفة معنى هذه الشهادة هو أول واجب على العباد ، | ~~فكان أول ما يبدأ به في الدعوة . # قال : وقوله تعالى : ^ ( قل هذه سبيلى أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن ~~اتبعنى ) ^ [ يوسف : | 108 ] . # ش : قال ابن كثير : يقول تعالى لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ] آمرا له أن ~~يخبر الناس أن هذه سبيله ، أي : | طريقته وسنته ، وهي الدعوة إلى شهادة أن ~~لا إله إلا الله ، يدعو إلى الله بها على بصيرة من | ذلك ويقين وبرهان هو ~~وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] على ~~بصيرة | وبرهان عقلي شرعي . # وقوله : ( سبحان الله ) ، أي : وأنزه الله وأجل وأعظم عن أن يكون له شريك ~~ونديد ، | تبارك وتعالى عن ذلك علوا ms086 كبيرا . # قلت : فتبين وجه المطابقة بين الآية والترجمة . قيل : ويظهر ذلك إذا كان ~~قوله : ( ومن | اتبعني ) عطفا على الضمير في ( أدعو إلى الله ) فهو دليل ~~على أن إتباعه هم الدعاة إلى الله | تعالى ، وإن كان عطفا على الضمير ~~المنفصل ، فهو صريح في أن اتباعه هم أهل البصيرة | PageV01P096 | فيما جاء ~~به دون من عداهم ، والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين ، فأتباعه هم أهل ~~البصيرة . | الذين يدعون إلى الله . # وفي الآية مسائل نبه عليها المصنف منها التنبيه على الإخلاص ، لأن كثيرا ~~ولو دعا إلى | الحق فهو يدعو إلى نفسه . ومنها أن البصيرة من الفرائض ، ~~ووجه ذلك أن اتباعه [ صلى الله عليه وسلم ] | واجب ، وليس اتباعه حقا ' إلا ~~أهل البصيرة ، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه ، فتعين أن | البصيرة من ~~الفرائض . ومنها أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله عز وجل عن المسبة ، ~~| ومنها أن من أقبح الشرك كونه مسبة لله . ومنها إبعاد المسلم عن المشركين ~~لا يصير معهم | ولو لم يشرك ، وكل هذه الثلاث في قوله : ( سبحان الله ) ~~الآية . # قال : وعن ابن عباس أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لما بعث معاذا ~~إلى اليمن قال له : ' إنك تأتي | قوما من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم ~~إليه شهادة أن لا إله إلا الله ' وفي رواية : ' إلى | أن يوحدوا الله ' فإن ~~هم أطاعوك لذلك ، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل | يوم وليلة ~~؛ فإن هم أطاعوك لذلك ، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ~~| فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك ، فإياك وكرائم أموالهم : واتق ~~دعوة المظلوم ، فإنه | ليس بينها وبين الله حجاب ' أخرجاه . # ش : قوله : ( لما بعث معاذا إلى اليمن ) . قال الحافظ : كان بعث معاذا ~~إلى اليمن سنة | عشر قبل حج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كما ذكره المصنف ~~- يعني البخاري - في أواخر المغازي . وقيل : | كان ذلك في آخر سنة تسع عند ~~منصرفه [ صلى الله عليه وسلم ] من تبوك . رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن ~~| مالك ms087 ، وأخرجه ابن سعد في ' الطبقات ' عنه ثم حكى ابن سعد أنه كان في ~~ربيع الآخر سنة | عشر . وقيل : بعثه عام الفتح سنة ثمان . واتفقوا أنه لم ~~يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد | أبي بكر ، ثم توجه إلى الشام فمات بها ؛ ~~واختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا ، فجزم ابن | PageV01P097 | عبد البر ~~بالثاني ، والغساني بالأول . # قلت : الظاهر أنه كان واليا قاضيا . # قوله : ( إنك تأتي قوما من أهل الكتاب ) . قال القرطبي : يعني به اليهود ~~والنصارى ، | لأنهم كانوا في اليمن أكثر من مشركي العرب أو أغلب ، وإنما ~~نبهه على هذا ليتهيأ | لمناظرتهم ، ويعد الأدلة لامتحانهم ، لأنهم أهل علم ~~سابق ، بخلاف المشركين وعبدة | الأوثان . وقال الحافظ : هو كالتوطئة للوصية ~~ليجمع همته عليها ، ثم ذكر معنى كلام | القرطبي . # قلت : وفيه أن مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل ، والتنبيه على أنه ~~ينبغي للإنسان | أن يكون على بصيرة في دينه ، لئلا يبتلى بمن يورد عليه ~~شبهة من علماء المشركين ، ففيه | التنبيه على الاحتراز من الشبه ، والحرص ~~على طلب العلم . # قوله : ( فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله ) . يجوز ~~رفع ' أول ' مع نصب | ' شهادة ' وبالعكس . # قوله : وفي رواية : ' إلى أن يوحدوا الله ' هذه الرواية في التوحيد من ' ~~صحيح البخاري ' | وفي بعض الروايات : ' فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأني سول الله ' وفي بعضها ' وأن | محمدا رسول الله ' وأكثر الروايات ~~فيها ذكر الدعوة إلى الشهادتين . وأشار المصنف رحمه الله | بإيراد هذه ~~الرواية إلى التنبيه على معنى شهادة أن لا إله إلا الله ، إذ معناها توحيد ~~الله بالعبادة ، | وترك عبادة ما سواه . فلذلك جاء الحديث مرة بلفظ ' شهادة ~~أن لا إله إلا الله ' | ومرة ' إلى أن | يوحدوا الله ' ومرة ' فليكن أول ما ~~تدعوهم إليه عبادة الله ، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله | افترض عليهم ~~خمس صلوات ' وذلك هو الكفر بالطاغوت ، والإيمان بالله الذي قال الله فيه : ~~| ^ ( فمن يكفر بالطغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام ~~لها ) ^ [ البقرة : | 250 ] . # ومعنى الكفر بالطاغوت ms088 : هو خلع الأنداد والآلهة التي تدعى من دون الله من ~~القلب ، | وترك الشرك بها رأسا ، وبغضه وعداوته . ومعنى الإيمان بالله : هو ~~إفراده بالعبادة التي تتضمن | غاية الحب بغاية الذل والانقياد لأمره ، وهذا ~~هو الإيمان بالله : المستلزم للإيمان بالرسل عليهم | السلام ، المستلزم ~~لإخلاص العبادة لله تعالى ، وذلك هو توحيد الله تعالى ودينه الحق | ~~المستلزم للعلم النافع ، والعمل الصالح ، وهو حقيقة شهادة أن لا إله إلا ~~الله ، وحقيقة | المعرفة بالله ، وحقيقة عبادته وحده لا شريك له . فلله ما ~~أفقه من روى هذا الحديث بهذه | الألفاظ المختلفة لفظا المتفقة معنى ، ~~فعرفوا أن المراد من شهادة أن لا إله إلا الله هو الإقرار | بها علما ونطقا ~~وعملا ، خلافا لما يظنه بعض الجهال أن المراد من هذه الكلمة هو مجرد | ~~PageV01P098 | النطق بها ، أو الإقرار بوجود الله أو ملكه لكل شيء من غير ~~شريك ، فإن هذا القدر قد عرفه | عباد الأوثان وأقروا به فضلا عن أهل الكتاب ~~، ولو كان كذلك لم يحتاجوا إلى الدعوة إليه . # وفيه دليل على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له ، ~~وترك | عبادة ما سواه هو أول واجب ، فلهذا كان أول ما دعت إليه الرسل عليهم ~~السلام ، كما قال | تعالى : @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه ~~أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ | [ الأنبياء : 25 ] . # وقال : ^ ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطغوت ) ~~^ | [ النحل : | 36 ] . # قال شيخ الإسلام رحمه الله : وقد علم بالاضطرار من دين الرسول [ صلى الله ~~عليه وسلم ] ، واتفقت عليه | الأمة أن أصل الإسلام ، وأول ما يؤمر به الخلق ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا | رسول الله ، فبذلك يصير الكافر مسلما ~~، والعدو وليا ، والمباح دمه وماله معصوم الدم | والمال ، ثم إن كان ذلك من ~~قلبه ، فقد دخل في الإيمان ، وإن قاله بلسانه دون قلبه ، فهو | في ظاهر ~~الإسلام دون باطن الإيمان ، وفيه البداءة في الدعوة والتعليم بالأهم فالأهم ~~، | واستدل به من قال من العلماء : إنه لا يشترط في ms089 صحة الإسلام النطق ~~بالتبري من كل دين | يخالف دين الإسلام ، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك ~~وفي ذلك تفصيل . # وفيه : أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين . قال شيخ ~~الإسلام : فأما | الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق ~~المسلمين ، وهو كافر باطنا وظاهرا | عند سلف الأمة وأئمتها ، وجماهير ~~علمائها . # قلت : هذا والله أعلم فيمن لا يقر بهما أو بإحداهما ، أما من كفره مع ~~الإقرار بهما ففيه | بحث ، والظاهر أن إسلامه هو توبته عما كفر به . # وفيه أن الإنسان قد يكون قارئا عالما وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله ~~أو يعرفه ولا | يعمل به ، نبه عليه المصنف . # وقال بعضهم : هذا الذي أمر به النبي [ صلى الله عليه وسلم ] معاذا ، هو ~~الدعوة قبل القتال التي كان يوصي | بها النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~أمراءه قلت : فعلى هذا فيه استحباب الدعوة قبل القتال لمن بلغته الدعوة ، ~~أما | من لم تبلغه فتجب دعوته . # قوله : ( فإن هم أطاعوك لذلك ) ، أي : شهدوا وانقادوا لذلك . # قوله : ( فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات ) ، فيه أن الصلاة بعد ~~التوحيد | والإقرار بالرسالة أعظم الواجبات وأحبها ، واستدل به على أن ~~الكفار غير مخاطبين بالفروع | حيث دعاهم أولا إلى التوحيد فقط ، ثم دعوا ~~إلى العمل ورتب ذلك عليها بالفاء ، وأيضا PageV01P099 | فإن قوله : ' فإن ~~هم أطاعوك لذلك فأخبرهم ' يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لم يجب عليهم | شيء . ~~قال النووي : وهذا الاستدلال ضعيف ، فإن المراد أعلمهم بأنهم مطالبون ~~بالصلوات | وغيرها في الدنيا ، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد ~~الإسلام ، ولا يلزم من ذلك أن لا | يكونوا مخاطبين بها ، ويزاد في عذابهم ~~بسببها في الآخرة ، قال : ثم اعلم أن المختار الكفار | مخاطبون بفروع ~~الشريعة المأمور به والمنهي عنه ، هذا قول المحققين والأكثرين . قلت : | ~~ويدل عليه قوله تعالى : ^ ( قالوا لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين ~~* وكنا نخوض | مع الخآئضين * وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتنا اليقين * فما ~~تنفعهم شفاعة الشافعين * ) ^ | [ المدثر : 43 - 48 ] الآيات . وفيه دليل ms090 ~~على أن الوتر ليس بفرض إذ لو كان فرضا لكان صلاة | سادسة لا سيما وهذا في ~~آخر الأمر . # قوله : ( فإن هم أطاعوك لذلك ) ، أي : آمنوا بأن الله افترضها عليهم ~~وفعلوها . قوله : | فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم ~~فترد على فقرائهم فيه دليل على أن | الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة ، ~~وأنها تؤخذ من الأغنياء ، وتصرف إلى الفقراء ، وإنما | خص النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] الفقراء بالذكر مع أنها تدفع إلى المجاهد والعامل ونحوهما وإن ~~كانوا | أغنياء ، لأن الفقراء - والله أعلم - هم أكثر من تدفع إليهم ، أو ~~لأن حقهم آكد . وفيه أن | الإمام هو الذي يتولى قبض الزكاة وصرفها إما ~~بنفسه أو نائبه ، فمن امتنع عن أدائها إليه | أخذت منه قهرا . قيل : وفيه ~~دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد كما هو | مذهب مالك وأحمد . ~~وعلى ما تقدم لا يكون فيه دليل . وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني | ولا ~~كافر ، وأن الفقير لا زكاة عليه ، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من ~~حيث إنه | جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير . ومن ملك النصاب فالزكاة ~~مأخوذة منه فهو غني ، | والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثني ، وأن ~~الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون ، | كما هو قول الجمهور لعموم قوله : ~~من أغنيائهم . # قوله : ' فإياك وكرائم أموالهم ' هو بنصب ' كرائم ' على التحذير ، ~~والكرائم جمع | كريمة ، أي نفيسة . قال صاحب ' المطالع ' . وهي جامعة ~~الكمال الممكن في حقها من | غزارة لبن وجمال صورة ، أو كثرة لحم وصوف . ~~ذكره النووي . وفيه أنه يحرم على العامل | أخذ كرائم المال في الزكاة ، بل ~~يأخذ الوسط ، ويحرم على صاحب المال إخراج شر المال ، | بل يخرج الوسط ، فإن ~~طابت نفسه بإخراج الكريمة جاز . # قوله : ( واتق دعوة المظلوم ) أي : احذر دعوة المظلوم ، واجعل بينك ~~وبينها وقاية بفعل | العدل وترك الظلم ، لئلا يدعو عليك المظلوم . وفيه ~~تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم ، | والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ ~~الكرائم إشارة إلى أن أخذها ms091 ظلم ، ذكره الحافظ . # قوله : ( فإنه - أي الشأن - ليس بينها وبين الله حجاب ) . أي : لا تحجب ~~عن الله | PageV01P100 | تعالى ، بل ترفع إليه فيقبلها وإن كان عاصيا ، كما ~~في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا : | ' دعوة المظلوم مستجابة وإن كان ~~فاجرا ففجوره على نفسه ' وإسناده حسن ، قاله الحافظ . | وقال أبو بكر بن ~~العربي : هذا وإن كان مطلقا ، فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي على | ثلاث ~~مراتب : إما أن يعجل له ما طلب ، وإما أن يدخر له أفضل منه ، وإما أن يدفع ~~عنه | السوء مثله . وهذا كما قيد مطلق قوله : ^ ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ~~) ^ | [ النمل : 62 ] بقوله | تعالى : @QB@ فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~@QE@ [ الأنعام : 41 ] وفي الحديث أيضا قبول خبر الواحد | العدل ووجوب ~~العمل به ، وأن الإمام يبعث العمال لجباية الزكاة وأنه يعظ عماله وولاته ، ~~| ويأمرهم بتقوى الله ، ويعلمهم ما يحتاجون إليه ، وينهاهم عن الظلم ، ~~ويعرفهم قبح عاقبته | والتنبيه على التعليم بالتدريج ، ذكره المصنف . # واعلم أنه لم يذكر في هذا الحديث ونحوه الصوم والحج ، مع أن بعث معاذ كان ~~في | آخر الأمر كما تقدم ، فأشكل ذلك على كثير من العلماء . قال شيخ ~~الإسلام : أجاب بعض | الناس أن الرواة اختصر بعضهم الحديث وليس الأمر كذلك ~~، فإن هذا طعن في الرواة ، لأن | هذا إنما يقع في الحديث الواحد مثل حديث [ ~~وفد ] عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام | وبعضهم لم يذكره . فأما الحديثان ~~المنفصلان ، فليس الأمر فيهما كذلك ، ولكن عن هذا | جوابان : # أحدهما : أن ذلك بحسب نزول الفرائض ، وأول ما فرض الله الشهادتان ثم ~~الصلاة ، | فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي ، ولهذا لم يذكر وجوب الحج ~~في عامة الأحاديث | إنما جاء في الأحاديث المتأخرة . قلت : وهذا من ~~الأحاديث المتأخرة ولم يذكر فيها | الجواب . # الثاني : أنه كان يذكر في كل مقام ما يناسبه ، فيذكر تارة الفرائض التي ~~يقاتل عليها | PageV01P101 | كالصلاة والزكاة ، ويذكر تارة الصلاة والصيام ~~إن لم يكن عليه زكاة ، ويذكر تارة الصلاة | والزكاة والصيام ، فإما أن يكون ~~قبل فرض الحج كما في حديث ms092 عبد القيس ونحوه ، وإما أن | يكون المخاطب بذلك ~~لا حج عليه . # وأما الصلاة والزكاة ، فلهما شأن ليس لسائر الفرائض ، ولهذا ذكر الله ~~تعالى في كتابه | القتال عليهما ، لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم ، ~~فإنه أمر باطن | وهو مما ائتمن عليه | الناس ، فهو من جنس الوضوء والاغتسال ~~من الجنابة ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد ، فإن | الإنسان يمكنه أن لا ~~ينوي الصوم وأن يأكل سرا ، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته ، بخلاف | ~~الصلاة والزكاة ، وهو [ صلى الله عليه وسلم ] يذكر في الإعلام الأعمال ~~الظاهرة التي يقاتل الناس عليها ، | ويصيرون مسلمين بفعلها ، فلهذا علق ذلك ~~بالصلاة والزكاة دون الصيام ، وإن كان واجبا | كما في آيتي ( براءة ) فإن ( ~~براءة ) نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس . وكذلك لما بعث | معاذ بن جبل ~~إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصيام ، لأنه تبع وهو باطن ولا ذكر الحج ، لأن ~~| وجوبه خاص ليس بعام ، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة . انتهى ملخصا ~~بمعناه . # قوله : ( أخرجاه ) ، أي : أخرجه البخاري ومسلم في ' الصحيحين ' وأخرجه ~~أيضا أحمد | وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه . # قال : ولهما عن سهل بن سعد أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال يوم ~~خيبر : لأعطين الراية غدا | رجلا يحب الله ورسوله ، ويحبه الله ورسوله ؛ ~~يفتح الله على يديه ، فبات الناس يدوكون | ليلتهم أيهم يعطاها ؟ فلما ~~أصبحوا غدوا على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كلهم يرجو أن يعطاها . ~~فقال : | أين علي بن أبي طالب ؟ فقيل : هو يشتكي عينيه قال : فأرسلوا إليه ~~، فأتي به ، فبصق في | عينيه ، ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع ، فأعطاه ~~الراية [ فقال علي : يا رسول الله أقاتلهم | حتى يكونوا مثلنا ] فقال : ~~انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام ، | وأخبرهم بما يجب ~~عليهم من حق الله تعالى فيه ، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير | لك ~~من حمر النعم ' يدوكون أي : يخوضون . # ش : قال شيخ الإسلام : هذا الحديث أصح ما روي لعلي رضي الله عنه من ms093 ~~الفضائل | أخرجاه في في ' الصحيحين ' من غير وجه . # قوله : ( عن سهل ) . هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي ~~الساعدي | أبو العباس صحابي شهير ، وأبوه صحابي أيضا . مات سنة ثمان ~~وثمانين وقد جاوز المائة . | PageV01P102 # قوله : ( قال يوم خيبر ) ، أي : في غزوة خيبر . في ' الصحيحين ' واللفظ ~~لمسلم عن | سلمة بن الأكوع قال : ( كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم ] في خيبر ، وكان | رمدا ، فقال : أنا [ أتخلف ] عن ~~رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فخرج علي رضي الله عنه فلحق بالنبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ؛ | فلما كان مساء الليلة التي فتحها الله عز وجل في ~~صباحها قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' لأعطين الراية | أو ~~ليأخذن بالراية غدا رجل الله يحبه ورسوله ' أو قال : ' يحب الله ورسوله ~~يفتح الله عليه ' فإذا | نحن بعلي وما نرجوه . فقالوا : هذا علي : فأعطاه ~~رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الراية ففتح الله عليه ) . | وهذا يبين ~~أن عليا رضي الله عنه لم يشهد أول خيبر ، وأنه عليه السلام قال هذه المقالة ~~مساء | الليلة التي فتحها الله في صباحها . # قوله : ( لأعطين الراية ) . قال الحافظ في رواية بريدة : ' إني دافع ~~اللواء إلى رجل يحبه ' | الله ورسوله ' والراية بمعنى اللواء ، وهو العلم ~~الذي يحمل في الحرب ، يعرف به موضع | صاحب الجيش وقد يحمله أمير الجيش ، ~~وقد يدفعه لمقدم العسكر . وقد صرح جماعة من | أهل اللغة بترادفهما ، لكن ~~روى أحمد والترمذي من حديث ابن عباس : ' كانت راية | رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] سوداء ، ولواؤه أبيض ' . # ومثله عند الطبراني عن بريدة ، وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد : ' مكتوب ~~فيه : | لا إله إلا الله محمد رسول الله ' ، وهو ظاهر في التغاير فلعل ~~التفرقة بينهما عرفية . | PageV01P103 # قوله : ( يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ) . فيه فضيلة عظيمة لعلي ~~رضي الله عنه ، | لأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] شهد له بذلك ، ولكن ليس ~~هذا من خصائصه . قال شيخ الإسلام : ليس هذا | الوصف مختصا بعلي ولا ms094 بالأئمة ~~، فإن الله ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله ، | لكن هذا الحديث من ~~أحسن ما يحتج به على النواصب الذي يتبرؤون منه ولا يتولونه ، بل | لقد ~~يكفرونه أو يفسقونه كالخوارج . لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة ~~الذين | يجعلون النصوص الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم ، فإن ~~الخوارج تقول في | علي مثل ذلك ، لكن هذا باطل فإن الله ورسوله لا يطلق مثل ~~هذا المدح على من يعلم أنه | يموت كافرا . وفيه إثبات صفة المحبة لله ، ~~وفيه إشارة إلى أن عليا تام الاتباع لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | ~~حتى أحبه الله ، ولهذا كانت محبته علامة الإيمان ، وبغضه علامة النفاق . ~~ذكره الحافظ | بمعناه . # قوله : ( يفتح الله على يديه ) . صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه ، ~~فكان الأمر | كذلك ، ففيه دليل على شهادة أن محمدا رسول الله . # قوله : ( فبات الناس يدوكون ليلتهم ) ، هو بنصب ' ليلتهم ' على الظرفية ، ~~ويدوكون قال | المنصف : يخوضون . والمراد أنهم باتوا تلك الليلة في خوض ~~واختلاف فيمن يدفعها إليه ، | وفيه حرص الصحابة على الخير ومزيد اهتمامهم ~~به ، وذلك يدل على علو مراتبهم في العلم | والإيمان . # قوله : ( أيهم يعطاها ) . فهو برفع ' أي ' على البناء . # قوله : ( فلما أصبحوا غدوا على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كلهم ~~يرجون أن يعطاها ) . وفي رواية أبي | هريرة عند مسلم : أن عمر قال : ' ما ~~أحببت الإمارة إلا يومئذ ' . فإن قلت : إن كانت هذه | الفضيلة لعلي رضي ~~الله عنه ليست من خصائصه ؛ فلماذا تمنى بعض الصحابة أن يكون له | ذلك ؟ قيل ~~الجواب كما قال شيخ الإسلام أن في ذلك شهادة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~لعلي بإيمانه باطنا | وظاهرا ، وإثبات لموالاته لله ورسوله ، ووجوب موالاة ~~المؤمنين له ، وإذا شهد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | لمعين بشهادة أو ~~دعا له بدعاء أحب كثير من الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة ، ومثل | ذلك ~~الدعاء ، وإن كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو ~~به لخلق كثير ، وكان تعيينه | لذلك المعين ms095 من أعظم فضائله ومناقبه ، وهذا ~~كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس | PageV01P104 | وعبد الله بن سلام وغيرهما ، ~~وإن كان قد شهد بالجنة لآخرين ، والشهادة لمحبة الله | ورسوله للذي ضرب في ~~الخمر . قلت : وفي هذه الجملة أيضا حرص الصحابة على الخير . # قوله : ( فقال : أين علي بن أبي طالب ) . قال بعضهم : كأنه [ صلى الله ~~عليه وسلم ] استبعد غيبته عن | حضرته في مثل ذلك الموطن ، لا سيما وقد قال ~~: لأعطين الراية إلى آخره وقد حضر الناس | وكلهم طمع بأن يكون هو الذي يفوز ~~بذلك الوعد . وفيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقده | أحوالهم وسؤاله عنهم في ~~مجامع الخير . # قوله : ( فقيل له : هو يشتكي عينيه ) ، أي : من الرمد كما في ' صحيح مسلم ~~' عن | سعد بن أبي وقاص فقال : ' ادعوا لي عليا ، فأتي به أرمد فبصق في ~~عينيه ' . # قوله : ( قال : فأرسلوا إليه ) . بهمزة قطع ، أمر من الإرسال ، أمرهم بأن ~~يرسلوا إليه | فيدعوه له . ولمسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال : ' ~~فأرسلني إلى علي ، فجئت به | أقوده [ وهو ] أرمد ، فبصق في عينيه فبرأ ' . # قوله : ( فبصق ) بفتح الصاد ، أي : تفل . # قوله : ( ودعا له فبرأ ) : وهو بفتح الراء والهمزة ، بوزن ضرب ، ويجوز ~~الكسر بوزن | علم ، أي : عوفي في الحال عافية كاملة ، كأن لم يكن به وجع من ~~رمد ولا ضعف بصر | أصلا . وعند الطبراني من حديث علي : ( فما رمدت ولا صدعت ~~منذ دفع إلي النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | الراية ) . وفيه دليل على ~~الشهادتين . # قوله : ( فأعطاه الراية ) . قال المصنف : فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن ~~لم يسع ، | ومنعها عمن سعى ، وفيه التوكل على الله ، والإقبال بالقلب إليه ~~، وعدم الالتفات إلى | الأسباب ، وإن فعلها لا ينافي التوكل . | ~~PageV01P105 # قوله : ( وقال انفذ على رسلك ) . أما ' انفذ ' فهو بضم الفاء ، أي : امض ~~لوجهك . | ورسلك : بكسر الراء وسكون السين ، أي : على رفقك ولينك من غير ~~عجلة ، يقال لمن | يعمل الشيء برفق . وساحتهم : فناء أرضهم ، وهو حواليها . ~~وفيه الأدب عند القتال ، وترك | الطيش والأصوات المزعجة التي لا حاجة إليها ~~. وفيه أمر الإمام عماله بالرفق واللين من ms096 غير | ضعف ولا انتقاض عزيمة كما ~~يشير إليه قوله : حتى تنزل بساحتهم . # قوله : ( ثم ادعهم إلى الإسلام ) ، أي : الذي هو معنى شهادة أن لا إله | ~~إلا الله وأن | محمدا رسول الله ، ومن هذا الوجه طابق الحديث الترجمة . وفي ~~حديث أبي هريرة عند | مسلم : فدعا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] علي بن ~~أبي طالب ، فأعطاه الراية وقال : ' امش ولا تلتفت حتى | يفتح الله عليك . ~~فسار علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت ، فصرخ : يا رسول الله على ماذا أقاتل | ~~الناس ؟ ' فقال : قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول ~~الله ، فإذا فعلوا ذلك | فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم ~~على الله ' . وفيه أن الدعوة إلى شهادة | أن لا إله إلا الله ، المراد بها ~~الدعوة إلى الإخلاص بها وترك الشرك وإلا فاليهود يقولونها ، | ولم يفرق ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في الدعوة إليها بينهم وبين من لا يقولها من ~~مشركي العرب ، فعلم أن | المراد من هذه الكلمة هو اللفظ بها ، واعتقاد ~~معناها ، والعمل به ، وذلك هو معنى قوله | تعالى : ^ ( قل يأهل الكتب ~~تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به | شيئا ~~ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون * ) ^ [ آل | عمران : 64 ] وقوله : ^ ( قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ~~ولآ أشرك به إليه أدعوا وإليه مئاب * ) ^ | [ الرعد : 36 ] وذلك هو معنى ~~قوله : ادعهم إلى الإسلام الذي هو الاستسلام لله تعالى ، | والانقياد له ~~بفعل التوحيد وترك الشرك . وفيه مشروعية الدعوة قبل القتال ، لكن إن كانوا ~~قد | بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ابتداء ، لأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~أغار على بني المصطلق وهم غارون ، | وتستحب دعوتهم لهذا الحديث وما في ~~معناه ، وإن كانوا لم تبلغهم وجبت دعوتهم . # وقوله : ( وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه ) . أي : في ~~الإسلام ، أي : إذا | أجابوا إلى الإسلام ، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه ~~التي لا بد من فعلها ، كالصلاة ، | والزكاة ms097 ، وهذا كقوله في حديث أبي هريرة ~~: ' فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم | PageV01P106 | وأموالهم إلا ~~بحقها ' وقد فسره أبو بكر الصديق لعمر رضي الله عنهما لما قاتل أهل الردة | ~~الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . فقال له عمر : كيف ~~نقاتل الناس | وقد قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، فإذا قالوا فقد | عصموا مني دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها ؟ ' قال أبو بكر : فإن الزكاة حق المال ، والله لو | ~~منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لقاتلتهم ~~على منعها . # وحاصله أنهم إذا أجابوا إلى الإسلام الذي هو التوحيد فأخبرهم بما يجب ~~عليهم بعد | ذلك من حق الله تعالى في الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام ~~والحج وغير ذلك من شرائع | الإسلام الظاهرة وحقوقه فإن أجابوا إلى ذلك فقد ~~أجابوا إلى الإسلام حقا ، وإن امتنعوا عن | شيء من ذلك فالقتال باق بحاله ~~إجماعا . فدل على أن النطق بكلمتي الشهادة دليل العصمة لا | أنه عصمة ، أو ~~يقال : هو العصمة لكن بشرط العمل ، يدل على ذلك قوله تعالى : ^ ( يأيها | ~~الذين ءامنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ) ^ [ النساء : 94 ] الآية ~~ولو كان النطق بالشهادتين | عاصما لم يكن للتثبت معنى ، يدل على ذلك قوله ~~تعالى : @QB@ فإن تابوا @QE@ أي عن الشرك | وفعلوا التوحيد ^ ( وأقاموا ~~الصلوة وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم ) ^ [ التوبة : 5 ] فدل على أن | القتال ~~يكون على هذه الأمور . وفيه أن لله تعالى حقوقا في الإسلام من لم يأت بها ~~لم يكن | مسلما ، كإخلاص العبادة له والكفر بما يعبد من دونه . وفيه بعث ~~الإمام الدعاة إلى الله ، كما | كان النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وخلفاؤه ~~الراشدون يفعلون . وفيه تعليم الإمام أمراءه وعماله ما يحتاجون إليه . # قوله : ( فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم ) | ' ~~أن ' : هي | المصدرية ، واللام قبلها مفتوحة ، لأنها لام القسم ، وأن ~~مدخولها مسبوك بمصدر مرفوع | على أنه مبتدأ خبره ' خير ' وحمر بضم ms098 المهملة ~~وسكون الميم . والنعم بفتح النون والعين | المهملة . أي : خير لك من الإبل ~~الحمر ، وهي أنفس أموال العرب ، يضربون بها المثل في | نفاسة الشيء . قيل : ~~المراد خير من أن تكون لك فتتصدق بها . وقيل تقتنيها وتملكها . | قلت : هذا ~~هو الأظهر ، والأول لا دليل عليه . أي أنكم تحبون متاع الدنيا ، وهذا خير ~~منه . | قال النووي : وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى ~~الأفهام ، وإلا فذرة من | الآخرة خير من الأرض بأسرها ، وأمثالها معها . ~~وفيه فضيلة الدعوة إلى الله ، وفضيلة من | اهتدى على يديه رجل واحد ، وجواز ~~الحلف على الفتية والقضاء والخبر ، والحلف من غير | استحلاف . | ~~PageV01P107 | # | ( [ 5 ] باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله ) # ش : أي تفسير هاتين الكلمتين ، والعطف لتغاير اللفظيين ، وإلا فالمعنى ~~واحد . ولما | ذكر المصنف في الأبواب السابقة التوحيد وفضائله ، والدعوة ~~إليه ، والخوف من ضده الذي | هو الشرك ، فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة هذا ~~الأمر الذي خلقت له الخليقة ، والذي بلغ | من شأنه عند الله أن من لقيه به ~~غفر له ، وإن لقيه بملء الأرض خطايا ؛ بين رحمة الله في هذا | الباب أنه ~~ليس اسما لا معنى له ، أو قولا لا حقيقة له كما يظنه الجاهلون الذين يظنون ~~أن غاية | التحقيق فيه هو النطق بكلمة الشهادة من غير اعتقاد القلب بشيء من ~~المعاني ، والحاذق منهم | يظن أن معنى الإله هو الخالق المتفرد بالملك ، ~~فتكون غاية معرفته هو الإقرار بتوحيد | الربوبية ، وهذا ليس هو المراد ~~بالتوحيد ، ولا هو أيضا معنى ' لا إله إلا الله ' وإن كان لا بد | منه في ~~التوحيد بل التوحيد اسم لمعنى عظيم ، وقول له معنى جليل هو أجل من جميع | ~~المعاني . # وحاصله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله ، والإقبال بالقلب والعبادة ~~على الله ، وذلك | هو معنى الكفر بالطاغوت ، والإيمان بالله ، وهو معنى ' ~~لا إله إلا الله ' كما قال تعالى : | ^ ( وإلهكم إله وحد لآ إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم * ) ^ [ البقرة : 163 ] وقال تعالى حكاية | عن مؤمن يس : ^ ( ~~وما لى لآ أعبد ms099 الذي فطرني و إليه ترجعون * ءأتخذ من دونه ءالهة إن | يردن ~~الرحمن بضر لا تغن عنى شفعتهم شيئا ولا ينقذون * إنى إذا لفى ضلل مبين * ) ~~^ | [ يس : 22 - 24 ] وقال تعالى : @QB@ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ~~الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ~~قل الله أعبد مخلصا له ديني @QE@ | [ الزمر : 11 - 14 ] وقال تعالى حكاية ~~عن مؤمن آل فرعون : ^ ( ويقوم ما لى أدعوكم إلى | النجوة وتدعوننى إلى ~~النار * تدعوننى لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به علم وأنا | أدعوكم إلى ~~العزيز الغفر * لا جرم أنما تدعوننى إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في | ~~الأخرة ) ^ [ غافر : 41 - 43 ] والآيات في هذا كثيرة تبين أن معنى ' لا إله ~~إلا الله ' هو البراءة | من عبادة ما سوى الله من الشفعاء والأنداد ، ~~وإفراد الله بالعبادة . فهذا هو الهدى ، ودين | الحق الذي أرسل الله به ~~رسله ، وأنزل به كتبه . | PageV01P108 # أما قول الإنسان ' لا إله إلا الله ' من غير معرفة لمعناها ، ولا عمل به ~~، أو دعواه أنه من | أهل التوحيد ، وهو لا يعرف التوحيد ، بل ربما يخلص ~~لغير الله من عبادته من الدعاء | والخوف والذبح والنذر والتوبة والإنابة ~~وغير ذلك من أنواع العبادات ، فلا يكفي في | التوحيد ، بل لا يكون إلا ~~مشركا والحالة هذه ، كما هو شأن عباد القبور . ثم ذكر المصنف | آيات تدل ~~على هذا فقال : # وقول الله تعالى : @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم ~~أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه @QE@ [ الإسراء : 57 ] الآية . قلت يبين ~~معنى هذه الآية التي قبلها ، وهي | قوله : @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من ~~دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون @QE@ [ ~~الإسراء : 56 - 57 ] الآية . # قال ابن كثير : يقول تعالى : قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دونه من ~~الأنداد ، | وارغبوا إليهم ، فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم ، أي : بالكلية ~~، ولا تحويلا ، أي : أن | يحولوه إلى غيركم ، والمعنى : إن الذي يقدر على ~~ذلك هو الله ms100 وحده لا شريك له . قال | العوفي عن ابن عباس في الآية : كان ~~أهل الشرك يقولون : نعبد الملائكة والمسيح وعزيرا | وهم الذين يدعون يعني : ~~الملائكة وعزيرا . # وقوله : @QB@ أولئك الذين يدعون @QE@ الآية وروى البخاري عن ابن مسعود في ~~الآية قال : | ' ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا ' . وفي رواية : كان ناس ~~من الإنس يعبدون ناسا | من الجن ، فأسلم الجن ، وتمسك هؤلاء بدينهم . وقال ~~السدي عن أبي صالح ، عن ابن | عباس في الآية : قال : عيسى وأمه وعزير . ~~وقال مغيرة عن إبراهيم : كان ابن عباس يقول | في هذه الآية : هم عيسى وعزير ~~والشمس والقمر . وقال مجاهد : عيسى وعزير والملائكة | وقوله : @QB@ ويرجون ~~رحمته ويخافون عذابه @QE@ [ الإسراء : 57 ] # تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء . # وفي التفسير المنسوب إلى الطبري الحنفي قل للمشركين : يدعون أصنامهم دعاء ~~| استغاثة فلا يقدرون كشف الضر عنهم ، ولا تحويلا إلى غيرهم أولئك الذين ~~يدعون ، أي : | الملائكة المعبودة لهم يتبادرون إلى طلب القربة إلى الله ، ~~فيرجون رحمته ، ويخافون عذابه ، | إن عذاب ربك كان محذورا ، أي مما يحذره ~~كل عاقل . وعن الضحاك وعطاء ، أنهم | الملائكة . وعن ابن عباس : أولئك ~~الذين يدعون عيسى وأمه وعزيرا . # قال شيخ الإسلام : وهذه الأقوال كلها حق ؛ فإن الآية تعم من كان معبوده ~~عابدا لله | سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر ، والسلف في ~~تفسيرهم يذكرون جنس | PageV01P109 | المراد بالآية على نوع التمثيل ، كما ~~يقول الترجمان لمن سأله ما معنى لفظ الخبز ؟ فيريه | رغيفا ، فيقول : هذا ، ~~فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه ، وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع | دون نوع مع ~~شمول الآية للنوعين ، فالآية خطاب لكل من دعا دون الله مدعوا . وذلك | ~~المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ، ويرجو رحمته ، ويخاف عذابه . فكل من دعا ~~ميتا أو غائبا | من الأنبياء الصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو غيرها ، ~~فقد تناولته هذه الآية ، كما تتناول | من دعا الملائكة والجن ، ومعلوم أن ~~هؤلاء كلهم يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم ، | ومع هذا فقد نهى ~~الله عن دعائهم ، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن ms101 الداعين ولا | تحويله ، ~~لا يرفعونه بالكلية ، ولا يحولونه من موضع إلى موضع ، كتغيير صفته أو قدره ~~، | ولهذا قال : ( ولا تحويلا ) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل فكل من دعا ~~ميتا أو غائبا من | الأنبياء والصالحين ، أو دعا الملائكة أو دعا الجن ، ~~فقد دعا من لا يغيثه ، ولا يملك كشف | الضر عنه ، ولا تحويله انتهى . وبنحو ~~ما تقدم من كلام هؤلاء قال جميع المفسرين : فتبين أن | معنى التوحيد وشهادة ~~أن لا إله إلا الله : هو ترك ما عليه المشركون من دعوة الصالحين ، | ~~والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر وتحويله ، فكيف ممن أخلص لهم الدعوة ، ~~وإنه لا | يكفي في التوحيد دعواه ، والنطق بكلمة الشهادة من غير مفارقة ~~لدين المشركين ، وأن دعاء | الصالحين لكشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر ~~نبه عليه المصنف . # قال : وقوله : @QB@ وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون ~~إلا الذي فطرني @QE@ | [ الزخرف : 26 - 27 ] الآية . قال ابن كثير : يقول ~~تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام | الحنفاء ، ووالد من بعث بعده من ~~الأنبياء ، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها : إنه | تبرأ من أبيه ~~وقومه في عبادتهم الأوثان فقال : @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني ~~فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه @QE@ [ الزخرف : 26 - 28 ] أي : هذه ~~الكلمة وهي | عبادة الله وحده لا شريك له ، وخلع ما سواه من الأوثان ، وهي ~~لا إله إلا الله أي : جعلها | في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية ~~إبراهيم عليه السلام . لعلهم يرجعون ، أي : | إليها . قال عكرمة ومجاهد ~~والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله : @QB@ وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~@QE@ : يعني لا إله إلا الله ، لا يزال في ذريته من يقولها . وقال ابن زيد ~~: كلمة | الإسلام ، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة . # قلت : وروى ابن جرير عن قتادة في قوله : @QB@ إلا الذي فطرني @QE@ قال : ~~خلقني : وعنه : | @QB@ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني @QE@ قال : ~~إنهم يقولون : إن الله ربنا @QB@ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله @QE@ [ ~~الزخرف : 87 ] فلم ms102 يبرأ من ربه . رواه عبد بن حميد . قلت : يعني أن | قوم ~~إبراهيم يعبدون الله ويعبدون غيره ، فتبرأ مما يعبدون إلا الله ، لا كما ~~يظن الجهال أن | الكفار لا يعرفون الله ، ولا يعبدونه أصلا . وروى ابن جرير ~~وابن المنذر عن قتادة ^ ( وجعلها | PageV01P110 | كلمة باقية في عقبه ) ^ [ ~~الزخرف : 28 ] قال : الإخلاص والتوحيد ، لا يزال في ذريته من يوحد | الله ~~ويعبده . # فتبين بهذا أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة مما يعبد من دون الله ، ~~وإفراد الله بالعبادة ، | وذلك هو التوحيد لا مجرد الإقرار بوجود الله ~~وملكه وقدرته وخلقه لكل شيء ، فإن هذا يقر | به الكفار وذلك هو معنى قوله : # ^ ( إننى برآء مما تعبدون * إلا الذي فطرني ) ^ # فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة وهذه الموالاة هي ~~شهادة أن لا | إله إلا الله قاله المصنف . # قال : وقوله تعالى : ^ ( اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا من دون الله ) ^ ~~[ التوبة : 31 ] . | ش : ' الأحبار : هم العلماء ' . والرهبان : هم العباد ~~. وهذه الآية قد فسرها | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، لعدي بن حاتم ~~، وذلك أنه لما جاء مسلما دخل على رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو | ~~يقرأ هذه الآية قال : فقلت : إنهم لم يعبدوهم ، فقال : ' إنهم حرموا عليهم ~~الحلال وحللوا | لهم الحرام فاتبعوهم فذاك عبادتهم إياه ' رواه أحمد ~~والترمذي وحسنه وعبد بن حميد | وابن سعد وابن أبي حاتم والطبراني وغيرهم من ~~طرق . وهكذا قال جميع المفسرين . قال | السدي : استنصحوا الرجال ، ونبذوا ~~كتاب الله وراء ظهورهم ، ولهذا قال تعالى ^ ( ومآ | أمروا إلا ليعبدوا إلها ~~واحدا لا إله إلا هو ) ^ [ التوبة : 31 ] أي : الذي إذا حرم شيئا | فهو ~~الحرام وما حلله حل ، وما شرعه اتبع سبحانه تعالى عما يشركون ، أي : تعالى ~~وتقدس | PageV01P111 | عن الشركاء والنظراء والأضداد ، والأنداد ، لا إله ~~إلا هو ، ولا رب سواه . # ومراد المصنف رحمه الله بإيراد الآية هنا أن الطاعة في تحريم الحلال ، ~~وتحليل | الحرام ، من العبادة المنفية من غير الله تعالى ، ولهذا فسرت ~~العبادة بالطاعة ، وفسر الإله | بالمعبود المطاع ، فمن أطاع مخلوقا في ms103 ذلك ~~فقد عبده ، إذ معنى التوحيد ، وشهادة أن لا إله | إلا الله يقتضي إفراد ~~الله بالطاعة ، وإفراد الرسول بالمتابعة ، فإن من أطاع الرسول [ صلى الله ~~عليه وسلم ] ، فقد | أطاع الله ، وهذا أعظم ما يبين التوحيد وشهادة أن لا ~~إله إلا الله ، لأنها تقتضي نفي الشرك | في الطاعة ، فما ظنك بشرك العبادة ~~، كالدعاء والاستغاثة والتوبة وسؤال الشفاعة وغير ذلك | من أنواع الشرك في ~~العبادة ، وسيأتي مزيد لهذا إن شاء الله تعالى في باب من أطاع العلماء | ~~والأمراء . # قال : وقوله : @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب ~~الله @QE@ [ البقرة : | 165 ] . | ش : قال المصنف رحمه الله في مسائلة : ~~ومنها ، أي : من الأمور المبينة لتفسير | التوحيد ، وشهادة أن لا إله إلا ~~الله ، آية البقرة في الكفار الذين قال الله فيهم : ^ ( وما هم | بخرجين من ~~النار ) ^ [ البقرة : 167 ] وذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله فدل على أنهم ~~| يحبون الله حبا عظيما ، ولم يدخلهم في الإسلام ، فكيف بمن أحب الند حبا ~~أكبر من حب | الله ؟ فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده ، ولم يحب الله ؟ ! قلت ~~: مراده أن معنى التوحيد ، | وشهادة أن لا إله إلا الله ، هو إفراد الله ~~بأصل الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده | لا شريك له ، وعلى قدر ~~التفاضل في هذا الأصل ، وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة | يكون تفاضل ~~الإيمان والجزاء عليه في الآخرة . فمن أشرك بالله تعالى في ذلك ، فهو | ~~المشرك ، لهذه الآية أخبر تعالى عن أهل هذا الشرك أنهم يقولون لآلهتهم وهم ~~في | الجحيم : ^ ( تالله إن كنا لفي ضلل مبين * إذ نسويكم برب العالمين * ) ~~^ [ الشعراء : 97 - 98 ] | ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الخلق والرزق ~~والملك ، وإنما ساووهم به في المحبة والإلهية | والتعظيم والطاعة . فمن قال ~~لا إله إلا الله وهو مشرك بالله في هذه المحبة ، فما قالها حق | القول وإن ~~نطق بها ، إذ هو قد خالفها بالعمل ، كما قال المصنف . فكيف بمن أحب الند | ~~حبا أكبر من حب الله ؟ ! وسيأتي الكلام على هذه الآية في ms104 بابها إن شاء الله ~~تعالى . # قال في ' الصحيح ' عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' من قال لا إله ~~إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون | الله حرم ماله ودمه ، وحسابه على الله ' ~~. | ش : قوله في ' الصحيح ' أي : ' صحيح مسلم ' عن أبي مالك الأشجعي عن ~~أبيه عن | PageV01P112 | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فذكره . وأبو مالك ~~اسمه سعد بن طارق كوفي ثقة مات في حدود الأربعين ومائة ، | وأبوه طارق بن ~~أشيم بالمعجمة والمثناة التحتية وزن أحمر ابن مسعود الأشجعي صحابي له | ~~أحاديث . قال مسلم : لم يرو عنه غير ابنه . # قوله : ' من قال لا إله إلا الله ، وكفر بما يعبد من دون الله ' اعلم أن ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا | الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين ~~: الأول : قول لا إله إلا الله . والثاني : الكفر بما | يعبد من دون الله . ~~فلم يكتف باللفظ المجرد عن المعنى ، بل لا بد من قولها والعمل بها . # قال المصنف : وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله ، فإنه لم يجعل ~~التلفظ بها | عاصما للدم والمال ، بل ولا معرفة معناها مع التلفظ بها ، بل ~~ولا الإقرار بذلك ، بل ولا | كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له ، بل ~~لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك | الكفر بما يعبد من دون الله ، فإن شك ~~أو تردد لم يحرم ماله ودمه ، فيا لها من مسألة ما | أجلها ، ويا له من بيان ~~ما أوضحه ، وحجة ما أقطعها للمنازع . # قلت : وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلا بد في العصمة من الإتيان ~~بالتوحيد ، | والتزام أحكامه ، وترك الشرك كما قال تعالى : ^ ( وقتلوهم حتى ~~لا تكون فتنة ويكون | الدين كله لله ) ^ [ الأنفال : 39 ] والفتنة هنا : ~~الشرك ، فدل على أنه إذا وجد الشرك ، | فالقتال باق بحاله كما قال تعالى : ~~^ ( وقتلوا المشركين كآفة كما يقتلونكم كآفة ) ^ | [ التوبة : 36 ] وقال ~~تعالى : ^ ( فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم ~~| واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكوة ms105 ~~فخلوا سبيلهم إن | الله غفور رحيم * ) ^ [ التوبة : 5 ] فأمر بقتالهم على ~~فعل التوحيد ، وترك الشرك ، وإقامة | شعائر الدين الظاهرة ، فإذا فعلوها ~~خلي سبيلهم ، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها ، | فالقتال باق بحاله ~~إجماعا . ولو قالوا لا إله إلا الله . # وكذلك النبي [ صلى الله عليه وسلم ] علق العصمة بما علقها الله به في ~~كتابه كما في هذا الحديث . وفي | ' صحيح مسلم ' . عن أبي هريرة مرفوعا ' ~~أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا | الله ويؤمنوا بي وبما جئت ~~به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها | وحسابهم على الله ~~' وفي ' الصحيحين ' عنه قال : لما توفي رسول الله وكفر من كفر من | العرب ، ~~فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر : كيف تقاتل الناس ، وقد قال رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : | ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، ~~فمن قال : لا إله إلا الله ، فقد عصم مني | ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على ~~الله ' فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق . . . الصلاة | PageV01P113 | ~~والزكاة ، فإن الزكاة حق المال ، والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى ~~رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | لقاتلتهم على منعه . فقال عمر بن ~~الخطاب : فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي | بكر للقتال ، ~~فعرفت أنه الحق ' . لفظ مسلم ، فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم [ لم | يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها ، ~~فكان ذلك هو الصواب ، واتفق عليه | الصحابة ، ولم يختلف فيه منهم اثنان إلا ~~ما كان من عمر حتى رجع إلى الحق . وكان فهم | الصديق هو الموافق لنصوص ~~القرآن والسنة . # وفي ' الصحيحين ' أيضا عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : ' أمرت أن | أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ~~، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا | الزكاة فإذا فعلوه ~~عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله ' . # فهذا الحديث كآية ms106 براءة بين فيه ما يقاتل عليه الناس ابتداء ، فإذا فعلوه ~~، وجب الكف | عنهم إلا بحقه ، فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض هذا الإقرار ~~والدخول في الإسلام ، وجب | القتال حتى يكون الدين كله لله ، بل لو أقروا ~~بالأركان الخمسة وفعلوها ، وأبوا عن فعل | الوضوء للصلاة ونحوه ، أو عن ~~تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ذلك | وجب قتالهم إجماعا ~~، ولم تعصمهم لا إله إلا الله ولا ما فعلوه من الأركان . وهذا من | أعظم ما ~~يبين معنى لا إله إلا الله ، وأنه ليس المراد منها مجرد النطق ، فإذا كانت ~~لا تعصم | من استباح محرما ، أو أبى عن فعل الوضوء مثلا بل يقاتل على ذلك ~~حتى يفعله ، فكيف | تعصم من دان بالشرك وفعله وأحبه ومدحه ، وأثنى على أهله ~~، ووالى عليه ، وعادى عليه ، | وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله ، ~~وتبرأ منه ، وحارب أهله ، وكفرهم ، وصد | عن سبيل الله كما هو شأن عباد ~~القبور ، وقد أجمع العلماء على أن من قال : لا إله إلا الله ، | وهو مشرك ~~أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد . # ذكر التنبيه على كلام العلماء في ذلك فإن الحاجة داعية إليه لدفع شبه ~~عباد القبور في | تعلقهم بهذه الأحاديث وما في معناها مع أنها حجة عليهم ~~بحمد الله لا لهم . # قال أبو سليمان الخطابي في قوله : ' أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله ' : | معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب ، ~~لأنهم يقولون : لا إله إلا الله ، ثم | يقاتلون ، ولا يرفع عنهم السيف . # وقال القاضي عياض : اختصاص عصم المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله ~~تعبير عن | الإجابة إلى الإيمان ، وأن المراد بذلك مشركو العرب ، وأهل ~~الأوثان ، ومن لا يوحد ، وهم # PageV01P114 | كانوا أول من دعي إلى الإسلام ، وقوتل عليه ، فأما غيرهم ~~ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في | عصمته بقوله لا إله إلا الله ، إذ كان ~~يقولها في كفره ، وهي من اعتقاده ، فلذلك جاء في | الحديث الآخر : ' ~~ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ' . # وقال النووي : لا بد مع ms107 هذا من الإيمان لجميع ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وكما جاء | في الرواية الأخرى : ' ويؤمنوا بي وبما جئت به ~~' وقال شيخ الإسلام : لما سئل عن قتال | التتار مع التمسك بالشهادتين ، ~~ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام ، فقال : كل طائفة ممتنعة | من التزام ~~شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم ~~حتى | يلتزموا شرائعه ، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ملتزمين بعض ~~شرائعه كما قاتل أبو بكر | والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة ، وعلى ذلك ~~اتفق الفقهاء بعدهم قال : فأيما طائفة | ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات ~~المفروضات ، أو الصيام أو الحج ، أو عن التزام تحريم | الدماء أو الأموال ~~أو الخمر أو الميسر ، أو نكاح ذوات المحارم ، أو عن التزام جهاد الكفار | ~~أو ضرب الجزية على أهل الكتاب ، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو ~~محرماته التي لا | عذر لأحد في جحودها أو تركها ، التي يكفر الواحد بجحودها ~~، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل | عليها وإن كانت مقرة بها ، وهذا مما لا ~~أعلم فيه خلافا بين العلماء . # قال : وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة ، بل هم ~~خارجون عن | الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة . ومثل هذا كثير في كلام العلماء ~~. # والمقصود التنبيه على ذلك ، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل ~~مذهب | في باب حكم المرتد ، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان ~~، ولو أتى بجميع | الدين . وهو صريح في كفر عباد القبور ، ووجوب قتالهم إن ~~لم ينتهوا حتى يكون الدين لله | وحده ، فإذا كان من التزام شرائع الدين ~~كلها إلا تحريم الميسر أو الربا أو الزنا يكون كافرا | يجب قتاله ، فكيف ~~بمن أشرك بالله ودعي إلى إخلاص الدين لله والبراءة والكفر بمن عبد | غير ~~الله ، فأبى عن ذلك ، واستكبر وكان من الكافرين ؟ ! # قوله : ' وحسابه على الله ' أي : إلى الله تبارك وتعالى ، هو الذي يتولى ~~حسابه ، فإن كان | صادقا من قلبه جازاه بجنات النعيم ، وإن كان منافقا عذبه ~~العذاب الأليم . وأما في الدنيا ms108 ، | فالحكم على الظاهر ، فمن أتى بالتوحيد ~~والتزم شرائعه ظاهرا ، وجب الكف عنه حتى يتبين | منه ما يخالف ذلك . واستدل ~~الشافعية بالحديث على قبول توبة الزنديق ، وهو الذي يظهر | الإسلام ، ويسر ~~الكفر . والمشهور في مذهب أحمد ومالك أنها لا تقبل ، لقوله تعالى @QB@ إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا @QE@ [ البقرة : 160 ] والزنديق لا يتبين رجوعه ~~، لأنه مظهر للإسلام ، | مسر للكفر ، فإذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان ~~منه قبلها . والحديث محمول على | المشرك . ويتفرع على ذلك سقوط القتل وعدمه ~~، أما في الآخرة فإن كان دخل في الإسلام | PageV01P115 | صادقا قبلت . # وفيه وجوب الكف عن الكافر إذا دخل في الإسلام ولو في حال القتال حتى ~~يتبين منه - | ما يخالف ذلك . # وفيه أن الإنسان قد يقول : لا إله إلا الله ، ولا يكفر بما يعبد من دون ~~الله . # وفيه أن شرط الإيمان الإقرار بالشهادة ، والكفر بما يعبد من دون الله مع ~~اعتقاد ذلك | واعتقاد جميع ما جاء به الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] . وفيه ~~أن أحكام الدنيا على الظاهر ، وأن مال المسلم | ودمه حرام إلا في حق كالقتل ~~قصاصا ونحوه ، وتغريمه قيمة ما يتلفه . # قوله : وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب . يعني أن ما يأتي بعد هذه ~~الترجمة من | الأبواب شرح للتوحيد ، وشهادة أن لا إله إلا الله ، لأن معنى ~~التوحيد وشهادة أن لا إله إلا | الله ، أن لا يعبد إلا الله ولا يعتقد ~~النفع والضر إلا في الله ، وأن يكفر بما يعبد من دون الله ، | ويتبرأ منها ~~ومن عابديها ، وما بعد هذا من الأبواب بيان لأنواع من العبادات والاعتقادات ~~التي | يجب إخلاصها لله تعالى ، وذلك هو معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا ~~الله ، والله أعلم . | PageV01P116 | # | ( [ 6 ] باب : من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما ) # | ( لرفع البلاء أو دفعه ) | ش : رفع البلاء : إزالته بعد حصوله ، ودفعه ~~: منعه قبله ، ومن هنا ابتدأ المصنف في | تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله ~~إلا الله بذكر شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك الأكبر | والأصغر ، فإن ~~الضد لا يعرف ms109 إلا بضده . # كما قيل : وبضدها تتبين الأشياء . # فمن لا يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس ، فبدأ بالأصغر الاعتقادي ~~انتقالا من | الأدنى إلى الأعلى فقال : # وقول الله تعالى : ^ ( أفرءيتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر ~~هل هن كاشفات | ضره ) ^ [ الزمر : 38 ] . # ش : قال ابن كثير في تفسيرها ، أي : لا تستطيع شيئا من الأمر . قل : حسبي ~~الله ، أي : | الله كافي من توكل عليه ، وعليه يتوكل المتوكلون ، كما قال ~~هود عليه السلام حين قال له | قومه : ^ ( إن نقول إلا اعترك بعض ءالهتنا ~~بسوء قال إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما | تشركون من دونه فكيدونى ~~جميعا ثم لا تنظرون ) ^ [ هود : 54 - 56 ] . # قلت : حاصله أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين ~~: أرأيتم ، أي : أخبروني | عما تدعون من دون الله ، أي : تعبدونهم ~~وتسألونهم من الأنداد والأصنام والآلهة المسميات | بأسماء الإناث الدالة ~~أسماؤهن على بطلانهن وعجزهن ، لأن الأنوثة من باب اللين | والرخاوة ، ~~كاللات والعزى @QB@ إن أرادني الله بضر @QE@ أي بمضر أو فقر أو بلاء أو شدة ~~^ ( هل | هن كشفت ضره ) ^ أي : لا يقدرون على ذلك أصلا @QB@ أو أرادني ~~برحمة @QE@ أي : صحة ، | وعافية ، وخير ، وكشف بلاء . @QB@ هل هن ممسكات ~~رحمته @QE@ قال مقاتل : فسألهم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | فسكتوا ، أي ~~: لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها ، وإنما كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط | ~~وشفعاء عند الله ، لا لأنهم يكشفون الضر ويجيبون دعاء المضطر ، فهم يعلمون ~~أن ذلك لله | وحده كما قال تعالى : ^ ( ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا | فريق منكم بربهم يشركون ) ^ [ النحل : 53 - 54 ] ~~وقد دخل في ذلك كل من دعي من دون | PageV01P117 | الله من الملائكة ~~والأنبياء والصالحين ، فضلا عن غيرهم فلا يقدر أحد على كشف ضر ولا | إمساك ~~رحمة كما قال تعالى : @QB@ ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما ~~يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم @QE@ [ فاطر : 2 ] وإذا كان ~~كذلك بطلت عبادتهم من دون الله ms110 ، | وإذا بطلت عبادتهم فبطلان دعوة الآلهة ~~والأصنام أبطل وأبطل ، وليس الحلقة والخيط لرفع | البلاء أو دفعه كذلك ، ~~فهذا وجه استدلال المصنف بالآية وإن كانت الترجمة في الشرك الأصغر ، فإن ~~السلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر ، كما استدل حذيفة وابن | عباس ~~وغيرهما وكذلك من جعل رؤوس الحمر ونحوها في البيت والزرع لدفع العين كما | ~~يفعله أشباه المشركين ، فإنه يدخل في ذلك ، وقد يحتجون على ذلك بما رواه ~~أبو داود في | المراسيل عن علي بن الحسين مرفوعا : ' احرثوا فإن الحرث ~~مبارك ، وأكثروا فيه من | الجماجم ' وعنه أجوبة : # أحدها : أنه حديث ساقط مرسل وأبو داود لم يشترط في مراسيله جمع المراسيل ~~| الصحيحة الإسناد ، وقد ضعفه السيوطي وغيره . # الثاني : أنه اختلف في تفسير الجماجم ، فقيل : هي البذر ، ذكره العزيزي ~~في ' شرح | الجامع ' . وقيل : الخشبة التي يكون في رأسها سكة الحرث ، قاله ~~أبو السعادات ابن الأثير في | ' النهاية ' . وقيل : هي جماجم رؤوس الحيوان ~~ذكره العزيزي وغيره . وعلى هذا فقيل : أمر | بجعلها لدفع الطير ، ذكره ~~العزيزي وغيره ، وهذا هو الأقرب لو ثبت الحديث مع أنه باطل . | وقيل : بل ~~لدفع العين ، وفيه حديث ساقط أنه أمر بالجماجم في الزرع من أجل العين ، وهو ~~مع | ذلك منقطع ، ذكره السيوطي وغيره ، وهذا المعنى هو الذي تعلق به أشباه ~~المشركين ولا ريب أنه | معنى باطل ، لم يرده النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~لو كان الحديث صحيحا ، وكيف يريده وقد أمر بقطع الأوتار كما | في ' الصحيح ~~' وقال : ' من تعلق شيئا وكل إليه ' . وقال : ' من تعلق ودعة فلا ودع الله ~~له ' | وكانوا يجعلون ذلك من أجل العين كما سيأتي ، فلا أرحض لهم فيه ؟ ! | ~~PageV01P118 # الثالث : أن هذا مضاد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسله ، فإنه تعالى ~~إنما أرسل | الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يشرك به شيء ، لا في العبادة ~~ولا في الإعتقاد ، وهذا | من جنس فعل الجاهلية الذين يعتقدون البركة والنفع ~~والضر فيما لم يجعل الله فيه شيئا من | ذلك ، ويعلقون التمائم والودع ~~ونحوهما على أنفسهم لدفع الأمراض والعين ms111 فيما زعموا . # فإن قيل : الفاعل لذلك لم يعتقد النفع فيه استقلالا ، فإن ذلك لله وحده ، ~~فهو النافع | الضار ، وإنما اعتقد أن الله جعله سببا كغيره من الأسباب . # قيل : هذا باطل أيضا ، فإن الله لم يجعل ذلك سببا أصلا وكيف يكون الشرك ~~سببا | لجلب الخير ولدفع الضر ، ولو قدر أن فيه بعض النفع ، فهو كالخمر ~~والميسر فيهما إثم كبير | ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما . # فإن قيل : كيف يكون شركا وقد روى أبو داود ذلك في مراسيله وغيره من ~~العلماء | يروون الحديث ولم ينكره . # قيل : أهل العلم يروون الأحاديث الضعيفة والموضوعة لبيان حالها وإسنادها ~~لا | للاعتماد عليها واعتقادها ، وكتب المحدثين مشحونة بذلك ، فبعضهم يذكر ~~علة الحديث ، | ويبين حاله وضعفه إن كان ضعيفا ، ووضعه إن كان موضوعا ، ~~وبعضهم يكتفي بإيراد | الحديث بإسناده ويرى أنه قد برئ عن عهدته إذا أورده ~~بإسناده لظهور حال رواته ، كما | يفعل ذلك الحافظ أبو نعيم ، وأبو القاسم ~~بن عساكر وغيرهما ، فليس في رواية من رواه | وسكوته عنه دليل على أنه صحيح ~~أو حسن أو ضعيف ، بل قد يكون موضوعا عنده ، فلا | يدل سكوته عنه على جواز ~~العمل به عنده ، وسيأتي في الكلام على حديث قطع الأوتار ما | يدل على النهي ~~عن هذا من كلام العلماء . # قال : عن عمران بن حصين أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] رأى رجلا في يده ~~حلقة من صفر . فقال : ' ما | هذه ؟ قال من الواهنة . فقال : ' انزعها فإنها ~~لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا ' رواه أحمد بسند لا ~~بأس به . # ش : هذا الحديث ذكره المصنف بمعناه ، أما لفظه فقال الإمام أحمد : حدثنا ~~خلف بن | الوليد ، ثنا المبارك عن الحسن قال أخبرني عمران بن حصين أن النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم ] أبصر على عضد | رجل حلقة قال : أراه قال : من صفر ، ~~فقال : ' ويحك ما هذه ' قال : ' من الواهنة قال : ' أما | إنها لا تزيدك ~~إلا وهنا ، انبذها عنك فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا ' ورواه ابن | ~~ماجه ms112 دون قوله ' انبذها ' إلى آخره ، وابن حبان في ' صحيحه ' وقال : ' فإنك ~~إن مت وكلت | إليها ' والحاكم وقال : صحيح الإسناد ، وأقره الذهبي . قال ~~المنذري : رووه كلهم عن | PageV01P119 | مبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن ~~عمران . ورواه ابن حبان أيضا بنحوه عن أبي عامر | الخزاز ، عن الحسن ، وهذه ~~متابعة جيدة ، إلا أن الحسن اختلف في سماعه من عمران . قال | ابن المديني ~~وغيره : لم يسمع منه ، وقال الحاكم : وأكثر مشايخنا على أنه سمع منه . قلت ~~: | رواية الإمام أحمد ظاهرة في سماعه منه وهو الصواب . # قوله : ( عن عمران بن حصين ) . أي : ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد - ~~بنون | وجيم مصغر - صحابي ابن صحابي . أسلم عام خيبر ، ومات سنة اثنتين ~~وخمسين | بالبصرة . # قوله : ( رأى رجلا ) ، في رواية الحاكم دخلت على رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] وفي عضدي حلقة | صفر فقال : ' ما هذه ؟ قلت من الواهنة فقال : ~~' انبذها ' فالمبهم في رواية أحمد ومن وافقه | هو عمران راوي الحديث . # قوله : ( فقال ما هذا ؟ ) يحتمل أن الاستفهام للاستفصال هل لبسها تحليا ~~أم لا ؟ ويحتمل | أن يكون للإنكار فظن اللابس أنه استفصل . # قوله : ( من الواهنة ) . قال أبو السعادات : الواهنة : عرق يأخذ في ~~المنكب وفي اليد | كلها ، فيرقى منها وقيل : هو مرض يأخذ في العضد ، وربما ~~علق عليها جنس من الخرز | يقال له : خرز الواهنة ، وهي تأخذ الرجال دون ~~النساء قال : وإنما نهاه عنها ، لأنه اتخذها | على معنى أنها تعصمه من ~~الألم ، فكان عنده في معنى التمائم المنهي عنه . قلت : وفيه | استفصال ~~المنتي واعتبار المقاصد . # قوله : ( انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا ) . لفظ الحديث ' انبذها ' وهو ~~أبلغ ، أي : | PageV01P120 | اطرحها . والنزع هو الجذب بقوة ، والنبذ يتضمن ~~ذلك وزيادة وهو الطرح والإبعاد ، أمره | بطرحها عنه وأخبر أنها لا تنفعه بل ~~تضره ، فلا تزيده إلا وهنا ، أي : ضعفا . وكذلك كل أمر | نهي عنه فإنه لا ~~ينفع غالبا أصلا ، وإن نفع بعضه ، فضره أكبر من نفعه . # وفيه النهي عن تعليق الحلق والخرز ونحوهما على المريض أو غيره ، والتنبيه ~~على | النهي عن التداوي بالحرام ms113 . # وروى أبو داود بإسناد حسن والبيهقي عن أبي الدرداء مرفوعا في حديث : ' ~~تداووا ولا | تداووا بحرام ' فإن قيل : كيف قال [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ~~لا تزيدك إلا وهنا ' وهي ليس لها تأثير ؟ وقيل : | هذا - والله أعلم - يكون ~~عقوبة له على شركه لأنه وضعها لدفع الواهنة ، فعوقب بنقيض | مقصوده . | ~~PageV01P121 # قوله : ( فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا ) ، أي : لأنه مشرك والحالة ~~هذه ، | والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة . # قال المصنف : فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر ، ~~وأنه لم يعذر | بالجاهلة ، والإنكار بالتغليط على من فعل مثل ذلك . # قلت : وفيه أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح أبدا ، ففيه رد على ~~المغرورين | الذين يفتخرون بكونهم من ذرية الصالحين ، أو من أصحابهم ، ~~ويظنون أنهم يشفعون لهم | عند الله ، وإن فعلوا المعاصي . # وفيه أن رتب الإنكار متفاوتة فإذا كفى الكلام في إزالة المنكر لم يحتج ~~إلى ضرب | ونحوه . # وفيه أن المسلم إذا فعل ذنبا وأنكر عليه فتاب منه فإن ذلك لا ينقصه ، ~~وأنه ليس من | شرط أولياء الله عدم الذنوب . # قوله : ( رواه أحمد بسند لا بأس به ) . هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل ~~بن هلال بن | أسد الشيباني ، أبو عبد الله المروزي ، ثم البغدادي ؛ إمام ~~أهل عصره وأعلمهم بالفقه | والحديث ، وأشدهم ورعا ومتابعة للسنة . روى عن ~~الشافعي ويزيد بن هارون وابن مهدي | ويحيى القطان وابن عيينة وعفان وخلف . ~~وروى عنه ابناه عبد الله وصالح والبخاري ومسلم | وأبو داود وأبو بكر الأثرم ~~والمروزي وخلق لا يحصون ، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين | وله سبع وسبعون ~~سنة . # قال : وله عن عقبة بن عامر مرفوعا : ' من تعلق تميمة فلا أتم الله له ، ~~ومن تعلق ودعة | فلا ودع الله له ' وفي رواية : ' من تعلق تميمة فقد أشرك ' ~~. # ش : الحديث الأول رواه أحمد كما قال المصنف ، ورواه أيضا أبو يعلى ~~والحاكم | وقال : صحيح الإسناد ، وأقره الذهبي . # وقوله : ' وفي رواية ' : هذا يوهم أن هذا في بعض الأحاديث المذكورة ، ~~وليس كذلك ، | بل المراد أنه في حديث آخر ms114 رواه أحمد أيضا فقال : حدثنا عبد ~~الصمد بن عبد الوارث ، ثنا | عبد العزيز بن مسلم ، ثنا يزيد بن أبي منصور ، ~~عن دخين الحجري ، عن عقبة بن عامر | الجهني أن رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] أقبل إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد فقالوا : يا | PageV01P122 ~~| رسول الله ، بايعت تسعة وأمسكت عن هذا ؟ قال : إن عليه تميمة فأدخل يده ~~فقطعها ، فبايعه | وقال : ' من علق تميمة فقد أشرك ' ورواه الحاكم بنحوه ، ~~ورواته ثقات . # وقوله : في هذا الحديث : فأدخل يده فقطعها . أي : الرجل ، بينه الحاكم في ~~روايته . # قوله : ( عن عقبة بن عامر ) هو الجهني ، صحابي مشهور ، وكان فقيها فاضلا ~~ولي | إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنوات ومات قريبا من الستين . # قوله : ' من تعلق تميمة ' أي : متمسكا بها عليه وعلى غيره من طفل أو دابة ~~ونحو | ذلك . قال المنذري : يقال : إنها خرزة كانوا يعلقونها يرون أنها ~~تدفع عنهم الآفات واعتقاد | هذا الرأي جهل وضلالة إذ لا مانع ولا دافع غير ~~الله تعالى . وقال أبو السعادات : التمائم | جمع تميمة وهي خرزات كانت ~~العرب تعلقها على أولادهم ، يتقون بها العين في زعمهم ، | فأبطله الإسلام . ~~قال : كانوا يعتقدون أنها تمائم الدواء والشفاء . # قوله : ' فلا أتم الله له ' دعاء عليه بأن الله لا يتم له أموره . # قوله : ' ومن تعلق ودعة ' بفتح الواو وسكون المهملة . قال في ' مسند ~~الفردوس ' شيء | يخرج من البحر يشبه الصدف ، يتقون به العين . # قوله : ' فلا ودع الله له ' بتخفيف الدال ، أي : لا جعله في دعة وسكون ، ~~وقيل : هو | لفظ مبني من الودعة ، أي : لا خفف الله عنه ما يخافه ، قاله ~~أبو السعادات وهذا دعاء عليه . # فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك ، فإنه مع كونه شركا ، فقد دعا عليه رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم ] | بنقيض مقصوده . # قوله : ' من تعلق تميمة فقد أشرك ' . قال ابن عبد البر : إذا اعتقد الذي ~~علقها أنها ترد | العين ، فقد ظن أنها ترد القدر واعتقاد ذلك شرك . وقال ~~أبو السعادات : إنما جعلها شركا ، | لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة ~~عليهم ، وطلبوا دفع ms115 الأذى من غير الله الذي هو دافعه . # قال : ولابن أبي حاتم ، عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه ~~وتلا | PageV01P123 | قوله : ^ ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) 8 ~~[ يوسف : 106 ] . # ش : هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم كما قال المصنف . # ولفظه : حدثنا محمد بن الحسين بن إبراهيم بن إشكاب ، ثنا يونس بن محمد ، ~~ثنا | حماد بن سلمة ، عن عاصم بن أبي النجود ، عن عروة قال : دخل حذيفة على ~~مريض ، | فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه ثم قال : ^ ( وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم | مشركون ) ^ . # وابن أبي حاتم هو الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس ~~الرازي | التميمي الحنظلي ، الحافظ ابن الحافظ ابن الحافظ ، صاحب ' الجرح ~~والتعديل ' والتفسير وغيرهما . مات | سنة سبع وعشرين وثلاثمائة . # وحذيفة هو ابن اليمان ، واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغرا ويقال حسل بكسر ~~ثم | سكون ، العبسي بالموحدة ، حليف الأنصار ، صاحبي جليل من السابقين ~~ويقال : صاحب | السر ، وأبوه أيضا صحابي ، مات حذيفة في أول خلافة علي سنة ~~ست وثلاثين . | قوله : ( رأى رجلا في يده خيط من الحمى ) . أي : من أجل ~~الحمى لدفعها ، وكان | الجهال يعلقون لذلك التمائم والخيوط ونحوها . # وروى وكيع عن حذيفة أنه دخل على مريض يعوده ، فلمس عضده فإذا فيه خيط ~~فقال : | ما هذا ؟ فقال : شيء رقي لي فيه ، فقطعه فقال : لو مت وهو عليك ما ~~صليت عليك . # قوله : ( فقطعه ) ، فيه إنكار هذا ، وإن كان يعتقد أنه سبب فإن الأسباب ~~لا يجوز منها إلا | ما أباحه الله ورسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ، مع عدم ~~الاعتماد عليه ، فكيف بما هو شرك كالتمائم والخيوط | والخرز والطلاسم ونحو ~~ذلك مما يعلقه الجهال ؟ # وفيه إزالة المنكر باليد بغير إذن الفاعل ، وإن كان يظن أن الفاعل يزيله ~~، وإن إتلاف | آلات المنكر واللهو جائزة وإن لم يأذن صاحبها . # قوله : وتلا قوله ^ ( وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ^ [ يوسف : ~~106 ] استدل | حذيفة بهذه الآية على أن تعليق الخيط ونحوه لما ذكر شرك ، أي ~~: أصغر ms116 كما تقدم في | PageV01P124 | الحديث ، ففيه صحة الاستدلال بما نزل ~~في الأكبر على الأصغر ، ومعنى الآية أن الله أخبر | عن المشركين أنهم ~~يجمعون بين الإيمان بالله ، أي : بوجوده ، وأنه الخالق الرزاق المحيي | ~~المميت ، ثم مع ذلك يشركون في عبادته فسرها بذلك ابن عباس وعطاء ومجاهد ~~والضحاك | وابن زيد وغيرهم . | PageV01P125 | # | ( [ 7 ] باب ما جاء في الرقى والتمائم ) # ش : أي : في حكمها . ولما كانت الرقى على ثلاثة أقسام ، قسم يجوز ، وقسم ~~لا | يجوز ، وقسم في جوازه خلاف ؛ لم يجزم المصنف بكونهما من الشرك ، لأن ~~في ذلك | تفصيلا بخلاف لبس الحلقة والخيط ونحوهما لما ذكر ، فإن ذلك شرك ~~مطلقا . # قال في ' الصحيح ' عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] في بعض أسفاره ، | فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة ~~من وتر أو قلادة إلا قطعت . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي في ' الصحيحين ' قوله عن أبي بشير بفتح أوله ~~وكسر | المعجمة - الأنصاري ، قيل : اسمه قيس بن عبيد ، قاله ابن سعد ، وقال ~~ابن عبد البر : لا | يوقف له على اسم صحيح ، وهو صحابي شهد الخندق ومات بعد ~~الستين ، يقال : جاوز | المائة . # قوله : ( في بعض أسفاره ) . قال الحافظ : لم أقف على تعيينها . # قوله : ( فأرسل رسولا ) . هو زيد بن حارثة . وروى ذلك الحارث بن أبي ~~أسامة في | ' مسنده ' قاله الحافظ . # قوله : ( أن لا يبقين ) . هو بالمثناة والقاف المفتوحتين ؛ وفي رواية لا ~~تبقين بحذف ' أن ' | والمثناة الفوقية والقاف المفتوحتين أيضا . و ' قلادة ~~' مرفوع على أنه فاعل و ' الوتر ' بفتحتين | واحد أوتار القوس . # قوله : ( أو قلادة إلا قطعت ) هو برفع ' قلادة ' أيضا ، عطف على الأول ، ~~ومعناه أن | الراوي شك ، هل قال شيخه قلادة من وتر ؟ فقيد القلادة بأنها من ~~وتر ، وقال : قلادة وأطلق | PageV01P126 | ولم يقيد . ويؤيده ما روي عن ~~مالك أنه سئل عن القلادة فقال : ما سمعت بكراهتها إلا في | الوتر . وفي ~~رواية أبي داود : ' ولا قلادة ' بغير شك ، والأولى أصح ، لا اتفاق الشيخين ~~| عليها ، وللرخصة في القلائد ، إلا الأوتار وكما روى أبو ms117 داود والنسائي من ~~حديث أبي وهب | الجشمي مرفوعا ' اربطوا الخيل وقلدوها ، ولا تقلدوها ~~الأوتار ' . ولأحمد عن جابر مرفوعا | مثله وإسناده جيد . # قال البغوي في ' شرح السنة ' : تأوله مالك أمره عليه السلام بقطع القلائد ~~على أنه من | أجل العين ، وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والتمائم ~~والقلائد ، ويعلقون عليها العوذ ، | يظنون أنها تعصم من الآفات ، فنهاهم ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] عنها ، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا ~~. | وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : كانوا يقلدون الإبل الأوتار لئلا ~~تصيبها العين ، فأمرهم | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بإزالتها إعلاما لهم ~~بأن الأوتار لا ترد شيئا ، وكذلك قال ابن الجوزي وغيره . # قال الحافظ : ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه : ' من تعلق تميمة فلا أتم ~~الله له ' | رواه أبو داود ، وهي ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك . ~~انتهى . فعلى هذا يكون | تقليد الإبل وغيرها الأوتار وما في معناها لهذا ~~المعنى حرما ، بل شركا ، لأنه من تعليق | التمائم المحرمة ، ومن تعلق تميمة ~~فقد أشرك ولم يصب من قال : إنه مكروه كراهة تنزيه . # فقال : وعن ابن مسعود سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : ' إن ~~الرقى والتمائم والتولة شرك ' | رواه أحمد وأبو داود . | PageV01P127 # ش : الحديث رواه أحمد ، وأبو داود ، كما قال المنصف ، وفيه قصة كأن ~~المصنف | اختصرها . ولفظ أبي داود : عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن ~~عبد الله بن مسعود رأى | في عنقي خيطا ، فقال : ما هذا : قلت : خيط رقي لي ~~فيه . قالت : فأخذه فقطعه ثم قال : إن | آل عبد الله لأغنياء عن الشرك ، ~~سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : ' إن الرقى والتمائم والتولة ~~| شرك ' فقلت : لم تقول هكذا ؟ لقد كانت عيني تقذف ، وكنت أختلف إلى فلان ~~اليهودي | يرقيها ، فإذا رقاها سكنت : فقال عبد الله : إنما ذلك عمل ~~الشيطان ينخسها بيده ، فإذا رقيتها | كف عنها ، إنما كان يكفيك أن تقولي ~~كما كان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : ' أذهب البأس | رب الناس ~~، واشف أنت الشافي ms118 [ لا شفاء إلا شفاؤك ] شفاء لا يغادر سقما ' . ورواه ابن ~~ماجه | وابن حبان ، والحاكم وقال : صحيح وأقره الذهبي . # قوله : ( إن الرقى ) . قال المصنف : الرقى هي التي تسمى العزائم ، وخص ~~منه الدليل ما خلا | من الشرك ، فقد رخص فيه رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] من العين والحمة . يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها | شركا هي ~~الرقى التي منها شرك ، من دعاء غير الله ، والاستغاثة والاستعاذة به كالرقى ~~بأسماء | الملائكة والأنبياء والجن ونحو ذلك ، أما الرقى بالقرآن وأسماء ~~الله وصفاته ودعائه والاستعاذة به | وحده لا شريك له ، فليست شركا ، بل ولا ~~ممنوعة ، بل مستحبة أو جائزة . # قوله : فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم [ م ] ن العين والحمة ، ~~تقدم ذلك في باب من حقق | التوحيد ، وكذلك رخص فيه غيرها ، كما في ' صحيح ~~مسلم ' عن عوف بن مالك قال : | كنا نرقى في الجاهلية فقلنا : يا رسول الله ~~، كيف ترى في ذلك فقال : ' اعرضوا علي رقاكم ، | PageV01P128 | لا بأس ~~بالرقى ، ما لم يكن فيه شرك ' . # وفيه عن أنس قال : رخص رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في الرقية من ~~العين والحمة والنملة . # وعن عمران بن حصين مرفوعا ' لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم ' رواه أبو ~~داود | وفي الباب أحاديث كثيرة . # قال الخطابي : وكان عليه السلام قد رقى ورقي ، وأمر بها وأجازها ، فإذا ~~كانت بالقرآن | أو بأسماء الله تعالى ، فهي مباحة أو مأمور بها ، وإما جاءت ~~الكراهية والمنع فيما كان منها | بغير لسان العرب ، فإنه ربما كان كفرا ، ~~أو قولا يدخله الشرك ، قال : ويحتمل أن يكون | الذي يكره من ما كان على ~~مذاهب الجاهلية التي يتعاطونها ، وأنها تدفع عنهم الآفات ، | ويعتقدون ذلك ~~من قبل الجن ومعونتهم . # قلت : ويدل على ذلك قول علي بن أبي طالب : إن كثيرا من هذه الرقى ~~والتمائم | شرك ، فاجتنبوه . رواه وكيع ، فهذا يبين معنى حديث ابن مسعود ~~ونحوه . # وقال ابن التين : الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى هو الطب ~~الرباني ، فإذا | كان على لسان الأبرار ms119 من الخلق ، حصل الشفاء بإذن الله ~~تعالى ، فلما عفي عن هذا النوع ، | فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك الرقى ~~المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن | يدعي تسخير الجن له فيأتي ~~بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع | إلى ذكر الله تعالى | وأسمائه ما ~~يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم . ويقال : إن الحية ~~| لعداوتها الإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء بني آدم ، فإذا عزم ~~على الحية بأسماء | PageV01P129 | الشياطين أجابت وخرجت من مكانها وكذا ~~اللديغ إذا رقي بتلك الأسماء سالت سمومها من بدن | الإنسان ، ولذلك كره ~~الرقى ما لم تكن بآيات الله وأسمائه خاصة ، وباللسان العربي الذي يعرف | ~~معناها ، ليكون بريئا من شوب الشرك ، وعلى كراهية الرقى بغير كتاب الله ~~اعلماء لأمة . # قال شيخ الإسلام : كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به ، فضلا عن أن يدعو ~~به | ولو عرف معناه ، لأنه يكره الدعاء بغير العربية ، وإنما يرخص لمن لا ~~يعرف العربية ، فأما | جعل الألفاظ العجمية شعارا ، فليس من الإسلام . قلت ~~: وسئل ابن عبد الله عبد السلام عن | الحروف المقطعة ، فمنع منها ما لا ~~يعرف ، لئلا يكون فيه كفر . وقال السيوطي : قد أجمع | العلماء على جواز ~~الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه | ~~وصفاته ، وباللسان العربي وبما يعرف معناه ، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر ~~بذاتها بل بتقدير | الله تعالى ، فتلخص أن الرقية ثلاثة أقسام . # قوله : ( والتمائم ) . تقدم كلام المنذري وابن الأثير في معناه في الباب ~~قبله وظاهر | تخصيص التمائم بما ذكراه . وقال المصنف : التمائم شيء يعلق ~~على الأولاد من العين . | وقال الخلخالي : التمائم جمع تميمة وهي ما يعلق ~~بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع | العين ، وهذا منهي عنه ، لأنه لا ~~دافع إلا الله ، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله وأسمائه | وصفاته ، ~~وظاهره أن ما علق لدفع العين وغيرها ، فهو تميمة من أي شيء كان ، وهذا هو | ~~الصحيح . وقد يقال : إن كلام المنذري وابن الأثير وغيرهما لا يخالفه . قال ~~المصنف : لكن | إذا كان المعلق ms120 من القرآن فرخص فيه وبعض السلف ، وبعضهم لم ~~يرخص فيه ويجعله من | المنهي عنه ، منهم ابن مسعود . # اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق ~~التمائم التي | من القرآن وأسماء الله وصفاته ، فقالت طائفة : يجوز ذلك ، ~~وهو قول عبد الله بن عمرو بن | العاص وغيره ، وهو ظاهر ما روي عن عائشة ، ~~وبه قال أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية ، | وحملوا الحديث على التمائم ~~الشركية ، أما التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته ، فكالرقية | بذلك . ~~قلت : وهو ظاهر اختيار ابن القيم . وقالت طائفة : لا يجوز ذلك ، وبه قال ~~ابن | مسعود ، وابن عباس وهو ظاهر قول حذيفة ، وعقبة بن عامر ، وابن عكيم ~~رضي الله عنهم ، | وبه قال جماعة من التابعين ، منهم أصحاب ابن مسعود ، ~~وأحمد في رواية اختارها كثير من | أصحابه ، وجزم بها المتأخرون ، واحتجوا ~~بهذا الحديث وما في معناه فإن ظاهره العموم لم | يفرق بين التي في القرآن ~~وغيرها ، بخلاف الرقى فقد فرق فيها ، ويؤيد ذلك أن الصحابة | الذين رووا ~~الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود . # وروى أبو داود عن عيسى بن حمزة قال : دخلت على عبد الله بن عكيم وبه حمرة ~~. | فقلت : ألا تعلق تميمة ؟ فقال : نعوذ بالله من ذلك قال رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : ' من تعلق شيئا وكل | PageV01P130 | إليه ' وروى وكيع ~~عن ابن عباس قال : اتفل بالمعوذتين ولا تعلق ، وأما القياس على الرقية | ~~بذلك ، فقد يقال بالفرق ، فكيف يقاس التعليق الذي لا بد فيه من ورق أو جلود ~~ونحوهما | على ما لا يوجد ذلك فيه ، فهذا إلى الرقى المركبة من حلق باطل ~~أقرب . هذا اختلاف | العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته فما ظنك ~~بما حدث بعدهم من الرقى بأسماء | الشيطان وغيرهم وتعليقها ؟ بل والتعلق ~~عليهم ، والاستعاذة بهم ، والذبح لهم ، وسؤالهم | كشف الضر ، وجلب الخير ~~مما هو شرك محض ، وهو غالب على كثير من الناس إلا من | سلم الله ، فتأمل ما ~~ذكره النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وما كان عليه أصحابه و ms121 التابعون ، وما ~~ذكره العلماء | بعدهم في هذا الباب وغيره من أبواب الكتاب ، ثم انظر إلى ما ~~حدث في الخلوف | المتأخرة ، يتبين لك دين الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ~~وغربته الآن في كل شيء ، فالله المستعان . # قوله : ( والتولة شرك ) . قال المصنف : هو شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبب ~~المرأة إلى | زوجها ، والزوج إلى امرأته ، وكذا قال غيره أيضا وبهذا فسره ~~ابن مسعود راوي الحديث كما | في ' صحيح ابن حبان ' والحاكم . قالوا : يا ~~أبا عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناهما ، | فما التولة . قال شيء ~~يضعه النساء يتحببن إلى أزواجهن . # قال الحافظ : التولة بكسر المثناة وفتح الواو واللام مخففا شيء كانت ~~المرأة تجلب به | محبة زوجها ، وهو ضرب من السحر ، وإنما كان ذلك من الشرك ~~، لأنهم أرادوا دفع المضار | وجلب المنافع من عند غير الله . # قال : وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا : ' من تعلق شيئا وكل إليه ' رواه ~~أحمد والترمذي . # ش : ورواه أيضا أبو داود والحاكم PageV01P131 # قوله : ( عن عبد الله بن عكيم ) . هو بضم المهملة مصغرا ، ويكنى أبا معبد ~~الجهني | الكوفي . قال البخاري : أدرك زمن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، ~~ولا يعرف له سماع صحيح ، وكذا قال أبو | حاتم : قال معناه أبو زرعة ، وابن ~~حبان وابن منده ، وأبو نعيم . وقال البغوي : يشك في | سماعه . وقال الخطيب ~~: سكن الكوفة ، وقدم المدائن في حياة حذيفة ، وكان ثقة ، وذكر ابن | سعد عن ~~غيره أنه مات في ولاية الحجاج ، وظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن الحديث مرسل . # قوله : ( من تعلق شيئا وكل إليه ) . التعلق يكون بالقلب ويكون بالفعل ، ~~ويكون بهما | جميعا ، أي : من تعلق شيئا بقلبه ، أو تعلقه بقلبه وفعله ، ~~وكل إليه ، أي : وكله الله إلى ذلك | الشيء الذي تعلقه ، فمن تعلقت نفسه ~~بالله ، وأنزل حوائجه بالله ، والتجأ إليه ، وفوض أمره | كله إليه ، كفاه ~~كل مؤنة ، وقرب إليه كل بعيد ، ويسر له كل عسير ، ومن تعلق بغيره أو | سكن ~~إلى علمه وعقله ودوائه وتمائمه ، واعتمد على حوله وقوته ، وكله الله إلى ~~ذلك | وخذله ، وهذا معروف بالنصوص والتجارب . قال ms122 الله تعالى : @QB@ ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] . # وقال الإمام أحمد : حدثنا هاشم بن القاسم ، ثنا أبو سعيد المؤدب ، ثنا من ~~سمع عطاء | الخراساني ، قال : لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت ، فقلت له ~~: حدثني حديثا أحفظه | عنك في مقامي هذا وأوجز قال : نعم ، أوحى الله تبارك ~~وتعالى إلى داود : يا داود أما | وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي ~~دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده | السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ~~ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن مخرجا ، أما | وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من ~~عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته ، إلا قطعت | أسباب السماء من يده ، ~~وأسخت الأرض من تحت قدميه ، ثم لا أبالي واد بأي هلك ' . | PageV01P132 # قال : وروى الإمام أحمد عن رويفع قال : قال لي رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] : يا رويفع ، لعل الحياة | تطول بك ، فأخبر الناس أن من عقد لحيته ~~أو تقلد وترا أو استنجى برجيع | دابة أو عظم ، فإن | محمدا بريء منه ' . # ش : الحديث رواه الإمام أحمد عن يحيى بن إسحاق ، والحسن بن موسى الأشيب ، ~~| كلاهما عن ابن لهيعة ، وفيه قصة ، فاختصرها المصنف ، وهذا لفظ الحسن . ~~قال : حدثنا | ابن لهيعة : ثنا عياش بن عباس ، عن شييم بن بيتان قال : ثنا ~~رويفع بن ثابت قال : كان | أحدنا في زمان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ~~يأخذ جمل أخيه على أن يعطيه النصب فما يغنم ، وله | النصف ، حتى إن أحدنا ~~ليصير له النصل والريش ، والآخر القدح ، ثم قال : قال لي | رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : ' يا رويفع لعل الحياة تطول بك ، فأخبر الناس أنه من ~~عقد لحيته ، أو تقلد | وترا ، أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء ~~منه ' ثم رواه أحمد عن يحيى بن | غيلان ، ثنا المفضل ، حدثني عياش بن عباس ~~أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع شيبان | القتباني يقول : استخلف مسلمة بن ~~مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على أسفل الأرض ، | قال : فسرنا معه ، فقال ms123 : ~~قال لي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] الحديث . وفي الإسناد الأول ابن ~~لهيعة ، | وفيه مقال ، وفي الثاني شيبان القتباني قيل فيه : مجهول ، وبقية ~~رجالهما ثقات . ورواه أبو | داود من طريق المفضل به مطولا وسكت عليه ، ثم ~~قال : حدثنا زيد بن خالد ، أنا مفضل | عن عياش أن شييم بن بيتان أخبره أيضا ~~بهذا الحديث عن أبي سالم الجيشاني ، عن | عبد الله بن عمرو يذكر ذلك وهو ~~معه مرابط بحصن باب أليون . قال أبو داود : حصن | أليون بالفسطاط على جبل . # قلت : وهذا إسناد جيد . رواه النسائي من رواية شييم عن رويفع ، وصرح ~~بسماعه منه | ولم يذكر شيبان ، فإن كان ذكر شيبان وهما فالإسناد صحيح ، ~~وحسنه النووي ، وصححه | بعضهم . قال الحافظ أبو زرعة في ' شرح أبي داود ' : ~~ورواه الطحاوي مختصرا فذكر منه | الاستنجاء برجيع دابة أو عظم فقط . ورواه ~~محمد بن الربيع الجيزي في كتاب من دخل | مصر من الصحابة أولا ، وفيه أن من ~~عقد لحيته في الصلاة . # قوله : ' فأخبر الناس ' . دليل على وجوب إخبار الناس بذلك على رويفع ، ~~وليس هذا | PageV01P133 | مختصا به ، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره ~~ما يحتاج إليه الناس ، وجب عليه تبليغه | للناس ، وإعلامهم به فإن اشترك هو ~~وغيره في علم ذلك ، فالتبليغ فرض كفاية . هذا كلام أبي | زرعة . # قوله : ( لعل الحياة تطول بك ) . علم من أعلام النبوة ، لأنه وقع كما ~~أخبر به [ صلى الله عليه وسلم ] ، فإن | رويفعا طالت حياته إلى ست وخمسين ، ~~فمات فيها ببرقة من أعمال مصر أميرا عليها ، | وهو من الأنصار . وقيل : مات ~~سنة ثلاث وخمسين ، قاله ابن يونس . # قوله : ( أن من عقد لحيته ) . بكسر اللام لا غير ، قاله في ' المشارق ' ~~والجمع لحى ، | بالكسر والضم ، قاله الجوهري . # قال الخطابي : وأما نهيه عن عقد اللحية ، فإن ذلك يفسر على وجهين : ~~أحدهما : ما | كانوا يفعلونه من ذلك في الحروب ، كانوا في الجاهلية يعقدون ~~لحاهم ، وذلك من زي | بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها . # قلت : كأنهم كانوا يفعلونه تكبرا وعجبا ، كما ذكره أبو السعادات . قال : ~~ثانيهما ms124 أن | معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد ، وذلك من فعل أهل التوضيع ~~والتأنيث . وقال أبو زرعة | ابن العراقي : والأولى حمله على عقد اللحية في ~~الصلاة كما دلت عليه رواية محمد بن | الربيع المتقدم ذكرها ، فهو موافق ~~للحديث الصحيح في النهي عن كف الشعر والثواب ، | فإن عقد اللحية كفها ~~وزيادة . # قوله : ( أو تقلد وترا ) . أي : جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته ونحو ~~ذلك . | وفي رواية | محمد بن الربيع : أو تقلد وترا ، يريد تميمة ، فهذا ~~يدل على أنهم كانوا يتقلدون الأوتار من | أجل العين ، إذ فسره بالتميمة وهي ~~تجعل لذلك . # قوله : ( أو استنجى برجيع دابة أو عظم ، فإن محمدا بريء منه ) . # قال النووي : أي : بريء من فعله . وقال بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر ~~. # قلت : فيه النهي عن الاستنجاء برجيع الدواب والعظام . وقد ورد في ذلك ~~أحاديث ، | منها ما في ' صحيح مسلم ' عن مسعود مرفوعا : ' لا تستنجوا ~~بالروث ولا بالعظام ، فإنه | زاد إخوانكم من الجن ' وعلى هذا فلا يجزئ ~~الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب # # # # # # | PageV01P134 | أحمد ، واختار شيخ الإسلام وجماعة . الإجزاء وإن كان ~~محرما . قالوا : لأنه لم ينه عنه | لكونهما لا ينقيان ، بل لإفسادهما . # قلت : الأول أولى ، لما رواه ابن خزيمة والدارقطني من طريق الحسن بن ~~الفرات ، عن | أبيه ، عن أبي حازم الأشجعي ، عن أبي هريرة أن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] نهى أن يستنجى بعظم أو روث | وقال : ' إنهما لا يطهران ' ~~وهذا إسناد جيد . # قال : وعن سعيد بن جبير ، قال : ' من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة ' ~~رواه | وكيع . # ش : هذا عند أهل العلم له حكم الرفع ، لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون ~~على هذا | مرسلا ، لأن سعيدا تابعي ، وفيه فضل قطع التمائم ، لأنها من ~~الشرك . ووكيع هو ابن | الجراح بن وكيع الكوفي ، ثقة إمام ، صاحب تصانيف ~~منها ' الجامع ' وغيره . روى عنه الإمام | أحمد وطبقته . مات سنة سبع ~~وتسعين ومائة . # قال : وله عن إبراهيم ، كانوا يكرهون التمائم كلها ، من القرآن وغير ~~القرآن . | ش : إبراهيم : هو إبراهيم بن يزيد النخعي ms125 الكوفي يكنى أبا عمران ~~، ثقة إمام ، من كبار | فقهاء الكوفة . قال المزني : دخل على عائشة ولم ~~يثبت له سماع منها ، مات سنة ست | وتسعين . وله خمسون سنة ونحوها . # قوله : كانوا يكرهون التمائم إلى آخره . مراده بذلك أصحاب عبد الله بن ~~مسعود | كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن سويد وعبيدة السلماني ، ~~ومسروق والربيع بن خيثم | وسويد بن غفلة وغيرهم من أصحاب ابن مسعود وهم من ~~سادات التابعين ، وهذه الصيغة | يستعملها إبراهيم في حكاية أقوالهم كما بين ~~ذلك الحافظ كالعراقي وغيره . | PageV01P135 | # | ( [ 8 ] باب : من تبرك بشجرة أو حجرة ونحوهما ) # | ش : كبقعة وغار وعين وقبر ونحو ذلك مما يعتقد كثير من عباد القبور ~~وأشباههم فيه | البركة فيقصدونه رجاء البركة . ويعني بقوله : تبرك أي : طلب ~~البركة ورجاها واعتقدها ، | أي : ما حكمه هل هو شرك أم لا ؟ # قال : وقول الله تعالى : ^ ( أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة الأخرى ~~* ألكم الذكر | وله الأنثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هى إلا أسماء سميتموها ~~أنتم وءابآؤكم مآ أنزل الله بها من | سلطن إن يتبعون إلا الظن وما تهوى ~~الأنفس ولقد جآءهم من ربهم الهدى * ) ^ [ النجم : | 19 - 23 ] . # ش : هكذا ثبت في خط المصنف الآيات يعني إلى قوله : ( وقد جاءهم من ربهم | ~~الهدى ) قال القرطبي لما ذكر الوحي إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وذكر ~~من آثار قدرته ما ذكر ، حاج | المشركين ، إذ عبدوا ما لا يعقل . وقيل : ~~أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أوحين إليكم شيئا | كما أوحي إلى محمد [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ؟ وكانت اللات لثقيف ، والعزى لقريش وبني كنانة ، ~~ومناة لبني | هلال . وقال ابن هشام : كانت مناة لهذيل وخزاعة . | # | ( ذكر صفة هذه الأوثان ) # ليعرف المؤمن كيفية الأوثان وكيفية عبادتها ، وما هو شرك العرب الذين ~~كانوا يفعلونه | حتى يفرق بين التوحيد والإخلاص وبين الشرك والكفر ، فأما ~~اللات فقرأ الجمهور بتخفيف | التاء ، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد ~~وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب : اللات | بتشديد التاء ، فعلى الأولى قال ~~الأعمش : سموا اللات من الإله والعزى من العزيز . قال ابن ms126 | جرير : وكانوا ~~قد اشتقوا اسمها من الله تعالى ، فقالوا : اللات مؤنثة منه ، تعالى الله عن ~~قولهم | علوا كبيرا . # قال : وكذا العزى من العزيز : قال ابن كثير : وكانت صخرة بيضاء منقوشة ~~عليها بيت | بالطائف ، له أستار وسدنة ، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف ، ~~وهم ثقيف ومن تابعها ، | يفتخرون به على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش ~~، قال ابن هشام : وكانت في موضع | PageV01P136 | مسجد الطائف اليسرى ، فلم ~~يزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف ، فبعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | ~~المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار ، وعلى الثانية قال ابن عباس : كان ~~رجلا يلت السويق | للحاج ، فلما مات عكفوا على قبره ' ، ذكره البخاري . ~~وقال ابن عباس كان يبيع السويق | والسمن عند صخرة ويلته عليها ، فلما مات ~~ذلك الرجل ، عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما | لصاحب السويق . وعن مجاهد نحوه ~~، وقال : فلما مات عبدوه . رواه سعيد بن منصور | والفاكهي ، وكذا روى ابن ~~أبي حاتم عن ابن عباس : ' أنهم عبدوه ' . وقال ابن جريج : | كان رجل من ~~ثقيف يلت السويق بالزيت ، فلما توفي جعلوا إلى قبره وثنا ، وبنحو ذلك قال | ~~جماعة من أهل العلم ، ولا تخالف بين القولين ، فإن من قال : إنها صخرة لم ~~ينف أن تكون | صخرة على القبر أو حواليه فعظمت وعبدت تبعا لا قصدا ، ~~فالعبادة إنما أرادوا بها صاحب | القبر ، فهو الذي عبدوه بالأصالة ؛ يدل ~~على ذلك ما روى الفاكهي عن ابن عباس أن اللات | لما مات قال لهم عمرو بن ~~لحي : إنه لم يمت ، ولكنه دخل الصخرة فعبدوها ، وبنوا عليها | بيتا ، فتأمل ~~فعل المشركين مع هذا الوثن ، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور ، | ~~والعكوف عندها ودعائها ، وجعلها ملاذا عند الشدائد . # وأما العزى فقال ابن جرير : كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة ~~والطائف | كانت قريش يعظمونها ، كما قال أبو سفيان يوم أحد : لنا العزى ولا ~~عزى لكم . فقال | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' قولوا : الله ~~مولانا ولا مولى لكم ' وروى النسائي وابن مردويه عن أبي | الطفيل قال لما ms127 ~~فتح رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] مكة ، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة ~~وكانت بها العزى ، | فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات فقطع السمرات ، وهدم ~~البيت الذي كان عليها ، ثم | أتى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] فأخبره ، ~~فقال : ارجح فإنك لم تصنع شيئا ، فرجع خالد ، فلما أبصرته السدنة | وهم ~~حجبتها امتنعوا في الجبل وهم يقولون : يا عزى يا عزى فأتاها خالد ، فإذا ~~امرأة عريانة | ناشرة شعرها ، تحفن التراب على رأسها فعلاها بالسيف حتى ~~قتلها ، ثم رجع إلى | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] فأخبره فقال : تلك ~~العزى . | PageV01P137 # قال ابن هشام : وكانوا يسمعون منها الصوت . وقال أبو صالح : العزى نخلة ~~كانوا | يعلقون عليها السيور والعهن ، رواه عبد بن حميد وابن جرير . فتأمل ~~فعل المشركين مع هذا | الوثن ، ووازن بينه وبين ما يفعله عباد القبور من ~~دعائها ، والذبح عندها ، وتعليق الخيوط | وإلقاء الخرق في ضرائح الأموات ~~ونحو ذلك ، فالله المستعان . # وأما مناة ، فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة ، وكانت خزاعة ~~والأوس | والخزرج يعظمونها ، ويهلون منها للحج إلى الكعبة وأصل اشتقاقها من ~~اسم الله المنان ، | وقيل : من منى الله الشيء : إذا قدره . وقيل سميت مناة ~~لكثرة ما يمنى ، أي : يراق عندها | من الدماء للتبرك بها . قال ابن هشام : ~~فبعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عليا فهدمها عام الفتح . قال ابن | ~~إسحاق في ' السيرة ' : وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت ، وهي بيوت ~~تعظمها | كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب ، وتهدي لها كما يهدي للكعبة ، ~~وتطوف بها وتنحر | عندها ، وهي تعرف فضل الكعبة عليها ، لأنها كانت قد عرفت ~~أنها بيت إبراهيم عليه السلام | ومسجده . قلت : هذا الذي ذكره ابن إسحاق من ~~شرك العرب هو بعينه الذي يفعله عباد | القبور ، بل زادوا على الأولين . إذا ~~تبين هذا فمعنى الآية كما قال القرطبي : إن فيها حذفا | تقديره : أفرأيتم ~~هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله ؟ ! # وقال غيره : ومناة الثالثة الأخرى ، ذم وهي المتأخرة الوضيعة المقدار ~~كقوله : ^ ( وقالت | أولهم لأخراهم ) ^ [ الأعراف : 39 ms128 ] أي وضعاؤهم ~~لرؤسائهم . وقوله : @QB@ ألكم الذكر وله الأنثى @QE@ [ النجم : 21 ] قال ~~ابن كثير : أي أتجعلون له ولدا وتجعلون ولده الأنثى ، وتختارون | لكم ~~الذكور ؟ ! وقال غيره : يجوز أن يراد اللات والعزى ومناة إناث ، وقد ~~جعلتموهن لله | شركاء ، ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث وتستنكفوا من أن يولدن ~~لكم ، أو ينسبن إليكم ، | فكيف تجعلون هؤلاء الإناث أندادا لله وتسمونهن ~~آلهة ؟ ! # قلت : ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية . # وقوله : ( تلك إذا قسمة ضيزى ) أي : جور وباطلة ، فكيف تقاسمون ربكم هذه ~~القسمة | التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها ، فتنزهون أنفسكم عن ~~الإناث ، وتجعلونهن | لله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ؟ ! # قوله : ^ ( إن هي إلا أسماء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم ) ^ [ النجم : 23 ] ~~قال ابن كثير ، ثم قال | منكرا عليهم فيما ابتدعوه ، وأحدثوه من الكذب ~~والافتراء والكفر من عبادة الأصنام ، | وتسميتها آلهة : ^ ( إن هى إلا ~~أسماء سميتموهآ أنتم وءابآؤكم ) ^ أي : من تلقاء أنفسكم ^ ( مآ أنزل الله | ~~بها من سلطن ) ^ ، أي : من حجة @QB@ إن يتبعون إلا الظن @QE@ أي : ليس لهم ~~مستند إلا حسن ظنهم | بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم ، وإلا ~~حظ أنفسهم في رياستهم ، وتعظيم | PageV01P138 | آبائهم الأقدمين ! # وقوله : @QB@ ولقد جاءهم من ربهم الهدى @QE@ . | ش : قال ابن كثير : ولقد ~~أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير ، والحجة القاطعة ، ومع | هذا ما ~~اتبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له . # قلت : في هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت ، ~~وأشباهها | بما لا مزيد عليه ، فسبحان من جعل كلامه شفاء وهدى ورحمة ، ~~وبشرى للمسلمين . منها | أنها أسماء مؤنثة دالة على اللين والرخاوة ، وما ~~كان كذلك فليس بإله . ومنها أنكم قاسمتم | الله بزعمكم فجعلتم له هذه ~~الأسماء المؤنثة شركاء ودعوتم له الأولاد ، ثم جعلتموهم بنات | واختصصتم ~~بالذكور ، فجعلتم له المكروه الناقص ، ولكم المحبوب الكامل @QB@ للذين لا ~~يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم @QE@ [ ~~النحل : 60 ] . ومنها أنها أسماء | سميتموها أنتم وآباؤكم ، ابتدعتموها . ~~ومنها أنها ما أنزل الله بها من سلطان ، أي : حجة | وبرهان . ومنها ms129 أنكم لم ~~تستندوا في تسميتها إلى علم ويقين ، وإنما استندتم في ذلك إلى | الظن ~~والهوى اللذين هما أصلا الهلاك دنيا وأخرى . ومنها @QB@ ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى @QE@ | [ النجم : 23 ] ، أي : بإبطال عبادتها ، وما كان كذلك ، فهو ~~عين المحال البين البطلان ، وكل | واحد من هذه الأدلة كاف شاف في بطلان ~~عبادتها . # فإن قلت : فأين دليل الترجمة من الآيات ؟ # قيل : هو بين بحمد الله ، لأنه إن كان التبرك بالشجر والقبور والأحجار من ~~الأكبر | فواضح ، وإن كان من الأصغر ، فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر ~~على الأصغر . # قال : وعن أبي واقد الليثي قال : خرجنا مع رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] إلى حنين ونحن حدثاء عهد | بكفر ، وللمشركين سدرة يعكفون عندها ، ~~وينوطون بها أسلحتهم يقال لها : ذات أنواط فقلنا : | يا رسول الله اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات أنواط : فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ~~الله أكبر إنها | السنن ، قلتم : والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل ~~لموسى ' اجعل لنا إلها كما لهم | آلهة . قال : إنكم قوم تجهلون ' ، لتركبن ~~سنن من كان قبلكم ' رواه الترمذي وصححه . # ش : الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف : ولفظه : حدثنا سعيد بن عبد ~~الرحمن | PageV01P139 | المخزومي ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن سنان بن ~~أبي سنان ، عن أبي واقد الليثي أن | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، ~~لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال لها : ذات أنواط يعلقون | عليها ~~أسلحتهم ، قالوا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط ، ~~فقال | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' سبحان الله هذا كما قال قوم موسى ~~اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، والذي نفسي | بيده لتركبن سنة من كان قبلكم ' ~~هذا حديث حسن صحيح . وأبو واقد الليثي اسمه | الحارث بن عوف . وفي الباب عن ~~أبي سعيد ، وأبي هريرة ، هذا لفظ الترمذي بحروفه . | وفيه مخالفة لما في ~~الكتاب لفظا ومعنى ، وقد اتفق اللفظان على المقصود هنا . وقد رواه | أحمد ~~وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير ms130 وابن المنذر وابن ~~أبي حاتم | والطبراني بنحوه . وروى ابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني من ~~طريق كثير بن عبد الله بن | عمرو بن عوف عن أبيه عن جده نحوه أيضا . # قوله : ( عن أبي واقد الليثي ) . اسمه الحارث بن عوف ، كما قال الترمذي ، ~~وقيل : | الحارث بن مالك ، صحابي مشهور . مات سنة ثمان وستين وله خمس ~~وثمانون سنة . # قوله : ( خرجنا مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى حنين ) . في ~~حديث عمرو بن عوف ، قال : غزونا | مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يوم ~~الفتح ونحن ألف ونيف حتى إذا كان بين حنين والطائف . ولا مخالفة | بينهما ~~في المعنى ، فإن غزوة الفتح وحنين كانتا في سفر واحد . # قوله : ( ونحن حدثاء عهد بكفر ) ، أي : قريبو عهد بكفر ، ففيه دليل أن ~~غيرهم لا يجهل | هذا ، وإن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن ~~يكون في قلبه بقية من تلك العادات | الباطلة ، ذكره المصنف . # قوله : ( يعكفون عندها ) . الاعتكاف : هو الإقامة على الشيء بالمكان ، ~~ولزومها ، ومنه | قوله : ^ ( ما هذه التماثيل التي أنتم لها عكفون ) ^ [ ~~الأنبياء : 53 ] وكانوا يعكفون عند هذه السدرة | تبركا بها . وفي حديث عمرو ~~بن عوف قال : كان يناط بها السلاح فسميت ذات أنواط ، | وكانت تعبد من دون ~~الله ، فلما رآها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، صرف عنها في يوم صائف ~~إلى ظل هو | أدنى منها . . . الحديث فيجمع بينهما بأن عبادتها هي العكوف ~~عندها رجاء لبركتها . # قوله : ( وينوطون بها أسلحتهم ) أي : يعلقونها عليها للبركة . # قوله : ( يقال لها : ذات أنواط ) . قال أبو السعادات : سألوه أن يجعل لهم ~~مثلها فنهاهم | عن ذلك . وأنواط جمع نوط ، وهو مصدر سمي به المنوط . | ~~PageV01P140 # قوله : ( فقلنا : يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط ) . أي شجرة مثلها ~~نعلق عليها ، | ونعكف حواليها ، ظنوا أن هذا أمر محبوب عند الله فقصدوا ~~التقرب إلى الله بذلك ، وإلا | فهم أجل قدرا ، وإن كانوا حديثي عهد بكفر عن ~~قصد مخالفة النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . # قوله : ( فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ) ' الله ms131 أكبر ' هكذا في ~~بعض الروايات . وفي رواية الترمذي | ' سبحان الله ' والمقصود باللفظين واحد ~~، لأن المراد تعظيم الله ، وتنزيهه عن الشرك ، | والتقرب به إليه ، وفيه ~~تكبير الله وتنزيهه عند التعجب ، أو ذكر الشرك ، خلافا لمن كرهه . # قوله : ( إنها السنن ) ، بضم السين ، أي : الطرق . # قوله : ' قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى : اجعل لنا ~~إلها . . . الخ ' | أخبر [ صلى الله عليه وسلم ] أن هذا الأمر الذي طلبوه ~~منه ، وهو اتخاذ شجرة للعكوف عندها ، وتعليق الأسلحة | بها تبركا ، كالأمر ~~الذي طلبه بنو إسرائيل من موسى عليه السلام حيث قالوا : اجعل لنا إلها | ~~كما لهم آلهة ، فإذا كان اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة ، والعكوف عندها ، ~~اتخاذ إله مع الله | مع أنهم لا يعبدونها ، ولا يسألونها ، فما الظن بما ~~حدث من عباد القبور من دعاء الأموات ، | والاستغاثة بهم ، والذبح ، والنذر ~~لهم ، والطواف بقبورهم ، وتقبيلها ، وتقبيل أعتابها | وجدرانها ، والتمسح ~~بها ، والعكوف عندها ، وجعل السدنة والحجاب لها ؟ ! وأي نسبة بين | هذا ، ~~وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركا ؟ ! # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي من أئمة المالكية : فانظروا رحمكم الله ~~أينما وجدتم | سدرة أو شجرة يقصدها الناس ، ويعظمونها ، ويرجون البرء ~~والشفاء من قبلها ، ويضربون بها | المسامير والخرق ، فهي ذات أنواط ~~فاقطعوها . وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن | إسماعيل الشافعي المعروف ~~بأبي شامة في كتاب ' البدع والحوادث ' : ومن هذا القسم أيضا | ما قد عم ~~الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة ، تخليق الحيطان والعمد ، وسرج مواضع ~~| مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر ~~بالصلاح | والولاية فيفعلون ذلك ، ويحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله ~~تعالى وسننه ، ويظنون أنهم | متقربون بذلك ، ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم ~~وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ، | ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء ~~حوائجهم بالنذر لهم ، وهي من بين عيون وشجر وحائط | وحجر ، وفي مدينة دمشق ~~صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعونية الحما خارج باب | توما ، والعمود ~~المخلق داخل باب الصغير ، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في | ~~نفس ms132 قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها ، فما أشبهها بذات ~~أنواط الواردة في | الحديث ثم ذكر الحديث المتقدم ، وكلام الطرطوشي الذي ~~ذكرنا ، ثم قال : ولقد أعجبني ما | صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني رحمه ~~الله تعالى أحد الصالحين ببلاد أفريقية في المائة | الرابعة حكى عنه صاحبه ~~الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى | PageV01P141 ~~| جانبه عين تسمى عين العافية ، كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من ~~الآفاق ، من تعذر عليها | نكاح أو ولد قالت : امضوا بي إلى العافية ، فتعرف ~~بها الفتنة ، قال أبو عبد الله : فأنا في | السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان ~~أبي إسحاق نحوها ، فخرجت فوجدته قد هدمها وأذن | الصبح عليها ثم قال : ~~اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا ، قال : فما رفع لها رأس إلى | الآن ~~. # قلت : أبو إسحاق الذي هدمها إمام مشهور من أئمة المالكية زاهد اسمه ~~إبراهيم بن | أحمد بن علي بن أسلم ، وكان الإمام أبو محمد ابن أبي زيد يعظم ~~شأنه ، ويقول : طريق | أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت ، وكان ~~القابسي يقول : الجبنياني إمام يقتدى | به . مات سنة تسع وتسعين وثلاثمائة ~~. # وذكر ابن القيم نحو ما ذكره أبو شامة ، ثم قال : فما أسرع أهل الشرك إلى ~~اتخاذ | الأوثان من دون الله ، ولو كانت ما كانت ، ويقولون : إن هذا الحجر ~~، وهذه الشجرة ، وهذه | العين تقبل النذر ، أي تقبل العبادة من دون الله ، ~~فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى | المنذور له . وسيأتي شيء ~~يتعلق بهذا الباب عند قوله : ' اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ' | وفي هذه ~~الجملة من الفوائد ، أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من ~~| التبرك بها ، والعكوف عندها ، والذبح لها ، هو الشرك ، ولا يغتر بالعوام ~~والطغام ، ولا | يستبعد كون هذا شركا ، ويقع في هذه الأمة . فإذا كان بعض ~~الصحابة ظنوا ذلك حسنا ، | وطلبوه من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حتى بين ~~لهم أن ذلك كقول بني إسرائيل : اجعل لنا إلها ، فكيف | بغيرهم ms133 مع غلبة ~~الجهل وبعد العهد بآثار النبوة ؟ وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا ~~| بالأسماء ، ولهذا جعل النبي [ صلى الله عليه وسلم ] طلبتهم كطلبة بني ~~إسرائيل ، ولم يلتفت إلى كونهم سموها | ذات أنواط ، فالمشرك وإن سمى شركه ~~ما سماه ، كمن يسمي دعاء الأموات ، والذبح لهم | والنذر ونحو ذلك تعظما ~~ومحبة ، فإن ذلك هو الشرك ، وإن سماه ما سماه ، وقس على | ذلك . وفيها أن ~~من عبد فهو إله ، لأن بني إسرائيل والذين سألوا النبي [ صلى الله عليه وسلم ~~] لم يريدوا من | الأصنام والشجرة الخلق والرزق ، وإنما أرادوا البركة ، ~~والعكوف عندها ، فكان ذلك اتخاذا | له مع الله تعالى . وفيها أن معنى الإله ~~هو المعبود ، وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلا فنهي | عن ذلك فانتهى لا يكفر ~~. وأن لا إله إلا الله تنفي هذا الفعل مع دقته وخفائه على أولئك | الصحابة ~~. ذكره المصنف ، فكيف بما هو أعظم منه ؟ ففيه رد على الجهال الذين يظنون أن ~~| معناها الإقرار بأن الله خالق كل شيء ، وأن ما سواه مخلوق ونحو ذلك من ~~العبارات ، | والإغلاظ على من وقع منه ذلك جهلا . | PageV01P142 # قوله : ' لتركبن ' بضم الموحدة ، أي : لتتبعن أنتم أيها الأمة سنن من كان ~~قبلكم بضم | السين ، أي : طرقهم ومناهجهم وأفعالهم ، ويجوز فتح السين ، ~~وهذا خبر صحيح وجد كما | أخبر [ صلى الله عليه وسلم ] ففيه دليل على شهادة ~~أن محمدا رسول الله . وفي الحديث من الفوائد غير ما | تقدم ، النهي عن ~~التشبه بأهل الجاهلية من أهل الكتاب والمشركين ، وأنه متقرر عندهم أن | ~~العبادات مبناها على الأمر ، فصار فيها التنبيه على مسائل القبر ، أما من ~~ربك ؟ فواضح ، وأما | من نبيك ؟ فمن إخباره بأنباء الغيب ، وأما ما دينك ؟ ~~فمن قولهم : اجعل لنا إلها إلى آخره ، | قاله المصنف . وفيه أن الشرك لا بد ~~أن يقع في هذه الأمة كما وقع فيمن قبلها ، ففيه رد | على من قال : إن الشرك ~~لا يقع في هذه الأمة . وفيه سد الذرائع والغضب عند التعليم ، وأن | ما ذم ~~الله به اليهود والنصارى ، فإنه لنا لنحذره ms134 ، ذكر ذلك المصنف . # تنبيه : ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم ، ~~| والتمسح بها أو بثيابهم ، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى ~~يكون أول ما | يدخل جوفه ريق الصالحين ، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك ، وقد ~~أكثر من ذلك أبو زكريا | النووي في ' شرح المسلم ' في الأحاديث التي فيها ~~أن الصحابة فعلوا شيئا من ذلك مع | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وظن أن ~~بقية الصالحين في ذلك كالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] . # وهذا خطأ صريح لوجوه : منها عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] في الفضل | والبركة . ومنها عدم تحقيق الصلاح ، فإنه لا ~~يتحقق إلا بصلاح القلب ، وهذا أمر لا يمكن | الاطلاع عليه إلا بنص ، ~~كالصحابة الذين أثنى الله عليهم ورسوله ، أو أئمة التابعين ، ومن | شهر ~~بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة بالصلاح وقد ~~عدم | أولئك ، أما غيرهم ، فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو لهم . ~~ومنها أنا لو ظننا صلاح | شخص ، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء ، والأعمال ~~بالخواتيم ، فلا يكون أهلا للتبرك | بآثاره . ومنها أن الصحابة لم يكونوا ~~يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته ، ولا بعد موته ، ولو | كان خيرا لسبقونا ~~إليه ، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم من الذين شهد | لهم ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] بالجنة ، وكذلك التابعون هلا فعلوه مع سعيد ~~بن المسيب وعلي بن الحسين | وأويس القرني ، والحسن البصري ونحوهما ممن يقطع ~~بصلاحهم ، فدل أن ذلك مخصوص | بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] . ومنها أن ~~فعل هذا مع غيره [ صلى الله عليه وسلم ] لا يؤمن أن يفتنه ، وتعجبه نفسه ، ~~فيورثه العجب | والكبر والرياء ، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم . | ~~PageV01P143 | # | ( [ 9 ] باب : ما جاء في الذبح لغير الله ) # أي : من الوعيد ، وهل يكون شركا أم لا ؟ # قال : وقول الله تعالى @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ [ الأنعام : 162 - ~~163 ] . | ش ms135 : قال ابن كثير : يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون ~~غير الله ، ويذبحون | لغير اسمه وحده لا شريك له ، وهذا كقوله : @QB@ فصل ~~لربك وانحر @QE@ [ الكوثر : 2 ] . أي : | أخلص له صلاتك وذبيحتك ، فإن ~~المشركين يعبدون الأصنام ، ويذبحون لها ، فأمر الله | بمخالفتهم ، ~~والانحراف عما هم فيه ، والإقبال بالقصد والنية ، والعزم على الإخلاص لله | ~~تعالى . قال مجاهد في قوله : @QB@ صلاتي ونسكي @QE@ قال : النسك الذبح في ~~الحج والعمرة ، | وقال النووي عن السدي عن سعيد بن جبير : ونسكي : ذبحي ، ~~وكذا قال الضحاك . وقال | غيره : ومحياي ومماتي ، أي : وما آتيه في حياتي ، ~~وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح | لله رب العالمين خالصة لوجهه ، لا ~~شريك له ، وبذلك من الإخلاص أمرت ، وأنا أول | المسلمين ، لأن إسلام كل نبي ~~متقدم لإسلام أمته كما قال قتادة : وأنا أول المسلمين أي : | من هذه الأمة ~~. قال ابن كثير : وهو كما قال ، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم ~~إلى | الإسلام ، وهو عبادة الله وحده لا شريك له . كما قال تعالى : @QB@ ~~وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ ~~[ الأنبياء : 25 ] وأخبر تعالى عن نوح عليه | السلام أنه قال لقومه : @QB@ ~~فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من ~~المسلمين @QE@ [ يونس : 72 ] وذكرت آيات في هذا المعنى . # قلت : وفي الآية دلائل متعددة على أن الذبح لغير الله شرك ، كما هو بين ~~عند التأمل ، | وفيها بيان العبادة ، وأن التوحيد مناف للشرك مضاد له . # قال : وقوله : @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ قال شيخ الإسلام أمره الله أن ~~يجمع بين | هاتين العبادتين ، وهما الصلاة والنسك الدالتان على القرب ~~والتواضع والافتقار ، وحسن | الظن ، وقوة اليقين ، وطمأنينة القلب إلى الله ~~، وإلى عدته ، عكس حال أهل الكبر والنفرة ، | PageV01P144 | وأهل الغنى عن ~~الله الذين لا حاجة لهم في صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها ، والذين لا | ~~ينحرون له خوفا من الفقر . ولهذا جمع بينهما في قوله : @QB@ قل إن صلاتي ~~ونسكي @QE@ الآية | والنسك : الذبيحة لله تعالى ابتغاء وجهه ، فإنها أجل ms136 ما ~~يتقرب به إلى الله ، فإنه أتى فيهما | بالفاء الدالة على السبب ، لأن فعل ~~ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر ، وأجل | العبادات البدنية ~~الصلاة ، وأجل العبادات المالية النحر ، وما يجتمع للعبد في الصلاة لا | ~~يجتمع له في غيرها ، كما عرفه أرباب القلوب الحية . وما يجتمع له في النحر ~~إذا قارنه | الإيمان والإخلاص من قوة اليقين ، وحسن الظن أمر عجيب . وكان ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] كثير الصلاة ، | كثير النحر . # وقال غيره : أي : فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه ، وشرفك وصانك من منن ~~الخلق | مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله ، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت ~~مخالفا لهم في النحر | للأوثان . انتهى . وهذا هو الصحيح في تفسيرها . # وأما ما رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب قال : لما نزلت هذه السورة على ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | ^ ( إنا أعطينك الكوثر * فصل لربك وانحر * ~~) ^ [ الكوثر : 1 - 2 ] قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | لجبريل : ' ~~ما هذه النحيرة التي أمرني بها ربي ؟ قال : إنها ليست بنحيرة ، ولكن يأمرك ~~إذا | أحرمت للصلاة أن ترفع يديك إذا كبرت ، وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من ~~الركوع ' | الحديث . فهو حديث منكر جدا ، في إسناده إسرائيل بن حاتم ، قال ~~ابن حبان : يروي عن | مقاتل الموضوعات والأوابد والطامات من ذلك خبر يرويه ~~عمر بن صبح عن مقاتل ، وظفر | به إسرائيل فرواه عن مقاتل عن الأصبغ بن ~~نباته عن علي لما نزلت @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ الحديث . . . # قال عن علي رضي الله عنه قال : حدثني رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ~~بأربع كلمات : ' لعن الله من ذبح | لغير الله ، ولعن الله من لعن والديه ، ~~ولعن الله من آوى محدثا ، ولعن الله من غير منار | الأرض ' . رواه مسلم . | ~~PageV01P145 # ش : الحديث رواه مسلم من طرق بمعنى ما ذكره المصنف ، وفيه قصة . ورواه ~~الإمام | أحمد كذلك . وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن ابن عم النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] . وزوج ابنته | فاطمة الزهراء - واسم أبي طالب عبد ~~مناف بن عبد ms137 المطلب بن هاشم القرشي - كان من | السابقين الأولين إلى ~~الإسلام ومن أهل بدر وبيعة الرضوان ، وأحد العشرة المشهود لهم | بالجنة ، ~~ورابع الخلفاء الراشدين ، ومناقبه كثيرة رضي الله عنه . قتله ابن ملجم ~~الخارجي في | رمضان سنة أربعين . # قوله : ' لعن الله ' . قالوا : اللعنة : البعد عن مظان الرحمة ومواطنها . ~~قيل : واللعين | والملعون : من حقت عليه اللعنة أو دعي عليها بها . قال أبو ~~السعادات : أصل اللعنة | الطرد والإبعاد من الله ، ومن الخلق : السب ~~والدعاء . # قوله : ' من ذبح لغير الله ' . # قال النووي : المراد به أن يذبح باسم غير اسم الله تعالى ، كمن يذبح ~~للصنم أو | للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما وسلم ، أو للكعبة ~~ونحو ذلك ، وكل هذا | حرام ، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو ~~نصرانيا أو يهوديا نص عليه | الشافعي واتفق عليه أصحابنا ، فإن قصد مع ذلك ~~تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له ، كان | ذلك كفرا ، فإن كان الذابح ~~مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا . ذكره في ' شرح مسلم ' ونقله | غير واحد ~~من الشافعية وغيرهم . # وقال شيخ الإسلام قوله تعالى : @QB@ وما أهل به لغير الله @QE@ [ البقرة ~~: 173 ] ظاهره أنه ما | ذبح لغير الله مثل أن يقال : هذه الذبيحة لكذا . ~~وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم | يلفظ . وتحريم هذا أظهر من ~~تحريم ما ذبحه للحم ، وقال فيه : باسم المسيح ونحوه ، كما أن | ما ذبحناه ~~متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحنا للحم ، وقلنا عليه : بسم ~~الله . فإن | عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في ~~فواتح الأمور ، فكذلك الشرك | بالصلاة لغيره . والنسك لغيره أعظم من ~~الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور ، فإذا حرم ما | قيل فيه باسم المسيح ~~أو الزهرة ، فلأن يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به | ذلك ~~أولى ، فإن العبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله ، كما قد ~~يفعله طائفة من | منافقي هذه الأمة ، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح ~~والنجوم ونحو ms138 ذلك ، وإن كان | هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال ، ولكن ~~يجتمع في الذبيحة مانعان . ومن هذا الباب ما | PageV01P146 | يفعله ~~الجاهلون بمكة من الذبح للجن ، ولهذا روي عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~أنه نهى عن ذبائح الجن . | قلت : هذا الحديث رواه البيهقي عن الزهري مرسلا ~~، وفي إسناده عمر بن هارون ، وهو | ضعيف عند الجمهور إلا أن أحمد بن سيار ~~روى عن قتيبة أنه كان يوثقه ورواه ابن حبان في | الضعفاء من وجه آخر عن عبد ~~الله بن أذينة عن ثور بن يزيد ، عن الزهري عن حميد بن | عبد الرحمن ، عن ~~أبي هريرة مرفوعا . قال ابن حبان : وعبد الله يروي عن ثور ما ليس | من ~~حديثه . قال الزمخشري : كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ~~ذبحوا ذبيحة | خوفا أن تصيبهم الجن ، فأضيفت الذبائح إليهم ، لذلك قال ~~النووي : وذكر الشيخ إبراهيم | المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال ~~السلطان تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه | لأنه مما أهل به لغير الله . # قال الرافعي : هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه ، فهو كذبح العقيقة ~~لولادة المولود . | قلت : إن كانوا يذبحون استبشارا كما ذكر الرافعي فلا ~~يدخل في ذلك ، وإن كانوا يذبحونه | تقريا إليه فهو داخل في الحديث . # قوله : ' لعن الله من لعن والديه ' . قال بعضهم : يعني أباه وأمه وإن ~~علوا وفي | ' الصحيح ' أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' إن من ~~الكبائر شتم الرجل والديه ' . قالوا : يا | رسول الله ، وهل يشتم الرجل ~~والديه ؟ قال : ' نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه | فيسب أمه ' فإذا ~~كان هذا حال المتسبب فما ظنك بالمباشر ؟ # قوله : ' ولعن الله من آوى محدثا ' . أما ' آوى ' بفتح الهمزة ممدودة أي ~~: ضم إليه | وحمى ، وقال أبو السعادات : يقال : أويت إلى المنزل وآويت غيري ~~وأويته ، وأنكر بعضهم | المقصور المتعدي . وقال الأزهري : هي لغة فصيحة . ~~وأما ' محدثا ' فقال أبو السعادات | يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل ~~والمفعول ، فمعنى الكسر : من نصر جانيا وآواه | وأجاره من خصمه ، وحال بينه ~~وبين أن ms139 يقتص منه ، والفتح : هو الأمر المبتدع نفسه ، | PageV01P147 | ~~ويكون معنى الإيواء فيه الرضى به والصبر عليه ، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر ~~عليها فاعلها ، | ولم ينكر عليه ، فقد آواه . # قلت : الظاهر أنه على الرواية الأولى يعم المعنيين ، لأن المحدث أعم من ~~أن يكون | بجناية أو ببدعة في الدين ، بل المحدث بالبدعة في الدين فسر من ~~المحدث بالجناية ، | فإيواؤه أعظم إثما ، ولهذا عده ابن القيم في كتاب ' ~~الكبائر ' وقال : هذه الكبيرة تختلف | مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه ~~، فكلما كان الحدث في نفسه أكبر ، كانت الكبيرة | أعظم . # قوله : ' ولعن الله من غير منار الأرض ' . قال المصنف : هي المراسيم التي ~~تفرق بينك | وبين جارك . وقال النووي : منار الأرض - بفتح الميم - علامات ~~حدودها ، والمعنى واحد . | قيل : وتغييرها أن يقدمها أو يؤخرها ، فيكون هذا ~~من ظلم الأرض الذي قال فيه [ صلى الله عليه وسلم ] : ' من | ظلم شبرا من ~~الأرض طوقه يوم القيامة من سبع أرضين ' رواه البخاري ومسلم . # وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق ، كقوله : ' لعن الله آكل ~~الربا ومؤكله | وكاتبه وشاهديه ' ونحو ذلك ، فأما لعن الفاسق المعين ففيه ~~قولان : ذكرهما شيخ الإسلام | PageV01P148 | أحدهما : إنه جائز اختاره ابن ~~الجوزي وغيره . # والثاني : لا يجوز ، اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام . قال : ~~والمعروف عن | أحمد كراهة لعن المعين كالحجاج وأمثاله ، وأن يقول كما قال ~~الله تعالى : ^ ( ألا لعنة الله على | الظلمين ) ^ [ هود : 18 ] . # قال : وعن طارق بن شهاب أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' دخل ~~الجنة رجل في ذباب ، | ودخل النار رجل في ذباب ' . قالوا : وكيف ذلك يا ~~رسول الله ؟ قال : ' مر رجلان على قوم | لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له ~~شيئا . فقالوا لأحدهما : قرب . قال : ما عندي | شيء . قالوا : قرب ولو ~~ذبابا فخلوا سبيله ، فدخل النار . وقالوا للآخر : قرب . | قال : ما كنت ~~لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه ، فدخل الجنة ' . رواه | ~~PageV01P149 | أحمد . # ش : هذا الحديث . ذكره المصنف معزوا لأحمد ، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه ~~| لأحمد . # قال ms140 ابن القيم : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن ~~سليمان بن | ميسرة ، عن طارق بن شهاب يرفعه قال : ' دخل رجل الجنة في ذباب ~~. . . ' وقد | طالعت ' المسند ' فما رأيته فيه ، فلعل الإمام رواه في كتاب ~~الزهد أو غيره . # قوله : ( عن طارق بن شهاب ) . أي : البجلي الأحمسي أبو عبد الله رأى ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، | وهو رجل ، ويقال : إنه لم يسمع منه شيئا ~~. # قال البغوي : ونزل الكوفة . قال أبو حاتم : ليست له صحبة . والحديث الذي ~~رواه | مرسل . وقال أبو داود : رأى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولم يسمع ~~منه شيئا . قال الحافظ : إذا ثبت أنه لقي # النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فهو صحابي على الراجح ، وإذا ثبت أنه لم ~~يسمع منه ، فروايته عن مرسل | صحابي ، وهو مقبول على الراجح . وقد أخرج له ~~النسائي عدة أحاديث ، وذلك مصير منه | إلى إثبات صحبته . وكانت وفاته على ~~ما جزم به ابن حبان سنة ثلاث وثمانين . # قوله : ' دخل الجنة رجل في ذباب ' أي : من أجل ذباب . # قوله : قالوا : وكيف ذلك يا رسول الله . سألوا عن هذا الأمر العجيب لأنهم ~~قد علموا | أن الجنة لا يدخلها أحد إلا بالأعمال الصالحة كما قال تعالى : ~~@QB@ ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون @QE@ [ النحل : 32 ] وأن النار لا ~~يدخلها أحد إلا بالأعمال السيئة . فكأنهم تقالوا ذلك | وتعجبوا واحتقروه ، ~~فبين النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما ~~يستحق هذا | عليه الجنة ، ويستحق الآخر عليه النار ، ولعل هذين الرجلين من ~~بني إسرائيل ، فإن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | يحدثهم عن بني إسرائيل ~~كثيرا . # قوله : فقال : ' مر رجلان على قوم لهم صنم ' . الصنم : ما كان منحوتا على ~~صورة . # قوله : لا يجاوزه ، أي : لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب له شيئا وإن ~~قل . | PageV01P150 # قوله : قالوا : قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار . في ~~هذا بيان عظمة | الشرك ولو في شيء قليل ، وأنه يوجب النار ، ألا ترى إلى ~~هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل | الحيوان ms141 وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار ، ~~لإشراكه في عبادة الله ، إذ الذبح على سبيل | القربة والتعظيم عبادة ، وهذا ~~مطابق لقوله تعالى : @QB@ إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ~~ومأواه النار @QE@ [ المائدة : 72 ] وفيه الحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة ~~في الحسبان ، | كما قال أنس : إنكم لتعملون أعمالا هي أدق في أعينكم من ~~الشعر كنا نعدها على عهد | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] من الموبقات . ~~رواه البخاري . # قال المصنف ما معناه : وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده ، بل فعله تخلصا ~~من | شرهم . وفيه أن الذي دخل النار مسلم ، لأنه لو كان كافرا لم يقل : دخل ~~النار في ذباب ، | وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة ~~الأوثان . # قوله : ( وقالوا للآخر : قرب . قال : ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز ~~وجل إلى | آخره ) . في هذا بيان فضيلة التوحيد والإخلاص . # قال المصنف : وفيه معرفة قدر الشرك في قلوب المؤمنين ، كيف صبر على القتل ~~ولم | يوافقهم على طلبتهم مع كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر ، وفيه شاهد ~~للحديث الصحيح : | ' الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله ، والنار مثل ذلك ' ~~قلت : وفيه التنبيه على سعة | مغفرة الله وشدة عقوبته ، وأن الأعمال ~~بالخواتيم . | PageV01P151 | # | 9 ( [ 10 ] باب : لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله ) # ش : أي أن ذلك لا يجوز لما سيذكره المصنف . # قال : وقول الله تعالى : @QB@ لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من ~~أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ~~@QE@ [ التوبة : 108 ] . # ش : حاصل كلام المفسرين في الآية أن الله نهى رسوله [ صلى الله عليه وسلم ~~] أن يقوم في مسجد الضرار | في الصلاة فيه أبدأ ، والأمة تبع له في ذلك ، ~~ثم حثه على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس | من أول يوم بني فيه على التقوى ~~، وهي طاعة الله ورسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ، وجمعا لكلمة المؤمنين ، | ~~ومعقلا ومنزلا للإسلام وأهله بقوله : @QB@ لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ms142 ~~أحق أن تقوم فيه فيه @QE@ والسياق إنما هو في مسجد قباء ، ولهذا جاء في ~~الحديث الصحيح أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] | قال : ' صلاة في مسجد ~~قباء كعمرة ' . وفي ' الصحيح ' ' أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] كان ~~يزور قباء | راكبا وماشيا ' وقد صرح بأن المسجد المؤسس على التقوى هو مسجد ~~قباء . ذكره جماعة | PageV01P152 | من السلف ، منهم ابن عباس وعروة وعطية ~~والشعبي والحسن وغير واحد . وقيل : هو مسجد | رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] لحديث أبي سعيد قال : تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى | ~~من أول يوم ، فقال رجل : هو مسجد قباء ، وقال الآخر : هو مسجد رسول الله [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ، فقال | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' هو ~~مسجدي هذا ' رواه مسلم . وهو قول عمر وابنه وزيد بن ثابت | PageV01P153 | ~~وغيرهم . قال ابن كثير : وهذا صحيح ، ولا منافاة بين الآية وبين الآية ، ~~لأنه إذا كان مسجد | قباء قد أسس على التقوى من أول يوم ، فمسجد رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم ] بطريق الأولى . وهذا | بخلاف مسجد الضرار الذي أسس ~~على معصية الله تعالى كما قال تعالى : ^ ( والذين اتخذوا | مسجدا ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن ~~إن | أردنآ إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكذبون * ) ^ [ التوبة : 107 ] ~~فلهذه الأمور نهى الله نبيه [ صلى الله عليه وسلم ] | عن القيام فيه للصلاة ~~. وكان المنافقون الذين بنوه جاؤوا إلى النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قبل ~~خروجه إلى تبوك | فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره . ~~وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل | العلة في الليلة الشاتية ، فعصمه ~~الله من الصلاة فيه فقال : ' إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن | شاء الله ' . ~~فلما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو ~~بعض | يوم ، نزل الوحي بخبر المسجد ، فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى ~~المدينة . # ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس ، لأنه إذا منع الله ~~رسوله [ صلى ms143 الله عليه وسلم ] عن | القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس ~~على هذه المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا | لله ، فكذلك المواضع ~~المعدة للذبح لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله ، لأنها قد أسست على | ~~معصية الله والشرك به ، يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي . # وقوله : @QB@ فيه رجال يحبون أن يتطهروا @QE@ [ التوبة : 108 ] روى ~~الإمام أحمد وابن | خزيمة والطبراني والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أتاهم في مسجد قباء | فقال : ' إن الله قد ~~أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم ، فما هذا الطهور الذي | تطهرون ~~به ؟ فقالوا : والله يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من ~~اليهود فكانوا | يغسلون أدبارهم من الغائط فغسلنا كما غسلوا ' وفي رواية عن ~~جابر وأنس مرفوعا ' هو ذاك | فعليكموه ' رواه ابن ماجه وابن أبي حاتم ~~والدارقطني والحاكم . | PageV01P154 # وقوله : @QB@ والله يحب المطهرين @QE@ أي : الذين يتنزهون من القاذورات ~~والنجاسات بعد ما | PageV01P155 | يتنزهون من أوضار الشرك وأقذاره . قال ~~أبو العالية : إن الطهور بالماء لحسن ، ولكنهم | المتطهرون من الذنوب . قال ~~ابن كثير : وفيه دليل على استحباب الصلاة مع الجماعة | الصالحين المتنزهين ~~عن ملابسة القاذورات ، المحافظين على إسباغ الوضوء . قلت : وفيه | إثبات ~~المحبة . # قال : عن ثابت بن الضحاك ، قال : نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة فسأل النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم ] فقال : | ' هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد ~~؟ قالوا : لا . قال : فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ | قالوا : لا . فقال ~~رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : أوف بنذرك ، فإنه لا وفاء لنذر في ~~معصية الله ولا فيما لا | يملك ابن آدم ' رواه أبو داود وإسناده على شرطهما ~~. # ش : هذا الحديث رواه أبو داود ، فقال : حدثنا داود بن رشيد قال : ثنا ~~شعيب بن | إسحاق ، عن الأوزاعي قال : حدثني يحيى بن أبي كثير ، قال : حدثني ~~أبو قلابة ، قال : | حدثني ثابت بن الضحاك . قال : نذر رجل على عهد رسول ~~الله [ صلى الله عليه وسلم ] أن ينحر إبلا ببوانة ms144 ، | فأتى النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] فقال : إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة ، فقال النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : ' هل كان فيها | وثن . . . ' الحديث . وهذا إسناد جيد ، ~~وروى أبو داود أيضا عن عمرو بن شعيب ، عن | أبيه ، عن جده أن امرأة أتت ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقالت : إني نذرت أن أذبح بمكان كذا وكذا ؛ ~~مكان | كان يذبح فيه أهل الجاهلية قال : ' لصنم ' ، قالت : لا قال : ' لوثن ~~؟ ' قالت : لا قال : ' أوف | بنذرك ' مختصر ومعنى قوله : ' لصنم ' إلى آخره ~~. هل يذبحون فيه لصنم أو وثن فيكون | كحديث ثابت . PageV01P156 # قوله : ( عن ثابت بن الضحاك ) ، أي : ابن خليفة الأشهلي ، صحابي مشهور ، ~~روى عنه | أبو قلابة وغيره ومات سنة أربع وستين . # قوله : ( نذر رجل ) . يحتمل أن يكون هو كردم بن سفيان والد ميمونة لما ~~روى أبو داود | عنها ، قالت : خرجت مع أبي في حجة رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] فرأيت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ' قالت : فدنا إليه | ~~أبي . فقال : يا رسول الله ، إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن أنحر على رأس ~~بوانة في عقبة | من الثنايا عدة من النعم . قال : لا أعلم إلا أنها قالت ~~خمسين . فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : هل بها | من هذه الأوثان ~~شيء ؟ قال : لا . قال : فأوف بما نذرت لله ' وذكر الحديث . # قوله : ( أن ينحر إبلا ) في حديث ميمونة ، قال : فأوف بما نذرت لله قال : ~~فجمعها | فجعل يذبحها ، فانفلتت منه شاة فطلبها . وهو يقول : اللهم أوف ~~بنذري فظفر بها فذبحها . | فيحتمل أن يكون نذر إبلا وغنما ويحتمل أن يكون ~~ذلك قضيتين ! # قوله : ( ببوانة ) . بضم الباء وقيل بفتحها . قال البغوي : موضع في أسفل ~~مكة دون | يلملم ، وقال أبو السعادات : هضبة من وراء ينبع . # قوله : ( فقال : هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد ؟ ) قال في ' ~~عروة المفتاح ' | الصنم : هو ما له صورة ، والثن : ما ليس له صورة . قلت : ~~هذا هو الصحيح في الفرق | بينهما ، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك . وفيه ~~المنع ms145 من الوفاء بالنذر إذا كان في | المكان وثن من أوثانهم ، ولو بعد ~~زواله . ذكره المصنف . # قوله : ( فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ ) قال شيخ الإسلام : العيد اسم ~~لما يعود من | الاجتماع العام على وجه معتاد ، عائدا إما بعود السنة أو ~~بعود الأسبوع أو الشهر ونحو | PageV01P157 | ذلك والمراد به هنا الاجتماع ~~من اجتماع المعتاد الجاهلية ، فالعيد يجمع أمورا منها يوم عائد | كيوم ~~الفطر ويوم الجمعة ، ومنها اجتماع فيه ، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات ~~والعادات . | وقد يختص العيد بمكان بعينه ، وقد يكون مطلقا . وكل من هذه ~~الأمور قد يسمى عيدا . | فالزمان كقول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] في يوم ~~الجمعة : ' إن هذا يوم جعله الله للمسلمين عيدا ' | والاجتماع والأعمال ~~كقول ابن عباس : شهدت العيد مع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . والمكان ~~كقوله : | ' لا تتخذوا قبري عيدا ' وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع اليوم ~~والعمل فيه ، وهو | الغالب كقول النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لأبي بكر ' ~~دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا ' . انتهى . وفيه | استفصال المفتي ، ~~والمنع من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان عيد من أعياد الجاهلية ولو | ~~بعد زواله ، والحذر من مشابهة المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده . ذكره ~~المصنف . # قوله : ( فأوف بنذرك ) . هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح ~~فيه المشركون | لغيره ، أو في محل أعيادهم معصية ، لأن قوله : فأوف بنذرك ~~تعقيب للوصف بالحكم بحرف | الفاء ، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم ، ~~فيكون سبب الأمر بالوفاء وجود النذر خاليا | عن هذين الوصفين ، فيكونان ~~مانعين من الوفاء ، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به ، ولأنه | عقبه بقوله ~~: فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله . فدل أن الصورة المسؤول عنها مندرجة في ~~| هذا اللفظ العام لأن العام إذا أورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجا ~~فيه ، ولأنه لو | كان الذبح فيما ذكر جائزا لسوغ [ صلى الله عليه وسلم ] ~~للناذر الوفاء به كما سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن | تضرب به لأنه عليه ms146 ~~السلام استفصل . فلما قالوا : لا . قال له : ' فأوف بنذرك ' . وهذا يقتضي | ~~PageV01P158 | أن كون البقعة مكانا لعيدهم ، أو بها وثن من أوثانهم مانع من ~~الذبح بها وإن نذر ، وإلا لما | حسن الاستفصال ، هذا معنى كلام شيخ الإسلام ~~. وفيه أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به | إذا خلا من الموانع . # قوله : ( فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ) . دليل على أن هذا نذر معصية ~~، لا يجوز | الوفاء به لما تقدم ، وعلى أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به . ~~وقد أجمع العلماء على ذلك | لهذا الحديث ، وحديث عائشة الآتي وما في ~~معناهما ، واختلفوا هل تجب به كفارة يمين ؟ | على قولين : هما روايتان عن ~~أحمد ، أحدهما : تجب وهو المذهب المشهور عن أحمد . | وروي عن ابن مسعود ~~وابن عباس ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه لحديث عائشة مرفوعا : ' لا | نذر في ~~معصية وكفارته كفارة يمين ' رواه أحمد وأهل السنن ، واحتج به أحمد وإسحاق ~~PageV01P159 | والثاني : لا كفارة عليه . روي ذلك عن مسروق والشعبي ، ~~والشافعي ، لحديث الباب ، وحديث | عائشة الآتي . ولم يذكر فيهما كفارة ، ~~وجوابه أن عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها . # قوله : ( ولا فيما لا يملك ابن آدم ) . # قال في ' شرح المصابيح ' : يعني إذا أضاف النذر إلى معين لا يملكه بأن ~~قال : إن شفى | الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد فلان ، أو أتصدق بثوبه ~~ونحو ذلك ، فأما إذا التزم في الذمة | شيئا لا يملكه فيصح نذره ، مثاله إن ~~شفى الله مريضي ، فلله علي أن أعتق رقبة ، وهو في ذلك | الحال لا يملك رقبة ~~ولا قيمتها ، فيصح نذره ، وإذا شفي ثبت النذر في ذمته . # قوله : ( رواه أبو داود وإسناده على شرطيهما ) ، أي شرط البخاري ومسلم ، ~~| وأضمرهما للعلم بذلك . وأبو داود اسمه سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر ~~بن شداد | الأزدي السجستاني ، صاحب الإمام أحمد ، ومصنف ' السنن ' وغيرها ~~ثقة إمام حافظ من | كبار العلماء . مات سنة خمس وسبعين ومائتين . | ~~PageV01P160 | # | ( [ 11 ] باب : من الشرك النذر لغير الله ) # ش : أي أنه من العبادة ، فيكون صرفه لغير الله ms147 شركا ، فإذا نذر طاعة وجب ~~عليه الوفاء | بها وهو عبادة ، وقربة إلى الله . ولهذا مدح الله الموفين به ~~، فإن نذر لمخلوق تقربا إليه ليشفع | له عند الله ، ويكشف ضره ونحو ذلك فقد ~~أشرك في عبادة الله تعالى غيره ضرورة ، كما أن | من صلى لله وصلى لغيره ، ~~فقد أشرك ، كذلك هذا ، لقوله تعالى : @QB@ يوفون بالنذر @QE@ [ الإنسان : | ~~7 ] وجه الدلالة من الآية على الترجمة أن الله تعالى مدح الموفين بالنذر ، ~~والله تعالى لا يمدح | إلا على فعل واجب أو مستحب ، أو ترك محرم ، لا يمدح ~~على فعل المباح المجرد ، وذلك | هو العبادة ، فمن فعل ذلك لغير الله متقربا ~~إليه فقد أشرك . # قال : وقوله : @QB@ وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه ~~@QE@ [ البقرة : 270 ] . # وجه الدلالة من الآية على الترجمة أن الله تعالى أخبر بأن ما أنفقناه من ~~نفقة أو نذرناه | من نذر متقربين بذلك إليه أنه يعلمه ، ويجازينا عليه . ~~فدل ذلك أنه عبادة . وبالضرورة يدري | كل مسلم أن من صرف شيئا من أنواع ~~العبادة لغير الله فقد أشرك . # قال ابن كثير : يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات ~~من النفقات | والمنذورات . وتضمن ذلك مجازاته على ذلك أوفر الجزاء للعاملين ~~لذلك ، ابتغاء وجهه ، | ورجاء موعوده . إذا علمت ذلك فهذه النذور الواقعة ~~من عباد القبور وأشباههم لمن يعتقدون | فيه نفعا أو ضرا فيتقرب إليه بالنذر ~~، ليقضي حاجته أو ليشفع له . كل ذلك شرك في العبادة ، | وهو شبيه بما ذكر ~~الله عن المشركين في قوله : ^ ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم | ~~نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا فما كان لشركآئهم فلا يصل إلى | ~~الله وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم سآء ما يحكمون * ) ^ [ الأنعام : 136 ~~] | روى ابن أبي حاتم في الآية . يعني : جعلوا لله جزءا من الحرث ولشركائهم ~~ولأوثانهم | جزءا ، فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه ~~، وقالوا : الله عن هذا غني ، | وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء ~~الله ms148 أخذوه . وعباد القبور يجعلون لله جزءا من | PageV01P161 | أموالهم ~~بالنذر والصدقة ، وللأموات والطواغيت جزءا كذلك ، وقد نص غير واحد من | ~~العلماء ، على أن النذر لغير الله شرك . # قال شيخ الإسلام : وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر ~~والقبور ونحو | ذلك ، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات ، والحالف ~~بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا | كفارة ، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ~~ولا كفارة ، فإن كليهما شرك ، والشرك ليس له | حرمة ، بل عليه أن يستغفر ~~الله من هذا العقد ويقول ما قال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] حيث قال : ' ~~من حلف | باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله ' وقال أيضا فيمن نذر للقبور ~~ونحوها دهنا لتنور به | ويقول : إنها تقبل النذر كما يقول بعض الضالين . ~~فهذا النذر معصية باتفاق العلماء ، لا | يجوز الوفاء به ، وكذلك إذا نذر ~~مالا من النقد أو غيره للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك | البقعة ، فإن ~~هؤلاء السدنة فيهم شبه من السدنة التي كانت للات والعزى ومناة يأكلون أموال ~~| الناس بالباطل ، ويصدون عن سبيل الله والمجاورون هناك فيهم شبه من ~~العاكفين الذين قال | فيهم إبراهيم الخليل عليه السلام : ^ ( ما هذه ~~التماثيل التي أنتم لها عكفون ) ^ [ الأنبياء : 52 ] | والذين اجتاز بهم ~~موسى عليه السلام وقوله تعالى : ^ ( وجوزنا ببني إسرءيل البحر فأتوا على | ~~قوم يعكفون على أصنام لهم ) ^ [ الأعراف : 138 ] فالنذر لأولئك السدنة ~~والمجاورين في هذه | البقاع التي لا فضل للشريعة في المجاورة فيها نذر ~~معصية ، وفيه شبه من النذر لسدنة | الصلبان المجاورين عندها ، أو لسدنة ~~الأبدال التي في الهند والمجاورين عندها ، ثم هذا | المال إذا صرفه في جنس ~~تلك العبادة من المشروع مثل أن يصرفه في عمارة المساجد أو | للصالحين من ~~فقراء المسلمين ، يستعينون بالمال على عبادة الله كان حسنا وقد تقدم كلام | ~~ابن القيم في قوله : ويقولون إنها تقبل النذر ، أي : تقبل العبادة من دون ~~الله ، فإن النذر عبادة | إلى آخره . # وقال الإمام الأذرعي : ' في شرح منهاج النووي ' : وأما النذر للمشاهد ~~التي بنيت على | قبر ولي أو ms149 شيخ ، أو على اسم من حلها من الأولياء ، أو ~~تردد في تلك البقعة من الأنبياء | والصالحين ، فإن قصد الناذر بذلك وهو ~~الغالب أو الواقع من قصود العاقد في تعظيم البقعة | والمشهد والزاوية أو ~~تعظيم من دفن بها أو نسبت إليه ، أو بنيت على اسمه ، فهذا النذر باطل | غير ~~منعقد ، فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسها ، ويرون أنها مما ~~يدفع | البلاء ، ويستجلب به النعماء ، ويستشفى بالنذر لها من الأدواء ، حتى ~~أنهم ينذرون لبعض | PageV01P162 | الأحجار لما قيل : إنه جلس إليها أو ~~استند إليها عبد صالح ، وينذرون لبعض القبور السرج | والشموع والزيت ، ~~ويقولون : القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر ، يعنون بذلك أنه | ~~يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض ، وقدوم غائب ، وسلامة مال ، وغير ذلك ~~من | أنواع نذر المجازاة . فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه ، بل ~~نذر الزيت والشمع | ونحوهما للقبور باطل مطلقا ، من ذلك نذر الشموع الكثيرة ~~العظيمة وغيرها لقبر الخليل عليه | السلام ، ولقبر غيره من الأنبياء ~~والأولياء ، فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر | تبركا ~~وتعظيما ، ظانا أن ذلك قربة ، فهذا مما لا ريب في بطلانه . والإيقاد ~~المذكور محرم | سواء انتفع به هناك منتفع أم لا إلى آخر كلامه . # وقال الشيخ قاسم الحنفي في ' شرح درر البحار ' : النذر الذي ينذره أكثر ~~العوام على ما | هو مشاهد ، كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له حاجة ~~ضرورية ، فيأتي إلى بعض | الصلحاء ، ويجعل على رأسه سترة ويقول : يا سيدي ~~فلان إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي | أو قضيت حاجتي ، فلك من الذهب كذا ~~أو من الفضة كذا ، أو من الطعام كذا ، أو من الماء | ومن الشمع والزيت كذا ~~، فهذا النذر باطل بالإجماع لوجوه : منها : أنه نذر لمخلوق ، والنذر | ~~للمخلوق لا يجوز لأنه عبادة ، والعبادة لا تكون لمخلوق . ومنها أن المنذور ~~له ميت والميت | لا يملك . ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله ~~، واعتقاد ذلك كفر ، إلى أن | قال : إذا علمت هذا فما ms150 يؤخذ من الدراهم ~~والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ضرائح | الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع ~~المسلمين . نقله عنه ابن نجيم في ' البحر الرائق ' في آخر | كتاب الصوم . ~~ومنه نقله المرشدي أيضا في ' تذكرته ' ونقله غيرهما عنه وزاد : وقد ابتلي | ~~الناس بهذا لا سيما في مولد أحمد البدوي . # وقال الشيخ صنع الله الحلبي في الرد على من أجاز الذبح والنذر للأولياء ، ~~وأثبت | الأجر في ذلك : فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان وفلان فهو ~~لغير الله ، فيكون | باطلا . وفي التنزيل : @QB@ ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه @QE@ [ الأنعام : 121 ] وقوله : @QB@ قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له @QE@ [ الأنعام : 162 - 163 ] أي ~~: | صلاتي وذبحي لله ، كما فسر به قوله : @QB@ فصل لربك وانحر @QE@ [ ~~الكوثر : 2 ] وفي | الحديث : ' لا نذر في معصية الله ' رواه أبو داود وغيره ~~. والنذر لغير الله إشراك مع الله ، | إلى أن قال : فالنذر لغير الله ~~كالذبح لغيره . # وقال الفقهاء : خمسة لغير الله شرك : الركوع والسجود والنذر والذبح ~~واليمين . قال : | والحاصل أن النذر لغير الله فجور ، فمن أين تحصل لهم ~~الأجور ؟ انتهى ملخصا . وقال | PageV01P163 | القاضي أبو بكر بن العربي ~~المالكي : قد نهي عن النذر ، وندب إلى الدعاء ، والسبب فيه أن | الدعاء ~~عبادة عاجلة ، ويظهر به التوجه إلى الله تعالى ، والتضرع له ، وهذا بخلاف ~~النذر فإن | فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول وترك العمل إلى حين الضرورة ~~. فقد نص أبو بكر على | أن الدعاء والنذر عبادتان ، ولا يمتري مسلم أن من ~~عبد غير الله فقد أشرك ، ولكن كما قال | تعالى : ^ ( وما تغنى الأيت والنذر ~~عن قوم لا يؤمنون ) ^ [ يونس : 101 ] . # قال : وفي ' الصحيح عن عائشة أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ~~' من نذر أن يطيع الله فليطعه ، | ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ' . # ش : قوله في ' الصحيح ' أي : ' صحيح البخاري ' . # قوله : عن عائشة هي أم المؤمنين ، وزوج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~وبنت أبي بكر الصديق رضي الله | عنهما ، تزوجها النبي [ صلى الله ms151 عليه وسلم ~~] وهي بنت سبع سنين ، ودخل بها وهي بنت تسع سنين ، وهي أفقه | النساء مطلقا ~~، وأفضل أزواج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلا خديجة ففيهما خلاف كثير . ~~ماتت سنة سبع | وخمسين على الصحيح ، قاله الحافظ . # قوله : ' من نذر أن يطيع الله فليطعه ' أي : فليفعل ما نذره من طاعة الله ~~وقد أجمع | العلماء على أن من نذر طاعة بشرط يرجوه كقوله : إن شفى الله ~~مريضي فعلي أن أتصدق | بكذا ونحو ذلك ، وجب عليه أن يوفي بها مطلقا إذا حصل ~~الشرط ، إلا أنه حكي عن أبي | حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء بما لا أصل له في ~~الوجوب ، كالاعتكاف ، وعيادة المريض . | والحديث حجة عليه ، لأنه لم يفرق ~~بين ماله أصل في الوجوب وما لا أصل له ، فإنه نذر | ابتداء كقوله : لله ~~تعالى علي صوم شهر فالحكم أيضا كذلك في قول الأكثرين . وعن بعضهم | أنه لا ~~يلزم ، والحديث حجة عليه أيضا ، لأنه لم يفرق بين ما علقه على شرط وبين ما ~~نذره | ابتداء . # قوله : ' ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ' زاد الطحاوي ' وليكفر عن يمينه ~~' . قال ابن | PageV01P164 | القطان : عندي شك في رفع هذه الزيادة أي : لا ~~يفعل المعصية التي نذرها . وقد أجمع | العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر ~~المعصية . # قال الحافظ في ' الفتح ' : واتفقوا على تحريم النذر في المعصية ، ~~وتنازعوا هل ينعقد | موجبا للكفارة أم لا ؟ وقد تقدم ذلك في الباب قبله . ~~وقد يستدل بقوله : ' ومن نذر أن | يعصي الله فلا يعصه ' بصحة النذر في ~~المباح ، كما هو مذهب أحمد وغيره . يؤيده ما رواه | أبو داود عن عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده ورواه أحمد والترمذي عن بريدة أن امرأة | قالت : يا ~~رسول الله إني نذرت أن أضرب على رأسك بالدف . فقال : ' أوف بنذرك ' وإذا | ~~صححناه فحكمه حكم الحلف على فعله ، فيخير بين فعله وكفارة اليمين . وأما ~~نذر اللجاج | والغضب ، فهو يمين عند أحمد ، فيخير بين فعله وكفارة اليمين ، ~~لحديث عمران بن حصين | مرفوعا ' لا نذر في غضب ، وكفارته كفارة ms152 يمين ' رواه ~~سعيد وأحمد ، والنسائي ، وله | طرق ، وفيه كلام ، فإن نذر مكروها كالطلاق ، ~~استحب أن يكفر ولا يفعله . | PageV01P165 | ( صفحة فارغة ) | PageV01P166 | # | 1 ( [ 12 ] باب : من الشرك الاستعاذة بغير الله ) # الاستعاذة : الالتجاء ، والاعتصام ، والتحرز ، وحقيقتها : الهرب من شيء ~~تخافه إلى من | يعصمك منه ، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا ، وملجأ ووزرا ، ~~فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه | أو يهلكه إلى ربه ومالكه ، وفر إليه ، ~~وألقى نفسه بين يديه واعتصم به ، واستجار به ، والتجأ | إليه ، وهذا تمثيل ~~وتفهيم ، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله ، والاعتصام به ، | ~~والاطرح بين يدي الرب ، والافتقار إليه ، والتذلل بين يديه ، أمر لا تحيط ~~به العبارة . هذا | معنى كلام ابن القيم . # وقال ابن كثير : الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر ~~كل ذي شر . | والعياذ يكون لدفع الشر . واللياذ لطلب الخير . وهذا معنى ~~كلام غيرهما من العلماء ، فتبين | بهذا أن الاستعاذة بالله عباده لله ، ~~ولهذا أمر الله بالاستعاذة به في غير آية ، وتواترت السنن | عن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] بذلك . قال الله تعالى : @QB@ وإما ينزغنك من الشيطان نزغ ~~فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم @QE@ [ فصلت : 36 ] وقال : ^ ( وقل رب ~~أعوذ بك من همزت الشياطين | وأعوذ بك رب أن يحضرون ) ^ [ المؤمنون : 97 - ~~98 ] وقال : @QB@ فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير @QE@ [ غافر : 56 ] ~~وقال : @QB@ قل أعوذ برب الفلق @QE@ [ الفلق : 1 ] وقال | تعالى : @QB@ قل ~~أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس @QE@ [ الناس : | 1 - 3 ] فإذا كان ~~تعالى هو ربنا وملكنا وإلهنا ، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه ، ولا ملجأ ~~لنا | منه إلا إليه ، ولا معبود لنا غيره ، فلا ينبغي أن يدعى ولا يخاف ولا ~~يرجى ولا يحب غيره ، | ولا يذل ولا يخضع لغيره ، ولا يتوكل إلا عليه ، لأن ~~من تخافه وترجوه وتدعوه وتتوكل | عليه ، إما أن يكون مربيك والقيم بأمورك ، ~~ومتولي شأنك ، فهو ربك ، ولا رب لك سواه ، | وتكون مملوكه وعبده الحق ، فهو ~~ملك الناس حقا ، وكلهم عبيده ومماليكه ، أو يكون | معبودك وإلهك الذي لا ~~تستغني عنه طرفة ms153 عين ، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى | حياتك وروحك ، ~~فهو الإله الحق إله الناس ، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون | أن لا ~~يستعيذوا بغيره ، ولا يستنصروا بسواه ، ولا يلجأوا إلى غير حماه ، فهو ~~كافيهم | وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته وملكه ~~وإلهيته لهم ، فكيف لا | PageV01P167 | يلتجىء العبد عند النوازل ونزول ~~عدوه به إلى ربه وملكه وإلهه ، وهذه طريقة القرآن يحتج | عليهم بإقرارهم ~~بهذا التوحيد على توحيد الإلهية ، هذا معنى كلام ابن القيم ، فإذا تحقق | ~~العبد بهذه الصفات : الرب والملك والإله ، وامثل أمر الله واستعاذ به ، فلا ~~ريب أن هذه عبادة من أجل العبادات ، بل هو من حقائق الإلهية ، فإن استعاذ ~~بغيره فهو عابد لذلك | الغير ، كما أن من صلى لله وصلى لغيره يكون عابدا ~~لغير الله كذلك في الاستعاذة ، ولا فرق | إلا أن المخلوق يطلب منه ما يقدر ~~عليه ويستعاذ به فيه ، بخلاف ما لا يقدر عليه إلا الله ، فلا | يستعاذ فيه ~~إلا بالله ، كالدعاء ، فإن الاستعاذة من أنواعه . # قال : وقول الله تعالى : @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا @QE@ | [ الجن : 6 ] . # ش : المعنى والله أعلم على قول أن الإنس زادوا الجن باستعاذتهم بهم | ~~رهقا ، أي : | إثما وطغيانا وشرا ، فضمير الفاعل على هذا للعائذين من الإنس ~~وضمير المفعول للمستعاذ | بهم من الجن ، وعلى القول الثاني بالعكس ، ~~وزيادتهم للإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم ، | وذلك أن الرجل من العرب كان إذا ~~أمسى في واد قفر في بعض سيره وخاف على نفسه | قال : أعوذ بسيد هذا الوادي ~~من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم . قال مجاهد : كانوا | يقولون إذا هبطوا ~~واديا : نعوذ بعظيم هذا الوادي ، فزادوهم رهقا . قال : زادوا الكفار | ~~طغيانا . رواه عبد بن حميد ، وابن المنذر . والآثار بذلك عن السلف مشهورة ، ~~ووجه | الاستدلال بالآية على الترجمة أن الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما ~~تبين لهم دين | الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وآمنوا به ، ذكروا أشياء من ~~الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية ، من جملتها | الاستعاذة بغير الله ms154 . # وقد أجمع العلماء على أنه لا تجوز الاستعاذة بغير الله ، ولهذا نهوا عن ~~الرقى التي لا | يعرف معناها ، خشية أن يكون فيها شيء من ذلك . قال ملا علي ~~القاري الحنفي : ولا تجوز | الاستعاذة بالجن ، فقد ذم الله الكافرين على ~~ذلك فقال : @QB@ وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ~~@QE@ [ الجن : 6 ] إلى أن قال : وقال تعالى : @QB@ ويوم يحشرهم جميعا يا ~~معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ~~ببعض @QE@ | [ الأنعام : 128 ] فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه ~~وامتثال أوامره ، أو إخباره بشيء | من المغيبات ، واستمتاع الجني بالإنسي ~~تعظيمه إياه ، واستعاذته به ، واستغاثته وخضوعه له . | وفيه أن كون الشيء ~~يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من | الشرك . ~~ذكره المصنف . # قال : وعن خولة بنت حكيم قالت : سمعت رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ~~يقول : ' من نزل منزلا | فقال : أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ، ~~لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله | PageV01P168 | ذلك ' رواه مسلم . # قوله : عن خولة بنت حكيم . أي : ابن أمية السلمية ، يقال لها : أم شريك . ~~ويقال لها : | خويلة بالتصغير ، ويقال : إنها هي الواهبة ، وكانت قبل تحت ~~عثمان بن مظعون . قال ابن | عبد البر : وكانت صالحة فاضلة . # قوله : ( أعوذ بكلمات الله التامات ) . هذا ما شرعه الله لأهل الإسلام أن ~~يستعيذوا به | بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن ، فشرع الله ~~للمسلمين أن يستعيذوا به أو | بصفاته . قال القرطبي في ' المفهم ' : قيل : ~~معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب ، | كما يلحق كلام البشر . وقيل ~~: معناه الشافية الكافية ، وقيل : الكلمات هنا : هي القرآن ، فإن | الله ~~أخبر عنه بأنه @QB@ هدى وشفاء @QE@ [ فصلت : 44 ] وهذا الأمر على جهة ~~الإرشاد إلى ما | يدفع به الأذى . ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى ~~والالتجاء إليه ، كان ذلك من باب | المندوب إليه المرغب فيه . وعلى هذا فحق ~~المتعوذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق | الله في التجائه ms155 إليه ، ~~ويتوكل في ذلك عليه ، ويحضر ذلك في قلبه ، فمتى فعل ذلك وصل | إلى منتهى ~~طلبه ، ومغفرة ذنبه . وقال غيره . وقد اتفق العلماء على أن الاستعاذة ~~بالمخلوق | لا تجوز ، واستدلوا بحديث خولة ، وقالوا : فيه دليل على أن ~~كلمات الله غير مخلوقة ، | وردوا به على الجهمية والمعتزلة في قولهم بخلق ~~القرآن ، قالوا : فلو كانت كلمات الله | مخلوقة لم يأمر بها النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] بالاستعاذة بها ، لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك . # وقال شيخ الإسلام : وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة ~~| بمخلوق ، وهذا مما استدلوا به على أنه كلام الله غير مخلوق . قالوا : ~~لأنه ثبت عن | النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه استعاذ بكلمات الله وأمر ~~بذلك ، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي | لا يعرف معناها ~~خشية أن يكون فيها شرك . # وقال ابن القيم : ومن ذبح للشيطان ودعاه واستغاث به ، وتقرب إليه بما يحب ~~، فقد | عبده وإن لم يسم ذلك عبادة ، ويسميه استخداما ، وصدق هو استخدام ~~الشيطان له ، فيصير | من خدم الشيطان وعابديه ، وبذلك يخدمه الشيطان لكن ~~خدمة الشيطان له ليست خدمة | عبادة ، فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما ~~يفعل هو به . # قوله : @QB@ من شر ما خلق @QE@ أي : من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من ~~حيوان أو | PageV01P169 | غيره ، إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة ، أو ~~ريحا أو صاعقة ، أي نوع كان من أنواع البلاء | في الدنيا والآخرة وما هاهنا ~~موصولة ليس إلا ، وليس المراد بها العموم الإطلاقي ، بل المراد | التقييدي ~~الوصفي والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر ، لا من شر كل ما خلق الله تعالى ، ~~فإن | الجنة والملائكة والأنبياء ليس فيهم شر ، هذا معنى كلام ابن القيم . ~~قال : والشر يقال على شيئين على الألم وعلى ما يفضي إليه . # قوله : ( لم يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك ) . قال القرطبي : هذا خبر ~~صحيح | وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة ، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت ~~عليه فلم # يضرني شيء إلى أن ms156 تركته ، فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا ، فتفكرت في نفسي ~~فإذا بي قد | نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات . قال المصنف : فيه فضيلة هذا ~~الدعاء مع اختصاره . | PageV01P170 | # | ( [ 13 ] باب : من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره ) # ش : قال شيخ الإسلام : الاستغاثة هي طلب الغوث ، وهو إزالة الشدة ~~كالاستنصار | طلب النصر ، والاستعانة طلب العون . وقال غيره : الفرق بين ~~الاستغاثة والدعاء : أن | الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب كما قال تعالى ~~: ^ ( فاستغثه الذي من شيعته على الذي من | عدوه ) ^ [ القصص : 15 ] وقال : ~~@QB@ إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم @QE@ [ الأنفال : 9 ] | والدعاء أعم من ~~الاستغاثة لأنه يكون من المكروب وغيره ، فعلى هذا عطف الدعاء على | ~~الاستغاثة من عطف العام على الخاص . وقال أبو السعادات : الإغاثة : الإعانة ~~، فعلى هذا | تكون الاستغاثة هي الاستعانة . ولا ريب أن من استغاثك فأغثته ~~فقد أعنته ، إلا أن لفظ | الاستغاثة مخصوص بطلب العون في حالة الشدة ، ~~بخلاف الاستعانة . وقوله : أو يدعو | غيره . المراد بالدعاء هنا . هو دعاء ~~المسألة فيما لا يقدر عليه إلا الله تعالى ، فإن ذلك شرك | لما سيذكره ~~المصنف من الآيات . # واعلم أن الدعاء نوعان : دعاء عبادة ، ودعاء مسألة كما حققه غير واحد ~~منهم : شيخ | الإسلام وابن القيم وغيرهما ، ويراد به في القرآن هذا تارة ، ~~وهذا تارة ، ويراد به | مجموعهما ، وهما متلازمان . فدعاء المسألة هو طلب ~~ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر ، فالمعبود لا بد أن يكون مالكا للنفع ~~والضر ، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد | من دونه ما لا يملك ضرا ولا ~~نفعا كقوله : ^ ( قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا | ولا نفعا و ~~الله هو السميع العليم ) ^ [ المائدة : 76 ] وقوله : @QB@ ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ [ يونس : ~~18 ] وذلك كثير في القرآن | يبين أن المعبود لا بد وأن يكون مالكا للنفع ~~والضر ، فهو يدعى للنفع والضر دعاء المسألة ، | ويدعى خوفا ورجاء دعاء ~~العبادة ، فعلم أن النوعين متلازمان . فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء ms157 | ~~المسألة ، وكل دعاء مسألة متضمن لدعاء العبادة . # وبهذا التحقيق يندفع عنك ما يقوله عباد القبور إذ احتج عليهم بما ذكر ~~الله في القرآن | من الأمر بإخلاص الدعاء له . قالوا : المراد به العبادة ، ~~فيقولون في مثل قوله تعالى : ^ ( وأن | PageV01P171 | المسجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا ) ^ [ الجن : 18 ] أي : لا تعبدوا مع الله أحدا ، فيقال لهم : ~~| وإن أريد به دعاء العبادة ، فلا ينفي أن يدخل دعاء المسألة في العبادة ، ~~لأن دعاء العبادة | مستلزم لدعاء المسألة ، كما أن دعاء المسألة متضمن ~~لدعاء العبادة ، هذا لو لم يرد في دعاء | المسألة بخصوصه من القرآن إلا ~~الآيات التي ذكر فيها دعاء العبادة . فكيف وقد ذكر الله في | القرآن في غير ~~موضع . قال الله تعالى : ^ ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين ) ~~^ | [ الأعراف : 55 ] وقال تعالى ^ ( وادعوه خوفا وطمعا ) ^ [ الأعراف : 56 ~~] وقال تعالى : ^ ( والذين | إذا فعلوا فحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ) ^ [ آل عمران : 135 ] وقال ~~تعالى : ^ ( وسئلوا الله من فضله ) ^ [ النساء : 32 ] وقال تعالى : | ^ ( ~~قل أرءيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم ~~صدقين بل | إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما تشكرون ) ^ [ ~~الأنعام : 40 - 41 ] . # وقال تعالى : ^ ( له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم ~~بشيء إلا كبسط كفيه إلى | الماء ليبلغ فاه وما هو ببلغه وما دعاء الكفرين ~~إلا في ضلل ) ^ [ الرعد : 14 ] وقال تعالى : عن | إبراهيم عليه السلام ^ ( ~~إن ربى لسميع الدعاء ) ^ [ إبراهيم : 39 ] وقال عنه أيضا : ^ ( وأعتزلكم ~~وما | تدعون من دون الله وأدعوا ربى عسى ألآ أكون بدعآء ربى شقيا فلما ~~اعتزلهم وما يعبدون من | دون الله ) ^ [ مريم : 48 - 49 ] وقال تعالى : ^ ( ~~ثم إذا مسكم الضر فإليه تجئرون ثم إذا | كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون ) ^ [ النحل : 53 - 54 ] وقال تعالى : ^ ( قل | ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا ) ^ [ الإسراء : 56 ] | وقال ~~تعالى : ^ ( وإذا مسكم ms158 الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نحكم إلى ~~البر أعرضتم وكان | الإنسان كفورا ) ^ [ الإسراء : 67 ] وقال تعالى : ^ ( ~~قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله | الأسماء الحسنى ) ^ [ ~~الإسراء : 110 ] وقال تعالى عن زكريا عليه السلام : ^ ( قال رب إنى وهن | ~~العظم منى واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعآئك رب شقيا ) ^ [ مريم : 4 ] وقال ~~تعالى : | ^ ( وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ) ^ [ القصص : ~~64 ] وقال تعالى : ^ ( فإذا ركبوا في | الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ~~فلما نجهم إلى البر إذا هم يشركون ) ^ [ العنكبوت : 65 ] فكفى | بهذه ~~الآيات نجاة وحجة وبرهانا في الفرق بين التوحيد والشرك عموما وفي هذه ~~المسألة | خصوصا . وقال تعالى : ^ ( فابتغوا عند الله الرزق ) ^ [ العنكبوت ~~: 17 ] وقال تعالى : ^ ( وإذا مس | الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا ~~خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله | أندادا ليضل عن ~~سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار ) ^ [ الزمر : 8 ] وقال | ~~تعالى : ^ ( والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا ~~| دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ) ~~^ [ فاطر : 13 - 14 ] | وقال تعالى : ^ ( وقال ربكم ادعونى أستجب لكم إن ~~الذين يستكبرون عن عبادتى سيدخلون | PageV01P172 | جهنم داخرين ) ^ [ غافر ~~: 60 ] وغير ذلك من الآيات . # وفي الأحاديث عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ما لا يحصى ، منها قوله [ ~~صلى الله عليه وسلم ] فيما رواه عن ربه تبارك | وتعالى أنه قال ' يا عبادي ~~، كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم ، يا عبادي | كلكم عار إلا من ~~كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني | أهدكم ، ~~يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني ~~أغفر | لكم ' . رواه مسلم . # وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء ~~الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم | يقول : من يدعوني فأستجب له ؟ من ~~يسألني فأعطيه ؟ من يستغفرني فأغفر له ؟ ' رواه البخاري | ومسلم . # وقوله ms159 : ' ليس شيء أكرم على الله من الدعاء ' رواه أحمد والترمذي وابن ~~ماجه وابن | حبان ، والحاكم وصححه . | PageV01P173 # قوله : ' من لم يدع الله يغضب عليه ' رواه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم . # وقوله : ' سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل ' رواه الترمذي . # وقوله : ' الدعاء سلاح المؤمن ، وعماد الدين ، ونور السموات والأرض ' ~~رواه الحاكم | وصححه . | PageV01P174 # وقوله : ' الدعاء هو العبادة ' رواه أحمد والترمذي . وفي حديث آخر : ' ~~الدعاء مخ | العبادة ' رواه الترمذي . # وقوله لما سئل : أي العبادة أفضل ؟ قال : ' دعاء المرء لنفسه ' رواه ~~البخاري في | ' الأدب ' . # وقوله : ' لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل ~~فعليكم بالدعاء | يا عباد الله ' رواه أحمد . وقوله : ' سلوا الله كل شيء ~~حتى الشسع إذا انقطع ، فإنه إن لم PageV01P175 | ييسره لم يتيسر ' رواه أبو ~~يعلى بإسناد صحيح . # وقوله : ' ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى ~~يسأله | الملح ' رواه البزار بإسناد صحيح . | PageV01P176 # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : إني لا أحمل هم الإجابة ، ولكن هم ~~الدعاء ، | فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه . # وقال ابن عباس رضي الله عنهما : أفضل العبادة الدعاء وقرأ @QB@ وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم @QE@ [ غافر : 60 ] رواه ابن المنذر والحاكم وصححه . # وقال مطرف : تذكرت ما جماع الخير ؟ فإذا الخير كثير ، الصلاة والصيام ، ~~وإذا هو في | يد الله تعالى ، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد الله إلا أن ~~تسأله فيعطيك رواه أحمد . | والأحاديث والآثار في ذلك لا يحيط بها إلا الله ~~تعالى . # فثبت بهذا أن الدعاء عبادة من أجل العبادات ، بل هو أكرمها على الله كما ~~تقدم ، فإن | لم يكن الإشراك فيه شركا ، فليس في الأرض شرك ، وإن كان في ~~الأرض شرك فالشرك في | الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من ~~أنواع العبادة ، بل الإشراك في الدعاء | - هو أكبر شرك المشركين الذين بعث ~~إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين | ~~والملائكة ، ويتقربون إليهم ليشفعوا لهم عند الله ms160 ، ولهذا يخلصون في ~~الشدائد لله وينسون ما | PageV01P177 | يشركون ، حتى جاء أنهم إذا جاءتهم ~~الشدائد في البحر يلقون أصنامهم في البحر ويقولون : يا | الله يا الله ، ~~لعلمهم أن آلهتهم لا تكشف الضر ولا تجيب المضطر . وقال تعالى : ^ ( أمن ~~يجيب | المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أءله مع الله ~~قليلا ما تذكرون ) ^ [ النمل : 62 ] فهم كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده ، ~~وأن آلهتهم ليس عندها | شيء من ذلك ، ولهذا احتج سبحانه وتعالى عليهم بذلك ~~أنه هو الإله الحق ، وعلى بطلان | إلهية ما سواه . وقال تعالى : ^ ( فإذا ~~ركبوا فى الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجهم إلى | البر إذا هم ~~يشركون ) ^ [ العنكبوت : 65 ] فهذه حال المشركين الأولين . وأما عباد ~~القبور | اليوم فلا إله إلا الله ، كم ذا بينهم وبين المشركين الأولين من ~~التفاوت العظيم في الشرك ، فإنهم | إذا أصابتهم الشدائد برا وبحرا أخلصوا ~~لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله ، وأكثرهم قد | اتخذ ذكر إلهه ~~وشيخه ديدنه ، وهجيراه إن قام وإن قعد وإن عثر . هذا يقول : يا علي ، وهذا ~~| يقول : يا عبد القادر ، وهذا يقول : يا ابن علوان ، وهذا يدعوا البدوي ، ~~وهذا يدعو العيدروس . | وبالجملة ففي كل بلد في الغالب أناس يدعونهم ~~ويسألونهم قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات . | بل بلغ الأمر إلى أن سألوهم ~~مغفرة الذنوب ، وترجيح الميزان ، ودخول الجنة والنجاة من النار ، | ~~والتثبيت عند الموت والسؤال ، وغير ذلك من أنواع المطالب التي لا تطلب إلا ~~من الله . وقد | يسألون ذلك من أناس يدعون الولاية ، وينصبون أنفسهم لهذه ~~الأمور وغيرها من أنواع النفع | والضر التي هي خواص الإلهية ، ويلفقون لهم ~~من الأكاذيب في ذلك عجائب . منها أنهم | يدعون أنهم يخلصون من التجأ إليهم ~~ولاذ بحماهم من النار والعذاب ، فيقول أحدهم : إنه | يقف عند النار فلا يدع ~~أحدا ممن يرتجيه ويدعوه يدخلها أو نحو هذا ، وقد قال تعالى لسيد | المرسلين ~~صلى الله عليه وعليهم أجمعين : @QB@ أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ ~~من في النار @QE@ [ الزمر : 19 ] فإذا كان النبي [ صلى الله ms161 عليه وسلم ] لا ~~يقدر على تخليص أحد من النار ، فكيف بغيره ، بل | كيف بمن يدعي نفسه أنه هو ~~يفعل ذلك ؟ ومنها أن أكثرهم يلفق حكايات في أن بعض الناس | استغاث بفلان ~~فأغاثه ، أو دعا الولي الفلاني فأجابه ، أو في كربة ففرج عنه ، وعند عباد ~~القبور | من ذلك شيء كثير من جنس ما عند عباد الأصنام الذين استولت عليهم ~~الشياطين ، ولعبوا | بهم لعب الصبيان بالكرة . # ويوجد شيء من ذلك في أشعار المادحين لسيد المرسلين [ صلى الله عليه وسلم ~~] الذين جاوزوا الحد في | مدحه [ صلى الله عليه وسلم ] وعصوه في نهيه من ~~الغلو فيه ، وإطرائه كما أطرت النصارى ابن مريم ، وصار | حظهم منه [ صلى ~~الله عليه وسلم ] هو مدحه بالأشعار والقصائد ، والغو الزائد ، مع عصيانهم ~~له في أمره | ونهيه ، فنجد هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه ~~وسلامه . ويقع من ذلك كثير | في مدح غيره ، فإن عباد القبور لا يقتصر على ~~بعض من يعتقدون فيه الضر والنفع ، بل | كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه ~~وأنزلوه منزلة الربوبية وصرفوا له خالص العبودية ، | PageV01P178 | حتى ~~إنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني ~~رجل | صالح ، وبادروا إلى المحل وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف ، ~~وعبدوها بأنواع من | العبادات . وأما القبور المعروفة أو المتوهمة ، ~~فأفعالهم معها وعندها لا يمكن حصره ، فكثير | منهم إذا رأوا القباب التي ~~يقصدونها كشفوا الرؤوس فنزلوا عن الأكوار ، فإذا أتوها طافوا | بها ~~واستلموا أركانها ، وتمسحوا بها ، وصلوا عندها ركعتين ، وحلقوا عندها ~~الرؤوس | ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم ، وهذا هو الحج ، ~~وكثير منهم يسجدون | لها إذا رأوها ، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيما لها ~~، وخضوعا لمن فيها ، فإن كان | للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك ~~، نادى صاحب القبر ، يا سيدي فلان | جئتك قاصدا من مكان بعيد ، لا تخيبني ، ~~وكذلك إذا قحط المطر ، أو عقرت المرأة عن | الولد ، أو دهمهم عدو أو جراد ، ~~فزعوا إلى صاحب القبر ، وبكوا عنده فإن جرى ms162 | المقدور بحصول شيء مما يريدون ~~، استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب القبر ، | فإن لم يتيسر شيء من ذلك ~~اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في مكان آخر ، أو | ساخط لبعض أعمالهم ~~، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف ، أو أنهم لم يعطوه نذره ونحو | هذه ~~الخرافات . # ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين [ صلى الله عليه وسلم ] قول ~~البوصيري : | # % يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به % % سواك عند حلول الحادث العمم % # % ولن يضيق رسول الله جاهك بي % % إذا الكرم تجلى باسم منتقم % # % فإن لي ذمة منه بتسميتي % % محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم % # % إن لم يكن في معادي آخذا بيدي % % فضلا وإلا فقل يا زلة القدم % % ~~فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك . # منها أنه نفى أن يكون له ملاذا إذا حلت به الحوادث ، إلا النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] ، وليس ذلك إلا لله | وحده لا شريك له ، فهو الذي ليس ~~للعباد ملاذ إلا هو . # الثاني : أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه ، وسأل ~~منه هذه المطالب | التي لا تطلب إلا من الله ، وذلك هو الشرك في الإلهية . # الثالث : سؤاله منه أن يشفع له في قوله : | # % ولن يضيق رسول الله . . . البيت % % # وهذا هو الذي أراده المشركون ممن عبدوه ، وهو الجاه والشفاعة عند الله ، ~~وذلك هو | الشرك وأيضا فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى ~~لطلبها من غيره ، فإن الله تعالى هو | الذي يأذن للشافع لأن الشافع يشفع ~~ابتداء . | PageV01P179 # الرابع : قوله : فإن لي ذمة . . . إلى آخره . # كذب على الله وعلى رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] فليس بينه وبين من اسمه ~~محمد ذمة إلا بالطاعة ، لا | بمجرد الإشراك في الاسم مع الشرك . | الخامس : ~~قوله : | # % إن لم يكن في معادي . . . البيت . % % # تناقض عظيم وشرك ظاهر ، فإنه طلب أولا أن لا يضيق به جاهه ، ثم طلب هنا ~~أن | يأخذ بيده فضلا وإحسانا ، وإلا فيا هلاكه . # فيقال : كيف طلبت منه أولا الشفاعة ثم طلبت منه هنا أن يتفضل عليك فإن ~~كنت | تقول ms163 : إن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله ، فكيف تدعو النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] وترجوه وتسأله | الشفاعة ؟ فهلا سألتها من له الشفاعة ~~جميعا الذي له ملك السموات والأرض الذي لا تكون | الشفاعة إلا من بعد إذنه ~~، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله . # وإن قلت : ما أريد إلا جاهه ، وشفاعته بإذن الله . # قيل : فكيف سألته أن يتفضل عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين ، فهذا مضاد ~~لقوله | تعالى : ^ ( ومآ أدرك ما يوم الدين * ثم مآ أدرك ما يوم الدين * ~~يوم لا تملك نفس لنفس | شيئا والأمر يومئذ لله * ) ^ [ الانفطار : 17 - 19 ~~] فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا | وهذا . # وإن قلت : سألته أن يأخذ بيدي ، ويتفضل علي بجاهه وشفاعته . # قيل : عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير الله ، وذلك هو محض الشرك . # السادس : في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد ~~على | المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى على مؤمن فأين هذا من ~~قوله تعالى : | @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ [ الفاتحة : 5 ] وقوله ~~تعالى : @QB@ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب ~~العرش العظيم @QE@ [ التوبة : 129 ] وقوله : | ^ ( وتوكل على الحي الذي لا ~~يموت وسبح بحمده وكفى به وكفى به بذنوب عباده خبيرا * ) ^ [ الفرقان : | 58 ~~] وقوله تعالى : ^ ( قل إني لآ أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني ~~من الله أحد ولن أجد | من دونه ملتحدا * إلا بلغا من الله ورسلته ) ^ [ ~~الجن : 21 - 23 ] . # فإن قيل : هو لم يسأله أن يتفضل عليه ، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في ~~عموم شفاعته | فيا هلاكه . قيل : المراد بذلك سؤاله ، وطلب الفضل منه ، كما ~~دعاه أول مرة وأخبر أنه لا | ملاذ له سواه ، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان ~~بصيغة الشرط والدعاء ، والسؤال كما | PageV01P180 | يكون بصيغة الطلب يكون ~~بصيغة الشرط كما قال نوح عليه السلام : ^ ( وإلا تغفر لي وترحمني | أكن من ~~الخسرين ) ^ [ هود : 47 ] . # ومن شعر البرعي قوله : | # % ماذا تعامل يا شمس النبوة من % أضحى ms164 إليك من الأشواق في كبدي % # % فامنع جناب صريع لا صريخ له % نائي المزار غريب الدار مبتعد % # % حليف ودك واه الصبر منتظر % لغارة منك يا ركني ويا عضدي % # % أسير ذنبي وزلاني ولا عمل % أرجو النجاة به إن أنت لم تجد % # وجرى في شركه إلى أن قال : # # % وحل عقدة كربي يا محمد من % هم على خطرات القلب مطرد % # % أرجوك في سكرات الموت تشهدني % % كيما يهون إذ الأنفاس في صعد % # % وإن نزلت ضريحا لا أنيس به % فكن أنيس وحيد فيه منفرد % # % وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن % يليه من أجله وانعشه وافتقد % # % وإن دعا فأجبه واحم جانبه % من حاسد شامت أو ظالم نكد % # وقوله من أخرى : | # % يا رسول الله يا ذا الفضل يا % % بهجة في الحشر جاها ومقاما % # % عد على عبد الرحيم الملتجي % % بحمى عزك يا غوث اليتامى % # % وأقلني عثرتي يا سيدي % % في اكتساب الذنب في خمسين عاما % # وقوله : | # % يا سيدي يا رسول الله يا أملي % % يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني % # % هبني بجاهك ما قدمت من زلل % جودا ورجح بفضل منك ميزاني % # % واسمع دعائي واكشف ما يساورني % % من الخطوب ونفس كل أحزاني % # % فأنت أقرب من ترجى عواطفه % عندي وإن بعدت داري وأوطاني % # % إني دعوتك من ' نيابتي برع ' % وأنت أسمع من يدعوه ذو شان % # % فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي % % برحمة وكرامات وغفران % # لقد أنسانا هذا ما قبله ، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى عليه ~~السلام ، إلا | أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله ، وهذا لم يطلقه ولكن أتى ~~بلباب دعواهم وخلاصتها ، وترك | الاسم ، إذ في الاسم نوع تمييز ، فرأى ~~الشيطان أن الإتيان بالمعنى دون الاسم أقرب إلى | ترويج الباطل ، وقبوله ~~عند ذوي العقول السخيفة ، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية | أن دعوى ~~النصارى في عيسى عليه السلام كفر . فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى | ~~PageV01P181 | لردوه وأنكروه ، فأخذ المعنى وأعطاه البرعي وأضرابه ، وترك ~~الاسم للنصارى فما ندري | ماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث للخالق تعالى وتقدس ~~من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب ، | فالله المستعان ms165 . وهذا كثير جدا في أشعار ~~المادحين لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، وهو حجة أعداء دينه | الذين ~~يجوزون الشرك بالله ، ويحتجون بأشعار هؤلاء ، ولم يقتصروا أيضا على طلب ذلك ~~| من النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، بل يطلبون مثل ذلك من غيره ، ما حدث ~~بعض الثقاة أنه رأى في رابية | صاحب مشهد من المشاهد : هذه راية البحر ~~التيار ، به أستغيث ، وأستجير ، وبه أعوذ من النار . # وقال بعضهم في قصيدة في بعض آلهتهم : | # % يا سيدي يا صفي الدين يا سندي % % يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري % # % أنت الملاذ لما أخشى ضرورته % وأنت لي ملجأ من حادث الدهر % # إلى أن قال : | # % وامنن علي بتوفيق وعافية % وخير خاتمة مهما انقضى عمري % # % وكف عنا أكف الظالمين إذا امتدت % بسوء لأمر مؤلم نكر % # % فإنني عبدك الراجي بودك ما % % أملته يا صفي السادة الغرر % # قال بعض العلماء : فلا ندري أي معنى اختص به الخالق تعالى بعد هذه ~~المنزلة ، وماذا | أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر ، فإن المشركين ~~أهل الأوثان ما يؤهلون من عبدوه | لشيء من هذا . انتهى . # وكثير من عباد القبور ينادون الميت من مسافة شهر وأكثر يسألونه حوائجهم ، ~~ويعتقدون | أنه يسمع دعائهم ويستجيب لهم ، وتسمع عندهم حال ركوبهم البحر ~~واضطرابه من دعاء | الأموات والاستغاثة بهم ما لا يخطر على بال ، وكذلك إذا ~~أصابتهم الشدائد ، من مرض ، أو | كسوف ، أو ريح شديدة ، أو غير ذلك ، ~~فالولي في ذلك نصب أعينهم ، والاستغاثة به هي | ملاذهم ، ولو ذهبنا نذكر ما ~~يشبه هذا لطال الكلام . # إذا عرفت هذا ، فقد تقدم ذكر دعاء المسألة . # أما دعاء العبادة ، فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات ، من الصلاة ، ~~والذبح ، والنذر ، | والصيام ، والحج وغيرها ، خوفا وطمعا ، يرجو رحمته ، ~~ويخاف عذابه ، وإن لم يكن في | ذلك صيغة سؤال وطلب ، فالعابد الذي يريد ~~الجنة ويهرب من النار ، وهو سائل راغب | راهب ، يرغب في حصول مراده ، ويذهب ~~من فواته ، وهو سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في | فعل العبادة ، وقد فسر ~~قوله تعالى : @QB@ ادعوني أستجب لكم @QE@ [ غافر : 60 ms166 ] بهذا وهذا . قيل : ~~| اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم ، وقيل : سلوني أعطكم ، وعلى هذا القول ~~تدل | PageV01P182 | الأحاديث والآثار . # إذا تبين ذلك ، فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئا من نوعي ~~الدعاء لغير | الله فهو مشرك ، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ~~وصلى وصام ، إذ شرط الإسلام مع | التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله ، ~~فمن أتى بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة | وإن تلفظ بهما ~~كاليهود الذين يقولون : لا إله إلا الله وهم مشركون ، ومجرد التلفظ بهما لا ~~| يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما واعتقاده إجماعا . # ذكر شيء من كلام العلماء في ذلك وإن كنا غنيين بكتاب ربنا وسنة نبينا [ ~~صلى الله عليه وسلم ] عن كل ، | كلام إلا أنه قد صار بعض الناس منتسبا إلى ~~طائفة معينة ، فلو أتيته بكل آية من كتاب الله | وكل سنة عن رسول الله [ ~~صلى الله عليه وسلم ] لم يقبل حتى تأتيه بشيء من كلام العلماء ، أو بشيء من ~~كلام | طائفته التي ينتسب إليها . # قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب ' الفنون ' الذي ~~ألفه في نحو | أربعمائة مجلد ، وغيره من التصانيف . قال في الكتاب المذكور ~~: لما صعبت التكاليف على | الجهال والطغام ، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى ~~تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم ، فسهلت | عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمير ~~غيرهم ، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع ، مثل تعظيم | القبور ، وخطاب الموتى ~~بالحوائج ، وكتب الرقاع فيها : يا مولاي افعل بي كذا وكذا ، أو | إلقاء ~~الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى . نقله غير واحد ، مقررين له ~~، | راضين به ، منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي ، والإمام ابن مفلح صاحب ~~كتاب ' الفروع ' | وغيرهما . # وقال شيخ الإسلام في ' الرسالة السنية ' : فإذا كان على عهد النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] من انتسب إلى | الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة ، ~~فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه | الأزمان أيضا قد يمرق أيضا ~~من الإسلام وذلك بأسباب : منها الغلو الذي ذمه الله ms167 في كتابه | حيث قال : ^ ~~( يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم ) ^ [ النساء : 171 ] . وكذلك الغلو في | ~~بعض المشايخ ، بل الغلو في علي بن أبي طالب ، بل الغلو في المسيح عليه ~~السلام ، فكل | من غلا في نيي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية ، مثل ~~أن يقول : يا سيدي فلان | انصرني ، أو أغثني ، أو ارزقني أو اجبرني ، أو ~~أنا في حسبك ، ونحو هذه الأقوال ، فكل | هذا شرك وضلال ، يستتاب صاحبه ، ~~فإن تاب وإلا قتل ، فإن الله إنما أرسل الرسل وأنزل | الكتب ليعبد وحده ، ~~ولا يدعى معه إله آخر والذين يدعون مع الله آلهة أخرى ، مثل | المسيح ، ~~والملائكة ، والأصنام ، لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر ~~، أو | تنبت النبات ، وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم ، أو يعبدون ~~صورهم ، يقولون : @QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ [ الزمر ~~: 3 ] ويقولون : @QB@ هؤلاء شفعاؤنا عند الله @QE@ [ يونس : | PageV01P183 ~~| 18 ] فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه ، لا دعاء عبادة ، ولا ~~دعاء استغاثة انتهى . # وقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي صاحب كتاب ' الخطط ' في كتاب ~~له | في التوحيد على أن دعاء غير الله شرك . # وقال شيخ الإسلام : من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم يدعوهم ~~ويسألهم ، | كفر إجماعا ، نقله عنه غير واحد مقررين له ، منهم ابن مفلح في ~~' الفروع ' وصاحب | ' الإنصاف ' وصاحب ' الغاية ' وصاحب ' الإقناع ' وشارحه ~~وغيرهم ، ونقله صاحب ' القواطع ' | في كتابه عن صاحب ' الفروع ' . # قلت : وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين ، وقد نص العلماء من أهل | ~~المذاهب الأربعة ، وغيرهم في باب حكم المرتد ، على أن من أشرك بالله فهو ~~كافر ، أي : | عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات . وقد ثبت بالكتاب ~~والسنة والإجماع أن دعاء الله | عبادة له ، فيكون صرفه لغير الله شركا . # وقال الإمام ابن النحاس الشافعي في كتاب ' الكبائر ' : ومنها إيقادهم ~~السرج عند | الأحجار ، والأشجار والعيون ، والآبار ، ويقولون : إنها تقبل ~~النذر ، وهذه كلها بدع شنيعة | ومنكرات قبيحة تجب إزالتها ومحو أثرها ، فإن ~~أكثر الجهال ms168 يعتقدون أنها تنفع وتضر . | وتجلب وتدفع ، وتشفي المرض وترد ~~الغائب ، إذا نذر لها ، وهذا شرك ومحادة لله تعالى | ولرسوله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] . # قلت : فصرح رحمه الله أن الإعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب ، ~~وتدفع ، | وتشفى المريض وترد الغائب إذا نذر لها ، أن ذلك شرك ، وإذا ثبت ~~أنه شرك ، فلا فرق في | ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين ، ولا بين ~~اعتقاده في الأصنام والأوثان ، إذ لا يجوز | الإشراك بين الله تعالى وبين ~~مخلوق فيما يختص بالخالق سبحانه ، كما قال تعالى : ^ ( ولا | يأمركم أن ، ~~تتخذوا الملئكة والنبين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون * ) ^ [ ~~آل عمران : | 80 ] وهذا بعينه هو الذي يعتقده من دعا الأنبياء والصالحين ، ~~ولهذا يسألونهم قضاء | الحاجات ، وتفريج الكربات ، وشفاء ذوي الأمراض ~~والعاهات ، فثبت أن ذلك شرك . # وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في ' شرح المنازل ' ومن أنواعه أي ~~: الشرك ، | طلب الحوائج من الموتى ، والاستغاثة بهم ، والتوجه إليهم ، ~~وهذا أصل شرك العالم ، فإن | الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه ضرا ~~ولا نفعا ، فضلا لمن استغاث به أو سأله أن | يشفع إلى الله ، وهذا من جهله ~~بالشافع والمشفوع عنده ، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده أحد | إلا بإذنه ، ~~والله سبحانه لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه ، وإنما السبب لإذنه كمال ~~التوحيد ، | فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن ، والميت محتاج إلى من يدعو ~~له ، كما أمرنا النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | PageV01P184 | إذا زرنا ~~قبور المسلمين أن نترحم عليهم ، وندعو لهم ، ونسأل لهم العافية والمغفرة ، ~~| فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة ، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد ، ~~فجمعوا بين | الشرك بالمعبود وتغيير دينه ، ومعاداة أهل التوحيد ، ونسبتهم ~~إلى التنقص بالأموات ، وهم قد | تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه ~~الموحدين بذمهم ومعاداتهم ، وتنقصوا من أشركوا به | غاية التنقص ، إذ ظنوا ~~أنهم راضون منهم بهذا ، وأنهم أمروهم به ، وهؤلاء هم أعداء الرسل | في كل ~~زمان ومكان . وما أكثر المستجيبين لهم ! ولله در خليله إبراهيم عليه الصلاة ~~والسلام | حيث قال : @QB@ واجنبني وبني ms169 أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن ~~كثيرا من الناس @QE@ [ إبراهيم : | 35 - 36 ] وما نجا من أشرك بهذا الشرك ~~الأكبر ، إلا من جرد توحيده لله ، وعادى المشركين | في الله ، وتقرب بمقتهم ~~إلى الله . # وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في رده على السبكي وقوله : أي : قول | ~~السبكي : إن المبالغة في تعظيمه ، أي تعظيم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ~~] واجبة : إن أريد به المبالغة | بحسب ما يراه كل أحد تعظيما ، حتى الحج ~~إلى قبره ، والسجود له ، والطواف به ، واعتقاد | أنه يعلم الغيب ، وأنه ~~يعطي ويمنع ، ويملك لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع ، وأنه | يقضي ~~حوائج السائلين ، ويفرج كربات المكروبين ، وأنه يشفع فيمن يشاء ، ويدخل ~~الجنة من | يشاء ، فدعوى المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ ~~من جملة الدين . # قلت : هذا هو اعتقاد عباد القبور فيمن هو دون الرسول [ صلى الله عليه ~~وسلم ] فضلا عن الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] كما | تقدم بعض ذلك ، والأمر ~~أعظم وأطم من ذلك . # وفي ' الفتاوى البزازية ' من كتب الحنفية ، قال علماؤنا : من قال : أرواح ~~المشايخ | حاضرة تعلم ، يكفر . فإن أراد بالعلماء علماء الشريعة فهو حكاية ~~للإجماع على كفر معتقد | ذلك ، وإن أراد علماء الحنفية خاصة ، فهو حكاية ~~لاتفاقهم على كفر معتقد ذلك ، وعلى | التقديرين تأمله تجده صريحا في كفر من ~~دعا أهل القبور ، لأنه ما دعاهم حتى اعتقد أنهم | يعلمون ذلك ، ويقدرون على ~~إجابة سؤاله ، وقضاء مأموله . # وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه الذي ألفه في الرد على من ~~ادعى أن PageV01P185 | للأولياء تصرفا في الحياة وبعد الممات في سبيل ~~الكرامة : هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين | المسلمين جماعات يدعون أن ~~للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، ويستغاث بهم | في الشدائد ~~والبليات ، وبهممهم تشكف المهمات ، فيأتون قبورهم ، وينادونهم في قضاء | ~~الحاجات ، مستدلين على أن ذلك منهم كرامات ، وقالوا : منهم أبدال ونقباء ، ~~وأوتاد | ونجباء ، وسبعون وسبعة ، وأربعون وأربعة ، والقطب هو الغوث للناس ~~، وعليه المدار بلا | التباس ، وجوزوا لهم الذبائح والنذور ، وأثبتوا لهم ms170 ~~فيها الأجور . قال : وهذا الكلام فيه | تفريط وإفراط ، بل فيه الهلاك ~~الأبدي ، والعذاب السرمدي ، لما فيه من روائح الشرك | المحقق ، ومصادمة ~~الكتاب العزيز المصدق ، ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه | الأمة . ~~وفي التنزيل @QB@ ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا @QE@ [ النساء : 115 ] إلى ~~أن قال : الفصل الأول | فيما انتحلوه من الإفك الوخيم والشرك العظيم . . . ~~إلى أن قال : فأما قولهم : إن للأولياء | تصرفات في حياتهم وبعد الممات ، ~~فيرده قوله تعالى : ^ ( أءله مع الله ) ^ [ النمل : 61 ] @QB@ ألا له الخلق ~~والأمر @QE@ [ الأعراف : 54 ] ^ ( لله ملك السموت والأرض ) ^ [ المائدة : ~~120 ] ونحوه من الآيات | الدالة على أنه المنفرد بالخلق والتدبير ، والتصرف ~~والتقدير ، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه | من الوجوه ، فالكل تحت ملكه ~~وقهره تصرفا وملكا ، وإحياء وإماتة ، وخلقا ، وتمدح الرب | سبحانه بانفراده ~~في ملكه بآيات من كتابه كقوله : ^ ( هل من خلق غير الله ) ^ [ فاطر : 3 ] | ~~@QB@ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير @QE@ [ فاطر : 13 ] وذكر ~~آيات في هذا | المعنى ثم قال : فقوله في الآيات كلها ( من دونه ) أي : من ~~غيره ، فإنه عام يدخل فيه من | اعتقدته من ولي وشيطان تستمده ، فإن من لم ~~يقدر على نصر نفسه كيف يمد غيره ، إلى أن | قال : فكيف يتصور لغيره من ممكن ~~أن يتصرف ، إن هذا من السفاهة لقول وخيم ، وشرك | عظيم ، إلى أن قال : وأما ~~القول بالتصرف بعد الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف | في الحياة . ~~قال جل ذكره : @QB@ إنك ميت وإنهم ميتون @QE@ [ الزمر : 30 ] @QB@ الله ~~يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ~~@QE@ [ الزمر : 42 ] @QB@ كل نفس ذائقة الموت @QE@ [ آل عمران : 185 ] @QB@ ~~كل نفس بما كسبت رهينة @QE@ [ المدثر : 38 ] وفي | الحديث : ' إذا مات ابن ~~آدم انقطع عمله ' . الحديث ، فجميع ذلك وما هو نحوه دال على | PageV01P186 ~~| انقطاع الحس والحركة من الميت ، وأن أرواحهم ممسكة ، وأن أعمالهم منقطعة ~~عن زيادة | ونقصان ، فدل ذلك أن ليس للميت ms171 تصرفا في ذاته فضلا عن غيره ~~بحركة ، وأن روحه | محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر ، فإذا عجز عن حركة ~~نفسه فكيف يتصرف في غيره ؟ | فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده ، وهؤلاء ~~الملحدون يقولون : إن الأرواح مطلقة | متصرفة . قل أأنتم أعلم أم الله ؟ # قال : وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات ، فهو من المغالطة ~~، لأن | الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه ، لا قصد لهم فيه ولا ~~تحدي ، ولا قدرة ولا | علم ، كما في قصة مريم بنت عمران وأسيد بن حضير وأبي ~~مسلم الخولاني . # قال : وأما قولهم : فيستغاث بهم في الشدائد ، فهذا أقبح مما قبله ، وأبدع ~~لمصادمته | قوله جل ذكره : ^ ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ~~ويجعلكم خلفاء الأرض أءله | مع الله ) ^ [ النمل : 62 ] ^ ( قل من ينجيكم ~~من ظلمت البر والبحر ) ^ [ الأنعام : 63 ] وذكر آيات في | هذا المعنى ثم ~~قال : فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره ، وأنه المتعين لكشف | ~~الشدائد والكرب وأنه المتفرد بإجابة المضطرين ، وأنه المستغاث لذلك كله ، ~~وأنه القادر على | دفع الضر ، والقادر على إيصال الخير ، فهو المنفرد بذلك ~~فإذا تعين هو جل ذكره ، خرج غيره | من ملك ونبي وولي . # قال : والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة العادية من الأمور الحسية في ~~قتال أو | إدراك عدو أو سبع ونحوه كقولهم : يا لزيد يا لقوم يا للمسلمين ~~كما ذكروا ذلك في كتب | النحو بحسب الأسباب الظاهرة بالفعل ، وأما ~~الاستغاثة بالقوة والتأثير ، أو في الأمور | المعنوية من الشدائد ، كالمرض ~~وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه ، فمن | خصائص الله ، فلا يطلب ~~فيها غيره . قال : وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء | حاجاتهم كما ~~تفعله جاهلية العرب والصوفية والجهال ، وينادونهم ويستنجدون بهم ، فهذا | ~~من المنكرات ، إلى أن قال : فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح ~~أو غير ذلك في | كشف كربه أو قضاء حاجته تأثيرا ، فقد وقع في وادي جهل خطير ~~، فهو على شفا حفرة من | السعير . وأما كونهم مستدلين على أن ذلك ms172 منهم ~~كرامات ، فحاشى لله أن تكون أولياء الله | بهذه المثابة ، فهذا ظن أهل ~~الأوثان كذا أخبر الرحمن ^ ( هؤلاء شفعؤنا عند الله ) ^ [ يونس : | 18 ] ~~@QB@ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ [ الزمر : 3 ] ^ ( ءأتخذ ~~من دونه ءالهة إن يردن | الرحمن بضر لا تغن عني شفعتهم شيئا ولا ينقذون * ) ~~^ [ يس : 23 ] فإن ذكر ما ليس من | شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي ~~وغيره على وجه الإمداد منه إشراك مع الله ، إذ لا قادر | على الدفع غيره ، ~~ولا خير إلا خيره قال : وأما ما قالوه : من أن منهم أبدالا ونقباء ، ~~وأوتادا | ونجباء ، وسبعين وسبعة ، وأربعين وأربعة ، والقطب هو الغوث للناس ~~، فهذا من موضوعات # # # | PageV01P187 | إفكهم ، كما ذكره القاضي المحدث ابن العربي في ' سراج ~~المريدين ' وابن الجوزي وابن | تيمية . انتهى باختصار . # ومثل هذا يوجد في كلام غيرهم من العلماء ، والمقصود أن أهل العلم ما ~~زالوا ينكرون | هذه الأمور ويبينون أنها شرك ، وإن كان بعض المتأخرين ممن ~~ينتسب إلى العلم والدين ممن | أصيب في عقله ودينه قد يرخص في بعض هذه ~~الأمور ، وهو مخطئ في ذلك ، ضال | مخالف لكتاب الله وسنة رسوله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] وإجماع المسلمين ، فكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك | إلا قول ~~ربنا وقول رسول [ صلى الله عليه وسلم ] ، فإن ذلك لا يتطرق إليه الخطأ بحال ~~، بل واجب على الخلق | اتباعه في كل زمان ، على أنه لو أجمع المتأخرون على ~~جواز هذا لم يعتد بإجماعهم | المخالف لكلام الله وكلام رسوله في محل النزاع ~~، لأنه إجماع غير معصوم ، بل هو من زلة | العالم التي حذرنا من اتباعها ، ~~وأما الإجماع المعصوم ، فهو إجماع الصحابة والتابعين وما | وافقه ، وهو ~~السواد الأعظم الذي ورد الحث على اتباعه وإن لم يكن عليه إلا الغرباء الذين ~~| أخبر بهم [ صلى الله عليه وسلم ] في قوله : ' بدأ الإسلام غريبا وسيعود ~~غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء ' رواه | مسلم ، لا ما كان عليه العوام ~~والطغام ، والخلف المتأخرون الذين يقولون ما لا يفعلون ، | ويفعلون ما لا ~~يؤمرون . # قال : وقول الله تعالى ms173 : ^ ( ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ~~فإن فعلت فإنك إذا من | الظلمين * وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو * ~~) ^ [ يونس : 106 - 107 ] . # ش : قال ابن عطية : معناه قيل لي : ولا تدع ، فهو عطف على ' أقم ' وهذا ~~الأمر | والمخاطبة للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] إذا كانت هكذا ، فأحرى أن ~~يحذر من ذلك غيره ، وقال غيره : @QB@ فإن فعلت @QE@ معناه : فإن دعوت من ~~دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك ، فكنى عنه بالفعل إيجازا | ^ ( فإنك إذا من ~~الظلمين ) ^ إذا جزاء للشرط وجواب لسؤال مقدر ، كأن سائلا سأل عن تبعة | ~~PageV01P188 | عبادة الأوثان ، وجعل من الظالمين ، لأنه لا ظلم أعظم من ~~الشرك @QB@ إن الشرك لظلم عظيم @QE@ [ لقمان : 13 ] . | قلت : حاصل كلام ~~المفسرين أن الله تعالى نهى رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] أن يدعو من دونه ~~ما لا | ينفعه ولا يضره ، والمراد به كل ما سوى الله ، فإنهم لا ينفعون ولا ~~يضرون وسواء في ذلك | الأنبياء والصالحون وغيرهم ، كما قال تعالى : ^ ( وأن ~~المسجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا * ) ^ | [ الجن : 18 ] وقال النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] لابن عباس : ' إذا سألت فاسأل الله ، وإذا استعنت فاستعن ~~بالله ، | واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء ~~قد كتبه الله لك ، وإن | اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد ~~كتبه الله عليك ' رواه الترمذي ، | وقال : حسن صحيح . # وفي الآية تنبيه على أن المدعو لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر حتى يعطي ~~من دعاه | أو يبطش بمن عصاه ، وليس ذلك إلا لله وحده ، فتعين أن يكون هو ~~المدعو دون ما سواه ، | والآية شاملة لنوعي الدعاء . وقوله : ^ ( فإن فعلت ~~فإنك إذا من الظلمين ) ^ [ يونس : 106 ] أي | PageV01P189 | المشركين ، ~~وهذا كقوله : ^ ( فلا تدع مع الله إلها ءاخر فتكون من المعذبين * ) ^ [ ~~الشعراء : 213 ] | وقوله : ^ ( ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن ~~أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من | الخسرين * ) ^ [ الزمر : 65 ] وقوله : في ~~الأنبياء : @QB@ ولو أشركوا لحبط عنهم ما ms174 كانوا يعملون @QE@ | [ الأنعام : ~~88 ] فإذا كان الأمر لا يصدر من الأنبياء وحاشاهم من ذلك لم يفكوا أنفسهم ~~من | عذاب الله ، فما ظنك بغيرهم ؟ فلم يبق شيء يقرب إلى الله ويباعد من ~~سخطه إلا توحيده | والعمل بما يرضاه ، لا الاعتماد على شخص أو قبر أو صنم ~~أو وثن أو مال أو غير ذلك من | الأسباب ^ ( ومن يدع مع الله إلها ءاخر لا ~~برهن له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح | الكفرون * ) ^ [ المؤمنون : ~~117 ] والآية نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك أكبر ، | ولهذا قال ~~: ^ ( وإن يمسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ) ~~^ | [ يونس : 107 ] لأنه المتفرد بالملك والقبر والعطاء والمنع ، ولازم ذلك ~~إفراده بتوحيد الإلهية | لأنهما متلازمان ، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب ~~الخير ، لأنه لا يكشف الضر إلا هو ، | ولا يجلب الخير إلا هو @QB@ ما يفتح ~~الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم @QE@ [ فاطر : 2 ] فتعين أن لا يدعي لذلك إلا هو ، وبطل دعاء من | ~~سواه ممن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عن غيره ، وهذا ضد ما عليه عباد ~~القبور ؛ | فإنهم يعتقدون أن الأولياء والطواغيت الذين يسمونهم المجاذيب ~~ينفعون ويضرون ويمسون | بالضر ويكشفونه ، وأن لهم التصرف المطلق في الملك ، ~~أي : على سبيل الكرامة ، وهذا | فرق شرك كفار العرب ، وإما على سبيل ~~الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين | قالوا : @QB@ ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى @QE@ [ الزمر : 3 ] . # وفي الآية دليل على أن أصلح الناس لو يفعله إرضاء لغيره صار من الظالمين ~~. ذكره | المصنف . وقوله : @QB@ يصيب به من يشاء من عباده @QE@ [ يونس : ~~107 ] فلا يرده عنه راد ، لأنه | العزيز الذي لا يغالب ولا يمانع ولا راد ~~لقضائه ولا معقب لحكمه ، فأي فائدة في دعاء | غيره لشفاعة أو غيرها ؟ فإنه ~~تعالى فعال لما يريد ، لا يغنيه عنه شفيع ولا غيره ، بل لا يتكلم | أحد ~~عنده إلا بإذنه @QB@ ما ms175 لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ | [ ~~السجدة : 4 ] . # وقوله : @QB@ وهو الغفور الرحيم @QE@ [ يونس : 107 ] أي لمن تاب إليه ~~وأقبل عليه حتى ولو | كان من الشرك . # قال : وقوله : @QB@ فابتغوا عند الله الرزق @QE@ [ العنكبوت : 17 ] . | ش ~~: أمر الله تعالى بابتغاء الرزق عنده لا عند غيره ممن لا يملك رزقا من ~~الأوثان | والأصنام وغيرها ، كما قال في أول الآية : ^ ( إنما تعبدون من ~~دون الله أوثنا وتخلقون إفكا ) ^ | [ العنكبوت : 17 ] قال ابن كثير : وهذا ~~أبلغ في الحصر كقوله : ^ ( إياك نعبد وإياك | PageV01P190 | نستعين * ) ^ [ ~~الفاتحة : 5 ] ^ ( رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ) ^ [ التحريم : 11 ] ~~ولهذا قال : | ^ ( فابتغوا عند الله الرزق ) ^ ، أي : لا عند غيره لأنه ~~المالك له وغيره لا يملك شيئا من ذلك | ^ ( فاعبدوه ) ^ أي : أخلصوا له ~~العبادة وحده لا شريك له ^ ( واشكروا له ) ^ ، أي : على ما أنعم | عليكم ^ ~~( إليه ترجعون ) ^ أي : فيجازي كل عامل بعمله . # قلت : في الآية الرد على المشركين الذين يدعون غير الله ليشفعوا لهم عنده ~~في جلب | الرزق ، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم ، واستغاث بهم ليرزقوه وينصروه ~~كما هو الواقع من | عباد القبور ؟ وقال المصنف : وفيه أن طلب الرزق لا ~~ينبغي إلا من الله ، كما أن الجنة لا | تطلب إلا منه . # قال : وقوله : ^ ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى ~~يوم القيمة ) ^ | [ الأحقاف : 5 ] # ش : حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن يدعو من دون ~~الله ، | لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة واستغاثة من هذه حاله . ومعنى ~~الاستفهام فيه إنكار أن يكون في | الضلال كلهم أبلغ ضلالا ممن عبد غير الله ~~ودعاه ، حيث يتركون دعاء السميع المجيب القادر | على تحصيل كل بغية ومرام ، ~~ويدعون من دونه من لا يستجيب لهم ، ولا قدرة به على | استجابة أحد منهم ما ~~دام في الدنيا وإلى أن تقوم القيامة ، كما قال تعالى : ^ ( له دعوة الحق | ~~والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كبسط كفيه إلى المآء ليبلغ ~~فاه وما هو ببلغه ms176 وما دعاء | الكفرين إلا في ضلل * ) ^ [ الرعد : 14 ] ~~وقوله : ^ ( وهم عن دعآئهم غفلون ) ^ [ الأحقاف : 5 ] أي | لا يشعرون بدعاء ~~من دعاهم ، لأنهم إما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم كالملائكة ، وإما | ~~أموات كالأنبياء والصالحين وإما أصنام وأوثان . وقوله : ^ ( وإذا حشر الناس ~~كانوا لهم أعدآء ) ^ | [ الأحقاف : 6 ] أي : إذا قامت القيامة وحشر الناس ~~للحساب عادوهم وكانوا بعبادتهم الدعاء | وغيره من أنواع العبادة كافرين ، ~~كما قال تعالى : ^ ( واتخذوا من دون الله ءالهة ليكونوا لهم | عزا * كلا ~~سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا * ) ^ [ مريم : 81 - 82 ] فليسوا في | ~~الدارين إلا على نكد ومضرة ، لا تتولاهم بالاستجابة في الدنيا ، وتجحد ~~عبادتهم في الآخرة | وهم أحوج ما كانوا إليها . # وفي الآيتين مسائل نبه عليها المصنف : أحدها : أنه لا أضل ممن دعا غير ~~الله . الثانية : | أنه غالب عن دعاء الداعي لا يدري عنه الثالثة : أن تلك ~~الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له . الرابعة : تسمية تلك الدعوة ~~عبادة للمدعو . الخامسة : كفر المدعو بتلك العبادة . | السادسة : أن هذه ~~الأمور هي سبب كونه أضل الناس . # قال : ^ ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) ^ [ النمل : 62 ] . | ~~PageV01P191 # ش : يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له ، ولا معبود سواه مما ~~يشترك في | معرفته المؤمن والكافر ، لأن القلوب مفطورة على ذلك ، فمتى جاء ~~الاضطرار رجعت | القلوب إلى الفطرة ، وزال ما ينازعها ، فالتجأت إليه ~~وأنابت إليه وحده لا شريك له ، كما | قال تعالى : ^ ( ثم إذا مسكم الضر ~~فإليه تجئرون * ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم | بربهم يشركون * ) ^ [ ~~النحل : 53 - 54 ] وقال تعالى : ^ ( وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ~~| ثم إذا خوله نعمة منه نسى ما كان يدعوا إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل ~~عن سبيله قل تمتع | بكفرك قليلا إنك من أصحب النار * ) ^ [ الزمر : 8 ] ~~ومثل هذا كثير في القرآن . | يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد الكاشف ~~للسوء وحده ، فيكون هو المعبود وحده ، | وكذا قال في هذه الآية ^ ( أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ) ^ ، أي من هو الذي لا يلجأ ms177 المضطر | إلا إليه والذي ~~لا يكشف ضر المضطرين سواه ، ومن المعلوم أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا | ~~يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده ، وإذا جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء ~~لله ، كما قال تعالى : | @QB@ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون @QE@ | [ العنكبوت : 65 ] فتبين ~~أن من اعتقد في غير الله أنه يكشف السوء أو يجيب دعوة المضطر ، | أو دعاه ~~لذلك فقد أشرك شركا أكبر من شرك العرب كما هو الواقع من عباد القبور . # قال : وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي [ صلى الله عليه وسلم ~~] منافق يؤذي المؤمنين . فقال | بعضهم : قوموا بنا نستغيث برسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] من هذا المنافق . فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ~~أنه لا يستغاث | بي وإنما يستغاث بالله ' . # ش : قوله : روى الطبراني هو : الإمام الحافظ الثقة ، سليمان بن أحمد بن ~~أيوب بن | مطير اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها . روى عن ~~النسائي وإسحاق بن | إبراهيم الدبري وخلق كثير ، ومات سنة ستين وثلاثمائة ، ~~وقد بيض المصنف لاسم | الراوي ، وكأنه والله أعلم نقله عن غيره أو كتبه من ~~حفظه ، والحديث عن عبادة بن الصامت | رضي الله عنه . # قوله : أنه كان في زمن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] منافق يؤذي المؤمنين ~~. هذا المنافق لم أقف على | تسميته ، ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أبي ، ~~فإنه معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في | PageV01P192 | أعراضهم ونحو ذلك ، ~~أما أذاهم بنحو ضرب أو زجر ، فلا نعلم منافقا بهذه الصفة . # قوله : فقال بعضهم . أي : بعض المؤمنين ، وهذا البعض القائل لذلك يحتمل ~~أن يكون | واحدا ، وأن يكون جماعة ، والظاهر أنه واحد ، وأظن في بعض ~~الروايات أنه أبو بكر الصديق | رضي الله عنه . # قوله : قوموا بنا نستغيث برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . مرادهم ~~الاستغاثة به فيما يقدر عليه بكف | المنافق عن أذاهم ، بنحو ضربه أو زجره ، ~~لا الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله . # قوله : ' إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله ms178 ' . قال بعضهم : فيه ~~التصريح بأنه لا يستغاث بالنبي [ صلى الله عليه وسلم ] في الأمور ، وإنما ~~يستغاث بالله . والظاهر أن مراده [ صلى الله عليه وسلم ] إرشادهم إلى | ~~التأدب مع الله في الألفاظ ، لأن استغاثتهم به [ صلى الله عليه وسلم ] من ~~المنافق من الأمور التي يقدر عليها ، | إما بزجره أو تعزيزه ونحو ذلك ، ~~فظهر أن المراد بذلك الإرشاد إلى حسن اللفظ والحماية | منه [ صلى الله عليه ~~وسلم ] لجناب التوحيد ، وتعظيم الله تبارك وتعالى . فإذا كان هذا كلامه [ ~~صلى الله عليه وسلم ] في الاستغاثة به | فيما يقدر عليه ، فكيف بالاستغاثة ~~به أو بغيره في الأمور المهمة التي لا يقدر عليها أحد إلا | الله كما هو ~~جار على ألسنة كثير من الشعراء وغيرهم ؟ ! وقل من يعرف أن ذلك منكر ، | ~~فضلا عن معرفة كونه شركا . # فإن قلت : ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى : ^ ( فاستغثه الذي ~~من شيعته على | الذي من عدوه ) ^ [ القصص : 51 ] فإن ظاهر الحديث المنع من ~~إطلاق لفظ الاستغاثة على | المخلوق فيما يقدر عليه ، وظاهر الآية جوازه . ~~قيل : تحمل الآية على الجواز ، والحديث | على الأدب والأولى ، والله أعلم . ~~وقد تبين بما ذكر في هذا الباب وشرحه من الآيات | والأحاديث وأقوال العلماء ~~أن دعاء الميت والغائب والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله | والاستغاثة ~~بغير الله في كشف الضر أو تحويله ، هو الشرك الأكبر ، بل هو أكبر أنواع | ~~الشرك ، لأن الدعاء مخ العبادة ، ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ~~ذلك ، إذ معنى | الإله هو الذي يعبد لأجل هذه الأمور ، ولأن الداعي إنما ~~يدعو إلهه عند انقطاع أمله مما | سواه ، وذلك هو خلاصة التوحيد ، وهو ~~انقطاع الأمل مما سوى الله ، فمن صرف شيئا من | ذلك لغير الله ، فقد ساوى ~~بينه وبين الله ، وذلك هو الشرك ، ولهذا يقول المشركون لآلهتهم | وهم في ~~الجحيم ^ ( تالله إن كنا لفي ضلل مبين * إذ نسويكم برب العلمين * ) ^ [ ~~الشعراء : | 97 - 98 ] ولكن لعباد القبور على هذا شبهات ، ذكر المصنف كثيرا ~~منها في ' كشف | الشبهات ' ونحن نذكر هنا ما ms179 لم يذكره . # فمن ذلك أنهم احتجوا بحديث رواه الترمذي في ' جامعه ' حيث قال : حدثنا ~~محمود بن | غيلان ، ثنا عثمان بن عمر ، ثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن ~~خزيمة بن ثابت عن | عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] فقال : ادع الله أن يعافيني ، قال : ' إن | PageV01P193 | شئت ~~دعوت ، وإن شئت صبرت ، فهو خير لك ' قال : فادعه ، فأمره أن يتوضأ ، ويحسن ~~| وضوءه ، ويدعو بهذا الدعاء ' اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبيك محمد ~~نبي الرحمة ، | إني توجهت به إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى ، اللهم فشفعه في ~~' قال : هذا حديث حسن | صحيح غريب لا نعرفه إلا من رواية أبي جعفر ، وهو ~~غير الخطمي ، هكذا رواه الترمذي | ورواه النسائي وابن شاهين والبيهقي كذلك ~~، وفي بعض الروايات ' يا محمد إني أتوجه ' | إلى آخره . # وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون ، وليست عند هؤلاء الأئمة . قالوا ~~: فلو كان | دعاء غير الله شركا لم يعلم النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~الأعمى هذا الدعاء الذي فيه نداء غير الله . # والجواب من وجوه : # الأول : أن هذا الحديث من أصله وإن صححه الترمذي ، فإن في ثبوته نظرا ، ~~لأن | الترمذي يتساهل في التصحيح كالحاكم ، لكن الترمذي أحسن نقدا ، كما نص ~~على ذلك | الأئمة . ووجه عدم ثبوته أنه قد نص أن أبا جعفر الذي عليه مدار ~~هذا الحديث هو غير | الخطمي ، وإذا كان غيره ، فهو لا يعرف ، ولعل عمدة ~~الترمذي في تصحيحه أن شعبة لا | يروي إلا عن ثقة ، وهذا فيه نظر ، فقد قال ~~عاصم بن علي : سمعت شعبة يقول : لو لم | أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم إلا ~~عن ثلاثة ، وفي نسخة عن ثلاثين ، ذكره الحافظ | العراقي ، وهذا اعتراف منه ~~بأنه يروي عن الثقة وغيره فينظر في حاله ، ويتوقف الاحتجاج به | على ثبوت ~~صحته . | PageV01P194 # الثاني : أنه في غير محل النزاع ، فأين طلب الأعمى من النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] أن يدعو له ، وتوجهه | بدعائه مع حضوره ، من دعاء الأموات ، ~~والسجود لهم ، ولقبورهم ، والتوكل ms180 عليهم ، | والالتجاء إليهم في الشدائد ~~والنذر والذبح لهم ، وخطابهم بالحوائج من الأمكنة البعيدة : يا | سيدي يا ~~مولاي افعل بي كذا ؟ ! فحديث الأعمى شيء ، ودعاء غير الله تعالى والاستغاثة ~~به | شيء آخر ، فليس في حديث الأعمى شيء غير أنه طلب من النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] أن يدعو له ، ويشفع | له ، فهو توسل بدعائه وشفاعته ، ولهذا ~~قال في آخره ' اللهم فشفعه في ' فعلم أنه شفع له . | وفي رواية أنه طلب من ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أن يدعو له ، فدل الحديث على أنه [ صلى الله ~~عليه وسلم ] شفع له بدعائه | وأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أمره هو أن ~~يدعو الله ويسأله قبول شفاعته ، فهذا من أعظم الأدلة على أن | دعاء غير ~~الله شرك ، لأن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أمره أن يسأل قبول شفاعته ، ~~فدل على أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لا | يدعى ، ولأنه [ صلى الله ~~عليه وسلم ] لم يقدر على شفائه إلا بدعاء الله له . فأين هذا من تلك الطوام ~~، والكلام | إنما هو في سؤال الغائب المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ، ~~أما أن تأتي شخصا | يخاطبك فتسأله أن يدعو لك فلا إنكار في ذلك على ما في ~~حديث الأعمى ، فالحديث سواء | كان صحيحا أو لا ، وسواء ثبت قوله فيه : يا ~~محمد أو لا ، لا يدل على سؤال الغائب ، ولا | على سؤال المخلوق فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله بوجه من وجوه الدلالات . ومن ادعى ذلك ، | فهو مفتر على ~~الله وعلى رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] ، لأنه إن كان سأل النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] نفسه ، فهو لم يسأل منه إلا | ما يقدر عليه ، وهو أن يدعو ~~له ، وهذا لا إنكار فيه وإن كان توجه به من غير سؤال منه نفسه ، | فهو لم ~~يسأل منه ، وإنما سأل من الله به ، سواء كان متوجها بدعائه ، كما هو نص أول ~~| الحديث وهو الصحيح ، أو كان متوجها بذاته على قول ضعيف ، فإن التوجه ~~بذوات | المخلوقين ، والإقسام بهم على الله بدعة ms181 منكرة ، لم تأت عن النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] ، ولا عن أحد من | أصحابه ، والتابعين لهم بإحسان ، ~~ولا الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة الدين . قال أبو | حنيفة . لا ينبغي ~~لأحد أن يدعو الله إلا به . وقال أبو يوسف : أكره بحق فلان وبحق أنبيائك | ~~ورسلك ، وبحق البيت ، والمشعر الحرام . وقال القدوري : المسألة بحق المخلوق ~~لا تجوز ، | فلا يقول : أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ذلك ، ~~لأنه لا حق للمخلوق على | الخالق ، واختاره العز بن عبد السلام ، إلا في حق ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] خاصة إن ثبت الحديث ، يشير | إلى حديث الأعمى ~~، وقد تقدم أنه على تقدير ثبوته ليس فيه إلا أنه توسل بدعائه لا بذاته . # وقد ورد في ذلك حديث رواه الحاكم في ' مستدركه ' فأبعد النجعة من طريق | ~~عبد الرحمن بن زيد بن أسلم لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه ، رفع رأسه إلى ~~العرش ، | فقال : أسألك بحق محمد إلا غفرت لي . . . الحديث . وهو حديث ضعيف ~~بل موضوع ، | PageV01P195 | لأنه مخالف للقرآن . قال تعالى : ^ ( قالا ربنا ~~ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من | الخسرين * ) ^ [ الأعراف ~~: 23 ] فهذا هو الذي قاله آدم . قال الذهبي في هذا الحديث : أظنه | موضوعا ~~، وعبد الرحمن بن زيد متفق على ضعفه ، قال ابن معين : ليس حديثه بشيء . # الثالث : أن قوله : يا محمد إني أتوجه الخ لم تثبت في أكثر الروايات . ~~وبتقدير ثبوتها | لا يدل على جواز دعاء غير الله ، لأن هذا خطاب لحاضر معين ~~يراه ويسمع كلامه ، ولا إنكار | في ذلك ، فإن الحي يطلب منه الدعاء كما ~~يطلب منه ما يقدر عليه ، فأين هذا من دعاء الغائب | والميت لو كان أهل ~~البدع والشرك يعلمون ؟ ! # واحتجوا أيضا بحديث رواه يعلى وابن السني في ' عمل اليوم والليلة ' فقال ~~ابن | السني : حدثنا أبو يعلى ، ثنا الحسن بن عمرو بن شقيق ، ثنا معروف بن ~~حسان ، ثنا أبو معاذ | السمرقندي ، عن سعيد ، عن قتادة ، عن أبي بردة ، عن ~~أبيه ، عن عبد الله بن مسعود قال : | قال رسول الله [ صلى الله ms182 عليه وسلم ] ~~: ' إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض [ فلاة ] فليناد يا عباد الله احبسوا ' | ~~PageV01P196 | هكذا في كتاب ابن السني . وفي ' الجامع الصغير ' : ' فإن لله ~~عز وجل في الأرض حاضرا | سيحبسه عليكم ' . # والجواب أن هذا الحديث مداره على معروف بن حسان وهو أبو معاذ السمرقندي . ~~| فقوله في الأصل : ثنا أبو معاذ السمرقندي خطأ أظنه من الناسخ . قال ابن ~~عدي : منكر | الحديث ، وقال الذهبي في ' الميزان ' : قال ابن عدي : منكر ~~الحديث ، قد روى عن | عمر بن ذر نسخة طويلة كلها غير محفوظة ، وقال السيوطي ~~: حديث ضعيف ، وأقول : | بل هو باطل ، إذ كيف يكون عند سعيد عن قتادة ، ثم ~~يغيث عن أصحاب سعيد الحفاظ | الإثبات مثل يحيى القطان ، وإسماعيل بن علية ، ~~وأبي أسامة ، وخالد بن الحارث ، وأبي | خالد الأحمر ، وسفيان ، وشعبة ، ~~وعبد الوارث ، وابن المبارك ، والأنصاري ، وغندر ، وابن | أبي عدي ونحوهم ، ~~حتى يأتي به هذا الشيخ المجهول المنكر الحديث . فهذا من أقوى | الأدلة على ~~وضعه ، وبتقدير ثبوته لا دليل فيه ، لأن هذا من دعاء الحاضر فيما يقدر عليه ~~كما | قال : ' فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم ' . # واحتجوا أيضا بحديث رواه الطبراني في ' المعجم الكبير ' فقال : حدثنا ~~طاهر بن | عيسى بن قيرس المصري ، ثنا أصبغ بن الفرج ، ثنا ابن وهب عن أبي ~~سعيد المكي ، عن | روح بن القاسم ، عن أبي جعفر الخطمي المديني ، عن أمامة ~~بن سهل بن حنيف أن رجلا | كان يختلف إلى عثمان بن عفان في حاجة له فكان ~~عثمان لا يلتفت إليه ، ولا ينظر في | حاجته ، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك ~~، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ، | ثم ائت المسجد فصل فيه ~~ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك ، وأتوجه إليك بنبينا محمد | نبي الرحمة ~~يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ليقضي لي حاجتي . . . الحديث والجواب | من ~~وجوه : | PageV01P197 # الأول : أن رواية طاهر بن عيسى ممن لا يعرف بالعدالة بل هو مجهول ، قال ~~الذهبي : | طاهر بن عيسى بن قيرس أبو الحسين المصري المؤدب عن سعيد بن أبي ~~مريم ، ويحيى ms183 بن | بكير ، وأصبغ بن الفرج . وعنه الطبراني . توفي سنة ~~اثنتين وتسعين ومائتين ، ولم يذكر فيه | PageV01P198 | جرحا ولا تعديلا ، ~~فهو إذا مجهول الحال لا يجوز الاحتجاج بخبره ، لا سيما فيما يخالف | نصوص ~~الكتاب والسنة . # الثاني : قوله : عن أبي سعيد المكي أشد جهالة من الأول ، فإن مشايخ ابن ~~وهب | المكيين معروفون كداود بن عبد الرحمن ، وزمعة بن صالح ، وابن عيينة ، ~~وطلحة بن عمرو | الحضرمي ، وابن جريج ، وعمر بن قيس ، ومسلم بن خالد الزنجي ~~، وليس فيهم من يكنى | أبا سعيد ، فتبين أنه مجهول . # الثالث : إن قلنا بتقدير ثبوته ، فليس فيه دليل على دعاء الميت والغائب ، ~~غاية ما فيه أنه | توجه به في دعائه ، فإن هذا من دعاء الميت ؟ فإن التوجه ~~بالمخلوق سؤال به لا سؤال منه ، | والكلام إنما هو في سؤال المخلوق نفسه ~~والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله ، | وكل أحد يفرق بين سؤال الشخص ~~، وبين السؤال به ، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء | لله ، ولكن توجه ~~على الله بذاته أو بذاته أو بدعائه . وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه ~~إلا الله ، فقد | جعله شريكا لله في عبادة الدعاء ، فليس في حديث الأعمى ، ~~وحديث ابن حنيف هذا إلا | إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه ، إلا قوله ، ~~يا محمد إني أتوجه بك ، وهذا ليس فيه | المخاطبة لميت فيما لا يقدر عليه ، ~~إنما فيه مخاطبته مستحضرا له في ذهنه كما يقول | المصلي : السلام عليك أيها ~~النبي ورحمة الله وبركاته . # الرابع : أنهم زعموا أنه دليل على دعاء كل غائب وميت من الصالحين ، ~~فخرجوا عما | فهموه من الحديث بفهمهم الفاسد إلى أنه دليل على دعاء كل غائب ~~وميت صالح ، ولا دليل | فيه أصلا على دعاء الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ~~بعد موته ، ولا في حياته فيما لا يقدر عليه ، ثم لو كان فيه | دليل على ذلك ~~لم يكن فيه دليل على دعاء الغائب والميت مطلقا ، لأن هذا قياس مع وجود | ~~الفارق ، وهو باطل بالإجماع ، إذ ما ثبت للنبي [ صلى الله عليه ms184 وسلم ] من ~~الفضائل والكرامات لا يساويه فيه | أحد ، فلا يجوز قياس غيره عليه ، وأيضا ~~فالقياس إنما يجوز للحاجة ولا حاجة إلى قياس | غيره عليه ، فبطل قياسهم ~~بنفس مذهبهم ، هذا غاية ما احتجوا به مما هو موجود في بعض | الكتب المعروفة ~~، وما سوى هذه الأحاديث الثلاثة فهو مما وضعوه بأنفسهم ، كقولهم : إذا | ~~أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور ، وقولهم : لو [ أحسن ] أحدكم ظنه بحجر ~~| لنفعه . قال ابن القيم : وهو من وضع المشركين عباد الأوثان . # | PageV01P199 | # | ( [ 14 ] باب قول الله تعالى : ) # | @QB@ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون @QE@ | @QB@ ولا يستطيعون لهم ~~نصرا ولا أنفسهم ينصرون @QE@ | [ الأعراف : 191 - 192 ] | ش : المراد من ~~هذه الترجمة بيان حال المدعوين من دون الله أنهم لا ينفعون ولا | يضرون ، ~~وسواء ذلك في الملائكة والأنبياء والصالحون والأصنام ، فكل من دعي من دون | ~~الله فهذه حاله ، كما قال تعالى : @QB@ يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له ~~إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم ~~الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله حق قدره إن ~~الله لقوي عزيز @QE@ | [ الحج : 73 - 74 ] ويكفيك في ذلك قوله تعالى لأكرم ~~الخلق : ^ ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا | رشدا * قل إني لن يجيرني من الله ~~أحد ولن أجد من دونه ملتحدا * إلا بلغا من الله ورسلته ) ^ | [ الجن : 21 - ~~23 ] وقال : @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت ~~أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم ~~يؤمنون @QE@ [ الأعراف : | 188 ] وقال : ^ ( واتخذوا من دونه ءالهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا | ولا نفعا ولا يملكون موتا ~~ولا حيوة ولا نشورا * ) ^ [ الفرقان : 3 ] ومن المعلوم أنهم كانوا قد | ~~عبدوا الملائكة والأنبياء والصالحين ، ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن ~~الملائكة أنهم يتبرؤون | منهم يوم القيامة كما قال تعالى : ^ ( ويوم يحشرهم ~~جميعا ثم يقول للملئكة أهولآء إياكم كانوا | يعبدون * قالوا سبحنك أنت ~~ولينا من دونهم بل ms185 كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون * ) ^ | [ سبأ : 40 ~~- 41 ] إذا تبين ذلك فحاصل كلام المفسرين على الآية المترجم لها أن قوله ~~تعالى : | @QB@ أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون @QE@ [ الأعراف : 191 ] ~~توبيخ وتعنيف للمشركين بأنهم | يعبدون مع الله تعالى عبادا لا تخلق شيئا ~~وليس فيها ما تستحق به العبادة من الخلق والرزق | والنصر ، لأنفسهم أو لمن ~~عبدهم وهم مع ذلك مخلوقون محدثون ولهم خالق خلقهم ، وإن | خرج الكلام مخرج ~~الاستفهام ، فالمراد به ما ذكرناه . # وقوله : @QB@ ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون @QE@ [ الأعراف : ~~192 ] أي : | ويشركون به ، ويعبدون من هذه حاله لا يستطيع نصر عابديه ولا ~~نصر نفسه بأن يدفع عن | PageV01P200 | نفسه من أراد به الضر ، ومن هذه حاله ~~فهو في غاية العجز ، فكيف يكون إلها معبودا ؟ ! | وجميع الأنبياء والملائكة ~~والصالحين وغيرهم داخلون في هذه الأوصاف ، فلا يقدر أحد | منهم أن يخلق ~~شيئا ولا يستطيعون لمن عبدهم نصرا ، ولا ينصرون أنفسهم ، وإذا كان | كذلك ~~بطلت دعوتهم من دون الله . # قال : وقوله تعالى : @QB@ والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير @QE@ ~~[ فاطر : 13 ] . # ش : حاصل كلام المفسرين كابن كثير وغيره أنه تعالى يخبر عن حال المدعوين ~~من | دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم ~~، وأنهم قد | انتفت عنهم الشروط التي لا بد أن تكون في المدعو وهي الملك ، ~~وسماع الدعاء ، والقدرة | على استجابته ، فمتى عدم شرط بطل أن يكون مدعوا ، ~~فكيف إذا عدمت كلها ، فنفى عنهم | الملك بقوله : @QB@ ما يملكون من قطمير ~~@QE@ . # قال ابن عباس ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطاء ، والحسن ، وقتادة : القطمير : ~~اللفافة التي | تكون على نواة التمر ، أي : ولا يملكون من السموات والأرض ~~شيئا ، ولا بمقدار هذا | القطمير ، كما قال : ^ ( ويعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لهم رزقا من السموت والأرض شيئا ولا | يستطيعون ) ^ [ النحل : 73 ] ~~وقال : ^ ( قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال | ذرة في ~~السموت ولا في الأرض ) ^ [ سبأ : 22 ] فمن كان هذا حاله فكيف يدعى من دون ~~الله ؟ | ونفى عنهم ms186 سماع الدعاء بقوله @QB@ إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ~~@QE@ [ فاطر : 14 ] يعني أن الآلهة | التي تدعونها لا يسمعون دعاءكم لأنهم ~~أموات أو ملائكة مشغولون بأحوالهم مسخرون لما | خلقوا له أو جماد ، فلعل ~~المشرك يقول : هذا في الأصنام ، أما الملائكة والأنبياء | والصالحون ~~فسيسمعون ويستجيبون ، فنفى سبحانه ذلك بقوله : @QB@ ولو سمعوا ما استجابوا ~~لكم @QE@ | [ فاطر : 14 ] أي : لا يقدرون على ما تطلبون منهم ، وما خص ~~تعالى الأصنام ، بل عم جميع | من يدعى من دونه . ومن المعلوم أنهم كانوا ~~يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين ، كما ذكر | الله تعالى ذلك في كتابه ~~، فلم يرخص في دعاء أحد منهم لا استقلالا ولا وساطة بالشفاعة . | وقوله : ^ ~~( ويوم القيمة يكفرون بشرككم ) ^ [ فاطر : 14 ] كقوله : ^ ( واتخذوا من دون ~~الله ءالهة | ليكونوا لهم عزا * كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا ) ~~^ [ مريم : 81 - 82 ] وهذا | نص صريح على أن من دعا غير الله فقد أشرك ~~بشرطه ، وأن المدعوين يكفرون به يوم | القيامة ، ويتبرؤون منهم كقوله تعالى ~~: @QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب @QE@ [ البقرة : 166 ] فهل على كلام رب العزة الاستدراك ؟ ولهذا | ~~قال ^ ( ولا بنبئك مثل خبير ) ^ [ فاطر : 14 ] أي : ولا يخبرك بعواقب ~~الأمور ومآلها وما | تصير إليه مثل خبير بها . قال قتادة : يعني نفسه تبارك ~~وتعالى ، فإنه أخبر بالواقع لا محالة . # قال : وفي ' الصحيح ' عن أنس . قال : شج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~يوم أحد فقال : ' كيف يفلح قوم | PageV01P201 | شجوا نبيهم ؟ ' فنزلت ^ ( ~~ليس لك من الأمر شيء ) ^ [ آل عمران : 128 ] . # ش : قوله في ' الصحيح ' أي ' الصحيحين ' فعلقه البخاري عن حميد وثابت عن ~~أنس ، | ووصله أحمد والترمذي والنسائي ، عن حميد ، عن أنس به . ووصله مسلم ~~عن ثابت عن | أنس وقال ابن إسحاق في ' المغازي ' : حدثني حميد الطويل ، عن ~~أنس قال : كسرت | رباعية النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يوم أحد وشج في وجهه ~~، فجعل الدم يسيل على وجهه ، وجعل يمسح | الدم وهو يقول : ' كيف يفلح قوم ~~خضبوا وجه نبيهم هو يدعوهم إلى ربهم ؟ ' فأنزل الله | الآية . # قوله : ' شج ms187 النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ' . قال أبو السعادات : الشج ~~في الرأس خاصة في الأصل ، وهو | أن يضربه بشيء يجرحه فيه ويشقه ، ثم استعمل ~~في غيره من الأعضاء . وذكر ابن هشام من | حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن ~~أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي [ صلى الله عليه وسلم ] السفلى ، | وجرح ~~شفته السفلى ، وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته ، وأن | ~~عبد الله بن قمئة جرحه في وجنته ، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، ~~وأن | مالك بن سنان مص الدم من وجه رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ثم ~~ازدرده ، فقال له : ' لن تمسك النار ' . # وروى الطبراني من حديث أبي أمامة . قال : رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم ] يوم | أحد ، فشجه في وجهه ، وكسر رباعيته . فقال : ~~خذها وأنا ابن قمئة ، فقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : | ' مالك ~~أقمأك الله ' فسلط الله عليه تيس جبل ، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة . # قال القرطبي : والرباعية - بفتح الراء وتخفيف الياء ، وهي كل سن بعد ثنية ~~. قال | النووي : وللإنسان أربع رباعيات . قال الحافظ : والمرد أنها كسرت ~~فذهب منها فلقة ولم | تقلع من أصلها . قلت : فظهر بهذا أن قول بعضهم : إنه ~~شج في رأسه فيه نظر . # قال النووي : وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله ~~وسلامه عليهم | لينالوا جزيل الأجر والثواب ، ولتعرف أممهم وغيرهم ما ~~أصابهم ، ويتأسوا بهم . قال | القرطبي : وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن ~~الدنيا ، ويطرأ على أجسامهم ما يطرأ على | أجسام البشر ليتيقنوا أنهم ~~مخلوقون مربوبون ، ولا يفتتن بما ظهر على أيديهم من | المعجزات ، ويلبس ~~الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى وغيرهم . | PageV01P202 # قوله : ' يوم أحد ' جبل معروف إلى الآن ، كانت عنده الواقعة المشهورة ~~فأضيفت إليه . # قوله : فقال : ' كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ؟ ' . زاد مسلم من طريق ثابت عن ~~أنس | ' وكسروا رباعيته وأدموا وجهه ' # قوله : فأنزل الله : ^ ( ليس لك من الأمر شيء ) ^ قال ابن عطية : كان ~~النبي [ صلى الله ms188 عليه وسلم ] لحقه في | تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش ، ~~فمالت نفسه إلى أن يستأصلهم الله ، ويريح منهم . | فقيل له : بسبب ذلك ^ ( ~~ليس لك من الأمر شيء ) ^ أي : عواقب الأمور بيد الله فامض أنت | لشأنك ، ~~ودم على الدعاء لربك . # وقال غيره : المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم ، فإما أن يهلكهم أو يكبتهم ~~، أو يتوب | عليهم إن أسلموا ، أو يعذبهم إن أصروا ، وليس لك من أمرهم شيء ~~، وإنما أنت عبد مأمور | بإنذارهم وجهادهم ، فعلى هذا يكون قوله : ^ ( ليس ~~لك من الأمر شيء ) ^ اعتراض المعطوف | و المعطوف عليه . وقال ابن إسحاق : ~~أي ليس لك من الحكم بشيء في عبادي إلا ما أمرتك | به فيهم . # قال : وفيه عن ابن عمر أنه سمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] يقول : ~~إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر : ' اللهم العن فلانا ~~وفلانا ' بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ، | ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله ~~: ^ ( ليس لك من الأمر شيء ) ^ . # وفي رواية : يدعو على صفوان ابن أمية ، وسهيل بن عمرو ، والحارث بن هشام ~~، | فنزلت : ^ ( ليس لك من الأمر شيء ) ^ PageV01P203 # ش : قوله : ' وفيه ' أي في ' الصحيح ' والمراد به ' صحيح البخاري ' ورواه ~~النسائي . # قوله : ' عن ابن عمر ' هو عبد الله بن عمر بن الخطاب ، صحابي جليل ، من ~~عباد | الصحابة ، شهد له رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] بالصلاح . مات ~~سنة ثلاث وسبعين في آخرها ، أو أول | التي تليها . # قوله : ' إنه سمع رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى آخره ' . هذا ~~القنوت على هؤلاء هو بعد ما شج ، | وكسرت رباعيته يوم أحد . # قوله : ' اللهم العن فلانا وفلانا ' قال أبو السعادات : أصل اللعن : ~~الطرد والإبعاد من | الله ، ومن الخلق السب والدعاء . قلت : الظاهر أنه من ~~الخلق طلب طرد الملعون وإبعاده | من الله بلفظ اللعن ، لا مطلق السب والشتم ~~. # قوله : ' فلانا وفلانا ' ، يعني صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو ، والحارث ~~بن هشام كما | بينه في الرواية التي بعدها . وفيه جواز الدعاء على المشركين ~~في الصلاة ، وتسمية المدعو | عليهم ms189 ولهم بأسمائهم في الصلاة ، وأن ذلك لا ~~يضر الصلاة . # قوله : ' بعدما يقول : سمع الله لمن حمده ' . قال أبو السعادات ، أي : ~~أجاب حمده | وتقبله . وقال السهيلي : مفعول ' سمع ' محذوف ، لأن السمع ~~متعلق بالأقوال والأصوات | دون غيرها ، فاللام تؤذن بمعنى زائد وهو ~~الاستجابة المقارنة للسمع ، فاجتمع في الكلمة | الإيجاز والدلالة على ~~الزائد ، وهو الاستجابة لمن حمده ، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى ما | ~~معناه : عدى سمع الله لمن حمده باللام لتضمنه معنى : استجاب له ، ولا حذف ~~هناك ، وإنما | هو مضمن . # قوله : ' ربنا ولك الحمد ' في بعض روايات البخاري بإسقاط الواو . قال ~~النووي : لا | ترجيح لإحداهما على الأخرى . وقال ابن دقيق العيد : كأن ~~إثباتها دال على معنى زائد ، لأنه | يكون التقدير مثلا : ربنا استجب ولك ~~الحمد ، فيشمل على معنى الدعاء ، ومعنى الخبر . # قال شيخ الإسلام : والحمد ضد الذم ، والحمد يكون على محاسن المحمود مع | ~~المحبة له ، كما أن الذم كون على مساوئه مع البغض له ، وكذا قال ابن القيم ~~، وفرق بينه | وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير ، إما أن يكون إخبارا ~~مجردا عن حب وإرادة ، أو | مقرونا بحبه وإرادته ، فإن كان الأول ، فهو ~~المدح ، وإن كان الثاني ، فهو الحمد . فالحمد | إخبار عن محاسن المحمود مع ~~حبه وإجلاله وتعظيمه ، ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء | بخلاف المدح ، فإنه ~~خبر مجرد . فالقائل إذا قال : الحمد لله ، وقال : ربنا ولك الحمد ، | ~~PageV01P204 # تضمن كلامه الخبر عن كل ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل فرد ~~من أفراد | الجملة المحققة والمقدرة ، وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه ~~الرب تعالى ، ولهذا لا | تصلح هذه اللفظة على هذا الوجه ، ولا تنبغي إلا ~~لمن هذا شأنه ، وهو الحميد المجيد ، وفيه | التصريح بإن الإمام يجمع بين ~~التسميع والتحميد ، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي يوسف ، | وخالف في ذلك مالك ~~وأبو حنيفة فقالا : يقتصر على قول : سمع الله لمن حمده . # قوله : ' وفي رواية يدعو على صفوان بن أمية ، وسهيل بن عمرو ، والحارث بن ~~| هشام ' . إنما دعا عليهم رسول الله [ صلى الله ms190 عليه وسلم ] لأنهم رؤساء ~~المشركين يوم أحد ، والسبب في تلك | الأفاعيل التي جرت على سيد المرسلين [ ~~صلى الله عليه وسلم ] هم وأبو سفيان ، ومع ذلك فما استجيب له | فيهم ، بل ~~أنزل الله عليه ^ ( ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم | ~~ظالمون * ) ^ [ آل عمران : 128 ] فتاب الله عليهم وآمنوا ، مع أنهم فعلوا ~~أشياء لم يفعلها | أكثر الكفار ، منها غزوهم نبيهم [ صلى الله عليه وسلم ] ~~في بلاده ، وشجهم له ، وكسر رباعيته ، وقتلهم بني | عمهم المؤمنين ، وقتلهم ~~الأنصار والتمثيل بقتلى المسلمين ، وإعلانهم بشركهم وكفرهم ، | ومع هذا كله ~~لم يقدر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أن يدفعهم عن نفسه ، ولا عن أصحابه ، ~~كما قال تعالى : | ^ ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا * قل إني لن يجيرني ~~من الله أحد ولن أجد من دونه | ملتحدا * إلا بلغا من الله ورسلته * ) ^ [ ~~الجن : 21 - 23 ] بل لجأ [ صلى الله عليه وسلم ] إلى ربه المالك | القادر ~~على النفع والضر وإهلاكهم ، ودعا عليهم [ صلى الله عليه وسلم ] في الصلاة ~~المكتوبة جهرا ، وخلفه | سادات الأولياء يؤمنون على دعائه ، ومع هذا كله ما ~~استجاب الله له فيهم ، بل تاب عليهم | وآمنوا ، فلو كان عنده [ صلى الله ~~عليه وسلم ] من النفع والضر شيء لكان يفعل بهم ما يستحقونه على هذه | ~~الأفعال العظيمة ، ولكن الأمر كما قال تعالى : ^ ( هذا بلغ للناس ولينذروا ~~به وليعلموا أنما هو | إله وحد وليذكر أولوا الألبب * ) ^ [ إبراهيم : 52 ] ~~فأين هذا مما يعتقده عباد القبور في | الأولياء والصالحين بل في الطواغيت ~~الذين يسمونهم المجاذيب والفقراء أنهم ينفعون من | دعاهم ، وينصرون من لاذ ~~بحماهم ، ويدعونهم برا وبحرا في غيبتهم وحضرتهم . # قال : وفيه عن أبي هريرة قال : قام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] حين ~~أنزل الله عليه ^ ( وأنذر عشيرتك | الأقربين * ) [ الشعراء : 214 ] قال : ' ~~يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم ، | لا أغني عنكم من الله ~~شيئا ، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ، يا صفية | عمة ~~رسول الله [ صلى الله ms191 عليه وسلم ] ، لا أغني عنك من الله شيئا ، ويا فاطمة ~~بنت محمد ، سليني من مالي ما | شئت لا أغني عنك من الله شيئا ' . | ~~PageV01P205 # ش : قوله : ( وفيه ) ، أي : في ' صحيح البخاري ' . # قوله : ' عن أبي هريرة ' . اختلف الحفاظ في اسمه على أكثر من ثلاثين قولا ~~، وصحيح | النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر ، كما رواه الحاكم في ' ~~المستدرك ' عن أبي هريرة | قال : كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر ، ~~فسميت في الإسلام عبد الرحمن . | وقال غيره : اسمه عبد الله بن عمرو ، وقيل ~~: ابن عامر . وقال ابن الكلبي : اسمه عمير بن | عامر ، ويقال : كان اسمه في ~~الجاهلية عبد شمس وكنيته أبو الأسود ، فسماه رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] | عبد الله ، وكناه أبا هريرة . وروى الدولابي بإسناده عن أبي هريرة ~~أن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] سماه | عبد الله ، وهو دوسي من فضلاء ~~الصحابة ، وحفاظهم ، وعلمائهم ، حفظ عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أكثر ~~| مما حفظه غيره ، وروي له في كتب السنة أكثر من خمسة آلاف حديث ، ومات سنة ~~سبعة أو | ثمان أو تسع وخمسين ، وهو ابن ثمان وسبعين سنة . # قوله : ' قام رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ' . في ' الصحيح ' من ~~رواية ابن عباس صعد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] على | الصفا . # قوله : ' حين أنزل الله عليه @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ عشيرة ~~الرجل : هم بنو أبيه | الأدنون أو قبيلته . والأقربين أي : الأقرب فالأقرب ~~منهم ، لأنهم أحق الناس ببرك وإحسانك | الديني والدنيوي ، كما قال تعالى : ~~^ ( يأيها الذين ءامنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس | والحجارة ) ~~8 [ التحريم : 6 ] وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] لمن قال له : من أبر ~~؟ قال : ' أمك ' قال : ثم من ، | قال : ' ثم أباك ، ثم أختك وأخاك ' ولأنه ~~إذا قام عليهم في أمر الله كان أدعى لغيرهم إلى | PageV01P206 | الانقياد ، ~~والطاعة له ، ولئلا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من الرأفة والمحاباة ~~فيحابيهم في | الدعوة والتخويف ، ولذلك أمر بإنذارهم خاصة ، وقد أمره الله ~~أيضا بالنذارة العامة كما قال : | @QB@ لتبشر به المتقين وتنذر به ms192 قوما لدا ~~@QE@ [ مريم : 97 ] وقال : ^ ( لتنذر قوما ما أنذر ءاباؤهم | فهم غفلون ) ^ ~~[ يس : 6 ] ولا تنافي بينهما ، لأن النذارة الخاصة فرد من أفراد العامة . # قوله : ' يا معشر قريش ' المعشر كمسكن : الجماعة . # قوله : ' أو كلمة نحوها ' . هو بنصب ' كلمة ' على أنه معطوف على ما قبله ~~، أي : أو | قال كلمة نحو قوله : يا معشر قريش ، أي : بمعناها . # قوله : ' اشتروا أنفسكم ' . أي : بتوحيد الله ، وإخلاص العبادة له ، وعدم ~~الإشراك به | وطاعته فيما أمر ، والانتهاء عما عنه زجر ، فإن جميع ذلك ثمن ~~النجاة ، والخلاص من عذاب | الله ، لا الاعتماد على الأنساب ، وترك الأسباب ~~، فإن ذلك غير نافع عند رب الأرباب . ودفع | بقوله : لا أغني عنكم من الله ~~شيئا ما عساه أن يتوهم بعضهم أنه يغني عنهم من الله شيئا | بشفاعته ، فإذا ~~كان لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ، ولا يدفع عن نفسه عذاب ربه لو عصاه ، | ~~كما قال تعالى : @QB@ قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم @QE@ [ الزمر ~~: 13 ] فكيف | يملك لغيره نفعا أو ضرا ، أو يدفع عنه عذاب الله ؟ ! وأما ~~شفاعته [ صلى الله عليه وسلم ] في بعض العصاة ، فهو | أمر من الله ابتداء ~~فضلا عليه وعليهم ، لا أنه يشفع فيمن يشاء ، ويدخل الجنة من يشاء . وفي | ' ~~صحيح البخاري ' بعد قوله : ' لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف لا ~~أغني عنكم من | PageV01P207 | ' الله شيئا فلعل المصنف اختصرها . # قوله : ' يا عباس بن عبد المطلب ' . بنصب ' ابن ' ويجوز في ' عباس ' ~~الرفع والنصب ، | وكذا القول في قوله . ويا صفية عمة رسول الله ، ويا فاطمة ~~بنت محمد [ صلى الله عليه وسلم ] . # قوله : ' سليني من مالي ما شئت ' . في رواية مسلم عن عائشة . قالت لما ~~نزلت : | @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ [ الشعراء : 214 ] قام رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم ] ، فقوله : ' يا فاطمة بنت | محمد ، يا صفية بنت عبد ~~المطلب ، يا بني عبد المطلب [ لا أملك لكم من الله شيئا ] سلوني | من مالي ~~ما شئتم ' فبين [ صلى الله عليه وسلم ] أنه لا ينجيهم من عذاب الله ، ولا ms193 ~~يدخلهم الجنة ، ولا يقربهم | إلى الله ، وإنما الذي يقرب إلى الله ، ويدخل ~~الجنة ، وينجي من النار برحمة الله ، هو طاعة | الله . وأما ما يقدر عليه [ ~~صلى الله عليه وسلم ] من أمور الدنيا فلا يبخل بها عنهم ، كما قال : ' ~~سلوني من مالي | ما شئتم ' وكما قال : ' ألا إن لكم رحما سأبلها ببلاها ' ~~رواه أحمد وعبد بن حميد وابن المنذر ، وهو عند مسلم في حديث آخر . فإذا صرح ~~وهو سيد المرسلين لأقاربه المؤمنين | وغيرهم ، خصوصا سيدة نساء العالمين ~~وعمه وعمته ، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق ، | ثم نظر إلى ما وقع في ~~قلوب كثير من الناس من الإعتقاد فيه وفي غيره من الأنبياء | PageV01P208 | ~~والصالحين ، أنهم ينفعون ويضرون ويغنون من عذاب الله حتى يقول صاحب ' ~~البردة ' . | # % فإن من جودك الدنيا وضرتها % % ومن علومك علم اللوح والقلم % # تبين له التوحيد ، وعرف غربة الدين ، فأين هذا من قول صاحب ' البردة ' ~~والبرعي | وأضرابهما من المادحين له [ صلى الله عليه وسلم ] بما يتبرأ منه ~~ليلا ونهارا ، ويبين اختصاصه بالخالق تعالى | وتقدس ، كما قال تعالى : @QB@ ~~قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون @QE@ ~~[ الأعراف : 188 ] | ^ ( فماذا بعد الحق إلا الضلل فأنى تصرفون * كذلك حقت ~~كلمت ربك على الذين فسقوا أنهم | لا يؤمنون * ) ^ [ يونس : 32 - 33 ] تالله ~~لقد تاهت عقول تركت كلام ربها ، وكلام نبيها | لوساس وصدرها ، وما ألقاه ~~الشيطان في نفوسها . # ومن العجب أن اللعين كادهم مكيدة أدرك بها مأموله ، فأظهر لهم هذا الشرك ~~في | صورة محبته [ صلى الله عليه وسلم ] وتعظيمه ، ومحبة الصالحين وتعظيمهم ~~، ولعمر الله إن تبرئتهم من هذا | التعظيم والمحبة ، هو التعظيم لهم ~~والمحبة ، وهو الواجب المتعين . وأظهر لهم التوحيد والإخلاص في صورة بغض ~~النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وبغض الصالحين ، والتنقص بهم ، وما شعروا ~~أنهم | تنقصوا الخالق سبحانه وتعالى ، وبخسوه حقه ، وتنقصوا النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] والصالحين بذلك . # أما تنقصهم للخالق تعالى ms194 ، فلأنهم جعلوا المخلوق العاجز مثل الرب القادر ~~في القدرة | على النفع والضر . # | وأما بخسهم حقه تعالى ، فلأن العبادة بجميع أنواعها حق لله تعالى ، ~~فإذا جعلوا شيئا | منها لغيره ، فقد بخسوه حقه . # وأما تنقصهم للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، وللصالحين ، فلأنهم ظنوا ~~أنهم راضون منهم بذلك أو أمروهم | به وحاشا لله أن يرضو بذلك أو يأمروا به ~~، كما قال تعالى : @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون @QE@ [ الأنبياء : 25 ] . # وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم ، جده [ صلى الله عليه وسلم ] في هذا ~~الأمر ، بحيث فعل ما نسب به | إلى الجنون ، وكذلك لو يفعله مسلم الآن ، ~~قاله المصنف . # وفيه دليل على الاعتماد في الأعمال وترك البطالة والاعتماد على مجرد ~~الانتساب إلى | الأشخاص كما يفعله أهل الطيش والحمق ممن ينتسب إلى نبي أو ~~صالح ونحو ذلك ، | لأنه [ صلى الله عليه وسلم ] إذا خاطب بنته وعمه وقرابته ~~بهذا الخطاب كان تنبيها لذريتهم ونحوهم على | ذلك ، لأنه إذا كان لا يغني ~~عن هؤلاء شيئا ، كان ذريتهم أولى أن لا يغني عنهم من الله | شيئا ، وقد قال ~~تعالى لمن اكتفى بالانتساب إلى الأنبياء عن متابعتهم : ^ ( تلك أمة قد خلت ~~| لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون * ) ^ [ البقرة : ~~134 ] وفيه أن أولى | PageV01P209 | الناس برسول الله [ صلى الله عليه وسلم ~~] هم أهل طاعته ، ومتابعته في محياه ومماته ، كما قال [ صلى الله عليه وسلم ~~] : ' ألا إن آل | أبي - يعني فلانا - ليسوا لي بأولياء ، إنما وليي الله ~~وصالح المؤمنين ' رواه مسلم . وروى | بد بن حميد عن الحسن أن النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] ، جمع أهل بيته قبل موته فقال : ' ألا إن لي عملي | ولكم ~~عملكم ، ألا إني لا أغني عنكم من الله شيئا ، ألا إن أوليائي منكم المتقون ~~، ألا لا | أعرفنكم يوم القيامة تأتون بالدنيا تحملونها على رقابكم ويأتي ~~الناس يحملون الآخرة ' . # PageV01P210 | # | ( [ 15 ] باب قول الله تعالى : ) # | @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ms195 الحق وهو العلي ~~الكبير @QE@ [ سبأ : 23 ] | ش : أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة بيان ~~حال الملائكة الذين هم أقوى وأعظم | من عبد من دون الله ، فإذا كان هذا ~~حالهم مع الله تعالى ، وهيبتهم منه ، وخشيتهم له ، فكيف | يدعوهم أحد من ~~دون الله ؟ وإذا كانوا لا يدعون مع الله تعالى لا استقلالا ، ولا وساطة | ~~بالشفاعة ، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من الأموات والأصنام أولى أن لا ~~يدعى ولا | يعبد ، ففيه الرد على جميع فرق المشركين الذين يدعون مع الله من ~~لا يداني الملائكة ، ولا | يساويهم في صفة من صفاتهم . وقد قال تعالى فيهم ~~: ^ ( وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحنه بل | عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول ~~وهم بأمره يعملون * يعلم ما بين أيديهم وما | خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى وهم من خشيته مشفقون * ) ^ [ الأنبياء : 26 - 28 ] فهذه | حالهم ~~وصفاتهم ، وليس لهم من الربوبية والإلهية شيء ، بل ذلك لله وحده لا شريك له ~~، وكذا | قال في هذه الآية : ( حتى إذا فزع عن قلوبهم ) أي : زال الفزع ~~عنها ، قاله ابن عباس ، وابن عمر ، | وأبو عبد الرحمن السلمي ، والشعبي ~~والحسن وغيرهم . والضمير عائد على ما عادت عليه | الضمائر التي للغيبة في ~~قوله @QB@ ولا يملكون @QE@ ^ ( وفي أمولهم ) ^ @QB@ وما له منهم @QE@ . و ' ~~حتى ' تدل | على الغاية ، وليس في الكلام ما يدل على أنه غاية له ، فقال ~~ابن عطية : في الكلام حذف يدل عليه | الظاهر ، كأنه قال : ولا هم شفعاء كما ~~تزعمون أنتم ، بل هم عبدة مسلمون أبدا ، يعني : منقادون ، | حتى إذا فرغ عن ~~قلوبهم ، والمراد الملائكة على ما اختاره ابن جرير وغيره . قال ابن كثير : ~~وهو | الحق الذي لا مرية فيه ، لصحة الأحاديث فيه والآثار . وقال أبو حيان ~~: تظاهرت الأحاديث عن | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، أن قوله ( حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم ) إنما هي في الملائكة ، إذا سمعت الوحي إلى | جبريل ~~يأمر الله به ، سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان ، فتفزع عند ذلك تعظيما ~~وهيبة . | قال : وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات ms196 تتسق هذه ~~الآية على الأولى ، ومن لم يشعر | أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله @QB@ ~~الذين زعمتم @QE@ لم تتصل له هذه الآية بما قبلها . # وقال ابن كثير : هذا مقام رفيع في العظمة ، وهو أنه تعالى إذا تكلم ~~بالوحي ، فسمع | PageV01P211 | أهل السموات كلامه ، أرعدوا من الهيبة حتى ~~يلحقهم مثل الغشي . قاله ابن مسعود ومسروق | وغيرهما . # وقوله : ( قالوا الحق ) . أي : قالوا : قال الله الحق ، وذلك لأنهم إذا ~~سمعوا كلام الله | وصعقوا ثم أفاقوا ، أخذوا يتساءلون ، فيقولون : @QB@ ~~ماذا قال ربكم @QE@ فيقولون : ( قال الحق ) . # قوله : ( وهو العلي ) أي : العالي ، فهو فوق كل شيء ، فهو تعالى على ~~العرش الذي هو | فوق السموات كما قال : @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ [ ~~طه : 5 ] # قال : في ' الصحيح ' عن أبي هريرة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ~~' إذا قضى الله الأمر في السماء | ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ~~كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا ~~قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير @QE@ [ سبأ : 23 ] فيسمعها مسترق | ~~السمع ، ومسترقو السمع هكذا بعضه فوق بعض ، وصفه سفيان بكفه فحرفها وبدد ~~بين | أصابعه ، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ، ثم يلقيها الآخر إلى من ~~تحته ، حتى يلقيها | على لسان الساحر والكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن ~~يلقيها ، وربما ألقاها قبل أن يدركه ، | فيكذب معها مائة كذبة ، فيقال : ~~أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا ، فيصدق بتلك الكلمة التي | سمعت من السماء ' ~~. # ش : قوله في ' الصحيح ' أي ' صحيح البخاري ' . # قوله : ' إذا قضى الله الأمر في السماء ' . أي : إذا تكلم الله بأمره ~~الذي قضاه في السماء | مما يكون ، كما روى سعيد بن منصور ، وأبو داود ، ~~وابن جرير عن ابن مسعود قال : إذا | تكلم الله بالوحي ، سمع أهل السماوات ~~صلصلة كجر السلسة على الصفوان . وروى ابن | أبي حاتم ، وابن مردويه ، عن ~~ابن عباس قال : لما أوحى الجبار إلى محمد [ صلى الله عليه وسلم [ دعا ~~الرسول | من الملائكة ليبعثه بالوحي ، فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم ~~بالوحي ، فلما كشف عن | قلوبهم ms197 سألوا عما قال الله ، فقالوا : الحق ، ~~وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا . | PageV01P212 # قوله : ' ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ' . أي : لقول الله تعالى ~~قال الحافظ : | خضعانا بفتحتين من الخضوع ، وفي رواية بضم أوله وسكون ثانيه ~~، وهو مصدر بمعنى | خاضعين . # قوله : ' كأنه سلسلة على صفوان ' . أي : كأن الصوت المسموع سلسلة على ~~صفوان ، | وهو الحجر الأملس . قال الحافظ : هو مثل قوله في بدء الوحي : ~~صلصلة كصلصلة | الجرس ، وهو صوت الملك بالوحي . وقد روى ابن مردويه من حديث ~~ابن مسعود رفعه | ' إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السموات صلصلة كصلصلة ~~السلسلة على الصفوان ' . . . | الحديث . # قوله : ' ينفذهم ذلك ' . هو بفتح التحتية وسكون النون وضم الفاء والذال ~~المعجمة ، | ذلك ، أي القول ، والضمير في ينفذهم عائد على الملائكة . أي ~~ينفذ الله القول إلى | الملائكة ، أي : يلقيه إليهم . وقيل : وهو أظهر . أي ~~: يخلص ذلك القول ، ويمضي في | قلوب الملائكة حتى يفزعوا من ذلك ، كما في ~~حديث النواس . وفي حديث ابن عباس عن | ابن مردويه من طريق عطاء بن السائب ~~عن سعيد بن جبير عنه : فلا ينزل على أهل سماء إلا | صعقوا . وفي حديث ابن ~~مسعود عند أبي داود وغيره مرفوعا : ' إذا تكلم الله بالوحي ، سمع | أهل ~~السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة على الصفا ، فيصعقون ، فلا يزالون كذلك ~~حتى | يأتيهم جبريل ' . . . الحديث . # قوله : @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم @QE@ [ سبأ : 23 ] أي : أزيل عنها ~~الخوف والغشي . # قوله : @QB@ قالوا ماذا قال ربكم @QE@ أي : قال الملائكة بعضهم لبعض : ~~ماذا قال ربكم . # قوله : ( قالوا الحق ) أي : قوله : قال الله الحق ، علموا أن الله لا ~~يقول إلا حقا . # قوله : ' فيسمعها مسترق السمع ' أي : يسمع الكلمة التي قضاها الله مسترق ~~السمع ، | PageV01P213 | وهم الشياطين يركب بعضهم بعضا ، فيسمعون أصوات ~~الملائكة بالأمر يقضيه الله ، كما قال | تعالى : ^ ( وحفظنها من كل شيطن ~~رجيم * إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين * ) ^ | [ الحجر : 17 - 18 ] ~~وفي ' صحيح البخاري ' عن عائشة مرفوعا : ' إن الملائكة تنزل في العنان | ~~وهو السحاب ، فتذكر الأمر قضي في السماء ، فتسترق الشياطين السمع فتسمعه ، ~~فتوحيه إلى ms198 | الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند أنفسهم ' وظاهر هذا ~~أنهم لا يسمعون كلام | الملائكة الذين في السماء الدنيا ، وإنما يسمعون ~~كلام الملائكة الذين في السحاب . # قوله : ' وصفه سفيان بكفه ' . أي : وصف ركوب بعضهم فوق بعض . وسفيان هو ~~ابن | عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي ، ثقة حافظ فقيه إمام حجة ، ~~إلا أنه تغير حفظه | بأخره ، وربما دلس لكن عن الثقات . مات سنة ثمان ~~وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون | سنة . # قوله : ' فحرفها ' بحاء مهملة وراء مشددة وفاء . # قوله : ' وبدد ' أي : فرق بين أصابعه . # قوله : ' فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ' . أي : يسمع المسترق ~~الفوقاني الكلمة من | الوحي ، فيلقيها إلى الشيطان الذي تحته ، ثم يلقيها ~~الآخر من تحته ، حتى يلقيها على لسان | الساحر والكاهن ، وحينئذ يقع الرجم ~~. # قوله : ' فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها ' . الشهاب هو النجم الذي ~~يرمى به . أي : | ربما أدرك المسترق الشهاب إذا رمى به قبل أن يلقي الكلمة ~~إلى من تحته ، وربما ألقاها | المسترق قبل أن يدركه الشهاب . وهذا يدل على ~~أن الرجم بالنجوم كان قبل المبعث ، كما | روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي ~~عن معمر ، عن الزهري ، عن علي بن حسين ، عن | ابن عباس قال : كان رسول الله ~~[ صلى الله عليه وسلم ] جالسا في نفر من أصحابه فرمي بنجم فاستتار ، فقال : ~~| ' ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية ' قالوا : كنا نقول : يولد ~~عظيم ، أو يموت عظيم | قال : ' فإنها لا يرمى بها لموت أحد ، ولا لحياته ، ~~ولكن ربنا إذا قضى أمرا سبح حملة | العرش ، ثم سبح أهل السماء الذي يلون ~~حملة العرش ، فيقول الذين يلون حملة العرش | لحملة العرش : ماذا قال ربكم ؟ ~~فيخبرونهم ، ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر | إلى هذه السماء ، ~~وتخطف الجن السمع فيرمون ، فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم | ~~PageV01P214 | يحرفونه ويزيدون فيه ' قال معمر : قلت للزهري : أكان يرمى ~~بها في الجاهلية ؟ قال : نعم . | قال أرأيت ^ ( وأنا كنا نقعد منها مقعد ~~للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا * ) ^ [ الجن : | 9 ms199 ] قال : غلظت ، ~~وشدد أمرها حين بعث رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . وفيه الرد على ~~المنجمين الذين | ينسبون الخير والشر ، والإعطاء والمنع إلى الكواكب بحسب ~~السعود منها والنحوس ، وعلى | حسب كونها في البروج الموافقة ، أو المنافرة ~~، ونحو ذلك لما في الرمي بها من الدلالة على | تسخيرها لما خلقت له ، كما ~~قال تعالى : ^ ( إن ربكم الله الذي خلق السموت والأرض في | ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يغشى اليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرت ~~| بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العلمين * ) ^ [ الأعراف : 54 ] ~~. # قوله : ' فيكذب معها مائة كذبة ' ، أي : يكذب الكاهن أو الساحر مع الكلمة ~~التي ألقاها | إليها وليه من الشياطين مائة كذبة ، بفتح الكاف وسكون الذال ~~المعجمة ، أو يكذب الشيطان مع | الكلمة التي استرقها مائة كذبة ، ويخبر ~~بالجميع وليه من الإنس ، فما جاؤوا به على وجهه فهو | صدق ، وما خلط فيه ~~فهو كذب ، ومع هذا فيفتتن الإنس بالإنس الساحر والكاهن ، ويفتتنان | ~~بوليهما من الشياطين ، ويقبلون ما جاؤوا به من الصدق والكذب ، لكونهم قد ~~يصدقون فيما | يأتون به من خبر السماء . # قوله : ' فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا كذا ؟ ' هكذا بيض المصنف في ~~هذا الموضع ، | ولفظ الحديث في ' الصحيح ' فيقال : أليس قد قال لنا يوم كذا ~~وكذا هكذا ' والمعنى أن الذين | يأتون الكهان يصدقونهم في كذبهم ، ويستدلون ~~على ذلك بكونهم يصدقون بعض الأحيان | فيما سمعوه من الوحي ، ويذكرون أنه ~~أخبرهم بشيء مرة فوجدوه حقا ، وتلك الكلمة من | الحق كما في ' الصحيح ' عن ~~عائشة قلت : يا رسول الله : إن الكهان كانوا يحدثونا بالشيء | فنجده حقا ، ~~قال : ' تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه ، ويزيد فيها ~~مائة | كذبة ' . وفيه قبور النفوس للباطل ، كيف يتعلقون بواحدة ، ولا ~~يعتبرون بمائة كذبة ؟ ! | PageV01P215 | ذكره المصنف . وفيه أن الشيء إذا ~~كان فيه نوع من الحق لا يدل على أنه حق كله ، بل لا | يدل على إباحته كما ~~في الكهانة والسحر والتنجيم . # قوله : ' فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء ' . أي : يستدلون ms200 على ~~صدقها . # قال : وعن النواس بن سمعان قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ~~' إذا أراد الله تعالى أن يوحي | بالأمر تكلم بالوحي ، أخذت السماوات منه ~~رجفة أو قال : رعدة شديدة خوفا من الله عز | وجل ، فإذا سمع ذلك أهل ~~السماوات صعقوا وخروا لله سجدا ، فيكون أول من يرفع رأسه | جبريل ، فيكلمه ~~الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة ، كلما مر بسماء يسأله | ~~ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول جبريل : قال : الحق وهو العلي ~~الكبير قال : فيقولون | كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث ~~أمره الله عز وجل ' . # ش قوله : ' عن النواس بن سمعان ' بكسر السين ، أي : ابن خالد الكلابي ، ~~ويقال : | الأنصاري ، صحابي ، ويقال : إن أباه صحابي أيضا . قال أبو حاتم ~~الرازي : سكن الشام . # قوله : ' إذا أراد الله أن يوحي بالأمر . . . ' الخ هذا والله أعلم في ~~جميع الأمور التي | PageV01P216 | يقضيها الرب تبارك وتعالى ، كما يدل عليه ~~عموم اللفظ ، ويدل على ذلك أيضا حديث أبي | هريرة الذي تقدم وغيره من ~~الأحاديث المتقدمة . # قوله : ' أخذت السماوات منه رجفة ' هو برفع ' رجفة ' على أنه فاعل ، أي : ~~أصاب | السماوات منه رجفة ، أي : ارتجفت ، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة ~~قال : ' إذا قضى | الله أمرا تكلم تبارك وتعالى ، رجفت السماوات والأرض ~~والجبال ، وخرت الملائكة كلهم | سجدا ' . # قوله : أو قال : ' رعدة شديدة ' . بمعنى أن الراوي شك هل قال النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] رجفة ، أو | قال : رعدة ، وهو بفتح الراء بمعنى الأول . # قوله : ' خوفا من الله عز وجل ' . لا ينكر أن السماوات والأرض ترجف ~~وترتعد خوفا | من الله عز وجل ، فقد قال تعالى : ^ ( تسبح له السموات ~~والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا | يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه ~~كان حليما غفورا * ) ^ [ الإسراء : 44 ] وقال تعالى : | @QB@ فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين @QE@ [ فصلت : 11 ] وقال ~~تعالى : ^ ( تكاد | السموت السبع يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * ~~) ^ [ مريم : 90 ] قال تعالى : ^ ( وإن من ms201 | الحجارة لما يتفجر منه الأنهر ~~وإن منها لما يشقق فيخرج منه المآء وإن منها لما يهبط من خشية | الله وما ~~الله بغفل عما تعملون ) ^ [ البقرة : 74 ] وفي ' البخاري ' عن ابن مسعود ~~قال : ' كنا نسمع | تسبيح الطعام وهو يؤكل ' . وفي حديث أبي ذر أن النبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] أخذ في يده حصيات ، فسمع | لهن تسبيح كحنين النخل ، ~~وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان . وهو حديث مشهور في | ' المسانيد ' . ~~وكذلك في ' الصحيح ' قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] | قبل اتخاذ المنبر ، ومثل هذا كثير . # قوله : ' صعقوا وخروا لله سجدا ' ، أي : يقع منهم الأمران ، الصعق - وهو ~~الغشي - | والسجود ، والله أعلم أيهما قبل الآخر ، فإن الواو لا تقتضي ~~ترتيبا . | PageV01P217 # قوله : ' فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ' معنى جبريل . عبد الله كما روى ~~ابن جرير ، | وأبو الشيخ الأصبهاني عن علي بن حسين قال : اسم جبريل عبد ~~الله ، واسم ميكائيل | عبيد الله ، وإسرافيل عبد الرحمن ، وكل شيء راجع إلى ~~' إيل ' ، فهو معبد لله عز وجل . | وفيه دليل على فضيلة جبريل عليه السلام ~~، كما قال تعالى : @QB@ إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ~~ثم أمين @QE@ [ التكوير : 19 - 21 ] قال أبو صالح في قوله @QB@ عند ذي ~~العرش مكين @QE@ قال : جبريل يدخل في سبعين حجابا من نور بغير إذن . وقد ~~ورد في صفة | جبريل أحاديث صحيحة ، منها ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن عبد ~~الله بن مسعود قال : | ' رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته ~~، وله ستمائة جناح ، كل جناح منها قد سد الأفق ، يسقط من جناحه من التهاويل ~~والدر والياقوت ما الله به عليم ' . # قوله : ' ثم يمر جبريل على الملائكة ' إلى آخره . معناه ظاهر ، فإذا كان ~~هذا حال | الملائكة الذين هم أقوى وأعظم ممن عبد من دون الله ، وشدة خشيتهم ~~من الله ، وهيبتهم له | مع ما أعطاهم الله من القوة العظيمة التي لا يعلمها ~~إلا الله ، ومع هذا فقد نفى عنهم الشفاعة | بغير ms202 إذنه كما قال : ^ ( وكم من ~~ملك في السموات لا تغني شفعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن | يشآء ~~ويرضى * ) ^ [ النجم : 26 ] وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا ~~تحويله . | فقال : @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر ~~عنكم ولا تحويلا @QE@ | [ الإسراء : 56 ] وفي ضمن ذلك النهي عن دعائهم ~~وعبادتهم الشفاعة وغيرها ، كما قال | تعالى : ^ ( أم اتخذوا من دون الله ~~شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * | قل لله الشفعة جميعا ) ~~^ [ الزمر : 43 - 44 ] فكيف يدعوهم المشرك ويظن أنهم يشفعون له عند | ~~PageV01P218 | الله كما يشفع الوزراء عند الملوك ، وإذا بطلت دعوتهم مع ~~أنهم أحياء ناطقون مقربون عند | الله ، فدعاء غيرهم من الأموات الذين لا ~~يستطيعون سمعا ولا يملكون ضرا ولا نفعا أولى | بالبطلان . | ^ ( إن الذين ~~تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم | صدقين * ~~) ^ [ الأعراف : 194 ] وقال : ^ ( والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا ~~وهم | يخلقون * أموت غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون * إلهكم إله وحد ~~فالذين لا يؤمنون | بالأخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون * ) ^ [ النحل : 20 ~~- 22 ] . # قوله : ' ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره لله عز وجل ' . قد بيض ~~المصنف رحمه | الله بعد هذا ، ولعله أراد أن يكتب تمام الحديث ومن رواه . ~~وتمامه : إلى حيث أمره الله عز | وجل من السماء والأرض . ورواه ابن جرير ~~وابن خزيمة وابن أبي حاتم والطبراني ، وفي | الحديث من الفوائد إثبات ~~الكلام خلافا للجهمية ، وإثبات الصوت خلافا لهم وللأشاعرة . | PageV01P219 ~~| # | ( [ 16 ] باب : الشفاعة ) # لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم ~~بأذيال | الشفاعة ، كما قال تعالى : ^ ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء | شفعؤنا عند الله ) ^ [ يونس : 18 ] وقال تعالى ~~: @QB@ والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ~~@QE@ [ الزمر : 3 ] وكذلك قطع الله أطماع المشركين منها ، وأخبر أنه | شرك ~~، ونزه نفسه عنه ، ونفى أن يكون للخلق من دونه ولي أو شفيع ms203 ، كما قال تعالى ~~: | @QB@ الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى ~~على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون @QE@ [ السجدة : 4 ~~] أراد المصنف في هذا الباب إقامة الحجج | على أن ذلك هو عين الشرك وأن ~~الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله ليشفع له كما يشفع | الوزير عند الملك ~~منتفية دنيا وأخرى ، وإنما الله هو الذي يأذن للشافع ابتداء ، لا يشفع ~~ابتداء | كما يظنه أعداء الله . فإن قلت : إذا كان من اتخذ شفيعا عند الله ~~، إنما قصده تعظيم الرب | تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء ، فلم ~~كان هذا القدر شركا ؟ ! . # قيل : قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى ، فكم من يقصد ~~التعظيم | لشخص ينقصه بتعظيمه ، ولهذا قيل في المثل المشهور : يضر الصديق ~~الجاهل ما لا يضر | العدو العاقل . فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله ~~هضم لحق الربوبية ، وتنقص للعظمة | الإلهية ، وسوء ظن برب العالمين ، كما ~~قال تعالى : ^ ( ويعذب المنفقين والمنفقت والمشركين | والمشركت الظانين ~~بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم | جهنم ~~وسآءت مصيرا * ) ^ [ الفتح : 6 ] فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به ، ~~ولو | أحسنوا به الظن لوحدوه حق توحيده ، ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن ~~المشركين أنهم ما | قدروه حق قدره وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندا ~~، أو شفيعا يحبه ويخافه | ويرجوه ، ويذل له ، ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر ~~مرضاته ويدعوه ويذبح له وينذر ، | وهذه هي التسوية التي أثبتها المشركون ~~بين الله وبين آلهتهم وعرفوا وهم في النار أنها كانت | باطلا وضلالا ، ~~فيقولون وهم في النار : ^ ( تالله إن كنالفي ضلل مبين * إذ نسويكم برب | ~~PageV01P220 | العلمين * ) ^ [ الشعراء : 97 - 98 ] ومعلوم ، أنهم ما ~~ساووهم به في الذات والصفات | والأفعال ، ولا قالوا : إن آلهتكم خلقت ~~السماوات والأرض ، وإنها تحيي وتميت ، وإنما | ساووهم به في المحبة ~~والتعظيم والعبادة ، كما ترى عليه أهل الإشراك ممن ينتسب إلى | الإسلام ، ~~وإنما كان ذلك هضما لحق ms204 الربوبية ، وتنقصا لعظمة الإلهية ، وسوء ظن برب | ~~العالمين ، لأن المتخذ للشفعاء والأنداد ، إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج ~~إلى من يدبر أمر | العالم معه من وزير أو ظهير أو معين ، وهذا أعظم التنقص ~~لمن هو غني عن كل ما سواه | بذاته ، وكل ما سواه فقير إليه بذاته ، وإما أن ~~يظن أن الله سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة | الشفيع ، وإما أن يظن أنه لا ~~يعلم حتى يعلمه الشفيع ، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع | يرحم ، أو لا يكفي ~~وحده ، أو لا يفعل ما يريد العبد حتى يشفع عنده كما يشفع عند | المخلوق ، ~~أو لا يجيب دعاء حتى يسألوا الشفيع أن يرفع حاجتهم إليه ، كما هو حال | ~~ملوك الدنيا . وهذا أصل شر الخلق ، أو يظن أنه لا يسمع حتى يرفع الشفيع ~~إليه ذلك ، أو | يظن أن للشفيع عليه حقا ، فهو يقسم عليه بحقه ، ويتوسل ~~إليه بذلك الشفيع ، كما يتوسل | الناس إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم ، ~~ولا تمكنهم مخالفته ، وكل هذا تنقص | للربوبية ، وهضم لحقها . ذكر معناه ~~ابن القيم . فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه وتعالى أن | ذلك شرك ، ونزه ~~نفسه عنه فقال : ^ ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون | ~~هؤلاء شفعؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في ~~الأرض سبحنه وتعلى | عما يشركون * ) ^ [ يونس : 18 ] . # فإن قلت : إنما حكم سبحانه وتعالى بالشرك على من عبد الشفعاء ، أما من ~~دعاهم | للشفاعة فقط ، فهو لم يعبدهم ، فلا يكون ذلك شركا . # قيل : مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك ، والشرك لازم له ، كما أن الشرك ~~ملزوم | لتنقص الرب سبحانه وتعالى ، والتنفص لازم له ضرورة ، شاء المشرك أم ~~أبى ، وعلى هذا | فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج ، وإنما هو ~~شيء قدره المشركون في | أذهانهم ، فإن الدعاء عبادة ، بل هو مخ العبادة ، ~~فإذا دعاهم للشفاعة ، فقد عبدهم وأشرك | في عبادة الله شاء أم أبى . | ~~PageV01P221 # قال : وقول الله عز وجل : @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ms205 ~~ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع @QE@ [ الأنعام : 51 ] . # ش : الإنذار : هو الإعلام بموضع المخافة وقوله : ' به ' ، قال ابن عباس ~~بالقرآن . | وقوله : @QB@ الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم @QE@ [ الأنعام ~~: 51 ] ، أي أنذر يا محمد بالقرآن | الذين هم من خشية ربهم مشفقون . الذين ~~يخشون ربهم ، ويخافون سوء الحساب ، وهم | المؤمنون ، كما روي ذلك عن ابن ~~عباس والسدي . وعن الفضيل بن عياض : ليس كل خلقه | عاتب ، إنما عاتب الذين ~~يعقلون فقال : @QB@ وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم @QE@ أي : | ~~وهم المؤمنون أصحاب القلوب الواعية ، فإنهم المقصودون ، والمنظور إليهم لا ~~أصحاب | التجمل والسيادة ، فإن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ، ولكن ~~ينظر إلى قلوبكم | وأعمالكم . وقوله : @QB@ ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~@QE@ [ الأنعام : 51 ] قال الزجاج : موضع | ' ليس ' نصب على الحال كأنه قال ~~: متخلين من ولي وشفيع ، والعامل فيه ' يخافون ' . | وقال ابن كثير : ليس ~~لهم من دونه يومئذ ولي ولا شفيع من عذابه إن أرادهم به لعلهم | يتقون ، ~~فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذابه يوم القيامة . قلت : ~~فنفى | سبحانه وتعالى عن المؤمنين أن يكون لهم ولي أو شفيع من دون الله كما ~~هو دين | المشركين ، فمن اتخذ من دون الله شفيعا ، فليس من المؤمنين ، ولا ~~تحصل له الشفاعة . | وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن ~~الله كما ادعته المعتزلة ، بل فيها | دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من ~~المؤمنين ، وعلى نفيها بغير إذن الله ، ولهذا أثبت الشفاعة | بإذنه في ~~مواضع كما قال : @QB@ ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه ~~أفلا تذكرون @QE@ [ يونس : 3 ] . # قال وقوله : ^ ( قل لله الشفعة جميعا ) ^ [ الزمر : 44 ] . # ش : هكذا أوردها المصنف ، ونتكلم عليها وعلى الآية التي قبلها ليتضح ~~المعنى . قال الله | تعالى : ^ ( أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو ~~كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل | لله الشفعة جميعا له ملك السموت ~~والأرض ثم إليه ترجعون * ) ^ [ الزمر : 43 - 44 ] | فقوله : أم اتخذوا ، أي ~~: بل اتخذوا ، أي ms206 : المشركون والهمزة للإنكار من دون الله | شفعاء ، أي : ~~أتشفع لهم عند الله بزعمهم كما قال : ^ ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ~~| ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعؤنا عند الله ) ^ [ يونس : 18 ] وقال : ^ ( ~~والذين اتخذوا من | دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن ~~الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن | الله لا يهدي من هو كذب كفار ) ~~^ [ الزمر : 3 ] فكذبهم وكفرهم بذلك . وقال تعالى : | ^ ( فلولا نصرهم ~~الذين اتخذوا من دون الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا ~~| يفترون * ) ^ [ الأحقاف : 28 ] فهذا هو مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو ~~الشفاعة لهم | PageV01P222 | عند الله . # قوله : من دون الله . أي : من دون إذنه وأمره ، والحال أنه لا يشفع عنده ~~أحد إلا بإذنه ، | وأن يكون المشفوع له مرتضى ، وههنا الشرطان مفقودان ، ~~فإن الله سبحانه لم يجعل اتخاذ | الشفعاء ودعاءهم من دونه سببا لإذنه ورضاه ~~، بل ذلك سبب لمنعه وغضبه . # قوله : @QB@ قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون @QE@ [ الزمر : 43 ~~] أي : أيشفعون | ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ~~ولا تعلم ، أو أموات كذلك ، | حتى ولا يملكون الشفاعة كما قال : ^ ( قل لله ~~الشفعة جميعا ) ^ [ الزمر : 44 ] أي : هو مالكها | كلها فليس لمن تدعونهم ~~منها شيء ، قال البيضاوي : لعله رد لما عسى يجيبون به وهو أن | الشفاعء ~~أشخاص مقربون ، هي تماثيلهم . والمعنى أنه مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد ~~| شفاعة إلا بإذنه ، ولا يستقل بها . وقوله : @QB@ له ملك السماوات والأرض ~~@QE@ [ الحديد : 2 ] تقرير | لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه بأنه مالك الملك ~~كله ، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون | إذنه ورضاه ، فاندرج في ذلك ملك ~~الشفاعة ، فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من | دونه كائنا من كان . ~~وقوله : @QB@ ثم إليه ترجعون @QE@ أي فتعلمون أنهم لا يشفعون ، ويخيب | ~~سعيكم في عبادتهم ، بل يكونون عليكم ضدا ويتبرؤون من عبادتكم كما قال تعالى ~~: @QB@ كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا @QE@ [ مريم : 82 ] وقال ~~تعالى : ^ ( ويوم نحشرهم جميعا | ثم ms207 نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون * فكفى | بالله ~~شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغفلين * ) ^ [ يونس : 28 - 29 ] . # قال : وقوله : @QB@ من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه @QE@ [ البقرة : 255 ~~] في هذه الآية رد على | المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من ~~الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على | صور الصالحين وغيرهم ، وظنوا ~~أنهم يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم ، وبين | عظيم ملكوته وكبريائه ~~وأن أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام | كقوله ~~: @QB@ لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن @QE@ [ الأنبياء : 38 ] وقوله : ^ ~~( يوم يأت لا تكلم نفس | إلا بإذنه ) ^ [ هود : 105 ] قال ابن جرير في هذه ~~الآية : نزلت لما قال الكفار : ما نعبد أوثاننا | هذه إلا ليقربونا إلى ~~الله زلفى . فقال الله تعالى : ^ ( له ما في السموت وما في الأرض ) ^ [ ~~النساء : | 171 ] وتقرر في هذه الآية أن الله يأذن لمن يشاء بالشفاعة ، وهم ~~الأنبياء والعلماء وغيرهم ، | والإذن راجع إلى الأمر فيما نص عليه كمحمد [ ~~صلى الله عليه وسلم ] إذا قيل له : اشفع تشفع ، وكذلك قاله | غير واحد من ~~المفسرين . # قال : ^ ( وكم من ملك في السموت لا تغنى شفعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن ~~الله لمن | يشاء ويرضى * ) ^ [ النجم : 26 ] . | PageV01P223 | ش : قال أبو ~~حيان : ' كم ' خبرية ومعناها : التكثير وهي في موضع رفع بالابتداء والخبر | ~~' لا تغني ' والغناء جلب النفع ، ودفع الضرر بحسب الأمر الذي يكون فيه ~~الغناء . و ' كم ' : | لفظها مفرد ، ومعناها جمع . وإذا كانت الملائكة ~~المقربون لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذن الله | ورضاه أن يرضاه أهلا للشفاعة ~~، فكيف تشفع الأصنام لمن عبدها ؟ قلت : في هذه الآيات من | الرد على من عبد ~~الملائكة والصالحين لشفاعة أو غيرها ما لا يخفى ، لأنهم إذا كانوا لا | ~~يشفعون إلا بإذن من الله ابتداء ، فلأي معنى يدعون ويعبدون ؟ وأيضا فإن ~~الله لا يأذن إلا | لمن ارتضى قوله وعمله ، وهو الموحد لا المشرك كما قال : ~~^ ( يومئذ لا تنفع الشفعة ms208 إلا من | أذن له الرحمن ورضى له قولا * ) ^ [ طه ~~: 109 ] والله لا يرتضي إلا التوحيد كما قال : ^ ( ومن | يبتغ غير الإسلم ~~دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخسرين * ) ^ [ آل عمران : 85 ] وقال ~~| النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه ' فلم يقل : أسعد | الناس بشفاعتي من دعاني . فإن قال ~~المشرك : أنا أعلم أنهم لا يشفعون إلا بإذنه لكن أدعوهم | ليأذن الله لهم ~~في الشفاعة لي . قيل : فإن الله لم يجعل الشرك به ودعاء غيره سببا لإذنه | ~~ورضاه ، بل ذلك سبب لغضبه ، ولهذا نهى عن دعاء غيره في غير آية كقوله : ^ ( ~~ولا تدع من | دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظلمين ~~* ) ^ [ يونس : 106 ] . # فتبين أن دعاء الصالحين من الملائكة والأنبياء وغيرهم شرك كما كان ~~المشركون | الأولون يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله ، فأنكر الله عليهم ذلك ، ~~وأخبر أنه لا يرضاه ، ولا | يأمر به كما قال تعالى : ^ ( ولا يأمركم أن ~~تتخذوا الملئكة والنبين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم | مسلمون * ) ^ ~~[ آل عمران : 80 ] وقال تعالى : @QB@ إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ~~ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب @QE@ [ البقرة : 166 ] . # قال ابن كثير : تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم يعبدونهم في ~~الدنيا : | فتقول الملائكة : تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون . وقال ~~تعالى : ^ ( وإذ قال الله يعسى ابن | مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحنك ما يكون لي أن أقول ما ليس | لي بحق ) ^ [ ~~المائدة : 116 ] وقال تعالى : @QB@ قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا @QE@ [ الإسراء : 56 ] روى سعيد بن منصور ~~والبخاري والنسائي وابن | جرير عن ابن مسعود في الآية : كان نفر من الإنس ~~يعبدون نفرا من الجن فأسلم نفر من | PageV01P224 | الجن وتمسك الإنسيون ~~بعبادتهم فأنزل الله : @QB@ أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ~~@QE@ [ الإسراء : 57 ] كلاهما بالياء ( ) وقد كان أهل الشرك يعبدون ~~الملائكة | والمسيح وعزيرا ms209 . وفي رواية عنه عندهما في قوله : @QB@ فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم @QE@ | [ الإسراء : 56 ] قال عيسى وأمه وعزير . وقال ~~تعالى : ^ ( إنكم وما تعبدون من دون الله | حصب جهنم أنتم لها وردون * ) ^ ~~[ الأنبياء : 98 ] إلى قوله : @QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى @QE@ [ ~~الأنبياء : 101 ] . قال ابن إسحاق : لما ذكر قصة ابن الزبعري ومخاصمته | ~~لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] عند نزول هذه الآية قال : وأنزل الله : ~~@QB@ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون @QE@ [ الأنبياء : ~~101 ] الآيتين ، أي : عيسى وعزير ومن عبد من الأحبار | والرهبان الذين مضوا ~~على أمر الله ، فاتخذهم من يعبدهم من أهل الضلالة أربابا من دون الله | ~~وقال تعالى : ^ ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى ~~الشيطن في أمنيته | فينسخ الله ما يلقى الشيطن ) ^ [ الحج : 52 ] الآيات . ~~وروى ابن أبي حاتم عن الزهري قال : | نزلت سورة النجم وكان المشركون يقولون ~~: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه | وأصحابه ، ولكنه لا يذكر من ~~خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من | السب والشتم ~~والشر ، وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قد اشتد عليه ما نال أصحابه ~~من أذاهم | وتكذيبهم ، وأحزنه ضلالتهم ، فكان يتمنى هداهم ، فلما أنزل الله ~~سورة النجم قال : | ^ ( أفرءيتم اللت والعزى * ومنوة الثالثة الأخرى * ) ^ ~~[ النجم : 19 - 20 ] ألقى الشيطان | عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال : ~~تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى ، وكان | ذلك من سجع الشيطان ~~وفتنته ، فوقعت هاتان الكلمتان في قلب كل مشرك بمكة ، وذلت بها | ألسنتهم ، ~~وتباشروا بها وقالوا : إن محمدا قد رجع إلى دينه الأول ودين قومه . فلما ~~بلغ | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] آخر النجم : سجد ، وسجد كل من حضر ~~من مسلم ومشرك ، ففشت تلك | الكلمة في الناس وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض ~~الحبشة فأنزل الله : ^ ( ومآ أرسلنا من | قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا ~~تمنى ألقى الشيطن في أمنيته ) ^ [ الحج : 52 ] الآيات . فلما | بين الله ~~قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب ms210 المشركون بعداوتهم وضلالتهم للمسلمين ، | ~~واشتدوا عليه . وهي قصة مشهورة صحيحة رويت عن ابن عباس من طرق بعضها | ~~PageV01P225 | صحيح . ورويت عن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة منهم عروة ~~وسعيد بن جبير وأبو | العالية وأبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة ، والضحاك ~~وقتادة ، ومحمد بن كعب القرظي | ومحمد بن قيس والسدي وغيرهم . وذكرهم . ~~وذكرها أيضا أهل السير وغيرها وأصلها في | ' الصحيحين ' والمقصود منها قوله ~~: تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى . فإن | الغرانيق هي الملائكة على ~~قول ، وعلى آخر هي الأصنام ولا تنافي بينهما ، فإن المقصود | بعبادتهم ~~الأصنام والملائكة والصالحين كما تقدم عن البيضاوي . فلما سمع المشركون هذا ~~| الكلام المقتضي لجواز عبادة الملائكة رجاء شفاعتهم عند الله ظنوا أن رسول ~~الله [ صلى الله عليه وسلم ] قاله ، | فرضوا عنه وسجدوا معه ، وحكموا بأنه ~~قد وافقهم على دينهم من دعاء الملائكة والأصنام | للشفاعة حتى طارت الكلمة ~~كل مطار ، وبلغ المهاجرين إلى الحبشة أنهم صالحوا | رسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] ، فعرفت أن الفارق بينهم وبين رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ~~] هي مسألة الشفاعة ، لأنهم | يقولون : نريد من الملائكة والأصنام المصورة ~~على صورهم بزعمهم أن يشفعوا لنا عند الله ، | والرسول [ صلى الله عليه وسلم ~~] قد أتاهم بإبطال ذلك ، والنهي عنه ، وتكفير من دان به وتضليلهم وتسفيه | ~~عقولهم ، ولم يرخص لهم في سؤال الشفاعة من الملائكة ، ولا من الأنبياء ولا ~~الأصنام ، بل | أتاهم بقوله تعالى : ^ ( قل لله الشفعة جميعا ) ^ [ الزمر : ~~44 ] وقوله : ^ ( ءأتخذ من دونه ءالهة | إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى ~~شفعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلل مبين * ) ^ | [ يس : 23 - 24 ] ~~وهذا كثير جدا لمن تتبعه . والمقصود أن المشركين الأولين يدعون الملائكة | ~~والصالحين ليشفعوا لهم عند الله ، كما تشهد به نصوص القرآن ، وكتب التفسير ~~والسير ، | والآثار طافحة بذلك ، ويكفي العاقل المنصف قوله تعالى : ^ ( ~~ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول | للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا ~~سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون | الجن أكثرهم بهم مؤمنون * ) ^ ~~[ سبأ : 40 - 41 ] . # قال : وقوله : @QB@ قل ادعوا ms211 الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض @QE@ [ سبأ : 22 ] . # ش : هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء : إنها تقطع عروق شجرة الشرك ~~من | القلب لمن عقلها . قال ابن القيم في الكلام عليها : وقد قطع الله ~~الأسباب التي يتعلق بها | PageV01P226 | المشركون جميعها قطعا ، يعلم من ~~تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا ، فمثله كمثل | العنكبوت اتخذت ~~بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت ، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما | يحصل ~~له به من النفع ، والنفع لا يكون إلا ممن يكون فيه خصلة من هذه الأربع : ~~إما مالك | لما يريد عابده منه ، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك ، فإن ~~لم يكن شريكا له ، كان معينا | له وظهيرا ، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا ، ~~كان شفيعا عنده ، فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا | مرتبا منتقلا من ~~الأعلى إلى ما دونه ، فنفى الملك والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها | ~~المشرك ، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك وهي الشفاعة بإذنه ، قال : فهو ~~الذي يأذن | للشافع ، وإن لم يأذن له لم يتقدم في الشفاعة بين يديه كما ~~يكون في حق المخلوقين ، فإن | المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له ، ~~فيقبل شفاعته وإن لم يأذن له فيها ، وأما كل | ما سواه فقير إليه بذاته وهو ~~الغني بذاته عن كل ما سواه ، فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه ؟ | فكفى بهذه ~~الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد ، وقطعا لأصول الشرك ومواده لمن ~~| عقلها . # والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها ، ولكن أكثر الناس لا لا يشعرون بدخول ~~الواقع تحته ، | وتضمنه له ، ويظنه في نوع ، وقوم قد خلوا من قبل ولم ~~يعقبوا وارثا . وهذا الذي يحول بين | القلب وبين فهم القرآن ، ولعمر الله ~~إن كان أولئك قد خلوا ، فقد ورثهم من هو مثلهم وشر | منهم ودونهم ، وتناول ~~القرآن لهم كتناوله لأولئك ، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب | رضي الله ~~عنه : إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة ، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف | ~~الجاهلية ms212 . وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك ، وما دعا به القرآن ~~وذمه ، وقع فيه | وأقره ، ودعا إليه وصوبه وحسنه ، وهو لا يعرف أنه الذي ~~كان عليه الجاهلية ، أو نظيره أو | شر منه أو دونه ، فتنتقض بذلك عرى ~~الإسلام ، ويعود المعروف منكرا ، والمنكر معروفا ، | والبدعة سنة ، والسنة ~~بدعة ، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ، ويبدع بتجريد | متابعة ~~الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ومفارقة الأهواء والبدع . ومن له بصيرة وقلب ~~حي يرى ذلك عيانا ، فالله | المستعان . # وقال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين : ^ ( والذين اتخذوا من ~~دونه | أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ~~ما هم فيه يختلفون إن الله | لا يهدى من هو كذب كفار ) ^ [ الزمر : 3 ] ~~فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه | يقربه إلى الله تعالى ، وما ~~أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من يعادي من أنكره . والذي في | قلوب هؤلاء ~~المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله ، وهذا عين الشرك . وقد أنكره ~~| الله عليهم في كتابه ، وأبطله ، وأخبر أن الشفاعة كلها له ، وأنه لا يشفع ~~عنده أحد إلا لمن أذن | الله تعالى أن يشفع له فيه ، ورضي قوله وعمله . وهم ~~أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون | PageV01P227 | الله شفعاء ، فإنه ~~سبحانه وتعالى يأذن في الشفاعة فيهم لمن يشاء ، حيث لم يتخذوهم شفعاء | من ~~دونه ، فيكون أسعد الناس بشفاعته من يأذن الله تعالى له ، صاحب التوحيد ~~الذي لم يتخذ | شفيعا من دون الله . والشفاعة التي أثبتها الله تعالى ~~ورسوله [ صلى الله عليه وسلم ] هي الشفاعة الصادرة عن إذنه | لمن وحده ، ~~والتي نفاها الله تعالى هي الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين ~~| من دون الله شفعاء ، فيعاملون بنقيض مقصودهم من شفاعتهم ، ويفوز بها ~~الموحدون . | انتهى . # ولكن تأمل الآية كيف أمرهم تعالى بدعاء الملائكة أمر تعجيز ، والمراد ~~بيان أنهم لا يملكون شيئا ، فلا يدعون لا لشفاعة ولا غيرها ، ثم أخبر أنهم ~~هم الذين اتخذوهم بزعمهم | شفعاء فنسبه ms213 إلى زعمهم وإفكهم الذي ابتدعوه من ~~غير برهان ولا حجة من الله وهذه الآية | نزلت في دعوة الملائكة ، ودخول ~~غيرهم فيها من باب أولى ، كما روى ابن أبي حاتم عن | السدي في قوله : @QB@ ~~وما له منهم من ظهير @QE@ [ سبأ : 22 ] يقول : من عون الملائكة . وكما يدل ~~| عليه قوله تعالى : @QB@ حتى إذا فزع عن قلوبهم @QE@ [ سبأ : 23 ] كما ~~تقدم . فإذا كان اتخاذ الملائكة | شفعاء من دون الله شركا ، فكيف باتخاذ ~~الأموات كما يفعله عباد القبور ؟ أم كيف باتخاذ | الفجار والفساق إخوان ~~الشياطين من المجاذيب الذين جذبهم إبليس إلى جانبه وطاعته | شفعاء ؟ وأعظم ~~من ذلك اعتقاد الربوبية في هؤلاء الملاعين مع ما يشاهده الناس منهم من | ~~الفجور ، وأنواع الفسوق ، وترك الصلوات ، وفعل المنكرات ، والمشي في ~~الأسواق عراة . # كما قال بعض المتأخرين . | # % كقوم عراة في ذرى مصر ما يرى % % على عورة منهم هناك ثياب % # % يدورون فيها كاشفين لعورة % % تواتر هذا لا يقال كذاب % # % يعدونهم في مصرهم فضلاءهم % % دعاؤهم فيما يرون مجاب % # ومن العجب أنهم لم يأتوا بشيء يدل على كون هؤلاء الشياطين من جملة ~~المسلمين ، | فضلا عن كونهم أولياء ، فضلا عن كونهم يدعون ويستغاث بهم إلا ~~بشيء من المخاريق | والسحر والشعبذة ، يدعون أن لهم كرامات ، وأنهم أولياء ~~لما يظهرونه من المخاريق . # واعلم أن الضلال والكفر إنما استولى على أكثر المتأخرين بسبب نبذهم كتاب ~~الله وراء | ظهورهم ، وإحسان الظن بمن سحرهم ، ودعا إلى نفسه ، واقتصارهم ~~على القوانين والدعاوي والأوضاع التي وضعوها لأنفسهم ، وإلا فلو قرؤوا كتاب ~~الله ، وعلموا بما فيه ، ورجعوا عند | الاختلاف إليه لوجدوا فيه الهدى ~~والشفاء والنور ولكن نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون وتقدم الكلام على بقية الآية . # قال المؤلف : قال أبو العباس : نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به ~~المشركون ، فنفى أن | يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله ، ولم ~~يبق إلا الشفاعة . فبين أنها لا تنفع إلا | PageV01P228 | لمن أذن له الرب ~~كما قال : @QB@ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى @QE@ [ الأنبياء : 28 ] فهذه ms214 ~~الشفاعة التي | يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن ، ~~وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه | ويحمده لا يبدأ ~~بالشفاعة أولا ، ثم يقال له : ارفع رأسك ، وقل يسمع ، واسأل تعط واشفع | ~~تشفع . وقال له أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك ؟ قال : ' من قال لا إله ~~إلا الله خالصا | من قلبه ' فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ، ولا ~~تكون لمن أشرك بالله . وحقيقته أن الله | سبحانه هو الذي يتفضل على أهل ~~الإخلاص ، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع | ليكرمه ، وينال ~~المقام المحمود . فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ، ولهذا أثبت ~~| الشفاعة بإذنه في مواضع . وقد بين النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنها لا ~~تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص . | انتهى كلامه . | ش : قوله : ' قال أبو ~~العباس ' . هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن | عبد السلام ~~بن تيمية ، الإمام المشهور ، صاحب ' المصنفات ' شهرته وإمامته في علوم | ~~الإسلام وتفننه تغني عن الإطناب في وصفه . قال الذهبي : لم يأت قبله بخمس ~~مائة سنة | مثله ، وفي رواية : بأربع مائة وقال أيضا : لو حلفت بين الركن ~~والمقام لحلفت أني لم أر | مثله ، وما رأى بعينيه مثل نفسه رحمه الله . ~~وقال ابن دقيق العيد : لما اجتمعت بابن تيمية | رأيت رجلا كل العلوم بين ~~عينه ، يأخذ ما يشاء ، ويدع ما يشاء . وبالجملة فما أتى بعد عصر | الإمام ~~أحمد له نظير ، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وسبع مئة . # قوله : ( نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون ) ، أي : أن الله ~~تعالى نفى في الآية | المذكورة قبل ما يتعلق به المشركون من الإعتقاد في ~~غير الله من الملك والشركة فيه والمعاونة | والشفاعة ، فهذه الأمور الأربعة ~~هي التي يتعلق بها المشركون . # قوله : ( فنفى أن يكون لغيره ملك ) ، وذلك في قوله تعالى : ^ ( لا يملكون ~~مثقال ذرة | في السموت ولا في الأرض ) ^ [ سبأ : 22 ] ومن لا يملك هذا ~~المقدار فليس بأهل أن يدعى . # قوله : ( أو قسط منه ) . أي من الملك ms215 ، والقسط - بكسر القاف - هو النصيب ~~من | الشيء ، وذلك في قوله : @QB@ وما لهم فيهما من شرك @QE@ أي ما لمن ~~تدعون من الملائكة وغيرهم | فيها ، أي : في السماوات والأرض من شرك ومن ليس ~~بمالك ولا شريك للمالك فكيف | يدعى من دون الله ؟ # قوله : ( أو أن يكون عونا لله ) ، وذلك في قوله : @QB@ وما له منهم من ~~ظهير @QE@ أي ما لله ممن | تدعونهم عون . | PageV01P229 # قوله : ( ولم يبق إلا الشفاعة ) . فتبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له ~~الرب . . . الخ . جملة | الشروط التي لا بد وأن يكون أحدها في المدعو ، ~~أربعة حتى يقدر على إجابة من دعاه . # الأول : الملك فنفاه بقوله : ^ ( لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في ~~الأرض ) ^ # الثاني : إذا لم يكن مالكا فيكون شريكا للمالك ، فنفاه بقوله : @QB@ وما ~~لهم فيهما من شرك @QE@ [ سبأ : 22 ] . # الثالث : إذا لم يكن مالكا ولا شريكا للمالك فيكون عونا ووزيرا فنفاه ~~بقوله : @QB@ وما له منهم من ظهير @QE@ . # الرابع : إذا لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فيكون شفيعا ، فنفى سبحانه ~~وتعالى | الشفاعة عنده إلا بإذنه ، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع ، ~~فبنفي هذه الأمور بطلت دعوة | غير الله ، إذ ليس عند غيره من النفع والضر ~~ما يوجب قصده بشيء من العبادة ، كما قال | تعالى : ^ ( واتخذوا من دونه ~~ءالهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا | نفعا ولا ~~يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا * ) ^ [ الفرقان : 3 ] وقال تعالى : ^ ( ~~واتخذوا من دون | الله ءالهة لعلهم ينصرون * لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند ~~محضرون ) ^ [ يس : | 74 - 75 ] وقال تعالى : @QB@ ويعبدون من دون الله ما ~~لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا @QE@ [ لفرقان : 55 ] . # قوله : ( فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون ) . هي منتفية يوم القيامة ، ~~كما نفاها القرآن . | يعني أن الشفاعة التي يطلبها المشركون من الشفعاء ~~والأنداد من دون الله منتفية دنيا وأخرى ، | كما قال تعالى عن مؤمن يس : ^ ~~( ءأتخذ من دونه ءالهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عنى | شفعتهم شيئا ولا ~~ينقذون * إني إذا لفي ms216 ضلل مبين * ) ^ [ يس : 23 - 24 ] وقال تعالى عن | ~~مؤمن آل فرعون : @QB@ لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا ~~في الآخرة @QE@ [ غافر : | 43 ] وقال تعالى : ^ ( فلولا نصرهم الذين اتخذوا ~~من دون الله قربانا ءالهة بل ضلوا عنهم وذلك | إفكهم وما كانوا يفترون * ) ~~^ [ الأحقاف : 28 ] وقال تعالى : ^ ( فما أغنت عنهم ءالهتهم | التي يدعون ~~من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب ) ^ [ هود : 101 ~~] وقال | تعالى : ^ ( ولقد جئتمونا فردى كما خلقنكم أول مرة وتركتم ما ~~خولنكم وراء ظهوركم وما نرى معكم | شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاؤا ~~لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون * ) ^ | [ الأنعام : 94 ] وقال ~~تعالى : @QB@ وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو ~~أنهم كانوا يهتدون @QE@ [ القصص : 64 ] فهذه حال كل من دعي من دون الله ~~لشفاعة أو غيرها في الدنيا | والآخرة . # قوله : ( وأخبر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ~~لا يبدأ بالشفاعة أولا . . . إلى | PageV01P230 | آخره ) . هذا ثابت في ' ~~الصحيحين ' وغيرهما من حديث أنس وغيره عنه [ صلى الله عليه وسلم ] في حديث ~~| الشفاعة قال : ' فأقوم فأمشي بين سماطين من المؤمنين حتى أستأذن على ربي ~~، فإذا رأيته | وقعت له ، أو خررت ساجدا لربي فيدعني ما شاء الله أن يدعني ~~ثم قال : ارفع محمد ، قل | يسمع واشفع تشفع ، وسل تعطه فأرفع رأسي فأحمد ~~بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي | حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثانية ، ~~فإذا رأيت ربي وقعت له ، أو خررت ساجدا لربي | فيدعني ما شاء الله أن يدعني ~~، ثم يقول : ارفع محمد ، قل يسمع فتعطه . واشفع تشفع . فأرفع | رأسي فأحمده ~~بتحميد يعلمنيه ثم أشفع فيحد لي | حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الثالثة ، ~~فإذا | رأيت ربي وقعت له ، أو خررت ساجدا لربي | فيدعني ما شاء الله أن ~~يدعني ، ثم يقال : ارفع محمد ، قل يسمع تعطه . واشفع تشفع . فأرفع | رأسي ~~فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع | فيحد لي حدا ، فأدخلهم الجنة ، ثم أعود ~~الرابعة ، فأقول : يا رب ms217 ما بقي إلا من حبسه | القرآن . . . الحديث ، فبين ~~[ صلى الله عليه وسلم ] أنه لا يشفع إلا بعد الإذن في الشفاعة وفي المشفوع ~~| PageV01P231 | فيهم ، كما قال : ' فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ' . # قوله : ( وقال أبو هريرة : من أسعد الناس بشفاعتك إلى آخره ) . هذا ~~الحديث رواه | البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول ~~الله من أسعد الناس بشفاعتك | يوم القيامة ، فقال : ' لقد ظننت يا أبا ~~هريرة أن لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك ، لما | رأيت من حرصك على ~~الحديث ، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال : لا إله إلا الله | خالصا ~~من قبل نفسه ' وفي رواية : ' خالصا مخلصا من قلبه أو نفسه ' رواه أحمد من ~~طريق | آخر ، وصححه ابن حبان ، وفيه : ' وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا ~~الله مخلصا ، يصدق قلبه | لسانه ولسانه قلبه ' قال شيخ الإسلام : فجعل أسعد ~~الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا . وقال | PageV01P232 | في الحديث الصحيح : ' ~~من سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة ' ولم يقل : | كان ~~أسعد الناس بشفاعتي ، فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة | ~~الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] وغيرها ما لا يحصل بغيره من الأعمال ، وإن ~~كان صالحا لسؤال الوسيلة | للرسول صلى الله عليه وسلم ، فكيف بما لم يأمر ~~به من الأعمال ، بل نهى عنه ، فذلك لا ينال به خير لا في | الدنيا ولا في ~~الآخرة ، مثل غلو النصارى في المسيح ، فإنه يضرهم ولا ينفعهم ، ونظير هذا | ~~في ' الصحيح ' عنه [ صلى الله عليه وسلم ] أنه قال : ' لكل نبي دعوة ~~مستجابة ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة | لأمتي يوم القيامة ، فهي نائلة إن شاء ~~الله من مات لا يشرك بالله شيئا ' وكذلك في أحاديث PageV01P233 | الشفاعة ~~كلها إنما يشفع في أهل التوحيد ، فبحسب توحيد العبد لربه ، وإخلاصه دينه ~~لله تعالى | يستحق كرامة الله بالشفاعة وغيرها . # وقال ابن القيم ما معناه : تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي ~~تنال بها | شفاعته تجريد التوحيد ؛ عكس ما عند المشركين من أن الشفاعة تنال ~~باتخاذهم ms218 شفعاء ، | وعبادتهم وموالاتهم من دون الله ، فقلب النبي [ صلى ~~الله عليه وسلم ] ما في زعمهم الكاذب ، وأخبر أن سبب | الشفاعة تجريد ~~التوحيد ، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع . ومن جهل المشرك اعتقاده أن | ~~من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له ، وينفعه عند الله ، كما يكون خواص ~~الملوك والولاة | تنفع من والاهم ، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد ~~إلا بإذنه ، ولا يأذن في الشفاعة إلا | من رضي قوله وعمله ، كما قال تعالى ~~في الفصل الأول : ^ ( من ذا الذي يشفع عنده إلا | PageV01P234 | بإذنه ) ^ ~~[ البقرة : 255 ] وفي الفصل الثاني : ^ ( ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ) ^ [ ~~الأنبياء : 28 ] | وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا ~~توحيده ، واتباع رسوله [ صلى الله عليه وسلم ] . فهذه | ثلاثة فصول تقطع ~~شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها . انتهى ملخصا . # وقال الحافظ : المراد بهذه الشفاعة ، المسؤول عنها هنا بعض أنواع الشفاعة ~~، وهي | التي يقول [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أمتي أمتي ' فيقال له : أخرج ~~من النار من كان في قلبه وزن كذا من | الإيمان . فأسعد الناس بهذه الشفاعة ~~من يكون إيمانه أكمل ممن دونه ، وأما الشفاعة | العظمى فالإراحة من كرب ~~الموقف . فأسعد الناس بها من يسبق إلى الجنة ، وهم الذين | يدخلونها بغير ~~حساب ، ثم الذين يلونهم وهو من يدخلها بغير عذاب بعد أن يحاسب | ويستحق ~~العذاب ، ثم من يصيبه لفح من النار ولا يسقط . # واعلم أن شفاعته [ صلى الله عليه وسلم ] في القيامة ستة أنواع كما ذكره ~~ابن القيم : # الأول : الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها أولو العزم عليهم الصلاة والسلام ~~حتى تنتهي | إليه فيقول : ' أنا لها ' وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ~~ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى | يريحهم من مقامهم في الموقف . وهذه شفاعة يختص ~~بها ، لا يشركه فيها أحد . # الثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخولها . وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه ~~الطويل المتفق | عليه . # الثالث : شفاعته لقوم من العصاة من أمته فقد استوجبوا النار ، فيشفع لهم ~~أن لا | يدخلوها . # الرابع : شفاعته في العصاة ms219 من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم ، ~~والأحاديث بها | متواترة عن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] . وقد أجمع عليها ~~الصحابة وأهل السنة قاطبة ، وبدعوا من أنكرها ، | وصاحوا به من كل جانب ، ~~ونادوا عليه بالضلال . # الخامس : شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجتهم ، وهذه ~~مما لم | ينازع فيها أحد . # السادس : شفاعته في بعض الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه ، وهذه خاصة ~~بأبي | طالب وحده ، PageV01P235 # قوله ( وحقيقته ) . أي حقيقة الأمر ، أي : أمر الشفاعة أن الله سبحانه هو ~~الذي يتفضل | على أهل الإخلاص ، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ، ~~ليكرمه ، وينال المقام | المحمود . فهذا هو حقيقة الشفاعة ، لا كما ظن ~~المشركين والجهال أن الشفاعة هي كون | الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء ، ~~فيدخله الجنة وينجيه من النار . ولهذا يسألونها من الأموات | وغيرهم إذا ~~زاروهم وذلك أنهم قالوا : إن الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله | ~~لا تزال تأتيه الألطاف من الله ، وتفيض على روحه الخيرات ، فإذا علق الزائر ~~روحه به ، | وأدناها منه فاض من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف ~~بواسطتها ، كما ينعكس | الشعاع من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم ~~المقابل له . قالوا : فتمام الزيارة أن | يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى ~~الميت ، ويعكف بهمته عليه ، ويوجه قصده كله وإقباله عليه | بحيث لا يبقى ~~فيه التفات إلى غيره . وكل ما كان جمع الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب | ~~إلى انتفاعه به ، وشفاعته له . # قال ابن القيم : وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي ~~وغيرهما ، | وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها وقالوا : إذا تعلقت النفس ~~الناطقة بالأرواح العلوية | فاض عليها منها النور ، وبهذا السر عبدت ~~الكواكب ، واتخذت لها الهياكل ، وصنفت لها | الدعوات ، واتخذت الأصنام ~~المجسدة لها ، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذ | أعياد ، ~~وتعليق الستور عليها ، وإيقاد السرج عليها ، وبناء المساجد عليها ، وهو ~~الذي قصد | الرسول [ صلى الله عليه وسلم ] إبطاله ومحوه بالكلية ، وسد ~~الذرائع المفضية إليه ، فوقف المشركون في ms220 طريقه ، | وناقضوه في قصده وكان [ ~~صلى الله عليه وسلم ] في شق وهؤلاء في شق . وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون ~~في | زيارة القبور هو الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها ، وتشفع لهم ~~عند الله . قالوا : فإن | العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند ~~الله ، وتوجه بهمته إليه ، وعكف بقلبه | عليه ، صار بينه وبينه اتصال يفيض ~~به عليه منه نصيب مما يحصل له من الله ، وشبهوا ذلك | بمن يخدم ذا جاه ~~وحظوة وقرب من السلطان ، فهو شديد التعلق به ، فما يحصل لذلك | السلطان من ~~الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب تعلقه به . فهذا سر عبادة الأصنام ~~| وهو الذي بعث الله رسله ، وأنزل كتبه بإبطاله وتكفير أصحابه ، ولعنهم ، ~~وأباح دماءهم ، | وأموالهم ، وسبي ذراريهم ، وأوجب لهم النار ، والقرآن من ~~أوله إلى آخره ، مملوء من الرد | على أهله وإبطال مذهبهم . انتهى . | ~~PageV01P236 # قوله ( وينال المقام المحمود ) ، أي المقام الذي يحمده فيه الخلائق كلهم ~~وخالقهم | تبارك وتعالى : قال ابن جرير : قال أكثر أهل التأويل : ذلك ~~المقام الذي يقومه [ صلى الله عليه وسلم ] الشفاعة | للناس ليريحهم ربهم ~~مما هم فيه من شدة ذلك اليوم ، وقال ابن عباس : المقام المحمود | مقام ~~الشفاعة ، وكذا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد . وقال قتادة : هو أول من تنشق ~~عنه | الأرض وأول شافع ، وكان أهل العلم يرون أنه المقام المحمود . # قوله : ( فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ) يعني : أن ~~الشفاعة التي نفاها الله | في القرآن هي الشفاعة التي فيها شرك بالله ، من ~~دعاء غير الله وعبادته ليشفع له عند الله ، فإن | الله سبحانه نفى هذه ~~الشفاعة ، وأخبر أنها لا تكون أبدا ، بل أخبر أن ذلك شرك ، ونزه نفسه | عنه ~~، ونفى أن يكون للمؤمنين ولي أو شفيع من دونه ، مع أن الشفاعة يوم القيامة ~~لهم بإذنه ، | لا للمشركين كما قال تعالى : ^ ( يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا ~~من أذن له الرحمن ورضى الرحمن له قولا * ) ^ | [ طه : 109 ] فنفى سبحانه أن ~~تنفع الشفاعة أحدا إلا من أذن له الرحمن ورضي قوله وعمله ms221 ، | وهو المؤمن ~~المخلص . وأما المشرك الداعي لغير الله ليشفع له فلا تنفعه الشفاعة ، ولا ~~يؤذن | لأحد في الشفاعة فيه . كما قال : @QB@ فما تنفعهم شفاعة الشافعين ~~@QE@ [ المدثر : 48 ] وقال تعالى : | @QB@ وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون @QE@ [ القصص : | 64 ] . # قوله : ( وقد بين النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إلى آخره ) . تقدم ما ~~يتعلق بذلك والله أعلم PageV01P237 | # | ( [ 17 ] باب قول الله تعالى : ) # | @QB@ إنك لا تهدي من أحببت @QE@ | [ القصص : 56 ] # أراد المصنف رحمه الله الرد على عباد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء ~~والصالحين | أنهم ينفعون ويضرون ، فيسألونهم مغفرة الذنوب ، وتفريج الكروب ~~، وهداية القلوب ، وغير | ذلك من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية ، ~~ويعتقدون أن لهم التصرف بعد الموت على | سبيل الكرامة . وقد وقفت على رسالة ~~لرجل منهم في ذلك ، ويحتجون على ذلك بقوله : | ^ ( لهم ما يشاءون عند ربهم ~~) ^ [ الزمر : 34 ] يقول قائلهم في حق رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ~~| # % فإن من جودك الدنيا وضرتها % % ومن علومك علم اللوح والقلم % # فإذا عرف الإنسان معنى هذه الآية ومن نزلت فيه ؛ تبين له بطلان قولهم ~~وفساد | شركهم ، لأن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أفضل الخلق وأقربهم ~~من الله ، وأعظمهم جاها عنده ، ومع | ذلك حرص واجتهد على هداية عمه أبي ~~طالب في حياة أبي طالب وعند موته ، فلم يتيسر | ذلك ولم يقدر عليه ، ثم ~~استغفر له بعد موته ، فلم يغفر له حتى نهاه الله عن ذلك . # ففي هذا أعظم البيان ، وأوضح البرهان على أنه [ صلى الله عليه وسلم ] لا ~~يملك ضرا ولا نفعا ، ولا عطاء | ولا منعا ، وأن الأمر كله بيد الله ، فهو ~~الذي يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، ويعذب من | يشاء ، ويرحم من يشاء ، ~~ويكشف الضر عمن يشاء ، ويصيب به من يشاء من عباده وهو | الغفور الرحيم . ~~وهو الذي من جوده الدنيا والآخرة ، وهو بكل شيء عليم . ولو كان | عنده [ ~~صلى الله عليه وسلم ] من هداية القلوب ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب شيء ؛ ~~لكان أحق الناس به ، | وأولاهم من قام معه ms222 أتم القيام ونصره ، وأحاطه من ~~بلوغه ثمان سنين ، وإلى ما بعد النبوة | بثمان سنين أو أكثر ، بل قال تعالى ~~: @QB@ قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب ~~لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون @QE@ ~~| [ الأعراف : 188 ] وقال تعالى : @QB@ قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا ~~أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي @QE@ [ الأنعام : ~~50 ] فهل يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذه | الآيات وما أشبهها ، والإيمان ~~بذلك البيت وما أشبهه ، ولكن قاتل الله أعداءه الذين جاوزوا | PageV01P238 ~~| الحد في إطرائه والغلو فيه . # وأما معنى الآية فقال ابن كثير : يقول تعالى لرسوله [ صلى الله عليه وسلم ~~] : إنك يا محمد لا تهدي من | أحببت ، أي : ليس إليك ذلك ، إنما عليك ~~البلاغ والله يهدي من يشاء ، وله الحكمة البالغة ، | والحجة الدامغة كما ~~قال تعالى : ^ ( ليس عليك هدهم ولكن الله يهدي من يشآء ) ^ | [ البقرة : ~~272 ] وقال : ^ ( ومآ أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين * ) [ يوسف : 103 ] | ~~وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال : ^ ( إنك لا تهدى من أحببت ولكن الله ~~يهدى من يشآء | وهو أعلم بالمهتدين * ) ^ [ القصص : 56 ] أي : أعلم بمن ~~يستحق الهداية ممن يستحق | الغواية . وقد ثبت في ' الصحيحين ' أنها نزلت في ~~أبي طالب ، وقد كان يحوطه وينصره ، | ويقوم في حقه ، ويحبه حبا طبعيا لا ~~حبا شرعيا ، فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه | رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] إلى الإيمان والدخول في الإسلام فسبق القدر فيه ، واختطف من يده ، | ~~واستمر على ما كان عليه من الكفر ولله الحجة البالغة . # فإن قلت : قال الله تعالى : ^ ( وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم ) ^ [ الشورى ~~: 52 ] فالجمع | بينها وبين الآية المترجم لها ، قيل : الهداية التي تصح ~~نسبتها لغير الله بوجه ما هي هداية | الإرشاد والدلالة ، كما قال : ^ ( ~~وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم ) ^ أي : ترشد وتبين ، والهداية | المنفية عن ~~غير الله هي هداية التوفيق وخلق القدرة على الطاعة ، ذكره بعضهم بمعناه ms223 . # قال : في ' الصحيح ' عن ابن المسيب عن أبيه قال : لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة جاءه | رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وعنده عبد الله بن أبي ~~أمية وأبو جهل فقال : يا عم قل : لا إله إلا الله كلمة | أحاج لك بها عند ~~الله ، فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فأعاد عليه النبي [ صلى الله ~~عليه وسلم ] فأعادا ، | فكان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن ~~يقول : لا إله إلا الله . فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : | لأستغفرن ~~لك ما لم أنه عنك . فأنزل الله عز وجل : ^ ( ما كان للنبي والذين ءامنوا أن ~~يستغفروا | للمشركين ولو كانوآ أولى قربى ) ^ [ التوبة : 113 ] وأنزل الله ~~في أبي طالب : ^ ( إنك لا تهدي من | أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) ^ [ ~~القصص : 56 ] # ش : قوله ( في ' الصحيح ' ) . أي ' الصحيحين ' . | قوله : ( عن ابن ~~المسيب ) . هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن | عائذ بن ~~عمران بن مخزوم القرشي المخزومي ، أحد العلماء الأثبات ، الفقهاء الكبار ، ~~| الحفاظ العباد ، اتفقوا على أن مراسلاته أصح المراسيل ، وقال ابن المديني ~~: لا أعلم في | PageV01P239 # التابعين أوسع علما منه ، مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين ، وأبوه ~~المسيب صحابي ، | بقي إلى خلافة عثمان رضي الله عنه ، وكذلك جده حزن صحابي ~~، استشهد باليمامة . | قوله : ( لما حضرت أبا طالب الوفاة ) ، أي : حضرت ~~علامات الوفاة وإلا فلو كان انتهى | إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن ~~. ويدل على ذلك ما وقع من المراجعة بينه وبينهم ، | ويحتمل أن يكون انتهى ~~إلى تلك الحالة ، لكن رجا النبي [ صلى الله عليه وسلم ] أنه إذا أقر ~~بالتوحيد ولو في | تلك الحالة أن ذلك ينفعه بخصوصه ، ويسوغ فيه شفاعته [ ~~صلى الله عليه وسلم ] . ولهذا قال : أجادل لك بها ، | وأشهد لك بها ، وأحاج ~~لك بها ، ويدل على الخصوصية أنه بعد أن امتنع من الإقرار | بالتوحيد ، ومات ~~على الامتناع منه لم يترك النبي [ صلى الله عليه وسلم ] الشفاعة له ، بل ~~شفع له حتى خفف | عنه العذاب بالنسبة ms224 إلى غيره . وكان ذلك من الخصائص في ~~حقه . # قوله : ( جاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ) . يحتمل أن يكون المسيب ~~حضر هذه القصة ، فإن | المذكورين من بني مخزوم وهو أيضا مخزومي ، وكانوا ~~يومئذ كفارا فمات أبو جهل على | كفره ، وأسلم الآخران . وقول بعض الشراح : ~~إن هذا الحديث من مراسيل الصحابة مردود ، | وفي هذا جواز عيادة المشرك إذا ~~رجي إسلامه ، وجواز حمل العلم إذا كان فيه مصلحة | راجحة على عدمه . # قوله : ( يا عم ) . منادى مضاف يجوز فيه إثبات الياء وحذفها . # قوله : ( قل لا إله إلا الله ) ، أي : قل هذه الكلمة ، عارفا لمعناها ، ~~معتقدا له في هذه | الحال وإن لم تعمل به ، إذ لا يمكن عند الموت إلا ذلك ، ~~ولا بد مع ذلك من شهادة أن | محمدا رسول الله . # قوله : ( كلمة ) . قال القرطبي : أحسن ما تقيد ' كلمة ' بالنصب على أنه ~~بدل من لا إله | إلا الله ، ويجوز رفعها على احتمال المبتدأ . # قوله ( أحاج لك بها عند الله ) . هو بتشديد الجيم من ' المحاجة ' وهي ~~مفاعلة من | الحجة ، والجيم مفتوحة ، على الجزم جواب الأمر ، أي : أشهد لك ~~بها عند الله كما في | الرواية الأخرى . وفيه دليل على أن الأعمال ~~بالخواتيم ، لأنه لو قالها لنفعته ، وإن مات على | PageV01P240 | التوحيد ~~نفعته الشفاعة وإن لم يعمل شيئا غير ذلك . وأن من كان كافرا يجحدها إذا ~~قالها عند | الموت أجريت عليه أحكام الإسلام ، فإن كان صادقا من قلبه نفعته ~~عند الله ، وإلا فليس لنا | إلا الظاهر ، بخلاف من كان يتكلم بها في حال ~~كفره . # قوله : ( فقالا له : أترغب عن ملة عبد المطلب ) . ذكراه الحجة الملعونة ~~التي يتعلق بها | المشركين من الأولين والآخرين ، ويردون بها على الرسل ، ~~وهي تقليد | الآباء والكبراء ، # وأخرجا الكلام مخرج الاستفهام مبالغة في الإنكار لعظمة هذه الحجة في قلوب ~~الضالين ، | وكذلك اكتفيا بها في المجادلة مع مبالغته [ صلى الله عليه وسلم ~~] وتكريره ، فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم | اقتصرا عليها . قال المصنف : ~~وفيه تفسير لا إله إلا الله بخلاف ما عليه أكثر من يدعي العلم . | وفيه أن ms225 ~~أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] إذا قال الرجل : ~~قل لا إله إلا الله . فقبح الله | من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام . # قوله : ( فأعاد عليه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] وأعادا ) أي : أعاد ~~عليه النبي [ صلى الله عليه وسلم ] مقالته ، وأعادا عليه | مقالتهما مبالغة ~~منه [ صلى الله عليه وسلم ] ، وحرصا على إسلام عمه ، ومع ذلك لم يقدر النبي ~~[ صلى الله عليه وسلم ] على ذلك ، | ولا على تخليصه من عذاب الله ، بل سبق ~~فيه القضاء المحتوم ، واستمر على كفره ليعلم | الناس أن لا إله إلا الله . ~~فلو كان عند النبي صلى الله عليه وسلم من هداية القلوب ، وتفريج الكروب شيء ~~، | لكان أحق الناس بذلك وأولاهم عمه الذي فعل معه ما فعل . وفيه الحرص في ~~الدعوة إلى | الله ، والصبر على الأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وإن ~~رد ذلك على صاحبه ، وتكريره | وعدم الاكتفاء بمرة واحدة . # قوله : ( فكان آخر ما قال ) - هو بنصب آخر على الظرفية - أي آخر زمن ~~تكليمه إياهم ، | ويجوز رفعه . # قوله : ( هو على ملة عبد المطلب ) . الظاهر أن أبا طالب قال : أنا ، ~~فغيره الراوي أنفة أن | يحكي كلام أبي طالب استقباحا للفظ المذكور ، وهي من ~~التصرفات الحسنة ، قاله الحافظ . | وقد رواه الإمام أحمد بلفظ أنا . فدل ~~على ما ذكرناه . # قوله : ( وأبى أن يقول لا إله إلا الله ) . قال الحافظ : هذا تأكيد من ~~الراوي في نفي وقوع | ذلك من أبي طالب ، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه ~~منه في تلك الحال . كذا قال وفيه | نظر ، بل نفيه مستند إلى إباء أبي طالب ~~عن قولها بقوله : وهو على ملة عبد المطلب . | قال المصنف : وفي الرد على من ~~زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه ، ومضرة أصحاب | السوء على الإنسان ، ومضرة ~~تعظيم الأسلاف والأكابر ، أي : زيادة على المشروع بحيث | يجعل أقوالهم حجة ~~يرجع إليها عند التنازع . # قوله : ( فقال النبي : ' لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ' ) . أقسم [ صلى ~~الله عليه وسلم ] ليستغفرن له . إلا أن | PageV01P241 | ينهى عن ذلك ، كما ms226 ~~في رواية مسلم : ' أما والله لأستغفرن لك ' قال النووي : وفيه جواز | الحلف ~~من غير استحلاف ، وكأن الحلف هنا لتأكيد العزم على الاستغفار ، وتطبيبا ~~لنفس أبي | طالب . وكانت وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة بقليل . قال ابن ~~فارس : مات أبو طالب | ولرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة ~~وثمانية أشهر وأحد عشرة يوما . وتوفيت خديجة أم | المؤمنين رضي الله عنها ~~بعد موت أبي طالب بثمانية أيام # قوله : ( فأنزل الله : ^ ( ما كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا ~~للمشركين ) [ التوبة : 113 ] | أي : ما ينبغي لهم ذلك ، وهو خبر بمعنى ~~النهي ، وقد روى الطبراني عن | عمرو بن دينار | قال : قال رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ] : ' استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ، فلا أزال أستغفر ~~لأبي طالب | حتى نهاني عنه ربي ' فقال أصحابه : نستغفر لآبائنا كما استغفر ~~نبينا لعمه فنزلت : ^ ( ما | كان للنبي والذين ءامنوا أن يستغفروا للمشركين ~~ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم | أنهم أصحب الجحيم * وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه | فلما تبين له أنه عدو لله ~~تبرأ منه * ) ^ [ التوبة : 113 - 114 ] وهذا فيه إشكال لأن وفاة أبي طالب ~~بمكة قبل الهجرة اتفاقا . وقد ثبت أن النبي ] صلى الله عليه وسلم ] أتى قبر ~~أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن | يستغفر لها فنزلت هذه الآية . وفيه دلالة ~~على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب ، ولكن # # # # | PageV01P242 | يحتمل أن يكون نزول الآية تأخر وإن كان سببها تقدم ، ~~ويكون لنزولها سببان : متقدم : وهو | أمر أبي طالب ، ومتأخر : وهو أمر أمه ~~. ويؤيد تأخر النزول استغفاره [ صلى الله عليه وسلم ] للمنافقين حتى نزل | ~~النهي عن ذلك ، فإن ذلك يقتضي تأخر النزول وإن تقدم السبب . ويشير إلى ذلك ~~أيضا قوله | في حديث الباب ، وأنزل الله في أبي طالب : @QB@ إنك لا تهدي من ~~أحببت @QE@ [ القصص : 56 ] | لأنه يشعر بأن الأولى نزلت في أبي طالب وفي ~~غيره ، والثانية فيه وحده . ويؤيد تعدد السبب | ما أخرج أحمد عن علي قال : ~~سمعت رجلا يستغفر ms227 لوالديه وهما مشركان ، [ فقلت له | أتستغفر لأبويك وهما ~~مشركان فقال أوليس أستغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك ] فذكرت ذلك | للنبي [ ~~صلى الله عليه وسلم ] فأنزل الله @QB@ ما كان للنبي @QE@ الآية . قال ~~الحافظ ، وفيه تحريم الاستغفار | للمشركين ، وتحريم موالاتهم ومحبتهم ، ~~لأنه إذا حرم الاستغفار لهم ، فموالاتهم ومحبتهم | أولى . | PageV01P243 | # | ( [ 18 ] باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم ) # | ( وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين ) | أما تركهم فهو مجرور عطفا على ~~المضاف إليه ، ولما ذكر المصنف رحمه الله بعض ما | يفعله عباد القبور مع ~~الأموات من الشرك ، أراد أن يبين السبب في ذلك ليحذر ، وهو الغلو | مطلقا ~~لا سيما في الصالحين ، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا لقرب الشرك بالصالحين ~~من | النفوس فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة والتعظيم . # وقول الله عز وجل : @QB@ يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم @QE@ [ المائدة ~~: 77 ] قال | العلماء : الغلو هو مجاوزة الحد في مدح الشيء أو ذمه ، وضابطه ~~تعدي ما أمر الله به وهو | الطغيان الذي نهى عنه في قوله : @QB@ ولا تطغوا ~~فيه فيحل عليكم غضبي @QE@ [ طه : 81 ] وكذا | قال تعالى في هذه الآية : ^ ( ~~يأهل الكتب لا تغلوا في دينكم ) ^ أي لا تتعدوا ما حدد الله | لكم . وأهل ~~الكتاب هنا هم اليهود والنصارى ، فنهاهم عن الغلو في الدين ونحن كذلك ، فقد ~~كما | قال تعالى : ^ ( فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما ~~تعملون بصير * ) ^ [ هود : | 112 ] . # والغلو كثير في النصارى ، فإنهم غلوا في عيسى عليه السلام ، فنقلوه من ~~حيز النبوة إلى | أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله ، بل ~~غلوا فيمن زعم أنه على دينه من | أتباعه ، فادعوا فيهم العصمة ، فاتبعوهم ~~في كل ما قالوه ، سواء كان حقا أو باطلا ، | وناقضتهم اليهود في أمر عيسى ~~عليه السلام ، فغلوا فيه فحطوه من منزلته حتى جعلوه ولد | بغي . # قال شيخ الإسلام : ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى غلا في الدين ~~بإفراط | فيه أو تفريط وضاهاهم في ذلك ، شابههم كالخوارج المارقين من ~~الإسلام ، الذين | خرجوا في ms228 خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وقاتلهم ~~حين خرجوا على المسلمين | بأمر النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، كما ثبت ذلك ~~من عشرة أوجه في ' الصحاح ' و ' المسانيد ' وغير ذلك ، | وكذلك من غلا في ~~دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة . وقال أيضا : | ~~فإذا كان على عهد النبي [ صلى الله عليه وسلم ] من انتسب إلى الإسلام ، وقد ~~مرق منه مع عبادته العظيمة ، | PageV01P244 | فليعلم أن المنتسب إلى ~~الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام وذلك | بأسباب : # منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال : ^ ( يأهل الكتب لا تغلوا في ~~دينكم ) ^ | [ المائدة : 77 ] وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية ~~من الرافضة فأمر بأخاديد خدت | لهم عند باب كندة ، فقذفهم فيها واتفق ~~الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم ، ولكن ابن | عباس كان مذهبه أن يقتلوا ~~بالسيف من غير تحريق ، وهو قول أكثر العلماء . # قال : في ' الصحيح ' عن ابن عباس في قوله الله تعالى ^ ( وقالوا لا تذرن ~~ءالهتكم ولا تذرن | ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا * ) ^ [ نوح : 23 ] ~~قال : هذه أسماء رجال صالحين من قوم | نوح ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى ~~قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها | أنصابا وسموها ~~بأسمائهم ، ففعلوا ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' صحيح البخاري ' وهذا الأثر اختصره ~~المصنف ، وقد | PageV01P245 | رواه البخاري عن ابن عباس ولفظه : # ' صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد ، أما ود فكانت لكلب ~~بدومة | الجندل ، وأما سواع فكانت لهذيل ، وأما يغوث ، فكانت لمراد ، ثم ~~لبني غطيف بالجرف | عند سبأ ، وأما يعوق ، فكانت لهمدان ، وأما نسر ، فكانت ~~لحمير لآل ذي الكلاع ، أسماء | رجال صالحين في قوم نوح إلى آخره . وهكذا ~~روي عن عكرمة والضحاك وابن إسحاق | نحو هذا . # وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى ، عن ~~| محمد بن قيس : أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم ms229 ، وكان ~~لهم أتباع | يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : ~~لو صورناهم كانوا أشوق لنا | إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ~~ماتوا وجاء آخرون ، دب إليهم إبليس ، فقال : إنما | كانوا يعبدونهم وبهم ~~يسقون المطر فعبدوهم . قال سفيان عن أبيه عن عكرمة قال : كان بين | آدم ~~ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام . وروى بن أبي حاتم عن عروة بن الزبير ~~أنهم | كانوا أولاد آدم لصلبه ، وكان ود أكبرهم وأبرهم به ، هكذا رواه عمر ~~بن شبة في ' أخبار | مكة ' من طريق محمد بن كعب القرظي ، وذكر السهيلي في ' ~~التعريف ' : أن يغوث بن | شيث بن آدم فيما قيل ، وكذا سواع وما بعده . ~~فكانوا يتبركون بدعائهم وكلما مات منهم | أحد مثلوا صورته وتمسحوا بها إلى ~~زمن مهلاييل ، فعبدوها بتدريج الشيطان لهم ، ثم | صارت سنة في العرب في ~~الجاهلية . # ولا أدري من أين سرت تلك الأسماء أمن قبل الهند ؟ فقد قيل : إنهم كانوا ~~المبدأ في | عبادة الأصنام بعد نوح عليه السلام ، أم الشيطان ألهم العرب ~~ذلك . انتهى . وقد روى | الفاكهي عن ابن الكلبي قال : كان لعمرو بن ربيعة ~~رئي من الجن فأتاه فقال : أجب أبا ثمامة | وادخل بلا ملامة ، ثم ائت سيف ~~جدة ، تجد بها أصناما معدة ، ثم أوردها تهامة ولا تهب ، ثم | ادع العرب إلى ~~عبادتها تجب . # قال : فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا ، وهي | ~~الأصنام التي عبدت على عهد نوح وإدريس ، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفى ~~عليها | الرمل ، فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة ، وحضر الموسم ودعا إلى ~~عبادتها فأجيب . # وعمرو بن ربيعة : هو عمرو بن لحي ، قاله الحافظ . قلت : وهو سيد خزاعة ، ~~وكان | أول من سيب السوائب ، وغير دين إبراهيم عليه السلام . وكانت العرب ~~قبله على دين أبيهم | إبراهيم عليه السلام ، حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك ~~، كما روى ابن جرير عن أبي | هريرة قال : سمعت رسول الله [ صلى الله عليه ~~وسلم ] يقول لأكثم بن الجون : ' يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن ms230 | قمعة بن ~~خندف يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك ' فقال ~~| PageV01P246 | أكثم : أتخشى أن يضرني شبهه يا رسول الله ؟ ! فقال رسول ~~الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إنك مؤمن ، وهو كافر ، | إنه أول من غير ~~دين إبراهيم ، وبحر البحيرة ، وسيب السائبة ، وحمى الحامي ' إسناده | حسن . # وفي ' الصحيحين ' من حديث أبي هريرة مرفوعا : ' رأيت عمرو بن عامر ~~الخزاعي يجر | قصبه في النار ، كان أول من سيب السوائب ' # قوله : ( أن انصبوا ) بكسر الصاد المهملة . # قوله : ( أنصابا ) جمع نصب ، وأصله ما نصب كغرض ونحوه ، والمراد به هنا ~~الأصنام | المصورة على صورهم المنصوبة في مجالسهم . # قوله : ( حتى إذا هلك أولئك ) ، أي : الذين نصبوها ليكون أشوق إليهم إلى ~~العبادة ، | وليتذكروا برؤيتها أفعال أصحابها . # قوله : ( ونسي العلم ) . أي : زالت المعرفة بحالها وما قصده من صورها ، ~~وغلب | PageV01P247 | الجهال الذين لا يميزون بين التوحيد والشرك ، وذهب ~~العلماء الذين يعرفون ذلك . # قوله : ( عبدت ) تقدم أنه دب إليهم إبليس ، فقال : إنما كانوا يعبدونهم ، ~~وبهم يسقون | المطر ، فعبدوهم . وفي رواية أنهم قالوا : ما عظم أولنا هؤلاء ~~إلا وهم يرجون شفاعتهم عند | الله ، فعبدوهم فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء ~~الصالحين ، وهو رجاء شفاعتهم عند الله ، | وكذلك هو السبب في عبادة صورهم ، ~~وهذه هي الشبهة التي ألقاها الشيطان على المشركين | من الأولين والآخرين . ~~وقد بين الله ذلك في القرآن بيانا شافيا ، وتقدم في هذا الكتاب من | الكلام ~~على ذلك ما يكفي لمن هداه الله . # قال : وقال ابن القيم : قال غير واحد من السلف : لما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم ، ثم | صوروا تماثيلهم ، ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم . # ش : قوله وقال ابن القيم . هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب ~~الزرعي | الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية ، تلميذ شيخ الإسلام ، وصاحب ~~المصنفات الكثيرة في | فنون العلم . قال الحافظ السخاوي في حقه : العلامة ~~الحجة ، المتقدم في سعة العلم ومعرفة | الخلاف وقوة الجنان ، المجمع عليه ~~بين الموافق والمخالف ، صاحب التصانيف السائرة | والمحاسن الجمة . مات سنة ~~إحدى وخمسين وسبعمائة . # قوله ms231 : ( قال غير واحد من السلف ) إلى آخره . الظاهر أن ابن القيم ذكر ~~ذلك بالمعنى لا | باللفظ ، وقد روي ( عن ) غير واحد من السلف معنى ذلك ، ~~منهم أبو جعفر الباقر وغيره ، | وتقدم ما يدل على ذلك . # قوله : ( ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم ) . أي : طال عليهم الزمان ، ونسوا ~~ما قصده | الأولون بتصوير صورهم ، فعبدوهم ، فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين ~~هو الغلو فيهم ، كما | أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس ~~فيها والسعود ، ونحو ذلك . وهذا | وهو الغالب على الفلاسفة ونحوهم ، كما أن ~~ذاك هو الغالب على عباد القبور ، ونحوهم ، | وهو أصل عبادة الأصنام ، فإنهم ~~عظموا الأموات تعظيما مبتدعا ، فصوروا صورهم ، وتبركوا | بها ، فآل الأمر ~~إلى أن عبدت الصور ومن صورته ، وهذا أول شرك حدث في الأرض ، وهو | الذي ~~أوحاه الشيطان إلى عباد القبور في هذه الأزمان ، فإنه ألقى إليهم أن البناء ~~على القبور | والعكوف عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم ، وأن الدعاء عندها ~~أرجى في الإجابة من | الدعاء في المسجد الحرام والمساجد ، فاعتادوها لذلك . ~~فإذا تقرر ذلك عندهم ، نقلهم منه | PageV01P248 | إلى الدعاء به والإقسام ~~على الله به . قال ابن القيم رحمه الله تعالى : وهذا أعظم من الذي | قبله ، ~~فإن شأن الله أعظم من أن يقسم عليه ، أو يسأل بأحد من خلقه فإذا تقرر ذلك | ~~عندهم ، نقلهم منه إلى دعائه وعبادته ، وسؤاله الشفاعة من دون الله ، ~~واتخاذ قبره وثنا | يعكف عليه ، وتعلق عليه القناديل والستور ويطاف به ~~ويستلم ، ويقبل ويحج إليه ، ويذبح | عنده ، فإذا تقرر ذلك عندهم ؛ نقله منه ~~إلى دعاء الناس إلى عبادته ، واتخاذه عيدا ومنسكا ، | ورأوا أن ذلك أنفع ~~لهم في دنياهم وأخراهم ، وكل هذا مما قد علم بالاضطرار من دين | الإسلام ~~أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم ، من تجريد التوحيد لله ~~، وألا يعبد إلا الله ، | فإذا تقرر ذلك عندهم نقلهم منه إلى من نهى عن ذلك ~~، قد تنقص أهل الرتب العالية ، | وحطهم عن منزلته وزعم أنهم لا حرمة لهم ، ~~ولا قدر ، وغضب المشركون ، واشمأزت ms232 | قلوبهم كما قال تعالى : @QB@ وإذا ذكر ~~الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا ~~هم يستبشرون @QE@ [ الزمر : 45 ] وسرى ذلك في نفوس كثير من | الجهال ~~والطغام ، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين ، حتى عادوا أهل التوحيد ، ~~ورموهم | بالعظائم ، ونفروا الناس عنهم ، ووالوا أهل الشرك وعظموهم ، ~~وزعموا أنهم أولياء الله | وأنصار دينه ورسوله ، ويأبى الله ذلك @QB@ وما ~~كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون @QE@ | [ الأنفال : 34 ] . # قلت : وفي القصة فوائد نبه المصنف على بعضها . # منها : أن من فهم هذا الباب وما بعده تبين له غربة الإسلام ، ورأى من ~~قدرة الله ، | وتقليبه القلوب العجب . # ومنها : معرفة أن أول شرك حدث في الأرض بشبهة محبة الصالحين . # ومنها : معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء . # ومنها : معرفة سبب قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تنكرها . # ومنها : أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل ، فالأول محبة الصالحين ، ~~والثاني فعل | أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا فظن من بعدهم ~~أنهم أرادوا غيره . # ومنها : معرفة جبلة الإنسان في كون الحق ينقص في قلبه ، والباطل يزيد . # ومنها : أن فيها شاهدا لما نقل عن بعض السلف أن البدعة سبب للكفر ، وأنها ~~أحب | إلى إبليس من المعصية ، لأن المعصية يتاب منها ، والبدعة لا يتاب ~~منها . # ومنها : معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة ، ولو حسن قصد الفاعل . # ومنها : معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ، ومعرفة ما يؤول إليه ~~. | PageV01P249 # ومنها : مضرة العكوف على قبر لأجل عمل صالح . # ومنها : معرفة النهي عن التماثيل ، والحكمة في إزالتها . # ومنها : معرفة عظم شأن هذه القصة ، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها . # ومنها : - وهي أعجب العجب - قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ، ~~ومعرفتهم | بمعنى الكلام ، وكون الله حال بين قلوبهم ، حتى اعتقدوا أن فعل ~~قوم نوح هو أفضل | العبادات ، واعتقدوا أن نهي الله ورسوله هو الكفر المبيح ~~للدم والمال . # ومنها : التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة . # ومنها : ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك . # ومنها : التصريح بأنها ms233 لم تعبد حتى نسي العلم ، ففيها معرفة قدر وجوده ، ~~ومضرة | فقده . # ومنها : أن سبب موت العلماء . انتهى بمعناه . # ومنها : شدة حاجة الخلق بل ضرورتهم إلى الرسالة ، وأن ضرورتهم إليها أشد ~~وأعظم | من ضرورتهم إلى الطعام والشراب . # ومنها : الرد على من يقدم الشبهات التي يسميها عقليات على ما جاء من عند ~~الله ، لأن | ذلك الذي أوقع المشركين في الشرك . # ومنها : مضرة التقليد وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام . # قال : وعن عمر أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' لا تطروني ~~كما أطرت النصارى ابن مريم ، | إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله ' ~~أخرجاه . # ش : قوله عن عمر . هو ابن الخطاب بن نفيل بنون وفاء مصغرا بن عبد العزى ~~بن رياح | بتحتانية ابن عبد الله بن قرط بضم القاف ابن رزاح براء ثم زاي ~~خفيفة ابن عدي بن كعب | القرشي العدوي ، أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد ~~الصديق رضي الله عنهما ، ولي الخلافة | عشر سنين ونصفا ، فامتلأت الدنيا ~~عدلا ، وفتحت في أيامه ممالك كسرى وقيصر واستشهد | PageV01P250 | في ذي ~~الحجة سنة ثلاث وعشرين . # قوله : ' لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم ' . الإطراء : مجاوزة الحد ~~في المدح ، | والكذب فيه ، قاله أبو السعادات . وقال غيره : لا تطروني بضم ~~التاء وسكون الطاء المهملة | من الإطراء ، أي : لا تمدحوني بالباطل ، أو لا ~~تجاوزا الحد في مدحي . # قوله : ( إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ) أي : لا تمدحوني فتغلوا ~~في مدحي كما | غلت النصارى في عيسى ، فادعوا فيه الربوبية ، وإنما أنا عبد ~~لله فصفوني بذلك كما وصفني | به ربي ، وقولوا عبد الله ورسوله . فأبى عباد ~~القبور إلا مخالفة لأمره ، وارتكابا لنهيه ، | وناقضوه أعظم المناقضة ، ~~وظنوا أنهم إذا وصفوه بأنه عبد الله ورسوله ، وأنه لا يدعى ولا | يستغاث به ~~، ولا ينذر له ، ولا يطاف بحجرته ، وأنه ليس له من الأمر شيء ، ولا يعلم من ~~| الغيب إلا ما علمه الله ، أن في ذلك هضما لجنابه ، وغضا من قدره ، فرفعوه ~~فوق منزلته ، | وادعوا فيه ما ادعت النصارى في عيسى أو ms234 قريبا منه ، فسألوه ~~مغفرة الذنوب ، وتفريج | الكروب . # وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب ' الاستغاثة ' عن بعض أهل زمانه أنه جوز ~~الاستغاثة | بالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] في كل ما يستغاث فيه بالله ، ~~وصنف فيه مصنفا . وكان يقول : إن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] | يعلم ~~مفاتيح الغيب التي لا يعلمها إلا الله . وحكى عن آخر من جنسه يباشر التدريس ~~، | وينسب إلى الفتيا أنه كان يقول : إن النبي [ صلى الله عليه وسلم ] يعلم ~~ما يعلمه الله ، ويقدر على ما يقدر الله | عليه ، وأن هذا السر انتقل بعده ~~إلى الحسن ، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى أبي الحسن | الشاذلي ، وقالوا : ~~هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع ، ومن هؤلاء من يقول في قول الله | ~~تعالى : @QB@ وسبحوه بكرة وأصيلا @QE@ [ الأحزاب : 42 ] إن الرسول [ صلى ~~الله عليه وسلم ] هو الذي يسبح بكرة | وأصيلا ومنهم من يقول : نحن نعبد ~~الله ورسوله ، فيجعلون الرسول معبودا . # قلت : وقال البوصيري : | # % فإن من جودك الدنيا وضرتها % % ومن علومك علم اللوح والقلم % % فجعل ~~الدنيا والآخرة من جوده ، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ ، وهذا هو | ~~الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس ، وكل ذلك كفر صريح . ومن العجب أن | ~~الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته عليه السلام وتعظيمه ومتابعته ، وهذا ~~شأن اللعين | لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع ~~كل ناعق ، الذين لم يستضيئوا | بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق ، لأن ~~هذا ليس بتعظيم ، فإن التعظيم محله القلب | PageV01P251 | واللسان والجوارح ~~وهم أبعد الناس منه ، فإن التعظيم بالقلب : ما يتبع اعتقاد كونه عبدا | ~~رسولا ، من تقديم محبته على النفس والولد والوالد والناس أجمعين . # ويصدق هذه المحبة أمران : # أحدهما : تجريد التوحيد ، فإنه [ صلى الله عليه وسلم ] كان أحرص الخلق ~~على تجريده ، حتى قطع أسباب | الشرك ووسائله من جميع الجهات ، حتى قال له ~~رجل : ما شاء الله وشئت . قال : ' أجعلتني | لله ندا ؟ بل شاء الله وحده ' ~~ونهى أن يحلف بغير الله ، وأخبر أن ذلك شرك . # ونهى أن يصلى ms235 إلى القبر أو يتخذ مسجدا أو عيدا ، أو يوقد عليه سرج ، بل | ~~مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قلب رحا النجاة ، ولم يقرر أحد ما قرره ~~النبي بقوله | وفعله ، وسد الذرائع المنافية له ، فتعظيمه [ صلى الله عليه ~~وسلم ] بمرافقته على ذلك لا بمناقضته فيه . # الثاني : تجريد متابعته ، وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من أصول الدين ~~وفروعه ، | والرضى بحكمه ، والانقياد له والتسليم ، والإعراض عما خالفه ، ~~وعدم الالتفات إلى ما | خالفه ، حتى يكون وحده الحاكم المتبع المقبول قوله ~~، المردود ما خالفه ، كما كان ربه | تعالى وحده هو المعبود المألوه المخوف ~~المرجو المستغاث به ، المتوكل عليه ، الذي إليه | الرغبة والرهبة ، الذي ~~يؤمل وحده لكشف الشدائد ومغفرة الذنوب ، الذي من جوده الدنيا | والآخرة ، ~~الذي خلق الخلق وحده ، ورزقهم وحده ، ويبعثهم وحده ، ويغفر ويرحم و يرحم ~~ويهدي | ويضل ، ويسعد ويشقي وحده ، وليس لغيره من الأمر شيء كائنا من كان ~~لا للنبي [ صلى الله عليه وسلم ] ولا | لجبريل عليه السلام ولا غيرهما . ~~فهذا هو التعظيم الحق المطابق لحال المعظم ، النافع | للمعظم في معاشه ~~ومعاده ، والذي هو لازم إيمان وملزومه . # وأما التعظيم باللسان ، فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ~~ربه وأثنى على نفسه | من غير غلو ولا تقصير ، كما فعل عباد القبور ، فإنهم ~~غلوا في مدحه إلى الغاية . # وأما التعظيم بالجوارح ، فهو العمل بطاعته ، والسعي في إظهار دينه ، ونصر ~~ما جاء به | وجهاد ما خالفه . # وبالجملة فالتعظيم النافع هو التصديق فيما أخبر ، وطاعته فيما أمر ، ~~والانتهاء عما عنه | PageV01P252 | نهى وزجر ، والموالاة والمعاداة والحب ~~والبغض لأجله ، وتحكيمه وحده ، والرضى بحكمه ، | وأن لا يتخذ من دونه طاغوت ~~يكون التحاكم إلى أقواله فما وافقها من قوله [ صلى الله عليه وسلم ] قبله ~~وما # خالفها رده أو تأوله أو أعرض عنه ، والله سبحانه يشهد وكفى به شهيدا ~~وملائكته ورسله | وأولياؤه ، أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك ، ~~والله المستعان . # وقال المصنف : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إياكم والغلو ، ~~فإنما أهلك من كان قبلكم | الغلو ' . # ش ms236 : هكذا ثبت هذا البياض في أصل المصنف ، وذكره أيضا غير معزو . والحديث ~~| رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس ، وهذا لفظ ابن ماجه : ~~حدثنا علي بن | محمد ، حدثنا أبو أسامة ، عن عوف عن زيادة بن الحصين ، عن ~~أبي العالية ، عن ابن عباس | قال : قال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ~~غداة العقبة وهو على ناقته : ' ألقط لي حصى ' . فلقطت له سبع | حصيات هن ~~حصى الخذف ينفضهن في كفه ويقول : ' أمثال هؤلاء فارموا [ يا أيها الناس ] | ~~إياكم والغلو في الدين ، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ' . وهذا ~~إسناد | صحيح . وعوف ، هو الأعرابي ثقة مشهور . # قوله : إياكم والغلو . . . إلى آخره . قال شيخ الإسلام : هذا عام في جميع ~~أنواع الغلو | في الاعتقادات والأعمال ، وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار ~~وهو داخل فيه ، مثل الرمي | بالحجارة الكبار ، بناء على أبلغ أنه من الصغار ~~ثم علله بما يقتضي مجانبة هديهم أي | هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع ~~فيما هلكوا به ، وأن المشارك لهم في بعض هديهم | يخاف عليه من الهلاك . # قال : ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] قال : ' ~~هلك المتنطعون ' قالها ثلاثا . | PageV01P253 # ش : قوله : ' هلك المتنطعون ' . قال الخطابي : المتنطع المتعمق في الشيء ~~، المتكلف | البحث عنه على مذاهب أهل الكلام ، الداخلين فيما لا يعنيهم ~~الخائضين فيما لا تبلغه | عقولهم . # وقال أبو السعادات : هم المتعمقون الغالون في الكلام ، المتكلمون بأقصى ~~حلوقهم ؛ مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم ، ثم استعمل في كل متعمق ~~قولا وفعلا . # وقال غيره : هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة ، ~~ويسترسل مع | الشيطان في الوسوسة . وكل هذه الأقوال صحيحة ، فإن المتكلفين ~~من أهل الكلام | متنطعون ، والمتقعرون في الكلام ومخارج الحروف متنطعون ، ~~والغالون في عباداتهم | متنطعون ، وبالجملة فالتنطع : التعمق في قول أو فعل ~~كما قال أبو السعادات . وقال | النووي : فيه كراهة المتقعر في الكلام ~~بالتشدق ، وتكلف الفصاحة ، واستعمال وحشي اللغة ودقائق الإعراب في مخاطبة ~~العوام ونحوهم . # قوله : ( قالها ثلاثا ) . أي قال ms237 هذه الكلمة ثلاث مرات ، مبالغة في ~~التحذير والتعليم ، | فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين ، فما ~~ترك شيئا يقرب من الجنة ويباعد من | النار إلا أخبرنا به ، وإنما ضل ~~الأكثرون بمخالفة هذه الأحاديث وما في معناها ، فغلوا | وتنطعوا فهلكوا ، ~~ولو اقتصروا على ما جاءهم من ربهم على يدي رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ~~] لسلموا | وسعدوا ، قال تعالى : ^ ( أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم إن في ذلك | لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون * ) ^ [ العنكبوت : 51 ] . ~~| PageV01P254 | # | ( [ 19 ] باب ما جاء من التغيظ فيمن عبد الله | عند قبر رجل صالح فكيف ~~إذا عبده ؟ ! ) # أي : عبد القبر أو الرجل الصالح ، ولما كان عباد القبور إنما دهوا من حيث ~~ظنوا أنهم | محسنون ، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة ، كما قال تعالى : ^ ( ~~أفمن زين له سوء عمله فرءاه | حسنا ) ^ [ فاطر : 8 ] الآية . نوع المصنف ~~التحذير من الافتتان بالقبور ، وأخرجه في أبواب | مختلفة ، ليكون أوقع في ~~القلب ، وأحسن في التعليم ، وأعظم في الترهيب ، فإذا كان قصد قبور الصالحين ~~لعبادة الله عندها فيه من النهي والوعيد ما سيمر بك إن شاء الله ، فكيف | ~~بعبادة أربابها من دون الله واعتيادها لذلك في اليوم والأسبوع والشهر مرات ~~كثيرة . # قال : في ' الصحيح ' عن عائشة أن أم سلمة ذكرت لرسول الله [ صلى الله ~~عليه وسلم ] كنيسة رأتها بأرض | الحبشة وما فيها من الصور . فقال : ' أولئك ~~إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح | بنوا على قبره مسجدا ، وصوروا ~~فيه تلك الصور ، أولئك شرار الخلق عند الله ' . # فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين : فتنة القبور وفتنة التماثيل . # ش قوله : ( في ' الصحيح ' ) . أي في ' الصحيحين ' . # قوله : ( أن أم سلمة ) . هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن ~~عمرو بن | مخزوم القرشية المخزومية ؛ تزوجها النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ~~بعد أبي سلمة سنة أربع ، وقيل ثلاث ، | وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى ~~الحبشة ، ماتت سنة اثنين وستين . # قوله : ( ذكرت لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ) . كان ذكر أم سلمة ~~هذه الكنيسة للنبي ms238 صلى الله عليه وسلم في مرض | موته ، كما جاء مبينا في ~~رواية في ' الصحيح ' وفي ' الصحيحين ' أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا | ~~PageV01P255 | ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] . # قوله : ( كنيسة ) . وفي رواية يقال : لها مارية ، وهي بفتح الكاف وكسر ~~النون : معبد | النصارى . # قوله : ( أولئك ) . بفتح الكاف وكسرها . # قوله : ( إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح ) . هذا والله أعلم ~~شك من بعض | رواة الحديث ، هل قال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] هذا أو هذا ~~، ففيه التحري في الرواية ، وجواز رواية | الحديث بالمعنى . # قوله : ( بنوا على قبره مسجدا ) ، أي : موضعا للعبادة ، وإن لم يسم مسجدا ~~كالكنائس | والمشاهد . # قوله : ( وصوروا فيه تلك الصور ) . الإشارة بتلك الصور إلى ما ذكرت أم ~~سلمة وأم | حبيبة من التصاوير التي افي لكنيسة ، كما في بعض ألفاظ الحديث ~~فذكرتا من حسنها | وتصاوير فيه . # قوله : ( أولئك شرار الخلق عند الله ) . مقتضى هذا تحريم ما ذكر ، لا ~~سيما وقد ثبت | اللعن عليه . قال البيضاوي : لما كانت اليهود والنصارى ~~يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما | لشأنهم ، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة ~~نحوها ، واتخذوها أوثانا ، لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ، | ومنع ~~المسلمين عن مثل ذلك . قال القرطبي : وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها ~~، | ويتذكروا أفعالهم الصالحة ، فيجتهدون كاجتهادهم ، ويعبدون الله عند ~~قبورهم ، ثم خلفهم | قوم جهلوا مرادهم ، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم ~~كانوا يعبدون هذه الصور | ويعظمونها ، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك . # قوله : فهؤلاء بين الفتنتين . . . إلى آخره . هذا من كلام شيخ الإسلام ، ~~ذكره | المصنف عنه . يعني أن الذين بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين ~~، ضل بها كثير من الخلق . الأولى : فتنة القبور ، لأنهم افتتنوا بقبور ~~الصالحين ، وعظموها تعظيما مبتدعا ، فآل | بهم إلى الشرك ، وهي أعظم ~~الفتنتين ، بل هي مبتدأ الفتنة . الثانية : وهي فتنة التماثيل ، أي : | ~~الصور ، فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين وعظموها ، وبنوا عليها المساجد ، ~~وصورا فيها | الصور للقصد الذي ذكره القرطبي ، فآل الأمر إلى أن عبدت الصور ~~ومن هي ms239 صورته من | دون الله ، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة الصالحين ~~كاللات وود وسواع ويغوث ويعوق | ونسر وغيرهم من الصالحين . | PageV01P256 | ~~قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى : وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع ~~عن اتخاذ | المساجد على القبور ، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم في الشرك ~~الأكبر ، أو فيما دونه | من الشرك ، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم ~~الصالحين ، وتماثيل يزعمون أنه طلاسم | لكواكب ونحو ذلك ، فإن الشرك بقبر ~~الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب إلى النفوس من | الشرك بخشبة أو حجر . ولهذا ~~تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ويخشون ويخضعون ، | ويعبدون بقلوبهم عبادة لا ~~يفعلونها في بيوت الله ولا وقت السحر ، ومنهم من يسجد لها ، | وأكثرهم ~~يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما لا يرجونه في المساجد ، فلأجل هذه | ~~المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة ~~مطلقا وإن لم يقصد | PageV01P257 | المصلي بركة البقعة بصلاته ، كما يقصد ~~بصلاته بركة المساجد . كما نهى عن الصلاة وقت | طلوع الشمس وغروبها ، لأنها ~~أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس ، فنهى أمته | PageV01P258 | عن ~~الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدا للذريعة . قال : وأما إذا ~~قصد الرجل | الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة ، فهذا عين ~~المحادة لله ورسوله ، والمخالفة | لدينه ، وابتداع دين لم يأذن به الله ، ~~فإن المسلمين قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من | دين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن الصلاة عند القبور منهي عنها ، وأنه لعن من اتخذها مساجد ~~. فمن | أعظم المحدثات وأسباب الشرك الصلاة عندها ، واتخاذها مساجد ، وبناء ~~المساجد عليها ، | فقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي ~~عن ذلك والتغليظ فيه . # وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة ~~الصحيحة | الصريحة . وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ~~ذلك ، | وطائفة أطلقت الكراهية . والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم ~~إحسانا للظن بالعلماء ، | وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول ~~الله ms240 صلى الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه . # قال : ولهما عنها قالت : لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح ~~خميصة له على وجهه ، | فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك : لعنة الله على ~~اليهود والنصارى ، اتخذوا قبور أنبيائهم | مساجد ، يحذر ما صنعوا ، ولولا ~~ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا . أخرجاه . | PageV01P259 | ش : ~~هكذا ثبت في أول الحديث ' ولهما ' وفي آخره : ' أخرجاه ' بخط المصنف ، | ~~وأحد اللفظين يغني عن الآخر ، لأن المراد صاحبا ' الصحيحين ' . # قوله : ( لما نزل ) . هو بضم النون وكسر الزاي . أي : نزل به ملك الموت ~~والملائكة | الكرام عليهم السلام . # قوله : ( طفق ) بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح ، وبه جاء القرآن ومعناه : ~~جعل . # قوله : ( خميصة ) بفتح المعجمة كساء له أعلام . # قوله : ( فإذا اغتم بها كشفها ) ، أي : إذا احتبس نفسه عن الخروج كشفها ~~عن وجهه . | قوله : لعن الله اليهود والنصارى . . . إلى آخره . لعنهم صلى ~~الله عليه وسلم على هذا الفعل بعينه وهو | اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين ~~مساجد ، أي : كنائس وبيع يتعبدون ويسجدون فيها لله ، وإن | لم يسموها مساجد ~~، فإن الاعتبار بالمعنى لا بالاسم . ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية | ~~على قبور الأنبياء والصالحين ، فإنها هي المساجد الملعون من بناها على ~~قبورهم وإن لم | يسمها من بناها مساجد . وفيه رد على من أجاز البناء على ~~قبور العلماء والصالحين تمييزا | PageV01P260 | لهم عن غيرهم ، فإذا كان ~~صلى الله عليه وسلم لعن من بنى المساجد على قبور الأنبياء ، فكيف بمن بناها ~~على | قبور غيرهم ؟ ! # قوله : يحذر ما صنعوا . الظاهر أن هذا من كلام عائشة رضي الله عنها ، أي ~~: أن | الرسول صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على ذلك تحذيرا ~~لأمته أن تصنع ما صنعوا . قال | القرطبي : وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية ~~إلى عبادة من فيها كما كان السبب في عبادة | الأصنام . # قوله : ' ولولا ذاك ' . أي : لولا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~صنعوا ولعن من فعل ذلك . # قوله : ' لأبرز قبره ' ، أي : لدفن خارج بيته ومنه الحديث : كان رسول ~~الله صلى الله ms241 عليه وسلم يوما بارزا | للناس . أي : جالسا خارج بيته . # قوله : ( غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا ) . روي بفتح الخاء وضمها بالبناء ~~للفاعل | والمفعول ، قالوا : فأما رواياة الفتح ، فإنها تقتضي أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي أمرهم بذلك ، وأما | رواية الضم ، فيحتمل أن تكون ~~عائشة هي التي خشيت كما في لفظ آخر ، غير أني أخشى . أو | هي ومن معها من ~~الصحابة . قلت : وهذا أظهر ورواية : غير أني أخشى ، لا تخالفه . # قال القرطبي : ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، فأعلوا حيطان | تربته ، وسدوا المداخل إليها ، وجعلوها محدقة ~~بقبره صلى الله عليه وسلم ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره | قبلة إذا كان ~~مستقبل المصلين ، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني ~~| القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال ~~حتى لا يتمكن | أحد من استقبال قبره . # قلت : وفي الحديثين مسائل نبه المصنف على بعضها : منها : ما ذكر الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فيمن | بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح ، ولو ~~صحت نية الفاعل . ومنها : النهي عن | التماثيل بتغليظ الأمر . ومنها : نهيه ~~عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر . ومنها : أنه من | سنن اليهود ~~والنصارى في قبور أنبياءهم . ومنها : لعنه إياهم على ذلك . ومنها : مراده ~~بذلك | تحذيره إيانا عن قبره ، ومنها : العلة في عدم إبراز قبره ، ومنها : ~~ما بلي به صلى الله عليه وسلم من شدة النزع . # قلت : ومنها التنبيه على علة تحريم ذلك ، تحريم ذلك ، وعلة لعن من فعله . # قال : ولمسلم : عن جندب بن عبد الله قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس | وهو يقول : ' إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ، ~~فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ | إبراهيم خليلا ، ولو كنت متخذا من ~~أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ، ألا وإن من كان | قبلكم كانوا يتخذون ~~قبور أنبيائهم مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، إني أنهاكم عن ms242 | ~~PageV01P261 | ذلك ' فقد نهى عنه وهو في آخر حياته ، ثم إنه لعن - وهو في ~~السياق - من فعله ، والصلاة | عندها من ذلك ، وإن لم يبن مسجدا ، وهو معنى ~~قوله : أخشى أن يتخذ مسجدا ، فإن الصحابة | لم يكونوا ليبنوا حول قبره ~~مسجدا . وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا ، بل | كل موضع يصلى فيه ~~يسمى مسجدا كما قال صلى الله عليه وسلم : ' جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ' . # ش : قوله : ' عن جندب بن عبد الله ' . أي : ابن سفيان البجلي أبو عبد ~~الله ، وينسب | إلى جده ، صحابي مشهور مات بعد الستين . # قوله : ' إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل ' ، أي : أمتنع من هذا ~~وأنكره . | والخليل : هو المحبوب غاية المحبة ، مشتق من الخلة بفتح الخاء ~~وهي تخلل المودة في | القلب ، كما قال الشاعر : | # % قد تخللت مسلك الروح مني % % وبذا سمي الخليل خليلا % # هذا هو الصحيح في معناه ، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير ~~وغيرهم . # قال القرطبي : وإنما كان ذلك لأن قلبه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ من ~~محبة الله ، وتعظيمه ومعرفته ، | فلا يسع لمخالة غيره . # قوله : ' فإن الله قد اتخذني خليلا ' . فيه التصريح بأنه الخلة أكمل من ~~المحبة قال ابن | القيم : وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من ~~الخلة ، وأن إبراهيم خليل الله ، | ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله ، ~~فمن جهلهم ، فإن المحبة عامة والخلة خاصة ، وهي نهاية المحبة ، | قال : وقد ~~أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليلا ، ونفى أن يكون له ~~خليل غير ربه ، مع | إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب رضي الله ~~عنهم وغيرهم . وأيضا فإن الله | يحب التوابين ، ويحب المتطهرين ، ويجب ~~الصابرين ، وخلته خاصة بالخليلين . وفيه جواز | PageV01P262 | ذكر الإنسان ~~ما فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك . # قوله : ' ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ' فيه دليل ~~على أن | الصديق أفضل الصحابة ، حيث صرح صلى الله عليه وسلم أنه لو اتخذ ~~خليلا غير ms243 ربه ، لاتخذ أبا بكر ، ففيه | رد على الرافضة وعلى الجهمية الذين ~~هم شر أهل البدع ، بل أخرجهم بعض السلف من | الثنتين والسبعين فرقة . وبسبب ~~الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور ، وهم أول من بنى عليها | المساجد قاتلهم ~~الله ، قاله المصنف . وفيه إشارة إلى خلافته لأن من كانت محبته لشخص | أشد ~~، فهو أحق الناس بالنيابة عنه ، لا سيما وقد قال ذلك في مرض موته ، خصوصا ~~وقد | استخلفه على الصلاة بالناس ، وغضب لما صلى بهم عمر . # واسم أبي بكر : عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم ~~بن | مرة ، الصديق الأكبر ، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأفضل ~~الصحابة بإجماع من يعتد به من أهل | السنة ، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث ~~عشرة ، وله ثلاث وستون سنة . # قوله : ' ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ' ، إلى آخر ~~الحديث . قال | الخلخالي : وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم صنيعهم هذا ~~يخرج على وجهين ، أحدهما : أنهم يسجدون | لقبور الأنبياء تعظيما لهم ، ~~والثاني : أنهم يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في | مقابرهم ، ~~والتوجه إليها حالة الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله ، والمبالغة في ~~تعظيم | الأنبياء . والأول هو الشرك الجلي ، والثاني الخفي ، فلذلك ~~اسستحقوا اللعن . # قلت : الحديث أعم من ذلك ، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها . # قوله : ' فقد نهى عنه في آخر حياته ' ، أي : كما في حديث جندب . # قوله : ' ثم إنه لعن - وهو في السياق - من فعله ' ، أي : كما في حديث ~~عائشة . # قوله : ' والصلاة عندها من ذلك ، وإن لم يبن مسجدا ' ، يعني : أن الصلاة ~~عند القبور | وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله ، وإن لم يبن مسجدا ~~، فتحرم الصلاة في المقبرة | وإلى القبور ، بل لا تنعقد أصلا لما في هذه ~~الأحاديث الصحيحة وغيرها ، من لعن من | اتخذها مساجد . # وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه ~~وسلم : ' لا تجلسوا | على القبور ولا تصلوا إليها ' . | PageV01P263 | وعن ~~أبي سعيد الخدري مرفوعا ' الأرض كلها ms244 مسجد إلا المقبرة والحمام ' رواه أحمد ~~| وأهل السنن ، وصححه ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين ، وفي ' ~~صحيح | البخاري ' أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلي عند ~~قبر فقال : القبر | القبر . # وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ما نهاهم عنه نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم ، من الصلاة | عند القبور . وفعل أنس لا يدل على اعتقاد ~~جوازه ، فإنه لعله لم يره ، ولم يعلم أنه قبر أو | ذهل عن ، فهلما نبهه عمر ~~تنبه . # وفي هذا كله إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة ، ~~فهذا أبعد | شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل العلة في ذلك ~~الخوف على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه | اليهود والنصارى ، وعباد اللات ~~والعزى من الشرك ، ويدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود | ~~والنصارى على اتخاذ قبور أنبيائهم مساجد ، ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل ~~النجاسة ، | لأن قبور الأنبياء من أطهر البقاع ، فإن الله حرم على الأرض أن ~~تأكل أجسادهم ، فهم في | قبورهم طريون . # وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم متخذي المساجد عليها وموقدي السرج ~~عليها ، ومعلوم إن إيقاد | السرج عليها إنما هو لعن فاعله ، لكونه وسيلة ~~إلى تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليها | المشركون كما هو الواقع ، فهكذا ~~اتخاذ المساجد عليها . # قال ابن القيم : وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه ، وذرائعه ، وفهم ~~عن | الرسول صلى الله عليه وسلم مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض ، أن هذه ~~المبالغة واللعن والنهي | بصيغتيه : صيغة ( لا تفعلوا ) وصيغة ( إني أنهاكم ~~) ليس لأجل النجاسة ، بل هو لأجل نجاسة | الشرك اللاحقة بمن عصاه ، وارتكب ~~ما عنه نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه ، وقل | نصيبه ، أو عدم من ~~تحقيق لا إله إلا الله ، فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه وسلم ~~صيانة لحمى | التوحيد أن يلحقه الشرك ويغشاه ، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل ~~به سواه ، فأبى | PageV01P264 | المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه ، ~~وغرهم ms245 الشيطان بأن هذا التعظيم لقبور المشايخ | والصالحين ، وكلما كنتم أشد ~~لها تعظيما ، وأشد فيهم غلوا كنتم بقربهم أسعد ، ومن | أعدائهم أبعد . ~~ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على عباد يغوث ويعوق ونسر ، ودخل | عباد ~~الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة . فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن ~~في | طريقتهم ، وهدى الله أهل التوحيد لسلوك طريقهم وإنزالهم منازلهم التي ~~أنزلهم الله إياها من | المعبودية ، وسلب خصائص الإلهية . # قلت : وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد ~~المقدسي | وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق . | قوله : ' فإن الصحابة لم ~~يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا ' ، أي : لما علموا من تشديده | في ذلك ~~وتغليظه ، ولعن من فعله ، فكيف يتخذون على قبره مسجدا ؟ وإنما خشوا أن ~~يعتاده | بعض الجهال للصلاة عنده ، من غير شعور من الصحابة بذلك ، فلذلك ~~دفنوه في بيته . # قوله : ' وكل موضع قصدت الصلاة فيه اتخذ مسجدا ' ، أي : وإن لم يبن مسجدا ~~. # قوله : ' بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا ' ، الظاهر أن الأول في الأمكنة ~~المعدة | للصلاة ، وإن لم يبن فيه مسجدا . وهذا في أي موضع صلى فيه ، وإن ~~لم يعد لذلك ، | كالمواضع التي يصلي فيها المسافر ونحو ذلك . فعلى هذا إذا ~~صلى عند القبور ولو مرة | واحدة وإن لم يكن هناك مسجد ، فقد اتخذها مساجد . # قوله : كما قال صلى الله عليه وسلم : ' جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ' . ~~أي : فسمى الأرض | مسجدا ، وليست مسجدا مبنيا ، لكن لما كانت يسجد فيها ~~سميت مسجدا . فدل هذا | الحديث أن من صلى عند القبور أو إليها فقد اتخذها ~~مساجد . وهذا الحديث طرف من | حديث صحيح متفق عليه عن جابر . # قال البغوي في ' شرح السنة ' : أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا ~~في بيعهم | وكنائسهم ، وأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا ، تخفيفا ~~عليهم وتيسيرا ، ثم خص من | جميع المواضع الحمام والحمام والمقبرة والمكان ~~النجس . # وقوله : ' طهورا ' . أراد به التيمم . وفي حديث جندب من الفوائد أيضا ، ~~العبرة في | مبالغته صلى الله عليه وسلم في النهي ms246 عن بناء المساجد على ~~القبور ، كيف بين لهم ذلك أولا ، ثم قبل موته | بخمس قال ما قال ، ثم لما ~~كان في النزع لم يكتف بما تقدم ، بل لعن من فعل ذلك . فدلت | هذه الأحاديث ~~الصحيحة الصريحة على تحريم البناء على القبور مطلقا ، فلذلك اكتفى | ~~PageV01P265 | المصنف بإيرادها عن غيرها ، كحديث جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم نهى أن يجصص القبر وأن يقعد | عليه وأن يبنى عليه . رواه مسلم ~~وغيره وزاد أبو داود والحاكم : وأن يكتب عليه . # قال : ولأحمد بسند جيد ، عن ابن مسعود مرفوعا ' إن من شرار الناس من ~~تدركهم PageV01P266 | الساعة وهم أحياء ، والذين يتخذون القبور مساجد ' ~~رواه أبو حاتم في ' صحيحه ' . # ش : قوله : ' إن من شرار الناس ' . هو بكسر الشين جمع شر . # قوله : ' من تدركهم الساعة وهم أحياء ' . أي : من تقوم عليهم الساعة بحيث ~~ينفخ في | الصور وهم أحياء ، وهذا كحديثه الآخر الذي في مسلم ' لا تقوم ~~الساعة إلا على شرار | الخلق ' . # فإن قلت : ما الجمع بين هذا وبين حديث ثوبان : ' لا تزال طائفة من أمتي ~~على | الحق ' وما في معناه . # قيل : حديث ثوبان مستغرق للأزمنة ، عام فيها ، وهذا مخصص وسيأتي زيادة ~~لذلك | عند الكلام على حديث ثوبان إن شاء الله تعالى . # قوله : ' والذين يتخذون القبور مساجد ' ' الذين ' في محل نصب عطفا على ' ~~من ' | الموصولة ، أي : إن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد ، ~~بالصلاة عندها وإليها ، | وبناء المساجد عليها . وهذا المعنى متواتر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، معلوم بالاضطرار من دينه . وكل | ذلك شفقة على ~~الأمة وخوفا عليهم أن يقودهم ذلك إلى الشرك بها وبأصحابها ، كما قاد إلى | ~~ذلك اليهود والنصارى . فأبى عباد القبور إلا الضرب بهذه الأحاديث الجدار ~~ونبذها وراء | الظهر ، أو الدفع في صدورها وأعجازها بحمل ذلك على غير قبور ~~الأنبياء والصالحين . أما | PageV01P267 | قبورهم فتجوز الصلاة إليها ~~وعندها ، وبناء المساجد والقباب عليها رجاء أن تصل إليهم | العواصف ~~الروحانية . ولا ريب أن هذا مراغمة ومحادة لله ورسوله ، وهذا هو قول اليهود ~~: | @QB@ سمعنا وعصينا @QE@ [ النساء : 46 ] فإن ms247 النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنما لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين | مساجد ، كما هو نص حديث عائشة ~~رضي الله عنها وغيره ، وقبور غيرهم إنما أخذ النهي | عن البناء عليها من ~~هذه الأحاديث ونحوها بقياس الأولى ، أو من عموم أحاديث أخر ، فمن | أعظم ~~المراغمة والمناصبة والمحادة لله ورسوله ، أن تحمل على غير ما وردت فيه ، ~~ويباح ما | وردت بالنهي عنه ، ولعن من فعله ، ولكن هذا شأن عباد القبور ^ ( ~~أنما يتبعون أهوآءهم ومن | أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا ~~يهدي القوم الظلمين ) ^ [ القصص : 50 ] # وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه ~~لهذه | الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه ، ولا ~~فرق في ذلك بين | البناء في مقبرة مسبلة ، أو مملوكة ، إلا أنه في المملوكة ~~أشد . ولا عبرة بمن شذ من | المتأخرين فأباح ذلك ، إما مطلقا ، وإما في ~~المملوكة . # قال الإمام أبو محمد بن قدامة : ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم | قال : ' لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ' يحذر ما صنعوا . ولأن | تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه ~~تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها ، وقد روينا | أن ابتداء عبادة ~~الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها . # وقال شيخ الإسلام : أما بناء المساجد على القبور ، فقد صرح عامة علماء ~~الطوائف | بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة ، وصرح أصحابنا وغيرهم من ~~أصحاب مالك | والشافعي ، بتحريمه قال : ولا ريب في القطع بتحريمه ، ثم ذكر ~~الأحاديث في ذلك . . . إلى | أن قال : فهذه المساجد المبنية على قبور ~~الأنبياء والصالحين ، أو الملوك وغيرهم ، تتعين | إزالتها بهدم أو بغيره ~~هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين . # وقال ابن القيم : يجب هدم القباب التي على القبور ، لأنها أسست على معصية ~~| الرسول صلى الله عليه وسلم . # وقال أبو حفص : تحرم الحجرة بل تهدم . فإذا كان هذا كلامه في الحجرة فكيف ~~| بالقبة . # وقال الشافعي : أكره أن يعظم مخلوق ، حتى ms248 يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة ~~عليه ، | وعلى من بعده من الناس . وقال أيضا : تسطح القبور ولا تبنى ولا ~~ترفع ، وتكون على وجه | PageV01P268 | الأرض . وقد أفتى جماعة من الشافعية ~~بهدم ما في القرافة من الأبنية ، منهم ابن الجميزي | والظهير الترميني ~~وغيرهما . # وقال القاضي ابن كج : ولا يجوز أن تجصص القبور ، ولا أن يبنى عليها قباب ~~ولا غير | قباب ، والوصية بها باطلة . # وقال الأذرعي : وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية ~~العظيمة ، وإنفاق | الأموال الكثيرة ، فلا ريب في تحريمه . # قلت : وجزم النووي في ' شرح المهذب ' بتحريم البناء مطلقا ، وذكر في ' ~~شرح مسلم ' | نحوه أيضا . # وقال القرطبي في حديث جابر : نهى أن يجصص القبر أو يبنى عليه ، وبظاهر ~~هذا | الحديث قال مالك ، وكره البناء والجص على القبور ، وقد أجازه غيره ، ~~وهذا الحديث حجة | عليه ، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في القبور أن ذلك ~~مباهاة ، واستعمال زينة الدنيا في | أول منازل الآخرة ، وتشبه بمن كان يعبد ~~القبور ويعظمها ، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا | النص ينبغي أن يقال : ~~هو حرام كما قال به بعض أهل العلم . # وقال ابن رشد : كره مالك البناء على القبر ، وجعل البلاطة المكتوبة ، وهو ~~من بدع | أهل الطول ، أحدثوه إرادة الفخر والمباهاة والسمعة ، وهو مما لا ~~اختلاف فيه . # وقال الزيلعي في ' شرح الكنز ' : ويكره أن يبنى على القبر . وفي ' ~~الخلاصة ' ولا | يجصص القبر ولا يطين ، ولا يرفع عليه بناء . # وذكر أيضا قاضي خان أنه لا يجصص القبر ، ولا يبنى عليه ، لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم | أنه نهى عن التجصيص وعن البناء فوق القبر ، ~~والمراد بالكراهة عند الحنفية كراهة التحريم | التي هي في مقابلة ترك ~~الواجب . وقد ذكر ذلك ابن نجيم في ' شرح الكنز ' . # ومثل هذا كثير في كلام العلماء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم ، والمقصود ~~أن كلام | العلماء موافق لما دلت عليه السنة الصحيحة في النهي عن البناء ~~على القبور . # واعلم أنه قد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها ~~على التفصيل | إلا الله ms249 ما يغضب من أجله كل من في قلبه رائحة إيمان ، كما ~~نبه عليه ابن القيم وغيره . # فمنها : اعتيادها للصلاة عندها ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك . # ومنها : تحري الدعاء عندها . ويقولون : من دعا الله عند قبر فلان استجاب ~~له ، وقبر | فلان الترياق المجرب ، وهذا بدعة منكرة . # ومنها : ظنهم أن لها خصوصيات بأنفسها في دفع البلاء وجلب النعماء . ~~ويقولون : إن | PageV01P269 | البلاء يدفع عن أهل البلدان بقبور من فيها من ~~الصالحين ، ولا ريب أن هذا مخالف للكتاب | والسنة والإجماع . فالبيت المقدس ~~كان عنده من قبور الأنبياء والصالحين ما شاء الله ، | فلما عصوا الرسول ~~وخالفوا ما أمرهم الله به ، سلط الله عليهم من انتقم منهم . وكذلك أهل | ~~المدينة لما تغيروا بعض التغير ، جرى عليهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ~~ذلك من | المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك . وهذا أكثر من أن يحصر . # ومنها : الدخول في لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، باتخاذ المساجد ~~عليها وإيقاد السرج عليها ، | ومنها أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد ، وخراب ~~المساجد ، كما هو الواقع ، ودين الله بضد | ذلك . # ومنها : اجتماعهم لزيارتها واختلاط النساء بالرجال ، وما يقع في ضمن ذلك ~~من | الفواحش وترك الصلوات ، ويزعمون أن صاحب التربة تحملها عنهم ، بل ~~اشتهر أن البغايا | يسقطن أجرتهن على البغاء في أيام زيارة المشايخ ، ~~كالبدوي وغيره تقربا إلى الله بذلك . | فهل بعد هذا في الكفر غاية . # ومنها : كسوتها بالثياب النفيسة المنسوجة بالحرير والذهب والفضة ونحو ذلك ~~. # ومنها : جعل الخزائن والأموال ووقف الوقوف لما يحتاج إليه من ترميمها ~~ونحو ذلك . # ومنها : إهداء الأموال ونذر النذور ولسدنتها العاكفين عليها الذين هم أصل ~~كل بلية | وكفر ، فإنهم الذين يكذبون على الجهال والطغام بأن فلانا دعا ~~صاحب التربة فأجابه ، | واستغاثه فأغاثه ، ومرادهم بذلك تكثير النذر ~~والهدايا لهم . # ومنها : جعل السدنة لها كسدنة عباد الأصنام . # ومنها : الإقسام على الله في الدعاء بالمدفون فيها . # ومنها : أن كثيرا من الزوار إذا رأى البناء الذي على قبر صاحب التربة سجد ~~له . # ولا ريب أن ms250 هذا كفر بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة ، بل هذا هو عبادة ~~الأوثان ، | لأن السجود للقبة عبادة لها ، وهو من جنس عبادة النصارى للصور ~~التي في كنائسهم على | صور من يعبدونه بزعمهم الباطل ، فإنهم عبدوها ومن هي ~~صورته ، وكذلك عباد القبور لما | بنوا القباب على القبور آل بهم إلى أن ~~عبدت القباب ومن بنيت عليه من دون الله عز وجل . # ومنها : النذر للمدفون فيها ، وفرض نصيب من المال والولد ، وهذا هو الذي ~~قال الله | فيه : ^ ( وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعم نصيبا فقالوا ~~هذا لله بزعمهم وهذا | PageV01P270 | لشركائنا ) ^ [ الأنعام : 136 ] بل ~~هذا أبلغ فإن المشركين ما كانوا يبيعون أولادهم لأوثانهم . # ومنها : أن المدفون فيها أعظم في قلوب عباد القبور من الله وأخوف ، ولهذا ~~لو طلبت | من أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو ~~صادقا ، وإذا طلبت بصاحب | التربة لم يقدم إن كان كاذبا . ولا ريب أن عباد ~~الأوثان ما بلغ شركهم إلى هذا الحد ، بل | كانوا إذا أرادوا تغليظ اليمين ، ~~غلظوها بالله كما في قصة القسامة وغيرها . # ومنها : سؤال الميت قضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، والإخلاص له من دون ~~الله | في أكثر الحالات . # ومنها : التضرع عند مصارع الأموات والبكاء بالهيبة والخشوع لمن فيها أعظم ~~مما | يفعلونه مع الله في المساجد والصلوات . # ومنها : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله وهي المساجد ، فيعتقدون ~~أن العبادة | والعكوف فيها أفضل من العبادة والعكوف في المساجد ، وهذا أمر ~~ما بلغ إليه شرك | الأولين ، فإنهم يعظمون المسجد الحرام أعظم من بيوت ~~الأصنام يرون فضله عليها ، وهؤلاء | يرون العكوف في المشاهد أفضل من العكوف ~~في المساجد . # ومنها : أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور إنما هو ~~تذكرة الآخرة ، كما قال : | ' زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة ' والإحسان ~~إلى المزور بالترحم عليه ، والدعاء له | والاستغفار ، وسؤال العافية له ، ~~فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت ، فقلب عباد | القبور الأمر ، ~~وعكسوا الدين ، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به ، ~~| وسؤاله حوائجهم ms251 ونصرهم على الأعداد ونحو ذلك . فصاروا مسيئين إلى نفوسهم ~~وإلى | الميت ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه الله من الدعاء والترحم ~~عليه والاستغفار له . # ومنها : إيذاء أصحابها بما يفعله عباد القبور بها ، فإنه يؤذيهم ما ~~يفعلونه عند قبورهم | ويكرهونه غاية الكراهة ، كما أن المسيح عليه السلام ~~يكره ما يفعله النصارى ، وكذلك غيره | من الأنبياء والأولياء يؤذيهم ما ~~يفعله أشباه النصارى عند قبورهم ، ويوم القيامة يتبرؤون منهم | كما قال ~~تعالى : ^ ( ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيمة ~~وهم | عن دعائهم غفلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم ~~كفرين * ) ^ [ الأحقاف : | 5 - 6 ] . # ومنها : محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها . ومنها التعب العظيم مع ~~الوزر | الكبير ، والإثم العظيم ، وكل هذه المفاسد العظيمة وغيرها مما لم ~~يذكر ، إنما حدثت بسبب | PageV01P271 | البناء على القبور ، ولهذا تجد ~~القبور التي ليس عليها قباب لا يأتيها أحد ولا يعتادها لشيء | مما ذكر إلا ~~ما شاء الله ، وصاحب الشرع أعلم بما يؤول إليه هذا الأمر ، فلذلك غلظ فيه | ~~وأبدأ وأعاد ، ولعن من فعله ، فالخير والهدى في طاعته ، والشر والضلال في ~~معصيته | ومخالفته . والعجب ممن يشاهد هذه المفاسد العظيمة عند القبور ، ثم ~~يظن أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما | نهى عن اتخاذ المساجد عليها لأجل ~~النجاسة ، كما يظنه بعض متأخري الفقهاء ، ولو كان | ذلك لأجل النجاسة لكان ~~ذكر المجازر والحشوش بل ذكر التحرز من البول والغائط أولى . | وإنما ذلك ~~لأجل نجاسة الشرك التي وقعت من عباد القبور لما خالفوا ذلك ونبذوه وراء | ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون . | PageV01P272 | $ ( [ 20 ] ~~باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين # يصيرها أوثانا تعبد من دون الله ) $ # ش : أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة أمورا : الأول : التحذير من ~~الغلو في قبور | الصالحين . الثاني : أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها . ~~الثالث : أنها إذا عبدت سميت أوثانا ولو | كانت قبور الصالحين . الرابع : ~~التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها ms252 مساجد . | والأوثان ~~هي المعبودات التي لا صورة لها ، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان ~~والأحجار | ونحوها ، وقد تقدم بيان ذلك . وقيل : الوثن هو الصنم ، والصنم ~~هو الوثن ، وهذا غير | صحيح إلا مع التجريد ، فأحدهما قد يعني به الآخر ، ~~وأما مع الاقتران ، فيفسر كل واحد | بمعناه . # قال : روى مالك في ' الموطأ ' أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' ~~اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ؛ | اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ' . # ش : هذا الحديث رواه مالك في ' باب جامع الصلاة ' مرسلا عن زيد بن أسلم ، ~~عن | عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله . # ورواه ابن أبي شيبة في ' مصنفه ' عن أبي خالد الأحمر ، عن ابن عجلان ، عن ~~زيد بن | أسلم ، به ولم يذكر عطاء . # ورواه البزار عن عمر بن محمد ، عن زيد ، عن عطاء ، عن أبي سعيد الخدري ~~مرفوعا ، | وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة من أشراف ~~أهل المدينة روى | عنه مالك ، والثوري ، وسليمان بن بلال ، فالحديث صحيح ~~عند من يحتج بمراسيل الثقات . | وعند من قال بالمسند لإسناد عمر بن محمد له ~~بلفظ ' الموطأ ' سواء ، وهو ممن تقبل زيادته . # وله شاهد عند الإمام أحمد والعقيلي من طريق سفيان ، عن حمزة بن المغيرة ، ~~عن | سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رفعه : ' اللهم لا تجعل ~~قبري وثنا يعبد ، لعن | الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ' . | ~~PageV01P273 # قوله : ( روى مالك في ' الموطأ ' ) هو الإمام مالك بن أنس بن مالك بن أبي ~~عامر بن | عمر الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه ، إمام دار الهجرة وأحد ~~الأئمة الأربعة ، وأحد | المتقنين في الحديث ، حتى قال البخاري : أصح ~~الأسانيد كلها : مالك ، عن نافع ، عن ابن | عمر . مات سنة تسع وسبعين ومائة ~~. وكان مولده سنة ثلاث وتسعين . وقال الواقدي : بلغ | تسعين سنة . # قوله : ' اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ' . قد استجاب الله دعاء رسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، فمنع الناس | من الوصول إلى قبره لئلا ms253 يعبد استجابة ~~لدعاء رسوله صلى الله عليه وسلم كما قال ابن القيم : فأجاب رب | العالمين ~~دعاءه ، وأحاطه بثلاثة من الجدران . ودل الحديث على أن قبر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لو عبد | لكان وثنا ، فما ظنك بقبر غيره من القبور التي عبدت هي ~~وأربابها من دون الله ، وإذا أريد | تغيير شيء من ذلك أنف عبادها ، واشمأزت ~~قلوبهم ، واستكبرت نفوسهم ، وقالوا : تنقص | أهل الرتب العالية ، ورموهم ~~بالعظائم ، فماذا يقولون لو قيل لهم : إنها أوثان تعبد من دون | الله ؟ ! ~~فالله المستعان على غربة الإسلام ، وهذه هي الفتنة العظمى التي قال فيها ~~عبد الله بن | مسعود : ' كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ، ~~وينشأ فيها الصغير ، تجري على الناس | يتخذونها سنة ، إذا غيرت قيل : غيرت ~~السنة ' . | PageV01P274 # ويؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين كقبورهم ومجالسهم ~~، | ومواضع صلاتهم للصلاة ، والدعاء عندها ، فإن ذلك من البدع ، أنكره ~~السلف من الصحابة | والتابعين وغيرهم . ولا نعلم أحدا أجازه أو فعله إلا ~~ابن عمر على وجه غير معروف عند | عباد القبور ، وهو إرادة التشبه برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك . ومع | ذلك فلا ~~نعلم أحدا وافقه عليه من الصحابة ، بل خالفه أبوه وغيره ، لئلا يفضي ذلك ~~إلى | اتخاذها أوثانا كما وقع . قال ابن عبد الباقي في ' شرح الموطأ ' روى ~~أشهب عن مالك أنه | كره لذلك أن يدفن في المسجد قال : وإذا منع من ذلك ~~فسائر آثاره أحرى بذلك . وقد كره | مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان مخالفة ~~لليهود والنصارى . انتهى . # وقال ابن وضاح : سمعت عيسى بن يونس يقول : أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة ~~| التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها ، لأن الناس كانوا ~~يذهبون فيصلون تحتها ، فخاف عليهم | الفتنة . قال عيسى بن يونس : وهو عندنا ~~من حديث ابن عون عن نافع : أن الناس كانوا | يأتون الشجرة فقطعها عمر رضي ~~الله عنه . # وقال المعرور بن سويد : صليت مع عمر بن الخطاب : في طريق مكة صلاة الصبح ms254 ~~، | فقرأ فيها ^ ( ألم تر كيف فعل ربك بأصحب الفيل * ) ^ [ الفيل : 1 ] و ^ ~~( لإيلف قريش * ) ^ | [ قريش : 1 ] ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال : أين ~~يذهب هؤلاء ؟ فقيل : يا أمير المؤمنين | مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فهم يصلون فيه ، فقال : إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا ، | ~~PageV01P275 | كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ، ويتخذونها كنائس وبيعا ، فمن ~~أدركته الصلاة في هذا المساجد | فليصل ، ومن لا فليمض ولا يتعمدها . # وفي ' مغازي ابن إسحاق ' من زيادات يونس بن بكير ، عن أبي خلدة : خالد بن ~~دينار ، | حدثنا أبو العالية قال : ' لما فتحنا تستر وجدنا في بيت مال ~~الهرمزان سريرا عليه رجل ميت | عند رأسه مصحف ، فأخذنا المصحف فحملناه إلى ~~عمر ، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية ، فأنا | أول رجل قرأه من العرب ، قرأته ~~مثل ما أقرأ القرآن ، فقلت لأبي العالية : ما كان فيه ؟ قال : | سيرتكم ~~وأموركم ولحون كلامكم ، وما هو كائن بعد . قلت : فما صنعتم بالرجل ؟ قال : ~~| حفرنا له بالنهار ثلاثة عشر قبرا متفرقة ، فلما كان بالليل دفناه وسوينا ~~القبور كلها لنعميه على | الناس لا ينبشونه قلت : وما يرجعون منه ؟ قال : ~~كانت السماء إذا حبست عنهم بروزا بسريره | فيمطرون . فقلت : من كنتم تظنون ~~الرجل ؟ قال : رجل يقال له : دانيال . فقلت : منذ كم | وجدتموه مات ؟ قال : ~~منذ ثلاث مائة سنة . قلت : ما كان تغير منه شيء ؟ قال : لا إلا | شعيرات من ~~قفاه ، إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض . # قال ابن القيم رحمه الله تعالى : ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون ~~والأنصار من تعمية | قبره لئلا يفتتن به ، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك ~~به ، ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه | بالسيوف ولعبدوه من دون الله . ~~قال شيخ الإسلام رحمه الله : وهو إنكار منهم لذلك ، فمن | قصد بقعة يرجو ~~الخير بقصدها ولم يستحب الشارع قصدها ، فهو من المنكرات ، وبعضه | أشد من ~~بعض ، سواء قصدها ليصلي عندها ، أو ليدعو عندها أو ليقرأ عندها ، أو ليذكر ~~الله | عندها ، أو ليسكن عندها بحيث يخص تلك البقعة بنوع من العبادة التي ms255 ~~لم يشرع تخصيصها | به لا نوعا ولا عينا ، لأن ذلك قد يجوز بحكم الاتفاق لا ~~لقصد الدعاء فيها ، كمن يدعو الله | في طريقه ، ويتفق أن يمر في طريقه ~~بالقبور أو كمن يزورها ويسلم عليها ، ويسأل الله العافية | له وللموتى كما ~~جاءت به السنة ، فإن ذلك ونحوه لا بأس به . # وأما تحري الدعاء بحيث يستشعر أن الدعاء هناك أجوب منه في غيره ، فهذا هو ~~| المنهي عنه . والفرق بين النوعين ظاهر ، فإن الرجل لو كان يدعوا الله ~~واجتاز في ممره بصنم | أو صليب أو كنيسة أو دخل إليها ليبيت فيها مبيتا ~~جائزا ودعا الله في الليل ، أو أتى بعض | أصدقائه ودعا الله في بيته لم يكن ~~بهذا بأس . ولو تحرى الدعاء عند هذه المواضع لكان من | العظائم بل قد يكون ~~كفرا . | PageV01P276 # قوله : ' اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ' . هذه ~~الجملة بعد | الأولى تنبيه على سبب لحوق اللعن بهم ، وهو توسلهم بذلك إلى ~~أن تصير أوثانا تعبد . ففيه | إشارة إلى ما ترجم له المصنف ، وفيه تحريم ~~البناء على القبور ، وتحريم الصلاة عندها . وقد | روى أصحاب مالك عنه أنه ~~كره أن يقول القائل : زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم . وعلل وجه الكراهة ~~| بقوله : ' اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا ~~قبور أنبيائهم | مساجد ' فكره إضافة هذا اللفظ إلى القبر لئلا يقع التشبه ~~بفعل أولئك سدا للذريعة ، | وحسما للباب . ذكره الطبري . وفيه أنه صلى الله ~~عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه . ذكره المصنف . # قال : ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد ^ ( أفرءيتم اللت ~~والعزى * ) ^ | [ النجم : 19 ] قال : كان يلت لهم السويق فمات ، فعكفوا على ~~قبره وكذا قال أبو الجوزاء عن | ابن عباس : ' كان يلت السويق للحاج ' . # ش : قوله : ' ولابن جرير ' . هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن يزيد ~~الطبري صاحب | ' التفسير ' و ' التاريخ ' وغيرهما . قال ابن خزيمة : لا ~~أعلم على الأرض أعلم من محمد بن | جرير ، وكان من الأئمة المجتهدين ، لا ~~يقلد ms256 أحدا وله أصحاب يتفقهون على مذهبه . ولد | سنة أربع وعشرين ومائتين ، ~~ومات ليومين بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة . # قوله : ' عن سفيان ' . هو أحد السفيانين ؛ إما ابن عيينة وإما الثوري ، ~~فإن كان ابن عيينة | فقد تقدمت ترجمته ، وإن كان الثوري وهو الأظهر فهو ~~سفيان بن سعيد بن مسروق أبو | عبد الله الكوفي ، ثقة حافظ فقيه إمام حجة ~~عابد . وكان مجتهدا ، له أتباع وأصحاب | يتفقهون على مذهبه . مات سنة إحدى ~~وستين ومائة ، وله أربع وستون سنة . # قوله : ' عن منصور ' ، هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب - ~~بمثناة ثقيلة ثم | موحدة - الكوفي ، ثقة ثبت فقيه . مات سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة . # قوله : ' عن مجاهد ' هو ابن جبر - بالجيم والموحدة - أبو الحجاج المخزومي ~~مولاهم | المكي ، ثقة إمام في التفسير والعلم ، أخذ التفسير عن ابن عباس ~~وغيره . مات سنة أربع | ومائة ، قاله يحيى القطان ، وقال ابن حبان : مات ~~سنة اثنتين أو ثلاث ومائة وهو ساجد ، | PageV01P277 | وكان مولده سنة إحدى ~~وعشرين في خلافة عمر رضي الله عنه . # قوله : ' كان يلت لهم السويق فمات ، فعكفوا على قبره ' . لت السويق هو ~~خلطه بسمن | ونحوه . وقد قيل : إن اسم الرجل صرمة بن غنم ، وعن ابن عباس : ~~كان يلت السويق على | الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه ، رواه ابن ~~أبي حاتم . وعن مجاهد : كان | اللات رجلا في الجاهلية ، وكان له غنم فكان ~~يسلؤ من رسلها ويأخذ من زبيب الطائف | والأقط ، فيجعل منه حيسا ويطعم من ~~يمر من الناس ، فلما مات عبدوه وقالوا : هو اللات . | وكان يقرأ اللات ~~مشددة ، رواه سعيد بن منصور والفاكهي . # قوله : وكذا قال أبو الجوزاء : إلى آخره . هو أوس بن عبد الله الربعي ، ~~بفتح الراء | والباء ، ثقة مشهور ، مات سنة ثلاث وثمانين . وهذا الأثر ذكره ~~المصنف ولم يعزه ، وقد | رواه البخاري ، ولا تخالف بين هذا التفسير ~~والقراءة وبين قراءة من قرأ بالتخفيف . وقال : | إنه كان حجرا فعبدوه ، ~~واشتقوا له من اسم الله الإله ، كما تقدم تقريره في باب : من تبرك | بشجرة ~~. وأيضا فيجاب ms257 على الأول بأن أصله التشديد ، وخفف لكثرة الاستعمال ، وأما | ~~كونهم اشتقوا هذا الاسم من اسم الله الإله ، فلا ينافي ذلك أيضا ، فقد رأيت ~~أن سبب عبادة | اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثنا يعبد ، كما كان ذلك هو ~~السبب في عبادة الصالحين : | ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم ، وكما كان ~~ذلك هو السبب في عبادة الصالحين من | الأموات وغيرهم اليوم ، فإنهم غلوا ~~فيهم ، وبنوا على قبورهم القباب والمشاهد ، وجعلوها | ملاذا لقضاء المآرب . # وبالجملة فالغلو أصل الشرك في الأولين والآخرين إلى يوم القيامة . وقد ~~أمرنا الله | تعالى بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية ، وسلب ~~خصائص الإلهية عنهم ، وهذا | غاية تعظيمهم وطاعتهم ، ونهانا عن الغلو فيهم ~~، فلا نرفعهم فوق منزلتهم ، ولا نحطهم منها | لما يعلمه تعالى في ذلك من ~~الفساد العظيم ، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم ، فإن | الشرك بهم غلو ~~فيهم ، وأنزلوهم منازل الإلهية ، وعصوا أمرهم ، وتنقصوهم في صورة | التعظيم ~~لهم ، فتجد أكثر هؤلاء الغالين فيهم ، العاكفين على قبورهم ، معرضين عن ~~طريقة | من فيها وهديه وسنته ، عائبين لها مشتغلين بقبورهم عما أمروا به ~~ودعوا إليه . # وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما [ هي ] باتباع ما دعوا إليه من ~~العلم النافع | PageV01P278 | والعمل الصالح ، واقتفاء آثارهم . وسلوك ~~طريقتهم دون عبادتهم وعبادة قبورهم ، والعكوف | عليها كالذين يعكفون على ~~الأصنام واتخاذها أعيادا ومجامع للزيارات والفواحش وترك | الصلوات ، فإن من ~~اقتفى آثارهم كان متسببا في تكثير أجورهم باتباعه لهم ، ودعوته الناس | إلى ~~اتباعهم ؛ فإذا أعرض عما دعوا إليه واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر ~~. فأي | تعظيم لهم واحترام في هذا . # قال : وعن ابن عباس قال : ' لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات ~~القبور والمتخذين عليها | المساجد والسرج ' . رواه أهل السنن . # ش : قوله : ' لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ' . أي : ~~من النساء وهذا يدل على تحريم | زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد ~~وطائفة . وقيل في تعليل ذلك : إنه يخرجها إلى | الجزع والندب والنياحة ~~والافتتان بها وبصورتها وتأذي الميت ببكائها ، كما في ms258 حديث آخر : | ' فإنكن ~~تفتن الحي وتؤذين الميت ' وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة ~~في | حقهن وحق الرجال ، وتقدير ذلك غير مضبوط ، لأنه لا يمكن حد المقدار ~~الذي لا يفضي PageV01P279 | إلى ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع . # ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها ، ~~فتحرم | سدا للذريعة ، كما حرم النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من ~~الفتنة ، وكما حرمت الخلوة | بالأجنبية ، وليس في زيارتها من المصلحة ما ~~يعارض هذه المفسدة ، لأنه ليس في زيارتها إلا | دعواها للميت أو اعتبارها ~~به ، وذلك ممكن في بيتها . # وقد روى الإمام أحمد وابن ماجه والحاكم عن حسان بن ثابت مرفوعا : ' لعن ~~الله | زوارات القبور ' وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن ~~زوارات القبور . رواه أحمد وابن | ماجه ، والترمذي وصححه ، وضعفه عبد الحق ~~، وحسنه ابن القطان . # ولا يعارض هذا حديث : ' كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ' رواه مسلم ~~| PageV01P280 | وغيره . لأن هذا إن سلم دخول النساء فيه ، فهو عام والأول ~~خاص ، والخاص مقدم عليه ، | وأيضا ففي دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند ~~الأصوليين . # قوله : ' والمتخذين عليها المساجد ' تقدم في الباب قبله شرحه وتعليله . # قوله : ' والسرج ' . هذا دليل على تحريم اتخاذ السرج على القبور . قال ~~أبو محمد | المقدسي : لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله ، لأن فيه ~~تضييعا للمال في غير | فائدة ، وإفراطا في تعظيم القبور ، أشبه تعظيم ~~الأصنام . | PageV01P281 # وقال ابن القيم : اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر . ووجه ~~إيراد المصنف | هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله ، هو أنه لعن ~~المتخذين عليها المساجد والسرج ، | وقرن بينهما ، فهما قرينان في اللعنة ، ~~فدل ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها | لأجل النجاسة ، بل ~~لأجل نجاسة الشرك ، ولذلك قرن بينه وبين من لا سراج عليها ، وليس | النهي ~~عن الإسراج لأجل النجاسة ، فكذلك البناء . # قوله : رواه أهل ' السنن ' يعني هنا أبا داود ، وابن ماجه ، والترمذي فقط ~~، ولم يروه | النسائي . | PageV01P282 | # | ( [ 21 ] باب ms259 ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد ~~) # | ( وسده كل طريق يوصل إلى الشرك ) | الجناب : هو الجانب . واعلم أن في ~~الأبواب المتقدمة شيئا من حمايته صلى الله عليه وسلم لجناب | التوحيد ، ~~ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته الخاصة . ولقد بالغ صلى الله عليه وسلم ، ~~وحذر ، وأنذر وأبدأ | وأعاد ، وخص وعم في حماية الحنيفية السمحة التي بعثه ~~الله بها ، فهي حنيفية في التوحيد . | سمحة في العمل ، كما قال بعض العلماء ~~: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن الشرك ، | وأسمح الشرائع في العمل ~~. # قال : وقوله تعالى : @QB@ لقد جاءكم رسول من أنفسكم @QE@ [ التوبة : 128 ~~] . | ش : قال : ' لقد جاءكم رسول ' هذا خطاب من الله تعالى للعرب في قول ~~الجمهور ، | وهذا على جهة تعديده نعمه عليهم ، إذ جاءهم بلسانهم ، وبما ~~يفهمونه من الأغراض | والفصاحة ، وشرفوا به أبد الآبدين . # وقوله : ' رسول ' ، أي : رسول عظيم أرسله الله إليكم من أنفسكم ، أي : ~~ترجعون معه | إلى نفس واحدة ، لأنه وأنتم من أب قريب ، كما قال تعالى عن ~~إبراهيم عليه السلام أنه قال : | ^ ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا ~~عليهم ءايتك ويعلمهم الكتب والحكمة ويزكيهم إنك أنت | العزيز الحكيم * ) ^ ~~[ البقرة : 129 ] وذلك أقرب وأسرع إلى فهم الحجة ، وأبعد من المحك | ~~واللجاجة ، وهذا يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه من صميم ~~العرب . # قال جعفر بن محمد في قوله : @QB@ من أنفسكم @QE@ قال : لم يصبه شيء من ~~ولادة | الجاهلية . # وقوله : ( عزيز عليه ) أي : شديد عليه جدا ما عنتم ، أي : عنتكم وهو لحاق ~~الأذى | الذي يضيق به الصدر ، ولا يهتدي للمخرج ، وهي هنا لفظ عام أي : ما ~~شق عليكم من | كفر ، وضلال ، وقتل ، وأسر وامتحان ، بسبب الحق ، و ' ما ' ~~مصدرية وهي مبتدأ ، و ' عزيز ' | خبر مقدم ، ويجوز أن يكون ' ما عنتم ' ~~فاعلا ب ' عزيز ' و ' عزيز ' صفة للرسول ، وهذا | أصوب . # وقوله : ( حريص عليكم ) أي : بليغ الحرص عليكم ، أي : على نفعكم وإيمانكم ~~| PageV01P283 | وهداكم والحرص : شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه . # وروى الطبراني بإسناد جيد عن أبي ذر رضي الله ms260 عنه . قال : تركنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وما | طائر يقلب جناحيه في الهوى إلا وهو يذكر لنا ~~منه علما . قال : وقال : ' وما بقي شيء | يقرب من الجنة ، ويباعد من النار ~~، إلا وقد بينه لكم ' . # وروى مسلم في ' صحيحه ' عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' مثلي كمثل رجل | استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش ~~وهذه الدواب التي في النار يقعن فيها ، | وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها ~~قال : ' فذلك مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن | النار . هلم عن النار ، ~~هلم عن النار ، فتغلبونني وتقحمون فيها ' . PageV01P284 # وقوله : ( بالمؤمنين ) أي : لا بغيرهم ، كما يفيده تقديم الجار رؤوف ، أي ~~: بليغ | الشفقة . قال أبو عبيدة : الرأفة أرق الرحمة ( رحيم ) . أي : بليغ ~~الرحمة ، كما هو اللائق | بشريف منصبه ، وعظيم خلقه ، فتأمل هذه الآية وما ~~فيها من أوصافه الكريمة ومحاسنه الجمة | التي تقتضي أن ينصح لأمته ، ويبلغ ~~البلاغ المبين ، ويسد الطرق الموصلة إلى الشرك ، | ويحمي جناب التوحيد غاية ~~الحماية ، ويبالغ أشد المبالغة في ذلك لئلا تقع الأمة في | الشرك ، وأعظم ~~ذلك الفتنة بالقبور ، فإن الغلو فيها هو الذي جر الناس في قديم الزمان | ~~وحديثه إلى الشرك ، لا جرم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، وحمى جناب ~~التوحيد حتى في قبره الذي | هو أشرف القبور ، حتى نهى عن جعله عيدا ، ودعا ~~الله أن لا يجعله وثنا يعبد . # وفي الآية مسائل : منها التنبيه على هذه النعمة العظيمة ، وهي إرسال ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فينا ، | كما قال تعالى : ^ ( لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم ءايته | ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين * ) ^ [ عمران : | 164 ] ~~ومنها كونه منها نعمة أخرى عظيمة . ومنها كونه بهذه الصفات نعم متعددة . ~~ومنها مدح | نسبه صلى الله عليه وسلم ، فهو أشرف العرب بيتا ونسبا . ومنها ~~رأفته بالمؤمنين . ومنها غلظته على الكفار | والمنافقين . # قال : عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا ms261 ~~تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا | قبري عيدا ، وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني حيث كنتم ' ، رواه أبو داود بإسناد حسن . | رواته ثقات . | ش قوله : ~~' لا تجعلوا بيوتكم قبورا ' قال شيخ الإسلام نور الله ضريحه : أي : لا | ~~تعطلوها من الصلاة فيها ، والدعاء ، والقراءة ، فتكون بمنزلة القبور ، فأمر ~~بتحري العبادة في | البيوت ، ونهى عن تحريمها عند القبور ، عكس ما يفعله ~~المشركون من النصارى ، ومن تشبه | بهم . # وفي ' الصحيحين ' عن ابن عمر مرفوعا ' اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ، ولا ~~تتخذوها | قبورا ' . | PageV01P285 # وفي ' صحيح مسلم ' عن ابن عمر مرفوعا ' لا تجعلوا بيوتكم مقابر ، فإن ~~الشيطان يفر | من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه ' وفيه أن الصلاة ~~في المقبرة لا تجوز ، وأن | التطوع في البيت أفضل منه في المسجد . وفي حديث ~~أبي هريرة الذي ذكرنا كراهة القراءة | في المقابر ، وكل هذا إبعاد لأمته عن ~~الشرك . # قوله : ' ولا تجعلوا قبري عيدا ' قال شيخ الإسلام : العيد اسم يعود من ~~الاجتماع | العام على وجه معتاد ، عائدا إما بعود السنة ، أو بعود الأسبوع ~~، أو الشهر ، ونحو ذلك | وتقدم ذلك . # وقال ابن القيم رحمه الله تعالى : العيد ما يعتاد مجيئه وقصده من زمان ~~ومكان ، مأخوذ | من المعاودة والاعتياد ، فإن كان اسما للمكان ، فهو المكان ~~الذي يقصد فيه الاجتماع ، | وانتيابه للعبادة أو لغيرها ، كما أن المسجد ~~الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله | عيدا للحنفاء ومثابة ، ~~كما جعل أيام العيد فيها عيدا ، وكان للمشركين أعياد زمانية ومكانية ، | ~~فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد النحر ~~وأيام منى ، كما | عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ومزدلفة ~~وعرفة والمشاعر . وقال غيره : | هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد ~~قصده وانتيابه ، ونهى أن يجعل كالعيد الذي | إنما يكون في العام مرة أو ~~مرتين ، فكأنه قال : لا تجعلوه كالعيد الذي يكون من الحول إلى | الحول ، ~~واقصدوه كل ساعة وكل وقت . # قال ابن القيم رحمه الله : وهذا مراغمة ومحادة ومناقضة لما قصده الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقلب | للحقائق ، ونسبة الرسول ms262 صلى الله عليه وسلم إلى ~~التلبيس والتدليس بعد التناقض ، فقاتل الله أهل الباطل أنى | يؤفكون . ولا ~~ريب أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته ، وكثرة انتيابه بقوله : لا ~~تجعلوا | عيدا ، فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان ~~، وهكذا غيرت أديان | الرسل ، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان ~~الذابين عنه ، لجرى عليه ما جرى على | الأديان قبله . ولو أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء | ~~مساجد ، ويلعن فاعل ذلك ، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها ، ~~فكيف يأمر | PageV01P286 | بملازمتها والعكوف عندها ، وأن يعتاد قصدها ~~وانتيابها ، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من | الحول إلى الحول ، وكيف يسأل ~~ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد ، وكيف يقول أعلم الخلق | بذلك : ولولا ذلك ~~لأبرز قبره ، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا ، وكيف يقول : لا تجعلوا | قبري عيدا ~~، وصلوا علي حيثما كنتم ؟ ! . وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما | ~~فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف ؟ ! . وهذا أفضل ~~التابعين من أهل | بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما ، نهى ذلك الرجل أن ~~يتحرى الدعاء عند قبره صلى الله عليه وسلم . | واستدل بالحديث وهو الذي ~~رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي رضي الله عنهما ، | وهو أعلم بمعناه ~~من هؤلاء الضلال ، وكذلك ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته ، | كره أن ~~يقصد الرجل القبر إذا لم يكن يريد المسجد ، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا . ~~انتهى . # قلت : وكيف يريد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى وعبر عنه بهذا ~~الكلام ، مع أنه أفصح الخلق | وأنصحهم ، وكان يمكنه أن يقول : أكثروا زيارة ~~قبري ، أو اجعلوه عيدا تعتادون المجيء إليه | والعبادة عنده ؟ ! فظهر بطلان ~~هذا القول . # إذا تبين ذلك ، فمعنى الحديث نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص ، واجتماع ~~| معهود كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص ، في زمان مخصوص وذلك يدل على ~~المنع | في جميع القبور وغيرها ، لأن ms263 قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أفضل قبر على وجه الأرض ، وقد نهى عن | اتخاذه عيدا ، فقبر غيره أولى ~~بالنهي كائنا من كان . قال المصنف : وفيه النهي عن الإكثار من | الزيارة . # قوله : ' وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ' قال شيخ الإسلام : يشير ~~بذلك | إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري ~~وبعدكم ، فلا حاجة | بكم إلى اتخاذه عيدا . انتهى . وقد روى أبو داود عن ~~أبي هريرة مرفوعا ' ما من أحد يسلم | علي ، إلا رد الله علي روحي ، حتى أرد ~~عليه السلام ' وعن أوس بن أوس مرفوعا ' أكثروا | من الصلاة علي يوم الجمعة ~~، وليلة الجمعة ، فإن صلاتكم معروضة علي ' قالوا : يا رسول الله | كيف تعرض ~~صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ قال : ' إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم | ~~الأنبياء ' رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه . فهذه الأحاديث وغيرها ~~تدل على أن # | PageV01P287 | صلاتنا عليه تبلغه سواء عند قبره أو لم نكن ، فلا مزية ~~لمن سلم عليه أو صلى عند قبره ، | كما قال الحسن بن الحسن : ما أنتم ومن ~~بالأندلس إلا سواء . # وأما حديث ' من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي غائبا بلغته ' ~~فرواه | البيهقي وغيره من حديث العلاء بن عمرو الحنفي : حدثنا أبو عبد ~~الرحمن ، عن الأعمش ، | عن أبي صالح ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكره . قال البيهقي : أبو عبد الرحمن هذا ، | هو محمد بن مروان السدي ~~فيما أرى ، وفيه نظر . قلت : محمد بن مروان السدي الصغير | قال فيه يحيى بن ~~معين : ليس بثقة ، وقال الجوزجاني : ذاهب الحديث ، وقال النسائي : | متروك ~~الحديث ، وكذلك قال أبو حاتم الرازي والأزدي . وقال صالح بن محمد : كان يضع ~~| الحديث على أن معناه صحيح معلوم من أحاديث أخر ، كإخباره بسماع الموتى ~~لسلام من | يسلم عليهم إذا مر على قبورهم . | PageV01P288 # فإن قيل : إذا سمع سلام المسلم عليه عند قبره حصلت المزية بسماعة : قيل : ~~هذا لو | حصل الوصول إلى قبره ، أما وقد منع الناس من الوصول ms264 إليه بثلاثة ~~الجدران ، فلا تحصل | مزية ، فسواء سلم عليه عند قبره أو في مسجده إذا دخله ~~، أو في أقصى المشرق والمغرب ، | فالكل يبلغه ، كما وردت به الأحاديث ، ~~وليس في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي | والمسلم بنفسه ، إنما فيها أن ذلك ~~يعرض عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم . ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة | ~~والسلام الذي أمر به الله ، سواء صلى عليه في مسجده أو في مدينته أو في ~~مكان آخر ، فعلم | أن ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه ، وأما من سلم عليه ~~عند قبره فإنه يرد عليه وذلك كالسلام | على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه ~~، ولكن لا يوصل إلى قبره صلى الله عليه وسلم . # قال : وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم | فيدخل فيها فيدعو ؛ فنهاه . وقال : ألا أحدثكم حديثا ~~سمعته من أبي عن جدي من | رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تتخذوا ~~قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا ، فإن تسليمكم يبلغني أين | كنتم رواه في ~~المختارة ' PageV01P289 | ش : هذان الحديثان جيدان ، حسنا الإسنادين . # أما الحديث الأول فرواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ ~~قال : | أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة فذكره . # ورواته ثقات مشاهير ، لكن عبد الله بن نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به ~~. قال ابن | معين : هو ثقة ، وقال أبو زرعة : لا بأس به . وقال أبو حاتم ~~الرازي : ليس بالحافظ تعرف | وتنكر . # قال شيخ الإسلام رحمه الله : ومثال هذا قد يخاف أن يغلط أحيانا ، فإذا ~~كان لحديثه | شواهد علم أنه محفوظ ، وهذا له شواهد متعددة . # وقال الحافظ ابن عبد الهادي : هو حديث حسن جيد الإسناد ، وله شواهد كثيرة ~~يرتقي | بها إلى درجة الصحة . # وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في ' ~~المختارة ' . # قال أبو يعلى : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، ثنا زيد بن الحباب ، ثنا ~~جعفر بن إبراهيم | من ' ولد ' ذي ms265 الجناحين ، ثنا علي بن عمر ، عن أبيه ، عن ~~علي بن حسين فذكره . وعلي بن | عمر : هو علي بن عمر بن علي بن الحسين . # قال شيخ الإسلام : فانظر كيف هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل ~~البيت | الذين لهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار ، ~~لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم ، | فكانوا أضبط . # قلت : وللحديثين شواهد ، منها ما رواه ابن أبي شيبة ، حدثنا أبو خالد ~~الأحمر ، عن | ابن عجلان ، عن سهيل ، عن جبير بن حنين قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لا تتخذوا قبري | عيدا ولا بيوتكم قبورا ، وصلوا ~~علي حيث ما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ' . # وقال سعيد بن منصور : حدثنا عبد العزيز بن محمد ، أخبرني سهيل بن أبي ~~سهيل | قال : أتى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فنادانى وهو ~~في بيت فاطمة | يتعشى فقال : هلم إلى العشاء . فقلت : لا أريده . فقال : ما ~~لي رأيتك عند القبر ؟ فقلت : | سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ~~إذا دخلت المسجد فسلم ، ثم قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : | ~~PageV01P290 | ' لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم مقابر ، وصلوا ~~علي ، فإن صلاتكم تبلغني حيث | ما كنتم ، لعن الله اليهود اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد ' ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء . | ورواه القاضي إسماعيل ~~في كتاب ' فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ' ولم يذكر ما أنتم ومن ~~| بالأندلس إلا سواء . # وقال سعيد : أيضا حدثنا حبان بن علي ، ثنا محمد بن عجلان ، عن أبي سعيد ~~مولى | المهري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا تتخذوا قبري ~~عيدا ، ولا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي | فإن صلاتكم تبلغني ' . # قال شيخ الإسلام : فهذان المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ~~ثبوت | الحديث لا سيما وقد احتج به من أرسله ، وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا ~~لو لم يرو من | وجوه مسندة غير هذين ، فكيف وقد تقدم مسندا . # قوله : ( عن علي بن الحسين ) . أي ms266 : ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين ~~العابدين | رضي الله عنه وهو أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم . قال ~~الزهري : ما رأيت قرشيا | أفضل منه . مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح . ~~وأبوه الحسين سبط النبي صلى الله عليه وسلم | وريحانته ، وحفظ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست | وخمسون سنة ~~. # قوله : ( إنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة ) - هو بضم الفاء وسكون الراء واحدة ~~الفرج - | وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما . # قوله : ( فيدخل فيها فيدعو فنهاه ) إلى آخر الحديث . وهذا يدل على النهي ~~عن قصد | القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها كما تقدم بعض ذلك ، ~~لأن ذلك من اتخاذها | عيدا كما فهمه علي بن الحسين من الحديث . فنهى ذلك ~~الرجل عن المجيء إلى قبر | النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده ، فكيف ~~بقبر غيره . ويدل أيضا على أن قصد الرجل القبر لأجل | السلام إذا لم يكن ~~يريد المسجد من اتخاذه عيدا المنهي عنه ، ولهذا لما رأى الحسن بن | الحسن ~~سهيلا عند القبر نهاه عن ذلك وذكر له الحديث مستدلا به ، وأمر بالسلام عليه ~~عند | دخول المسجد . قال شيخ الإسلام : ما علمت أحدا ، أي : من علماء السلف ~~رخص فيه ، | لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا ، ويدل أيضا على أن قصد القبر ~~للسلام إذا دخل المسجد | ليصلي منهي عنه ، لأن ذلك من اتخاذه عيدا ، وكره ~~مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان | PageV01P291 | المسجد أن يأتي قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، لأن السلف لم يكونوا يفعلون ذلك . قال : ولن ~~يصلح آخر | هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ، بل كان الصحابة والتابعون يأتون ~~إلى مسجده صلى الله عليه وسلم فيصلون | خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي ~~الله عنهم ، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا ، أو خرجوا | ولم يكونوا يأتون القبر ~~للسلام ، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل . # وأما دخولهم عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك أو للصلاة والدعاء فلم ~~يشرعه لهم | بل نهاهم بقوله : ' لا ms267 تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم ~~تبلغني ' فبين أن الصلاة | تصل إليه من بعد وكذلك السلام . ولعن من اتخذ ~~قبور الأنبياء مساجد ، وكانت الحجرة | في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ ~~كانت عائشة فيها ، وبعد ذلك إلى أن بني الحائط | الآخر . وهم مع ذلك التمكن ~~من الوصول إلى قبره لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا | لدعاء لأنفسهم ~~ولا لغيرهم ، ولا لسؤال عن حديث أو علم ، ولا كان الشيطان يطمع فيهم | حتى ~~يسمعهم كلاما أو سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو ~~أنه قد | رد عليهم السلام بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم ، ~~فأضلهم عن قبره | وقبر غيره ، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ~~ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر ، وأنه | يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر ، ~~ويظنون أن نفس أبدان الموتى خرجت تكلمهم ، | وأن روح الميت تجسدت لهم ، ~~فرأوها كما رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج . والمقصود أن | ~~الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره ، كما يفعله من ~~بعدهم من | الخلوف ، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا قدم من ~~سفر ، كما كان ابن عمر | رضي الله عنه يفعل . قال عبيد الله بن عمر عن نافع ~~: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر | النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ~~السلام عليك يا رسول الله ، السلام عليك يا أبا بكر ، السلام عليك يا أبتاه ~~، | ثم ينصرف . # قال عبيد الله : ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ~~إلا ابن عمر . وهذا يدل | على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما ~~يفعله كثير . قال شيخ الإسلام : إن ذلك لم | ينقل عن أحد من الصحابة ، فكان ~~بدعة محضة وفي ' المبسوط ' قال مالك : لا أرى أن يقف | عند قبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولكن ليسلم ويمضي . والحكاية التي رواها القاضي عياض ~~بإسناده عن | مالك في قصته مع المنصور وأنه قال ms268 لمالك : يا أبا عبد الله ~~استقبل القبلة وأدعو أم أستقبل | رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : ~~ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم | القيامة ، بل ~~استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك . فهذه الرواية ضعيفة ، أو موضوعة لأن ~~في | إسنادها من يتهم محمد بن حميد ومن يجهل حاله . | PageV01P292 # ونص أحمد أنه يستقبل القبلة ، ويجعل الحجرة عن يساره لئلا يستدبره وذلك ~~بعد | تحيته والسلام عليه ، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام . وذكر ~~أصحاب مالك أنه يدعو | مستقبلا القبلة يوليه ظهره . وبالجملة فقد اتفق ~~الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر وتنازعوا | هل يستقبله عند السلام ~~عليه أم لا ؟ ومن الحجة في ذلك ما روى ابن زباله وهو في ' أخبار | المدينة ~~' عن عمر بن هارون ، عن سلمة بن وردان وهما ساقطان قال : رأيت أنس بن مالك ~~| يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار القبر ، ثم ~~يدعو . # وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره صلى الله عليه وسلم ، وإلى ~~غيره من القبور | والمشاهد ، لأن ذلك من اتخاذها أعيادا ، بل من أعظم أسباب ~~الإشراك بأصحابها ، كما وقع | من عباد القبور الذين يشدون إليها الرحال ، ~~وينفقون في ذلك الكثير من الأموال ، وليس لهم | مقصود إلا مجرد الزيارة ~~للقبور تبركا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك . وهذه | المسألة التي ~~أفتى فيها شيخ الإسلام أعني من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين ، ~~| ومشاهدهم ونقل فيها اختلاف العلماء في الإباحة والمنع ، فمن مبيح لذلك ~~كأبي حامد | الغزالي وأبي محمد المقدسي ، ومن مانع لذلك كابن بطة وابن عقيل ~~وأبي محمد الجويني | والقاضي عياض ، وهو قول الجمهور نص عليه مالك ولم يكن ~~يخالفه أحد من الأئمة وهو | القاضي عياض ، وهو قول الجمهور نص عليه مالك ~~ولم يكن يخالفه أحد من الأئمة وهو | الصواب . فقام عليه بعض المعاصرين له ~~كالسبكي ونحوه فنسبه إلى إنكار الزيارة مطلقا وهو | لم ينكر منها إلا ما ~~كان بشد رحل ، كما أنكره ms269 جمهور العلماء قبله أو الزيارة التي يكون فيها | ~~دعاء الأموات والاستغاثة بهم في الملمات ، مع ما ينضم إلى ذلك من أنواع ~~المنكرات . # ومما يدل على النهي عن شد الرحال إلى القبور ونحوها ما أخرجاه في ' ~~الصحيحين ' | عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تشد ~~الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، | ومسجدي هذا ، والمسجد ~~الأقصى ' فدخل في ذلك شدها لزيارة القبور والمشاهد فإما أن | يكون نهيا ، ~~وإما أن يكون نفيا للاستحباب . وقد جاء في رواية في ' الصحيح ' بصيغة النهي ~~| صريحا فتعين أن يكون للنهي . ولهذا فهم منه الصحابة المنع ، كما في ' ~~الموطأ ' و ' السنن ' | عن بصرة بن أبي بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة ~~وقد أقبل من الطور : لو أدركتك قبل أن | تخرج إليه لما خرجت سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد | المسجد الحرام ~~، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ' . | PageV01P293 # وروى الإمام أحمد وعمر بن شبة في ' أخبار المدينة ' بإسناد جيد عن قزعة . ~~قال : | أتيت ابن عمر فقلت : إني أريد الطور . فقال : إنما تشد الرحال إلى ~~ثلاثة مساجد : المسجد | الحرام ، ومسجد المدينة ، والمسجد الأقصى ، فدع عنك ~~الطور فلا تأته . # وروى أحمد وعمر بن شبة أيضا عن شهر بن حوشب . قال : سمعت أبا سعيد وذكر | ~~عنده الصلاة في الطور . فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا ~~ينبغي للمطي أن تشد رحالها إلى | مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ~~، ومسجدي هذا ، والمسجد الأقصى ' فأبو | سعيد جعل الطور مما نهي عن شد ~~الرحال إليه ، مع أن اللفظ الذي ذكره إنما فيه النهي عن | شدها إلى المساجد ~~، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى بالنهي والطور إنما يسافر من | ~~يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله تعالى سماه الوادي المقدس والبقعة ~~المباركة ، وكلم الله | PageV01P294 | موسى هناك . وهذا ظاهر لا يخفى على ~~أحد ممن يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه ، وهم | الجمهور والأئمة الأربعة ~~وأتباعهم ولهذا لم يوجبوا على من نذر أن يسافر إلى ms270 أثر نبي من | الأنبياء ~~قبورهم أو غير قبورهم الوفاء بذلك ، بل لو سافر إلى مسجد قباء من بلد بعيد ~~لم | يكن هذا مشروعا باتفاق الأئمة الأربعة ، مع أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يأتيه كل سبت راكبا | وماشيا ، وإن كان في وجوب الوفاء بنذر ~~إتيانه خلاف والجمهور على أنه لا يجب . وقد | صرح مالك وغيره بأن من نذر ~~السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده الصلاة في مسجد | النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وفى نذره ، وإن كان مقصوده مجرد زيارة القبر من غير صلاة في ~~المسجد لم | يف بنذره . قال : لأن النبي صلى الله عليه وسلم . قال : ' لا ~~تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد ' ، ذكره | إسماعيل بن إسحاق في ' المبسوط ~~' ومعناه في ' المدونة ' و ' الجلاب ' وغيرهما من كتب | أصحاب مالك . # وبالجملة فقد تنازع العلماء في شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة ، ~~فالجمهور على | المنع ، وطائفة من المتأخرين على الجواز ، فاستحباب شد ~~الرحال إلى القبور والمشاهد | والتقرب به إلى الله كما ظنه السبكي وغيره ، ~~قول مبتدع مخالف للإجماع قبله ، والأحاديث | التي احتج بها كحديث ' من ~~زارني بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي ' ونحوها لا يصح | PageV01P295 | ~~منها شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا عن أحد من أصحابه ألبتة ، ~~بل هي ما بين ضعيف | وموضوع ، أو كلها موضوعة كما قد بين عللها شيخ الإسلام ~~وغيره . وكثير منها لا يدل على | محل النزاع إذ ليس فيه إلا مطلق الزيارة . ~~وذلك لا ينكره شيخ الإسلام ولا غيره من العلماء ، | لأنه محمول على الزيارة ~~الشرعية الجارية على وفق مراد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي التي لا يكون ~~فيها | شرك ولا شد رحل إلى قبر ، وبتقدير ثبوتها لا تدل على شد الرحال إلى ~~قبر غيره ، والسبكي | أجاز ذلك في سائر القبور فخالف الأحاديث وخرق الإجماع ~~، والله أعلم . # قال المصنف : وفيه أنه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض عليه أعمال ~~أمته في الصلاة والسلام . # قوله : ( رواه في ' المختارة ' ) المختارة : كتاب جمع فيه ms271 مؤلفه الأحاديث ~~الجياد الزائدة | على ' الصحيحين ' ومؤلفه هو [ أبو عبد الله ] محمد بن عبد ~~الواحد المقدسي الحافظ ضياء | الدين الحنبلي ، أحد أعلام الإسلام وحفاظ ~~الحديث . قال الذهبي أفنى عمره في هذا الشأن | مع الدين المتين والورع ~~والفضيلة التامة والثقة والاتقان ، انتفع الناس بتصانيفه والمحدثون | بكتبه ~~فالله يرحمه ويرضى عنه . وقال شيخ الإسلام : ( تصحيحه في ' مختاراته ' خير ~~من | تصحيح الحاكم بلا ريب ) . مات سنة ثلاث وأربعين وستمائة . | ~~PageV01P296 | # | ( [ 22 ] باب : ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون الأوثان ) # ش : أراد المصنف بهذه الترجمة الرد على عباد القبور ، الذين يفعلون الشرك ~~ويقولون : | إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون : لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله . فبين في | هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة ورجوع | كثير منها ~~إلى عبادة الأوثان ، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من ~~خذلهم | حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى . # قال : وقوله تعالى : ^ ( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون ~~بالجبت | والطغوت ) ^ [ النساء : 51 ] # ش : يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم @QB@ ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا @QE@ . أي : أعطوا نصيبا أي : | حظا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت . روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : لما قدم | كعب بن الأشرف مكة ~~قالت قريش : ألا ترى إلى هذا الصنبور المنبتر من قومه ، يزعم أنه | خير منا ~~ونحن أهل الحجيج ، أهل السدنة وأهل السقاية قال : أنتم خير ، قال فنزلت ~~فيهم : | @QB@ إن شانئك هو الأبتر @QE@ [ الكوثر : 4 ] ونزل ( ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت ويقولون للذين كفروا ~~هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا | سبيلا * أؤلئك الذين لعنهم الله ومن يلعن ~~الله فلن تجد له نصيرا * ) وروى ابن أبي حاتم | عن عكرمة قال : جاء حيي بن ~~أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة فقالوا لهم : أنتم أهل | الكتاب ، وأهل ~~العلم فأخبرونا عنا وعن محمد فقال : ما أنتم وما ms272 محمد ؟ فقالوا : نحن نصل | ~~الأرحام ، وننحر الكوماء ، ونسقي الماء على اللبن ، ونفك العناة ، ونسقي ~~الحجيج ، ومحمد | صنبور قطع أرحامنا ، واتبعه سراق الحجيج من غفار . فنحن ~~خير أم هو ؟ فقالوا : أنتم خير | وأهدى سبيلا فأنزل الله ( ألم تر إلى ~~الذين أوتوا نصيبا من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت | PageV01P297 | ويقولون ~~للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ءامنوا | سبيلا * ) [ النساء : 51 ] . # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الجبت : السحر ، والطاغوت : الشيطان . ~~وكذلك | قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم . # وعن ابن عباس وعكرمة وأبي مالك : ( الجبت : الشيطان - زاد ابن عباس : ~~بالحبشية . | وعن ابن عباس أيضا الجبت : ' الشرك ' . وعنه : ' الجبت : ~~الأصنام ' . وعنه : ' الجبت : | حيي بن أخطب . # وعن الشعبي : الجبت : الكاهن . # وعن مجاهد : ' الجبت : كعب بن الأشرف ' . # قلت : الظاهر أنه يعم ذلك كله كما قال الجوهري : الجبت : كلمة تقع على ~~الصنم | والكاهن والساحر ونحو ذلك . وفي الحديث ' الطيرة والعيافة والطرق ~~من الجبت ' قال : | وهذا ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في حرف ~~واحد من غير حرف | ذولقي . قال المصنف : وفيه معرفة الإيمان بالجبت ~~والطاغوت في الموضع ، هل هو | اعتقاد قلب ، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ~~ومعرفة بطلانها ؟ وأما الطاغوت فتقدم الكلام | عليه في أول الكتاب . # قال : وقوله تعالى ^ ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه ~~الله وغضب عليه | وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطغوت ) ^ [ المائدة : ~~60 ] . # ش : يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد لهؤلاء الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا | من أهل الكتاب ، الطاعنين في دينكم الذي هو ~~توحيد الله وإفراده بالعبادة ، دون ما سواه @QB@ قل هل أنبئكم بشر من ذلك ~~مثوبة عند الله @QE@ أي : هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما | ~~تظنونه بنا ، هم أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله : ~~من لعنه الله ، | أي : أبعده وطرده من رحمته وغضب عليه ، أي : غضبا لا يرضى ~~بعده ، وجعل منهم القردة | والخنازير ، أي : مسخ منهم الذين عصوا أمره ، ~~فجعلهم قردة وخنازير كما ms273 قال تعالى : ^ ( ولقد | علمتم الذين اعتدوا منكم ~~في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خسئين * ) ^ [ البقرة : 65 ] وذلك أن | ~~PageV01P298 | الله تعالى أخذ عليهم تعظيم السبت ، والقيام بأمره ، وترك ~~الاصطياد فيه ، وكانت الحيتان لا | تأتيهم إلا يوم السبت فتحيلوا اصطيادها ~~فيه بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك | قبل يوم السبت ، فلما جاءت ~~الحيتان يوم السبت على عادتها نشبت تلك الحبائل فلم تخلص | منها يومها ذلك ~~، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت ، فلما فعلوا ذلك مسخهم الله | ~~تعالى إلى صورة القردة ، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست ~~بإنسان حقيقة ، | فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم كانت مشابهة للحق في الظاهر ~~ومخالفة له في الباطن ، فكان | جزاؤهم من جنس عملهم ، قال العوفي عن ابن ~~عباس في قوله : ^ ( فقلنا لهم كونوا قردة | خسئين ) ^ [ البقرة : 65 ] فجعل ~~الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة | والمشيخة ~~صاروا خنازير . # وروى مسلم في ' صحيحه ' عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن القردة | والخنازير أهي مما مسخ الله ؟ فقال : إن الله لم يهلك ~~قوما أو قال : لم يمسخ قوما فيجعل | الله لهم نسلا ولا عاقبة ، وأن القردة ~~والخنازير كانت قبل ذلك . # وفي هذه القصة دليل قاطع على تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل ~~الحرام | وتحريم الحلال ونحو ذلك . # وقوله : وعبد الطاغوت . قال شيخ الإسلام : الصواب أنه معطوف على قوله : ~~@QB@ من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير @QE@ [ المائدة : ~~60 ] فهو فعل ماض معطوف على ما | قبله من الأفعال الماضية ؛ أي : من لعنه ~~الله ومن غضب عليه ، ومن جعل منهم القردة | والخنازير ، ومن عبد الطاغوت . ~~لكن الأفعال المقدمة الفاعل فيها هو اسم الله مظهرا | ومضمرا ، وهنا الفاعل ~~اسم من عبد الطاغوت ، وهو الضمير في ' عبد ' . ولم يعد سبحانه | لفظ ' من ' ~~لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد وهم اليهود . # قال : وقوله : @QB@ قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا @QE@ [ ~~الكهف : 21 ] . # ش : يخبر تعالى عن الذين غلبوا على ms274 أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه ~~المقالة | لنتخذن عليهم مسجدا . وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين ~~، أحدهما : أنهم | المسلمون . والثاني : أنهم المشركون . وعلى القولين فهم ~~مذمومون لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : | ' لعن الله اليهود والنصارى ~~اتخذوا قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ' يحذر ما فعلوا . رواه | البخاري ~~ومسلم . ولما يفضي إليه ذلك من الإشراك بأصحابها كما هو الواقع . ولهذا لما ~~| فعلته اليهود والنصارى جرهم ذلك إلى الشرك ، فدل ذلك على أن هذه الأمة ~~تفعله كما | PageV01P299 | فعلته اليهود والنصارى ، فيجرها ذلك إلى الشرك ، ~~لأن ما فعلته اليهود والنصارى ستفعله هذه | الأمة شبرا بشبر وذراعا بذراع ، ~~كما أخبر بذلك الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى ، | إن هو إلا وحي ~~يوحى وبهذا يظهر وجه استشهاد المصنف بهذه الآيات . # قال عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة | حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ' قالوا : يا ~~رسول الله ! اليهود والنصارى ؟ قال : ' فمن ' ؟ ! | أخرجاه . # ش : هذا الحديث أورده المصنف بهذا اللفظ معزوا ' للصحيحين ' ولعله نقله ~~عن غيره | ولفظهما ، والسياق لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لتتبعن سنن من | كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع ~~حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم ' قلنا : يا رسول الله | اليهود والنصارى ؟ ~~قال : ' فمن ' ؟ ! . ويحتمل أن يكون مرويا عند غيرهما باللفظ الذي ذكره | ~~المصنف وأراد أصله لا لفظه . # قوله : ( لتتبعن ) هو بضم العين وتشديد النون . # قوله : ( سنن ) . بفتح المهملة ، أي : طريق من كان قبلكم . أي : الذين ~~قبلكم قال | المهلب : الفتح أولى ، وقال ابن التين : قرأناه بضمها . # قوله : ( حذو القذة بالقذة ) هو بنصب حذو على المصدر ، والقذة - بضم ~~القاف - واحدة | القذذ وهي ريش السهم ، وله قذتان متساويان ، أي : لتفعلن ~~أفعالهم ، ولتتبعن طرائقهم حتى | تشبهوهم وتحاذوهم ، كما تشبه قذة السهم ~~القذة الأخرى ، ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي | عن متابعتهم ، ومنعهم من ~~الالتفات لغير دين الإسلام ، لأن نوره قد بهر ms275 الأنوار وشريعته | نسخت ~~الشرائع ، وهذا من معجزاته ، فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى ~~وفارس | في شيمهم ومراكبهم وملابسهم ، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب ~~والعادات من زخرفة | المساجد ، وتعظيم القبور واتخاذها مساجد ، حتى عبدوها ~~ومن فيها من دون الله ، وإقامة | الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون ~~الأقوياء ، وترك العمل يوم الجمعة ، والتسليم | بالأصابع ، وعدم عيادة ~~المريض يوم السبت ، والسرور بخميس البيض ، وأن الحائض لا | تسم عجينا ، ~~واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله ، والإعراض عن كتاب الله ، | ~~PageV01P300 | والإقبال على كتب الضلال من السحر والفلسفة والكلام والتكذيب ~~بصفات الله التي وصف | الله بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ~~، ووصفه بما لا يليق به من النقائص والعيوب إلى غير | ذلك مما اتبعوا فيه ~~اليهود والنصارى . # قوله : ( حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه ) الجحر - بضم الجيم بعدها حاء ~~مهملة - | معروف . وفي حديث آخر : ' حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية ~~لكان في أمتي من يصنع | ذلك ' وفي حديث آخر ' حتى لو أن أحدهم جامع امرأته ~~في الطريق لفعلتموه ' صحت | بذلك الأحاديث ، فأخبر أن أمته ستفعل ما فعلته ~~اليهود والنصارى وفارس من الأديان | والعادات والاختلاف . # قال شيخ الإسلام : هذا خرج مخرج الخبر والذي لمن يفعله كما كان يخبر عما ~~يكون | بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة . وقال غيره : وجمع ذلك ~~أن كفر اليهود أشد | من جهة عدم العمل بعملهم فهم يعلمون الحق ولا يتبعونه ~~عملا ولا قولا ، وكفر النصارى | من جهة عملهم بلا علم ، فهم يجتهدون في ~~أصناف العبادات بلا شريعة من الله ، ويقولون | ما لا يعلمون ، ففي هذه ~~الأمة من يحذو حذو الفريقين . ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة | يقولون : ~~من فسد من علمائنا ، ففيه شبه من اليهود ، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من | ~~النصارى ، وقضاء الله نافذ بما أخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق ~~في عمله ، لكن ليس الحديث | إخبارا عن جميع الأمة لما تواتر عنه أنها لا ~~تجتمع على ضلالة . # قوله ms276 : ( قالوا : يا رسول الله اليهود والنصارى ؟ قال : فمن ؟ ) هو برفع ~~اليهود خبر مبتدأ | محذوف ، أي : أهم اليهود والنصارى الذين تتبع سنتهم ؟ ~~وقوله : قال : ' فمن ' استفهام | إنكار ، أي فمن هم غير أولئك ؟ ثم إنه فسر ~~هنا باليهود والنصارى ، وفي رواية أبي هريرة | في البخاري بفارس والروم ولا ~~تعارض ، كما قال بعضهم لاختلاف الجواب بحسب | اختلاف المقام ، فحيث قيل : ~~فارس والروم كان ثم قرينة تتعلق بالحكم بين الناس ، وسياسة | الرعية ، وحيث ~~قيل : اليهود والنصارى كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات ، أصولها | ~~وفروعها كذا قال . ولا يلزم وجود قرينة ، بل الظاهر أنه أخبر أن هذه الأمة ~~ستفعل ما فعلته | الأمم قبلها من الديانات والعادات والسياسات مطلقا ، ~~والتفسير ببعض الأمم لا ينفي التفسير | بأمة أخرى ، إذ المقصود التمثيل لا ~~الحصر . ووجه مطابقة الحديث للترجمة واضح لأن الأمم | PageV01P301 | قبلنا ~~وجد فيها الشرك ، فكذلك يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع . # قال : ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ~~زوى لي الأرض فرأيت مشارقها | ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي ~~منها ، وأعطيت الكنزين : الأحمر والأبيض ، | وإني سألت ربي لأمتي أن لا ~~يهلكها بسنة بعامة ، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم | فيستبيح بيضتهم ~~، وإن ربي قال : يا محمد [ إني ] إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ، وإني أعطيتك ~~| لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة ، [ وأن ] لا أسلط عليهم عدوا من سوى ~~أنفسهم [ يستبيح ] | بيضتهم ، ولو اجتمع عليهم من [ بأقطارها ] حتى يكون ~~بعضهم يهلك بعضا ، ويسبي بعضهم | بعضا . ورواه البرقاني في ' صحيحه ' وزاد ~~: ' وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ، وإذا | [ وضع ] عليهم السيف لم ~~يرفع [ عنها ] إلى يوم القيامة ، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من | أمتي ~~بالمشركين ، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ، وإنه سيكون في أمتي كذابون ~~ثلاثون | كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي ، ولا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق | منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله ~~تبارك وتعالى . # ش : هذا ms277 الحديث رواه أبو داود في ' سننه ' وابن ماجه بالزيادة التي ذكرها ~~المصنف ، | ورواه الترمذي مختصرا ببعضها . # قوله : ( عن ثوبان ) . هو ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحبه ~~ولازمه ونزل بعده الشام ، ومات | بحمص سنة أربع وخمسين . # قوله : ( زوى لي الأرض ) . قال التوربشتي : زويت الشيء جمعته وقبضته ، ~~يريد به | تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب . وحاصله أن ~~الله طوى له الأرض | وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره . وقال القرطبي : ~~أي جمعها لي حتى أبصرت ما | تملك أمتي من أقصى المشارق والمغارب منها ، ~~وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى | إدراك بصره ، ورفع عنه الموانع ~~المعتادة فأدرك البعيد من موضعه كما أدرك بيت المقدس من | PageV01P302 | ~~مكة ، وأخذ يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه وكما قال : ' إني لأبصر قصر ~~المدائن | الأبيض ' ويحتمل أن يكون مثلها الله له ، والأول أولى . # قوله : ' وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ' قال القرطبي : هذا الخبر ~~وجد مخبره | كما قاله ، فكان ذلك من دلائل نبوته ، وذلك أن ملك أمته اتسع ~~إلى أن بلغ أقصى بحر | طنجة ، بالنون والجيم الذي هو منتهى عمارة المغرب ~~وإلى أقصى المشرق ، ما وراء | خراسان والنهر ، وكثير من بلاد الهند والسند ~~والصغد . ولم يتسع ذلك الاتساع من جهة | الجنوب والشمال ، ولذلك لم يفكر ~~عليه السلام أنه أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه . # وقوله : زوى ، يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل ، وأن يكون مبنيا للمفعول ~~والأول أظهر . # قوله : ( وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض ) . قال القرطبي : يعني بهما كنز ~~كسرى وهو | ملك الفرس ، وكنز قيصر وهو ملك الروم ، وقصورهما وبلادهما . وقد ~~دل على ذلك قوله | عليه السلام حين أخبر عن هلاكهما ' والذي نفسي بيده ~~لتنفقن كنوزهما في سبيل الله ' | PageV01P303 | وعبر بالأحمر عن كنز قيصر ، ~~لأن الغالب عندهم كان الذهب ، وبالأبيض عن كنز كسرى لأن | الغالب عندهم كان ~~الجوهر والفضة . وقد ظهر ذلك ووجد كذلك في زمان الفتوح في إمارة | عمر رضي ~~الله عنه - فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته ، وما ms278 كان في بيوت أمواله وجميع ~~ما | حوته مملكته على سعتها وعظمتها ، وكذلك فعل الله بقيصر لما فتحت بلاده ~~. كذا قال في | الغالب على كنوز كسرى وقيصر وعكس ذلك التوربشتي والخلخالي . ~~والأبيض والأحمر | منصوبان على البدل . # قوله : ' وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة ' هكذا ثبت في أصل ~~المصنف | بعامة بالباء وهي رواية صحيحة في أصل ' مسلم ' وفي بعض أصوله بسنة ~~عامة بحذفها . قال | القرطبي : وكأنها زائدة لأن عامة صفة لسنة فكأنه قال : ~~بسنة عامة . ويعني بالسنة : الجدب | العام الذي يكون به الهلاك العام ، ~~ويسمى الجدب والقحط سنة ويجمع على سنين كما قال | تعالى : ^ ( ولقد أخذنا ~~ءال فرعون بالسنين ) ^ [ الأعراف : 130 ] أي : بالجدب المتوالي . # قوله : ( من سوى أنفسهم ) . أي : من غيرهم يعني الكفار . # قوله : ( فيستبيح بيضتهم ) . قال الجوهري : بيضة كل شيء : حوزته ، وبيضة ~~القوم : | ساحتهم ، وعلى هذا فيكون معنى الحديث : أن الله تعالى لا يسلط ~~العدو على كافة | المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض ، ~~ولو اجتمع عليهم كل من بين | أقطار الأرض ، وهو جوانبها . وقيل : بيضتهم ~~معظمهم وجماعتهم . قلت : وهذا هو | الظاهر ، وأن الله تعالى لا يسلط الكفار ~~على معظم المسلمين وجماعتهم وإمامهم ما داموا | بضد هذه الأوصاف المذكورة ~~في قوله ، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا . فأما إذا وجدت | هذه الأوصاف ، فقد ~~يسلط الكفار على جماعتهم ومعظمهم وإمامهم كما وقع . # قوله : ( وإن ربي قال : يا محمد [ إني ] إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ) . ~~قال بعضهم : أي : | إذا حكمت حكما مبرما فإنه نافذ لا يرد بشيء ، ولا يقدر ~~أحد على رده ، بل كل جميع الخلق | تمضي عليهم الأقدار طوعا وكرها كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا راد لما قضيت ' قلت : الظاهر | ~~PageV01P304 | أنه سواء في ذلك المبرم والمعلق ، فالكل لا يرد فإن هذا ~~إخبار عن عدم الرد لجنس القضاء ، | والنبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك ~~مطلقا فأجيب بهذا واستجاب له دعاءه ما لم يوجد الشرط المقتضي | لتسليط ~~العدو ، فإذا وجد ذلك وجد القضاء المعلق . # قوله ms279 : ( حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ) إلى آخره . أي : حتى يوجد ذلك منهم ~~فإن | وجد فإنه يسلط عليهم عدوهم من الكفار ، فيستبيح جماعتهم وإمامهم ~~ومعظمهم لا كل | الأمة ، ثم أيضا تكون العاقبة لهذه الأمة إن رجعوا عما هم ~~فيه من الأسباب الموجبة | للتسليط ، وكذلك وقع فإن هذه الأمة لما جعل بأسها ~~بينها اقتتلوا فأهلك بعضهم بعضا . | وسبى بعضهم بعضا ، | فلما فعلوا ذلك ~~تفرقت جماعتهم ، واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد | العدو ، واستولوا عليهم ، كما ~~وقع ذلك في المائة السابعة في المشرق والمغرب ، فاختلفت | ملوك المشرق ~~وتخاذلوا ، واستولى التتار على غالب أرض خراسان ، وعلى العراق وديار | ~~الروم ، وقتلوا الخليفة والعلماء والملوك الكبار ، وكذلك ملوك المغرب ~~اختلفوا وتخاذلوا ، | واستولت الإفرنج على جميع بلاد الأندلس ، والجزر ~~القريبة منها ، فهي في أيديهم إلى | اليوم ، بل استولوا على كثير من بلدان ~~الشام حتى استنقذها منهم صلاح الدين بن أيوب | وغيره . # قوله : ( ورواه البرقاني في ' صحيحه ' ) . البرقاني هو الحافظ الكبير أبو ~~بكر محمد بن | أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي ، ولد سنة ست وثلاثين ~~وثلاثمائة ، ومات سنة خمس | وعشرين وأربع مائة . قال الخطيب : كان ثبتا ~~ورعا ، لم نر في شيوخنا أثبت منه ، عارفا | بالفقه كثير التصنيف ، صنف ~~مسندا ضمنه ما اشتمل عليه ' الصحيحان ' وجمع حديث | الثوري ، وحديث شعبة ، ~~وطائفة وكان حريصا على العلم منصرف الهمة إليه ، قلت : وهذا | ' المسند ' ~~الذي ذكره الخطيب هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف . # قوله : ' وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ' . أي : الأمراء والعلماء ~~والعباد ، الذين | يقتدي بهم الناس ، ويحكمون فيهم بغير علم فيضلون ويضلون ~~، فهم ضالون عن الحق | مضلون لغيرهم ، كما قال تعالى عن أهل النار : ^ ( ~~حتى إذا اداركوا فيها قالت أخراهم | لأولهم ربنا هؤلاء أضلونا فئاتهم عذابا ~~ضعفا من النار ) ^ [ الأعراف : 38 ] وقال تعالى : @QB@ ربنا إنا أطعنا ~~سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا @QE@ [ الأحزاب : 67 ] وقال تعالى : ^ ( ~~قل هل ننبئكم | بالأخسرين أعملا * الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم ~~يحسبون أنهم يحسنون صنعا ) ^ [ الكهف : | 103 - 104 ] ولشدة الضرورة إلى ~~اتباع أئمة الهدى ومعرفتهم ، والتفريق بينهم ms280 وبين أئمة | الضلال المغضوب ~~عليهم والضالين ، أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى سلوك صراط أئمة الهدى # PageV01P305 | وهم المنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ~~، غير المغضوب عليهم الذين | يعلمون الحق ولا يعملون به ، ولا الضالين ~~الذين يعملون على غير شرع من الله ، بل بما | تهوى أنفسهم . فصراط المنعم ~~عليهم هو الجامع بين العلم بالهدى والعمل به ، وقد وصف | النبي صلى الله ~~عليه وسلم أئمة الهدى لما ذكر التفرق من بعده ، بأنهم الذين كانوا على ما ~~كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم | وأصحابه ، كما رواه أبو داود وغيره . ~~فمن كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو من | الأئمة ~~المهديين ، ومن خالفهم فهو من الضالين ، كالذي يقول لأصحابه من كانت له ~~حاجة | فليأت إلى قبري فإني أقضيها له ، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ~~ذراع من تراب ، أو | نحو هذا كالذي يدعي أنه يخلص أصحابه ومريديه من النار ~~، وأنه يحفظ الناس ويكلأهم إذا | اعتقدوه ، ويضر بهم إذا كفروا به وحاربوه ~~، ويدعي أن ذلك من كراماته . كالذي يمشي في | الأسواق عريانا ، ولا يشهد ~~بصلاة ولا ذكر الله ولا علما ، بل يعيب علماء الشرع ، ويغمزهم | ويسميهم ~~أهل علم الظاهر ، ويدعي أنه صاحب علم الباطن ، وربما يدعي أنه يسعه الخروج ~~| من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى ~~عليه السلام ، ونحو ذلك | من الكفر والهذيان . وكالذي يدعي أن العبد يصل مع ~~الله إلى حال تسقط عنه التكاليف ، أو | يدعي أن الأولياء يدعون ، ويستغاث ~~بهم في حياتهم ومماتهم ، وأنهم ينفعون ويضرون | ويدبرون الأمور على سبيل ~~الكرامة ، أو أنه يطلع على اللوح المحفوظ ، ويعلم أسرار الناس | وما في ~~ضمائرهم ، أو يجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء والصالحين ، وإيقادها ~~بالسرج | والشموع ، وكسوتها بالحرير والديباج ، والفرش النفيسة ، أو يدعي ~~أن من عمل بالقرآن | والسنة في أصول الدين وفروعه ، فقد ضل وأضل وابتدع ، ~~أو أن ظواهر القرآن في آيات | الصفات تشبيه وتمثيل ، وأن الهدى لا يؤخذ منه ms281 ~~في هذا الباب ولا في غيره ، وإنما يؤخذ | من الشبهات الوهمية التي يسميها ~~بزعمه براهين عقلية . فكل هؤلاء وأشباههم من أئمة | الضلال الذين خاف النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أمته وحذر منهم . # والضابط في الفرق بين أئمة المتقين وبين الأئمة المضلين قوله تعالى : ^ ( ~~قل إن كنت | تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور ~~رحيم * قل أطيعوا الله والرسول | فإن تولوا فإن الله لا يحب الكفرين * ) ^ ~~[ آل عمران : 31 - 32 ] فافهم عن ربك وكن على | بصيرة ، ولا يغرك جلالة شخص ~~أو عظمته في النفوس ، فربك أعظم واتباعك لكلامه وكلام | رسوله صلى الله ~~عليه وسلم هو الفرض ، والعصمة منتفية عن غير الرسول ، وربك أدرى بما في ~~الضمائر ، | فرب من تعتقده إمام هدى ليس كذلك ، وقد قال تعالى لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم : ^ ( ثم جعلنك على شريعة | من الأمر فاتبعها ولا تتبع ~~أهواء الذين لا يعلمون * ) ^ [ الجاثية : 18 ] فكل من أتى بشيء | يخالف ما ~~جاء عن الله وعن رسوله ، فهو من أهواء الذين لا يعلمون ، ومن لم يستجب | ~~للرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنما يتبع هواه . قال الله تعالى : ^ ( فإن ~~لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون | PageV01P306 | أهوآءهم ومن أضل ممن ~~اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظلمين * ) ^ | [ القصص ~~: 50 ] وقال تعالى : ^ ( اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ما | تذكرون * ) ^ [ الأعراف : 3 ] وعن زياد بن حدير قال : ~~قال لي عمر : هل تعرف ما يهدم | الإسلام ؟ قلت : لا . قال : يهدمه زلة ~~العالم ، وجدال المنافق بالكتاب ، وحكم الأئمة | المضلين . رواه الدارمي . # وقال يزيد بن عميرة : كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين ~~يجلس : | الله حكم قسط هلك المرتابون . . . الحديث . وفيه : واحذروا زيغة ~~الحكيم ، فإن الشيطان قد | يقول الضلالة على لسان الحكيم ، وقد يقول ~~المنافق كلمة الحق . قلت لمعاذ : ما يدريني | رحمك الله أن الحكيم قد يقول ~~كلمة الضلالة ، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق ؟ قال لي : | اجتنب ms282 من كلام ~~الحكيم المشتبهات التي يقال : ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه ، فإنه لعله يراجع ~~| الحق ، وتلق الحق إذا سمعته فإن على الحق نورا . رواه أبو داود وغيره وما ~~أحسن ما قال | ابن المبارك رضي الله عنه . | # % وهل أفسد الدين إلا الملوك % % وأحبار سوء ورهبانها % # قوله : ( وإذا وضع عليهم السيف لم يرفع عنها إلى يوم القيامة ) . أي : ~~إذا وقعت الفتنة | والقتال بينهم بقي إلى يوم القيامة ، وكذلك وقع ، فإن ~~السيف لما وضع فيهم بقتل عثمان | رضي الله عنه لم يرتفع إلى اليوم ، وكذلك ~~يكون إلى يوم القيامة ، ولكن يكثر تارة ويقل | أخرى ، ويكون في جهة ويرتفع ~~عن أخرى . # قوله : ( ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ) . الحي واحد ~~الأحياء ، | وهي القبائل . وفي رواية أبي داود : ' ولا تقوم الساعة حتى ~~يلحق قبائل من أمتي بالمشركين ' | والمعنى : أنهم ينزلون معهم في ديارهم ، ~~ويصيرون منهم بالردة ونحوها . # قوله : ( وحين تعبد فئام من أمتي الأوثان ) . الفئام - مهموز - الجماعات ~~الكثيرة ، قاله | أبو السعادات ، وفي رواية أبي داود : ' وحتى تعبد قبائل ~~من أمتي الأوثان ' ومعناه ظاهر . | PageV01P307 | وهذا هو شاهد الترجمة ، ~~ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الذين ينكرون وقوع | الشرك ، ~~وعبادة الأوثان في هذه الأمة . وفي معنى هذا ما في ' الصحيحين ' عن أبي ~~هريرة | مرفوعا : ' لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات لنساء دوس على ذي ~~الخلصة ' قال : وذو | الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في الجاهلية . ~~وروى ابن حبان عن معمر قال : إن ن | عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا . وفي ' ~~صحيح مسلم ' عن عائشة مرفوعا : ' لا يذهب الليل | والنهار حتى تعبد اللات ~~والعزى ' . وقيل : إن القبر المنسوب إلى ابن عباس بالطائف إنه | قبر اللات ~~، وكانوا يعبدونه ، ويطوفون به ويقربون إليه القرابين وينذرون له النذور ~~ويسألونه | قضاء حاجتهم وتفريج كربتهم . # قوله : ( وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ، كلهم يزعم أنه نبي ) . قال ~~القرطبي : وقد | جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' يكون في أمتي كذابون ms283 | دجالون سبع وعشرون ، منهم أربع ~~نسوة ' أخرجه أبو نعيم وقال : هذا حديث غريب تفرد به | [ معاذ ] بن هشام . ~~قلت : حديث ثوبان أصح من هذا . قال القاضي عياض : عدد من تنبأ | من زمن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الآن ممن اشتهر بذلك ، وعرف واتبعه جماعة ~~على ضلالته ، | فوجد هذا العدد فيهم ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف ~~صحة هذا . # وقال الحافظ : قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ~~مسيلمة الكذاب | باليمامة ، والأسود العنسي باليمن ، ثم خرج في خلافة أبي ~~بكر طليحة بن خويلد في بني | PageV01P308 | أسد بن خزيمة ، وسجاح التميمية ~~في بني تميم ، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم ، وقتل | ~~مسيلمة الكذاب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه ، وتاب طليحة ومات على ~~الإسلام على | الصحيح في زمن عمر رضي الله عنه . ويقال : إن سجاح تابت أيضا ~~. # ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن ~~الزبير | فأظهر محبة أهل البيت ، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين ، فاتبعهم ~~فقتل كثيرا ممن باشر | ذلك ، أو أعان عليه فأحبه الناس ، ثم إنه زين له ~~الشيطان أن يدعي النبوة ، وزعم أن جبريل | عليه السلام يأتيه . # ومنهم الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل ، وخرج في ~~خلافة | بني العباس جماعة . وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا ~~فإنهم لا يحصون كثرة | لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء ، وإنما المراد ~~من قامت له شوكة ، وبدت له شبهة ، | كمن وصفنا ، وقد أهلك الله تعالى من ~~وقع له منهم ذلك ، وبقي منهم من يلحقه بأصحابه | وآخرهم الدجال الأكبر . # قوله : ( وأنا خاتم النبيين ) . الخاتم - بفتح التاء - بمعنى الطابع ، ~~وبكسرها بمعنى فاعل | الطبع والختم . قال الحسن : خاتم الذي ختم به ، أي : ~~آخر النبيين ، كما قال تعالى : ^ ( ما كان | محمد أبا أحد من رجالكم ولكن ~~رسول الله وخاتم النبين ) ^ [ الأحزاب : 40 ] وإنما ينزل | عيسى بن مريم ~~عليه السلام في آخر الزمان ms284 حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، مصليا ~~إلى قبلته ، فهو | كآحاد أمته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' والذي ~~نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما مقسطا ، | فليكسرن الصليب ، وليقتلن ~~الخنزير ، وليضعن الجزية ' . # قوله ( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~| خالفهم ) . قال يزيد بن هارون ، وأحمد بن حنبل : إن لم يكونوا أهل الحديث ~~فلا أدري من | هم . وكذلك قال : إنهم أهل الحديث عبد الله بن المبارك ، ~~وعلي بن المديني ، وأحمد بن | سنان والبخاري وغيرهم . وقال المديني في ~~رواية : هم العرب ، واستدل برواية من روى هم | أهل العرب ، وفسر العرب ~~بالدلو العظيمة ، لأن العرب هم الذين يستقون بها . قلت : ولا | تعارض بين ~~القولين ، إذ يمتنع أن تكون الطائفة المنصورة لا تعرف الحديث ، ولا سنن | ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يكون منصورا على الحق إلا من عمل بكتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم | PageV01P309 | أهل الحديث من ~~العرب وغيرهم ، فإن قيل : فلم خصصه بالعرب ؟ قيل : المراد التمثيل لا | ~~الحصر ، أي : أن العرب إن استقاموا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى ~~الله عليه وسلم ، فهم الطائفة | المنصورة حال استقامتهم . قال القرطبي : ~~وفيه دليل على أن الإجماع حجة ، لأن الأمة إذا | أجمعت فقد دخل فيهم ~~الطائفة المنصورة . وقال المصنف : وفيه الآية العظيمة أنهم مع | قلتهم لا ~~يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم . والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال ~~| فيما مضى ، بل لا تزال عليه طائفة . # قوله : ( حتى يأتي أمر الله ) . الظاهر أن المراد بأمر الله ما روي من ~~قبض من بقي من | المؤمنين بالريح الطيبة ، ووقوع الآيات العظام ، ثم لا ~~يبقى إلا شرار الناس كما روى | الحاكم . وأصله في ' مسلم ' عن عبد الرحمن ~~بن شماسة أن عبد الله بن عمرو قال لا تقوم | الساعة إلا على شرار الخلق ، ~~هم شر من أهل الجاهلية . فقال عقبة بن عامر لعبد الله : اعلم | ما تقول ، ~~وأما أنا فسمعت النبي ms285 صلى الله عليه وسلم يقول : ' لا تزال عصابة من أمتي ~~يقاتلون على أمر الله ، | ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة على ~~ذلك ' فقال عبد الله : ويبعث الله | ريحا ريحها المسك ، ومسها مس الحرير ، ~~فلا تترك أحدا في قلبه مثقال حبة من إيمان إلا | قبضته ، ثم يبقى شرار ~~الناس فعليهم تقوم الساعة . # وفي ' صحيح مسلم ' عن ابن مسعود مرفوعا : ' لا تقوم الساعة إلا على شرار ~~الناس ' | وفي ' صحيحه ' أيضا : ' لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض ~~الله الله ' وذلك إنما يقع PageV01P310 | بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج ~~الدابة وسائر الآيات العظام . وقد ثبت أن الآيات | العظام مثل السلك إذا ~~انقطع تناثر الخرز بسرعة ، رواه أحمد . ويؤيده حديث عمران بن | حصين مرفوعا ~~: ' لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى | ~~يقاتل آخرهم الدجال ' رواه أبو داود والحاكم . وعلى هذا فالمراد بقوله في ~~حديث عقبة | وما أشبهه من الأحاديث ' حتى تأتيهم الساعة ' ساعتهم وهي وقت ~~موتهم بهبوب الريح ؛ | ذكره الحافظ وهو المعتمد . # وقد اختلف في محل هذه الطائفة ، فقال ابن بطال : إنها تكون ببيت المقدس ~~إلى أن | تقوم الساعة ، كما روى [ الطبراني ] من حديث أبي أمامة : قيل يا ~~رسول الله وأين هم ؟ قال : | ' ببيت المقدس ' وقال معاذ بن جبل رضي الله ~~عنه : ' هم بالشام ' وهذا قول أكثر | الشارحين . وفي كلام الطبري ما يدل ~~على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت | PageV01P311 | المقدس دائما ~~إلى أن يقاتلوا الدجال ، بل قد تكون في موضع آخر ، لكن لا تخلو الأرض | ~~منها حتى يأتي أمر الله . قلت : وهذا هو الحق فإنه ليس في الشام منذ أزمان ~~أحد بهذه | الصفات ، بل ليس فيه إلا عباد القبور ، وأهل الفسق وأنواع ~~الفواحش والمنكرات ، ويمتنع | أن يكونوا هم الطائفة المنصورة ، وأيضا فهم ~~منذ أزمان لا يقاتلون أحدا من أهل الكفر ، | وإنما بأسهم وقتالهم بينهم . ~~وعلى هذا فقوله في الحديث : هم ببيت : المقدس . وقول معاذ : | هم بالشام . ~~المراد أنهم يكونون في ms286 بعض الأزمان دون بعض ، وكذلك الواقع فدل على ما | ~~ذكرنا . # قوله : ( تبارك وتعالى ) . قال ابن القيم : البركة نوعان : أحدهما بركة ~~وهي فعله تبارك | وتعالى ، والفعل منها بارك ، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة ' ~~على ' تارة ، وبأداة ' في ' تارة | والمفعول منها مبارك ، وهو ما جعل كذلك ~~فكان مباركا بجعله تعالى . والنوع الثاني بركة | تضاف إليه بإضافة الرحمة ~~والعزة ، والفعل منها تبارك ، ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح | إلا له ~~عز وجل ، فهو سبحانه المتبارك وعبده ورسوله المبارك . كما قال المسيح عليه ~~| السلام : @QB@ وجعلني مباركا أين ما كنت @QE@ [ مريم : 31 ] فمن بارك ~~الله فيه وعليه فهو المبارك ، | وأما صفة تبارك ، فمختصة به كما أطلقها على ~~نفسه بقوله : @QB@ فتبارك الله رب العالمين @QE@ | [ غافر : 64 ] ^ ( تبرك ~~الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير * ) ^ [ الملك : 1 ] أفلا تراها كيف | ~~طردت في القرآن جارية عليه مختصة به لا تطلق على غيره ، وجاءت على بناء ~~السعة | والمبالغة ، كتعالى وتعاظم ونحوه ، فجاءت تبارك على بناء تعالى ~~الذي هو دال على كمال | العلو ونهايته ، فكذلك تبارك ، دال على كمال بركته ~~وعظمتها وسعتها . وهذا معنى قول من | قال من السلف تبارك : تعاظم . وقال ~~ابن عباس : جاء بكل بركة واعلم أن هذا الحديث | بجملته مما عد من الأدلة ~~على الشهادتين فإن كل جملة منه وقعت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم . | ~~PageV01P312 | # | ( [ 23 ] باب : ما جاء في السحر ) # ش : السحر في اللغة : عبارة عما خفي ولطف سببه ، ولهذا جاء في الحديث : ' ~~إن من | البيان لسحرا ' وسمي السحور سحورا ، لأنه يقع خفيا آخر الليل وقال ~~تعالى : @QB@ سحروا أعين الناس @QE@ [ الأعراف : 116 ] أي أخفوا عنهم علمهم ~~ولما كان السحر من أنواع الشرك إذ | لا يأتي السحر بدونه ، ولهذا جاء في ~~الحديث ' ومن سحر فقد أشرك ' أدخله ' المصنف ' | في كتاب ' التوحيد ' ليبين ~~ذلك تحذيرا منه كما ذكر غيره من أنواع الشرك . # قال أبو محمد المقدسي في ' الكافي ' السحر : عزائم ورقى وعقد يؤثر في ~~القلوب | PageV01P313 | والأبدان فيمرض ويقتل ، ويفرق المرء وزوجته ، ويأخذ ~~أحد الزوجين عن ms287 صاحبه قال الله | تعالى : @QB@ فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه @QE@ [ البقرة : 102 ] وقال سبحانه : | @QB@ قل أعوذ برب ~~الفلق @QE@ إلى قوله : ^ ( ومن شر النفثت في العقد * ) ^ [ الفلق : | 1 - 4 ~~] يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن ، ولولا أن للسحر ~~حقيقة | لم يأمر بالاستعاذة منه . # وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه يفعل ~~الشيء وما يفعله ، وإنه | قال لها ذات يوم : ' أتاني ملكان فجلس أحدهما عند ~~رأسي ، والآخر عند رجلي فقال : ما | وجع الرجل ؟ قال : مطبوب . قال : من ~~طبه ؟ قال : لبيد بن أعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي أروان ' ~~رواه البخاري . انتهى . # وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له ، وهذا ليس ~~بصحيح | على إطلاقه ، بل منه ما هو تخييل ، ومنه ما له حقيقة كما يفهم مما ~~تقدم . | PageV01P314 # قال : وقول الله تعالى : ^ ( ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الأخرة من ~~خلق ) ^ | [ البقرة : 102 ] # ش : أي : ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان ~~بالله لمن | اشتراه ، أي : استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة ~~رسله ، ما له في الآخرة من خلاق . | قال ابن عباس : من نصيب . قال قتادة : ~~وقد علم أهل الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر | لا خلاق له في الآخرة ~~. وقال الحسن : ليس له دين فدلت الآية على تحريم السحر ، وهو | كذلك ، بل ~~هو محرم في جميع أديان الرسل عليهم السلام كما قال تعالى : @QB@ ولا يفلح ~~الساحر حيث أتى @QE@ [ طه : 69 ] واستدل بها بعضهم على كفر الساحر لعموم ~~قوله : @QB@ لمن اشتراه @QE@ يدل عليه قوله : @QB@ فيتعلمون منهما ما ~~يفرقون به بين المرء وزوجه @QE@ [ البقرة : | 102 ] وقد نص أصحاب أحمد على ~~أنه يكفر بتعلمه وتعليمه . وروى عبد الرزاق عن | صفوان بن سليم قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من تعلم شيئا من السحر قليلا كان أو ~~كثيرا كان | آخر عهده من الله ' وهذا مرسل . # واختلفوا هل ms288 يكفر الساحر أو لا ؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر ، وبه ~~قال | مالك وأبو حنيفة وأحمد ، قال أصحابه : إلا أن يكون سحره بأدوية ~~وتدخين وسقي شيء | يضر فلا يكفر ، وقيل : لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك ~~فيكفر ، وهذا قول الشافعي | PageV01P315 | وجماعته . قال الشافعي رحمه الله ~~: إذا تعلم السحر قلنا له : صف لنا سحرك ، فإن وصف ما | يوجب الكفر ، مثل ~~ما اعقد أهل بابل من التقرب إلى الكواكب السبعة ، وأنها تفعل ما يلتمس | ~~منها ، فهو كافر ، وإن كان لا يوجب الكفر ، فإن اعتقد إباحته ، كفر . # وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف ، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى ~~بدون الشرك ، | وليس كذلك ، بل لا يأتي السحر الذي من قبل الشياطين إلا ~~بالشرك ، وعبادة الشيطان | والكواكب ، ولهذا سماه الله كفرا في قوله : @QB@ ~~إنما نحن فتنة فلا تكفر @QE@ [ البقرة : 102 ] | وقوله : ^ ( وما كفر سليمن ~~ولكن الشيطين كفروا ) ^ [ البقرة : 102 ] وفي حديث مرفوع | رواه رزين : ' ~~الساحر كافر ' وقال أبو العالية : السحر من الكفر . وقال ابن عباس في | ~~قوله : @QB@ إنما نحن فتنة فلا تكفر @QE@ وذلك أنهما علماه الخير والشر ~~والكفر والإيمان فعرفا | أن السحر من الكفر وقال ابن جريج في الآية : لا ~~يجترئ على السحر إلا الكافر . وأما | سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر ~~، وإن سمي سحرا فعلى سبيل المجاز ، كتسمية | القول البليغ والنميمة سحرا ، ~~ولكنه يكون حراما لمضرته ، يعزر من يفعله تعزيرا بليغا . # قال : وقوله : ^ ( يؤمنون بالجبت والطغوت ) ^ [ النساء : 51 ] # ش : تقدم الكلام عليها في الباب الذي قبله ، ووجه إيرادها هنا ظاهر ، لأن ~~السحر من | الجبت ، كما قال عمر بن الخطاب . # قال ' المصنف ' : قال عمر بن الخطاب : الجبت : السحر ، والطاغوت : ~~الشيطان . # ش : هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره ، وفيه معرفة الجبت والطاغوت ~~والفرق | بينهما . # قال : وقال جابر : الطواغيت : كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد ~~. # ش : هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن منبه قال : سألت ~~جابر بن | عبد الله عن الطواغيت التي كانوا ms289 يتحاكمون إليها . قال : إن في ~~جهينة واحدا ، وفي أسلم | واحدا ، وفي هلال واحدا ، وفي كل حي واحدا ، وهم ~~كهان تنزل عليهم الشياطين ' . | PageV01P316 # قوله : ( قال جابر ) . هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله ~~الأنصاري ثم | السلمي بفتحتين ، صحابي جليل بن صحابي جليل مكثر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم . مات بالمدينة بعد | السبعين ، وقد كف بصره وله أربع ~~وتسعون سنة . # قوله : ( الطواغيت كهان ) إلى آخره . المراد بهذا أن الكهان من الطواغيت ~~لا أنهم | الطواغيت لا غير . # وقوله : ( كان ينزل عليهم الشيطان ) . أراد الجنس لا الشيطان الذي هو ~~إبليس فقط ، بل | تتنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم ببعض الغيب ، ~~مما يسترقونه من السمع | فيصدقون مرة ويكذبون مائة . # قوله : ( في كل حي واحد ) . الحي : واحد الأحياء ، وهم القبائل ، أي : في ~~كل قبيلة | من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه ، ويسألونه عن الغيب . وكذلك ~~كان الأمر قبل مبعث | النبي صلى الله عليه وسلم ، فأبطل الله ذلك بالإسلام ~~، وحرست السماء بالشهب ، ومطابقة هذا للترجمة ظاهر | من جهة أن الساحر ~~طاغوت من الطواغيت إذ كان هذا الاسم يطلق على الكاهن فالساحر | أولى ، لأنه ~~أشر وأخبث . # قال : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' اجتنبوا ~~السبع الموبقات . قالوا : يا | رسول الله وما هن ؟ قال : الشرك بالله ، ~~والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا | بالحق ، وأكل الربا ، وأكل ~~مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات | المؤمنات ' . # ش : هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو ، وقد رواه البخاري ومسلم . # قوله : ( اجتنبوا السبع ) . أي : أبعدوا ، وهو أبلغ من : لا تفعلوا ، لأن ~~نهي القربان أبلغ | من نهي المباشرة . ذكره الطيبي . | PageV01P317 # قوله : ( السبع الموبقات ) . بموحدة وقاف ، أي : المهلكات : وسميت ~~الكبائر موبقات ، | لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من ~~العقوبات ، وفي الآخرة من العذاب . قلت : | هكذا ثبت في هذه الرواية عن ~~السبع الموبقات ، وكذلك في كتاب عمرو بن حزم الذي | أخرجه النسائي وابن ~~حبان في ' صحيحه ' والطبراني من طريق سليمان بن داود ، عن ms290 | الزهري ، عن ~~أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده قال : كتب | رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم كتاب الفرائض والديات والسنن ، وبعث به مع عمرو بن حزم ~~إلى اليمن . . . | الحديث بطوله . وفيه : وكان في الكتاب : ' وإن أكبر ~~الكبائر الشرك ' ، فذكر مثل حديث | أبي هريرة سواء . وأخرجه البزار وابن ~~المنذر من طريق عمرو بن أبي سلمة بن | عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ~~رفعه : ' الكبائر : الشرك بالله وقتل النفس ' . . . | الحديث . وذكر بدل ~~السحر الانتقال إلى الأعرابية بعد الهجرة ، وكذلك في حديث عند | الطبراني ، ~~وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، [ عمن سمع ] الحسن قال : ' الكبائر ~~الإشراك بالله ' | فذكر مثل الأول سواء إلا أنه قال : ' اليمين الفاجرة ' ~~بدل السحر . وفي حديث ابن عمر | عند البخاري في ' الأدب المفرد ' والطبري ~~في ' التفسير ' وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا قال : | ' الكبائر تسع ' فذكر ~~السبع المذكورة وزاد : ' والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين ' . | ~~PageV01P318 # وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال : ' هن عشر ' ~~فذكر | السبع التي في الأصل وزاد : ' عقوق الوالدين ، واليمين الغموس ، ~~وشرب الخمر ' ولابن أبي | حاتم عن علي قال : الكبائر . . . فذكر السبع إلا ~~مال اليتيم . وزاد : العقوق والتعرب بعد | الهجرة وفراق الجماعة ، ونكث ~~الصفقة . # وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذاكروا الكبائر ، فقالوا : الشرك ، ومال ~~اليتيم ، والفرار | من الزحف ، والسحر ، والعقوق ، وقول الزور ، والغلول ، ~~والربا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : | ' فأين تجعلون الذين ~~يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا ؟ ' . وقد جاء في أحاديث غير | ما ~~ذكرنا جملة من الكبائر منها اليمين الغموس ، . . . . . . . . . . . . | ~~PageV01P319 | وشهادة الزور ، والأمن من مكر الله ، والقنوط من رحمة الله ~~وسوء الظن بالله ، والزنا ، | والسرقة وغير ذلك . قال الحافظ : ويحتاج ~~عندها إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار | على سبع ، ويجاب بأن مفهوم العدد ~~ليس بحجة وهو جواب ضعيف ، أو بأنه أعلم أولا | بالمذكورات ، ثم أعلم بما ~~زاد . فيجب الأخذ بالزائد ، أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام | بالنسبة ~~للسائل ، أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك . # وقد أخرج ms291 الطبري وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له : الكبائر سبع ؟ ~~فقال : | هن أكثر من سبع [ وسبع ] وفي رواية عنه : هي إلى السبعين أقرب ، ~~وفي رواية : إلى | السبعمئة . وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ~~ما وجب فيها الحد ، لأن | أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد انتهى . وسيأتي ~~مزيد لذلك إن شاء الله . # قوله : ( قال : الشرك بالله ) . هو أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله ~~، ويرجوه كما يرجو | الله ، ويخافه كما يخاف الله وبدأ به لأن أعظم ذنب عصي ~~الله به كما في ' الصحيحين ' عن ابن | مسعود سألت النبي صلى الله عليه وسلم ~~: أي الذنب أعظم عند الله ؟ قال : ' أن تجعل لله ندا وهو خلقك ' | ~~PageV01P320 # قوله : ( والسحر ) . تقدم معناه ، وهذا وجه إيراد المصنف لهذا الحديث في ~~الباب . # قوله : ( وقتل النفس التي حرم الله ) . أي : حرم قتلها إلا بالحق ، أي : ~~بفعل موجب | للقتل ، كقتل المشرك المحارب ، والنفس بالنفس ، والزاني بعد ~~الإحصان ، كما قال تعالى : | ^ ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه خلدا فيها ~~وغضب الله عليه ولعنه | وأعد له عذابا عظيما * ) ^ [ النساء : 93 ] وسواء ~~في ذلك القتل عمدا أو شبه عمد ، كما | صرح به طائفة من الشافعية بخلاف قتل ~~الخطأ ، فإنه لا كبيرة ولا صغيرة ، لأنه غير معصية . # قلت : ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث : ' من قتل معاهدا لم يرح ~~رائحة | الجنة . . . ' الحديث . # قوله : ( وأكل الربا ) . أي : تناوله بأي وجه كان كما قال تعالى : ^ ( ~~الذين يأكلون | الربوا لا يقومون إلا كما يقوم الذين يتخبطه الشيطن من المس ~~) ^ إلى قوله : ^ ( ومن عاد | فأولئك أصحب النار هم فيها خلدون ) ^ [ ~~البقرة : 275 ] قال ابن دقيق العيد : وهو مجرب | لسوء الخاتمة نعوذ بالله ~~من ذلك . # قوله : ( وأكل مال اليتيم ) . يعني التعدي فيه ، وعبر بالأكل ، لأنه أهم ~~وجوه الانتفاع | كما قال تعالى : ^ ( إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما ~~إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون | سعيرا * ) ^ [ النساء : 10 ] . | ~~PageV01P321 # قوله : ( والتولي يوم الزحف ) أي : الإدبار من وجوه الكفار وقت ازدحام ~~الطائفتين في | القتال ، وإنما يكون كبيرة ms292 إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف ~~لقتال كما قال تعالى : ^ ( يأيها | الذين ءامنوا إذا لقيتم الذين كفروا ~~زحفا فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا | متحرفا لقتال أو ~~متحيرا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس | المصير * ) ^ [ ~~الأنفال : 15 - 16 ] . # قوله : ( وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) . هو بفتح الصاد المحفوظات ~~من الزنا ، | وبكسرها : الحافظات فروجهن منه . والمراد الحرائر العفيفات ، ~~ولا يختص بالمتزوجات ، بل | حكم البكر كذلك بالإجماع كما ذكره الحافظ ، إلا ~~إن كانت دون تسع سنين ، والمراد رميهن | بزنا أو لواط . والغافلات . أي عن ~~الفواحش وما رمين به ، لا خبر عندهن من ذلك ، فهو | كناية عن البريئات ، ~~لأن الغافل بريء عما بهت به من الزنا ، والمؤمنات ، أي : بالله تعالى | ~~احترازا عن قذف الكافرات ، فإنه من الصغائر . # قال : وعن جندب مرفوعا ' حد الساحر ضربة بالسيف ' رواه الترمذي وقال : ~~الصحيح | أنه موقوف . # ش : هذا الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف من طريق إسماعيل بن مسلم ~~المكي | وقال بعد أن رواه : لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه ، وإسماعيل ~~بن مسلم المكي يضعف | في الحديث من قبل حفظه ، وإسماعيل بن مسلم العبدي ~~البصري ، قال وكيع : هو ثقة ، | ويروى عن الحسن أيضا ، والصحيح عن جندب ~~موقوف انتهى . ورواه أيضا الدارقطني | والبيهقي والحاكم وقال : صحيح غريب . ~~وقال الترمذي في ' العلل ' : سألت عنه محمدا | يعني البخاري فقال : هذا لا ~~شيء ، وإسماعيل ضعيف جدا وقال الذهبي في ' الكبائر ' : إنه | PageV01P322 | ~~من قول جندب ، وأشار مغلطاي إلى أنه - وإن كان ضعيفا يتقوى بكثرة طرقه . ~~وقال : خرجه | جمع : منهم البغوي الكبير والصغير والطبراني والبزار ومن لا ~~يحصى كثرة . # قوله : ( عن جندب ) . ظاهر صنيع الطبراني في ' الكبير ' أنه جندب بن عبد ~~الله البجلي | لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر ، فإنه رواه في ' ترجمة ' ~~جندب البجلي من طريق خالد | العبد ، عن الحسن ، عن جندب عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم وذكره ، وخالد العبد ضعيف . # قال الحافظ : والصواب أنه غيره ، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من ms293 ~~وجهين ، | عن الحسن عن جندب الخير أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات ، ~~وقال : سمعت | رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره . # وجندب الخير هو جندب بن كعب - وقيل : جندب بن زهير ، وقيل : هما واحد كما ~~| قاله ابن حبان - أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي . وروى ابن السكن من ~~حديث | بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' يضرب ضربة فيكون أمة ~~وحده ' . # قوله : ( حد الساحر ضربة بالسيف ) . روي بالهاء والتاء وكلاهما صحيح ، ~~وبهذا | الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة ، فقالوا : يقتل الساحر . وروي ~~ذلك عن عمر ، | وعثمان ، وابن عمر ، وحفصة ، وجندب بن عبد الله ، وجندب بن ~~كعب ، وقيس بن سعد ، | وعمر بن عبد العزيز . ولم ير الشافعي عليه القتل ~~بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ما | يبلغ الكفر . وبه قال ابن المنذر وهو ~~رواية عن أحمد ، والأول أولى للحديث ، ولأثر عمر | الذي ذكره المصنف وعمل ~~به الناس في خلافته من غير نكير فكان إجماعا . # قال : وفي ' صحيح البخاري ' عن بجالة بن عبدة قال : كتب عمر بن الخطاب أن ~~اقتلوا | كل ساحر وساحرة . قال : فقتلنا ثلاث سواحر . # ش : هذا الأثر رواه البخاري كما ذكره المصنف ، لكنه لم يذكر قتل السحرة . ~~ولفظه : | عن بجالة بن عبدة قال : كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف ، ~~فأتانا كتاب عمر بن | الخطاب قبل موته بسنة : فرقوا بين كل محرم من المجوس ~~ولم يكن عمر أخذ الجزية من | المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أخذها من مجوس هجر . | PageV01P323 | وعلى هذا ~~فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه أراد أصله لا لفظه ورواه الترمذي ~~والنسائي | مختصرا ، ورواه عبد الرزاق وأحمد وأبو داود والبيهقي مطولا . ~~ورواه القطيعي في الجزء | الثاني من ' فوائده ' بزيادة ، فقال : حدثنا أبو ~~علي بشر بن موسى الأسدي ، ثنا هوذة بن | خليفة ، ثنا عوف ، عن عمار مولى ~~بني هاشم ، عن بجالة بن عبدة قال : كتب إلينا عمر بن | الخطاب أن اعرضوا ~~على من كان ms294 قبلكم من المجوس أن يدعوا نكاح أمهاتهم وبناتهم | وأخواتهم ~~ويأكلوا جميعا كيما نلحقهم بأهل الكتاب ، ثم اقتلوا كل كاهن وساحر . قلت : ~~| وإسناده حسن . # قوله : ( عن بجالة ) . هو بفتح الموحدة بعدها جيما ابن عبدة بفتحتين ~~التيمي العنبري | بصري ثقة . # قوله : ( كتب إلينا عمر بن الخطاب : أن اقتلوا كل ساحر وساحرة . . . ) ~~إلى آخره . | صريح في قتل الساحر والساحرة ، وهو من حجج الجمهور القائلين ~~بأنه يقتل ، وظاهره أنه | يقتل من غير استتابة ، وهو كذلك على المشهور عن ~~أحمد ، وبه قال مالك : إن الصحابة لم | يستتيبوهم ، ولأن علم السحر لا يزول ~~بالتوبة . وعن أحمد يستتاب فإن تاب ، قبلت توبته | وخلي سبيله ، وبه قال ~~الشافعي ، لأن ذنبه لا يزيد على الشرك ، والمشرك يستتاب وتقبل | توبته ، ~~فكذلك الساحر ، وعمله بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم ~~، | ولذلك صح إيمان سحرة فرعون وتوبتهم . # قلت : الأول أصح لظاهر عمل الصحابة . فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها ~~أو بينوها ، | وأما قياسه على المشرك فلا يصح ، لأنه أكثر فسادا وتشويها من ~~المشرك ، وكذلك لا يصح | قياسه على ساحر أهل الكتاب ، لأن الإسلام يجب ما ~~قبله ، وهذا الخلاف إنما هو في | إسقاط الحد عنه بالتوبة ، أما فيما بينه ~~وبين الله ، فإن كان صادقا قبلت توبته . # قال : وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها . # ش : هذا الأثر رواه مالك في ' الموطأ ' عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن ~~زرارة | أنه بلغه أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها ~~سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها | فقتلت . ورواه عبد الرزاق . | ~~PageV01P324 # وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد خنيس بن حذافة | سنة ثلاث وماتت سنة خمس وأربعين . # قال : وكذا صح عن جندب . # ش : المراد به هنا قطعا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر ، وهو جندب بن كعب ~~بن | عبد الله . قال أبو حاتم : جندب بن كعب قاتل الساحر ، ويقال : جندب بن ~~زهير ، فجعلهما | واحدا وفرق بينهما ابن الكلبي وغيره ms295 قال ابن عبد البر : ~~ذكر الزبير أن جندب بن زهير قاتل | الساحر والصحيح أنه غيره وأشار المصنف ~~بهذا إلى قتله الساحر ، كما رواه البخاري في ' تاريخه ' عن أبي عثمان ~~النهدي قال : كان عند الوليد رجل يلعب ، فذبح إنسانا وأبان رأسه | فعجبنا ~~فأعاد رأسه ، فجاء جندب الأزدي فقتله . ورواه البيهقي في ' الدلائل ' مطولا ~~وفيه | فقال الناس : سبحان الله يحيي الموتى . ورآه رجل صالح من المهاجرين ~~، فنظر إليه فلما | كان من الغد اشتمل على سيفه فذهب يلعب ذلك ، فاخترط ~~الرجل سيفه فضرب عنقه ، | وقال : إن كان صادقا ، فليحيي نفسه فأمر به ~~الوليد فسجن . وذكر القصة بتمامها ولها طرق | كثيرة . # قوله : قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم . # ش : ( أحمد ) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل . # وقوله : ( عن ثلاثة ) أي : صح قتل الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ~~ثلاثة من | أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني : عمر ، وحفصة ، وجندبا ~~والله أعلم . | PageV01P325 | # | ( [ 24 ] باب : بيان شيء من أنواع السحر ) # | لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئا من أنواعه لكثرة ~~وقوعها | وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه ~~الأمور ، فهو من | الأولياء ، وعدوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن ~~عبد أصحابها ورجي منهم النفع | والضر ، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء ~~وأمواتا ، بل اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم | التصرف التام المطلق في ~~الملك ، ولا بد من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين | عدو الله ~~، من ساحر وكاهن وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء | من ~~الخوارق . # فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليا ~~لله | تعالى ، لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن ~~بشيء من الغيب ، | مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع . وفعل الشياطين ~~بأناس ممن ينتسبون إلى دين | وصلاح ورياسة مخالفة للشريعة ، كأناس من ~~الصوفية وكرهبان النصارى ms296 ونحوهم ، فيطيرون بهم في الهواء ، ويمشون بهم على ~~الماء ، ويأتون بالطعام والشراب والدراهم ، وقد يكون | ذلك بعزائم ورقى ~~شيطانية وبحيل وأدوية ، كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن | النارنج . ~~وقد يكون برؤيا صادقة فيها وما يستدل به على وقوع ما لم يقع ، وهذه مشتركة ~~بين | ولي الله وعدوه . وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه ~~فتوافق القدر ، وتقع كما | أخبر ، وقد يكون بعلم الرمل والضرب بالحصى ، وقد ~~يكون ذلك استدراجا والأحوال | الشيطانية كثيرة . وقد فرق الله بين أوليائه ~~وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده ، لا إله إلا هو ، | فإنه لا يضل من اعتصم ~~به ولا يشقى . قال الله تعالى : ^ ( ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم | ولا ~~هم يحزنون * الذين ءامنوا وكانوا يتقون * ) ^ [ يونس : 62 - 63 ] فذكر ~~تعالى | أن أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون هم المؤمنون المتقون ~~، ولم يشترط أن | يجري على أيديهم شيء من خوارق العادة . فدل أن الشخص قد ~~يكون وليا لله وإن لم يجر | على يديه شيء من الخوارق إذا كان مؤمنا متقيا . ~~وقال تعالى : @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم @QE@ [ آل عمران : 31 ] فأولياء الله المحبوبون | ~~PageV01P326 | عند الله هم المتبعون للرسول صلى الله عليه وسلم باطنا ~~وظاهرا ، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن فضلا | عن أن يكون وليا لله تعالى ، ~~وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه ، فأحبوا ما يحب ، وأبغضوا | ما يبغض ، ~~ورضوا بما يرضى ، وسخطوا ما يسخط ، وأمروا بما يأمر ، ونهوا عما ينهى ، | ~~وأعطوا من يحب أن يعطي ، ومنعوا من يحب أن يمنع . وأصل الولاية المحبة ~~والقرب ، | وأصل العداوة البغض والبعد . # وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك ~~المحارم ، | الموحدون له ، الذين لا يشركون بالله شيئا وإن لم تجر على ~~أيديهم خوارق ، فإن كانت | الخوارق دليلا على ولاية الله ، فلتكن دليلا على ~~ولاية الساحر والكاهن والمنجم | والمتفرس ، ورهبان اليهود والنصارى ، وعباد ~~الأصنام ، فإنهم يجري لهم من الخوارق | ألوف ، ولكن هي ms297 من قبل الشياطين ، ~~فإنهم يتنزلون عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال | والأقوال كما قال تعالى : ~~^ ( هل أنبئكم على من تنزل الشيطين * تنزل على كل أفاك أثيم * ) ^ | [ ~~الشعراء : 221 - 222 ] وقال تعالى : ^ ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له ~~شيطنا فهو له | قرين * ) ^ [ الزخرف : 36 ] وقد طارت الشياطين ببعض من ~~ينتسب إلى الولاية ، فقال : لا | إله إلا الله فسقط . وتجد عمدة كثير من ~~الناس في اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر | عنه مكاشفة في بعض الأمور ~~أو بعض الخوارق للعادة ، مثل أن يشير إلى شخص فيموت ، | أو يطير في الهواء ~~إلى مكة أو غيرها أحيانا ، أو يمشي على الماء ، أو يملأ إبريقا من الهواء ، ~~| أو يخبر في بعض الأوقات بشيء من الغيب ، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس ، ~~أو يخبر | بعض الناس بما سرق له ، أو بحال غائب أو مريض ، أو أن بعض الناس ~~استغاث به وهو | غائب أو ميت ، فرآه قد جاء فقضي حاجته أو نحو ذلك . وليس ~~في شيء من هذه الأمور ما | يدل على أن صاحبها مسلم فضلا عن أن يكون وليا ~~لله ، بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل | لو طار في الهواء ومشى على ~~الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وموافقته | لأمره ونهيه . ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليا لله ، وقد ~~يكون عدوا له ، فإنها قد | تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود ~~والنصارى والمنافقين وأهل البدع ، وتكون لهؤلاء | من قبل الشياطين أو تكون ~~استدراجا ، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه | الأمور فهو ولي ~~لله ، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب ~~| والسنة ، وأكثر هذه الأمور قد توجد في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا ~~يصلي المكتوبة | ولا يتنظف ولا يتطهر الطهارة الشرعية ، بل يكون ملابسا ~~للنجاسات ، معاشرا للكلاب ، يأوي | إلى المزابل ، رائحته خبيثة ، ركابا ~~للفواحش ، يمشي في الأسواق كاشفا لعورته ، غامزا | للشرع ، مستهزئا به ~~وبحملته ، يأكل العقارب ms298 والخبائث التي تحبها الشياطين ، كافرا بالله ، | ~~ساجدا لغير الله من القبور وغيرها ، يكره سماع القرآن وينفر منه ، ويؤثر ~~سماع الأغاني | PageV01P327 | والأشعار ومزامير الشيطان على كلام الرحمن . ~~فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا | عساه أن يجري فلا يكون وليا لله ، ~~محبوبا عنده حتى يكون متبعا لرسوله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا . # فإن قلت : فعلى هذا ما الفرق بين الكرامة وبين الاستدراج والأحوال ~~الشيطانية ؟ # قيل : إن علمت ما ذكرنا عرفت الفرق ، لأنه إذا كان الشخص مخالفا للشرع ، ~~فما | يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة ، بل هي إما استدراج وإما من عمل ~~الشياطين ، ويكون | سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم ، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله ، ولا | يستعان بالكرامات ~~عليها ، فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء بل | تحصل ~~بما تحبه الشياطين كالاستغاثة بغير الله ، أو كانت مما يستعان بها على ظلم ~~الخلق | وفعل الفواحش ، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية ~~، وكلما كان الإنسان | أبعد عن الكتاب والسنة كانت الخوارق الشيطانية له ~~أقوى وأكثر من غيره ، فإن الجن الذين | يقترنون بالإنس من جنسهم . فإن كان ~~كافرا ووافقهم على ما يختارونه من الكفر والفسوق | والضلال والإقسام عليهم ~~بأسماء من يعظمونه ، وللسجود لهم وكتابة أسماء الله أو بعض | كلامه ~~بالنجاسة فعلوا معه كثيرا مما يشتهيه بسبب ما برطلهم من الكفر وقد يأتونه ~~بما | يهواه من امرأة وصبي ، بخلاف الكرامة ، فإنها لا تحصل إلا بعبادة ~~الله ، والتقرب إليه ، | ودعائه وحده لا شريك له ، والتمسك بكتابه ، ~~واجتناب المحرمات ، فما يجري من هذا | الضرب فهو كرامة . وقد اتفق على هذا ~~الفرق جميع العلماء . # وبالجملة فإن عرفت الأسباب التي بها تنال ولاية الله عرفت أهلها وعرفت ~~أنهم أهل | الكرامة ، وإن كنت ممن يسمع بالأولياء ، وهو لا يعرف الولاية ~~ولا أسبابها ولا أهلها ، بل | يميل مع كل ناعق وساحر ، فما تغني الآيات ~~والنذر عن قوم لا يؤمنون . ولشيخ الإسلام | كتاب ' الفرقان بين أولياء ~~الرحمن وأولياء ms299 الشيطان ' فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين . # قال رحمه الله : قال أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، ثنا عوف ، ثنا حبان بن ~~العلاء ، ثنا | قطن بن قبيصة ، عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال : إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ' . # قال عوف : العيافة : زجر الطير ، والطرق : الخط يخط في الأرض ، والجبت : ~~قال | الحسن : رنة الشيطان . إسناده جيد . ولأبي داود والنسائي وابن حبان ~~في ' صحيحه ' المسند | منه . | PageV01P328 # ش : قوله : ( قال أحمد ) . هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل . # و ( محمد بن جعفر ) هو المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور ، ثبت في ~~شعبة | حتى فضله علي بن المديني فيه على عبد الرحمن بن مهدي بل أقر له ابن ~~مهدي بذلك . | مات سنة ثلاث وتسعين ومائة أو أربع وتسعين ومائة . # و ( عوف ) هو ابن أبي جميلة - بفتح الجيم - العبدي البصري المعروف بعوف ~~الأعرابي | ثقة . مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة ، وله ست وثمانون سنة . # و ( حيان بن العلاء ) هو بالتحتية ويقال : حيان بن مخارق أبو العلاء ~~البصري مقبول . # و ( قطن ) - بفتحتين - أبو سهلة البصري صدوق . # قوله : ( عن أبيه ) . هو قبيصة - بفتح أوله وكسر الموحدة ابن المخارق - ~~بضم الميم | وتخفيف المعجمة أبو عبد الله الهلالي ، صحابي نزل البصرة . # قوله : ( إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت ) . قال عوف : العيافة زجر ~~الطير . هذا | التفسير ذكره غير واحد كما قال عوف وهو كذلك . # قال أبو السعادات : العيافة : زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ~~وممرها ، وهو من | عادة العرب كثيرا وهو كثير في أشعارهم ، يقال : عاف يعيف ~~عيفا : إذا زجر وحدس وظن . # قوله : ( والطرق ) : الخط يخط في الأرض هكذا فسره عوف ، وهو تفسير صحيح . ~~| وقال أبو السعادات : هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء . قلت : وأيا ما ~~كان فهو من | الجبت . # وأما ( الطيرة ) ، فسيأتي الكلام عليها في بابها إن شاء الله تعالى . # قوله : ( من الجبت ) . أي : من أعمال السحر . قال القاضي : والجبت في ~~الأصل : | الجبس الذي لا خير فيه ثم استعير لما يعبد من دون الله وللساحر ms300 ~~والسحر . وقال الطيبي : | ' من ' فيه إما ابتدائية أو تبعيضية ، فعلى الأول ~~المعنى الطيرة ناشئة من الساحر ، وعلى الثاني | PageV01P329 | المعنى ~~الطيرة من جملة السحر والكهانة ، أو من جملة عبادة غير الله ، أي : الشرك ~~يؤيده قوله | في الحديث الآتي : ' الطيرة شرك ' انتهى . # وفي الحديث دليل على تحريم التنجيم ، لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من ~~فروع | النجامة من الجبت فكيف بالنجامة ؟ ! # قوله : ( قال الحسن : رنة الشيطان ) . لم أجد فيه كلاما . # قوله : ( ولأبي داود والنسائي وابن حبان في ' صحيحه ' المسند منه ) . ~~يعني أن هؤلاء | رووا الحديث واقتصروا على المرفوع منه ، ولم يذكروا ~~التفسير الذي فسره به عوف . وقد | رواه أبو داود في التفسير المذكور بدون ~~كلام الحسن . # و ( النسائي ) هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن ~~دينار أبو | عبد الرحمن صاحب ' السنن ' وغيرها من المصنفات . روى عن محمد ~~بن المثنى وابن بشار | وقتيبة بن سعيد وخلق . وكان إليه المنتهى في الحفظ ~~والعلم لعلل الحديث . مات سنة ثلاث | وثلاثمئة وله ثمان وثمانون سنة . # قال : وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من اقتبس ~~شعبة من النجوم فقد اقتبس | شعبة من السحر زاد ما زاد ' رواه أبو داود ~~بإسناد صحيح . # ش : هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف بإسناد صحيح ، وكذا صححه | ~~النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجه . # قوله : ( من اقتبس ) . قال أبو السعادات : فبست العلم واقتبسته : إذا ~~تعلمته انتهى . | وعلى هذا ، فالمعنى من تعلم . # قوله : ( شعبة ) ، أي : طائفة وقطعة من النجوم ، والشعبة : الطائفة من ~~الشيء والقطعة | منه ، ومنه الحديث ' الحياء شعبة من الإيمان ' أي : جزء ~~منه . | PageV01P330 # قوله : ( فقد اقتبس شعبة من السحر ) . أي : المعلوم تحريمه قال شيخ ~~الإسلام : فقد | صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر ~~. وقد قال الله تعالى : @QB@ ولا يفلح الساحر حيث أتى @QE@ [ طه : 69 ] . # وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ~~ولا في | الآخرة . # قوله : ( زاد ما زاد ms301 ) يعني : كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم ~~مثل إثم الساحر ، | أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاد اقتباس علم النجوم . ~~قلت : والقولان متلازمان ، لأن زيادة | الإثم فرع عن زيادة السحر ، وذلك ~~لأنه تحكم على الغيب الذي استأثر الله بعلمه . فعلم أن | تأثير النجوم باطل ~~محرم ، وكذا العمل بمقتضاه ، كالتقرب إليها بتقريب القرابين لها كفر ، | ~~قاله ابن رجب . # قال : وللنسائي من حديث أبي هريرة ' من عقد عقدة ثم نفث فيها ، فقد سحر ، ~~ومن | سحر ، فقد أشرك ، ومن تعلق شيئا ، وكل إليه ' . # ش : هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي ولم يبين هل ~~هو | موقوف أو مرفوع ؟ وقد رواه النسائي مرفوعا وذكر المصنف عن الذهبي أنه ~~قال : لا يصح ، | وحسنه ابن مفلح . # قوله : ( من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ) . اعلم أن السحرة إذا أرادوا ~~عمل | السحر ، عقدوا الخيوط ، ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدونه من ~~السحر . ولهذا أمر | الله بالاستعاذة من شرهم في قوله : ^ ( ومن شر النفثت ~~في العقد * ) ^ [ الفلق : 4 ] | يعني : السواحر اللاتي يفعلن ذلك ، والنفث ~~: هو النفخ مع ريق ، وهو دون التفل وهو مرتبة | بينهما ، والنفث فعل الساحر ~~. فإذا تكيفت نفسه بالخبث والشر الذي يريده بالمسحور ، | ويستعين عليه ~~بالأرواح الخبيثة ، نفخ في تلك العقد نفخا معه ريق ، فيخرج من نفسه الخبيثة ~~| نفس ممازج للشر والأذى مقترن بالريق الممازج لذلك . وقد تساعد هو والروح ~~الشيطانية | على أذى المسحور ، فيصيبه السحر بإذن الله الكوني الشرعي ، لا ~~الإذن القدري قاله ابن | القيم . | PageV01P331 # قوله : ( ومن سحر فقد أشرك ) . نص في أن الساحر مشرك إذ لا يتأتى السحر ~~بدون | الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم . # قوله : ( ومن تعلق شيئا وكل إليه ) . أي من تعلق قلبه شيئا بحيث يتوكل ~~عليه ، | ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء . فإن تعلق العبد على ربه وإلهه ~~وسيده ومولاه ، رب كل | شيء ومليكه وكله إليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه ، ~~ونعم المولى ونعم النصير كما قال | تعالى : @QB@ أليس الله بكاف عبده @QE@ ~~[ الزمر ms302 : 36 ] ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله | إليهم فأهلكوه في ~~الدنيا والآخرة . # وبالجملة فمن توكل على غير الله كائنا من كان وكل إليه ، وأتاه الشر في ~~الدنيا والآخرة | من جهته مقابلة له بنقيض قصده ، وهذه سنة الله في عباده ~~التي لا تبدل ، وعادته التي لا | تحول ، أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه ~~، أو ركن إلى مخلوق يدبره ، أجرى الله تعالى | له بسببه أو من جهته خلاف ما ~~علق به آماله وهذا أمر معلوم بالنص والعيان . ومن تأمل ذلك | في أحوال ~~الخلق بعين البصيرة النافذة رأى ذلك عيانا . وفائدة هذه الجملة بعد ما ~~قبلها | الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير الله ، فإنه متعلق على ~~الشياطين . # قال : وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' ألا هل ~~أنبئكم ما العضه ؟ هي النميمة | القالة بين الناس ' رواه مسلم . # ش : قوله : ( هل أنبئكم ) أي : أخبركم . # قوله ( ما العضه ) هو بفتح العين المهملة وسكون المعجمة . قال أبو ~~السعادات : هكذا | يروى في كتب الحديث . والذي جاء في كتب الغريب ألا ~~أنبئكم ما العضة بكسر العين وفتح | الضاد . وفي حديث آخر ' إياكم والعضة ' ~~قال الزمخشري : أصلها العضهة فعلة من العضه ، | وهو البهت فحذفت لامه ، كما ~~حذفت من السنة والشفة وتجمع على عضين . ثم فسره | بقوله : هي النميمة ~~القالة بين الناس وعلى هذا فأطلق عليها العضه ، لأنها لا تنفك عن | الكذب ~~والبهتان غالبا ، ذكره القرطبي . قلت : ظاهر إيراد المصنف لهذا الحديث هنا ~~يدل | على أن معنى العضه عنده هنا هو السحر ، ويدل على ذلك حديث : ' كادت ~~النميمة أن | تكون سحرا ' رواه ابن لال في ' مكارم الأخلاق ' بإسناد ضعيف . ~~| PageV01P332 # وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير قال : يفسد النمام والكذاب في ~~ساعة ما لا | يفسد الساحر في سنة ' . # وقال أبو الخطاب في ' عيون المسائل ' : ' ومن السحر السعي بالنميمة ~~والإفساد بين الناس ' . # قال في ' الفروع ' ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر ~~والحيلة ، | أشبه السحر ، ولهذا يعلم بالعرف والعادة ms303 أنه يؤثر وينتج ما ~~يعمله الساحر أو أكثر فيعطي | حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين ، ~~لكنه يقال : الساحر إنما كفر لوصف السحر وهو | أمر خاص ، ودليله خاص ، وهذا ~~ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ما يؤثره فيعطي حكمه إلا فيما | اختص به من ~~الكفر وعدم قبول التوبة انتهى ملخصا . وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة . | ~~والحديث دليل على تحريم الغيبة والنميمة ، وهو كذلك بالإجماع . وقد قال أبو ~~محمد بن | حزم : اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة ~~، وفيه دليل على أنها من | الكبائر . # وقوله : ' القالة بين الناس ' . قال أبو السعادات : أي : كثرة القول ~~وإيقاع الخصومة بين | الناس بما يحكى للبعض عن البعض ، ومنه الحديث ' ففشت ~~القالة بين الناس ' . # قال : ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' إن من ~~البيان لسحرا ' . # ش : البيان : البلاغة والفصاحة ، قال صعصعة بن صوحان : صدق نبي الله أما ~~قوله : | ' إن من البيان لسحرا ' فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من ~~صاحب الحق ، | فيسحر القوم ببيانه ؛ فيذهب بالحق . # وقال ابن عبد البر : تأولته طائفة على الذم ، لأن السحر مذموم . وذهب ~~أكثر أهل العلم . | وجماعة أهل الأدب إلى أنه على المدح ، لأن الله تعالى ~~مدح البيان . قال : وقد قال عمر بن | عبد العزيز لرجل سأله عن حاجة ، فأحسن ~~المسألة ، فأعجبه قوله فقال : ' هذا والله السحر | الحلال ' . # قلت : الأول أصح وهو أنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله ، وهو الذي ~~فيه | تصويب الباطل وتحسينه ، حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه بلاغة ~~زائدة عن الحد ، | PageV01P333 | أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه ~~، فيذهب بالحق ونحو ذلك ، فسماه سحرا لأنه | يستميل القلوب كالسحر ، ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم لما جاءه رجلان من المشرق ، فخطبا فعجب الناس | ~~لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إن من البيان لسحرا ' كما ~~رواه مالك والبخاري وغيرهم . # وأما جنس البيان ، فمحمود بخلاف الشعر فجنسه مذموم إلا ما كان حكما ، ~~ولكن لا | يحمد البيان إلا ms304 إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب ، أو تصوير ~~الباطل في صورة | الحق ، فإذا خرج إلى هذا الحد فهو مذموم . وعلى هذا تدل ~~الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله | يبغض البليغ من الرجال ~~الذي يتخلل بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها ' . رواه أحمد وأبو | داود ~~وقوله : ' لقد رأيت أو لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير ' ~~رواه أبو | داود . | PageV01P334 | # | 24 ( [ 25 ] باب : ما جاء في الكهان ونحوهم ) # اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم ، لكنهم ~~قليل | بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية ، لأن الله تعالى حرس السماء ~~بالشهب ، ولم يبق من | استراقهم إلا ما يخطفه الأعلى ، فيلقيه إلى الأسفل ~~قبل أن يصيبه الشهاب . وأما ما يخبر به | الجني مواليه من الإنس بما غاب عن ~~غيره مما لا يطلع عليه الإنسان غالبا فكثير جدا في | أناس ينتسبون إلى ~~الولاية والكشف ، وهم من الكهان إخوان الشياطين لا من الأولياء . # ولما ذكر المصنف شيئا مما يتعلق بالسحر ذكر ما جاء في الكهان ونحوهم ~~كالعراف | لمشابهة هؤلاء السحرة . والكهانة : ادعاء علم الغيب كالإخبار بما ~~سيقع في الأرض مع | الاستناد إلى سبب . والأصل فيه استراق الجن السمع من ~~كلام الملائكة ، فتلقيه في أذن | الكاهن ، والكاهن لفظ يطلق على العراف ~~والذي يضرب الحصى والمنجم . # وقال في ' المحكم ' : الكاهن : القاضي بالغيب . # وقال الخطابي : ' الكهان فيما علم بشهادة الامتحان : قوم لهم أذهان حادة ~~ونفوس | شريرة وطبائع نارية ، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم ، ويستفتونهم ~~في الحوادث ، | فيلقون إليهم الكلمات . # قال : وروى مسلم في ' صحيحه ' عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' من | أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم ~~تقبل له صلاة أربعين يوما ' . # ش : هذا الحديث رواه مسلم كما قال المصنف ، ولفظه : حدثنا محمد بن المثنى ~~| العنزي ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله - في نسخة : عبد الله - عن ~~نافع ، عن صفية ، | عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قال ms305 : ' من أتى ~~عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له | صلاة أربعين يوما وليلة ' هكذا رواه ، ~~وليس فيه ' فصدقه ' . # قوله : ( عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ) . هي حفصة . على ما ذكره أبو مسعود الدمشقي ، | PageV01P335 | لأنه ~~ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها وكذلك سماه بعض الرواة . # قوله : ( من أتى عرافا فسأله عن شيء ) . العراف سيأتي بيانه وهو من أنواع ~~الكهان ، | وظاهر الحديث أن هذا الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله سواء صدقه ، ~~أو شك في خبره ، | لأن إتيان الكهان منهي عنه كما في حديث معاوية بن الحكم ~~السلمي قلت : يا رسول الله إن | منا رجالا يأتون الكهان قال : ' فلا تأتهم ~~' رواه مسلم . ولأنه إذا شك في خبره ، فقد شك | في أنه لا يعلم الغيب ، ~~وذلك موجب للوعيد ، بل يجب عليه أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم | الغيب إلا ~~الله . # قوله : ' لم تقبل له صلاة أربعين يوما ' إذا كانت هذه حال السائل ، فكيف ~~بالمسؤول ؟ | قال النووي وغيره : معناه أنه لا ثواب له فيها ، وإن كانت ~~مجزئة في سقوط الفرض عنه ، | ولا يحتاج معها إلى إعادة ، ونظير هذه الصلاة ~~في أرض مغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء ، | لكن لا ثواب له فيها ، قاله جمهور ~~أصحابنا قالوا : فصلاة الفرض إذا أتى بها على وجهها | الكامل ، ترتب عليها ~~شيئان : سقوط الفرض ، وحصول الثواب . فإذا أداها في أرض | مغصوبة ، حصل له ~~الأول دون الثاني ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث ، فإن العلماء | ~~متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة فوجب تأويله ~~، هذا كلامه . | وهو مبني على الملازمة بين الإجزاء وعدم الإعادة . # والصواب أن عدم الإعادة لا يستلزم الإجزاء ، لكن الصلاة في الأرض ~~المغصوبة في | إجزائها نزاع ، والمشهور من مذهب أحمد أنها لا تجزئ وتجب ~~إعادتها . وفي الحديث | النهي عن إتيان الكاهن ونحوه قال القرطبي : يجب على ~~من قدر على ذلك من محتسب | وغيره أن يقيم على من يتعاطى شيئا من ذلك من ~~التعزيرات وينكر ms306 عليهم أشد النكير وعلى | من يجيء إليهم ، ولا يغتر بصدقهم ~~في بعض الأمور ، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن | ينسب إلى العلم ، فإنهم غير ~~راسخين في العلم ، بل من الجهال بما في إتيانهم من المحذور . # قال : وعن أبي هريرة . عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' من أتى كاهنا ~~فصدقه بما يقول فقد كفر بما | أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ' رواه أبو ~~داود . # ش : هذا الحديث رواه أبو داود ولفظه . # حدثنا موسى بن إسماعيل ، ثنا حماد . ح وحدثنا مسدد ، ثنا يحيى ، عن حماد ~~بن | سلمة عن حكيم الأثرم ، عن أبي تميمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال : ' من أتى | كاهنا قال موسى في حديثه : فصدقه بما يقول ~~أو أتى امرأة ، قال مسدد : امرأته حائضا ، أو | PageV01P336 | أتى امرأة ~~قال مسدد : يعني : امرأته في دبرها ، فقد برئ مما أنزل على محمد صلى الله ~~عليه وسلم ' ورواه | الترمذي والنسائي وابن ماجه بنحوه وقال الترمذي : لا ~~نعرفه إلا من حديث الأثرم ، وضعف | محمد هذا الحديث من جهة إسناده وقال ~~البغوي : سنده ضعيف ، وقال الذهبي : ليس إسناده | بالقائم قلت : أطال أبو ~~الفتح اليعمري في بيان ضعفه وادعى أن متنه منكر ، وأخطأ في إطلاق | ذلك ، ~~فإن إتيان الكاهن له شواهد صحيحه ، منها ما ذكره المصنف بعده ، وكذلك إتيان ~~| المرأة في الدبر له شواهد ، منها ما رواه عبد بن حميد بإسناد صحيح عن ~~طاووس أن رجلا | سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال : تسألني عن ~~الكفر ؟ ومنها ما رواه الترمذي | والنسائي وابن حبان في ' صحيحه ' وصححه ~~ابن حزم عن ابن عباس مرفوعا : ' لا ينظر الله | إلى رجل أتى رجلا أو امرأة ~~في الدبر ' . والأحاديث في ذلك كثيرة . وغاية ما ينكر من متنه | ذكر إتيان ~~الحائض والله أعلم . # قال : وللأربعة والحاكم وقال : صحيح على شرطهما عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' من أتى عرافا أو | كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم ms307 ' . # ش : هكذا بيض المصنف اسم الراوي . وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي ~~| هريرة مرفوعا ولفظ أحمد : # حدثنا يحيى بن سعيد ، عن عوف بن خلاس ، عن أبي هريرة والحسن عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم | فذكره . وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري فقد روي عن عوف ~~عن خلاس عن أبي | هريرة ، حديث أن موسى كان رجلا حييا . . . . الحديث . قال ~~العراقي في أماليه : حديث # PageV01P337 | صحيح وقال الذهبي : إسناده قوي . وعلى هذا فعزو المصنف إلى ~~الأربعة ليس كذلك ، فإنه | لم يروه أحد منهم ، وأظنه تبع في ذلك الحافظ ، ~~فإنه عزاه في ' الفتح ' إلى أصحاب السنن | والحاكم فوهم ، ولعله أراد الذي ~~قبله . # قوله : ' من أتى كاهنا ' إلى آخره . قال بعضهم : لا تعارض بين هذا الخبر ~~، وبين | حديث ' من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة ' ~~، إذ الغرض في هذا | الحديث أنه سأله معتقدا صدقه وأنه يعلم الغيب فإنه ~~يكفر ، فإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما | سمعته من الملائكة ، أو أنه ~~بإلهام فصدقه من هذه الجهة لا يكفر كذا قال ، وفيه نظر . وظاهر | الحديث ~~أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان ، لاعتقاده أنه يعلم الغيب ، وسواء ~~كان ذلك | من قبل الشياطين ، أو من قبل الإلهام لا سيما وغالب الكهان في ~~وقت النبوة إنما كانوا | يأخذون عن الشياطين . وفي حديث رواه الطبراني عن ~~واثلة مرفوعا ' من أتى كاهنا فسأله | عن شيء ، حجبت عنه التوبة أربعين ليلة ~~، فإن صدقه بما قال كفر ' قال المنذري : | ضعيف . فهذا - لو ثبت - نص في ~~المسألة لكن ما تقدم من الأحاديث يشهد له ، فإن | الحديث الذي فيه الوعيد ~~بعدم قبول الصلاة أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه ، والأحاديث | التي فيها ~~إطلاق الكفر مقيدة بتصديقه . # قوله : ' فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ' قال الطيبي : ~~المراد بالمنزل الكتاب والسنة ، | أي : من ارتكب هذه فقد برئ من دين محمد ~~صلى الله عليه وسلم ، وما أنزل عليه انتهى . وهل الكفر في هذا | الموضوع ~~كفر دون ms308 كفر أو يجب التوقف ؟ فلا يقال : ينقل عن الملة . ذكروا فيها ~~روايتين عن | أحمد وقيل : هذا على التشديد والتأكيد ، أي : قارب الكفر ~~والمراد كفر النعمة ، وهذان | القولان باطلان . # قال : ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا . # ش : أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف ك ~~| ' المسند ' وغيره روى عن يحيى بن معين ، وأبي خيثمة ، وأبي بكر بن أبي ~~شيبة ، وخلق | وكان من الأئمة الحفاظ مات سنة سبع وثلاثمائة . وهذا الأثر ~~رواه البزار أيضا وإسناده | PageV01P338 | على شرط مسلم ولفظه : ' من أتى ~~كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على | محمد صلى الله عليه ~~وسلم ' وفيه دليل على كفر الكاهن والساحر والمصدق لهما ، لأنهما يدعيان علم ~~| الغيب وذلك كفر ، والمصدق لهما يعتقد ويرضى به وذلك كفر أيضا . # قال : وعن عمران بن الحصين مرفوعا ' ليس منا من تطير له [ أو تكهن ] أو | ~~تكهن له [ أو سحر ] أو سحر له ، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول ، فقد كفر ~~بما أنزل على | محمد صلى الله عليه وسلم ' رواه البزار بإسناد جيد ، ورواه ~~الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون | قوله : ومن أتى إلى آخره . # ش : هذا الحديث رواه الطبراني كما قال ' المصنف ' في ' الأوسط ' قال ~~المنذري : | إسناد الطبراني حسن وإسناد البزار جيد . | PageV01P339 # قوله : ' ليس منا ' أي : ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا العاملين ~~باتباعنا المتقفين | لشرعنا . # قوله : ' من تطير ' أي : فعل الطيرة أو تطير له ، أي : أمر من يتطير له ، ~~وكذلك معنى | تكهن أو تكهن له أو سحر له . # قوله : ' رواه البزار ' . اسمه أحمد بن عمرو بن عبد الخالق ، أبو بكر ~~البزار البصري | صاحب ' المسند الكبير ' الذي عزا إليه المصنف ، روى عن ابن ~~بشار وابن المثنى وخلق . | قال الدارقطني : ثقة يخطئ ويتكل على حفظه مات ~~سنة اثنين وتسعين ومائتين . # قوله : قال البغوي : العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها ~~على | المسروق ، ومكان الضالة ، ونحو ذلك ، وقيل : هو الكاهن ، والكاهن هو ~~الذي يخبر ms309 عن | المغيبات في المستقبل ، وقيل : الذي يخبر عما في الضمير ، ~~وقال أبو العباس ابن تيمية : | العراف اسم للكاهن ، والمنجم ، والرمال ، ~~ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه | الطرق . # ش : ( البغوي ) بفتحتين اسمه الحسين بن مسعود بن الفراء ، المعروف بمحيي ~~السنة ، | الشافعي ، صاحب التصانيف ، وعالم أهل خراسان ، وكان ثقة فقيها ~~زاهدا ، مات في شوال | سنة ست عشرة وخمسمائة . # قوله : ( العراف الذي يدعي معرفة الأمور ) إلى آخره . هذا تفسير حسن ~~وظاهره يقتضي | أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة ، وأحسن ~~منه كلام شيخ الإسلام : | أن العراف اسم للكاهن ، والمنجم ، والرمال ، ~~ونحوهم ، كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو | يدعي الكشف . وقال أيضا : ~~والمنجم يدخل في اسم العراف ، وعند بعضهم هو في معناه . | وقال أيضا : ~~والمنجم يدخل في اسم الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء وحكى ذلك | عن ~~العرب ، وعند آخرين من جنس الكاهن ، وأسوء حالا منه ، فيلحق به من جهة ~~المعنى . # وقال الإمام أحمد : العراف طرف من السحر . والساحر أخبث . # وقال أبو السعادات : العراف المنجم ، والحازر : الذي يدعي علم الغيب ، ~~وقد استأثر | الله تعالى به . | PageV01P340 # وقال ابن القيم : من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا ، وعرافا . ~~والمقصود من | هذا معرفة أن من يدعي علم شيء من المغيبات ، فهو إما داخل في ~~اسم الكاهن ، وإما مشارك | له في المعنى فيلحق به ، وذلك أن إصابة المخبر ~~ببعض الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون | بالكشف ، ومنه ما هو من ~~الشياطين ، ويكون بالفأل ، والزجر ، والطير ، والضرب بالحصى ، | والخط في ~~الأرض ، والتنجيم ، والكهانة ، والسحر ، ونحو هذا من علوم الجاهلية . ونعني ~~| بالجاهلية : كل من ليس من اتباع الرسل كالفلاسفة ، والكهان ، والمنجمين ، ~~وجاهلية العرب | الذين كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم . فإن هذه ~~علوم قوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل | عليهم السلام . وكل هذه الأمور ~~يسمى صاحبها كاهنا وعرافا أو في معناهما ، فمن أتاهم | فصدقهم بما يقولون ~~لحقه الوعيد . وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب | الذي ~~استأثر الله تعالى بعلمه ms310 ، وادعوا أنهم أولياء ، وأن ذلك كرامة ، ولا ريب ~~أن من ادعى | الولاية ، واستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات ، فهو من ~~أولياء الشيطان لا من أولياء | الرحمن ، إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد ~~عبده المؤمن المتقي ، إما بدعاء أو أعمال صالحة | لا صنع للولي فيها ، ولا ~~قدرة له عليها بخلاف من يدعي أنه ولي لله ويقول للناس : اعلموا | أني أعلم ~~المغيبات ، فإن مثل هذه الأمور قد تحصل بما ذكرنا من الأسباب ، وإن كانت ~~أسبابا | محرمة كاذبة في الغالب ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في وصف ~~الكهان : ' فيكذبون معها مائة كذبة ' | فبين أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة ~~. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي | الولاية والعلم بما في ضمائر ~~الناس مع أن نفس دعواه دليل على كذبه ، لأن في دعواه | الولاية تزكية النفس ~~المنهي عنها بقوله : @QB@ فلا تزكوا أنفسكم @QE@ [ النجم : 32 ] وليس هذا ~~من | شأن الأولياء ، بل شأنهم الإزراء على نفوسهم ، وعيبهم لها ، وخوفهم من ~~ربهم . # فكيف يأتون الناس يقولون : اعرفوا أنا أولياء ، وأنا نعلم الغيب . وفي ~~ضمن ذلك طلب | المنزلة في قلوب الخلق ، واقتناص الدنيا بهذه الأمور وحسبك ~~بحال الصحابة والتابعين وهم | PageV01P341 | سادات الأولياء أفكان عندهم من ~~هذه الدعاوى والشطحات شيء ؟ لا والله . بل كان أحدهم | لا يملك نفسه من ~~البكاء إذا قرأ القرآن كالصديق . وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف | ~~يبكي في صلاته ، وكان يمر بالآية في ورده بالليل فيمرض منها ليالي يعوده ~~الناس ، وكان | تميم الداري يتقلب في فراشه لا يستطيع النوم إلا قليلا خوفا ~~من النار ، ثم يقوم إلى صلاته | ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكر الله تعالى ~~من صفاتهم في سورة الرعد ، والمؤمنين ، | والفرقان ، والذاريات ، والطور ، ~~فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء لا أهل | الدعوى والكذب ، ~~ومنازعة رب العالمين فيما اختص من الكبرياء والعظمة ، وعلم الغيب ، | بل ~~مجرد دعواه علم الغيب كفر ، فكيف يكون المدعي لذلك وليا لله ؟ ولقد عظم ~~الضرر ، | واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين ~~، ولبسوا بها على ms311 | خفافيش البصائر . نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا ~~والآخرة . # فإن قلت : كيف يكون علم الخط من الكهانة ؟ وقد روى أحمد ومسلم عن معاوية ~~بن | الحكم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ومنا رجال يخطون فقال ~~: ' كان نبي من الأنبياء يخط فمن | وافق خطه فذاك . # قلت : قال النووي : معناه أن من وافق خطه ، فهو مباح له ، لكن لا طريق ~~لنا إلى العلم | باليقين بالموافقة ، فلا يباح . والقصد أنه لا يباح إلا ~~بيقين الموافقة وليس لنا يقين . وقال | غيره : المراد به النهي عنه والزجر ~~عن تعاطيه ، لأن خط ذلك النبي كان معجزة وعلما | لنبوته ، وقد انقطعت نبوته ~~ولم يقل : فذلك الخط حرام دفعا لتوهم أن خط ذلك النبي | حرام . قلت : ~~ويحتمل أن المعنى أن سبب إصابة صاحب الخط هو موافقته لخط ذلك | النبي ، فمن ~~وافق خطه أصاب . وإذا كان كذلك وكانت الإصابة نادرة بالنسبة إلى الخط ، | ~~ولا طريق إلى اليقين بالموافقة صار ذلك بالنسبة إلى من يتعاطاه من أنواع ~~الكهانة لمشاركته | لها في المعنى إذا علمت ذلك ، فاعلم أن مذهب الإمام ~~أحمد أن حكم الكاهن والعراف | الاستتابة ، فإن تابا وإلا قتلا . ذكره غير ~~واحد من الأصحاب . # فأما المعزم الذي يعزم على المصروع ، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه ، ~~والذي | يحل السحر ، فقال في ' الكافي ' ذكرهما أصحابنا في السحرة الذين ~~ذكرنا حكمهم . وقد | PageV01P342 | توقف أحمد لما سئل عن الرجل يحل السحر ، ~~فقال : قد رخص فيه بعض الناس . قيل : إنه | يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه ~~، فنفض يده وقال : ما أدري ما هذا ؟ ! . | قيل له : فترى أن | يؤتى مثل هذا ~~يحل ؟ قال : ما أدري ما هذا ؟ ! . قال : وهذا يدل على أنه لا يكفر صاحبه ، ~~ولا | ويقتل . قلت : إن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن ، ~~فإنه يكفر ويقتل ، ونص | أحمد لا يدل على أنه لا يكفر ، فإنه قد يقول مثل ~~هذا في الحرام البين . # قوله : وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد ، وينظرون في النجوم : ما ~~أرى من فعل ms312 | ذلك له عند الله من خلاق . # ش : هذا الأثر ذكره المصنف عن ابن عباس ، ولم يعزه ، وقد رواه الطبراني ~~عن ابن | عباس مرفوعا ، وإسناده ضعيف ، ولفظه ' رب معلم حروف أبي جاد دارس ~~في النجوم | ليس له عند الله من خلاق يوم القيامة ' ورواه أيضا حميد بن ~~زنجويه عنه بلفظ ' رب ناظر في | النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند ~~الله خلاق ' . # قوله : ( ما أرى ) . يجوز فتح الهمزة من ' أرى ' بمعنى : لا أعلم له عند ~~الله من خلاق ، | أي : من نصيب ، ويجوز ضمها بمعنى : لا أظن ذلك لاشتغاله ~~بما فيه من اقتحام الخطر | والجهالة وادعاء علم الغيب الذي استأثر الله به ~~، وكتابة أبي جاد وتعلمها لمن يدعي بها | معرفة علم الغيب هو الذي يسمى علم ~~الحرف . ولبعض المبتدعة فيه مصنف ، فأما تعليمها | للتهجي وحساب الجمل ، ~~فلا بأس بذلك . # قوله : ( وينظرون في النجوم ) هذا محمول على علم التأثير لا التسيير ، ~~كما سيجيء في | باب التنجيم ، وفيه عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من ~~معارفهم وعلومهم ، كما قال | تعالى : ^ ( فلما جآءتهم رسلهم بالبينت فرحوا ~~بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به | يستهزءون * ) ^ [ غافر : 83 ] . ~~| PageV01P343 | # | ( [ 26 ] باب : ما جاء في النشرة ) # لما ذكر المصنف حكم السحرة والكهانة ذكر ما جاء في النشرة ، لأنها قد ~~تكون من | قبل الشياطين والسحرة ، فتكون مضادة للتوحيد ، وقد تكون مباحة ، ~~كما سيأتي تفصيله . # قال أبو السعادات : النشرة ضرب من العلاج والرقية ، يعالج به من كان يظن ~~أن به مسا | من الجن ، سميت نشرة ، لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء ، ~~أي : يكشف ويزال . # وقال الحسن : النشرة من السحر ، وقد نشرت عنه تنشيرا ، ومنه الحديث ' ~~فلعل طبا | أصابه ثم نشرة ب @QB@ قل أعوذ برب الناس @QE@ [ الناس : 1 ] أي ~~: رقاه . # وقال غيره : نشره أيضا إذا كتب له النشرة ، وهي كالتعويذ والرقية . # وقال ابن الجوزي : النشرة حل السحر عن المسحور ، ولا يكاد يقدر عليه إلا ~~من | يعرف السحر . # قال : عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ms313 سئل عن النشرة ، فقال : ' ~~هي من عمل الشيطان ' رواه | أحمد بسند جيد ، وأبو داود ، قال : سئل أحمد ~~عنها ، فقال ابن مسعود : يكره هذا كله . # ش : هذا الحديث رواه أحمد ، ورواه عنه أبو داود في ' سننه ' والفضل بن ~~زياد في | كتاب ' المسائل ' عن عبد الرزاق ، عن عقيل بن معقل بن منبه ، عن ~~عمه وهب بن منبه ، عن | جابر ، فذكره . قال ابن مفلح : إسناده جيد ، وحسن ~~الحافظ إسناده ، ورواه ابن أبي شيبة ، | وأبو داود في المراسيل عن الحسن ~~رفعه ' النشرة من عمل الشيطان ' . # قوله : ( سئل عن النشرة ) . الألف واللام في النشرة للعهد ، أي : النشرة ~~المعهودة التي | PageV01P344 | كان أهل الجاهلية يصنعونها ، هي من عمل ~~الشيطان ، لا النشرة بالرقى والتعوذات الشرعية | والأدوية المباحة ، فإن ~~ذلك جائز كما قرره ابن القيم فيما سيأتي . # قوله : ( وقال : سئل أحمد عنها فقال ابن مسعود : يكره هذا كله ) . مراد ~~أحمد - والله | أعلم - أن ابن مسعود يكره النشرة التي من عمل الشيطان ~~والنشرة التي بكتابة وتعليق | كالتمائم ، فإن ابن مسعود كان يكره التمائم ~~كلها من القرآن وغير القرآن ، أما النشرة بالتعويذ | والرقى بأسماء الله ~~وكلامه من غير تعليق ، فلا أعلم أحدا كرهه ، وكذلك ما رواه ابن أبي شيبة | ~~عن إبراهيم : كانوا يكرهون التمائم والرقى والنشر . محمول على ما ذكرنا . # قال وفي ' البخاري ' عن قتادة قلت لابن المسيب : رجل به طب ، أو يؤخذ عن ~~امرأته ، | أيحل عنه أو ينشر ؟ قال : لا بأس به ، إنما يريدون به الإصلاح ، ~~فأما ما ينفع فلم ينه عنه ؟ # ش : هذا الأثر علقه البخاري ، ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب ' السنن ' من ~~طريق أبان | العطار عن قتادة مثله ، ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ ~~: ' يلتمس من يداويه ' | فقال : إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع . # قوله : ( عن قتادة ) هو ابن دعامة بكسر الدال السدوسي البصري ثقة ثبت ~~فقيه من أحفظ | التابعين ، يقال : إنه ولد أكمه مات سنة بضع عشرة ومائة . # قوله : ( رجل به طب ) بكسر الطاء ، أي : سحر ، يقال : طب الرجل بالضم : ~~إذا سحر ms314 ، | ويقال : كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا ، كما قالوا للديغ : سليم ~~وقال ابن الأنباري : الطب | من الأضداد يقال لعلاج الداء : طب ، والسحر من ~~الداء ، يقال له : طب . # قوله : ( أو يؤخذ ) . بفتح الواو مهموز ، وتشديد الخاء المعجمة وبعدها ~~ذال معجمة ، | أي : يحبس عن امرأته ، ولا يصل إلى جماعها والأخذ بضم الهمزة ~~: الكلام الذي يقوله | الساحر . # قوله : ( يحل ) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول . | PageV01P345 # قوله : ( وينشر ) بتشديد المعجمة . # قوله : ( قال لا بأس به . . . ) إلى آخره يعني أن النشرة لا بأس بها ~~لأنهم يريدون بها | الإصلاح ، أي : إزالة السحر ، ولم ينه عما يراد به ~~الإصلاح ، إنما ينهى عما يضر . وهذا | الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع ~~من النشرة لا يعلم هل هو نوع من السحر أم لا ؟ | فأما أن يكون ابن المسيب ~~يفتي بجواز قصد الساحر الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر ، فلا | يظن به ~~ذلك ، حاشاه منه ، ويدل على ذلك قوله : إنما يريدون به الإصلاح ، فأي إصلاح ~~في | السحر ؟ ! بل كله فساد وكفر والله أعلم . # قال : وروي عن الحسن أنه قال : لا يحل السحر إلا ساحر . # ش : هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في ' جامع المسانيد ' بغير إسناد ، ولفظه ~~' لا يطلق | السحر إلا ساحر ' ، وروى ابن جرير في ' التهذيب ' من طريق يزيد ~~بن زريع ، عن قتادة ، عن | سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان ~~بالرجل سحر أن يمشي إلى من يطلق عنه ، | فقال : هو صلاح ، قال قتادة : وكان ~~الحسن يكره ذلك يقول : لا يعلم ذلك إلا ساحر ، | قال : فقال سعيد بن المسيب ~~: إنما نهى الله عما يضر ، ولم ينه عما ينفع . # قوله : ( عن الحسن ) هو ابن أبي الحسن ، واسمه يسار بالتحتانية والمهملة ~~البصري | الأنصاري مولاهم ، ثقة فقيه ، إمام فاضل من خيار التابعين . مات ~~سنة عشر ومائة ، وقد | قارب التسعين . # قوله : قال ابن القيم : النشرة حل السحر عن المسحور . وهي نوعان : حل ~~بسحر مثله ، | وهو الذي من عمل الشيطان . وعليه يحمل قول الحسن ، فيتقرب ~~الناشر والمنتشر إلى | الشيطان بما يحب ، فيبطل عمله ms315 عن المسحور ، والثاني ~~: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية | المباحة ، فهذا جائز . # ش : هذا الثاني هو الذي يحمل عليه كلام ابن المسيب ، أو على نوع لا يدرى ~~هل هو | من السحر أم لا ؟ وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة ، ~~فإنه محمول على | ذلك ، وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية ، وليس في ~~كلامه ما يدل على ذلك ، بل لما | سئل عن الرجل يحل السحر قال : قد رخص فيه ~~بعض الناس . قيل : إنه يجعل في الطنجير | ماء ويغيب فيه ؟ فنفض يده وقال : ~~لا أدري ما هذا ؟ قيل له : أفترى أن يؤتى مثل هذا ؟ قال لا | أدري ما هذا ؟ ~~وهذا صريح في النهي عن النشرة على الوجه المكروه . وكيف يجيزه ؟ وهو | الذي ~~روى الحديث أنها من عمل الشيطان ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركا بين ~~الجائزة | PageV01P346 | والتي من عمل الشيطان ، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا ~~أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان ، | وحاشاه من ذلك . ومما في صفة النشرة ~~الجائزة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن | ليث بن أبي سليم قال : بلغني ~~أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تقرأ في إناء فيه | ماء ، ثم تصب ~~على رأس المسحور الآية التي في يونس @QB@ فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به ~~السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين @QE@ إلى قوله : ( ولو ~~كره المجرمون ) | [ يونس : 81 - 82 ] وقوله : @QB@ فوقع الحق وبطل ما كانوا ~~يعملون @QE@ [ الأعراف : 118 ] إلى آخر | أربع آيات . وقوله : ^ ( إنما ~~صنعوا كيد سحر ولا يفلح الساحر حيث أتى ) ^ [ طه : 69 ] وقال ابن | بطال : ~~في كتاب وهب بن منبه أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر ، فيدقه بين حجرين ، | ~~ثم يضربه بالماء ، ويقرأ فيه آية الكرسي والقوافل ، ثم يحسو منه ثلاث حسوات ~~، ثم يغتسل | به ، فإنه يذهب عنه كل ما به ، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله ~~. | PageV01P347 | # | ( [ 27 ] باب : ما جاء في التطير ) # مصدر تطير يتطير والطيرة أيضا - بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن - مصدر ms316 ~~تطير ، | يقال : تطير طيرة وتخير خيرة ولم يجيء من المصادر هكذا غيرهما ، ~~وأصله فيما يقال : | التطير بالسوانح ، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما ~~، وكان ذلك يصدهم عن مقاصدهم . | فإذا أرادوا أمرا ، فإن رأوا الطير مثلا ~~طار يمنة ، تيمنوا به ، وإن طار يسرة ، تشاءموا به ، فنفاه | الشرع وأبطله ~~ونهى عنه وأخبر أنه ليس له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر . قال المدائني : | ~~سألت رؤبة بن العجاج ما السانح ؟ قال : ما ولاك ميامنه قلت : فما البارح ؟ ~~قال : ما ولاك | مياسره . قال والذي يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيح ، ~~والذي يجيء من خلفك هو | القاعد والقعيد . ولما كانت الطيرة بابا من الشرك ~~منافيا للتوحيد أو لكماله ، لأنها من إلقاء | الشياطين وتخويفه ووسوسته ، ~~ذكره المصنف في كتاب ' التوحيد ' تحذيرا منها وإرشادا إلى | كمال التوحيد ~~بالتوكل على الله . واعلم أن ما كان معتنيا بها قابلا بها كانت إليه أسرع ~~من | السيل إلى منحدره ، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه ~~، ويفتح له | الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ~~ما يفسد عليه دينه ، وينكد | عليه عيشه ، فالواجب على العبد التوكل على ~~الله ، ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن يمضي | لشأنه ، لا يرده ~~شيء من الطيرة عن حاجته ، فيدخل في الشرك . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( ألا إنما طئرهم عند الله ولكن أكثرهم لا ~~يعلمون ) ^ [ الأعراف : | 131 ] . # ش : أول الآية قوله تعالى : @QB@ فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن ~~تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه @QE@ الآية . المعنى أن آل فرعون إذا ~~أصابتهم الحسنة ، أي : الخصب والسعة | والعافية على ما فسره مجاهد وغيره ~~قالوا : لنا هذه ، أي : نحن الجديرون الحقيقون به ، | ونحن أهله وإن تصبهم ~~سيئة ، أي : بلاء وضيق وقحط يطيروا بموسى ومن معه فيقولون : | هذا بسبب ~~موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقوله المتطير لمن يتطير به . فأخبر سبحانه ~~| أن طائرهم عنده فقال : ألا إنما طائرهم عند الله . قال ابن عباس : طائرهم ~~ما قضي عليهم | وقدر لهم وفي رواية ذكرها ابن جرير عنه ms317 قال : الأمر من قبل ~~الله ، وفي رواية شؤمهم عند | PageV01P348 | الله ومن قبله ؛ أي : إنما ~~جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله . وقيل : | المعنى أن ~~الشؤم العظيم هو الذي عند الله من عذاب النار لا هذا الذي أصابهم في الدنيا ~~| والظاهر أن هذه الآية كقوله تعالى : @QB@ وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من ~~عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله @QE@ [ ~~النساء : 78 ] أي : أن الكل من الله ، لكن هذا | الشؤم الذي أجراه عليهم من ~~عنده ، هو بسبب أعمالهم ، لا بسبب موسى عليه السلام ومن | معه . وكيف يكون ~~ذلك وما جاء به خير محض . والطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير ، # وقوله : @QB@ ولكن أكثرهم لا يعلمون @QE@ . أي أن أكثرهم جهال لا يدرون ، ~~ولو فهموا أو عقلوا | لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى عليه السلام شيء ~~يقتضي الطيرة . # وقال ابن جرير : يقول تعالى ذكره : ألا طائر آل فرعون وغيرهم - وذلك ~~أنصباؤهم من | الرخاء والخصب وغير ذلك من أنصباء الخير والشر - إلا عند ~~الله ، ولكن أكثرهم لا يعلمون | أن ذلك كذلك ، فلجهلهم بذلك كانوا يتطيرون ~~بموسى ومن معه . # قال : وقوله : ^ ( قالوا طئركم معكم ) ^ الآية [ يس : 19 ] . # ش : المعنى والله أعلم ، أي : حظكم وما نالكم من خير وشر معكم بسبب ~~أفعالكم | وكفركم ومخالفتكم الناصحين ، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا ، بل ~~ببغيكم وعداوتكم فطائر | الباغي الظالم معه وهو عند الله كما قال تعالى : ^ ~~( وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل | كل من عند الله فمال هؤلاء القوم ~~لا يكادون يفقهون حديثا ) ^ [ النساء : 78 ] ولو فقهوا أو فهموا لما | ~~تطيروا بما جئت به ، لأنه ليس فيما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ما ~~يقتضي الطيرة ، كأنه خير محض لا | شر فيه ، وصلاح لا فساد فيه ، وحكمة لا ~~عيب فيها ، ورحمة لا جور فيها . فلو كان هؤلاء | القوم من أهل الفهم ~~والعقول السليمة لم يتطيروا من هذا ، لأن الطيرة إنما تكون بالشر لا | ~~بالخير المحض والحكمة والرحمة ، بل ms318 طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم ~~وهو | عند الله كسائر حظوظهم ، وأنصبائهم التي ينالونها منه بأعمالهم . ~~ويحتمل أن يكون المعنى | ^ ( طئركم معكم ) ^ أي : راجع عليكم ، فالتطير ~~الذي حصل لكم إنما يعود عليكم ، وهذا من | باب القصاص في الكلام ونظيره ~~قوله عليه السلام : ' إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا | عليكم ' ذكره ابن ~~القيم . | PageV01P349 # وقوله : ( أإن ذكرتم ) أي : من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله ، ~~وإخلاص العبادة | له قابلتمونا بهذا الكلام ، وتوعدتمونا بل أنتم قوم ~~مسرفون . # وقال قتادة : أئن ذكرناكم بالله تطيرتم بنا ؟ ومطابقة الآيتين لمقصود ~~الباب ظاهر ، لأن | الله تعالى لم يذكر الطير إلا عن أعدائه ، فهو من أمر ~~الجاهلية ، لا من أمر الإسلام . # قال : عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا عدوى ولا ~~طيرة ولا هامة ولا صفر ' | أخرجاه زاد مسلم : ' ولا نوء ولا غول ' . # ش : قوله : ' لا عدوى ' . قال أبو السعادات : العدوى اسم من الإعداء ~~كالدعوى | والبقوى من الادعاء والإبقاء . يقال : أعداه الداء يعديه إعداء ، ~~وهو أن يصيبه مثل ما | بصاحب الداء . وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا يتقي ~~مخالطته بإبل أخرى حذار أو يتعدى | ما به من الجرب إليها ، فيصيبها ما ~~أصابه . انتهى . # وفي بعض روايات هذه الحديث فقال أعرابي : يا رسول الله فما بال الإبل ~~تكون في | الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب ، فيدخل فيها فيجربها ~~كلها ؟ قال : ' فمن أعدى | الأول ' وفي رواية في ' مسلم ' أن أبا هريرة كان ~~يحدث بحديث ' لا عدوى ' ويحدث عن | النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' ~~لا يورد ممرض على مصح ' ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث ' لا | PageV01P350 ~~| يورد ممرض على مصح ' وأمسك عن حديث ' لا عدوى ' فراجعوه فيه ، فقالوا : ~~سمعناك | تحدثه ، فأبى أن يعترف به . قال أبو سلمة الراوي عن أبي هريرة : ~~فلا أدرى أنسي أبو هريرة | أو نسخ أحد القولين الآخر . # وقد روى حديث ' لا عدوى ' جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك ، وجابر بن ~~| عبد الله ، والسائب بن يزيد ، وابن عمر وغيرهم ms319 ، فنسيان أبي هريرة له لا ~~يضر . وفي بعض | روايات هذا الحديث ' وفر من المجذوم كما تفر من الأسد ' ~~وقد اختلف العلماء في ذلك | اختلافا كثيرا فردت طائفة حديث ' لا عدوى ' بأن ~~أبا هريرة رجع عنه . قالوا : والأخبار الدالة | على الاجتناب أكثر فالمصير ~~إليها أولى ، وهذا ليس بشيء ، لأن حديث ' لا عدوى ' قد رواه | جماعة كما ~~تقدم . # وعكست طائفة هذا القول ، ورجحوا حديث ' لا عدوى ' وزيفوا ما سواه من ~~الأخبار ، | وأعلوا بعضها بالشذوذ كحديث ' فر من المجذوم فرارك من الأسد ' ~~وبأن عائشة أنكرته كما | روى ابن جرير عنها : أن امرأته سألتها عنه فقالت : ~~ما قال ذلك ، ولكنه قال : ' لا عدوى ' | وقال : ' فمن أعدى الأول ' قالت : ~~وكان لي مولى به هذا الداء ، فكان يأكل في صحافي ، | ويشرب في أقداحي ، ~~وينام على فراشي . وهذا أيضا ليس بشيء ، فإن الأحاديث في | الاجتناب ثابتة ~~. # وحملت طائفة أخرى الإثبات والنفي على حالتين مختلفين ، فحيث جاء لا عدوى ~~كان | المخاطب بذلك من قوي يقينه ، وصح توكله بحيث لا يستطيع أن يدفع عن ~~نفسه اعتقاد | العدوى ، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل واحد ~~، لكن القوي اليقين لا | يتأثر به ، وهذا كما أن قوة الطبيعة تدفع العلة ~~وتبطلها . وحيث جاء الإثبات كان المراد به | ضعيف الإيمان والتوكل ذكره بعض ~~أصحابنا واختاره وفيه نظر . وقال مالك لما سئل عن # PageV01P351 | حديث ' فر من المجذوم ' : ما سمعت فيه بكراهية وما أرى ما ~~جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع | في نفس المؤمن شيء . ومعنى هذا أنه نفى ~~العدوى أصلا ، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم | المادة وسد الذريعة ، لئلا ~~يحدث للمخاطب شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة ، فيثبت | العدوى التي ~~نفاها الشارع . وإلى هذا ذهب أبو عبيد وابن جرير والطحاوي وذكره القاضي أبو ~~| يعلى عن أحمد . # قلت : وأحسن من هذا كله ما قاله البيهقي ، وتبعه ابن الصلاح وابن القيم ~~وابن رجب | وابن مفلح وغيرهم أن قوله ' لا عدوى ' على الوجه الذي كانوا ~~يعتقدونه في الجاهلية من | إضافة الفعل ms320 إلى غير الله تعالى وأن هذه الأمراض ~~تعدي بطبعها ، وإلا فقد يجعل الله | بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من ~~هذه العيوب سببا لحدوث ذلك . ولهذا قال : ' فر من المجذوم كما تفر من الأسد ~~' وقال : ' لا يورد ممرض على مصح ' وقال في الطاعون : | ' من سمع به بأرض ~~فلا يقدم عليه ' وكل ذلك بتقدير الله تعالى كما قال : ' فمن أعدى | ~~PageV01P352 | الأول ' يشير إلى أن الأول إنما جرب بقضاء الله وقدره ، ~~فكذلك الثاني وما بعده . وروى | الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا ~~، ' لا يعدي شيء ' قالها ثلاثا فقال الأعرابي : | يا رسول الله ، النقبة من ~~الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه في الإبل العظيمة فتجرب كلها . | فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' فمن أجرب الأول لا عدوى ولا هامة ولا صفر ~~، خلق الله كل نفس | وكتب حياتها [ ومصائبها ] ورزقها ' فأخبر عليه السلام ~~أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما | دل عليه قوله تعالى : ^ ( مآ أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتب من قبل أن | نبرأهآ ) ^ [ الحديد ~~: 22 ] . # وأما أمره بالفرار من المجذوم ، ونهيه عن إيراد الممرض على المصح ، وعن ~~الدخول | إلى موضع الطاعون ، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله ~~تعالى ، وجعلها أسبابا | للهلاك والأذى ، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر ~~إذا كان في عافية ، فكما أنه يؤمر أن لا | يلقي نفسه في الماء أو في النار ~~أو تحت الهدم أو نحو ذلك كما جرت العادة بأنه يهلك | ويؤذي ، فكذلك اجتناب ~~مقاربة المريض كالمجذوم ، وقدوم بلد الطاعون ، فإن هذه كلها | أسباب للمرض ~~والتلف ، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها ، لا خالق غيره ، ولا مقدر ~~| غيره . # وأما إذا قوي التوكل على الله ، والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على ~~مباشرة بعض | هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ~~ففي هذه الحال تجوز مباشرة | ذلك لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة ~~وعلى هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو | داود والترمذي أن النبي ms321 صلى الله ~~عليه وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال : ' كل ثقة بالله | ~~وتوكلا عليه ' وقد أخذ به الإمام أحمد . وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان رضي ~~الله | PageV01P353 | عنهم . ونظير ذلك ما روي عن خالد بن الوليد من أكل ~~السم ومن مشي سعد بن أبي وقاص | وأبي مسلم الخولاني بالجيوش على متن البحر ~~قاله ابن رجب . # قوله : ' ولا طيرة ' . قال ابن القيم : هذا يحتمل أن يكون نفيا أو يكون ~~نهيا ، أي : لا | تتطيروا ، ولكن قوله في الحديث : ' ولا عدوى ولا صفر ولا ~~هامة ' يدل على أن المراد | النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية ~~تعانيها . والنفي في هذا أبلغ من النهي ، لأن | النفي يدل على بطلان ذلك ~~وعدم تأثيره ، والنهي إنما يدل على المنع منه وفي ' صحيح | PageV01P354 | ~~مسلم ' عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~ومنا أناس يتطيرون فقال : | ' ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه فلا يصدنكم ' ~~فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو | في نفسه وعقيدته لا المتطير به ، ~~فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده لا ما رآه | وسمعه . فأوضح صلى ~~الله عليه وسلم لأمته الأمر وبين لهم فساد الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه ~~لم يجعل لهم | عليها علامة ، ولا فيها دلالة ، ولا نصبها سببا لما يخافونه ~~ويحذرونه ، ولتطمئن قلوبهم ، | وتسكن نفوسهم إلى وحدانيته تعالى التي أرسل ~~بها رسله ونزل بها كتبه ، وخلق لأجلها | السموات والأرض ، وعمر الدارين ~~الجنة والنار بسبب التوحيد فقطع صلى الله عليه وسلم علق الشرك من | قلوبهم ~~، لئلا يبقى فيها علق منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال أهل النار البتة . # فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين ، وتوكل على الله ، ~~قطع | هاجس الطيرة من قبل استقرارها ، وبادر خواطرها من قبل استمكانها . ~~قال عكرمة : كنا | جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح . فقال رجل من القوم : ~~خير خير فقال ابن عباس : | لا خير ولا شر فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد ~~تأثيره في الخير والشر . # وخرج ms322 طاووس مع صاحب له في سفر ، فصاح غراب ، فقال الرجل : خير ، فقال | ~~طاووس : وأي خير عند هذا لا تصحبني . انتهى ملخصا . # ولكن يشكل عليه ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس مرفوعا ' لا طيرة ، ~~والطيرة | على من تطير ' فظاهر هذا أنها تكون سببا لوقوع الشر بالمتطير . # وجوابه : أن المراد بذلك من تطير تطيرا منهيا عنه ، وهو أن يعتمد على ما ~~يسمعه ويراه | حتى يمنعه مما يريده من حاجته ، فإنه قد يصيبه ما يكرهه ~~عقوبة له ، فأما من توكل على الله ، | ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفا ~~ورجاء ، وقطعه عن الالتفات إلى غير الله . وقال : وفعل | ما أمر به فإنه لا ~~يضر ذلك . وأما من اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها ، | ~~فإنه لا ينفعه ذلك غالبا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير ~~به ، فإنه كثيرا ما | يصاب بما يخشى به . # وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة ، منها قوله عليه ~~| السلام : ' الشؤم في ثلاث في المرأة والدابة والدار ' وفي رواية ' لا ~~عدوى ولا طيرة ، | PageV01P355 | والشؤم في ثلاث ' الحديث . # وفي حديث آخر ' إن كان ففي الفرس والمرأة والمسكن ' رواهما البخاري ~~فأنكرت | عائشة رضي الله عنها ذلك وقالت : كذب والذي أنزل الفرقان على أبي ~~القاسم من حدث بها | ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول : ' كان ~~أهل الجاهلية يقولون : إن الطيرة في المرأة والدار | والدابة ، ثم قرأت ~~عائشة ^ ( ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتب من | قبل أن ~~نبرأها إن ذلك على الله يسير ) ^ [ الحديد : 22 ] رواه أحمد وابن خزيمة ~~والحاكم | وصححه بمعناه . # وقال الخطابي وابن قتيبة : هذا مستثنى من الطيرة ، أي : الطيرة منهي عنها ~~إلا أن يكون | له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم ~~فليفارق الجميع بالبيع والطلاق | ونحوه ، ولا يقيم على الكراهة والتأذي به ~~فإنه شؤم . # وقالت طائفة : لم يجزم النبي صلى الله عليه وسلم بالشؤم في ms323 هذه الثلاثة ، ~~بل علقه على الشرط كما | ثبت ذلك في الصحيح ، ولا يلزم من صدق الشرطية صدق ~~كل واحد بمفردها ، قالوا : | والراوي غلط . # قلت : لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة ، ورواية تعليقه بالشرط لا ~~تدل | على نفي رواية الجزم . | PageV01P356 # وقالت طائفة أخرى : الشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها فيكون ~~شؤمها عليه ، | ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشؤومة عليه ~~، قالوا : ويدل عليه حديث | أنس ' الطيرة على من تطير ' وقد يجعل الله ~~سبحانه تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه | كما يجعل الثقة به والتوكل ~~عليه ، وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها | الشر . # وقال ابن القيم : إخباره صلى الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة ، ليس ~~فيه إثبات الطيرة التي نفاها | الله وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق ~~أعيانا منها مشؤومة على من قاربها وسكنها ، وأعيانا | مباركة لا يلحق من ~~قاربها منها شؤم ولا شر . وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا | ~~يريان الخير على وجهه ، ويعطي غيرهما ولدا مشؤوما يريان الشر على وجهه ، ~~وكذلك ما | يعطاه العبد من ولاية أو غيرها . فكذلك الدار والمرأة والفرس . ~~والله سبحانه خالق الخير | والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان ~~سعودا مباركة ، ويقضي بسعادة من | قاربها وحصول اليمن والبركة له ، ويخلق ~~بهضها نحوسا يتنحس بها من قاربها ، وكل ذلك | بقضائه وقدره كما خلق سائر ~~الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة والمختلفة ، كما خلق | المسك وغيره من ~~الأرواح الطبية ولذذ بها من قاربها من الناس ، وخلق ضدها وجعلها | سببا ~~لألم من قاربها من الناس ، والفرق بين هذين النوعين مدرك بالحس فكذلك في ~~الديار | والنساء والخيل فهذا لون والطيرة الشركية لون . انتهى . # قلت : ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة ، أن يسأل الله من ~~خيرها وخير ما | جبلت عليه ، ويستعيذ من شرها وشر ما جبلت عليه ، وكذلك ~~ينبغي لمن سكن دارا أن | يفعل ذلك ولكن يبقى على هذا أن يقال : هذا جاء في ~~كل مشؤوم ms324 فما وجه خصوصية هذه | الثلاثة بالذكر ؟ وجوابه أن أكثر ما يقع ~~التطير في هذه الثلاثة فخصت بالذكر لذلك ، ذكره في | ' شرح السنن ' . | ~~PageV01P357 # ومنها : ما روى مالك عن يحيى بن سعيد قال : ' جاءت امرأة إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم | فقالت : يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال ~~وافر فقل العدد وذهب المال ، فقال | النبي صلى الله عليه وسلم : دعوها ~~ذميمة ' رواه أبو داود عن أنس بنحوه وجوابه أن هذا ليس من الطيرة | المنهي ~~عنها ، بل أمرهم بالانتقال لأنهم استثقلوها واستوحشوا منها ، لما لحقهم ~~فيها | ليتعجلوا الراحة مما دخلهم من الجزع ، لأن الله قد جعل في غرائز ~~الناس استثقال ما نالهم | الشر فيه ، وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى ~~على يديه الخير لهم ، وإن لم | يردهم به ، ولأن مقامهم فيها قد يقودهم إلى ~~الطيرة ، فيوقعهم ذلك في الشرك ، والشر الذي | يلحق المتطير بسبب طيرته ، ~~وهذا بمنزلة الخارج من بلد الطاعون غير فار منه ، ولو منع | الناس الرحلة ~~من الدار التي تتوالى عليهم فيها المصائب والمحن ، وتعذر الأرزاق مع سلامة ~~| التوحيد في الرحلة ، للزم كل من ضاق عليه رزق في بلد أو قلة فائدة صناعته ~~أو تجارته فيها | أن لا ينتقل عنها إلى غيرها . # ومنها فإن قيل : ما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء حيث رخص في ~~الارتحال عن | الدار دون موضع البلاء ؟ أجاب بعضهم أن الأمور بالنسبة إلى ~~هذا المعنى ثلاثة أقسام : | أحدها : ما لا يقع التطير منه إلا نادرا ، أو ~~لا مكررا فهذا لا يصغي إليه كنعيب الغراب في | السفر ، وصراخ بومة في دار ، ~~وهذا كانت العرب تعتبره . ثانيها : ما يقع به ضرر ، ولكنه | يعم ولا يخص ~~ويندر ولا يتكرر كالوباء ، فهذا لا يقدم عليه ولا يفر منه . وثالثها : سبب ~~| محض ولا يعم ويلحق به الضرر لطول الملازمة كالمرأة ، والفرس والدار فيباح ~~له | الاستبدال ، أو التوكل على الله ، والإعراض عما يقع في النفس ذكره في ~~' شرح السنن ' . # ومنها : حديث اللقحة لما منع النبي صلى ms325 الله عليه وسلم حربا ومرة من ~~حلبها وأذن ليعيش رواه | مالك . | PageV01P358 # وجوابه : أن ابن عبد البر قال : ليس هذا عندي من باب الطيرة لأنه محال أن ~~ينهى عن | شيء ويفعله ، وإنما هو من طلب الفأل الحسن . وقد كان أخبرهم عن ~~أقبح الأسماء أنه حرب | ومرة . فالمراد بذلك حتى لا يتسمى بهما أحد . وقد ~~روى ابن وهب في ' جامعه ' ما يدل | على هذا فإنه قال في هذا الحديث : ' ~~فقام عمر بن الخطاب فقال : أتكلم يا رسول الله أم | أصمت ؟ فقال : بل أصمت ~~وأخبرك بما أردت ، ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيره ، | لا خير إلا ~~خيره ، ولكن أحب الفأل الحسن ' وعلى هذا تجري بقية الأحاديث التي توهم | ~~بعضهم أنها من باب الطيرة . # قوله : ' ولا هامة ' بتخفيف الميم على الصحيح . قال الفراء : الهامة طائر ~~من طير الليل | كأنه يعني : البومة قال ابن الأعرابي : كانوا يتشاءمون بها ~~إذا وقعت على بيت أحدهم يقول : | نعت إلي نفسي أو أحدا من أهل داري . وقال ~~أبو عبيد : كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير | هامة فتطير ، ويسمون ذلك ~~الطائر الصدى ، وبه جزم ابن رجب قال : وهذا شبيه باعتقاد أهل | التناسخ أن ~~أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور ، وكل هذه | ~~اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها . ولكن الذي جاءت به الشريعة ~~أن أرواح | الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها ~~إلى أن يردها الله | إلى أجسادها . وذكر الزبير بن بكار في ' الموفقيات ' ~~أن العرب كانت في الجاهلية تقول : | PageV01P359 | إذا قتل الرجل ، ولم ~~يأخذ بثأره ، خرجت من رأسه هامة ، وهي دودة فتدور حول قبره | وتقول : ~~اسقوني . وفي ذلك يقول شاعرهم : | # % يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي % % أضربك حتى تقول الهامة اسقوني % . # قال : وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب . # قوله : ( ولا صفر ) . بفتح الفاء روى أبو عبيد القاسم بن سلام في ' غريب ~~الحديث ' له | عن رؤبة أنه قال : هي حية تكون في ms326 البطن تصيب الماشية والناس ~~وهي أعدى من الجرب | عند العرب . فعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه ~~من العدوى ، ويكون عطفه على | العدوى من عطف الخاص على العام . وممن قال ~~بهذا : سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري | وابن جرير ، وقال آخرون : المراد ~~به شهر صفر ، والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في | النسيء ، وكانوا ~~يحلون المحرم ، ويحرمون صفر مكانه . وهذا قول مالك وفيه نظر . وروى | أبو ~~داود عن محمد بن راشد عمن سمعه يقول : إن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ~~| ويقولون : إنه شهر مشؤوم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، قال ابن ~~رجب : ولعل هذا القول أشبه | الأقوال ، وكثير من الجهال يتشاءم بصفر ، ~~وربما ينتهي عن السفر فيه . والتشاؤم بصفر هو | من جنس الطيرة المنهي عنها ~~، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام ، كيوم الأربعاء وتشاؤم أهل | الجاهلية ~~بشوال في النكاح فيه خاصة . # قوله : ' ولا نوء ' النوء واحد الأنواء وسيأتي الكلام عليه في باب ما جاء ~~في الاستسقاء | بالأنواء . # قوله : ' ولا غول ' هو بالفتح مصدر معناه : البعد والهلاك وبالضم الاسم ، ~~وجمعه | أغوال وغيلان وهو المراد هنا . قال أبو السعادات : الغول واحد ~~الغيلان ، وهو جنس من | الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة ~~تتراءى للناس فتتغول تغولا ، أي : | تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم ، أي : ~~تضلهم عن الطريق وتهلكهم ، فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم | وأبطله . وقيل ~~: قوله : لا غول ليس نفيا لعين الغول ووجوده ، وإنما فيه إبطال زعم العرب | ~~في تلونه بالصور المختلفة واغتياله . فيكون المعنى بقوله : ' لا غول ' أنها ~~لا تستطيع أن تضل | أحدا ويشهد له الحديث الآخر ' لا غول ولكن السعالي سحرة ~~الجن ' أي : ولكن في الجن | PageV01P360 | سحرة لهم تلبيس وتخييل ، ومنه ~~الحديث ' إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان ' أي ادفعوا | شرها بذكر الله ~~، وهذا يدل على أنه لم يرد بنفيها عدمها ، ومنه حديث أبي أيوب : كان لي | ~~تمر في سهوة فكانت الغول تجيء فتأخذ . # قال : ولهما عن أنس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ' لا عدوى ولا ms327 ~~طيرة ويعجبني الفأل ، | قالوا : وما الفأل ؟ قال : الكلمة الطيبة ' . # ش : قوله : ' ويعجبني الفأل ' قال أبو السعادات : الفأل مهموز فيما يسر ~~ويسوء ، والطيرة | لا تكون إلا فيما يسوء ، وربما استعملت فيما يسر ، يقال ~~: تفاءلت بكذا ، وتفألت على | التخفيف والقلب . وقد أولع الناس بترك الهمزة ~~تخفيفا ، وإنما أحب الفأل ، لأن الناس إذا | أملوا فائدة الله ، ورجوا ~~عائدته عند كل سبب ضعيف أو قوي ، فهم على خير ، ولو غلطوا | في جهة الرجاء ~~، فإن الرجاء لهم خير ، وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من | ~~الشر . # وأما الطيرة ، فإن فيها سوء الظن بالله ، وتوقع البلاء . ومعنى التفاؤل ~~مثل أن يكون | رجل مريض ، فيتفاءل بما يسمع من كلام فيسمع آخر يقول : يا ~~سالم ، أو يكون طالب | ضالة ، فيسمع آخر يقول : يا واجد ، فيقع في ظنه أنه ~~برئ من مرضه ويجد ضالته ومنه | PageV01P361 | الحديث قيل : يا رسول الله ما ~~الفأل فقال : ' الكلمة الصالحة ' . # قوله : قالوا : ومال الفأل ، قال : ' الكلمة الطيبة ' بين لهم صلى الله ~~عليه وسلم أن الفأل يعجبه فدل أنه | ليس من الطيرة المنهي عنها . # قال ابن القيم : ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك بل ذلك إبانة ~~عن | مقتضى الطبيعة ، ومن حب الفطرة الإنسانية التي تميل إلى ما يوافقها ~~ويلائمها ، كما أخبرهم | أنه ' حبب إليه من الدنيا النساء والطيب ' . وكان ~~يحب الحلوى والعسل ، ويحب حسن | الصوت بالقرآن والأذان ويستمع إليه ويحب ~~معالي الأخلاق ، ومكارم الشيم ، وبالجملة | يحب كل كمال وخير وما يفضي ~~إليهما . والله سبحانه وتعالى قد جعل في غرائز الناس | الإعجاب بسماع الاسم ~~الحسن ومحبته ، وميل نفوسهم إليه ، وكذلك جعل فيها الارتياح | والاستبشار ~~والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ~~| ذلك ، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع ، استبشرت بها النفس ، وانشرح لها ~~الصدر ، وقوي | بها القلب ، وإذا سمعت أضدادها ، أوجب لها ضد هذه الحال ، ~~فأحزنها ذلك ، وأثار لها | خوفا وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت له وعزمت ~~عليه ، فأورث لها ضررا في الدنيا ، | ونقصا في الإيمان ، ومقارفة للشرك . # وقال الحليمي ms328 : وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل ، لأن التشاؤم ~~سوء ظن بالله تعالى بغير | سبب محقق ، والتفاؤل حسن ظن به ، والمؤمن مأمور ~~بحسن الظن بالله تعالى على كل حال . # قال : ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال : ذكرت الطيرة عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم | فقال : ' أحسنها الفأل ولا ترد مسلما ، فإذا رأى ~~أحدكم ما يكره فليقل : اللهم لا يأتي | بالحسنات إلا أنت ، ولا يدفع ~~السيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك ' # ش : قوله : ( عن عقبة بن عامر ) هكذا وقع في نسخ التوحيد ، وصوابه ( عروة ~~بن عامر ) | كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما ، وهو مكي اختلف في نسبه ، ~~فقال أحمد بن حنبل في | روايته : عن عروة بن عامر القرشي ، وقال غيره ~~الجهني ، واختلف في صحبته فقال | PageV01P362 | الباوردي : له صحبة ، وذكره ~~ابن حبان في ثقات التابعين ، وقال المزي : لا صحبة له | تصح . # قوله : فقال : ' أحسنها الفأل ' . قد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان ~~يعجبه الفأل . وروى الترمذي | وصححه عن أنس ' أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا خرج لحاجته يحب أن يسمع يا نجيح يا راشد . # وروى أبو داود عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء ~~، وكان إذا بعث عاملا | سأل عن اسمه ، فإذا أعجبه ، فرح به ، وإن كره اسمه ~~، رؤي كراهيته ذلك في وجهه ' | وإسناده حسن . فهذا في استعمال الفأل . # قال ابن القيم في الكلام على الحديث المشروح : أخبر صلى الله عليه وسلم ~~أن الفأل من الطيرة وهو | خيرها ، فأبطل الطيرة ، وأخبر أن الفأل منها ، ~~ولكنه خير منها ، ففصل بين الفأل والطيرة لما | بينهما من الامتياز والتضاد ~~، ونفع أحدهما ومضرة الآخر ، ونظير هذا منعه من الرقى بالشرك ، | وإذنه في ~~الرقية إذا لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة الخالية عن المفسدة . # قوله : ' ولا ترد مسلما ' قال الطيبي : تعريض بأن الكافر بخلافه . # قوله : ' اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ' أي ~~: لا ms329 تأتي | الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات ، بل أنت وحدك لا شريك لك ~~، الذي تأتي | بالحسنات وتدفع السيئات . وهذا دعاء مناسب لمن وقع في قلبه ~~شيء من الطيرة ، وتصريح | بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ، ويعد من ~~اعتقدها سشفيها مشركا . # قوله : ' ولا حول ولا قوة إلا بك ' استعانة بالله تعالى على فعل التوكل ، ~~وعدم الالتفات | إلى الطيرة التي قد تكون سببا لوقوع المكروه وعقوبة ~~لفاعلها ، وذلك إنما يصدر من تحقيق | التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب ~~الخيرات ، ودفع المكروهات . والحول : التحول | والانتقال من حال إلى حال ، ~~والقوة على ذلك ، أي : لا حول ولا قوة على ذلك الحول إلا | بك ، وذلك يفيد ~~التوكل على الله لأنه علم وعمل ، فالعلم معرفة القلب بتوحد الله بالنفع | ~~والضر ، وعامة المؤمنين بل كثير من المشركين يعلمون ذلك ، والعمل هو ثقة ~~القلب بالله | PageV01P363 | وفراغه من كل ما سواه ، وهذا عزيز ويختص به ~~خواص المؤمنين ، وهو داخل في هذه | الكلمة ، لأن فيها التبرؤ من الحول ~~والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ومشيئته والإقرار | بقدرته على كل شيء ~~، وبعجز العبد عن كل شيء إلا ما أقدره عليه ربه ، وهذا نهاية توحيد | ~~الربوبية الذي يثمر التوكل وتوحيد العبادة . # قال : وعن ابن مسعود مرفوعا ' الطيرة شرك ، الطيرة شرك ، وما منا إلا ، ~~ولكن الله | يذهبه بالتوكل ' رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من ~~قول ابن مسعود . # ش : هذا الحديث رواه أيضا ابن ماجه وابن حبان ولفظ أبي داود ' الطيرة شرك ~~الطيرة | شرك ثلاثا ' . # قوله : ' الطيرة شرك ' صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من ~~تعلق القلب | على غير الله . وقال ابن حمدان في ' الرعاية ' تكره الطيرة ، ~~وكذا قال غير واحد من أصحاب | أحمد . قال ابن مفلح : والأولى القطع ~~بتحريمها . ولعل مرادهم بالكراهة التحريم ، قلت : بل | الصواب القطع ~~بتحريمها ، لأنها شرك ، وكيف يكون الشرك مكروها الكراهة الاصطلاحية ؟ ! | ~~فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه . قال في ' شرح السنن ~~' . وإنما جعل | الطيرة من الشرك لأنهم كانوا ms330 يعتقدون أن التطير يجلب لهم ~~نفعا ، أو يدفع عنهم ضرا إذ | عملوا بموجبه فكأنهم شركوه مع الله تعالى . # قوله : ' ومنا منا إلا ' . قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري : في ~~الحديث إضمار | والتقدير : وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك انتهى . ~~وحاصله : وما منا إلا من | يعتريه التطير ، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه . ~~فحذف ذلك اعتمادا على فهم السامع . وقال | الخلخالي : حذف المستثنى لما ~~يتضمنه من الحالة المكروهة وهذا نوع من أدب الكلام . | PageV01P364 # قوله : ' ولكن الله يذهبه بالتوكل ' أي : ما منا إلا من يقع في قلبه ذلك ~~، ولكن لما | توكلنا على الله وآمنا به ، واتبعنا ما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، واعتقدنا صدقه ، أذهب الله ذلك | عنا ، وأقر قلوبنا على ~~السنة واتباع الحق . # قوله : ' وجعل آخره من قول ابن مسعود ' . قال الترمذي : سمعت محمد بن ~~إسماعيل | يقول : كان سليمان بن حرب يقول في هذا : ' وما منا ' هذا عندي من ~~قول ابن مسعود ، | فالترمذي نقل ذلك عن سليمان بن حرب ووافقه على ذلك ~~العلماء . قال ابن القيم : وهو | الصواب ، فإن الطيرة نوع من الشرك . # قال : ولأحمد من حديث ابن عمرو ' من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا ~~: فما | كفارة ذلك ؟ قال : أن تقول : اللهم لا خير إلا خيرك ، ولا طير إلا ~~طيرك ، ولا إله غيرك ' # ش : هذا الحديث رواه الإمام أحمد ، والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن ~~العاص | مرفوعا وفي إسناده ابن لهيعة ، وفيه اختلاف ، وبقية رجاله ثقات . # قوله : ( من حديث ابن عمرو ) . هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل ~~السهمي أبو | محمد ، وقيل : أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من ~~الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء | مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح ~~بالطائف . # قوله : ' من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك ' وذلك أن التطير هو التشاؤم ~~بالشيء | المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره ، ~~وامتنع بها عما عزم عليه ، | فقد قرع باب الشرك ، بل ولجه وبرئ من التوكل ~~على الله ms331 ، وفتح على نفسه باب الخوف | والتعلق بغير الله ، وذلك قاطع له عن ~~مقام إياك نعبد ، وإياك نستعين ، فيصير قلبه متعلقا بغير | الله ، وذلك شرك ~~، فيفسد عليه إيمانه ، ويبقى هدفا لسهام الطيرة . ويقيض له الشيطان من | ~~ذلك ما يفسد عليه دينه ودنياه ، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة . # قوله : ( فما كفارة ذلك إلى آخر الحديث ) . هذا كفارة لما يقع من الطيرة ~~، ولكن يمضي PageV01P365 | مع ذلك ويتوكل على الله ، وفيه الاعتراف بأن ~~الطير خلق مسخر مملوك لله ، لا يأتي بخير ولا | يدفع شرا ، وأنه لا خير في ~~الدنيا والآخرة إلا خير الله ، فكل خير فيهما فهو من الله تعالى | تفضلا ~~على عباده ، وإحسانا إليهم وأن الإلهية كلها لله ليس فيها لأحد من الملائكة ~~والأنبياء | عليهم السلام شركة ، فضلا عن أن يشرك فيها ما يراه ويسمعه مما ~~يتشاءم به . # قوله : من حديث الفضل بن العباس ' إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ' # ش : هذا الحديث رواه أحمد في ' المسند ' ولفظه حدثنا حماد بن خالد قال : ~~ثنا ابن | علاثة عن مسلمة الجهني قال : سمعت يحدث عن الفضل بن عباس قال : ~~خرجت مع | رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فبرح ظبي فمال في شقه ~~فاحتضنته فقلت : يا رسول الله تطيرت قال : | ' إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ~~' هكذا رواه أحمد وفي إسناده نظر . وقرأت بخط | المصنف : فيه رجل مختلف فيه ~~، وفيه انقطاع أي : بين مسلمة وبين الفضل وهو ابن | العباس بن عبد المطلب ~~ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأكبر ولد العباس . قال ابن معين : قتل ~~يوم | اليرموك في عهد أبي بكر رضي الله عنه . وقال غيره : قتل يوم مرج ~~الصفر ، سنة ثلاث | عشرة وهو ابن اثنتين وعشرين سنة . قال أبو داود : قتل ~~بدمشق كان عليه درع النبي صلى الله عليه وسلم | وقال الواقدي وابن سعد : ~~مات في طاعون عمواس . # قوله : ' إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك ' . هذا حد للطيرة المنهي عنها ~~بأنها ما أوجب | للإنسان أن يمضي لما يريده ولو من الفأل ms332 ، فإن الفأل إنما ~~يستحب لما فيه من البشارة | والملاءمة للنفس ، فأما أن يعتمد عليه ويمضي ~~لأجله مع نسيان التوكل على الله ، فإن ذلك | من الطيرة . وكذلك إذا رأى أو ~~سمع ما يكره فتشاءم به ورده عن حاجته ، فإن ذلك أيضا من | الطيرة . | ~~PageV01P366 | # | ( [ 28 ] باب : ما جاء في التنجيم ) # المراد هنا ذكر ما يجوز من التنجيم وما لا يجوز وما ورد فيه من الوعيد . ~~قال شيخ | الإسلام : التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث ~~الأرضية . وقال الخطابي : | علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم ~~من علم الكوائن والحوادث التي لم تقع | وستقع في مستقبل الزمان ، كأوقات ~~هبوب الرياح ، ومجيء المطر ، وظهور الحر والبرد ، | وتغير الأسعار ، وما ~~كان في معناها من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير | الكواكب ~~في مجاريها واجتماعها وافتراقها ، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات ، ~~وأنها تجري | على قضايا موجباتها ، وهذا منهم تحكم على الغيب ، وتعاط لعلم ~~قد استأثر الله به لا يعلم | الغيب سواه . # قلت : واعلم أن التنجيم على ثلاثة أقسام : أحدها : ما هو كفر بإجماع ~~المسلمين ، وهو | القول بأن الموجودات في العالم السفلي مركبة على تأثير ~~الكواكب والروحانيات ، وأن | الكواكب فاعلة مختارة وهذا كفر بإجماع ~~المسلمين ، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين | بعث إليهم إبراهيم الخليل ~~عليه السلام ، ولهذا كانوا يعظمون الشمس والقمر والكواكب | تعظيما يسجدون ~~لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح معروفة في كتبهم ، ويدعونها دعوات | لا ~~تنبغي إلا لخالقها وفاطرها وحده لا شريك له ، ويبنون لكل كوكب هيكلا ، أي : ~~موضعا | لعبادته ويصورون فيه ذلك الكوكب ، ويتخذونه لعبادته وتعظيمه ، ~~ويزعمون أن روحانية ذلك | الكوكب تنزل عليهم وتخاطبهم تقضي حوائجهم . وتلك ~~الروحانيات هي الشياطين تنزلت | عليهم ، وخاطبتهم وقضت حوائجهم . وقد صنف ~~بعض المتأخرين في هذا الشرك مصنفا | وذكر صاحب ' التذكرة ' فيها . # الثاني : الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها ~~وافتراقها ونحو | ذلك ، ويقول : إن ذلك بتقدير الله ومشيئته ، فلا ريب في ~~تحريم ذلك ، واختلف المتأخرون | في تكفير القائل بذلك . وينبغي أن يقطع ~~بكفره . لأنها دعوى لعلم ms333 الغيب الذي استأثر الله | تعالى بعلمه بما لا يدل ~~عليه . | PageV01P367 # الثالث : ما ذكره المصنف في تعلم المنازل وسيأتي الكلام عليه . # قوله قال البخاري في ' صحيحه ' قال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث ، ~~زينة للسماء ، | ورجوما للشياطين ، وعلامات يهتدي بها ، فمن تأول فيها غير ~~ذلك أخطأ وأوضاع نصيبه ، | وتكلف ما لا علم له به . # ش : هذا الأثر علقه البخاري في ' صحيحه ' كما قال المصنف وأخرجه عبد ~~الرزاق ، | وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم ، وأبو ~~الشيخ ، والخطيب في | كتاب ' النجوم ' عن قتادة . ولفظه قال : إن الله إنما ~~جعل هذه النجوم لثلاث خصال : جعلها | زينة للسماء ، وجعلها يهتدى بها ، ~~وجعلها رجوما للشياطين ، فمن تعاطى فيها غير ذلك ، فقد | قال برأيه ، وأخطأ ~~حظه ، وأضاع نصيبه ، وتكلف ما لا علم له به ، وإن ناسا جهلة بأمر الله قد | ~~أحدثوا في هذه النجوم كهانة : من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا ، ومن ~~سافر بنجم كذا | وكذا كان كذا وكذا ، ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر ~~والأسود والطويل والقصير | والحسن والذميم ، وما علم هذه النجوم وهذه ~~الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب . ولو | أن أحدا علم الغيب ، لعلمه ~~آدم الذي خلقه الله بيده ، وأسجد له ملائكته ، وعلمه أسماء كل | شيء . # قوله : ( خلق الله هذه النجوم لثلاث . . . إلى آخره ) . هذا مأخوذ من ~~القرآن في قوله | تعالى : ^ ( ولقد زينا السماء الدنيا بمصبيح وجعلنها ~~رجوما للشيطين ) ^ [ الملك : 5 ] وقوله تعالى : | ^ ( وعلمت وبالنجم هم ~~يهتدون ) ^ [ النحل : 16 ] وفيه إشارة إلى أن النجوم في السماء الدنيا | ~~كما هو ظاهر الآية ، وفيه حديث رواه ابن مردويه عن ابن مسعود قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : | ' أما السماء الدنيا ، فإن الله خلقها من ~~دخان ، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ، وزينها بمصابيح | النجوم ، وجعلها ~~رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم . # وقوله : ( وعلامات ) ، أي : دلالات على الجهات والبلدان ونحو ذلك يهتدى ~~بها بصيغة | المجهول . أي : يهتدي بها الناس في ذلك كما قال تعالى : ^ ( ~~وهو الذي ms334 جعل لكم النجوم | لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر ) ^ [ الأنعام ~~: 97 ] وليس المراد : يهتدون بها في علم الغيب | ولهذا قال : فمن تأول فيها ~~ذلك ، أي : زعم فيها غير ما ذكر الله تعالى في هذه الثلاث ، | فادعى بها ~~علم الغيب ، فقد أخطأ ، أي : حيث تكلم رجما بالغيب وأضاع نصيبه ، أي : حظه ~~| من عمره ، لأنه اشتغل بما لا فائدة فيه ، بل مضرة محضة ، وتكلف ما لا علم ~~له به ، أي : | تعاطى شيئا لا يتصور علمه ، لأن أخبار السماء ، والأمور ~~المغيبة لا تعلم إلا من طريق | PageV01P368 | الكتاب والسنة ، وليس فيهما ~~أزيد مما تقدم . قال الداوودي : قول قتادة في النجوم حسن إلا | قوله : أخطأ ~~وأضاع نصيبه ، فإنه قصر في ذلك بل قائل ذلك كافر . # فإن قلت : إن المنجمين قد يصدقون بعض الأحيان . # قيل : صدقهم كصدق الكهان يصدقون مرة ويكذبون مئة ، وليس في صدقهم مرة ما ~~| يدل على أن ذلك علم صحيح كالكهان . # وقد استدل بعض المنجمين بآيات من كتاب الله على صحة علم التنجيم منها ~~قوله : | ^ ( وعلمت وبالنجم هم يهتدون * ) ^ # والجواب أنه ليس المراد بهذه الآية أن النجوم علامات على الغيب يهتدي بها ~~الناس | في علم الغيب ، وإنما المعنى وعلامات ، أي : دلالات على قدرة الله ~~وتوحيده . وعن قتادة | ومجاهد أن من النجوم ما يكون علامة لا يهتدى إلا بها ~~، وقيل : إن هذا من تمام الكلام | الأول وهو قوله : ^ ( وألقى في الأرض ~~روسى أن تميد بكم وأنهرا وسبلا لعلكم | تهتدون * ) ^ [ النحل : 15 - 16 ] ~~أي : وألقى لكم معالم يعلم بها الطريق والأراضي من | الجبال الكبار والصغار ~~يستدل بها المسافرون في طرقهم . وقوله : @QB@ وبالنجم هم يهتدون @QE@ | [ ~~النحل : 16 ] قال ابن عباس في الآية : ' وعلامات ' يعني : معالم الطرق ~~بالنهار @QB@ وبالنجم هم يهتدون @QE@ قال : يهتدون به في البحر في أسفارهم ~~. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم . فهذا | القول ونحوه هو معنى الآية ، ~~فالاستدلال بها على صحة علم التنجيم استدلال على ما يعلم | فساده بالاضطرار ~~من دين الإسلام بما لا يدل عليه لا نصا ولا ظاهرا ، وذلك أفسد أنواع | ~~الاستدلال ms335 ، فإن الأحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال علم ~~التنجيم وذمه ، | منها حديث ' من | اقتبس شعبة من علم النجوم فقد اقتبس ~~شعبة من السحر ' الحديث وقد تقدم . # وعن عبد الله بن محيريز التابعي الجليل أن سليمان بن عبد الملك دعاه فقال ~~: لو | علمت علم النجوم فازددت إلى علمك فقال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' إن أخوف ما أخاف | على أمتي ثلاث : حيف الأئمة ، وتكذيب ~~بالقدر وإيمان بالنجوم ' # وعن رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' مما أخاف على أمتي ~~التصديق بالنجوم ، | والتكذيب بالقدر ، وحيف الأئمة ' رواهما عبد بن حميد ~~فهذان المرسلان من هذين | PageV01P369 | الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت ~~الحديث ، لا سيما وقد احتج به من أرسله . # وعن أبي محجن مرفوعا : ' أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا : جيف الأئمة ، ~~وإيمانا | بالنجوم ، وتكذيبا بالقدر ' رواه ابن عساكر وحسنه السيوطي . # وعن أنس مرفوعا ' أخاف على أمتي بعدي خصلتين تكذيبا بالقدر ، وإيمانا ~~بالنجوم ' . # رواه أبو يعلى وابن عدي والخطيب في كتاب ' النجوم ' وحسنه السيوطي أيضا . # وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر مرفوعا : ' مفاتيح الغيب خمس لا ~~يعلمها | إلا الله ، لا يعلم ما في غد إلا الله ، ولا يعلم ما تغيض الأرحام ~~إلا الله ، ولا يعلم متى يأتي | المطر أحد إلا الله ، ولا تدري نفس بأي أرض ~~تموت ، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله ' | لفظ البخاري . # وعن العباس بن عبد المطلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~لقد طهر الله هذه الجزيرة من | الشرك ما لم تضلهم النجوم ' رواه ابن مردويه ~~. # وعن ابن عمر مرفوعا : ' تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر ~~والبحر ثم | انتهوا ' | PageV01P370 # عن أبي هريرة قال : ' نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في ~~النجوم ' رواهما ابن مردويه | والخطيب . # وعن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال : ' أما بعد : | فإن ناسا يزعمون أن كسوف هذه الشمس ، وكسوف هذا ms336 ~~القمر ، وزوال هذه النجوم عن | مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض ، ~~وأنهم قد كذبوا ، ولكنها آيات من آيات الله | يعتبر بها عباده لينظر من ~~يحدث له منهم توبة ' رواه أبو داود . # وفي الباب أحاديث وآثار غير ما ذكرنا . فتبين بهذا أن الاستدلال بالآية ~~على صحة | أحكام النجوم من أفسد أنواع الاستدلال . # ومنها قوله تعالى عن إبراهيم : @QB@ فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم ~~@QE@ | [ الصفات : 88 - 89 ] والجواب : أن هذا من جنس استدلاله بالآية ~~الأولى في الفساد ، فأين | فيها ما يدل على صحة أحكام النجوم بوجه من وجوه ~~الدلالات ؟ ! وهل إذا رفع إنسان بصره | إلى النجوم ، فنظر إليها ، دل ذلك ~~على صحة علم النجوم عنده ؟ ! وكل الناس ينظرون إلى | النجوم ، فلا يدل ذلك ~~على صحة علم أحكامها . وكأن هذا ما شعر أن إبراهيم عليه السلام | إنما بعث ~~إلى الصابئة المنجمين مبطلا لقولهم مناظرا لهم على ذلك . # فإن قيل على هذا : فما فائدة نظرته في النجوم ؟ # قيل : نظرته في النجوم من معارض الأفعال ليتوصل به إلى غرضه من كسر ~~الأصنام PageV01P371 | كما كان قوله : @QB@ بل فعله كبيرهم هذا @QE@ [ ~~الأنبياء : 63 ] فمن ظن أن نظرته في النجوم | ليستنبط منها علم الأحكام ، ~~وعلم أن طالعه يقضي عليه بالنحس ، فقد ضل ضلالا بعيدا . | ولهذا جاء في ~~حديث الشفاعة الصحيح أنه عليه السلام يقول : ' لست هناكم ويذكر ثلاث | ~~كذبات كذبهن ' وعدها العلماء قوله : ' إني سقيم ' . قوله : ' بل فعله ~~كبيرهم هذا ' وقوله | لسارة : هي أختي # فلو كان قوله : إني سقيم أخذه من علم النجوم لم يعتذر من ذلك ، وإنما هي ~~من | معاريض الأفعال ، فلهذا اعتذر منها كما اعتذر من قوله @QB@ بل فعله ~~كبيرهم @QE@ ذكر ذلك | ابن القيم . لكن قوله . وعدها العلماء . يدل على أنه ~~لم يستحضر الحديث الوارد في عدها . | وقد رواه أحمد والبخاري وأصحاب ' ~~السنن ' وابن جرير وغيرهم عن أبي هريرة أن | رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله | ~~قوله : إني سقيم ، وقوله : @QB@ بل ms337 فعله كبيرهم هذا @QE@ ، وقوله في سيارة ~~هي أختي ' لفظ | ابن جرير . # وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعا ' في كلمات إبراهيم الثلاث التي ~~قال : ما | منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله ، فقال : إني سقيم ، وقال ~~: بل فعله كبيرهم هذا ، وقال | للملك حين أراد امرأته : هي أختي ' وفي | ~~إسناده ضعف . وقال قتادة في الآية : العرب تقول | لمن تفكر : نظر في النجوم ~~قال ابن كثير : يعني قتادة : أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يكذبهم | به ~~فقال : إني سقيم ، أي : ضعيف . # قال : وكره قتادة تعلم منازل القمر ، ولم يرخص ابن عيينة فيه ، ذكره حرب ~~عنهما ، | ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق . # ش : هذا هو القسم الثالث من علم التنجيم وهو تعلم منازل الشمس والقمر ، | ~~للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول ، وهو كما ترى من اختلاف ~~| السلف فيه ، فما ظنك بذينك القسمين ؟ ! ومنازل القمر ثمانية وعشرون كل ~~ليلة في منزلة | منها ، فكره قتادة وسفيان بن عيينة تعلم المنازل ، وأجازه ~~أحمد وإسحاق وغيرهما . | قال الخطابي : أما علم النجوم الذي يدرك من طريق ~~المشاهدة والخبر الذي يعرف به | PageV01P372 | الزوال ، وتعلم به جهة ~~القبلة ، فإنه غيره داخل فيما نهى عنه ، وذلك أن معرفة رصد الظل ليس | شيئا ~~بأكثر من أن الظل ما دام متناقصا ، فالشمس بعد صاعدة نحو وسط السماء من ~~الأفق | الشرقي ، وإذا أخذ في الزيادة ، فالشمس هابطة من وسط السماء نحو ~~الأفق الغربي . وهذا | علم يصح دركه للمشاهدة ، إلا أن أهل هذه الصناعة قد ~~دبروها بما اتخذوا له من الآلات | التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ~~ومراصدته ، وأما ما يستدل به من النجوم على جهة | القبلة فإنها كواكب رصدها ~~أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين ، | ومعرفتهم ~~بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها ، مثل يشاهدوها بحضرة الكعبة ، ويشاهدوها | ~~على حال الغيبة عنها ، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا ذلك ~~بقبول خبرهم ، إذ | كانوا عندنا غير متهمين في دينهم ، ولا مقصرين في ~~معرفته . # وروى ابن ms338 المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل ~~القمر قلت : | لأنه لا محذور في ذلك . | وعن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسا ~~أن يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به . رواه ابن | المنذر . قال ابن رجب : ~~والمأذون في تعلمه علم التيسيير لا علم التأثير فإنه باطل محرم | قليله ~~وكثيره . وأما علم التيسيير ، فتعلم ما يحتاجه إليه للإهتداء ، ومعرفة ~~القبلة ، والطرق جائز | عند الجمهور ، وما زاد عليه لا حاجة إليه يشغلة عما ~~هو أهم منه ، وربما أدى تدقيق النظر فيه | إلى إساءة الظن بمحاريب المسلمين ~~، كما وقع من أهل هذا العلم قديما وحديثا ، وذلك | يفضي اعتقاده إلى خطأ ~~السلف في صلاتهم وهو باطل . انتهى مختصرا . # قلت : وهذا هو الصحيح إن شاء الله ، ويدل على ذلك الآيات و الأحاديث التي ~~| تقدمت : وهل يدخل في النهي وقت الكسوف الشمسي والقمري أم لا ؟ رجح ابن ~~القيم أنه لا يدخل . # قوله : ذكره حرب عنهما . هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد ~~الكرماني | الفقيه من أجلة أصحاب الإمام أحمد روى عن أحمد وإسحاق وابن ~~المديني وابن معين | وأبي خيثمة وابن أبي شعبة وغيرهم ، وله مصنفات جليلة ~~منها كتاب ' المسائل ' التي سئل | عنها الإمام أحمد وغيره وأورد فيها ~~الأحاديث والآثار ، وأظنه روى أثر قتادة وابن عيينة | فيها . مات سنة ~~ثمانين ومائتين . وإسحاق هو [ ابن ] إبراهيم بن مخلد أبو يعقوب الحنظلي | ~~النيسابوري الإمام المعروف بابن راهويه ، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة ~~وابن عيينة | وطبقتهم قال أحمد : إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين ، ورى ~~عنه أحمد والبخاري # # PageV01P373 | ومسلم وأبو داود وغيرهم ، وروى هو أيضا عن أحمد مات سنة ~~تسع وثلاثين ومائتين . | قال : وعن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر ، | وقاطع الرحم ، ومصدق ~~بالسحر ' رواه أحمد وابن حبان في ' صحيحه ' . # ش : هذا الحديث رواه أيضا الطبراني والحاكم وقال : صحيح وأقره الذهبي . ~~وتمام | الحديث ' ومن مات وهو مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة نهر ms339 يجري ~~من فروج | المومسات ، يؤذي أهل النار ريح فروجهن ' . # قوله : ' عن أبي موسى هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار _ بفتح المهملة ~~| وتشديد الضاد المعجمة _ أبو موسى الأشعري ، صحابي جليل استعمله النبي صلى ~~الله عليه وسلم وأمره عمر | ثم عثمان ، وهو أحد الحكمين بصفين مات سنة ~~خمسين . | قوله : ' ثلاثة لا يدخلون الجنة ' هذا من نصوص الوعيد التي كره ~~السلف تأويلها وقالوا : | أمروها كما جاءت . وإن كان صاحبها لا ينتقل عن ~~الملة عندهم ، وكأن المصنف رحمه الله | يميل إلى هذا القول ، وقالت طائفة : ~~هو على ظاهره فلا يدخل الجنة أصلا مدمن الخمر | ونحوه ، ويكون هذا مخصصا ~~لعموم الأحاديث الدالة على خروج الموحدين من النار | ودخولهم الجنة ، وحمله ~~أكثر الشراح على من فعل ذلك مستحلا ، أو على معنى أنهم لا | يدخلون الجنة ~~إلا بعد العذاب إن لم يتوبوا والله أعلم . # قوله ( مدمن الخمر ) أي : المداوم على شربها . # قوله : ( وقاطع الرحم ) . أي : القرابة كما قال تعالى : @QB@ فهل عسيتم ~~إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم @QE@ [ محمد : | 22 - 23 ] . | PageV01P374 # قوله : ' ومصدق بالسحر ' مطلقا ويدخل فيه التنجيم لحديث : ' من اقتبس ~~علما من | النجوم اقتبس علما من السحر ' وهذا وجه مطابقة الحديث للباب . ~~قال الذهبي في | ' الكبائر ' : ويدخل فيه تعلم السيمياء وعملها ، وهو محض ~~السحر ، وعقد المرء عن زوجته ، | ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه ، ~~وأشباه ذلك بكلمات مجهولة قال : وكثير من الكبائر | بل عامتهما إلا الأقل ~~يجهل خلق من الأمة تحريمه ، وما بلغه الزجر فيه ، ولا الوعيد عليه ، | فهذا ~~الضرب فيهم تفصيل ، فينبغي للعالم ان لا يجهل على الجاهل ، بل يرفق به ~~ويعلمه | سيما إذا قرب عهده بجهله ، كمن أسر وجلب إلى أرض الإسلام وهو تركي ~~فبالجهد أن | يتلفظ بالشهادتين فلا يأثم أحد إلا بعد العلم بحاله وقيام ~~الحجة عليه . | PageV01P375 | # | ( [ 29 ] باب : ما جاء في الاستسقاء بالأنواء ) # أي : من الوعيد ، والمراد نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء ~~وهي منازل | القمر . قال أبو ms340 السعادات : وهي ثمانية وعشرون منزلة ينزل ~~القمر كل ليلة منزلة منها ومنه | قوله تعالى : ^ ( والقمر قدرنه منازل ) ^ ~~[ يس 39 ] يسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة | منزلة مع طلوع القجر ، وتطلع ~~أخرى مقابلتها ذلك الوقت في الشرق فتنقضي جميعها مع | انقضاء السنة . وكانت ~~العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر ، وينسبونه | إليها ~~فيقولون : مطرنا بنوء كذا ، وإنما سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها ~~بالمغرب ناء | الطالع بالمشرق ينوء نوءا ، أي : نهض وطلع . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( وتجلون رزقكم أنكم تكذبون * ) ^ [ الواقعة : ~~82 ] # روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في ' ~~المختارة ' | عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ' وتجعلون رزقكم يقول : شكركم أنكم | تكذبون ، يقولون : مطرنا بنوء كذا ~~وكذا ، وبنجم كذا وكذا ' وهذا أولى ما فسرت به | الآية . وروي ذلك عن علي ~~وابن عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم . وهو | قول جمهور ~~المفسرين ، وبه يظهر وجه استدلال المصنف بالآية على الترجمة ، فالمعنى على ~~| هذا : وتجعلون شكركم لله على ما أنزل إليكم من الغيث والمطر والرحمة أنكم ~~تكذبون ، | أي : تنسبونه إلى غيره . | PageV01P376 | وقال ابن القيم : أي : ~~تجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به حياتكم التكذيب به | يعني : القرآن . قال ~~الحسن : تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآ أنكم تكذبون ، قال : | وخسر عبد لا ~~يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به قلت والآية تشمل المعنيين . # قال : عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' أربع ~~في أمتي من أمر الجاهلية لا | يتركونهن : الفخر في الأحساب ، والطعن في ~~الأنساب ، والاستسقاء بالنجوم ، والنياحة ، | وقال : النائحة إذا لم تتب ~~قبل موتها ، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ، ودرع من | جرب ' ~~رواه مسلم . # ش : قوله : ( عن أبي مالك الأشعري ) اسمه الحارث بن الحارث الشامي صحابي ~~تفرد | عنه بالرواية أبو سلام ، وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير ~~هذا ، جزم به الحافظ . # قوله : ' أربع في أمتي من أمر الجاهلية ms341 لا يتركونهن ' أي : من أفعال ~~أهالها بمعنى أنها | معاصي ستفعلها هذه الأمة إما مع العلم بتحريمها وإما ~~مع الجهل بذلك كما كان أهل | الجاهلية يفعلونها . والمراد بالجاهلية هنا ما ~~قبل المبعث ، سموا بذلك لفرط جهلهم ، وكل | ما يخالف ما جاءت به الأنبياء ~~والمرسلون فهو جاهلية منسوبة إلى الجاهل ، فإن ما كانوا | عليه من الأقوال ~~والأعمال إنما أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل . قال شيخ الإسلام : | أخبر ~~أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه ، وهذا يقتضي أن ~~ما كان | من أمر الجاهلية وفعلهم ، فهو مذموم في دين الإسلام وإلا لم يكن ~~في إضافة هذه المنكرات | إلى الجاهلية ذم لها . ومعلوم أن إضافتها إلى ~~الجاهلية خرج مخرج الذم وهذا كقوله تعالى : | @QB@ ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى @QE@ [ الأحزاب : 33 ] فإن في ذلك ذما للتبرج ، وذما لحال | ~~الجاهلية الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في الجملة . # قوله : ' الفخر بالأحساب ' أي : التشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ~~ومآثرهم | وفضائلهم وذلك جهل عظيم ، إذ لا شرف إلا بالتقوى كما قال تعالى : ~~^ ( وما أمولكم ولا | أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من ءامن وعمل ~~صالحا ) ^ [ سبأ : 37 ] الآية . وقال تعالى : | @QB@ إن أكرمكم عند الله ~~أتقاكم @QE@ [ الحجرات : 13 ] وروى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا ' إن | ~~PageV01P377 # الله قد أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها بالآباء مؤمن تقي أو فاجر شقي ، ~~الناس بنو آدم | وآدم من تراب ، ليدعن رجال فخرهم بأقوام ، إنما هم فحم من ~~فحم جهنم ، أو ليكونن | أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن ' ~~والأحساب جمع حسب وهو ما يعده | الإنسان له ولآبائه من شجاعة وفصاحة ونحو ~~ذلك . # قوله : ' والطعن في الأنساب ' أي : الوقوع فيها بالذم والعيب أو يقدح في ~~نسب أحد من | الناس فيقول : ليس هو من ذرية فلان أو يعيره بما في آبائه من ~~المطاعن ، ولهذا لما عير أبو | ذر ذر رضي الله عنه رجلا بأمه ، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : ' أعيرته بأمه ؟ ! إنك امرؤ فيك جاهلية ms342 ' | ~~متفق عليه . فدل ذلك أن التعبير بالأنساب من أخلاق الجاهلية ، وأن الرجل مع ~~فضله | وعلمه ودينه قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ~~ونصرانية ، ولا | يوجب ذلك كفره وفسقه . قاله : شيخ الإسلام . # قوله : ( والاستسقاء بالنجوم ) . أي : نسبة السقيا ومجيء المطر إلى ~~النجوم والأنواء ، | وهذا هو الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته ~~، كما روى الإمام أحمد وابن جرير عن جابر | السوائي قال : سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : ' أخاف على أمتي ثلاثا : استسقاء بالنجوم ، | ~~وحيف السلطان ، وتكذيبا بالقدر ' # إذا تبين هذا ، فالاستسقاء بالنجوم نوعان : أحدهما أن يعتقد أن المنزل ~~للمطر هو | النجم ، فهذا كفر ظاهر ، إذ لا خالق إلا الله ، وما كان المشرون ~~هكذا ، بل كانوا يعلمون | أن الله هو المنزل للمطر ، كما قال تعالى : ^ ( ~~ولئن سألتهم من نزل من السماء مآء فأحيا به | PageV01P378 | الأرض من بعد ~~موتها ليقولن الله ) ^ [ العنكبوت : 63 ] وليس هذا معنى الحديث فالنبي صلى ~~الله عليه وسلم أخبر | أن هذا لا يزال في أمته ، ومن اعتقد أن النجم ينزل ~~المطر ، فهو كافر . # الثاني : أن ينسب إنزال المطر إلى النجم ، مع اعتقاده أن الله تعالى هو ~~الفاعل لذلك | المنزل له ، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى العادة بوجود المطر ~~عند ظهور ذلك النجم ، فحكى | ابن مفلح خلافا في مذهب أحمد في تحريمه ~~وكراهته ، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه ، | والصحيح أنه محرم ، لأنه من الشرك ~~الخفي ، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخبر أنه من أمر | ~~الجاهلية ونفاه ، وأبطله ، وهو الذي كان يزعم المشركون ، ولم يزل موجودا في ~~هذه الأمة | إلى اليوم ، وأيضا فإن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حماية ~~لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك ولو | بالعبادات الموهومة التي لا يقصدها ~~الإنسان ، كما قال لرجل قال له : ما شاء الله وشئت ، | قال : ' أجعلتني لله ~~ندا ؟ ! بل ما شاء الله وحده ' . # وفيه التنبيه على ما هو أولى بالمنع من نسبة السقيا إلى الأنواء كدعاء ~~الأموات ، | وسؤالهم الرزق والنصر والعافية ونحو ذلك ms343 من المطالب ، فإن هذا ~~من الشرك الأكبر ، سواء | قالوا : إنهم شفعاؤنا إلى الله ، كما قال ~~المشركون : هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، أو اعتقدوا أنهم | يخلقون ، ويرزقون ~~وينصرون استقلالا على سبيل الكرامة ، كما ذكره بعض عباد القبور في | رسالة ~~صنفها في ذلك ، لأنه إذا منع من إطلاق نسبة السقيا إلى الأنواء مع عدم ~~القصد | والاعتقاد ، فلأن يمنع من دعاء الأموات والتوجه إليهم في الملمات ~~مع اعتقاد أن لهم أنواع | التصرفات أولى وأحرى . # قوله : ' والنياحة ' . أي : رفع الصوت بالندب على الميت ، لأنها سخط ~~لقضاء الله ، | ومعارضة لأحكامه ، وسوء أدب مع الله ، ولا كذلك ينبغي أن ~~يفعل المملوك مع سيده ، | فكيف يفعله مع ربه وسيده ومالكه وإلهه الذي لا ~~إله له سواه ، الذي كل قضائه عدل ، | وأيضا ففيها تفويت الأجر مع ذهاب ~~المصيبة . # وفي الحديث دليل على شهادة أن محمدا رسول الله ، لأن هذه الأخبار من ~~أنباء | الغيب فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم ، فكان كما أخبر . # قوله : وقال : ' النائحة إذا لم تتب قبل موتها ' . فيه تنبيه على أن ~~الوعيد والذم لا يلحق من | تاب من الذنب ، وهو كذلك بالإجماع ، فعلى هذا ~~إذا عرف شخص بفعل ذنوب توعد الشرع | عليها بوعيد لم يجز إطلاق القول بلحوقه ~~لذلك الشخص المعين ، كما يظنه كثير من أهل | البدع ، فإن عقوبات الذنوب ~~ترفع بالتوبة ، والحسنات الماحية ، والمصائب المفكرة ، ودعاء | PageV01P379 ~~| المؤمنين بعضهم لبعض ، وشفاعة نبيهم صلى الله عليه وسلم فيهم ، وعفو الله ~~عنهم . # وفيه أن من تاب قبل الموت ما لم يغرغر ، فإن الله يتوب عليه ، كما في ~~حديث ابن | عمر مرفوعا ' إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر ' رواه ~~أحمد والترمذي وابن ماجه | وابن حبان في ' صحيحه ' . # قوله : ( تقام يوم القيامة ) . أي : تبعث من قبرها ، ( وعليها سربال من ~~قطران ، ودرع من | جرب ) . قال القرطبي : السربال : واحد السرابيل ، وهي ~~الثياب والقمص ، يعني أنهن يلطخن | بالقطران ، فيصير لهن كالقميص حتى يكون ~~اشتعال النار والتصاقها بأجسادهن أعظم ، | ورائحتهن أنتن ، وألمها بسبب ~~الجرب أشد . وروي عن ابن عباس أن ms344 القطران هو النحاس | المذاب . وروى ~~الثعلبي في ' تفسيره ' عن عمر بن الخطاب أنه سمع نائحة فأتاها ، فضربها | ~~بالدرة حتى وقع خمارها ، فقيل يا أمير المؤمنين : المرأة قد وقع خمارها قال ~~: إنها لا | حرمة لها . # قال : ولهما عن زيد بن خالد قال : صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية على | إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل الناس ~~. ، فقال : ' هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ ' | قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال ~~: ' أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ، فأما من قال : مطرنا | بفضل الله ورحمته ~~، فذلك مؤمن بي ، كافر بالكوكب ، وأما من قال : مطرنا بنوء كذا وكذا ، | ~~فذلك كافر بي ، مؤمن بالكوكب ' . # ش : قوله : ( عن زيد بن خالد ) أي : الجهني المدني ، صحابي مشهور ، مات ~~سنة | ثمان وستين بالكوفة ، وقيل غير ذلك ، وله خمس وثمانون سنة . | ~~PageV01P380 # قوله : ( صلى لنا ) ، أي : صلى بنا ، فاللام بمعنى الباء . قال الحافظ : ~~وفيه جواز إطلاق | ذلك مجازا وإنما الصلاة لله . # قوله : ( بالحديبية ) بالمهلمة والتصغير وتخفف ياؤها وتثقل . # قوله : ( على إثر ) بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهورة ، وهو ما ~~يعقب الشيء . # قوله : ( سماء ) . أي : مطر ، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء ~~. # قوله : ( فلما انصرف ) . أي : من صلاته لا من مكانه ، كما يدل عليه قوله ~~: أقبل على | الناس : أي : التفت إليهم بوجهه الشريف ، ففيه دليل على أنه ~~لا ينبغي للإمام إذا صلى أن | يجلس مستقبل القبلة ، بل ينصرف إلى المأمومين ~~، كما صحت بذلك الأحاديث . # قوله : ' هل تدرون ؟ ' لفظ استفهام ، معناه التنبيه ، وفي رواية النسائي ~~' ألم تسمعوا ما | قال ربكم الليلة ' وهذا من الأحاديث القدسية . | قال ~~الحافظ : وهي تحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها عن الله بواسطة ~~أو بلا واسطة ، وفيه | إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليخبرهم ، وإخراج ~~العالم التعليم للمسألة بالاستفهام فيها | ذكره المصنف . # قوله : ( قالوا : الله ورسوله أعلم ) . فيه حسن الأدب للمسؤول عما لا ~~يعلم ، وأنه يقول | ذلك أو نحوه ، ولا يتكلف ما لا يعنيه . # قوله : ( قال : ' أصبح من عبادي ' . الإضافة ms345 هنا للعموم بدليل التقسيم ~~إلى مؤمن وكافر . | فإن قيل : هذا يدل على أن المراد بالكفر هنا هو الأكبر ~~. | قيل : ليس فيه دليل إذ الأصغر يصدر من الكفار . # قوله : ( مؤمن بي وكافر ) المراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير ~~الله ، | وكفران نعمته ، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر ~~المنزل له بدليل قوله في | الحديث ' فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ~~' إلى آخره ، فلو كان المراد هو الأكبر ، | لقال : أنزل علينا المطر نوء ~~كذا ، فأتى بباء السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما | اعتقدوه ~~سببا . وفي رواية ' فأما من حمدني على سقياي وأثنى علي ، فذاك من آمن بي ' ~~فلم | يقل فأما من قال : إني المنزل للمطر ، فذاك من آمن بي ، لأن المؤمنين ~~والكفار يقولون ذلك . | فدل على أن المراد إضافة ذلك إلى غير الله ، وإن ~~كان يعتقد أن الفاعل لذلك هو الله . وروى | النسائي والإسماعيلي نحوه وقال ~~في آخره : ' وكفر بي أو كفر نعمتي ' . وفي رواية أبي صالح | عن أبي هريرة ~~عند مسلم ' قال الله تعالى : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق | ~~PageV01P381 | منهم بها كافرين ' وله من حديث ابن عباس ' أصبح من الناس ~~شاكر ومنهم كافر ' | الحديث . وفي حديث معاوية الليثي مرفوعا ' يكون الناس ~~مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من | رزقه فيصبحون مشركين ، يقولون : مطرنا ~~بنوء كذا ' رواه أحمد ، فبين الكفر والشرك المراد | هنا بأن نسبة ذلك إلى ~~غيره تعالى ، بأن يقال : مطرنا بنوء كذا ، قال ابن قتيبة : كانوا في | ~~الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على زعمهم ، وإما ~~بعلامته ، فأبطل | الشرع قولهم ، وجعله كفرا ، فإن اعتقد قائل ذلك أن للنوء ~~صنعا في ذلك ، فكفره كفر | شرك ، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة ، فليس ~~بشرك ، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه ، | وإرادة كفر النعمة ، لأنه لم يقع في ~~شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة ، | فيحمل الكفر فيه على ~~المعنيين . # وقال الشافعي : من قال : مطرنا بنوء كذا ms346 على معنى مطرنا في وقت كذا ، فلا ~~يكون | كفرا وغيره من الكلام أحب إلي منه . # قلت : قد يقال : إن كلام الشافعي لا يدل على جواز ذلك ، وإنما يدل على ~~أنه لا | يكون كفر شرك ، وغيره من الكلام أحسن منه . أما كونه يجوز إطلاق ~~ذلك أو لا يجوز ، | فالصحيح أنه لا يجوز ، لما تقدم أن معنى الحديث هو نسبة ~~السقيا إلى الأنواء لفظا ، وإن | كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنزل ~~للمطر ، فهذا من باب الشرك الخفي في الألفاظ ، | كقوله : لولا فلان لم يكن ~~كذا ، وفيه معنى قوله تعالى : @QB@ وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم @QE@ | [ ~~البقرة : 216 ] فإن كثيرا من النعم قد تجر الإنسان إلى شر ، كالذين قالوا : ~~مطرنا بنوء كذا | بسبب نزول النعمة . # وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضوع . ذكره المصنف ، يشير إلى أن المراد ~~به هنا نسبة | النعمة إلى الله وحمده عليها ، كما في قوله تعالى : ' فأما ~~من حمدني على سقياي وأثنى علي | فذاك من آمن بي ' وقوله : ' فأما من قال : ~~مطرنا بفضل الله ورحمته ' الحديث . | وفيه أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة ~~. ذكره المصنف . | PageV01P382 # قوله : ( فأما من قال : مطرنا بفضل الله ورحمته ) . أي : من نسبه إلى ~~الله واعتقد أنه أنزله | بفضله ورحمته من غير استحقاق من العبد على ربه ~~وأثنى به عليه ، فقال : مطرنا بفضل الله | ورحمته ، وفي الرواية الأخرى ' ~~فأما من حمدني على سقياي ، وأثنى علي فذاك من آمن بي ' | وهكذا يجب على ~~الإنسان أن لا يضيف نعم الله إلى غيره ولا يحمدهم عليها بل يضيفها إلى | ~~خالقها ومقدرها الذي أنعم بها على العبد بفضله ورحمته ، ولا ينافي ذلك ~~الدعاء لمن أحسن | بها إليك ، وذكر ما أولاكم من المعروف إذا سلم لك دينك ، ~~والسر في ذلك _ والله أعلم _ أن | العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له ~~من جهته وإن كان صنع له في ذلك ، وذلك نوع | شرك خفي فمنع من ذلك . # قوله : ( وأما من قال : مطرنا بنوء كذا إلى آخره ms347 ) . كالصريح فيما ذكرنا ~~أن المراد نسبة | ذلك إلى غير الله ، وإن كان يعتقد أن المنزل للمطر هو ~~الله . ولهذا لم يقل : فأما من قال : | أنزل علينا المطر أو أمطرنا بنوء ~~كذا . قال المصنف : وفيه التفطن للكفر في هذا الموضع ، | يشير إلى أن ~~المراد بالكفر هنا هو نسبة النعمة إلى غير الله كالنوء ونحوه على ما تقدم ، ~~ولما | كان إنزال الغيث من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لما اشتمل عليه ~~من منافعهم ، | فلا يستغنون عنه أبدا كان من شكره الواجب عليهم أن يضيفوه ~~إلى البر الرحيم المنعم ، | ويشكروه فإن النفوس قد جبلت على حب من أحسن ~~إليها ، والله تعالى هو المحسن المنعم | على الإطلاق الذي ما بالعباد من ~~نعمة فمنه وحده ، كما قال الله تعالى : @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ ~~[ النحل : 53 ] . # قال : ولهما من حديث ابن عباس معناه . # وفيه قال بعضهم : لقد صدق نوء كذا وكذا ، فأنزل الله هذه الآية : @QB@ ~~فلا أقسم بمواقع النجوم @QE@ [ الواقعة : 75 ] إلى قوله : @QB@ تكذبون @QE@ # ش قوله : ( ولهما ) : الحديث لمسلم فقط ، ولفظه عن ابن عباس قال : ' مطر ~~الناس | على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~: أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا : هذه رحمة | الله ، وقال بعضهم : ~~لقد صدق نوء كذا وكذا ، قال فنزلت هذه الآية @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم ~~@QE@ حتى بلغ @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون @QE@ [ الواقعة : 75 - 82 ] . # قوله : ( قال بعضهم ) ذكر الواقدي في ' مغازيه ' عن أبي قتادة أن عبد ~~الله بن أبي هو | القائل في ذلك الوقت : مطرنا بنوء الشعرى ، وفي صحة ذلك ~~نظر . # قوله : @QB@ فلا أقسم بمواقع النجوم @QE@ هذا قسم من الله عز وجل ، يقسم ~~بما شاء # # | PageV01P383 | من خلقه ، وهو دليل على عظمة المقسم به وتشريفه . ~~وتقديره : أقسم بمواقع النجوم ، ويكون | جوابه : ^ ( إنه لقرءان كريم ) ^ [ ~~الواقعة : 77 ] . فعلى هذا تكون ' لا ' صلة لتأكيد النفي ، | فتقدير الكلام ~~: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن أنه سحر أو كهانة ، بل هو قرآن كريم . # قال ابن جرير : قال بعض ms348 أهل العربية : معنى قوله : @QB@ فلا أقسم @QE@ ~~فليس الأمر كما | تقولون ، ثم استؤنف القسم بعد ، فقيل : @QB@ أقسم @QE@ ؛ ~~ومواقع النجوم . قال ابن عباس : يعني | نجوم القرآن ، فإنه نزل جملة ليلة ~~القدر من السماء العليا إلى السماء الدنيا ، ثم نزل مفرقا في | السنين بعد ~~، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية . ومواقعها : نزولها شيئا بعد شيء ، وقيل : ~~النجوم | هي الكواكب ، ومواقعها : مساقطها عند غروبها ، قال مجاهد : مواقع ~~النجوم يقال : مطالعها | ومشارقها ، واختاره ابن جرير . وعلى هذا فتكون ~~المناسبة بين ذكر النجوم في القسم وبين | المقسم عليه وهو القرآن من وجوه : ~~أحدها أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر | والبحر ، وآيات ~~القرآن يهتدى بها في ظلمات الغي والجهل ، فتلك هداية في الظلمات | الحسية ~~وآيات القرآن هداية في الظلمات المعنوية ، فجمع بين الهدايتين مع ما في ~~النجوم | من الزينة الظاهرة للعالم وفي القرآن من الزينة الباطنة ، ومع ما ~~في النجوم من الرجوم | للشياطين ، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس ~~والجن ، والنجوم آياته المشهودة | العيانية ، والقران آياته المتلوة ~~السمعية مع ما في مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة | على آياته ~~القرآنية ومواقعها عند النزول ، ذكره ابن القيم . # وقوله : @QB@ وإنه لقسم لو تعلمون عظيم @QE@ [ الواقعة : 76 ] قال ابن ~~كثير : أي وإن | هذا القسم الذي أقسمت به لقسم عظيم ، لو تعلمون عظمته ~~لعظمتم المقسم عليه . وقوله : | ^ ( إنه لقرءان كريم ) ^ [ الواقعة : 77 ] ~~هذا هو المقسم عليه ، وهو القرآن أي : إنه وحي الله | وتنزيله وكلامه ، لا ~~كما يقول الكفار : إنه سحر وكهانة أو شعر ، بل هو قرآن كريم ، أي : | عظيم ~~كثير الخير ، لأنه كلام الله . قال ابن القيم : فوصفه بما يقتضي حسنه وكثرة ~~خيره . | ومنافعه وجلالته ، فإن الكريم هو البهي الكثير الخير ، العظيم ~~النفع ، وهو من كل شيء | أحسنه وأفضله ، والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ، ~~ووصف به كلامه ، ووصف به عرشه ، | ووصف به ما كثر خيره ، وحسن منظره من ~~النبات وغيره ، ولذلك فسر السلف الكريم | بالحسن . قال الأزهري : الكريم : ~~اسم جامع لما يحمد ، والله تعالى كريم جميل الفعال ms349 ، | وإنه لقرآن كريم ~~يحمد لما فيه من الهدى والبيان ، والعلم والحكمة . # وقوله : ^ ( في كتب مكنون * ) ^ [ الواقعة : 78 ] قال ابن كثير : أي : ~~معظم في كتاب | معظم محفوظ موقر . وقال ابن القيم : اختلف المفسرون في هذا ~~فقيل : هو اللوح | المحفوظ ، والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو ~~المذكور في قوله : @QB@ في صحف مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة ~~@QE@ [ عبس : 13 - 16 ] ويدل على | PageV01P384 | أنه الكتاب الذي بأيدي ~~الملائكة . قوله : @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ [ الواقعة : 79 ] فهذا | ~~يدل على أنه بأيديهم يمسونه . # وقوله : @QB@ لا يمسه إلا المطهرون @QE@ قال ابن عباس : لا يمسه إلا ~~المطهرون قال : | الكتاب الذي في السماء . وفي رواية لا يمسه إلا المطهرون ~~يعني : الملائكة وقال قتادة : لا | يمسه عند الله إلا المطهرون ، أما في ~~الدنيا ، فإنه يمسه المجوسي النجس والمنافق الرجس . | قال : وهي في قراءة ~~ابن مسعود : ما يمسه إلا المطهرون . واختار هذا القول كثيرون منهم ابن | ~~القيم ورجحه . وقال ابن زيد : زعمت قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين ~~فأخبر الله | تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال : ^ ( وما تنزلت به ~~الشيطين ) ^ إلى قوله @QB@ لمعزولون @QE@ | [ الشعراء : 210 - 212 ] . وقال ~~ابن كثير : وهذا قول جيد وهو لا يخرج عن القول قبله . | وقال البخاري في ' ~~صحيحه ' في هذه الآية : لا يجد طعمه إلا من آمن به . قال ابن القيم : | ~~وهذا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته وفهمه وتدبره ~~إلا من يشهد أنه | كلام الله تكلم به حقا ، وأنزله على رسوله وحيا ، ولا ~~ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه منه | حرج بوجه من الوجوه . # وقال آخرون : لا يمسه إلا المطهرون ، أي : من الجنابة والحدث قالوا : ~~ولفظ الآية | خبر ومعناه الطلب . قالوا : والمراد بالقرآن هنا المصحف ، كما ~~في حديث ابن عمر | مرفوعا : ' نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن ~~يناله العدو ' . واحتجوا على | ذلك بما رواه مالك في ' الموطأ ' عن عبد ~~الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن | حزم ms350 ' أن في الكتاب الذي ~~كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم : أن لا يمس القرآن إلا | ~~طاهر . | PageV01P385 # وقوله : @QB@ تنزيل من رب العالمين @QE@ [ الواقعة : 80 ] قال ابن كثير : ~~أي : هذا القرآن | منزل من الله رب العالمين ، وليس كما يقولون : إنه سحر ~~أو كهانة أو شعر ، بل هو الحق | PageV01P386 | الذي لا مرية فيه وليس وراءه ~~حق نافع . وفي هذه الآية إثبات أنه كلام الله تكلم به . قال ابن | القيم : ~~ونظيره @QB@ ولكن حق القول مني @QE@ [ السجدة : 13 ] وقوله : @QB@ قل نزله ~~روح القدس من ربك بالحق @QE@ [ النحل : 102 ] وإثبات علو الله سبحانه على ~~خلقه ، فإن النزول والتنزيل الذي | تعقله العقول ، وتعرفه الفطر هو وصول ~~الشيء من أعلى إلى أسفل ، ولا يرد عليه قوله : | ^ ( وأنزل لكم من الأنعم ~~ثمنية أزوج ) ^ [ الزمر : 6 ] لأنا نقول : إن الذي أنزلها من فوق | سماواته ~~قد أنزلها لنا بأمره . قال ابن القيم : وذكر التنزيل مضافا إلى ربوبيته ~~للعالمين | المستلزمة لملكه لهم ، وتصرفه فيهم ، وحكمه عليهم ، وإحسانه ~~وإنعامه عليهم ، وأن من | هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة ~~أن يتركهم سدى ، ويدعهم هملا ، | ويخلقهم عبثا ، لا يأمرهم ولا ينهاهم ، ~~ولا يثيبهم ولا يعاقبهم ؟ ! فمن أقر بأنه رب العالمين | أقر بأن القرآن ~~نزله على رسوله ، واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة | ما ~~جاء به . وهذا الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن ~~كانت | دلالتها أقرب إلى أذهان عموم الناس ، وتلك إنما تكون لخواص العقلاء ~~. # وقوله : @QB@ أفبهذا الحديث أنتم مدهنون @QE@ [ الواقعة : 81 ] قال مجاهد ~~: أي : تريدون أن | تمالؤوهم فيه وتركنوا إليهم . قال ابن القيم : ثم وبخهم ~~سبحانه على وضعهم الإدهان في | غير موضعه ، وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع ~~به ، ويفرق به ، ويعض عليه بالنواجذ ، | وتثنى عليه الخناصر ، وتعقد عليه ~~القلوب والأفئدة ، ويحارب ويسالم لأجله ، ولا يلتوي عنه | يمنة ولا يسرة ، ~~ولا يكون للقلب التفات إلى غيره ، ولا محاكمة إلا إليه ، ولا مخاصمة إلا | ~~به ، ولا اهتداء في طرق المطالب العالية إلا بنوره ms351 ، ولا شفاء إلا به ، فهو ~~روح الوجود ، | وحياة العالم ، ومدار السعادة ، وقائد الفلاح ، وطريق ~~النجاة ، وسبيل الرشاد ، ونور البصائر ، | فكيف تطلب المداهنة بما هذا شأنه ~~؟ ! ولم ينزل للمداهنة ، وإنما أنزل بالحق وللحق ، | والمداهنة إنما تكون ~~في باطل قوي لا تمكن إزالته ، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته ، | فيحتاج ~~المداهن إلى أن يترك بعض الحق ، ويلتزم بعض الباطل . فأما الحق الذي قام به ~~كل | حق فكيف يداهن فيه ؟ ! # وقوله : @QB@ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون @QE@ [ الواقعة : 82 ] ، تقدم ~~الكلام عليها أول | الباب ، والله أعلم . | PageV01P387 | # | ( [ 30 ] باب قول الله تعالى : ) # @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله @QE@ | [ ~~البقرة : 165 ] # ش : لما كانت محبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام ، الذي يدور عليه قطب ~~| رحاها ، فبكمالها يكمل الإيمان ، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان ، نبه ~~المصنف رحمه الله | على وجوبها على الأعيان ، ولهذا جاء في الحديث ' أحبوا ~~الله لما يغذوكم به من نعمة ' | الحديث رواه الترمذي والحاكم . # وفي حديث آخر ' أحبوا الله بكل قلوبكم ' . # وفي حديث معاذ بن جبل في حديث المنام ' وأسألك حبك وحب من يحبك وحب | عمل ~~يقربني إلى حبك ' رواه أحمد والترمذي وصححه . # وما أحسن ما قال ابن القيم في وصفها : هي المنزلة التي يتنافس فيها ~~المتنافسون ، وإلى | عملها شمر السابقون ، وعليها تفانى المحبون ، فهي قوت ~~القلوب ، وغذاء الأرواح ، وقرة | العيون ، وهي الحياة التي من حرمها ، فهو ~~من جملة الأموات ، والنور الذي من فقده ، ففي | PageV01P388 # بحار الظلمات ، والشفاء الذي من عدمه ، حلت بقلبه جميع الأسقام ، واللذة ~~التي من لم يظفر | بها ، فعيشه كله هموم وآلام ، وهي روح الإيمان والأعمال ~~، والمقامات والأحوال التي متى | خلت منها ، فهي كالجسد الذي لا روح فيه ، ~~تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم يكونوا إلا | بشق الأنفس بالغيها ، ~~وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبدا بدونها واصليها ، وتبوئهم من | مقاعد ~~الصدق مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها . # تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة ، وقد قضى الله تعالى يوم قدر ~~مقادير | الخلائق ، بمشيئته وحكمته البالغة ، أن ms352 المرء مع من أحب ، فيا لها ~~من نعمة على المحبين | سابغة . تالله لقد سبق القوم السعاة ، وهم على ظهور ~~الفرش نائمون ، ولقد تقدموا الركب | بمراحل وهم في مسيرهم واقفون ، وأجابوا ~~مؤذن الشوق ، إذ نادى بهم : حي على الفلاح ، | وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول ~~إلى محبوبهم ، وكان بذلهم بالرضى والسماح ، وواصلوا | إليه المسير بالإدلاج ~~والغدو والرواح ، تالله لقد حمدوا عند الوصول مسراهم ، وشكروا | مولاهم على ~~ما أعطاهم ، وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح . وأطال في وصفها فراجعه | ~~في ' المدارج ' . # واعلم أن المحبة قسمان ، مشتركة وخاصة : فالمشتركة ثلاثة أنواع . # أحدها : محبة طبيعية ، كمحبة الجائع للطعام ، والظمآن للماء ، ونحو ذلك . ~~وهذه لا | تستلزم التعظيم . # الثاني : محبة رحمة وإشفاق ، كمحبة الوالد لولده الطفل و وهذه أيضا لا ~~تستلزم | التعظيم . # الثالث : محبة أنس وألف ، وهي محبة المشتركين في صناعة ، أو علم أو ~~مرافقة أو | تجارة أو سفر لبعضهم بعضا ، وكمحبة الإخوة ، بعضهم بعضا . فهذه ~~الأنواع الثلاثة ، التي | تصلح للخلق ، بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون ~~شركا في محبة الله ، ولهذا كان | رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ~~والعسل ، وكان يحب نساءه ، وعائشة أحبهم إليه ، وكان يحب | أصحابه ، وأحبهم ~~إليه الصديق ، رضي الله عنه . # القسم الثاني : المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله ، ومتى أحب العبد بها ~~غيره ، كان | شركا لا يغفره الله ، وهي محبة العبودية ، المستلزمة للذل ، ~~والخضوع والتعظيم ، وكمال | الطاعة ، وإيثاره على غيره . فهذه المحبة لا ~~يجوز تعلقها بغير الله أصلا كما حقه ابن القيم ، | وهي التي سوى المشركون ~~بين الله تعالى وبين آلهتهم فيها . كما قال تعالى في الآية التي | ترجم لها ~~المصنف : @QB@ ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا @QE@ [ البقرة : 165 ] ~~قال ابن | كثير : يذكر تعالى حال المشركين به في الدنيا ، وما لهم في ~~الآخرة من العذاب والنكال | PageV01P389 | حيث جعلوا لله أندادا ، أي : ~~أمثالا ونظراء ، يحبونهم كحبه ، ويعبدونهم معه ، وهو الله الذي | لا إله ~~إلا هو ، ولا ضد له ولا ند له ، ولا شريك معه . # وقوله : @QB@ يحبونهم كحب ms353 الله @QE@ . أي : يساوونهم بالله في المحبة ~~والتعظيم ، ولهذا | يقولون لأندادهم ، وهم في النار : ^ ( تالله إن كنا لفى ~~ضلل مبين * إذ نسويكم برب | العلمين * ) ^ . [ الشعراء : 97 - 98 ] فهذا هو ~~مساواتهم برب العالمين ، وهو العدل | المذكور ، في قوله : @QB@ ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون @QE@ [ الأنعام : 1 ] . أما مساواتهم بالله | في الخلق ~~والرزق وتدبير الأمور ، فما كان أحد من المشركين يساوون أصنامهم بالله في | ~~ذلك . وهذا القول رجحه شيخ الإسلام . والثاني أن المعتى يحبون أندادهم ، ~~كما يحب | المؤمنون الله ، ثم بين أن محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب ~~الأنداد لأندادهم . قال | شيخ الإسلام : وهذا متناقض ، وهو باطل ، فإن ~~المشركين لا يحبون الأنداد ، مثل محبة | المؤمنين الله ، ودلت الآية على أن ~~من أحب شيئا ، كحب الله ، فقد اتخذه ندا لله ، وذلك هو | الشرك الأكبر ، ~~قاله المصنف . وعلى وجوب إفراد الله بالمحبة الخاصة التي هي توحيد | ~~الإلهية ، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب ، إنما نشأ عن المحبة ، ولأجلها ~~، فهي الحق | الذي خلقت به السموات والأرض ، وهي الحق الذي تضمنه الأمر ~~والنهي ، وهي سر التأله ، | وتوحيدها هو شهادة أن لا إله إلا الله أو ليس ~~كما زعم المنكرون ، أن الإله هو الرب الخالق ، | فإن المشركين كانوا مقرين ~~، بأنه لا رب إلا الله ، ولا خالق سواه ، ولم يكونوا مقرين بتوحيد | ~~الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله ، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا ~~وذلا وخوفا ورجاء ، | وتعظيما وطاعة ، إله بمعنى مألوه ، أي : محبوب معبود ~~، وأصله من التأله ، وهو التعبد الذي | هو آخر مراتب الحب ، فالحبة حقيقة ~~العبودية ، ودلت أيضا على أن المشركين يعرفون الله | ويحبونه ، وإنما الذي ~~أوجب كفرهم مساواتهم به الأنداد في المحبة ، فكيف بمن أحب الأنداد | أكثر ~~من حب الله ، فكيف بمن لم يحب الله أصلا ، ولم يحب إلا الند وحده فالله ~~المستعان . | قوله : ^ ( والذين ءامنوا أشد حبا لله ) ^ [ البقرة : 165 ] . # نتكلم عليها لتعلقها بما قبلها تكميلا للفائدة ، وإن لم يذكرها المصنف ، ~~وفيها قولان : | أحدهما وهو الصحيح أن المعنى : والذين آمنوا أشد حبا لله ~~من ms354 محبة المشركين بالأنداد لله ، | فإن محبة المؤمنين خالصة ، ومحبة أصحاب ~~الأنداد قد ذهبت أندادهم بقسط منها ، والمحبة | الخاصة أشد من المشتركة . ~~والثاني : والذين آمنوا أشد حبا لله من حب أصحاب الأنداد | لأندادهم التي ~~يحبونها من دون الله . قال ابن القيم : والقولان مرتبان على القولين في ~~قوله : | يحبونهم كحب الله . وفي الآية دليل على أن الله لا يقبل من العمل ~~إلا ما كان خالصا ، وأن | الشرك محبط للأعمال . # قال وقوله : ^ ( قل إن كان ءابآؤكم ) ^ إلى قوله : @QB@ أحب إليكم من ~~الله ورسوله @QE@ | [ التوبة : 24 ] . PageV01P390 # هذا أمر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب ~~أهله وعشيرته وأمواله | ومساكنه ، أو أحد هذه الأشياء على الله ورسوله ، ~~وجهاد في سبيله ، وقد خوطب بهذا | المؤمنين في آخر الأمر ، كما قال شيخ ~~الإسلام ، فقيل لهم : إن كان آباؤكم وأبناؤكم | وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها ، أي : حصلتموها ، وتجارة تخشون | كسادها ، أي : رخصها ~~وفوات وقت نفاقها ، ومساكن ترضونها ، أي : لحسنها وطيبها ، أحب | إليكم من ~~الله ورسوله ، وجهاد في سبيله ، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره ، أي : ~~انتظروا ماذا | يحل بكم من عذاب الله ، والله لا يهدي القوم الفاسقين ، أي ~~: الخارجين عن طاعة الله . # وهو تنبيه على أن من فعل ذلك ، فهو من الفاسقين فهذا تشديد ، ووعيد عظيم ~~، ولا | يخلص منه إلا من صح إيمانه فخلص لله سره وإعلانه ، وعلى أن المحبة ~~الصادقة تستلزم | تقديم مراضي الله على هذه الثمانية كلها ، فكيف بمن آثر ~~بعضها على الله ورسوله ، وجهاد | في سبيله . # فإن قلت : قد قال شيخ الإسلام : إن كثيرا من المسلمين أو أكثرهم بهذه ~~الصفة . # قيل : مراده أن كثيرا من المسلمين قد يكون ما ذكر أحب إليه من الله ~~ورسوله ، أي : | في إيثار ذلك على فعل أمر الله ، وأمر رسوله الذي ينشأ عن ~~المحبة لا في الحب الذي | يوجب قصد المحبوب بالتأله ، فإن من ساوى بين الله ~~، وبين غيره في هذا الحب ، فهو | مشرك ، فكيف إذا كان غير الله أحب إليه ~~كما هو الواقع من ms355 عباد القبور ، فإنهم يحبون | أندادهم أعظم من حب الله ، ~~وذلك أن أصل الحب يحتمل الشركة بخلاف الخلة ، فإنها لا | تقبل الشركة أصلا ~~، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن وأسامة : ' اللهم إني ~~أحبهما وأحب من | يحبهما ' حديث صحيح . # واعلم أن هذه الآية شبيهة بقول : @QB@ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~@QE@ [ آل عمران : 31 ] | فلما كثر المدعون لمحبة الله ، طولبوا بإقامة ~~البينة ، فجاءت هذه الآية ونحوها . فمن ادعى | محبة الله ، وهو يحب ما ذكر ~~على الله ورسوله ، فهو كاذب كمن يدعي محبة الله ، وهو على | PageV01P391 | ~~غير طريق النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه كاذب ، إذ لو كان صادقا لكان ~~متبعا له ، قال مبارك ابن فضالة : عن | الحسن . قال : كان ناس على عهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، يقولون : يا رسول الله إننا نحب ربنا حبا | ~~شديدا ، فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله : @QB@ قل إن كنتم تحبون ~~الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم @QE@ [ آل عمران : 31 ] وقد ~~وقع لكثير من المدعين نوع انبساط في دعوى | المحبة أخرجهم إلى شيء من ~~الرعونة والدعاوي التي تنافي العبودية ، ويدعي أحدهم دعاوي | تتجاوز حدود ~~الأنبياء ، ويطلبون من الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله . وسبب هذا ضعف | ~~تحقيق المحبة التي هي محض العبودية ، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد ~~حقيقته ، | ومدعي ذلك فيه شبه من اليهود والنصارى الذين قالوا : نحن أبناء ~~الله وأحباؤه . # وشرط المحبة موافقة المحبوب ، فتحب ما يحب ، وتكره ما يكره ، وتبغض ما ~~يبغض ، | وذلك كمن يدعي أن الذنوب لا تضره ، لكون الله يحبه فيصر عليها أو ~~يدعي أنه يصل إلى | حد في محبة الله تسقط عنه التكاليف ، وكقول بعضهم : أي ~~مريد لي ترك في النار أحدا ، | فإنه بريء منه ، فقال الآخر : أي مريد لي ~~ترك أحدا من المؤمنين يدخل النار ، فإنه بريء | منه . ونحو ذلك من الدعاوي ~~مع أن كثيرا من هذا ونحوه لا يصدر إلا من كافر ، والعاقل | يتنبه . وما ~~هكذا كان سادات المحبين : الأنبياء ms356 والمرسلون ، والصحابة ، والتابعون ، فكن ~~| على حذر من ذلك ، فإن كثيرا من جهال المتصوفة وقع فيه ، وقد ينسب ذلك إلى ~~بعض | المشايخ المشهورين ، وهو إما كذب عليهم ، وإما خطأ منهم ، فإن العصمة ~~منتفية عن غير | الرسول صلى الله عليه وسلم . # | قال : عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ' لا يؤمن أحدكم ~~حتى أكون أحب إليه من | ولده ووالده والناس أجمعين ' أخرجاه . # ش : قوله : ( لا يؤمن أحدكم ) . أي : لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ~~ذمته ، ويستحق | به دخول الجنة بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله ~~وولده والناس أجمعين ، بل | لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب من نفسه ~~أيضا ، كما في حديث عمر بن | الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم : ' لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا | PageV01P392 | ~~نفسي فقال : والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك ، فقال له عمر : ~~فإنك الآن | والله أحب إلي من نفسي ، فقال : الآن يا عمر ' رواه البخاري . ~~فمن لم يكن كذلك ، فهو | من أصحاب الكبائر ، إذا لم يكن كافرا ، فإنه لا ~~يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر الله | به ورسوله إلا إذا ترك بعض ~~واجباته ، فأما إذا كان الفعل مستحبا في العبادة لم ينفها لانتفاء | ~~المستحب ، ولو صح هذا لنفى عن جمهور المؤمنين اسم الإيمان والصلاة والزكاة ~~والحج | وحب الله ورسوله ، لأنه ما من عمل إلا وغيره أفضل منه ، وليس أحد ~~يفعل أفعال البر مثل | ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، بل ولا أبو بكر ~~ولا عمر ، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز | نفيها عنه لجاز أن ~~ينفي عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين ، وهذا لا يقوله عاقل . | وعلى ~~هذا فمن قال : إن المنفي هو الكمال ، وإن أراد أنه نفي الكمال الواجب الذي ~~يذم | تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق ، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب ~~فهذا لم يقع قط في | كلام الله ورسوله صلى ms357 الله عليه وسلم قاله شيخ الإسلام ~~. وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر | فلا بد من تصديق ذلك ~~بالعمل والمتابعة له ، وإلا فالمدعي كاذب ، فإن القرآن بين أن المحبة | ~~التي في القلب تستلزم العمل الظاهر بحبها كما قال تعالى : @QB@ قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله @QE@ [ آل عمران : 31 ] وقال تعالى : ^ ( ~~ويقولون ءامنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى | فريق منهم من بعد ذلك وما ~~أولئك بالمؤمنين * ) ^ [ النور : 47 ] إلى قوله : @QB@ إنما كان قول ~~المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا ~~وأولئك هم المفلحون @QE@ | [ النور : 51 ] فنفى الإيمان عمن تولى عن طاعة ~~الرسول ، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله | ورسوله سمعوا وأطاعوا . ~~فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة ، لكن كل مسلم لا بد أن | يكون محبا ~~بقدر ما معه من الإسلام كما أن كل مؤمن لا بد أن يكون مسلما ، وكل مسلم لا ~~| بد أن يكون مؤمنا ، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق ، لأن ذلك لا يحصل ~~إلا لخواص | المؤمنين ، فإن الاستسلام لله ومحبته لا تتوقف على هذا الإيمان ~~الخاص . # قال شيخ الإسلام : وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره ، ~~فعامة الناس | إذا أسلموا بعد كفر ، أو ولدوا على الإسلام ، والتزموا ~~شرائعه ، وكانوا من أهل الطاعة لله | ورسوله ، وهم مسلمون ، ومعهم إيمان ~~مجمل ، لكن دخول حقيقة الإيمان إلى قلوبهم | يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم ~~الله ذلك ، وإلا فكثير من الناس لا يصلون إلى اليقين ، ولا | إلى الجهاد ~~ولو شككوا لشكوا ، ولو أمروا بالجهاد لما جاهدوا ، وليسوا كفارا ولا ~~منافقين ، | بل ليس عندهم من علم القلب ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب ، ولا ~~عندهم من قوة الحب لله | ورسوله ما يقدمونه على الأهل والمال . وهؤلاء إن ~~عوفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة ، | PageV01P393 | وإن ابتلوا بمن يدخل ~~عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما يزيل الريب ، | وإلا ~~صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق انتهى . # قوله : ( أحب ) . هو بالنصب ms358 خبر كون . # قوله : ( والناس أجمعين ) . هو من عطف العام على الخاص وهو كثير . وفي ~~الحديث . | من الفوائد : - # إذا كان هذا شأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فما الظن بمحبة الله . # وفيه أن الأعمال من الإيمان ، لأن المحبة عمل ، وقد نفي الإيمان عمن لم ~~يكن | الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما ذكر فدل على ذلك . # وفيه أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام . # وفيه وجوب محبته صلى الله عليه وسلم على ما ذكر ، ذكرهما المصنف . # قال : ولهما عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان : أن | يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن ~~يحب المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود | في الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه كما يكره أن يقذف في النار ' وفي رواية ' لا يجد أحد حلاوة | ~~الإيمان حتى ' إلى آخره . # ش : قوله : ( ثلاث ) . أي : ثلاث خصال : وجاز الابتداء بثلاث لأن المضاف ~~إليه منوي | ولذلك جاء التنوين . # قوله : ( من كن فيه ) . أي : وجدن وحصلن ، فهي تامة . # قوله : ( وجد بهن حلاوة الإيمان ) . قال ابن أبي جمرة : إنما عبر ~~بالحلاوة لأن الله شبه | الإيمان بالشجرة في قوله : @QB@ ضرب الله مثلا ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة @QE@ [ إبراهيم : 24 ] . # قلت : والشجرة لها ثمرة ، والشجرة لها حلاوة ، فكذلك شجرة الإيمان لا بد ~~لها من | ثمرة ولا بد لتلك الثمرة من حلاوة . لكن قد يجدها المؤمن وقد لا ~~يجدها وإنما يجدها بما | ذكر في الحديث . | PageV01P394 # قوله : ( أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) . ' أحب ' منصوب ~~لأنه خبر | يكون . قال البيضاوي : المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو ~~إيثار ما يقتضي العقل | السليم رجحانه ، وإن كان على خلاف هوى النفس ~~كالمريض يعاف الدواء بطبعه ، فينفر عنه | بطبعه ويميل إليه بمقتضى عقله ~~فيهوى تناوله . فإذا تأمل المرء أن الشارع لا يأمر ولا ينهى إلا | بما فيه ~~صلاح عاجل أو خلاص آجل ، والعقل يقتضي رجحان جانب ذلك تمرن على الائتمار | ~~بأمره ms359 بحيث يصير هواه تبعا له ، ويلتذ بذلك التذاذا عقليا إذ الالتذاذ ~~العقلي إدراك ما هو كمال | وخير من حيث هو كذلك . # قلت : وكلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم لهم . ~~والحق | خلاف ذلك بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب ~~إليه مما سواهما حبا | قلبيا كما في بعض الأحاديث : ' أحبوا الله بكل ~~قلوبكم ' فيميل بكليته إلى الله وحده حتى | يكون وحده محبوبه ومعبوده ، ~~وإنما يحب من سواه تبعا لمحبته كما يحب الأنبياء | والمرسلين والملائكة ~~والصالحين لما كان يحبهم ربه سبحانه ، وذلك موجب لمحبة ما يحبه | سبحانه ~~وكراهة ما يكره ، وإيثار مرضاته على ما سواه والسعي فيما يرضيه ما استطاع ~~وترك | ما يكره . فهذه علامات المحبة الصادقة ولوازمها ، وأما مجرد إيثار ~~ما يقضي العقل رجحانه ، | وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء ~~بطبعه فينفر عنه إلى آخر كلامه فهذا | قد يكون في بعض الأمور علامة على ~~الحب ولازما له لا أنه هو الحب . # وقال شيخ الإسلام : أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان ، | لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له فمن أحب ~~شيئا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه | يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك . ~~واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو | المحبوب أو المشتهى قال : ~~فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح يتبع كمال محبة العبد | لله ، وذلك ~~بثلاثة أمور : تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها . فتكميلها أن يكون ~~الله | ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن محبة الله ورسوله ، لا يكتفي فيها ~~بأصل الحب ، بل لا | بد أن يكون الله ورسوله ، أحب إليه مما سواهما . # قلت : ولا يكون كذلك ، إلا إذا وافق ربه ، فيما يحبه وما يكرهه ، قال : ~~وتفريعها أن | يحب المرء لا يحبه إلا لله . # قلت : فإن من أحب مخلوقا لله ، لا لغرض آخر ، كان هذا من تمام حبه لله ، ~~فإن محبة | محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب ، فإذا أحب أنبياء الله ، ~~وأولياءه ، لأجل ms360 قيامهم | PageV01P395 | بمحبوبات الله ، لا لشيء آخر ، فقد ~~أحبهم الله لا لغيره قال : ودفع ضدها أن يكره ضد | الإيمان ، كما يكره أن ~~يقذف في النار . # قلت : وإنما كره الضد ، لما دخل قلبه من محبة الله ، فانكشف له بنور ~~المحبة محاسن | الإسلام ، ورذائل الجهل ، والكفران ، وهذا هو الحب الذي ~~يكون مع من أحب ، كما في | ' الصحيحين ' عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله ~~عليه وسلم متى الساعة ، فقال : ما أعددت لها ؟ قال : ما | أعددت لها من ~~كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة ، ولكني أحب الله ورسوله ، فقال | رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : ' أنت مع من أحببت ' وفي رواية للبخاري فقلنا : ونحن ~~كذلك ، قال : | نعم ، قال أنس : ففرحنا يومئذ ، فرحا شديدا ، وقوله : مما ~~سواهما ، فيه جمع ضمير | PageV01P396 | الرب سبحانه ، وضمير الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ، وقد أنكره على الخطيب ، لما قال : ومن يعصهما ، فقد | غوى ~~، وأحسن ما قيل فيه قولان : أحدهما ما قاله البيضاوي وغيره ، أنه ثنى ~~الضمير هنا | إيماء إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين ، لا كل ~~واحدة ، فإنها وحدها | لاغية ، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارا بأن كل ~~واحد من العصيانين مستقل | باستلزام الغواية ، إذ العطف في تقدير التكرير ، ~~والأصل استقلال كل من المعطوفين في | الحكم . قلت : وهذا جواب بليغ جدا . # الثاني : حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى ، وهذا على الجواز . # وجواب ثالث ، وهو أن هذا ورد على الأصل ، وحديث الخطيب ناقل ، فيكون أرجح ~~. # قوله : ( كما يكره أن يقذف في النار ) ، أي : يستوي عنده الأمران ، ~~الإلقاء في النار ، | والعود في الكفر . # قلت : وفي الحديث من الفوائد ، أن الله تعالى يحبه المؤمنين ، وهو تعالى ~~يحبهم ، | كما قال : @QB@ يحبهم ويحبونه @QE@ [ المائدة : 54 ] . # وفيه رد ما يظنه بعض الناس من أنه من ولد على الإسلام أفضل ممن كان كافرا ~~| فأسلم ، فمن اتصف بهذه الأمور ، فهو أفضل ممن لم يتصف بها مطلقا ، ولهذا ~~كان | السابقون الأولون أفضل ممن ولد على الإسلام . # وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من ms361 العبد نقص في حقه ~~مطلقا | والصواب أنه إن لم يتب كان نقصا وإن تاب فلا ، ولهذا كان المهاجرون ~~والأنصار أفضل | هذه الأمة ، وإن كانوا في أول الأمر كفارا يعبدون الأصنام ~~، بل المنتقل من الضلال إلى | الهدى ، ومن السيئات إلى الحسنات يضاعف له ~~الثواب ، قاله شيخ الإسلام . # وفيه دليل على عداوة المشركين وبغضهم ، لأن من أبغض شيئا أبغض من اتصف به ~~، | فإذا كان يكره الكفر كما يكره أن يلقى في النار ، فكذلك يكره من اتصف ~~به . | PageV01P397 # قوله : ( وفي رواية لا يجد أحد ) ، هذه الرواية أخرجها البخاري في ' ~~صحيحه ' ولفظه | ' لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله ~~، وحتى أن يقذف في النار | أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه ~~الله منه ، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه | مما سواهما . # قال : وعن ابن عباس قال : من أحب في الله ، وأبغض في الله ، ووالى في ~~الله ، وعادى | في الله ، فإنما تنال ولاية الله بذلك ، ولن يجد عبد طعم ~~الإيمان ، وإن كثرت صلاته وصومه | حتى يكون كذلك . وقد صارت عامة مؤاخاة ~~الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله | شيئا . رواه ابن جرير . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير بكماله كما قال المصنف ، وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن أبي | حاتم الجملة الأولى منه فقط . # قوله : ( من أحب في الله ) ، أي : أحب المسلمين والمؤمنين في الله . # قوله : ( وأبغض في الله ) ، أي أبغض الكفار والفاسقين في الله لمخالفتهم ~~لربهم وإن | كانوا أقرب الناس إليه كما قال تعالى : ^ ( لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الأخر يوادون من | حاد الله ورسوله ولو كانوا ءاباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم ) ^ [ المجادلة : 22 ] . # قوله : ( ووالى في الله ) ، هذا بيان للازم المحبة في الله وهو الموالاة ~~. فيه إشارة إلى أنه | لا يكفي في ذلك مجرد الحب ، بل لا بد مع ذلك من ~~الموالاة التي هي لازم الحب ، وهي | النصرة والإكرام والاحترام والكون مع ~~المحبوبين باطنا وظاهرا . # قوله : ( وعادى في الله ) هذا بيان ms362 للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه ~~، أي إظهار | العداوة بالفعل ، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم ، والبعد ~~عنهم باطنا وظاهرا إشارة إلى أنه | لا يكفي مجرد بغض القلب ، بل لا بد مع ~~ذلك من الإتيان بلازمه كما قال تعالى : ^ ( قد | كانت لكم أسوة حسنة في ~~إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءؤا منكم ومما تعبدون من دون ~~الله | كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا ~~بالله وحده ) ^ [ الممتحنة : 4 ] فهذا علامة | الصدق في البغض في الله . # قوله : ( فإنما تنال ولاية الله بذلك ) . يجوز فتح الواو وكسرها ، أي : ~~لا يكون العبد من | أولياء الله ولا تحصل له ولاية الله إلا بما ذكر من ~~الحب في الله ، والبغض في الله ، والموالاة | PageV01P398 | في الله ، ~~والمعاداة في الله ، كما روى الإمام أحمد والطبراني عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال : ' لا يجد | العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله ، فإذا ~~أحب لله ، وأبغض لله ، فقد استحق | الولاية لله ' . # وفي حديث آخر : ' أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله عز وجل ' ~~رواه # | PageV01P399 | الطبراني وغيره . # وينبغي لمن أحب شخصا في الله أن يأتيه في بيته فيخبره أنه يحبه في الله ~~كما روى | أحمد والضياء عن أبي ذر مرفوعا ' إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في ~~منزله فليخبره أنه يحبه | لله ' وفي حديث ابن عمر عند البيهقي في ' الشعب ' ~~فإنه يجد مثل الذي يجد له . # قوله : ( ولن يجد عبد طعم الإيمان إلى آخره ) أي : لا يجد عبد طعم ~~الإيمان وإن كثرت | صلاته وصومه حتى يحب في الله ، ويبغض في الله ، ويعادي ~~في الله ، ويوالي في الله ، وهذا | منتزع من حديث أنس السابق وفي حديث أبي ~~أمامة مرفوعا ' من أحب لله ، وأبغض لله ، | وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل ~~الإيمان ' رواه أبو داود . والعجب ممن يدعى محبة الله | PageV01P400 # وهو على خلاف ذلك ، وما أحسن ما قال ابن القيم : | # % أتحب أعداء الحبيب وتدعي % % حبا له ما ذاك في إمكان % # قوله : ( وقد صارت عامة ms363 مؤاخات الناس على أمر الدنيا ، وذلك لا يجدي على ~~أهله | شيئا ) ، أي : المؤاخاة على أمر الدنيا لا يجدي على أهله شيئا ، أي ~~: لا ينفعهم أصلا ، بل | يضرهم ، كما قال تعالى : @QB@ الأخلاء يومئذ بعضهم ~~لبعض عدو إلا المتقين @QE@ | [ الزخرف : 67 ] فهذا حال كل خلة ومحبة كانت ~~في الدنيا على غير طاعة الله ، فإنها تعود | عداوة وندامة يوم القيامة ~~بخلاف المحبة والخلة على طاعة الله ، فإنها من أعظم القربات كما | جاء في ~~حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال : ' ورجلان ~~تحابا في | الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه ' وفي الحديث القدسي الذي رواه ~~مالك وابن حبان في | صحيحه ' وجبت محبتي للمتحابين في ، وللمتجالسين في ، ~~وللمتزاورين في ، وللمتباذلين | في ' وهذا الكلام قاله ابن عباس رضي الله ~~عنه في أهل زمانه ، فكيف لو رأى الناس فيما | PageV01P401 | هم فيه من ~~المؤاخاة على الكفر والبدع والفسوق والعصيان ولكن هذا مصداق قوله عليه | ~~السلام : ' بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ ' وفيه إشارة إلى أن ~~الأمر قد تغير في | PageV01P402 | زمن ابن عباس بحيث صار الأمر إلى هذا ~~بالنسبة إلى ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فضلا | عن زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . وقد روى ابن ماجه عن ابن عمر قال : لقد رأيتنا على عهد | ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من ~~أخيه المسلم . وأبلغ منه قوله | PageV01P403 # تعالى @QB@ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة @QE@ [ الحشر : 9 ] ~~فهذا كان حالهم في ذلك | الوقت الطيب ، وهؤلاء هم المتحابون لجلال الله كما ~~في الحديث القدسي ' يقول الله عز | وجل : أين المتحابون لجلالي ، اليوم ~~أظلهم في ظلي ' فهذه هي المحبة النافعة لا لمحبة | الدنيا ، وهي التي أوجبت ~~لهم المواساة والإيثار على الأنفس . @QB@ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ~~ذو الفضل العظيم @QE@ [ الحديد : 21 ] # قال المصنف وقال ابن عباس : في قوله : وتقطعت بهم الأسباب قال : المودة . # ش : هذا الأثر رواه عبد بن حميد ، وابن جرير ms364 ، وابن المنذر ، وابن أبي ~~حاتم والحاكم | وصححه . # قوله : قال : المودة : أي : المحبة التي كانت بينهم في الدنيا تقطعت بهم ~~وخانتهم | أحوج ما كانوا إليها ، وتبرأ بعضهم من بعض ، كما قال تعالى عن ~~إبراهيم الخليل عليه # السلام : أنه قال لقومه ، ^ ( إنما اتخذتم من دون الله أوثنا مودة بينكم ~~في الحيوة الدنيا ثم | يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ~~ومأواكم النار وما لكم من | PageV01P404 | ناصرين ) ^ [ العنكبوت : 25 ] ~~وهذه الآية وإن كانت نزلت في المشركين عباد الأوثان الذين | يحبون أندادهم ~~وأوثانهم كحب الله ، فإنها عامة ، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص | ~~السبب . ولهذا قال قتادة : وتقطعت بهم الأسباب قال : أسباب الندامة يوم ~~القيامة ، | والأسباب : المواصلة التي يتواصلون بها ويتحابون بها ، فصارت ~~عداوة يوم القيامة ، يلعن | بعضهم بعضا . رواه عبد بن حميد وابن جرير فهذا ~~حال من كانت مودته لغير الله فاحذر من | ذلك . | PageV01P405 | # | ( [ 31 ] باب : قول الله تعالى ) # ^ ( إنما ذلكم الشيطن يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) ~~^ | [ آل عمران : 175 ] # الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها ، فلذلك قال المصنف بوجوب إخلاصه لله ~~| تعالى . وقد ذكره الله تعالى في كتابه عن سادات المقربين من الملائكة ~~والأولياء والصالحين | قال الله تعالى : @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ [ ~~النحل : 50 ] وقال الله تعالى : @QB@ وهم من خشيته مشفقون @QE@ [ الأنبياء ~~: 28 ] وقال تعالى : @QB@ إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون @QE@ | [ ~~المؤمنون : 57 ] وقال تعالى : ^ ( الذين يبلغون رسلت الله ويخشونه ولا ~~يخشون أحدا إ لا الله ) ^ | [ الأحزاب : 39 ] وأمر بإخلاصه له فقال تعالى : ~~^ ( وإيى فارهبون ) ^ [ البقرة : 40 ] وقال تعالى : | @QB@ فلا تخشوا الناس ~~واخشون @QE@ [ المائدة : 44 ] وقال تعالى : @QB@ أفغير الله تتقون @QE@ [ ~~النحل : | 52 ] وهو على ثلاثة أقسام . # أحدها : خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو ~~فقر أو | قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته ، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف ~~بالشفاعة ، أو على سبيل | الاستقلال ، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله ~~أصلا ، لأن هذا من لوازم الإلهية ، فمن | اتخذ مع الله ms365 ندا يخافه هذا الخوف ~~فهو مشرك . # وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم ولهذا يخوفون بها ~~أولياء | الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال لهم : ~~^ ( ولآ أخاف ما تشركون | به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما ~~أفلا تتذكرون * وكيف أخاف مآ | أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ~~ينزل به عليكم سلطانا فأى الفريقين أحق | بالأمن إن كنتم تعلمون * ) ^ [ ~~الأنعام : 80 - 81 ] وقال تعالى عن قوم هود إنهم قالوا له : | ^ ( إن نقول ~~إلا اعتراك بعض ءالهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني برئ مما تشركون ~~* من | دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * ) ^ [ هود : 54 - 55 ] وقال ~~تعالى : @QB@ ويخوفونك بالذين من دونه @QE@ [ الزمر : 36 ] . | PageV01P406 # وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور ، فإنهم يخافون الصالحين بل ~~الطواغيت ، | كما يخافون الله بل أشد . ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين ~~بالله أعطاك ما شئت من | الإيمان كاذبا أو صادقا ، فإن كان اليمين بصاحب ~~التربة لم يقدم على اليمين إن كان كاذبا ، | وما ذاك إلا لأن المدفون في ~~التراب أخوف عنده من الله . ولا ريب أن هذا ما بلغ إليه شرك | الأولين ، بل ~~جهد أيمانهم اليمين بالله تعالى ، وكذلك لو أصاب أحدا منهم ظلم لم يطلب | ~~كشفه إلا من المدفونين في التراب . وإذا أراد أن يظلم أحدا فاستعاذ بالله ~~أو ببيته لم يعذه ، | ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحدا ~~ولم يتعرض له بالأذى حتى أن بعض | الناس أخذ من التجار أموالا عظيمة أيام ~~موسم الحاج ، ثم بعد أيام أظهر الإفلاس ، فقام عليه | أهل الأموال ، فالتجأ ~~إلى قبر في جدة يقال له : المظلوم فما تعرض له أحد بمكروه خوفا من | سر ~~المظلوم وأشباه هذا من الكفر ، وهذا الخوف لا يكون العبد مسلما إلا بإخلاصه ~~لله تعالى | وإفراده بذلك دون من سواه . # الثاني : أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر | يغير عذر إلا لخوف من الناس ms366 ، فهذا محرم ، وهو الذي نزلت فيه ~~الآية المترجم لها وهو | الذي جاء فيه الحديث ' إن الله تعالى يقول للعبد ~~يوم القيامة : ما منعك إذ رأيت المنكر أن لا | تغيره ؟ فيقول : يا رب خشيت ~~الناس ، فيقول : إياي كنت أحق أن تخشى ' رواه أحمد . # الثالث : خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة وهو الذي قال الله فيه : ~~@QB@ ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد @QE@ [ إبراهيم : 14 ] وقال : @QB@ ولمن ~~خاف مقام ربه جنتان @QE@ [ الرحمن : | 46 ] وقال تعالى : @QB@ قالوا إنا ~~كنا قبل في أهلنا مشفقين @QE@ [ الطور : 26 ] وقال تعالى : | @QB@ ويخافون ~~يوما كان شره مستطيرا @QE@ [ الدهر : 7 ] وهذا الخوف من أعلى مراتب الإيمان ~~، ونسبة | الأول إليه كنسبة الإسلام إلى الإحسان وإنما يكون محمودا إذا لم ~~يوقع في القنوط واليأس | من روح الله ، ولهذا قال شيخ الإسلام : هذا الخوف ~~ما حجزك عن معاصي الله ، فما زاد على ذلك ، فهو غير محتاج إليه . # بقي قسم رابع وهو الخوف الطبيعي ، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو | ~~ذلك ، فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى عليه الصلاة والسلام في قوله ~~: ^ ( فخرج منها | PageV01P407 | خائفا يترقب ) ^ [ القصص : 21 ] إذا تبين ~~هذا فمعنى قوله تعالى : ^ ( إنما ذلكم الشيطن يخوف | أولياءه ) ^ [ آل ~~عمران : 175 ] أي يخوفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذو بأس وشدة . قال الله | ~~تعالى : ^ ( فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ) ^ [ آل عمران : 175 ] . ~~أي : فإذا سول لكم | وأوهمكم فتوكلوا على الله فإن كافيكم وناصركم عليهم ~~كما قال تعالى : ^ ( أليس الله بكاف | عبده ويخوفونك بالذين من دونه ) ^ [ ~~الزمر : 36 ] إلى قوله : ^ ( قل حسبي الله عليه يتوكل | المتوكلون ) ^ [ ~~الزمر : 38 ] وقال تعالى : ^ ( فقتلوا أولياء الشيطن إن كيد الشيطن كان ~~ضعيفا ) ^ | [ النساء : 76 ] قاله ابن كثير . وقال ابن القيم : ومن كيد عدو ~~الله أنه يخوف المؤمنين من | جنده وأوليائه لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم ~~بمعروف ، ولا ينهوهم عن منكر . فأخبر تعالى | أن هذا من كيده وتخويفه ، ~~ونهانا أن نخافهم ، قال : والمعنى عند جميع المفسرين : | يخوفكم بأوليائه ~~قال قتادة : يعظمهم في صدوركم ، ولهذا قال : ^ ( فلا ms367 تخافوهم وخافون إن ~~كنتم | مؤمنين ) ^ [ آل عمران : 175 ] فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه ~~خوف أولياء الشيطان ، وكلما | ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم . قلت : فأمر ~~تعالى بإخلاص هذا الخوف له ، وأخبر أن ذلك شرط في الإيمان ، فمن لم يأت به ~~لم يأت بالإيمان الواجب ، ففيه أن إخلاص الخوف | لله من الفرائض . # قال : وقوله تعالى : ^ ( إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر ~~وأقام الصلوة | وءاتى الزكوة ولم يخش إلا الله ) ^ [ التوبة : 18 ] الآية . # لما نفى تبارك وتعالى عمارة المساجد عن المشركين بقوله تعالى : ^ ( ما ~~كان للمشركين أن | يعمروا مسجد الله ) ^ [ التوبة : 17 ] الآية إذ لا ~~تنفعهم عمارتها مع الشرك ، كما قال تعالى : | ^ ( وقدمنا إلى ما عملوا من ~~عمل فجعلنه هباء منثورا * ) ^ [ الفرقان : 23 ] أثبت تعالى في هذه | الآية ~~عمارة المساجد بالعبادة للمؤمنين بالله تعالى واليوم الآخر ، المقيمين ~~الصلاة المؤتين | الزكاة ، الذين لا يخشون إلا الله ، ولا يخشون معه إلها ~~آخر كما قال تعالى : ^ ( ولا يخشون | أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا ) ^ [ ~~الأحزاب : 39 ] فهذه هي العمارة النافعة ، وهي الخالصة من | الشرك ، فإنه ~~نار تحرق الأعمال . # وقوله : ( ولم يخش إلا الله ) قال ابن عطية : يريد خشية التعظيم والعبادة ~~والطاعة ، ولا | محالة أن الإنسان يخشى غيره ، ويخشى المحاذير الدنيوية ، ~~وينبغي أن يخشى في ذلك كله | قضاء الله وتصريفه . # قلت : ولهذا قال ابن عباس في الآية : لم يعبد إلا الله ، فإن الخوف كما ~~قال ابن القيم : | عبودية القلب ، فلا يصلح إلا لله ، كالذل والإنابة ~~والمحبة والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب . | PageV01P408 # وقوله : @QB@ فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين @QE@ [ التوبة : 18 ] قال ~~ابن أبي طلحة عن | ابن عباس يقول : إن أولئك المهتدون ، كقوله : @QB@ عسى ~~أن يبعثك ربك مقاما محمودا @QE@ | [ الإسراء : 79 ] وكل ' عسى ' في القرآن ~~فهي واجبة . وتضمنت الآية أن من عمر المساجد من | المسلمين بالعبادة ، هو ~~من المؤمنين كما في حديث ' إذا رأيتم الرجل يعتاد المسجد ، فاشهدوا | له ~~بالإيمان ' قال الله : ^ ( إنما يعمر مسجد الله من ءامن بالله واليوم الأخر ms368 ~~) ^ [ التوبة : 18 ] | رواه أحمد والترمذي والحاكم . # قال : وقوله : ^ ( ومن الناس من يقول ءامنا بالله فإذا أوذى في الله جعل ~~فتنة الناس كعذاب | الله ) ^ [ العنكبوت : 10 ] # قال ابن كثير : يقول تعالى مخبرا عن قوم من الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ~~ولم يثبت | الإيمان في قلوبهم بأنهم إذا جاءتهم محنة في الدنيا اعتقدوا ~~أنها من نقمة الله بهم ، فارتدوا | عن الإسلام . قال ابن عباس : يعني فتنته ~~أن يرتد عن دينه إذا أوذي في الله . وقال ابن | القيم : الناس إذا أرسل ~~إليهم الرسل بين أمرين إما أن يقول أحدهم : آمنا ، وإما أن لا يقول | ذلك ، ~~بل يستمر على السيئات والكفر ، فمن قال : آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه ، ~~والفتنة : | الابتلاء والاختبار ، ليتبين الصادق من الكاذب ، ومن لم يقل : ~~آمنا فلا يحسب أنه يعجز الله | ويفوته ويسبقه فمن آمن بالرسل وأطاعهم ، ~~عاداه أعداؤهم وآذوه ، فابتلي بما يؤلمه ، ومن لم | يؤمن بهم ، ولم يطعهم ، ~~عوقب في الدنيا والآخرة ، وحصل له ما يؤلمه ، وكان هذا الألم | أعظم وأدوم ~~من ألم أتباعهم ، فلا بد من حصول الألم لكل نفس آمنت ، أو رغبت عن | ~~الإيمان ، لكن المؤمن يحصل له الألم في الدنيا ابتداء ، ثم تكون له العاقبة ~~في الدنيا | والآخرة ، والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء ، ثم يصير ~~له الألم الدائم . والإنسان | لا بد أن يعيش مع الناس ، والناس لهم إرادات ~~وتصورات ، فيطلبون منه أن يوافقهم عليها ، | وإن لم يوافقهم آذوه ، وعذبوه ~~، وإن وافقهم حصل له الأذى والعذاب ، تارة منهم ، وتارة من | غيرهم ، كمن ~~عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ظلمة ، ولا يتمكنون من فجورهم إلا | ~~بموافقته لهم أو سكوته عنهم ، فإن وافقهم أو سكت عنهم سلم من شرهم في ~~الابتداء ، ثم | PageV01P409 | يتسلطون عليه بالإهانة والأذى أضعاف ما كان ~~يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم ، وإن | سلم منهم ، فلا بد أن يهان ~~ويعاقب على يد غيرهم ، فالحزم كل الحزم بما قالت أم | المؤمنين لمعاوية : ' ~~من أرضى الله بسخط الناس ، كفاه الله مؤنة الناس ، ومن أرضى الناس | بسخط ~~الله ms369 ، لم يغنوا عنه من الله شيئا ' . # فمن هداه الله ، وألهمه رشده ، ووقاه شر نفسه ، امتنع من الموافقة على ~~فعل المحرم ، | وصبر على عداوتهم ، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة ، ~~كما كانت للرسل وأتباعهم . # ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة ، وأنه إذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس | له ، وهي أذاهم له ، ونيلهم إياه بالمكروه ، وهم الألم الذي ~~لا بد أن ينال الرسل وأتباعهم | ممن خالفهم ، جعل ذلك في قراره منه وتركه ~~السبب الذي يناله به كعذاب الله الذي فر منه | المؤمنون بالإيمان . ~~فالمؤمنون لكمال بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان ، | وتحملوا ما ~~فيه من الألم الزائل المفارق عن قرب ، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء | ~~الرسل إلى موافقتهم ومتابعتهم ، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله ، ~~فجعل ألم فتنة | الناس في الفرار منه بمنزلة ألم عذاب الله ، وغبن كل الغبن ~~إذ استجار من الرمضاء بالنار ، | وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد ، نصر الله ~~جنده وأوليائه قال : إني كنت معكم والله | عليم بما انطوى عليه صدره من ~~النفاق انتهى . # قلت : وإنما حمل ضعيف البصيرة على أن جعل فتنة الناس كعذاب الله ، هو ~~الخوف | منهم أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله ، وذلك من جملة الخوف ~~من غير الله ، وهذا | وجه مطابقة الآية للترجمة ، وفي الآية رد على المرجئة ~~والكرامية ، وفيها الخوف على | نفسك ، والاستعداد للبلاء إذ لا بد منه مع ~~سؤال الله العافية . # قال : عن أبي سعيد مرفوعا : ' إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله ~~، وأن | تحمدهم على رزق الله ، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ، إن رزق ~~الله لا يجره حرص | حريص ، ولا يرده كراهية كاره . # ش : هذا الحديث رواه أبو نعيم في ' الحلية ' ، والبيهقي ، وأعله بمحمد بن ~~مروان | السدي ، وقال : ضعيف ، وفيه أيضا عطية العوفي ، أورده الذهبي في ~~الضعفاء | والمتروكين ، وقال : ضعفوه وموسى بن بلال ، قال الأزدي : ساقط . ~~قلت : إسناده | ضعيف ، ومعناه صحيح ، وتمامه ' وإن الله بحكمه ms370 جعل الروح ~~والفرح في الرضى واليقين ، | PageV01P410 | وجعل الهم والحزن في الشك ~~والسخط . # قوله : ( إن من ضعف اليقين ) قال في ' المصباح ' : والضعف بفتح الضاد في ~~لغة تميم | وبضمها في لغة قريش : خلاف القوة والصحة . واليقين المراد به : ~~الإيمان كله كما قال : ابن | مسعود : ' اليقين الإيمان كله ، والصبر نصف ~~الإيمان ' ، رواه الطبراني بسند صحيح ، ورواه | أبو نعيم في ' الحلية ' ~~والبيهقي في ' الزهد ' من حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه . قاله | الحافظ : ~~ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان بالقدر السابق كما في حديث ابن عباس مرفوعا | ' ~~فإن استطعت أن تعمل بالرضى في اليقين فافعل ، وإن لم تستطع فإن في الصبر ~~على ما | PageV01P411 | تكره خيرا كثيرا ' وفي رواية أخرى في إسنادها ضعف : ~~قلت : يا رسول الله : كيف أصنع | باليقين ؟ قال : أن تعلم أن ما أصابك لم ~~يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك . # قوله : ( أن ترضي الناس بسخط الله ) . أي : تؤثر رضاهم على رضى الله ، ~~فتوافقهم على | ترك المأمور ، أو فعل المحظور استجلابا لرضاهم فلولا ضعف ~~اليقين لما فعلت ذلك ، لأن | من قوي يقينه علم أن الله وحده هو النافع ~~الضار ، وأنه لا معول إلا على رضاه ، وليس لسواه | من الأمر شيء كائنا ما ~~كان فلا يهاب أحدا ، ولا يخشاه لخوف ضرر يلحقه من جهته كما قال | تعالى : ~~@QB@ ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا @QE@ [ الأحزاب : ~~39 ] . # قوله : ( وأن تحمدهم على رزق الله ) . أي : تحمدهم وتشكرهم على ما وصل | ~~إليك على أيديهم من رزق ، بأن تضيفه إليه وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة ~~، | وهو الله رب العالمين الذي قدر هذا الرزق لك ، وأوصله إليك بلطفه ~~ورحمته فإنه | لطيف لما يشاء ، وهو العليم الحكيم ، فإذا أراد أمرا قبض له ~~أسبابا ولا ينافي ذلك | حديث ' من لا يشكر الناس لا يشكر الله ' لأن المراد ~~هنا إضافة النعمة إلى السبب | ونسيان الخالق ، والمراد بشكر الناس عدم كفر ~~إحسانهم ومجازاتهم على ذلك بما | PageV01P412 # استطعت ، فإن لم تجد فجازهم بالدعاء . # قوله : ( وإن تذمهم على ما لم يؤتك الله ) ، أي : إذا ms371 طلبتهم شيئا فمنعوك ~~ذممتهم على | ذلك ، فلو علمت يقينا أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده ~~، وأن المخلوق مدبر لا | يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عن غيره ، وأن الله ~~لو قدر لك رزقا ؛ أتاك ولو اجتهد | الخلق كلهم في دفعه ، وإن أرادك بمنع لم ~~يأتك مرادك ، ولو اجتمع الخلق كلهم في إيصاله | إليك ؛ لقطعت العلائق عن ~~الخلائق وتوجهت بقلبك إلى الخالق تبارك وتعالى ، ولهذا قرر | ذلك بقوله : ' ~~إن رزق الله لا يجره حرص حريص ، ولا يرده كراهية كاره ' فلا ترض الخلق | ~~بما يسخط الله ، ولا تحمدهم على رزق الله ، ولا تذمهم على ما لم يؤتك الله ~~طلبا لحصول | رزق من جهتهم ، فما يفتح الله للناس من رحمة ، فلا ممسك لها ، ~~وما يمسك ، فلا مرسل له | من بعده وهو العزيز الحكيم . # قال شيخ الإسلام : اليقين يتضمن في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل ~~طاعته | ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره ، فإذا أرضيتهم بسخط الله ~~لم تكن موقنا لا بوعد الله | ولا برزق الله ، فإنه إنما يحمل الإنسان على ~~ذلك إما ميل إلى ما في أيديهم فيترك القيام فيهم | بأمر الله لما يرجوه ~~منهم ، وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد | ~~PageV01P413 | والثواب في الدنيا والآخرة ، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك ~~وكفاك مؤنتهم ، وإرضاؤهم | بما يسخطه إنما يكون خوفا منهم ، ورجاء لهم وذلك ~~من ضعف اليقين ، وإذا لم يقدر لك ما | تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك ~~إلى الله لا لهم ، فإنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ، | فإذا ذممتهم على ~~ما يقدر ، كان ذلك من ضعف يقينك فلا تخفهم ولا ترجهم ، ولا تذمهم | من جهة ~~نفسك وهواك ، ولكن من حمده الله ورسوله منهم فهو المحمود ، ومن ذمه الله | ~~ورسوله فهو المذموم ، ولما قال بعض وفد بني تميم : أي محمد أعطني فإن حمدي ~~زين ، | وذمي شين قال صلى الله عليه وسلم ' ذاك الله ' . # وفي الحديث أن الإيمان يزيد وينقص ، وأن الأعمال داخلة في ms372 الإيمان وإلا ~~لم تكن | هذه الثلاث من ضعفه وأضدادها من قوته . # قال : وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' من التمس رضا ~~الله بسخط الناس رضي الله | عنه وأرضى عنه الناس ، ومن التمس رضى الناس ~~بسخط الله ، سخط الله عليه ، وأسخط عليه | الناس ' رواه ابن حبان في ' ~~صحيحه ' . # ش : هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ ذكره المصنف ، ورواه الترمذي عن ~~| رجل من أهل المدينة . قال : كتب معاوية إلى عائشة أن اكتبي لي كتابا ~~توصيني فيه ، ولا | تكثري علي ، فكتبت عائشة إلى معاوية : سلام عليك أما ~~بعد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم | يقول : ' من التمس رضى الله ~~بسخط الناس ، كفاه الله مؤنة الناس ، ومن التمس رضى الناس | PageV01P414 | ~~بسخط الله ، وكله الله إلى الناس ' والسلام عليك . رواه أبو نعيم وغيره . # قوله : ( من التمس ) ، أي : طلب قال شيخ الإسلام : وكتبت عائشة إلى ~~معاوية وروي | أنها رفعته ' من أرضى الله بسخط الناس ، كفاه الله مؤنة ~~الناس ، ومن أرضى الناس بسخط | الله ، لم يغنوا عنه من الله شيئا ' هذا لفظ ~~المرفوع ولفظ الموقوف ' من أرضى الله بسخط | الناس رضي الله عنه ، وأرضى ~~عنه الناس ، ومن أرضى الناس بسخط الله ، عاد حامده من | الناس له ذاما ' ~~هذا اللفظ المأثور عنها ، وهذا من أعظم الفقه في الدين والمأثور أحق | ~~وأصدق ، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه . وكان عبده الصالح والله ~~يتولى | الصالحين وهو كاف عبده @QB@ ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب @QE@ | [ الطلاق : 2 - 3 ] والله يكفيه مؤنة الناس بلا ريب . # وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد يحصل ذلك ، لكن يرضون إذا سلموا من | ~~الإعراض ، وإذا تبين لهم العاقبة ، ومن أرضى الناس بسخط الله ، لم يغنوا ~~عنه من الله شيئا ، | كالظالم الذي يعض على يديه ، وأما كون حامده ينقلب ~~ذاما ، فهذا يقع كفرا ويحصل في | العاقبة ، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ~~ابتداء عند أهوائهم . # قلت : وإنما يحمل الإنسان على إرضاء الخلق بسخط الخالق ms373 هو الخوف منهم ، ~~فلو | كان خوفه خالصا لله ، لما أرضاهم بسخطه ، فإن العبيد فقراء عاجزون لا ~~قدرة لهم على نفع | ولا ضر البتة ، وما بهم من نعمة فمن الله ، فكيف يحسن ~~بالموحد المخلص أن يؤثر رضاهم | على رضاء رب العالمين الذي له الملك كله ، ~~وله الحمد كله ، وبيده الخير كله ، ومنه الخير | كله ، وإليه يرجع الأمر ~~كله ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم . وقد أخبر تعالى أن ذلك من | ~~PageV01P415 | صفات المنافقين في قوله : @QB@ لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون @QE@ [ الحشر : 13 ] وما أحسن ما قيل : | # % إذا صح منك الود يا غاية المنى % % فكل الذي فوق التراب تراب % # قال ابن رجب : فمن تحقق أن كل مخلوق فوق التراب ، فهو تراب ، فكيف يقدم ~~طاعة | من هو تراب على طاعة رب الأرباب ؟ أم كيف يرضي التراب بسخط الملك ~~الوهاب ؟ إن هذا | لشيء عجاب . # وفي الحديث عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضى الله ، وأن العقوبة قد ~~| تكون في الدين عياذا بالله من ذلك . فإن المصيبة في الأديان أعظم من ~~المصيبة في الأموال | والأبدان . # وفيه شدة الخوف على عقوبات الذنوب ، لا سيما في الدين ، فإن كثيرا من ~~الناس يفعل | المعاصي ويستهين ولا يرى أثرا لعقوبتها ، ولا يدري المسكين بم ~~أصيب فقد تكون عقوبته | في قلبه كما قال تعالى : @QB@ فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون @QE@ [ ~~التوبة : 77 ] اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من | عقوبتك ، وبك ~~منك ، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك . | PageV01P416 | # | ( [ 32 ] باب : قول الله تعالى ) # | @QB@ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين @QE@ [ المائدة : 23 ] . # قال أبو السعادات : يقال : توكل بالأمر إذا ضمن القيام به ، ووكلت أمري ~~إلى فلان ، | أي : ألجأته واعتمدت عليه فيه ، ووكل فلان فلانا : إذا ~~استكفاه أمره ثقة بكفايته ، أو عجز | عن القيام بأمر نفسه انتهى . ومراد ~~المصنف بهذه الترجمة النص على أن التوكل فريضة يجب | إخلاصه لله تعالى لأنه ~~من ms374 أفضل العبادات ، وأعلى مقامات التوحيد . بل يقوم به على وجه | الكمال ~~إلا خواص المؤمنين ، كما تقدم في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بلا ~~| حساب ولا عذاب ، ولذلك أمر الله به في غير آية من القرآن أعظم مما أمر ~~بالوضوء والغسل | من الجنابة ، بل جعله شرطا في الإيمان والإسلام ومفهوم ~~ذلك انتفاء الإيمان والإسلام عند | انتفائه كما في الآية المترجم لها وقوله ~~تعالى : ^ ( إن كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم | مسلمين ) ^ [ ~~يونس : 84 ] وقوله تعالى : ^ ( فاعبده وتوكل عليه ) ^ [ هود : 123 ] وقوله ~~: @QB@ رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا @QE@ [ المزمل : 9 ] ~~وقوله : @QB@ ألا تتخذوا من دوني وكيلا @QE@ [ الإسراء : 2 ] وقوله : @QB@ ~~وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا @QE@ [ ~~الفرقان : 85 ] وقوله : @QB@ فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه ~~توكلت وهو رب العرش العظيم @QE@ [ التوبة : 129 ] وغير ذلك من الآيات . # وفي الحديث ' من سره أن يكون أقوى الناس إيمانا فليتوكل على الله ' رواه ~~ابن أبي | الدنيا ، وأبو يعلى والحاكم . # وفي حديث آخر ' لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير ~~تغدو | PageV01P417 | خماصا وتروح بطانا ' رواه أحمد وابن ماجه . # قال الإمام أحمد : التوكل عمل القلب . # وقال أبو إسماعيل الأنصاري : التوكل كلة الأمر إلى مالكه والتعويل على ~~وكالته . # إذا تبين ذلك فمعنى الآية المترجم لها أن موسى عليه السلام أمر قومه ~~بدخول الأرض المقدسة | التي كتبها الله لهم ، ولا يرتدوا على أدبارهم خوفا ~~من الجبارين ، بل يمضوا قدما لا يهابونهم ولا | يخشونهم ، متوكلين على الله ~~في هزيمتهم ، مصدقين بصحة وعده لهم إن كانوا مؤمنين . # قال ابن القيم : فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان ، فدل على انتفاء ~~الإيمان عند | انتفائه . وفي الآية الأخرى وقال موسى : ^ ( يقوم إن كنتم ~~ءامنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم | مسلمين ) ^ [ يونس : 84 ] فجعل دليل ~~صحة الإسلام التوكل ، وقال : @QB@ وعلى الله فليتوكل المؤمنون @QE@ [ ~~إبراهيم : 11 ] فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء ~~| الإيمان ms375 للتوكل ، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه ، وكلما ~~قوي إيمان | العبد كان توكله أقوى ، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل ، وإذا ~~كان التوكل ضعيفا ، فهو | دليل على ضعف الإيمان ولا بد . والله تبارك ~~وتعالى يجمع بين التوكل والعبادة ، وبين | التوكل والإيمان ، وبين التوكل ~~والتقوى ، وبين التوكل والإسلام ، وبين التوكل والهداية . | فظهر أن التوكل ~~أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان ، ولجميع أعمال الإسلام ، وأن | منزلته ~~منها كمنزلة الجسد من الرأس ، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن ، فكذلك لا ~~يقوم | الإيمان ومقوماته إلا على ساق التوكل . # قلت : وفي الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة ، وعلى أنه فرض ، ~~وإذا كان | كذلك فصرفه لغير الله شرك . قال شيخ الإسلام : وما جاء أحد ~~مخلوقا أو توكل عليه إلا | خاب ظنه فيه ، فإنه مشرك @QB@ ومن يشرك بالله ~~فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق @QE@ [ ~~الحج : 31 ] . | PageV01P418 # قلت : لكن التوكل على غير الله قسمان : - أحدهما التوكل في الأمور التي ~~لا يقدر عليها | إلا الله ، كالذين يتوكلون على الأموات والطواغيت في رجاء ~~مطالبهم من النصر والحفظ | والرزق والشفاعة ، فهذا شرك أكبر فإن هذه الأمور ~~ونحوها لا يقدر عليها إلا الله تبارك | وتعالى . # الثاني : التوكل في الأسباب الظاهرة العادية ، كمن يتوكل على أمير أو ~~سلطان ، فيما | جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك . فهذا نوع ~~شرك خفي ، والوكالة الجائزة | هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه . ولكن ~~ليس له أن يتوكل عليه وإن وكله ، بل يتوكل | على الله ويعتمد عليه في تيسير ~~ما وكله فيه كما قرره شيخ الإسلام . # قاله : وقوله : @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ ~~[ الأنفال : 2 ] الآية . # قال ابن عباس في الآية : المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند ~~أداء | فرائضه ، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله ، ولا يتوكلون على الله ، ~~ولا يصلون إذا غابوا ، ولا | يؤدون زكاة أموالهم ، فأخبر الله أنهم ليسوا ~~بمؤمنين ، ثم وصف المؤمنين فقال : @QB@ إنما المؤمنون ms376 الذين إذا ذكر الله ~~وجلت قلوبهم @QE@ [ الأنفال : 2 ] فأدوا فرائضه . رواه ابن جرير وابن | أبي ~~حاتم . وهذه صفة المؤمن الذي إذا ذكر الله وجل قلبه أي : خاف من الله ففعل ~~أوامره ، | وترك زواجره ، فإن وجل القلب من الله يستلزم القيام بفعل ~~المأمور ، وترك المحظور كما قال | تعالى : @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ [ النازعات : | 40 - 41 ] ولهذا ~~قال السدي في قوله : @QB@ إذا ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ هو الرجل يريد أن ~~| يظلم ، أو قال : يهم بمعصية ، فيقال له : اتق الله فيجل قلبه . رواه ابن ~~أبي شيبة ، وابن | جرير ، وابن أبي حاتم وقوله : ^ ( وإذا تليت عليهم ءايته ~~زادتهم إيمانا ) ^ [ الأنفال : 2 ] فقد | استدل الصحابة والتابعون ومن ~~تبعهم بهذه الآية وأمثالها على زيادة الإيمان ونقصانه . قال | عمر بن حبيب ~~الصحابي : إن الإيمان يزيد وينقص فقيل له : وما زيادته وما نقصانه ؟ قال : ~~| إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته ، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك ~~نقصانه . رواه ابن سعد . # وقال مجاهد في هذه الآية : الإيمان يزيد وينقص ، وهو قول وعمل ، رواه ابن ~~أبي | حاتم . # وحكى الإجماع على ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم . # وقوله : @QB@ وعلى ربهم يتوكلون @QE@ [ الأنفال : 2 ] أي : يعتمدون عليه ~~بقلوبهم مفوضين إليه | أمورهم وحده لا شريك له ، فلا يرجون سواه ، ولا ~~يقصدون إلا إياه ، ولا يرغبون إلا إليه ، | يعلمون أن ما شاء كان ، وما لم ~~يشأ لم يكن ، وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له ، # وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان | وهي الخوف ~~، # PageV01P419 | وزيادة الإيمان ، والتوكل على الله وحده . # فإن قيل : إذا كان المؤمن حقا هو الذي فعل المأمور وترك المحظور فلماذا ~~لم يذكر إلا فمسة أشياء ؟ # قيل : لأن ما ذكره مستلزم لما ترك ، فإنه ذكر وجل قلوبهم إذا ذكر الله ، ~~وزيادة إيمانهم | إذا تليت عليهم آياته ، مع التوكل عليه ، وأقام الصلاة ~~على الوجه المأمور به باطنا وظاهرا ، | والإنفاق من المال والمنافع فكان ~~مستلزما للباقي . فإن وجل القلب عند ذكر الله ms377 يقتضي | خشيته والخوف منه ، ~~وذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور ، وترك المحظور . وكذلك زيادة | الإيمان ~~عند تلاوة آيات الله يقتضي زيادته علما وعملا ، ثم لا بد من التوكل على ~~الله فيما لا | يقدر عليه إلا الله ومن طاعة الله فيما يقدر عليه . وأصل ~~ذلك الصلاة ، والزكاة ، فمن قام بهذه | الخمس كما أمر لزم أن يأتي بسائر ~~الواجبات ، بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أمر فهي تنهى | عن الفحشاء ~~والمنكر ذكر ذلك شيخ الإسلام . # قال : وقوله : @QB@ يا أيها النبي حسبك الله @QE@ [ الأنفال : 64 ] الآية ~~. # قال ابن القيم : أي : الله وحده كافيك وكافي أتباعك ، فلا تحتاجون معه ~~إلى أحد ، | وقيل : المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون . قال ابن القيم : ~~وهذا خطأ محض لا يجوز | حمل الآية عليه ؛ فإن الحسب والكفاية لله وحده ~~كالتوكل والتقوى والعبادة . قال تعالى : | @QB@ وإن يريدوا أن يخدعوك فإن ~~حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين @QE@ [ الأنفال : 62 ] | ففرق بين ~~الحسب والتأييد ، فجعل الحسب له وحده ، وجعل التأييد له بنصره وبعباده ، ~~وأثنى | على أهل التوحيد من عباده حيث أفرده بالحسب فقال تعالى : ^ ( الذين ~~قال لهم الناس إن | الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمنا وقالوا حسبنا ~~الله ونعم الوكيل * ) ^ [ آل | عمران : 173 ] ولم يقولوا : حسبنا الله ~~ورسوله ، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم | بذلك فكيف يقول لرسوله ~~: الله وأتباعك حسبك ؟ ! وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب ، | ولم ~~يشركوا بينه وبين رسوله ، فكيف يشرك بينه وبينهم في حسب رسول صلى الله عليه ~~وسلم ؟ ! هذا من | أمحل المحال وأبطل الباطل . ونظير هذا قوله سبحانه : ~~@QB@ وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله إنا إلى الله راغبون ~~@QE@ [ التوبة : 59 ] فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول | كما قال : ^ ( ~~وما ءاتكم الرسول فخذوه ) ^ [ الحشر : 7 ] وجعل الحسب له ، فلم يقل : ~~وقالوا | حسبنا الله ورسوله ، بل جعله خالص حقه ، كما قال : ^ ( إنا إلى ~~الله رغبون ) ^ [ التوبة : | 61 ] ولم يقل وإلى رسوله ، بل جعل الرغبة إليه ~~وحده ، كما قال : @QB@ وإلى ربك فارغب @QE@ | [ الانشراح : 8 ] فالرغبة ms378 ~~والتوكل والإنابة والحسب لله وحده ، كما أن العبادة والتقوى والسجود | ~~والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه وتعالى انتهى كلامه . وبهذا يتبين ~~مطابقة الآية | للترجمة ، لأن الله تعالى أخبر أنه حسب رسوله ، وحسب أتباعه ~~: أي : كافيهم وناصرهم ، | PageV01P420 | فنعم المولى ونعم النصير ، وفي ~~ضمن ذلك أمر لهم بإفراده تعالى بالحسب ، استكفاء بكفايته | تبارك وتعالى ~~وذلك هو التوكل . # قال : وقوله : @QB@ ومن يتوكل على الله فهو حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] . # قال ابن القيم : أي : كافيه ، ومن كان الله كافيه وواقيه ، فلا مطمع فيه ~~لعدوه ، ولا | يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش . وأما ~~أن يضره بما يبلغ به مراده فلا | يكون أبدا ، وفرق بين الأذى الذي هو في ~~الظاهر إيذاء ، وهو في الحقيقة إحسان إليه ، | وإضرار بنفسه ، وبين الضرر ~~الذي يشتفي به منه . قال بعض السلف : جعل الله لكل عمل | جزاء من نفسه ، ~~وجعل جزاء التوكل عليه نفس كفايته ، فقال : @QB@ ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه @QE@ [ الطلاق : 3 ] ولم يقل : فله كذا وكذا من الأجر ، كما قال في ~~الأعمال ، بل جعل | نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه ، وحسبه ، وواقيه ، ~~فلو توكل العبد على الله حق | توكله ، وكادته السموات والأرض ومن فيهن ، ~~لجعل له مخرجا ، وكفاه ، ونصره ، انتهى . # وفي أثر رواه أحمد في ' الزهد ' عن وهب بن منبه ، قال الله عز وجل في بعض ~~كتبه : | ' بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن ، والأرضون ~~بمن فيهن ، فإني أجعل | له بذلك مخرجا ، ومن لم يعتصم بي ، فإني أقطع يديه ~~من أسباب السماء ، وأخسف من | تحت قدميه الأرض ، فأجعله في الهواء ثم أكله ~~إلى نفسه ، كفى بي لعبدي مالا ، إذا كان | عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن ~~يسألني ، وأستجيب له قبل أن يدعوني ، فأنا أعلم بحاجته | التي ترفق به منه ~~' . # وفي الآية دليل على فضل التوكل ، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع ، ~~ودفع | المضار ، لأن الله علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على ~~الشرط ، فيمتنع أن | يكون وجود الشرط كعدمه ، لأنه ms379 تعالى رتب الحكم على ~~الوصف المناسب له ، فعلم أن | توكله هو سبب كون الله حسبا له ، ذكره شيخ ~~الإسلام . # وفيها تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل ، لأنه تبارك وتعالى ذكر ~~التقوى ، ثم ذكر | التوكل كما قال : @QB@ واتقوا الله وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون @QE@ [ المائده : 11 ] فجعل التقوى | الذي هو قيام بالأسباب ~~المأمور بها ، فحينئذ إذا توكل على الله ، فهو حسبه ، فالتوكل بدون | ~~القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض ، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل ، فلا ~~ينبغي للعبد | أن يجعل توكله عجزا ، ولا عجزه توكلا ، بل يجعل توكله من ~~جملة الأسباب التي لا يتم | المقصود إلا بها كلها . ذكر معناه ابن القيم . # قال عن ابن عباس : قال : @QB@ حسبنا الله ونعم الوكيل @QE@ [ آل عمران : ~~173 ] قالها | إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار ، وقالها محمد ~~صلى الله عليه وسلم حين قالوا : ^ ( إن الناس قد جمعوا لكم | PageV01P421 | ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا ) ^ [ آل عمران : 173 ] رواه البخاري . # ش : قوله : ^ ( حسبنا الله ) ^ أي : كافينا فلا نتوكل إلا على عليه ، كما ~~قال : ^ ( ومن يتوكل على | الله فهو حسبه ) ^ [ الطلاق : 3 ] أي كافيه . ~~كما قال : ^ ( أليس الله بكاف عبده ) ^ [ الزمر : | 36 ] . # قوله : ( ونعم الوكيل ) أي : نعم الموكل إليه المتوكل عليه ، كما قال ~~تبارك وتعالى : | ^ ( واعتصموا بالله هو مولكم فنعم المولى ونعم النصير ) ^ ~~[ الحج : 78 ] فقد تضمنت هذه الكلمة | العظيمة التوكل على الله والالتجاء ~~إليه ، قال ابن القيم : وهو حسب من توكل عليه ، وكافي | من لجأ إليه ، وهو ~~الذي يؤمن خوف الخائف ، ويجير المستجير وهو نعم المولى ، ونعم | النصير ، ~~فمن تولاه ، واستنصر به ، وتوكل عليه ، وانقطع بكليته إليه ، تولاه ، وحفظه ~~| وحرسه ، وصانه ، ومن خافه واتقاه أمنه مما يخاف ويحذر ، وجلب إليه كل ما ~~يحتاج إليه | من المنافع . # قوله : ( قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار ) وفي ~~رواية عن ابن عباس : قال : كان | آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في ~~النار . ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) رواه البخاري ، | وقد ذكر الله القصة ~~في سورة الأنبياء عليهم ms380 السلام . # قوله : ( وقالها محمد صلى الله عليه وسلم إلى آخره ) وذلك بعدما كان من ~~أمر أحد ما كان . بلغ | النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن أبا سفيان ومن ~~معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي [ صلى الله عليه وسلم ] ، ومعه | أبو ~~بكر ، وعمر ، وعثمان وعلي ، والزبير ، وسعد ، وطلحة ، وعبد الرحمن بن عوف ، ~~| وحذيفة بن اليمان ، وعبد الله بن مسعود ، وأبو عبيده بن الجراح في سبعين ~~راكبا حتى انتهى | إلى حمراء الأسد ، وهي من المدينة على ثلاثة أميال ، ثم ~~ألقى الله الرعب في قلب أبي | سفيان ، فرجع إلى مكة ، ومر به ركب من عبد ~~قيس فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : نريد | المدينة ، قال : فهل أنتم مبلغون ~~عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه ؟ قالوا : نعم . قال : فإذا | وافتيموه ~~فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم ، فمر الركب ~~| برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو ~~سفيان وأصحابه ، فقال : ^ ( حسبنا | الله ونعم الوكيل ) ^ [ آل عمران : 173 ~~] والقصة مشهورة في السير والتفاسير . # ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة وأنها قول إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام | PageV01P422 | في الشدائد ، ولهذا جاء في الحديث ' إذا وقعتم في ~~الأمر العظيم فقولوا حسبنا الله ونعم | الوكيل ' رواه ابن مردويه وأن ~~القيام بالأسباب مع التوكل على الله لا ينافيان ، بل يجب | على العبد ~~القيام بهما ، كما فعل الخليلان عليهما الصلاة والسلام ، ولهذا جاء في ~~الحديث | الصحيح الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى | بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر : ~~حسبي الله ونعم الوكيل ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : | ردوا علي ~~الرجل ' فقال : ما قلت ؟ قال : قلت : حسبي الله ونعم الوكيل فقال | رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله يلوم على العجز ، ولكن عليك بالكيس ~~فإذا غلبك أمر ، فقل : حسبي والله ونعم الوكيل . # وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص . # قال مجاهد في قوله : ( فزادهم إيمانا ) قال ms381 : الإيمان يزيد وينقص ، وعلى ~~أن ما يكرهه | الإنسان قد يكون خيرا له ، ومن التوكل أعظم الأسباب في حصول ~~الخير ، ودفع الشر في | الدنيا و الآخرة . | PageV01P423 | $ ( [ 33 ] باب ~~: قول الله تعالى : | ^ ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخسرون * ) ^ | [ الأعراف : 99 ] # المراد بهذه الترجمة التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف ولذلك ذكر بعد ~~هذه الآية | قوله تعالى : @QB@ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون @QE@ [ ~~الحجر : 56 ] هذا هو مقام الأنبياء | والصديقين كما قال تعالى : ^ ( أولئك ~~الذين يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون | رحمته ويخافون عذابه إن ~~عذاب ربك كان محذورا * ) ^ [ الإسراء : 57 ] فابتغاء الوسيلة إليه هو | ~~التقرب بحبه وطاعته ، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه أركان الإيمان . وقال ~~تعالى : ^ ( إنهم | كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا ~~لنا خشعين ) ^ [ الأنبياء : 90 ] | وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام : ^ ~~( ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع | ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون ) ^ [ الأنعام : 80 ] وقال عن شعيب : @QB@ قد افترينا على الله ~~كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله ربنا @QE@ [ الأعراف : | 89 ] فوكلا الأمر إلى مالكه ، ~~وقال تعالى عن الملائكة عليهم السلام : @QB@ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ~~ما يؤمرون @QE@ [ النحل : 50 ] وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إني ~~لأعلمكم بالله وأشدكم له | خشية ' وكلما قوي إيمان العبد ويقينه قوي خوفه ~~ورجاؤه مطلقا قال الله تعالى : @QB@ إنما يخشى الله من عباده العلماء @QE@ ~~[ فاطر : 28 ] وقال : ^ ( إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون * | والذين هم ~~بآيات ربهم يؤمنون * والذين هم بربهم لا يشركون * والذين يؤتون ما ءاتوا ~~وقلوبهم | وجلة أنهم إلى ربهم راجعون * ) ^ [ المؤمنون : 57 - 60 ] وقالت ~~عائشة : يا رسول الله هو | الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب ؟ قال : ' لا ~~يا بنت الصديق ، هو الرجل يصلي | ويصوم ، ويتصدق ، ويخاف أن لا يقبل منه ' ~~رواه الإمام أحمد والترمذي وابن جرير وابن | PageV01P424 | أبي حاتم ~~والحاكم وصححه . # قال ابن ms382 القيم : الخوف من أجل منازل الطريق ، وخوف الخاصة أعظم من خوف | ~~العامة ، وهم إليه أحوج ، وهم به أليق وله ألزم ، فإن العبد إما أن يكون ~~مستقيما أو مائلا عن | الاستقامة . فإن كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من ~~العقوبة على ميله ، ولا يصح الإيمان إلا | بهذا الخوف ، وهو ينشأ من ثلاثة ~~أمور : أحدها معرفته بالجناية وقبحها ، والثاني : تصديق | الوعيد ، وأن ~~الله رتب على المعصية عقوبتها الثالث : أنه لا يعلم أنه يمنع من التوبة ، | ~~ويحال بينه وبينها إذا ارتكب الذنب فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف ، ~~وسبب قوتها | وضعفها يكون قوة الخوف ، وضعفه هذا قبل الذنب ، فإذا عمله كان ~~خوفه أشد . # وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخة وجزائها ، وذكر المعصية ~~والتوعد | عليها ، وعدم الوقوف بإتيانه بالتوبة النصوح ، هاج من قلبه من ~~الخوف ما لا يملكه ، ولا | يفارق حتى ينجو ، وأما إن كان مستقيما مع الله ، ~~فخوفه يكون من جريان الأنفاس لعلمه بأن | الله مقلب القلوب . وما من قلب ~~إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن - عز وجل - فإن | شاء أن يقيمه أقامه ، ~~وإن شاء أن يزيغه أزاغه ، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت ~~أكثربيمينه ' لا | ومقلب القلوب ' ويكفي في هذا قوله تعالى : @QB@ واعلموا ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه @QE@ | PageV01P425 | [ الأنفال : 24 ] فأي ~~قرار لمن هذه حاله ؟ ! ومن أحق بالخوف منه ؟ ، بل خوفه لازم به في كل | حال ~~، وإن توارى عنه بغلبة حال أخرى عليه ، فالخوف حشو قلبه ، ولكن توارى عنه ~~بغلبة | غيره ، فوجود الشيء غير العلم به ، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد ~~والوعيد ، وهذا | الخوف ثمرة العلم بقدرة الله عز وجل وعزته وجلاله ، وأنه ~~الفعال لما يريد ، وأنه المحرك | للقلب المصرف له كيف يشاء ، لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم انتهى . فهذا الخوف الثاني هو | من خوف المكر . # إذا علمت هذا ، فمعنى الآية المترجم لها أن الله تبارك وتعالى لما ذكر ~~حال أهل القرى | المكذبين للرسل ، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من ~~عذاب الله ms383 ، وعدم الخوف | منه كما قال : ^ ( أفأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بيتا وهم نائمون * أو أمن أهل القرى أن | يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون * ) ^ [ الأعراف : 97 - 98 ] ثم بين أن ذلك بسبب الجهل | والغرة ~~بالله ، فأمنوا مكره فيما ابتلاهم به من السراء والضراء ، بأن يكون ~~استدراجا ، فقال : | ^ ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخسرون * ) ^ [ الأعراف : 99 ] أي : | الهالكون . فدل على وجوب الخوف من ~~مكر الله . # قال الحسن : من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له ، ومن قتر عليه ، ~~فلم ير أنه | ينظر له فلا رأي له . # وقال قتادة : بغت القوم أمر الله ، وما أخذ الله قوما قط إلا عند سلوتهم ~~وغرتهم | ونعمتهم فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر به إلا القوم الفاسقون . ~~رواهما ابن أبي حاتم . # وفي الحديث ' إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب ؛ ~~فإنما هو | استدراج ' رواه أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم . | PageV01P426 # وقال إسماعيل بن رافع : من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب ~~يتمنى على الله | المغفرة . رواه ابن أبي حاتم . # قال : وقوله : @QB@ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون @QE@ [ الحجر : 56 ~~] ، نبه | المصنف رحمه الله بهذه الآية على الجمع بين الرجاء والخوف ، فإذا ~~خاف فلا يقنط من | رحمة الله ، بل يرجوها مع العمل الصالح . كما قال تعالى ~~: ^ ( إن الذين ءامنوا والذين هاجروا | وجهدوا في سبيل الله أولئك يرجون ~~رحمت الله والله غفور رحيم * ) ^ [ البقرة : 218 ] فذكر | سبحانه أنهم ~~يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة ، فأما الرجاء مع الإصرار ~~| على المعاصي ، فذاك من غرور الشيطان ؛ إذا تبين ذلك ، فقوله تعالى : @QB@ ~~ومن يقنط @QE@ | حكاية قول إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بولده ~~إسحاق عليه السلام ، فقال : | @QB@ أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون ~~@QE@ [ الحجر : 54 ] استبعادا لوقوع هذا في العادة | مع كبر السن منه ومن ~~زوجته قالوا : ^ ( بشرنك بالحق ) ^ [ الحجر : 55 ] أي : الذي لا ريب | فيه ~~ولا مثنوية ، بل هو أمر الذي @QB@ إذا أراد ms384 شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ ~~[ يس : 82 ] وإن | بعد مثله في العادة التي أجراها فإن ذلك عليه يسير ، إذا ~~أراده ، فلا تكن من القاطنين ، أي لا | تيأس من رحمة الله ، قال إبراهيم ~~عليه السلام : @QB@ ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون @QE@ [ الحجر : 56 ] ~~فأجابهم بأنه ليس بقانط ، ولكن يرجو من الله الولد ، وإن | كان قد كبر ، ~~وأسنت امرأته ، فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك . قال | ~~السدي : ( ومن يقنط من رحمة ربه ) قال : من ييأس من رحمة ربه . رواه ابن ~~أبي حاتم @QB@ إلا الضالون @QE@ قال بعضهم : إلا المخطئون طريق الصواب ، أو ~~الكافرون ، كقوله : ^ ( لا يائيس من | روح الله إلا القوم الكفرون ) ^ [ ~~يوسف : 87 ] وفي حديث مرفوع ' الفاجر الراجي لرحمة الله ، | أقرب منها من ~~العابد القانط ' رواه الحكيم الترمذي والحاكم في ' تاريخه ' # قال : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائر قال : ~~' الشرك بالله ، واليأس من | PageV01P427 | روح الله ، والأمن من مكر الله ~~' . # ش : هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر ، عن ~~عكرمة ، عن | ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان متكئا ، فدخل ~~عليه رجل ، فقال : ما الكبائر ؟ فقال : ' الشرك | بالله ' وذكر الحديث . ~~ورجاله ثقات إلا شبيب بن بشر فقال ابن معين ثقة ، ولينه ابن أبي | حاتم ، ~~ومثل هذا يكون حسنا . وقال ابن كثير : في إسناده نظر ، والأشبه أن يكون ~~موقوفا . # قوله : ' الشرك بالله ' هو أكبر الكبائر ، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين ~~وإلههم ومالكهم | وخالقهم الذي لا إله إلا هو ، وعدل غيره به ، كما قال : ~~@QB@ ثم الذين كفروا بربهم يعدلون @QE@ | [ الأنعام : 1 ] فهو أظلم الظلم ، ~~وأقبح القبيح ، ولهذا لا يغفر إن لم يتب منه ، بخلاف غيره من | الذنوب ، ~~ففي مشيئة الله إن شاء غفرها ، وإن شاء عذب بها . # قوله : ' واليأس من روح الله ' أي : قطع الرجاء والأمل من الله فيما ~~يرومه ويقصده قال | تعالى : ^ ( ولا تايئسوا من روح الله إنه لا يايئس من ~~روح ms385 الله إلا القوم الكفرون ) ^ [ يوسف : 87 ] | وذلك إساءة ظن بكرم الله ~~ورحمته وجوده ومغفرته . # قوله : ' والأمن من مكر الله ' أي : من استدراجه للعبد أو سلبه ما أعطاه ~~من الإيمان | - نعوذ بالله من غضبه - وذلك جهل بالله وبقدرته ، وثقة بالنفس ~~وعجب بها . # واعلم أن هذا الحديث لم يرد فيه حصر الكبائر فيما ذكر ، بل الكبائر كثيرة ~~، لكن ذكر | ما هو أكبرها ، أو من أكبرها ، ولهذا قال ابن عباس : هي إلى ~~السبعين أقرب منها إلى السبع ، | رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم . وفي ~~رواية هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى سبع ، غير أنه لا | كبيرة مع استغفار ، ~~ولا صغيرة مع إصرار . # قال : وعن ابن مسعود قال : أكبر الكبائر الإشراك بالله ، والأمن من مكر ~~الله ، والقنوط | من رحمة الله ، واليأس من روح الله ، رواه عبد الرزاق . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود ، قال ابن كثير : ~~وهو | PageV01P428 | صحيح إليه بلا شك ، ورواه الطبراني أيضا . # قوله : ( أكبر الكبائر : الإشراك بالله ) . أي : في ربوبيته أو عبادته ~~وهذا بالإجماع . # قوله : ( والقنوط من رحمة الله ) . قال أبو السعادات : هو أشد اليأس من ~~الشيء . # قلت : فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء ~~، فيكون | القنوط من اليأس ، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله ~~بالكفر ، ولأهل القنوط | بالضلال . # وفيه التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف ، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس ~~، وكان | السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف ، وفي المرض الرجاء ، هذه ~~طريقة أبي | سليمان وغيره ، قال : وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف ~~فإذا كان الغالب عليه | الرجاء فسد ، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته في ~~الغيب والشهادة إنه على كل شيء قدير . | PageV01P429 | # | 33 ( [ 34 ] باب : من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله ) # لما كان ببديع حكمته ، ولطيف رحمته ، قضى أن يبتلي النوع الإنساني ~~بالأوامر | والنواهي والمصائب التي قدرها عليهم ، أمرهم بالصبر على ذلك ، ~~وافترضه عليهم تسلية | لهم وتقوية على ذلك ، ووعدهم عليه الثواب بغير حساب ~~كما قال ms386 : ^ ( إنما يوفى الصبرون أجرهم | بغير حساب ) ^ [ الزمر : 10 ] ~~فعلى هذا يكون الصبر ثلاثة أنواع : صبر على المأمور ، وصبر عن | المحظور ، ~~وصبر على المقدور ، ويشملها قوله تعالى : ^ ( والذين صبروا ابتغآء وجه ربهم ~~) ^ | [ الرعد : 22 ] وقوله تعالى : @QB@ الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ~~@QE@ [ النحل : 42 ] ولما كان | الصبر لا يحصل إلا بالله كما قال : @QB@ ~~واصبر وما صبرك إلا بالله @QE@ [ النحل : 127 ] أرشد تبارك | وتعالى إلى ~~الجمع بينهما . وقال تعالى : @QB@ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا @QE@ [ ~~الطور : 48 ] قال الإمام | أحمد : ذكر الله الصبر في تسعين موضعا وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ' والصبر ضياء ' رواه أحمد ومسلم . # وقال عليه السلام : ' ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ' رواه ~~البخاري | ومسلم . | PageV01P430 # وفي حديث آخر ' الصبر نصف الإيمان ' رواه أبو نعيم والبيهقي في ' الشعب ' # وقال عمر : وجدنا خير عيشنا بالصبر . رواه البخاري . # وقال علي بن أبي طالب : ' ألا إن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ~~، فإذا | قطع الرأس بان الجسد ، ثم رفع صوته فقال : ' ألا لا إيمان لمن لا ~~صبر له ' . # والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة . # واشتقاقه من صبر : إذا حبس ومنع ، فالصبر حبس النفس عن الجزع ، واللسان ~~عن | التشكي والسخط ، والجوارح عن لطم الخدود ، وشق الجيوب ونحوهما ذكره ~~ابن القيم . # قال : وقوله تعالى : @QB@ ومن يؤمن بالله يهد قلبه @QE@ [ التغابن : 11 ] # ش : أول الآية ^ ( مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه والله بكل | شيء عليم * ) ^ [ التغابن : 11 ] أخبر تعالى أن ما أصاب ~~من مصيبة في الأرض ولا في | الأنفس إلا بإذن الله ، أي : بقدره وأمره كما ~~قال في الآية الأخرى ^ ( إلا في كتب من قبل | أن نبرأها إن ذلك على الله ~~يسير ) ^ [ الحديد : 22 ] . # قال ابن عباس في قوله : إلا بإذن الله : إلا بأمر الله ، يعني : من قدره ~~ومشيئته ومن | يؤمن بالله يهد قلبه ، أي : ومن أصابته مصيبة فعلم أنها ~~بقضاء الله وقدره ، فصبر واحتسب | واستسلم لقضاء الله جازاه الله تعالى ~~بهداية قلبه التي هي أصل كل سعادة وخير ms387 في الدنيا | والآخرة . وقد يخلف ~~عليه أيضا في الدنيا ما أخذه منه أو خيرا منه كما قال : ^ ( وبشر | الصبرين ~~* الذين إذا أصبتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون * ) ^ [ البقرة : ~~| 155 - 157 ] . # قال ابن عباس : يهد قلبه اليقين ، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما ~~أخطأه لم | يكن ليصيبه . PageV01P431 # وفي الحديث الصحيح ' عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له ، ~~إن | إصابته ضراء فصبر كان خيرا له ، وإن إصابته سراء فشكر كان خيرا له ، ~~وليس ذلك لأحد | إلا للمؤمن ' . # وقوله : ^ ( الله بكل شيء عليم ) ^ تنبيه على أن ذلك صادر عن علمه ~~المتضمن لحكمته ، | وذلك يوجب الصبر والرضى . # قوله : قال علقمة : هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله ، ~~فيرضى ويسلم . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة وهو صحيح . # وعلقمة : هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ولد في حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وسمع من | أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود ~~وعائشة وغيرهم ، وهو من كبار التابعين | وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم مات بعد ~~الستين . # قوله : ( هو الرجل تصيبه المصيبة إلى آخره ) . هذا تفسير للإيمان المذكور ~~في الآية لكنه | تفسير باللازم وهو صحيح ، لأن هذا اللازم للإيمان الراسخ ~~في القلب ، وقريب منه تفسير | سعيد بن جبير : ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) ~~يعني : يسترجع يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون . # وفي الآية أن الصبر سبب لهداية القلب ، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ~~، وأن | الأعمال من الإيمان ، وفيها إثبات القدر . # قال : وفي ' صحيح مسلم ' عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال : ' اثنتان في الناس هما | PageV01P432 | بهم كفر : الطعن في النسب ، ~~والنياحة على الميت ' # ش : قوله : ( هما ) . أي الاثنتان . # قوله : ( بهم كفر ) . أي : هما بالناس ، أي : فيهم كفر . قال شيخ الإسلام ~~: أي : هاتان | الخصلتان هما كفر قائم في الناس . فنفس الخصلتين كفر حيث ~~كانتا في أعمال الكفار ، وهما | قائمتان بالناس ، لكن ليس من قام به شعبة ms388 ~~من شعب الكفر يصير كافرا الكفر المطلق ، حتى | تقوم به حقيقة الكفر ، كما ~~أنه ليس من قام به شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا حتى يقوم | به أصل ~~الإيمان ، وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله : ' ليس بين العبد ~~وبين الكفر | أو الشرك إلا ترك الصلاة ' وبين كفر منكر في الإثبات . # قوله : ' الطعن في النسب ' أي : عيبه ، ويدخل فيه أن يقال : هذا ليس ابن ~~فلان مع | ثبوت نسبه في ظاهر الشرع ذكره بعضهم . # قوله : ' والنياحة على الميت ' أي : رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما ~~في ذلك من | التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر ، وذلك كقول النائحة : ~~واعضداه ، واناصراه ، | واكاسياه ونحو ذلك . # وفيه دليل على أن الصبر واجب ، لأن النياحة منافية له ، فإذا حرمت دل على ~~وجوبه . | وفيه أن من الكفر ما لا ينقل عن الملة . # قال : ولهما عن ابن مسعود مرفوعا ' ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ~~| PageV01P433 | ودعى بدعوى الجاهلية ' . # ش : قوله : ' ليس منا ' هذا من نصوص الوعيد ، وقد جاء عن سفيان الثوري ~~وأحمد # كراهة تأويلها ليكون أوقع في النفوس ، وأبلغ في الزجر ، وقيل أي : ' ليس ~~من أهل سنتنا | وطريقتنا ، لأن الفاعل لذلك ارتكب محرما ، وترك واجبا . ~~وليس المراد إخراجه من الإسلام | بل المراد المبالغة في الردع عن الوقوع في ~~ذلك ، كما يقول الرجل لولده عند معاقبته : لست | مني ولست منك ، فالمراد أن ~~فاعل ذلك ليس من المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان . # قوله : ' من ضرب الخدود ' قال الحافظ : خص الخد بذلك لكونه الغالب ، وإلا ~~فضرب | بقية الوجه مثله ، قلت : بل ولو ضرب غير الوجه كالصدر ، فكما لو ضرب ~~الخد ، فيدخل في | معنى ضرب الخد ، إذ الكل جزع مناف للصبر فيحرم . # قوله : ' وشق الجيوب ' جمع جيب وهو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب ، ~~وكانوا | يشقونه حزنا على الميت قال الحافظ : والمراد إكمال فتحه إلى آخره ~~. قلت : الظاهر أن فتح | بعضه كفتحه كله . # قوله : ' ودعى بدعوى الجاهلية ' قال شيخ الإسلام : هو ندب الميت وقال ~~غيره : هو | الدعاء بالويل والثبور . وقال ms389 الحافظ : أي : من النياحة ونحوها ~~، وكذا الندب به كقولهم : | واجبلاه ، وكذا الدعاء بالويل والثبور . وقال ~~ابن القيم : الدعاء بدعوى الجاهلية ، كالدعاء | إلى القبائل والعصبية ~~للإنسان ، ومثله التعصب للمذاهب والطوائف ، والمشايخ وتفضيل | بعض على بعض ~~في الهوى والعصبية ، وكونه منتسبا إليه يدعو إلى ذلك ، ويوالي عليه ، | ~~ويعادي ويزن الناس به ، فكل هذا من دعوى الجاهلية . # قلت : الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله ، وقد جاء لعن من فعل ما في ~~هذا # الحديث عن ابن ماجه ، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ' لعن الخامشة | وجهها ، والشاقة جيبها ، والداعية بالويل ~~والثبور ' وهذا يدل على أن هذه الأمور من | PageV01P434 | الكبائر ، لأنها ~~مشتملة على التسخط على الرب ، وعدم الصبر الواجب ، والإضرار بالنفس من | ~~لطم الوجه ، وإتلاف المال ؛ بشق الثياب وتمزيقها ، وذكر الميت بما ليس فيه ~~، والدعاء بالويل | والثبور والتظلم من الله تعالى ، وبدون هذا يثبت ~~التحريم الشديد ، فأما الكلمات اليسيرة إذا | كانت صدقا لا على وجه النوح ~~والتسخط فلا ، تحرم ، ولا تنافي الصبر الواجب . نص عليه | أحمد لما رواه في ~~' مسنده ' عن أنس ' أن أبا بكر رضي الله عنه دخل على النبي صلى الله عليه ~~وسلم بعد | وفاته فوضع فمه بين عينيه ، ووضع يديه على صدغيه وقال : وانبياه ~~، واخليلاه ، | واصفياه ' . وكذلك صح عن فاطمة رضي الله عنها أنها ندبت ~~أباها صلى الله عليه وسلم فقالت : يا أبتاه | أجاب ربا دعاه . . . الحديث . # واعلم أن الحديث المشروح لا يدل على النهي عن البكاء أصلا ، وإنما يدل ~~على النهي | عما ذكر فيه فقط . وكذلك يدل على النهي عما في معناه كالبكاء ~~برنة ، وحلق الشعر ، | وخمش الوجوه ، ونحو ذلك . أما البكاء على وجه الرحمة ~~والرقة ونحو ذلك فيجوز ، بل | قال شيخ الإسلام : البكاء على الميت على وجه ~~الرحمة حسن مستحب ، ولا ينافي الرضى | بقضاء الله ، بخلاف البكاء عليه ~~لفوات حظه منه . # قلت : ويدل لذلك قوله عليه السلام لما مات ابنه إبراهيم : ' تدمع العين ، ~~ويحزن # | PageV01P435 | القلب ، ولا نقول إلا ما يرضي الرب ، وإنا ms390 بك يا إبراهيم ~~لمحزونون ' وهو في | ' الصحيح ' # وفي ' الصحيحين ' عن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق ~~إلى أحد بناته ، ولها | صبي في الموت ، فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع كأنها ~~شن ففاضت عيناه فقال سعد : ما هذا | يا رسول الله قال : ' هذه رحمة جعلها ~~الله في قلوب عباده ، وإنما يرحم الله من عباده | الرحماء ' . # قال : وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' إذا أراد الله ~~بعبده الخير ، عجل له العقوبة في | الدنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشر ، ~~أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ' . # ش : هذا الأثر رواه الترمذي ، والحاكم ، وحسنه الترمذي وفي إسناده سعد بن ~~سنان . | قال الذهبي في موضع : سعد ليس حجة وفي آخر كأنه غير صحيح . وأخرجه ~~الطبراني ، | والحاكم عن عبد الله بن مغفل ، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة ، ~~والطبراني عن عمار بن | ياسر وحسنه السيوطي . | PageV01P436 # قوله : ( إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ) . قال ~~شارح ' الجامع | الصغير ' : أي بصب البلاء والمصائب عليه جزاء لما فرط من ~~الذنوب منه ، فيخرج منها | وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة ، كما يعلم ~~من مقابله الآتي ، ومن فعل ذلك به فقد | أعظم اللطف به ، لأن من حوسب بعمله ~~عاجلا في الدنيا ، خف جزاؤه عليه حتى يكفر | بالشوكة يشاكها ، حتى بالقلم ~~يسقط من الكاتب ، فيكفر عن المؤمن بكل ما يلحقه في دنياه ، | حتى يموت على ~~طهارة من دنسه . # قلت : وفي الصحيح ' لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه ~~| خطيئة ' . # وفي ' المسند ' وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا ' لا يزال البلاء بالمؤمن ~~والمؤمنة في | جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ' . # قال شيخ الإسلام : المصائب : نعمة ، لأنها مكفرات للذنوب ، ولأنها تدعو ~~إلى الصبر ، | PageV01P437 | فيثاب عليها ، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله ~~والذل له ، والإعراض عن الخلق ، إلى غير ذلك | من المصالح العظيمة فنفس ~~البلاء يكفر الله به الخطايا ، ومعلوم أن هذا من أعظم النعم ، ولو ms391 | كان ~~رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن يخفف الله عنه عذابه بمصائبه . فالمصائب ~~رحمة | ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم ~~مما كان قبل | ذلك ، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه ، فإن من ~~الناس من إذا ابتلي بفقر أو | مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ~~ومرض القلب ، أو الكفر الظاهر ، | أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ~~ما يوجب له ضررا في دينه بحسب ذلك . | فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما ~~أورثته المصيبة ، لا من جهة المصيبة ، كما أن من | أوجبت له المصيبة صبرا ~~وطاعة كانت في حقه نعمة دينية ، فهي بعينها فعل الرب عز وجل | رحمة للخلق ، ~~والله تبارك وتعالى محمود عليها ، فإن اقترن بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية | ~~على صاحبها ، وإن اقترن بها للمؤمن معصية ، فهذا مما تتنوع فيه أحوال الناس ~~كما تتنوع | أحوالهم في العافية ، فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر عليه ~~نعمة في دينه ، وحصل له بعد | ما كفر من خطاياه رحمة ، وحصل له بثنائه على ~~ربه صلاة ربه عليه حيث قال : @QB@ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك ~~هم المهتدون @QE@ [ البقرة : 157 ] فحصل له غفران | السيئات ، ورفع الدرجات ~~وهذا من أعظم النعم . فالصبر واجب على كل مصاب ؛ فمن قام | بالصبر الواجب ~~حصل له ذلك . انتهى ملخصا . # قوله : ' وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه ' أي : أخر عنه العقوبة بذنبه . # قوله : ' حتى يوافي به يوم القيامة ' هو بضم الياء وكسر الفاء منصوبا ~~بحتى مبنيا للفاعل . | قال العزيزي : أي : لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى ~~يجيء في الآخرة مستوفي الذنوب وافيها | فيستوفي ما يستحقه من العقاب . # قلت : وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفا أن تكون طيباته عجلت له ~~في | الحياة الدنيا ، والله تعالى لم يرض الدنيا لعقوبة أعدائه ، كما لم ~~يرضها لإثابة أوليائه بل جعل | ثوابهم أن أسكنهم في جواره ورضي عنهم كما ~~قال تعالى : ^ ( إن المتقين في جنت ms392 ونهر * في | مقعد صدق عند مليك مقتدر * ~~) ^ [ القمر : 54 - 55 ] لهذا لما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الأسقام ~~قال | رجل : يا رسول الله وما الأسقام ؟ والله ما مرضت قط قال : ' قم عنا ~~فلست منا ' رواه أبو | داود . وهذه الجملة هي آخر الحديث فأما قوله : وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن عظم الجزاء ' إلى | PageV01P438 | آخره ~~فهو أول حديث آخر لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد عن صحابي واحد جعلهما ~~| المصنف كالحديث الواحد . # وفيه من الفوائد أن البلاء للمؤمن من علامات الخير خلافا لما يظنه كثير ~~من الناس . # وفيه الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شر . # وفيه تنبيه على رجاء الله وحسن الظن به فيما يقضيه لك مما تكره . # وفيه معنى قوله تعالى : @QB@ وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم @QE@ [ ~~البقرة : 216 ] . # قال المصنف : وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن عظم الجزاء مع عظم ~~البلاء وإن الله إذا أحب قوما | ابتلاهم ، فمن رضي فله الرضى ، ومن سخط فله ~~السخط ' حسنه الترمذي . # ش : هذا الحديث رواه الترمذي ولفظه : حدثنا قتيبة ثنا الليث عن يزيد بن ~~أبي حبيب | عن سعد بن سنان عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ' إذا أراد الله بعبده الخير ' الحديث | الذي قبل هذا ثم قال : وبهذا ~~الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' إن عظم الجزاء ' الحديث ثم | ~~قال : هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه . ورواه ابن ماجه وصححه السيوطي . | ~~وروى الإمام أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعا ' إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن ~~صبر فله | الصبر ، ومن جزع فله الجزع ' قال المنذري : رواته ثقات . | ~~PageV01P439 # قوله : ' إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ' بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما ، ~~ويجوز ضمها | مع سكون الظاء ، أي : من كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم ، ~~فعظمة الأجر وكثرة الثواب مع | عظم البلاء كيفية وكمية جزاء وفاقا . # قلت : ولما كان الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس جزاء كانوا أشد الناس ~~بلاء ، كما في | حديث سعد سئل النبي صلى ms393 الله عليه وسلم : أي الناس أشد ~~بلاء ؟ قال : ' الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ، يبتلي | الرجل على حسب دينه ، ~~فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه ، وإن كان في دينه رقة ، ابتلي | على قدر ~~دينه ، فما يبرح بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة ' رواه | ~~الدارمي ، وابن ماجه ، والترمذي وصححه . # وقد يحتج بقوله : ' إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ' من يقول : إن المصائب ~~والأسقام | يثاب عليها غير تكفير الخطايا ، ورجح ابن القيم وغيره أن ثوابها ~~تكفير الخطايا فقط إلا إن | كانت سببا لعمل صالح كالتوبة ، والاستغفار ~~والصبر والرضى ، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد | منها كما في حديث ' إذا ~~سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها ، أو قال : لم ينلها بعمله ابتلاه | ~~الله في جسده ، أو في ولده ، أو في ماله ، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة التي ~~سبقت له من الله | عز وجل ' رواه أبو داود في رواية ابن داسة والبخاري في ' ~~تاريخه ' وأبو يعلى في ' مسنده ' | وحسنه بعضهم . وعلى هذا فيجاب عن الأول ~~' إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ' أي : إذا | صبر واحتسب . # قوله : ' وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم ' صريح في حصول الابتلاء لمن ~~أحبه الله ، ولما | كان الأنبياء عليهم السلام أفضل الأحباب كانوا أشد ~~الناس بلاء ، وأصابهم من البلاء في الله | ما لم يصب أحدا لينالوا بذلك ~~الثواب العظيم ، والرضوان الأكبر وليأتسي بهم من بعدهم ، | ويعلموا أنهم ~~بشر تصيبهم المحن والبلايا فلا يعبدونهم . | PageV01P440 # فإن قلت : كيف يبتلي الله أحبابه ؟ ! # قيل : لما كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرا لهم كما صحت بذلك ~~| الأحاديث وفي أثر إلهي ' أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب ' ولأنه ~~زيادة في درجاتهم | لما يحصل مع المصيبة للمؤمن من الأعمال الصالحة كما ~~تقدم في حديث ' إذا سبقت للعبد | من الله منزلة ' الحديث ولأن يدعو إلى ~~التوبة فإن الله تعالى يبتلي العباد بعذاب الدنيا | ليتوبوا من الذنوب كما ~~قال تعالى : @QB@ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون @QE@ [ الروم : 41 ] ~~| فمن رزقه الله التوبة بسبب المصيبة ms394 كان ذلك من أعظم نعم الله عليه ، ولأن ~~ذلك يحصل به | دعاء الله والتضرع إليه ؛ ولهذا ذم الله من لا يستكين لربه ، ~~ولا يتضرع عند حصول البأساء | كما قال تعالى : ^ ( ولقد أخذناهم بالعذاب ~~فما استكانوا لربهم وما يتضرعون * ) [ المؤمنون : 76 ] | ودعاء الله ~~والتضرع إليه من أعظم النعم ، فهذه النعمة والتي قبلها من أعظم صلاح الدين ~~، فإن | صلاح الدين في أن يعبد الله وحده ويتوكل عليه ، وأن لا تدعو مع ~~الله إلها آخر لا دعاء | عبادة ، ولا دعاء مسألة . فإذا حصلت لك التوبة ~~التي مضمونها أن تعبد الله وحده ، وتطيع | رسله بفعل المأمور ، وترك ~~المحظور ، كنت ممن يعبد الله ، وإذا حصل لك الدعاء الذي هو | سؤال الله ~~حاجاتك ، فتسأله ما تنتفع به ، وتستعيذ به مما تستضر به ، كان هذا من أعظم ~~نعم | الله عليك ، وهذا كثيرا ما يحصل بالمصائب . وإذا كانت هذه النعم في ~~المصائب ، فأولى | الناس بها أحبابه ، فعليهم حينئذ أن يشكروا الله . لخصت ~~ذلك من كلام شيخ الإسلام رحمه | الله . # قوله : ' فمن رضي فله الرضى ' أي : من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من ~~الابتلاء فله | الرضى من الله جزاءا وفاقا كما قال تعالى : ^ ( رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ) ^ [ البينة : 8 ] وهذا دليل | على فضيلة الرضى ، وهو أن ~~لا يعترض على الحكم ولا يتسخطه ولا يكرهه ، وقد وصى | النبي صلى الله عليه ~~وسلم رجلا فقال : ' لا تتهم الله في شيء قضاه لك ' فإذا نظر المؤمن بالقضاء ~~والقدر | في حكمة الله ورحمته ، وأنه غير متهم في قضائه ، دعاه ذلك إلى ~~الرضى ، قال ابن مسعود : | إن الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين ~~والرضى ، وجعل الهم والحزن في الشك | والسخط . وقال ابن عون : ارض بقضاء ~~الله من عسر ويسر ، فإن ذلك أقل لهمك ، وأبلغ فيما | PageV01P441 | تطلب من ~~أمر آخرتك ، واعلم أن العبد لن يصيب حقيقة الرضى حتى يكون رضاه عند الفقر | ~~والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء ، كيف تستقضي الله في أمرك ، ثم تسخط إن ~~رأيت قضاءه | مخالفا لهواك ؟ ولعل ما ms395 هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك ~~، وترضى قضاءه إذا | وافق هواك ، وذلك لقلة علمك بالغيب ، إذا كنت كذلك ما ~~أنصفت من نفسك ، ولا أصبت | باب الرضى . ذكره ابن رجب قال : وهذا كلام حسن ~~. # قوله : ' ومن سخط ' هو بكسر الخاء قال أبو السعادات : السخط الكراهية ~~للشيء وعدم | الرضى به ، أي : من سخط أقدار الله فله السخط أي : من الله ~~وكفى بذلك عقوبة . قال | تعالى : ^ ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا ~~رضوانه فأحبط أعملهم * ) | [ محمد : 28 ] وفيه دليل أن السخط من أكبر ~~الكبائر ، وقد يستدل به على إيجاب الرضى كما | هو اختيار ابن عقيل . واختار ~~القاضي عدم الوجوب ، ورجحه شيخ الإسلام ، وابن القيم . | قال شيخ الإسلام : ~~ولم يجيء الأمر به كما جاء الأمر بالصبر ، وإنما جاء الثناء على أصحابه | ~~ومدحهم . # قال : وأما ما جاء من الأثر ' من [ لم ] يصبر على بلائي ، ولم يرض بقضائي ~~فليتخذ ربا | سواي ' فهذا إسرائيلي ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم # قلت : قد روى الطبراني في الأوسط معناه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~مرفوعا | ' من لم يرض بقضاء الله ، ويؤمن بقدر الله ، فليلتمس إلها غير ~~الله ' . # قال الهيثمي : فيه حزم بن أبي حزم وثقه ابن معين ، وضعفه جمع ، وبقية ~~رجاله | ثقات فإن ثبت هذا دل على وجوبه . # قال شيخ الإسلام : وأعلى من ذلك ، أي : من الرضى أن يشكر الله على ~~المصيبة لما | يرى من إنعام الله تعالى عليه بها . انتهى . # واعلم أنه لا تنافي بين الرضى وبين الإحساس بالألم ، فكثير ممن له أنين ~~من وجع | وشدة مرض قلبه مشحون من الرضى والتسليم لأمر الله . | PageV01P442 # فإن قيل : ما الفرق بين الرضى والصبر ؟ # فالجواب قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز ، والفضيل ، وأبو ~~سليمان ، | وابن المبارك ، وغيرهم : إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو ~~عليها بخلاف الصابر . # وقال الخواص : الصبر دون الرضى ، الرضى أن يكون الرجل قبل نزول المصيبة ~~راض | بأي ذاك كان ، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة ms396 يصبر . # قلت : كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى ، فإنه إنما يكون بعد ~~| القضاء كما في الحديث ' وأسألك الرضى بعد القضاء ' لأن العبد قد يعزم على ~~الرضى | بالقضاء قبل وقوعه ، فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة ، فمن رضي بعد ~~وقوع القضاء فهو | الراضي حقيقة . قاله ابن رجب . | PageV01P443 | # | ( [ 35 ] باب : ما جاء في الرياء ) # أي : من الوعيد ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطا في قبوله ~~لمنافاة | الشرك والرياء للتوحيد ، نبه المصنف على ذلك تحقيقا للتوحيد . ~~والرياء مصدر رائ يرائي | مراءاة ورياء ؛ وهو أن يري الناس أنه يعمل عملا ~~على صفة ، وهو يضمر في قلبه صفة | أخرى ، فلا اعتداد ولا ثواب إلا بما خلصت ~~فيه النية لله تعالى . ذكره القاضي أبو بكر | بمعناه ، وقال الحافظ : هو ~~مشتق من الرؤية ، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها | فيحمد ~~صاحبها انتهى . والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس ، ~~والسمعة | العمل لأجل سماعهم ، فالرياء يتعلق بحاسة البصر ، والسمعة بحاسة ~~السمع ، ويدخل فيه أن | يخفى عمله لله ثم يحدث به الناس . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم ~~إله وحد ) ^ [ الكهف : | 110 ] . # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : قل يا محمد للناس : إنما أنا بشر ~~مثلكم ، أي : في البشرية ولكن | الله من علي وفضلني بالرسالة وليس لي من ~~الربوبية ولا من الإلهية شيء ، بل ذلك لله وحده # لا شريك له كما قال : @QB@ يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد @QE@ أي : ~~معبودكم الذي أدعوكم إلى | عبادته إله واحد لا شريك له ^ ( فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه ) ^ أي : من كان يخاف لقاء الله يوم | القيامة . قال شيخ الإسلام ~~: أما اللقاء ، فقد فسره طائفة من السلف والخلف بما يتضمن | المعاينة ~~والمشاهدة بعد السلوك والسير وقالوا : إن لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه ~~وتعالى ، | وأطال في ذلك واحتج له . وقال سعيد بن جبير : ^ ( فمن كان يرجوا ~~لقاء ربه ) ^ [ الكهف : 110 ] | قال : من كان يخشى البعث في الآخرة رواه ms397 ~~ابن أبي حاتم . ^ ( فليعمل عملا صلحا ولا يشرك | بعبادة ربه أحدا ) ^ [ ~~الكهف : 110 ] أي : كائنا ما كان . قال ابن القيم أي : كما أنه إله واحد لا ~~| إله سواه فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده لا شريك له فكما تفرد ~~بالإلهية يجب أن | يفرد بالعبودية ، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء ، ~~المقيد بالسنة انتهى . وهذان ركنا | العمل المتقبل لا بد أن يكون صوابا ~~خالصا ، فالصواب أن يكون على السنة وإليه الإشارة | بقوله : ' فليعمل عملا ~~صالحا ' والخالص : أن يخلص من الشرك الجلي والخفي وإليه | PageV01P444 | ~~الإشارة بقوله : @QB@ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ روى عبد الرزاق وابن ~~أبي الدنيا في كتاب | ' الإخلاص وابن أبي والحاكم حاتم عن طاوس قال : قال ~~رجل يا نبي الله إني أقف | المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم ~~يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية ^ ( فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا ~~صلحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) ^ [ الكهف : 110 ] رواه الحاكم | وصححه ~~موصولا عن طاوس عن ابن عباس ، وفي الآية دليل على الشهادتين ، وأن الله | ~~تعالى فرض على نبينا صلى الله عليه وسلم أن يخبرنا بتوحيد الإلهية ، وإلا ~~فتوحيد الربوبية لم ينكره الكفار | الذين كذبوه وقاتلوه ذكره المصنف . # وفيها تسمية الرياء شركا وفيها أن من شروط الإيمان بالله واليوم الآخر أن ~~لا يشرك | بعبادة ربه أحدا . ففيه التصريح بأن الشرك الواقع من المشركين ~~إنما هو في العبادة لا في | الربوبية . # وفيها الرد على من قال : أولئك يتشفعون بالأصنام ونحن نتشفع بصالح لأنه ~~قال : @QB@ ولا يشرك بعبادة ربه أحدا @QE@ فليس بعد هذا بيان ، افتتح الآية ~~بذكر براءة النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو | أقرب الخلق إلى الله وسيلة ~~، أي : براءته من الإلهية وختمها بقوله : أحدا # واعلم رحمك الله أن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من ميز بين توحيد ~~الربوبية وبين توحيد | الإلهية تمييزا تاما ، وعرف ما عليه غالب الناس إما ~~طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية | الذي لم يصل إليه شرك المشركين ، ~~وأما مصدق ms398 لهم تابع لهم ، وإما شاك لا يدري ما أنزل | الله على رسوله ، ولا ~~يميز بين دين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين دين النصارى ، ذكره المصنف . # وفيها أن أصل دين النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به هو الإخلاص كما ~~في هذه الآية وقوله : | ^ ( كتب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حكيم خبير * ~~ألا تعبدوا إلا الله إننى لكم منه نذير | وبشير * ) ^ [ هود : 1 - 2 ] وذلك ~~هو دعوة الرسل من أولهم إلى آخرهم كما قال تعالى : | @QB@ وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون @QE@ [ الأنبياء : ~~| 25 ] وذلك هو الحنيفية الإبراهيمية جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه . | ~~PageV01P445 # قال : عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا قال الله تعالى : ( أنا أغنى ~~الشركاء عن | الشرك ، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري ، تركته وشركه ' رواه ~~مسلم . # ش : قوله : ' أنا أغنى الشركاء عن الشرك ' لما كان المرائي قاصدا بعمله ~~الله تعالى | وغيره ، كان قد جعل الله تعالى شريكا ، فإذا كان كذلك ، فالله ~~تعالى هو الغني على | الإطلاق ، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل ~~اعتبار ؛ فلا يليق بكرمه وغناه التام أن | يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك ~~، فإن كماله تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا | يقبل ذلك ، ولا يلزم من ~~اسم التفضيل إثبات غنى للشركاء ، فقد تقع المفاضلة بين الشيئين ، | وإن كان ~~أحدهما لا فضل فيه كقوله تعالى : ^ ( ءالله خير أما يشركون ) ^ [ النمل : ~~59 وقوله | تعالى : ^ ( أصحب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا * ) [ ~~الفرقان : 24 ] . # قوله : ' من عمل عملا أشرك معي فيه غيري ' ، أي : من قصد بذلك العمل الذي ~~يعمله | لوجهي غيري من المخلوقين ' تركته وشركه ' وفي رواية عند ابن ماجه ~~وغيره ' فأنا منه بريء | وهو للذي أشرك ' . قال الطيبي : الضمير المنصوب في ~~' تركته ' يجوز أن يرجع إلى العمل | والمراد من الشرك الشريك . # قال ابن رجب : واعلم أن العمل لغير الله وأسام فتارة يكون رياء محضا ، ~~فلا يراد به | سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي ms399 ، كحال المنافقين في صلاتهم ~~كما قال تعالى : ^ ( وإذا | قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ) ^ ~~[ النساء : 142 ] وكذلك وصف الله الكفار بالرياء | في قوله : ^ ( ولا ~~تكونوا كالذين خرجوا من ديرهم بطرا ورئاء الناس ) ^ [ الأنفال : 47 ] وهذا ~~| الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام ، وقد يصدر في ~~الصدقة | الواجبة ، أو الحج أو غيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى ~~نفعها ، فإن الإخلاص فيها | عزيز ، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط ، وأن ~~صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة ، | وتارة يكون العمل لله ويشاركه ~~الرياء ، فإن شاركه من أصله ، فالنصوص الصحيحة تدل على | بطلانه ، ثم ذكر ~~أحاديث تدل على ذلك ، منها الحديث الذي ذكره المصنف ، وحديث | شداد بن أوس ~~مرفوعا ' من صلى يرائي فقد أشرك ، ومن صام يرائي فقد أشرك ، ومن | تصدق ~~يرائي فقد أشرك ، وإن الله عز وجل يقول : أنا خير قسيم لمن أشرك بي ، فمن ~~أشرك | PageV01P446 | بي شيئا فإن جسده وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي ~~أشرك به أنا عنه غني ' رواه أحمد . # وحديث الضحاك بن قيس مرفوعا ' إن الله عز وجل يقول : أنا خير شريك فمن ~~أشرك | معي شريكا ، فهو لشريكي ، يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل ~~، فإن الله لا يقبل من | الأعمال إلا ما خلص له ولا تقولوا : هذا لله ~~والرحم فإنها للرحم ، وليس لله منه شيء ، ولا | تقولوا هذا لله ولوجوهكم ، ~~فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء ' رواه البزار وابن مردويه | والبيهقي بسند ~~قال المنذري : لا بأس به ' # وحديث أبي أمامة الباهلي أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال : يا رسول الله أرأيت | رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر ماله ؟ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' لا شيء له ' فأعادها عليه ثلاث | مرات يقول له ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا شيء له ' ثم قال : ' إن الله لا يقبل ~~من العمل إلا ما كان له | خالصا ، وابتغي به وجهه ' رواه أبو داود والنسائي ~~بإسناد جيد . # ثم قال ms400 : فإن خالط نية الجهاد مثلا نية غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة ، ~~أو أخذ شيء | من الغنيمة ، أو التجارة ، نقص بذلك أجر جهادهم ولم يبطل ~~بالكلية . # وفي ' صحيح مسلم ' عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ' إن ~~الغزاة إذا غنموا غنيمة | تعجلوا ثلثي أجرهم ، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم ~~أجرهم ' . # قلت : هذا لا يدل على أنهم غزوا لأجلها ، فلا يدل على ثبوت الأجر لمن غزا ~~يلتمس | عرضا . PageV01P447 # قال : وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضا من ~~الدنيا أنه لا | أجر له وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا ~~الدنيا . # قلت : ظاهر حديث أبي هريرة أن رجلا قال : يا رسول الله رجل يريد الجهاد ~~وهو | يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا ~~أجر له ' فأعاد عليه ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم | يقول : ' لا أجر له ~~' رواه أبو داود . يدل على أن نية الجهاد إذا خالطها نية أجرة الخدمة أو | ~~أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة لم يكن له أجر ، ويحتمل أن يكون معنى : يريد ~~الجهاد أي : | يريد سفر الجهاد ولم ينو الجهاد إنما نوى عرض الدنيا . # قال ابن رجب ، وقال الإمام أحمد : التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على ~~قدر ما | يخلص من نيتهم في غزواتهم ، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه ، وماله ~~لا يخلط به غيره . # وقال أيضا : فيمن يأخذ جعلا على الجهاد : إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا ~~بأس ، كأنه | خرج لدينه ، فإن أعطي شيئا أخذه وكذا روي عن عبد الله بن عمرو ~~قال : إذا أجمع أحدكم | على الغزو ، فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك ، وأما ~~إن أحدكم إن أعطي درهما غزا ، وإن لم | يعط درهما لم يغز ، فلا خير في ذلك ~~. # قلت : هذا يدل على الفرق بين ما كانت نية الدنيا مخالطة له من أول مرة ، ~~بحيث | تكون هي الباعث له على العمل ، أو من جملة ما يبعث عليه ms401 ، كالذي ~~يلتمس الأجر | والذكر ، فهذا الأجر له ، وبين ما كانت النية خالصة لله من ~~أول مرة ، ثم عرض له أمر من | الدنيا لا يبالي به ، سواء حصل له أو لم يحصل ~~، كالذي أجمع على الغزو سواء أعطي أو لم | يعط : فهذا لا يضره ونحوه ~~التجارة في الحج كما قال تعالى : @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم @QE@ [ البقرة : 198 ] وعلى هذا ينزل ما روي عن مجاهد أنه قال في | حج ~~الجمال وحج الأجير وحج التاجر : هو تام لا ينقص من أجورهم شيء ، أي : لأن | ~~قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب . # قال : وأما إن كان أصل العمل لله ، ثم طرأ عليه نية الرياء ، فإن كان ~~خاطرا ودفعه ، فلا | يضره بغير خلاف ، وإن استرسل معه ، فهل يحبط عمله أم ~~لا يضره ذلك ، ويجازى على | PageV01P448 | أصل نيته ؟ في ذلك اختلاف بين ~~العلماء من السلف ، حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري ، | ورجحا أن عمله ~~لا يبطل بذلك ، وأنه يجازى بنيته الأولى ، وهو مروي عن الحسن البصري | ~~وغيره . ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو داود في مراسيله عن عطاء ~~الخراساني أن رجلا | قال : يا رسول الله إن بني سلمة كلهم يقاتل ، فمنهم من ~~يقاتل للدنيا ، ومنهم من يقاتل | نجدة ، ومنهم من يقاتل ابتغاء وجه الله ، ~~قال : ' كلهم إذا كان أصل أمره أن تكون كلمة الله | هي العليا ' وذكر ابن ~~جرير أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل مرتبط آخره بأوله ، | كالصلاة والصيام ~~والحج ، فأما ما لا ارتباط فيه ، كالقراءة والذكر ، وإنفاق المال ونشر | ~~العلم ، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه ، ويحتاج إلى تجديد نية . ~~فأما إذا عمل العمل لله | خالصا ، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب ~~المؤمنين ، ففرح بفضل الله ورحمته ، | واستبشر بذلك ؛ لم يضره . # وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل ~~عن الرجل يعمل العمل | من الخير ، يحمده الناس عليه ، فقال : ' تلك عاجل ~~بشرى المؤمن ' رواه مسلم انتهى | ملخصا . # إذا تبين ms402 هذا ؛ فقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء ، وجاء ~~الوعيد بالعذاب | عليه ، قال الله تعالى : ^ ( من كان يريد الحيوة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعملهم فيها وهم فيها لا | يبخسون * ) [ هود : 15 ] ~~والآية بعدها وروى مسلم في ' صحيحه ' حديث الثلاثة الذين هم | أول من تسعر ~~بهم النار ، المقاتل ليقال جريء ، والمتعلم ليقال عالم ، والمتصدق ليقال | ~~جواد ' # فأما ما رواه البزار وابن منده والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعا ' من عمل ~~رياء لا | يكتب لا له ، ولا عليه ' . # ذكره السيوطي في ' الدر ' ولم أقف على إسناده فما أظنه يثبت ، والكتاب | ~~والسنة يدلان PageV01P449 | على خلافه ، بل هو موضوع . # قال : وعن أبي سعيد مرفوعا : ( ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من ~~المسيح | الدجال ؟ قالوا : بلى قال : الشرك الخفي ؛ يقوم الرجل فيصلي فيزين ~~صلاته ؛ لما يرى من | نظر رجل ' رواه أحمد . # ش : هذا الحديث رواه أحمد كما قال المصنف ، ورواه ابن ماجة ، وابن أبي ~~حاتم ، | والبيهقي ، وفيه قصة . # ولفظ ابن ماجة والبيهقي : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونحن ~~نتذاكر المسيح الدجال | فقال : ' ألا أخبركم ' الحديث وفي سنده ضعف ، ~~ومعناه صحيح . # وروى ابن خزيمة في ' صحيحه ' معناه عن محمود بن لبيد قال : خرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال : | ' يا أيها الناس إياكم وشرك السرائر ' قالوا : يا ~~رسول الله وما شرك السرائر ؟ قال : ' يقوم الرجل | فيصلي فيزين صلاته جاهدا ~~لما يرى من نظر الرجل إليه فذلك شرك السرائر ' . # قوله : ' عن أبي سعيد ' هو الخدري تقدمت ترجمته . # قوله : ' ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال ' إنما كان ~~الرياء كذلك ، | PageV01P450 | لخفائه وقوة الداعي إليه ، وعسر التخلص منه ~~لما يزينه الشيطان ، والنفس الأمارة في قلب | صاحبه . # قوله : ' قالوا : بلى ' . فيه الحرص على العلم ، وأن من عرض عليك أن ~~يخبرك بما فيك | فلا ينبغي لك رده ، بل قابله بالقبول والتعلم . # قوله : قال : ' الشرك الخفي ' سمي الرياء شركا خفيا ، لأن صاحبه يظهر أن ~~عمله لله ، | ويخفي في قلبه أنه لغيره ، وإنما تزين بإظهاره أنه ms403 لله بخلاف ~~الشرك الجلي . # وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته بالشرك | ~~الأصغر . # وعن شداد بن أوس قال : كنا نعد الرياء على عهد رسول صلى الله عليه وسلم ، ~~الشرك الأصغر . | رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ' الإخلاص ' وابن جرير في ' ~~التهذيب ' والطبراني والحاكم | وصححه . فظاهره أنه من الأصغر مطلقا ، وهو ~~ظاهر قول الجمهور . # وقال ابن القيم : وأما الشرك الأصغر ؛ فكيسير الرياء والتصنع للخلق ، ~~والحلف بغير | الله ، وقول الرجل للرجل : ما شاء الله وشئت ، وهذا من الله ~~ومنك ، وأنا بالله وبك ، وما لي | إلا الله وأنت ، وأنا متوكل على الله ~~وعليك ، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا ، وقد يكون | هذا شركا أكبر بحسب ~~حال قائله ومقصده انتهى # ففسر الشرك الأصغر باليسير من الرياء ، فدل على أن كثيره أكبر ، وضد ~~الشرك الأكبر | والأصغر التوحيد والإخلاص ، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة ~~باطنا وظاهرا كما قال تعالى : | @QB@ فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله ~~الدين الخالص @QE@ [ الرمز : 2 - 3 ] وقال تعالى : | @QB@ قل إني أمرت أن ~~أعبد الله مخلصا له الدين @QE@ [ الزمر : 11 ] وقال تعالى : @QB@ قل الله ~~أعبد مخلصا له ديني @QE@ [ الزمر : 14 ] . | PageV01P451 # وقيل : الإخلاص استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن ، والرياء أن يكون ~~ظاهره | خيرا من باطنه ، أي : لملاحظة الخلق ، والصدق في الإخلاص أن يكون ~~باطنه أعمر من | ظاهره . # قوله : ' فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل ' فسر الشرك الخفي بهذا ~~أن يعمل | الرجل العمل لله ، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك ، ~~لما يرى من نظر رجل | فهذا هو الشرك الخفي ، وهو الرياء ، والحامل له على ~~ذلك هو حب الرياسة ، والجاه عند | الناس . قال الطيبي : وهو من أضر غوائل ~~النفس ، وبواطن مكائدها ، يبتلى به العلماء | والعباد ، والمشمرون عن ساق ~~الجد لسلوك طريق الآخرة ، فإنهم مهما قهروا أنفسهم ، | وفطموها عن الشهوات ~~، وصانوها عن الشبهات ، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي | الظاهرة ، ~~الواقعة على الجوارح ، فطلبت الاستراحة إلى التظاهر بالخير ، وإظهار العلم ~~| والعمل ، فوجدت مخلصا من ms404 مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ، ولم ~~تقنع باطلاع | الخالق تبارك وتعالى ، وفرحت بحمد الناس ، ولم تقنع بحمد ~~الله وحده ، فأحب مدحهم ، | وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في ~~المحافل فأصابت النفس في ذلك أعظم | اللذات ، وأعظم الشهوات . وهو يظن أن ~~حياته بالله تعالى وبعبادته ، وإنما حياته هذه الشهوة | الخفية التي تعمى ~~عن دركها العقول الناقدة ، قد أثبت اسمه عند الله من المنافقين ، وهو يظن | ~~أنه عند الله من عباده المقربين . وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا ~~الصديقون ، ولذلك | قيل : آخر ما يخرج من رؤوس الصديقين حب الرياسة . انتهى ~~كلامه . # وفي الحديث من الفوائد شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم ، ~~وأن الرياء أخوف على | الصالحين من فتنة الدجال ، والحذر من الرياء ومن ~~الشرك الأكبر ، إذ كان صلى الله عليه وسلم يخاف الرياء | على أصحابه مع ~~علمهم وفضلهم ، فغيرهم أولى بالخوف . | PageV01P452 | # | ( [ 36 ] باب : من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا ) # قد ظن بعض الناس أن هذا الباب داخل في الرياء ، وأن هذا مجرد تكرير فأخطأ ~~، بل | المراد بهذا أن يعمل الإنسان عملا صالحا يريد به الدنيا كالذي يجاهد ~~للقطيفة والخميلة ونحو | ذلك ، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم ، عبدا ~~لذلك بخلاف المرائي ، فإنه إنما يعمل ليراه الناس | ويعظموه ، والذي يعمل ~~لأجل الدراهم والقطيفة ونحو ذلك أعقل من المرائي ، لأن ذلك | عمل لدنيا ~~يصيبها . والمرائي عمل لأجل المدح ، والجلالة في أعين الناس ، وكلاهما خاسر ~~| نعوذ بالله من موجبات غضبه ، وأليم عقابه . # قال : وقوله تعالى : ^ ( من كان يريد الحيوة الدنيا وزينتها نوف إليهم ~~أعملهم فيها ) ^ [ هود : | 15 ] . # قال ابن عباس : ^ ( من كان يريد الحيوة الدنيا ) ^ أي : ثوابها أي : ~~مالها وزينتها نوف | إليهم : نوفر لهم ثواب أعمالهم بالصحة والسرور في ~~الأهل والمال والولد ، وهم فيها لا | يبخسون لا ينقصون ، ثم نسختها @QB@ من ~~كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد @QE@ | [ الإسراء : 18 ] ~~رواه النحاس في ' ناسخه ' وقوله : ثم نسختها ، أي : قيدتها أو خصصتها ، | ~~فإن السلف كانوا يسمون التقييد ms405 والتخصيص نسخا ، وإلا فالآية محكمة . وقال ~~الضحاك : | من عمل صالحا من أهل الإيمان من غير تقوى ، عجل له ثواب عمله في ~~الدنيا ، واختاره | الفراء . # قال ابن القيم : وهذا القول أرجح . ومعنى الآية على هذا : من كان يريد ~~بعمله الحياة | الدنيا وزينتها . وقالت طائفة : هذه الآية في حق الكفار ~~بدليل قوله : @QB@ أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار @QE@ [ هود : ~~16 ] أي : أنهم لم يعملوا إلا للحياة الدنيا وزينتها @QB@ وحبط ما صنعوا ~~فيها @QE@ # قال بعض المفسرين : أي : وحبط في الآخرة ما صنعوه ، أو صنيعهم يعني : لم ~~يكن | لهم ثواب ، لأنهم لم يريدوا به الآخرة ، إنما أرادوا به الدنيا ، وقد ~~وفى إليهم ما أرادوا | @QB@ وبطل ما كانوا يعملون @QE@ [ الأعراف : 139 ] ~~أي : كان عمله في نفسه باطلا ، لأنه لم يعمل | PageV01P453 | لوجه صحيح ، ~~والعمل الباطل لا ثواب له . انتهى . # فإن قيل : الآية على القول الأول تقتضي تخليد المؤمن من المريد بعمله ~~الدنيا في | النار . # قيل : إن لله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها ، وهو ~~النار ، وأخبر | بحبوط عمله وبطلانه ، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل ، لم يبق ~~معه ما ينجيه . فإن كان معه إيمان | لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها ، بل ~~أراد به الله والدار الآخرة ، لم يدخل هذا الإيمان في العمل | الذي حبط ~~وبطل . ونجاة هذا الإيمان من الخلود في النار ، وإن دخلها بحبوط عمله الذي ~~به | النجاة المطلقة . فالإيمان إيمانان إيمان : يمنع دخول النار ، وهو ~~الإيمان الباعث على أن | تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه ، ~~وإيمان يمنع الخلود في النار ، فإن كان مع | المرائي شيء منه ، وإلا كان من ~~أهل الخلود ، فالآية لها حكم نظائرها من آيات الوعيد . ذكره | ابن القيم . ~~وقد سئل شيخ الإسلام المصنف عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه : ذكر | عن ~~السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم ، ولا يعرفون معناه . # فمن ذلك العمل العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من ~~صدقة وصلاة | وإحسان إلى الناس ms406 ، وترك ظلم ، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان ، ~~أو يتركه خالصا لله ، لكنه | لا يريد ثوابه في الآخرة ، إنما يريد أن ~~يجازيه الله بحفظ ماله وتنميته ، أو حفظه أهله | وعياله ، أو إدامة النعم ~~عليهم ، ولا همة له في طلب الجنة ، والهرب من النار ، فهذا يعطى | ثواب ~~عمله في الدنيا ، وليس له في الآخرة نصيب ، وهذا النوع ذكره ابن عباس . # النوع الثاني : وهو أكبر من الأول وأخوف ، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية ~~أنها نزلت | فيه ، وهو أن يعمل أعمالا صالحة ، ونيته رياء الناس لا طلب ~~ثواب الآخرة . # النوع الثالث : أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا مثل أن يحج لمال ~~يأخذه ، لا لله ، | أو يهاجر لدنيا يصيبها ، أو امرأة يتزوجها ، أو يجاهد ~~لأجل الغنم ، فقد ذكر أيضا هذا النوع | في تفسير هذه الآية . وكما يتعلم ~~الرجل لأجل مدرسة أهله أو مكتبهم أو رياستهم ، أو يتعلم | القرآن ويواظب ~~على الصلاة لأجل وظيفة المسجد ، كما هو واقع كثيرا ، وهؤلاء أعقل من | ~~الذين قبلهم ، لأنهم عملوا لمصلحة يحصلونها ، والذين قبلهم عملوا من أجل ~~المدح | والجلالة في أعين الناس ، ولا يحصل لهم طائل ، والنوع الأول أعقل ~~من هؤلاء ، لأنهم | عملوا لله وحده لا شريك له ، لكن لم يطلبوا منه الخير ~~الكثير الدائم وهو الجنة ، ولم يهربوا | من الشر العظيم وهو النار . # النوع الرابع : أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له ، ~~لكنه على | عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا ~~الله أو تصدقوا أو | PageV01P454 | صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة ، ~~ومثل كثير من هذه الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر | يخرجهم من الإسلام ~~بالكلية إذا أطاعوا الله طاعة خالصة ، يريدون بها ثواب الله في الدار | ~~الآخرة ، لكنهم على أعمال تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم . فهذا ~~النوع أيضا قد | ذكر في هذه الآية عن أنس بن مالك وغيره ، وكان السلف ~~يخافون منها ، قال بعضهم : لو | أعلم أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت ~~الموت ، لأن الله ms407 يقول @QB@ إنما يتقبل الله من المتقين @QE@ [ المائدة : ~~27 ] ثم قال : بقي أن يقال : إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة | والصوم ~~والحج ابتغاء وجه الله طالبا ثواب الآخرة ، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قاصدا ~~بها | الدنيا مثل أن يحج فرضه لله ، ثم يحج بعده لأجل الدنيا ، كما هو واقع ~~، فهو لما غلب عليه | منهما . وقد قال بعضهم : القرآن كثيرا ما يذكر أهل ~~الجنة الخلص ، وأهل النار الخلص ، | ويسكت عن صاحب الشائبتين وهو هذا ~~وأمثاله . انتهى . وقد أجاد وأفاد رحمه الله . # وفي الآية من الفوائد أن الشرك محبط للأعمال ، وأن إرادة الدنيا وزينتها ~~بالعمل | كذلك ، وأن الله يجازي الكافر بحسناته ، وكذلك طالب الدنيا ، ثم ~~يفضي إلى الآخرة وليس | له حسنة . الخامسة شدة الوعيد على ذلك . السادسة ~~الفرق بين الحبوط والبطلان . # قال في : ' الصحيح ' عن أبي هريرة قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ' ~~تعس عبد الدينار ، | وتعس عبد الدرهم ، وتعس عبد الخميصة ، تعس عبد الخميلة ~~، إن أعطي رضي ، وإن لم | يعط سخط ، تعس وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ، ~~طوبى لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل | الله ، أشعث رأسه ، مغبرة قدماه ، إن ~~كان في الحراسة ، كان في الحراسة ، وإن كان في | الساقة ، كان في الساقة ، ~~إن استأذن لم يؤذن له ، وإن شفع لم يشفع ' . قوله : في | ' الصحيح ' أي : ~~صحيح البخاري . # قوله : ' تعس عبد الدينار ' هو بكسر العين ، ويجوز الفتح ، أي : سقط ~~والمراد هنا : | هلك ، قاله الحافظ . وقال في موضع آخر : وهو ضد سعد ، أي : ~~شقي . وقيل معنى | التعس : الكبة على الوجه . قال أبو السعادات : يقال : ~~تعس يتعس ، إذا عثر ، وانكب | لوجهه ، وهو دعاء عليه بالهلاك . # قوله : ' تعس عبد الخميصة ' قال أبو السعادات : هو ثوب خز أو صوف معلم ~~وقيل : لا | PageV01P455 | تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة ، وكانت من ~~لباس الناس قديما ، وجمعها | الخمائص . والخميلة بفتح الخاء المعجمة ، قال ~~أبو السعادات : الخميل والخميلة : القطيفة ، | وهي ثوب له خمل من أي شيء ~~كان ، وقيل : الخميل الأسود من الثياب . # قوله : ' تعس وانتكس ' قال الحافظ : هو ms408 بالمهملة أي : عاوده المرض . وقال ~~أبو | السعادات ، أي انقلب على رأسه ، وهو دعاء عليه بالخيبة ، أن من انتكس ~~في أمره خاب | وخسر . وقال الطيبي : وفيه الترقي بالدعاء عليه ، لأنه إذا ~~تعس انكب على وجهه ، فإذا | انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط . # قوله : ' وإذا شيك ' أي : أصابته شوكة ' فلا انتقش ' . | قال أبو ~~السعادات ، أي : إذا شاكته شوكة ، فلا يقدر على انتقاشها ، وهو إخراجها | ~~بالمنقاش . # وقال الحافظ : أي : إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش ، قال : ~~وفي | الدعاء عليه بذلك إشارة إلى عكس مقصوده ، لأن من عثر فدخلت في رجله ~~الشوكة ، فلم | يجد من يخرجها يصير عاجزا عن لسعي والحركة في تحصيل مصالح ~~الدنيا . # وقال الطيبي : المعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يترحم عليه ، فإن من وقع ~~في البلاء إذا | ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه ، ويتسلى بعض التسلي ، ~~وهؤلاء بخلافه ، بل يزيد | غيظهم بفرح الأعداء أو شماتتهم . # فإن قيل : لم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم . # قيل : لما كان ذلك هو مقصوده ومطلوبه الذي عمل له ، وسعى في تحصيله بكل | ~~ممكن حتى صارت نيته مقصورة علية يغضب ويرضى له صار عبدا له ، قال شيخ ~~الإسلام : | فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم ، وعبد ~~القطيفة ، وعبد الخميصة ، وذكر فيه ما هو دعاء | وخبر . وهو قوله : ' تعس ~~وانتكس ، وإذا شيك فلا انتقش ' وهذه حال من أصابه شر لم يخرج | منه ، ولم ~~يفلح لكونه تعس وانتكس ، فلا نال المطلوب ، ولا خلص من المكروه ، وهذه حال ~~| من عبد المال . وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي ، وإن منع سخط كما قال ~~تعالى : | ^ ( ومنهم من يلمزك في الصدقت فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا ~~فيها إذا هم يسخطون * ) ^ | [ التوبة : 58 ] فرضاهم لغير الله ، وسخطهم ~~لغير الله ، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو | بصورة ، أو نحو ذلك من ~~أهواء نفسه إن حصل له رضى ، وإن لم يحصل له سخط ، فهذا | عبد ما يهواه من ~~ذلك ms409 ، وهو رقيق له ، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق القلب | وعبوديته ~~، فما استرق القلب واستعبده ، فهو عبده إلى أن قال : وهكذا أيضا طالب المال ~~فإن | ذلك يستعبده ويسترقه . | PageV01P456 # وهذه الأمور نوعان : فمنها ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه ~~وشربه ومنكحه | ومسكنه ونحو ذلك ، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون ~~المال عنده ، يستعمله في | حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه ، وبساطه الذي ~~يجلس عليه من غير أن يستعبدوه فيكون | هلوعا # ومنها ما لا يحتاج إليه العبد ، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها ، فإذا ~~تعلق قلبه بها ، صار | مستعبدا لها وربما صار مستعبدا معتمدا على غير الله ~~فيها ، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله ، | ولا حقيقة التوكل عليه ، بل ~~فيه شعبة من العبادة لغير الله ، وشعبة من التوكل على غير الله ، | وهذا من ~~أحق الناس بقوله صلى الله عليه وسلم : ' تعس عبد الدرهم ، تعس عبد الدينار ~~، وتعس عبد | الخميصة ، تعس عبد الخميلة ' وهذا هو عبد لهذه الأمور ، ولو ~~طلبها من الله ، فإن الله إذا | أعطاه إياه رضي ، وإن منعه إياها سخط . ~~وإنما عبد الله من يرضيه ما يرضي الله ويسخط ما | يسخط الله ، ويحب ما أحب ~~الله ورسوله ، ويبغض ما أبغض الله ورسوله ، ويوالي أولياء الله ، | ويعادي ~~أعداء الله فهذا الذي استكمل الإيمان ، انتهى ملخصا . # قوله : ' طوبى لعبد ' قال أبو السعادات : طوبى اسم الجنة ، وقيل : هي ~~شجرة فيها . # قلت : قد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم ~~حدثه عن | أبي سعيد في حديث فقال رجل : يا رسول الله وما طوبى ؟ قال : ' ~~شجرة في الجنة مسيرة مائة | سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها ' رواه ~~حرملة عنه . # ورواه أحمد في ' مسنده ' من حديث عتبة بن عبد السلمي جاء أعرابي إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم | فسأله عن الحوض وذكر الجنة . ثم قال الأعرابي : ~~وفيها فاكهة ؟ قال : ' نعم وفيها شجرة | تدعى طوبى ' الحديث . | ~~PageV01P457 # قال الزجاج : في قوله : طوبى لهم . معناه : العيش الطيب . # وقال ms410 ابن الأنباري : الحال المستطابة لهم ، لأنه ' فعلى ' من الطيب # وقيل : معناه هنيئا بطيب العيش لهم وهذه الأقوال ترجع إلى قول واحد . # قوله : ' أخذ بعنان فرسه في سبيل الله ' أي : في طريق الجهاد . # قوله : ' أشعث رأسه ' هو بنصب أشعث صفة لعبد لأنه غير مصروف للصفة ووزن | ~~الفعل ، ورأسه مرفوع على الفاعلية لأشعث وهو مغبر الرأس وفيه فضل إصابة ~~الغبار في | سبيل الله . # قوله : ' مغبرة قدماه ' هو كأشعث في الإعراب والمراد به كثرة الغبار له ~~في سبيل الله | لكثرة جهاده ومصابرته . # قوله : ' إن كان في الحراسة ' قال بعضهم : هو بكسر الحاء أي : حماية ~~الجيش | ومحافظتهم عن أن يهجم عليهم عدوهم . # قوله : ' كان في الحراسة ' أي : امتثل غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ~~ونحوهما . # قوله : ' وإن كان في الساقة كان في الساقة ' أي : إن جعل في مؤخرة الجيش ~~صار فيها | ولزمها . وقال ابن الجوزي : المعنى : أنه خامل الذكر ، لا يقصد ~~السمو ، فأي موضع اتفق له | كان فيه . وقال الخلخالي : المعنى ائتماره لما ~~أمر ، وإقامته حيث أقيم لا يفقد من مكانه ، | وإنما ذكر الحراسة والساقة ، ~~لأنهما أشد مشقة وأكثر آفة . قلت : وفيه فضيلة الحرس في | سبيل الله . # قوله : ' إن استأذن لم يؤذن له ' أي : إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم ~~لم يأذنوا له ، لأنه | ليس بذي جاه ، ولا يقصد بعمله الدنيا فيطلبها منهم ، ~~ويتردد إليهم لأصلها بل هو مخلص | لله . # قوله : ' وإن شفع ' بفتح أوله وثانيه مبني للفاعل ، ويشفع بتشديد الفاء ، ~~مبني للمفعول ، | والمراد والله أعلم أنه لا يشفع عند الملوك ونحوهم ، لعدم ~~جاهه عندهم وعلى تقدير شفاعته | إن شفع لم يشفع بل يردون شفاعته . قال ~~بعضهم : قيل : إن هذا إشارة إلى عدم التفاته إلى | PageV01P458 | الدنيا ~~وأربابها بحيث لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس ، بل يكون عند الله وجيها ~~ولم يقبل | الناس شفاعته ، ويكون عند الله شفيعا مشفعا ، كما في الحديث ~~الذي رواه أحمد ومسلم عن | أبي هريرة مرفوعا ' رب أشعث مدفوع بالأبواب لو ~~أقسم على الله لأبره ' وقال الحافظ : فيه | ترك حب الرئاسة ms411 والشهرة ، وفضل ~~الخمول والتواضع . # قلت : وفيه أن هذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله بل ~~لكرامته ، وفيه | الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات . قاله المصنف . ~~| PageV01P459 | # | 36 ( [ 37 ] باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله ) # | ( أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله ) | ش : لما ~~كانت الطاعة من أنواع العبادة بل هي العبادة فإنها طاعة الله بامتثال ما ~~أمر به | على ألسنة رسله عليهم السلام ، نبه المصنف رحمه الله تعالى بهذه ~~الترجمة على وجوب | اختصاص الخالق تبارك وتعالى بها ، وأنه لا يطاع أحد من ~~الخلق إلا حيث كانت طاعته | مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة أحد من ~~الخلق استقلالا . والمقصود هنا الطاعة | الخاصة في تحريم الحلال أو تحليل ~~الحرام ، فمن أطاع مخلوقا في ذلك غير الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه | لا ~~ينطق عن الهوى ، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله ^ ( اتخذوا أحبارهم ~~| ورهبنهم ) ^ [ التوبة : 31 ] أي : علماءهم ^ ( أربابا من دون الله ~~والمسيح ابن مريم وما | أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحنه ~~عما يشركون ) ^ وفسرها | النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم في تحريم الحلال ~~، وتحليل الحرام كما سيأتي في حديث عدي . # فإن قيل : قد قال الله تعالى : @QB@ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم @QE@ [ النساء : 59 ] | قيل : هم العلماء ، وقيل : هم الأمراء ~~وهما روايتان عن أحمد . قال ابن القيم : والتحقيق بأن | الآية تعم ~~الطائفتين . # قيل : إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله ، فكان العلماء ~~مبلغين لأمر | الله وأمر رسوله ، والأمراء منفذين له ، فحينئذ تجب طاعتهم ~~تبعا لطاعة الله ورسوله كما | قال صلى الله عليه وسلم : ' لا طاعة في معصية ~~إنما الطاعة في المعروف ' . | PageV01P460 # وقال : ' على المرء المسلم السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر ~~بمعصية فلا | سمع ولا طاعة ' حديثان صحيحان فليس في هذه الآية ما يخالف آية ~~براءة . # قال : وقال ابن عباس : ' يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء . أقول : ~~قال ms412 | رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون : قال أبو بكر وعمر ؟ ' . # ش : قوله ( يوشك ) بضم أوله وكسر الشين المعجمة : قال أبو السعادات أي : ~~يقرب | ويدنو ويسرع ، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج ، ~~وكان ابن عباس يأمر | بها ، فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها ، ~~أي : هما أعلم منك وأحق بالاتباع فقال | هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان ~~وتجريد المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه كائنا | من ~~كان ، كما قال الشافعي : ' أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لم | يكن له أن يدعها لقول أحد ' فإذا كان هذا ~~كلام ابن عباس لمن عارضه بأبي بكر وعمر وهما | هما فماذا تظنه يقول من ~~يعارض سنن الرسول صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه ؟ ~~| ويجعل قوله عيارا على الكتاب والسنة ، فما وافقه قبله ، وما خالفه رده ، ~~أو تأوله فالله | المستعان . وما أحسن ما قال بعض المتأخرين : | # % فإن جاءهم فيه الدليل موافقا % لما كان للآباء إليه ذهاب % # % رضوه وإلا قيل : هذا مؤول % % ويركب للتأويل فيه صعاب ) # ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى : ^ ( اتخذوا أحبارهم ورهبنهم أربابا ~~من | دون الله ) ^ [ التوبة : 31 ] . # قال المصنف ، وقال أحمد بن حنبل : عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون ~~إلى | رأي سفيان والله تعالى يقول : @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة @QE@ [ النور : 63 ] | أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك لعله ~~إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك . # ش : هذا الكلام عن أحمد رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب ، قال الفضل عن ~~| PageV01P461 | أحمد : نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين ~~موضعا ، ثم جعل | يتلو : @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~@QE@ الآية وجعل يكررها ويقول : وما الفتنة | إلا الشرك لعله إذا أراد بعض ~~قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه ، فيهلكه وجعل يتلو هذه | ~~الآية : @QB@ فلا وربك ms413 لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم @QE@ [ النساء ~~: 65 ] . # وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له : إن قوما يدعون الحديث ، ويذهبون إلى رأي ~~| سفيان ؟ فقال : أعجبت لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ~~ويذهبون إلى | رأي سفيان وغيره . قال الله : @QB@ فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم @QE@ [ النور : 63 ] وتدري ما ~~الفتنة ؟ الكفر قال الله تعالى : @QB@ والفتنة أكبر من القتل @QE@ [ البقرة ~~: 217 ] فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم ~~إلى الرأي . | ذكر ذلك شيخ الإسلام قلت : وكلام أحمد في ذمة التقليد وإنكار ~~تأليف كتب الرأي كثير | مشهور . # قوله : ' عرفوا الإسناد ' ، أي : إسناد الحديث وصحته ، أي : صحة الإسناد ~~وصحته دليل | على صحة الحديث . # قوله : ' يذهبون إلى رأي سفيان ' ، أي : الثوري الإمام الزاهد العابد ~~الثقة الفقيه ، | وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع . # ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته ، ثم بعد ذلك يقلد ~~سفيان | أو غيره ، ويعتذر بالأعذار الباطلة إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد ~~والاجتهاد انقطع منذ زمان ، | وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني ، ~~فهو لا يقول إلا بعلم ، ولا يترك هذا الحديث مثلا | إلا عن علم ، وإما بأن ~~ذلك اجتهاد ، ويشترط في المجتهد أن يكون عالما بكتاب الله عالما | بسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وناسخ ذلك ومنسوخه ، وصحيح السنة وسقيمها ، ~~عالما بوجوه | الدلالات عالما بالعربية والنحو والأصول ، ونحو ذلك من ~~الشروط التي لعلها لا توجد | تامة في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، كما ~~قاله المصنف ، فيقال له : هذا إن صح ، | فمرادهم بذلك المجتهد المطلق ، أما ~~أن يكون ذلك شرطا في جواز العمل بالكتاب والسنة ، | فكذب على الله ، وعلى ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى أئمة العلماء ، بل الفرض والحتم على ~~المؤمن إذا | بلغه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلم معنى ذلك ~~في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من | خالفه ، فبذلك أمرنا ربنا تبارك ~~وتعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم ms414 ، وأجمع على ذلك العلماء قاطبة إلا جهال ~~| المقلدين وجفاتهم ، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل العلم ، كما حكى الإجماع على ~~أنهم ليسوا | PageV01P462 | من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر وغيره قال ~~الله تعالى : @QB@ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء ~~قليلا ما تذكرون @QE@ [ الأعراف : 3 ] وقال تعالى : ^ ( وإن تطيعوه تهتدوا ~~| وما على الرسول إلا البلغ المبين ) ^ [ النور : 54 ] فشهد تعالى لمن أطاع ~~الرسول صلى الله عليه وسلم بالهداية ، | وعنده جفاة المقلدين أن من أطاعه ~~صلى الله عليه وسلم ليس بمهتد إنما المهتدي من عصاه ، وعدل عن | أقواله ، ~~ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ذلك ، وقد وقع في هذا التقليد المحرم | ~~خلق كثير ممن يدعي العلم والمعرفة بالعلوم ، ويصنف التصانيف في الحديث ~~والسنن ، ثم | بعد ذلك تجده جامدا على أحد هذه المذاهب ، ويرى الخروج عنها ~~من العظائم . # وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم ، إنما ~~المذموم المنكر | الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة ، نعم وينكر ~~الإعراض عن كتاب الله ، وسنة | رسوله صلى الله عليه وسلم ، والإقبال على ~~تعلم الكتب المصنفة في الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة ، بل | إن قرؤوا ~~شيئا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فإنما يقرؤون تبركا لا ~~تعلما وتفقها ، أو لكون | بعض الموقفين وقف على من قرأ البخاري مثلا ، ~~فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل | الشريعة ، فهؤلاء من أحق الناس ~~بدخولهم في قول الله تعالى : ^ ( وقد ءاتينك من لدنا | ذكرا * من أعرض عنه ~~فإنه يحمل يوم القيامة وزرا * خلدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا * ) ^ | ~~[ طه : 100 - 101 ] وقوله تعالى : ^ ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ~~ونحشره يوم | القيامة أعمى * ) [ طه : 124 ] إلى قوله ^ ( ولعذاب الأخرة ~~أشد وأبقى ) ^ [ طه : 127 ] . # فإن قلت : فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب ؟ ~~قيل : يجوز من ذلك قراءتها على سبيل المثال الاستعانة بها على فهم الكتاب ~~والسنة ، وتصوير المسائل ، | فتكون من نوع ms415 الكتب الآلية أما أن تكون هي ~~المقدمة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، | الحاكمة بين ~~الناس فيما اختلفوا فيه ، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله | ~~والرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال ~~تعالى : ^ ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في ~~أنفسهم حرجا مما قضيت | ويسلموا تسليما * ) ^ [ النساء : 65 ] . # فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله ، ثم إذا قضى الله ~~ورسوله أمرا | وجدت الحرج في نفسك ، وإن قضى أهل الكتاب بأمرا تجد حرجا ، ~~ثم إذا قضى | الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر لم تسلم له ، إذا قضوا بأمر ~~سلمت له ، فقد أقسم الله تعالى سبحانه وهو | أصدق القائلين بأجل مقسم به ، ~~وهو نفسه تبارك وتعالى أنك لست بمؤمن والحالة هذه وبعد | ذلك ، فقد قال ~~الله تعالى : ^ ( بل الإنسن على نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره * ) 8 [ ~~القيامة | 14 - PageV01P463 # على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم ، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور ~~السنة ، | فكلام أحمد الذي ذكره المصنف كاف عن تكثير النقل عنه . # وقال أبو حنيفة : ' إذا جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى ~~الرأس والعين ، وإذا جاء عن | ' الصحابة فعلى الرأس والعين ، وإذا جاء عن ~~التابعين ، فنحن رجال وهم رجال ' . # وفي ' روضة العلماء ' سئل أبو حنيفة إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه ؟ ~~قال : اتركوا | قولي لكتاب الله ، قيل : إذا كان قول الرسول يخالفه ؟ قال : ~~اتركوا قولي لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ، | قيل : إذا كان قول الصحابة ~~يخالفه ؟ قال : اتركوا قولي لقول الصحابة ' ، فلم يقل : هذا | الإمام ما ~~يدعيه جفاة المقلدين له أنه لا يقول قولا يخالف كتاب الله ، حتى أنزلوه ~~بمنزلة | المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى . # وروى البيهقي في ' السنن ' عن الشافعي أنه قال : ' إذا قلت قولا وكان عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم | خلاف قولي فما يصحح من حديث رسول الله [ صلى ~~الله عليه وسلم ms416 ] أولى فلا تقلدوني ' . # وقال الربيع : سمعت الشافعي يقول : ' إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم | فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~ودعوا ما قلت ' . # وتواتر عنه أنه قال : ' إذا صح الحديث أي : بخلاف قولي فاضربوا بقولي ~~الحائط ' . # وقال مالك : ' كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ' . وكلام الأئمة مثل | هذا كثير . فخالف المقلدون ذلك ، وجمدوا على ~~ما وجدوه في الكتب المذهبية ، سواء كان | صوابا أم خطأ مع أن كثيرا من هذه ~~الأقوال المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالا لهم منصوصا | عليها ، وإنما هي ~~تفريعات ووجوه واحتمالات وقياس على أقوالهم ، ولسنا نقول : إن الأئمة | على ~~خطأ ، بل هم إن شاء الله على هدى من ربهم ، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم ~~من | الإيمان بالرسول [ صلى الله عليه وسلم ] ومتابعته ، ولكن العصمة ~~منتفية عن غير الرسول ، فهو الذي ^ ( وما ينطق | عن الهوى * إن هو إلا وحى ~~يوحى * [ النجم : 3 - 4 ] فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي | لا ينطق ~~عن الهوى ؟ ! # قوله : ' لعله ' . أي : لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . | قوله : ' إذا رد بعض قوله ' ، أي : قول النبي صلى الله ~~عليه وسلم . # قوله : ' أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك ' . هذا تنبيه على أن رد قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم | سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا ~~والآخرة فإذا كانت إساءة الأدب معه في | الخطاب سببا لحبوط الأعمال كما قال ~~تعالى : ^ ( لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا | له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعملكم وأنتم لا تشعرون ) ^ [ الحجرات : 2 ] فما ظنك | ~~برد أحكامه وسنته لقول أحد من الناس كائنا من كان ؟ . | PageV01P464 # قال شيخ الإسلام : فإذا كان المخالف عن أمره قد حذر من الكفر والشرك ، أو ~~من | العذاب الأليم دل على أنه قد يكون مفضيا إلى الكفر والعذاب الأليم ، ~~ومعلوم أن إفضاءه | إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية ms417 ، فإفضاؤه إلى الكفر ~~إنما هو لما يقترن به من استخفاف | بحق الآمر ، كما فعل إبليس لعنه الله . # فإذا علمت أن المخالفة عن أمره صلى الله عليه وسلم سبب للفتنة ، التي هي ~~الشرك والعذاب الأليم في | الدنيا والآخرة ، عملت أن من رد قوله وخالف أمره ~~لقول أبي حنيفة ، أو مالك أو غيرهما ، | لهم النصيب الكامل ، والحظ الوافر ~~من هذه الآية ، وهذا الوعيد على مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم ، وقد | ~~استدل بهذه الآية كثير من العلماء على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل ~~على | استحبابه . # قال : عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية : ~~^ ( اتخذوا أحبارهم | ورهبنهم أربابا من دون الله ) ^ [ التوبة : 31 ] فقلت ~~له : إنا لسنا نعبدهم . قال : أليس | يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ، ويحلون ~~ما حرم الله فتحلونه ؟ فقلت : بلى قال : فتلك | عبادتهم ' . رواه أحمد ~~والترمذي وحسنه . # ش : هذا الحديث قد روي من طرق فرواه ابن سعد ، وعبد بن حميد ، وابن ~~المنذر ، | وابن جرير وابن أبي حاتم ، والطبراني ، وأبو الشيخ ، وابن ~~مردويه ، والبيهقي في ' السنن ' | وفيه قصة اختصرها المصنف . # قوله : ' عن عدي بن حاتم ' ، أي : الطائي المشهور وهو ابن عبد الله بن ~~سعد بن | الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره جيم ، مات مشركا ، وعدي ~~يكنى أبا طريف | بفتح المهملة صحابي شهير ، حسن الإسلام ، مات سنة ثمان ~~وستين وله مائة وعشرون | سنة . # قوله : ' فقلت : إنا لسنا نعبدهم ' عن ظن عدي أن العبادة المراد بها ~~التقرب إليهم بأنواع | العبادة ، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال : ~~إنا لسنا نعبدهم . # قوله : ' أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ' . إلى آخر هصرح صلى الله ~~عليه وسلم في هذا الحديث | بأن عبادة الأحبار والرهبان هي طاعتهم في تحريم ~~الحلال وتحليل الحرام ، وهو طاعتهم في | خلاف حكم الله ورسوله . # قال شيخ الإسلام : وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله حيث | أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه يكونون على PageV01P465 # أحدهما : أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله ، فيتبعونهم ms418 على التبديل ~~فيعتقدون تحليل ما | حرم الله ، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع ~~علمهم أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر ، | وقد جعله الله ورسوله شركا وإن ~~لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون . # الثاني : أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال ، وتحليل الحرام ثابتا ~~، لكنهم | أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي ~~يعتقد أنها معاصي | فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في ' ~~الصحيحين ' عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : | ' إنما الطاعة في ~~المعروف ' . # ثم نقول : اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده ~~اتباع | الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر ، وقد ~~اتقى الله ما استطاع ، فهذا لا | يؤاخذه الله بخطئه ، بل يثيبه على اجتهاده ~~الذي أطاع به ربه . ولكن من علم أن هذا الخطأ | فيما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول الرسول صلى الله عليه وسلم ~~، فله نصيب من | الشرك الذي ذمه الله ، لا سيما إن اتبعه في ذلك لهواه ~~ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه | مخالف للرسول صلى الله عليه وسلم ، ~~فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه ، ولهذا اتفق العلماء على أنه | إذا عرف ~~الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه ، وأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزا عن | ~~معرفة الحق على التفصيل ، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في ~~التقليد ، فهذا لا | يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة . وأما إن قلد شخصا دون ~~نظيره بمجرد هواه ، ونصره بيده | ولسانه من غير علم أن الحق معه ، فهذا من ~~أهل الجاهلية ، فإن كان متبوعه مصيبا لم يكن | عمله صالحا ، وإن كان متبوعه ~~مخطئا ، كان آثما كمن قال في القرآن برأيه ، فإن أصاب فقد | أخطأ ، وإن ~~أخطأ فليتبوأ مقعده من النار . انتهى ملخصا . # قال المصنف : وفيه تغير الأحوال إلى هذه الغاية صار عند الأكثر عبادة ~~الرهبان هي | أفضل الأعمال ويسمونها الولاية . وعبادة الأحبار هي العلم ms419 ~~والفقه ، ثم تغيرت الحال إلى أن | عبد من ليس من الصالحين ، وعبد بالمعنى ~~الثاني من هو من الجاهلين . # قوله : ' صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي افضل الأعمال ' . يشير إلى ما ~~يعتقده كثير من | الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع ، والعطاء ~~والمنع ، ويسمون ذلك الولاية | والسر ونحو ذلك وهو الشرك . # قوله : ' وعبادة الأخبار هي العلم والفقه ' ، أي : هي التي تسمى اليوم ~~العلم والفقه | المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم ، فيطيعونهم في كل ما ~~يطيعونك سواء وافق حكم الله | أم خالفه ، بل لا يعبأون بما خالف ذلك من ~~كتاب وسنة ، بل يريدون كلام الله وكلام رسوله | PageV01P466 | لأقوال من ~~قلدوه ، ويصرحون بأنه لا يحل العمل بكتاب ولا سنة ، وأنه لا يجوز تلقي ~~العلم | والهدى منهما ، وإنما الفقه والهدى عندهم هو ما وجدوه في هذه الكتب ~~. بل أعظمهم من | ذلك وأطم رمي كثير منهم كلام الله وكلام رسوله بأنه لا ~~يفيد العلم ولا اليقين في باب | معرفة أسماء الله وصفاته وتوحيده ، ~~ويسمونها ظواهر لفظية ، ويسمون ما وضعه الفلاسفة | المشركون القواطع ~~العقلية ، ثم يقدمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء | من ~~عند الله ، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب ~~العالمين ، | وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو ~~الكفر . # وقوله : ' ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين ' ، وذلك ~~كاعتقادهم في | كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب . # وقوله : ' وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين ' ، وذلك كاعتقادهم ~~العلم في أناس | من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم ، ~~ويظنون أنهم علماء مصلحون | @QB@ ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون @QE@ ~~[ البقرة : 12 ] . | PageV01P467 | # | 1 ( [ 38 ] باب : قول الله تعالى ) # | ^ ( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بمآ أنزل إليك وما أنزل | من ~~قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطغوت وقد أمروا أن يكفروا به | ويريد الشيطن ~~أن يضلهم ضللا بعيدا * ) ^ | [ النساء : 60 ] # ش : لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله ms420 إلا الله مشتملا على ~~الإيمان | بالرسول صلى الله عليه وسلم ، مستلزما له ، وذلك هو الشهادتان ، ~~ولهذا جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنا واحدا في | قوله : ' بني ~~الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وإقام ~~الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ' ~~نبه في هذا | الباب على ما تضمنه التوحيد ، واستلزمه من تحكيم الرسول صلى ~~الله عليه وسلم في موارد النزاع ، إذ هذا | هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا ~~الله ، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن ، فإن من عرف أن | لا إله إلا الله ~~، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من عنده على يد | ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم . # فمن شهد أن لا إله إلا الله ، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في موارد النزاع ، فقد | كذب في شهادته ، وإن شئت قلت : لما كان ~~التوحيد مبنيا على الشهادتين ، إذ لا تنفك | إحداهما عن الأخرى لتلازمهما ، ~~وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله | إلا الله التي تضمن ~~حق الله على عباده ، نبه في هذا الباب على معنى شهادة أن محمدا | رسول الله ~~، التي تتضمن حق الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإنها تتضمن أنه عبد لا يعبد ~~، ورسول صادق لا | يكذب ، بل يطاع ويتبع ، لأنه المبلغ عن الله تعالى . فله ~~عليه الصلاة والسلام منصب الرسالة ، | والتبليغ عن الله ، والحكم بين الناس ~~فيما اختلفوا فيه ، إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله ومحبته | على النفس ، ~~والأهل والمال والوطن ، وليس له من الإلهية شيء ، بل هو عبد الله ورسوله | ~~كما قال تعالى : @QB@ وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ~~@QE@ [ الجن : 19 ] | وقال صلى الله عليه وسلم : ' إنما أنا عبد فقولوا عبد ~~الله ورسوله ' . # ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع ، وترك التحاكم إلى غيره ~~، | كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به ، ويتحاكمون إلى غيره ، وبهذا يتحقق ms421 ~~العبد بكمال | PageV01P468 | التوحيد وكمال المتابعة ، وذلك هو كمال سعادته ~~، وهو معنى الشهادتين . # إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها : أن الله تبارك وتعالى أنكر على ~~من يدعي | الإيمان بما أنزل الله على رسوله ، وعلى الأنبياء قبله ، وهو مع ~~ذلك يريد أن يتحاكم في | فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله ، كما ~~ذكر المصنف في سبب نزولها . # قال ابن القيم : والطاغوت : كل من تعدى به حده من الطغيان وهو مجاوزة ~~الحد ، | فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فهو طاغوت إذ قد تعدى به | حده . ومن هذا كل من عبد شيئا دون ~~الله فإنما عبد الطاغوت ، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه | العبادة التي لا ~~تنبغي له ، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم ، فقد دعا إلى | تحكيم الطاغوت . وتأمل تصديره سبحانه الآية منكرا ~~لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن | بما أنزله الله على رسوله صلى الله ~~عليه وسلم ، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله | ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم ، ويتحاكم إليه عند النزاع وفي ضمن قوله : @QB@ يزعمون ~~@QE@ نفي لما زعموه من | الإيمان ، ولهذا لم يقل : ألم تر إلى الذين آمنوا ~~، فإنهم لو كانوا من أهل الإيمان حقيقة لم | يريدوا أن يتحاكموا إلى غير ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم . ولم يقل فيهم ' يزعمون ' فإن هذا ~~إنما | يقال غالبا لمن ادعى دعوى هو فيها كاذب ، أو منزل منزلة الكاذب ، ~~لمخالفته لموجبها | وعمله بما ينافيها . قال ابن كثير : والآية ذامة لمن ~~عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ما | سواهما من الباطل وهو المراد ~~بالطاغوت ههنا . # وقوله تعالى @QB@ وقد أمروا أن يكفروا به @QE@ . # أي : بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت ، مناف للإيمان ، ~~مضاد له ، فلا | يصح الإيمان إلا بالكفر به ، وترك التحاكم إليه ، فمن لم ~~يكفر بالطاغوت ، لم يؤمن بالله . # وقوله : ^ ( ويريد الشيطن أن يضلهم ضللا بعيدا ) ^ | أي : لأن ms422 إرادة ~~التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من طاعة الشيطان ~~، وهو | إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير . # وفي الآية دليل على ان ترك التحاكم إلى الطاغوت ، الذي هو ما سوى الكتاب ~~والسنة | من الفرائض ، وأن التحاكم إليه غير مؤمن ، بل ولا مسلم . # وقوله تعالى : ^ ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ~~رأيت المنفقين | يصدون عنك صدودا * ) ^ [ النساء : 61 ] . | أي : إذا دعوا ~~إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضا مستكبرين كما | ~~قال تعالى : @QB@ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم ~~معرضون @QE@ [ النور : 48 ] قال | ابن القيم : هذا دليل على أن من دعي إلى ~~تحكيم الكتاب والسنة ، فلم يقبل ، وأبى ذلك أنه | PageV01P469 | من ~~المنافقين : و ' يصدون ' هنا لازم لا متعد ، وهو بمعنى يعرضون ، لا بمعنى ~~يمنعون | غيرهم ، ولهذا أتى مصدره على صدود ، ومصدر المتعدي ' صدا ' . فإن ~~كان المعرض عن | ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم ، فكيف بمن ازداد إلى ~~أعراضه منع الناس من تحكيم | الكتاب والسنة ، والتحاكم إليهما بقوله وعمله ~~وتصانيفه ؟ ثم يزعم مع ذلك انه إنما أراد | الإحسان والتوفيق : الإحسان في ~~فعله ذلك ، والتوفيق بين الطاغوت الذي حكمه ، وبين | الكتاب والسنة . # قلت : وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان ، إذا قيل ~~لهم : تعالوا | نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون ، ويعتذرون أنهم لا | يعرفون ذلك ، ولا يعقلون ، بل لعنهم الله ~~بكفرهم فقليلا ما يؤمنون . # وقوله تعالى : @QB@ فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم @QE@ . # قال ابن كثير : أي فكيف بهم إذا أصابتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ~~ذنوبهم ، | واحتاجوا إليك في ذلك ، وقال ابن القيم قيل : المصيبة فضيحتهم ~~إذا أنزل القرآن بحالهم ، | ولا ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار فالمصائب ~~التي تصيبهم بها قدمت أيديهم في | أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ، أعظمها مصائب | القلب والدين ، فيرى المعروف ~~منكرا ، والهدى ضلالا والرشاد غيا ، والحق باطلا ، | والصلاح فسادا ms423 ، وهذا ~~من المصيبة التي أصيب بها في قلبه ، هو الطبع الذي أوجبه مخالفة | الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وتحكيم غيره ، قال سفيان الثوري في قوله : ( فليحذر ~~الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ) قال : هي أن تطبع على قلوبهم . # وقوله تعالى : ^ ( ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ) ~~^ [ النساء : 62 ] . # قال ابن كثير : أي : يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا ~~الإحسان | والتوفيق ، أي : المداراة والمصانعة . وقال غيره : إلا إحسانا ، ~~أي : لا إساءة ، وتوفيقا ، أي : | بين الخصمين ، ولم نرد مخالفة لك ، ولا ~~تسخطا لحكمك . # قلت : فإذا كان هذا حال المنافقين يعتذرون عن أمرهم ، ويلبسونه لئلا يظن ~~أنهم | قصدوا المخالفة لحكم النبي صلى الله عليه وسلم ، أو التسخط ، فكيف ~~بمن يصرح بما كان المنافقون | يضمرونه حتى يزعم أنه من حكم الكتاب والسنة ~~في موارد النزاع ، فهو إما كافر وإما مبتدع | ضال ! ؟ وفعل المنافقون الذي ~~ذكره الله عنهم في هذه الآية هو بعينه الذي يفعله المحرفون | للكلم عن ~~مواضعه الذين يقولون : إنما قصدنا التوفيق بين القواطع العقلية بزعمهم التي ~~هي | الفلسفة والكلام وبين الأدلة النقلية ، ثم يجعلون الفلسفة التي هي ~~سفاهة وضلالة الأصل ، | ويردون بها ما أنزل الله على رسوله من الكتاب ~~والحكمة ، زعموا ان ذلك يخالف الفلسفة | PageV01P470 | التي يسمونها ~~القواطع ، فتطلبوا له وجوه التأويلات البعيدة ، وحملوه على شواذ اللغة التي ~~لا | تكاد تعرف . # وقوله تعالى ^ ( أؤلئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) ^ . # قال ابن كثير : أي : هذا الضرب من الناس هم المنافقون ، والله أعلم بما ~~في قلوبهم ، | وسيجزيهم على ذلك ، فإنه لا تخفى عليه خافية ، فاكتف به يا ~~محمد فيهم ، فإنه عالم | ببواطنهم وظواهرهم . # وقوله تعالى : @QB@ فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا @QE@ ~~[ النساء : | 63 ] . # قال ابن القيم : أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم فيهم بثلاثة أشياء . ~~| أحدها : الإعراض عنهم إهانة لهم ، وتحقيرا لشأنهم ، وتصغيرا لأمرهم لا ~~إعراض | متاركة وإهمال ، وبهذا يعلم أنها غير منسوخة . # الثاني : قوله : وعظهم وهو تخويفهم عقوبة الله وبأسه ونقمته ، إن ms424 اصروا ~~على التحاكم | إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه . # الثالث : قوله : وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا أي : يبلغ تأثيره إلى ~~قلوبهم ليس قولا | لينا لا يتأثر به المقول له ، وهذه المادة تدل على بلوغ ~~المراد بالقول ، فهو قول يبلغ به مراد | قائله من الزجر والتخويف ويبلغ ~~تأثيره إلى نفس المقول له ، ليس هو كالقول الذي يمر على الأذن صفحا . # وهذا القول البليغ يتضمن ثلاثة أمور : | أحدها : عظم معناه ، وتأثر ~~النفوس به . | الثاني : فخامة ألفاظه وجزالتها . | الثالث : كيفية القائل ~~في إلقائه إلى المخاطب فإن القول كالسهم ، والقلب كالقوس | الذي يدفعه ~~وكالسيف ، والقلب كالساعد الذي يضربه . # وفي متعلق قوله : @QB@ في أنفسهم @QE@ قولان . # أحدهما : بقوله : @QB@ بليغا @QE@ أي : قولا بليغا في أنفسهم ، وهذا حسن ~~من جهة المعنى ، | ضعيف من جهة الإعراب ، لأن صفة الموصوف لا تعمل فيها ~~قبلها . # والقول الثاني : أنه متعلق بقل وفي المعنى على هذا قولان . | أحدهما : قل ~~لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم بل مسرا لهم النصيحة . | ~~PageV01P471 # والثاني : ان معناه قل لهم في معنى أنفسهم ، كما يقال : قل لفلان في كيت ~~وكيت ، | أي : في ذلك المعنى قلت : وهذا القول أحسن ثم قال تعالى : @QB@ ~~وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله @QE@ [ النساء : 64 ] قال ابن كثير ~~: أي : إنما فرضت طاعته على من أرسله | إليهم . وقال ابن القيم : هذا تنبيه ~~على جلالة منصب الرسالة ، وعظم شأنها ، وأنه سبحانه لم | يرسل رسله عليهم ~~الصلاة والسلام إلا ليطاعوا بإذنه ، فتكون الطاعة لهم لهم لا لغيرهم ، لأن ~~| طاعتهم طاعة مرسلهم ، وفي ضمنه ان من كذب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~، فقد كذب الرسل . | والمعنى أنك واحد منهم تجب طاعتك ، وتتعين عليهم كما ~~وجبت طاعة من قبلك من | المرسلين ، فإن كانوا قد أطاعوهم كما زعموا وآمنوا ~~بهم ، فما لهم لا يطيعونك ، ويؤمنون | بك ؟ ! والإذن هاهنا هو الإذن الأمري ~~لا الكوني ، إذا لو كان إذنا كونيا قدريا لما تخلفت | طاعتهم ، وفي ذكره ~~نكتة وهي أنه بنفس إرساله تتعين طاعته ms425 ، وإرساله نفسه إذن في طاعته ، | فلا ~~تتوقف على نص آخر سوى الإرسال بأمر فيه بالطاعة ، بل متى تحققت رسالته ، ~~وجبت | طاعته . فرسالته نفسها متضمنة للإذن في الطاعة . ويصح أن يكون الإذن ~~هاهنا إذنا كونيا | قدريا ، ويكون المعنى : ليطاع بتوفيق الله وهدايته ، ~~فتضمن الآية الأمرين الشرع والقدر ، | ويكون فيها دليل على أن أحدا لا يطيع ~~رسله إلا بتوفيقه وإرشاده وهدايته ، وهذا حسن | جدا . والمقصود أن الغاية ~~من المرسل هي طاعتهم ومتابعتهم ، فإذا كانت الطاعة والمتابعة | لغيرهم ، لم ~~تحصل الفائدة المقصدوة من إرسالهم . # وقوله ^ ( ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفروا لهم ~~الرسول | لوجدوا الله توابا رحيما ) ^ [ النساء : 64 ] . # قال ابن القيم : لما علم سبحانه أن المرسل إليهم لا بد لهم من ظلم ~~لأنفسهم ، واتباع | لأهوائهم ، أرشدهم إلى ما يدفع عنهم شر ذلك الظلم ~~وموجبه ، وهو شيئان : أحدهما منهم ، | وهو استغفارهم ربهم عز وجل ، والثاني ~~من غيرهم وهو استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم إذا | جاؤوه ، ~~وانقادوا له ، واعترفوا بظلمهم ، فمتى فعلوا ذلك وجدوا الله توابا رحيما ~~يتوب | عليهم فيمحوا أثر سيئاتهم ويقيهم شرها ، ويزيدهم مع ذلك رحمته وبره ~~وإحسانه . # فإن قلت : فما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من هذه ~~الآية ؟ وهل كلام بعض | الناس في دعوى المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم ~~والاستعفار عنده والاستشفاع به ، والاستدلال بهذه الآية على ذلك صحيح أم لا ~~؟ # قيل : أما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية ~~فالاستغفار ، وأن يتوب | إلى الله توبة نصوحا في كل زمان ومكان ، ولا يشترط ~~في صحة التوبة المجيء إلى قبره ، | والاستغفار عنده بالإجماع ، وأما المجيء ~~إلى قبره ، والاستغفار عنده ، والاستشفاع به ، | والاستدلال بالآية على ذلك ~~، فهو استدلال على ما لا تدل الآية عليه بوجه من وجوه | PageV01P472 | ~~الدلالات ، لأنه ليس في الآية إلا المجيء إليه صلى الله عليه وسلم لا ~~المجيء إلى قبره ، واستغفاره لهم ، | لاستشفاعهم به بعد موته ، فعلم أن ذلك ~~باطل ms426 ، يوضح ذلك أن الصحابة الذين هم أعلم | الناس بكتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم ما فهموا هذا من الآية ، فعلم أن ذلك بدعة . وأكثر ما | ~~استدل به من أجاز ذلك رواية العتبي عن أعرابي مجهول على أن القصة لا نعلم ~~لها إسنادا | ومثل هذا لو كان حديثا ، أو أثرا عن صحابي لم يجز الاحتجاج به ~~، ولم يلزمنا حكمه لعدم | صحته ، فكيف يجوز الاحتجاج في هذا بقصة لا تصح عن ~~بدوي لا يعرف ؟ ! # ثم قال تعالى : @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما @QE@ [ النساء : 65 ] . # قال ابن القيم : أقسم سبحانه بأجل مقسم به ، وهو نفسه عز وجل على أنه لا ~~يثبت لهم | الإيمان ، ولا يكونون من أهله حتى يحكم لرسوله صلى الله عليه ~~وسلم في جميع موارد النزاع ، وفي جميع | أبواب الدين فإن لفظة ' ما ' من ~~صيغ العموم ، ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح | صدورهم بحكمه ، بحيث ~~لا يجدون في أنفسهم جرجا ، وهو الضيق والحصر من حكمه ، | بل يقبلون حكمه ~~بالانشراح ، ويقابلونه بالقبول ، لا يأخذونه على إغماض ، ولا يشربونه | على ~~قذى ، فإن هذا مناف للإيمان ، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضى ، وانشراح ~~| صدر . ومتى أراد العبد شاهدا فلينظر في حاله ، ويطالع قلبه عند ورود حكمه ~~على خلاف | هواه وغرضه ، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار ~~وما دونها ^ ( بل الإنسان على | نفسه بصيرة * ولو ألقى معاذيره * [ القيامة ~~: 14 - 15 ] فسبحان الله ! كم من حزازة في | نفوس كثير من النصوص ، وبودهم ~~أن لو لم ترد ، وكم من حرارة في أكبادهم منها ، وكم | من شجى في حلوقهم من ~~موردها ، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك حتى ضم إليه قوله : | ^ ( ويسلموا ~~تسليما ) ^ فذكر الفعل مؤكدا له بالمصدر القائم مقام ذكره مرتين ، وهو ~~الخضوع | والانقياد لما حكم به طوعا ورضى وتسليما ، لا قهرا أو مصابرة ، ~~كما يسلم المقهور لمن | قهره كرها ، بل تسليم عبد ms427 مطيع لمولاه وسيده الذي ~~هو أحب شيء إليه ، يعلم أن سعادته | وفلاحه في تسليماته . انتهى . # وقد ورد في ' الصحيح ' أن سبب نزولها قصة الزبير لما اختصم هو والأنصاري ~~في | شراج الحرة ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فإذا كان سبب ~~نزولها | PageV01P473 | مخاصمة في مسيل ماء قضى فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقضاء ، فلم يرضه الأنصاري ، فنفى تعالى | عنه الإيمان بذلك ، ~~فما ظنك بمن لم يرض بقضائه صلى الله عليه وسلم ، وأحكامه في أصول الدين | ~~وفروعه ؟ ! بل إذا دعوا إلى ذلك تولوا وهم معرضون ، ولم يكفهم ذلك حتى صدوا ~~الناس | عنه ، ولم يكفهم ذلك حتى كفروا ، أو بدعوا من اتبعه صلى الله عليه ~~وسلم وحكمه في أصول الدين | وفروعه ، ورضي بحكمه في ذلك ولم يبغ عنه حولا . # وقوله تعالى : ^ ( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~ديركم ما فعلوه إلا | قليل منهم ) ^ [ النساء : 66 ] # المعنى والله أعلم أي : لو أوجبنا عليهم مثل ما أوجبنا على بنى إسرائيل ~~من قتلهم | أنفسهم ، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا من عبادة العجل @QB@ ~~ما فعلوه إلا قليل منهم @QE@ | وهذا توبيخ لمن لم يحكم الرسول صلى الله ~~عليه وسلم في موارد الشجار ، أي : نحن لم نكتب عليهم ذلك ، | بل إنما ~~أوجبنا عليهم ما في وسعهم ، فما لهم لا يحكمونك ، ولا يرضون بحكمك ؟ ! # ثم قال تعالى ^ ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ~~* وإذا لأتينهم من لدنا أجرا عظيما ولهدينهم صراطا مستقيما * ) ^ [ النساء ~~: 66 - 68 ] . # قال ابن القيم : أخبر تعالى أنهم لو فعلوا ما يعظهم به ، وهو أمره ونهيه ~~المقرون بوعده | ووعيده لكان فعل أمره ، وترك نهيه خيرا لهم في دينهم ~~ودنياهم ، وأشد تثبيتا لهم على الحق ، | وتحقيقا لإيمانهم ، وقوة لغرائمهم ~~وإراداتهم ، وثباتا لقلوبهم عند جيوش الباطل ، وعند | وإراداته الشبهات ~~المضلة ، والشهوات المردية . فطاعة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~هي سبب ثبات | القلب ، وقوته قوة عزائمه وإرادته ، ونفاذ بصيرته ، وهذا ~~دليل على أن طاعة الرسول ms428 صلى الله عليه وسلم تثمر | الهداية ، وثبات القلب ~~عليها ، ومخالفته تثمر زيغ القلب ، واضطرابه ، وعدم ثباته . | ثم قال تعالى ~~: ^ ( وإذا لأتينهم من لدنا أجرا عظيما * ولهدينهم صراطا مستقيما * ) ^ | ~~فهذه أربعة أنواع من الجزاء المرتب على طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ~~أحدها : حصول الخير المطلق | PageV01P474 | بها . الثاني : التثبت والقوة ~~المتضمن للنصر والغلبة . والثالث : حصول الأجر العظيم لهم في | الآخرة . ~~والرابع : هدايتهم الصراط المستقيم . وهذه الهداية هي هداية ثانية أوجبتها ~~طاعة | الرسول صلى الله عليه وسلم فطاعته صلى الله عليه وسلم ثمرة الهداية ~~السابقة عليها فهي محفوفة بهداتين : هداية قبلها وهي | سبب الطاعة ، وهداية ~~بعدها هي ثمرة لها ، وهذا يدل على انتفاء هذه الأمور الأربعة عند | انتفاء ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم # ثم قال تعالى : ^ ( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبين | والصديقين والشهداء والصلحين وحسن أولئك رفيقا * ) ^ [ ~~النساء : 69 ] . # قال ابن القيم : فأخبر سبحانه أن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~توجب مرافقة المنعم عليهم ، | وهم أهل السعادة الكاملة ، وهم أربعة أصناف ~~النبيون وهم أفضلهم ثم الصديقون وهم بعدهم | في الدرجة ، ثم الشهداء ، ثم ~~الصالحون فهؤلاء المنعم عليهم النعمة التامة ، وهم السعداء | الفائزون ، ~~ولا فلاح لأحد إلا بموافقتهم ، والكون معهم ، ولا سبيل إلى مرافقتهم إلا ~~بطاعة | الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إليها إلا بمعرفة سنته وما جاء ~~به فدل على أن من عدم العلم بسنته | وما جاء به ، فليس له إلى مرافقة هؤلاء ~~سبيل ، بل هو ممن يعض على يديه يوم القيامة ، | ويقول : يا ليتني اتخذت مع ~~الرسول سبيلا . # | قلت : ما لمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع إلى ~~مرافقة هؤلاء المنعم عليهم | سبيل ، وكيف يكون له سبيل إلى ذلك ، وعنده أن ~~من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع ، | فهو إما زنديق أو ~~مبتدع ، وأنى له بطاعة الله ورسوله ، وهذا أصل اعتقاده الذي بنى عليه | ~~دينه ، ومع ذلك يحسبون أنهم مهتدون إذا حكموا غير ms429 الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ، ونبذوا حكمه وراء | ظهورهم كأنهم لا يعلمون . # قال المصنف وقوله : @QB@ ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها @QE@ [ الأعراف ~~: 56 ] . # | قال أبو بكر بن عياش في الآية : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهل الأرض ، وهم في | فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فمن دعا إلى خلاف ما جاء به به محمد صلى الله عليه وسلم ، فهو من | ~~المفسدين في الأرض . وقال ابن القيم : قال أكثر المفسرين : لا تفسدوا فيها ~~بالمعاصي | والدعاء إلى غير طاعة الله ، فإن عبادة غير الله ، والدعوة إلى ~~غيره ، والشرك به هو أعظم فساد في الأرض ، | بل فساد الأرض في الحقيقة إنما ~~هو بالشرك به ، ومخالفة أمره . فالشرك والدعوة إلى غير | الله ، وإقامة ~~معبود غيره ، ومطاع متبع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، هو أعظم ~~الفساد في الأرض ، ولا | صلاح لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو ~~المعبود ، والدعوة له لا لغيره ، والطاعة | والاتباع لرسوله ليس إلا . | ~~PageV01P475 # وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، فإذا ~~أمر بمعصيته وخلاف شريعته ، | فلا سمع له ولا طاعة ، ومن تدبر أحوال العالم ~~، وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله | وعبادته ، وطاعة رسوله ، وكل شر ~~في العالم ، وفتنة وبلاء ، وقحط وتسلط عدو وغير ذلك ، | فسببه مخالفة رسوله ~~، والدعوة إلى الله ورسوله انتهى . وبهذا يتبين وجه مطابقة الآية | للترجمة ~~، لأن من يدعو إلى التحاكم إلى غير ما أنزل الله وإلى الرسول ، فقد أتى ~~بأعظم | الفساد . # قال وقوله : @QB@ وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ~~@QE@ [ البقرة : | 11 ] . # قال أبو العالية في الآية يعني : لا تعصوا في الأرض ، وكان فسادهم ذلك ~~معصية لله ، | لأن من عصى الله في الأرض ، أو أمر بمعصية الله ، فقد أفسد ~~في الأرض ، لأن صلاح | الأرض والسماء بالطاعة . قلت : ومطابقة الآية ~~للترجمة ظاهر ، لأن من دعا إلى التحاكم إلى | غير ما أنزل الله ، فقد أتى ~~بأعظم الفساد . وفي الآية ms430 دليل على وجوب اطراح الرأي مع السنة ، | وإن ادعى ~~صاحبه أنه مصلح ، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ترك ما أنزل الله ، والحذر ~~| من العجب بالرأي . # قال وقوله : @QB@ أفحكم الجاهلية يبغون @QE@ [ المائدة : 50 ] . | قال ~~ابن كثير : ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير | ~~وعدل ، الناهي عن كل شر إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي ~~وضعها | الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من ~~الضلالات | والجهالات ، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكز ~~خان الذي وضع لهم | كتابا مجموعا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من الملة ~~الإسلامية وغيرها ، وفيها كثير من | الأحكام أخذها عن مجرد نظره ، فصار في ~~بنيه شرعا يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة ، | ومن فعل ذلك ، فهو كافر ~~يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يحكم سواه | في قليل ولا ~~كثير قال تعالى : ^ ( أفحكم الجهلية يبغون ) ^ ، أي : يريدون @QB@ ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون @QE@ ، أي : من أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن ~~الله شرعه ، وآمن | وأيقن ، وعلم أنه تعالى أحكم الحاكمين ، وأرحم بعباده ~~من الوالدة بولدها فإنه تعالى العالم | بكل شيء ، القادر على كل شيء ، ~~العادل في كل شيء . # قلت وفي الآية إشارة إلى أن من ابتغى غير حكم الله ورسوله ، فقد ابتغى ~~حكم | الجاهلية كائنا ما كان . # قال : عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا ~~يؤمن أحدكم حتى يكون هواه | PageV01P476 | تبعا لما جئت به ' قال النووي : ~~حديث صحيح رويناه في كتاب ' الحجة ' بإسناد صحيح . # ش : هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في ~~كتاب | ' الحجة على تارك المحجة ' بإسناد صحيح كما قال المصنف عن النووي ، ~~وهو كتاب | يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة . ورواه ~~الطبراني وأبو بكر بن | عاصم ، والحافظ أبو نعيم في ' الأربعين ' التي شرط ~~في أولها أن تكون من صحاح الأخبار ms431 . # وقال ابن رجب : تصحيح هذا الحديث بعيدا جدا من وجوه ذكرها ، وتعقبه بعضهم ~~. # قلت : ومعناه صحيح قطعا وإن لم يصح إسناده وأصله في القرآن كثير كقوله ~~تعالى : | ^ ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيها شجر بينهم ) ^ [ النساء ~~: 65 ] . وقوله : @QB@ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ~~أن يكون لهم الخيرة من أمرهم @QE@ [ الأحزاب : 36 ] . وقوله : | ^ ( فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهوائهم ) ^ [ القصص : 50 ] وغير ذلك من ~~الآيات ، فلا | يضر عدم صحة إسناده . # قوله : ' لا يؤمن أحدكم ' ، أي : لا يحصل له الإيمان الواجب ، ولا يكون ~~من أهله . # قوله : ' حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ' قال بعضهم : هواه بالقصر ، أي ~~: ما يهواه ، | أي : تحبه نفسه وتميل إليه ، ثم المعروف في استعمال الهوى ~~عند الإطلاق أنه الميل إلى | خلاف الحق ومنه @QB@ ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله @QE@ [ ص : 26 ] وقد يطلق على الميل | والمحبة ليشمل الميل للحق ~~وغيره ، وربما استعمل في محبة الحق خاصة ، والانقياد إليه ، | كما في حديث ~~صفوان بن عسال أنه سئل هل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر الهوى . . . ~~| الحديث . | PageV01P477 # قال ابن رجب : أما معنى الحديث ، فهو أن الإنسان لا يكون مؤمنا كامل ~~الإيمان | الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها ، | فيحب ما أمر به ، ويكره ما نهى عنه . ~~وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع ، وذم | سبحانه من كره ما أحبه الله ~~تعالى ، أو أحب ما كره الله كما قال : ^ ( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل | الله ~~فأحبط أعملهم * ) ^ [ محمد : 9 ] وقال : ^ ( ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله ~~وكرهوا | رضوانه فأحبط أعملهم * ) ^ [ محمد : 28 ] فالواجب على كل مؤمن أن ~~يحب ما أحب الله | محبة توجب له الإتيان بما وجب عليه منه ، فإن زادت ~~المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان | ذلك فضلا . وأن يكره ما كرهه الله ~~كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه ، فازدادت | الكراهة حتى أوجبت الكف ms432 ~~عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا . # فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه ، أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما ~~يحبه الله | ورسوله ، ويكره ما يكرهه الله ورسوله . ويرضى بما يرضى به الله ~~ورسوله ، ويسخط ما | يسخط الله ورسوله ، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب ~~والبغض . # فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك ، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله ، ~~أو | ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه ، دل ذلك على نقص ~~محبته الواجبة ، | فعليه أن يتوب من ذلك ، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة ~~. فجميع المعاصي تنشأ من تقديم | هوى النفس على محبة الله ورسوله ، وقد وصف ~~الله المشركين باتباع الهوى في مواضع من | كتابه فقال تعالى : @QB@ فإن لم ~~يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم @QE@ [ القصص : 50 ] ، | وكذلك ~~البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع ، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء ، ~~| وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم الهوى على محبة الله ، ومحبة ما يحبه ~~الله ، وكذلك | حب الأشخاص الواجب فيه أن يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم . فيجب على المؤمن | محبة ما يحبه الله من الملائكة والرسل ~~والصديقين ، والأنبياء والشهداء والصالحين عموما . | ولهذا كان علامة وجود ~~حلاوة الإيمان ' أن يحب المرء لا يحبه إلا لله ' وتحرم موالاة أعداء | الله ~~ومن يكرهه الله عموما ، وبهذا يكون الدين كله لله ، و ' من أحب لله ، وأبغض ~~لله ، وأعطى | لله ، ومنع لله ، فقد استكمل الإيمان ' . ومن كان حبه ، ~~وبغضه ، وعطاؤه ، ومنعه ، لهوى | نفسه ، كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب ، ~~فتجب عليه التوبة من ذلك ، والرجوع إلى اتباع | ما جاء به الرسول صلى الله ~~عليه وسلم من تقديم محبة الله ورسوله ، وما فيه رضى الله ورسوله على هوى | ~~النفس ومرادها . انتهى ملخصا . # ومطابقة الحديث للباب ظاهرة من جهة أن الرجل لا يؤمن حتى يكون هواه تبعا ~~لما | جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء حتى في الحكم وغيره . ~~فإذا حكم بحكم أو قضى بقضاء ، | فهو ms433 الحق الذي لا محيد للمؤمن عنه ، ولا ~~اختيار له بعده . | PageV01P478 # قال المصنف : وقال الشعبي : كان بين رجل من المنافقين ، ورجل من اليهود ~~خصومة | فقال اليهودي : نتحاكم إلى محمد ، عرف أنه لا يأخذ الرشوة ، وقال ~~المنافق : نتحاكم إلى | اليهود ، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة ، فاتفقا على أن ~~يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه ، | فنزلت @QB@ ألم تر إلى الذين ~~يزعمون @QE@ [ النساء : 60 ] . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير ، وابن المنذر بنحوه . # قوله : ' كان بين رجل من المنافقين ، ورجل من اليهود خصومة ' لم أقف على ~~تسمية | هذين الرجلين ، وقد روى ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم قال : ~~كان الجلاس بن | الصامت قبل توبته ، ومعتب بن قشير ، ورافع بن زيد وبشير ، ~~كانوا يدعون الإسلام ، فدعاهم | رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت ~~بينهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعوهم إلى | الكهان حكام ~~الجاهلية فأنزل الله فيهم @QB@ ألم تر إلى الذين يزعمون @QE@ الآية . ~~فيحتمل أن | يكون المنافق المذكور في قصة الشعبي أحد هؤلاء ، بل روى ~~الثعلبي عن ابن عباس أن | المنافق اسمه بشر . # قوله : ' عرف أنه لا يأخذ الرشوة ' هي بتثليث الراء قال أبو السعادات : ~~وهو الوصلة إلى | الحاجة بالمصانعة ، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى ~~الماء ، والراشي : من يعطي الذي | يعينه على الباطل ، والمرتشي : الآخذ . ~~قلت : فعلى هذا رشوة الحاكم هي ما يعطاه ليحكم | بالباطل ، سواء طلبها أم ~~لا . وفيه دليل على شهادة أن محمدا رسول الله ، لأن أعداءه | يعلمون عدله ~~في الأحكام ، ونزاهته عن قذر الرشوة صلى الله عليه وسلم بخلاف حكام الباطل ~~. | قوله : ' فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة ' . لم أقف على تسمية هذا ~~الكاهن ، وفي | قصة رواها ابن جرير ، وابن أبي حاتم ، عن السدي في سبب نزول ~~الآية قال : فتفاخرت | النضير وقريظة ، فقالت النضير : نحن أكرم من قريظة ، ~~وقالت قريظة : نحن أكرم منكم ، | فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الأسلمي وذكر ~~القصة . # قال المصنف : وقيل : نزلت في رجلين اختصما ، فقال أحدهما : نترافع إلى ~~النبي صلى الله عليه ms434 وسلم ، | وقال الآخر : إلى كعب بن الأشرف ، ثم ترافعا ~~إلى عمر فذكر له أحدهما القصة فقال للذي | لم يرض برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : أكذلك ؟ قال : نعم ، فضربه بالسيف فقتله . # ش : هذه القصة قد رويت من طرق متعددة من أقربها لسياق المصنف ما رواه ~~الثعلبي | وذكره البغوي عن ابن عباس في قوله : ^ ( ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم ءامنوا ) ^ [ النساء : | 60 ] قال : نزلت في رجل من المنافقين يقال له ~~: بشر خاصم يهوديا فدعاه اليهودي إلى | PageV01P479 | رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف ، ثم إنهما احتكما للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فقضى | لليهودي فلم يرض المنافق ، وقال : تعال نتحاكم إلى ~~عمر بن الخطاب فقال اليهودي لعمر : | قضى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلم يرض بقضائه ، فقال للمنافق : أكذلك ؟ قال : نعم ، فقال عمر : | مكانكما ~~حتى أخرج إليكما ، فدخل عمر فاشتمل على سيفه ، ثم خرج فضرب عنق المنافق | ~~حتى برد ، ثم قال : هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله ، فنزلت . # وروى الحكيم الترمذي في ' نوادر الأصول ' هذه القصة عن مكحول وقال في ~~آخرها : | فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ~~إن عمر قد قتل الرجل ، وفرق الله بين الحق | والباطل على لسان عمر ، فسمي ~~الفاروق . ورواه أبو إسحاق بن دحيم في تفسيره على ما | ذكره شيخ الإسلام ، ~~وابن كثير ، ورواه ابن أبي حاتم ، وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن | أبي ~~الأسود ، وذكر القصة ، وفيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما كنت ~~أظن أن يجترئ عمر على | قتل مؤمن ' فأنزل الله @QB@ فلا وربك لا يؤمنون ~~@QE@ [ النساء : 65 ] ، الآية ، فهدر دم ذلك الرجل | وبريء عمر من قتله ، ~~فكره الله أن يسن ذلك بعد ، فقال : @QB@ ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا ~~أنفسكم @QE@ إلى قوله : @QB@ وأشد تثبيتا @QE@ [ النساء : 66 ] . # وبالجملة فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن ~~الإسناد ، | ولها طرق كثيرة ، ولا يضرها ضعف إسنادها ، وكعب بن الأشرف ms435 ~~المذكور هنا هو طاغوت | من رؤساء اليهود وعلمائهم ، ذكر ابن إسحاق وغيره ~~أنه كان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة من | وادعه من يهود ~~المدينة ، وكان عربيا من بني طيئ ، وكانت أمه من بني النضير قالوا : فلما | ~~قتل أهل بدر ، شق ذلك عليه ، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش ، وفضل دين ~~الجاهلية على | دين الإسلام حتى أنزل الله فيه ^ ( ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت | والطغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى ~~من الذين ءامنوا سبيلا * ) ^ [ النساء : 51 ] ثم لما | رجع إلى المدينة أخذ ~~ينشد الأشعار يهجو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين ~~حتى | آذاهم حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم ' من لكعب بن الأشرف ، فإنه ~~قد آذى الله ورسوله ' وذكر قصة | قتله ، وقتله محمد بن مسلمة ، وأبو نائلة ~~وأبو عبس بن جبر وعباد بن بشر رضي الله عنهم . # وفي القصة من الفوائد أن الدعاء إلى تحكيم غير الله ورسوله من صفات ~~المنافقين ، | ولو كان الدعاء إلى تحكيم إمام فاضل ، ومعرفة أعداء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بما كان عليه من العلم | والعدل في الأحكام . ~~وفيها الغضب لله تعالى ، والشدة في أمر الله كما فعل عمر رضي الله | ~~PageV01P480 | عنه . وفيها أن من طعن في أحكام النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~في شيء من دينه قيل كهذا المنافق بل أولى . # وفيها جواز تغيير المنكر باليد ، وإن لم يأذن فيه الإمام ، وكذلك تعزير ~~من فعل شيئا من | المنكرات التي يستحق عليها التعزير . لكن إذا كان الإمام ~~لا يرضى بذلك ، وربما أدى إلى | وقوع فرقة أو فتنة فيشترط إذنه في التعزير ~~فقط . # وفها أن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد ، فإن اليهود يعلمون أن ~~محمدا | رسول الله ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور . | PageV01P481 | # | ^ ( [ 39 ] باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات ) # أي : من أسماء الله وصفاته ، والمراد ما حكمه هل هو ناج أو هالك ؟ ولما ~~كان تحقيق | التوحيد بل التوحيد لا ms436 يحصل إلا بالإيمان بالله والإيمان ~~بأسمائه وصفاته ، نبه المصنف على | وجوب الإيمان بذلك وأيضا فالتوحيد ثلاثة ~~أنواع : توحيد الربوبية ، وتوحيد الأسماء | والصفات ، وتوحيد العبادة . ~~والأولان وسيلة إلى الثالث ، فهو الغاية والحكمة المقصود | بالخلق والأمر . ~~وكلها متلازمة فناسب التنبيه على الإيمان بتوحيد الصفات . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( وهم يكفرون بالرحمن ) ^ [ الرعد : 30 ] | أي ~~: يجحدون هذا الاسم ، لا أنهم يجحدون الله ، فإنهم يقرون به كما قال تعالى ~~: | ^ ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) ^ [ الزخرف : 87 ] والمراد ~~بهذا كفار قريش أو طائفة | منهم ، فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادا أو جهلا ، ~~ولهذا لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي يوم | الحديبية : ' اكتب بسم ~~الله الرحمن الرحيم ' فقالوا : لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ، وفي | بعض ~~الروايات لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة . يعنون مسيلمة الكذاب ، فإنه ~~قبحه الله | كان قد تسمى بهذا الاسم ، وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون ~~بهذا الاسم كما قال بعضهم : # وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق # قال : ابن كثير : ^ ( وهم يكفرون بالرحمن ) ^ أي : لا يقرون به ، لأنهم ~~يأبون من وصف الله | بالرحمن الرحيم . ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة ، لأن ~~الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه | كفرا ، فدل على أن جحود شي من أسماء ~~الله وصفاته كفر ، فمن جحد شيئا من أسماء الله | وصفاته من الفلاسفة ، ~~والجهمية والمعتزلة ونحوهم ، فله نصيب من الكفر بقدر ما جحد من | ~~PageV01P482 | الاسم أو الصفة ، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم ، وإن كانوا ~~يقرون بجنس الأسماء | والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء ، لأن الأسماء ~~عندهم أعلام محضة لا تدل على | صفات قائمة بالرب تبارك وتعالى ، وهذا نفس ~~كفر الذين جحدوا اسم الرحمن . # وقوله : ^ ( قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ) ^ [ الرعد ~~: 30 ] . # أي : قل يا محمد رادا عليهم في كفرهم بالرحمن تبارك وتعالى ( هو ) أي : ~~الرحمن عز | وجل ^ ( ربي لا إله إلا هو ) ^ أي : لا معبود سواه ^ ( عليه ~~توكلت وإليه متاب ) ^ أي : إليه | مرجعي وأوبتي ، وهو مصدر من قول القائل : ~~تبت متابا وتوبة ، قاله ابن ms437 جرير . # وفي الآية دليل على أن التوكل عبادة ، وعلى أن التوبة عبادة ، وإذا كان ~~كذلك فالتوبة | إلى غيره شرك . ولما قال سارق وقد قطعت يده للنبي صلى الله ~~عليه وسلم : اللهم أني أتوب إليك ، ولا | أتوب إلى محمد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ' عرف الحق لأهله ' رواه أحمد . # قال : وفي ' صحيح البخاري ' قال علي : حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن ~~يكذب | الله ورسوله ' . # ش : هذا الأثر رواه البخاري مسندا لا معلقا لكنه في بعض الروايات علقه ~~أولا ثم ذكر | إسناده ، وفي بعضها ساق إسناده أولا فرواه عن عبيد الله بن ~~موسى عن معروف بن خربوذ | عن أبي الطفيل عن علي به ولفظه ' أتحبون أن يكذب ~~الله ورسوله ' . # قوله : ' بما يعرفون ' أي : بما يفهمون . قال الحافظ : وزاد آدم بن أبي ~~إياس في كتاب | ' العلم ' له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره : ' ~~ودعوا ما ينكرون ' . أي : ما يشتبه | عليهم فهمه . قال : وفيه دليل على أن ~~المتشابه لا ينبغي أن يذكر عند العامة . ومثله قول ابن | مسعود : ' ما أنت ~~محدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ' . رواه مسلم | قال ~~: وممن رأى التحديث ببعض دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على ~~| PageV01P483 | السلطان ومالك في أحاديث الصفات ، وأبو يوسف في ' الغرائب ~~' ومن قبلهم أبو هريرة كما | تقدم عنه في الجرابين وأن المراد ما يقع من ~~الفتن ، ونحوه عن حذيفة . وعن الحسن أنه | أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة ~~العرنيين ، لأنه اتخذها وسيلة إلى ما كان يعتمده من | المبالغة في سفك ~~الدماء بتأويله الواهي ، وضابط ذلك أن يكون ظاهر الحديث يقوي | البدعة ~~وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند من يخشى عليه الأخذ بظاهره | ~~مطلوب انتهى . # وما ذكره عن مالك في أحاديث الصفات ما أظنه يثبت عن مالك ، وهل في أحاديث ~~| الصفات أكثر من آيات الصفات التي في القرآن ؟ فهل يقول مالك أو غيره من ~~علماء | الإسلام : إن آيات الصفات لا تتلى على العوام ، وما زال العلماء ms438 ~~قديما وحديثا من أصحاب | النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يقرؤون آيات ~~الصفات ، وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم ، | بل شرط الإيمان هو ~~الإيمان بالله ، وصفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه ، أو على | لسان ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ، فكيف يكتم ذلك عن عوام المؤمنين ؟ ! بل نقول : ~~من لم يؤمن بذلك | فليس من المؤمنين ، ومن وجد في قلبه حرجا من ذلك ، فهو ~~من المنافقين . ولكن هذا من | بدع الجهمية وأتباعهم الذين ينفون صفات الرب ~~تبارك وتعالى ، فلما رأوا أحاديث الصفات | مبطلة لمذاهبهم ، قامعة لبدعهم ~~تواصوا بكتمانها عن عوام المؤمنين ، لئلا يعلموا ضلالهم ، | وفساد اعتقادهم ~~فاعلم ذلك . # وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضرر من تحديث الناس ببعض ما يعرفون فلا ~~ينبغي | تحديثهم به ، وليس ذلك على إطلاق ، وإن كثيرا من الدين والسنن ~~يجهله الناس ، فإذا حدثوا | به كذبوا بذلك وأعظموه ، فلا يترك العالم ~~تحديثهم ، بل يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي | أحسن . # قال : وروى عبد الرزاق عن معمر عن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلا ~~| انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، في الصفات استنكارا ~~بذلك فقال : ما فرق هؤلاء | يجدون رقة عند محكمه ، ويهلكون عند متشابهه . ~~انتهى # ش : قوله : ' روى عبد الرزاق ' هو ابن همام الصنعاني ، الإمام الحافظ ~~صاحب | التصانيف ك ' المصنف ' وغيره . روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين ~~، وخلق لا | PageV01P484 | يحصون مات سنة إحدى عشرة ومائتين . | ' ومعمر ' ~~هو ابن راشد الأزدي أبو عروة البصري ، نزل اليمن ، ثقة ثبت ، مات سنة | ~~أربع وخمسين ومائة ، وله ثمان وخمسون سنة . # وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس اليماني ، ثقة فاضل عابد ، مات سنة اثنتين ~~وثلاثين | ومائة . # وأبوه طاوس بن كيسان اليماني ثقة فقيه فاضل من جلة أصحاب ابن عباس ~~وعلمائهم ، | مات سنة ست ومائة . # قوله : ' أنه رأى رجلا ' . لم يسم هذا الرجل . # قوله : ' انتفض ' أي : ارتعد لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاستنكره ، إما لأن عقله لا | يحتمله ms439 ، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره . # قوله : ' فقال ' ، أي : ابن عباس وهو عبد الله رضي الله عنه . # قوله : ' ما فرق هؤلاء ' يحتمل وجهين : # أحدهما : أن تكون ' ما ' استفهامية إنكارية . وفرق بفتح الفاء والراء وهو ~~الخوف | والفزع ، أي : ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها ~~؟ | والمراد الإنكار | عليهم ، فإن الواجب على العبد التسليم والإذعان ~~والإيمان بما صح عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم | وإن لم يحط به ~~علما . ولهذا قال الشافعي : ' آمنت بالله . وبما جاء عن الله ، على مراد ~~الله ، | وآمنت برسول الله ، وما جاء عن رسول الله ، على مراد رسول الله ' ~~. # والثاني : أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء ، ويجوز تخفيفها . و ' ما ' ~~نافية أي : ما فرق | هذا وأضرابه بين الحق والباطل ، ولا عرفوا ذلك ، فلهذا ~~قال : يجدون رقة وهي ضد القسوة ، | أي : لينا وقبولا للمحكم ، ويهلكون عند ~~متشابهه ، أي : ما يشتبه عليهم فهمه ، لأن آيات | الصفات هي المتشابه كما ~~تقوله الجهمية ونحوهم ، ولأن في القرآن متشابها لا يعرف معناه | كالألفاظ ~~الأعجمية ، فإن لفظ التشابه والمتشابه يدلان على بطلان ذلك ، وإنما المراد ~~| PageV01P485 | بالمتشابه ، أي ما يشتبه فهمه على بعض الناس دون بعض ، ~~فالمتشابه أمر نسبي إضافي ، | فقد يكون مشتبها بالنسبة إلى قوم بينا جليا ~~بالنسبة إلى آخرين . ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج | على قوم ~~يتراجعون في القرآن فغضب وقال : ' بهذا ضلت الأمم قبلكم ؛ باختلافهم على | ~~أنبيائهم ، وضرب الكتاب بعضه ببعض ، وإن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا ، ~~ولكن نزل | لأن يصدق بعضه بعضا ، فما عرفتم منه فاعملوا به ، وما تشابه ~~عليكم فآمنوا به ' رواه ابن | سعد ، وابن الضريس وابن مردويه . # وأما قوله تعالى : ^ ( هو الذي أنزل عليك الكتب منه ءايت محكمت هن أم ~~الكتب وأخر | متشابهات ) ^ [ آل عمران : 7 ] . فقال ابن كثير : يخبر تعالى ~~أن في القرآن آيات محكمات ، | أي : بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها ~~على أحد ، ومنه آيات أخر فيها اشتباه في | الدلالة على كثير من الناس أو ~~بعضهم . فمن رد ms440 ما اشتبه عليه إلى الواضح منه ، وحكم | محكمه على متشابهه ~~عنده فقد اهتدى ، ومن عكس انعكس ، ولهذا قال : ^ ( هن أم الكتب ) ^ ، | أي ~~: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه ^ ( وأخر مشتبهت ) ^ أي : تحتمل ~~دلالتها موافقة | المحكم ، وقد تحتمل أشياء أخرى من حيث اللفظ والتركيب لا ~~من حيث المراد ، ولهذا قال | تعالى : @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ @QE@ ~~أي : ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل ^ ( فيتبعون ما | تشبه منه ) ^ ، أي : ~~إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرفوه إلى مقاصدهم | الفاسدة ، ~~وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه . فأما المحكم ، فلا نصيب لهم فيه ~~، لأنه | دافع لهم ، وحجة عليهم ، ولهذا قال : @QB@ ابتغاء الفتنة @QE@ أي ~~: الإضلال لأتباعهم ، إيهاما لهم . | أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن ، وهو ~~حجة عليهم لا لهم . انتهى . # وقال ابن عباس : @QB@ فأما الذين في قلوبهم زيغ @QE@ [ آل عمران : 7 ] ~~يعني أهل الشك ، | فيحملون المحكم على المتشابه ، والمتشابه على المحكم ، ~~ويلبسون ، فلبس الله عليهم | @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ قال : ~~تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله رواه ابن جرير ، وابن | المنذر ، ~~وابن أبي حاتم . وقوله @QB@ وما يعلم تأويله إلا الله @QE@ [ آل عمران : 7 ~~] تقدم كلام ابن | عباس . وقال مقاتل والسدي : يبتغون أن يعلموا ما يكون ، ~~وما عواقب الأشياء من | القرآن . # قلت : فهذا التأويل الذي انفرد الله بعلمه هو العلم بحقائق الأشياء وما ~~تؤول إليه | PageV01P486 | وعواقبها ، كالأخبار بما يكون ، وما في الجنة من ~~النعيم ، وما في النار من العذاب ؛ فإن هذه | الأمور وإن علمناها لكن العلم ~~بحقائقها مما لا يعلمه إلا الله . ولهذا قال ابن عباس : ليس في | الدنيا ~~مما في الجنة إلا الأسماء . فعلى هذا يكون الوقف على الجلالة كما روي عن ~~جماعة | من السلف ، وقيل : الوقف على قوله : ^ ( والرسخون في العلم ) ^ أي ~~: ما يعلم تأويله إلا الله | والراسخون في العلم . فأما أهل الزيغ فلا ~~يعلمون تأويله ، وعلى هذا فالمراد بتأويله هو | تفسيره وفهم معناه ، وهذا ~~هو المروي عن ابن عباس وجماعة من السلف . قال ابن أبي | نجيح عن مجاهد عن ~~ابن عباس ms441 : أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله . وقال مجاهد : | @QB@ ~~والراسخون في العلم @QE@ يعرفون تأويله . ويقولون : آمنا به ، وكذا قال ~~الربيع بن أنس وغيره . | فقد تبين ولله الحمد أنه ليس في الآية حجة ~~للمبطلين في جعلهم ما أخبر الله به من صفات | كماله هو المتشابه ، ويحتجون ~~على باطلهم بهذه الآية ، فيقال : وأين في الآية ما يدل على | مطلوبكم ؟ وهل ~~جاء نص عن الله أو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جعل ما وصف الله به ~~نفسه ، أو | وصفه به رسوله متشابها ؟ ! ولكن أصل ذلك أنهم ظنوا أن التأويل ~~المراد في الآية هو صرف | اللفظ عن ظاهره إلى ما يحتمله اللفظ لدليل يقترن ~~بذلك ، وهذا هو اصطلاح كثير من | المتأخرين ، وهو اصطلاح حادث ، فأرادوا ~~حمل كلام الله على هذا الاصطلاح فضلوا ضلالا | بعيدا ، وظنوا أن لنصوص ~~الصفات تأويلا يخالف ما دلت عليه ، لا يعلمه إلا الله كما يقوله | أهل ~~التجهيل ، أو يعلمه المتأولون كما يقوله أهل التأويل . # وفي الأثر المشروح دليل على ذكر آيات الصفات ، وأحاديثها بحضرة عوام ~~المؤمنين | وخواصهم ، وأن من رد شيئا منها أو استنكره بعد صحته ، فهو ممن ~~لم يفرق بين الحق | والباطل ، بل هو من الهالكين وأنه ينكر عليه استنكاره . # قال : ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ~~ذلك فأنزل الله ^ ( وهم | يكفرون بالرحمن ) ^ [ الرعد : 30 ] # ش : هكذا ذكر المصنف هذا الأثر بالمعنى ، وقد روى ابن جرير وابن المنذر ~~عن ابن | جريج في الآية ، قال : هذا لما كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قريشا في الحديبية ، كتب بسم الله | الرحمن الرحيم . فقالوا : لا نكتب ~~الرحمن ، ولا ندري ما الرحمن ، ولا نكتب إلا باسمك | اللهم ، فأنزل الله ^ ~~( وهم يكفرون بالرحمن ) ^ . وفيه دليل على أن من أنكر شيئا من الصفات ، | ~~فهو من الهالكين ، لأن الواجب على العبد الإيمان بذلك ، سواء فهمه أم لم ~~يفهمه ، وسواء | قبله عقله أو أنكره . فهذا هو الواجب على العبد في كل ما ~~صح عن الله ورسوله صلى الله ms442 عليه وسلم ، وهو | الذي ذكر الله تعالى عن ~~الراسخين في العلم أنهم ^ ( يقولون ءامنا به كل من عند ربنا ) ^ [ آل | ~~عمران : 7 ] | PageV01P487 | # | ( [ 40 ] باب : قول الله تعالى ) # | ^ ( يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ) ^ [ النحل : 83 ] . # ش : المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية ~~الخفية ، كنسبة | النعم إلى غير الله ؛ فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي ، ~~وضده باب من أبواب الشكر كما | في الحديث الذي رواه ابن حبان في ' صحيحه ' ~~عن جابر مرفوعا ' من أولي معروفا ' فلم يجد | له جزاء إلا الثناء فقد شكره ~~، ومن كتمه فقد كفره ' . | PageV01P488 # وفي رواية جيدة لأبي داود ' من أبلي [ بلاء ] فذكرفقد شكره ، ومن كتمه ~~فقد كفره ' | قال المنذري : ' من أبلي ' أي : من أنعم عليه ، الإبلاء ~~الإنعام . فإذا كان ذكر المعروف الذي | يقدره الله على يدي إنسان من شكره ، ~~فذكر معروف رب العالمين ، وآلائه وإحسانه ونسبة | ذلك إليه أولى بأن يكون ~~شكرا . # قال المصنف : قال مجاهد ما معناه : هو قول الرجل : هذا مالي ورثته عن ~~آبائي . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم ، ولفظه كما في ' الدر ' قال ~~: المساكن | والأنعام وسرابيل الثياب ، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه ~~بأن يقولوا : هذا كان لآبائنا | ورثناه عنهم . # قال ابن القيم ما معناه : لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا ~~نعمة الله بنسبتها إلى | غيره ، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه ~~غير معترف بها ، وهو كالأبرص والأقرع | اللذين ذكرهما الملك بنعم الله ~~عليهما فأنكراها وقالا : إنما ورثنا هذا كابرا عن كابر وكونها | موروثة عن ~~الآباء أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم أورثهم إياها ~~فتمتعوا هم | وآباؤهم بنعمه . # وقال عون بن عبد الله : يقولون : لولا فلان لم يكن كذا . # ش : هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ولفظه كما في ' ~~الدر ' لولا | فلان أصابني كذا وكذا ، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا . # وعون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو ms443 عبد الله الكوفي ~~ثقة عابد | مات قبل سنة عشرين ومائة . # قوله : لولا فلان إلى آخره . قال ابن القيم ما معناه : هذا يتضمن قطع ~~إضافة النعمة عن | من لولاه لم تكن ، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرا ~~ولا نفعا فضلا عن غيره ، وغايته أن | يكون جزءا من أجزاء السبب أجرى الله ~~نعمته على يده ، والسبب لا يستقل بالإيجاد ، وجعله | سببا هو من نعم الله ~~عليه . فهو المنعم بتلك النعمة ، وهو المنعم بما جعله من أسبابها ، | ~~فالسبب والمسبب من إنعامه ، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب ، فقد ~~ينعم بدونه ولا # # # # # | PageV01P489 | يكون له أثر ، وقد يسلبه سببيته ، وقد يجعل لها معارضا ~~يقاومها ، وقد يرتب على السبب ضد | مقتضاه ، فهو وحده المنعم على الحقيقة . # قال : وقال ابن قتيبة : يقولون هذا بشفاعة آلهتنا . # ش : ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الحافظ ، صاحب ~~التفسير | والمعارف وغيرها . وثقه الخطيب وغيره ، ( مات سنة ست وستين ~~ومائتين ) . أو قبلها # قوله : ' يقولون هذا بشفاعة آلهتنا ' . قال ابن القيم : هذا يتضمن الشرك ~~مع إضافة النعمة | إلى غير وليها ، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر ~~وأذل من أن تشفع عند الله ، وهي محضرة | في الهوان والعذاب مع عابديها ، ~~وأقرب الخلق إلى الله ، وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من | بعد إذنه لمن ~~ارتضاه ؛ فالشفاعة بإذنه من نعمه ، فهو المنعم بالشفاعة ، وهو المنعم ~~بقبولها ، | وهو المنعم بتأهيل المشفوع له ، إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له ~~. فمن المنعم على | الحقيقة سواه ؟ قال تعالى : @QB@ وما بكم من نعمة فمن ~~الله @QE@ [ النحل : 53 ] فالعبد لا خروج له | عن نعمة الله وفضله ومنته ~~وإحسانه طرفة عين ، لا في الدنيا ولا في الآخرة ، ولهذا ذم | سبحانه وتعالى ~~من آتاه شيئا من نعمه فقال : @QB@ إنما أوتيته على علم عندي @QE@ [ القصص : ~~78 ] . # قال المصنف : وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله ~~تعالى قال : | ' أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ' الحديث . وقد تقدم ، وهذا ~~كثير في ms444 الكتاب والسنة ، | يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به . ~~قال بعض السلف : هو كقولهم : كانت | الريح طيبة ، والملاح حاذقا ، ونحو ذلك ~~مما هو جار على ألسنة كثير . # ش : قوله : ' وقال أبو العباس ' هو شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله . # قوله : قال بعض السلف : لم أقف على تسمية هذا البعض . # قوله : ' كانت الريح طيبة ، والملاح حاذقا ' ، الملاح : هو سائس السفينة ~~. والمعنى أن | السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريا حسنا نسبوا ذلك ~~إلى طيب الريح ، وحذف الملاح | في سياسة السفينة ، ونسوا ربهم الذي أجرى ~~لهم الفلك في البحر رحمة بهم كما قال | تعالى : @QB@ ربكم الذي يزجي لكم ~~الفلك في البحر لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما @QE@ . [ الإسراء : 66 ] ~~فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح ، وحذق الملاح من جنس | نسبة المطر إلى ~~الأنواء . وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن الريح والملاح هو الفاعل | ~~PageV01P490 | لذلك من دون خلق الله وأمره وإنما أراد أنه سبب . لكن لا ~~ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله | وحده ، لأن غاية الأمر في ذلك أن يكون ~~الريح والملاح سببا ، أو جزء سبب . ولو شاء الرب | تبارك وتعالى لسلبه ~~سببيته ، فلم يكن سببا أصلا . فلا يليق بالمنعم عليه المطلوب منه الشكر | ~~أو ينسى من بيده الخير كله وهو على كل شيء قدير ، ويضيف النعم إلى غيره ، ~~بل يذكرها | مضافة منسوبة إلى مولاها والمنعم بها ، وهو المنعم على الإطلاق ~~كما قال تعالى : @QB@ وما بكم من نعمة فمن الله @QE@ [ النحل : 53 ] فهو ~~المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا | شريك له . فإن ذلك من ~~شكرها ، وضده من إنكارها . ولا ينافي ذلك الدعاء والإحسان إلى | من كان ~~سببا أو جزء سبب في بعض ما يصل إليك من النعم من الخلق . قال المصنف : وفيه ~~| اجتماع الضدين في القلب . | PageV01P491 | # | ( [ 41 ] باب : قول الله ) # | ^ ( فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون ) [ البقرة : 22 ] # اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ ، وإن لم ~~يقصد | المتكلم بها معنى ms445 لا يجوز ، بل ربما تجري على لسانه من غير قصد ، ~~كمن يجري على | لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر لا يقصدها . # فإن قيل : الآية نزلت في الأكبر . # قيل : السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر ، كما فسرها ابن عباس ~~، وغيره | فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر ، وفسرها أيضا ~~بالشرك الأكبر ، وفسرها | غيره بشرط الطاعة ، وذلك لأن الكل شرك . ومعنى ~~الآية : أن الله تبارك وتعالى نهى الناس | أن يجعلوا له أندادا ، أي : ~~أمثالا في العبادة والطاعة ، وهم يعلمون أن الذي فعل تلك | الأفعال ، فهو ~~ربهم وخالقهم ، وخالق من قبلهم ، وجاعل على الأرض فراشا ، والسماء | بناء ، ~~والذي أنزل من السماء ماء فأخرج به من أنواع الثمرات رزقا لهم . فإذا كنتم ~~تعلمون | ذلك فلا تجعلوا له أندادا . قال ابن القيم : فتأمل هذه ، وشدة ~~لزومها لتلك المقدمات قبلها ، | وظفر العقل بها بأول وهلة ، وخلوصها من كل ~~شبهة وريب وقادح إذا كان الله وحده هو الذي | فعل هذه الأفعال ، فكيف ~~تجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله ؟ ! . # قال المصنف : قال ابن عباس في الآية : ' الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب ~~النمل على | صفاة سوداء في ظلمة الليل ، وهو أن تقول : والله وحياتك يا ~~فلانة ، وحياتي . وتقول : لولا | كلبة هذا لأتانا اللصوص ، ولولا البط في ~~الدار لأتى اللصوص ، وقول الرجل لصاحبه : ما | شاء الله وشئت ، وقول الرجل ~~: لولا الله وفلان ، لا تجعل فيها ' فلانا ' هذا كله به شرك ' رواه | ابن ~~أبي حاتم . | PageV01P492 # ش : هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم ، كما قال المصنف وسنده جيد . # قوله : ' هو الشرك أخفى من دبيب النمل إلى آخره ' أي : إن هذه الأمور من ~~الشرك | خفية في الناس ، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل ، وضرب ~~المثل لخفائها بما هو | أخفى شيء وهو أثر النمل ، فإنه خفي ، فكيف إذا كان ~~على صفاة ؟ فكيف إذا كانت سوداء ؟ | فكيف إذا كانت في ظلمة الليل ؟ وهذا ~~يدل على شدة خفائه على من يدعي الإسلام ، وعسر | التخلص ms446 منه ، ولهذا جاء في ~~حديث أبي موسى قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال : | ~~' أيها الناس اتقوا هذا الشرك ، فإنه أخفى من دبيب النمل ، فقال له من شاء ~~الله أن يقول : | وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال : ~~' قولوا : اللهم إنا نعوذ بك أن | نشرك بك شيئا نعلمه ، ونستغفرك لما لا ~~نعلمه ' رواه أحمد والطبراني . # قوله : ' وهو أن تقول : والله وحياتك يا فلانة وحياتي ' ، أي : إن من ~~الحلف بغير الله ، | الحلف بحياة المخلوق وسيأتي الكلام عليه . # قوله : ' وتقول : لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص ' أي : السراق . والمعنى ~~أن من الشرك | نسبة عدم السرقة إلى الكلبة التي إذا رأت السارق نبحتهم ، ~~فاستيقظ أهلها وهرب السراق . | وربما امتنعوا من إتيان المحل الذي هي فيه ~~خوفا من نباحها ، فيعلم بهم أهلها كما روى ابن | أبي الدنيا في ' الصمت ' ~~عن ابن عباس قال : إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه يقول : لولاه | لسرقنا ~~الليلة . # قوله : ' ولولا البط في الدار لأتى اللصوص ' . البط بفتح الموحدة : طائر ~~معروف يتخذ | في البيوت ، وإذا دخلها غريب صاح واستنكره ، وهو الإوز بكسر ~~الهمزة وفتح الواو ومعناها PageV01P493 | كالذي قبله . والواجب نسبة ذلك ~~إلى الله تعالى ، فهو الذي يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل | والنهار كما قال ~~تعالى : ^ ( قل من يكلؤكم باليل والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم | ~~معرضون * ) [ الأنبياء : 43 ] . # قوله : ' وقول الرجل لصاحبه : ما شاء الله وشئت ' وسيأتي الكلام عليها إن ~~شاء الله . # قوله : ' وقول الرجل : لولا الله وفلان لا تجعل فيها ' فلان ' هكذا ثبت ~~بخط المصنف | بلا تنوين ، والمعنى : لا تجعل فيها أي : في هذه الكلمة فلانا ~~فتقول : لولا الله وفلان ، بل | قل : لولا الله وحده ، ولا تقل : لولا الله ~~وفلان فهو نهي عن ذلك . # قوله : ' هذا كله به ' . أي : بالله شرك ، وأعاد الضمير على الله ، لأنه ~~قد تقدم ذكر اسمه | عز وجل ، فتبين أن هذه الأمور ونحوها من الألفاظ ~~الشركية الخفية كما نص عليه ابن عباس | رضي الله عنه . # قال : وعن ms447 عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' من حلف ~~بغير الله فقد كفر أو | أشرك ' رواه الترمذي وحسنه ، وصححه الحاكم ~~PageV01P494 # ش : قوله : ' عن عمر بن الخطاب ' . هكذا وقع في الكتاب ، وصوابه عن ابن ~~عمر | كذلك أخرجه أحمد ، وأبو داود ، والترمذي ، والحاكم . وصححه ابن حبان ~~. وقال الزين | العراقي في ' أماليه ' إسناده ثقات . # قوله : ' من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك ' قال بعضهم ما معناه : رواه ~~الترمذي بأو | التي للشك ، وفي ابن حبان والحاكم عدمها . وفي رواية للحاكم ~~' كل يمين يحلف بها دون | الله شرك ' . # وفي ' الصحيحين ' من حديث ابن عمر مرفوعا ' إن الله ينهاكم أن تحلفوا ~~بآبائكم ، من | كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ' . | PageV01P495 # وعن بريدة مرفوعا ' من حلف بالأمانة فليس منا ' رواه أبو داود . # والأحاديث في ذلك كثيرة ، وقد تقدم كلام ابن عباس في عده ذلك من الأنداد ~~. # وقال كعب : إنكم تشركون في قول الرجل : كلا وأبيك ، كلا والكعبة ، كلا ~~وحياتك ، | وأشباه هذا ، احلف بالله صادقا أو كاذبا ، ولا تحلف بغيره . ~~رواه ابن أبي الدنيا في | ' الصمت ' # وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله ، أو بصفاته ، وأجمعوا ~~على المنع من | الحلف بغيره . قال ابن عبد البر : لا يجوز الحلف بغير الله ~~بالإجماع . انتهى ولا اعتبار بمن | قال من المتأخرين : إن ذلك على سبيل ~~كراهة التنزيه ، فإن هذا قول باطل . وكيف يقال ذلك | لما أطلق عليه الرسول ~~صلى الله عليه وسلم أنه كفر أو شرك ، بل ذلك محرم . ولهذا اختار ابن مسعود ~~رضي | الله عنه أن يحلف بالله كاذبا ، ولا يحلف بغيره صادقا . فهذا يدل على ~~أن الحلف بغير الله أكبر | من الكذب . مع أن الكذب من المحرمات في جميع ~~الملل فدل ذلك أن الحلف بغير الله من | أكبر المحرمات . # فإن قيل : إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن . # قيل : ذلك يختص بالله تبارك وتعالى ، فهو يقسم بما شاء من خلقه ؛ لما في ~~ذلك من | الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته ، وإلهيته وعلمه وحكمته وغير ms448 ذلك ~~من صفات كماله . | وأما المخلوق فلا يقسم إلا بالخالق تعالى ، فالله تعالى ~~يقسم بما يشاء من خلقه . وقد نهانا | عن الحلف بغيره فيجب على العبد ~~التسليم والإدغان لما جاء من عند الله . # قال الشعبي : الخالق يقسم بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق ~~، قال : | ولأن أقسم بالله فأحنث أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر . # وقال مطرف بن عبد الله : إنما أقسم الله بهذه الأشياء ليعجب بها ~~المخلوقين ، ويعرفهم | قدرته لعظم شأنها عندهم ، ولدلالتها على خالقها ، ~~ذكرهما ابن جرير . # فإن قيل : قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي ~~الذي سأله عن أمور الإسلام | PageV01P496 # فأخبره ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أفلح وأبيه إن صدق ' رواه ~~البخاري ، وقال للذي سأله : أي | الصدقة أفضل ' أما وأبيك لتنبأنه ' رواه ~~مسلم ونحو ذلك من الأحاديث . # قيل : ذكر العلماء عن ذلك أجوبة . # أحدها : ما قاله ابن عبد البر في قوله : ' أفلح وأبيه إن صدق ' . هذه ~~اللفظة غير | محفوظة ، وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر ' أفلح والله إن ~~صدق ' قال : وهذا أولى | من رواية من روى عنه بلفظ ' أفلح وأبيه ' لأنها ~~لفظة منكرة تردها الآثار الصحاح ، ولم تقع | في رواية مالك أصلا ، وزعم ~~بعضهم أن بعض الرواة عنه صحف قوله : ' وأبيه ' من قوله : | ' والله ' انتهى ~~. وهذا جواب عن هذا الحديث الواحد فقط ولا يمكن أن يجاب به عن غيره . # الثاني : أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به ، ~~والنهي إنما | ورد في حق من قصد حقيقة الحلف ذكره البيهقي وقال النووي : ~~إنه المرضي . # قلت : هذا جواب فاسد ، بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من ~~قصد | القسم وبين من لم يقصد ، ويؤيد ذلك أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ~~حلف مرة | باللات والعزى ، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما ، ولكنه ~~جرى على لسانه من غير | قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك ، ومع هذا نهاه ~~النبي صلى الله ms449 عليه وسلم . غاية ما يقال : أن من جرى | ذلك على لسانه من ~~غير قصد معفو عنه ، أما أن يكون ذلك أمرا جائزا للمسلم أن يعتاده | فكلا . ~~وأيضا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم ، ~~| وأن النهي إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف وأنى يوجد ذلك ؟ # الثالث : أن مثل ذلك يقصد به التأكيد لا التعظيم ، وإنما وقع النهي عما ~~يقصد به | التعظيم . # قلت : وهذا أفسد من الذي قبله ، وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال ، فهل ~~يراد | بالحلف إلا تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له ؟ ~~فتأكيد المحلوف | PageV01P497 | عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه . ~~وأيضا فالأحاديث مطلقة ليس فيها تفريق ، وأيضا | فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك ~~جائز للتأكيد دون التعظيم وذلك معلوم . # الرابع : أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ ، فما جاء من الأحاديث فيه ذكر ~~شيء من | الحلف بغير الله فهو قبل النسخ ، ثم نسخ ذلك ونهى عن الحلف بغير ~~الله . وهذا الجواب | ذكره الماوردي . قال السهيلي : أكثر الشراح عليه ، ~~حتى قال ابن العربي : روي أنه صلى الله عليه وسلم كان | يحلف بأبيه حتى نهي ~~عن ذلك قال السهيلي : ولا يصح ذلك ، وكذلك قال غيرهم . وهذا | الجواب هو ~~الحق ، يؤيده أن ذلك كان مستعملا شائعا . حتى ورد النهي عن ذلك كما في | ~~حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب يسير في ركب ~~يحلف بأبيه فقال : ' ألا | إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، من كان ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ' . رواه البخاري ، | ومسلم # وعنه أيضا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' من كان حالفا فلا ~~يحلف إلا بالله ' وكانت قريش | تحلف بآبائها فقال : ' ولا تحلفوا بآبائكم ' ~~رواه مسلم . # وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : حلفت مرة باللات والعزى ، فقال | ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ' قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ثم ~~انفث عن ms450 يسارك ثلاثا وتعوذ ولا | تعد ' . رواه النسائي ، وابن ماجه ، وهذا ~~لفظه . # وفي هذا المعنى أحاديث ، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير الله ، فهو جار على ~~العادة قبل | النهي ، لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي عن ذلك . # وقوله : ' فقد كفر أو أشرك ' أخذ به طائفة من العلماء فقالوا : يكفر من ~~حلف بغير الله | كفر شرك ، قالوا : ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتجديد إسلامه بقول : لا إله إلا الله . فلولا أنه كفر | ينقل عن الملة لم ~~يؤمر بذلك . وقال الجمهور : لا يكفر كفرا ينقله عن الملة ، لكنه من | ~~PageV01P498 | الشرك الأصغر كما نص على ذلك ابن عباس وغيره . وأما كونه أمر ~~من حلف باللات والعزى . | أن يقول : لا إله إلا الله ، فلأن هذا كفارة له ~~مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح : | ' ومن حلف فقال في حلفه واللات ~~والعزى فليقل : لا إله إلا الله ' وفي رواية ' فليستغفر ' | فهذا كفارة له ~~في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم ، حيث حلف به لا أنه لتجديد إسلامه ، | ولو ~~قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور ~~إذا | طلبت من أحدهم اليمين بالله ، أعطاك ما شئت من الإيمان صادقا أو ~~كاذبا . فإذا طلبت منه | اليمين بالشيخ أو تربته أو حياته ، ونحو ذلك ، لم ~~يقدم على اليمين به إن كان كاذبا . فهذا | شرك أكبر بلا ريب ، لأن المحلوف ~~به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله . وهذا ما بلغ إليه | شرك عباد الأصنام ، ~~لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى : ^ ( وأقسموا بالله | ~~جهد أيمنهم لا يبعث الله من يموت ) ^ [ النحل : 38 ] فمن كان جهد يمينه ~~الحلف بالشيخ أو | بحياته ، أو تربته فهو أكبر شركا منهم ، فهذا هو تفصيل ~~القول في هذه المسألة . والحديث | دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير ~~الله مطلقا ، لأنه لم يذكر فيه كفارة للحلف بغير | الله ولا في غيره من ~~الأحاديث ، فليس فيه كفارة إلا النطق بكلمة التوحيد ، والاستغفار . وقال | ~~بعض المتأخرين : تجب ms451 الكفارة بالحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ، ~~وهذا قول باطل ما أنزل الله | به من سلطان ، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع . # قال المصنف : وقال ابن مسعود : ' لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن ~~أحلف بغيره | صادقا ' . # ش : هكذا ذكر المصنف هذا الأثر عن ابن مسعود ولم يعزه . وقد ذكره ابن ~~جرير بغير | سند أيضا . قال وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه ، ورواه ~~الطبراني بإسناد موقوفا | هكذا . قال المنذري : ورواته رواة الصحيح . # قوله : ' لأن أحلف بالله إلى آخره ' . ' أن ' هي المصدرية ، والفعل بعدها ~~منصوب في | PageV01P499 | تأويل مصدر مرفوع على الابتداء . و ' أحب ' خبره ~~، ومعناه ظاهر . وإنما رجح ابن مسعود | رضي الله عنه الحلف بالله كاذبا على ~~الحلف بغيره صادقا ، لأن الحلف بالله توحيد ، | والحلف بغيره شرك ، وإن قدر ~~الصدق في الحلف بغير الله فحسنة التوحيد أعظم من حسنة | الصدق ، وسيئة ~~الكذب أسهل من سيئة الشرك . ذكره شيخ الإسلام . وفيه دليل على أن | الحلف ~~بغير الله صادقا أعظم من اليمين الغموس . # وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر . # وفيه شاهد للقاعدة المشهورة وهي : ارتكاب أقل الشرين ضررا إذا كان لا بد ~~من | أحدهما . # قال : وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تقولوا ما شاء ~~الله وشاء فلان ، ولكن قولوا ما | شاء الله ثم شاء فلان ' . رواه أبو داود ~~بسند صحيح . # ش : هذا الحديث رواه أبو داود ، كما قال المصنف ، ورواه أحمد وابن أبي ~~شيبة ، | والنسائي ، وابن ماجه ، والبيهقي وله علة وله شواهد ، وهو صحيح ~~المعنى بلا ريب . | وسيأتي الكلام على معناه في باب ما شاء الله وشئت إن ~~شاء الله . # قال : ' وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل : أعوذ بالله وبك ~~، ويجوز أن | يقول : بالله ثم بك . قال : ويقول : لولا الله ثم فلان ، ولا ~~تقولوا : لولا الله وفلان ' . # هذا الأثر رواه المصنف غير معزو ، وقد رواه عبد الرزاق ، وابن أبي الدنيا ~~في كتاب | ' الصمت ' عن مغيرة قال : كان إبراهيم يكره ms452 أن يقول الرجل : أعوذ ~~بالله وبك ، ويرخص أن | يقول : أعوذ بالله ثم بك ، ويكره أن يقول : لولا ~~الله وفلان ويرخص أن يقول : لولا الله ثم | فلان . لفظ ابن أبي الدنيا . ~~وذلك - والله أعلم - لأن الواو تقتضي مطلق الجمع ؛ فمنع منها | للجمع ، ~~لئلا توهم الجمع بين الله وبين غيره ، كما منع من جمع اسم الله ، واسم ~~رسوله في | ضمير واحد . و ' ثم ' إنما تقتضي الترتيب فقط ، فجاز ذلك لعدم ~~المانع ، ومطابقة الحديثين # والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسر به ابن عباس رضي الله عنه الآية . ~~PageV01P500 | # | ( [ 42 ] باب : ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله ) # أي : من الوعيد ، لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية ، إذ القلب ~~الممتلئ | بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك . # قال : عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا تحلفوا ~~بآبائكم ، من حلف بالله | فليصدق ، ومن حلف له بالله فليرض ، ومن لم يرض ~~فليس من الله ' رواه ابن ماجه بسند | حسن . #ش : هذا الحديث رواه ابن ماجة في ' سننه ' وترجم عليه ' من حلف له بالله ~~فليرض ' | حدثنا محمد بن اسماعيل بن سمرة ، ثنا أسباط بن محمد ، عن محمد بن ~~عجلان ، عن نافع | عن ابن عمر قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا ~~يحلف بأبيه فقال : ' لا تحلفوا بآبائكم ' الحديث . # وهذا إسناد جيد على شرط مسلم عند الحاكم وغيره ، فإنه متصل ورواته ثقات ، ~~بل قد | روى مسلم عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' كان يأتي قباء راكبا | وماشيا ' . | PageV01P501 | وأصل هذا ~~الحديث في ' الصحيحين ' عن ابن عمر بلفظ ' لا تحلفوا بآبائكم ، من كان | ~~حالفا فليحلف بالله أو ليصمت ' وليس فيه هذه الزيادة . # قوله : ' لا تحلفوا بآبائكم ' تقدم ما يتعلق به في الباب قبله . # قوله : ' من حلف بالله فليصدق ' أي : وجوبا ؛ لأن الصدق واجب ، ولو لم ~~يحلف بالله | فكيف إذا حلف به ؟ وأيضا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم ~~الله ، فكيف إذا أكده ms453 باسم | الله ؟ # قوله : ' ومن حلف له بالله فليرض ' أي : وجوبا كما يدل عليه قوله : ' ومن ~~لم يرض | فليس من الله ' ولفظ ابن ماجة ' ومن لم يرض بالله فليس من الله ' ~~وهذا وعيد كقوله تعالى : | ^ ( ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) ^ [ آل ~~عمران : 28 ] قال ابن كثير : أي : فقد برئ من | الله ؛ وهذا عام في الدعاوي ~~وغيرها ، ما لم يفض إلى إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه | البينة الشرعية ، ~~فيحلف على تكذيبها فلا يقبل حلفه ، ولهذا لما رأى عيسى عليه السلام | رجلا ~~يسرق فقال له : سرقت ؟ قال : كلا والله الذي لا إله إلا هو ، فقال عيسى : ~~آمنت بالله ، | وكذبت عيني . رواه البخاري وفيه وجهان # أحدهما : قال القرطبي : ظاهر قول عيسى عليه السلام للرجل سرقت أنه خبر ~~جازم ، | PageV01P502 | لكونه أخذ مالا من حرز في خفية ، وقول الرجل : كلا ~~نفي لذلك ، ثم أكده باليمين وقول | عيسى : آمنت بالله ، وكذبت عيني أي : ~~صدقت من حلف بالله ، وكذبت ما ظهر لي من كون | الأخذ سرقة ، فإنه يحتمل أن ~~يكون الرجل أخذ ماله فيه حق ، أو ما أذن له صاحبه في أخذه ، | أو أخذه ~~ليقلبه ، وينظر فيه ، ولم يقصد الغصب والاستيلاء . # قلت : وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~' رأى عيسى رجلا | يسرق ' فأثبت صلى الله عليه وسلم سرقته . # الثاني : ما قاله ابن القيم : إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف ~~به أحد كاذبا . | فدار الأمر بين تهمة الحالف ، وتهمة بصره ، فرد التهمة ~~إلى بصره ، كما ظن آدم عليه السلام | صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح ، قلت ~~: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن | شاء الله تعالى . وحدثت عن ~~المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي ، | كمن يتحاكم عند ~~الحاكم فيحكم على خصمه باليمين ، فيحلف فيجب عليه أن يرضى . | PageV01P503 ~~| # | ( [ 43 ] باب : قول : ما شاء الله وشئت ) # أي ما حكم التكلم بذلك ، هل يجوز أم لا ؟ وإذا قلنا : لا يجوز فهل هو ms454 من ~~الشرك أم | لا ؟ # قال : عن قتيلة أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم ~~تشركون تقولون : ما شاء الله | وشئت ، وتقولون : والكعبة فأمرهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ' ورب الكعبة | وأن ~~يقولوا ما شاء الله ثم شئت ' رواه النسائي وصححه . # ش : هذا الحديث رواه النسائي في ' السنن ' ' واليوم والليلة ' وهذا لفظه ~~في ' اليوم | والليلة ' أخبرنا يوسف بن عيسى قال : ثنا الفضل بن موسى قال : ~~أنا مسعر ، عن معبد بن | خالد ، عن عبد الله بن يسار ، عن قتيلة امرأة من ~~جهينة أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنكم | تنددون ~~وتشركون تقولون : ما شاء الله وشئت وتقولون : والكعبة . فأمرهم النبي عليه ~~السلام | إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا : ' ورب الكعبة ، ويقول أحدكم : ~~ما شاء الله ثم شئت ' . # رواه عن أحمد بن حفص ، حدثني أبي ، حدثني إبراهيم بن طهمان ، عن مغيرة ، ~~عن | معبد بن خالد ، عن قتيلة امرأة من جهينة قالت : دخلت يهودية على عائشة ~~فقالت : إنكم PageV01P504 | تشركون وساق الحديث ، ولم يذكر عبد الله بن ~~يسار ، والمشهور ذكره ، وقد رواه ابن سعد ، | والطبراني ، وابن منده ، ~~وأشار ابن سعد إلى أنها ليس لها غيره . # قوله : ' عن قتيلة ' ، هو بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرا ~~بنت صيفي | الجهينة ، أو الأنصارية صحابية . # قوله : ' إنكم تشركون تقولون : ما شاء الله وشئت ' . هذا نص في أن هذا ~~اللفظ من | الشرك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على تسمية هذا ~~اللفظ تنديدا أو شركا . ونهى النبي صلى الله عليه وسلم | عن ذلك ، وأرشد ~~إلى استعمال اللفظ البعيد من الشرك . وقول : ما شاء الله ثم شئت ، وإن | ~~كان الأولى قول : ما شاء الله وحده ، كما يدل عليه حديث ابن عباس وغيره ، ~~وعلى النهي | عن قول : ما شاء الله وشئت جمهور العلماء ، إلا أنه حكي عن ~~أبي جعفر الداودي ما | يقتضي جواز ذلك احتجاجا بقوله تعالى : @QB@ وما ~~نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ms455 @QE@ | [ التوبة : 74 ] وقوله : ~~@QB@ وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه @QE@ [ الأحزاب : 37 ] ونحو ~~| ذلك . والصواب القول الأول ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك وقال ~~لمن قال له ذلك : أجعلتني لله | ندا ؟ وأقر اليهودي على تسميته تنديدا ~~وشركا ، ومن المحال أن يكون هذا أمرا جائزا . وأما ما | احتج من القرآن ، ~~فقد ذكروا عن ذلك جوابين : # أحدهما : ' أن ذلك لله وحده ، لا شريك له ' كما أنه تعالى يقسم بما شاء ~~من مخلوقاته فكذلك هذا . # الثاني : أن قوله : ' ما شاء الله وشئت ' تشريك في مشيئة الله ، وأما ~~الآية فإنما أخيبر بها | عن فعلين متغايرين ، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن ~~رسوله أغناهم . وهو من الله حقيقة ، لأنه | الذي قدر ذلك ، ومن الرسول صلى ~~الله عليه وسلم حقيقة باعتبار تعاطي الفعل ، وكذا الإنعام أنعم الله على | ~~زيد بالإسلام ، والنبي صلى الله عليه وسلم أنعم عليه بالعتق ، وهذا بخلاف ~~المشاركة في الفعل الواحد ، | فالكلام إنما هو فيه ، والمنع إنما هو منه ، ~~فإن قلت : قد ذكر النحاة أن ' ثم ' تقتضي اشتراك | المعطوف والمعطوف عليه ~~في الحكم كالواو فلم جاز ذلك يثم ؟ ومنع منه الواو ، وغاية ما | يقال : إن ~~' ثم ' تقتضي الترتيب بخلاف الواو ، فإنها تقتضي مطلق الجمع ، وهذا لا يغير ~~| صورة الاشتراك قبل النهي عن ذلك ، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعا ، ~~وهذا لا | يحصل إلا بالواو بخلاف ثم ، فإنها لا تقتضي الجمع ، إنما تقتضي ~~الترتيب ، فإذا أتى بها | زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ . وأما المعنى ~~، فلله تعالى ما يختص به من | المشيئة ، وللمخلوق ما يختص به ، فلو أتى بثم ~~وأراد أنه شريك لله تعالى في المشيئة كلولا | الله ثم فلان ، مثلا لم يوجد ~~ذلك فالنهي باق بحاله ، بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى | PageV01P505 | ~~بالواو مع عدم هذا الإعتقاد . ويشبه ذلك الجمع بين اسم الله اسم غيره في ~~ضمير واحد ، | ولهذا أنكره النبي صلى الله عليه وسلم على الخطيب قال : ومن ~~يعصها فقد غوى ، فقال له : ' بئس الخطيب | أنت ' . # قوله ms456 : فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ~~: ' ورب الكعبة ' تقدم ما تقدم ما يتعلق | بالحلف بغير الله قريبا . # وفي الحديث من الفوائد معرفة اليهود بالشرك الأصغر ، وكثير ممن يدعي ~~الإسلام لا | يعرف الشرك الأكبر ، بل يصرف خالص العبادات من الدعاء والذبح ~~، والنذر لغير الله ، | ويظن أن ذلك من دين الإسلام ، فعلمت أن اليهود في ~~ذلك الوقت أحسن حالا ومعرفة | منهم . # وفيه فهم الإنسان إذا كان له هوى كما نبه عليه المصنف ، وأن المعرفة ~~بالحق لا تستلزم | الإيمان ولا العمل ، وقبول الحق ممن جاء به ، وإن كان ~~عدوا مخالفا في الدين ، وأن الحلف | بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به ~~الإنسان من الإسلام . # قال : وله أيضا عن ابن عباس أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء ~~وشئت . قال : ' أجعلتني | لله ندا ما شاء الله وحده ' . # ش : هذا الحديث رواه النسائي كما قال المصنف لكن في ' اليوم والليلة ' ~~وهذا لفظه . | أخبرنا علي بن خشرم عن عيسى ، عن الأجلح ، عن يزيد بن الأصم ~~، عن ابن عباس أن | رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فكلمه في بعض ~~الأمر فقال : ما شاء وشئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أجعلتني | لله ~~عدلا ؟ قل : ما شاء الله وحده ' . # ورواه ابن ماجه في الكفارات من ' السنن ' عن هشام بن عمار ، عن عيسى نحوه ~~. | ولفظه ' إذا حلف أحدكم فلا يقل : ما شاء الله وشئت الحديث ' الحديث . # وقد تابع عيسى على هذا الحديث سفيان الثوري ، وعبد الرحمن ، وجعفر بن عون ~~، | عن الأجلح وكلهم ثقات . وخالفهم القاسم بن مالك ، وهو ثقة ، فرواه عن ~~الأجلح ، عن | أبي الزبير ، عن جابر ، والأول أرجح . ويحتمل أن يكون عن ~~الأجلح عنهما جميعا . # قوله : ' أجعلتني لله ندا ؟ ' . هذه رواية ابن مردويه ، والرواية عند ~~النسائي وابن ماجه | ' أجعلتني لله عدلا ' والمعنى واحد . قال ابن القيم : ~~ومن ذلك أي : من الشرك بالله في | الألفاظ قول القائل للمخلوق : ما شاء ~~الله وشئت ، كما ثبت عن النبي صلى الله ms457 عليه وسلم ، أنه قال له | ~~PageV01P506 | رجل : ما شاء الله وشئت ، وذكر الحديث المشروح . ثم قال : ~~هذا مع أن الله قد أثبت للعبد | مشيئة . لقوله : @QB@ لمن شاء منكم أن ~~يستقيم @QE@ [ التكوير : 28 ] فكيف بمن يقول : أنا متوكل | على الله وعليك ~~، وأنا في حسب الله وحسبك ، وما لي إلا الله وأنت ، وهذا من الله ومنك ، | ~~وهذا من بركات الله وبركاتك ، والله لي في السماء وأنت لي في الأرض . والله ~~وحياة فلان أو | يقول : نذرا لله ولفلان ، وأنا تائب لله ولفلان ، وأرجو ~~الله وفلانا . فوازن بين هذه الألفاظ ، | وبين قول القائل : ما شاء الله ~~وشئت ، ثم انظر أيهما أفحش . يتبين لك أن قائلها أولى | بجواب النبي صلى ~~الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة ، وأنه إذا كان قد جعله ندا بها ، فهذا قد ~~جعل من لا | يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء ، بل ~~لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين . | فالسجود ، والعبادة ، والتوكل ~~، والإنابة ، والتقوى ، والخشية ، والتوبة ، والنذر ، والحلف ، | والتسبيح ~~، والتكبير ، والتهليل ، والتحميد ، والاستغفار ، وحلق الرأس خضوعا وتعبدا ~~، | والطواف بالبيت والدعاء ، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ينبغي ~~لسواه ، من | ملك مقرب ولا نبي مرسل . وفي ' مسند ' الإمام أحمد أن رجلا ~~أتي به النبي صلى الله عليه وسلم ، قد | أذنب ، فلما وقف بين يديه قال : ~~اللهم إني أتوب إليك ، ولا أتوب إلى محمد فقال : ' عرف الحق لأهله ' . # قلت : إذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم لمن قال له : ما شاء الله ~~وشئت ، فكيف بمن يقول فيه ؟ ! # # % فإن من جودك الدنيا وضرتها % % ومن علومك علم اللوح والقلم % # ويقول في همزتيه : # # % هذه علتي وأنت طبيبي % % ليس يخفى عليك في القلب داء % # وأشباه هذا من الكفر الصريح . # قال : ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال : رأيت كأني أتيت على ~~نفر من | اليهود قلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عزير ابن الله ~~. قالوا : وإنكم لأنتم القوم | لولا أنكم تقولون : ما شاء الله ، وشاء محمد ~~ثم مررت ms458 بنفر من النصارى ، فقلت : إنكم | لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ~~المسيح ابن الله ، قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : | ما شاء ~~الله وشاء محمد . فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأخبرته | قال : هل أخبرت بها أحدا ؟ قلت : نعم . قال : فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال : ' أما بعد ، فإن | طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من ~~أخبر منكم ، وإنكم قلتم : كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم | عنها فلا ~~تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا : ما شاء الله وحده ' . | ~~PageV01P507 | ش : هذا الحديث لم يروه ابن ماجه بهذا اللفظ عن الطفيل إنما ~~رواه عن حذيفة | ولفظه : حدثنا هشام بن عمار ، ثنا سفيان بن عيينة ، عن عبد ~~الملك بن عمير ، عن ربعي بن | حراش ، عن حذيفة بن اليمان أن رجلا من ~~المسلمين رأى في النوم أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال : نعم القوم أنتم ~~لولا أنكم تشركون ، تقولون : ما شاء الله وشاء محمد ، وذكر | ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : ' أما والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا : ما شاء ~~الله ثم شاء محمد ' . | ورواه أحمد والنسائي بنحوه . وفي رواية للنسائي أن ~~الراوي لذلك هو حذيفة نفسه . هذه | رواية ابن عيينة ، ثم ذكر ابن ماجه حديث ~~الطفيل هذا فساق إسناده ولم يذكر اللفظ . فقال : | حدثنا ابن أبي الشوارب ، ~~ثنا ابن عوانة ، عن عبد الملك ، عن ربعي بن حراش ، عن | الطفيل بن سخبرة ~~أخي عائشة لأمها ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه ، هذا لفظ ابن ماجه . ~~وهكذا رواه | حماد بن سلمة وشعبة ، وابن إدريس ، عن عبد الملك ، فقالوا : ~~عن الطفيل وهو الذي رجحه | الحفاظ ، وقالوا : ابن عيينة وهم في قوله : عن ~~حذيفة ، فقد تبين أن هذا الحديث المذكور لم | يروه ابن ماجه بهذا اللفظ ، ~~لكن رواه أحمد والطبراني بنحو مما ذكره المصنف . # قوله : ' عن الطفيل ' هو ابن سخبرة وفي حديثه هذا أنه أخو عائشة لأمها ، ~~وكذا قال | الحربي . وقال : الذي عندي أن الحارث ms459 بن سخبرة قدم مكة ، فحالف ~~أبا بكر فمات ، | فخلف أبو بكر على أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة ، ~~وكان لها من الحارث | PageV01P508 | الطفيل بن الحارث ، فهو أخو عائشة ~~لأمها . وقيل غير ذلك . وهو صحابي ليس له إلا هذا | الحديث قال البغوي : لا ~~أعلم له غيره . # قوله : ' رأيت فيما يرى النائم ' . كما روى أحمد ، والطبراني . # قوله : ' على نفر من اليهود ' وفي رواية أحمد ، والطبراني ، كأني مررت ~~برهط من | اليهود فقلت : من أنتم ؟ فقالوا : نحن اليهود . والنفر رهط ~~الإنسان وعشيرته ، وهو اسم جمع | يقع على جماعة من الرجال خاصة ، ما بين ~~الثلاثة إلى العشرة ، ولا واحد له من لفظه قاله أبو | السعادات . # قوله : ' فقلت : إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : عزير ابن الله ' أي ~~: نعم القوم أنتم | لولا ما أنتم عليه من الشرك ، والمسبة لله بنسبة الولد ~~إليه وهذا لفظ الطبراني ، ولفظ أحمد | قال : أنتم القوم . # قوله : ' قالوا : وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون : ما شاء الله وشاء ~~محمد ' . عارضوه | بذكر شيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر فقالوا له : ~~هذا الكلام ، أي : نعم القوم أنتم | لولا ما فيكم من الشرك ، وكذلك جرى له ~~مع النصارى . # قوله : ' فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت ' . وفي رواية أحمد : فلما اصبح ~~أخبر بها | من أخبر ، وفي رواية الطبراني : فلما أصبحت أخبرت بها أناسا . # قوله : ' ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخبرته ' . فيه حسن خلقه ~~صلى الله عليه وسلم ، وعدم احتجاجهبعن الناس | كالملوك ، بحيث إذا أراد أحد ~~الوصول إليه ، أمكنه ذلك بلا كلفة ولا مشقة ، بل يصلون إليه | ويقضي حاجتهم ~~ويخبرونه بما يحتاجون إليه م أنمر دينهم ودنياهم ، ويقصون عليه ما يرونه | ~~في المنام ، بل كان صلى الله عليه وسلم يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي ~~، مكان إذا صلى الصبح كثيرا ما | يقول : ' هل رأى أحد منكم رؤيا ؟ ' . | ~~PageV01P509 # قوله : ' فحمد الله ، وأثنى عليه ' ، وفي رواية أحمد : فلما أصبحوا خطبهم ~~، فحمد الله ، | وأثنى عليه . وفي رواية الطبراني : فلما صلى الظهر قام ~~خطيبا . ففيه مشروعية حمد ms460 الله والثناء | عليه في الخطب ، وفيه الخطبة في ~~الأمور المهمة . وأما معنى الحمد ، فقد تقدم في باب قول | الله تعالى : ~~@QB@ أيشركون ما لا يخلق شيئا @QE@ [ الأعراف : 191 ] وأما الثناء فقال ابن ~~القيم : هو تكرار | المحامد . # قوله : ' ثم قال : أما بعد ' . في رواية أحمد ، والطبراني : ثم قال : إن ~~طفيلا رأى رؤيا | ولم يذكر أما بعد . وفي رواية للطبراني : فقام نبي الله ~~على المنبر فقال : ' إن أخاكم رأى | رؤيا قد حدثكم بما رأى ' فيه مشروعية ( ~~أما بعد ) في الخطب في هذا الحديث ، وإلا فلا | يضر فإنها ثابتة في خطبه ~~عليه السلام ، وفي غيره . # قوله : ' وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها ' وفي ~~رواية أحمد ، | والطبراني ' وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم ~~أن أنهاكم عنها ' . وهذا الحياء | منهم ليس على سبيل الحياء من الإنكار ~~عليهم ، بل كان صلى الله عليه وسلم يكرهها ويستحيي أن يذكرها ، | لأنه لم ~~يؤمر بإنكارها ، فلما جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة أنكرها ، ولم يستحي ~~في ذلك . | وفيه دليل على أنها من الشرك الأصغر ، إذ لو كانت من الأكبر ~~لأنكرها من أول مرة | قالوها . # وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحياء وأنه من الأخلاق ~~المحمودة . # قوله : ' فلا تقولوا : ما شاء الله وشاء محمد ، ولكن قولوا : ما شاء الله ~~وحده ' . هذا | على سبيل الاستحباب وإلا فيجوز أن يقول : ما شاء ثم شاء ~~الله فلان كما تقدم . # وفيه أن الرؤيا قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام كما في هذا الحديث ، وحديث ~~| الأذان ، وحديث الذكر بعد الصلوات . | PageV01P510 | # | ( [ 44 ] باب : من سب الدهر فقد آذى الله ) # ش : مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة ، لأن سب الدهر يتضمن الشرك ~~كما | سيأتي بيانه . ولفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره ، وضعف أثره من ~~الشرك والمكروه . | ذكره الخطابي . قال شيخ الإسلام : وهو كما قال . وهذا ~~بخلاف الضرر ، فقد أخبر سبحانه | أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى : ^ ( ~~ولا يحزنك الذين يسرعون في الكفر إنهم لن يضروا الله ms461 | شيئا ) ^ [ ال عمران ~~: 176 ] فبين سبحانه أن الخلق لا يضرونه ، لكن يؤذونه ، إذا سبوا مقلب | ~~الأمور . | وقال وقول الله تعالى @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ~~ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر @QE@ | [ الجاثية : 24 ] . # ش : قال ابن كثير : يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من ~~مشركي | العرب في إنكار المعاد @QB@ وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا @QE@ ~~قال ابن جرير : أي : ما حياة إلا حياتنا | التي نحن فيها ، ولا حياة سواها ~~تكذيبا منهم بالبعث بعد الموت @QB@ نموت ونحيا @QE@ قال ابن كثير : | أي : ~~يموت قوم ويعيش آخرون ، وما ثم معاد ولا قيامة . وهذا يقوله مشركوا العرب | ~~المنكرون للمعاد ، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم ، وهم ينكرون البدأة ~~والرجعة ، وتقوله | الفلاسفة الدورية المنكرون للصانع ، المعتقدون أن في كل ~~ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل | شيء إلى ما كان عليه . فزعموا ان هذا قد ~~تكرر مرات لا تتناهى ، فكابروا العقول وكذبوا | المنقول ، ولهذا قالوا : ~~@QB@ وما يهلكنا إلا الدهر @QE@ . قال ابن جرير : أي : ما يهلكنا فيفنينا ~~إلا مر | الليالي والأيام ، وطول العمر إنكارا منهم ان يكون لهم رب يفنيهم ~~ويهلكهم . ثم روى بإسناد | على شرط ' الصحيحين ' عن أبي هريرة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، قال : كان أهل الجاهلية يقولون : إنما | يهلكنا الليل ~~والنهار ، وهو الذي يهلكنا ويميتنا ويحيينا ، فقال الله في كتابه : @QB@ ~~وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا @QE@ قال فيسبون الدهر فقال ~~الله تبارك وتعالى : ' يؤذيني ابن آدم يسب | الدهر ، وأنا الدهر أقلب الليل ~~والنهار ' . | PageV01P511 # قوله : @QB@ وما لهم بذلك من علم @QE@ [ الجاثية : 24 ] قال ابن جرير : ~~يعني : من يقين علم @QB@ إن هم إلا يظنون @QE@ قال ابن كثير : يتوهمون ~~ويتخيلون . # فإن قلت : فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرا عن الدهرية المشركين ~~؟ # قيل : المطابقة ظاهرة ، لأن من سب الدهر ، فقد شاركهم في سبه ، وإن لم ~~يشاركهم | في الإعتقاد . # قال في ' الصحيح ' عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال ~~الله تعالى : ' يؤذيني ابن آدم | يسب الدهر ، وأنا الدهر أقلب ms462 الليل ~~والنهار ' وفي رواية ' لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو | الله ' . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' صحيح البخاري ' ورواه أحمد بهذا اللفظ ، ~~وأخرجه | مسلم بلفظ آخر . # قوله : ' يؤذيني بن آدم يسب الدهر ' فيه أن سب الدهر يؤذي الله تبارك ~~وتعالى . قال | الشافعي في تأويله والله أعلم : إن العرب كان من شأنها أن ~~تذم الدهر ، وتسبه عند المصائب | التي تنزل بهم ، من موت ، أو هرم ، أو تلف ~~، أو غير ذلك ، فيقولون : إنما يهلكنا الدهر وهو | الليل والنهار ، ويقولون ~~: أصابتهم قوارع الدهر ، وأبادهم الدهر . فيجعلون الليل والنهار | ~~PageV01P512 | يفعلان الأشياء ، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم ، ويفعل بهم ~~. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا | تسبوا الدهر ' . على أنه ~~الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء ، فإنكم إذا سببتم فاعل | هذه ~~الأشياء ، فإنما تسبون الله تبارك وتعالى ، فإنه فاعل هذه الأشياء . انتهى ~~. # قلت : والظاهر أن المشركين نوعان . # أحدهما : من يعتقد أن الدهر هو الفاعل ، فيسبه لذلك . فهؤلاء هم الدهرية ~~. # الثاني : من يعتقد أن المدبر للأمور هو الله وحده لا شريك له ، ولكن ~~يسبون الدهر لما | يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث ، فيضيفون ذلك إليه ~~من إضافة الشيء إلى محله | لا لأنه عندهم فاعل لذلك . # والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقا ، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم ~~يعتقد ذلك ، كما يقع كثيرا ممن يعتقد الإسلام . # كقول ابن المعتز : # # % يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا % وأنت والد سوء تأكل الولدا % # وقول أبي الطيب : | # % قبحا لوجهك يا زمان كأنه % وجه له من كل قبح برقع % # وقول الطرفي : # # % إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم % % عليك دهر لأهل الفضل قد خانا % # وقول الحريري : | # % ولا تأمن الدهر الخؤون ومكره % % فكم خامل أخنى عليه ونابه % # ونحو ذلك كثير . وكل هذا داخل في الحديث . # قال ابن القيم : وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة . # أحدها : سبه من ليس أهلا للسب ، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله مقاد ~~لأمره ، | متذلل لتسخيره ، فسابه أولى بالذم والسب منه . # والثانية : أن سبه متضمن للشرك ms463 ، فإنه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع وأنه ~~مع ذلك ظالم | قد ضر من لا يستحق العناء ، ورفع من لا يستحق الرفعة ، وحرم ~~من لا يستحق الحرمان . | وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء ~~الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدا . وكثير | من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه . # الثالثة : أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع ~~الحق فيها | أهواءهم لفسدت السموات والأرض ، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا ~~الدهر وأثنوا عليه ، وفي | PageV01P513 | حقيقة الأمر ، فرب الدهر هو ~~المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل ، والدهر ليس له | من الأمر شيء ، ~~فمسبتهم الدهر مسبة لله عز وجل ، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى ، فساب | ~~الدهر دائر بين أمرين لا بد له من أحدهما : إما مسبة الله أو الشرك به ، ~~فإنه إن اعتقد أن الدهر | فاعل مع الله فهو مشرك ، وإن اعتقد أن الله وحده ~~هو الذي فعل ذلك ، وهو يسب من فعله | فهو يسب الله تعالى . انتهى . وأشار ~~ابن أبي جمرة إلى أن النهي عن سب الدهر تنبيه | بالأعلى على الأدنى ، وأن ~~فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق ، إلا ما أذن الشرع فيه ، | لأن العلة ~~واحدة . # قوله : ' وأنا الدهر ' قال الخطابي : معناه : أنا صاحب الدهر ، ومدبر ~~الأمور التي | ينسبونها إلى الدهر ، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه ~~الأمور عاد سبه إلى ربه الذي | هو فاعلها ، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا ~~لمواقع الأمور . # قلت : ولهذا قال في الحديث : ' وأنا الدهر بيدي الأمر اقلب الليل والنهار ~~' وفي رواية | لأحمد ' بيدي الليل والنهار أجدده وأبليه وأذهب بالملوك ' ~~وفي رواية ' لا تسبوا الدهر فإن | الله هو الدهر ، الأيام والليالي أجددها ~~وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك ' قال الحافظ : وسنده | صحيح . فقد تبين بهذا ~~خطأ ابن حزم في عدة الدهر من أسماء الله الحسنى ، وهذا غلط | فاحش ، ولو ~~كان كذلك لكان الذين قالوا : @QB@ وما يهلكنا إلا الدهر @QE@ مصيبين . # قوله : ' وفي رواية ' . هذه الرواية رواها مسلم وغيره . # قال المصنف : وفيه أنه قد يكون ms464 سبا ولو لم يقصده بقلبه . | PageV01P514 | # | ( [ 45 ] باب : التسمي بقاضي القضاة ونحوه ) # كأقضى القضاة ، وحاكم الحكام ، أو سيد الناس ونحو ذلك . أي : ما حكم ~~التسمي | بذلك هل يجوز أم لا ؟ # قال في ' الصحيح ' عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' إن ~~أخنع اسم عند الله رجل | تسمى ملك الأملاك ، لا مالك إلا الله ' قال سفيان ~~: مثل شاهان شاه وفي رواية ' أغيط رجل | على الله وأخبثه ' . # قوله : ' إن أخنع ' يعني أوضع . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' الصحيحين ' . # قوله : ' إن أخنع ' ذكر المصنف أن معناه : أوضع . وهذا التفسير رواه مسلم ~~عن الإمام | أحمد ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال عياض : معناه : إنه أشد ~~الأسماء صغارا ، وبنحو ذلك | فسره أبو عبيد . والخانع : الذليل ، وخنع ~~الرجل : ذل . قال ابن بطال : وإذا كان الاسم أذل | الأسماء كان من تسمى به ~~أشد ذلا . وقد فسر الخليل أخنع . أفجر ، فقال : الخنع : الفجور . | وفي ~~رواية ' أخنى الأسماء ' من الخنا بفتح المعجمة وتخفيف النون مقصور ، وهو ~~الفحش | PageV01P515 | في القول . وفي رواية ' أشتد غضب الله على من زعم ~~أنه ملك الأملاك ' رواه الطبراني . # قوله : ' رجل يسمى ' . بصيغة المجهول من التسمية ، أي : يدعى بذلك ويرضى ~~به . | وفي بعض الروايات : تسمى بفتح الفوقانية وتشديد الميم ماض معلوم من ~~التسمي ، أي : | سمى نفسه . # قوله : ' ملك الأملاك ' هو بكسر اللام من ملك . والأملاك جمع ملك . ثم ~~أكد | النبي صلى الله عليه وسلم التشديد في تحريم التسمي بذلك بقوله : ' لا ~~مالك إلا الله ' فالذي تسمى بهذا | الاسم قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له ~~بأهل ، بل هو حقيق برب العالمين ، فإنه | الملك في الحقيقة ، فلهذا كان أذل ~~الناس عند الله يوم القيامة . والفرق بين الملك والمالك | أن المالك هو ~~المتصرف بفعله وأمره ، ذكره ابن القيم . فالذي تسمى ملك الأملاك ، أو ملك | ~~الملوك قد بلغ الغاية في الكفر والكذب . ولقد كان بعض السلاطين المساكين ~~يفتخر بهذا | الاسم فأذله الله . # قوله : ' قال سفيان ' : هو ابن عيينة تقدمت ترجمته . # قوله : ' مثل شاهان شاه ' - هو بكسر النون ms465 والهاء في آخره ، وقد تنون ~~وليست هاء | تأنيث فلا يقال بالمثناة أصلا ، وإنما مثل سفيان بشاهان شاه ~~لأنه قد كثرت التسمية به في | ذلك العصر ، فنبه سفيان بأن الاسم الذي ورد ~~الخبر بذمه لا ينحصر في ملك الأملاك ، بل | كل ما أدى معناه بأي لسان كان ، ~~فهو مراد بالذم ، ذكره الحافظ . والحديث صريح في | تحريم التسمي بملك ~~الأملاك ونحوه ، كملك الملوك وسلطان السلاطين . # قال ابن القيم : لما كان الملك لله وحده لا ملك على الحقيقة سواه ، كان ~~أخنع اسم | و أوضعه عنده ، وأبغضه له اسم شاهان شاه ، أي : ملك الملوك ، ~~وسلطان السلاطين ، فإن | ذلك ليس لأحد غير الله . فتسمية غيره بهذا من أبطل ~~الباطل ، والله لا يحب الباطل ، وقد | ألحق أهل العلم بهذا قاضي القضاة ~~وقالوا : ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق ، وهو # # # # | PageV01P516 | خير الفاصلين ، الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون . ويلي هذا الاسم في القبح | والكراهة والكذب ، سيد الناس ، وسيد ~~الكل ، وليس ذلك إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة كما | قال : ' أنا ~~سيد ولد آدم ' فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن غيره : هو سيد الناس . كما لا | ~~يجوز له أن يقول : أنا سيد ولد آدم عليه السلام . # وقال ابن أبي جمرة : يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة ، وإن كان قد اشتهر ~~في بلاد | الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة . وقد سلم أهل ~~المغرب من هذا ، فاسم | كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة . وقد زعم بعض ~~المتأخرين أن التسمي بقاضي القضاة | ونحوها جائز ، واستدل له بحديث ' ~~أقضاكم علي ' . قال : فيستفاد منه أن لا حرج على | PageV01P517 | من أطلق ~~على قاض أن يكون أعدل القضاة ، وأعلمهم في زمانه أقضى القضاة ، أو يريد | ~~إقليمه ، أو بلده . وتعقبه العالم العراقي ، فصوب المنع ، ورد ما احتج به ~~بأن التفضيل في | ذلك وقع في حق من خوطب به ، ومن يلتحق بهم فليس مساويا ~~لإطلاق التفضيل بالألف | واللام . قال : ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة وسوء ~~الأدب . ولا ms466 عبرة بقول من ولي | القضاة ، فنعت بذلك ، فلذ في سمعه واحتال ~~في الجواز ، فإن الحق أحق أن يتبع . # قلت : وقد تبين بهذا مطابقة الحديث للترجمة . # قوله : وفي رواية ' أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه ' هذه الرواية ~~رواها مسلم | في ' صحيحه ' قال ابن أبي جمرة : وفي الحديث مشروعية الأدب في ~~كل شيء ، لأن الزجر | عن ملك الأملاك ، والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقا ~~سواء أراد من تسمى بذلك أنه ملك | على ملوك الأرض ، أم على بعضها . وسواء ~~كان محقا في ذلك أم مبطلا ، مع أنه لا يخفى | الفرق بين من قصد ذلك وكان ~~فيه صادقا ، ومن قصده وكان فيه كاذبا . # قلت : يعني أن الثاني أشد إثما من الأول . | PageV01P518 | # | ( [ 46 ] باب : احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك ) # ش : أي : لأجل احترامها وهو تعظيمها . وذلك من تحقيق التوحيد . ويستفاد ~~منه المنع | من التسمي بهذا ابتداء من باب الأولى ، لكن في الأسماء المختصة ~~بالله تعالى . # قال : عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ' إن الله هو الحكم ، | وإليه الحكم ، فقال : إن قومي إذا اختلفوا ~~في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضى كلا الفريقين | فقال : ما أحسن هذا ، فما لك ~~من الولد ، فقلت : شريح ، ومسلم ، وعبد الله ، قال : فمن | أكبرهم ؟ قلت : ~~شريح قال : أنت أبو شريح ' رواه أبو داود وغيره . # ش : هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف ، ورواه النسائي ولفظ أبي ~~داود من | طريق يزيد بن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده عن أبيه هانىء ، ~~وهو أبو شريح أنه لما وفد | على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه ~~سمعهم يكنونه بأبي الحكم ، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ' ~~إن | الله هو الحكم ، وإليه الحكم فلم تكنى أبا الحكم ؟ فقال : إن قومي إذا ~~اختلفوا في شيء ' | الحديث . قال ابن مفلح : وإسناده جيد ، ورواه الحاكم ~~وزاد : ' فدعا له ولولده ' . # قوله : ' عن أبي شريح ' . هو بضم المعجمة وفتح الراء وآخره مهملة ms467 مصغر ، ~~واسمه | هانئ بن يزيد الكندي ، قال الحافظ : وقيل : الحارثي الضبابي قاله ~~المزي . وقيل : | المذحجي وقيل : غير ذلك . صحابي نزل الكوفة ، ولا عبرة ~~بقول من قال : إنه الخزاعي ، | PageV01P519 | ولا من ظن أنه النخعي والد ~~شريح القاضي ، فإن ذلك خطأ فاحش . # قوله : ' إنه كان يكنى أبا الحكم ' . قال بعضهم : الكنية قد تكون ~~بالأوصاف كأبي | الفضائل ، وأبي المعالي ، وأبي الخير ، وأبي الحكم ، وقد ~~تكون بالنسبة إلى الأولاد كأبي | سلمة ، وأبي شريح وإلى ما يلابسه كأبي ~~هريرة فإنه عليه السلام رآه ومعه هرة فكناه بأبي | هريرة ، وقد تكون ~~للعلمية الصرفة كأبي بكر . # قوله : ' إن الله هو الحكم وإليه الحكم ' أما الحكم فهو من أسماء الله ~~تبارك وتعالى كما | في هذا الحديث ، وقد ورد عده في الأسماء الحسنى مقرونا ~~بالعدل ، فسبحان الله ما أحسن | اقتران هذين الاسمين . قال في ' شرح السنة ~~' الحكم : هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد | حكمه ، وهذه الصفة لا تليق بغير ~~الله تعالى كما قال تعالى : ^ ( والله يحكم لا معقب لحكمه ) ^ | [ الرعد : ~~41 ] وقال بعضهم : عرف الخبر في الجملة الأولى ، وأتى بضمير الفصل فدل على ~~| الحصر . وإن هذا الوصف مختص به لا يتجاوز إلى غيره . وأما قوله : ' وإليه ~~الحكم ' أي : | إليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة ، كما قال تعالى : ~~@QB@ له الحكم وإليه ترجعون @QE@ | [ القصص : 88 ] وقال : ^ ( إن الحكم إلا ~~لله يقص الحق وهو خير الفصلين ) ^ [ الأنعام : 57 ] وفيه | الدليل على ~~المنع من التسمي بأسماء الله المختصة به ، والمنع مما يوهم عدم الاحترام ~~لها | كالتكني بأبي الحكم ونحوه . # قوله : ' إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم ' . أي : أنا لم ~~أكن نفسي | بهذه الكنية ، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها . وفيه جواز ~~التحاكم إلى من يصلح | للقضاء ، وإن لم يكن قاضيا ، وأنه يلزم حكمه . ولهذا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ما أحسن هذا ' قال | الخلخالي : للتعجب ، ~~أي : الحكم بين الناس حسن ، ولكن هذه الكنية غير حسنة . وقال | غيره : أي : ~~الذي ذكرته من الحكم بالعدل . وقيل : ما أحسن ms468 هذا ، أي : ما ذكرت من وجه | ~~الكنية . قال بعضهم : وهو الأولى . قلت : فعلى هذا يكون حكمه لقومه قبل ~~إسلامه ، إذ يبعد | أن يكون قاضيا لهم قبل أن يلقى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ويتعلم منه ؛ لأن هذه القصة كانت بعد | إسلامه بقليل ، لأنه كان مع ~~وفد قومه حين أسلموا ، وقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولا يظن ~~| أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن أمر حكام الجاهلية . # قوله : ' قال : شريح ومسلم وعبد الله ' . صريح في أن الواو لا تقتضي ~~الترتيب وإنما | تقتضي مطلق الجمع ، فلذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن الأكبر ، إذ لو كانت دالة على الترتيب لم | يحتج إلى سؤال عن أكبرهم . # قوله : ' فأنت أبو شريح ' أي رعاية للأكبر منا في التكريم والإجلال ، فإن ~~الكبير أولى بذلك . | PageV01P520 # قال في ' شرح السنة ' : فيه أن يكنى الرجل بأكبر بنيه ، فإن لم يكن له ~~ابن ، فبأكبر | بناته . وكذلك المرأة تكنى بأكبر بنيها فإن لم يكن لها ابن ~~فبأكبر بناتها . انتهى . # وفيه تقديم الأكبر ، وفيه أن استعمال اللفظ الشريف الحسن مكروه في حق من ~~ليس | كذلك ، ومنه أن يقول المملوك لسيده وغيره : ' ربي ' نبه عليه ابن ~~القيم . | PageV01P521 | # | ( [ 47 ] باب : من هزل بشيء فيه ذكر الله ، | أو القرآن أو الرسول ) # ش : أي : إنه يكفر بذلك لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة ، وذلك مناف ~~للتوحيد . | ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئا من ذلك فمن استهزأ ~~بالله ، أو بكتابه أو برسوله ، | أو بدينه ، كفر ولو هازلا لم يقصد حقيقة ~~الاستهزاء إجماعا . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( ولئن سألتهم ليقولون إنما كنا نخوض ونلعب ) ~~^ [ التوبة : | 65 ] . # ش : يقول تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم : ^ ( ولن سألتهم ) ^ ~~أي سألت المنافقين الذين | تكلموا بكلمة الكفر استهزاء @QB@ ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب @QE@ أي : يعتذرون بأنهم لم | يقصدوا الاستهزاء والتكذيب ، ~~إنما قصدوا الخوض في الحديث واللعب : ^ ( قل أبا لله وءايته | ورسوله كنتم ~~تستهزءون ) ^ [ التوبة : 65 ] لم يعبأ باعتذارهم إما لأنهم كانوا كاذبين ~~فيه ، وإما ms469 | لأن الاستهزاء على وجه الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورا ، ~~وعلى التقديرين فهذا | عذر باطل ، فإنهم أخطؤوا موقع الاستهزاء . وهل يجتمع ~~الإيمان بالله ، وكتابه ، ورسوله ، | والاستهزاء بذلك في قلب ؟ ! بل ذلك ~~عين الكفر ؟ ! فلذلك كان الجواب مع ما قبله ^ ( لا | تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمنكم ) ^ [ التوبة : 66 ] قال شيخ الإسلام : فقد أمره أن يقول : كفرتم | ~~بعد إيمانكم . وقول من يقول : إنهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم ~~أولا بقلوبهم لا | يصح ، لأن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر ~~. فلا يقال : قد كفرتم بعد إيمانكم | فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر ~~، وإن أريد : إنكم أظهرتم الكفر بعد إظهاركم الإيمان ، | فهم لم يظهروا ذلك ~~إلا لخوضهم ، وهم مع خوضهم ما زالوا هكذا بل لما نافقوا وحذروا | أن تنزل ~~عليهم سورة تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء ، أي : صاروا ~~كافرين | بعد إيمانهم . ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين إلى أن ~~قال تعالى : ^ ( ولن سألتهم | ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ) ^ [ التوبة : ~~65 ] فاعترفوا ولهذا قيل : @QB@ لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن ~~طائفة منكم نعذب طائفة @QE@ [ التوبة : 66 ] فدل على أنهم لم يكونوا | عند ~~أنفسهم قد أتوا كفرا ، بل ظنوا أن ذلك ليس بكفر . فتبين أن الاستهزاء بآيات ~~الله ورسوله PageV01P522 | كفر يكفر به صاحبه بعد إيمانه ، فدل على أنه كان ~~عندهم إيمان ضعيف ، ففعلوا هذا المحرم | الذي عرفوا أنه محرم . ولكن لم ~~يظنوه كفرا وكان كفرا كفروا به ، فإنهم لم يعتقدوا جوازه . | وقوله : @QB@ ~~إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة @QE@ [ التوبة : 66 ] قال ابن كثير : أي : ~~لا يعفى | عن جميعكم ، ولا بد من عذاب بعضكم بأنهم كانوا مجرمين بهذه ~~المقالة الفاجرة . قيل : إن | الطائفة مخشي بن حمير عفا الله عنه وتسمى عبد ~~الرحمن ، وسأل الله أن يقتل شهيدا لا يعلم | مقتله ، فقتل يوم اليمامة ، ~~ولم يعلم مقتله ، ولا من قتله ، ولا يدري له عين ولا أثر . وقيل : | إن ~~الطائفة زيد بن وديعة . والأول أشهر ms470 ، ويحتمل أن الله عفا عنهما جميعا . ~~وفي الآية دليل | على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر ~~بذلك ، بل يكفر ، وعلى أن الشاك | كافر بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام ~~. # قال : عن ابن عمر ، ومحمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، وقتادة . دخل حديث ~~بعضهم | في بعض أنه قال رجل في غزوة تبوك : ' ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ~~أرغب بطونا ، ولا أكذب | ألسنا ، ولا أجبن عند اللقاء . يعني : رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه القراء . فقال له عوف بن | مالك : كذبت ، ~~ولكنك منافق ، لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذهب عوف إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم | ليخبره ، فوجد القرآن قد سبقه ، فجاء ذلك الرجل ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ارتحل وركب | ناقته فقال : يا رسول ~~الله ، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا | الطريق قال ~~ابن عمر : كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة . ناقة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، وإن الحجارة | لتنكب رجليه ، وهو يقول : إنما كنا نخوض ونلعب ، ~~فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ^ ( أبا لله | وءايته ورسوله كنتم ~~تستهزءون ) ^ ما يلتفت إليه ، وما يزيد عليه ' . # ش : هذا الأثر ذكره المصنف مجموعا من رواية ابن عمر ، ومحمد بن كعب ، ~~وزيد بن | أسلم ، وقتادة ، وقد ذكره قبله كذلك شيخ الإسلام . فأما أثر ابن ~~عمر فرواه ابن جرير ، وابن | أبي حاتم ، وغيرهما بنحو مما ذكره المصنف . ~~وأما أثر محمد بن كعب ، وزيد بن أسلم ، | و قتادة فهي معروفة لكن بغير هذا ~~اللفظ . # قوله : ' عن ابن عمر ' . هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ~~PageV01P523 | ومحمد بن كعب هو محمد بن كعب بن سليم أبو حمزة القرضي المدني ~~. قال | البخاري : إن أباه كان ممن لم ينبت من بني قريظة ، وهو ثقة عالم ~~مات سنة عشرين ومئة . # وزيد بن أسلم هو مولى عمر بن الخطاب ، والد عبد الرحمن وإخوته ، يكنى أبا ~~| عبد الله ، ثقة مشهور مات ms471 سنة ست وثلاثين ومئة . # و قتادة هو ابن دعامة وتقدم . # قوله : ' دخل حديث بعضهم في بعض ' أي : إن الحديث مجموع من رواياتهم ، ~~فلذلك | دخل بعضه في بعض . # قوله : ' إنه قال رجل في غزوة تبوك ' ، لم أقف على تسمية القائل لذلك ~~أبهم اسمه في | جميع الروايات التي وقفت عليها . ولكن قد ورد تسمية جماعة ~~ممن نزلت فيهم الآية مع | اختلاف الرواية فيما قالوه من الكلام . ففي بعض ~~الروايات أنهم قالوا ما ذكره المصنف . | وعن مجاهد في الآية : قال رجل من ~~المنافقين يحدثنا محمد أن ناقة فلان بواد كذا وكذا في | يوم كذا وكذا وما ~~يدريه بالغيب ؟ ! رواه ابن أبي شيبة ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم . وعن | ~~قتادة قال : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، في غزوته إلى تبوك ، ~~وبين يديه أناس من المنافقين ، | فقالوا : يرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور ~~الشام وحصونها ؟ ! هيهات هيهات ، فأطلع الله | نبيه على ذلك ، فقال نبي ~~الله صلى الله عليه وسلم : ' احبسوا علي الركب ' فأتاهم فقال : ' قلتم كذا ~~، وقلتم | كذا ' قالوا : يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب . فأنزل الله ~~فيهم ما تسمعون . رواه ابن | المنذر ، وابن أبي حاتم . وفي رواية جابر بن ~~عبد الله عند ابن مردويه : كان فيمن تخلف | من المنافقين بالمدينة وداعة بن ~~ثابت أحد بني عمرو بن عوف ، فقيل له : ما خلفك عن | رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، فقال : الخوض واللعب ، فأنزل الله فيه وفي أصحابه @QB@ ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب @QE@ إلى @QB@ مجرمين @QE@ [ التوبة : ~~65 - 66 ] وسمى ابن عباس | في رواية عند ابن مردويه منهم وديعة بن ثابت ~~ومخشي بن حمير ، وأنهم قالوا : أتحسبون أن | قتال بني الأصفر كقتال غيرهم ، ~~والله لكأنكم غدا تفرون في الجبال . . . القصة بكمالها . | فيحتمل أنهم ~~قالوا ذلك كله ، فإن المنافقين إذا خلوا إلى شياطينهم أخذوا في الاستهزاء ~~بالله | وآياته ورسوله والمؤمنين ، فلا يبعد أنهم قالوا ذلك . فكل ذكر بعض ~~كلامهم ، والآية تعم | ذلك . وفي هذه الروايات ذكر أسماء القائلين لبعضهم ~~ذلك ، منهم ms472 وديعة بن ثابت وقيل | وداعة ، وزيد بن وديعة ، ومخشي بن حمير ~~الذي تاب الله عليه ، لكنه لم يقل ذلك إنما | PageV01P524 | حضره . وفي بعض ~~الروايات أن عبد الله بن أبي هو الذي قال ذلك ، لكن رواه ابن القيم بأن | ~~ابن أبي تخلف عن غزوة تبوك . وذكر ابن إسحاق أسماء الذين هموا بالفتك برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، | فعد جماعة ، فيحتمل أنهم من المستهزئين ، ~~ويحتمل أنهم غيرهم . ولهذا قال تعالى في | المستهزئين : @QB@ قد كفرتم بعد ~~إيمانكم @QE@ وفي الآخرين : ^ ( ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا | بعد إسلمهم ~~) ^ . # قوله : ' ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء ' . القراء جمع قارىء ، وهم عند ~~السلف الذين يقرؤون | القرآن ، ويعرفون معانيه ، أما قراءته من غير فهم ~~لمعناه ، فلا يوجد في ذلك العصر ، وإنما | حدث بعد ذلك من جملة البدع . # قوله : ' أرغب بطونا ' ، أي : أوسع بطونا . الرغب والرغيب : الواسع يقال ~~: جوف | رغيب وواد رغيب يصفونهم بسعة البطون ، وكثرة الأكل ، كما روى أبو ~~نعيم عن شريح بن | عبيد أن رجلا قال لأبي الدرداء : ما بالكم أجبن منا ~~وأبخل إذا سئلتم ، وأعظم لقما إذا | أكلتم ، فأعرض عنه أبو الدرداء ، ولم ~~يرد عليه شيئا ، وأخبربذلك عمر بن الخطاب ، | فانطلق عمر إلى الرجل الذي ~~قال ذلك ، فأخذه بثوبه وخنقه ، وقاده إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال ~~| الرجل : إنما كنا نخوض ونلعب . # قوله : ' فقال له عوف بن مالك : كذبت ولكنك منافق ' . فيه المبادرة في ~~الإنكار والشدة | على المنافقين ، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا قال أو فعل ~~ما يدل عليه . # قوله : ' لأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم ' . فيه أن هذا وما أشبهه ~~لا يكون غيبة ولا نميمة ، بل | هو من النصح لله ورسوله ، فينبغي الفرق بين ~~الغيبة والنميمة ، وبين النصيحة لله ورسوله ، | فذكر أفعال المنافقين ~~والفساق لولاة الأمور ؛ ليزجروهم ، ويقيموا عليهم أحكام الشريعة ليس | من ~~الغيبة والنميمة . انتهى . # قوله : ' فوجد القرآن قد سبقه ' أي : جاءه الوحي من الله بما قالوه في ~~هذه الآية @QB@ ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب @QE@ [ التوبة : 65 ~~] وفيه دلالة على ms473 علم الله سبحانه ، | وعلى قدرته وإلهيته ، وعلى أن محمدا ~~رسول الله . # قوله : ' فجاء ذلك الرجل ' ، قد تقدم أنه ابن أبي كما رواه ابن المنذر ، ~~وابن أبي حاتم | عن ابن عمر ، لكن رواه ابن القيم بأن ابن أبي تخلف عن غزوة ~~تبوك . # وفي هذا الحديث من الفوائد ؛ أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو علم ~~يعمل به ، | وأشدها خطرا إرادات القلوب فهي كالبحر الذي لا ساحل له . # ويفيد الخوف من النفاق الأكبر ، فإن الله تعالى أثبت لهؤلاء إيمانا قبل ~~أن يقولوا ما | قالوه ، كما قال ابن أبي مليكة : ' أدركت ثلاثين من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف | PageV01P525 | ' النفاق على نفسه ~~، نسأل الله السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة . | PageV01P526 | # | ( [ 48 ] باب : قول الله تعالى : ) # | ^ ( ولئن أذقنه رحمة منا من بعد ضرآء مسته ليقولن هذا لى ومآ أظن ~~الساعة قائمة | ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا ~~بما عملوا ولنذيقنهم | من عذاب غليظ * ) ^ [ فصلت : 50 ] # ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه ~~الآية | وما بعدها ما يكفى في المعنى ويشفي . # قوله : قال مجاهد : هذا بعملي وأنا محقوق به . وقال ابن عباس : يريد من ~~عندي . | وقوله : @QB@ قال إنما أوتيته على علم عندي @QE@ [ القصص : 78 ] ~~قال قتادة : على علم مني بوجوه | المكاسب . وقال آخرون : على علم من الله ~~أني له أهل ، وهذا معنى قول مجاهد : أوتيته | على شرف . # قوله : باب : قول الله تعالى : ^ ( ولئن أذقنه رحمة منا من بعد ضراء مسته ~~) ^ . # وليس فيما ذكروه اختلاف ، وإنما هي أفراد المعنى . # قال ابن كثير رحمه الله في معنى قوله تعالى : ^ ( ثم إذا خولنه نعمة منا ~~قال إنما أوتيته | على علم بل هى فتنة ) ^ [ الزمر : 49 ] يخبر أن الإنسان ~~في حال الضر يضرع إلى الله تعالى | وينيب إليه ويدعوه ، ثم إذا خوله نعمة ~~منا طغى وبغى وقال : @QB@ إنما أوتيته على علم @QE@ أي لما | يعلم من ~~استحقاقي له ، ولولا أني عند الله حظيظ لما ms474 خولني هذا . قال تعالى : @QB@ ~~بل هي فتنة @QE@ أي ليس الأمر كما زعمتم ، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة ~~، لنختبره فيما أنعمنا | عليه ، أيطيع أم يعصي ؟ مع علمنا المتقدم بذلك . ~~@QB@ بل هي فتنة @QE@ أي اختبار @QB@ ولكن أكثرهم لا يعلمون @QE@ فلهذا ~~يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون @QB@ قد قالها الذين من قبلهم @QE@ | [ ~~الزمر : 50 ] أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ~~ممن سلف | من الأمم @QB@ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون @QE@ [ الزمر : 50 ~~] أي : فما صح قولهم ، ولا نفعهم | جميعهم وما كانوا يكسبون كما قال تعالى ~~مخبرا عن قارون ^ ( إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا | يحب الفرحين * ~~وابتغ فيما ءاتاك الله الدار الأخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن | كما ~~أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين * قال ~~إنمآ أوتيته # على علم عندى أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه ~~قوة وأكثر جمعا | ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون * ) ^ [ القصص : 76 - 78 ] ~~وقال تعالى : ^ ( وقالوا نحن أكثر | PageV01P527 | أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين * ) 8 [ سبأ : 35 ] . # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ~~' إن ثلاثة من بني | إسرائيل : أبرص ، وأقرع ، وأعمى ، فأراد الله أن ~~يبتليهم فبعث إليهم ملكا فأتى الأبرص | فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : لون ~~حسن وجلد حسن ، ويذهب عني الذي قذرني | الناس به . قال : فمسحه فذهب عنه ~~قذره ، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا . قال : فأي المال | أحب إليك ؟ قال : ~~الإبل أو البقر ، شك إسحاق ، فأعطي ناقة عشراء وقال : بارك الله لك | فيها ~~، قال : فأتى الأقرع فقال : أي شيء أحب إليك ؟ قال : شعر حسن ويذهب عني ~~الذي قد | قذرني الناس به ، فمسحه فذهب عنه ، وأعطي شعرا حسنا . فقال : أي ~~المال أحب إليك ؟ | قال : البقر أو الإبل ، فأعطي بقرة حاملا ، قال : بارك ~~الله لك فيها . فأتى الأعمى فقال : أي | شيء أحب إليك ؟ قال : أن ms475 يرد الله ~~إلي بصري فأبصر به الناس ، فمسحه فرد الله إليه بصره ، | قال : فأي المال ~~أحب إليك ؟ قال : الغنم ، فأعطي شاة والدا ، فأنتج هذان ، وولد هذا ، فكان ~~| لهذا واد من الإبل ، ولهذا واد من البقر ، ولهذا واد من الغنم . قال : ثم ~~إنه أتى الأبرص في | صورته وهيأته ، فقال : رجل مسكين ، قد انقطعت به ~~الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا | بالله ثم بك ، أسألك بالذي أعطاك ~~اللون الحسن ، والجلد الحسن والمال ، بعيرا أتبلغ به في | سفري فقال : ~~الحقوق كثيرة فقال : كأني أعرفك ؟ ألم تكن أبرص يقذرك الناس ؟ فقيرا فأعطاك ~~| الله عز وجل المال ؟ فقال : إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر . فقال : ~~إن كنت كاذبا فصيرك | الله إلى ما كنت به ، وأتى الأقرع في صورته فقال له ~~مثل ما قال لهذا ، ورد عليه مثل ما رد عليه | هذا . فقال : إن كنت كاذبا ~~فصيرك الله إلى ما كنت . قال : وأتى الأعمى في صورته ، فقال : رجل | مسكين ~~وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري ، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم ~~بك ، أسألك | بالذي رد عليك بصرك ، شاة أتبلغ بها في سفري . فقال : قد كنت ~~أعمى فرد الله إلي بصري ، | فخذ ما شئت ، ودع ما شئت ، فوالله لا أجهدك ~~اليوم بشيء أخذته لله . فقال : أمسك مالك فإنما | ابتليتم ، فقد رضي الله ~~عنك ، وسخط على صاحبيك ' أخرجاه . # قوله : ' أخرجاه ' . أي : البخاري ومسلم . # ' والناقة العشراء ' : بضم العين وفتح الشين وبالمد : هي الحامل . # قوله : ' أنتج ' . وفي رواية : ' فنتج ' ؛ معناه : تولى نتاجها ، والنتاج ~~للناقة كالقابلة للمرأة . # قوله : ' ولد هذا ' . هو بتشديد اللام . أي : تولى ولادتها ، وهو بمعنى : ~~أنتج في الناقة ، | PageV01P528 | فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد ، ~~لكن هذا للحيوان ، وذلك لغيره . # قوله : ' انقطعت بي الحبال ' : هو بالحاء المهملة والباء الموحدة : هي ~~الأسباب . | قوله : ' لا أجهدك ' . معناه : لا أشق عليك في رد شيء تأخذه ، ~~أو تطلبه من مالي . | ذكره النووي . # وهذا حديث عظيم ، وفيه معتبر ، فإن الأولين جحدا نعمة الله ، فما أقرا ~~لله بنعمته ، ولا | نسيا ms476 النعمة إلى المنعم بها ، ولا أديا حق الله ، فحل ~~عليهما السخط . وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله ، ونسبها إلى من أنعم عليه ~~بها ، وأدى حق الله فيها ، فاستحق الرضى من الله بقيامه | بشكر النعمة لما ~~أتى بأركان الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها ، وهي : الإقرار ~~بالنعمة ، | ونسبتها إلى المنعم ، وبذلها فيما يحب . # قال العلامة ابن القيم رحمه الله : أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم ~~على وجه | الخضوع له ، والذل والمحبة ، فمن لم يعرف النعمة ، بل كان جاهلا ~~بها ، لم يشكرها ، ومن | عرفها ولم يعرف المنعم بها ، لم يشكرها أيضا ، ومن ~~عرف النعمة والمنعم ، لكن جحدها | كما يجحدها المنكر لنعم المنعم عليه بها ~~، فقد كفرها ، ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر | بها ولم يجحدها ، ولكن لم ~~يخضع له ولم يحبه ولم يرض به وعنه ، لم يشكره أيضا ، ومن | عرفها وعرف ~~المنعم بها وأقر بها وخضع بها وخضع للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه ، ~~واستعملها في | محابه وطاعته ، فهذا هو الشاكر لها ، فلا بد في الشكر من ~~علم القلب ، وعمل يتبع العلم ، | وهو الميل إلى المنعم ومحبته والخضوع له . # قوله : ' قذرني الناس ' . بكراهة رؤيته وقربه منهم . | PageV01P529 | # | ( [ 49 ] باب : قول الله تعالى : ) # | ^ ( فلمآ ءاتهما صلحا جعلا له شركاء فيمآ ءاتهما فتعلى الله | عما ~~يشركون * ) ^ [ الأعراف : 190 ] # قال ابن حزم : اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله ، كعبد عمرو ، ~~وعبد الكعبة ، | وما أشبه ذلك ، حاشا عبد المطلب . # وعن ابن عباس في الآية قال : لما تغشاها آدم حملت ، فأتاهما إبليس ، فقال ~~: إني | صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة ، لتطيعنني أو لأجعلن له قرني أيل ~~فيخرج من بطنك | فيشقه ، ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما ، سمياه عبد الحارث ، ~~فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم | حملت ، فأتاهما ، فقال مثل قوله ، ~~فأبيا أن يطيعاه ، فخرج ميتا ، ثم حملت ، فأتاهما ، فذكر | لهما ، فأدركهما ~~حب الولد ، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله : ^ ( جعلا له شركآء فيمآ | ءاتهما ~~) ^ رواه ابن أبي حاتم . # وله بسند صحيح عن قتادة قال : شركاء في طاعته ولم يكن في ms477 عبادته . # وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله : ^ ( لئن ءاتيتنا صلحا ) ^ [ الأعراف : ~~189 ] . # قال : أشفقا أن لا يكون إنسانا ، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما . # قوله : باب قول الله تعالى : ^ ( فلما ءاتهما صلحا جعلا له شركاء فيما ~~ءاتهما فتعلى الله | عما يشركون ) ^ [ الأعراف : 190 ] # قال الإمام أحمد رحمه الله في معنى هذه الآية : حدثنا عبد الصمد حدثنا ~~عمر بن | إبراهيم ، حدثنا قتادة ، عن الحسن ، عن سمرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، قال : ' لما ولدت حواء طاف | بها إبليس ، وكان لا يعيش لها ولد ~~، فقال : سميه عبد الحارث . فإنه يعيش ، فسمته عبد | الحارث فعاش ، فكان ~~ذلك من وحي الشيطان وأمره ' رواه أحمد ، والترمذي وحسنة ، وابن | ~~PageV01P530 | جرير ، والحاكم وصححه . ولهذا ذكر الضمير في آخرها بصيغة ~~الجمع استطرادا من ذكر | الشخص إلى الجنس . ومعنى الآية : أنه تعالى يخبر ~~عن مبدأ الجنس الإنساني ، وما فيه لله | من عجائب القدرة ، فأوجد هذا الجنس ~~على كثرته واختلاف أنواعه من نفس واحدة ، وهو | آدم عليه السلام ، وجعل ~~منها زوجها ، ليسكن إليها ، فلما تغشاها أي : وطئها ، وحملت | حملا خفيفا ، ~~وذلك الحمل لا تجد المرأة له ألما ، إنما هي النطفة ، ثم العلقة ثم المضغة ~~. # وقوله : ( فمرت به ) قال مجاهد : استمرت عليه ، وقال مهران : استخفته ، ~~وقال ابن | جرير : استمرت بالماء وقامت به وقعدت @QB@ فلما أثقلت @QE@ أي : ~~صارت ذات ثقل بحملها . قال | السدي : كبر في بطنها @QB@ دعوا الله ربهما ~~@QE@ أي : أن آدم وحواء عليهما السلام ، دعوا الله ^ ( لئن | ءاتيتنا صلحا ~~) ^ بشرا سويا . قال ابن عباس : أشفقا أن يكون بهيمة ^ ( لنكونن من الشكرين ~~) ^ | أي : لنشكرك على ذلك . انتهى ملخصا من ابن كثير وفيه زيادة . # وقوله : ^ ( فلمآ ءاتهما صلحا جعلا له شركآء ) ^ أي : لله شركاء فيما ~~آتاهما أي : لم يقوما | بشكر ذلك على الوجه المرضي كما وعدا بذلك ، بل جعلا ~~لي فيه شركاء فيما أعطيتهما من | الولد الصالح ، والبشر السوي ، بأن سمياه ~~عبد الحارث ، فإن من تمام الشكر أن لا يعبد | الاسم إلا الله ، وإذا تأملت ~~سياق الكلام من أوله إلى آخره ms478 مع ما فسره به السلف تبين قطعا | أن ذلك في ~~آدم وحواء عليهما السلام ، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك . والعجب ممن | ~~يكذب بهذه القصة ، وينسى ما جرى أول مرة ويكابر بالتفاسير المبتدعة ، ويترك ~~تفاسير | السلف وأقوالهم . وليس المحذور في هذه القصة بأعظم من المحذور في ~~المرة الأولى . # وقوله تعالى : @QB@ عما يشركون @QE@ هذا والله أعلم عائد إلى المشركين من ~~القدرية ، | فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس وله نظائر في القرآن . # قوله : ' قال ابن حزم ' : هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم ~~الظاهري | المشهور صاحب كتاب ' الإجماع ' و ' والإيصال ' و ' المحلى ' ~~وغيرها من المصنفات . | PageV01P531 # قوله : ' اتفقوا ' . الظاهر أن المراد أجمعوا ، فمقصوده حكاية الإجماع لا ~~حكاية الاتفاق | على طريقة المتأخرين # قوله : ' حاشا عبد المطلب ' . قال ابن القيم : لا تحل التسمية بعبد علي ، ~~وعبد | الحسين ، ولا عبد الكعبة ، وقد روى ابن أبي شيبة عن هانئ بن شريح ~~قال : وفد على | النبي صلى الله عليه وسلم قوم فسمعهم يسمون رجلا عبد الحجر ~~فقال له : ' ما اسمك ' قال : عبد الحجر . | فقال له رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' إنما أنت عبد الله ' . فقيل : كيف يتفقون على تحريم الاسم | ~~المعبد لغير الله ؟ وقد صح عنه رضي الله عنه : ' تعس عبد الدينار ' الحديث ~~وصح عنه أنه قال : | ' أنا النبي لا كذب ، أنا ابن عبد المطلب ' . # فالجواب : أما قوله : ' تعس عبد الدينار ' . فلم يرد الاسم ، وإنما أراد ~~به الوصف | والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم ، فرضي بعبوديتهما عن ~~عبودية الله تبارك وتعالى . # وأما قوله : ' أنا ابن عبد المطلب ' فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك ~~، وإنما هو | من باب الإخبار بالاسم الذي عوف به المسمى دون غيره ، ~~والإخبار بمثل ذلك على وجه | تعريف المسمى لا يحرم . ولا وجه لتخصيص أبي ~~محمد ذلك بعبد المطلب خاصة ، فقد | كان أصحابه يسمون بعبد شمس ، وبني عبد ~~الدار بأسمائهم ، ولا ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم | ذلك . فباب ~~الإخبار أوسع من الإنشاء فيجوز فيه ما لا ms479 يجوز في الإنشاء . انتهى ملخصا ، ~~| PageV01P532 | وهو حسن ، ولكن بقي إشكال وهو أن في الصحابة من اسمه ~~المطلب بن ربيعة بن | الحارث بن عبد المطلب . # فالجواب : أما من اسمه عبد شمس ، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد ~~الله كما ذكروا ذلك في | تراجمهم ، وأما المطلب بن ربيعة فذكر ابن عبد البر ~~أن اسمه عبد المطلب وقال : كان على | عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يغير اسمه فيما علمت . # وقال الحافظ : وفيما قاله نظر ، فإن الزبير أعلم من غيره بنسب قريش ، ولم ~~يذكر أن | اسمه إلا المطلب ، وقد ذكر العسكري أن أهل النسب إنما يسمونه ~~المطلب . # وأما أهل الحديث فمنهم من يقول : المطلب ، ومنهم من يقول : عبد المطلب . ~~وأما | عبد يزيد أبو ركانة فذكره الذهبي في ' التجريد ' وقال أبو ركانة : ~~طلق امرأته وهذا لا | يصح ، والمعروف أن صاحب القصة ركانة ، وروى حديثه أبو ~~داود في ' السنن ' عن ابن | عباس قال : طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ~~ركانة وذكر الحديث ، ثم قال : وحديث # # # | PageV01P533 | ( صفحة فارغة ) | PageV01P534 | نافع بن عجير ، وعبد ~~الله علي بن يزيد بن ركانة ، عن أبيه ، عن جده أن ركانة طلق امرأته | البتة ~~، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم ، واحدة ، أصح ، لأنهم ولد الرجل وأهله ~~، وهم أعلم به . فقد تبين | أنه ليس من الصحابة من أولاء من تصح له صحبته . ~~فعلى هذا لا تجوز التسمية بعبد المطلب | ولا غيره مما عبد لغير الله ، وكيف ~~تجوز التسمية وقد أجمع العلماء على تحريم التسمية ب : | عبد النبي ، وعبد ~~الرسول ، وعبد المسيح ، وعبد علي ، وعبد الحسين ، وعبد الكعبة ؟ ! وكل | ~~هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به . وأيضا فقد نص النبي ~~صلى الله عليه وسلم على أن | التسمية بعبد الحارث من وحي الشيطان ، وأمره ~~بعبد المطلب كعبد الحارث ، لا فرق بينهما ، | إلا أن أصدق الأسماء الحارث ~~وهمام ، فلعله أولى بالجواز . لا يقال : إن الحارث اسم | للشيطان ، لأنه ~~وإن كان اسما له ، فلا فرق في ذلك بين جميع من اسمه ms480 الحارث . فلا يجوز | ~~التسمية به وإن نوى عبد الحارث بن هشام أو غيره . # فإن قلت : إذا كان ابن حزم قد حكى الإجماع على جواز التسمية بعبد المطلب ~~، | فكيف يجوز خلافه ؟ # قلت : كلام ابن حزم ليس صريحا في حكاية الإجماع على جواز ذلك بعبد المطلب ~~، | فإن لفظه : اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله ، كعبد العزى ، ~~وعبد هبل ، | وعبد عمرو ، وعبد الكعبة ، وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب . ~~واتفقوا على إباحة كل اسم | بعد ما ذكرنا ما لم يكن اسم نبي ، أو اسم ملك ~~إلى آخر كلامه . فيحتمل أن مراده حكاية | الخلاف فيه ، ويكون التقدير : ~~اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب ، | أي : فإنهم لم ~~يتفقوا على تحريمه ، بل اختلفوا ، ويؤيده أنه قال بعده : واتفقوا على إباحة ~~كل | اسم بعد ما ذكرنا إلى آخره . ويكون المراد حاشا عبد المطلب ، فلا أحفظ ~~ما قالوا فيه ، | ويكون سكوتا منه عن حكاية إجماعا ، أو خلاف فيه ، وعلى ~~تقدير أن مراده حكاية الإجماع | من جواز ذلك ، فليس كل من حكى إجماعا يسلم ~~له ، ولا كل إجماع يكون حجة أيضا ، | فكيف والخلاف موجود ، والسنة فاصلة ~~بين المتنازعين ؟ وغاية حجة من أجازه قول عليه | السلام : ' أنا ابن عبد ~~المطلب ' ونحوه ، أو أن بعض الصحابة اسمه عبد المطلب . وقد تقدم | الجواب ~~عن ذلك ، وأيضا فلو كان قوله : ' أنا ابن عبد المطلب ' حجة على جواز ~~التسمية به | لكان قوله : ' إنما بنو هاشم ، وبنو عبد مناف شيء واحد ' حجة ~~على جواز التسمية | بعبد مناف ، ولكن فرق بين إنشاء التسمية وبين الإخبار ~~بذلك عمن هو اسمه . # وقوله : ' في الآية ' ، أي : المترجم لها . | PageV01P535 # قوله : ' تغشاها ' ، أي : حواء ، أي : وطئها ، عليهما السلام . # قوله : ' أو لأجعلن له ' ، أي : لولدكما . # قوله : ' قرني أيل ' . هو بالتثنية أو الإضافة ، وأيل بفتح الهمزة وكسر ~~المثناة التحتية | المشددة : ذكر الأوعال ، والمعنى : أنه يخوفهما بكونه ~~يجعل للولد قرني وعل ، فيخرج من | بطنها فيشقه كما قال : ' فيخرج من بطنك ~~فيشقه ' . # قوله : ' ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما ' بغير ما ms481 ذكر ، ويزعم أنه يفعل بهما ~~غير ذلك . # قوله : ' سمياه عبد الحارث ' ، قال سعيد بن جبير : كان اسمه في الملائكة ~~الحارث ، | وكان مراده أن سمياه بذلك ، ليكون قد وجد له صورة الإشراك به ، ~~فإن هذا من باب كيد | إبليس إذا عجز عن الآدمي أن يوقعه في المعصية الكبيرة ~~، قنع منه بالصغيرة ، وأيضا فإنه | يحصل له منهما طاعته كما أطاعا أول مرة ~~، كما روى ابن جرير ، وابن أبي حاتم عن | عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' خدعهما مرتين ' قال زيد : | خدعهما في ~~الجنة وخدعهما في الأرض . # قوله : ' فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا ' . . . الخ . هذا والله أعلم من ~~الامتحان فإن الإنسان لا | عزم له ، وإن عاين ماذا عساه أن يعلن من الآيات ~~إلا بتوفيق الله تعالى . فإن الطبيعة البشرية | تغلب عليه كما غلبت على ~~الأبوين مرتين ، مع ما وقع لهما قبل من التحذير والإنذار عن | كيد إبليس ~~وعداوته لهما ، ومع ذلك أدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث ، وكان ذلك | ~~شركا في التسمية وإن لم يقصدا العبادة للشيطان ، بل قصدا به فيما ظنا ، إما ~~دفع شره عن | حواء ، وإما الخوف على الولد من الموت . كما روى عبد بن حميد ~~، وابن أبي حاتم ، عن | أبي بن كعب قال : لما حملت حواء ، أتاها الشيطان ~~فقال : أتطيعنني ويسلم ولدك ؟ سميه | عبد الحارث فلم تفعل فولدت ، فمات ، ~~ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل . ثم حملت | الثالثة فقال : أتطيعينني ~~يسلم لك ولدك وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبهما فأطاعه . رواه ابن أبي | حاتم . ~~قلت : وإسناده صحيح . ورواه سعيد بن منصور وابن المنذر . | PageV01P536 # وعن ابن عباس قال : كانت حواء تلد لآدم أولادا فتعبدهم لله ، وتسميه عبد ~~الله | وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت ، فأتاها إبليس وآدم فقال : ~~إنكما لو تسميانه بغير ما | تسميانه لعاش ، فولدت له رجلا فسمياه عبد ~~الحارث ففيه أنزل : ^ ( هو الذي خلفكم من نفس | واحدة ) ^ [ الأعراف : 189 ~~] إلى آخر الآية . رواه ابن مردويه . # قوله : ' شركاء في طاعته ولم يكن ms482 في عبادته ' ، أي : لكونهما أطاعاه في ~~التسمية | بعبد الحارث ، لا أنهما عبداه فهو دليل على الفرق بين شرك الطاعة ~~وبين شرك العبادة . قال | بعضهم : تفسير قتادة في هذه الآية بالطاعة ، لأن ~~المراد بها على كلام كثير من المفسرين آدم | وحواء عليهما السلام ، فناسب ~~تفسيرها بالطاعة ، لأنهما أطاعا الشيطان في تسمية الولد | بعبد الحارث . ~~وقد استشكله بعض المعاصرين بما حاصله أنهم قد فسروا العبادة بالطاعة ، | ~~فيلزم على قول قتادة أن يكون الشرك في العبادة . # والجواب : أن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير اللازم ، فإنه لازم ~~العبادة أن يكون | العابد مطيعا لمن عبده بها ، فلذا فسرت بالطاعة . أو ~~يقال : هو من التفسير بالملزوم وإرادة | اللازم ، أي : لما كانت الطاعة ~~ملزوما للعبادة والعبادة لازمة لها ، فلا تحصل إلا بالطاعة ، | جاز تفسيرها ~~بذلك وهو أصح . وبالجملة فلا إشكال في ذلك بحمد الله . # فإن قلت : قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الأحبار والرهبان في ~~معصية الله عبادة . # قلت : راجع الكلام على حديث عدي يتضح الجواب . # قوله : ' أشفقا ' ، أي : خافا أي : آدم وحواء أن لا يكون إنسانا . قال ~~أبو صالح : أشفقا | أن يكون بهيمة فقال : لئن آتيتنا بشرا سويا . رواه ابن ~~أبي حاتم . وفي هذا أن هبة الله للرجل | البنت السوية من النعم ذكره المصنف ~~، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجعلها غير | سوية ، وأن يجعلها ~~من غير الجنس . فلا ينبغي للرجل أن يسخط مما وهبه الله له كما يفعل | أهل ~~الجاهلية ، بل يحمد الله الذي جعلها بشرية سوية . ولهذا كانت عائشة رضي ~~الله عنها إذا | بشرت بمولود لم تسأل إلا عن صورته لا عن ذكوريته وأنوثيته ~~. # قوله : ' وذكر ' . أي : ذكر ابن أبي حاتم فإنه روى ذلك عمن ذكر المصنف ~~معناه عن | الحسن ، وهو البصري . # قوله : ' وسعيد ' ، أي ابن جبير وغيره كالسدي . وغيره . | PageV01P537 | # | ( [ 50 ] باب : قول الله تعالى ( # | ^ ( ولله الأسماء الحسنى فأدعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمئه ) ^ | ~~[ الأعراف : 180 ] . # يخبر تعالى أن له أسماء وصفها بكونها حسنى أي : حسان . وقد بلغت الغاية ms483 ~~في | الحسن فلا أحسن منها ، كما يدل عليه من صفات الكمال ، ونعوت الجلال ، ~~فأسماؤه الدالة | على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها ، فليس في الأسماء ~~أحسن منها ، ولا يقوم غيرها | مقامها . وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا ~~بمراد محض ، بل هو على سبيل التقريب | والتفهيم ، فله من كل صفة كمال أحسن ~~اسم وأكمله وأتمه معنى وأبعده ، وأنزهه عن شائبة | نقص ، فله من صفة ~~الإدراكات العليم الخبير دون العالم الفقيه ، والسميع البصير دون السامع | ~~والباصر ، ومن صفات الإحسان البر الرحيم الودود ، دون الرفيق والشفيق ~~والمشوق . وكذلك | العلي العظيم ، دون الرفيع الشريف ، وكذلك الكريم ، دون ~~السخي . والخالق البارئ | المصور ، دون الصانع الفاعل المشكل ، والعفو ~~الغفور ، دون الصفوح الساتر . وكذلك سائر | أسماء الله تعالى يجري على نفسه ~~أكملها وأحسنها ، ولا يقوم غيره مقامه فأسماؤه أحسن | الأسماء ، كما أن ~~صفاته أكمل الصفات ، فلا نعدل عما سمى به نفسه إلى غيره ، كما لا | يتجاوز ~~ما وصف به نفسه ، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما وصفه به ~~المبطلون . ومن هنا يتبين | لك خطأ من أطلق عليه اسم الصانع والفاعل ~~والمربي ونحوها ؛ لأن اللفظ الذي أطلقه | سبحانه على نفسه ، وأخبر به عنها ~~أتم من هذا ، وأكمل وأجل شأنا ، فإنه يوصف من كل | صفة كمال بأكملها وأجلها ~~وأعلاها . فيوصف من الإرادة بأكملها ، وهو الحكمة وحصول | كل ما يريد ~~بإرادته . كما قال تعالى : ^ ( فعال لما يريد ) ^ [ البروج : 16 ) ^ ~~وبإرادة اليسر لا | العسر . كما قال تعالى : ^ ( يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر ) ^ [ البقرة : 185 ] | وبإرادة الإحسان وتمام النعمة على ~~عباده كقوله تعالى : ^ ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد | الذين يتبعون ~~الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * ) ^ [ النساء : 27 ] فإرادة التوبة له ~~وإرادة | الميل لمبتغي الشهوات . وقوله : ^ ( ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج ولكن يريد | ليطهركم وليتم نعمته عليكم ) ^ [ المائدة : 6 ] وكذلك ~~العليم الخبير أكمل من الفقيه | العارف ، والكريم الجواد أكمل من السخي ، ~~والرحيم أكمل من الشفيق ، والخالق البارئ | المصور أكمل من الفاعل الصانع ؛ ~~ولهذا لم تجيء ms484 هذه في أسمائه الحسني ، فعليك بمراعاة | PageV01P538 | ما ~~أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات ، والوقوف معها وعدم إطلاقها ما ~~لم يطلقه | على نفسه ، ما لم يكن مطابقا لمعنى أسمائه وصفاته . وحينئذ ~~فيطلق المعنى لمطابقته لها دون | اللفظ ، ولا سيما إذا كان مجملا ، أو ~~منقسما ، أو ما يمدح به وغيره ، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا | مقيدا ، وهذا ~~كلفظ الفاعل والصانع ، فإنه لا يطلق عليه في أسمائه الحسنى إلا إطلاقا ~~مقيدا | كما أطلقه على نفسه كقوله : ^ ( فعال لما يريد ) ^ [ البروج : 16 ] ~~، @QB@ ويفعل الله ما يشاء @QE@ [ النمل : 88 ] فإن اسم الفاعل والصانع ~~منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم ، فلهذا المعنى | - والله أعلم - لم ~~يجيء في الأسماء الحسنى المريد ، كما جاء فيها السميع البصير ، ولا | ~~المتكلم الآمر الناهي ، لانقسام مسمى هذه الأسماء ، بل وصف نفسه بكمالاتها ~~، وشرف | أنواعها . ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين ، وزلقه الفاحش في ~~اشتقاقه له سبحانه من كل | فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا ، ودأخله في ~~أسمائه الحسنى ، فاشتق منها اسم الماكر ، | والمخادع ، والفاتن ، والمضل ، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . انتهى ملخصا من كلام | الإمام ابن القيم . # وقيل : فصل الخطاب في أسماء الله الحسنى ، هل هي توقيفية أم لا ؟ وحاصله ~~أن ما | يطلق عليه من باب الأسماء والصفات توقيفي ، وما يطلق من باب ~~الأخبار لا يجب أن يكون | توقيفيا ، كالقديم والشيء الموجود ، والقائم ~~بنفسه ، والصانع ، ونحو ذلك . فادعوه بها ، أي : | اسألوه ، وتوسلوا إليه ~~بها كما تقول : اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . فإن ذلك | من أقرب ~~الوسائل وأحبها إليه ، كما في ' المسند ' والترمذي ' ألظوا بياذا الجلال ~~والإكرام ' | والحديث الآخر سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو وهو ~~يقول : اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك | أنت الله الذي لا إله إلا أنت ، ~~الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، | فقال : ' والذي ~~نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي إذا دعي به أجاب ، وإذا سئل به | ~~أعطى ' . رواه الترمذي وغيره . وقوله ms485 عليه السلام : ' اللهم إني أعوذ برضاك ~~من سخطك ، | PageV01P539 | وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك لا نحصي ثناء عليك ، ~~أنت كما أثنيت على نفسك ' . حديث | صحيح رواه مسلم ، وغيره . ومنه ' اللهم ~~إني أسألك بأن لك الحمد ، لا إله إلا أنت ، | المنان ، بديع السموات والأرض ~~، يا ذا الجلال والإكرام ' . رواه الترمذي بنحوه واللفظ | لغيره . | ~~PageV01P540 # قال ابن القيم : فهذا سؤال له ، وتوسل إليه بحمده وأنه لا إله إلا هو ~~المنان . فهو | توسل إليه بأسمائه ، وصفاته ، وما أحق ذلك بالإجابة ، ~~وأعظمه موقعا عند السؤال . واعلم | أن الدعاء بها أحد مراتب إحصائها الذي ~~قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن لله تسعة وتسعين اسما من | أحصاها ~~دخل الجنة ' . رواه البخاري ، وغيره . وهي ثلاث مراتب . | PageV01P541 # المرتبة الأولى : إحصاء ألفاظها ، وأسمائها ، وعددها . # المرتبة الثانية : فهم معانيها ، ومدلولها . # المرتبة الثالثة : دعاؤه بها كما في الآية ، وهو نوعان : # دعاء ثناء وعبادة ، ودعاء طلب ومسألة ، فلا يثنى عليه إلا بأسمائه الحسنى ~~، وصفاته | العلى ، وكذا لا يسأل إلا بها . فلا يقال : يا موجود ويا شيء ~~ويا ذات اغفر لي ، بل يسأل | في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب . ~~فيكون السائل متوسلا إليه بذلك | الاسم . ومن تأمل أدعية الرسل ، لا سيما ~~خاتمهم عليه وعليهم السلام ، وجدها مطابقة لهذا | كما تقول : رب اغفر لي ~~وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم . ولا يحسن : إنك أنت السميع | العليم ~~البصير ، ولكن أسماؤه تعالى منها ما يطلق عليه مفردا ، وهو غالب الأسماء ~~كالقدير | والسميع والبصير ، والحكيم . فهذا يسوغ أن يدعى به مفردا ، ~~ومقترنا بغيره . فتقول : يا | عزيز ، يا حكيم ، يا قدير ، يا سميع يا بصير ~~، وإن انفرد كل اسم . وكذلك في الثناء عليه ، | والخبر عنه . وبه يسوغ لك ~~الإفراد والجمع . ومنها ما يطلق عليه مفردا ، بل مقرونا بمقابله . | ~~كالمانع ، والضار ، والمنتقم ، والمذل ، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله ، ~~فإنه مقرون | بالمعطي ، والنافع ، والعفو ، والعزيز والمعز . فهو المعطي ~~المانع ، الضار النافع ، المنتقم | العفو ، المعز المذل ؛ لأن الكمال في ~~اقتران كل اسم من هذا بمقابله ، لأنه يراد به ms486 أنه | المتفرد بالربوبية ، ~~وتدبير الخلق ، والتصرف فيهم إعطاء ومنعا ، ونفعا وضرا ، وانتقاما ، | ~~وإعزازا وإذلالا . فأما الثناء عليه بمجرد المنع والانتقام والإضرار ، فلا ~~يسوغ ، فهذه الأسماء | الممزوجة يجري الاسمان منها مجرى الاسم الواحد الذي ~~يمتنع فصل بعض حروفه من | بعض . ولذلك لم تجيء مفردة ، ولم تطلق عليه إلا ~~مقترنة . فلو قلت : يا ضار يا مانع ، يا | مذل ، لم تكن مثنيا عليه ، ولا ~~حامدا له حتى تذهر مقابلتها . انتهى ملخصا من كلام ابن | القيم . وفيه بعض ~~زيادة ، وبه يظهر الجواب عما قد يرد على ما سبق ذكر الأسماء الحسنى | التي ~~ورد عدها في الحديث . لما كان إحصاء الأسماء الحسنى والعمل بها أصلا للعلم ~~بكل | معلوم ، وكانت سعادة الدنيا والآخرة مرتبة عليها فما حصل من آثارها ~~للعباد ، هو الذي | أوجب لهم دخول الجنة ، ولهذا جاء الحديث الصحيح المتفق ~~عليه أن ' من أحصاها دخل | PageV01P542 | الجنة ' . وذكرنا مراتب الإحصاء ، ~~لأن العبد محتاج ، بل مضطر إلى معرفتها فوق كل | ضرورة . وقد قيل : إن الله ~~ذكرها كلها في القرآن . ولا ريب أن الله تعالى ذكر أكثرها | بلفظها ، ولم ~~يذكره بلفظه ، ففي القرآن ما يدل عليه . قال الترمذي : حدثنا إبراهيم بن | ~~يعقوب ، أخبرنا صفوان بن صالح ، أخبرنا الوليد بن مسلم أخبرنا شعيب بن أبي ~~حمزة : عن | أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة ، هو الله الذي لا إله ~~إلا هو ، | الرحمن ، الرحيم ، الملك القدوس ، السلام ، المؤمن ، المهيمن ، ~~العزيز ، الجبار ، المتكبر ، | الخالق ، البارئ ، المصور ، الغفار ، القهار ~~، الوهاب ، الرزاق ، الفتاح ، العليم ، القابض ، | الباسط ، الخافض ، ~~الرافع ، المعز ، المذل ، السميع ، البصير ، الحكم ، العدل ، اللطيف ، | ~~الخبير ، الحليم ، العظيم ، الغفور ، الشكور ، العلي ، الكبير ، الحفيظ ، ~~المقيت ، الحسيب ، | الجليل ، الكريم ، الرقيب ، المجيب ، الواسع ، الحكيم ~~، الودود ، المجيد ، الباعث ، | الشهيد ، الحق ، الوكيل ، القوي المتين ~~الولي ، الحميد ، المحصي ، المبدئ ، المعيد ، | المحيي ، المميت ، الحي ، ~~القيوم ، الواجد ، الماجد ، الواحد الأحد ، الصمد ، القادر ، | المقتدر ، ~~المقدم ، المؤخر ، الأول ، الآخر ، الظاهر ، الباطن ، الولي ، المتعال ms487 ، ~~البر ، | التواب ، المنعم ، المنتقم ، العفو ، الرؤوف ، مالك الملك ، ذو ~~الجلال والإكرام ، المقسط ، | الجامع ، الغني ، المغني ، المانع ، الضار ~~النافع ، النور ، الهادي ، البديع ، الباقي ، الوارث ، | الرشيد ، الصبور ، ~~' # قال الترمذي : هذا حديث غريب جدا حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح ، ~~ولا | نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح ، وهو ثقة عند أهل الحديث . وقد روي ~~هذا | PageV01P543 | الحديث من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من | الروايات ذكر الأسماء الحسنى ~~إلا في هذا الحديث ، وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث | بإسناد غير هذا ~~عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه الأسماء ، وليس له ~~إسناد صحيح | قلت : يشير إلى عدد الأسماء سردا ، وإلا فصدر الحديث متفق ~~عليه . وقد خرجه بالعدد | المذكور ابن المنذر ، وابن خزيمة في ' صحيحه ' ~~وابن حبان والطبراني ، والحاكم في | ' المستدرك ' وغيرهم به ولم يذكروا فيه ~~' المعطي ' ، وإسناده صحيح ، ولكن المستغرب منه | ذكر العدد . ورواه ابن ~~ماجه من طريق عبد الملك بن الصنعاني ، عن زهير بن محمد | التميمي ، عن موسى ~~بن عقبة ، عن الأعرج ، وساق الأسماء ، وخالف سياق الترمذي في # الترتيب والزيادة والنقص ، فأما الزيادة فهي البارئ الراشد البرهان ~~الشديد الواقي القائم | الحافظ الناظر السامع المعطي الأبد المنير التام ~~القديم الوتر ' وعبد الملك لين الحديث ، | وزهير مختلف فيه ، وحديث الوليد ~~أصح إسنادا وأحسن سياقا ، وأجدر أن يكون مرفوعا | ولهذا قال النووي : هو ~~حديث حسن . قال بعضهم : والعلة في كونهما لم يخرجاه بذكر | الأسامي تفرد ~~الوليد بن مسلم عالم الشاميين الثقة . وقد قيل : إن العدد المذكور مدرج . ~~قال | PageV01P544 | في ' الإرشاد ' ما معناه : ذكر جماعة من الحفاظ ~~المحققين المتقنين أن سرد الأسماء في | حديث أبي هريرة مدرج فيه ، وأن ~~جماعة من أهل العلم جمعوها من القرآن ، كما روي ذلك | عن جعفر بن محمد ، ~~وسفيان بن عيينة ، وأبي زيد اللغوي . وقال البيهقي : يحتمل أن يكون | ~~التفسير للأسماء وقع من بعض الرواة ، لهذا الاحتمال ترك الشيخان ms488 إخراج حديث ~~الوليد في | ' الصحيح ' قال في ' البدر ' : والدليل على ذلك وجهان أحدهما : ~~أن أصحاب الحديث لم | يذكروها ، والثاني : أن فيها تغييرا بزيادة ونقصان ، ~~وذلك لا يليق بالمرتبة العليا النبوية ، كذا | قال ، وفيه نظر ، فإن ~~الزيادة والنقصان قد تكون من الرواة ، وإن كان الحديث صحيحا كما | في غير ~~ذلك من الأحاديث . وقد رواه الطبراني في ' الدعاء ' والحاكم وغيرهما ، ~~فزادوا | ' الرب الإله الحنان المنان البارئ ' وفي لفظ القائم الفرد ' وفي ~~لفظ ' القادر ' بدل الفرد | و ' المغيث الدائم الحميد ' وفي لفظ ' الجميل ~~الصادق المولى النصير القديم الوتر الفاطر | العلام المليك الأكرم المدبر ~~المالك الشاكر الرفيع ذو الطول ، ذو المعارج ذو الفضل | الخلاق ' ولا أظنه ~~يثبت ، وإن كان بعض العدد صحيحا . وعد جعفر بن محمد منها ' المنعم | ~~المتفضل السريع ' وقال ابن حزم : جاءت في إحصائها أحاديث مضطربة ، لا يصح ~~منها شيء | أصلا ، ونقل عنه أنه قال : صح عندي قريبا من ثمانين اسما ، ~~اشتمل عليها الكتاب ، | والصحاح من الأخبار ، فليطلب الباقي بطريق الاجتهاد ~~. # وقال القرطبي في ' شرح الأسماء الحسنى ' : العجب من ابن حزم ذكر من ~~الأسماء | الحسنى نيفا وثمانين فقط ، والله يقول : ^ ( ما فرطنا في الكتب ~~من شيء ) ^ [ الأنعام : 38 ] ثم | ساق ما ذكره ابن حزم . وفيه من الزيادة ~~على ما تقدم ' الرب الإله الأعلى الأكبر الأعز السيد | السبوح الوتر المحسن ~~الجميل الرفيق الدهر ' . وقد عدها الحافظ فزاد ' الخفي السريع الغالب | ~~العالم الحافظ المستعان ' . وفي هذا نظر يفهم مما تقدم ، وإن كان قد ذكر ~~بعضها فيما لا | يثبت من الحديث ، فهذه خمسة وستون ومائة اسم ، أقربها من ~~جهة الإسناد سياق الترمذي ، | وما عدا ذلك ففيه أسماء صحيحة ثابتة ، وفي ~~بعضها توقف ، وبعضها خطأ محض ، كالأبد | والناظر والسامع والقائم والسريع ، ~~فهذه وإن ورد عدادها في بعض الأحاديث ، فلا يصح | ذلك أصلا . وكذلك الدهر ~~والفعال والفالق والمخرج والعالم ، مع أن هذه لم ترد في شيء | من الأحاديث ~~إلا حديث ' لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر ' وقد مضى معناه ، وبينا خطأ ~~| ابن حزم في عده من ms489 الأسماء الحسنى هناك . واعلم أن الأسماء الحسنى لا ~~تدخل تحت | حصر ، ولا تحد بعدد فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في ~~علم الغيب عنده ، ولا | يعلمها ملك مقرب ، ولا نبي مرسل ، كما في الحديث ~~الصحيح ' أسألك بكل اسم هو لك | PageV01P545 | سميت به نفسك ، أو أنزلته في ~~كتابك ، أو علمته أحدا من خلقك ، أو استأثرت به في علم | الغيب عندك ' رواه ~~أحمد ، وابن حبان في ' صحيحه ' وغيرهما . # قال ابن القيم : فجعل أسماءه ثلاثة أقسام : قسم سمى به نفسه فأظهره لمن ~~شاء من | ملائكته أو غيرهم ، ولم ينزل به كتابه ، وقسم أنزل به كتابه ، ~~وتعرف به إلى عباده ، وقسم | استأثر به في علم غيبه ، فلم يطلع عليه أحدا ~~من خلقه ، ولهذا قال ' استأثرت به ' أي : | PageV01P546 | انفردت بعلمه ، ~~وليس المراد انفراده بالمسمى به ، لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي | ~~أنزل بها كتابه . # ومن هذا قوله عليه السلام في حديث الشفاعة ' فيفتح علي من محامده بما لا ~~أحسنه | الآن ' وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته . # ومنه قوله : ' لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك ' # وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل ~~الجنة ' فالكلام جملة | واحدة ، وقوله : ' من أحصاها دخل الجنة ' صفة لا ~~خبر مستقبل ، والمعنى : له أسماء متعددة | من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة ~~، وهذا كقولك : لفلان ألف شاة أعدها للأضياف فلا | يدل على أنه لا يملك ~~غيرها . وهذا لا خلاف بين العلماء فيه . # وقوله تعالى : ^ ( وذروا الذين يلحدون في أسمئه ) ^ [ الأعراف : 180 ] أي ~~: اتركوهم ، | وأعرضوا عن مجادلتهم ، قال ابن القيم : والإلحاد في أسمائه : ~~هو العدول بها وبحقائقها | ومعانيها عن الحق الثابت لها ، وهو مأخوذ من ~~الميل كما يدل عليه مادة اللحد ، ومنه | اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي ~~قد مال عن الوسط ، ومنه اللحد في الدين المائل عن | الحق إلى الباطل . # إذا عرف هذا فالإلحاد في أسمائه : - # أحدها : أن يسمي الأصنام بها ، كتسميتهم اللات من الإله ، والعزى من ~~العزيز ، | وتسميتهم الصنم ms490 إلها ، وهذا إلحاد حقيقة ، فهم عدلوا بأسمائه ~~إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة . # الثاني : تسميته بما لا يليق بجلاله ، كتسمية النصارى له أبا وتسمية ~~الفلاسفة له موجبا | بذاته ، أو علة فاعلة بالطبع ، ونحو ذلك . # وثالثها : وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص ، كقول أخبث اليهود : ~~إنه فقير ، | وقولهم : إنه استراح بعد أن خلق خلقه ، وقولهم : يد الله ~~مغلولة ، وأمثال ذلك مما هو | إلحاد في أسمائه وصفاته . # ورابعها : تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها ، وجحد حقائقها ، كقول من ~~يقول من | الجهمية ، وأتباعهم : إنها ألفاظ مجردة ، لا تتضمن صفات ، ولا ~~معاني ، فيطلقون عليه اسم | السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم ، ~~ويقولون : لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا | PageV01P547 | كلام ولا إرادة ~~تقوم به ، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا وشرعا ولغة وفطرة ، وهو يقابل | ~~إلحاد المشركين ، فإن أولئك أعطوا من أسمائه وصفاته لآلهتهم ، وهؤلاء سلبوا ~~كماله ، | وجحدوها ، وعطلوها وكلاهما ألحد في أسمائه ، ثم الجهمية وفروخهم ~~متفاوتون في هذا | الإلحاد ، فمنهم الغالي والمتوسط والمتلوث ، وكل من جحد ~~شيئا مما وصف الله به نفسه ، | أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ~~ألحد في ذلك فليقل أو ليستكثر . # وخامسها : تشبيه صفاته بصفات خلقه ، تعالى الله عما يقول المشبهون علوا ~~كبيرا ، فهذا | الإلحاد في مقابله إلحاد المعطلة ، فإن أولئك نفوا صفات ~~كماله وجحدوها ، وهؤلاء شبهوها | بصفات خلقه ، فجمعهم الإلحاد ، وتفرقت بهم ~~طرقه ، وبرأ الله أتباع رسوله ، وورثته القائمين | بسنته عن ذلك كله ، فلم ~~يصفوه إلا بما وصف به نفسه ، ولم يجحدوا صفاته ، ولم يشبهوها | بصفات خلقه ~~، ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى ، بل أثبتوا له الأسماء | ~~الصفات ، ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه ، ~~وتنزيههم خاليا من | التعطيل ، لا كمن شبه كأنه يعبد صنما ، أو عطل حتى ~~كأنه لا يعبد إلا عدما ، وأهل السنة | وسط في النحل ، كما أن أهل الإسلام ~~وسط في الملل توقد مصابيح معارفهم من شجرة | مباركة زيتونة ، لا شرقية ولا ~~غربية يكاد زيتها يضيء ، ولو لم تمسه نار ms491 نور على نور يهدي | الله لنوره من ~~يشاء @QB@ سيجزون ما كانوا يعملون @QE@ وعيد وتهديد . # قوله : ^ ( يلحدون في أسمئه ) ^ يشركون ، أي : يشركون غيره في أسمائه ~~كتسميتهم | الصنم إلها ، ويحتمل أن المراد الشرك في العبادة ، لأن أسماءه ~~تعالى تدل على التوحيد ، | فالإشراك بغيره إلحاد في معاني أسمائه سبحانه ~~وتعالى لا سيما مع الإقرار بها ، كما كانوا | يقرون بالله ويعبدون غيره ، ~~فهذا الاسم وحده أعظم الأدلة على التوحيد ، فمن عبد غيره ؛ | فقد ألحد في ~~هذا الاسم ، وعلى هذا بقية الأسماء ، وهذا الأثر لم يروه ابن أبي حاتم عن | ~~ابن عباس إنما رواه عن قتادة فاعلم ذلك . # قوله : ' وعنه : سموا اللات من الإله ، والعزى من العزيز ' . هذا الأثر ~~معطوف على | سابقه ، أي : رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ، وكذلك الأثر ~~الثاني عن الأعمش معطوف | على سابقه أي : رواه ابن أبي حاتم عنه . # والأعمش اسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي الفقيه ثقة حافظ ورع مات ~~سنة | 147 وكان مولده أول سنة 61 . # قوله : ' يدخلون فيها ما ليس منها ' أي : كتسمية النصارى له أبا ونحوه ~~كما سبق . # # PageV01P548 | ( ب [ 51 ] باب : لا يقال السلام على الله ) | لما كان ~~حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر والعيوب ، | ~~فإذا قال المسلم : السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه ، وطلب له أن يسلم من ~~الشر كله ، | والله هو المطلوب منه لا المطلوب له ، وهو المدعو لا المدعو ~~له ، وهو الغني له ما في | السموات وما في الأرض ، استحال أن يسلم عليه ~~سبحانه وتعالى ، بل هو المسلم على | عباده كما قال تعالى : @QB@ قل الحمد ~~لله وسلام على عباده الذين اصطفى @QE@ [ النمل : 59 ] وقال : | @QB@ وسلام ~~على المرسلين @QE@ [ الصافات : 181 ] وقال : @QB@ تحيتهم يوم يلقونه سلام ~~@QE@ [ الأحزاب : | 44 ] فهو السلام ومنه السلام لا إله غيره ولا رب سواه . # في ' الصحيح ' عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : كنا إذا كنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في | الصلاة قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام ~~على فلان ، فقال النبي صلى ms492 الله عليه وسلم : ' لا تقولوا السلام | على الله ~~، فإن الله هو السلام ' . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' الصحيحين ' . | PageV01P549 # قوله : ' قلنا : السلام على الله ' أي : يقولون ذلك في التشهد الأخير كما ~~هو مصرح به | في بعض ألفاظ الحديث : كنا نقول قبل أن يفرض التشهد : السلام ~~على الله ، فقال | النبي صلى الله عليه وسلم : ' إن الله هو السلام ، ولكن ~~قولوا التحيات لله ' . # قوله : ' فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا تقولوا السلام على الله ' ~~أي : والله أعلم - لما تقدم وكأن | السلام اسمه ، كما يرشد إليه آخر الحديث ~~. # قوله : ( فإن الله هو السلام ) . أنكر عليه السلام التسليم على الله ، ~~وأخبر أن ذلك عكس | ما يجب له سبحانه ، فإن كل سلام ورحمة له ومنه فهو ~~مالكها ومعطيها ، وهو السلام . # قال ابن الأنباري : أمرهم أن يعرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى السلامة . # وقال غيره : وهذا كله حماية منه صلى الله عليه وسلم لجانب التوحيد حتى ~~يعرف الله تعالى ما يستحقه | من الأسماء والصفات وأنواع العبادات . # قوله : ( السلام على فلان وفلان ) . اختلف العلماء في معنى السلام ~~المطلوب عند التحية | على قولين : # أحدهما : أن المعنى اسم السلام عليكم ، والسلام هنا هو الله عز وجل . ~~ومعنى | الكلام : نزلت بركة اسم السلام عليكم ، وحملت عليكم فاختير في هذا ~~المعنى من أسمائه | اسم السلام دون غيره ، ويدل عليه قوله في آخر الحديث . # قوله : ( فإن الله هو السلام ) . فهذا صريح في كون السلام اسما من أسمائه ~~، فإذا قال | المسلم : السلام عليكم ؛ كان معناه اسم السلام عليكم ، يدل ~~عليه ما رواه أبو داود ، عن | ابن عمر أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار ، ثم تيمم ورد | عليه وقال : ' إني ~~كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ' ففي هذا بيان أن السلام ذكر لله وإنما | ~~PageV01P550 | يكون ذكرا إذا تضمنت اسما من أسمائه . # الثاني : أن السلام مصدر بمعنى السلامة ، وهو المطلوب المدعو به عند ~~التحية ، لأنه | ينكر بلا ألف ولام ، فيجوز أن يقول المسلم : سلام عليكم ، ~~ولو ms493 كان اسما من أسمائه تعالى | لم يستعمل كذلك ، بل كان يطلق عليه معرفا ~~كما يطلق على سائر أسمائه الحسنى . فيقال : | السلام ، المؤمن ، المهيمن ، ~~فإن التنكير لا يصرف اللفظ إلى معين ، فضلا عن أن يصرفه | إلى الله وحده ، ~~بخلاف المعرف فإنه ينصرف إليه تعيينا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى . ويدل | على ~~ذلك عطف الرحمة والبركة عليه في قوله : سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، ~~ولأنه لو | كان اسما من أسمائه تعالى لم يستقم الكلام بالإضمار ، وذلك خلاف ~~الأصل ولا دليل | عليه ، ولأنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى ، وإنما ~~المقصود منه الإيذان بالسلامة | خبرا ودعاء . # قال ابن القيم : والصواب في مجموعهما أي : القولين ، وذلك أن من دعا الله ~~بأسمائه | الحسنى يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك ~~المطلوب المناسب | لحصوله ، حتى كأن الداعي مستشفع إليه ، متوسل به . فإذا ~~قال : رب اغفر لي ، وتب علي | إنك أنت التواب الرحيم الغفور ، فقد سأله ~~أمرين ، وتوسل إليه باسمين من أسمائه ، | مقتضيين لحصول مطلوبه وهذا كثير ~~جدا وإذا ثبت هذا فالمقام لما كان مقام طلب السلامة | التي هي أهم ما عند ~~الرجل أتى في طلبها بصيغة اسم من أسمائه تعالى ، وهو السلام الذي | تطلب ~~منه السلامة . | فتضمن لفظ السلام معنيين . # أحدهما : ذكر الله تعالى كما في حديث ابن عمر . # والثاني : طلب السلامة وهو مقصود المسلم . فقد تضمن ' سلام عليكم ' اسما ~~من | أسماء الله ، وطلب السلامة منه . انتهى ملخصا . | PageV01P551 | # | [ 52 ] ( باب قول : اللهم اغفر لي إن شئت ) # ش : لما كان العبد لا غناء له عن رحمة الله ومغفرته طرفة عين ، بل فقير ~~بالذات إلى | الغني بالذات كما قال تعالى : @QB@ يا أيها الناس أنتم ~~الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد @QE@ | [ فاطر : 15 ] نهى عن قول ~~ذلك ؛ لما فيه من إيهام الاستغناء عن مغفرة الله ورحمته كما | سيأتي ، وذلك ~~مضاد للتوحيد . # في ' الصحيح ' عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' لا ~~يقولن أحدكم : اللهم اغفر لي | إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، ليعزم ms494 ~~المسألة ، فإن الله لا مكره له ' ولمسلم ' وليعظم | الرغبة ، فإن الله لا ~~يتعاظمه شيء أعطاه ' . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' الصحيحين ' . | PageV01P552 # قوله : ' اللهم اغفر لي إن شئت ' قال القرطبي : إنما نهى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا القول ، | لأنه يدل على فتور الرغبة ، وقلة الاهتمام ~~بالمطلوب . وكأن هذا القول يتضمن أن هذا | المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه ~~، ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار | والاضطرار الذي هو روح ~~عبادة الدعاء ، وكان ذلك دليلا على قلة معرفته بذنوبه ، وبرحمة | ربه . ~~وأيضا فإنه لا يكون موقنا بالإجابة . وقد قال عليه السلام : ' ادعوا الله ~~وأنتم موقنون | بالإجابة ، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل ' . # قوله : ' ليعزم المسألة ' . قال القرطبي أي : ليجزم في طلبته ، ويحقق ~~رغبته ، ويتيقن | الإجابة ، فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما يطلب من ~~المغفرة والرحمة ، وعلى أنه | مفتقر إلى ما يطلب مضطر إليه ، وقد وعد الله ~~المضطر بالإجابة بقوله : ^ ( أمن يجيب المضطر | إذا دعاه ) ^ [ النمل : 62 ~~] . # قوله : ' فإنه لا مكره له ' . أي : فإن الله لا مكره له . هذا لفظ ~~البخاري في الدعوات ، | ولفظ مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ' لا يقولن أحدكم : ' اللهم اغفر لي إن | شئت ، اللهم ~~ارحمني إن شئت ، ليعزم المسألة في الدعاء ، فإن الله صانع ما شاء ، لا مكره ~~له ' . # قال القرطبي : هذا إظهار لعدم فائدة تقبل الاستغفار والرحمة بالمشيئة . ~~كأن الله تعالى | لا يضطره إلى فعل شيء دعاء ولا غيره ، بل يفعل ما يريد ~~ويحكم ما يشاء . ولذلك قيد الله | تعالى الإجابة بالمسألة في قوله : @QB@ ~~فيكشف ما تدعون إليه إن شاء @QE@ [ الأنعام : 41 ] فلا معنى | لاشتراط ~~المشيئة بقيله . | PageV01P553 # قوله : ' ولمسلم ' أي : من وجه آخر . # قوله : ' وليعظم الرغبة ' هو بالتشديد ، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه ~~يقال : تعاظم زيد | هذا الأمر ، أي : كبر عليه وعسر . قال : والرغبة يعني ~~الطلبة والحاجة التي يريد . # وقيل : السؤال والطلب بتكرار الدعاء والإلحاح فيه ، والأول أظهر ، أي : ~~لسعة ms495 جوده | وكرمه ، لا يعظم عليه إعطاء شيء ، بل جميع الموجودات في أمره ~~يسير ، وهو أكبر من | ذلك ، وهذا هو غاية المطالب ، فالاقتصار على الداني ~~في المسألة إساءة ظن بجوده وكرمه . | PageV01P554 | # | ( [ 53 ] باب : لا يقول عبدي وأمتي ) # ش : أي : لما في ذلك من الإيهام من المشاركة في الربوبية ، فنهي عن ذلك ~~أدبا مع | جناب الربوبية ، وحماية لجناب التوحيد . # قال في ' الصحيح ' عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' ~~لا يقل أحدكم : أطعم | ربك ، وضيء ربك ، وليقل : سيدي ومولاي ، ولا يقل ~~أحدكم : عبدي وأمتي ، وليقل : فتاي | وفتاتي وغلامي ' # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' الصحيحين ' # قوله : ' لا يقل أحدكم ' هو بالجزم على النهي ، والمراد أن يقول ذلك ~~لمملوكه أو | مملوك غيره ، فالكل منهي عنه . # قوله : ' ' أطعم ربك ' بفتح الهمزة من الإطعام . # قوله : ' وضيء ربك ' أمر من الوضوء وفيهما في هذا الحديث زيادة ' اسق ربك ~~' وكأن | المؤلف اختصرها . قال الخطابي : وسبب المنع أن الإنسان مربوب معبد ~~بإخلاص التوحيد لله | تعالى ، وترك الإشراك به ، فترك المضاهاة بالاسم لئلا ~~يدخل في معنى الشرك ، ولا فرق في | ذلك بين الحر والعبد . وأما من لا تعبد ~~عليه من سائر الحيوانات والجمادات ، فلا يكره أن | يطلق ذلك عليه عند ~~الإضافة كقوله : رب الدار والثوب # قال ابن مفلح في ' الفروع ' : وظاهر النهي التحريم ، وقد يحتمل أنه ~~للكراهية ، وجزم | به غير واحد من العلماء . فإن قلت : قد قال الله تعالى ~~حكاية عن يوسف عليه السلام : | @QB@ اذكرني عند ربك @QE@ [ يوسف : 42 ] ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراط الساعة : ' أن تلد الأمة | ~~PageV01P555 | ربتها ' فهذا يدل على الجواز . # قيل : فأما الآية ففيها جوابان . # أحدهما وهو الأظهر : أن هذا جائز في شرع من قبلنا ، وقد ورد شرعنا بخلافه ~~. # والثاني : أنه ورد لبيان الجواز ، والنهي للأدب والتنزيه دون التحريم . ~~وأما الحديث | فليس من هذا الباب للتأنيث ، والنهي عنه أن يقول ذلك للذكر ~~لما فيه من إيهام المشاركة ، | وهو معدوم في الأنثى . أو يقال : بحمله على ~~الكراهة في الأنثى أيضا لورود ms496 الحديث بذلك | دون الذكر ، لأنه لم يرد فيه ~~إلا النهي ، ويقال وهو أظهر : إن هذا ليس فيه إلا وصفها بذلك | لا دعاؤها ~~به ، وتسميتها به ، وفرق بين الدعاء والتسمية ، وبين الوصف ، كما تقول : ~~زيد | فاضل ، فتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به . # قوله : ' وليقل سيدي ' قيل : إن الفرق بين الرب والسيد ، أن الرب من ~~أسماء الله تعالى | اتفاقا ، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى ؟ ~~ولم يأت في القرآن أنه من أسماء | الله ، لكن في حديث عبد الله بن الشخير ' ~~السيد الله ' وسيأتي . فإن قلنا : ليس من أسماء | الله فالفرق واضح ، إذ لا ~~التباس ، وإن قلنا : إنه من أسماء الله فليس في الشهرة والاستعمال ، | كلفظ ~~الرب فيحصل الفرق . وأما من حيث اللغة فالسيد من السؤدد وهو التقدم ، يقال ~~: ساد | قومه إذا تقدمهم ، ولا شكر في تقديم السيد على غلامه ، فلما حصل ~~الافتراق جاز | الإطلاق . # قلت : وحديث ابن الشخير لا ينفي إطلاق لفظ السيد على غير الله ، بل ~~المراد أن الله | هو الأحق بهذا الاسم بأنواع العبارات ، كما أن غيره لا ~~يسمى به . | PageV01P556 # ومولاي . قال النووي : المولى يطلق على ستة عشر معنى ، منها الناظر ~~والمولى | والمالك ، وحينئذ فلا بأس أن يقول : مولاي . # قال في ' الفروع ' ولا يقل : عبدي وأمتي ، كلكم عبيد الله ، وإماء الله . ~~ولا يقل العبد | لسيدة : ربي . وفي مسلم أيضا ' ولا مولاي فمولاكم الله ' . ~~وظاهر النهي للتحريم . وقد | يحتمل أنه للكراهة ، وجزم به غير واحد من ~~العلماء كما في ' شرح مسلم ' انتهى كلامه . # قلت : فظاهر رواية مسلم معارضة لحديث الباب . وأجيب بأن مسلما قد بين ~~الاختلاف | فيه عن الأعمش ، وأن منهم من ذكر هذه الزيادة ، ومنهم من حذفها ~~. # قال عياض : وحذفها أصح . فظهر أن اللفظ الأول أرجح ، وإنما صرنا للترجيح ~~| للتعارض بينهما والجمع متعذر ، والعلم بالتاريخ مفقود ، فلم يبق إلا ~~الترجيح . # قلت : الجمع ممكن بحمل النهي على الكراهة ، أو على خلاف الأولى . # قوله : ' ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي ' لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها ~~الله تعالى ، | ولأن ms497 فيها تعظيما لا يليق بالمخلوق ، وقد بين النبي صلى ~~الله عليه وسلم العلة في ذلك . كما رواه أبو داود | بإسناد صحيح عن أبي ~~هريرة مرفوعا : ' لا يقولن أحدكم : عبدي وأمتي ، ولا يقولن | المملوك : ربي ~~وربتي ، وليقل المالك : فتاي وفتاتي ، وليقل المملوك : سيدي وسيدتي ، | ~~فإنكم المملوكون ، والرب الله عز وجل ' ورواه أيضا بإسناد صحيح موقوفا ، ~~فهذه علة | له . وفي رواية لمسلم ' لا يقولن أحدكم : عبدي فإن كلكم عبيد ~~الله ' . | PageV01P557 # قال في ' مصابيح الجامع ' النهي إنما جاء متوجها إلى السيد إذ هو في مظنة ~~الاستطالة ، | وأما قول الغير : هذا عبد زيد ، وهذه أمة خالد فجائز ، لأنه ~~يقول إخبارا أو تعريفا ، وليس في | مظنة الاستطالة . # قلت : وهو حسن ، وقد رويت أحاديث تدل على ذلك ، وقال أبو جعفر النحاس : ~~لا | نعلم بين العلماء خلافا أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين ~~: مولاي ، ولا يقول : | عبدك وعبدي ، وإن كان مملوكا ، وقد حظر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على المملوكين ، فكيف للأحرار ؟ # قوله : ' وليقل فتاي وفتاتي وغلامي ' أي : لأنها ليست دالة على الملك ~~كدلالة عبدي | وأمتي ، فأرشد عليه السلام إلى ما يؤدي المعنى من السلامة من ~~الإيهام والتعاظم مع أنها | تطلق على الحر والمملوك ، لكن إضافته تدل على ~~الإخلاص . | PageV01P558 | # | ( [ 54 ] باب : لا يرد من سأل بالله ) # ش : أي : إعظاما وإجلالا لله تعالى أن يسأل به في شيء ، ولا يجاب السائل ~~إلى سؤاله | ومطلوبه ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، بإبرار القسم ~~وتنازعوا هل هو أمر استحباب ، أو إيجاب ؟ | وظاهر كلام شيخ الإسلام التفريق ~~بين أن يقصد إلزامه بالقسم فتجب إجابته ، أو يقصد | إكرامه فلا تجب عليه . ~~ولهذا أوجب على المقسم في الأولى الكفارة ، إذا لم يفعل | المحلوف عليه ، ~~دون الثانية ، لأنه كالأمر ، ولا يجب إذا كان للإكرام لأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أبا بكر | بوقوفه في الصف ولم يقف ، ولأن أبا بكر أقسم على النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ليخبرنه بالصواب والخطأ | لما فسر الرؤيا ، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم ms498 : ' لا تقسم ' كما في ' الصحيحين ' قال : لأنه ~~علم أنه لم | PageV01P559 | يقصد الإقسام عليه مع المصلحة المقتضية للكتم . # قال : عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ' من استعاذ بالله | فأعيذوه ، ومن سأل بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ~~، ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه ، | فإن لم تجدوا [ ما تكافئونه ] فادعوا ~~له حتى تروا أنكم قد كافأتموه ' رواه أبو داود ، والنسائي | بسند صحيح . # ش : قوله : ' من استعاذ بالله فأعيذوه ' ، أي : من سألكم أن تدفعوا عنه ~~شركم أو شر | غيركم بالله ، كقوله : بالله عليك أن تدفع عني شر فلان أو شرك ~~، أعوذ بالله من شرك أو شر | فلان ونحو ذلك ، فأعيذوه ، أي : امنعوه مما ~~استعاذ منه وكفوه عنه لتعظيم اسم الله تعالى ، | ولهذا قالت الجونية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم : أعوذ بالله منك قال : ' لقد عذت بمعاذ ، الحقي بأهلك ~~' | ولفظ أبي داود ' من استعاذكم بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ' . # قوله : ' ومن سأل بالله فأعطوه ' وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود ' ~~ومن | سألكم بوجه الله فأعطوه ' ومعناه ظاهر ، وهو يقول أسألك بالله أو ~~بوجه الله ونحو ذلك ، | PageV01P560 | أن تفعل أو تعطيني كذا ، ويدخل في ~~ذلك القسم عليه بالله أن يفعل كذا ، وظاهر الحديث ، | وجوب إعطائه ما سأل ~~ما لم يسأل إثما ، أو قطيعة رحم . وقد جاء الوعيد على ذلك في | عدة أحاديث ~~، منها حديث أبي موسى مرفوعا ' ملعون من سئل بوجه الله ، وملعون من يسأل | ~~بوجهه ثم منع سائله ، ما لم يسأل هجرا ' رواه الطبراني . قال في ' تنبيه ~~الغافلين ' : ورجال | إسناده رجال الصحيح ، إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح ~~، والأكثر على توثيقه ، فإن بلغ | هذا الإسناد أو إسناد غيره مبلغا يحتج به ~~كان ذلك من الكبائر . # وعن أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع مرفوعا ' ملعون من سأل بوجه الله ، ~~وملعون من | سئل بوجه الله فمنع سائله ' رواه الطبراني أيضا . # وعن ابن عباس مرفوعا : ' ألا أخبركم بشر الناس : رجل يسأل بالله ولا يعطي ~~' . رواه | الترمذي وحسنه ms499 ، وابن حبان في ' صحيحه ' . | PageV01P561 # وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ألا أخبركم ~~بشر البرية ؟ ' قالوا : بلى يا | رسول الله قال : ' الذي يسأل بالله ولا ~~يعطي ' رواه أحمد . # إذا تبين هذا فهذه الأحاديث دالة على إجابة من سئل بالله أو أقسم به ، ~~ولكن قال شيخ | الإسلام : إنما تجب على معين ، فلا تجب على سائل يقسم على ~~الناس ، وظاهر كلام الفقهاء | أن ذلك مستحب كإبرار القسم ، والأول أصح . # قوله : ' ومن دعاكم فأجيبوه ' أي : من دعاكم إلى طعام فأجيبوه فإن كانت ~~وليمة | عرس وتوفرت الشروط المبينة في كتب الفقه وجبت الإجابة ، وإن كان ~~لغيرها استحب | إجابتها ، وتجب مطلقا وهو الصحيح لظاهر الأحاديث ، وهي لم ~~تفرق بين وليمة العرس | وغيرها ، وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب . # قوله : ' ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه ' المعروف : اسم جامع للخير . ~~وقوله : | ' فكافئوه ' أي : على إحسانه بمثل أو خير منه ، وقد أشار شيخ ~~الإسلام إلى مشروعية | المكافأة ، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها ، ~~فهو إذا أحسن إليه ولم يكافئه | يبقى في قلبه نوع تأله لمن أحسن إليه ، ~~فشرع قطع ذلك بالمكافأة ، فهذا معنى كلامه . وقال | غيره : إنما أمر ~~بالمكافأة ليخلص القلب من إحسان الخلق ويتعلق بالحق . ولفظ أبي داود : | ~~PageV01P562 | ' من أتى إليكم معروفا ' . # قوله : ' فإن لم تجدوا ما تكافئوه ' هكذا ثبت بحذف النون في خط المصنف ، ~~وهكذا | هو في غيره من أصول الحديث . قال الطيبي : سقطت من غير ناصب ولا ~~جازم ، إما تخفيفا | أو سهوا من الناسخ . # قوله : ' فادعوا له . . . الخ ' يعني من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه ~~بمثله ، فإن لم | تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة ، ~~ووجه المبالغة أنه رأى في نفسه | تقصيرا في المجازاة لعدم القدرة عليها ، ~~فأحالها إلى الله ، ونعم المجازي هو ، وهذا | الحديث رواه أيضا أحمد بإسناد ~~صحيح ، وابن حبان ، والحاكم ، وصححه النووي . # وقد روى الترمذي وصححه النسائي وابن حبان عن أسامة بن زيد مرفوعا : ' من ~~صنع | إليكم معروفا فقال للفاعل : جزاك الله خيرا فقد ms500 أبلغ في الثناء ' . | ~~PageV01P563 | # | ( [ 55 ] باب : لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ) # أي إعظاما وإجلالا وإكراما لوجه الله أن يسأل به إلا غاية المطالب ، وهذا ~~من معاني | قوله تعالى : @QB@ ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام @QE@ [ ~~الرحمن : 27 ] . # قال : عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' لا ~~يسأل بوجه الله إلا الجنة ' . | رواه أبو داود أيضا # ش : قوله : ' عن جابر ' . هو جابر بن عبد الله . # قوله : ' لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ' روي بالنفي والنهي ، وروي ~~بالبناء للمجهول ، وهو | الذي في الأصل ، وروي بالخطاب للمفرد ، وفيه إثبات ~~الوجه خلافا للجهمية ونحوهم ، | فإنهم أولوا الوجه بالذات ، وهو باطل ، إذ ~~لا يسمى ذات الشيء وحقيقته وجها ، فلا يسمى | الإنسان وجها ، ولا تسمى يده ~~وجها ، ولا تسمى رجله وجها . والقول في الوجه عند أهل | السنة كالقول في ~~بقية الصفات ، فيثبتونه لله على ما يليق بجلاله وكبريائه من غير كيف ولا | ~~تحديد ، إثبات بلا تمثيل ، وتنزيه بلا تعطيل . # قوله : ' إلا الجنة ' كأن يقول ' اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تدخلني ~~الجنة ' | وقيل : المراد لا تسألوا من الناس شيئا بوجه الله كأن يقول : ~~أعطني شيئا بوجه الله ، فإن الله | أعظم من أن يسأل به شيء من الحطام . # قلت : والظاهر أن كلا المعنيين صحيح ، قال الحافظ العراقي : وذكر الجنة ~~إنما هو | للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص ، فلا يسأل بوجهه في ~~الأمور الدنيئة ، بخلاف | PageV01P564 | الأمور العظام تحصيلا أو دفعا ، ~~كما يشير إلى استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم به . # قلت : والظاهر أن المراد لا يسأل بوجه الله إلا الجنة ، أو ما هو وسيلة ~~إليها ، | كالاستعاذة بوجه الله من غضبه ومن النار ونحو ذلك مما هو وارد في ~~أدعيته صلى الله عليه وسلم وتعوذاته . # ولما نزل قوله تعالى : @QB@ قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من ~~فوقكم @QE@ قال النبي صلى الله عليه وسلم | أعوذ بوجهك @QB@ أو من تحت ~~أرجلكم @QE@ [ الأنعام : 65 ] قال : ' أعوذ بوجهك ' رواه البخاري . | وهذا ~~الحديث رواه في ' المختارة ms501 ' أيضا ولكن في إسناده سليمان بن معاذ . قال ابن ~~معين : | ليس بشيء ، وضعفه عبد الحق وابن القطان . | PageV01P565 | # | 55 ( [ 56 ] باب : ما جاء في اللو ) # اعلم أن من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر رضا بالله ربا فإن هذا ~~من جنس | المصائب ، والعبد مأمور عند المصائب بالصبر والإرجاع والتوبة . ~~وقول ' لو ' لا يجدي عليه | إلا الحزن والتحسر مع ما يخاف توحيده من نوع ~~المعاندة للقدر الذي لا يكاد يسلم منها من | وقع منه هذا إلا ما شاء الله ، ~~فهذا وجه إيراده هذا الباب في التوحيد . # قال : وقول الله تعالى : ^ ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~ههنا ) ^ [ آل عمران : | 154 ] . # ش : قال ابن كثير : فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله : ^ ( يقولون لو كان ~~لنا من الأمر | شيء ما قتلنا ههنا ) ^ أي : يسرون هذه المقالة عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . # قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن [ عباد ] بن عبد الله بن الزبير عن أبيه ~~عن | عبد الله بن الزبير قال : لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين اشتد الخوف علينا : أرسل | الله علينا النوم ، فما منا رجل إلا ذقنه في ~~صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن | قشير ما أسمعه إلا كالحلم ^ ( لو كان ~~لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) ^ فحفظتها منه ، وفي | ذلك أنزل الله عز ~~وجل ^ ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) ^ . لقول معتب . | ~~رواه ابن أبي حاتم . قال الله تعالى : @QB@ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم @QE@ أي : هذا قدر مقدر من الله عز وجل ~~، وحكم حتم لازم لا محيد عنه ولا | مناص منه . | PageV01P566 # قلت : فتبين وجه إيراد المصنف الآية على الترجمة ، لأن قول ' لو ' في ~~الأمور المقدرة | من كلام المنافقين ، ولهذا رد الله عليهم ذلك بأن هذا قدر ~~، فمن كتب عليه شيء فلا بد أن | يناله ، فماذا يغني عنكم قول ' لو ' و ' ~~ليت ' إلا الحسرة والندامة ؟ ! فالواجب عليكم في هذه | الحالة الإيمان ms502 ~~بالله والتعزي بقدره مع ما ترجون من حسن ثوابه ، وفي ذلك عين الفلاح لكم | ~~في الدنيا والآخرة ، بل يصل الأمر إلى أن تنقلب المخاوف أمانا والأحزان ~~سرورا وفرحا كما | قال عمر بن عبد العزيز : أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع ~~القضاء والقدر . # قال : وقوله تعالى : @QB@ الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما ~~قتلوا @QE@ [ آل عمران : 168 ] . # ش : روى ابن جرير عن السدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد في ألف رجل ، | وقد وعدهم الفتح إن صبروا ، فلما خرجوا رجع عبد الله بن ~~أبي في ثلاثمائة ، فتبعهم أبو | جابر السلمي يدعوهم ، فلما غلبوه وقالوا له ~~: ما نعلم قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا فنزل | @QB@ الذين قالوا لإخوانهم ~~وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا @QE@ [ آل عمران : 168 ] . # وعن ابن جريج في الآية : قال : هو عبد الله بن أبي @QB@ الذين قالوا ~~لإخوانهم وقعدوا @QE@ | الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد ~~. رواه ابن جرير ، وابن أبي حاتم . # فعلى هذا إخوانهم هم المسلمون المجاهدون ، وسموا إخوانهم لموافقتهم في ~~الظاهر . | وقيل : إخوانهم في النسب لا في الدين @QB@ لو أطاعونا ما قتلوا ~~@QE@ قال ابن كثير : لو سمعوا | مشورتنا عليهم في القعود ، وعدم الخروج ما ~~قتلوا مع من قتل قال الله تعالى : ^ ( فادرءوا عن | أنفسكم الموت إن كنتم ~~صدقين ) ^ أي : إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت | فينبغي أنكم ~~لا تموتون ، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة . فادفعوا عن | ~~أنفسكم الموت إن كنتم صادقين . # قال مجاهد : عن جابر بن عبد الله نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي . # قلت : وكان أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم أحد بعدم الخروج ~~، فلما قدر الله الأمر قال | ذلك تصويبا لرأيه ، ورفعا لشأنه فرد الله عليه ~~وعلى أمثاله ( قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن | كنتم صدقين ) ^ فلا تعذرون ~~عن ذلك . فعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره أي : يستوي الذي في | وسط الصفوف ~~والذي في البروج المشيدة ms503 في القتل والموت . بل ^ ( لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~| الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ) ^ [ آل عمران : 154 ] فلا ينجي حذر ~~من قدر . وفي | ضمن ذلك قول ' لو ' ونحوه في مثل هذا المقام ؛ لأن ذلك لا ~~يجدي شيئا ، إذ المقدر قد | وقع فلا سبيل إلى دفعه أبدا ^ ( واصبر لحكم ربك ~~فإنك بأعيننا ) [ الطور : 48 ] . # قال : في ' الصحيح ' عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال : ' احرص على | ما ينفعك ، واستعن بالله ، ولا تعجز . وإن ~~أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت لكان كذا | PageV01P567 | وكذا ولكن قل : ~~قدر الله وما شاء فعل ؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان ' . # ش : قوله : في ' الصحيح ' أي : ' صحيح مسلم ' . # قوله : ' احرص على ما ينفعك ' الخ . هذا الحديث اختصره المصنف رحمه الله ~~ولفظه | أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' المؤمن القوي خير وأحب إلى ~~الله من المؤمن الضعيف . وفي كل خير ، | احرص على ما ينفعك ' إلى آخره . ~~فقوله عليه السلام : ' المؤمن القوي خير وأحب إلى الله | من المؤمن الضعيف ~~' فيه أن الله سبحانه موصوف بالمحبة ، وأنه يحب على الحقيقة كما قال | @QB@ ~~يحبهم ويحبونه @QE@ [ المائدة : 54 ] وفيه أنه سبحانه يحب مقتضى أسمائه ~~وصفاته ، وما يوافقها | فهو القوي ، ويحب المؤمن القوي ، وهو وتر يحب الوتر ~~، وجميل يحب الجمال ، وعليم | يحب العلماء ، ومحسن يحب المحسنين ، وصبور ~~يحب الصابرين ، وشكور يحب الشاكرين . # قلت : الظاهر أن المراد القوة في أمر الله وتنفيذه ، والمسابقة بالخير ، ~~والأمر بالمعروف | والنهي عن المنكر ، والصبر على ما يصيب في ذات الله ونحو ~~ذلك ، لا قوة البدن . ولهذا | مدح الله الأنبياء بذلك في قوله : ^ ( واذكر ~~عبدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولى الأيدي | والأبصار * ) ^ [ ص : 45 ] ~~فالأيدي : القوة ، والعزائم في تنفيذ أمر الله . وقوله : @QB@ واذكر عبدنا ~~داود ذا الأيد إنه أواب @QE@ [ ص : 17 ] . # وقوله : ' وفي كل خير ' أي : كل من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف على خير ~~| وعافية ، لاشتراكهما في الإيمان والعمل الصالح . ولكن القوي في إيمانه ~~ودينه أحب إلى الله . # وفيه أن محبة ms504 المؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض . # وقوله : ' احرص على ما ينفعك ' هو بفتح الراء وكسرها قال ابن القيم : ~~سعادة الإنسان | في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده . والحرص : هو بذل ~~الجهد واستفراغ الوسع . فإذا | PageV01P568 | صادق ما ينتفع به الحريص كان ~~حرصه محمودا ، وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن | يكون حريصا ، وأن ~~يكون حرصه على ما ينتفع به . فإن حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما | ينفعه ~~بغير حرص ، فإنه من الكمال بحسب ما فاته من ذلك ، فالخير كل في الحرص على | ~~ما ينفع . # قوله : ' واستعن بالله ' قال ابن القيم : لما كان حرص الإنسان وفعله إنما ~~هو بمعونة الله ، | ومشيئته ، وتوفيقه ، أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام ~~إياك نعبد وإياك نستعين فإن حرصه | على ما ينفعه عبادة لله ، ولا تتم إلا ~~بمعونته . فأمره بأن يعبده ويستعين به . وقال غيره : | ' استعن بالله ' أي ~~: اطلب الإعانة في جميع أمورك من الله لا من غيره . كما قال تعالى : | @QB@ ~~إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ [ الفاتحة : 5 ] فإن العبد عاجز لا يقدر على ~~شيء إن | لم يعنه الله عليه ، فلا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله ~~عز وجل . فمن أعانه الله فهو | المعان ، ومن خذله فهو المخذول . # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا ~~: ' الحمد لله نستعينه | ونستهديه ' . # PageV01P569 | ومن دعاء القنوت ' اللهم إنا نستعينك ' # وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في دبر كل صلاة أن يقول : ' اللهم أعني على ~~ذكرك | وشكرك وحسن عبادتك ' . وكان ذلك من دعائه رضي الله عنه . | ~~PageV01P570 # ومنه أيضا ' اللهم أعني ولا تعن علي ' # وإذا حقق العبد مقام الاستعانة وعمل به ، وكان مستعينا بالله عز وجل ، ~~متوكلا عليه ، | راغبا وراهبا إليه ؛ فيستحق له مقام التوحيد إن شاء الله ~~تعالى . # قوله : ' ولا تعجز ' وهو بكسر الجيم وفتحها . استعمل الحرص والاجتهاد ، ~~وفي | تحصيل ما ينفعك من أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك ، ~~وصيانة عيالك | ومكارم أخلاقك . ولا تفرط ms505 في طلب ذلك ، ولا تتعاجز عنه ~~متكلا على القدر ، أو متهاونا | بالأمر . فتنسب للتقصير وتلام على التفريط ~~شرعا وعقلا مع إنهاء الاجتهاد نهايته ، وبلاغ | الحرص غايته . فلا بد من ~~الاستعانة بالله والتوكل عليه والالتجاء في كل الأمور إليه ، فمن | ملك ~~هذين الطريقين حصل على خير الدارين . # وقال ابن القيم : العجز ينافي حرصه على ما ينفعه ، وينافي استعانته بالله ~~، فالحريص | على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز ، فهذا إرشاد له قبل ~~رجوع المقدور إلى ما هو من | أعظم أسباب حصوله ، وهو الحريص عليه مع ~~الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ، ومصدرها | منه ، ومردها إليه . # قوله : ' فإن أصابك شيء ' إلى آخره . العبد إذا فاته ما لم يقدر له فله ~~حالتان : حالة | عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى ' لو ' ولا ~~فائدة في ' لو ' هاهنا ، بل هي | PageV01P571 | مفتاح اللوم والجزع والسخط ~~والأسف والحزن ، وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه صلى الله عليه وسلم عن | ~~افتتاح عمله بهذا المفتاح ، وأمره بالحالة الثانية ، وهي النظر إلى القدر ~~وملاحظته ، وأنه لو | قدر له لم يفته ، ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ~~هاهنا أنفع من شهود القدر ، ومشيئة الرب | النافذة ، التي توجب وجود ~~المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده ، فلهذا قال : ' وإن أصابك | شيء ' أي : ~~غلبك الأمر ولم يحصل المقصود بعد بذل جهده والاستعانة بالله فلا تقل : ' لو ~~| أني فعلت لكان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل ' . فأرشده إلى ما ~~ينفعه في | الحالتين . حالة حصول مطلوبه ، وحالة فواته . فلهذا كان هذا ~~الحديث مما لا يستغني عنه | العبد أبدا ، بل هو أشد إليه شيء ضرورة ، وهو ~~يتضمن إثبات القدر والكسب ، والاختيار ، | والقيام بالعبودية باطنا وظاهرا ~~في حالتي حصول المطلوب وعدمه ، هذا معنى كلام ابن | القيم . وقال القاضي : ~~قال بعض العلماء : هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما ، | ولو أنه ~~فعل ذلك لم يصبه قطعا . فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى ، وأنه لن ~~يصيبه إلا | ما شاء الله ، فليس من هذا ، واستدل ms506 بقول أبي بكر الصديق في ~~الغار : لو أن أحدهم رفع | رأسه لرآنا . قال القاضي : وهذا ما لا حجة فيه ، ~~لأنه أخبر عن مستقبل ، وليس فيه دعوى | لرد القدر بعد وقوعه . قال وكذا ~~جميع ما ذكره البخاري فيما يجوز من ' اللو ' كحديث | ' لولا حدثان قومك ~~بالكفر ، لأتممت البيت على قواعد إبراهيم ' و ' لو كنت راجما بغير | بينة ~~لرجمت هذه ' . . . . . . . . . . . . . . | PageV01P572 | ' لولا أن أشق ~~على أمتي لأمرتهم بالسواك ' وشبه ذلك ، وكله مستقبل لا اعتراض فيه على | ~~قدر ولا كراهة فيه ، لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع ~~وعما هو في قدرته ، | فأما ما ذهب فليس في قدرته . # فإن قيل : ما تصنعون بقوله صلى الله عليه وسلم : ' لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما سقت الهدي ، | ولجعلتها عمرة ' ؟ قيل : هذا كقوله : ' لولا ~~حدثان قومك بالكفر ' ونحوه مما هو خبر عن | مستقبل لا اعتراض فيه على قدر ، ~~بل هو إخبار لهم أنه لو استقبل الإحرام بالحج ؛ ما ساق | الهدى ولا أحرم ~~بالعمرة بقوله لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة حثا لهم وتطييبا | ~~PageV01P573 | لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره ، فليس من المنهي عنه ، بل ~~هو إخبار لهم عما كان يفعل | في المستقبل لو حصل ، ولا خلاف في جواز ذلك ، ~~وإنما ينهى عن ذلك في معارضة القدر | مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع ~~خلاف المقدور . # قوله : ' فإن لو تفتح عمل الشيطان ' أي : من الجزع والعجز واللوم والسخط ~~من القضاء | والقدر ونحو ذلك ، ولهذا من قالها على وجه النهي عنه ، فإن سلم ~~من التكذيب بالقضاء | والقدر لم يسلم من المعاندة له ، واعتقاد أنه لو فعل ~~ما زعم لم يقع المقدور ونحو ذلك ، | وهذا من عمل الشيطان . فإن قيل : ليس ~~في هذا رد للقدر ولا تكذيب به ، إذ تلك الأسباب | التي تمناها من القدر ، ~~فهو يقول : لو أني وقفت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر فإن | القدر ~~يدفع بعضه ببعض . قيل : هذا حق ، ولكن ينفع قبل وقوع القدر المكروه ، فأما ~~إذا ما ms507 | وقع فلا سبيل إلى دفعه ، وإن كان له سبب إلى دفعه أو تخفيفه بقدر ~~آخر ، فهو أولى به من | قول : لو كنت فعلت ، بل وحقيقته في هذه الحال أن ~~يستقبل فعله الذي يدفع به المكروه ، | ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه ، ~~فإنه عجز محض والله يلوم على العجز ، ويحب الكيس | ويأمر به ، والكيس ~~مباشرة الأسباب التي ربط الله بها بمسبباتها النافعة للعبد في معاشه | ~~ومعاده . انتهى ملخصا من كلام ابن القيم . | PageV01P574 | # | ( [ 57 ] باب : النهي عن سب الريح ) # ش : أي لأنها مأمورة ولا تأثير لها في شيء إلا بأمر الله فسبها كسب الدهر ~~، وقد تقدم | النهي عنه ، فكذلك الريح . # قال : عن أبي بن كعب رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~: ' لا تسبوا الريح ، فإذا | رأيتم ما تكرهون ؛ فقولوا : اللهم إنا نسألك ~~خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ، | ونعوذ بك من شر هذه الريح ~~وشر ما فيها وشر ما أمرت به ' صححه الترمذي . # ش : قوله : ' عن أبي بن كعب ' ، أي : ابن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية ~~بن | PageV01P575 | عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر . ~~صحابي بدري جليل ، وكان من | قراء الصحابة وقضاتهم وعلمائهم ، وله مناقب ~~مشهورة اختلف في سنة موته ، فقال الهيثم بن | عدي : مات سنة تسعة عشر وقال ~~خليفة بن خياط : سنة اثنين وثلاثين ، يقال فيها مات أبي بن | كعب ، ويقال : ~~بل مات في خلافة عمر . قلت : وقيل غير ذلك . # قوله : ' لا تسبوا الريح ' أي : لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها ~~فإنها مأمورة | مقهورة ، فلا يجوز سبها ، بل تجب التوبة عند التضرر بها ، ~~وهو تأديب من الله تعالى | لعباده ، وتأديبه رحمة للعباد ، فلهذا جاء في ~~حديث أبي هريرة مرفوعا ' الريح من روح الله | تأتي بالرحمة وبالعذاب ، فلا ~~تسبوها ولكن سلوا الله من خيرها ، وتعوذوا بالله من شرها ' | رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجه . وكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله ~~. # وعن ابن عباس ms508 أن رجلا لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ' ~~لا تلعنوا الريح ، فإنها | مأمورة ، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت ~~اللعنة إليه ' . رواه الترمذي ، وقال : | غريب . | PageV01P576 # قال الشافعي : لا ينبغي شتم الريح فإنها خلق مطيع لله ، وجند من جنوده ، ~~يجعلها الله | رحمة إذا شاء ، ونقمة إذا شاء . ثم روي بإسناده حديث منقطع ~~أن رجلا شكى إلى | رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر ، فقال له : ' لعلك ~~تسب الريح ' . # وقال مطرف : لو حبست الريح عن الناس لأنتن ما بين السماء والأرض . # قوله : ' فإذا رأيتم ما تكرهون ' أي : من الريح إما شدة حرها ، أو بردها ~~، أو قوتها . # قوله : فقولوا : ' اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح ' ، أمر صلى الله ~~عليه وسلم بالرجوع إلى خالقها . | وآمرها الذي أزمة الأمور كلها بيده ، ~~ومصدرها عن قضائه ، فما استجلبت نعمة بمثل طاعته | وشكره ، ولا استدفعت ~~نقمة بمثل الالتجاء إليه والتعوذ به ، والاضطرار إليه والاستكانة له | ~~ودعائه ، والتوبة إليه والاستغفار من الذنوب . قالت عائشة : كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إذا عصفت | الريح قال : ' اللهم إني أسألك من خيرها ، ~~وخير ما فيها ، وخير ما أرسلت به ، وأعوذ بك | من شرها وشر ما فيها وشر ما ~~أرسلت به ' وإذا تخيلت السماء ، تغير لونه ، وخرج ودخل ، | وأدبر وأقبل ، ~~فإذا مطرت سرى ذلك عنه ، فعرفت عائشة ذلك فسألته ، فقال : ' لعله يا عائشة ~~| كما قال قوم عاد @QB@ فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ~~ممطرنا @QE@ [ الأحقاف : 24 ] . | رواه البخاري ومسلم . # فهذا ما أمر به صلى الله عليه وسلم ، وفعله عند الريح وغيرها من الشدائد ~~المكروهات ، فأين هذا ممن | يستغيث بغير الله من الطواغيت والأموات ، ~~فيقولون ، يا فلان الزمها أو أزلها . فالله المستعان . | PageV01P577 | # | ( [ 58 ] باب قول الله تعالى : ) # | ^ ( يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر | من شيء ~~قل إن الأمر كله لله ) ^ [ آل عمران : 154 ] # ش : أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله ، لأن ذلك ~~من | واجبات التوحيد ، ولذلك ms509 ذم الله من أساء الظن به ، لأن مبنى حسن الظن ~~على العلم برحمة | الله وعزته وإحسانه وقدرته وعلمه وحسن اختياره وقوة ~~المتوكل عليه ، فإذا تم العلم بذلك | أثمر له حسن الظن بالله . وقد ينشأ ~~حسن الظن من مشاهدة بعض هذه الصفات وبالجملة | فمن قام بقلبه حقائق معاني ~~أسماء الله وصفاته ، قام به من حسن الظن ما يناسب كل اسم | وصفة ، لأن كل ~~صفة لها عبودية خاصة ، وحسن ظن خاص # وقد جاء الحديث القدسي ، قال الله تعالى : ' أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا ~~معه حين | يذكرني ' رواه البخاري ومسلم . # وعن جابر رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم ، قبل موته ~~بثلاثة أيام يقول : ' لا يموتن | أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل ' ~~رواه مسلم وأبو داود . # وفي حديث عند أبي داود وابن حبان : ' حسن الظن من حسن العبادة ' رواه ~~الترمذي | PageV01P578 # والحاكم ، ولفظهما : ' حسن الظن بالله من حسن العبادة ' . # قوله : ^ ( يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) ^ [ آل عمران : 154 ] قال ~~ابن القيم : ثم أخبر | عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم : ^ ( ~~هل لنا من الأمر من شيء ) ^ [ آل | عمران : 154 ] وقولهم : ^ ( لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا ههنا ) ^ [ آل عمران : 154 ] ، فليس | مقصودهم ~~بالكلمة الأولى والثانية إثبات القدر ، ورد الأمر كله لله ، ولو كان ~~مقصودهم لما | ذموا عليه ، ولما حسن الرد عليهم بقوله : @QB@ قل إن الأمر ~~كله لله @QE@ [ آل عمران : 154 ] ولا | كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية ، ~~ولهذا قال غير واحد من المفسرين : إن ظنهم الباطل | هاهنا هو التكذيب ~~بالقدر ، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وأصحابه | تبعا لهم يسمعون منهم ، لما أصابهم القتل ، ولكان التصرف والظفر ~~لهم ، فكذبهم الله عز | وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن الجاهلية ، وهو ~~الظن المنسوب إلى أهل الجهل | الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم ~~يكن بد من نفاذه : أنهم كانوا قادرين على | دفعه وإن الأمر ms510 لو كان إليهم ~~لما نفذ القضاء ، فأكذبهم الله بقوله : @QB@ قل إن الأمر كله لله @QE@ | ~~فلا يكون إلا ما سبق به قضاؤه وقدره ، وجرى به قلمه وكتابه السابق ، وما ~~شاء الله كان ولا | بد ، شاء الناس أم أبوا ، وما لم يشأ لم يكن ، شاءه ~~الناس أو لم يشاؤوه ، وما جرى عليكم | من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني ~~الذي لا سبيل إلى دفعه ، سواء كان لكم من الأمر شيء أو | لم يكن ، فإنكم لو ~~كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم ؛ لخرج من كتب عليه القتل | من ~~بيته إلى مضجعه ولا بد ، سواء كان له من الأمر شيء أو لم يكن . وهذا من ~~أظهر الأشياء | إبطالا لقول القدرية النفاة ، الذين يجوزون أن يقع ما لا ~~يشاء الله وأن يشاء ما لا يقع . | PageV01P579 # وقوله : @QB@ وليبتلي الله ما في صدوركم @QE@ [ آل عمران : 154 ] أي : ~~يختبر ما فيها من | الإيمان والنفاق ، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا ~~وتسليما ، والمنافق ومن في قلبه مرض لا | بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ~~ولسانه . # قوله : @QB@ وليمحص ما في قلوبكم @QE@ هذه حكمة أخرى ، وهي تمحيص ما في ~~قلوب | المؤمنين ، وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه ، فإن القلوب يخالطها تغليب ~~الطباع وميل النفوس ، | وحكم العادة ، وتزيين الشيطان ، واستيلاء الغفلة ~~مما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام | والبر والتقوى فلو تركت في ~~عافية دائمة مستمرة ، لم تتخلص من هذه المخاطر ولم تتمحص | منه ، فاقتضت ~~حكمة العزيز الرحيم أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه | ~~لمن عرض له داء إن لم يتداركه طبيب بإزالته وتنقيته ممن هو في جسده ، وإلا ~~خيف عليه | من الفساد والهلاك ، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكثرة ~~والهزيمة ، وقتل من قتل منهم | تعادل نعمته عليهم بنصره ، وتأييدهم وظفرهم ~~بقدرتهم ، فله عليهم النعمة التامة في هذا | وهذا # قوله : @QB@ ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم @QE@ ~~[ آل عمران : 154 ] | يعني أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق ، ~~وهم الجازمون بأن الله عز وجل ms511 سينصر | رسوله ، وينجز له مأموله ، ولهذا قال ~~: @QB@ وطائفة قد أهمتهم أنفسهم @QE@ [ آل عمران : 154 ] | يعني : لا ~~يغشاهم النعاس من القلق @QB@ يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية @QE@ كما ~~قال في الآية | الأخرى : @QB@ بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم @QE@ | [ الفتح : 12 ] وهكذا هؤلاء اعتقدوا ~~أن المشركين لما ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة وأن | الإسلام قد باء وأهله ~~. # قال ابن القيم : ظن الجاهلية : هو المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق ، ~~لأنه غير | ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وذاته المبرأة من كل عيب ~~وسوء ، أو خلاف ما يليق | بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية ، وما ~~يليق بوعده الصادق الذي لا يخلفه . وقد ذكر | المؤلف تفسير ابن القيم لهذه ~~الآية ، وهو أحسن ما قيل فيها وسيأتي ما يتعلق به إن شاء الله | تعالى . # وقوله : ^ ( يقولون هل لنا من الأمر من شيء ) ^ [ آل عمران : 154 ] هذا ~~أيضا من حكاية | مقال المنافقين والظاهر أن المعنى : إنا أخرجنا كرها ، ولو ~~كان الأمر إلينا ما خرجنا ، كما | أشار إليه ابن أبي بذلك ، ولفظه استفهام ~~، ومعناه النفي ، أي : ما إن شيء من الأمر ، أي : | أمر الخروج ، وقيل غير ~~ذلك فرد الله عليهم بقوله : @QB@ إن الأمر كله لله @QE@ [ آل عمران : 154 ] ~~| أي : ليس لكم من الأمر شيء ولا لغيركم ، بل الأمر كله لله ، فهو الذي إذا ~~شاء فلا مرد له ، | وقوله : ^ ( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~ههنا ) ^ تقدم الكلام عليها في باب ما جاء | PageV01P580 | في اللو ، وقوله ~~: @QB@ وليبتلي الله ما في صدوركم @QE@ أي : قدر الله هذه الهزيمة والقتل ، ~~ليختبر الله | ما في صدوركم بأعمالكم ، لأنه قد علمه غيبا فيعلمه شهادة لأن ~~المجازاة إنما تقع على من | يعلم مشاهدة ، لا على ما هو معلوم منهم غير ~~مغمور @QB@ وليمحص ما في قلوبكم @QE@ أي : | يطهرها من الشدة والمرض بما ~~يريكم من عجائب آياته وباهر قدرته ، وهذا خاص بالمؤمنين | دون المنافقين ~~@QB@ والله عليم بذات الصدور @QE@ قيل معناه : إن الله لا يبتليكم ليعلم ms512 ما ~~في | صدوركم فإنه عليم بذلك وإنما ابتلاكم ليظهر أسراركم والله أعلم . # قال : وقوله : @QB@ الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء @QE@ [ ~~الفتح : 6 ] # ش : قال ابن كثير : يتهمون الله تعالى في حكمه ، ويظنون بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه أن | يقتلوا ويذهبوا بالكلية ، ولهذا قال : @QB@ عليهم ~~دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم @QE@ [ الفتح : | 6 ] أي : أبعدهم من ~~رحمته @QB@ وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا @QE@ . # قال ابن القيم في الآية الأولى : فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله ~~، وأن أمره | سيضمحل ، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته ، ففسر ~~بإنكار الحكمة ، وإنكار | القدر ، وإنكار أن يتم أمر رسوله ، وأن يظهره على ~~الدين كله ، وهذا هو ظن السوء الذي ظن | المنافقون والمشركون في سورة الفتح ~~، وإنما كان هذا ظن السوء ، لأنه ظن غير ما يليق به | سبحانه ، وما يليق ~~بحكمته وحمده ووعده الصادق ، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة | ~~مستقرة يضمحل معها الحق ، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره ، وأنكر أن ~~يكون قدره | لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد ، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة ؛ ~~@QB@ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ [ ص : 27 ] وأكثر ~~الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما | يفعله بغيرهم ، فقل من ~~يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته ، وهو موجب | حكمته وحمده ، ~~فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا ، وليتب إلى الله تعالى ويستغفره من ظنه | ~~بربه ظن السوء ، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر ، وملامة له ~~، يقول : إنه | كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر ، وفتش نفسك هل ~~أنت سالم . | # % فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة % % وإلا فإني لا إخالك ناجيا % # ش : قوله : ' فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله ' . . . إلى آخره . ~~هذا تفسير غير | واحد من المفسرين وهو مأخوذ من تفسير قتادة والسدي ، وذكر ~~ذلك عنهما ابن جرير وغيره | بالمعنى وقوله : وإن أمره سيضمحل . أي : سيذهب ~~جملة حتى لا يبقى ms513 له أثر . | والاضمحلال : ذهاب الشيء جملة . # قوله : ' وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته ' . قال القرطبي : ~~وقال جويبر عن | الضحاك عن ابن عباس في قوله : @QB@ يظنون بالله غير الحق ~~ظن الجاهلية @QE@ [ آل عمران : 154 ] | يعني التكذيب بالقدر وذلك أنهم ~~تكلموا فيه ، فقال الله : قل إن الأمر كله لله ، يعني : القدر | ~~PageV01P581 | خيره وشره من الله وأما تفسيره بإنكار الحكمة ، فلم أقف عليه ~~عن السلف ، فهو تفسير | صحيح فمن أنكر أن ذلك لم يكن لحكمة بالغة يستحق ~~عليها الحمد والشكر ، فقد ظن بالله | ظن السوء ، وقد أشار تعالى إلى بعض ~~الحكم والغايات المحمودة في ذلك ، في سورة ' آل | عمران ' فذكر شيئا كثيرا ~~منها في الآية المفسرة @QB@ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم ~~والله عليم بذات الصدور @QE@ [ آل عمران : 154 ] فهذا بعض الحكمة في ذلك ~~فمن | أنكره ، فقد ظن ظن السوء بالله وحكمته وعلمه ورحمته لكمال علمه ~~وقدرته ورحمته ، ولأن | من أسمائه الحق ، وذلك هو موجب لهيبته وربوبيته . # قوله : ' لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه ' . أي : لأن الذي يليق به ~~سبحانه أنه يظهر الحق | على الباطل وينصره ، فلا يجوز في عقل ولا شرع أن ~~يظهر الباطل على الحق . قال تعالى : | ^ ( بل نقذف بالحق على البطل فيدمغه ~~فإذا هو زاهق ) ^ [ الأنبياء : 18 ] وقال تعالى : ^ ( وقل جاء | الحق وزهق ~~البطل إن الباطل كان زهوقا * ) ^ [ الإسراء : 81 ] . # قوله : ' ولا يليق بحكمته وحمده ' ، أي : إن الذي يليق بحكمته وحمده أن ~~لا يكون في | السموات ولا في الأرض حركة ولا سكون إلا وله في ذلك الحكمة ~~البالغة والحمد الكامل | التام عليها ، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم الذي ~~وقع على سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ، وعلى | سادات الأولياء ، رضي ~~الله عنهم ، فله سبحانه وتعالى في ذلك الحكمة ، وله عليه الحمد ، | بل ~~والشكر . ومن تأمل ما في سورة ( آل عمران ) في سياق القصة ؛ رأى من ذلك ~~العجب ، | فمن ظن بالله تعالى أنه لا يفعل ذلك بقدرة وحكمة يستحق عليها ~~الحمد والشكر ، فقد ظن ms514 | به ظن السوء . # قوله : ' فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق ~~؛ فهذا | ظن السوء ، لأنه نسبه - أي سبحانه - إلى ما لا يليق بجلاله وكماله ~~ونعوته وصفاته ، فإن | حمده وحكمته وعزته تأبى ذلك ، وتأبى أن يذل حزبه ~~وجنده وأن تكون النصرة المستقرة | والظفر الدائم لأعدائه المشركين ~~المعاندين له ، فمن ظن به ذلك ، فما عرفه ولا عرف | أسماءه وصفاته وكماله . # قوله : ' أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره ' ، أي : فذلك ظن السوء ، ~~لأنه نسبة له | إلى ما لا يليق بربوبيته وملكه وعظمته . # قوله : ' أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد بل زعم أن ~~ذلك | لمشيئة مجردة @QB@ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار ~~@QE@ [ ص : 27 ] . # قال ابن القيم : وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك وغيره لحكمة ~~بالغة | وغاية محمودة يستحق عليها الحمد ، وأن ذلك إنما صدر عن مشيئة مجردة ~~عن حكمة وغاية | PageV01P582 | مطلوبة هي أحب إليه من فواتها ، وأن تلك ~~الأسباب المكروهة المفضية إليها لا يخرج | تقديرها عن الحكمة لانضمامها إلى ~~ما يحب ، وإن كانت مكروهة له ، فما قدرها سدى ولا | شاءها عبثا ، ولا خلقها ~~باطلا @QB@ ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار @QE@ [ ص : 27 ] ~~. # قوله : ' ووعده الصادق ' . لأن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يظهر أمره ودينه على الدين | كله ولو كره المشركون ، فمن ظن به تعالى أن ~~دين نبيه سيضمحل ويبطل ، ولا يظهر على | الدين كله ، فقد ظن به ظن السوء ، ~~لأنه ظن أنه يخلف الميعاد ، والله تعالى لا يخلف | الميعاد . # قوله : ' وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم ، وفيما يفعله ~~بغيرهم ' . | قال ابن القيم : فمن قنط من رحمته ، وأيس من روحه ، فقد ظن به ~~ظن السوء ، ومن جوز | عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ، ويسوي ~~بينهم وبين أعدائه ، فقد ظن به ظن | السوء ومن ظن أنه يترك خلقه سدى معطلين ~~عن الأمر والنهي ، ولا يرسل إليهم ms515 رسله ، ولا | ينزل إليهم كتبه ، فقد ظن ~~به ظن السوء ، ومن ظن أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب | والعقاب في دار ~~يجازي فيها المحسن بإحسانه ، والمسيء بإساءته ، ويبين لخلقه حقيقة ما | ~~اختلفوا فيه ، ويظهر للعالمين كلهم صدقه ، وصدق رسله ، وأن أعداءه كانوا هم ~~الصادقين ، | فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي ~~عمله خالصا لوجهه على | امتثال أمره ، ويبطله عليه بلا سبب من العبد ، أو ~~أنه يعاقبه على فعله سبحانه به ، أو ظن به أنه | يجوز عليه أن يؤيد أعداءه ~~الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله ، وأنه يحسن | منه كل ~~شيء حتى يعذب من أفنى عمره في طاعته ، أي : كمحمد صلى الله عليه وسلم ، ~~فيخلده في الجحيم ، | أو في أسفل سافلين ، ومن استنفذ عمره في عداوته ، ~~وعداوة رسله ودينه ، كأبي جهل فيرفعه | إلى أعلى عليين ، وكلا الأمرين في ~~الحسن سواء عنده ، ولا يعرف امتناع أحدهما ، ووقوع | الآخر إلا بخبر صادق ، ~~وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما ، وحسن الآخر ، فقد ظن به | ظن السوء . ~~ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره باطل ، وتشبيه وتمثيل ، ~~| وترك الحق لم يخبر به ، وإنما رمز إليه رموزا بعيدة ، وصرح دائما ~~بالتشبيه والتمثيل | والباطل ، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم وقواهم ~~وأفكارهم في تحريف كلامه عن | مواضعه ، وتأويله على غير تأويله ، وإعانتهم ~~في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم | لا على كتابه مع قدرته على أن ~~يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به ، ويريحهم من | الألفاظ التي توقعهم ~~في اعتقاد الباطل ؛ فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن به أن يكون له في | ملكه ~~ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه ، فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه ~~لا سمع | له ، ولا بصر ، ولا علم ، ولا إرادة ، ولا كلام يقوم به ، وأنه لم ~~يكلم أحدا من الخلق ، ولا | يتكلم أبدا ، فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه ~~ليس فوق سماواته على عرشه بائنا ms516 من | PageV01P583 | خلقه ، وأن نسبة ذاته ~~تعالى إلى عرشه كنسبتها إلى أسفل سافلين ، وأنه أسفل كما أنه أعلى ، وأن | ~~من قال : سبحان ربي الأسفل كمن قال ، سبحان ربي الأعلى ، فقد ظن به أقبح ~~الظن ، ومن ظن | أنه يحب الكفر والفسوق والعصيان والفساد ، ولا يحب الإيمان ~~والبر والطاعة والصلاح ، فقد | ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه لا يحب ، ولا ~~يرضى ، ولا يغضب ، ولا يوالي ، ولا يعادي ، | ولا يقرب من أحد من خلقه ، ~~ولا يقرب عنده أحد ، وأن ذوات الشياطين في القرب منه ، | كذوات الملائكة ~~المقربين ، فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين ، أو | ~~يفرق بين المتساويين في كل وجه ، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة ~~الصواب بكبيرة | واحدة تكون بعدها ، فيخلده في الجحيم لتلك الكبيرة ، كما ~~يخلد من لم يؤمن به طرفة عين ، | واستنفذ عمره في مساخطه ، ومعاداة رسله ~~ودينه ؛ فقد ظن به ظن السوء . # وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه ، أو وصفه به رسوله ، أو عطل ~~حقائق | ما وصف به نفسه ، ووصفه به رسله ؛ فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن أن ~~له ولدا أو شريكا ، | أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه ، أو أن بينه وبين ~~خلقه وسائط يرفعون حوائجهم إليه ، أو أنه | نصب لعباده أولياء من دونه ، ~~يتقربون بهم إليه ، ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم ، | ويخافونهم ، ~~ويرجونهم ؛ فقد ظن به أقبح الظن وأسوأه ، ومن ظن به أنه ينال ما عنده | ~~بمعصيته ومخالفته ، كما ينال بطاعته ، والتقرب إليه ، فهو من ظن السوء ، ~~ومن ظن أنه إذا | ترك لأجله شيئا لم يعوضه خيرا منه ، أو من فعل شيئا لأجله ~~، لم يعطه أفضل منه ؛ فقد ظن | به ظن السوء ، ومن ظن أنه يغضب على عبده ، ~~ويعاقبه بغير جرم ، ولا سبب من العبد إلا | بمجرد المشيئة ؛ فقد ظن به ظن ~~السوء ، ومن ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة ، وتضرع | إليه وسأل واستعان ~~به ، وتوكل عليه أنه يخيبه ، فقد ظن به ظن السوء ، ومن ظن ms517 أنه يثيبه إذا | ~~عصاه ، كما يثيبه إذا أطاعه ، وسأله ذلك في دعائه ، فقد ظن به خلاف ما هو ~~أهله ، وما لا | يفعله ، ومن ظن أنه إذا أغضبه وأسخطه ، ووقع في معاصيه ، ~~ثم اتخذ من دونه أولياء ، ودعا | من دونه ملكا ، أو بشرا حيا أو ميتا يرجو ~~بذلك أن ينفعه عند ربه ، ويخلصه من عذابه ، فقد | ظن به ظن السوء ، ومن ظن ~~به أنه يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا دائما ~~| في حياته ومماته ، وابتلاه بهم لا يفارقونه ، فلما مات استبدوا بالأمر ~~دون وصيه ، وأهل بيته ، | وسلبوهم حقهم ، وأذلوهم من غير جرم ، ولا ذنب ~~لأوليائه ، وأهل الحق ، وهو يرى ذلك ، | ويقدر على نصرة أوليائه وحزبه ، ~~ولا ينصرهم ، ثم جعل المبدلين لدينه مضاجعيه في حفرته | تسلم أمته عليه ~~وعليهم كل وقت ، كما تظنه الرافضة ؛ فقد ظن به أقبح الظن . انتهى | اختصارا ~~. وهو ينبهك على إحسان الظن بالله في كل شيء . فليعتن اللبيب . اللب : ~~العقل ، | واللبيب العاقل . # قوله : ' ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر ، وملامة له ، ~~وأنه كان ينبغي | PageV01P584 | أن يكون كذا وكذا ' . # | قلت : بل يبوحون بذلك ، ويصرحون به جهارا في أشعارهم وكلامهم . # قال ابن عقيل في ' الفنون ' : الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة ~~بالذهب والفضة ، | ودارا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة ؛ قال : انظر إلى ~~إعطائهم مع سوء أفعالهم ، ولا يزال | يلعنهم ، ويذم معطيهم حتى يقول : فلان ~~يصلي الجماعات والجمع ، ولا يؤذي الذر ، ولا | يأخذ ما ليس له ، ويؤدي ~~الزكاة إذا كان له مال ، ويحج ويجاهد ، ولا ينال خلة بقلبه ، | ويظهر ~~الإعجاب كأنه ينطق إنه لو كانت الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما ترى ، وكان ~~| الصالح غنيا ، والفاسق فقيرا . # قال أبو الفرج ابن الجوزي : وهذه حالة قد شملت خلقا كثيرا من العلماء ~~والجهال ، | أولهم إبليس فإنه نظر بعقله ، فقال : كيف يفضل الطين على جوهر ~~النار ؟ ! وفي ضمن | اعتراضه : إن حكمتك قاصرة وأنا أجود . واتبع إبليس في ~~تفضيله واعتراضه خلق كثير ، مثل | الراوندي والمعري ، ومن قوله ms518 : | # % إذا كان لا يحظى برزقك عاقل % % وترزق مجنونا وترزق أحمقا % # % ولا ذنب يا رب السماء على امرئ % % رأى منك ما لا ينتهي فتزندقا % [ ~~وأمثال ذلك كثير في أولئك الذين ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله ، ~~وانطلقوا إلى | أهوائهم ، واعتمدوا على عقولهم القاصرة التي جعلتهم يعترضون ~~على الله جل وعلا ] # وكان أبو طالب المكي يقول : ليس على المخلوق أضر من الخالق . قال ابن ~~الجوزي : | ودخلت على صدقة بن الحسين الحداد ، وكان فقيها غير أنه كان كثير ~~الاعتراض ، وكان عليه | جرب ، فقال : هذا ينبغي أن يكون على حمد لا علي . ~~وكان يتفقد بعض الأكابر أكولا ، | فيقول ؛ بعث لي هذا على الكبر وقت لا ~~أقدر على أكله . وكان رجل يصحبني قد قارب | ثمانين سنة ، كثير الصلاة ~~والصوم ، فمرض واشتد به المرض ، فقال : إن كان يريد أن أموت | فيميتني ، ~~وأما هذا التعذيب ، فما له معنى ، والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورا . ~~ورأيت | آخر تزيا بالعلم إذا ضاق عليه رزقه يقول : إيش هذا التدبير ؟ وعلى ~~هذا كثير من العوام إذا | ضاقت أرزاقهم اعترضوا ، وربما قالوا : ما يريد ~~يصلي . وإذا رأوا رجلا صالحا مؤذيا قالوا | ما يستحق قدحا في القدر ، وكان ~~قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة ، وقال بعض من تزيا | بالدين : هذا حكم ~~بارد . وما فهم ذلك الأحمق ، فإن لله على الظالم [ أن يسلط عليه أظلم | منه ~~] ، وفي الحمقى من يقول : أي فائدة في خلق الحيات والعقارب ، وما علم أن ~~ذلك | أنموذج لعقوبة المخالف ، وهذا أمر قد شاع ، ولهذا مددت النفس فيه . ~~واعلم أن المعترض | قد ارتفع أن يكون شريكا وعلا الخالق بالحكم عليه ، ~~وهؤلاء كلهم كفرة ، لأنهم رأوا حكمة | الخالق قاصرة ، وإذا كان قد توقف ~~القلب عن الرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم ، يخرج عن الإيمان | ~~PageV01P585 # قال : @QB@ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم @QE@ [ النساء ~~: 65 ] فكيف يصح | الإيمان مع الاعتراض على الله . وكان في زمن ابن عقيل ~~رجل رأى بهيمة على غاية من | السقم ، فقال : وارحمتي لك ، واقلة حيلتي ms519 في ~~إقامة التأويل لمعذبك . فقال له ابن عقيل : | إن لم تقلد على حمل هذا الأمر ~~لأجل رقبتك الحيوانية ومناسبتك الجنسية ، فعندك عقل | تعرف به حكم الصانع ~~وحكمته يوجب عليك التأويل ، فإن لم تجد استطرحت الفاطر | العقل ، حيث خانك ~~العقل عن معرفة الحكمة في ذلك . انتهى . # قوله : ' وفتش نفسك هل أنت سالم ؟ ' . قال ابن القيم أكثر الخلق إلا من ~~شاء الله | يظنون بالله غير الحق ، وظن السوء ، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه ~~مبخوس الحق ، ناقص | الحظ ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله ، ولسان حاله ~~يقول : ظلمني ربي ، ومنعني ما | أستحقه ، ونفسه تشهد عليه بذلك ، وهو ~~بلسانه ينكره ، ولا يتجاسر على التصريح به ، ومن | فتش نفسه ، وتغلغل في ~~معرفة دفائنها وطواياها ، رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد ، | ~~فاقرع زناد من شئت ينبئك شرارها عما في زناده ، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه ~~بهذا | الموضع ، وليتب إلى لله ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء ، ~~وليظن السوء بنفسه | التي هي مأوى كل سوء وصنيع كل شر ، المركبة على الجهل ~~والظلم ، فهو أولى بظن السوء . | من أحكم الحاكمين ، وأعدل العادلين ، ~~وأرحم الراحمين ، الغني الحميد الذي له الغنى التام ، | والحكمة التامة ، ~~المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه ، فذاته لها الكمال | ~~المطلق من كل وجه ، وصفاته كذلك وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل ، ~~وأسماؤه | كلها حسنى . | # % فلا تظنن بربك ظن سوء % فإن الله أولى بالجميل % # % ولا تظنن بنفسك قط خيرا % فكيف بظالم جان جهول % # % وظن بنفسك السوأى تجدها % % كذاك وخيرها كالمستحيل % # % وما بك من تقى فيها وخير % فتلك مواهب الرب الجليل % # % وليس لها ولا منها ولكن % % من الرحمن فاشكر للدليل % # قوله : ' فإن تنج منها ' . أي : من هذه الخصلة العظيمة . # قوله : ' من ذي عظيمة ' . أي : تنج من شر عظيم . # قوله : ' وإني لا إخالك ' . هو بكسر الهمزة . أي : أظنك والله أعلم . # | PageV01P586 | # | ( [ 59 ] باب : ما جاء في منكري القدر ) # ش : أي من الوعيد . والقدر بالفتح والسكون : ما يقدره الله من القضاء . ~~ولما كان | توحيد ms520 الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر قال القرطبي : القدر : ~~مصدر قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره قدرا وقدرا إذا حصلت بمقداره ، ~~ويقال فيه : قدرت أقدر تقديرا مشدد | الدال ، فإذا قلنا : إن الله تعالى ~~قدر الأشياء فمعناه : إنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها | وأزمانها قنل ~~إيجادها ، ثم أوجد منها سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في | علمه ، ~~فلا محدث في العالم العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته ~~وإرادته ، | هذا هو المعلوم من دين السلف الماضين الذي دلت عليه البراهين ؛ ~~ذكر المصنف ما جاء في | الوعيد فيمن أنكره تنبيها على وجوب الإيمان ، ولهذا ~~عده النبي صلى الله عليه وسلم من أركان الإيمان كما | ثبت في حديث جبريل ~~عليه السلام لما سئل عن الإيمان ، فقال : ' أن تؤمن بالله ، وملائكته ، | ~~وكتبه ، ورسله ، واليوم الأخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ' قال : صدقت . | ~~PageV01P587 # وعن عبد الله بن عمرو بن العاص . قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~: ' إن الله تعالى كتب | مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ~~ألف سنة ' قال : وعرشه على | الماء ' . # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~كل شيء بقدر حتى العجز | والكيس ' رواهما مسلم في ' صحيحه ' . # وعن علي رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم : ' لا يؤمن عبد ~~حتى يؤمن بأربع : | يشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ، بعثني ~~بالحق ، ويؤمن بالموت ، والبعث بعد | الموت ، ويؤمن بالقدر ' رواه الترمذي ~~، وابن ماجه ، والحاكم في ' مستدركه ' والأحاديث | PageV01P588 | في ذلك ~~كثيرة جدا ، قد أفردها العلماء بالتصنيف . # قال البغوي في ' شرح السنة ' : الإيمان بالقدر فرض لازم ، وهو أن يعتقد ~~أن الله تعالى | خالق أعمال العباد خيرها وشرها كتبها عليهم في اللوح ~~المحفوظ قبل أن يخلقهم . قال الله | تعالى : @QB@ والله خلقكم وما تعملون ~~@QE@ [ الصافات : 96 ] فالإيمان والكفر ، والطاعة والمعصية | كلها بقضاء ~~الله وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه يرضى الإيمان والطاعة ووعد عليهما ~~الثواب ، | ولا يرضى الكفر والمعصية وأوعد ms521 عليهما بالعقاب . قال الله تعالى ~~: ^ ( ويضل الله الظلمين | ويفعل الله ما يشاء ) ^ [ إبراهيم : 27 ] . # قال : والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكا مقربا ، ولا نبيا ~~مرسلا ، ولا | يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل ، بل يعتقد أن الله ~~تعالى خلق الخلق ، فجعلهم | فريقين : أهل يمين خلقهم للنعيم فضلا ، وأهل ~~شمال خلقهم للجحيم عدلا . قال الله تعالى : | @QB@ ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس @QE@ [ الأعراف : 179 ] وقد سأل رجل علي بن أبي | طالب رضي ~~الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر قال : طريق مظلم ، فلا ~~تسلكه ، | فأعاد السؤال فقال : بحر عميق لا تلجه ، فأعاد السؤال فقال : سر ~~الله خفي عليك فلا تفشه . # وقال شيخ الإسلام : مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب ~~| والسنة وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان ، | وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه ، وقد دخل في ذلك جميع ~~الأعيان القائمة بأنفسها | وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال ~~العباد ، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ | لم يكن ، فلا يكون في الوجود ~~شيء إلا بمشيئته وقدرته ، لا يمتنع عليه شيء شاءه ، بل هو | قادر على كل ~~شيء ، ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه ، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون ~~، | وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها ~~، وقد قدر | PageV01P589 | مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم ، قدر أرزاقهم ~~وآجالهم وأعمالهم ، وكتب ذلك وكتب ما | يصيرون إليه من سعادة وشقاوة ، فهم ~~يؤمنون بخلقه لكل شيء ، وقدرته على كل شيء ، | ومشيئته لكل ما كان ، وعلمه ~~بالأشياء قبل أن تكون ، وتقديره لها وكتابته إياها قبل أن | تكون . وغلاة ~~القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته السابقة ، ويزعمون أنه أمر ونهى ، وهو ~~| لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه ، بل الأمر أنف ، أي : مستأنف ، وهذا القول ~~أول ما حدث | في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين ، وبعد إمارة ~~معاوية بن أبي سفيان ms522 في زمن | الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبني أمية ~~في آخر عصر عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن | عباس وغيرهما من الصحابة ، ~~وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة معبد الجهني ، فلما بلغ | الصحابة قول ~~هؤلاء تبرؤوا منهم وأنكروا مقالتهم ، ثم لما كثر خوض الناس في القدر صار | ~~جمهورهم يقر بالعلم المتقدم والكتاب السابق ، ولكن ينكرون عموم مشيئة الله ~~وعموم خلقه | وقدرته ، ويظنون أنه لا معنى لمشيئة إلا بأمره ، فما شاء فقد ~~أمر به ، وما لم يشأ يأمر به ؛ | فلزمهم أنه قد يشاء ما لا يكون ، ويكون ، ~~ما لا يشاء . وأنكروا أن يكون الله خالقا لأفعال | العباد ، أو قادرا عليها ~~، أو أن يخص بعض عباده من النعم مما يقتضي إيمانهم به | وطاعتهم له . ~~وزعموا أن نعمته التي بما يمكن الإيمان والعمل الصالح على الكفار كأبي | ~~جهل وأبي لهب مثل نعمته بذلك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، بمنزلة رجل ~~دفع | إلى والديه بمال قسمه بينهم بالسوية ، ولكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم ~~الصالحة ، وهؤلاء | أحدثوا أعمالهم الفاسدة من غير نعمة خص الله بها ~~المؤمنين ، وهذا قول باطل ، وقد | قال الله تعالى : ^ ( يمنون عليك أن ~~أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم | للإيمان إن ~~كنتم صدقين * ) ^ [ الحجرات : 17 ] وقال : ^ ( ولكن الله حبب إليكم الإيمن ~~وزينه | في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون * ~~فضلا من الله ونعمة والله | عليم حكيم * ) ^ [ الحجرات : 7 - 8 ] . # وقال ابن القيم ما معناه : مراتب القضاء والقدر أربع مراتب : # الأولى : علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونه . # الثانية : كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض . # الثالثة : مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن ~~علمه # الرابعة : خلقه لها وإيجاده وتكوينه ، فالله خالق كل شيء ، وما سواه ~~مخلوق . # قال : وقال ابن عمر والذي نفس ابن عمر بيده : لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ~~| ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر . ثم ms523 استدل بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : | ' الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشره ' | PageV01P590 | رواه مسلم ~~. # ش : ' قوله : وقال ابن عمر ' : هو عبد الله بن عمر بن الخطاب . # قوله : لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله ~~منه الخ . هذا | قول ابن عمر لغلاة القدرية الذين أنكروا أن يكون الله ~~تعالى عالما بشيء من أعمال العباد قبل | وقوعها منهم ، وإنما يعلمها بعد ~~كونها منهم كما تقدم عنهم . قال القرطبي : ولا شك في | تكفير من ذهب إلى ~~ذلك ، فإنه جحد معلوم من الشرع بالضرورة ، ولذلك تبرأ منهم ابن | عمر ، ~~وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم ولا نفقاتهم ، وأنهم كمن قال الله فيهم : ~~^ ( وما | منعهم أن تقبل منهم نفقتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله ) ^ [ ~~التوبة : 54 ] وهذا | المذهب قد ترك اليوم ، فلا يعرف من ينسب إليه من ~~المتأخرين من أهل البدع المشهورين . | فقال شيخ الإسلام لما ذكر كلام ابن ~~عمر هذا : وكذلك كلام ابن عباس ، وجابر بن عبد الله ، | وواثلة بن الأسقع ~~وغيرهم من الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين ، وسائر أئمة | ~~المسلمين فيهم كثير ، حتى قال فيهم الأئمة كمالك ، والشافعي ، و | أحمد بن ~~حنبل | وغيرهم : إن المنكرين لعلم الله المتقدم ينكرون القدر . # وقوله : ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم : ' الإيمان أن تؤمن ~~بالله ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، | واليوم الأخر ، وتؤمن بالقدر خيره ~~وشره ' فجعل النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كأنه لما سئل عن | ~~الإسلام ، ذكر أركان الإسلام الخمسة لأنها أصل الإسلام ، ولما سئل عن ~~الإيمان أجاب | بقوله : ' أن تؤمن بالله ' إلى آخره . فيكون المراد حينئذ ~~بالإيمان جنس تصديق القلب ، | وبالإسلام جنس العمل ، والقرآن والسنة ~~مملوءان بإطلاق الإيمان على الأعمال ، كما هما | مملوءان بإطلاق الإسلام ~~على الإيمان الباطن ، مع ظهور دلالتهما أيضا على الفرق بينهما ، | ولكن حيث ~~أفرد أحد الاسمين دخل فيه الآخر ، وإنما يفرق بينهما حيث فرق بين الاسمين ، ~~| ومن أراد تحقيق ما أشرنا ms524 إليه فليراجع كتاب ' الإيمان ' الكبير لشيخ ~~الإسلام . إذا تبين هذا ، | فوجه استدلال ابن عمر بالحديث من جهة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم عد الإيمان بالقدر من أركان | الإيمان ، فمن أنكره لم ~~يكن مؤمنا ، إذ الكافر بالبعض كافر بالكل ، فلا يكون مؤمنا متقيا ، | والله ~~لا يقبل إلا من المتقين . وهذا قطعة من حديث جبريل عليه السلام ، وقد أخرجه ~~مسلم | بطوله أول كتاب الإيمان في ' صحيحه ' من حديث يحيى بن معمر عن ابن ~~عمر ، ولفظه : عن | يحيى بن يعمر قال : كان أول من قال في القدر بالبصرة ~~معبد الجهني ، فانطلقت أنا | وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين ~~، فقلنا : لو لقينا أحدا من أصحاب | PageV01P591 | رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر ، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب | داخلا المسجد ، فاكتنفته أنا وصاحبي ، أحدنا عن يمينه ، والآخر عن ~~شماله ، فظننت أن | صاحبي سيكل الكلام إلي ، فقلت : يا أبا عبد الرحمن إنه ~~قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن | ويتقفرون العلم ، وذكر من شأنهم وأنهم ~~يزعمون أن لا قدر ، وأن الأمر أنف . | قال : فإذا | لقيت أولئك فأخبرهم أني ~~بريء منهم ، وأنهم براء مني ، والذي يحلف به عبد الله بن عمر : | لو أن ~~لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه ، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر . ثم قال : ~~حدثني أبي | عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ذات يوم ، إذ طلع علينا رجل شديد | بياض الثياب ، شديد سواد الشعر ، ~~لا يرى عليه أثر السفر ، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس | إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفيه على فخذيه ، فقال : يا محمد ~~أخبرني | عن الإسلام ، وذكر الحديث . وقوله : خيره وشره ، أي : خير القدر ~~وشره ، أي : أنه تعالى | قدر الخير والشر قبل خلق الخلق ، وأن جميع ~~الكائنات بقضائه وقدره وإرادته ، لقوله تعالى : | ^ ( وخلق كل شيء فقدره ~~تقديرا ) ^ [ الفرقان : 2 ] @QB@ والله خلقكم وما تعملون @QE@ [ الصافات : ~~96 ] | ^ ( إنا كل شيء ms525 خلقنه بقدر * ) ^ [ القمر : 49 ] وغير ذلك . # فإن قلت : كيف قال : ' وتؤمن بالقدر خيره وشره ' وقد قال في الحديث : ' ~~والشر ليس | إليك . # قيل : إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد ، ~~والمفعول إن كان | مقدرا عليه ، فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه ، لا إلى ~~الخالق ، فله في ذلك من الحكم ما | تقصر عنه أفهام البشر ، لأن الشر إنما ~~هو بالذنوب وعقوباتها في الدنيا والآخرة ، فهو شر | بالإضافة إلى العبد ، ~~أما بالإضافة إلى الرب سبحانه وتعالى ، فكله خير وحكمة ، فإنه صادر | عن ~~حكمه وعلمه ، وما كان كذلك فهو خير محض بالنسبة إلى الرب سبحانه وتعالى ، ~~إذ هو | موجب أسمائه وصفاته ، ولهذا قال : ' والشر ليس إليك ' أي : تمتنع ~~إضافته إليك بوجه من | الوجوه ، فلا يضاف الشر إلى ذاته وصفاته ، ولا ~~أسمائه ولا أفعاله ، فإن ذاته منزهة عن كل | PageV01P592 | شر ، وصفاته ~~كذلك ، إذ كلها صفات كمال ، ونعوت جلال ، لا نقص فيها بوجه من الوجوه ، | ~~وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب ، وأفعاله حكمة ورحمة ومصلحة ~~وإحسان | وعدل ، لا تخرج عن ذلك البتة ، وهو المحمود على ذلك كله ، فتستحيل ~~إضافة الشر إليه ، | فإنه ليس شر في الوجود إلا الذنوب وعقوبتها ، وكونها ~~ذنوبا تأتي من نفس العبد ، فإن سبب | الذنب الظلم والجهل ، وهما في نفس ~~العبد . فإنه ذات مستلزمة للجهل والظلم ، وما فيه من | العلم والعدل فإنما ~~حصل له بفضل الله عليه ، وهو أمر خارج عن نفسه ، فمن أراد الله به خيرا | ~~أعطاه الفضل فصدر منه الإحسان والبر والطاعة ، ومن أراد به شرا أمسكه عنه ~~وخلاه ودواعي | نفسه وطبعه وموجبها ، فصدر عنه موجب الجهل والظلم من كل شر ~~وقبيح ، وليس منعه من | ذلك شرا ، ولله في ذلك الحكمة التامة ، والحجة ~~البالغة ، فهذا عدله ، وذلك فضله يؤتيه من | يشاء والله ذو الفضل العظيم ، ~~وهو العلي الحكيم . هذا معنى كلام ابن القيم ، وهو الحق . # وحاصله أن الشر راجع إلى مفعولاته ، لا إلى ذاته وصفاته ، ويتبين ذلك ~~بمثال ولله | المثل الأعلى . لو أن ملكا من ملوك ms526 العدل كان معروفا بقمع ~~المخالفين وأهل الفساد ، مقيما | للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب ~~أصحابها ، لعدوا ذلك خيرا يحمده عليه الملوك ، | ويمدحه الناس ويشكرونه على ~~ذلك ، فهو خير بالنسبة إلى الملوك ، يمدح ويثنى به ويشكر | عليه وإن كان ~~شرا بالنسبة إلى من أقيم عليه ، فرب العالمين أولى بذلك لأن له الكمال | ~~المطلق من جميع الوجوه والاعتبارات . وأيضا فلولا الشر هل كان يعرف الخير ، ~~فإن الضد | لا يعرف إلا بضده ، فإن لم تحط به خبرا فاذكر كلام ابن عقيل في ~~الباب الذي قبل هذا ، | وأسلم تسلم ، والله أعلم . # قال : وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه : يا بني إنك لن تجد طعم ~~الإيمان حتى تعلم | أن ما أصابك لم تكن ليخطئك ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك ، ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : | ' إن أول ما خلق الله القلم ، ~~فقال : اكتب قال : رب وماذا أكتب ؟ قال : أكتب مقادير كل شيء | حتى تقوم ~~الساعة ، يا بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' من مات على ~~غير هذا فليس | مني ' | PageV01P593 # ش قوله : ' يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ' إلى آخره . ابنه هذا هو ~~الوليد بن عبادة | كما صرح به الترمذي في روايته ، وفيه أن للإيمان طعما ، ~~وهو كذلك ، فإن له حلاوة | وطعما ، من ذاقه تسلى به عن الدنيا وما عليها ~~وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث من كن فيه وجد | حلاوة الإيمان ~~. . . ' الحديث وإنما يكون العبد كذلك إذا كان مؤمنا بالقدر ، إذ يمتنع أن ~~| توجد الثلاث فيه وهو لا يؤمن بالقدر بل يكذب به ويرد على الله كلامه وعلى ~~الرسول صلى الله عليه وسلم | مقالته ، فإن المحبة التامة تقتضي المتابعة ~~التامة ، فمن لم يؤمن بالقدر ، لم يكن الله ورسوله | أحب إليه مما سواهما ، ~~فلا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه ، بل إن كان منكرا للعلم القديم ، | فهو ~~كافر كما تقدم ، ولهذا روي عن بعض الأئمة القدرية الكبار بإسناد صحيح أنه ~~قال لما | ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه ms527 ' حدثني الصادق المصدوق ' ~~الحديث : لو سمعت | الأعمش يقول هذا لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ~~لأجبته ، ولو سمعت | عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ، ولو سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته ، وذكر | كلمة بعدها . فهذا كفر ~~صريح نعوذ بالله من موجبات غضبه ، وأليم عقابه . وقد بين في | الحديث كيفية ~~الإيمان بالقدر : أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن | ~~ليصيبه ، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جابر رضي الله عنه ~~: ' لا يؤمن عبد حتى يؤمن | بالقدر خيره وشره ، حتى أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ' رواه | الترمذي ، والمعنى : أن العبد ~~لا يؤمن حتى يعلم أن ما يصيبه إنما أصابه في القدر ، أي : | ما قدر عليه من ~~الخير والشر ، لم يكن ليخطئه ، أي : يجاوزه فلا يصيبه ، وإنما أخطأه من | ~~الخير والشر في القدر ، أي : لم يقدر عليه ، ما لم يكن ليصيبه ، كما قال ~~تعالى : ^ ( ما أصاب PageV01P594 | من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله | يسير * ) ^ [ الحديد : 22 ] وقال ~~تعالى : ^ ( قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا | وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون ) ^ [ التوبة : 51 ] . # قوله : ' إن أول ما خلق الله القلم ' قال شيخ الإسلام : قد ذكرنا أن ~~للسلف في العرش | والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين ، كما ذكر ذلك الحافظ ~~أبو العلاء الهمداني وغيره . # أحدهما : أن القلم خلق أولا ، كما أطلق ذلك غير واحد ، وهذا هو الذي يفهم ~~من | ظاهر كتب المصنف في ' الأوائل ' للحافظ أبي عروبة الحراني ولد القاسم ~~الطبراني ، | للحديث الذي رواه أبو داود في ' سننه ' عن عبادة بن الصامت ، ~~وذكر الحديث المشروح ، # والثاني : أن العرش خلق أولا . قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في ~~تصنيفه في | ' الرد على الجهمية ' : حدثنا محمد بن كثير العبدي ، أنبأنا ~~سفيان الثوري ، ثنا أبو هاشم ، | عن مجاهد ، عن ابن عباس قال ms528 : إن الله كان ~~على عرشه قبل أن يخلق شيئا ، فكان أول ما | خلق الله القلم ، فأمره أن يكتب ~~ما هو كائن ، وأن ما يجري على الناس على أمر قد فرغ | منه ' وكذلك ذكر ~~الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ' الأسماء والصفات ' لما ذكر بدء | الخلق ، ~~ثم ذكر حديث الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن | ~~عباس أنه سئل عن قول الله تعالى : ^ ( وكان عرشه على الماء ) ^ [ هود : 7 ] ~~على أي | شيء ؟ قال : على متن الريح . وروى حديث [ القاسم بن أبي بزة ] عن ~~سعيد بن جبير ، | عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال : ' أول شيء خلقه الله القلم ، وأمره | فكتب كل شيء يكون ' قال ~~البيهقي : وإنما أراد - والله أعلم - أول شيء خلقه بعد خلق الماء | والريح ~~والعرش ، وذلك في حديث عمران بن حصين الذي أشار إليه ، وهو ما رواه البخاري ~~| من غير وجه مرفوعا عنه : ' كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على ~~الماء ، ثم خلق | السموات والأرض ، وكتب في الذكر كل شيء ' . | PageV01P595 ~~| ورواه البيهقي كما رواه محمد بن هارون الروياني في ' مسنده ' وعثمان بن ~~سعيد الدارمي | وغيرهما ، من حديث الثقات المتفق على ثقتهم ، عن أبي إسحاق ~~، عن الأعمش ، عن | جامع بن شداد ، عن صفوان بن محرز ، عن عمران بن حصين عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' كان الله | ولم يكن شيء غيره ، وكان عرشه ~~على الماء ، ثم كتب في الذكر كل شيء ، ثم خلق | السموات ' وذكر أحاديث ~~وآثارا ، ثم قال ما معناه : فثبت في النصوص الصحيحة أن | العرش خلق أولا . # وقال ابن كثير : قال قائلون : خلق القلم أولا ، وهذا اختيار ابن جرير ~~وابن الجوزي | وغيرهما . # قال ابن جرير : وبعد القلم السحاب الرقيق ، وبعده العرش ، واحتجوا بحديث ~~عبادة . # والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك ، كما دل على ذلك الحديث الذي ~~| رواه مسلم في ' صحيحه ' يعني حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي تقدم . ~~قالوا : | وهذا ms529 التقدير هو كتابته بالقلم المقادير ، وقد دل الحديث أن ذلك ~~بعد خلق العرش ، فثبت | تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ~~ذهب إلى ذلك الجماهير . ويحمل | حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا ~~العالم . انتهى بمعناه . # قوله : ' اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة ' . قال شيخ الإسلام : ~~وكذلك في | حديث ابن عباس وغيره ، وهذا يبين أنه إنما أمره حينئذ أن يكتب ~~مقدار هذا الخلق إلى قيام | الساعة ، لم يكن حينئذ ما يكون بعد ذلك . # قوله : ' من مات على غير هذا لم يكن مني ' . أي لأنه إذا كان جاحدا للعلم ~~القديم | PageV01P596 | فهو كافر ، كما قال كثير من أئمة السلف : ناظروا ~~القدرية بالعلم ، فإن أقروا به خصموا ، وإن | جحدوا كفروا . يريدون أن من ~~أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد ، وأن الله قسمهم قبل | خلقهم إلى ~~شقي وسعيد ، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ ، فقد كذب القرآن ، فيكفر | بذلك ، ~~كما نص عليه الشافعي وأحمد وغيرهما ، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق ~~أفعال | العباد ، وشاءها وأرادها بينهم إرادة كونية قدرية ، فقد خصموا ، ~~لأن ما أقروا به حجة عليهم | فيما أنكروه . وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور ، ~~وبالجملة فهم أهل بدعة شنيعة ، والرسول صلى الله عليه وسلم | بريء منهم ، ~~كما هو بريء من الأولين ، وقد بيض المصنف آخر هذا الحديث ليعزوه ، وقد | ~~رواه أبو داود وهذا لفظه ، ورواه أحمد والترمذي وغيرهما . # قال : وفي رواية لابن وهب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ~~فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره | أحرقه الله بالنار ' . # ش : قوله : ' وفي رواية لابن وهب ' . هو الإمام الحافظ عبد الله بن وهب ~~بن مسلم | القرشي مولاهم المصري الفقيه ، ثقة إمام مشهور عابد ، له مصنفات ~~، منها ' الجامع ' وغيره ، | مات سنة سبع وتسعين ومائة وله اثنان وسبعون ~~سنة . # قوله : ' أحرقه الله بالنار ' أي : لكفره أو بدعته إن كان ممن يقر بالعلم ~~السابق وينكر | خلق أفعال العباد ، فإن صاحب البدعة متعرض للوعيد كأصحاب ~~الكبائر ، بل أعظم . # قال : وفي ' المسند ' و ' السنن ms530 ' عن [ ابن الديلمي ] قال : أتيت أبي بن ~~كعب فقلت : | في نفسي شيء من القدر ، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي . ~~فقال : لو أنفقت مثل أحد | ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر ، وتعلم ~~أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك | لم يكن ليصيبك ، ولو مت على غير ~~هذا ، لكنت من أهل النار . قال : فأتيت عبد الله بن | مسعود وحذيفة بن ~~اليمان ، وزيد بن ثابت ، كلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~. حديث | صحيح رواه الحاكم في صحيحه PageV01P597 # ش : قوله : وفي ' المسند ' أي : ' مسند الإمام أحمد ' و ' السنن ' أي ' ~~سنن أبي داود ' | وابن ماجه فقط ، بمعنى ما ذكر المصنف ، وفيه زيادة ~~اختصرها المصنف ، ولفظ ابن ماجه | حدثنا علي بن محمد ، حدثنا إسحاق بن ~~سليمان ، قال : سمعت أبا سنان ، عن وهب بن | خالد الحمصي ، عن ابن الديلمي ~~قال : وقع في نفسي شيء من هذا القدر ، خشيت أن يفسد | علي ديني وأمري ، ~~فأتيت أبي بن كعب ، فقلت : يا أبا المنذر إنه قد وقع في قلبي شيء من | هذا ~~القدر ، فخشيت على ديني وأمري ، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني . ~~فقال : | لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم ، ~~ولو رحمهم لكانت | رحمته خيرا لهم من أعمالهم ، ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو ~~مثل جبل أحد تنفقه في سبيل | الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر ، فتعلم أن ~~ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم | يكن ليصيبك ، وأنك إن مت على غير ~~هذا دخلت النار ، ولا عليك أن تأتي يا أخي | عبد الله بن مسعود فتسأل ، ~~فأتيت عبد الله فسألته ، فذكر مثل ما قال أبي ، وقال لي : لا | عليك أن ~~تأتي حذيفة ، فأتيت حذيفة فسألته ، فقال مثل ما قال : ائت زيد بن ثابت ~~فاسأله ، | فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ' لو أن الله عذب أهل | سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ms531 ظالم ~~لهم ، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من | أعمالهم ، ولو كان مثل أحد أو ~~مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله الله منك حتى | تؤمن بالقدر ~~كله ، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك ، وما أخطأك لم | يكن ليصيبك ، وأنك ~~إن مت على غير هذا دخلت النار ' هذا حديث ابن ماجه . ولفظ أبي داود كما ~~ذكره المصنف | إلا أنه قال : ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك ، ثم ~~أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل | ذلك ، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ~~ذلك ، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم | بمثل ذلك ~~. # قوله : ' عن ابن الديلمي ' . هو عبد الله بن فيروز الديلمي . وفيروز قاتل ~~الأسود العنسي | الكذاب . وعبد الله هذا ثقة من كبار التابعين ، بل ذكره ~~بعضهم في الصحابة . والديلمي | PageV01P598 | نسبة إلى جبل الديلم ، وهو من ~~أبناء الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن . # قوله : ' وقع في نفسي شيء من القدر ' . أي : شك أو اضطراب يؤدي إلى شك ~~فيه ، أو | جحد له . # قوله : ' لو أنفقت مثل أحد ذهبا ، ما قبله الله منك ' . هذا تمثيل على ~~سبيل الفرض لا | تحديد ، إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان ذلك . # قوله : ' حتى تؤمن بالقدر ' . أي : بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها ~~، وحلوها | ومرها ، ونفعها وضرها ، وقليلها وكبيرها وصغيرها بقضائه وقدره ~~وإرادته ومشيئته | وأمره ، كما ذكر عن علي رضي الله عنه . # PageV01P599 | # | ( [ 60 ] باب : ما جاء في المصورين ) # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال الله ~~تعالى : ' ومن أظلم ممن ذهب | يخلق كخلقي ، فيخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة ، ~~أو ليخلقوا شعيرة ' أخرجاه . # ولهما عن عائشة رضي الله عنهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~' أشد الناس عذابا يوم القيامة | الذين يضاهؤون بخلق الله ' . # ولهما عن ابن عباس : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' كل مصور ~~في النار ، يجعل له | بكل صورة صورها نفس ms532 يعذب بها في جهنم ' . # ولهما عنه مرفوعا ' من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح ، وليس ~~بنافخ ' . | PageV01P600 # ولمسلم عن أبي الهياج قال : قال لي علي : ألا أبعثك على ما بعثني عليه | ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا قبرا ~~مشرفا إلا سويته ' . # قوله : باب ما جاء في المصورين . # أي : من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه . وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~العلة ، وهي المضاهاة بخلق | الله ، لأن الله تعالى له الخلق والأمر ، فهو ~~رب كل شيء ومليكه ، وهو خالق كل شيء ، وهو | الذي صور جميع المخلوقات ، ~~وجعل فيها الأرواح التي تحصل بها الحياة ، كما قال الله | تعالى : ^ ( الذي ~~أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسن من طين * ثم جعل نسله من سلالة | من ماء ~~مهين * ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ~~ما | تشكرون * ) [ السجدة : 7 - 9 ] فالمصور لما صور الصورة على شكل ما ~~خلقه الله تعالى | من إنسان وبهيمة صار مضاهيا لخلق الله ، فصار ما صور ~~عذابا له يوم القيامة ، وكلف أن ينفخ | فيها الروح وليس بنافخ . فكان أشد ~~الناس عذابا ، لأن ذنبه من أكبر الذنوب . # فإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله تعالى من الحيوان ، ~~فكيف بحال | من سوى المخلوق برب العالمين ، وشبهه بخلقه وصرف له شيئا من ~~العبادة التي ما خلق الله | الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من ~~كل عمل يحبه الله من العبد ويرضاه ؟ ! | فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه ~~لمن لا يستحقه من خلقه ، وجعله شريكا له فيما | اختص به تعالى وتقدس ، هو ~~أعظم ذنب عصي الله تعالى به ولهذا أرسل رسله وأنزل كتبه ، | لبيان هذا ~~الشرك والنهي عنه ، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى . فنجى الله ~~تعالى | رسله ومن أطاعهم ، وأهلك من جحد التوحيد ، واستمر على الشرك ~~والتنديد ، فما أعظمه | من ذنب ^ ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما ~~دون ذلك لمن ms533 يشاء ) ^ [ النساء : 48 ] ^ ( ومن يشرك | بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق ) ^ [ الحج : 31 ] # قوله : ' ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي ' - حيان بن حصين - قال : قال لي ~~علي رضي | الله عنه . هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه . # قوله : ' ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أن ~~لا تدع صورة إلا طمستها ، ولا | PageV01P601 | قبرا مشرفا إلا سويته . # فيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لذلك . أما الصور ، ~~فلمضاهاتها لخلق الله ، وأما | تسوية القبور ، فلما في تعليتها من الفتنة ~~بأربابها وتعظيمها ، وهو من ذرائع الشرك ووسائله | فصرف الهمم إلى هذا ~~وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته . ولما وقع التساهل في | هذه ~~الأمور وقع المحذور ، وعظمت الفتنة بأرباب القبور ، وصارت محطا لرحال ~~العابدين | المعظمين لها ، فصرفوا لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة ~~والاستغاثة ، والتضرع لها ، | والذبح لها ، والنذور ، وغير ذلك من كل شرك ~~محظور . # قال العلامة ابن القيم رحمه الله : ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القبور وما أمر | به ، ونهى عنه ، وما كان عليه أصحابه ، وبين ~~ما عليه أكثر الناس اليوم ، رأى أحدهما مضادا | للآخر ، مناقضا له بحيث لا ~~يجتمعان أبدا . فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور ، ~~| وهؤلاء يصلون عندها وإليها ، ونهى عن اتخاذها مساجد ، وهؤلاء يبنون عليها ~~المساجد ، | ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله ، ونهى عن إيقاد السرج عليها ~~، وهؤلاء يوقفون الوقوف | على إيقاد القناديل عليها ، ونهى عن أن تتخذ عيدا ~~، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ، ومناسك ، | ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو ~~أكثر . وأمر بتسويتها ، كما روى مسلم في ' صحيحه ' | عن أبي الهياج الأسدي ~~- فذكر حديث الباب - وحديث ثمامة بن شفي وهو عند مسلم أيضا # قال : ' كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس ، فتوفي صاحب لنا ، فأمر ~~فضالة بقبره | فسوي ، ثم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر ~~بتسويتها ' وهؤلاء يبالغون في مخالفة ms534 هذين | الحديثين ، يرفعونها عن الأرض ~~كالبيت ، ويعقدون عليها القباب . ونهى عن تجصيص القبر | والبناء عليه ، كما ~~روى مسلم في ' صحيحه ' عن جابر رضي الله عنه قال : ' نهى | رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن تجصيص القبر ، وأن يقعد عليه ، وأن يبنى عليه ' ونهى عن ~~الكتابة | عليها ، كما روى أبو داود في ' سننه ' عن جابر : أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ' نهى عن تجصيص | القبور ، وأن يكتب عليها ' قال ~~الترمذي : حديث حسن صحيح . وهؤلاء يتخذون عليها | الألواح ، ويكتبون عليها ~~القرآن وغيره ، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها ، كما روى أبو داود | عن ~~جابر أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ' نهى أن يجصص القبر ، أو ~~يكتب عليه ، أو يزاد عليه PageV01P602 | وهؤلاء يزيدون عليه الآجر والجص ~~والأحجار . قال إبراهيم النخعي : كانوا يكرهون الآجر | على قبورهم . # والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور ، المتخذيها أعيادا ، الموقدين عليها ~~السرج ، | الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، محادون لما جاء | به ، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد ، ~~وإيقاد السرج عليها وهو من الكبائر ، وقد صرح الفقهاء | من أصحاب أحمد ~~وغيرهم بتحريمه . # قال أبو محمد المقدسي : ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله ، ~~ولأن فيه | تضييعا للمال في غير فائدة ، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه ~~تعظيم الأصنام . قال : ولا يجوز | اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر ، ~~ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' لعن الله اليهود والنصارى | اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد ' . يحذر ما صنعوا . متفق عليه . ولأن تجصيص القبور | ~~بالصلاة عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها ، وقد روينا ~~أن ابتداء عبادة | الأصنام تعظيم الأموات باتخاذها صورهم والتمسح بها ~~والصلاة عندها . انتهى . # وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا ، ووضعوا ~~لها | مناسك ، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه ' مناسك حج المشاهد ' ~~، مضاهاة منه | القبور بالبيت الحرام ، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين ~~الإسلام ، ودخول في دين عباد | الأصنام ، فانظر إلى هذا ms535 التباين العظيم بين ~~ما شرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقصده من النهي عما | تقدم ذكره في ~~القبور ، وبين ما شرعه هؤلاء وقصدوه ، ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما | ~~يعجز عن حصره . # فمنها : تعظيم الموقع في الافتتان بها . # ومنها : اتخاذها أعيادا . # ومنها : السفر إليها . # ومنها : مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة ~~عندها . | وتعليق الستور عليها ، وعبادها يرجحون المجاورة عندها على ~~المجاورة عند المسجد | الحرام ، ويرون سدانتها أفضل من خدمه المساجد ، ~~والويل عندهم لقيمها ليلة يطفئ | القنديل المعلق عليها . # ومنها : النذر لها ولسدنتها . | PageV01P603 # ومنها : اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء ، وينصر على الأعداء ، ~~ويستنزل غيث | السماء ، وتفرج الكروب ، وتقضى الحوائج ، وينصر المظلوم ، ~~ويجار الخائف إلى غير ذلك . # ومنها : الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها ، وإيقاد السرج ~~عليها . # ومنها : الشرك الأكبر الذي يفعل عندها . # ومنها : إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم ، فإنهم يؤذيهم ما ~~يفعل عند | قبورهم ، ويكرهونه غاية الكراهية ، كما أن المسيح عليه السلام ~~يكره ما يفعله النصارى عند | قبره ، وكذلك غيره من الأنبياء والمشايخ ~~يؤذيهم ما يفعله أشباه النصارى عند قبورهم ، ويوم | القيامة يتبرؤون منهم ، ~~كما قال تعالى : ^ ( ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول | ءأنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحنك ما كان ينبغي لنا أن ~~نتخذ من | دونك من أولياء ولكن متعتهم وءاباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما ~~بورا * ) ^ [ الفرقان : | 17 - 18 ] وقال | تعالى للمشركين : @QB@ فقد ~~كذبوكم بما تقولون @QE@ [ الفرقان : 19 ] وقال | تعالى : ^ ( وإذ قال الله ~~يعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال | سبحنك ~~ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق ) ^ [ المائدة : 116 ] وقال تعالى : ^ ( ~~ويوم يحشرهم جميعا | ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا ~~سبحنك أنت ولينا من دونهم بل كانوا | يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ) ^ [ ~~سبأ : 40 - 41 ] . # ومنها : إماتة السنن وإحياء البدع . # ومنها : تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله ، فإن عباد ms536 القبور ~~يقصدونها مع التعظيم | والاحترام ، والخشوع ورقة القلب ، والعكوف بالهمة ~~على الموتى بما لا يفعلونه في | المساجد ، ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا ~~قريبا منه . # ومنها : أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما ~~هو تذكر الآخرة ، والإحسان | إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه ، ~~والاستغفار له ، وسؤال العافية له ، فيكون الزائر محسنا | إلى نفسه وإلى ~~الميت ، فقلب هؤلاء المشركون الأمر ، وعكسوا الدين ، وجعلوا المقصود | ~~بالزيارة الشرك بالميت ودعاءه والدعاء به ، وسؤاله حوائجهم ، واستنزال ~~البركة منه ، ونصرة | لهم على الأعداء ، ونحو ذلك ، فصاروا مسيئين إلى ~~أنفسهم وإلى الميت . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا ~~للذريعة . فلما تمكن التوحيد | في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه ~~الذي شرعه ، ونهاهم أن يقولوا هجرا ، ومن أعظم | الهجر : الشرك عندها قولا ~~وفعلا . # وفي ' صحيح مسلم ' عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' زوروا | PageV01P604 | القبور ، فإنها تذكركم الموت ' ~~وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : مر رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~بقبور المدينة ، فأقبل عليهم بوجهه . فقال : ' السلام عليكم يا أهل القبور ~~، يغفر الله لنا | ولكم ، أنتم سلفنا ونحن بالأثر ' رواه أحمد والترمذي ~~وحسنه # فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ، وعلمهم ~~إياه . هل تجد فيها شيئا مما | يعتمده أهل الشرك والبدع ؟ أم تجدها مضادة ~~لما هم عليه من كل وجه ؟ وما أحسن ما قال | مالك بن أنس رحمه الله : ' لن ~~يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها ' . ولكن كلما ضعف | تمسك الأمم ~~بعهود أنبيائهم ، ونقص إيمانهم ، أعرضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع | ~~والشرك ؟ # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه ، حتى كان أحدهم إذا سلم على ~~| النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة ، وجعل ظهره إلى ~~الجدار القبر ، ثم دعا ونص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة وقت ~~الدعاء ، حتى لا يدعو عند القبر ms537 ، فإن الدعاء | عبادة ، وفي الترمذي وغيره ~~' الدعاء هو العبادة ' فجرد السلف العبادة لله ، ولم يفعلوا عند | القبور ~~منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء لأصحابها ~~والاستغفار لهم والترحم | عليهم ، وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال : قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، | لا تجعلوا ~~قبري عيدا ، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ' وإسناده جيد ، ورواته ~~| ثقات مشاهير . | PageV01P605 # وقوله : ^ ( ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ) ^ أي : لا تعطلوها عن الصلاة فيها ~~والدعاء والقراءة ، | فتكون بمنزلة القبور ، فأمر بتحري النافلة في البيوت ~~، ونهى عن تحري النافلة عند القبور . | وهذا ضد ما عليه المشركون من ~~النصارى وأشباههم . # ثم إن في تعظيم القبور ، واتخاذها أعيادا ، من المفاسد العظيمة التي لا ~~يعلمها إلا الله | ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد ~~، وتهجين وتقبيح للشرك ، | ولكن ما لجرح بميت إيلام . # فمن المفاسد : اتخاذها أعيادا والصلاة إليها ، والطواف بها ، وتقبيلها ~~واستلامها ، | وتعفير الخدود على ترابها ، وعبادة أصحابها ، والاستغاثة بهم ~~، وسؤالهم النصر والرزق | والعافية وقضاء الدين ، وتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات وغير ذلك من أنواع الطلبات التي | كان عباد الأوثان يسألونها ~~أوثانهم . فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا ، وقد نزلوا عن | الأكوار ~~والدواب إذا رأوها من مكان بعيد ، فوضعوا لها الجباه ، وقبلوا الأرض ، ~~وكشفوا | الرؤوس ، وارتفعت أصواتهم بالضجيج ، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج ~~، ورأوا أنهم قد | أربوا في الربح على الحجيج ، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا ~~يعيد ، ونادوا ولكن من مكان | بعيد ، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ~~ركعتين ، ورأوا أنهم قد أحرزوا من الأجر ما لم | يحرزه من صلى إلى القبلتين ~~، فتراهم حول القبر ركعا سجدا ، يبتغون فضلا من الميت | ورضوانا ، وقد ~~ملؤوا أكفهم خيبة وخسرانا . # فلغير الله - بل للشيطان - ما يراق هناك من العبرات ، ويرتفع من الأصوات ~~، ويطلب | من الميت من الحاجات ، ويسأل من تفريج الكربات ، وإغاثة اللهفات ~~، وإغناء ذوي | الفاقات ، ومعافاة ذوي العاهات والبليات ، ثم انثنوا بعد ~~ذلك حول القبر ms538 طائفين ، تشبيها له | بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا ~~وهدى للعالمين ، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام . | أرأيت الحجر الأسود وما ~~يفعل به وفد البيت الحرام ؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود | التي يعلم ~~الله أنها لم تعفر كذلك بين يديه في السجود . ثم كملوا مناسك حج القبر ~~بالتقصير | هناك والحلاق ، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن . إذ لم يكن لهم ~~عند الله من خلاق ، وقد | قربوا لذلك الوثن القرابين ، وكانت صلاتهم ونسكهم ~~وقربانهم لغير الله رب العالمين ، فلو | رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول : ~~أجزل الله لنا ولكم أجرا وافرا وحظا ، فإذا رجعوا | سألهم غلاة المتخلفين ~~أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر بحجة المتخلف إلى البيت الحرام . | فيقول : ~~لا ولا بحجك كل عام . # هذا ، ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم ، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم ، ~~إذ هي | فوق ما يخطر بالبال ، ويدور في الخيال ، وهذا مبدأ عبادة الأصنام ~~في قوم نوح كما تقدم | وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من ~~أهم الأمور سد الذريعة إلى هذا | PageV01P606 | المحظور ، وأن صاحب الشرع ~~أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما يؤول إليه ، وأحكم في نهيه عنه | وتوعده عليه ، ~~وأن الخير والهدى في اتباعه وطاعته ، والشر والضلال في معصيته ومخالفته . | ~~انتهى كلامه . # فيه مسائل : # الأولى : التغليط الشديد في المصورين . # الثانية : التنبيه على العلة ، وهو ترك الأدب مع الله ، لقوله : ' ومن ~~أظلم ممن ذهب | يخلق كخلقي ' # الثالثة : التنبيه على قدرته ، وعجزهم ، لقوله : ' فليخلقوا ذرة أو حبة ~~أو شعيرة ' . # الرابعة : التصريح بأنهم أشد الناس عذابا . # الخامسة : أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم . # السادسة : أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح . # السابعة : الأمر بطمسها إذا وجدت PageV01P607 | # | 60 ( [ 61 ] باب : ما جاء في كثرة الحلف ) # | وقول الله تعالى : @QB@ واحفظوا أيمانكم @QE@ [ المائدة : 89 ] # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~: ' الحلف منفقة | للسلعة ، ممحقة للكسب ' أخرجاه . # وعن سلمان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ms539 : ' ثلاثة لا يكلمهم ~~الله ولا يزكيهم ولهم عذاب | أليم : أشيمط زان ، وعائل مستكبر ، ورجل جعل ~~الله بضاعته ، ولا يشتري إلا بيمينه ، ولا | يبيع إلا بيمينه ' رواه | ~~الطبراني بسند صحيح . # وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' خير أمتي | قرني ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . قال ~~عمران : فلا أدري : أذكر بعد قرنه مرتين أو | ثلاثا ثم إن بعدكم قوم يشهدون ~~ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا | يوفون ويظهر فيهم ~~السمن PageV01P608 # وفيه عن ابن مسعود : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' خير الناس قرني ~~، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق ~~شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه | شهادته ' . # وقال إبراهيم : كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار . # قوله : ' باب ما جاء في كثرة الحلف ' . # أي : من النهي عنه والوعيد . وقول الله تعالى : @QB@ واحفظوا أيمانكم ~~@QE@ [ المائدة : 89 ] # قال ابن جرير : لا تتركوها بغير تكفير . وذكر غيره من المفسرين عن ابن ~~عباس يريد : | لا تحلفوا . وقال آخرون : احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا ~~تحنثوا . # والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس ؛ فإن القولين متلازمان ~~، فيلزم | من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم ~~التعظيم لله ، وغير ذلك | مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه . # قوله : ' عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول : ' الحلف منفقة | للسلعة ، ممحقة للبركة ' . أخرجاه ، أي : ~~البخاري ومسلم . وأخرجه أبو داود والنسائي # والمعنى : أنه إذا حلف على سلعة أنه أعطي فيها كذا وكذا ، أو أنه اشتراها ~~بكذا وكذا | وقد يظنه المشتري صادقا فيما حلف عليه ، فيأخذها بزيادة على ~~قيمتها ، والبائع كذاب | وحلف طمعا في الزيادة ، فيكون قد عصى الله تعالى ، ~~فيعاقب بمحق البركة ، فإذا ذهبت | بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك ~~الزيادة التي دخلت عليه بسبب حلفه ، وربما | ذهب ثمن تلك السلعة رأسا ، وما ~~عند الله لا ينال ms540 إلا بطاعته ، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي ، | فعاقبتها ~~اضمحلال وذهاب وعقاب . # قوله : وعن سلمان رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~' ثلاثة لا يكلمهم الله ولا | يزكيهم ولهم عذاب أليم : أشيمط زان ، وعائل ~~مستكبر ، ورجل جعل الله بضاعته ، لا يشتري | PageV01P609 | إلا بيمينه ، ~~ولا يبيع إلا بيمينه ' رواه الطبراني بسند صحيح . # و ' سلمان ' لعله سلمان الفارسي ، أبو عبد الله ، أسلم مقدم النبي صلى ~~الله عليه وسلم المدينة وشهد | الخندق ، روى عنه أبو عثمان النهدي ، ~~وشرحبيل بن السمط وغيرهما . قال النبي صلى الله عليه وسلم : | ' سلمان ' ~~منا أهل البيت ، إن الله يحب من أصحابي أربعة : عليا وأبا ذر وسلمان | ~~والمقداد ' أخرجه الترمذي وابن ماجه . قال الحسن : كان سلمان أميرا على ~~ثلاثين ألفا | يخطب بهم في عباءة يفترش نصفها ويلبس نصفها . توفي في خلافة ~~عثمان رضي الله عنه . | قال أبو عبيدة سنة ست وثلاثين عن ثلاثمائة وخمسين ~~سنة . ويحتمل أنه سلمان بن | عامر بن أوس الضبي . | PageV01P610 # قوله : ' ثلاثة لا يكلمهم الله ' نفي كلام الرب تعالى وتقدس عن هؤلاء ~~العصاة دليل على | أنه يكلم من أطاعه ، وأن الكلام صفة من صفات كماله ، ~~والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة | أظهر شيء وأبينه ، وهذا هو الذي عليه ~~أهل السنة والجماعة من المحققين قيام الأفعال بالله | سبحانه ، وأن الفعل ~~يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئا فشيئا ولم يزل متصفا به ، فهو حادث | الآحاد ~~قديم النوع ، كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث وغيرهم من أصحاب الشافعي ~~وأحمد | وسائر الطوائف ، كما قال تعالى : @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون @QE@ [ يس : | 82 ] فأتى بالحروف الدالة على الحال ~~والاستقبال أيضا ، وذلك في القرآن كثير . # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : فإذا قالوا لنا - يعني النفاة - : ~~فهذا يلزمه أن تكون | الحوادث قائمة به ؟ ومن أنكر هذا قبلكم من السلف ~~والأئمة ؟ ! ونصوص القرآن والسنة تتضمن | ذلك مع صريح العقل . ولفظ الحوادث ~~مجمل ، فقد يراد به الأعراض والنقائص ، والله تعالى | منزه عن ذلك - ولكن ~~يقوم به ما ms541 يشاء من كلامه وأفعاله ونحو ذلك ، مما دل عليه الكتاب | والسنة ~~. والقول الصحيح : هو قول أهل العلم والحديث الذين يقولون : لم لم يزل الله ~~متكلما إذا | شاء ، كما قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة ~~السنة . اه . # قلت : ومعنى قيام الحوادث به تعالى ، قدرته عليها ، وإيجاده لها بمشيئته ~~وأمره . والله | أعلم . # قوله : ' ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ' لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم ، ~~فعوقبوا بهذه | الثلاث التي هي أعظم العقوبات . # قوله : ' أشيمط زان ' صغره تحقيرا له وذلك لأن داعي المعصية ضعف في حقه ، ~~فدل | على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور ، وعدم خوفه من ~~الله ، وضعف الداعي | إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليط العقوبة عليه ، ~~بخلاف الشاب ؛ فإن قوة داعي الشهوة منه | قد تغلبه مع خوفه من الله ، وقد ~~يرجع على نفسه بالندم ، ولومها على المعصية ، فينتهي ويرجع . # وكذا العائل المستكبر ليس له ما يدعوه إلى الكبر ، لأن الداعي إلى الكبر ~~في الغالب | كثرة المال والنعم والرياسة . و ' العائل ' الفقير لا داعي له ~~إلى أن يستكبر ، فاستكباره مع عدم | الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له ~~، كامن في قلبه ، فعظمت عقوبته ، لعدم الداعي إلى | هذا الخلق الذميم الذي ~~هو من أكبر المعاصي . # قوله : ' ورجل جعل الله بضاعته ' بنصب الاسم الشريف ، أي : الحلف به ، ~~جعله | بضاعته ، لملازمته له وغلبته عليه . وهذه أعمال تدل على أن صاحبها ~~إن كان موحدا | فتوحيده ضعيف ، وأعماله ضعيفة بحسب ما قام بقلبه وظهر على ~~لسانه وعمله من تلك | المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها . نسأل الله ~~السلامة والعافية ، ونعوذ بالله من كل | PageV01P611 | عمل لا يحبه ربنا ~~ولا يرضاه . # قوله : وفي ' الصحيح ' أي : ' صحيح مسلم ' . وأخرجه أبو داود والترمذي . ~~ورواه | البخاري بلفظ ' خيركم ' # قوله : عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' خير أمتي قرني ' ، | ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم - قال ~~عمران : فلا أدري : أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا ؟ - | ثم إن بعدكم قوما ~~يشهدون ms542 ولا يستشهدون ، ويخونون ولا يؤتمنون ، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم ~~السمن ' # قوله : ' خير أمتي قرني ' لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان ، ~~والأعمال الصالحة | التي يتنافس فيها المتنافسون ، ويتفاضل فيها العاملون ، ~~فغلب الخير فيها وكثر أهله ، وقل الشر | فيها وأهله ، واعتز فيها الإسلام ~~والإيمان ، وكثر فيها العلم والعلماء ' ثم الذين يلونهم ' فضلوا | على من ~~بعدهم لظهور الإسلام فيهم ، وكثرة الداعي إليه ، والراغب فيه والقائم به ، ~~وما ظهر | فيه من البدع أنكر واستعظم وأزيل ، كبدعة الخوارج والقدرية ~~والرافضة فهذه البدع وإن كانت | قد ظهرت ، فأهلها في غاية الذل والمقت ~~والهوان والقتل فيمن عاند منهم ولم يتب # قوله : ' فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا ؟ ' هذا شك من راوي ~~الحديث عمران بن | حصين رضي الله عنه . والمشهور في الروايات : أن القرون ~~المفضلة ثلاثة ، الثالث دون | الأولين في الفضل ، لكثرة البدع فيه ، لكن ~~العلماء متوافرون ، والإسلام فيه ظاهر ، والجهاد | فيه قائم ، ثم ذكر ما ~~وقع بعد القرون الثلاثة من الجفاء في الدين وكثرة الأهواء . # فقال : ' ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ' لاستخفافهم بأمر ~~الشهادة ، وعدم | تحريهم للصدق ، وذلك لقلة دينهم ، وضعف إسلامهم . # قوله : ' ويخونون ولا يؤتمنون ' يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير ~~منهم أو | أكثرهم . # قوله : ' وينذرون ولا يوفون ' أي : لا يؤدون ما وجب عليهم ، فظهور هذه ~~الأعمال | الذميمة يدل على ضعف إسلامهم ، وعدم إيمانهم . # قوله : ' ويظهر فيهم السمن ' لرغبتهم في الدنيا ، ونيل شهواتهم والتنعم ~~بها ، وغفلتهم | عن الدار الآخرة والعمل لها . وفي حديث أنس ' لا يأتي على ~~الناس زمان إلا والذي بعده | شر منه حتى تلقوا ربكم ' قال أنس : سمعته من ~~نبيكم صلى الله عليه وسلم ' ، فما زال الشر يزيد في | PageV01P612 | الأمة ~~، حتى ظهر الشرك والبدع في كثير منهم ، حتى فيمن ينتسب إلى العلم ، ويتصدر ~~للتعليم | والتصنيف . # قلت : بل قد دعوا إلى الشرك والضلال والبدع ، وصنفوا في ذلك نظما ونثرا ، ~~فنعوذ | بالله من موجبات غضبه . # قوله : وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه ms543 وسلم ~~قال : ' خير الناس قرني ، ثم الذين | يلونهم ، ثم الذين يلونهم ثم الذين ~~يلونهم ، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ، ويمينه شهادته ' . # قلت : وهذه حال من صرف رغبته إلى الدنيا ، ونسي المعاد ، فخف أمر الشهادة ~~| واليمين عنده تحملا وأداء ، لقلة خوفه من الله وعدم مبالاته بذلك وهذا هو ~~الغالب على | الأكثر ، والله المستعان . فإذا كان هذا قد وقع في صدر ~~الإسلام الأول فما بعده أكبر | بأضعاف ، فكن من الناس على حذر . # قوله : قال إبراهيم - هو النخعي - : كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ~~ونحن صغار ' . | وذلك لكثرة علم التابعين وقوة إيمانهم ومعرفتهم بربهم ، ~~وقيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف | والنهي عن المنكر ؛ لأنه من أفضل الجهاد ، ~~ولا يقوم الدين إلا به . وفي هذا الرغبة في | تمرين الصغار على طاعة ربهم ، ~~ونهيهم عما يضرهم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو | الفضل العظيم . # فيه مسائل : # الأولى : الوصية بحفظ الإيمان . # الثانية الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ، ممحقة للبركة . # الثالثة : الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه . # الرابعة : التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي . # الخامسة : ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون . # السادسة : ثناؤه صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة أو الأربعة ، ~~وذكر ما يحدث . # السابعة : ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون . # الثامنة : كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد . # PageV01P613 | # | ( [ 62 ] باب : ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه ) # وقوله : ^ ( وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمن بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله | عليكم كفيلا ) ^ [ النحل : 91 ] . # وعن بريدة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذا أمر أميرا على ~~جيش أو سرية ، أوصاه بتقوى | الله ومن معه من المسلمين خيرا ، فقال : ' ~~اغزوا باسم الله ، في سبيل الله ، قاتلوا من كفر بالله | اغزوا ولا تغلوا ~~ولا تغدروا ، ولا تمثلوا ، ولا تقتلوا وليدا ، وإذا لقيت عدوك من المشركين ~~، | فادعهم إلى ثلاث خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم ، وكف ~~عنهم . ثم ادعهم | إلى الإسلام ، فإن أجابوك فاقبل منهم ، ثم ادعهم إلى ~~التحول ms544 من دارهم إلى دار المهاجرين ، | وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك ، فلهم ~~ما للمهاجرين ، وعليهم ما على المهاجرين فإن أبوا أن | يتحولوا منها ، ~~فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين ، يجري عليهم حكم الله تعالى ، ولا | ~~يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء ، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين ، فإن هم ~~أبوا فاسألهم | الجزية ، فإن هم أجابوك فاقبل منهم ، وكف عنهم ، فإن هم ~~أبوا فاستعن بالله وقاتلهم . وإذا | حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة ~~الله وذمة نبيه ، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة | نبيه ، ولكن أجعل لهم ذمتك ~~وذمة أصحابك ، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون | من أن تخفروا ذمة ~~الله وذمة نبيه ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله ، | ~~فلا تنزلهم ، ولكن أنزلهم على حكمك ، فإنك لا تدري : أتصيب فيهم حكم الله ~~أم لا ؟ ' رواه | مسلم . | PageV01P614 # قوله : ' باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله ' . # وقول الله تعالى : ^ ( وأوفوا بعهد الله إذا عهدتم ولا تنقضوا الأيمن بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله | عليكم كفيلا ) ^ [ النحل : 91 ] . # قال العماد بن كثير : وهذا مما يأمر الله تعالى به ، وهو الوفاء بالعهود ~~والمواثيق ، | والمحافظة على الأيمان المؤكدة . ولهذا قال ^ ( ولا تنقضوا ~~الأيمن بعد توكيدها ) ^ ولا | تعارض بين هذا وقوله : @QB@ ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم @QE@ وبين قوله : @QB@ ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا ~~أيمانكم @QE@ أي : لا تتركوها بلا تكفير . وبين قوله صلى الله عليه وسلم في ~~| الصحيحين ' ' إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا ~~منها إلا أتيت | الذي هو خير منها وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني ' ~~لا تعارض بين هذا كله | وبين الآية المذكورة هنا وهي @QB@ ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها @QE@ لأن هذه الأيمان المراد | بها : الداخلة في ~~العهود والمواثيق ، لا الأيمان الواردة على حث أو منع ، ولهذا قال مجاهد | ~~في الآية : يعني : الحلف أي : حلف الجاهلية . ويؤيده ما رواه الإمام أحمد ~~عن جبير بن | مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لا حلف في ms545 ~~الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم | يزده الإسلام إلا شدة ' وكذا ~~رواه مسلم ، ومعناه : أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف | الذي كان أهل ~~الجاهلية يفعلونه ، فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه . # وقوله تعالى @QB@ إن الله يعلم ما تفعلون @QE@ [ النحل : 91 ] تهديد ~~ووعيد لمن نقض | الأيمان بعد توكيدها . # قوله : ' عن بريدة ' هو ابن الحصيب الأسلمي . وهذا الحديث من رواية ابنه ~~سليمان | عنه . قاله في ' المفهم ' . | PageV01P615 # قوله : قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إذا أمر أميرا على جيش ~~أو سرية أوصاه في خاصته | بتقوى الله تعالى ' فيه من الفقه : تأمير الأمراء ~~، ووصيتهم . # قال الحربي : السرية : الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها . والجيش : ما كان ~~أكثر من ذلك . | وتقوى الله : التحرز بطاعته من عقوبته . # قلت : وذلك بالعمل بما أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه . # قوله : ' ومن معه من المسلمين خيرا ' ، أي : ووصاه بمن معه أن يفعل معهم ~~خيرا ؛ من | الرفق بهم ، والإحسان إليهم ، وخفض الجناح لهم ، وترك التعاظم ~~عليهم . # قوله : ' اغزوا باسم الله ' أي : اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله ~~مخلصين له . قلت : | فتكون الباء في ' بسم الله ' هنا للاستعانة ، والتوكل ~~على الله . # قوله : ' قاتلوا من كفر بالله ' هذا العموم يشمل جميع أهل الكفر ~~المحاربين وغيرهم ، | وقد خصص منهم من له عهد ، والرهبان والنسوان ، ومن لم ~~يبلغ الحلم ، وقد قال متصلا به | ' ولا تقتلوا وليدا ' وإنما نهى عن قتل ~~الرهبان والنسوان ، لأنه لا يكون منها قتال غالبا ، وإن | كان منهم قتال أو ~~تدبير قتلوا . # قلت : وكذلك الذراري والأولاد . # قوله : ' ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ' الغلول : الأخذ من الغنيمة ~~من غير قسمتها . | والغدر : نقض العهد . والتمثيل هنا : التشويه بالقتيل ، ~~كقطع أنفه وأذنه والعبث به . ولا | خلاف في تحريم الغلول والغدر ، وفي ~~كراهية المثلة . # قوله : ' وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال - أو خصال ' ~~الرواية | بالشك وهو من بعض الرواة ومعنى الخلال والخصال واحد . # قوله : ' فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم ' قيدناه عمن يوثق بعلمه ~~وتقييده ms546 | بنصب ' أيتهن ' على أن يعمل فيها ' أجابوك ' لا على إسقاط حرف ~~الجر . و ' ما ' زائدة . | ويكون تقدير الكلام : فإلى أيتهن أجابوك فاقبل ~~منهم ، كما تقول : جئتك إلى كذا وفي كذا ، | فيعدى إلى الثاني بحرف الجر . # قلت : فيكون في ناصب ' أيتهن ' وجهان : ذكرهما الشارح . الأول : منصوب ~~على | الاشتغال . والثاني : على نزع الخافض . # قوله : ' ثم ادعهم إلى الإسلام ' كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم ~~' ثم | ادعهم ' بزيادة ' ثم ' والصواب إسقاطها . كما روي في غير كتاب مسلم ~~. كمصنف أبي داود ، | وكتاب الأموال لأبي عبيد ؛ لأن ذلك هو ابتداء تفسير ~~الثلاث الخصال . | PageV01P616 # وقوله : ' ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين ' يعني ~~المدينة . وكان في | أول الأمر وجوب الهجرة إلى المدينة على كل من دخل في ~~الإسلام ؛ وهذا يدل على أن | الهجرة واجبة على كل من آمن من أهل مكة وغيرهم ~~. # قوله : ' فإن أبوا أن يتحولوا ' يعني : أن من أسلم ولم يهاجر ولم يجاهد ~~لا يعطى من | الخمس ولا من الفيء شيئا . وقد أخذ الشافعي رحمه الله بالحديث ~~في الأعراف ، فلم ير | لهم من الفيء شيئا ، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من ~~أغنيائهم فترد على فقرائهم ، كما أن | أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق ~~لهم في الصدقة عنده ، ومصرف كل مال في أهله . | وسوى مالك رحمه الله وأبو ~~حنيفة رحمه الله بين المالين ، وجوزا صرفهما للضعيف . | قوله : ' فإن هم ~~أبوا فاسألهم الجزية ' فيه حجة لمالك وأصحابه ، والأوزاعي في أخذ | الجزية ~~من كل كافر ، عربيا كان أو غيره ، كتابيا كان أو غيره . وذهب أبو حنيفة ~~رحمه الله تعالى إلى أنها تؤخذ من الجميع ، إلا من مشركي العرب ومجوسهم . ~~وقال الشافعي : لا تؤخذ إلا | من أهل الكتاب ، عربا كانوا أو عجما ، وهو ~~قول الإمام أحمد في ظاهر مذهبه ، وتؤخذ من | المجوس . # قلت : لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منهم ، وقال : ' سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب ' . # وقد اختلفوا في القدر المفروض من الجزية ، فقال مالك : أربعة دنانير على ~~أهل | الذهب ، وأربعون درهما على أهل ms547 الورق ، وهل ينقص منها الضعيف أولا ؟ ~~قولان . وقال | الشافعي : فيه دينار على الغني والفقير ، وقال أبو حنيفة ~~رحمه الله ، والكوفيون : على الغني | ثمانية وأربعون درهما ، والوسط أربعة ~~وعشرون درهما ، والفقير اثنا عشر درهما وهو قول | أحمد بن حنبل رحمه الله . # قال يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي رحمه الله . # # % وقاتل يهودا والنصارى وعصبة % % المجوس ، فإن هم سلموا الجزية اصدد % ~~PageV01P617 | # % على الأدون اثني عشر درهما افرضن % % وأربعة من بعد عشرين زد % # % لأوسطهم حالا ، ومن كان موسرا % ثمانية مع أربعين لتنقد % # % وتسقط عن صبيانهم ونسائهم % % وشيخ لهم فإن وأعمى ومقعد % # % وذي الفقر والمجنون أو عبد مسلم % % ومن وجبت منهم عليه فيهتدي % # وعند مالك وكافة العلماء على الرجاء الأحرار البالغين العقلاء دون غيرهم ~~، وإنما | تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين ، لا ممن نأى بداره ويجب تحويلهم ~~إلى بلاد المسلمين | أو حربهم . # قوله : ' وإذا حاصرت أهل حصن ' الكلام إلى آخره فيه حجة لمن يقول من ~~الفقهاء | وأهل الأصول : إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد ، وهو المعروف ~~من مذهب مالك | وغيره ، ووجه الاستدلال به : أنه صلى الله عليه وسلم قد نص ~~على أن الله تعالى قد حكم حكما معينا في | المجتهدات ، فمن وافقه فهو ~~المصيب ، ومن لم يوافقه فهو المخطئ . # قوله : ' وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ' ~~الحديث . | الذمة : العهد ، وتخفر تنقض : يقال : أخفرت الرجل : إذا نقضت ~~عهده ، وخفرته : أجرته ، | ومعناه : أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء ~~للعهد ، كجملة الأعراب ، فكأنه يقول : | إن وقع نقض من متعد معتد ، كان نقض ~~عهد الخلق أهون من نقض عهد الله تعالى . والله | أعلم . # قوله : ' وقول نافع وقد سئل عن الدعوة قبل القتال ' ذكر فيه : أن مذهب ~~مالك يجمع | بين الأحاديث في الدعوة قبل القتال . قال : وهو أن مالكا قال : ~~لا يقاتل الكفار قبل أن | يدعوا ، ولا تلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم ~~الدعوة ، فيجوز أن تلتمس غرتهم . وهذا | الذي صار إليه مالك هو الصحيح ، ~~لأن فائدة الدعوة أن يعرف ms548 العدو أن المسلمين لا يقاتلون | للدنيا ولا ~~للعصبية ، وإنما يقاتلون للدين ، فإذا علموا بذلك أمكن أن يكون ذلك سببا ~~مميلا | لهم إلى الانقياد إلى الحق ، بخلاف ما إذا جهلوا مقصود المسلمين ، ~~فقد يظنون أنهم | PageV01P618 | يقاتلون للملك وللدنيا فيزيدون عتوا وبغضا ~~. والله أعلم . # فيه مسائل : # الأولى : الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين . # الثانية : الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا . | الثالثة : قوله ' اغزوا بسم ~~الله في سبيل الله ' . | الرابعة : قوله : ' قاتلوا من كفر بالله ' . | ~~الخامسة : قوله : ' استعن بالله وقاتلهم ' . | السادسة : الفرق بين حكم ~~الله وحكم العلماء . | السابعة : في كون الصحابي يحكم عند الحاجة ، بحكم لا ~~يدري أيوافق حكم الله أم لا ؟ | PageV01P619 | # | ( [ 63 ] باب : ما جاء في الإقسام على الله ) # عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' قال رجل : والله لا | يغفر الله لفلان ، فقال الله عز وجل : من ذا ~~الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ؟ إني قد غفرت | له ، وأحبطت عملك ' رواه ~~مسلم . # وفي حديث أبي هريرة : أن القائل رجل عابد . قال أبو هريرة : تكلم بكلمة ~~أوبقت دنياه | وآخرته . # قوله : ' باب ما جاء في الإقسام على الله ' . # ذكر المصنف فيه حديث جندب بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' قال رجل : | والله لا يغفر الله لفلان . قال الله عز وجل : من ذا ~~الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان ، إني | قد غفرت له وأحبطت عملك ' رواه ~~مسلم . # قوله : ' يتألى ' أي : يحلف ، والألية بالتشديد الحلف . وصح من حديث أبي ~~هريرة قال | البغوي في ' شرح السنة ' - وساق بالسند إلى عكرمة بن عمار - ~~قال : دخلت مسجد المدينة | فناداني شيخ قال : يا يمامي ، تعال ، وما أعرفه ~~، قال : لا تقولن لرجل : والله لا يغفر لك | أبدا ولا يدخلك الجنة . قلت : ~~ومن أنت يرحمك الله ؟ قال : أبو هريرة ، فقلت : إن هذه | كلمة يقولها أحدنا ~~لبعض أهله إذا غضب ، أو لزوجته أو لخادمه ، قال : فإني سمعت | رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول : ' إن ms549 رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين ، ~~أحدهما مجتهد في العبادة ، | والآخر كأنه يقول : مذنب ، فجعل يقول : أقصر ~~عما أنت فيه . قال فيقول : خلني وربي ، | قال : فوجده يوما على ذنب استعظمه ~~فقال : أقصر ، فقال : خلني وربي ، أبعثت علي | رقيبا ؟ ، فقال : والله لا ~~يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة أبدا . قال : فبعث الله إليهما ملكا ، | فقبض ~~أرواحهما ، فاجتمعا عنده ، فقال للمذنب : ادخل الجنة برحمتي ، وقال للآخر : ~~| PageV01P620 | أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي ؟ قال : لا يا رب . قال ~~اذهبوا به إلى النار ' . قال أبو | هريرة : والذي نفسي بيده ، تكلم بكلمة ~~أو بقت دنياه وآخرته . رواه أبو داود في ' سننه ' | وهذا لفظه عن أبي هريرة ~~رضي الله عنه يقول : ' كان رجلان في بني إسرائيل متآخيين فكان | أحدهما ~~يذنب ، والآخر يجتهد في العبادة . فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على ~~الذنب | فيقول : أقصر ، فوجده يوما على ذنب فقال له ، أقصر ، فقال : خلني ~~وربي ، أبعثت علي | رقيبا ؟ قال : والله لا يغفر الله لك ، ولا يدخلك الجنة ~~. فقبضت أرواحهما فاجتمعا عند رب | العالمين ، فقال لهذا المجتهد : أكنت بي ~~عالما ، أو كنت على ما في يدي قادرا ؟ فقال | للمذنب : اذهب فادخل الجنة ، ~~وقال للآخر : اذهبوا به إلى النار ' . # قوله : ' وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد ' يشير إلى قوله في هذا ~~الحديث | ' أحدهما مجتهد في العبادة وفي هذه الأحاديث : بيان خطر اللسان ، ~~وذلك يفيد التحرز من | الكلام ، كما في حديث معاذ قلت : يا رسول الله وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به ؟ قال : ' ثكلتك | أمك يا معاذ ، وهل يكب الناس في ~~النار على وجوههم - أو قال : على مناخرهم - إلا | حصائد ألسنتهم ؟ ' والله ~~أعلم . | PageV01P621 | فيه مسائل : | الأولى : التحذير من التألي على الله ~~. | الثانية : كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله . | الثانية : أن ~~الجنة مثل ذلك . | الرابعة : فيه شاهد لقوله : ' إن الرجل ليتكلم بالكلمة ' ~~الخ . | الخامسة : أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه . | ~~PageV01P622 | # | ( [ 64 ] باب : ' لا يستشفع بالله على خلقه ' ) # عن جبير بن مطعم رضي الله ms550 عنه قال : ' جاء أعرابي إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال : يا رسول الله | نهكت الأنفس ، وجاع العيال ، وهلكت ~~الأموال ، فاستسق لنا ربك ، فإنا نستشفع بالله عليك ، | وبك على الله ، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم : سبحان الله ! سبحان الله ! فما زال يسبح ~~حتى عرف ذلك في | وجوه أصحابه ، ثم قال : ويحك ، أتدري ما الله ؟ إن شأن ~~الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع | بالله على أحد ' وذكر الحديث . . . رواه ~~أبو داود . # قوله : ' باب لا يستشفع بالله على خلقه ' . # وذكر الحديث وسياق أبي داود في ' سننه ' أتم مما ذكره المصنف رحمه لله ~~ولفظه : | عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم ، عن أبيه ، عن جده قال : ' أتى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابي | فقال : يا سول الله ، جهدت الأنفس ، ~~وضاعت العيال ، ونهكت الأموال ، وهلكت الأنعام ، | فاستسق الله لنا ، فإنا ~~نستشفع بك على الله ، ونستشفع بالله عليك ، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : | ويحك أتدري ما تقول ؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال ~~يسبح حتى عرف ذلك في وجوه | أصحابه ، ثم قال : ويحك ، إنه لا يستشفع بالله ~~على أحد من خلقه ، شأن الله أعظم من | ذلك ، ويحك ، أتدري ما الله ؟ إن ~~عرشه على سماواته لهكذا - وقال بأصابعه مثل القبة | عليه - وإنه ليئط به ~~أطيط الرحل بالراكب ' . # قال ابن بشار في حديثه ' إن الله فوق عرشه ، وعرشه فوق سماواته ' . | ~~PageV01P623 # قال الحافظ الذهبي : رواه أبو داود بإسناد حسن عنده في ' الرد على ~~الجهمية ' من | حديث محمد بن إسحاق بن يسار . # قوله : ' ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه ' فإنه تعالى رب كل ~~شيء | ومليكه ، والخير كله بيده ، لا مانع لما أعطى ، ولا معطي لما منع ، ~~ولا راد لما قضى ، وما | كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض ~~إنه كان عليما قديرا . إنما أمره إذا أراد | شيئا أن يقول له : كن فيكون . ~~والخلق وما في إيديهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء ، وهو | الذي يشفع ms551 الشافع ~~إليه ، ولهذا أنكر على الأعرابي . # قوله : ' وسبح الله كثيرا وعظمه ' لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه ~~وبحمده ، وأن | شأن الله أعظم من ذلك . # وفي هذا الحديث : إثبات علو الله على خلقه ، وأن عرشه فوق سماواته . وفيه ~~: تفسير | الاستواء بالعلو كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة ، خلافا ~~للمعطلة والجهمية و المعتزلة | ومن أخذ عنهم ، كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد ~~في أسماء الله وصفاته ، وصرفها عن المعنى | الذي وضعت له ودلت عليه ، من ~~إثبات صفات الله تعالى التي دلت على كماله جل وعلا | كما عليه السلف الصالح ~~والأئمة ومن تبعهم ممن تمسك بالسنة ، فإنهم أثبتوا ما أثبته الله | لنفسه ~~وأثبته له رسوله من صفات كماله ، على ما يليق بجلاله وعظمته ، إثباتا بلا ~~تمثيل ، | وتنزيها بلا تعطيل . # قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في ' مفتاح دار السعادة ' - بعد ~~كلام سبق فيما | يعرف العبد بنفسه وبربه من عجائب مخلوقاته قال بعد ذلك . # والثاني : أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة ، فتفتح له أبواب ~~السماء ، فيجول | في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها ، ثم يفتح له باب بعد ~~باب حتى ينتهي به سير القلب | إلى عرش الرحمن ، فينظر سعته وعظمته وجلاله ~~ومجده ورفعته ويرى السماوات السبع | والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ~~ملقاة بأرض فلاة ، ويرى الملائكة حافين من حول | العرش لهم زجل بالتسبيح ~~والتحميد ، والتقديس والتكبير ، والأمر ينزل من فوقه بتدبير | الممالك ~~والجنود التي لا يعلمها إلا ربها ومليكها ، فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة ~~آخرين ، | وإعزاز قوم وإذلال آخرين ، وإنشاء ملك وسلب ملك ، وتحويل نعمة من ~~محل إلى محل | وقضاء الحاجات على اختلافها وتبيانها وكثرتها ؛ من جبر كسير ~~، وإغناء فقير ، وشفاء | مريض ، وتفريج كرب ، ومغفرة ذنب ، وكشف ضر ، ونصر ~~مظلوم ، وهداية حيران ، وتعليم | جاهل ورد آبق ، وأمان خائف ، وإجارة ~~مستجير ، ومدد لضعيف ، وإغاثة لملهوف ، وإعانة | لعاجز ، وانتقام من ظالم ، ~~وكف لعدوان ، فهي مراسيم دائرة بين العدل والفضل والحكمة | والرحمة ، تنفذ ~~في أقطار العوالم ، لا يشغله سمع شيء منها من سمع غيره ، ولا تغلطه كثرة | ~~PageV01P624 | المسائل والحوائج ms552 على اختلاف لغاتها وتباينها واتحاد وقتها ، ~~ولا يتبرم بإلحاح الملحين ، ولا | تنقص ذرة من خزائنه ، لا إله إلا هو ~~العزيز الحكيم ، فحينئذ يقوم القلب بين يدي الرحمن | مطرقا لهيبته ، خاشعا ~~لعظمته ، عاليا لعزته ، فيسجد بين يدي الملك الحق المبين سجدة لا | يرفع ~~رأسه منها إلى يوم المزيد ، فهذا سفر القلب وهو في وطنه وداره ومحل ملكه ، ~~وهذا | من أعظم ثمرته وربحه وأجل منفعته وأحسن عاقبته ، سفر هو حياة ~~الأرواح ، ومفتاح | السعادة ، وغنيمة العقول والألباب لا كالسفر الذي هو ~~قطعة من العذاب اه كلامه رحمه الله . # وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته ، فالمراد به ~~استجلاب دعائه وليس خاصا | به صلى الله عليه وسلم ، بل كل حي صالح يرجى أن ~~يستجاب له ، فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل | بالمطالب الخاصة والعامة ~~، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة ' ~~لا تنسنا يا | أخي من صالح دعائك ' وأما الميت ، فإنما يشرع في حقه الدعاء ~~له على جنازته وعلى قبره | وفي غير ذلك . وهذا هو الذي يشرع في حق الميت . ~~وأما دعاؤه ، فلم يشرع ، بل قد دل | الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد ~~عليه ، كما قال تعالى : ^ ( والذين تدعون من دونه | ما يملكون من قطمير * ~~إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم | القيمة ~~يكفرون بشرككم ) ^ [ فاطر : 13 - 14 ] فبين الله تعالى أن دعاء من لا يسمع ~~ولا | يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة ، أي : ينكره ويعادي من فعله ~~، كما في آية | الأحقاف ^ ( وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا ~~بعبادتهم كفرين * ) ^ [ الأحقاف : 6 ] فكل ميت | أو غائب لا يسمع ولا ~~يستجيب ولا ينفع ولا يضر . والصحابة رضي الله عنهم ، لا سيما | أهل السوابق ~~منهم كالخلفاء الراشدين ، لم ينقل عن أحد منهم ولا عن غيرهم أنهم انزلوا | ~~حاجاتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ، حتى في أوقات الجدب . كما ~~وقع لعمر رضي الله عنه لما | خرج ليستسقي بالناس ms553 خرج بالعباس عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، فأمره أن يستسقي لأنه حي حاضر | يدعو ربه ، فلو جاز أن ~~يستسقي بأحد بعد وفاته لا ستسقي عمر رضي الله عنه والسابقون | الأولون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم . | PageV01P625 # وبهذا يظهر الفرق بين الحي والميت ، لأن المقصود من الحي دعاؤه إذا كان ~~حاضرا ، | فإنهم في الحقيقة إنما توجهوا إلى الله بطلب دعاء من يدعوه ~~ويتضرع إليه ، وهم كذلك | يدعون ربهم ، فمن تعدى المشروع إلى ما لا يشرع ضل ~~وأضل . ولو دكان عاء الميت خيرا | لكان الصحابة إليه أسبق وعليه أحرص ، وبه ~~أليق ، وبحقه أعلم وأقوم . فمن تمسك بكتاب | الله نجا ، ح ومن تركه واعتمد ~~على عقله ، هلك . وبالله التوفيق . # فيه مسائل : # الأولى : إنكاره على من قال ' نستشفع بالله عليك ' . # الثانية : تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة . # الثالثة : أنه لم ينكر عليه قوله ' نستشفع بك على الله ' . # الرابعة : التنبيه على تفسير سبحان الله . # الخامسة : أن المسلمين يسألونه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء . | ~~PageV01P626 | # | ( [ 65 ] باب : ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم | حمى ~~التوحيد وسده طرق الشرك ) # | عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال : ' انطلقت في وفد ' بني عامر ~~إلى | رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلنا : أنت : سيدنا فقال السيد الله ~~تبارك وتعالى . قلنا وأفضلنا فضلا ، | وأعظمنا طولا ، فقال : قولوا بقولكم ~~، أو بعض قولكم ، ولا يستجرينكم الشيطان ' رواه أبو | داود بسند جيد . # وعن أنس رضي الله عنه : ' أن أناسا قالوا : يا رسول الله ، يا خيرنا ، ~~وابن خيرنا ، | وسيدنا وابن سيدنا . فقال : ' يا أيها الناس ، قولوا بقولكم ~~، ولا يستهوينكم الشيطان ، أنا | محمد عبد الله ورسوله ، ما أحب أن ترفعوني ~~فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل ' . رواه | النسائي بسند جيد . # قوله : باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده ~~طرق الشرك . # حمايته صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال ~~التي يضمحل معها التوحيد | أو ينقص ، وهذا كثير في السنة ms554 الثابتة عنه صلى ~~الله عليه وسلم كقوله : ' لا تطروني كما أطرت النصارى ابن | PageV01P627 | ~~مريم ، إنما أنا عبد فقولوا : عبد الله ورسوله ' وتقدم قوله : ' إنه لا ~~يستغاث بي ، وإنما | يستغاث بالله عز وجل ' ونحو ذلك . ونهى عن التمادح ~~وشدد القول فيه ، كقوله لمن مدح | إنسانا : ' ويلك قطعت عنق صاحبك ' الحديث ~~. أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي | بكرة عن أبيه ' أن رجلا أثنى على ~~رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : ' قطعت عنق صاحبك ثلاثا ' وقال ~~: ' إذا لقيتم المداحين ، فاحثوا في وجوههم التراب ' أخرجه مسلم والترمذي | ~~وابن ماجه عن المقداد بن الأسود . | PageV01P628 # وفي هذا الحديث نهى عن أن يقولوا : أنت سيدنا ، وقال : ' السيد الله ~~تبارك وتعالى ' | ونهاهم أن يقولوا : وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا . وقال : ' ~~لا يستجرينكم الشيطان ' . # وكذلك قوله في حديث أنس أن ناسا قالوا : يا رسول الله ، يا خيرنا وابن ~~خيرنا . . . . | الخ . كره صلى الله عليه وسلم أن يواجهوه بالمدح فيفضي بهم ~~إلى الغلو ، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن مواجهة المادح | PageV01P629 | ~~للممدوح بمدحه - ولو بما هو فيه - من عمل الشيطان ، لما تفضي محبة المدح ~~إليه من تعاظم | الممدوح في نفسه ، وذلك ينافي كمال التوحيد ، فإن العبادة ~~لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا | تدور إلا عليه ، وذلك غاية الذل في غاية ~~المحبة ، وكمال الذل يقتضي الخضوع والخشية | والاستكانة لله تعالى ، وأن لا ~~يرى نفسه إلا في مقام الذم لها ، والمعاتبة لها في حق ربه ، | وكذلك الحب ~~لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله ، ويكره ما يكرهه الله من | ~~الأقوال والأعمال والإرادات ، ومحبة المدح من العبد لنفسه تخالف ما يحبه ~~الله منه ، | والمادح يغره من نفسه فيكون آثما ، فمقام العبودية يقتضي ~~كراهة المدح رأسا ، والنهي عنه | صيانة لهذا المقام ، فمتى أخلص العبد الذل ~~لله والمحبة له ، خلصت أعماله وصحت ، ومتى | أدخل عليها ما يشوبها من هذه ~~الشوائب ، دخل على مقام العبودية بالنقص أو الفساد ، وإذا | أداه المدح إلى ~~التعاظم في نفسه والإعجاب بها ، وقع ms555 في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة ، | ~~كما في الحديث ' الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني شيئا منهما ~~عذبته ' . # وفي الحديث ' لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ' وهذه ~~الآفات قد | تكون محبة المدح سببا لها وسلما إليها ، والعجب يأكل الحسنات ~~كما تأكل النار الحطب . | PageV01P630 # وأما المادح فقد يفضي به المدح إلى أن ينزل الممدوح منزلة لا يستحقها ، ~~كما يوجد | كثيرا من أشعارهم من الغلو الذي نهى عنه الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وحذر أمته أن يقع منهم ، فقد وقع | الكثير منه حتى صرحوا فيه بالشرك ~~في الربوبية والإلهية والملك ، كما تقدمت الإشارة إلى | شيء من ذلك # والنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن ~~يمدح صيانة لهذا المقام ، | وأرشد الأمة إلى ترك ذلك نصحا لهم ، وحماية ~~لمقام التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو | يضعفه ، من الشرك ووسائله @QB@ ~~فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم @QE@ [ البقرة : 59 ] | ورأوا أن ~~فعل ما نهاهم صلى الله عليه وسلم عن فعل قربة من أفضل القربات ، وحسنة من ~~أعظم الحسنات . # وأما تسمية العبد بالسيد ، فاختلف العلماء في ذلك . # قال العلامة ابن القيم في ' بدائع الفوائد ' . اختلف الناس في جواز إطلاق ~~السيد على | البشر ، فمنعه قوم ، ونقل عن مالك ، واحتجوا بقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما قيل له : يا سيدنا قال : | ' السيد الله تبارك وتعالى ' ~~وجوزه قوم ، واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ' قوموا إلى | ~~سيدكم ' وهذا أصح من الحديث الأول . قال هؤلاء : السيد أحد ما يضاف إليه ، ~~فلا يقال | للتميمي : سيد كندة ، ولا يقال : الملك سيد البشر . قال : وعلى ~~هذا فلا يجوز أن يطلق على | الله هذا الاسم وفي هذا نظر ، فإن السيد إذا ~~أطلق عليه تعالى ، فهو في منزلة المالك ، | والمولى ، والرب ، لا بمعنى ~~الذي يطلق على المخلوق . انتهى . # قلت : فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى قول الله تعالى ~~: ^ ( قل | PageV01P631 | أغير الله أبغى ms556 ربا ) ^ [ الأنعام : 164 ] أي : ~~إلها وسيدا ، وقال في قول الله تعالى : ^ ( الله | الصمد * ) : إنه السيد ~~الذي انتهى سؤدده ' . # وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار ' قوموا إلى سيدكم ~~' فالظاهر : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم | يواجه سعدا به فيكون في هذا ~~المقام تفصيل . والله أعلم . # فيه مسائل : # الأولى : تحذير الناس من الغلو . # الثانية : ما ينبغي أن يقول من قيل له : أنت سيدنا . # الثالثة : قوله ' لا يستجرينكم الشيطان ' مع أنهم لم يقولوا إلا الحق . # الرابعة : قوله ' ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي PageV01P632 | # | ( [ 66 ] باب ما جاء في قول الله تعالى ) # | وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات | ~~مطويت بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون * ) [ الزمر : 67 ] . # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ' جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فقال : يا | محمد ، إنا نجد أن الله يجعل السموات على ~~إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر على إصبع ، والثرى على إصبع ، وسائر ~~الخلق على إصبع ، . فيقول : أنا الملك . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم | ~~حتى بدت نواجذه ، تصديقا لقول الحبر . ثم قرأ ^ ( وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا | قبضته يوم القيمة ) ^ [ الزمر : 67 ] . # وفي رواية لمسلم : ' والجبال والشجر على إصبع ، ثم يهزهن ، فيقول : أنا ~~الملك ، أنا | الله ' . # وفي رواية للبخاري : ' يجعل السموات على إصبع ، والماء والثرى على إصبع ، ~~وسائر | الخلق على إصبع ، ' أخرجاه . | PageV01P633 | ولمسلم عن ابن عمر ~~مرفوعا ' يطوي الله السموات يوم القيامة ، ثم يأخذهن بيده | اليمنى ، ثم ~~يقول : أنا الملك ، أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين السبع ~~، ثم | يأخذهن بشماله ، ثم يقول : أنا الملك ، أين الجبارون ؟ أين ~~المتكبرون ؟ # وروي عن ابن عباس قال : ' ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن ~~إلا | كخردلة في يد أحدكم ' . # وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد : حدثني ~~أبي قال : | قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ما السموات السبع في ~~الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في ترس ms557 ' . | PageV01P634 # قال : وقال أبو ذر رضي الله عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول : ' ما الكرسي في العرش | إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من ~~الأرض . # وعن ابن مسعود قال : ' بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام ، وبين ~~كل سماء | وسماء خمسمائة عام ، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام ، ~~وبين الكرسي والماء | خمسمائة عام ، والعرش فوق الماء . والله فوق العرش ؛ ~~لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ' | أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة ، عن عاصم ~~بن زر ، عن عبد الله . # ورواه بنحوه المسعودي ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن عبد الله . # قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى قال : وله طرق PageV01P635 # وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' هل تدرون كم | بين السماء والأرض ؟ قلنا : الله ورسوله أعلم ~~. قال : بينهما مسيرة خمسمائة سنة ، ومن كل | سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة ~~سنة ، وكثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة . وبين السماء | السابعة والعرش بحر ~~، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض ، والله تعالى فوق ذلك | وليس ~~يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم ' أخرجه أبو داود وغيره . # قوله : باب قول الله تعالى : # ^ ( وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات ~~مطويت | بيمينه سبحنه وتعالى عما يشركون * ) [ الزمر : 67 ] . # أي : من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة . # قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى : يقول تعالى : ما قدر المشركون الله ~~حق قدره ، | حتى عبدوا معه غيره ، وهو العظيم الذي لا أعظم منه ، القادر ~~على كل شيء ، المالك لكل | شيء ، وكل شيء تحت قهره وقدرته . قال مجاهد : ~~نزلت في قريش ، وقال السدي : ما | عظموه حق تعظيمه ، وقال محمد بن كعب : لو ~~قدروه حق قدره ما كذبوه ، وقال علي بن | أبي طلحة عن ابن عباس : هم الكفار ~~الذي لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم ، فمن آمن أن الله | على كل شيء قدير ، ~~فقد قدر الله حق قدره ، ومن لم يؤمن بذلك ms558 فلم يقدر الله حق قدره . | ~~PageV01P636 # وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية ، الطريق فيها وفي أمثالها مذهب ~~السلف | وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف وذكر حديث ابن مسعود ~~كما ذكره | المصنف رحمه الله في هذا الباب ، قال : ورواه البخاري في صحيحه ~~في غير موضع من | ' صحيحه ' والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي كلهم من ~~حديث سليمان بن مهران | وهو الأعمش ، عن إبراهيم عن عبيدة ، عن ابن مسعود ، ~~بنحوه . # قال الإمام أحمد : حدثنا معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ~~عن | عبد الله قال : ' جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال : يا أبا القاسم ، أبلغك أن الله | تعالى يجعل الخلائق على إصبع ، ~~والسماوات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والشجر | على إصبع ، والثرى على ~~إصبع ، وسائر الخلائق على إصبع ، فيقول : أنا الملك ؟ فضحك | رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ، قال : وأنزل الله @QB@ ~~وما قدروا الله حق قدره @QE@ [ الزمر : 67 ] وهكذا رواه البخاري ومسلم ~~والنسائي من طرق عن الأعمش به . # وقال الإمام أحمد : حدثنا الحسين بن حسن الأشقر ، حدثنا أبو كدينة ، عن ~~عطاء ، عن | أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : مر يهودي برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو جالس فقال : كيف تقول يا | أبا القاسم يوم يجعل الله السموات ~~على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض على ذه ، والجبال على | ذه ، وسائر ~~الخلائق على ذه ؟ كل ذلك يشير بأصابعه ، فأنزل الله @QB@ وما قدروا الله حق ~~قدره @QE@ | وكذا رواه الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح ~~به ، وقال : حسن | صحيح غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه . # ثم قال البخاري : حدثنا سعيد بن عفير حدثنا الليث ، حدثني عبد الرحمن بن ~~خالد بن | مسافر ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أن أبا هريرة ~~رضي الله عنه قال : | سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ' يقبض ~~الله الأرض ، ويطوي السماء بيمينه ، فيقول : أنا | الملك ، أين ملوك الأرض ms559 ~~؟ ' تفرد به من هذا الوجه ، ورواه مسلم من وجه آخر . | PageV01P637 # وقال البخاري في موضع آخر : حدثنا مقدم بن محمد ، حدثنا عمي القاسم بن ~~يحيى ، | عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : ' إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله | تعالى يقبض يوم القيامة ~~الأرضين على إصبع ، وتكون السماء بيمينه ، ثم يقول أنا الملك ' | تفرد به ~~أيضا من هذا الوجه ، ورواه مسلم من وجه آخر . # وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول فقال : ~~حدثنا | عفان ، حدثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ~~، عن عبيد الله بن | مقسم ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر ^ ( وما قدروا الله حق | قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحنه وتعالى عما | ~~يشركون * ) [ الزمر : 67 ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده ~~يحركها يقبل بها ويدبر ، | يمجد الرب تعالى نفسه : ' أنا الجبار المتكبر ، ~~أنا الملك ، أنا العزيز ، أنا الكريم ' فرجف | برسول الله صلى الله عليه ~~وسلم المنبر حتى قلنا : ليحزن به ' . اه . # قوله : ' ولمسلم عن ابن عمر - الحديث ' كذا في رواية مسلم . قال الحميدي ~~: وهي | أتم ، وهي عند مسلم من حديث سالم عن أبيه . # وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما ~~قال : | ' إن الله يقبض يوم القيامة الأرضين ، وتكون السماء بيمينه ' ~~وأخرجه مسلم من حديث | عبيد الله بن مقسم . # قلت : وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله ، وعظيم قدرته وعظم ~~| مخلوقاته ، وقد تعرف سبحانه وتعالى إلى عباده بصفاته ، وعجائب مخلوقاته ~~وكلها تدل على | كماله ، وأنه هو المعبود وحده ، لا شريك له في ربوبيته ~~وإلهيته ، وتدل على إثبات الصفات له | على ما يليق بجلال الله وعظمته ~~إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل ، وهذا هو الذي دلت عليه | نصوص الكتاب ~~والسنة وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن ms560 تبعهم بإحسان ، واقتفى أثرهم على | ~~الإسلام والإيمان . # وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ربه ~~بذكر صفات كماله على | ما يليق بعظمته وجلاله وتصديقه اليهود فيما أخبروا ~~به عن الله من الصفات التي تدل على | عظمته ، وتأمل ما فيها من إثبات علو ~~الله تعالى على عرشه ، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء | ~~PageV01P638 | منها : إن ظاهرها غير مراد ، وإنها تدل على تشبيه صفات الله ~~بصفات خلقه ، فلو كان هذا | حقا بلغه أمينة أمينه ، فإن الله أكمل به الدين ~~، وأتم به النعمة فبلغ البلاغ المبين ، صلوات الله | وسلامه عليه وعلى آله ~~وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين . وتلقى الصحابة رضي الله عنهم | عن نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم ما وصف به ربه من صفات كماله ونعوت جلاله ، فآمنوا به ، ~~وآمنوا بكتاب | الله وما تضمنه من صفات ربهم جل وعلا ، كما قال تعالى : ^ ( ~~والراسخون في العلم يقولون ءامنا | به كل من عند ربنا ) ^ [ آل عمران : 7 ] ~~وكذلك التابعون لهم بإحسان وتابعوهم ، والأئمة من | المحدثين والفقهاء كلهم ~~وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يجحدوا ~~| شيئا من الصفات ، ولا قال أحد منهم : إن ظاهرها غير مراد ، لا إنه يلزم ~~من إثباتها التشبيه ، | بل أنكروا على من قال ذلك غاية الإنكار ، فصنفوا في ~~رد هذه الشبهات المصنفات الكبار | المعروفة الموجودة بأيدي أهل السنة ~~والجماعة . # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى : وهذا كتاب الله من أوله ~~إلى آخره | وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكلام الصحابة والتابعين ، ~~وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص | أو ظاهر أن الله تعالى فوق كل ~~شيء ، وأنه فوق العرش فوق السموات مستو على عرشه مثل | قوله تعالى : @QB@ ~~إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه @QE@ [ فاطر : 10 ] وقوله تعالى ~~: @QB@ يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي @QE@ [ آل عمران : 55 ] وقوله تعالى ~~: @QB@ بل رفعه الله إليه @QE@ | [ النساء : 158 ] وقوله تعالى : ^ ( ذى ~~المعارج ms561 * تعرج الملئكة والروح إليه * ) ^ | [ المعارج : 3 - 4 ] وقوله ~~تعالى : @QB@ يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه @QE@ [ السجدة : ~~5 ] وقوله | تعالى : @QB@ يخافون ربهم من فوقهم @QE@ [ النحل : 50 ] وقوله ~~تعالى : @QB@ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات @QE@ [ البقرة : 29 ] وقوله تعالى : | ^ ( إن ربكم الله ~~الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشى اليل | ~~النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق ~~والأمر تبارك الله رب | العالمين * ) ^ [ الأعراف : 54 ] وقوله تعالى : | ~~@QB@ إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه @QE@ [ يونس : 3 ] فذكر ~~التوحيدين | في هذه الآية . وقوله تعالى : @QB@ الله الذي رفع السماوات ~~بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش @QE@ | [ الرعد : 2 ] وقوله تعالى : ~~@QB@ تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى @QE@ [ ~~طه : 4 - 5 ] وقوله تعالى : ^ ( وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده | ~~وكفى به بذنوب عباده خبيرا * الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى | على العرش الرحمن فسئل به خبيرا * ) ^ [ الفرقان : 58 - 59 ~~] وقوله تعالى : ^ ( الله الذي خلق | السموات والأرض وما بينهما في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع | أفلا تتذكرون * ~~يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة | ~~PageV01P639 | مما تعدون * ) ^ [ السجدة : 4 - 5 ] وقوله تعالى : ^ ( هو ~~الذي خلق السموات والأرض في ستة | أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في ~~الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو | معكم أين ما ~~كنتم والله بما تعملون بصير * ) ^ [ الحديد : 4 ] فذكر عموم علمه وعموم ~~قدرته | وعموم إحاطته وعموم رؤيته ، وقوله تعالى : ^ ( ءامنتم من في السماء ~~أن يخسف بكم الأرض فإذا | هي تمور * أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم ~~حاصبا فستعلمون كيف نذير ms562 * ) ^ | [ الملك : 16 - 17 ] وقوله تعالى : ^ ( ~~تنزيل من حكيم حميد ) ^ [ فصلت : 42 ] وقوله تعالى : | ^ ( تنزيل الكتب من ~~الله العزيز الحكيم * ) ^ [ الزمر : 1 ] وقوله تعالى : ^ ( وقال فرعون يهمن ~~| ابن لى صرحا لعلى أبلغ الأسباب * أسبب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني ~~لأظنه | كذبا * ) ^ [ غافر : 36 - 37 ] انتهى كلامه رحمه الله . # قلت : وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة ~~الصفات من | الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين . ~~فمن ذلك ما رواه الحافظ | الذهبي في كتاب ' العلو ' وغيره بالأسانيد ~~الصحيحة عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أنها قالت | في قوله ~~تعالى : ^ ( الرحمن على العرش استوى * ) ^ قالت : الاستواء غير مجهول ، ~~والكيف | غير معقول ، والإقرار به إيمان ، الجحود به كفر . رواه ابن المنذر ~~واللالكائي وغيرهما | بأسانيد صحاح . # قال : وثبت عن سفيان بن عينة رحمه الله تعالى أنه قال : لما سئل ربيعة بن ~~أبي | عبد الرحمن : كيف الاستواء ؟ قال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير ~~معقول ، ومن الله | الرسالة ، وعلى الرسول البلاغ ، وعلينا التصديق . # وقال ابن وهب : كنا عند مالك فدخل رجل فقال : يا أبا عبد الله ^ ( الرحمن ~~على العرش | PageV01P640 | استوى * ) [ طه : 5 ] كيف استوى ؟ فأطرق مالك ~~رحمه الله وأخذته الرحضاء . وقال : | ' الرحمن على العرش استوى ، كما وصف ~~نفسه ، ولا يقال : كيف ؟ و ' كيف ' عنه مرفوع ، | وأنت صاحب بدعة . أخرجوه ~~' . ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب ، ورواه عن | يحيى بن يحيى أيضا ~~. ولفظه قال : الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول ، والإيمان به | واجب ، ~~والسؤال عنه بدعة . # قال الذهبي : فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله ، وأخبروا أنه معلوم ~~لا يحتاج لفظه | إلى تفسير ، ونفوا عنه الكيفية . # قال البخاري في ' صحيحه ' : قال مجاهد : استوى : علا على العرش . # وقال إسحاق بن راهويه : سمعت غير واحد من المفسرين يقول : ^ ( الرحمن على ~~العرش | استوى * ) أي : ارتفع . # قال محمد بن جريرو الطبري في قوله تعالى : ^ ( الرحمن على العرش استوى * ~~) ^ أي : | علا وارتفع . # وشواهده في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم . فمن ذلك قول عبد الله بن ms563 ~~رواحة | رضي الله عنه : | # % شهدت بأن وعد الله حق % % وأن مثوى النار الكافرينا % # % وأن العرش فوق الماء طاف % % وفوق العرش رب العالمينا % # % وتحمله ملائكة شداد % ملائكة الإله مسومينا % # وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق قال ~~: | سمعت عبد الله بن المبارك يقول : ' نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على ~~العرش استوى ، | بائن من خلقه ، ولا نقول كما قالت الجهمية ' . | ~~PageV01P641 # قال الدارمي : حدثنا حسن بن الصباح البزار ، حدثنا علي بن الحسين بن شقيق ~~، عن | ابن المبارك : قيل له : كيف نعرف ربنا ؟ قال : بأنه فوق السماء ~~السابعة على العرش بائن من | خلقه . # وقد تقدم قول الأوزاعي : كنا - والتابعون متوافرون - نقول : إن الله ~~تعالى ذكره بائن من | خلقه ، ونؤمن بما وردت به السنة . # وقال أبو عمر الطلمنكي في كتاب ' الأصول ' : أجمع المسلمون من أهل السنة ~~على | أن الله استوى على عرشه بذاته . وقال في هذا الكتاب أيضا : أجمع أهل ~~السنة على أن الله | تعالى استوى على عرشه على الحقيقة لا على المجاز ، ثم ~~ساق بسنده عن مالك قوله : الله | في السماء وعلمه في كل مكان ، ثم قال في ~~هذا الكتاب : أجمع المسلمون من أهل السنة | أن معنى قوله : @QB@ وهو معكم ~~أين ما كنتم @QE@ [ الحديد : 4 ] ونحو ذلك من القرآن : أن ذلك | علمه ، وأن ~~الله فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء ، وهذا لفظه في كتابه . # وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة ، أثبتوا ما أثبته الله في ~~كتابه على لسان | رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته ، ونفوا ~~عنه مشابهة المخلوقين ، ولم | يمثلوا ، ولم يكيفوا كما ذكرنا ذلك عنهم في ~~هذا الباب . # وقال الحافظ الذهبي : وأول من أنكر أن الله فوق عرشه : هو الجعد بن درهم ~~، وكذلك | أنكر جميع الصفات ، وقتله خالد بن عبد الله القسري وقصته مشهورة ~~، فأخذ هذه المقالة عنه | الجهم بن صفوان إمام الجهمية ، فأظهرها واحتج لها ~~بالشبهات ، وكان ذلك | في آخر عصر | التابعين ، فأنكر مقالته أئمة ذلك ~~العصر مثل الأوزاعي ، وأبي ms564 حنيفة ، ومالك ، والليث بن | سعد ، والثوري ، ~~وحماد بن زيد ، وحماد بن سلمة ، وابن المبارك ، ومن بعدهم من أئمة | الهدى ~~. # فقال الأوزاعي إمام أهل الشام على رأس الخمسين ومائة عند ظهور هذه ~~المقالة ما | أخبرنا عبد الواسع الأبهري بسنده إلى أبي بكر البيهقي : ~~أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرني | محمد بن علي الجوهري - ببغداد - ~~حدثنا إبراهيم بن الهيثم ، حدثنا محمد ين كثير | المصيصي سمعت الأوزاعي ~~يقول : كنا - والتابعون متوافرون - نقول : إن الله فوق عرشه ، | ~~PageV01P642 # ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته . أخرجه البيهقي في ' الصفات ' ورواته ~~أئمة ثقات . # وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : ' لله أسماء وصفات لا يسع أحد ~~ردها ، ومن | خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر ، وأما قبل قيام الحجة فإنه ~~يعذر بالجهل ، ونثبت هذه | الصفات وننفي عنه التشبيه ، كما نفى عن نفسه ~~فقال : ^ ( ليس كمثله شيء وهو السميع | البصير ) ^ [ الشورى : 11 ] ا ه من ~~' فتح الباري ' . # قوله : ' عن العباس بن عبد المطلب ' ساقه المصنف رحمه الله مختصرا . ~~والذي في | ' سنن أبي داود ' : عن العباس بن عبد المطلب قال : ' كنت في ~~البطحاء في عصابة فيهم | رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمرت بهم سحابة ، ~~فنظر إليها ، فقال : ما تسمون هذه ؟ قالوا : السحاب ، | قال : والمزن قالوا ~~: والمزن . قال : والعنان . قالوا : والعنان - قال : أبو داود : لم أتقن ~~العنان | جيدا - قال : هل تدرون ما بين السماء والأرض ؟ قالوا : لا ندري ، ~~قال : إن بعد ما بينهما | إما واحدة ، أو اثنتان ، أو ثلاث وسبعون سنة ، ثم ~~السماء التي فوقها كذلك ، حتى عد سبع | سموات ، ثم فوق السابعة بحر بين ~~أسفله ، وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ، ثم فوق | ذلك ثمانية أوعال ، ~~بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم | العرش ، بين ~~أسفله وأعلاه ، كما بين سماء إلى سماء ، ثم الله تعالى فوق ذلك ' ، وأخرجه ~~| الترمذي وابن ماجه ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وقال الحافظ الذهبي : ~~رواه أبو داود | بإسناد حسن ، وروى الترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وفيه ' ~~ما بين ms565 سماء إلى سماء | خمسمائة عام ' ولا منافاة بينهما ، لأن تقدير ذلك ~~بخمسمائة عام هو على سير القافلة | PageV01P643 | مثلا ، ونيف وسبعون سنة ~~على سير البريد ، لأنه يصح أن يقال : بيننا وبين مصر عشرون يوما | باعتبار ~~سير العادة ، وثلاثة أيام باعتبار سير البريد ، وروى شريك بعض هذا الحديث ~~عن | سماك فوقفه ، هذا آخر كلامه . # قلت : فيه التصريح بأن الله فوق عرشه كما تقدم في الآيات المحكمات ، ~~والأحاديث | الصحيحة وفي كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم . وهذا ~~الحديث له شواهد في | ' الصحيحين ' وغيرهما ، ولا عبرة بقول من ضعفه ، ~~لكثرة شواهده التي يستحيل دفعها ، | وصرفها عن ظواهرها . # وهذا الحديث كأمثاله يدل على عظمة الله وكماله ، وعظم مخلوقاته ، وأنه ~~المتصف | بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه ، ووصفه بها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وعلى كمال | قدرته ، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له ~~، دون كل ما سواه . وبالله التوفيق . # والحمد لله رب العالمين . وصلى الله وسلم على سيدنا محمد ، وعلى آله ~~وصحبه | أجمعين . # فيه مسائل : # الأولى : تفسير قوله تعالى : @QB@ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة @QE@ . # الثانية : أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلى ~~الله عليه وسلم ، لم ينكروها ولم | يتأولوها . # الثالثة : أن الحبر لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم صدقه ، ونزل القرآن ~~بتقرير ذلك . # الرابعة : وقوع الضحك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الحبر هذا ~~العلم العظيم . # الخامسة : التصريح بذكر اليدين ، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في ~~الأخرى . # السادسة : التصريح بتسميتها الشمال . # السابعة : ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك . | PageV01P644 # الثامنة : قوله : كخودلة في كف أحدكم . # التاسعة : عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء . # العاشرة : عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي . # الحادية عشرة : أن العرش غير الكرسي والماء . # الثانية عشرة : كم بين كل سماء إلى سماء . # الثالثة عشرة : كم بين السماء السابعة والكرسي . # الرابعة عشرة : كم بين الكرسي والماء . # الخامسة عشرة : أن العرش فوق الماء . # السادسة عشرة : أن الله فوق العرش . # السابعة عشرة : كم بين السماء والأرض . # الثامنة عشرة ms566 : كثف كل سماء مائة سنة . # التاسعة عشرة : أن البحر الذي فوق السموات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة ~~والله أعلم . | النهاية # | PageV01P645 ms567