######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0002378 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب (المتوفى: 1233هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1233 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد الذى هو حق الله على العبيد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0002378 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-2378 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/2378 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: زهير الشاويش #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1423هـ/2002م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: المكتب الاسلامي، بيروت، دمشق #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة # ... # تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب ### | كتاب التوحيد # الذي هو حق الله على العبيد # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي رضي الإسلام للمؤمنين دينا، ونصب الأدلة على صحته وبينها ~~تبيينا، وغرس التوحيد في قلوبهم، فأثمرت بإخلاصه فنونا، وأعانهم على طاعته ~~هداية منه وكفى بربك هاديا ومعينا. # {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ~~ولي من الذل وكبره تكبيرا} ، [الإسراء: 111] . # {وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (ويعبدون ~~من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} ، ~~[الفرقان: 54-55] . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوييته وإلهيته، تعالى عن ~~ذلك {علوا كبيرا} ، [الإسراء، من الآية: 4] . # {الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا} ، [الفرقان: 59] . # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، {شاهدا ومبشرا ونذيرا (وداعيا إلى الله ~~بإذنه وسراجا منيرا} ، [الأحزاب: 45-46] . # وصلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليما كثيرا. # أما بعد، فهذا شرح لكتاب (التوحيد) 1، واف إن شاء الله تعالى بالتنبيه ~~على بعض ما تضمنه من بيان أنواع التوحيد؛ إذ هو المقصود بالأصالة هنا، ولم ~~أخله أيضا من التنبيه على بعض ما يتضمنه من غير ذلك، إلا أن الأولى بنا هو ~~بيان ما وضع لأجله الكتاب؛ لعموم الضرر والفساد الواقع من مخالفة ما فيه. ~~PageV01P003 # والأصل في ذلك هو الإعراض عن الهدى والنور الذي أنزله الله تعالى على ~~رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب والحكمة، والاستغناء عن ذلك ~~بمتابعة الآباء والأهواء والعادات المخالفة لذلك. # ولهذا كرر الله تعالى الأمر بمتابعة الكتاب والسنة في مواضع كثيرة من ~~القرآن، وضرب الأمثال لذلك، وأكده وتوعد على الإعراض عنه، وما ذاك إلا لشدة ~~الحاجة، بل الضرورة إلى ذلك فوق كل ضرورة، فإنه لا صلاح للعبد ولا فلاح ولا ~~سعادة في الدنيا والآخرة إلا بذلك، ومتى لم يحصل ذلك للعبد فهو ms001 ميت. # كما قال تعالى: {أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ~~كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كذلك زين للكافرين ما كانوا يعملون} ~~[الأنعام] فسمى سبحانه وتعالى الخالي عن هذا الهدى والنور ميتا، وسمى من ~~حصل له ذلك حيا، وذلك أنه لا مقصود به في حياة الدنيا إلا توحيد الله ~~تعالى، ومعرفته وخدمته، والإخلاص له، والاستلذاذ بذكره، والتذلل لعظمته، ~~والانقياد لأوامره، والإنابة إليه، والإسلام له، فإذا حصل هذا للعبد، فهو ~~الحي، يل قد حصلت له الحياة الطيبة في الدارين. # كما قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة ~~طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} 1. # فإذا فاته هذا المقصود فهو ميت، بل شر من الميت. قال الله تعالى: {اتبعوا ~~ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} # وقال تعالى: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم ~~عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون} 2. # وقال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع ~~رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم} 3. # وقال تعالى: {يا أيها الناس قد PageV01P004 # جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا} 1. # وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي ~~الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون ~~بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ... } 2 إلى قوله: {وما أرسلنا من ~~رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك ~~فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} 3 ~~4.وقال تعالى: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى ~~للمسلمين} 5.وقال تعالى: {وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل ~~يوم القيامة وزرا خالدين فيه وساء لهم ms002 يوم القيامة حملا} 6. # وقال تعالى: {فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن ~~أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى} 7. # قال ابن عباس: " تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا {يضل} في ~~الدنيا، {ولا يشقى} في الآخرة. # وقال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا ~~الأيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم} 8. # فيا عجبا ممن يزعم أن الهداية والسعادة لا تحصل بالقرآن ولا بالسنة، مع ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يهتد إلا بذلك. # كما قال تعالى: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ~~ربي إنه سميع قريب} 9، ثم بعد ذلك يحيلها على قول فلان وفلان. # وقال تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} 10. # والآيات في هذا المعنى كثيرة، فوجب على كل من عقل عن الله أن يكون على ~~بصيرة ويقين في دينه. # كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني ~~وسبحان الله وما أنا من المشركين} 11. PageV01P005 # ومحال أن يحصل اليقين والبصيرة إلا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، # وكيف ينال الهدى والإيمان من زعم أن ذلك لا يحصل من القرآن إنما يحصل من ~~الآراء الفاسدة التي هي زبالة الأذهان. تالله لقد مسخت عقول هذا غاية ما ~~عندها من التحقيق والعرفان. # وهذه المتابعة لكتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم هي حقيقة ~~دين الإسلام، الذي افترضه الله على الخاص والعام، وهو حقيقة الشهادتين ~~الفارقتين بين المؤمنين والكفار، والسعداء أهل الجنة والأشقياء أهل النار، ~~إذ معنى الإله: هو المعبود المطاع، وذلك هو دين الله الذي ارتضاه لنفسه ~~وملائكته ورسله وأنبيائه. # فبه اهتدى المهتدون، وإليه دعا المرسلون. {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} 1. {أفغير دين الله يبغون وله ~~أسلم من ms003 في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون} 2، فلا يتقبل من أحد ~~دينا سواه من الأولين والآخرين. # كما قال تعالى: {ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة ~~من الخاسرين} 3. # شهد الله تعالى بأنه دينه قبل شهادة المخلوقين، وأنزلها تتلى في كتابه ~~إلى يوم الدين. فقال تعالى وهو العزيز العليم: {شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم} 4. # جعل أهله هم الشهداء على الناس يوم القيامة، لما فضلهم به من الأقوال، ~~والأعمال، والاعتقادات التي توجب إكرامه # فقال تعالى ولم يزل عزيزا حميدا: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا} 5. # وفضله على سائر الأديان، فهو أحسنها حكما، وأقومها قيلا. فقال تعالى: ~~{ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ ~~الله إبراهيم خليلا} 6. PageV01P006 # وكيف لا يميز من له بصيرة بين دين {أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان} ~~، [التوبة، من الآية: 109] , وارتفع بناؤه على طاعة الرحمن، والعمل بما ~~يرضاه في السر والإعلان، وبين دين {أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار} ، ~~[التوبة، من الآية: 109] ، بصاحبه في النار، أسس على عبادة الأصنام ~~والأوثان، والالتجاء إلى الصالحين وغيرهم من الإنس والجان، عند الشدائد ~~والأحزان، وصرف مخ العبادة لغير الملك الديان، ورجا النفع والعطاء والمنع ~~ممن لا يملك لنفسه نفعا، ولا ضرا فضلا عن غيره من نوع الإنسان، ودعوى ~~التصرف في الملك لصالح رميم في التراب والأكفان. # قد عجز عن دفع ما حل به من أمر الله، فكيف يدفع عمن دعاه من بعيد ~~الأوطان؟! أو فاسق يشاهدون فسقه وفجوره فهو أبعد الناس من الرحمن، أو ساحر ~~يريهم من سحره ما يحير به الأذهان، فيظن المخذولون أنها كرامة من الله، ~~وإنما هي من مخاريق الشيطان، تبا لهم سدوا على أنفسهم باب العلم والإيمان، ~~وفتحوا عليها باب الجهل والكفران. قابلوا خبر الله بالتكذيب، وأمره ~~بالعصيان. # أخبر بأن الهدى والنور في كتابه، فقالوا: كان ذاك ms004 فيما مضى من # الزمان، وأمرهم باتباع ما {أنزل} إليهم {من} ربهم، ولا يتبعوا {من دونه ~~أولياء} [الأعراف، من الآية: 3] ، فقالوا: لا بد لنا من ولي غير القرآن. # إن جئتهم بكتاب الله قالوا: {حسبنا ما وجدنا عليه} ، [المائدة، من الآية: ~~104] أهل الزمان، أو جئتهم بسنة رسوله صلى الله عليه وسلم قالوا: خالفها ~~الشيخ فلان، وهو أعلم منا ومنكم، فاعتبروا يا أولي الإيمان. عمدوا إلى قبور ~~الأنبياء والصالحين، فبنوا عليها البنيان، ونقشوا سقوفها والحيطان، وحلوها ~~بالغالي من الأثمان، وألبسوها ألوان الستور الحسان، وجعلوا لها السدنة ~~والخدام، فعل عباد الأوثان والصلبان، وذبحوا ونذروا لمن فيها، وقربوا لهم ~~القربان، وقالوا: {هؤلاء شفعاؤنا} ، [يونس، من الآية: 18] في كشف الكروب ~~وغفران الذنوب ودخول الجنان. # PageV01P007 # أما من قدره باسم تقديره: باسم الله ابتدائي. فلقوله تعالى: {وقال اركبوا ~~فيها بسم الله مجراها ومرساها} 1، ومن قدره بالفعل أمرا أو خبرا نحو: بدأ ~~باسم الله، وابتدأت باسم الله، فلقوله تعالى: {اقرأ باسم ربك الذي خلق} 2، ~~وكلاهما صحيح، فإن الفعل لا بد له من مصدر، فلك أن تقدر الفعل ومصدره، وذلك ~~بحسب الفعل الذي سميته قبله إن كان قياما أو قعودا، أو أكلا، أو شربا، أو ~~قراءة، أو وضوءا، أو صلاة. # فالمشروع ذكر اسم الله تعالى في ذلك كله تبركا وتيمنا واستعانة على ~~الإتمام والتقبل. وقدره الزمخشري فعلا مؤخرا، أي: باسم الله أقرأ أو أتلو؛ ~~لأن الذي يتلوه مقروء، وكل فاعل يبدأ في فعله باسم الله كان مضمرا ما تجعل ~~التسمية مبدأ له، كما أن المسافر إذا حل أو ارتحل، فقال: بسم الله، كان ~~المعنى بسم الله أحل، وبسم الله أرتحل، وهذا أولى من أن يضمر أبدا، لعدم ما ~~يطابقه ويدل عليه، أو ابتدائي لزيادة الإضمار فيه، وإنما قدم المحذوف ~~متأخرا وقدم المعمول، لأنه أهم وأدل على الاختصاص، وأدخل في التعظيم وأوفق ~~للوجود، فإن اسم الله تعالى مقدم على القراءة، كيف وقد جعل آلة لها من حيث ~~إن الفعل لا يعتد به شرعا ما لم يصدر باسمه تعالى. # وأما ظهور فعل ms005 القراءة في قوله: {اقرأ باسم ربك} 3؛ فلأن الأهم ثمة ~~القراءة، ولذا قدم الفعل فيها على متعلقه، بخلاف البسملة فإن الأهم فيها ~~الابتداء، قاله البيضاوي. # وهذا القول أحسن الأقوال، وأظنه اختيار شيخ الإسلام، وقد ألم به ابن كثير ~~إلا أنه جعل المحذوف مقدرا قبل البسملة وذكر ابن القيم لحذف العامل في بسم ~~الله فوائد عديدة: # منها: أنه موطن لا ينبغي أن يتقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ~~PageV01P008 # ذكرت الفعل وهو لا يستغني عن فاعله، كان ذلك مناقضا للمقصود، فكان في ~~حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى ليكون المبدوء به اسم الله، كما تقول في الصلاة: ~~الله أكبر، ومعناه: من كل شيء، ولكن لا تقول هذا القدر ليكون اللفظ مطابقا ~~لمقصود الجنان، وهو أن لا يكون في القلب إلا ذكر الله وحده، فكما تجرد ذكره ~~في قلب المصلي تجرد ذكره في لسانه. # ومنها: أن الفعل إذا حذف صح الابتداء بالتسمية في كل عمل وقول وحركة، ~~وليس فعل أولى بها من فعل، فكان الحذف أعم من الذكر، فأي فعل ذكرته كان ~~المحذوف أعم منه. # (الله) : علم على الرب تبارك وتعالى. ذكر سيبويه أنه أعرف المعارف. # ويقال: إنه الاسم الأعظم، لأنه يوصف بجميع الصفات، كما قال تعالى: {هو ~~الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله ~~الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء ~~الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} 1، فأجرى الأسماء ~~الباقية كلها صفات له. # واختلفوا هل هو اسم جامد أو مشتق؟ على قولين؛ أصحهما أنه مشتق. قال ابن ~~جرير [الطبري] : فإنه على ما روي لنا عن ابن عباس قال: "الله ذو الألوهية ~~والعبودية على خلقه أجمعين". # وذكر سيبويه عن الخليل أن أصله إله مثل فعال، فأدخلت الألف واللام بدلا ~~من الهمزة. قال سيبويه: مثل الناس أصله إناس. # وقال الكسائي والفراء: أصله الإله، حذفوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى ms006 في ~~الثانية. وعلى هذا فالصحيح أنه مشتق من أله PageV01P009 # الرجل: إذا تعبد، كما قرأ ابن عباس: {ويذرك وإلهتك} 1، أي: عبادتك، وأصله ~~الإله، أي: المعبود، فحذفت الهمزة التي هي فاء الكلمة، فالتقت اللام التي ~~هي عينها مع اللام التي للتعريف، فأدغمت إحداهما في الأخرى، فصارتا في ~~اللفظ لاما واحدة مشددة وفخمت تعظيما، فقيل: الله. # قال ابن القيم: "القول الصحيح أن (الله) ، أصله: (الإله) ، كما هو قول ~~سيبويه وجمهور أصحابه إلا من شذ منهم، وإن اسم الله تعالى هو الجامع لجميع ~~معاني الأسماء الحسنى والصفات العلا. قال: وزعم السهيلي وشيخه أبو بكر بن ~~العربي: "أن اسم الله غير مشتق، لأن الاشتقاق يستلزم مادة يشتق منها، واسمه ~~تعالى قديم، والقديم لا مادة له فيستحيل الاشتقاق"، ولا ريب أنه إن أريد ~~بالاشتقاق هذا المعنى، وأنه مستمد من أصل آخر فهو باطل، ولكن الذين قالوا ~~بالاشتقاق لم يريدوا هذا المعنى، ولا ألم بقلوبهم، وإنما أرادوا أنه دال ~~على صفة له تعالى، وهي الإلهية كسائر أسمائه الحسنى، كالعليم، والقدير، ~~والغفور، والرحيم، والسميع، والبصير. فإن هذه الأسماء مشتقة من مصادرها بلا ~~ريب، وهي قديمة، والقديم لا مادة له، فما كان جوابكم عن هذه الأسماء فهو ~~جواب القائلين باشتقاق اسم الله تعالى، ثم الجواب عن الجميع أنا لا نعني ~~بالاشتقاق إلا أنها ملاقية لمصادرها في اللفظ والمعنى، لا أنها متولدة منه ~~تولد الفرع من أصله. وتسمية النحاة للمصدر والمشتق منه أصلا وفرعا ليس ~~معناه أن أحدهما تولد من الآخر، وإنما # هو باعتبار أن أحدهما يتضمن الآخر وزيادة. # وذكر ابن القيم لهذا الاسم الشريف عشر خصائص لفظية ثم قال: وأما خصائصه ~~المعنوية فقد قال فيها أعلم الخلق به صلى الله عليه وسلم: PageV01P010 # فبالله صف لي شرك المشركين، هل هو بعينه إلا هذا كما نطق به القرآن في ~~سورة يونس، والزمر [3] ، وغيرهما من محكمات الفرقان. ### | 1- # إن غرك أن الأكثر عليه، فقد حكم الله بأنهم {أضل سبيلا} ، [الفرقان، من ~~الآية: 144] ، من الأنعام، إذ استبدلوا الشرك بالتوحيد، والضلال بالهدى، ~~والكفر بالإسلام، نعوذ ms007 بالله من موجبات غضبه وأليم عقابه فهو السلام. ### | 2- # أو غرك أن بعض من تعظمه قد رأى شيئا من هذا أو قاله، فالخطأ جائز على من ~~سوى الرسول من الأنام. فعليك بالرجوع إلى العصمة الذي لا سبيل إلى تطرق ~~الخطأ إليه، وهو كلام ذي الجلال والإكرام، وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة ~~والسلام ، مع ما قاله العلماء الأعلام، الذين نطقوا بكلمة التوحيد وحققوها ~~بالأعمال والكلام. # ولم يزل الحال على ما وصفنا لك من الأمور العظام منتشرا في أهل البلدان ~~المنتسبين إلى الإسلام، المارقين منه كما تمرق الرمية من السهام، # إلى أن أراد الله إزالة تلك الظلمات، وكشف البدع والضلالات، ونفي الشبهات ~~والجهالات، وتصديق بشارة رسول رب الأرض والسموات، في قوله صلى الله عليه ~~وسلم "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"1، ~~رواه أبو داود (4291) ، والحاكم (4/522) ، والبيهقي في (المعرفة 52) ~~وإسناده صحيح - على يدي من أقامه هذا المقام، ومنحه جزيل الفضل والإنعام، ~~أعني به: الشيخ الإمام خلف السلف الكرام، المتبع لهدي سيد الأنام، المنافح ~~عن دين الله في كل مقام، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له ~~المآب، وضاعف له الثواب ، فدعا إلى الله ليلا ونهارا، وسرا وجهارا، وقام ~~بأمر الله في الدعوة إليه، وما حابى أحدا فيه ولا دارى، فعظم على الأكثرين ~~وأنفوا استكبارا، ولم يثنه ذلك عن أمر الله حتى قيض الله له أعوانا ~~وأنصارا، فرفعوا ألويته وأعلامه حتى انتشرت في الخافقين انتشارا. ~~PageV01P011 # وصنف رحمه الله تعالى التصانيف في توحيد الأنبياء والمرسلين، والرد على ~~من خالفه من المشركين، ومن جملتها: كتاب (التوحيد) ، وهو كتاب فرد في ~~معناه، لم يسبقه إليه سابق، ولا لحقه فيه لاحق، وهو الذي قصدت الكلام عليه ~~إن شاء الله تعالى، وإن كنت لست ممن يتصدى لهذا الشأن، لكن لما رأيت الكتاب ~~لم يتعرض للكلام عليه أحد يعتد به، ورأيت تشوق الطلبة والإخوان إلى شرح يفي ~~ببعض ما فيه من المقاصد، أحببت أن أسعفهم بمرادهم على حسب طاقتي، "والله ms008 في ~~عون العبد ما كان العبد في عون أخيه"1؛ ولذلك يسر الله الكلام عليه، ومن به ~~من عنده # وحده لا شريك له بحوله وقوته، لا بحولي وقوتي، فناسب أن يسمى: # (تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد) . # وحيث أطلقت: # شيخ الإسلام، فالمراد به الإمام أبو العباس بن تيمية. # والحافظ، فالمراد به أبو الفضل بن حجر العسقلاني، صاحب (فتح الباري) ~~وغيره رحمهما الله تعالى . # وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصا لوجهه الكريم، وسببا للفوز بجنات ~~النعيم، إنه جواد كريم، رؤوف رحيم. PageV01P012 # بسم الله الرحمن الرحيم # افتتح المصنف رحمه الله كتابه بالبسملة، اقتداء بالكتاب العزيز، وعملا ~~بالحديث: "كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع"1. ~~رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في (الأربعين) من حديث أبي هريرة مرفوعا، ~~وأخرجه الخطيب في (الجامع 12/10) بنحوه. # فإن قلت: هلا جمع المصنف بين البسملة والحمدلة، لما روى ابن ماجه (1894) ~~، والبيهقي (3/208) عن أبي هريرة مرفوعا: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه ~~بالحمد لله فهو أقطع" 2. وفي رواية لأحمد (8686) :" لا يفتح بذكر الله فهو ~~أبتر وأقطع " 3. # قيل: المراد الافتتاح بما يدل على المقصود من حمد الله والثناء عليه، لأن ~~الحمد متعين، لأن القدر الذي يجمع ذلك هو ذكر الله وقد حصل بالبسملة. # وأيضا فليس في الحديث ما يدل على أنه تتعين كتابتها مع النطق بها، فقد ~~يكون المصنف نطق بذلك في نفسه4. # واتفق العلماء على أن الجار والمجرور متعلق بمحذوف قدره الكوفيون فعلا ~~مقدما، والتقدير: أبدأ، وقدره البصريون اسما مقدما، والتقدير: ابتدائي ~~كائن، أو مستقر. قال: فالجار والمجرور في موضع نصب على الأول، وعلى الثاني ~~في موضع رفع. وذكر ابن كثير أن القولين متقاربان، وكل قد ورد به القرآن. ~~PageV01P013 # "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" 1، وكيف تحصى خصائص اسم ~~مسماه؛ كل كمال على الإطلاق وكل مدح وكل حمد وكل ثناء وكل مجد وكل جلال وكل ~~إكرام وكل عز وكل جمال وكل خير وإحسان وجود وبر وفضل فله ومنه؟! ms009 فما ذكر ~~هذا الاسم في قليل إلا كثره، ولا عند خوف إلا أزاله، ولا عند كرب إلا كشفه، ~~ولا عند هم وغم إلا فرجه، ولا عند ضيق إلا وسعه، ولا تعلق به ضعيف إلا ~~أفاده القوة، ولا ذليل إلا أناله العز، ولا فقير إلا أصاره غنيا، ولا ~~مستوحش إلا آنسه، ولا مغلوب إلا أيده ونصره، ولا مضطر إلا كشف ضره، ولا ~~شريد إلا آواه. فهو الاسم الذي تكشف به الكربات، وتستنزل به البركات ~~والدعوات، وتقال به العثرات، وتستدفع به السيئات، وتستجلب به الحسنات. وهو ~~الاسم الذي به قامت السموات والأرض، وبه أنزلت الكتب، وبه أرسلت الرسل، وبه ~~شرعت الشرائع، وبه قامت الحدود، وبه شرع الجهاد، وبه انقسمت الخليقة إلى ~~السعداء والأشقياء، وبه حقت {الحاقة} ، و {وقعت الواقعة} ، وبه وضعت ~~{الموازين القسط} ، ونصب الصراط، وقام سوق الجنة والنار، وبه عبد رب ~~العالمين وحمد، وبحقه بعثت الرسل، وعنه السؤال في القبر ويوم البعث ~~والنشور، وبه الخصام، وإليه المحاكمة، وفيه الموالاة والمعاداة، وبه سعد من ~~عرفه وقام بحقه، وبه شقي من جهله وترك حقه، فهو سر الخلق والأمر، وبه قاما ~~وثبتا، وإليه انتهيا، فالخلق والأمر به وإليه ولأجله، فما وجد خلق ولا أمر ~~ولا ثواب ولا عقاب إلا مبتدئا منه، منتهيا إليه، وذلك موجبه ومقتضاه، {ربنا ~~ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار} 2 إلى آخر كلامه رضي الله عنه. # (الرحمن الرحيم) ، قال ابن كثير: اسمان مشتقان من الرحمة على وجه ~~المبالغة، و (رحمن) أشد مبالغة من (رحيم) . قال ابن عباس: " وهما اسمان ~~رقيقان؛ أحدهما أرق من الآخر ". أي: أوسع رحمة. وقال PageV01P014 # ابن المبارك: " الرحمن إذا سئل أعطى، والرحيم إذا لم يسأل يغضب". # قلت: كأن فيه إشارة إلى معنى كلام ابن عباس؛ لأن رحمته تعالى تغلب غضبه، ~~وعلى هذا فالرحمن أوسع معنى من الرحيم كما يدل عليه زيادة البناء. # وقال أبو علي الفارسي: (الرحمن) اسم عام في جميع أنواع الرحمة يختص به ~~الله تعالى، و (الرحيم) إنما هو في جهة المؤمنين. قال ms010 الله تعالى: {وكان ~~الله غفورا رحيما} 1، ونحوه قال بعض السلف. ويشكل عليه قوله تعالى: {إن ~~الله بالناس لرؤوف رحيم} 2. وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: " رحمن ~~الدنيا والآخرة ورحيمهما ". # فالصواب إن شاء الله تعالى ما قاله ابن القيم أن الرحمن دال على الصفة ~~القائمة به سبحانه، والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم، فكان الأول للوصف ~~والثاني للفعل، فالأول دال على أن الرحمة صفته، والثاني دال على أنه يرحم ~~خلقه برحمته. وإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى: {وكان بالمؤمنين رحيما} ~~{نه بهم رؤوف رحيم} 3 4 ولم يجئ قط (رحمن بهم) ، فعلم أن رحمن هو الموصوف ~~بالرحمة، و (رحيم) ، هو الراحم برحمته. والرحمن الرحيم نعتان لله تعالى. # واعترض بورود اسم الرحمن غير تابع لاسم قبله. قال تعالى: {الرحمن على ~~العرش استوى} 5 فهو علم فكيف ينعت به؟ # والجواب ما قاله ابن القيم: إن أسماء الرب تعالى هي أسماء ونعوت؛ فإنها ~~دالة على صفات كماله، فلا تنافي فيها بين العلمية والوصفية، ف (الرحمن) ~~اسمه تعالى ووصفه تعالى لا ينافي اسميته، فمن حيث هو صفة جرى تابعا لاسم ~~الله تعالى، ومن حيث هو اسم ورد في القرآن غير تابع، بل ورد الاسم العلم. ~~ولما كان هذا الاسم مختصا به سبحانه حسن مجيئه مفردا غير تابع كمجيء اسم ~~الله، وهذا لا ينافي دلالته على صفة الرحمة كاسم الله، فإنه دال ~~PageV01P015 # على صفة الألوهية فلم يجئ قط تابعا لغيره بل متبوعا، وهذا بخلاف العليم ~~والقدير والسميع والبصير ونحوها، ولهذا لا تجيء هذه مفردة بل تابعة. # قلت: قوله عن اسم الله: (ولم يجئ قط تابعا لغيره) ، بل لقد جاء في قوله ~~تعالى: {إلى صراط العزيز الحميد الله الذي له ما في السماوات و [ما في] ~~الأرض} 1، على قراءة الجر، وجواب ذلك من كلامه المتقدم، فيقال فيه ما قاله ~~في اسم الرحمن. PageV01P016 ### | كتاب التوحيد # أنواع التوحيد: # (النوع الأول) : توحيد الربوبية والملك. # ال (كتاب) مصدر كتب يكتب كتابا وكتابة وكتبا، ومدار المادة على الجمع. ~~ومنه تكتب بنو ms011 فلان: إذا اجتمعوا. والكتيبة لجماعة الخيل، والكتابة بالقلم ~~لاجتماع الكلمات والحروف، وسمي الكتاب كتابا لجمعه ما وضع له، ذكره غير ~~واحد. # و (التوحيد) : مصدر وحد يوحد توحيدا، أي: جعله واحدا، وسمي دين الإسلام ~~توحيدا؛ لأن مبناه على أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ~~ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له، وإلى هذه ~~الأنواع الثلاثة ينقسم توحيد الأنبياء، والمرسلين الذين جاؤوا به من عند ~~الله، وهي متلازمة، كل نوع منها لا ينفك عن الآخر، فمن أتى بنوع منها ولم ~~يأت بالآخر، فما ذاك إلا أنه لم يأت به على وجه الكمال المطلوب. وإن شئت ~~قلت: التوحيد نوعان: توحيد في المعرفة والإثبات وهو توحيد الربوبية ~~والأسماء والصفات ، وتوحيد في الطلب والقصد؛ وهو توحيد الإلهية والعبادة. ~~ذكره شيخ الإسلام، وابن القيم وذكر معناه غيرهما. # (النوع الأول) : توحيد الربوبية والملك: # وهو: الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء ومالكه وخالقه ورازقه، وأنه ~~المحيي المميت النافع الضار المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له ~~الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك، ~~ويدخل في ذلك الإيمان بالقدر، وهذا التوحيد لا يكفي العبد في حصول الإسلام، ~~بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الإلهية، لأن الله تعالى حكى عن ~~المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده، قال تعالى: {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع # PageV01P017 # والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر ~~فسيقولون الله فقل أفلا تتقون} 1. وقال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ~~ليقولن الله} 2.وقال: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من ~~بعد موتها ليقولن الله} 3.وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} 4. فهم كانوا ~~يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين بل قال تعالى: {وما ~~يؤمن أكثرهم بالله إلا ms012 وهم مشركون} 5. قال مجاهد في الآية: إيمانهم بالله ~~قولهم: إن الله خلقنا ويرزقنا ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره. ~~رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. # وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك، فتبين أن الكفار يعرفون الله ~~ويعرفون ربوبيته، وملكه وقهره، وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون له أنواعا من ~~العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك. # ويدعون أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام ، فأنزل الله تعالى: {ما كان ~~إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين} 6 ~~وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب، وبعضهم يؤمن بالقدر. # كما قال زهير: # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر # ليوم الحساب أو يعجل فينقم. # وقال عنترة: # يا عبل أين من المنية مهرب # إن كان ربي في السماء قضاها. # ومثل هذا يوجد في أشعارهم، فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ~~ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم، وسبي نسائهم، وإباحة أموالهم، مع هذا ~~الإقرار والمعرفة، وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا ~~إله إلا الله. PageV01P018 # (النوع الثاني) : توحيد الأسماء والصفات: # وهو الإقرار بأن {الله بكل شيء عليم} ، و {على كل شيء قدير} ، وأنه {الحي ~~القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم} ، له المشيئة النافذة، والحكمة البالغة، ~~وأنه {سميع بصير} ، {رؤوف رحيم} ، {على العرش استوى} ، وعلى الملك احتوى، ~~وأنه {الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان ~~الله عما يشركون} ، [الحشر، من الآية: 23] . إلى غير ذلك من الأسماء ~~الحسنى، والصفات العلى. # وهذا أيضا لا يكفي في حصول الإسلام، بل لا بد مع ذلك من الإتيان بلازمه، ~~من توحيد الربوبية والإلهية. والكفار يقرون بجنس هذا النوع، وإن كان بعضهم ~~قد ينكر بعض ذلك، إما جهلا، وإما عنادا، كما قالوا: لا نعرف الرحمن إلا ~~رحمن اليمامة، فأنزل الله فيهم: {وهم يكفرون بالرحمن} 1. # قال الحافظ ابن كثير: والظاهر أن إنكارهم هذا، إنما هو جحود وعناد وتعنت ~~في كفرهم، فإنه قد وجد في بعض أشعار الجاهلية ms013 تسمية الله بالرحمن. # قال الشاعر: # وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق # وقال الآخر: # ألا قضب الرحمن ربي يمينها # وهما جاهليان. # وقال زهير: # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ليخفى # ومهما يكتم الله يعلم # قلت: ولم يعرف عنهم إنكار شيء من هذا التوحيد إلا في اسم الرحمن خاصة، ~~ولو كانوا ينكرونه لردوا على النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، كما ردوا عليه ~~توحيد الإلهية. فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} 2، ~~لاسيما السور المكية مملوءة بهذا التوحيد. # [ (النوع الثالث) : توحيد الإلهية:] # المبني على إخلاص التأله لله تعالى، من المحبة والخوف، والرجاء والتوكل، ~~والرغبة والرهبة، والدعاء لله وحده. وينبني على ذلك إخلاص العبادات كلها ~~ظاهرها PageV01P019 # وباطنها لله وحده لا شريك له، لا يجعل فيها شيئا لغيره، لا لملك مقرب، ~~ولا لنبي مرسل، فضلا عن غيرهما. وهذا التوحيد هو الذي تضمنه قوله تعالى: ~~{إياك نعبد وإياك نستعين} 1. وقوله تعالى: {فاعبده وتوكل عليه وما ربك ~~بغافل عما تعملون} 2. وقوله تعالى: {فإن تولوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ~~عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} 3. وقوله تعالى: {رب السماوات والأرض وما ~~بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} 4. وقوله تعالى: {عليه ~~توكلت وإليه أنيب} 5. وقوله تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح ~~بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} 6. وقوله: {واعبد ربك حتى يأتيك اليقين} ~~7. وهذا التوحيد هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل ~~وآخرها، وهو معنى قول: لا إله إلا الله. فإن الإله هو المألوه المعبود ~~بالمحبة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وجميع أنواع العبادة، ولأجل هذا ~~التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى ~~مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة وأشقياء أهل النار. قال الله تعالى: {يا ~~أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون} 8. فهذا ~~أول أمر في القرآن. وقال تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 9. # فهذا دعوة أول رسول بعد حدوث الشرك. ms014 وقال هود لقومه: {اعبدوا الله ما لكم ~~من إله غيره} 10. وقال صالح لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 11. ~~وقال شعيب لقومه: {اعبدوا الله ما لكم من إله غيره} 12. وقال إبراهيم عليه ~~السلام لقومه: {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين} 13. وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} 14 وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ~~أجعلنا من دون PageV01P020 # الرحمن آلهة يعبدون} 1. وقال تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} ~~2. # وقال (هرقل) لأبي سفيان لما سأله عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يقول ~~لكم؟ قال: يقول: "اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول ~~آباؤكم"3. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: "إنك تأتي قوما أهل كتاب ~~فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"4. وفي رواية:"أن ~~يوحدوا الله". # وهذا التوحيد هو أول واجب على المكلف، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا ~~الشك في الله، كما هي أقوال لمن لم يدر ما بعث الله به رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من معاني الكتاب والحكمة، فهو أول واجب وآخر واجب، وأول ما يدخل ~~به الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال صلى الله عليه وسلم : "من ~~كان آخر كلامه (لا إله إلا الله) دخل الجنة"5. حديث صحيح. وقال: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله"6 متفق ~~عليه. # وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح وأبدأ فيه وأعاد، وضرب لذلك ~~الأمثال، بحيث إن كل سورة في القرآن ففيها الدلالة على هذا # التوحيد، ويسمى هذا النوع: ### | 1- # توحيد الإلهية؛ لأنه مبني على إخلاص التأله، وهو أشد المحبة لله وحده، ~~وذلك يستلزم إخلاص العبادة. ### | 2- # وتوحيد العبادة لذلك. ### | 3- # وتوحيد الإرادة، لأنه مبني على إرادة وجه الله بالأعمال. ### | 4- # وتوحيد القصد، لأنه مبني على إخلاص القصد المستلزم لإخلاص العبادة لله ~~وحده. ### | 5- # وتوحيد ms015 العمل، لأنه مبني على إخلاص العمل لله وحده. قال الله تعالى: ~~{فاعبد الله مخلصا له الدين} 7. وقال: {قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ~~الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين} 8. {قل الله أعبد مخلصا له ديني ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه ... } 9، PageV01P021 # إلى قوله: {ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل ~~يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون ... } 1، إلى قوله: {قل ~~أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو ~~أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ... } 2 الآية، إلى قوله: {أم اتخذوا من ~~دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة ~~جميعا ... } 3، إلى قوله: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم ~~العذاب ثم لا تنصرون ... } 4 إلى قوله: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن ~~من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ... } 5 إلى آخر سورة الزمر. # فكل هذه السور في الدعاء إلى هذا التوحيد، والأمر به، والجواب عن الشبهات ~~والمعارضات، وذكر ما أعد الله لأهله من النعيم المقيم، وما أعد لمن خالفه ~~من العذاب الأليم. وكل سورة في القرآن بل كل آية في القرآن، فهي داعية إلى ~~هذا التوحيد، شاهدة به، متضمنة له، لأن القرآن: ### | 1- # إما خبر عن الله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو توحيد الربوبية، ~~وتوحيد الصفات فذاك مستلزم لهذا، متضمن له. ### | 2- # وإما دعاء إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع ما يعبد من دونه أو أمر ~~بأنواع من العبادات، ونهي عن المخالفات، فهذا هو توحيد الإلهية والعبادة، ~~وهو مستلزم للنوعين الأولين، متضمن لهما أيضا. ### | 3- # وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما ~~يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده. ### | 4- # وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال، وما يحل بها في ~~العقبى من الوبال، فهو جزاء ms016 من خرج عن حكم التوحيد. # وهذا التوحيد هو حقيقة دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد سواه، كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم : "بني الإسلام على خمس: شهادة أن ~~PageV01P022 # لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإقام الصلاة، ~~وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت"1. رواه البخاري ومسلم، فأخبر أن دين ~~الإسلام مبني على هذه الأركان الخمسة وهي الأعمال، فدل على أن الإسلام هو ~~عباد ة الله وحده لا شريك له، بفعل المأمور، وترك المحظور، والإخلاص في ذلك ~~لله. # وقد تضمن ذلك جميع أنواع العبادة، فيجب إخلاصها لله تعالى، فمن أشرك بين ~~الله تعالى وبين غيره في شيء فليس بمسلم. ### | 1- # فمنها: المحبة، فمن أشرك بين الله تعالى وبين غيره في المحبة التي لا ~~تصلح إلا لله، فهو مشرك # كما قال تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ~~... } إلى قوله تعالى: {وما هم بخارجين من النار} 2. # ومنها: التوكل، فلا يتوكل على غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، قال ~~الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} 3. {وعلى الله فليتوكل ~~المؤمنون} 4. والتوكل على غير الله فيما يقدر عليه شرك أصغر. ### | 2- # ومنها: الخوف، فلا يخاف خوف السر إلا من الله. ومعنى خوف السر، هو أن ~~يخاف العبد من غير الله تعالى أن يصيبه مكروه بمشيئته وقدرته وإن لم ~~يباشره، فهذا شرك أكبر، لأنه اعتقاد للنفع والضر في غير الله. قال الله ~~تعالى: {فإياي فارهبون} 5. وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} 6. وقال ~~تعالي: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد ~~لفضله يصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم} 7. ### | 3- # ومنها: الرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله؛ كمن يدعو الأموات أو غيرهم ~~راجيا حصول مطلوبه من جهتهم فهذا شرك أكبر. PageV01P023 # قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله ~~أولئك يرجون رحمت الله} 1. وقال علي رضي الله عنه: "لا يرجون ms017 عبد إلا ربه". # ومنها: الصلاة والركوع والسجود. قال الله تعالى: {فصل لربك وانحر} 2. ~~وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم ... } 3. ### | 4- # ومنها: الدعاء فيما لا يقدر عليه إلا الله، سواء كان طلبا للشفاعة أو ~~غيرها من المطالب. # قال الله تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا ~~يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ~~ينبئك مثل خبير} 4. # وقال تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي ~~سيدخلون جهنم داخرين} 5. وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} 6. وقال تعالى: {أم اتخذوا من دون ~~الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا} ~~7. ### | 5- # ومنها: الذبح، قال الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب ~~العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} 8. والنسك: الذبح. ### | 6- # ومنها: النذر، قال الله تعالى: {وليوفوا نذورهم} 9. وقال تعالى: {يوفون ~~بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا} 10. ### | 7- # ومنها: الطواف، فلا يطاف إلا ببيت الله. قال الله تعالى: {وليطوفوا ~~بالبيت العتيق} 11. ### | 8- # ومنها: التوبة، فلا يتاب إلا لله. قال الله تعالى: {ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله} 12. وقال تعالى: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون} ~~13. PageV01P024 ### | 9- # ومنها: الاستعاذة فيما لا يقدر عليه إلا الله. قال الله تعالى: {قل أعوذ ~~برب الفلق} 1. وقال تعالى: {قل أعوذ برب الناس} 2. ### | 10- # ومنها: الاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله. قال الله تعالى: {إذ ~~تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} 3. # فمن أشرك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص بالخالق تعالى من هذه ~~العبادات أو غيرها ، فهو مشرك. وإنما ذكرنا هذه العبادات خاصة؛ لأن عباد ~~القبور صرفوها للأموات من دون الله تعالى، أو أشركوا بين الله تعالى وبينهم ~~فيها، وإلا فكل نوع من أنواع العبادة، من صرفه لغير الله، أو شرك بين الله ~~تعالى وبين غيره فيه ، فهو مشرك. قال الله تعالى: {واعبدوا الله ولا ms018 تشركوا ~~به شيئا} 4. # وهذا الشرك في العبادة هو الذي كفر الله به المشركين، وأباح به دماءهم ~~وأموالهم ونساءهم، وإلا فهم يعلمون أن الله هو الخالق الرازق المدبر، ليس ~~له شريك في ملكه، وإنما كانوا يشركون به في هذه العبادات ونحوها، وكانوا ~~يقولون في تلبيتهم: # لبيك لا شريك لك # إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك # فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتوحيد الذي هو معنى لا إله إلا الله ~~الذي مضمونه: أن لا يعبد إلا الله، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن ~~غيرهما فقالوا: {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} 5. # وكانوا يجعلون {من الحرث والأنعام نصيبا} ، [الأنعام، من الآية: 136] ، ~~لله وللآلهة مثل ذلك، فإذا صار شيء من الذي لله إلى الذي للآلهة تركوه لها، ~~وقالوا: الله غني، وإذا صار شيء من الذي للآلهة إلى الذي لله تعالى ردوه، ~~وقالوا: الله غني، والآلهة فقيرة # فأنزل الله تعالى: {وجعلوا لله PageV01P025 # مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ~~فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما ~~يحكمون} 1. # وهذا بعينه يفعله عباد القبور، بل يزيدون على كل ذلك فيجعلون للأموات ~~نصيبا من الأولاد. # إذا تبين هذا، فاعلم أن الشرك ينقسم ثلاثة أقسام بالنسبة إلى أنواع ~~التوحيد، وكل منها قد يكون أكبر وأصغر مطلقا، وقد يكون أكبر بالنسبة إلى ما ~~هو أصغر منه، ويكون أصغر بالنسبة إلى ما هو أكبر منه . # القسم الأول: الشرك في الربوبية: # أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك، ك: ### | 1- # شرك فرعون. إذ قال: {وما رب العالمين} ؟ ### | 2- # ومن هذا شرك الفلاسفة القائلين بقدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدوما ~~أصلا، بل لم يزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط ~~اقتضت إيجادها، يسمونها: العقول، والنفوس. ### | 3- # ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود، كابن عربي، وابن سبعين، والعفيف ~~التلمساني، وابن الفارض، ونحوهم من الملاحدة الذين كسوا الإلحاد حلية ~~الإسلام، ومزجوه بشيء من الحق، ms019 حتى راج أمرهم على خفافيش البصائر. ### | 4- # ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب وأوصافه، من غلاة الجهمية، والقرامطة. # النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته # وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة، وشرك المجوس القائلين ~~بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة. # ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات، ويجعلها مدبرة لأمر هذا ~~العالم، كما هو مذهب مشركي الصابئة وغيرهم. PageV01P026 # قلت: ويلتحق به من وجه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح ~~الأولياء تتصرف بعد الموت، فيقضون الحاجات، ويفرجون الكربات، وينصرون من ~~دعاهم، ويحفظون من التجأ إليهم، ولاذ بحماهم، فإن هذه من خصائص الربوبية، ~~كما ذكره بعضهم في هذا النوع. # القسم الثاني: الشرك في توحيد الأسماء والصفات. # وهو أسهل مما قبله، وهو نوعان: # أحدهما: تشبيه الخالق بالمخلوق، كمن يقول: يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر ~~كبصري، واستواء كاستوائي، وهو شرك المشبهة. # الثاني: اشتقاق أسماء للآلهة الباطلة من أسماء الإله الحق. قال الله ~~تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ~~سيجزون ما كانوا يعملون} 1. # قال ابن عباس: {يلحدون في أسمائه} ، [الأعراف، من الآية: 180] : يشركون، ~~وعنه: سموا اللات من الإله، والعزى من العزيز. # القسم الثالث: الشرك في توحيد الإلهية والعبادة. # قال القرطبي: أصل الشرك المحرم اعتقاد شريك لله تعالى في الإلهية، وهو ~~الشرك الأعظم، وهو شرك الجاهلية، ويليه في الرتبة اعتقاد شريك لله تعالى في ~~الفعل، وهو # قول من قال: إن موجودا ما غير الله تعالى يستقل بإحداث فعل وإيجاده وإن ~~لم يعتقد كونه إلها، هذا كلام القرطبي. # وهو نوعان: # أحدهما: أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله، ويسأله الشفاعة كما يسأل ~~الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويحبه كما يحب الله، ويخشاه كما يخشى الله. ~~وبالجملة فهو أن يجعل الله ندا يعبده كما يعبد الله، PageV01P027 # وهذا هو الشرك الأكبر، وهو الذي قال الله فيه: {واعبدوا الله ولا تشركوا ~~به شيئا} 1. وقال: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا ms020 الله واجتنبوا ~~الطاغوت} 2. وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} 3. # وقال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} 4. والآيات ~~في النهي عن هذا الشرك وبيان بطلانه كثيرة جدا. # الثاني: الشرك الأصغر، كيسير الرياء والتصنع للمخلوق، وعدم الإخلاص لله ~~تعالى في العبادة، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب ~~المنزلة والجاه عند الخلق تارة، فله من عمله نصيب، ولغيره منه نصيب، ويتبع ~~هذا النوع الشرك بالله في الألفاظ، كالحلف بغير الله وقول: ما شاء الله ~~وشئت، ومالي إلا الله وأنت، وأنا في حسب الله وحسبك، ونحوه. وقد يكون ذلك ~~شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده. هذا حاصل كلام ابن القيم وغيره. # وقد استوفى المصنف رحمه الله بيان جنس العبادة التي يجب إخلاصها لله ~~بالتنبيه على بعض أنواعها، وبيان ما يضادها من الشرك بالله تعالى في ~~العبادات والإرادات والألفاظ، كما سيمر بك إن شاء الله تعالى مفصلا في هذا ~~الكتاب، فالله تعالى يرحمه ويرضى عنه. # فإن قلت: هلا أتى المصنف رحمه الله بخطبة تنبئ عن مقصده، كما صنع غيره؟ # قيل: كأنه - والله أعلم - اكتفى بدلالة الترجمة الأولى على مقصوده، فإنه ~~صدره بقوله: (كتاب التوحيد) وبالآيات التي ذكرها وما يتبعها، مما يدل على ~~مقصوده، فكأنه قال: قصدت جمع أنواع توحيد الإلهية التي وقع أكثر الناس في ~~الإشراك فيها وهم لا يشعرون، وبيان شيء مما يضاد ذلك من أنواع الشرك، ~~فاكتفى PageV01P028 # بالتلويح عن التصريح. والألف واللام في التوحيد للعهد الذهني. # قوله: وقول الله تعالى: {وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون} 1. # يجوز في (قول الله) الرفع والجر، وهكذا حكم ما يمر بك من هذا الباب. # قال شيخ الإسلام: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر به على ألسنة ~~الرسل. # وقال أيضا: ms021 العبادة: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، من الأقوال، ~~والأعمال الباطنة والظاهرة. # قال ابن القيم: ومدارها على خمس عشر قاعدة، من كملها كمل # مراتب العبودية، وبيان ذلك أن العبادة منقسمة على القلب، واللسان، ~~والجوارح. # والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح. وهن ~~لكل واحد من القلب واللسان والجوارح. # وقال القرطبي: أصل العبادة: التذلل والخضوع، وسميت وظائف الشرع على ~~المكلفين عبادات، لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله تعالى. # وقال ابن كثير [عند الفاتحة آية: 5] : العبادة في اللغة من الذلة، يقال: ~~طريق معبد وغير معبد، أي: مذلل. وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة ~~والخضوع والخوف، وهكذا ذكر غيرهم من العلماء. # ومعنى الآية: أن الله تعالى أخبر أنه ما خلق الإنس والجن إلا لعبادته، ~~فهذا هو الحكمة في خلقهم، ولم يرد منهم ما تريده السادة من عبيدها من ~~الإعانة لهم بالرزق والإطعام، بل هو الرازق ذو القوة المتين، الذي يطعم ولا ~~يطعم، كما قال تعالى: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض وهو ~~يطعم ولا يطعم قل إني أمرت أن أكون أول من PageV01P029 # أسلم ولا تكونن من المشركين} 1. # وعبادته هي طاعته بفعل المأمور، وترك المحظور، وذلك هو حقيقة دين ~~الإسلام، لأن معنى الإسلام هو: الاستسلام لله المتضمن غاية الانقياد، في ~~غاية الذل والخضوع. # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الآية: إلا لآمرهم أن يعبدوني، ~~وأدعوهم إلى عبادتي. # وقال مجاهد: إلا لآمرهم وأنهاهم، واختاره الزجاج وشيخ الإسلام. قال: ويدل ~~على هذا قوله: {أيحسب الأنسان أن يترك سدى} 2. قال الشافعي: لايؤمر ولا ~~ينهى. # وقوله: {قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم} 3، أي: لولا عبادتكم إياه. # وقد قال في القرآن في غير موضع: {اعبدوا ربكم} ، {اتقوا ربكم} ، فقد ~~أمرهم بما خلقوا له، وأرسل الرسل إلى الجن والإنس بذلك، وهذا المعنى هو ~~الذي قصد الآية قطعا، وهو الذي يفهمه جماهير المسلمين، ويحتجون بالآية ~~عليه، ويقرون أن الله إنما خلقهم ليعبدوه العبادة الشرعية وهي طاعته وطاعة ~~رسله ، لا ليضيعوا حقه ms022 الذي خلقهم له. # قال: وهذه الآية تشبه قوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما ~~هداكم} 4. وقوله: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} 5. ثم قد يطاع ~~وقد يعصى. وكذلك ما خلقهم إلا للعبادة، ثم قد يعبدون وقد لا يعبدون. وهو ~~سبحانه لم يقل: إنه فعل الأول وهو خلقهم ليفعل بهم كلهم الثاني وهو عبادته، ~~ولكن ذكر الأول ليفعلوا هم الثاني فيكونوا هم الفاعلين له، فيحصل لهم بفعله ~~سعادتهم، ويحصل ما يحبه ويرضاه منهم ولهم. انتهى. # والآية دالة على وجوب اختصاص الخالق تعالى بالعبادة، لأنه سبحانه: ### | 1- # هو ابتدأك بخلقك والإنعام عليك بقدرته ومشيئته ورحمته من غير سبب منك ~~أصلا، وما فعله بك لا يقدر عليه غيره، ثم إذا احتجت إليه في جلب رزق أو دفع ~~ضر، فهو الذي يأتي بالرزق لا يأتي به غيره، وهو الذي يدفع الضر لا يدفعه ~~غيره. # كما قال تعالى: {أمن PageV01P030 # هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور أمن ~~هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور} 1 ### | 2- # وهو سبحانه ينعم عليك، ويحسن إليك بنفسه، فإن ذلك موجب ما تسمى به، ووصف ~~به نفسه، إذ هو الرحمن الرحيم، الودود المجيد، وهو قادر بنفسه، وقدرته من ~~لوازم ذاته، وكذلك رحمته وعلمه وحكمته، لا يحتاج إلى خلقه بوجه من الوجوه، ~~بل هو الغني عن العالمين {ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني ~~كريم} 2. فالرب سبحانه غني بنفسه، وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له ~~بنفسه، واجب له من لوازم ذاته، لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره، ففعله ~~وإحسانه وجوده من كماله، لا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه، بل ~~كل ما يريد فعله فإنه {فعال لما يريد} ، [هود: من الآية: 107، والبروج، من ~~الآية: 16] . # وهو سبحانه {بالغ أمره} ، [الطلاق، من الآية: 3] ، فكل ما يطلبه فهو ~~يبلغه ويناله ويصل إليه وحده، ولا يعينه أحد، ولا يعوقه أحد، لا يحتاج في ~~شيء من ms023 أموره إلى معين، وما له من المخلوقين {من ظهير} ، [سبأ، من الآية: ~~22] ، وليس {له ولي من الذل} ، قاله شيخ الإسلام. # الأمر بعبادة الله واجتناب عبادة الطاغوت. # قال: وقوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} 3. # قالوا: {الطاغوت} ؛ مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد. وقد فسره السلف ~~ببعض أفراده. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : الطاغوت: الشيطان. وقال ~~جابر رضي الله عنه "الطواغيت: كهان كانت تنزل عليهم الشياطين". رواهما ابن ~~أبي حاتم. وقال مجاهد: "الطاغوت: الشيطان في صورة الإنسان، يتحاكمون إليه ~~وهو صاحب أمرهم". وقال مالك: الطاغوت: كل ما عبد من دون الله. # قلت: وهو صحيح، لكن لا بد فيه من استثناء من لا يرضى بعبادته. ~~PageV01P031 # وقال ابن القيم: الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو ~~مطاع. فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إلى غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون ~~الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه ~~طاعة الله. فهذه طواغيت العالم، إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت ~~أكثرهم ممن أعرض عن عبادة الله إلى عبادة الطاغوت، وعن طاعته ومتابعة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم إلى طاعة الطاغوت ومتابعته. # وأما معنى الآية، فأخبر تعالى أنه بعث {في كل أمة} ، أي: في كل طائفة، ~~وقرن من الناس {رسولا} ، بهذه الكلمة: {أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ، ~~أي: اعبدوا الله وحده واتركوا عبادة ما سواه، فلهذا خلقت الخليقة، وأرسلت ~~الرسل، وأنزلت الكتب، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي ~~إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} 1. وقال تعالى: {قل إنما أمرت أن أعبد ~~الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} 2. وهذه الآية هي معنى: لا إله إلا ~~الله، فإنها تضمنت النفي والإثبات كما تضمنته لا إله إلا الله، ففي قوله: ~~{اعبدوا الله} الإثبات، وفي قوله: {اجتنبوا الطاغوت} النفي. فدلت الآية على ~~أنه لا بد في الإسلام من النفي والإثبات، فيثبت العبادة لله ms024 وحده، وينفي ~~عبادة ما سواه، وهو التوحيد الذي تضمنته سورة {قل يا أيها الكافرون} 3. وهو ~~معنى قوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا ~~انفصام لها والله سميع عليم} 4. # قال ابن القيم: وطريقة القرآن في مثل هذا أن يقرن النفي بالإثبات، فينفي ~~عبادة ما سوى الله، ويثبت عبادته، وهذا هو حقيقة التوحيد، والنفي المحض ليس ~~بتوحيد، وكذلك الإثبات بدون النفي، فلا يكون التوحيد إلا متضمنا للنفي ~~والإثبات، وهذا حقيقة لا إله إلا الله. انتهى. PageV01P032 # ويدخل في الكفر بالطاغوت بغضه وكراهته، وعدم الرضى بعبادته بوجه من ~~الوجوه. # ودلت الآية على: ### | 1- # أن الحكمة في إرسال الرسل هو عبادة الله وحده وترك عبادة ما سواه. ### | 2- # وأن أصل دين الأنبياء واحد وهو الإخلاص في العبادة لله، وإن اختلفت ~~شرائعهم، كما قال تعالى: {لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} 1، وأنه لا بد في ~~الإيمان من العمل ردا على المرجئة. # [الأمر بعبادة الله والإحسان إلى الوالدين] # قال: قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} 2. # هكذا ثبت في بعض الأصول، لم يذكر الآية بكمالها. قال مجاهد: {وقضى} يعني: ~~وصى، وكذلك قرأ أبي بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم. # وروى ابن جرير، عن " ابن عباس في قوله: {وقضى ربك} يعني: أمر". # وقوله: {ألا تعبدوا إلا إياه} 3، (أن) ، هي المصدرية وهي في محل جر ~~بالباء، والمعنى: أن تعبدوه ولا تعبدوا غيره ممن لا يملك ضرا ولا نفعا، بل ~~هو: ### | 1- # إما فقير محتاج إلى رحمة ربه يرجوها كما ترجونها ### | 2- # وإما جماد لا يستجيب لمن دعاه. # وقوله: {بالوالدين إحسانا} 4، أي: وقضى أن تحسنوا {بالوالدين إحسانا} ، ~~كما قضى بعبادته وحده لا شريك له. وعطف حقهما على حق الله تعالى دليل على ~~تأكد حقهما وأنه أوجب الحقوق بعد حق الله، وهذا كثير في القرآن يقرن ببن ~~حقه عز وجل وبين حق الوالدين، كقوله: {أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير} 5. ~~وقال {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا} ~~6. ولم يخص تعالى نوعا من أنواع الإحسان ms025 ليعم أنواع الإحسان. PageV01P033 # وقد تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ببر الوالدين ~~والحث على ذلك، وتحريم عقوقهما كما في القرآن، ففي صحيح البخاري (5970) عن ~~ابن مسعود قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم : "أي الأعمال أحب إلى الله؟ ~~قال: الصلاة على وقتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: ~~الجهاد في سبيل الله حدثني بهن ولو استزدته لزادني" 1. # وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، ~~وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها ~~حتى قلنا: ليته سكت" 2. رواه البخاري (5976) ومسلم (87) . # وعن أبي هريرة قال: " قال رجل: يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ ~~قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ~~أبوك. أخرجاه"3. # وعن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "رضي ~~الرب في رضي الوالدين، وسخطه في سخط الوالدين " 4. رواه الترمذي (1979) ، ~~وصححه ابن حبان (429) والحاكم (4/151) . # وعن أبي أسيد الساعدي، قال: "بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيء أبرهما ~~به بعد موتهما؟ فقال: نعم الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما ~~من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما" 5. رواه أبو ~~داود (5142) ، وابن ماجة (3364) ، وابن حبان في صحيحه (418) . # والأحاديث في هذا كثيرة قد أفردها العلماء بالتصنيف وذكر PageV01P034 # البخاري منها شطرا صالحا في كتاب (الأدب المفرد (1-46) . # [المأمورات والمنهيات في الوصايا الواردة في سورة الأنعام] # قال المصنف رحمه الله وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} ، ~~[النساء، من الآية: 36] . # قال: وقوله: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا ~~وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا ~~تقربوا الفواحش ما ظهر ms026 منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ~~حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا ~~قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون ~~وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم ~~وصاكم به لعلكم تتقون} 1. # قال ابن كثير: يقول الله تعالى لبنيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم ~~{قل} يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير الله، وحرموا ما رزقهم الله، ~~وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم الفاسدة، وتسويل الشيطان لهم ~~{تعالوا} أي: هلموا وأقبلوا، {أتل ما حرم ربكم عليكم} ، أي: أقصص عليكم، ~~وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقا، لا تخرصا ولا ظنا، بل وحي منه وأمر من ~~عنده، {ألا تشركوا به شيئا} . قال: وكأن في الكلام محذوفا دل عليه السياق، ~~وتقديره: وصاكم {أن لا تشركوا به شيئا} ، ولهذا قال في آخر الآية {ذلكم ~~وصاكم به} . # قلت: ابتدأ تعالى هذه الآيات المحكمات بتحريم الشرك والنهي عنه، فحرم ~~علينا أن نشرك به شيئا، فشمل ذلك كل مشرك به، وكل مشرك فيه من أنواع ~~العبادة، فإن {شيئا} من النكرات فيعم جميع الأشياء، وما أباح تعالى لعباده ~~أن يشركوا به شيئا؛ PageV01P035 # فإن ذلك أظلم الظلم وأقبح القبيح، ولفظ (الشرك) يدل على أن المشركين ~~كانوا يعبدون الله، ولكن يشركون به غيره من الأوثان والصالحين والأصنام؛ ~~فكانت الدعوة واقعة على ترك عبادة ما سوى الله، وإفراد الله بالعبادة. ~~وكانت (لا إله إلا الله) متضمنة لهذا المعنى، فدعاهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى الإقرار بها نطقا وعملا واعتقادا، ولهذا إذا سئلوا عما يقول لهم، ~~قالوا: يقول: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} ، [النساء، من الآية: 36] ~~، واتركوا ما يقول آباؤكم كما قاله أبو سفيان. # وقوله: {وبالوالدين إحسانا} . قال القرطبي: الإحسان إلى الوالدين برهما ~~وحفظهما وصيانتهما، وامتثال أمرهما، وإزالة الرق عنهما، وترك السلطنة ~~عليهما ms027 و {إحسانا} نصب على المصدرية، وناصبه فعل مضمر من لفظه: تقديره: {و} ~~أحسنوا {بالوالدين إحسانا} . # وقوله: {ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} 1 # الإملاق: الفقر، أي: لا تئدوا بناتكم خشية العيلة والفقر، فإني رازقكم ~~وإياهم، وكان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر. ذكره القرطبي. # وفي (الصحيحين: البخاري (4761) ، ومسلم (86"، عن ابن مسعود قال: "قلت: يا ~~رسول الله أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل الله ندا وهو خلقك. قلت: ~~ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قلت: ثم أي قال: أن تزاني ~~حليلة جارك. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : {والذين لا يدعون مع ~~الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن ~~يفعل ذلك يلق أثاما} ، [الفرقان: 68] ". # {ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} 2. قال ابن عطية: نهي عام عن ~~جميع أنواع الفواحش، وهي: المعاصي، و {ظهر} ، PageV01P036 # و {بطن} : حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. وفي التفسير ~~المنسوب إلى أبي علي الطبري من الحنفية، وهو تفسير عظيم : {ولا تقربوا ~~الفواحش} أي: القبائح. وعن ابن عباس، والضحاك، والسدي، أن من الكفار من كان ~~لا يرى بالزنا بأسا إذا كان سرا. وقيل: (الظاهر) ما بينك وبين الخلق، و ~~(الباطن) ما بينك وبين الله. انتهى. # وفي (الصحيحين: البخاري 4634، ومسلم 2761) عن ابن مسعود مرفوعا "لا أحد ~~أغير من الله، من أجل ذلك حرم {الفواحش ما ظهر منها وما بطن} " 1. # {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} 2. قال ابن كثير: هذا مما نص ~~تعالى على النهي عنه تأكيدا، وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش وفي ~~(الصحيحين: البخاري 6878، مسلم 1676) ، عن ابن مسعود مرفوعا: "لا يحل دم ~~امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب ~~الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة"3. # وعن ابن عمر مرفوعا: " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ~~ليوجد من مسيرة أربعين عاما ms028 "4. رواه البخاري (3166) . # {ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} 5. قال ابن عطية: {ذلكم} إشارة إلى هذه ~~المحرمات; و (الوصية) الأمر المؤكد المقرر. # وقوله: {لعلكم تعقلون} ، ترج بالإضافة إلينا، أي: من سمع هذه الوصية يرجى ~~وقوع أثر العقل بعدها. # قلت: هذا غير صحيح، والصواب أن (لعل) هنا للتعليل، أي: PageV01P037 # أن الله وصانا بهذه الوصايا لنعقلها عنه، ونعمل بها، كما قال: {وما أمروا ~~إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك ~~دين القيمة} 1. وفي تفسير الطبري الحنفي: ذكر أولا {تعقلون} ثم {تذكرون} ثم ~~{تتقون} ؛ لأنهم إذا عقلوا تذكروا، فإذا تذكروا خافوا واتقوا المهالك. # {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده} 2. قال ابن ~~عطية: هذا نهي عن القرب الذي يعم وجوه التصرف، وفيه سد الذريعة، ثم استثنى ~~ما يحسن؛ وهو التشمير والسعي في نمائه. قال مجاهد: {التي هي أحسن} : ~~التجارة فيه، فمن كان من الناظرين، له مال يعيش به، فالأحسن إذا ثمر مال ~~اليتيم أن لا يأخذ منه نفقة ولا أجرة ولا غيرهما، ومن كان من الناظرين لا ~~مال له، ولا يتفق له نظر إلا بأن ينفق على نفسه من ربح نظره، وإلا دعت ~~الضرورة إلى ترك مال اليتيم دون نظر ، فالأحسن أن ينظر ويأكل بالمعروف. ~~قاله ابن زيد. # وقوله: {حتى يبلغ أشده} . قال مالك وغيره: هو الرشد، وزوال السفه مع ~~البلوغ. قال ابن عطية: وهو أصح الأقوال وأليقها بهذا الموضع. # قلت: وقد روي نحوه عن زيد بن أسلم، والشعبي، وربيعة، وغيرهم، ويدل عليه ~~قوله تعالى،: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ~~فادفعوا إليهم أموالهم} 3. فاشترط تعالى للدفع إليهم ثلاثة شروط: # الأول: ابتلاؤهم، وهو اختبارهم وامتحانهم بما يظهر به معرفتهم لمصالح ~~أنفسهم وتدبير أموالهم. # والثاني: البلوغ. # والثالث: الرشد. # {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} 4. قال ابن كثير: يأمر تعالى بإقامة ~~العدل في الأخذ والإعطاء، كما توعد عليه في قوله: {ويل PageV01P038 # للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون ألا يظن أولئك ms029 أنهم مبعوثون ليوم عظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين} ~~1. وقد أهلك الله أمة من الأمم كانوا يبخسون المكيال والميزان. # وقال غيره: القسط: العدل. وقد روى الترمذي (1240) ، وغيره بإسناد ضعيف عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكيل والميزان: ~~"إنكم وليتم أمرا هلكت فيه الأمم السالفة قبلكم" 2. وروي عن ابن عباس ~~موقوفا بإسناد صحيح. # {لا نكلف نفسا إلا وسعها} 3. قال ابن كثير: أي: من اجتهد في أداء الحق ~~وأخذه، فإن أخطأ بعد استفراغ وسعه وبذل جهده، فلا حرج عليه. # وقد روى ابن مردويه عن سعيد بن المسيب مرفوعا: " {أوفوا الكيل والميزان ~~بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها} قال: من أوفى على يده في الكيل والميزان - ~~والله يعلم صحة نيته بالوفاء فيهما - لم يؤاخذ وذلك تأويل وسعها ". قال: ~~هذا مرسل غريب. # قلت: وفيه رد على القائلين بجواز تكليف ما لا يطاق. # {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى} 4. هذا أمر بالعدل في القول والفعل ~~على القريب والبعيد. قال الحنفي: العدل في القول في حق الولي والعدو، لا ~~يتغير بالرضى والغضب، بل يكون على الحق والصدق، وإن كان ذا قربى فلا يميل ~~إلى الحبيب، ولا إلى القريب {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا ~~هو أقرب للتقوى} (5. # {وبعهد الله أوفوا} 6. قال ابن جرير: يقول: وبوصية الله التي وصاكم بها ~~فأوفوا وانقادوا لذلك، بأن تطيعوه فيما أمر به ونهاكم عنه، وتعملوا بكتابه ~~وسنة رسوله، وذلك هو الوفاء بعهد الله، وكذا قال غيره. # قلت: وهو حسن، ولكن الظاهر أن الآية فيما هو أخص، PageV01P039 # كالبيعة والذمة والأمان والنذر ونحو ذلك، وهذه الآية كقوله: {وأوفوا بعهد ~~الله إذا عاهدتم} 1. فهذا هو المقصود بالآية، وإن كانت شاملة، لما قالوا ~~بطريق العموم. # {ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون} 2. يقول تعالى: هذا وصاكم وأمركم به وأكد ~~عليكم فيه {لعلكم تذكرون} ، أي: تتعظون وتنتهون عما كنتم فيه. # قوله: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله} 3. # ش: قال القرطبي: هذه آية عظيمة ms030 عطفها الله على ما تقدم، فإنه لما نهى ~~وأمر، حذر عن اتباع غير سبيله، وأمر فيها باتباع طريقه على ما بينته ~~الأحاديث الصحيحة وأقاويل السلف. (وأن) في موضع نصب، أي: {و} اتلوا، {أن ~~هذا صراطي} عن الفراء والكسائي. قال الفراء: ويجوز أن يكون خفضا، أي: ~~{وصاكم به ... و} ب {أن هذا صراطي} . قال: و (الصراط) : الطريق الذي هو دين ~~الإسلام. {مستقيما} ، نصب على الحال، ومعناه: مستويا قويما لا اعوجاج فيه، ~~فأمر باتباع طريقه الذي طرقه على لسان محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه، ~~ونهايته الجنة، وتشعبت منه طرق، فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق ~~أفضت به إلى النار. قال الله تعالى: {ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} ~~4. أي: تميل. انتهى. وروى أحمد (4143) ، والنسائي (11175) ، والدارمي ~~(1/67) ، وابن أبي حاتم، والحاكم (2/318) ، وصححه، عن ابن مسعود قال: " خط ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيما، ثم ~~خط خطوطا عن يمين ذلك الخط وعن شماله، ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل ~~إلا عليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا ~~تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله} . PageV01P040 # وعن النواس بن سمعان مرفوعا قال: " ضرب الله مثلا صراطا مستقيما، وعلى ~~جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى ~~الصراط داع يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعا ولا تعوجوا، وداع يدعو ~~من جوف الصراط، فإذا أراد الإنسان أن يفتح شيئا من تلك الأبواب، قال: لا ~~تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه. # فالصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله، والأبواب المفتحة: محارم الله، ~~وذلك الداعي على رأس الصراط: كتاب الله، والداعي من فوق الصراط: واعظ الله ~~في قلب كل مسلم "1 رواه أحمد (17603) ، والترمذي (3031) ، والنسائي، وابن ~~جرير وابن أبي حاتم. # وعن مجاهد في قوله: {ولا تتبعوا السبل} 2. قال: البدع والشبهات. رواه ابن ~~جوير، وابن أبي حاتم. وهذه السبل تعم اليهودية، والنصرانية، والمجوسية، ~~وعباد القبور، وسائر أهل الملل والأوثان، والبدع والضلالات ms031 من أهل الشذوذ ~~والأهواء، والتعمق في الجدل، والخوض في الكلام، فاتباع هذه من اتباع السبل ~~التي تذهب بالإنسان عن الصراط المستقيم إلى موافقة أصحاب الجحيم، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد "3. ~~وفي رواية: " كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد " 4. حديث صحيح. # قال ابن مسعود: تعلموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه ذهاب أهله، ألا وإياكم ~~والتنطع والتعمق والبدع، وعليكم بالعتيق. رواه الدارمي (1/54) . # قلت: العتيق هو القديم، يعني: ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه من الهدي، دون ما حدث بعدهم، فالهرب الهرب، والنجاء النجاء، ~~والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم، وهو الذي كان عليه السلف الصالح، ~~وفيه المتجر الرابح، قاله القرطبي. # وقال سهل بن عبد الله التستري: عليكم بالأثر والسنة، فإني أخاف أنه سيأتي ~~عن قليل زمان إذا ذكر إنسان النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ~~PageV01P041 # في جميع أحواله ذموه ونفروا عنه وتبرؤوا منه، وأذلوه وأهانوه. # قلت: رحم الله سهلا ما أصدق فراسته! فلقد كان ذلك وأعظم، وهو أن يكفر ~~الإنسان بتجريد التوحيد والمتابعة، والأمر بإخلاص العباد لله، وترك عبادة ~~ما سواه والأمر بطاعة رسول الله وتحكيمه في الدقيق والجليل. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ولنذكر في الصراط المستقيم قولا وجيزا، ~~فإن الناس قد تنوعت عباراتهم عنه، وترجمتهم عنه بحسب صفاته ومتعلقاته، ~~وحقيقته شيء واحد وهو طريق الله الذي نصبه لعباده موصلا لهم إليه، ولا طريق ~~إليه سواه، بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن ~~رسله، وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده بالعبودية وإفراد رسوله ~~بالطاعة، فلا يشرك به أحد في عبوديته. ولا يشرك برسوله أحد في طاعته، فيجرد ~~التوحيد، ويجرد متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم وهذا معنى قول بعض ~~العارفين: إن السعادة كلها والفلاح كله مجموع في شيئين: صدق محبة، وحسن ~~معاملة. وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فأي ~~شيء ms032 فسر به الصراط المستقيم، فهو داخل في هذين الأصلين. ونكتة ذلك أن تحبه ~~بقلبك كله، وترضيه بجهدك كله، فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه، ولا ~~يكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته، فالأول يحصل بتحقيق شهادة أن لا إله إلا ~~الله، والثاني يحصل بتحقيق شهادة أن محمدا رسول الله، وهذا هو الهدى ودين ~~الحق، وهو معرفة الحق والعمل به، وهو معرفة ما بعث الله به رسوله والقيام ~~به، فقل ما شئت من العبارات التي هذا آخيتها وقطب رحاها. # [الأمر بعبادة الله وحده وعدم الإشراك به] # قال: وقوله: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا} 1. PageV01P042 # هكذا أثبت في نسخة بخط شيخنا ولم يذكر الآية. قال ابن كثير: يأمر تعالى ~~عباده بعبادته وحده لا شريك له، فإنه الخالق الرازق المنعم المتفضل على ~~خلقه في جميع الحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا من ~~مخلوقاته. # قلت: هذا أول أمر في القرآن، وهو الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي ~~عن الشرك، كما في قوله: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من ~~قبلكم لعلكم تتقون} 1. وتأمل كيف أمر تعالى بعبادته، أي: فعلها خالصة له، ~~ولم يخص بذلك نوعا من أنواع العبادة، لا دعاء ولا صلاة ولا غيرهما، ليعم ~~جميع أنواع العبادة، ونهى عن الشرك به، ولم يحض أيضا نوعا من أنواع العبادة ~~بجواز الشرك فيه. ### | 1- # وفي هذه الآية واللواتي قبلها دليل على أن العبادة هي التوحيد؛ لأن ~~الخصومة فيه، وإلا فكان المشركون يعبدون الله ويعبدون غيره، فأمروا ~~بالتوحيد، وهو عبادة الله وحده، وترك عبادة ما سواه. ### | 2- # وفيهن دليل على أن التوحيد أول واجب على المكلف، وهو الكفر بالطاغوت، ~~والإيمان بالله المستلزم لعبادته وحده لا شريك له، وأن من عبد غير الله ~~بنوع من أنواع العبادة فقد أشرك، سواء كان المعبود ملكا أو نبيا أو صالحا ~~أو صنما. # قال ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي ~~عليها خاتمه فليقرأ {تقربوا الفواحش ما ظهر ms033 منها وما بطن ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} إلى قوله: {وأن هذا ~~صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به ~~لعلكم تتقون} ، [الأنعام الآيات: 151-153] . # ابن مسعود هو: عبد الله بن مسعود بن غافل بمعجمة وفاء ابن حبيب الهذلي، ~~أبو عبد الرحمن، صحابي جليل من السابقين PageV01P043 # الأولين وأهل بدر وبيعة الرضوان، ومن كبار العلماء من الصحابة، أمره عمر ~~على الكوفة، ومات سنة اثنتين وثلاثين. # وهذا الأثر رواه الترمذي (3278) ، وحسنه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ~~والطبراني (10060) بنحوه، وروى أبو عبيد وعبد بن حميد عن الربيع بن خثيم ~~نحوه. قال بعضهم ما معناه. أي: من أراد أن ينظر إلى الوصية التي كأنها كتبت ~~وختم عليها، ثم طويت فلم تغير ولم تبدل، تشبيها لها بالكتاب الذي كتب ثم ~~ختم عليه فلم يزد فيه ولم ينقص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتبها وختم ~~عليها وأوصى بها، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوص إلا بكتاب الله، كما ~~قال فيما رواه مسلم (1218) : " وإني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: ~~كتاب الله "1. # قلت: وقد روى عبادة بن الصامت, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~" أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا {قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم} حتى فرغ من ثلاث آيات، ثم قال: من وفى بهن فأجره على الله، ومن ~~انتقص منهن شيئا فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، # ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله، إن شاء أخذه، وإن شاء عفا عنه " ~~رواه ابن أبي حاتم، والحاكم (2/371) وصححه، فهدا يدل على أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعتني بهن، ويبالغ في الحث على العمل بهن. # [حق الله على العباد وحق العباد على الله] . # وعن معاذ بن جبل قال: " كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار فقال ~~لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على ms034 الله؟ فقلت: ~~الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ~~وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا. فقلت: يا رسول الله ~~أفلا أبشر الناس قال: لا تبشرهم فيتكلوا "2. أخرجاه في "الصحيحين". # هذا الحديث في "الصحيحين" وبعض رواياته نحو ما ذكر المصنف. # ومعاذ هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الرحمن ~~صحابي مشهور من أعيان الصحابة، شهد بدرا وما بعدها، وكان إليه المنتهى في ~~العلم PageV01P044 # بالأحكام والقرآن رضي الله عنه، مات سنة ثمان عشرة بالشام. # قوله: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم، فيه جواز الإرداف على الدابة، ~~وفضيلة لمعاذ من جهة ركوبه خلف النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: "على حمار"، في رواية اسمه: عفير بعين مهملة مضمومة ثم فاء مفتوحة. # قال ابن الصلاح: وهو الحمار الذي كان له صلى الله عليه وسلم. # قيل: إنه مات في حجة الوداع، وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم للإرداف ~~ولركوب الحمار، خلاف ما عليه أهل الكبر. # قوله: " أتدري ما حق الله على العباد"؟ الدراية هي المعرفة وأخرج السؤال ~~بصيغة الاستفهام، ليكون أوقع في النفس، وأبلغ في فهم المتعلم، فإن الإنسان ~~إذا سئل عن مسألة لا يعلمها، ثم أخبر بها بعد الامتحان بالسؤال عنها، فإن ~~ذلك أوعى لفهمها وحفظها، وهذا من حسن إرشاده وتعليمه صلى الله عليه وسلم. # وحق الله على العباد، هو ما يستحقه عليهم ويجعله متحتما. # وحق العباد على الله معناه أنه متحقق لا محالة، لأنه قد وعدهم ذلك جزاء ~~لهم على توحيده، ووعده حق، {إن الله لا يخلف الميعاد} ، [آل عمران، من ~~الآية9، والرعد، من الآية: 31] . # وقال شيخ الإسلام: كون المطيع يستحق الجزاء، هو استحقاق إنعام وفضل، ليس ~~هو استحقاق مقابلة كما يستحق المخلوق على المخلوق، فمن الناس من يقول: لا ~~معنى للاستحقاق إلا أنه أخبر بذلك، ووعده صدق، ولكن أكثر الناس يثبتون ~~استحقاقا زائدا على هذا كما دل عليه الكتاب والسنة. قال تعالى: {وكان ms035 حقا ~~علينا نصر المؤمنين} 1. # ولكن أهل السنة يقولون: هو الذي {كتب على نفسه الرحمة} ، [الأنعام، من ~~الآية: 12] ، وأوجب هذا الحق على نفسه لم يوجبه عليه مخلوق، والمعتزلة ~~يدعون أنه واجب عليه بالقياس على الخلق، وأن العباد هم الذين أطاعوه بدون ~~أن يجعلهم مطيعين له، وأنهم يستحقون الجزاء بدون أن يكون هو الموجب، وغلطوا ~~في ذلك، وهذا الباب غلطت فيه القدرية والجبرية أتباع جهم والقدرية النافية. ~~PageV01P045 # قوله:"فقلت: الله ورسوله أعلم ". فيه حسن أدب المتعلم، وأنه ينبغي لمن ~~سئل عما لا يعلم أن يقول ذلك، بخلاف أكثر المتكلفين. # قوله: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا" أي: يوحدوه بالعبادة وحده ولا ~~يشركوا به شيئا. # وفائدة هذه الجملة: ### | 1- # بيان أن التجرد من الشرك لا بد منه في العبادة، وإلا فلا يكون العبد آتيا ~~بعبادة الله بل مشرك، وهذا هو معنى قول المصنف: إن العبادة هي التوحيد، لأن ~~الخصومة فيه. ### | 2- # وفيه معرفة حق الله على العباد، وهو عبادته وحده لا شريك له. # فيا من حق سيده الإقبال عليه، والتوجه بقلبه إليه، لقد صانك وشرفك عن ~~إذلال قلبك ووجهك لغيره، فما هذه الإساءة القبيحة في معاملته مع هذا ~~التشريف والصيانة! فهو يعظمك ويدعوك إلى الإقبال وأنت تأبى إلا مبارزته ~~بقبائح الأفعال. # في بعض الآثار الإلهية: إني والجن والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، ~~وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم ~~بالنعم، ويتبغضون إلي بالمعاصي. وكيف يعبده حق عبادته من صرف سؤاله ودعاؤه ~~وتذلله واضطراره وخوفه ورجاءه وتوكله وإنابته وذبحه ونذره لمن لا يملك ~~لنفسه {ضرا ولا نفعا} ، [الفرقان، من الآية: 3] ، ولا {موتا ولا حياة ولا ~~نشورا} ، [الفرقان، من الآية: 3] ، من ميت رميم في التراب، أو بناء مشيد من ~~القباب، فضلا مما هو شر من ذلك. # قوله: "وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا" قال ~~الخلخالي: تقديره: أن لا يعذب من يعبده ولا يشرك به شيئا والعبادة هي # الإتيان بالأوامر، والانتهاء عن المناهي، لأن مجرد عدم ms036 الإشراك لا يقتضي ~~نفي العذاب، وقد علم ذلك من القرآن والأحاديث الواردة في تهديد الظالمين ~~والعصاة. # وقال الحافظ: اقتصر على نفي الإشراك، لأنه يستدعي التوحيد # PageV01P046 # بالاقتضاء، ويستدعي إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسول الله، فقد كذب ~~الله، ومن كذب الله، فهو مشرك، وهو مثل قول القائل: من توضأ صحت صلاته، أي: ~~مع سائر الشروط، فالمراد: من مات حال كونه مؤمنا بجميع ما يجب الإيمان به. ~~قلت: وسيأتي تقرير هذا في الباب الذي بعده إن شاء الله تعالى. # قوله:"أفلا أبشر الناس"، فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره. وفيه ما كان ~~عليه الصحابة من الاستبشار، بمثل هذا نبه عليه المصنف. # قوله: قال: " لا تبشرهم فيتكلوا"، وفي رواية: " إني أخاف أن يتكلوا"، أي: ~~يعتمدوا على ذلك، فيتركوا التنافس في الأعمال الصالحة. وفي رواية: فأخبر ~~بها معاذ عند موته تأثما، أي: تحرجا من الإثم. قال الوزير أبو المظفر [بن ~~هبيرة] : لم يكن يكتمها إلا عن جاهل يحمله جهله على سوء الأدب بترك الخدمة ~~في الطاعة، فأما الأكياس الذين إذا سمعوا بمثل هذا ازدادوا في الطاعة، ~~ورأوا أن زيادة النعم تستدعي زيادة الطاعة فلا وجه لكتمانها عنهم. وقال ~~الحافظ: دل هذا على أن النهي للتبشير ليس على التحريم، وإلا لما أخبر به ~~أصلا، أو أنه ظهر له أن المنع إنما هو من الأخبار عموما، فبادر قبل موته ~~فأخبر بها خاصا من الناس # وفي الباب من الفوائد غير ما تقدم: ### | 1- # التنبيه على عظمة حق الوالدين. 2-وتحريم عقوقهما. 3-والحث على إخلاص ~~العبادة لله تعالى. 4- وأنها لا تنفع مع الشرك، بل لا تسمى عبادة شرعا. ~~5-والتنبيه على عظمة الآيات المحكمات في سورة الأنعام، ذكره المصنف. ### | 6- # وجواز كتمان العلم للمصلحة، ولا سيما أحاديث الرجاء التي إذا سمعها ~~الجهال ازدادوا من الآثام. # PageV01P047 # كما قال بعض: فأكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريم. ~~7-وتخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض. 8-وفضيلة معاذ، ومنزلته من العلم، ~~لكونه خص بما ذكر. 9-واستئذان المتعلم في إشاعة ما خص به من العلم. ms037 ~~10-والخوف من الاتكال على سعة رحمة الله. 11-وأن الصحابة لا يعرفون مثل هذا ~~إلا بتعليمه صلى الله عليه وسلم ذكره المصنف. # قوله: أخرجاه في "الصحيحين" أي: أخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما" وإنما ~~أضمرهما للعلم بهما. # والبخاري هو: الإمام محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي مولاهم، الحافظ ~~الكبير صاحب "الصحيح"، و "التاريخ"، و "الأدب المفرد" وغير ذلك من مصنفاته. # روى عن الإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وابن المديني وطبقتهم. وروى عنه ~~مسلم والترمذي، والنسائي، والفربري، راوي "الصحيح" وغيرهم. ولد سنة أربع ~~وتسعين ومائة، ومات سنة ست وخمسين ومائتين. # ومسلم هو: ابن الحجاج بن مسلم، أبو الحسين القشيري النيسابوري صاحب ~~"الصحيح"، و "العلل"، و"الوحدان" وغير ذلك # روى عن أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، وابن أبي شيبة، ~~وطبقتهم. روى عنه الترمذي، وإبراهيم بن محمد بن سفيان. راوي "الصحيح" ~~وغيرهم. ولد سنة أربع ومائتين، ومات سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور رحمه ~~الله تعالى. # PageV01P048 # [م2 ### | باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب # باب: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هذا باب بيان فضل التوحيد، وبيان ما يكفر ~~من الذنوب، و " ما " يجوز أن تكون # PageV01P048 # موصولة، أي: وبيان ما يكفره من الذنوب. ويجوز أن تكون مصدرية، أي: وبيان ~~تكفيره الذنوب، وهذا أرجح، لأن الأول يوهم أن ثم ذنوبا لا يكفرها التوحيد، ~~وليس بمراد، ولما ذكر معنى التوحيد، ناسب ذكر فضله وتكفيره للذنوب ترغيبا ~~فيه وتحذيرا من الضد. # وقول الله تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ~~وهم مهتدون} 1. # قال بعض الحنفية في تفسيره: هذا ابتداء. قال [عبد الرحمن] ابن زيد وابن ~~إسحاق: هذا من الله على فصل القضاء بين إبراهيم وقومه. قال الزجاج: سأل ~~إبراهيم وأجاب بنفسه. وعن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: فأينا ~~لم يظلم؟ قال عليه السلام: " {إن الشرك لظلم عظيم} ". [البخاري 3636] وكذا ~~عن أبي بكر الصديق أنه فسره بالشرك، فيكون الأمن من تأييد العذاب. وعن عمر ~~أنه فسره بالذنب، فيكون الأمن من كل عذاب. وقال الحسن ms038 والكلبي: {أولئك لهم ~~الأمن} في الآخرة {وهم مهتدون} في الدنيا. انتهى. وإنما ذكرته، لأن فيه ~~شاهدا لكلام شيخ الإسلام الآتي في الحديث الذي ذكره حديث صحيح في "الصحيح" ~~[البخاري 3636] ، و"المسند" [3588] ، وغيرهما. وفي لفظ لأحمد عن عبد الله ~~[بن مسعود] قال: " لما نزلت {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} 2 شق ~~ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله فأينا لا ~~يظلم نفسه؟ قال: "إنه ليس الذي تعنون "، ألم تسمعوا ما قال العبد الصالح:. ~~يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم إنما هو الشرك ". # قال شيخ الإسلام: والذي شق عليهم ظنوا أن الظلم المشروط هو ظلم العبد ~~لنفسه، وأنه لا أمن ولا اهتداء إلا لمن لم يظلم نفسه، فبين لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما دلهم على أن الشرك ظلم في كتاب الله، وحينئذ فلا يحصل ~~الأمن والاهتداء إلا لمن لم يلبس إيمانهم بهذا الظلم، فمن لم يلبس إيمانه ~~به كان من أهل الأمن والاهتداء، كما كان من PageV01P049 # أهل الاصطفاء في قوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه} 1. وهذا لا ينفي أن يؤاخذ أحدهم بظلمه لنفسه بذنب إذا لم يتب، ~~كما قال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} 2 وقد ~~سأل أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " يا رسول ~~الله، وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال: " يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ أليس ~~تصيبك اللأواء؟ فذلك ما تجزون به " 3. فبين أن المؤمن الذي إذا مات دخل ~~الجنة قد يجزى بسيئاته في الدنيا بالمصائب التي تصيبه، قال: فمن سلم من ~~أجناس الظلم الثلاثة، يعني: الظلم الذي هو الشرك، وظلم العباد، وظلمه لنفسه ~~بما دون الشرك، كان له الأمن التام والاهتداء التام، ومن لم يسلم من ظلم ~~نفسه كان له الأمن # والاهتداء مطلقا، بمعنى أنه لابد أن يدخل الجنة، كما وعد بذلك في الآية ~~الأخرى، وقد هداه الله ms039 إلى الصراط المستقيم الذي تكون عاقبته فيه إلى ~~الجنة، ويحصل له من نقص الأمن والاهتداء، بحسب ما نقص من إيمانه بظلمه ~~لنفسه، ليس مراد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: " إنما هو الشرك " أن من ~~لم يشرك الشرك الأكبر يكون له الأمن التام والاهتداء التام، فإن أحاديثه ~~الكثيرة مع نصوص القرآن تبين أن أهل الكبائر معرضون للخوف، لم يحصل لهم ~~الأمن التام والاهتداء التام الذي يكونون به مهتدين إلى الصراط المستقيم؛ ~~صراط الذين أنعم الله عليهم من غير عذاب يحصل لهم، بل معهم أصل الاهتداء ~~إلى هذا الصراط ومعهم أصل نعمة الله عليهم، ولا بد لهم من دخول الجنة. ~~وقوله: "إنما هو الشرك"، إن أراد به الأكبر فمقصوده أن من لم يكن من أهله، ~~فهو آمن مما وعد به المشركون من عذاب الدنيا والآخرة، وهو مهتد إلى ذلك، ~~وإن كان مراده جنس الشرك فيقال: ظلم العبد نفسه، كبخله - لحب المال - ببعض ~~الواجب وهو شرك أصغر، وحبه ما يبغض الله حتى يقدم هواه على محبة الله شرك ~~أصغر، ونحو ذلك، فهذا فاته من PageV01P050 # الأمن والاهتداء بحسبه، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم بهذا ~~الاعتبار. انتهى ملخصا. # وبه تظهر مطابقة الآية للترجمة، فدلت على فضل التوحيد وتكفيره للذنوب، ~~لأن من أتى به تاما فله الأمن التام والاهتداء التام، ودخل الجنة بلا عذاب، ~~ومن أتى به ناقصا بالذنوب التي لم يتب منها، فإن كانت صغائر كفرت باجتناب ~~الكبائر، لآية (النساء: 31) ، و (النجم: 32) وإن كانت كبائر فهو في حكم ~~المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه، ومآله إلى الجنة، والله أعلم. # عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من شهد أن ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد ~~الله ورسوله {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} ، والجنة حق والنار حق ~~أدخله الله الجنة على ما كان من العمل " 1 أخرجاه. # عبادة هو ابن الصامت بن قيس الأنصاري ms040 الخزرجي أبو الوليد، أحد النقباء ~~بدري مشهور من جلة الصحابة، مات بالرملة سنة أربع وثلاثين وله اثنتان ~~وسبعون سنة. وقيل: عاش إلى خلافة معاوية. # قوله: "من شهد أن لا إله إلا الله "، أي: من تكلم بهذه الكلمة عارفا ~~لمعناها، عاملا بمقتضاها باطنا وظاهرا، كما دل عليه قوله: {فاعلم أنه لا ~~إله إلا الله} 2 وقوله: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} 3. أما النطق بها من ~~غير معرفة لمعناها ولا عمل بمقتضاها، فإن ذلك غير نافع بالإجماع. # وفي الحديث ما يدل على هذا، وهو قوله: " من شهد "، إذ كيف يشهد وهو لا ~~يعلم، ومجرد النطق بشيء لا يسمى شهادة به. قال بعضهم: أداة الحصر لقصر ~~الصفة على الموصوف قصر إفراد، لأن معناه: الألوهية في الله الواحد في ~~مقابلة من يزعم اشتراك غيره معه، PageV01P051 # وليس قصر قلب، لأن أحدا من الكفار لم ينفها عن الله، وإنما أشرك معه ~~غيره. # وقال النووي: هذا حديث عظيم جليل الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث ~~المشتملة على العقائد، فإنه صلى الله عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن ملل ~~الكفر على اختلاف عقائدهم وتباعدها، فاقتصر صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الأحرف على ما يباين به جميعهم. انتهى. # ومعنى " لا إله إلا الله"، أي: لا معبود بحق إلا إله واحد، وهو الله وحده ~~لا شريك له، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} 1. مع قوله تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} 2. فصح أن معنى الإله هو المعبود، ولهذا لما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لكفار قريش: "قولوا لا إله إلا الله" قالوا: ~~{أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} 3. وقال قوم هود: {أجئتنا لنعبد ~~الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا} 4. وهو إنما دعاهم إلى " لا إله إلا ~~الله "، فهذا هو معنى لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وترك عبادة ما سواه، ~~وهو الكفر بالطاغوت، ms041 وإيمان بالله. # فتضمنت هذه الكلمة العظيمة أن ما سوى الله ليس بإله، وأن إلهية ما سواه ~~أبطل الباطل، وإثباتها أظلم الظلم، فلا يستحق العبادة سواه، كما لا تصلح ~~الإلهية لغيره، فتضمنت نفي الإلهية عما سواه، وإثباتها له وحده لا شريك له، ~~وذلك يستلزم الأمر باتخاذه إلها وحده، والنهي عن اتخاذ غيره معه إلها. وهذا ~~يفهمه المخاطب من هذا النفي والإثبات، كما إذا رأيت رجلا يستفتي أو يستشهد ~~من ليس أهلا لذلك، ويدع من هو أهل له، فتقول: هذا ليس بمفت ولا شاهد، ~~المفتي فلان، والشاهد فلان، فإن هذا أمر منه ونهي. وقد دخل في الإلهية جميع ~~أنواع العبادة الصادرة عن تأله PageV01P052 # القلب لله بالحب والخضوع والانقياد له وحده لا شريك # له، فيجب إفراد الله تعالى بها، كالدعاء والخوف والمحبة، والتوكل ~~والإنابة، والتوبة، والذبح، والنذر، والسجود، وجميع أنواع العبادة فيجب صرف ~~جميع ذلك لله وحده لا شريك له، فمن صرف شيئا مما لا يصلح إلا لله من ~~العبادات لغير الله، فهو مشرك ولو نطق ب: لا إله إلا الله، إذ لم يعمل بما ~~تقتضيه من التوحيد والإخلاص. # ذكر نصوص العلماء في معنى الإله، قال ابن عباس رضي الله عنه: الله ذو ~~الألوهية والعبودية على خلقه أجمعين. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وقال ~~الوزير أبو المظفر [بن هبيرة] في "الإفصاح"، قوله: " شهادة أن لا إله إلا ~~الله "، يقتضي أن يكون الشاهد عالما بأن: لا إله إلا الله، كما قال: الله ~~عز وجل: {فاعلم أنه لا إله إلا الله} 1. # وينبغي أن يكون الناطق بها شاهدا فيها، فقد قال الله عز وجل ما أوضح به ~~أن الشاهد بالحق إذا لم يكن عالما بما شهد به، فإنه غير بالغ من الصدق به ~~مع من شهد من ذلك بما يعلمه في قوله تعالى: {إلا من شهد بالحق وهم يعلمون} ~~2. قال: واسم الله تعالى مرتفع بعد " إلا " من حيث إنه الواجب له الإلهية. ~~فلا يستحقها غيره سبحانه. قال: واقتضى الإقرار بها أن تعلم أن كل ما ms042 فيه ~~أمارة للحدث، فإنه لا يكون إلها، فإذا قلت: لا إله إلا الله، فقد اشتمل ~~نطقك هذا على أن ما سوى الله ليس بإله، فيلزمك إفراده سبحانه بذلك وحده. # قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة هي مشتملة على الكفر ~~بالطاغوت والإيمان بالله، فإنك لما نفيت الإلهية، وأثبت الإيجاب لله ~~سبحانه، كنت ممن كفر بالطاغوت وآمن بالله. # وقال أبو عبد الله القرطبي في" التفسير": {لا إله إلا هو} ، أي. لا معبود ~~إلا هو. وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس - كالرجل والفرس - اسم يقع ~~على كل معبود بحق أو بباطل، ثم غلب على المعبود بحق. PageV01P053 # وقال شيخ الإسلام: الإله هو المعبود المطاع. وقال أيضا في (لا إله إلا ~~الله) : إثبات انفراده بالإلهية، والإلهية تتضمن كمال علمه وقدرته ورحمته ~~وحكمته، ففيها إثبات إحسانه إلى العباد. فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو ~~الذي يستحق أن يعبد، وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي ~~تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. # وقال ابن القيم رحمه الله: الإله هو الذي تألهه القلوب محبة وإجلالا ~~وإنابة وإكراما وتعظيما وذلا وخضوعا وخوفا ورجاء وتوكلا. # وقال ابن رجب رحمه الله: - الإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالا ~~ومحبة، وخوفا ورجاء، وتوكلا عليه وسؤالا منه ودعاء له، ولا يصلح ذلك كله ~~إلا لله عز وجل، فمن أشرك مخلوقا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص ~~الإلهية كان ذلك قدحا في إخلاصه في قول: لا إله إلا الله، ونقصا في توحيده، ~~وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك، وهذا كله من فروع الشرك. # وقال البقاعي: لا إله إلا الله، أي: انتفى انتفاء عظيما أن يكون معبود ~~بحق غير الملك الأعظم، فإن هذا العلم هو أعظم الذكرى المنجية # من أهوال الساعة، وإنما يكون علما إذا كان نافعا، وإنما يكون نافعا إذا ~~كان الإذعان والعمل بما تقتضيه، وإلا فهو جهل صرف. # وقال الطيبي: الإله ms043 فعال بمعنى: مفعول، كالكتاب بمعنى المكتوب، من أله ~~إلهة، أي: عبد عبادة. # وهذا كثير جدا في كلام العلماء، وهو إجماع منهم أن الإله هو المعبود، ~~خلافا لما يعتقده عباد القبور وأشباههم في معنى الإله أنه الخالق أو القادر ~~على الاختراع أو نحو هذه العبارات، ويظنون أنهم إذا قالوها بهذا المعنى، ~~فقد أتوا من التوحيد بالغاية القصوى، ولو # PageV01P054 # فعلوا ما فعلوا من عبادة غير الله، كدعاء الأموات، والاستغاثة بهم في ~~الكربات، وسؤالهم قضاء الحاجات، والنذر لهم في الملمات، وسؤالهم الشفاعة ~~عند رب الأرض والسموات، إلى غير ذلك من أنواع العبادات، وما شعروا أن ~~إخوانهم من كفار العرب يشاركونهم في هذا الإقرار، ويعرفون أن الله هو ~~الخالق القادر على الاختراع، ويعبدونه بأنواع من العبادات، فليهن أبو جهل ~~وأبو لهب ومن تبعهما بحكم عباد القبور، وليهن أيضا إخوانهم عباد ود وسواع ~~ويغوث ويعوق ونسر، إذ جعل هؤلاء دينهم هو الإسلام المبرور. # ولو كان معناها ما زعمه هؤلاء الجهال، لم يكن بين الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وبينهم نزاع، بل كانوا يبادرون إلى إجابته، ويلبون دعوته، إذ يقول ~~لهم: قولوا: لا إله إلا الله، بمعنى: أنه لا قادر على الاختراع إلا الله. ~~فكانوا يقولون: سمعنا وأطعنا. # قال الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} 1. {ولئن سألتهم من ~~خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} 2. {قل من يرزقكم من ~~السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ... } 3 الآية، إلى غير ذلك من ~~الآيات. # لكن القوم أهل اللسان العربي، فعلموا أنها تهدم عليهم دعاء الأموات ~~والأصنام من الأساس، وتكب بناء سؤال الشفاعة من غير الله، وصرف الإلهية ~~لغيره لأم الرأس، فقالوا: {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} 4. ~~{هؤلاء شفعاؤنا عند الله} 5. {أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} 6. ~~فتبا لمن كان أبو جهل ورأس الكفر من قريش وغيرهم أعلم منه ب: " لا إله إلا ~~الله ". قال تعالى: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} 7. فعرفوا ms044 أنها تقتضي ترك عبادة ~~ما سوى الله، وإفراد الله بالعبادة، وهكذا يقول عباد القبور إذا طلبت منهم ~~إخلاص الدعوة والعبادة لله وحده: أنترك سادتنا وشفعاءنا في PageV01P055 # قضاء حوائجنا؟! فيقال لهم: نعم وهذا الترك والإخلاص هو الحق، كما قال ~~تعالى: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} 1. ف: " لا إله إلا الله " اشتملت على ~~نفي وإثبات، فنفت الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، فكل ما سواه من ~~الملائكة والأنبياء فضلا عن غيرهم، فليس بإله، ولا له من العبادة شيء، ~~وأثبتت الإلهية لله وحده، بمعنى أن العبد لا يأله غيره، أي: لا يقصده بشيء ~~من التأله وهو تعلق القلب الذي يوجب قصده بشيء من أنواع العبادة، كالدعاء ~~والذبح والنذر وغير ذلك # وبالجملة فلا يأله إلا الله، أي: لا يعبد إلا هو، فمن قال هذه الكلمة ~~عارفا لمعناها، عاملا بمقتضاها، من نفي الشرك وإثبات الوحدانية لله مع ~~الاعتقاد الجازم لما تضمنته من ذلك والعمل به، فهذا هو المسلم حقا، فإن عمل ~~به ظاهرا من غير اعتقاد، فهو المنافق، وإن عمل بخلافها من الشرك، فهو ~~الكافر ولو قالها، ألا ترى أن المنافقين يعملون بها ظاهرا وهم {في الدرك ~~الأسفل من النار} ، [النساء، من الآية: 145] ، واليهود يقولونها وهم على ما ~~هم عليه من الشرك والكفر، فلم تنفعهم، وكذلك من ارتد عن الإسلام بإنكار شيء ~~من لوازمها وحقوقها، فإنها لا تنفعه، ولو قالها مائة ألف، فكذلك من يقولها ~~ممن يصرف أنواع العبادة لغير الله، كعباد القبور والأصنام، فلا تنفعهم ولا ~~يدخلون في الحديث الذي جاء في فضلها، وما أشبهه من الأحاديث. # وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: " وحده لا شريك له "، ~~تنبيها على أن الإنسان قد يقولها وهو مشرك، كاليهود والمنافقين وعباد ~~القبور، لما رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا قومه إلى قول: " لا إله ~~إلا الله "، ظنوا أنه إنما دعاهم إلى النطق بها فقط، وهذا جهل عظيم، وهو ~~عليه السلام إنما دعاهم إليها ليقولوها ويعملوا بمعناها، ويتركوا عبادة غير ~~الله، ولهذا ms045 قالوا: {أإنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون} 2. وقالوا: {أجعل ~~الآلهة إلها واحدا} 3. فلهذا أبوا عن النطق بها، وإلا فلو قالوها ~~PageV01P056 # وبقوا على عبادة اللات والعزى ومناة لم يكونوا مسلمين، ولقاتلهم عليه ~~السلام حتى يخلعوا الأنداد، ويتركوا عبادتها، ويعبدوا الله وحده لا شريك ~~له، وهذا أمر معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة والإجماع. # وأما عبادة القبور فلم يعرفوا معنى هذه الكلمة، ولا عرفوا الإلهية ~~المنفية عن غير الله الثابتة له وحده لا شريك له، بل لم يعرفوا من معناها ~~إلا ما أقر به المؤمن والكافر، اجتمع عليه الخلق كلهم من أن معناها: لا ~~قادر على الاختراع، أو أن معناها: الإله، هو الغني عما سواه، الفقير إليه ~~كل ما عداه، ونحو ذلك، فهذا حق، وهو من لوازم الإلهية، ولكن ليس هو المراد ~~بمعنى: " لا إله إلا الله "، فإن هذا القدر قد عرفه الكفار، وأقروا به، ولم ~~يدعوا في آلهتهم شيئا من ذلك، بل يقرون بفقرهم، وحاجتهم إلى الله، وإنما ~~كانوا يعبدونهم على معنى أنهم وسائط وشفعاء عند الله في تحصيل المطالب ~~ونجاح المآرب، وإلا فقد سلموا الخلق والملك والرزق والإحياء والإماتة، ~~والأمر كله لله وحده لا شريك له، وقد عرفوا معنى: " لا إله إلا الله "، ~~وأبوا على النطق والعمل بها، فلم ينفعهم توحيد الربوبية مع الشرك في ~~الإلهية، كما قال تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} 1.وعباد ~~القبور نطقوا بها وجهلوا معناها، وأبوا عن الإتيان به، فصاروا كاليهود ~~الذين يقولونها ولا يعرفون معناها، ولا يعملون به، فتجد أحدهم يقولها وهو ~~يأله غير الله بالحب والإجلال والتعظيم والخوف والرجاء والتوكل والدعاء عند ~~الكرب، ويقصده بأنواع العبادة الصادرة عن تأله قلبه لغير الله مما هو أعظم ~~مما يفعله المشركون الأولون، ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله تعالى ~~أعطاك ما شئت من الإيمان صادقا أو كاذبا، ولو قيل له: احلف بحياة الشيخ ~~فلان، أو بتربته ونحو ذلك، لم يحلف إن كان كاذبا، وما ذاك إلا لأن المدفون ~~في التراب أعظم في قلبه من رب ms046 الأرباب، وما كان الأولون هكذا، بل كانوا إذا ~~أرادوا التشديد في اليمين حلفوا بالله تعالى، كما في قصة PageV01P057 # القسامة التي وقعت في الجاهلية، وهي في "صحيح البخاري [3845] ". # وكثير منهم وأكثرهم يرى أن الاستغاثة بإلهه الذي يعبده عند قبره أو غيره ~~أنفع وأنجح من الاستغاثة بالله في المسجد، ويصرحون بذلك، والحكايات عنهم ~~بذلك فيها طول، وهذا أمر ما بلغ إليه شرك الأولين، وكلهم إذا أصابتهم ~~الشدائد أخلصوا للمدفونين في التراب، وهتفوا بأسمائهم، ودعوهم ليكشفوا ضر ~~المصاب في البر والبحر والسفر والإياب، وهذا أمر ما فعله الأولون، بل هم في ~~هذه الحال يخلصون ل {الكبير المتعال} ، فاقرأ قوله تعالى: {فإذا ركبوا في ~~الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ... } 1 الآية، وقوله: {ثم إذا مسكم الضر ~~فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} 2.وكثير ~~منهم قد عطلوا المساجد وعمروا القبور والمشاهد، فإذا قصد أحدهم القبر الذي ~~يعظمه، أخذ في دعاء صاحبه باكيا خاشعا ذليلا خاضعا، بحيث لا يحصل له ذلك في ~~الجمعة والجماعات وقيام الليل وإدبار الصلوات، فيسألونهم مغفرة الذنوب، ~~وتفريج الكروب والنجاة من النار، وأن يحطوا عنهم الأوزار، فكيف يظن عاقل ~~فضلا عن عالم أن التلفظ ب: " لا إله إلا الله " مع هذه الأمور تنفعهم؟! وهم ~~إنما قالوها بألسنتهم وخالفوها باعتقادهم وأعمالهم؟! ولا ريب أنه لو قالها ~~أحد من المشركين ونطق أيضا بشهادة أن محمدا رسول الله ولم يعرف معنى الإله ~~ولا معنى الرسول، وصلى وصام وحج، ولا يدري ما ذلك إلا أنه رأى الناس ~~يفعلونه فتابعهم ولم يفعل شيئا من الشرك، فإنه لا يشك أحد في عدم إسلامه. # وقد أفتى بذلك فقهاء المغرب كلهم في أول القرن الحادي عشر أو قبله في شخص ~~كان كذلك كما ذكره صاحب " الدر الثمين في شرح المرشد المعين [ميارة] " من ~~المالكية، ثم قال شارحه: وهذا الذي أفتوا به جلي في غاية الجلاء، لا يمكن ~~أن يختلف فيه اثنان انتهى. ولا ريب أن عباد القبور أشد من هذا؟ لأنهم ~~اعتقدوا الإلهية ms047 في أرباب متفرقين. PageV01P058 # فإن قيل: قد تبين معنى الإله والإلهية، فما الجواب عن قول من قال: بأن ~~معنى الإله القادر على الاختراع ونحو هذه العبارة؟ # قيل: الجواب من وجهين: # أحدهما: أن هذا قول مبتدع لا يعرف أحد قاله من العلماء ولا من أئمة ~~اللغة، وكلام العلماء وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم فيكون هذا ~~القول باطلا. # الثاني: على تقدير تسليمه، فهو تفسير باللازم للإله الحق، فإن اللازم له ~~أن يكون خالقا قادرا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك، فليس بإله حق وإن سمي ~~إلها، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع، فقد دخل في ~~الإسلام وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلام، فإن هذا لا يقوله أحد، ~~لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ~~ذلك فهو مخطئ يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية. # قوله: "وأن محمدا عبده ورسوله"، أي: وشهد بذلك، وهو معطوف على ما قبله، ~~فتكون الشهادة واقعة على هذه الجملة وما قبلها وما بعدها، فإن العامل في ~~المعطوف وما عطف عليه واحد، ومعنى " العبد" هنا يعني المملوك العابد، أي: ~~مملوك لله تعالى، وليس له من الربوبية والإلهية # شيء، إنما هو عبد مقرب عند الله ورسوله، أرسله الله كما قال تعالى: {وأنه ~~لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا قل إنما أدعو ربي ولا أشرك ~~به أحدا قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن ~~أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له ~~نار جهنم خالدين فيها أبدا} 1.قيل: وقدم العبد هنا على الرسول ترقيا من ~~الأدنى إلى الأعلى، وجمع بينهما لدفع الإفراط والتفريط الذي وقع في شأن ~~عيسى عليه السلام، وقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: " ~~لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ~~" 2 رواه البخاري عن عمر بن ms048 الخطاب. وذلك يتضمن تصديقه فيما PageV01P059 # أخبر، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، فلا يكون كامل الشهادة له ~~بالرسالة من ترك أمره وأطاع غيره، وارتكب نهيه. # [تفسير قوله تعالى وروح منه] . # قوله: " وإن عيسى عبد الله ورسوله"، وفي رواية "وابن أمته"، أي: خلافا ~~لما يعتقده النصارى أنه الله، أو ابن الله، تعالى الله عن ذلك {علوا كبيرا} ~~{ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا ~~بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالى عما ~~يشركون} 1 فيشهد بأنه عبد الله، أي: عابد مملوك لله، لا مالك، فليس له من ~~الربوبية ولا من الإلهية شيء. # ورسول صادق، خلافا لقول اليهود: إنه ولد بغي، بل يقال فيه ما قال عن نفسه ~~كما قال تعالى: {قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا وجعلني مباركا ~~أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا وبرا بوالدتي ولم يجعلني ~~جبارا شقيا والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ذلك عيسى ابن ~~مريم قول الحق الذي فيه يمترون} 2. # وقال تعالى: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} ~~3 قال القرطبي: ويستفاد منه ما يلقنه النصراني إذا أسلم. # قوله: " {وكلمته} "، إنما سمي عليه السلام كلمة الله، لصدوره بكلمة {كن} ~~بلا أب. # قاله قتادة وغيره من السلف. # قال الإمام أحمد فيما أملاه في الرد على الجهمية: الكلمة التي ألقاها إلى ~~مريم حين قال له: {كن} فكان عيسى ب {كن} ، وليس عيسى هو كن، ولكن ب: كن ~~كان، ف: كن من الله قول، وليس: كن، مخلوقا، وكذب النصارى والجهمية على الله ~~في أمر عيسى، وذلك أن الجهمية قالت: عيسى روح الله وكلمته، إلا أن الكلمة ~~مخلوقة. # وقالت النصارى، عيسى روح الله من ذات الله، وكلمة الله من ذات الله، كما ~~يقال: إن هذه الخرقة من هذا الثوب. # وقلنا نحن: إن عيسى بالكلمة كان، وليسى عيسى هو الكلمة. انتهى. يعني به ~~ما ms049 قال قتادة وغيره. PageV01P060 # قوله: " {ألقاها إلى مريم} ، [النساء، من الآية: 171] ، قال ابن كثير: ~~خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبرائيل عليه السلام إلى مريم، فنفخ فيها في ~~روحه بإذن ربه عز وجل، # فكان عيسى بإذن الله عز وجل، وصارت تلك النفخة التي نفخها في جيب درعها ~~فنزلت حتى ولجت فرجها، بمنزلة لقاح الأب الأم، والجميع مخلوق لله عز وجل. ~~ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، ~~وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له: كن، فكان، والروح التي أرسل بها ~~جبرائيل عليه السلام. # قوله: {وروح منه} قال أبي بن كعب: عيسى روح من الأرواح التي خلقها الله ~~عز وجل واستنطقها بقوله: {ألست بربكم قالوا بلى} 1، بعثه الله إلى مريم ~~فدخل من فيها. # رواه عبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في زوائد "المسند" [2124] وابن ~~جرير، وابن أبي حاتم وغيرهم. # وقال أبو روق [عطية بن الحارث] {وروح منه} ، أي: نفخة منه، إذ هي من ~~جبرائيل بأمره، وسمي روحا، لأنه حدث من نفخة جبرائيل عليه السلام. # وقال الإمام أحمد: {وروح منه} ، يقول: من أمره كان الروح فيه، كقوله: ~~{وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه} 2 يقول: من أمره. # وقال شيخ الإسلام: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه ولا ~~بغيره المخلوقات، وجب أن يكون صفة لله تعالى، قائمة به، وامتنع أن تكون ~~إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإن كان المضاف عينا قائمة بنفسها، كعيسى ~~وجبرائيل عليه السلام وأرواح بني آدم، امتنع أن يكون صفة لله تعالى، لأن ما ~~قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على ~~وجهين: # أحدهما: أن تكون تضاف إليه لكونه خلقها # وأبدعها، فهذا شامل لجميع المخلوقات، كقولهم: سماه الله، وأرض الله، ومن ~~هذا الباب، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله، وجميع البيوت ~~والنوق لله. PageV01P061 # الوجه الثاني: أن يضاف إليه لما خصه به من معنى يحبه ويأمر به ويرضاه كما ms050 ~~خص البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال عن مال الفيء ~~والخمس: هو مال الله ورسوله، ومن هذا الوجه فعباد الله هم الذين عبدوه ~~وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمن ألوهيته وشرعه ودينه، وتلك إضافة تتضمن ~~ربوبيته وخلقه. انتهى ملخصا. # والمقصود منه أن إضافة روح إلى الله هو من الوجه الثاني، والله أعلم. # قوله: "والجنة حق والنار حق" أي: وشهد أن الجنة التي أخبر بها الله في ~~كتابه أنه أعدها لمن آمن به وبرسوله حق، أي: ثابتة لا شك فيها، وشهد أن ~~النار التي أخبر الله في كتابه أنه أعدها للكافرين به وبرسله حق كذلك، كما ~~قال تعالى: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت ~~للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل ~~العظيم} 1. وقال تعالى: {فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت ~~للكافرين} 2.وفيهما دليل على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن، خلافا لأهل ~~البدع الذين قالوا: لا يخلقان إلا في يوم القيامة، وفيه دليل على المعاد ~~وحشر الأجساد. # قوله:"أدخله الله الجنة على ما كان، من العمل"، هذه الجملة جواب الشرط ~~وفي رواية: " أدخله الله الجنة من أي أبواب الجنة الثمانية " قال القاضي ~~عياض: وما ورد في حديث عبادة يكون خصوصا لمن قال ما ذكره صلى الله عليه ~~وسلم وقرن بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذي ورد في حديثه فيكون له ~~من الأجر ما يرجح على سيئاته، ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول ~~وهلة. # [فضل من قال لا إله إلا الله] # قال: ولهما من حديث عتبان: "فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا ~~الله يبتغي بذلك وجه الله". # قوله: ولهما، أي للبخاري [425] ن ومسلم [263] في "صحيحيهما". PageV01P062 # وهذا الحديث طرف من حديث طويل أخرجه الشيخان كما قال المصنف. # وعتبان - بكسر المهملة بعدها مثناة فوقية ثم موحدة - ابن مالك بن عمر بن ~~العجلان الأنصاري من بني سالم بن عوف صحابي شهير، مات في خلافة معاوية. # قوله: "فإن الله ms051 حرم على النار. الحديث". # اعلم أنه قد وردت أحاديث ظاهرها أنه من أتى بالشهادتين حرم على النار، ~~كهذا الحديث، وحديث أنس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ رديفه على ~~الرحل، فقال: "يا معاذ. قال: لبيك يا رسول الله وسعديك. قال. "ما من عبد ~~يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، إلا حرمه على النار." قال: يا ~~رسول الله ألا أخبر بها الناس فيستبشروا.؟ قال: "إذا يتكلوا" 1. فأخبر بها ~~معاذ عند موته تأثما. أخرجاه. # ولمسلم عن عبادة مرفوعا: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، حرم الله عليه النار." 2 # ووردت أحاديث فيها أن من أتى بالشهادتين دخل الجنة، وليس فيها أنه يحرم ~~على النار. # منها حديث عبادة الذي تقدم قبل هذا، وحديث أبي هريرة أنهم كانوا مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم: في غزوة تبوك ... الحديث. وفيه: فقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله ~~بهما عبد غير شاك فيحجب عن الجنة" 3 رواه مسلم. # وحديث أبي ذر في " الصحيحين " مرفوعا: "ما من عبد قال: لا إله إلا الله ~~ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة ... " 4.وأحسن ما قيل في معناه ما قاله شيخ ~~الإسلام وغيره: إن هذه الأحاديث إنما هي فيمن قالها ومات عليها كما جاءت ~~مقيدة، وقالها خالصا من قلبه مستيقنا بها قلبه، غير شاك فيها بصدق ويقين، ~~فإن PageV01P063 # حقيقة التوحيد انجذاب الروح إلى الله جملة، فمن شهد أن لا إله إلا الله ~~خالصا من قلبه، دخل الجنة، لأن الإخلاص هو انجذاب القلب إلى الله تعالى بأن ~~يتوب من الذنوب توبة نصوحا، فإذا مات على تلك الحال نال ذلك؛ فإنه قد ~~تواترت الأحاديث بأنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وكان في قلبه ~~من الخير ما يزن شعيرة، وما يزن خردلة، وما يزن ذرة، وتواترت بأن كثيرا ممن ~~يقول: لا إله إلا الله يدخل النار ms052 ثم يخرج منها، وتواترت بأن الله حرم على ~~النار أن تأكل أثر السجود من ابن آدم، فهؤلاء كانوا يصلون ويسجدون لله، ~~وتواترت بأنه يحرم على النار من قال: لا إله إلا الله، ومن شهد أن لا إله ~~إلا الله وأن محمد رسول الله، لكن جاءت مقيدة بالقيود الثقال، وأكثر من ~~يقولها لا يعرف الإخلاص ولا اليقين، ومن لا يعرف ذلك يخشى عليه أن يفتن ~~عنها عند الموت فيحال بينه وبينها، وأكثر من يقولها إنما يقولها تقليدا أو ~~عادة، ولم يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وغالب من يفتن عند الموت وفي القبور ~~أمثال هؤلاء كما في الحديث: - سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وغالب أعمال ~~هؤلاء إنما هو تقليد واقتداء بأمثالهم وهم أقرب الناس من قوله تعالى: {إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} 1. وحينئذ فلا منافاة بين ~~الأحاديث، فإنه إذا قالها بإخلاص ويقين تام، لم يكن في هذه الحال مصرا على ~~ذنب أصلا، فإنه كمال إخلاصه ويقينه يوجب أن يكون الله أحب إليه من كل شيء، ~~فإذا لا يبقى في قلبه إرادة لما حرم الله ولا كراهية لما أمر الله، وهذا هو ~~الذي يحرم من النار، وإن كانت له ذنوب قبل ذلك، فإن هذا الإيمان، وهذه ~~التوبة، وهذا الإخلاص، وهذه المحبة وهذا اليقين، لا يتركون له ذنبا إلا ~~يمحى كما يمحى الليل بالنهار، فإذا قالها على وجه الكمال المانع من الشرك ~~الأكبر والأصغر، فهذا غير مصر على ذنب أصلا، فيغفر له ويحرم على النار، وإن ~~قالها على وجه خلص به PageV01P064 # على الشرك الأكبر دون الأصغر، ولم يأت بعدها بما يناقض ذلك، فهذه الحسنة ~~لا يقاومها شيء من السيئات، فيرجح بها ميزان الحسنات، كما في حديث البطاقة، ~~فيحرم على النار ولكن تنقص درجته في الجنة بقدر ذنوبه، وهذا بخلاف من رجحت ~~سيئاته على حسناته ومات مصرا على ذلك، فإنه يستوجب النار، وإن قال: لا إله ~~إلا الله، وخلص بها من الشرك الأكبر، لكنه لم يمت على ذلك، بل أتى بعد ذلك ms053 ~~بسيئات رجحت على حسنة توحيده، فإنه في حال قولها كان مخلصا، لكنه أتى بذنوب ~~أوهنت ذلك التوحيد والإخلاص فأضعفته، وقويت نار الذنوب حتى أحرقت ذلك، ~~بخلاف المخلص المستيقن، فإن حسناته لا تكون إلا راجحة على سيئاته، ولا يكون ~~مصرا على سيئة، فإن مات على ذلك دخل الجنة، وإنما يخاف على المخلص أن يأتي ~~بسيئات راجحة يضعف إيمانه، فلا يقولها بإخلاص ويقين مانع من جميع السيئات، ~~ويخشى عليه من الشرك الأكبر والأصغر، فإن سلم من الأكبر بقي معه من الأصغر، ~~فيضيف إلى ذلك سيئات تنضم إلى هذا الشرك، فيرجح جانب السيئات، فإن السيئات ~~تضعف الإيمان واليقين، فيضعف بذلك قول: لا إله إلا الله، فيمتنع الإخلاص في ~~القلب، فيصير المتكلم بها كالهاذي أو النائم، أو من يحسن صوته بآية من ~~القرآن من غير ذوق طعم ولا حلاوة، فهؤلاء لم يقولوها بكمال الصدق واليقين، ~~بل يأتون بعدها بسيئات تنقص ذلك الصدق واليقين، بل يقولونها من غير يقين ~~وصدق، ويموتون على ذلك ولهم سيئات كثيرة تمنعهم من دخول الجنة، وإذا كثرت ~~الذنوب ثقل على اللسان قولها، وقسا القلب عن قولها، وكره العمل الصالح، ~~وثقل عليه سماع القرآن، واستبشر بذكر غيره، واطمأن إلى الباطل واستحلى ~~الرفث ومخالطة أهل الغفلة، وكره مخالطة أهل الحق، فمثل هذا إذا قالها قال ~~بلسانه ما ليس في قلبه، وبفيه ما لا يصدق عمله، كما قال الحسن: ليس الإيمان ~~بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في # PageV01P065 # القلوب وصدقته الأعمال، فمن قال خيرا وعمل خيرا قبل منه، ومن قال شرا ~~وعمل شرا لم يقبل منه. # وقال بكر بن عبد الله المزني: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ~~ولكن بشيء وقر في قلبه. فمن قال: لا إله إلا الله ولم يقم بموجبها، بل ~~اكتسب مع ذلك ذنوبا وسيئات، وكان صادقا في قولها موقنا بها، لكن ذنوبه ~~أضعاف أضعاف صدقه ويقينه، وانضاف إلى ذلك الشرك الأصغر العملي، رجحت هذه ~~الأشياء على هذه الحسنة، ومات مصرا على الذنوب، بخلاف من يقولها بيقين وصدق ms054 ~~تام، فإنه لا يموت مصرا على الذنوب، إما أن لا يكون مصرا على سيئة أصلا أو ~~يكون توحيده المتضمن لصدقه ويقينه رجح حسناته. # والذين يدخلون النار ممن يقولها قد فاتهم أحد هذين الشرطين: إما أنهم لم ~~يقولوها بالصدق واليقين التامين المنافيين للسيئات، أو لرجحان السيئات، أو ~~قالوها واكتسبوا بعد ذلك سيئات رجحت على حسناتهم، ثم ضعف لذلك صدقهم ~~ويقينهم، ثم لم يقولوها بعد ذلك بصدق ويقين تام، لأن الذنوب قد أضعفت ذلك ~~الصدق واليقين من قلوبهم، فقولها من مثل هؤلاء لا يقوى على محو السيئات بل ~~ترجح سيئاتهم على حسناتهم. انتهى ملخصا. # وقد ذكر معناه غيره كابن القيم، وابن رجب، والمنذري، والقاضي عياض، ~~وغيرهم. # وحاصله: أن لا إله إلا الله سبب لدخول الجنة، والنجاة من النار، ومقتض ~~لذلك، ولكن المقتضي لا يعمل عمله إلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه، فقد ~~يتخلف عنه مقتضاه لفوات شرط من شروطه، أو لوجود مانع. # ولهذا قيل للحسن إن ناسا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة، ~~فقال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة # وقال وهب بن منبه، لمن سأله: أليس لا إله إلا الله مفتاح الجنة؟ قال: ~~بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا ~~لم يفتح. # PageV01P066 # ويدل على ذلك أن الله رتب دخول الجنة على الإيمان والأعمال الصالحة، ~~وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم كما في "الصحيحين" عن أبي أيوب: "أن رجلا ~~قال: يا رسول الله أخبرني بعمل يدخلني الجنة. فقال: "تعبد الله ولا تشرك به ~~شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم" 1. وفي " المسند " عن بشر ~~بن [معبد] بن الخصاصية قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم لأبايعه، ~~فاشترط علي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم ~~الصلاة، وأن أوتي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهد ~~في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله، أما اثنتين، فوالله ما أطيقهما: الجهاد ms055 ~~والصدقة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم يده ثم حركها وقال: "فلا جهاد ~~ولا صدقة، فبم تدخل الجنة إذا؟! "قلت: يا رسول الله أبايعك عليهن كلهن" 2 ~~ففي الحديث: أن الجهاد والصدقة شرط في دخول الجنة مع حصول التوحيد، ~~والصلاة، والحج، والصيام. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. # وفي الحديث دليل على أنه لا يكفي في الإيمان النطق من غير اعتقاد، ~~وبالعكس. # وفيه تحريم النار على أهل التوحيد الكامل، وفيه أن العمل لا ينفع إلا إذا ~~كان خالصا لله تعالى. # [فضل لا إله إلا الله ورجحانها في الميزان] # قال: وعن أبي سعيد الخدري عن رسول صلى الله عليه وسلم قال: "قال موسى: ~~يارب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: ~~كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، ~~والأرضون السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا ~~الله" رواه ابن حبان، والحاكم وصححه. # أبو سعيد: اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري الخزرجي، صحابي ~~جليل، وأبوه أيضا كذلك، استصغر أبو سعيد بأحد، ثم شهد ما بعدها، مات ~~بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين. وقيل: أربع وسبعين. PageV01P067 # قوله: (أذكرك) . هو بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنا أذكرك. وقيل: بل هو ~~صفة، وأدعوك معطوف عليه، أي: أثني عليك وأحمدك به، وأدعوك، أي: أتوسل به ~~إليك إذا دعوتك. # قوله: "قل يا موسى: لا إله إلا الله". فيه أن الذاكر بها يقولها كلها، ~~ولا يقتصر على لفظ الجلالة كما يفعله جهال المتصوفة، ولا يقول أيضا: هو كما ~~يقوله غلاة جهالهم، فإذا أرادوا الدعاء قالوا: يا هو، فإن ذلك بدعة وضلالة. ~~وقد صنف جهالهم في المسألتين، وصنف ابن عربي كتابا سماه ب: "الهو". # قوله: "كل عبادك يقولون هذا"، هكذا ثبت في المصنف، يقولون بالجمع مراعاة ~~لمعنى كل، والذي في الأصول: (يقول) بالإفراد مراعاة للفظها دون معناها، لكن ~~قد روى الإمام أحمد عن عبد ms056 الله بن عمرو هذا الحديث بهذا اللفظ الذي ذكره ~~المصنف أطول منه. # وفي " سنن النسائي [10670] " و " الحاكم " و " شرح السنة [1273] " بعد ~~قوله: (كل عبدك يقولون هذا) وإنما أريد أن تخصني به"، أي: بذلك الشيء من ~~بين # عموم عبادك فإن من طبع الإنسان أن لا يفرح فرحا شديدا إلا بشيء يختص به ~~دون غيره، كما إذا كانت عنده جوهرة ليست موجودة عند غيره. مع أن من رحمة ~~الله وسنته المطردة أن ما اشتدت إليه الحاجة والضرورة، كان أكثر وجودا، ~~كالبر والملح، والماء ونحو ذلك دون الياقوت واللؤلؤ، ولما كان بالناس بل ~~بالعالم كله من الضرورة إلى لا إله إلا الله ما لا نهاية في الضرورة فوقه ~~كانت أكثر الأذكار وجودا، وأيسرها حصولا، وأعظمها معنى. والعوام والجهال ~~يعدلون عنها إلى الأسماء الغريبة، # PageV01P068 # والدعوات المبتدعة التي لا أصل لها في الكتاب والسنة كالأحزاب والأوراد ~~التي ابتدعها جهلة المتصوفة. # قوله: "وعامرهن غيري"، هو بالنصب عطف على السماوات، أي: لو أن السماوات ~~السبع ومن فيهم من العمار غير الله والأرضين السبع ومن فيهن وضعوا في كفة ~~الميزان، ولا إله إلا الله في الكفة الأخرى، مالت بهن لا إله إلا الله. # وروى الإمام أحمد [6580] عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن نوحا عليه السلام قال لابنه عند موته: " آمرك ب: " لا إله إلا ~~الله، فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو وضعت في كفة، ولا إله إلا الله ~~في كفة رجحت بهن لا إله إلا الله، ولو أن السماوات السبع والأرضين السبع كن ~~حلقة مبهمة قصمتهن لا إله إلا الله ". وفيه دليل على أن الله تعالى فوق ~~السماوات. # قوله: (في كفة) بكسر الكاف وتشديد الفاء من كفة الميزان. قال بعضهم: ~~ويطلق لكل مستدير. # قوله: "مالت بهن لا إله إلا الله"، أي: رجحت عليهن، وذلك لما اشتملت عليه ~~من توحيد الله الذي هو أفضل الأعمال، وأساس الملة، ورأس الدين، فمن قالها ~~بإخلاص ويقين، وعمل بمقتضاها ولوازمها، واستقام على ذلك، فهو من {ولا خوف ms057 ~~عليهم ولا هم يحزنون} ، [البقرة، من الآية: 62] ، كما قال تعالى: {إن الذين ~~قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} 1. # والحديث يدل على أن: " لا إله إلا الله " أفضل الذكر، كما في حديث عبد ~~الله بن عمرو مرفوعا: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير PageV01P069 # ما قلت أنا والنبيون من قبلي، لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله ~~الحمد وهو على كل شيء قدير" 1. رواه أحمد والترمذي. وعنه أيضا مرفوعا: ~~"يصاح برجل من أمتي على رءوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون ~~سجلا، كل سجل منها مد البصر، ثم يقال: أتنكر من هذا شيئا؟ فيقول: لا يا رب، ~~فيقال: ألك عذر أو حسنة، فيهاب الرجل فيقول: لا، فيقال: بلى إن لك عندنا ~~حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه ~~السجلات؟! فيقال: إنك لا تظلم، فتوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، ~~فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة". رواه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن # حبان والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم. # وقال الذهبي في "تلخيصه": صحيح. قال ابن القيم: فالأعمال لا تتفاضل ~~بصورها وعددها، وإنما تتفاضل بتفاضل ما في القلوب، فتكون صورة العمل واحدة، ~~وبينهما من التفاضل كما بين السماء والأرض. # قال: تأمل حديث البطاقة التي توضع في كفة، ويقابلها تسعة وتسعون سجلا، كل ~~سجل منها مد البصر، فتثقل البطاقة، وتطيش السجلات، فلا يعذب. ومعلوم أن كل ~~موحد له هذه البطاقة، وكثير منهم يدخل النار بذنوبه. وعن أبي هريرة مرفوعا: ~~"ما قال عبد لا إله إلا الله مخلصا قط إلا فتحت له أبواب السماء حتى تفضي ~~إلى العرش ما اجتنب الكبائر" 2 رواه الترمذي وحسنه والنسائي، والحاكم وقال: ~~على شرط مسلم. ms058 # قوله: (رواه ابن حبان، والحاكم) . (ابن حبان) : اسمه محمد بن حبان -بكسر ~~المهملة وتشديد الموحدة- بن أحمد بن حبان أبو حاتم التميمي البستي الحافظ ~~صاحب التصانيف ك " الصحيح " PageV01P070 # و " التاريخ " و " الضعفاء " و " الثقات " وغير ذلك. قال الحاكم: كان من ~~أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، مات سنة ~~أربع وخمسين وثلاثمائة بمدينة بست بالمهملة. # وأما الحاكم، فاسمه محمد بن عبد الله بن محمد الضبي النيسابوري أبو عبد ~~الله الحافظ، ويعرف بابن البيع. ولد سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، وصنف ~~التصانيف ك " المستدرك " و " تاريخ نيسابور " وغيرهما، مات سنة خمس ~~وأربعمائة. # [بيان سعة مغفرة الله تعالى] # قال: وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~قال الله تعالى: يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك ~~بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة " 1. # الترمذي، اسمه: محمد بن عيسى بن سورة - بفتح المهملة - ابن موسى ابن ~~الضحاك السلمي أبو عيسى صاحب " الجامع " وأحد الأئمة الحفاظ، كان ضرير ~~البصر. روى عن قتيبة وهناد والبخاري وخلق، ومات سنة تسع وسبعين ومائتين. # وأنس هو: ابن مالك بن النضر الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خدمه عشر سنين، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللهم ~~أكثر ماله وولده وأدخله الجنة " 2 ومات سنة اثنتين وقيل: ثلاث وتسعين. وقد ~~جاوز المائة. # والحديث قطعة من حديث رواه الترمذي من طريق كثير بن فائد: حدثنا سعيد بن ~~عبيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدثنا أنس بن مالك قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " قال الله تعالى يا ابن آدم إنك ما دعوتني ~~ورجوتني إلا غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك ~~عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك، يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض ### | .... # " 3 الحديث. PageV01P071 # قال ابن رجب: وإسناده لا بأس به. # وسعيد بن عبيد: هو الهنائي: ذكره ابن حبان في " الثقات " وقال ms059 الدارقطني: ~~تفرد به كثير بن فائد عن سعيد بن عبيد مرفوعا. # قال ابن رجب: وتابعه على رفعه أبو سعيد مولى بني هاشم، فرواه عن سعيد بن ~~عبيد مرفوعا، وقد رواه الإمام أحمد من حديث أبي ذر بمعناه، وأخرجه الطبراني ~~من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى مسلم من حديث أبي ذر ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يقول الله: من تقرب مني شبرا تقربت منه ~~ذراعا" 1 الحديث. وفيه: "ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة، لا يشرك بي شيئا ~~لقيته بقرابها مغفرة" 2. # قوله: " لو أتيتني بقراب الأرض ". قراب الأرض، بضم القاف، وقيل بكسرها، ~~والضم أشهر، وهو ملؤها أو ما يقارب ملءها. # قوله: " ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا ". شرط ثقيل في الوعد بحصول المغفرة، ~~وهو السلامة من الشرك كثيره وقليله، صغيره وكبيره، ولا يسلم من ذلك إلا من ~~سلمه الله، وذلك هو القلب السليم. كما قال تعالى: {يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} 3. # قال ابن رجب: من جاء مع التوحيد بقراب الأرض خطايا لقيه الله بقرابها ~~مغفرة، لكن هذا مع مشيئة الله عز وجل فإن شاء غفر له، وإن شاء أخذه بذنوبه، ~~ثم كان عاقبته أن لا يخلد في النار، بل يخرج منها ثم يدخل الجنة، فإن كمل ~~توحيد العبد وإخلاصه لله تعالى فيه، وقام بشروطه بقلبه ولسانه وجوارحه، أو ~~بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرة ما سلف من الذنوب كلها ومنعه من ~~دخول النار بالكلية، فمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه، أخرجت منه كل ما سوى ~~الله محبة وتعظيما وإجلالا ومهابة وخشية وتوكلا، وحينئذ تحرق ذنوبه وخطاياه ~~كلها ولو كانت مثل زبد البحر، وربما قلبتها حسنات، فإن PageV01P072 # هذا التوحيد هو الإكسير الأعظم، فلو وضع منه ذرة على جبال الذنوب ~~والخطايا لقلبها حسنات. # وقال شيخ الإسلام: الشرك نوعان: أكبر، وأصغر، فمن خلص منهما # وجبت له الجنة، ومن مات على الأكبر، وجبت له النار، ومن خلص من الأكبر، ~~وحصل له بعض ms060 الأصغر مع حسنات راجحة على ذنوبه، دخل الجنة، فإن تلك الحسنات ~~توحيد كثير مع يسير من الشرك الأصغر، ومن خلص من الأكبر، ولكن كثر الأصغر ~~حتى رجحت به سيئاته دخل النار، فالشرك يؤاخذ به العبد إذا كان أكبر أو كان ~~كثيرا أصغر، والأصغر القليل في جانب الإخلاص الكثير لا يؤاخذ به. # وفي هذه الأحاديث: 1-كثرة ثواب التوحيد. 2-وسعة كرم الله، وجوده ورحمته، ~~حيث وعد عباده أن العبد لو أتاه بملء الأرض خطايا وقد مات على التوحيد فإنه ~~يقابله بالمغفرة الواسعة التي تسع ذنوبه. 3-والرد على الخوارج الذين يكفرون ~~المسلم بالذنوب، وعلى المعتزلة الذين يقولون بالمنزلة بين المنزلتين وهي ~~منزلة الفاسق، فيقولون: ليس بمؤمن ولا كافر ويخلد في النار والصواب في ذلك ~~قول أهل السنة أنه لا يسلب عنه اسم الإيمان على الإطلاق، ولا يعطاه على ~~الإطلاق، بل يقال: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن عاص أو مؤمن بإيمانه، ~~فاسق بكبيرته. وعلى هذا يدل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة. # وقال المصنف: 1-تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة، فإنك إذا جمعت بينه ~~وبين حديث عتبان تبين لك معنى قول لا إله إلا الله، وتبين لك خطأ ~~المغرورين.2- وفيه أن الأنبياء يحتاجون للتنبيه على معنى قول لا إله إلا ~~الله. 3- وفيه التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات مع أن كثيرا ممن يقولها ~~يخف ميزانه. 4-وفيه أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان: "إن ~~الله حرم # PageV01P073 # على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله" 1. إذا ترك ~~الشرك، ليس قولها باللسان. انتهى ملخصا. PageV01P074 # [م3- ### | باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب # أي: ولا عذاب. وتحقيق التوحيد: هو معرفته، والاطلاع على حقيقته، والقيام ~~بها علما وعملا، وحقيقة ذلك هو انجذاب الروح إلى الله محبة وخوفا، وإنابة ~~وتوكلا، ودعاء وإخلاصا وإجلالا وهيبة، وتعظيما وعبادة. وبالجملة فلا يكون ~~في قلبه شيء لغير الله، ولا إرادة لما حرم الله، ولا كراهة لما أمر الله؟ ~~وذلك هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله هو ms061 المألوه المعبود. # وما أحسن ما قال ابن القيم: # فلواحد كن واحدا في واحد ... أعني سبيل الحق والإيمان # وذلك هو حقيقة الشهادتين، فمن قام بهما على هذا الوجه فهو من السبعين ~~ألفا الذين يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. # قوله: وقال تعالى: {إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من ~~المشركين} 1. مناسبة الآية للترجمة من جهة أن الله تعالى وصف إبراهيم عليه ~~السلام في هذه الآية بهذه الصفات الجليلة التي هي أعلى درجات تحقيق ~~التوحيد، ترغيبا في اتباعه في التوحيد، وتحقيق العبودية فاتباع الأوامر، ~~وترك النواهي، فمن اتبعه في ذلك، فإنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب كما ~~يدخلها إبراهيم عليه السلام. # الأولى: أنه {كان أمة} ، أي: قدوة وإماما معلما للخير، وإماما يقتدى به. ~~روي معناه عن ابن مسعود. وما كان كذلك إلا لتكميله مقام الصبر واليقين ~~اللذين بهما تنال الإمامة في الدين. PageV01P074 # كما قال تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا ~~يوقنون} 1. # الثانية: أنه كان {قانتا لله} ، أي: خاشعا مطيعا، دائما على عبادته ~~وطاعته كما قال شيخ الإسلام: القنوت في اللغة: دوام الطاعة. والمصلي إذا ~~طال قيامه أو ركوعه أو سجوده، فهو قانت في ذلك كله. قال تعالى: {أمن هو ~~قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه} 2 فجعله قانتا ~~في حال السجود والقيام. انتهى. # فوصفه في هاتين الصفتين بتحقيق العبودية في نفسه أولا علما وعملا. ~~وثانيا: دعوة وتعليما واقتداء به، وما كان يقتدى به إلا لعمله به في نفسه، ~~ووصفه في الثانية بالاستقامة على ذلك كما قال تعالى: {ومن أحسن قولا ممن ~~دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} 3. فتضمنت العلم والعمل ~~والاستقامة والدعوة. # الدعوة الثالثة: أنه كان حنيفا، والحنف الميل، أي: مائلا منحرفا قصدا عن ~~الشرك كما قال تعالى حكاية عنه: {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا ~~وما أنا من المشركين} 4 وقال تعالى: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي ~~فطر الناس عليها لا تبديل لخلق ms062 الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون} 5. # الرابعة: أنه ما كان من المشركين. أي: هو موحد خالص من شوائب الشرك ~~مطلقا، فنفى عنه الشرك على أبلغ وجوه النفي، بحيث لا ينسب إليه شرك وإن قل ~~، تكذيبا لكفار قريش في زعمهم أنهم على ملة إبراهيم عليه السلام. # وقال المصنف في الكلام على هذه الآية: {إن إبراهيم كان أمة} 6، لئلا ~~يستوحش سالك الطريق من قلة السالكين. {قانتا لله} 7، لا للملوك ولا للتجار ~~المترفين {حنيفا} لا يميل يمينا ولا شمالا كفعل العلماء المفتونين {ولم يك ~~من المشركين} 8 خلافا لمن كثر سوادهم وزعم أنه من المسلمين. قلت: وهو من ~~PageV01P075 # أحسن ما قيل في تفسير هذه الآية، لكنه ينبه بالأدنى على الأعلى. # وقوله: لئلا يستوحش. تنبيه على بعض معنى الآية، وهو المنفرد وحده في ~~الخير. وقد روى يابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: {إن إبراهيم كان أمة ~~قانتا} 1، كان على الإسلام ولم يكن في زمانه من قومه أحد على الإسلام غيره، ~~فلذلك قال الله: {كان أمة قانتا} 2، ولا تنافي بينه وبين كلام ابن مسعود ~~المتقدم. # قوله: وقال: {والذين هم بربهم لا يشركون} 3، مناسبة الآية للترجمة من جهة ~~أن الله تعالى وصف المؤمنين السابقين إلى الجنات بصفات، أعظمها الثناء ~~عليهم بأنهم {بربهم لا يشركون} ، أي: شيئا من الشرك في وقت من الأوقات فإن ~~الإيمان النافع مطلقا لا يوجد إلا بترك الشرك مطلقا. ولما كان المؤمن قد ~~يعرض له ما يقدح في إيمانه من شرك جلي أو خفي، نفى عنهم ذلك، ومن كان كذلك ~~فقد بلغ من تحقيق التوحيد النهاية، وفاز بأعظم التجارة، ودخل الجنة بلا ~~حساب ولا عذاب. # قال ابن كثير: {والذين هم بربهم لا يشركون} 4، أي: لا يعبدون معه غيره، ~~بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحد صمد، لم يتخذ {صاحبة ولا ولدا} ~~وأنه لا نظير له. # [صفات المتوكلين الذين يدخلون الجنة بغير حساب] # قال عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم ms063 رأى ~~الكوكب الذي انقض البارحة؟ فقلت: أنا. ثم، قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ~~ولكني لدغت قال: فما صنعت؟ قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قلت: حديث ~~حدثناه الشعبي. قال: وما حدثكم الشعبي؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه ~~قال: " لا رقية إلا من عين أو حمة "5.فقال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ~~ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عرضت علي الأمم ~~فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل PageV01P076 # والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي، ~~فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، فقيل لي: هذه أمتك ومعهم ~~سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس ~~في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~وقال بعضهم: فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا فخرج ~~عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه. فقال: هم الذين لا يسترقون ~~ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: يا ~~رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ~~ادع الله أن يجعلني منهم، فقال. سبقك بها عكاشة ". # ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري مختصرا ~~ومطولا. ومسلم واللفظ له، والترمذي، والنسائي. # قوله: (عن حصين بن عبد الرحمن) ، هو: السلمي أبو الهذيل الكوفي ثقة، تغير ~~حفظه في الآخر، مات سنة ست وثلاثين ومائه، وله ثلاث وتسعون سنة. وسعيد بن ~~جبير هو الإمام الفقيه من جلة أصحاب ابن عباس، روايته عن عائشة، وأبي موسى ~~مرسلة، وهو كوفي مولى لبني أسد، قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين، ولم ~~يكمل الخمسين. # قوله: (انقض) هو بالقاف والضاد المعجمة، أي: سقط. والبارحة هي أقرب ليلة ~~مضت. قال أبو العباس ثعلب: يقال قبل الزوال: رأيت الليلة، وبعد الزوال: ~~رأيت البارحة، وهكذا قال غيره، وهي ms064 مشتقة من برح: إذا زال. # قوله: (أما إني لم أكن في صلاة) . القائل هو حصين، خاف أن يظن الحاضرون ~~أنه ما رأى النجم إلا لأنه يصلي، فأراد أن ينفي عن نفسه إيهام العبادة، ~~وأنه يصلي مع أنه لم يكن فعل ذلك، وهذا يدل # PageV01P077 # على فضل السلف الصالح وحرصهم على الإخلاص، وشدة ابتعادهم عن الرياء بخلاف ~~من يقول: فعلت وفعلت ليوهم الأغمار أنه من الأولياء، وربما علق السبحة في ~~عنقه، أو أخذها في يده يمشي بها بين الناس إعلاما للناس أنه يسبح عدد ما ~~فيها من الخرز. # وقد قال الإمام محمد بن وضاح: حدثنا أسد عن جرير بن حازم عن الصلت بن ~~بهرام قال: مر ابن مسعود بامرأة [معها تسبيح] تسبح به فقطعه وألقاها، ثم مر ~~برجل يسبح بحصى فضربه برجله ثم قال: لقد جئتم ببدعة ظلما، أو: لقد غلبتم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم علما؟!. # قوله: (ولكني لدغت) . هو بضم أوله وكسر ثانيه مبني لما لم يسم فاعله، أي: ~~لدغته عقرب أو نحوها. # قوله: (قلت: ارتقيت) ، لفظ مسلم: استرقيت، أي: طلبت من يرقيني # قوله: (فما حمله على ذلك؟) ، فيه طلب الحجة على صحة المذهب. # قوله: (حديث حدثناه الشعبي) ، أي: حملني عليه حديث حدثناه الشعبي، واسمه ~~عامر بن شرحبيل الهمداني - بسكون الميم - الشعبي، ولد في خلافة عمر وهو من ~~ثقات التابعين وحفاظهم وفقهائهم، مات سنة ثلاثة ومائة. # قوله: (عن بريدة) - بضم أوله وفتح ثانيه - تصغير بردة - بن الحصيب - بضم ~~الحاء وفتح الصاد المهملتين - ابن عبد الله بن الحارث الأسلمي، صحابي شهير. ~~مات سنة ثلاث وستين. قاله ابن سعد. # قوله: " لا رقية إلا من عين أو حمة "1. هكذا روي هنا موقوفا، وقد رواه ~~أحمد وابن ماجة عنه مرفوعا، ورواه أحمد وأبو داود والترمذي عن عمران بن ~~حصين به مرفوعا. قال الهيثمي: رجال أحمد ثقات. PageV01P078 # والعين: هي إصابة العائن غيره بعينه، والحمة - بضم المهملة وتخفيف الميم ~~- سم العقرب وشبهها. # قال الخطابي: ومعنى الحديث: "لا رقية أشفى أو أولى من رقية العين والحمة" ms065 ~~وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم ورقي ". قلت: وسيأتي ما يتعلق بالرقى إن ~~شاء الله تعالى. # قوله: (قد أحسن من انتهى إلى ما سمع) ، أي: من أخذ بما بلغه من العلم ~~وعمل به فقد أحسن، لأنه أدى ما وجب وعمل بما بلغه من العلم، بخلاف من يعمل ~~بجهل أو لا يعمل بما يعلم فإنه مسيء آثم # وفيه فضيلة علم السلف وحسن أدبهم وهديهم وتلطفهم في تبليغ العلم، ~~وإرشادهم من أخذ بشيء - إن كان مشروعا - إلى ما هو أفضل منه، وأن من عمل ~~بما بلغه عن الله وعن رسوله فقد أحسن، ولا يتوقف العمل به على معرفة كلام ~~أهل المذاهب أو غيرهم. # قوله: (ولكن حدثنا ابن عباس) . هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ~~الهاشمي ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم دعا له النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" 1. فكان كذلك. قال عمر: "لو ~~أدرك ابن عباس أسناننا ما عشره منا أحد"، أي: ما بلغ عشره في العلم، مات ~~بالطائف سنة ثمان وستين. # قال المصنف: فيه عمق علم السلف، لقوله: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، ~~ولكن ... كذا وكذا، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني. # قوله: (عرضت على الأمم) . وفي رواية الترمذي والنسائي من رواية عبثر بن ~~القاسم، عن حصين بن عبد الرحمن أن ذلك كان ليلة الإسراء ولفظه: لما أسري ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم جعل يمر بالنبي ومعه الواحد. # قال الحافظ: فإن كان ذلك محفوظا، كانت فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد ~~PageV01P079 # الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضا غير الذي وقع بمكة، كذا قال، وليس ~~بظاهر، بل قد يكون رأى ذلك ليلة الإسراء ولم يحدث به إلا في المدينة. وليس ~~في الحديث ما يدل على أنه حدث به قريبا من العرض عليه. # قوله: (فرأيت النبي ومعه الرهط) : هو الجماعة دون العشرة، قاله النووي. # قوله: (والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد) . فيه أن ~~الأنبياء متفاوتون في عدد أتباعهم، ms066 وأن بعضهم لا يتبعه أحد، وفيه الرد على ~~من احتج بالأكثر، وزعم أن الحق محصور فيهم، وليس كذلك، بل الواجب اتباع ~~الكتاب والسنة مع من كان وأين كان. # قوله: (إذ رفع لي سواد عظيم) . السواد: ضد البياض، والمراد هنا: الشخص ~~الذي يرى من بعيد، أي: رفع لي أشخاص كثيرة. # قوله: فظننت أنهم أمتي. استشكل الإسماعيلي كونه صلى الله عليه وسلم لم ~~يعرف أمته حتى ظن أنهم أمة موسى عليه السلام ; وقد ثبت حديث أبي هريرة: ~~"كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ فقال: إنهم غر محجلون من أثر الوضوء" 1. # وأجاب بأن الأشخاص التي رآها في الأفق لا يدرك منها إلا الكثرة من غير ~~تمييز لأعيانهم. وأما ما في حديث أبي هريرة فمحمول على ما إذا قربوا منه، ~~ذكره الحافظ. # قوله: (فقيل لي: هذا موسى وقومه) ، أي: موسى بن عمران، كليم الرحمن، ~~وقومه: الذين اتبعوه وفيه فضيلة موسى وقومه. # قوله: (فنظرت فإذا سواد عظيم) . لفظ مسلم بعد قوله: هذا موسى وقومه ، ~~ولكن انظر إلى الأفق فنظرت، فإذا سواد عظيم، فقيل لي: انظر إلى الأفق ~~الآخر، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي: هذه أمتك. # قوله: (ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب) ، أي: لتحقيقهم ~~التوحيد. PageV01P080 # قال الحافظ: المراد بالمعية المعنوية، فإن السبعين ألفا المذكورين من ~~جملة أمته، لكن لم يكونوا في الذين عرضوا إذ ذاك، فأريد الزيادة في تكثير ~~أمته بإضافة السبعين ألفا إليهم. قلت: وما قاله ليس بظاهر # فإن في رواية ابن فضيل: "ويدخل الجنة من هؤلاء من أمتك سبعون ألفا". وقد ~~ورد في حديث أبي هريرة في " الصحيحين " وصف السبعين ألفا بأنهم تضيء وجوهم ~~إضاءة القمر ليلة البدر. # وفيهما عنه مرفوعا: " أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر، والذين على ~~آثارهم كأحسن كوكب دري في السماء إضاءة " 1. وجاء في أحاديث أخر أن مع ~~السبعين ألفا زيادة عليهم، فروى أحمد والبيهقي في البعث حديث أبي هريرة في ~~السبعين ألفا فذكره وزاد. قال: " فاستزدت ربي فزادني مع كل ألف سبعين ms067 ألفا ~~" 2. قال الحافظ: وسنده جيد. # وفي الباب عن أبي أيوب عند الطبراني، وعن حذيفة عند أحمد، وعن أنس عند ~~البزار، وعن ثوبان عند [ابن] أبي عاصم قال: فهذه طرق يقوي بعضها بعضا. قال: ~~وجاء في أحاديث أخر أكثر من ذلك، فأخرج الترمذي وحسنه، والطبراني وابن حبان ~~في "صحيحه " من حديث أبي أمامة رفعه " وعدني ربي أن يدخل الجنة من أمتي ~~سبعين ألفا مع كل ألف سبعين كذا ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب، وثلاث حثيات ~~من حثيات ربي " 3. # وروى أحمد وأبو يعلى من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أعطيت سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب، ~~وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي عز وجل ~~فزادني مع كل واحد سبعين ألفا " 4.قال الحافظ: وفي سنده راويان: أحدهما: ~~ضعيف الحفظ والآخر لم يسم) . # قلت: وفيه أن كل أمة تحشر مع نبيها. # قوله: (ثم نهض) ، أي: قام. PageV01P081 # قوله: (فخاض الناس في أولئك) . قال النووي هو بالخاء والضاد المعجمتين، ~~أي: تكلموا وتناظروا. # قال: وفي هذا إباحة المناظرة في العلم والمباحثة في نصوص الشرع على جهة ~~الاستفادة وإظهار الحق. # وفيه عمق علم السلف لمعرفتهم أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل، وفيه حرصهم ~~على الخير; ذكره المصنف. # قوله: فقال " هم الذين لا يسترقون ". هكذا ثبت في "الصحيحين" وفي رواية ~~مسلم التي ساقها المصنف هنا زيادة: "ولا يرقون"، وكأن المصنف اختصرها ~~كغيرها لما قيل: إنها معلولة. # قال شيخ الإسلام: هذه الزيادة وهم من الراوي، لم يقل النبي صلى الله عليه ~~وسلم: لا يرقون، لأن الراقي محسن إلى أخيه. وقد قال صلى الله عليه وسلم وقد ~~سئل عن الرقى قال: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه" 1 وقال: "لا بأس ~~بالرقى ما لم تكن شركا" 2. قال: وأيضا فقد "رقى جبريل النبي صلى الله عليه ~~وسلم "، "ورقى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه" 3. # قال: والفرق بين الراقي والمسترقي في أن المسترقي سائل مستعط ملتفت ms068 إلى ~~غير الله بقلبه، والراقي محسن. قال: وإنما المراد وصف السبعين ألفا بتمام ~~التوكل فلا يسألون غيرهم أن يرقيهم ولا يكويهم ولا يتطيرون. وكذا قال ابن ~~القيم; ولكن اعترضه بعضهم بأن قال: تغليط الراوي مع إمكان تصحيح الزيادة لا ~~يصار إليه. # والمعنى الذي حمله على التغليط موجود في المرقى، لأنه اعتل بأن الذي لا ~~يطلب من غيره أن يرقيه تام التوكل، فكذا يقال: والذي يفعل به غيره ذلك ~~ينبغي أن لا يمكنه منه لأجل تمام التوكل، وليس في وقوع ذلك من جبريل عليه ~~السلام دلالة على المدعى، ولا في فعل النبي صلى الله عليه وسلم له أيضا ~~دلالة؛ لأنه في مقام التشريع، وتبيين الأحكام كذا قال هذا القائل وهو خطأ ~~من وجوه: # الأول: أن هذه الزيادة لا يمكن تصحيحها إلا بحملها على وجوه لا يصح حملها ~~عليها كقول بعضهم: المراد لا يرقون بما كان شركا أو PageV01P082 # احتمله فإنه ليس في الحديث ما يدل على هذا أصلا. وأيضا فعلى هذا لا يكون ~~للسبعين مزية على غيره; فإن جملة المؤمنين لا يرقون بما كان شركا. # الثاني: قوله: (فكذا يقال ... ) إلخ لا يصح هذا القياس، فإنه من أفسد ~~القياس وكيف يقاس من سأل وطلب على من لم يسأل؟! مع أنه قياس مع وجود الفارق ~~الشرعي، فهو فاسد الاعتبار، لأنه تسوية بين ما فرق الشارع بينهما بقوله: ~~"من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل" 1. رواه أحمد والترمذي وصححه وابن ~~ماجة، وصححه ابن حبان والحاكم أيضا. وكيف يجعل ترك الإحسان إلى الخلق سببا ~~للسبق إلى الجنان؟! وهذا بخلاف من رقى أو رقي من غير سؤال، فقد رقى جبريل ~~النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يجوز أن يقال: إنه عليه السلام لم يكن ~~متوكلا في تلك الحال. # الثالث: قوله: (ليس في وقوع ذلك من جبريل عليه السلام ... ) إلخ، كلام ~~غير صحيح بل هما سيدا المتوكلين، فإذا وقع ذلك منهما، دل على أنه لا ينافي ~~التوكل فاعلم ذلك. # قوله: "ولا يكتوون"، أي: لا يسألون غيرهم أن ms069 يكويهم، كما لا يسألون غيرهم ~~أن يرقيهم استسلاما للقضاء وتلذذا بالبلاء. # أما الكي في نفسه، فجائز كما في " الصحيح " عن جابر بن عبد الله: "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلي أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه" ~~2. وفي " صحيح البخاري " عن أنس: "أنه كوي من ذات الجنب والنبي صلى الله ~~عليه وسلم حي" 3. # وروى الترمذي وغيره عن أنس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كوى أسعد بن ~~زرارة من الشوكة" 4. وفي " صحيح البخاري "عن ابن عباس مرفوعا: "الشفاء في ~~ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار. وأنا أنهى عن الكي" 5. وفي لفظ: ~~"وما أحب أن أكتوي" 6. PageV01P083 # قال ابن القيم: فقد تضمنت أحاديث الكي أربعة أنواع. أحدها: فعله، ~~والثاني: عدم محبته له. والثالث: الثناء على من تركه. والرابع: النهي عنه. ~~ولا تعارض بينها بحمد الله، فإن فعله له يدل على جوازه، وعدم محبته له لا ~~يدل على المنع منه. وأما الثناء على تاركيه، فيدل على أن تركه أولى وأفضل، ~~وأما النهي عنه، فعلى سبيل الاختيار والكراهية. # قوله: "ولا يتطيرون"، أي: لا يتشاءمون بالطيور ونحوها، وسيأتي بيان ~~الطيرة وما يتعلق بها في بابها إن شاء الله تعالى. # قوله: "وعلى ربهم يتوكلون"1. ذكر الأصل الجامع الذي تفرعت عنه هذه ~~الأفعال وهو التوكل على الله، وصدق الالتجاء إليه، والاعتماد بالقلب عليه ~~الذي هو خلاصة التفريد، ونهاية تحقيق التوحيد الذي يثمر كل مقام شريف من ~~المحبة والخوف والرجاء، والرضى به ربا وإلها، والرضى بقضائه، بل ربما أوصل ~~العبد إلى التلذذ بالبلاء، وعده من النعماء، فسبحان من يتفضل على من يشاء ~~بما يشاء، {والله ذو الفضل العظيم} ، [البقرة، من الآية: 105] . # واعلم أن الحديث لا يدل على أنهم لا يباشرون الأسباب أصلا كما يظنه ~~الجهلة، فإن مباشرة الأسباب في الجملة أمر فطري ضروري لا انفكاك لأحد عنه ~~حتى الحيوان البهيم، بل نفس التوكل مباشرة لأعظم الأسباب كما قال تعالى: ~~{ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 2، أي: كافيه إنما المراد أنهم يتركون ~~الأمور المكروهة مع ms070 حاجتهم إليها توكلا على الله، كالاسترقاء والاكتواء ~~فتركهم له ليس لكونه سببا لكن لكونه سببا مكروها، لاسيما والمريض يتشبث بما ~~يظنه سببا لشفائه بخيط العنكبوت أما نفس مباشرة الأسباب، والتداوي على وجه ~~لا كراهية فيه، فغير قادح في التوكل، فلا يكون تركه مشروعا؟ في " الصحيحين ~~" PageV01P084 # عن أبي هريرة مرفوعا: "ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء" 1. # وعن أسامة بن شريك قال: "كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت ~~الأعراب، فقالوا يا رسول الله! أنتداوى؟ فقال: نعم يا عباد الله تداووا، ~~فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء، غير داء واحد قالوا: ما هو؟ ~~قال: الهرم" 2. رواه أحمد. # قال ابن القيم: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال ~~قول من أنكرها والأمر بالتداوي، وأنه لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع ~~داء الجوع والعطشى والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا ~~بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدرا وشرعا، وأن ~~تعطيلها يقدح بمباشرته في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه ~~من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى من التوكل، فإن تركها عجز ينافي التوكل ~~الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ~~ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، ~~وإلا كان معطلا للأمر والحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا ولا توكله ~~عجزا. # وقد اختلف العلماء في التداوي، هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب أو واجب؟ ~~فالمشهور عن أحمد الأول لهذا الحديث وما في معناه، # ولكن على ما تقدم لا يتم الاستدلال به على ذلك، والمشهور عند الشافعي ~~الثاني، حتى ذكر النووي في " شرح مسلم " أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف ~~وعامة الخلف. واختاره الوزير أبو المظفر. # قال: ومذهب أبو حنيفة أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب قال: ومذهب مالك أنه ~~يستوي فعله وتركه فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه. # وقال شيخ الإسلام: ms071 ليس بواجب عند جماهير الأئمة، إنما أوجبه طائفة قليلة ~~من أصحاب الشافعي وأحمد. # قوله: (فقام إليه عكاشة بن محصن) . بضم العين وتشديد الكاف PageV01P085 # ويجوز تخفيفها. ومحصن بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الصاد المهملتين - ابن ~~حرثان- بضم المهملة وسكون الراء وبعدها مثلثة- الأسدي من بني أسد بن خزيمة ~~ومنه خلفاء بني أمية، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال - هاجر ~~وشهد بدرا وقاتل فيها. قال ابن إسحاق: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال:- "خير فارس في العرب عكاشة". ومناقبه مشهورة استشهد في قتال أهل الردة ~~مع خالد بن الوليد بيدي طليحة الأسدي سنة اثنتي عشرة ثم أسلم طليحة بعد ~~ذلك. # قوله: "قال: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: أنت منهم"1. في رواية ~~البخاري: فقال: (اللهم اجعله منهم) . وكذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري ~~مثله. وفي بعض الروايات: "أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم" 2. قال ~~الحافظ: ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا، فدعا له ثم استفهم هل أجيب؟ فأخبره. ~~وفيه طلب الدعاء من الفاضل. # قوله: (ثم قام إليه رجل آخر) . لم نقف على تسميته إلا في طريق واهية ~~ذكرها الخطيب في "المبهمات" من رواية أبي حذيفة إسحاق بن بشر أحد الضعفاء ~~من طريقين له عن مجاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من غزاة ~~بني المصطلق ... ، فساق قصة طويلة فيها ذلك. قال الحافظ: وهذا مع ضعفه ~~وإرساله يستبعد من جهة جلالة سعد بن عبادة، فإن كان محفوظا، فلعله آخر باسم ~~سيد الخزرج واسم أبيه، فإن في الصحابة كذلك آخر له في " مسند بقي بن مخلد " ~~وفي الصحابة سعد بن عمارة فلعل اسم أبيه تحرف. # قوله: "سبقك بها عكاشة"3. قال ابن بطال: معنى قوله سبقك. أي: إلى إحراز ~~هذه الصفات، وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه، وعدل عن قوله: لست منهم، ~~أو لست على أخلاقهم تلطفا بأصحابه، وحسن أدب معهم. وقال القرطبي: لم يكن ~~عند الثاني PageV01P086 # من الأحوال ما كان عند عكاشة، فلذلك لم يجب؛ إذ لو أجابه ms072 لجاز أن يطلب ~~ذلك كل من كان حاضرا فيتسلسل الأمر، فسد الباب بقوله ذلك، وهذا أولى من قول ~~من قال: كان منافقا لوجهين: # أحدهما: أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل ~~صحيح. # والثاني: أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح، ويقين بتصديق ~~الرسول صلى الله عليه وسلم. وكيف يصدر ذلك من منافق؟! # قلت: هذا أولى ما قيل في تأويله، وإليه مال شيخ الإسلام. قال المصنف: ~~وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم. # PageV01P087 # [م4 ### | باب الخوف من الشرك # ش: لما كان الشرك أعظم ذنب عصي الله به، ولهذا رتب عليه من عقوبات الدنيا ~~والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي ~~نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه; نبه المصنف ~~بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره ويعرف أسبابه ~~ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة: "كان الناس يسألون رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أساله عن الشر مخافة أن أقع فيه". ~~رواه البخاري. وذلك أن من لم يعرف إلا الخير قد يأتيه الشر ولا يعرف أنه شر ~~فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكره كما ينكره الذي عرفه، ولهذا قال عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام ~~من لم يعرف الجاهلية ". # قال شيخ الإسلام: وهو كما قال عمر، فإن كمال الإسلام هو الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر، وتمام ذلك بالجهاد في سبيل الله، ومن نشأ في المعروف، ~~فلم يعرف غيره، فقد لا يكون عنده من العلم بالمنكر وضرره ما عند من علمه، ~~ولا يكون عنده من الجهاد لأهله ما عند الخبير بهم; ولهذا يوجد [في] الخبير ~~بالشر وأسبابه إذا كان حسن القصد عنده من الاحتراز # PageV01P087 # عنه والجهاد لهم ما ليس عند غيره، ولهذا كان الصحابة أعظم إيمانا وجهادا ~~ممن بعدهم لكمال معرفتهم بالخير ms073 والشر، وكمال محبتهم للخير وبغضهم للشر لما ~~علموه من حسن حال الإيمان والعمل الصالح، وقبح حال الكفر والمعاصي. # قال: وقول الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ~~1. # قال ابن كثير: أخبر تعالى أنه {لا يغفر أن يشرك به} ، أي: {لا يغفر} لعبد ~~لقيه وهو مشرك به، {ويغفر ما دون ذلك} ، أي: من الذنوب {ويغفر ما دون ذلك} ~~من عباده. # قلت: فتبين بهذا أن الشرك أعظم الذنوب، لأن الله تعالى أخبر أنه لا ~~يغفره، أي: إلا بالتوبة منه، وما عداه، فهو داخل تحت مشيئة الله إن شاء ~~غفره بلا توبة وإن شاء عذب به. وهذا يوجب للعبد شدة الخوف من هذا الذنب ~~الذي هذا شأنه عند الله، وإنما كان كذلك؟ 1-لأنه أقبح القبح وأظلم الظلم إذ ~~مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره، وعدل غيره به كما قال ~~تعالى: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} 2. 2-ولأنه مناقض للمقصود بالخلق ~~والأمر مناف له من كل وجه، وذلك غاية المعاندة لرب العالمين، والاستكبار عن ~~طاعته والذل له، والانقياد لأوامره الذي لا صلاح للعالم إلا بذلك. فمتى خلا ~~منه خرب وقامت القيامة، كما قال صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى لا ~~يقال في الأرض: الله الله" 3 رواه مسلم. # ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى وتقدس في خصائص الإلهية من ملك ~~الضر والنفع، والعطاء والمنع الذي يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل ~~وأنواع العبادة كلها بالله وحده. فمن علق ذلك لمخلوق فقد شبهه بالخالق، ~~وجعل من لا يملك لنفسه {ضرا ولا نفعا ولا ... موتا ولا حياة ولا نشورا} ~~[الفرقان]_ فضلا عن غيره شبيها بمن {له الخلق} PageV01P088 # كله، {وله الملك} كله وبيده الخير كله، {وإليه يرجع الأمر كله} . فأزمة ~~الأمور كلها بيديه سبحانه، ومرجعها إليه فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا ~~مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، الذي إذا فتح للناس {رحمة فلا ممسك لها ~~وما يمسك فلا مرسل له من بعده ms074 وهو العزيز الحكيم} . فأقبح التشبيه تشبيه ~~العاجز الفقير بالذات القادر الغني بالذات، ومن خصائص الإلهية الكمال ~~المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجه، وذلك يوجب أن تكون ~~العبادة كلها له وحده، والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة ~~والتوكل والتوبة والاستعانة وغاية الحب مع غاية الذل، كل ذلك يجب عقلا ~~وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده، ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره، فمن ~~فعل شيئا من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له ولا ~~ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله، فلهذه الأمور وغيرها أخبر سبحانه أنه لا ~~يغفره مع أنه {كتب على نفسه الرحمة} ، فهذا معنى كلام ابن القيم. # وفي الآية رد على الخوارج المكفرين بالذنوب، وعلى المعتزلة القائلين بأن ~~أصحاب الكبائر يدخلون النار ولا بد، ولا يخرجون منها، وهم أصحاب المنزلة ~~بين المنزلتين. ووجه ذلك أن الله تعالى جعل مغفرة ما دون الشرك معلقة ~~بالمشيئة، ولا يجوز أن يحمل هذا على التأكيد، فإن التائب لا فرق في حقه بين ~~الشرك وغيره. كما قال تعالى في الآية الأخرى: {قل يا عبادي الذين أسرفوا ~~على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا} 1. فهنا عمم ~~وأطلق؛ لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلق؛ لأن المراد به ما لم يتب. ~~قاله شيخ الإسلام. # قوله: وقال الخليل عليه السلام: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام} 2. # (الصنم) : ما كان منحوتا على صورة البشر. والوثن: ما كان منحوتا على غير ~~ذلك. ذكره الطبري عن مجاهد. والظاهر أن الصنم ما كان مصورا على أي صورة، ~~والوثن بخلافه كالحجر والبينة، وإن PageV01P089 # كان الوثن قد يطلق على الصنم، ذكر معناه غير واحد، ويروى عن بعض السلف ما ~~يدل عليه. وقوله: {واجنبني} ، أي: اجعلني {وبني} في جانب عن عبادة الأصنام، ~~وباعد بيني وبينها. قيل: وأراد بذلك بنيه وبناته من صلبه، ولم يذكر البنات ~~لدخولهم تبعا في البنين، وقد استجاب الله دعاءه وجعل بنيه أنبياء وجنبهم ~~عبادة الأصنام، ms075 وإنما دعا إبراهيم عليه السلام بذلك، لأن كثيرا من الناس ~~افتتنوا بها، كما قال: {رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} 1. فخاف من ذلك ودعا ~~الله أن يعافيه وبنيه من عبادتها، فإذا كان إبراهيم عليه السلام يسأل الله ~~أن يجنبه ويجنب بنيه عبادة الأصنام، فما ظنك بغيره؟ كما قال إبراهيم ~~التيمي: ومن يأمن من البلاء بعد إبراهيم؟! رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، ~~وهذا يوجب للقلب الحي أن يخاف من الشرك، لا كما يقول الجهال: إن الشرك لا ~~يقع في هذه الأمة، ولهذا أمنوا الشرك فوقعوا فيه، وهذا وجه مناسبة الآية ~~للترجمة. # [بيان أن الرياء من الشرك الأصغر] # قال: وفي الحديث "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: ~~الرياء" 2. # ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث مختصرا غير معزو، وقد رواه الإمام أحمد ~~والطبراني، وابن أبي الدنيا، والبيهقي في " الزهد" ; وهذا لفظ أحمد قال: ~~حدثنا يونس، ثنا ليث عن يزيد، يعني ابن الهاد، عن عمرو عن محمود بن لبيد أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ~~قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله يوم القيامة ~~إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا ~~هل تجدون عندهم جزاء" 3. # قال المنذري: ومحمود بن لبيد رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصح له ~~منه سماع فيما أرى. وذكر ابن أبي حاتم أن البخاري قال: له صحبة. قال: وقال ~~أبي: لا تعرف له صحبة، ورجح ابن عبد البر والحافظ أن له صحبة وقال: جل ~~روايته عن الصحابة. وقد PageV01P090 # رواه الطبراني بإسناد جيد عن محمود بن لبيد عن رافع بن خديج. # وقيل: إن حديث محمود هو الصواب دون ذكر رافع. مات محمود سنة ست وتسعين. ~~وقيل: سنة سبع، وله تسع وتسعون سنة. قوله: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك ~~الأصغر" 1. هذا من رحمته صلى الله عليه وسلم لأمته وشفقته عليهم، وتحذيره ~~مما يخاف عليهم، فإنه ما من خير ms076 إلا دلهم عليه وأمر به، وما من شر إلا ~~وأخبرهم به وحذرهم عنه. كما قال صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه: "ما بعث ~~الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم ~~عن شر ما يعلمه لهم" 2. ولما كانت النفوس مجبولة على محبة الرياسة والمنزلة ~~في قلوب الخلق إلا من سلم الله، كان هذا أخوف ما يخاف على الصالحين، لقوة ~~الداعي إلى ذلك، والمعصوم من عصمه الله، وهذا بخلاف الداعي إلى الشرك ~~الأكبر، فإنه إما معدوم في قلوب المؤمنين الكاملين، ولهذا يكون. الإلقاء في ~~النار أسهل عندهم من الكفر. وإما ضعيف، هذا مع العافية، وإما مع البلاء، ف ~~{يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل ~~الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} . فلذلك صار خوفه صلى الله عليه وسلم ~~على أصحابه من الرياء أشد لقوة الداعي وكثرته، دون الشرك الأكبر لما تقدم، ~~مع أنه أخبر أنه لا بد من وقوع عبادة الأوثان في أمته، فدل على أنه ينبغي ~~للإنسان أن يخاف على نفسه الشرك الأكبر، إذا كان الأصغر مخوفا على الصالحين ~~من الصحابة مع كمال إيمانهم، فينبغي للإنسان أن يخاف الأكبر لنقصان إيمانه ~~ومعرفته بالله، فهذا وجه إيراد المصنف له هنا مع أن الترجمة تشمل النوعين. # قال المصنف: وفيه أن الرياء من الشرك، وأنه من الأصغر، وأنه أخوف ما يخاف ~~على الصالحين، وفيه قرب الجنة والنار، والجمع بين قربهما في حديث واحد على ~~عمل واحد متقارب في الصورة. PageV01P091 # قال: وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وهو ~~يدعو لله ندا دخل النار" 1. رواه البخاري. # ش: قال ابن القيم: (الند) : الشبه، يقال: فلان ند فلان ونديده، أي: مثله ~~وشبهه انتهى. وهذا كما قال تعالى: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} 2. ~~وقال تعالى: {وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من ~~أصحاب النار} 3. # أي: من مات وهو يدع لله ندا، ms077 أي: يجعل لله ندا فيما يختص به تعالى ~~ويستحقه من الربوبية والإلهية، دخل النار، لأنه مشرك، فإن الله تعالى هو ~~المستحق للعبادة لذاته، لأنه المألوه المعبود الذي تألهه القلوب وترغب ~~إليه، وتفزع إليه عند الشدائد، وما سواه فهو مفتقر إليه، مقهور بالعبودية ~~له، تجري عليه أقداره وأحكامه {طوعا وكرها} ، فكيف يصلح أن يكون ندا؟ قال ~~الله تعالى: {وجعلوا له من عباده جزءا إن الأنسان لكفور مبين} 4. وقال: {إن ~~كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم ~~آتيه يوم القيامة فردا} 5. وقال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى ~~الله والله هو الغني الحميد} 6. فبطل أن يكون له نديد من خلقه، تعالى عن ~~ذلك {علوا كبيرا} {ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله ~~بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة ~~فتعالى عما يشركون} 7. # واعلم أن دعاء الند على قسمين: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا ~~بالتوبة منه، وهو الشرك الأكبر. والأصغر كيسير الرياء، وقول الرجل: ما شاء ~~الله وشئت، ونحو ذلك. فقد ثبت "أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال له ~~رجل: ما شاء الله وشئت قال: أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" 8. رواه ~~أحمد وابن أبي شيبة، والبخاري في " الأدب المفرد " والنسائي، وابن ماجة، ~~وقد تقدم حكمه في باب فضل التوحيد. PageV01P092 # [من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار] # قال: ولمسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من لقي الله ~~لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار" 1. # ش: جابر: هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملتين الأنصاري ثم السلمي ~~بفتحتين، صحابي جليل مكثر، ابن صحابي، له ولأبيه مناقب مشهورة رضي الله ~~عنهما. مات بالمدينة بعد السبعين، وقد كف بصره وله أربع وتسعون سنة. # قوله: "من لقي الله لا يشرك به شيئا". قال القرطبي: أي: من ms078 لم يتخذ معه ~~شريكا في الإلهية ولا في الخلق، ولا في العبادة. ومن المعلوم من الشرع ~~المجمع عليه عند أهل السنة أن من مات على ذلك، فلا بد له من دخول الجنة، ~~وإن جرت عليه قبل ذلك أنواع من العذاب والمحنة، وإن مات على الشرك لا يدخل ~~الجنة ولا يناله من الله رحمة، ويخلد في النار أبد الآباد من غير انقطاع ~~عذاب، ولا تصرم آماد، وهذا معلوم ضروري من الدين، مجمع عليه بين المسلمين. # وقال النووي: أما دخول المشرك إلى النار، فهو على عمومه، فيدخلها ويخلد ~~فيها، ولا فرق فيه بين الكتابي اليهودي والنصراني، وبين عبدة الأوثان وسائر ~~الكفرة من المرتدين والمعطلين، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا ~~وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام، وبين من انتسب إليها ثم حكم بكفره ~~بجحده وغير ذلك. وأما دخول من مات غير مشرك الجنة، فهو مقطوع له به، لكن إن ~~لم يكن صاحب كبيرة مات مصرا عليها دخل الجنة أولا، وإن كان صاحب كبيرة مات ~~مصرا عليها، فهو تحت المشيئة، فإن عفا عنه دخل الجنة أولا، وإلا عذب في ~~النار ثم أخرج فيدخل الجنة. # وقال غيره: اقتصر على نفي الشرك لاستدعائه التوحيد بالاقتضاء، واستدعائه ~~إثبات الرسالة باللزوم، إذ من كذب رسل الله، فقد كذب الله، ومن كذب الله، ~~فهو مشرك، وهو قولك: من توضأ صحت صلاته، أي مع سائر الشروط، فالمراد من مات ~~حال كونه مؤمنا بجميع PageV01P093 # ما يجب الإيمان به إجمالا في الإجمالي، وتفصيلا في التفصيلي. # قلت: قد تقدم بعض ما يتعلق بذلك في باب فضل التوحيد. # قال المصنف: وفيه تفسير لا إله إلا الله، كما ذكره البخاري في "صحيحه" ~~يعني أن معنى لا إله إلا الله: ترك الشرك، وإفراد الله بالعبادة، والبراءة ~~ممن عبد سواه، كما بينه الحديث، وفيه فضيلة من سلم من الشرك. # PageV01P094 ### | باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا لله # ... # [م5 باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله] # ش: لما بين المصنف رحمه ms079 الله الأمر الذي خلقت له الخليقة وفضله وهو ~~التوحيد، وذكر الخوف من ضده الذي هو الشرك، وأنه يوجب لصاحبه الخلود في ~~النار، نبه بهذه الترجمة على أنه لا ينبغي لمن عرف ذلك أن يقتصر على نفسه ~~كما يظن الجهال; ويقولون: اعمل بالحق واترك الناس وما يعنيك من الناس، بل ~~يدعو إلى الله {بالحكمة والموعظة الحسنة} والمجادلة {بالتي هي أحسن} ، كما ~~كان ذلك شأن المرسلين وأتباعهم إلى يوم الدين، وكما جرى للمصنف وأشباهه من ~~أهل العلم والدين والصبر واليقين. # وإذا أراد الدعوة إلى ذلك، فليبدأ بالدعوة إلى التوحيد الذي هو معنى ~~شهادة أن: لا إله إلا الله، إذ لا تصح الأعمال إلا به، فهو أصلها الذي تبنى ~~عليه، ومتى لم يوجد، لم ينفع العمل، بل هو حابط، إذ لا تصح العبادة مع ~~الشرك، كما قال تعالى: {ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على ~~أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون} 1. ولأن معرفة معنى ~~هذه الشهادة هو أول واجب على العباد، فكان أول ما يبدأ به في الدعوة. # قال: وقوله تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة} 2. # ش: قال ابن كثير: يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم آمرا له أن يخبر ~~PageV01P094 # الناس أن هذه سبيله، أي: طريقته وسنته، وهي الدعوة إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله، يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك، ويقين وبرهان هو وكل من ~~اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة وبرهان ~~عقلي شرعي. # وقوله: {سبحان الله} . أي: وأنزه الله وأجل وأعظم عن أن يكون له شريك ~~ونديد، تبارك وتعالى عن ذلك {علوا كبيرا} . قلت: فتبين وجه المطابقة بين ~~الآية والترجمة. قيل: ويظهر ذلك إذا كان قوله: {ومن اتبعني} عطفا على ~~الضمير في {أدعو إلى الله} ، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله ~~تعالى، وإن كان عطفا على الضمير المنفصل، فهو صريح في أن أتباعه هم أهل ~~البصيرة فيما جاء ms080 به دون من عداهم، والتحقيق أن العطف يتضمن المعنيين، ~~فأتباعه هم أهل البصيرة الذين يدعون إلى الله. # وفي الآية مسائل نبه عليها المصنف: # منها: التنبيه على الإخلاص، لأن كثيرا ولو دعا إلى الحق، فهو يدعو إلى ~~نفسه. # ومنها: أن البصيرة من الفرائض، ووجه ذلك أن اتباعه صلى الله عليه وسلم ~~واجب، وليس اتباعه حقا إلا # أهل البصيرة، فمن لم يكن منهم فليس من أتباعه، فتعين أن البصيرة من ~~الفرائض. # ومنها: أن من دلائل حسن التوحيد أنه تنزيه لله عز وجل عن المسبة. # ومنها: أن من أقبح الشرك كونه مسبة لله. # ومنها: إبعاد المسلم عن المشركين لا يصير معهم ولو لم يشرك، وكل هذه ~~الثلاث في قوله: {سبحان الله ... } الآية. # [وصية الرسول لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن] # قال: وعن ابن عباس: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى ~~اليمن قال له: إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه ~~شهادة أن لا إله إلا الله" 1. # وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلمهم PageV01P095 # أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة; فإن أطاعوك لذلك، ~~فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن ~~هم أطاعوك لذلك، فإياك وكرائم أموالهم: واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها ~~وبين الله حجاب" أخرجاه. # ش: قوله: "لما بعث معاذا إلى اليمن". قال الحافظ: كان صلى الله عليه وسلم ~~بعث معاذا إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكره ~~المصنف - يعني البخاري - في أواخر المغازي. وقيل: كان ذلك في آخر سنة تسع ~~عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من تبوك. رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن ~~مالك، وأخرجه ابن سعد في الطبقات عنه. ثم حكى ابن سعد أنه كان في ربيع ~~الآخر سنة عشر. وقيل: بعثه عام الفتح سنة ثمان. واتفقوا أنه لم يزل على ~~اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم ms081 توجه إلى الشام فمات بها; واختلف هل ~~كان معاذ واليا أو قاضيا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول. ~~قلت: الظاهر أنه كان واليا قاضيا. # قوله: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب) . # قال القرطبي: يعني به اليهود والنصارى، لأنهم كانوا في اليمن أكثر من ~~مشركي العرب أو أغلب، وإنما نبهه على هذا ليتهيأ لمناظرتهم، ويعد الأدلة ~~لامتحانهم، لأنهم أهل علم سابق، بخلاف المشركين وعبدة الأوثان. # وقال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية ليجمع همته عليها، ثم ذكر معنى كلام ~~القرطبي. قلت: وفيه أن مخاطبة العالم ليست كمخاطبة الجاهل، والتنبيه على ~~أنه ينبغي للإنسان أن يكون على بصيرة في دينه، لئلا يبتلى بمن يورد عليه ~~شبهة من علماء المشركين، ففيه التنبيه على الاحتراز من الشبه، والحرص على ~~طلب العلم. # قوله: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله". يجوز رفع ~~"أول " مع نصب " شهادة " وبالعكس. # قوله: وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله"، هذه الرواية في التوحيد من " ~~صحيح البخاري " وفي بعض الروايات: "فادعهم # PageV01P096 # إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" 1. وفي بعضها وأن محمدا ~~رسول الله وأكثر الروايات فيها ذكر الدعوة إلى الشهادتين. # وأشار المصنف رحمه الله بإيراد هذه الرواية إلى التنبيه على معنى شهادة ~~أن لا إله إلا الله، إذ معناها توحيد الله بالعبادة، وترك عبادة ما سواه. ~~فلذلك جاء الحديث مرة بلفظ "شهادة أن لا إله إلا الله" ومرة "إلى أن يوحدوا ~~الله". ومرة "فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله ~~فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات" 2. وذلك هو الكفر بالطاغوت، ~~والإيمان بالله الذي قال الله فيه: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها} 3. # ومعنى الكفر بالطاغوت: هو خلع الأنداد والآلهة التي تدعى من دون الله من ~~القلب، وترك الشرك بها رأسا، وبغضه وعداوته. # ومعنى الإيمان بالله: هو إفراده بالعبادة التي تتضمن غاية الحب بغاية ~~الذل والانقياد لأمره، وهذا هو الإيمان بالله المستلزم للإيمان بالرسل ~~عليهم ms082 السلام، المستلزم لإخلاص العبادة لله تعالى، وذلك هو توحيد الله ~~تعالى ودينه الحق المستلزم للعلم النافع، والعمل الصالح، وهو حقيقة شهادة ~~أن لا إله إلا الله، وحقيقة المعرفة بالله، وحقيقة عبادته وحده لا شريك له. # فلله ما أفقه من روى هذا الحديث بهذه الألفاظ المختلفة لفظا المتفقة ~~معنى! فعرفوا أن المراد من شهادة أن لا إله إلا الله هو الإقرار بها علما ~~ونطقا وعملا، خلافا لما يظنه بعض الجهال أن المراد من هذه الكلمة هو مجرد ~~النطق بها، أو الإقرار بوجود الله أو ملكه لكل شيء من غير شريك، فإن هذا ~~القدر قد عرفه عباد الأوثان وأقروا به، فضلا عن أهل الكتاب، ولو كان كذلك ~~لم يحتاجوا إلى الدعوة إليه. # وفيه دليل على أن التوحيد الذي هو إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ~~وترك عبادة ما سواه هو أول واجب، فلهذا كان أول ما PageV01P097 # دعت إليه الرسل عليهم السلام، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} 1. وقال: {ولقد بعثنا في ~~كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} 2. # قال شيخ الإسلام رحمه الله: وقد علم بالاضطرار من دين الرسول صلى الله ~~عليه وسلم واتفقت عليه الأمة أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق شهادة ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما، والعدو ~~وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال، ثم إن كان ذلك من قلبه، فقد ~~دخل في الإيمان، وإن قاله بلسانه دون قلبه، فهو في ظاهر الإسلام دون باطن ~~الإيمان، وفيه البداءة في الدعوة والتعليم بالأهم فالأهم، واستدل به من قال ~~من العلماء: إنه لا يشترط في صحة الإسلام النطق بالتبري من كل دين يخالف ~~دين الإسلام، لأن اعتقاد الشهادتين يستلزم ذلك ... ، وفي ذلك تفصيل. # وفيه: أنه لا يحكم بإسلام الكافر إلا بالنطق بالشهادتين. قال شيخ ~~الإسلام: فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق ~~المسلمين، وهو ms083 كافر باطنا وظاهرا عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها. # قلت: هذا والله أعلم فيمن لا يقر بهما أو بإحداهما، أما من كفره مع ~~الإقرار بهما ... ففيه بحث، والظاهر أن إسلامه هو توبته عما كفر به. # وفيه أن الإنسان قد يكون قارئا عالما وهو لا يعرف معنى لا إله إلا الله، ~~أو يعرفه ولا يعمل به، نبه عليه المصنف. # وقال بعضهم: هذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم معاذا، هو الدعوة ~~قبل القتال التي كان يوصي بها النبي صلى الله عليه وسلم أمراءه. # قلت: فعلى هذا فيه استحباب الدعوة قبل القتال لمن بلغته الدعوة، أما من ~~لم تبلغه فتجب دعوته. PageV01P098 # قوله: (فإن هم أطاعوك لذلك) ، أي: شهدوا وانقادوا لذلك. # قوله: (فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات) ، فيه أن الصلاة بعد ~~التوحيد والإقرار بالرسالة أعظم الواجبات وأحبها، واستدل به على أن الكفار ~~غير مخاطبين بالفروع؛ حيث دعاهم أولا إلى التوحيد فقط، ثم دعوا إلى العمل ~~ورتب ذلك عليها بالفاء، وأيضا فإن قوله: "فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم"، ~~يفهم منه أنهم لو لم يطيعوا لم يجب عليهم شيء. # قال النووي: وهذا الاستدلال ضعيف، فإن المراد أعلمهم بأنهم مطالبون ~~بالصلوات وغيرها في الدنيا، والمطالبة في الدنيا لا تكون إلا بعد الإسلام، ~~ولا يلزم من ذلك أن لا يكونوا مخاطبين بها، ويزاد في عذابهم بسببها في ~~الآخرة، قال: ثم اعلم أن المختار أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة المأمور ~~به والمنهي عنه، هذا قول المحققين والأكثرين. # قلت: ويدل عليه قوله تعالى: {قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين ~~وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين فما تنفعهم ~~شفاعة الشافعين} 1 الآيات. # وفيه دليل على أن الوتر ليس بفرض إذ لو كان فرضا لكان صلاة سادسة لا سيما ~~وهذا في آخر الأمر. # قوله: "فإن هم أطاعوك" لذلك، أي: آمنوا بأن الله افترضها عليهم وفعلوها. # قوله: "فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على ~~فقرائهم"، فيه ms084 دليل على أن الزكاة أوجب الأركان بعد الصلاة، وأنها تؤخذ من ~~الأغنياء، وتصرف إلى الفقراء، وإنما خص النبي صلى الله عليه وسلم الفقراء ~~بالذكر مع أنها تدفع إلى المجاهد والعامل ونحوهما وإن كانوا أغنياء ؛ لأن ~~الفقراء - والله أعلم - هم أكثر من تدفع إليهم، أو لأن حقهم آكد. وفيه أن ~~الإمام هو الذي يتولى قبض PageV01P099 # الزكاة وصرفها إما بنفسه أو نائبه، فمن امتنع عن أدائها إليه أخذت منه ~~قهرا. # قيل: وفيه دليل على أنه يكفي إخراج الزكاة في صنف واحد كما هو مذهب مالك ~~وأحمد. وعلى ما تقدم لا يكون فيه دليل. وفيه أنه لا يجوز دفعها إلى غني ولا ~~كافر، وأن الفقير لا زكاة عليه، وأن من ملك نصابا لا يعطى من الزكاة من حيث ~~إنه جعل المأخوذ منه غنيا وقابله بالفقير. ومن ملك النصاب فالزكاة مأخوذة ~~منه فهو غني، والغنى مانع من إعطاء الزكاة إلا من استثني، وأن الزكاة واجبة ~~في مال الصبي والمجنون، كما هو قول الجمهور لعموم قوله: من أغنيائهم. # قوله: "فإياك وكرائم أموالهم"1 هو بنصب كرائم على التحذير، والكرائم جمع ~~كريمة، أي: نفيسة. قال صاحب " المطالع [ابن قلقل] ". وهي جامعة الكمال ~~الممكن في حقها من غزارة لبن وجمال صورة، أو كثرة لحم وصوف. ذكره النووي. ~~وفيه أنه يحرم على العامل أخذ كرائم المال في الزكاة، بل يأخذ الوسط، ويحرم ~~على صاحب المال إخراج شر المال، بل يخرج: الوسط، فإن طابت نفسه بإخراج ~~الكريمة جاز. # قوله: "واتق دعوة المظلوم" أي: احذر دعوة المظلوم واجعل بينك وبينهم ~~وقاية بفعل العدل وترك الظلم، لئلا يدعو عليك المظلوم. وفيه # تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ ~~الكرائم إشارة إلى أن أخذها ظلم، ذكره الحافظ. # قوله: فإنه- أي الشأن - ليس بينها وبين الله حجاب. أي: لا تحجب عن الله ~~تعالى، بل ترفع إليه فيقبلها وإن كان عاصيا، كما في حديث أبي هريرة عند ~~أحمد مرفوعا: "دعوة المظلوم مستجابة وإن كان فاجرا ففجوره على نفسه" 2. ~~وإسناده ms085 حسن، قاله PageV01P100 # الحافظ. # وقال أبو بكر بن العربي: هذا وإن كان مطلقا، فهو مقيد بالحديث الآخر أن ~~الداعي على ثلاث مراتب: إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخر له [في ~~الآخرة] أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. وهذا كما قيد مطلق ~~قوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} 1. بقوله تعالى: {فيكشف ما تدعون إليه إن ~~شاء} 2.وفي الحديث أيضا قبول خبر الواحد العدل ووجوب العمل به، وأن الإمام ~~يبعث العمال لجباية الزكاة وأنه يعظ عماله وولاته، ويأمرهم بتقوى الله، ~~ويعلمهم ما يحتاجون إليه، وينهاهم عن الظلم، ويعرفهم قبح عاقبته والتنبيه ~~على التعليم بالتدريج، ذكره المصنف. # واعلم أنه لم يذكر في هذا الحديث ونحوه الصوم والحج، مع أن بعث معاذ كان ~~في آخر الأمر كما تقدم، فأشكل ذلك على كثير من العلماء. # قال شيخ الإسلام: أجاب بعض الناس أن الرواة اختصر بعضهم الحديث وليس ~~الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة، لأن هذا إنما يقع في الحديث الواحد مثل ~~حديث عبد القيس حيث ذكر بعضهم الصيام وبعضهم لم يذكره . فأما الحديثان ~~المنفصلان، فليس الأمر فيهما كذلك، ولكن عن هذا جوابان: # أحدهما: أن ذلك بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتان. ثم ~~الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي، ولهذا لم يذكر وجوب الحج في ~~عامة الأحاديث إنما جاء في الأحاديث المتأخرة. قلت: وهذا من الأحاديث ~~المتأخرة ولم يذكر فيها الجواب. # الثاني: أنه كان صلى الله عليه وسلم يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر ~~تارة الفرائض التي يقاتل عليها كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة الصلاة والصيام ~~إن لم يكن عليه زكاة، ويذكر تارة الصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل ~~فرض الحج، كما في حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون المخاطب بذلك لا حج ~~عليه. PageV01P101 # وأما الصلاة والزكاة، فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى ~~في كتابه القتال عليهما، لأنهما عبادتان ظاهرتان بخلاف الصوم، فإنه أمر ~~باطن وهو مما ائتمن عليه الناس، فهو ms086 من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة: ~~ونحو ذلك مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم وأن ~~يأكل سرا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته، بخلاف الصلاة والزكاة، وهو صلى ~~الله عليه وسلم يذكر في الإعلام الأعمال الظاهرة التي يقاتل الناس عليها، ~~ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة دون الصيام، وإن كان ~~واجبا كما في آيتي (براءة11) فإن (براءة) نزلت بعد فرض الصيام باتفاق ~~الناس. # وكذلك لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن لم يذكر في حديثه الصيام؛ لأنه تبع ~~وهو باطن ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا ~~مرة واحدة. انتهى ملخصا بمعناه # قوله: أخرجاه، أي: أخرجه البخاري [4347] ومسلم [19] في " الصحيحين " ~~وأخرجه أيضا أحمد [2070] وأبو داود [1584] والترمذي [629] والنسائي [2284] ~~وابن ماجة [1784] . # إعطاء الرسول الراية لعلي بن أبي طالب يوم خيبر. # قال: ولهما عن سهل بن سعد: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم ~~خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله; يفتح ~~الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها؟ فلما أصبحوا غدوا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يعطاها. فقال: أين علي بن ~~أبي طالب؟ فقيل: هو يشتكي عينيه قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في ~~عينيه، ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. وقال: انفذ على ~~رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق ~~الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" ~~1. يدوكون أي: يخوضون. PageV01P102 # ش: قال شيخ الإسلام: هذا الحديث أصح ما روي لعلي رضي الله عنه من الفضائل ~~أخرجاه في " الصحيحين " من غير وجه. # قوله: (عن سهل) . هو سهل بن سعد بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي ~~الساعدي أبو العباس صحابي شهير، وأبوه صحابي أيضا. مات سنة ثمان وثمانين ~~وقد جاوز المائة. # قوله: (قال يوم خيبر) ، أي: في ms087 غزوة خيبر. في " الصحيحين " واللفظ لمسلم ~~عن سلمة بن الأكوع قال: "كان علي رضي الله عنه قد تخلف عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم في خيبر، وكان رمدا، فقال: أنا تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فخرج علي رضي الله عنه فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فلما كان مساء ~~الليلة التي فتحها الله عز وجل في صباحها" قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "لأعطين الراية، أو ليأخذن بالراية غدا رجل يحبه الله ورسوله أو قال: ~~يحب الله ورسوله يفتح الله عليه فإذا نحن بعلي وما نرجوه. فقالوا: هذا علي: ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية، ففتح الله عليه" 1. وهذا يبين ~~أن عليا رضي الله عنه لم يشهد أول خيبر، وأنه عليه السلام قال هذه المقالة ~~مساء الليلة التي فتحها الله في صباحها. # قوله: "لأعطين الراية". قال الحافظ في رواية بريدة: "إني دافع اللواء إلى ~~رجل يحبه الله ورسوله" 2. والراية بمعنى اللواء، وهو العلم الذي يحمل في ~~الحرب، يعرف به موضع صاحب الجيش وقد يحمله أمير الجيش، وقد يدفعه لمقدم ~~العسكر. وقد صرح جماعة من أهل اللغة بترادفهما، لكن روى أحمد والترمذي من ~~حديث ابن عباس: كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، ولواؤه ~~أبيض. ومثله عند الطبراني عن بريدة، وعند ابن عدي عن أبي هريرة وزاد: مكتوب ~~فيه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو ظاهر في التغاير فلعل التفرقة ~~بينهما عرفية. PageV01P103 # قوله: "يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله". فيه فضيلة عظيمة لعلي رضي ~~الله عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له بذلك، ولكن ليس هذا من ~~خصائصه. قال شيخ الإسلام: ليس هذا الوصف مختصا بعلي ولا بالأئمة، فإن الله ~~ورسوله يحب كل مؤمن تقي يحب الله ورسوله، لكن هذا الحديث من أحسن ما يحتج ~~به على النواصب الذي يتبرؤون منه ولا يتولونه، بل لقد يكفرونه أو يفسقونه ~~كالخوارج. لكن هذا الاحتجاج لا يتم على قول الرافضة الذين يجعلون ms088 النصوص ~~الدالة على فضائل الصحابة كانت قبل ردتهم، فإن الخوارج تقول في علي مثل ~~ذلك، لكن هذا باطل فإن الله ورسوله لا يطلق مثل هذا المدح على من يعلم أنه ~~يموت كافرا. وفيه إثبات صفة المحبة لله، وفيه إشارة إلى أن عليا تام ~~الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحبه الله، ولهذا كانت محبته ~~علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق ذكره. الحافظ بمعناه. # قوله: "يفتح الله على يديه". صريح في البشارة بحصول الفتح على يديه، فكان ~~الأمر كذلك، ففيه دليل على شهادة أن محمدا رسول الله. # قوله: (فبات الناس يدوكون ليلتهم) ، هو بنصب " ليلتهم " على الظرفية، ~~ويدوكون. قال المصنف: يخوضون. والمراد أنهم باتوا تلك الليلة في خوض ~~واختلاف فيمن يدفعها إليه، وفيه حرص الصحابة على الخير ومزيد اهتمامهم به، ~~وذلك يدل على علو مراتبهم في العلم والإيمان. # قوله: أيهم يعطاها. فهو برفع " أي " على البناء. # قوله: "فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن ~~يعطاها" 1. وفي رواية أبي هريرة عند مسلم: "أن عمر قال: ما أحببت الإمارة ~~إلا يومئذ ". # فإن قلت: إن كانت هذه الفضيلة لعلي رضي الله عنه PageV01P104 # ليست من خصائصه; فلماذا تمنى بعض الصحابة أن يكون له ذلك؟ قيل الجواب كما ~~قال شيخ الإسلام أن في ذلك شهادة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بإيمانه ~~باطنا وظاهرا، وإثبات لموالاته لله ورسوله، ووجوب موالاة المؤمنين له، وإذا ~~شهد النبي صلى الله عليه وسلم لمعين بشهادة أو دعا له بدعاء أحب كثير من ~~الناس أن يكون له مثل تلك الشهادة، ومثل ذلك الدعاء، وإن كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم يشهد بذلك لخلق كثير ويدعو به لخلق كثير، وكان تعيينه لذلك ~~المعين من أعظم فضائله ومناقبه، وهذا كالشهادة بالجنة لثابت بن قيس، وعبد ~~الله بن سلام وغيرهما، وإن كان قد شهد بالجنة لآخرين ، والشهادة لمحبة الله ~~ورسوله للذي ضرب في الخمر. قلت: وفي هذه الجملة أيضا حرص الصحابة على ~~الخير. # قوله: فقال: "أين علي ms089 بن أبي طالب؟ ". قال بعضهم: كأنه صلى الله عليه ~~وسلم استبعد غيبته عن حضرته في مثل ذلك الموطن، لا سيما وقد قال: "لأعطين ~~الراية"، إلى آخره وقد حضر الناس وكلهم طمع بأن يكون هو الذي يفوز بذلك ~~الوعد. وفيه سؤال الإمام عن رعيته وتفقده أحوالهم وسؤاله عنهم في مجامع ~~الخير. # قوله: (فقيل له: هو يشتكي عينيه) ، أي: من الرمد كما في " صحيح مسلم " عن ~~سعد بن أبي وقاص فقال: "ادعوا لي عليا، فأتي به أرمد فبصق في عينيه" 1. # قوله: قال: "فأرسلوا إليه". بهمزة قطع، أمر من الإرسال، أمرهم بأن يرسلوا ~~إليه فيدعوه له. ولمسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: "فأرسلني إلى ~~علي ... ، فجئت به أقوده ... أرمد ... ، فبصق في عينيه فبرأ". # قوله: " فبصق "، بفتح الصاد، أي: تفل. # قوله: "ودعا له فبرأ". وهو بفتح الراء والهمزة، بوزن ضرب، PageV01P105 # ويجوز الكسر بوزن علم، أي: عوفي في الحال عافية كاملة، كأن لم يكن به وجع ~~من رمد ولا ضعف بصر أصلا. وعند الطبراني من حديث علي: فما رمدت ولا صدعت ~~منذ دفع إلي النبي صلى الله عليه وسلم الراية. وفيه دليل على الشهادتين. # قوله: "فأعطاه الراية". قال المصنف: فيه الإيمان بالقدر لحصولها لمن لم ~~يسع، ومنعها عمن سعى، وفيه التوكل على الله، والإقبال بالقلب إليه، وعدم ~~الالتفات إلى الأسباب، وإن فعلها لا ينافي التوكل. # قوله: "وقال انفذ على رسلك". أما " انفذ " فهو بضم الفاء، أي: امض لوجهك. ~~ورسلك: بكسر الراء وسكون السين ، أي: على رفقك ولينك من غير عجلة، يقال لمن ~~يعمل الشيء برفق. وساحتهم: فناء أرضهم، وهو حواليها. وفيه الأدب عند ~~القتال، وترك الطيش والأصوات المزعجة التي لا حاجة إليها، وفيه أمر الإمام ~~عماله بالرفق واللين من غير ضعف ولا انتقاض عزيمة كما يشير إليه قوله: "حتى ~~تنزل بساحتهم". # قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام"، أي: الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله، ومن هذا الوجه طابق الحديث الترجمة. # وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: ms090 "فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن ~~أبي طالب، فأعطاه الراية. وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك. فسار ~~علي شيئا ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل الناس؟ ~~فقال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا ~~فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" 1. ~~PageV01P106 # وفيه أن الدعوة إلى شهادة أن لا إله إلا الله، المراد بها الدعوة إلى ~~الإخلاص بها وترك الشرك وإلا فاليهود يقولونها، ولم يفرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم في الدعوة إليها بينهم وبين من لا يقولها من مشركي العرب، فعلم ~~أن المراد من هذه الكلمة هو اللفظ بها، واعتقاد معناها، والعمل به، وذلك هو ~~معنى قوله تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} 1. # وقوله: {قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب} ، ~~[الرعد، من الآية: 36] . وذلك هو معنى قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام " الذي ~~هو الاستسلام لله تعالى، والانقياد له بفعل التوحيد وترك الشرك. وفيه ~~مشروعية الدعوة قبل القتال، لكن إن كانوا قد بلغتهم الدعوة جاز قتالهم ~~ابتداء، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أغار على بني المصطلق وهم غارون، ~~وتستحب دعوتهم لهذا الحديث وما في معناه، وإن كانوا لم تبلغهم وجبت دعوتهم. # وقوله: "وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه". أي.: في الإسلام، ~~أي: إذا أجابوا إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقوقه التي لا بد من ~~فعلها، كالصلاة، والزكاة، وهذا كقوله في حديث أبي هريرة: " فإذا فعلوا ذلك ~~فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم إلا بحقها" 2 وقد فسره أبو بكر الصديق لعمر ~~رضي الله عنهما لما قاتل أهل الردة الذين يشهدون أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله. فقال له ms091 عمر: "كيف نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوا فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟! قال أبو بكر: فإن الزكاة ~~حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لقاتلهم على منعها"3. PageV01P107 # وحاصله أنهم إذا أجابوا إلى الإسلام الذي هو التوحيد فأخبرهم بما # يجب عليهم بعد ذلك من حق الله تعالى في الإسلام من الصلاة والزكاة ~~والصيام والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام الظاهرة وحقوقه؛ فإن أجابوا إلى ~~ذلك فقد أجابوا إلى الإسلام حقا، وإن امتنعوا عن شيء من ذلك فالقتال باق ~~بحاله إجماعا. فدل على أن النطق بكلمتي الشهادة دليل العصمة لا أنه عصمة، ~~أو يقال: هو العصمة لكن بشرط العمل، يدل على ذلك قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا} 1 الآية، ولو كان النطق ~~بالشهادتين عاصما لم يكن للتثبت معنى، يدل على ذلك قوله تعالى: {فإن تابوا} ~~، أي: عن الشرك وفعلوا التوحيد {وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ~~2 فدل على أن القتال يكون على هذه الأمور. # وفيه أن لله تعالى حقوقا في الإسلام من لم يأت بها لم يكن مسلما، كإخلاص ~~العبادة له والكفر بما يعبد من دونه. وفيه بعث الإمام الدعاة إلى الله، كما ~~كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون يفعلون. وفيه تعليم الإمام ~~أمراءه وعماله ما يحتاجون إليه. # قوله: "فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"3 أن: هي ~~المصدرية، واللام قبلها مفتوحة، لأنها لام القسم، ومدخولها مسبوك بمصدر ~~مرفوع على أنه مبتدأ خبره " خير ". # وحمر بضم المهملة وسكون الميم. والنعم بفتح النون والعين المهملة. أي: ~~خير لك من الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب، يضربون بها المثل في نفاسة ~~الشيء. قيل: المراد خير من أن تكون لك فتتصدق بها. وقيل تقتنيها وتملكها. ~~قلت: هذا هو الأظهر، والأول لا دليل عليه. ms092 أي أنكم تحبون متاع الدنيا، وهذا ~~خير منه. # قال النووي: وتشبيه أمور الآخرة بأمور الدنيا إنما هو للتقريب إلى ~~الأفهام، وإلا فذرة من الآخرة خير من الأرض بأسرها، وأمثالها معها. ~~PageV01P108 # وفيه فضيلة الدعوة إلى الله، وفضيلة من اهتدى على يديه رجل واحد، وجواز ~~الحلف على الفتية والقضاء والخبر، والحلف من غير استحلاف. # PageV01P109 # [م6 ### | باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله] # ش: أي تفسير هاتين الكلمتين، والعطف لتغاير اللفظين، وإلا فالمعنى واحد. ~~ولما ذكر المصنف في الأبواب السابقة التوحيد وفضائله، والدعوة إليه، والخوف ~~من ضده الذي هو الشرك، فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة هذا الأمر الذي خلقت ~~له الخليقة، والذي بلغ من شأنه عند الله أن من لقيه به غفر له، وإن لقيه ~~بملء الأرض خطايا ; بين رحمه الله في هذا الباب أنه ليس اسما لا معنى له، ~~أو قولا لا حقيقة له، كما يظنه الجاهلون الذين يظنون أن غاية التحقيق فيه ~~هو النطق بكلمة الشهادة من غير اعتقاد القلب بشيء من المعاني، والحاذق منهم ~~يظن أن معنى الإله هو الخالق المتفرد بالملك، فتكون غاية معرفته هو الإقرار ~~بتوحيد الربوبية، وهذا ليس هو المراد بالتوحيد، ولا هو أيضا معنى " لا إله ~~إلا الله " وإن كان لا بد منه في التوحيد بل التوحيد اسم لمعنى عظيم، وقول ~~له معنى جليل هو أجل من جميع المعاني. # وحاصله هو البراءة من عبادة كل ما سوى الله، والإقبال بالقلب والعبادة ~~على الله، وذلك هو معنى الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، وهو معنى " لا إله ~~إلا الله" كما قال تعالى: {وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} ~~1. وقال تعالى حكاية عن مؤمن يس: {وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ~~أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون ~~إني إذا لفي ضلال مبين} 2. وقال تعالى: {قل إني أمرت PageV01P109 # أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين قل إني أخاف إن ~~عصيت ربي ms093 عذاب يوم عظيم قل الله أعبد مخلصا له ديني} 1. # وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: {ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة ~~وتدعونني إلى النار تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا ~~أدعوكم إلى العزيز الغفار لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ~~ولا في الآخرة} 2 والآيات في هذا كثيرة تبين أن معنى " لا إله إلا الله " ~~هو البراءة من عبادة ما سوى الله من الشفعاء والأنداد، وإفراد الله ~~بالعبادة. فهذا هو الهدى، ودين الحق الذي أرسل الله به رسله، وأنزل به ~~كتبه. # أما قول الإنسان: " لا إله إلا الله " من غير معرفة لمعناها، ولا عمل به، ~~أو دعواه أنه من أهل التوحيد، وهو لا يعرف التوحيد، بل ربما يخلص لغير الله ~~من عبادته من الدعاء والخوف والذبح والنذر والتوبة والإنابة وغير ذلك من ~~أنواع العبادات، فلا يكفي في التوحيد، بل لا يكون إلا مشركا والحالة هذه، ~~كما هو شأن عباد القبور. ثم ذكر المصنف آيات تدل على هذا فقال: وقول الله ~~تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ~~ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} 3 الآية. # قلت: يبين معنى هذه الآية التي قبلها، وهي قوله: {قل ادعوا الذين زعمتم ~~من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون ... } 4 ~~الآية. # قال ابن كثير: يقول تعالى: قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم من دونه من ~~الأنداد، وارغبوا إليهم، فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم، أي: بالكلية، ولا ~~تحويلا، أي: أن يحولوه إلى غيركم، والمعنى: إن الذي يقدر على ذلك هو الله ~~وحده لا شريك له. # قال العوفي عن ابن عباس في الآية: "كان أهل الشرك يقولون: نعبد ~~PageV01P110 # الملائكة والمسيح والمسيح وعزيرا وهم الذين يدعون يعني: الملائكة ~~وعزيرا". # وقوله: {أولئك الذين يدعون ... } 1 الآية. وروى البخاري عن ابن مسعود في ~~الآية قال: "ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا". وفي رواية: "كان ناس من ~~الإنس ms094 يعبدون ناسا من الجن، فأسلم الجن، وتمسك هؤلاء بدينهم". # وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس في الآية: قال: عيسى وأمه وعزير. ~~وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية هم: عيسى وعزير ~~والشمس والقمر. # وقال مجاهد: عيسى وعزير والملائكة. # وقوله: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} 2، لا تتم العبادة إلا بالخوف ~~والرجاء. # وفي التفسير المنسوب إلى الطبري الحنفي قل للمشركين: يدعون أصنامهم دعاء ~~استغاثة فلا يقدرون كشف الضر عنهم، ولا تحويلا إلى غيرهم أولئك الذين ~~يدعون، أي: الملائكة المعبودة لهم يتبادرون إلى طلب القرية إلى الله، ~~فيرجون رحمته، ويخافون عذابه، إن عذاب ربك كان محذورا، أي: مما يحذره كل ~~عاقل. # وعن الضحاك وعطاء، أنهم الملائكة. وعن ابن عباس: أولئك الذين يدعون عيسى ~~وأمه وعزيرا. # قال شيخ الإسلام: وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم من كان معبوده ~~عابدا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف في تفسيرهم ~~يذكرون جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله ما ~~معنى لفظ الخبز؟ فيريه رغيفا، فيقول: هذا، فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، ~~وليس مرادهم بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب ~~لكل من دعا دون الله مدعوا. # وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة، ويرجو رحمته، ويخاف عذابه. فكل من ~~دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة أو ~~غيرها، فقد تناولته هذه الآية، كما تتناول من دعا الملائكة والجن، ومعلوم ~~أن هؤلاء كلهم PageV01P111 # يكونون وسائط فيما يقدره الله بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم، ~~وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ~~ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: {ولا ~~تحويلا} ، فذكر نكرة تعم أنواع التحويل فكل من دعا ميتا أو غائبا من ~~الأنبياء والصالحين، أو دعا الملائكة أو دعا الجن، فقد دعا من لا يغيثه، ~~ولا يملك كشف الضر عنه، ولا ms095 تحويله انتهى. # وبنحو ما تقدم من كلام هؤلاء قال جميع المفسرين: فتبين أن معنى التوحيد ~~وشهادة أن لا إله إلا الله: هو ترك ما عليه المشركون من دعوة الصالحين، ~~والاستشفاع بهم إلى الله في كشف الضر وتحويله، فكيف ممن أخلص لهم الدعوة، ~~وأنه لا يكفي في التوحيد دعواه، والنطق بكلمة الشهادة من غير مفارقة لدين ~~المشركين، وأن دعاء الصالحين لكشف الضر أو تحويله هو الشرك الأكبر نبه عليه ~~المصنف. # قال: وقوله: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي ~~فطرني ... } 1 الآية. # قال ابن كثير: يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ~~ووالد من بعث بعده من الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها: ~~إنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان فقال: {إنني براء مما تعبدون ~~إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه} 2 أي: هذه الكلمة؛ ~~وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأوثان، وهي لا إله إلا ~~الله أي: جعلها في ذريته يقتدي به فيها من هداه الله من ذرية إبراهيم عليه ~~السلام. لعلهم يرجعون، أي: إليها. # قال عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغيرهم في قوله: {وجعلها كلمة ~~باقية في عقبه} 3 يعني لا إله إلا الله، لا يزال في ذريته من يقولها. وقال ~~ابن زيد: كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة. PageV01P112 # قلت: وروى ابن جرير عن قتادة في قوله: {إلا الذي فطرني} 1. قال: خلقني: ~~وعنه {إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني} 2. قال: إنهم يقولون: إن الله ~~ربنا {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} 3، فلم يبرأ من ربه. رواه عبد بن ~~حميد. قلت: يعني أن قوم إبراهيم يعبدون الله ويعبدون غيره، فتبرأ مما ~~يعبدون إلا الله، # لا كما يظن الجهال أن الكفار لا يعرفون الله، ولا يعبدونه أصلا. وروى ابن ~~جرير وابن المنذر عن قتادة {وجعلها كلمة باقية في عقبه} 4 قال: الإخلاص ~~والتوحيد، لا يزال في ذريته من يوحد الله ms096 ويعبده. # فتبين بهذا أن معنى لا إله إلا الله هو البراءة مما يعبد من دون الله، ~~وإفراد الله بالعبادة، وذلك هو التوحيد لا مجرد الإقرار بوجود الله وملكه ~~وقدرته وخلقه لكل شيء، فإن هذا يقر به الكفار وذلك هو معنى قوله: {إنني ~~براء مما تعبدون} 5 فاستثنى من المعبودين ربه وذكر سبحانه أن هذه البراءة ~~وهذه الموالاة هي شهادة أن لا إله إلا الله. قاله المصنف. # قال: وقوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ... } 6. # ش: الأحبار: هم العلماء. والرهبان: هم العباد. وهذه الآية قد فسرها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم، وذلك أنه "لما جاء مسلما دخل على ~~رسول صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ هذه الآية قال: فقلت: إنهم لم يعبدوهم، ~~فقال: إنهم حرموا عليهم الحلال وحللوا لهم الحرام فاتبعوهم فذاك عبادتهم ~~إياه" رواه أحمد والترمذي وحسنه وعبد بن حميد وابن سعد وابن أبي حاتم ~~والطبراني وغيرهم من طرق. وهكذا قال جميع المفسرين. # قال السدي: استنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولهذا قال ~~تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو} 7، أي: الذي إذا ~~حرم شيئا فهو الحرام وما حلله حل، وما شرعه اتبع. PageV01P113 # {سبحانه} وتعالى {عما يشركون} ، أي: تعالى وتقدس عن الشركاء والنظراء ~~والأضداد، والأندا، {لا إله إلا هو} ،، ولا رب سواه. # ومراد المصنف رحمه الله بإيراد الآية هنا أن الطاعة في تحريم الحلال، ~~وتحليل الحرام، من العبادة المنفية من غير الله تعالى، ولهذا فسرت العبادة ~~بالطاعة، وفسر الإله بالمعبود المطاع، فمن أطاع مخلوقا في ذلك فقد عبده، إذ ~~معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله يقتضي إفراد الله بالطاعة، وإفراد ~~الرسول بالمتابعة، فإن من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله، ~~وهذا أعظم ما يبين التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، لأنها تقتضي نفي ~~الشرك في الطاعة، فما ظنك بشرك العبادة، كالدعاء والاستغاثة والتوبة وسؤال ~~الشفاعة وغير ذلك من أنواع الشرك في العبادة، وسيأتي ms097 مزيد لهذا إن شاء الله ~~تعالى في باب من أطاع العلماء والأمراء (= 469) . # قال وقوله: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله ... ~~} 1. # ش: قال المصنف رحمه الله في مسائله: ومنها، أي: من الأمور المبينة لتفسير ~~التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، آية البقرة في الكفار الذين قال الله ~~فيهم: {وما هم بخارجين من النار} 2. وذكر أنهم يحبون أندادهم كحب الله، فدل ~~على أنهم يحبون الله حبا عظيما، ولم يدخلهم في الإسلام، فكيف بمن أحب الند ~~حبا أكبر من حب الله؟! فكيف بمن لم يحب إلا الند وحده، ولم يحب الله؟! قلت: ~~مراده أن معنى التوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، هو إفراد الله بأصل ~~الحب الذي يستلزم إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وعلى قدر التفاضل في ~~هذا الأصل، وما ينبني عليه من الأعمال الصالحة يكون تفاضل الإيمان والجزاء ~~عليه في الآخرة. # فمن أشرك بالله تعالى في ذلك، فهو المشرك، لهذه الآية، أخبر تعالى عن أهل ~~PageV01P114 # هذا الشرك أنهم يقولون لآلهتهم وهم في الجحيم: {تالله إن كنا لفي ضلال ~~مبين إذ نسويكم برب العالمين} 1. ومعلوم أنهم ما ساووهم به في الخلق والرزق ~~والملك، وإنما ساووهم به في المحبة والإلهية والتعظيم والطاعة. فمن قال لا ~~إله إلا الله، وهو مشرك بالله في هذه المحبة، فما قالها حق القول وإن نطق ~~بها، إذ هو قد خالفها بالعمل، كما قال المصنف. فكيف بمن أحب الند حبا أكبر ~~من حب الله؟! .وسيأتي الكلام على هذه الآية في بابها إن شاء الله تعالى ~~(=401) . # [شرح حديث من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ~~ودمه] # قال في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لا إله إلا ~~الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه، وحسابه على الله" 2. # ش: قوله في " الصحيح " أي: " صحيح مسلم" عن أبي مالك الأشجعي عن أبيه عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. وأبو ms098 مالك اسمه سعد بن طارق كوفي ثقة مات ~~في حدود الأربعين ومائة، وأبوه طارق بن أشيم بالمعجمة والمثناة التحتية وزن ~~أحمر ابن مسعود الأشجعي صحابي له أحاديث. قال مسلم: لم يرو عنه غير ابنه. # قوله: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله" 3. اعلم أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث علق عصمة المال والدم بأمرين: ~~الأول: قول: لا إله إلا الله. الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، فلم ~~يكتف باللفظ المجرد عن المعنى، بل لا بد من قولها والعمل بها # قال المصنف: وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل ~~التلفظ بها عاصما للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع التلفظ بها، بل ولا ~~الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له، بل لا يحرم ~~دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله، فإن شك أو تردد لم ~~يحرم ماله ودمه، فيا لها من مسألة ما أجلها! ويا له من بيان ما أوضحه! وحجة ~~ما أقطعها للمنازع! # قلت: وقد أجمع العلماء على معنى ذلك فلا بد في العصمة PageV01P115 # من الإتيان بالتوحيد، والتزام أحكامه، وترك الشرك كما قال تعالى: ~~{وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} 1 والفتنة هنا: الشرك، ~~فدل على أنه إذا وجد الشرك، فالقتال باق بحاله كما قال تعالى: {وقاتلوا ~~المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} 2 وقال تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن ~~تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم} 3 فأمر ~~بقتالهم على فعل التوحيد، وترك الشرك، وإقامة شعائر الدين الظاهرة، فإذا ~~فعلوها خلي سبيلهم، ومتى أبوا عن فعلها أو فعل شيء منها، فالقتال باق بحاله ~~إجماعا. ولو قالوا: لا إله إلا الله. # وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم علق العصمة بما علقها الله به في كتابه ~~كما في ms099 هذا الحديث. وفي " صحيح مسلم ". عن أبي هريرة مرفوعا: "أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا ~~فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله" 4. وفي ~~"الصحيحين " عنه قال: "لما توفي رسول الله وكفر من كفر من العرب، فقال عمر ~~بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا ~~الله، فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ فقال أبو بكر: ~~والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو ~~منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على ~~منعه. فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي ~~بكر للقتال، فعرفت أنه الحق"5 لفظ مسلم. فانظر كيف فهم صديق الأمة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لم يرد مجرد اللفظ بها من غير إلزام لمعناها وأحكامها، ~~فكان ذلك هو الصواب، واتفق عليه الصحابة، ولم يختلف فيه منهم اثنان إلا ما ~~كان من عمر PageV01P116 # حتى رجع إلى الحق. # وكان فهم الصديق هو الموافق لنصوص القرآن والسنة. وفي " الصحيحين " أيضا ~~عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا ~~الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوه عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ~~وحسابهم على الله" 1. فهذا الحديث كآية براءة بين فيه ما يقاتل عليه الناس ~~ابتداء، فإذا فعلوه، وجب الكف عنهم إلا بحقه، فإن فعلوا بعد ذلك ما يناقض ~~هذا الإقرار والدخول في الإسلام، وجب القتال حتى يكون الدين كله لله، بل لو ~~أقروا بالأركان الخمسة وفعلوها، وأبوا عن فعل الوضوء للصلاة ونحوه، أو عن ~~تحريم بعض محرمات الإسلام كالربا أو الزنا أو نحو ms100 ذلك وجب قتالهم إجماعا، ~~ولم تعصمهم لا إله إلا الله ولا ما فعلوه من الأركان. # وهذا من أعظم ما يبين معنى لا إله إلا الله، وأنه ليس المراد منها مجرد ~~النطق، فإذا كانت لا تعصم من استباح محرما، أو أبى عن فعل الوضوء مثلا بل ~~يقاتل على ذلك حتى يفعله، فكيف تعصم من دان بالشرك وفعله وأحبه ومدحه، ~~وأثنى على أهله، ووالى عليه، وعادى عليه، وأبغض التوحيد الذي هو إخلاص ~~العبادة لله، وتبرأ منه، وحارب أهله، وكفرهم، وصد عن سبيل الله كما هو شأن ~~عباد القبور، وقد أجمع العلماء على أن من قال: لا إله إلا الله، وهو مشرك ~~أنه يقاتل حتى يأتي بالتوحيد. # ذكر التنبيه على كلام العلماء في ذلك فإن الحاجة داعية إليه لدفع شبه ~~عباد القبور في تعلقهم بهذه الأحاديث وما في معناها مع أنها حجة عليهم بحمد ~~الله لا لهم. # قال أبو سليمان الخطابي في قوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله ~~إلا الله" 2. معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون PageV01P117 # أهل الكتاب، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله، ثم يقاتلون، ولا يرفع عنهم ~~السيف. # وقال القاضي عياض: اختصاص عصم المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله ~~تعبير عن الإجابة إلى الإيمان، وأن المراد بذلك مشركو العرب، وأهل الأوثان، ~~ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام، وقوتل عليه، فأما غيرهم ~~ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى في عصمته بقوله لا إله إلا الله، إذ كان يقولها ~~في كفره، وهي من اعتقاده، فلذلك جاء في الحديث الآخر: "ويقيموا الصلاة ~~ويؤتوا الزكاة" 1. # وقال النووي: لا بد مع هذا من الإيمان لجميع ما جاء به رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكما جاء في الرواية الأخرى: "ويؤمنوا بي وبما جئت به" 2. # وقال شيخ الإسلام: لما سئل عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما ~~زعموا من اتباع أصل الإسلام، فقال: كل طائفة ممتنعة من التزام شرائع ~~الإسلام الظاهرة المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه ms101 يجب قتالهم حتى ~~يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين ملتزمين بعض شرائعه ~~كما قاتل أبو بكر والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة، وعلى ذلك اتفق ~~الفقهاء بعدهم قال: فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، ~~أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو ~~الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية ~~على أهل الكتاب، أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر ~~لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة ~~تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء. # قال: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة، بل هم خارجون ~~عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة. PageV01P118 # ومثل هذا كثير في كلام العلماء. # والمقصود التنبيه على ذلك، ويكفي العاقل المنصف ما ذكره العلماء من كل ~~مذهب في باب حكم المرتد، فإنهم ذكروا فيه أشياء كثيرة يكفر بها الإنسان، ~~ولو أتى بجميع الدين. وهو صريح في كفر عباد القبور، ووجوب قتالهم إن لم ~~ينتهوا حتى يكون الدين لله وحده، فإذا كان من التزام شرائع الدين كلها إلا ~~تحريم الميسر أو الربا أو الزنا يكون كافرا يجب قتاله، فكيف بمن أشرك بالله ~~ودعي إلى إخلاص الدين لله والبراءة والكفر بمن عبد غير الله، فأبى عن ذلك، ~~واستكبر وكان من الكافرين؟! # قوله: "وحسابه على الله" أي: إلى الله تبارك وتعالى، هو الذي يتولى ~~حسابه، فإن كان صادقا من قلبه جازاه بجنات النعيم، وإن كان منافقا عذبه ~~العذاب الأليم. وأما في الدنيا، فالحكم على الظاهر، فمن أتى بالتوحيد ~~والتزم شرائعه ظاهرا، وجب الكف عنه حتى يتبين منه ما يخالف ذلك. # واستدل الشافعية بالحديث على قبول توبة الزنديق، وهو الذي يظهر الإسلام، ~~ويسر الكفر. والمشهور في مذهب أحمد ومالك أنها لا تقبل، لقوله تعالى: {إلا ~~الذين تابوا وأصلحوا وبينوا} 1 والزنديق لا يتبين رجوعه، لأنه مظهر ~~الإسلام، مسر للكفر، ms102 فإذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها. ~~والحديث محمول على المشرك. ويتفرع على ذلك سقوط القتل وعدمه، أما في الآخرة ~~فإن كان دخل في الإسلام صادقا قبلت. # وفيه وجوب الكف عن الكافر إذا دخل في الإسلام ولو في حال القتال حتى ~~يتبين منه ما يخالف ذلك. # وفيه أن الإنسان قد يقول: لا إله إلا الله، ولا يكفر بما يعبد من دون ~~الله. # وفيه أن شرط الإيمان الإقرار بالشهادة، والكفر بما يعبد من دون الله مع ~~اعتقاد ذلك واعتقاد جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. # وفيه أن أحكام الدنيا على الظاهر، وأن مال المسلم ودمه حرام إلا في حق، ~~كالقتل قصاصا ونحوه، وتغريمه قيمة ما يتلفه. PageV01P119 # قوله: وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب. يعني أن ما يأتي بعد هذه ~~الترجمة من الأبواب شرح للتوحيد، وشهادة أن لا إله إلا الله، لأن معنى ~~التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، أن لا يعبد إلا الله ولا يعتقد النفع ~~والضر إلا في الله، وأن يكفر بما يعبد من دون الله، ويتبرأ منها ومن ~~عابديها، وما بعد هذا من الأبواب بيان لأنواع من العبادات والاعتقادات التي ~~يجب إخلاصها لله تعالى، وذلك هو معنى التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، ~~والله أعلم. # PageV01P120 # [1 ### | باب من الشرك لبس الحلقة والخيط ونحوهما لرفع البلاء أو دفعه # ش: رفع البلاء: إزالته بعد حصوله، ودفعه: منعه قبله، ومن هنا ابتدأ ~~المصنف في تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله بذكر شيء مما يضاد ذلك ~~من أنواع الشرك الأكبر والأصغر، فإن الضد لا يعرف إلا بضده. # كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. # فمن لا يعرف الشرك لم يعرف التوحيد وبالعكس، فبدأ بالأصغر الاعتقادي ~~انتقالا من الأدنى إلى الأعلى فقال: # وقول الله تعالى: {أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل ~~هن كاشفات ضره ... } 1. # ش: قال ابن كثير في تفسيرها، أي: لا تستطيع شيئا من الأمر. قل: {حسبي ~~الله} ، أي: ms103 الله كافي من توكل عليه، {عليه} يتوكل {المتوكلون} ، كما قال ~~هود عليه السلام حين قال له قومه: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال ~~إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا ~~تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} 2. ~~PageV01P120 # قلت: حاصله أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين: ~~أرأيتم، أي: أخبروني عن {ما تدعون من دون الله} ما تدعون من دون الله، أي: ~~تعبدونهم وتسألونهم من الأنداد والأصنام والآلهة المسميات بأسماء الإناث ~~الدالة أسماؤهن على بطلانهن وعجزهن، لأن الأنوثة من باب اللين والرخاوة، ~~كاللات والعزى {إن أرادني الله بضر} 1، أي: بمرض أو فقر أو بلاء أو شدة {هل ~~هن كاشفات ضره} 2، أي: لا يقدرون على ذلك أصلا {أو أرادني برحمة} 3، أي: ~~صحة، وعافية، وخير، وكشف بلاء. {هل هن ممسكات رحمته} 4. قال مقاتل: فسألهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم فسكتوا، أي: لأنهم لا يعتقدون ذلك فيها، وإنما ~~كانوا يدعونها على معنى أنها وسائط وشفعاء عند الله، لا لأنهم يكشفون الضر ~~ويجيبون دعاء المضطر، فهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قال تعالى: {ثم إذا ~~مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} ~~5. وقد دخل في ذلك كل من دعي من دون الله من الملائكة والأنبياء والصالحين، ~~فضلا عن غيرهم فلا يقدر أحد علىكشف ضر ولا إمساك رحمة، كما قال تعالى: {ما ~~يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو ~~العزيز الحكيم} 6. # وإذا كان كذلك بطلت عبادتهم من دون الله، وإذا بطلت عبادتهم فبطلان دعوة ~~الآلهة والأصنام أبطل وأبطل، وليس الحلقة والخيط لرفع البلاء أو دفعه كذلك، ~~فهذا وجه استدلال المصنف بالآية، وإن كانت الترجمة في الشرك الأصغر، فإن ~~السلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر، كما استدل حذيفة وابن عباس ~~وغيرهما وكذلك من جعل رؤوس الحمر ونحوها ms104 في البيت والزرع لدفع العين كما ~~يفعله أشباه المشركين، فإنه يدخل في ذلك، وقد يحتجون على ذلك بما رواه أبو ~~داود في المراسيل [540] عن علي بن الحسين مرفوعا: "احرثوا فإن الحرث مبارك، ~~وأكثروا فيه من الجماجم". وعنه أجوبة: PageV01P121 # أحدها: أنه حديث ساقط مرسل وأبو داود لم يشترط في مراسيله جمع المراسيل ~~الصحيحة الإسناد، وقد ضعفه السيوطي وغيره. # الثاني: أنه اختلف في تفسير الجماجم، فقيل: هي البذر، ذكره العزيزي في ~~"شرح الجامع". وقيل: الخشبة التي يكون في رأسها سكة الحرث، قاله أبو ~~السعادات بن الأثير في " النهاية ". وقيل: هي جماجم رؤوس الحيوان ذكره ~~العزيزي وغيره. وعلى هذا فقيل: أمر بجعلها لدفع الطير، ذكره العزيزي وغيره، ~~وهذا هو الأقرب لو ثبت الحديث مع أنه باطل وقيل: بل لدفع العين، وفيه حديث ~~ساقط أنه أمر بالجماجم في الزرع من أجل العين، وهو مع ذلك منقطع، ذكره ~~السيوطي وغيره، وهذا المعنى هو الذي تعلق به أشباه المشركين ولا ريب أنه ~~معنى باطل، لم يرده النبي صلى الله عليه وسلم لو كان الحديث صحيحا، وكيف ~~يريده وقد أمر بقطع الأوتار كما في " الصحيح ". # وقال: "من تعلق شيئا وكل إليه" 1. وقال: "من تعلق ودعة فلا ودع الله له" ~~2 وكانوا يجعلون ذلك من أجل العين كما سيأتي، فهلا أرخص لهم فيه؟! # الثالث: أن هذا مضاد لدين الإسلام الذي بعث الله به رسله، فإنه تعالى ~~إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده ولا يشرك به شيء، لا في العبادة ~~ولا في الاعتقاد، وهذا من جنس فعل الجاهلية الذين يعتقدون البركة والنفع ~~والضر فيما لم يجعل الله فيه شيئا من ذلك، ويعلقون التمائم والودع ونحوهما ~~على أنفسهم لدفع الأمراض والعين فيما زعموا. # فإن قيل: الفاعل لذلك لم يعتقد النفع فيه استقلالا، فإن ذلك لله وحده، ~~فهو النافع الضار، وإنما اعتقد أن الله جعله سببا كغيره من الأسباب. قيل: ~~هذا باطل أيضا، فإن الله لم يجعل ذلك سببا أصلا PageV01P122 # وكيف يكون الشرك سببا لجلب الخير ولدفع الضر، ولو قدر ms105 أن فيه بعض النفع، ~~فهو كالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما. ~~فإن قيل: كيف يكون شركا وقد روى أبو داود ذلك في مراسيله وغيره من العلماء ~~يروون الحديث ولم ينكره. # قيل: أهل العلم يروون الأحاديث الضعيفة والموضوعة لبيان حالها وإسنادها ~~لا للاعتماد عليها واعتقادها، وكتب المحدثين مشحونة بذلك، فبعضهم يذكر علة ~~الحديث، ويبين حاله وضعفه إن كان ضعيفا، ووضعه إن كان موضوعا، وبعضهم يكتفي ~~بإيراد الحديث بإسناده ويرى أنه قد برئ من عهدته إذا أورده بإسناده لظهور ~~حال رواته، كما يفعل ذلك الحافظ أبو نعيم، وأبو القاسم بن عساكر وغيرهما، ~~فليس في رواية من رواه وسكوته عنه دليل على أنه عنده صحيح أو حسن أو ضعيف، ~~بل قد يكون موضوعا عنده، فلا يدل سكوته عنه على جواز العمل به عنده، وسيأتي ~~في الكلام على حديث قطع الأوتار ما يدل على النهي عن هذا من كلام العلماء. # قال: عن عمران بن حصين "أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في يده ~~حلقة من صفر. فقال: ما هذه؟ قال: من الواهنة. فقال انزعها فإنها لا تزيدك ~~إلا وهنا فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" 1. رواه أحمد بسند لا بأس به. # ش: هذا الحديث ذكره المصنف بمعناه، أما لفظه فقال الإمام أحمد: حدثنا خلف ~~بن الوليد، ثنا المبارك عن الحسن قال أخبرني عمران بن حصين "أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أبصر على عضد رجل حلقة قال: أراه قال: من صفر ، فقال: ويحك ~~ما هذه قال من الواهنة قال: أما إنها لا تزيدك إلا وهنا، انبذها عنك، فإنك ~~لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا" 2. ورواه ابن ماجة دون قوله PageV01P123 # انبذها إلى آخره، وابن حبان في " صحيحه". وقال: فإنك إن مت وكلت إليها ~~والحاكم وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي: قال المنذري: رووه كلهم عن ~~مبارك بن فضالة عن الحسن عن عمران. ورواه ابن حبان أيضا بنحوه عن أبي عامر ~~الخزاز، عن الحسن، وهذه متابعة جيدة، ms106 إلا أن الحسن اختلف في سماعه من ~~عمران. # قال ابن المديني وغيره: لم يسمع منه،: وقال الحاكم: وأكثر مشايخنا على ~~أنه سمع منه. قلت: رواية الإمام أحمد ظاهرة في سماعه منه وهو الصواب. # قوله: عن عمران بن حصين. أي: ابن عبيد بن خلف الخزاعي أبو نجيد - بنون ~~وجيم مصغر - صحابي ابن صحابي. أسلم عام خيبر، ومات سنة اثنتين وخمسين ~~بالبصرة. # قوله: " رأى رجلا " في رواية الحاكم: "دخلت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وفي عضدي حلقة صفر. فقال: ما هذه؟ قلت: من الواهنة فقال: انبذها". ~~فالمبهم في رواية أحمد ومن وافقه هو عمران راوي الحديث. # قوله: "فقال ما هذا؟ ". يحتمل أن الاستفهام للاستفصال هل لبسها تحليا أم ~~لا؟ ويحتمل أن يكون للإنكار فظن اللابس أنه استفصل. # قوله: "من الواهنة". قال أبو السعادات: الواهنة: عرق يأخذ في المنكب وفي ~~اليد كلها، فيرقى منها. وقيل: هو مرض يأخذ في العضد، وربما علق عليها جنس ~~من الخرز يقال له: خرز الواهنة، وهي تأخذ الرجال دون النساء قال: وإنما ~~نهاه عنها، لأنه اتخذها على معنى أنها تعصمه من الألم، فكان عنده في معنى ~~التمائم المنهي عنه. قلت: وفيه استفصال المفتي واعتبار المقاصد. # PageV01P124 # قوله: "انزعها"؛ فإنها لا تزيدك إلا وهنا. لفظ الحديث: "انبذها" وهو ~~أبلغ، أي: اطرحها. والنزع هو الجذب بقوة، والنبذ يتضمن ذلك وزيادة وهو ~~الطرح والإبعاد، أمره بطرحها عنه وأخبر أنها لا تنفعه بل تضره، فلا تزيده ~~إلا وهنا، أي: ضعفا. وكذلك كل أمر نهي عنه فإنه لا ينفع غالبا أصلا، وإن ~~نفع بعضه، فضره أكبر من نفعه، وفيه النهي عن تعليق الحلق والخرز ونحوهما ~~على المريض أو غيره، والتنبيه على النهي عن التداوي بالحرام. وروى أبو داود ~~بإسناد حسن، والبيهقي عن أبي الدرداء مرفوعا في حديث: "تداووا ولا تداووا ~~بحرام" 1. # فإن قيل كيف قال صلى الله عليه وسلم: "لا تزيدك إلا وهنا" وهي ليس لها ~~تأثير؟ وقيل: هذا - والله أعلم - يكون عقوبة له على شركه لأنه وضعها لدفع ~~الواهنة، فعوقب بنقيض ms107 مقصوده. # قوله: "فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدا،"، أي:- لأنه مشرك والحالة ~~هذه، والفلاح هو الفوز والظفر والسعادة. # قال المصنف: فيه شاهد لكلام الصحابة أن الشرك الأصغر أكبر الكبائر، وأنه ~~لم يعذر بالجهالة، والإنكار بالتغليظ على من فعل مثل ذلك. # قلت: وفيه أن الصحابي لو مات وهي عليه ما أفلح أبدا، ففيه رد على ~~المغرورين الذين يفتخرون بكونهم من ذرية الصالحين، أو من أصحابهم، ويظنون ~~أنهم يشفعون لهم عند الله، وإن فعلوا المعاصي وفيه أن رتب الإنكار متفاوتة ~~فإذا كفى الكلام في إزالة المنكر لم يحتج إلى ضرب ونحوه. وفيه أن المسلم ~~إذا فعل ذنبا وأنكر عليه فتاب منه فإن ذلك لا ينقصه، وأنه ليس من شرط ~~أولياء الله عدم الذنوب. # قوله: رواه أحمد بسند لا بأس به. هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال ~~بن أسد الشيباني، أبو عبد الله المروزي، ثم البغدادي; إمام أهل عصره ~~وأعلمهم بالفقه والحديث، وأشدهم ورعا PageV01P125 # ومتابعة للسنة. روى عن الشافعي ويزيد بن هارون وابن مهدي ويحيى القطان ~~وابن عيينة وعفان وخلف. وروى عنه ابناه: عبد الله وصالح والبخاري ومسلم ~~وأبو داود وأبو بكر الأثرم والمروزي وخلق لا يحصون، مات سنة إحدى وأربعين ~~ومائتين وله سبع وسبعون سنة. # قال: وله عن عقبة بن عامر مرفوعا: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن ~~تعلق ودعة فلا ودع الله له" 1. وفي رواية: "من تعلق تميمة فقد أشرك" 2. # ش: الحديث الأول رواه أحمد كما قال المصنف، ورواه أيضا أبو يعلى والحاكم ~~وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي. # وقوله: "وفي رواية": هذا يوهم أن هذا في بعض الأحاديث المذكورة، وليس ~~كذلك، بل المراد أنه في حديث آخر رواه أحمد أيضا فقال: حدثنا عبد الصمد بن ~~عبد الوارث، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا يزيد بن أبي منصور، عن دخين ~~الحجري، عن عقبة بن عامر الجهني "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبل ~~إليه رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد. فقالوا: يا رسول الله، بايعت ms108 تسعة ~~وأمسكت عن هذا؟ قال: إن عليه تميمة فأدخل يده فقطعها، فبايعه. وقال: من علق ~~تميمة فقد أشرك" 3. ورواه الحاكم بنحوه، ورواته ثقات. # وقوله: (في هذا الحديث) : فأدخل يده فقطعها. أي: الرجل، بينه الحاكم في ~~روايته. # قوله: (عن عقبة بن عامر) . هو الجهني، صحابي مشهور، وكان فقيها فاضلا ولي ~~إمارة مصر لمعاوية ثلاث سنين ومات قريبا من الستين. # قوله: "من تعلق تميمة"، أي: متمسكا بها عليه وعلى غيره من طفل # أو دابة ونحو ذلك. قال المنذري: يقال: إنها خرزة كانوا يعلقونها ~~PageV01P126 # يرون أنها تدفع عنهم الآفات واعتقاد هذا الرأي جهل وضلالة إذ لا مانع ولا ~~دافع غير الله تعالى. # وقال أبو السعادات: التمائم جمع تميمة وهي خرزات كانت العرب تعلقها على ~~أولادهم، يتقون بها العين في زعمهم، فأبطله الإسلام. قال: كأنهم كانوا ~~يعتقدون أنها تمائم الدواء والشفاء. # قوله: "فلا أتم الله له"، دعاء عليه بأن الله لا يتم له أموره. # قوله: "ومن تعلق ودعة"، بفتح الواو وسكون المهملة. قال [الديلمي] في ~~"مسند الفردوس" شيء يخرج من البحر يشبه الصدف، يتقون به العين، # قوله: "فلا ودع الله له"، بتخفيف الدال، أي: لا جعله في دعة وسكون، وقيل: ~~هو لفظ بني من الودعة، أي: لا خفف الله عنه ما يخافه، قاله أبو السعادات. ~~وهذا دعاء عليه، فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك، فإنه مع كونه شركا، فقد دعا ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنقيض مقصوده. # قوله: "من تعلق تميمة فقد أشرك". قال ابن عبد البر: إذا اعتقد الذي علقها ~~أنها ترد العين، فقد ظن أنها ترد القدر، واعتقاد ذلك شرك. وقال أبو ~~السعادات: إنما جعلها شركا، لأنهم أرادوا دفع المقادير المكتوبة عليهم، ~~وطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه. # قال: ولابن أبي حاتم، "عن حذيفة أنه رأى رجلا في يده خيط من الحمى فقطعه ~~وتلا قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} 1 ". # ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم كما قال المصنف. # ولفظه: حدثنا محمد بن ms109 الحسين بن إبراهيم بن إشكاب، ثنا يونس بن محمد ثنا ~~حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود، PageV01P127 # عن عروة قال: دخل حذيفة على مريض، فرأى في عضده سيرا1 فقطعه أو انتزعه، ~~ثم قال: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} 2 وابن أبي حاتم هو الإمام ~~أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي التميمي الحنظلي، ~~الحافظ ابن الحافظ، صاحب "الجرح والتعديل"، والتفسير وغيرهما. مات سنة سبع ~~وعشرين وثلاثمائة. # وحذيفة هو ابن اليمان، واسم اليمان حسيل بمهملتين. مصغرا ويقال حسل بكسر ~~ثم سكون، العبسي بالموحدة، حليف الأنصار، صحابي جليل من السابقين ويقال ~~[له] : صاحب السر، وأبوه أيضا صحابي، مات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست ~~وثلاثين. # قوله: (رأى رجلا في يده خيط من الحمى) . أي: من أجل الحمى لدفعها، وكان ~~الجهال يعلقون لذلك التمائم والخيوط ونحوها. وروى وكيع: "عن حذيفة أنه دخل ~~على مريض يعوده، فلمس عضده فإذا فيه خيط فقال: ما هذا؟ فقال: شيء رقي لي ~~فيه، فقطعه فقال: لو مت وهو عليك ما صليت عليك". # قوله: (فقطعه) ، فيه إنكار هذا، وإن كان يعتقد أنه سبب فإن الأسباب لا ~~يجوز منها إلا ما أباحه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم مع عدم الاعتماد ~~عليه، فكيف بما هو شرك كالتمائم والخيوط والخرز والطلاسم ونحو ذلك مما ~~يعلقه الجهال؟ وفيه إزالة المنكر باليد بغير إذن الفاعل، وإن كان يظن أن ~~الفاعل يزيله، وإن إتلاف آلات المنكر واللهو جائزة وإن لم يأذن صاحبها. # قوله: وتلا قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم PageV01P128 # مشركون} 1. استدل حذيفة بهذه الآية على أن تعليق الخيط ونحوه مما ذكر ~~شرك، أي: أصغر كما تقدم في الحديث، ففيه صحة الاستدلال بما نزل في الأكبر ~~على الأصغر، ومعنى الآية أن الله أخبر عن المشركين أنهم يجمعون بين الإيمان ~~بالله، أي: بوجوده، وأنه الخالق الرزاق المحيي المميت، ثم مع ذلك يشركون في ~~عبادته فسرها بذلك ابن عباس وعطاء ومجاهد والضحاك وابن زيد وغيرهم. ~~PageV01P129 # [2- ### | باب ما ms110 جاء في الرقى والتمائم # ش: أي: في حكمها. ولما كانت الرقى على ثلاثة أقسام، قسم يجوز، وقسم لا ~~يجوز، وقسم في جوازه خلاف; لم يجزم المصنف بكونهما من الشرك، لأن في ذلك ~~تفصيلا بخلاف لبس الحلقة والخيط ونحوهما مما ذكر، فإن ذلك شرك مطلقا. # قال في "الصحيح": عن أبي بشير الأنصاري أنه كان مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولا "أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر ~~أو قلادة إلا قطعت" 1. # ش: قوله: في "الصحيح" أي: في "الصحيحين". # قوله: (عن أبي بشير) بفتح أوله وكسر المعجمة- الأنصاري، قيل: اسمه قيس بن ~~عبيد، قاله ابن سعد. وقال ابن عبد البر: لا يوقف له على اسم صحيح، وهو ~~صحابي شهد الخندق ومات بعد الستين، يقال: جاوز المائة. # قوله: "في بعض أسفاره". قال الحافظ: لم أقف على تعيينها. # قوله: (فأرسل رسولا) . هو زيد بن حارثة. وروى ذلك الحارث بن أبي أسامة في ~~" مسنده " قاله الحافظ. # قوله: "أن لا يبقين". هو بالمثناة والقاف المفتوحتين; وفي رواية لا تبقين ~~بحذف "أن" والمثناة الفوقية والقاف المفتوحتين PageV01P129 # أيضا. و"قلادة" مرفوع على أنه فاعل و"الوتر" بفتحتين واحد أوتار القوس. # قوله: "أو قلادة إلا قطعت" هو برفع "قلادة" أيضا، عطف على الأول، ومعناه ~~أن الراوي شك، هل قال شيخه قلادة من وتر؟ فقيد القلادة بأنها من وتر، أو ~~قال: قلادة وأطلق ولم يقيد. ويؤيده ما روي عن مالك أنه سئل عن القلادة ~~فقال: ما سمعت بكراهتها إلا في الوتر. وفي رواية أبي داود: "ولا قلادة"، ~~بغير شك، والأولى أصح، لاتفاق الشيخين عليها، وللرخصة في القلائد، إلا ~~الأوتار ولما روى أبو داود والنسائي من حديث أبي وهب الجشمي مرفوعا: ~~"ارتبطوا الخيل وقلدوها، ولا تقلدوها الأوتار" ولأحمد عن جابر مرفوعا مثله ~~وإسناده جيد. # قال البغوي في "شرح السنة1 ": تأول مالك أمره عليه السلام بقطع القلائد ~~على أنه من أجل العين، وذلك أنهم كانوا يشدون بتلك الأوتار والتمائم ~~والقلائد، ويعلقون عليها العوذ، يظنون أنها تعصم من الآفات، ms111 فنهاهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم عنها، وأعلمهم أنها لا ترد من أمر الله شيئا. وقال أبو ~~عبيد القاسم بن سلام: كانوا يقلدون الإبل الأوتار لئلا نصيبها العين، ~~فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم بأن الأوتار لا ترد ~~شيئا، وكذلك قال ابن الجوزي وغيره. # قال الحافظ: ويؤيده حديث عقبة بن عامر رفعه: "من تعلق تميمة فلا أتم الله ~~له" 2. رواه أبو داود، وهي ما علق من القلائد خشية العين ونحو ذلك انتهى. # فعلى هذا، يكون تقليد الإبل وغيرها الأوتار وما في معناها لهذا المعنى ~~حراما، بل شركا، لأنه PageV01P130 # من تعليق التمائم المحرمة، ومن تعلق تميمة فقد أشرك ولم يصب من قال: إنه ~~مكروه كراهة تنزيه. # قال: وعن ابن مسعود سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى ~~والتمائم والتولة شرك" 1 رواه أحمد وأبو داود. # ش: الحديث رواه أحمد، وأبو داود، كما قال المصنف، وفيه قصة كأن المصنف ~~اختصرها. ولفظ أبي داود: "عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود أن عبد الله بن ~~مسعود رأى في عنقي خيطا، فقال: ما هذا؟ قلت: خيط رقي لي فيه. قالت: فأخذه ~~فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: إن الرقى والتمائم والتولة شرك. فقلت: لم تقول هكذا؟ لقد ~~كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها، فإذا رقاها: سكنت: ~~فقال عبد الله: إنما ذلك عمل الشيطان ينخسها بيده، فإذا رقيتها كف عنها، ~~إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أذهب ~~البأس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما". ~~ورواه ابن ماجة وابن حبان، والحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبي. # قوله: "إن الرقى". قال المصنف: الرقي هي التي تسمى العزائم، وخص منه ~~الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~العين والحمة. # يشير إلى أن الرقى الموصوفة بكونها ms112 شركا هي الرقى التي فيها شرك، من دعاء ~~غير الله، والاستغاثة والاستعاذة به، كالرقى بأسماء الملائكة والأنبياء ~~والجن ونحو ذلك، أما الرقى بالقرآن وأسماء الله وصفاته ودعائه والاستعاذة ~~به وحده لا شريك له، فليست شركا، بل ولا ممنوعة، بل مستحبة أو جائزة. # قوله: "فقد رخص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحمة". تقدم ~~ذلك في باب من حقق التوحيد، وكذلك رخص فيه من PageV01P131 # غيرها، كما في "صحيح مسلم": "عن عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية ~~فقلنا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف ترى في ذلك؟ فقال: اعرضوا علي ~~رقاكم، لا بأس بالرقى، ما لم يكن فيه شرك" 1. وفيه "عن أنس قال: رخص رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة" 2. "وعن عمران ~~بن حصين مرفوعا "لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم" 3. رواه أبو داود وفي ~~الباب أحاديث كثيرة. # قال الخطابي: وكان عليه السلام قد رقى ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت ~~بالقرآن أو بأسماء الله تعالى، فهي مباحة أو مأمور بها، وإنما جاءت ~~الكراهية والمنع فيما كان منها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا، أو ~~قولا يدخله الشرك، قال: ويحتمل أن يكون الذي يكره من ذلك ماكان على مذاهب ~~الجاهلية التي يتعاطونها، وأنها تدفع عنهم الآفات، ويعتقدون ذلك من قبل ~~الجن ومعونتهم. # قلت: ويدل على ذلك: "قول علي بن أبي طالب: إن كثيرا من هذه الرقى ~~والتمائم شرك، فاجتنبوه". رواه وكيع، فهذا يبين معنى حديث ابن مسعود ونحوه. # وقال [عبد الواحد] بن التين: الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله تعالى ~~هو الطب الروحاني، فإذا كان على لسان الأبرار من الخلق، حصل الشفاء بإذن ~~الله تعالى، فلما عفي عن هذا النوع، فزع الناس إلى الطب الجسماني وتلك ~~الرقى المنهي عنها التي يستعملها المعزم وغيره ممن يدعي تسخير الجن له، ~~فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله تعالى وأسمائه ما ~~يشوبه من ذكر ms113 الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم. # ويقال: إن الحية لعداوتها الإنسان بالطبع تصادق الشياطين لكونهم أعداء ~~بني آدم، فإذا عزم على الحية PageV01P132 # بأسماء الشياطين أجابت وخرجت من مكانها. وكذا اللديغ إذا رقي بتلك ~~الأسماء سالت سمها من بدن الإنسان، ولذلك كره الرقى ما لم تكن بآيات الله ~~وأسمائه خاصة، وباللسان العربي الذي يعرف معناه، ليكون بريئا من شوب الشرك، ~~وعلى كراهية الرقى بغير كتاب الله علماء الأمة. # قال شيخ الإسلام: كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقى به، فضلا عن أن يدعو به ~~ولو عرف معناه، لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يعرف ~~العربية، فأما جعل الألفاظ العجمية شعارا، فليس من الإسلام. # قلت: وسئل ابن عبد السلام عن الحروف المقطعة، فمنع منها ما لا يعرف، لئلا ~~يكون فيه كفر. # وقال السيوطي: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: أن ~~يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وبما يعرف ~~معناه، وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى، فتلخص أن ~~الرقية ثلاثة أقسام. # قوله: "والتمائم". تقدم كلام المنذري وابن الأثير في معناه في الباب قبله ~~وظاهره تخصيص التمائم بما ذكراه. # وقال المصنف: التمائم شيء يعلق على الأولاد من العين. وقال الخلخالي: ~~التمائم جمع تميمة وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام لدفع العين، ~~وهذا منهي عنه، لأنه لا دافع إلا الله، ولا يطلب دفع المؤذيات إلا بالله ~~وأسمائه وصفاته، وظاهره أن ما علق لدفع العين وغيرها فهو تميمة من أي شيء ~~كان، وهذا هو الصحيح. # وقد يقال: إن كلام المنذري وابن الأثير وغيرهما لا يخالفه. # قال المصنف: لكن إذا كان المعلق من القرآن فرخص فيه بعض السلف، وبعضهم لم ~~يرخص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود. # PageV01P133 # اعلم أن العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم اختلفوا في جواز تعليق ~~التمائم التي من القرآن وأسماء الله وصفاته، فقالت طائفة: يجوز ذلك، وهو ~~قول عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره، ms114 وهو ظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال ~~أبو جعفر الباقر وأحمد في رواية، وحملوا الحديث على التمائم الشركية، أما ~~التي فيها القرآن وأسماء الله وصفاته، فكالرقية بذلك. قلت: وهو ظاهر اختيار ~~ابن القيم. # وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وبه قال ابن مسعود، وابن عباس وهو ظاهر قول ~~حذيفة، وعقبة بن عامر، وابن عكيم رضي الله عنهم، وبه قال جماعة من ~~التابعين، منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها كثير من أصحابه، ~~وجزم بها المتأخرون، واحتجوا بهذا الحديث وما في معناه فإن ظاهره العموم لم ~~يفرق بين التي في القرآن وغيرها بخلاف الرقى فقد فرق فيها، ويؤيد ذلك أن ~~الصحابة الذين رووا الحديث فهموا العموم كما تقدم عن ابن مسعود. وروى أبو ~~داود: "عن عيسى بن حمزة1, قال: دخلت على عبد الله بن عكيم وبه حمرة. فقلت: ~~ألا تعلق تميمة؟ فقال: نعوذ بالله من ذلك قال رسول الله: "من تعلق شيئا وكل ~~إليه" 2. وروى وكيع: "عن ابن عباس قال: اتفل بالمعوذتين ولا تعلق". # وأما القياس على الرقية بذلك، فقد يقال بالفرق، فكيف يقاس التعليق الذي ~~لا بد فيه من ورق أو جلود ونحوهما على ما لا يوجد ذلك فيه، فهذا إلى الرقى ~~المركبة من حق وباطل أقرب. # هذا اختلاف العلماء في تعليق القرآن وأسماء الله وصفاته، فما ظنك بما حدث ~~بعدهم من الرقى بأسماء الشياطين وغيرهم وتعليقها؟! بل والتعلق عليهم، ~~والاستعاذة بهم، والذبح لهم، وسؤالهم كشف الضر، وجلب الخير مما هو شرك محض، ~~وهو غالب على كثير من الناس إلا من سلم الله، PageV01P134 # فتأمل ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه أصحابه والتابعون، ~~وما ذكره العلماء بعدهم في هذا الباب وغيره من أبواب الكتاب، ثم انظر إلى ~~ما حدث في الخلوف المتأخرة، يتبين لك دين الرسول صلى الله عليه وسلم وغربته ~~الآن في كل شيء، فالله المستعان. # قوله: "والتولة شرك:" قال المصنف: هو شيء يصنعونه يزعمون أنه # يحبب المرأة إلى زوجها، والزوج إلى امرأته، وكذا قال ms115 غيره أيضا. وبهذا ~~فسره ابن مسعود راوي الحديث كما في "صحيح ابن حبان" والحاكم. قالوا: يا أبا ~~عبد الرحمن هذه الرقى والتمائم قد عرفناهما، فما التولة؟ قال شيء يضعه ~~النساء يتحببن إلى أزواجهن. قال الحافظ: التولة بكسر المثناة وفتح الواو ~~واللام مخففا شيء كانت المرأة تجلب به محبة زوجها، وهو ضرب من السحر، وإنما ~~كان ذلك من الشرك، لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله. # قال: وعن عبد الله بن عكيم مرفوعا: "من تعلق شيئا وكل إليه" 1 رواه أحمد، ~~والترمذي. # ش: ورواه أيضا أبو داود والحاكم. # قوله: (عن عبد الله بن عكيم) . هو بضم المهملة مصغرا، ويكنى أبا معبد ~~الجهني الكوفي. قال البخاري: أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرف ~~له سماع صحيح، وكذا قال أبو حاتم: وقال معناه أبو زرعة، وابن حبان وابن ~~منده، وأبو نعيم. وقال البغوي: يشك في سماعه. وقال الخطيب: سكن الكوفة، ~~وقدم المدائن في حياة حذيفة، وكان ثقة، وذكر ابن سعد عن غيره أنه مات في ~~ولاية الحجاج، وظاهر كلام هؤلاء الأئمة أن الحديث مرسل. # قوله: "من تعلق شيئا وكل إليه". # التعلق يكون بالقلب ويكون بالفعل، ويكون بهما جميعا، أي: من تعلق شيئا ~~بقلبه، أو تعلقه PageV01P135 # بقلبه وفعله، وكل إليه، أي: وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه، فمن ~~تعلقت نفسه بالله، وأنزل حوائجه بالله، والتجأ إليه، وفوض أمره كله إليه، ~~كفاه كل مؤنة، وقرب إليه كل بعيد، ويسر له كل عسير، ومن تعلق بغيره أو سكن # إلى علمه وعقله ودوائه وتمائمه، واعتمد على حوله وقوته، وكله الله إلى ~~ذلك وخذله، وهذا معروف بالنصوص والتجارب. # قال الله تعالى: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 1. وقال الإمام أحمد: ~~حدثنا هاشم بن القاسم، ثنا أبو سعيد المؤدب، ثنا من سمع: "عطاء الخراساني، ~~قال: لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت، فقلت له: حدثني حديثا أحفظه عنك في ~~مقامي هذا وأوجز. قال: "نعم، أوحى الله تبارك وتعالى إلى داود: يا داود أما ms116 ~~وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبيدي دون خلقي أعرف ذلك من نيته فتكيده ~~السموات السبع ومن فيهن والأرضون السبع ومن فيهن إلا جعلت له من بينهن ~~مخرجا، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبيدي بمخلوق دوني أعرف ذلك من ~~نيته، إلا قطعت أسباب السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت قدميه، ثم لا ~~أبالي بأي واد هلك". # قال: وروى الإمام أحمد: "عن رويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "يا رويفع، لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد ~~وترا أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه" 2. # ش: الحديث رواه الإمام أحمد عن يحيي بن إسحاق، والحسن بن موسى الأشيب، ~~كلاهما عن ابن لهيعة، وفيه قصة، فاختصرها المصنف، وهذا لفظ الحسن. قال: ~~حدثنا ابن لهيعة: ثنا عياش بن عباس، عن شييم بن بيتان قال: ثنا: "رويفع بن ~~ثابت قال: كان أحدنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ جمل أخيه ~~على أن يعطيه النصف مما يغنم، وله النصف، حتى إن أحدنا ليصير له النصل ~~PageV01P136 # والريش، والآخر القدح، ثم قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا ~~رويفع لعل الحياة تطول بك، فأخبر الناس أنه من عقد لحيته، أو تقلد وترا، أو ~~استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمدا بريء منه". ثم رواه أحمد عن يحيى بن ~~غيلان، ثنا المفضل، حدثني عياش بن عباس أن شييم بن بيتان أخبره أنه سمع ~~شيبان القتباني يقول: استخلف مسلمة بن مخلد رويفع بن ثابت الأنصاري على ~~أسفل الأرض، قال: فسرنا معه، فقال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~... الحديث. # وفي الإسناد الأول ابن لهيعة، وفيه مقال، وفي الثاني شيبان القتباني قيل ~~فيه: مجهول، وبقية رجالهما ثقات. ورواه أبو داود من طريق المفضل به مطولا ~~وسكت عليه، ثم قال: حدثنا يزيد بن خالد، أنا مفضل عن عياش أن شييم بن بيتان ~~أخبره أيضا بهذا الحديث عن ms117 أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو يذكر ذلك ~~وهو معه مرابط بحصن باب أليون. # قال أبو داود: حصن أليون بالفسطاط على جبل. قلت: وهذا إسناد جيد. رواه ~~النسائي من رواية شييم عن رويفع، وصرح بسماعه منه ولم يذكر شيبان، فإن كان ~~ذكر شيبان وهما فالإسناد صحيح، وحسنه النووي، وصححه بعضهم. قال الحافظ أبو ~~زرعة [بن العراقي] في "شرح أبي داود": ورواه الطحاوي مختصرا فذكر منه ~~الاستنجاء برجيع دابة أو عظم فقط. ورواه محمد بن الربيع الجيزي في كتاب من ~~دخل مصر من الصحابة أولا، وفيه أن من عقد لحيته في الصلاة. # قوله: "فأخبر الناس". دليل على وجوب إخبار الناس بذلك على رويفع، وليس ~~هذا مختصا به، بل كل من كان عنده علم ليس عند غيره مما يحتاج إليه الناس، ~~وجب عليه تبليغه للناس، وإعلامهم به فإن اشترك هو وغيره في علم ذلك، ~~فالتبليغ فرض كفاية. هذا كلام أبي زرعة. # قوله: "لعل الحياة تطول بك". علم من إعلام النبوة، لأنه وقع # PageV01P137 # كما أخبر به صلى الله عليه وسلم، فإن رويفعا طالت حياته إلى سنة ست ~~وخمسين، فمات فيها ببرقة من أعمال مصر أميرا عليها، وهو من الأنصار. وقيل: ~~مات سنة ثلاث وخمسين، قاله ابن يونس. # قوله: أن من عقد لحيته. بكسر اللام لا غير، قاله في "المشارق" والجمع ~~لحى، بالكسر والضم، قاله الجوهري. # قال الخطابي: وأما نهيه عن عقد اللحية، فإن ذلك يفسر على وجهين: أحدهما: ~~ما كانوا يفعلونه من ذلك في الحروب، كانوا في الجاهلية يعقدون لحاهم، وذلك ~~من زي بعض الأعاجم يفتلونها ويعقدونها. # قلت: كأنهم كانوا يفعلونه تكبرا وعجبا، كما ذكره أبو السعادات. # قال: ثانيهما: أن معناه معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل ~~التوضيع والتأنيث. # وقال أبو زرعة بن العراقي: والأولى حمله على عقد اللحية في الصلاة كما ~~دلت عليه رواية محمد بن الربيع المتقدم ذكرها، فهو موافق للحديث الصحيح في ~~النهي عن كف الشعر والثوب فإن عقد اللحية فيه كفها وزيادة. # قوله: "أو تقلد ms118 وترا". أي: جعله قلادة في عنقه أو عنق دابته ونحو ذلك. # وفي رواية محمد بن الربيع: أو تقلد وترا، يريد تميمة، # فهذا يدل على أنهم كانوا يتقلدون الأوتار من أجل العين، إذ فسره بالتميمة ~~وهي تجعل لذلك. # قوله:"أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدا بريء منه". قال النووي: ~~أي: بريء من فعله. وقال بهذه الصيغة ليكون أبلغ في الزجر. # قلت: فيه النهي عن الاستنجاء برجيع الدواب والعظام. # وقد ورد في ذلك أحاديث، منها: ما في "صحيح مسلم" عن ابن # PageV01P138 # مسعود مرفوعا: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنه زاد إخوانكم من ~~الجن" 1. وعلى هذا فلا يجزئ الاستنجاء بهما كما هو ظاهر مذهب أحمد، واختار ~~شيخ الإسلام وجماعة الإجزاء وإن كان محرما. # قالوا: لأنه لم ينه عنه لكونهما لا ينقيان، بل لإفسادهما. قلت: الأول ~~أولى، لما رواه ابن خزيمة، والدارقطني من طريق الحسن بن الفرات، عن أبيه، ~~عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى أن ~~يستنجى بعظم أو روث وقال: إنهما لا يطهران". وهذا إسناد جيد. # قال: وعن سعيد بن جبير، قال:"من قطع تميمة من إنسان كان كعدل رقبة". رواه ~~وكيع. # ش: هذا عند أهل العلم له حكم الرفع، لأن مثل ذلك لا يقال بالرأي فيكون ~~على هذا مرسلا، لأن سعيدا تابعي، وفيه فضل قطع التمائم، لأنها من الشرك. # ووكيع هو ابن الجراح بن وكيع الكوفي، # ثقة إمام، صاحب تصانيف منها "الجامع" وغيره. # روى عنه الإمام أحمد وطبقته. مات سنة سبع وتسعين ومائة. # قال: وله عن إبراهيم، كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن. # ش: إبراهيم: هو إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي يكنى أبا عمران، ثقة إمام، ~~من كبار فقهاء الكوفة. # قال المزني: دخل على عائشة ولم يثبت له سماع منها، مات سنة ست وتسعين وله ~~خمسون سنة ونحوها. # قوله:"كانوا يكرهون التمائم ... " إلى آخره. # مراده بذلك أصحاب عبد الله بن مسعود كعلقمة والأسود وأبي وائل والحارث بن ~~سويد وعبيدة السلماني، ومسروق والربيع بن ms119 خيثم وسويد بن غفلة وغيرهم من ~~أصحاب ابن مسعود وهم من سادات التابعين، وهذه الصيغة يستعملها PageV01P139 # إبراهيم في حكاية أقوالهم كما بين ذلك الحفاظ كالعراقي وغيره. # PageV01P140 # [3- ### | باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما # ش: كبقعة وغار وعين وقبر ونحو ذلك مما يعتقد كثير من عباد القبور ~~وأشباههم فيه البركة فيقصدونه رجاء البركة. # ويعني بقوله: تبرك أي: طلب البركة ورجاها واعتقدها، أي: ما حكمه هل هو ~~شرك أم لا؟ . # [ذكر صفة الأوثان التي كانت تعبد من دون الله] # قال: وقول الله تعالى: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم ~~الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ~~ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم ~~من ربهم الهدى} 1. # ش: هكذا ثبت في خط المصنف الآيات يعني إلى قوله: {ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى} . قال القرطبي لما ذكر الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من ~~آثار قدرته ما ذكر، حاج المشركين، إذ عبدوا ما لا يعقل وقيل: أفرأيتم هذه ~~الآلهة التي تعبدونها أوحين إليكم شيئا كما أوحي إلى محمد صلى الله عليه ~~وسلم؟ وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال. وقال ~~ابن هشام [بن الكلبي في الأصنام] : كانت مناة لهذيل وخزاعة. # ذكر صفة هذه الأوثان. # ليعرف المؤمن كيفية الأوثان، وكيفية عبادتها، وما هو شرك العرب الذين ~~كانوا يفعلونه حتى يفرق بين التوحيد والإخلاص وبين الشرك والكفر. # فأما اللات فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد ~~وحميد وأبو صالح ورويس عن يعقوب: اللات PageV01P140 # بتشديد التاء. ### | 1- # فعلى الأولى قال الأعمش: سموا اللات من الإله والعزى من العزيز. # قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من الله تعالى، فقالوا: اللات ~~مؤنثة منه، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. قال: وكذا العزى من العزيز. # قال ابن كثير: وكانت صخرة بيضاء منقوشة عليها بيت بالطائف، له أستار ~~وسدنة1، وحوله فناء معظم عند أهل الطائف، وهم ثقيف ms120 ومن تابعها، يفتخرون به ~~على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش. # قال ابن هشام [بن الكلبي] : وكانت في موضع مسجد الطائف اليسرى، فلم يزل ~~كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن ~~شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ### | 2- # وعلى الثانية قال ابن عباس: كان رجلا يلت2 السويق للحاج، فلما مات عكفوا ~~على قبره. ذكره البخاري. # وقال ابن عباس كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويلته عليها، فلما مات ~~ذلك الرجل، عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق. وعن مجاهد نحوه، ~~وقال: فلما مات عبدوه. رواه سعيد بن منصور والفاكهي، وكذا روى ابن أبي حاتم ~~عن ابن عباس: أنهم عبدوه. # وقال ابن جريج: كان رجل من ثقيف يلت السويق بالزيت، فلما توفي جعلوا إلى ~~قبره وثنا،. وبنحو ذلك قال PageV01P141 # جماعة من أهل العلم، ولا تخالف بين القولين، فإن من قال: إنها صخرة لم ~~ينف أن تكون صخرة على القبر أو حواليه فعظمت وعبدت تبعا لا قصدا، فالعبادة ~~إنما أرادوا بها صاحب القبر، فهو الذي عبدوه بالأصالة; يدل على ذلك ما روى ~~الفاكهي عن ابن عباس أن اللات لما مات قال لهم عمرو بن لحيي: إنه لم يمت، ~~ولكنه دخل الصخرة فعبدوها، وبنوا عليها بيتا، فتأمل فعل المشركين مع هذا ~~الوثن، ووازن بينه وبين بناء القباب على القبور والعكوف عندها ودعائها، ~~وجعلها ملاذا عند الشدائد. # وأما العزى فقال ابن جرير: كانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة بين مكة ~~والطائف كانت قريش يعظمونها، كما قال أبو سفيان يوم أحد: "لنا العزى ولا ~~عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قولوا: "الله مولانا ولا مولى ~~لكم" 1. وروى النسائي وابن مردويه عن أبي الطفيل قال: "لما فتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد إلى نخلة وكانت بها العزى، ~~فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات2 فقطع السمرات، وهدم البيت الذي كان ~~عليها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ارجع فإنك لم ms121 تصنع ~~شيئا، فرجع خالد، فلما أبصرته السدنة وهم حجبتها أمعنوا في الجبل وهم ~~يقولون: يا عزى يا عزى فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها، تحفن ~~التراب على رأسها فعممها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأخبره فقال: تلك العزى" قال هشام [بن الكلبي] : وكانوا يسمعون ~~منها الصوت. وقال أبو صالح [با ذام مولى أم هانئ] : "العزى نخلة كانوا ~~يعلقون عليها السيور والعهن". رواه عبد بن حميد وابن جرير. # فتأمل فعل المشركين مع هذا الوثن، ووازن بينه وبين ما يفعله عباد القبور ~~من دعائها، والذبح عندها، وتعليق الخيوط وإلقاء الخرق في ضرائح الأموات ~~ونحو ذلك، فالله المستعان. PageV01P142 # وأما مناة، فكانت بالمشلل عند قديد بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس ~~والخزرج يعظمونها، ويهلون مهنا للحج إلى الكعبة وأصل اشتقاقها من اسم الله ~~المنان، # وقيل: من منى الله الشيء: إذا قدره. وقيل: سميت مناة لكثرة ما يمنى، أي: ~~يراق عندها من الدماء للتبرك بها. # قال هشام [بن الكلبي] : فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا فهدمها ~~عام الفتح. # قال ابن إسحاق في "السيرة": وقد كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي ~~بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب، وتهدي لها كما يهدى للكعبة، ~~وتطوف بها وتنحر عندها، وهي تعرف فضل الكعبة عليها، لأنها كانت قد عرفت ~~أنها بيت إبراهيم عليه السلام ومسجده. # قلت: هذا الذي ذكره ابن إسحاق من شرك العرب هو بعينه الذي يفعله عباد ~~القبور، بل زادوا على الأولين. # إذا تبين هذا فمعنى الآية كما قال القرطبي: إن فيها حذفا تقديره: أفرأيتم ~~هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله؟!. # وقال غيره: ومناة الثالثة الأخرى، ذم، وهي المتأخرة الوضيعة المقدار ~~كقوله: {وقالت أولاهم لأخراهم} [الأعراف، من الآية: 39] ، أي وضعاؤهم ~~لرؤسائهم. # وقوله: {ألكم الذكر وله الأنثى} . قال ابن كثير: أي أتجعلون له ولدا ~~وتجعلون ولده الأنثى، وتختارون لكم الذكور؟! وقال غيره: بجوز أن يراد اللات ~~والعزى ومناة إناث، وقد جعلتموهن لله شركاء، ms122 ومن شأنكم أن تحتقروا الإناث ~~وتستنكفوا من أن يولدن لكم، أو ينسبن إليكم، فكيف تجعلون هؤلاء الإناث ~~أندادا لله وتسمونهن آلهة؟!. قلت: ما أقرب هذا القول إلى سياق الآية؟! # وقوله: {تلك إذا قسمة ضيزى} ، أي: جور وباطلة، فكيف. تقاسمون ربكم هذه ~~القسمة التي لو كانت بين مخلوقين كانت جورا وسفها، فتنزهون أنفسكم عن ~~الإناث، وتجعلونهن لله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا؟!. # وقوله: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} . # قال ابن كثير، # PageV01P143 # ثم قال منكرا عليهم فيما ابتدعوه، وأحدثوه من الكذب والافتراء والكفر من ~~عبادة الأصنام، وتسميتها آلهة: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} ، ~~أي: من تلقاء أنفسكم. {ما أنزل الله بها من سلطان} ، أي: من حجة. {إن ~~يتبعون إلا الظن} ، أي: ليس لهم # مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا ~~حظ أنفسهم في رياستهم، وتعظيم آبائهم الأقدمين! . # وقوله: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} 1. # ش: قال ابن كثير: ولقد أرسل الله إليهم الرسل بالحق المنير، والحجة ~~القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاؤوهم به ولا انقادوا له. # قلت: في هذه الآيات من الدلائل القطعية على بطلان عبادة هذه الطواغيت، ~~وأشباهها بما لا مزيد عليه، فسبحان من جعل كلامه شفاء وهدى ورحمة، وبشرى ~~للمسلمين. # منها: أنها أسماء مؤنثة دالة على اللين والرخاوة، وما كان كذلك فليس ~~بإله, ومنها: أنكم قاسمتم الله بزعمكم فجعلتم له هذه الأسماء المؤنثة شركاء ~~ودعوتم له الأولاد، ثم جعلتموهم بنات واختصصتم بالذكور، فجعلتم له المكروه ~~الناقص، ولكم المحبوب الكامل: {للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله ~~المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم} 2. # ومنها: أنها أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ابتدعتموها. # ومنها: أنها ما أنزل الله بها من سلطان، أي: حجة وبرهان، ومنها أنكم لم ~~تستندوا في تسميتها إلى علم ويقين، وإنما استندتم في ذلك إلى الظن والهوى ~~اللذين هما أصلا الهلاك دنيا وأخرى. # ومنها: {ولقد جاءهم من ربهم الهدى} ، أي: بإبطال عبادتها، وما كان كذلك، ~~فهو عين المحال البين البطلان، وكل واحد ms123 من هذه الأدلة كاف شاف في بطلان ~~عبادتها. PageV01P144 # فإن قلت: فأين دليل الترجمة من الآيات؟ قيل: هو بين بحمد الله، لأنه إن ~~كان التبرك بالشجر والقبور والأحجار من الأكبر فواضح، وإن كان من الأصغر، ~~فالسلف يستدلون بما نزل في الأكبر على الأصغر. # قال:"وعن أبي واقد الليثي قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها ~~أسلحتهم يقال لها: ذات أنواط. فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما ~~لهم ذات أنواط: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله أكبر إنها السنن، ~~قلتم: والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم ~~آلهة. قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم" 1. رواه الترمذي ~~وصححه. # ش: الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف: ولفظه: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن ~~المخزومي حدثنا سفيان عن الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي ~~"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى حنين مر بشجرة للمشركين يقال ~~لها: ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات ~~أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله هذا ~~كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنة ~~من كان قبلكم" 2 هذا حديث حسن صحيح. # وأبو واقد الليثي اسمه الحارث بن عوف وفي الباب عن أبي سعيد، وأبي هريرة، ~~هذا لفظ الترمذي بحروفه. # وفيه مخالفة لما في الكتاب لفظا ومعنى، وقد اتفق اللفظان على المقصود ~~هنا. وقد رواه أحمد وأبو داود وأبو يعلى وابن أبي شيبة والنسائي وابن جرير ~~وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني بنحوه. وروى ابن أبي PageV01P145 # حاتم وابن مردويه والطبراني من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف [بن ~~زيد] عن أبيه عن جده نحوه أيضا. # قوله: "عن أبي واقد الليثي". اسمه الحارث بن عوف، كما ms124 قال الترمذي، وقيل: ~~الحارث بن مالك، صحابي مشهور. مات سنة ثمان وستين وله خمس وثمانون سنة. # قوله: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين) . في حديث عمرو ~~بن عوف، قال: "غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ونحن ألف ~~ونيف حتى إذا كنا بين حنين والطائف". ولا مخالفة بينهما في المعنى، فإن ~~غزوة الفتح وحنين كانتا في سفر واحد. # قوله: "ونحن حدثاء عهد بكفر". أي: قريبو عهد بكفر، ففيه دليل أن غيرهم لا ~~يجهل هذا، وأن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يأمن أن يكون في قلبه ~~بقية من تلك العادات الباطلة، ذكره المصنف. # قوله:"يعكفون عندها". الاعتكاف: هو الإقامة على الشيء بالمكان، ولزومها، ~~ومنه قوله: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} 1. وكانوا يعكفون عند ~~هذه السدرة تبركا بها. وفي حديث عمرو بن عوف قال،: كان يناط بها السلاح ~~فسميت ذات أنواط، وكانت تعبد من دون الله، فلما رآها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صرف عنها في يوم صائف إلى ظل هو أدنى منها. الحديث فيجمع بينهما ~~بأن عبادتها هي العكوف عندها رجاء لبركتها. # قوله: "وينوطون بها أسلحتهم"، أي: يعلقونها عليها للبركة # قوله: يقال لها: ذات أنواط. # قال أبو السعادات: سألوه أن يجعل لهم مثلها فنهاهم عن ذلك. # وأنواط جمع نوط، وهو مصدر سمي به المنوط. # قوله: (فقلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط) . أي. شجرة PageV01P146 # مثلها نعلق عليها، ونعكف حواليها، ظنوا أن هذا أمر محبوب عند الله فقصدوا ~~التقرب إلى الله بذلك، وإلا فهم أجل قدرا، وإن كانوا حديثي عهد بكفر عن قصد ~~مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: "فقال النبي صلى الله عليه وسلم الله أكبر". هكذا في بعض الروايات. ~~وفي رواية الترمذي "سبحان الله" والمقصود باللفظين واحد، لأن المراد تعظيم ~~الله، وتنزيهه عن الشرك، والتقرب به إليه، وفيه تكبير الله وتنزيهه عند ~~التعجب، أو ذكر الشرك، خلافا لمن كرهه. # قوله: "إنها السنن". بضم السين،- أي: الطرق. # قوله: "قلتم ms125 والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلها. ~~إلخ". أخبر صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر الذي طلبوه منه، وهو اتخاذ ~~شجرة للعكوف عندها، وتعليق الأسلحة بها تبركا كالأمر الذي طلبه بنو إسرائيل ~~من موسى عليه السلام حيث قالوا: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة) ، فإذا كان ~~اتخاذ شجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف عندها، اتخاذ إله مع الله مع أنهم لا ~~يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بما حدث من عباد القبور من دعاء الأموات، ~~والاستغاثة بهم، والذبح، والنذر لهم، والطواف بقبورهم، وتقبيلها، وتقبيل ~~أعتابها وجدرانها، والتمسح بها، والعكوف عندها، وجعل السدنة والحجاب لها؟! ~~وأي نسبة بين هذا، وبين تعليق الأسلحة على شجرة تبركا؟! # قال الإمام أبو بكر الطرطوشي من أئمة المالكية: فانظروا رحمكم الله أينما ~~وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من ~~قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط فاقطعوها. # وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل الشافعي المعروف بأبي شامة ~~في كتاب "البدع والحوادث": ومن هذا القسم # PageV01P147 # أيضا ما قد عم الابتلاء به من تزيين الشيطان للعامة، تخليق الحيطان ~~والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها ~~أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه مع تضييعهم ~~فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا إلى أن ~~يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء ~~حوائجهم بالنذر لهم، وهي من بين عيون وشجر وحائط وحجر، وفي مدينة دمشق ~~صانها الله من ذلك مواضع متعددة كعوينة الحما خارج باب توما، والعمود ~~المخلق داخل باب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة خارج باب النصر في نفس ~~قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط ~~الواردة في الحديث! ثم ذكر الحديث المتقدم، وكلام الطرطوشي الذي ذكرنا، ثم ~~قال: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الجبنياني رحمه الله تعالى أحد ~~الصالحين ببلاد أفريقية في المائة الرابعة حكى ms126 عنه صاحبه الصالح أبو عبد ~~الله محمد ابن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، ~~كان العامة قد افتتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد ~~قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في ~~السحر ذات ليلة إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت فوجدته قد هدمها وأذن ~~الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع ~~لها رأس إلى الآن. # قلت: أبو إسحاق الذي هدمها إمام مشهور من أئمة المالكية زاهد اسمه ~~إبراهيم بن أحمد بن علي بن أسلم، وكان الإمام أبو محمد ابن أبي زيد يعظم ~~شأنه، ويقول: طريق # PageV01P148 # أبي إسحاق خالية لا يسلكها أحد في الوقت، وكان القابسي يقول: الجبنياني ~~إمام يقتدى به. مات سنة تسع وستين وثلاثمائة. # وذكر ابن القيم نحو ما ذكره أبو شامة، ثم قال: فما أسرع أهل الشرك إلى ~~اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه ~~الشجرة، وهذه العين تقبل النذر، أي: تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر ~~عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له. # وسيأتي شيء يتعلق بهذا الباب عند قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" ~~1. وفي هذه الجملة من الفوائد: # أن ما يفعله من يعتقد في الأشجار والقبور والأحجار من التبرك بها، ~~والعكوف عندها، والذبح لها، هو الشرك، ولا يغتر بالعوام والطغام، ولا ~~يستبعد كون هذا شركا، ويقع في هذه الأمة. فإذا كان بعض الصحابة ظنوا ذلك ~~حسنا، وطلبوه من النبي صلى الله عليه وسلم حتى بين لهم أن ذلك كقول بني ~~إسرائيل: اجعل لنا إلها، فكيف بغيرهم مع غلبة الجهل وبعد العهد بآثار ~~النبوة؟ . # وفيها أن الاعتبار في الأحكام بالمعاني لا بالأسماء، ولهذا جعل النبي صلى ~~الله عليه وسلم طلبتهم كطلبة بني إسرائيل، ولم يلتفت إلى كونهم سموها ذات ~~أنواط، فالمشرك وإن سمى شركه ما سماه، كمن يسمي دعاء الأموات، والذبح ms127 لهم ~~والنذر ونحو ذلك تعظيما ومحبة، فإن ذلك هو الشرك، وإن سماه ما سماه، وقس ~~على ذلك. # وفيها: أن من عبد فهو إله، لأن بني إسرائيل والذين سألوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم،لم يريدوا من الأصنام والشجرة الخلق والرزق، وإنما أرادوا ~~البركة، والعكوف عندها، فكان ذلك اتخاذا له مع الله تعالى. # وفيها: أن معنى الإله هو المعبود، وأن من أراد أن يفعل الشرك جهلا فنهي ~~عن ذلك فانتهى لا يكفر. وأن لا إله إلا الله PageV01P149 # تنفي هذا الفعل مع دقته وخفائه على أولئك الصحابة. ذكره المصنف، فكيف بما ~~هو أعظم منه؟ ففيه رد على الجهال الذين يظنون أن معناها الإقرار بأن الله ~~خالق كل شيء، وأن ما سواه مخلوق ونحو ذلك من العبارات، والإغلاظ على من وقع ~~منه ذلك جهلا. # قوله: "لتركبن"، بضم الموحدة، أي: لتتبعن أنتم أيها الأمة سنن من كان ~~قبلكم بضم السين، أي: طرقهم ومناهجهم وأفعالهم، ويجوز فتح السين، وهذا خبر ~~صحيح وجد كما أخبر صلى الله عليه وسلم ففيه دليل على شهادة أن محمدا رسول ~~الله. # وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم: النهي عن التشبه بأهل الجاهلية من ~~أهل الكتاب والمشركين، وأنه متقرر عندهم أن العبادات مبناها على الأمر، ~~فصار فيها التنبيه على مسائل القبر، أما من ربك؟ فواضح، وأما من نبيك؟ فمن ~~إخباره بأنباء الغيب، وأما ما دينك؟ فمن قولهم: اجعل لنا إلها إلى آخره، ~~قاله المصنف. وفيه أن الشرك لا بد أن يقع في هذه الأمة كما وقع فيمن قبلها، ~~ففيه رد على من قال: إن الشرك لا يقع في هذه الأمة، وفيه سد الذرائع والغضب ~~عند التعليم، وأن ما ذم الله به اليهود والنصارى، فإنه لنا لنحذره، ذكر ذلك ~~المصنف. # تنبيه: ذكر بعض المتأخرين أن التبرك بآثار الصالحين مستحب كشرب سؤرهم، ~~والتمسح بهم أو بثيابهم، وحمل المولود إلى أحد منهم ليحنكه بتمرة حتى يكون ~~أول ما يدخل جوفه ريق الصالحين، والتبرك بعرقهم ونحو ذلك، وقد أكثر من ذلك ~~أبو زكريا النووي في ms128 "شرح مسلم" في الأحاديث التي فيها أن الصحابة فعلوا ~~شيئا من ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم وظن أن بقية الصالحين في ذلك ~~كالنبي صلى الله عليه وسلم. # وهذا خطأ صريح لوجوه: منها: عدم المقاربة فضلا عن المساواة للنبي صلى ~~الله عليه وسلم في الفضل والبركة. ومنها: عدم تحقق الصلاح، فإنه لا يتحقق ~~إلا بصلاح القلب، وهذا أمر لا يمكن الاطلاع عليه إلا بنص، كالصحابة الذين ~~أثنى الله عليهم ورسوله، أو أئمة التابعين، # PageV01P150 # ومن شهر بصلاح ودين كالأئمة الأربعة ونحوهم من الذين تشهد لهم الأمة ~~بالصلاح وقد عدم أولئك، أما غيرهم، فغاية الأمر أن نظن أنهم صالحون فنرجو ~~لهم. ومنها: أنا لو ظننا صلاح شخص، فلا نأمن أن يختم له بخاتمة سوء، ~~والأعمال بالخواتيم، فلا يكون أهلا للتبرك بآثاره. # ومنها: أن الصحابة لم يكونوا يفعلون ذلك مع غيره لا في حياته، ولا بعد ~~موته، ولو كان خيرا لسبقونا إليه، فهلا فعلوه مع أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~ونحوهم من الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، وكذلك التابعون، ~~هلا فعلوه مع سعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وأويس القرني، والحسن البصري ~~ونحوهم ممن يقطع بصلاحهم، فدل أن ذلك مخصوص بالنبي صلى الله عليه وسلم. # ومنها: أن فعل هذا مع غيره صلى الله عليه وسلم لا يؤمن أن يفتنه، وتعجبه ~~نفسه، فيورثه العجب والكبر والرياء، فيكون هذا كالمدح في الوجه بل أعظم. # PageV01P151 ### | باب ما جاء في الذبح لغير الله # أي: من الوعيد، وهل يكون شركا أم لا؟ . # قال وقول الله تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ~~لا شريك له ... } 1. # ش: قال ابن كثير: يأمره تعالى أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله، ~~ويذبحون لغير اسمه وحده لا شريك له، وهذا كقوله: {فصل لربك وانحر} 2. أي: ~~أخلص له صلاتك وذبيحتك، فإن المشركين يعبدون الأصنام، ويذبحون لها، فأمر ~~الله بمخالفتهم، والانحراف عما هم فيه، والإقبال بالقصد والنية، والعزم على ~~الإخلاص لله تعالى. # قال مجاهد في قوله: ms129 {صلاتي ونسكي} . PageV01P151 # قال: النسك الذبح في الحج والعمرة، وقال الثووي عن السدي عن سعيد بن ~~جبير: {ونسكي} : ذبحي، وكذا قال الضحاك. وقال غيره: {ومحياي ومماتي} ، أي ~~وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان والعمل الصالح {لله رب العالمين} ~~خالصة لوجهه، {لا شريك له، وبذلك} من الإخلاص {أمرت وأنا أول المسلمين} ، ~~لأن إسلام كل نبي متقدم لإسلام أمته كما قال قتادة: {وأنا أول المسلمين} ، ~~أي: من هذه الأمة. # قال ابن كثير: وهو كما قال، فإن جميع الأنبياء قبله كلهم كانت دعوتهم إلى ~~الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له. كما قال تعالى: {وما أرسلنا من ~~قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} 1. وأخبر تعالى عن ~~نوح عليه السلام أنه # قال لقومه: {فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن ~~أكون من المسلمين} 2. وذكر آيات في هذا المعنى. # قلت: وفي الآية دلائل متعددة على أن الذبح لغير الله شرك، كما هو بين عند ~~التأمل، وفيها بيان العبادة، وأن التوحيد مناف للشرك مضاد له. # قال وقوله: {فصل لربك وانحر} 3. قال شيخ الإسلام: أمره الله أن يجمع بين ~~هاتين العبادتين، وهما: الصلاة والنسك الدالتان على القرب والتواضع ~~والافتقار، وحسن الظن، وقوة اليقين، وطمأنينة القلب إلى الله، وإلى عدته، ~~عكس حال أهل الكبر والنفرة، وأهل الغنى عن الله الذين لا حاجة لهم في ~~صلاتهم إلى ربهم يسألونه إياها، والذين لا ينحرون له خوفا من الفقر. ولهذا ~~جمع بينهما في قوله: {قل إن صلاتي ونسكي} الآية. والنسك: الذبيحة لله تعالى ~~ابتغاء وجهه، فإنها أجل ما يتقرب به إلى الله، فإنه أتى فيهما بالفاء ~~الدالة على السبب، لأن فعل ذلك سبب للقيام بشكر ما أعطاه الله من الكوثر، ~~وأجل العبادات البدنية الصلاة، وأجل العبادات المالية النحر، وما يجتمع ~~للعبد في الصلاة PageV01P152 # لا يجتمع له في غيرها، كما عرفه أرباب القلوب الحية. # وما يجتمع له في النحر إذا قارنه الإيمان والإخلاص من قوة اليقين، وحسن ~~الظن ms130 أمر عجيب. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كثير الصلاة، كثير النحر. # وقال غيره: أي: فاعبد ربك الذي أعزك بإعطائه، وشرفك وصانك، من منن الخلق ~~مراغما لقومك الذين يعبدون غير الله، وانحر لوجهه وباسمه إذا نحرت مخالفا ~~لهم في النحر للأوثان. انتهى. وهذا هو الصحيح في تفسيرها. # وأما ما رواه الحاكم عن علي بن أبي طالب قال: لما نزلت هذه السورة على ~~النبي صلى الله عليه وسلم {إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر} 1. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما هذه النحيرة التي أمرني ~~بها ربي؟ قال: إنها ليست بنحيرة، ولكن يأمرك إذا أحرمت للصلاة أن ترفع يديك ~~إذا كبرت، وإذا ركعت وإذا رفعت رأسك من الركوع" الحديث. فهو حديث منكر جدا، ~~في إسناده إسرائيل بن حاتم، قال ابن حبان: يروي عن مقاتل الموضوعات ~~والأوابد والطامات من ذلك خبر يرويه عمر بن صبح عن مقاتل، وظفر به إسرائيل ~~فرواه عن مقاتل عن الأصبغ بن نباته عن علي لما نزلت: {فصل لربك وانحر} ~~الحديث. # [حديث علي: لعن الله من ذبح لغير الله] # قال عن علي رضي الله عنه قال: "حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع ~~كلمات: لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ~~آوى محدثا، ولعن الله من غير منار الأرض" 2. رواه مسلم. # ش: الحديث رواه مسلم من طرق بمعنى ما ذكره المصنف، وفيه قصة ورواه الإمام ~~أحمد كذلك. وعلي بن أبي طالب هو الإمام أبو الحسن الهاشمي ابن عم النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وزوج ابنته PageV01P153 # فاطمة الزهراء -واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم القرشي- ~~كان من السابقين الأولين إلى الإسلام ومن أهل بدر وبيعة الرضوان، وأحد ~~العشرة المشهود لهم بالجنة، ورابع الخلفاء الراشدين، ومناقبه كثيرة رضي ~~الله عنه. قتله ابن ملجم الخارجي في رمضان سنة أربعين. # قوله:"لعن الله". قالوا: اللعنة: البعد عن مظان الرحمة ومواطنها. فيل: ~~واللعين والملعون: من حقت عليه اللعنة، أو دعي عليه ms131 بها قال أبو السعادات: ~~أصل اللعنة، الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق: السب والدعاء. # قوله:"من ذبح لغير الله". قال النووي. المراد به أن يذبح باسم غير اسم ~~الله تعالى، كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى صلى الله عليهما ~~وسلم، أو للكعبة ونحو ذلك، وكل هذا حرام، ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان ~~الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، ~~فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له، كان ذلك كفرا، فإن ~~كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا. ذكره في "شرح مسلم" ونقله غير ~~واحد من الشافعية وغيرهم. # وقال شيخ الإسلام قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} 1. ظاهره أنه ما ~~ذبح لغير الله مثل أن يقال: هذه الذبيحة لكذا. وإذا كان هذا هو المقصود ~~فسواء لفظ به أو لم يلفظ. وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال ~~فيه: باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى ~~وأعظم مما ذبحنا للحم، وقلنا عليه: بسم الله. فإن عبادة الله بالصلاة له ~~والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، فكذلك الشرك بالصلاة ~~لغيره. والنسك لغيره أعظم من الاستعانة باسم غيره في فواتح الأمور، فإذا ~~حرم ما قيل فيه باسم المسيح أو الزهرة، فلأن يحرم ما قيل PageV01P154 # فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة لغير الله ~~أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله، وعلى هذا، فلو ذبح لغير الله متقربا ~~إليه لحرم ، وإن قال فيه: باسم الله، كما قد يفعله طائفة من منافقي هذه ~~الأمة، الذين قد يتقربون إلى الكواكب بالذبح والبخور ونحو ذلك، وإن كان ~~هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان. # ومن هذا الباب ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن ولهذا روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن ذبائح الجن" قلت: هذا الحديث رواه البيهقي ~~عن الزهري مرسلا، ms132 وفي إسناده عمر بن هارون، وهو ضعيف عند الجمهور إلا أن ~~أحمد بن سيار روى عن قتيبة أنه كان يوثقه ورواه ابن حبان في الضعفاء من وجه ~~آخر عن عبد الله بن أذينة عن ثور بن يزيد، عن الزهري عن حميد بن عبد ~~الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعا. قال ابن حبان: وعبد الله يروي عن ثور ما ليس ~~من حديثه. قال الزمخشري: كانوا إذا اشتروا دارا أو بنوها أو استخرجوا عينا ~~ذبحوا ذبيحة خوفا أن تصيبهم الجن، فأضيفت الذبائح إليهم، لذلك قال النووي: ~~وذكر الشيخ إبراهيم المروذي من أصحابنا أن ما ذبح عند استقبال السلطان ~~تقربا إليه أفتى أهل بخارى بتحريمه لأنه مما أهل به لغير الله. قال ~~الرافعي: هذا إنما يذبحونه استبشارا بقدومه، فهو كذبح العقيقة لولادة ~~المولود. قلت: إن كانوا يذبحون استبشارا كما ذكر الرافعي فلا يدخل في ذلك، ~~وإن كانوا يذبحونه تقربا، إليه فهو داخل في الحديث. # قوله:"لعن الله من لعن والديه". قال بعضهم: يعني أباه وأمه # PageV01P155 # وإن علوا وفي "الصحيح" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ~~الكبائر شتم الرجل والديه". قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ ~~قال: "نعم يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه" 1 فإذا كان هذا حال ~~المتسبب فما ظنك بالمباشر؟ . # قوله: "ولعن الله من آوى محدثا". أما "آوى" بفتح الهمزة ممدودة أي: ضم ~~إليه وحمى، وقال أبو السعادات: يقال: أويت إلى المنزل وآويت غيري وأويته، ~~وأنكر بعضهم المقصور المتعدي. وقال الأزهري: هي لغة فصيحة. # وأما "محدثا" فقال أبو السعادات: يروى بكسر الدال وفتحها على الفاعل ~~والمفعول، فمعنى الكسر: من نصر جانيا وآواه وأجاره من خصمه، وحال بينه وبين ~~أن يقتص منه، والفتح: هو الأمر المبتدع نفسه، ويكون معنى الإيواء فيه الرضى ~~به والصبر عليه، فإنه إذا رضي بالبدعة وأقر عليها فاعلها، ولم ينكر عليه، ~~فقد آواه. قلت: الظاهر أنه على الرواية الأولى يعم المعنيين، لأن المحدث ~~أعم من أن يكون بجناية أو ببدعة في ms133 الدين، بل المحدث بالبدعة في الدين شر ~~من المحدث بالجناية، فإيواؤه أعظم إثما، ولهذا عده ابن القيم في كتاب ~~"الكبائر" وقال: هذه الكبيرة تختلف مراتبها باختلاف مراتب الحدث في نفسه، ~~فكلما كان الحدث في نفسه أكبر، كانت الكبيرة أعظم # قوله:"ولعن الله من غير منار الأرض". قال المصنف: هي المراسيم التي تفرق ~~بينك وبين جارك. وقال النووي: منار الأرض -بفتح الميم- علامات حدودها، ~~والمعنى واحد. قيل: وتغييرها أن يقدمها أو يؤخرها، فيكون هذا من ظلم الأرض ~~الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: "من ظلم شبرا من الأرض طوقه يوم القيامة ~~من سبع أرضين". رواه البخاري ومسلم. PageV01P156 # وفي الحديث دليل على جواز لعن أنواع الفساق، كقوله:"لعن الله آكل الربا ~~وموكله وكاتبه وشاهديه" 1. ونحو ذلك، فأما لعن الفاسق المعين ففيه قولان: ~~ذكرهما شيخ الإسلام أحدهما: أنه جائز اختاره ابن الجوزي وغيره. والثاني: لا ~~يجوز، اختاره أبو بكر عبد العزيز وشيخ الإسلام. قال: والمعروف عن أحمد ~~كراهة لعن المعين كالحجاج وأمثاله، وأن يقول كما قال الله تعالى: {ألا لعنة ~~الله على الظالمين} 2. # قال: وعن طارق بن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "دخل الجنة ~~رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب". قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: ~~" مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا. فقالوا ~~لأحدهما: قرب. قال: ما عندي شيء. قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا ~~سبيله، فدخل النار. وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون ~~الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة". رواه أحمد # ش: هذا الحديث. ذكره المصنف معزوا لأحمد، وأظنه تبع ابن القيم في عزوه ~~لأحمد. # قال ابن القيم: قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن ~~سليمان بن ميسرة عن طارق بن شهاب يرفعه قال: "دخل رجل الجنة في ذباب". ~~الحديث. # وقد طالعت "المسند" فما رأيته فيه، فلعل الإمام رواه في كتاب الزهد3 أو ~~غيره. # قوله: (عن طارق بن شهاب) . أي: البجلي الأحمسي ms134 أبو عبد الله رأى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو رجل، ويقال: إنه لم يسمع منه شيئا. قال البغوي: ~~ونزل الكوفة. قال أبو حاتم: ليست له صحبة. والحديث الذي رواه مرسل. وقال ~~أبو داود: رأى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه شيئا. PageV01P157 # قال الحافظ: إذا ثبت أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم فهو صحابي على ~~الراجح، وإذا ثبت أنه لم يسمع منه، فروايته عن مرسل صحابي، وهو مقبول على ~~الراجح. وقد أخرج له النسائي عدة أحاديث، وذلك مصير منه إلى إثبات صحبته. ~~وكانت وفاته على ما جزم به ابن حبان سنه ثلاث وثمانين. # قوله: "دخل الجنة رجل في ذباب". أي: من أجل ذباب. # قوله: "قالوا: وكيف ذلك يا رسول الله". سألوا عن هذا الأمر العجيب؛ لأنهم ~~قد علموا أن الجنة لا يدخلها أحد إلا بالأعمال الصالحة كما قال تعالى: ~~{دخلوا الجنة بما كنتم تعملون} 1. وأن النار لا يدخلها أحد إلا بالأعمال ~~السيئة. فكأنهم تقالوا ذلك وتعجبوا واحتقروه، فبين لهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما صير هذا الأمر الحقير عندهم عظيما يستحق هذا عليه الجنة، ويستحق ~~الآخر عليه النار، ولعل هذين الرجلين من بني إسرائيل، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم. يحدثهم عن بني إسرائيل كثيرا. # قوله: "فقال: مر رجلان على قوم لهم صنم". الصنم: ما كان منحوتا على صورة. ~~قوله: "لا يجاوزه". أي: لا يمر به ولا يتعداه أحد حتى يقرب له شيئا وإن قل. # قوله: "قالوا: قرب ولو ذبابا، فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار". # في هذا بيان عظمة الشرك ولو في شيء قليل، وأنه يوجب النار، ألا ترى إلى ~~هذا لما قرب لهذا الصنم أرذل الحيوان وأخسه وهو الذباب كان جزاؤه النار، ~~لإشراكه في عبادة الله، إذ الذبح على سبيل القربة والتعظيم عبادة، وهذا ~~مطابق لقوله تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار} 2. وفيه الحذر من الذنوب وإن كانت صغيرة في الحسبان، كما قال أنس: ~~"إنكم لتعملون أعمالا هي ms135 أدق في أعينكم من الشعر كنا نعدها على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات". رواه البخاري. PageV01P158 # قال المصنف ما معناه: وفيه أنه دخل النار بسبب لم يقصده، بل فعله تخلصا ~~من شرهم. # وفيه أن الذي دخل النار مسلم، لأنه لو كان كافرا لم يقل: دخل النار في ~~ذباب، وفيه أن عمل القلب هو المقصود الأعظم حتى عند عبدة الأوثان. # قوله: "وقالوا للآخر: قرب. قال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل" ~~إلى آخره. في هذا بيان فضيلة التوحيد والإخلاص. قال المصنف: وفيه معرفة قدر ~~الشرك في قلوب المؤمنين،. كيف صبر على القتل ولم يوافقهم على طلبهم مع ~~كونهم لم يطلبوا إلا العمل الظاهر، وفيه شاهد للحديث الصحيح: "الجنة أقرب ~~إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك" 1. # قلت: وفيه التنبيه على سعة مغفرة الله وشدة عقوبته، وأن الأعمال ~~بالخواتيم. PageV01P159 # [5- ### | باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله # ش: أي أن ذلك لا يجوز لما سيذكره المصنف. # قال: وقول الله تعالى: {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس على التقوى من أول يوم ~~أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين} 1. # ش: "حاصل كلام المفسرين في الآية أن الله نهى رسوله صلى الله عليه وسلم ~~أن يقوم في مسجد الضرار في الصلاة فيه أبدا، والأمة تبع له في ذلك، ثم حثه ~~على الصلاة في مسجد قباء الذي أسس من أول يوم بني فيه على التقوى، وهي طاعة ~~الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وجمعا لكلمة المؤمنين، ومعقلا ومنزلا ~~للإسلام وأهله بقوله: {لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه} ~~والسياق إنما هو في مسجد قباء، ولهذا جاء في الحديث الصحيح "أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قال: صلاة في PageV01P159 # مسجد قباء كعمرة" 1. وفي "الصحيح: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يزور قباء راكبا وماشيا" 2. وقد صرح بأن المسجد المؤسس على التقوى هو مسجد ~~قباء. # ذكره جماعة ms136 من السلف، منهم: ابن عباس وعروة وعطية والشعبي والحسن وغير ~~واحد. وقيل: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم لحديث أبي سعيد قال: ~~"تمارى رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم، فقال رجل هو مسجد ~~قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم "هو مسجدي هذا" 3 رواه مسلم. وهو قول عمر وابنه وزيد بن ~~ثابت وغيرهم. قال ابن كثير: وهذا صحيح، ولا منافاة بين الآية وبين هذا، ~~لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بطريق الأولى. وهذا بخلاف مسجد الضرار الذي أسس على معصية ~~الله تعالى كما قال تعالى: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ~~والله يشهد إنهم لكاذبون} 4. فلهذه الأمور نهى الله نبيه صلى الله عليه ~~وسلم عن القيام فيه للصلاة، وكان المنافقون الذين بنوه جاءوا إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم قبل خروجه إلى تبوك فسألوه أن يصلي فيه ليحتجوا بصلاته فيه ~~على تقريره. وذكروا أنهم إنما بنوه للضعفاء وأهل العلة في الليلة الشاتية، ~~فعصمه الله من الصلاة فيه فقال: "إنا على سفر ولكن إذا رجعنا إن شاء الله" ~~فلما قفل عليه السلام راجعا إلى المدينة ولم يبق بينه وبينها إلا يوم أو ~~بعض يوم، نزل الوحي بخبر المسجد، فبعث إليه فهدمه قبل مقدمه إلى المدينة" ~~ووجه الدلالة من الآية على الترجمة من جهة القياس، لأنه إذا منع الله رسوله ~~صلى الله عليه وسلم عن القيام لله تعالى في هذا المسجد المؤسس على هذه ~~المقاصد الخبيثة مع أنه لا يقوم فيه إلا لله، فكذلك المواضع المعدة للذبح ~~لغير الله لا يذبح فيها الموحد لله، لأنها قد أسست على معصية الله والشرك ~~به، يؤيده حديث ثابت بن الضحاك الآتي. PageV01P160 # وقوله: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} روى الإمام أحمد ms137 وابن خزيمة ~~والطبراني والحاكم عن عويم في ساعدة الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أتاهم في مسجد قباء فقال: "إن الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة ~~مسجدكم، فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فقالوا: والله يا رسول الله ما ~~نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون أدبارهم من ~~الغائط فغسلنا كما غسلوا" 1. وفي رواية عن جابر وأنس مرفوعا "هو ذاك ~~فعليكموه" رواه ابن ماجة وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم. # وقوله: {والله يحب المطهرين} . أي: الذين يتنزهون من القاذورات والنجاسات ~~بعد ما يتنزهون من أوضار الشرك وأقذاره. قال أبو العالية. إن الطهور بالماء ~~لحسن، ولكنهم المتطهرون من الذنوب. # قال ابن كثير: وفيه دليل على استحباب الصلاة مع الجماعة الصالحين ~~المتنزهين عن ملابسة القاذورات، المحافظين على إسباغ الوضوء. قلت: وفيه ~~إثبات صفة المحبة. # قال: عن ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة فسأل النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: "هل كان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: ~~لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ~~ابن آدم" 2. رواه أبو داود وإسناده على شرطهما. # ش: هذا الحديث رواه أبو داود، فقال: حدثنا داود بن رشيد قال: ثنا شعيب بن ~~إسحاق عن الأوزاعي قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني أبو قلابة، ~~قال: حدثني ثابت بن الضحاك. "قال: نذر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني نذرت ~~أن أنحر إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "هل كان فيها وثن." ~~الحديث. # وهذا إسناد جيد، وروى أبو داود أيضا عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده "أن ~~PageV01P161 # امرأة أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني نذرت أن أذبح بمكان كذا ~~وكذا، مكان كان ms138 يذبح فيه أهل الجاهلية قال: "لصنم"، قالت: لا. قال: "لوثن؟ ~~" قالت: لا قال: "أوف بنذرك" 1. مختصر. ومعنى قوله: "لصنم" إلى آخره. هل ~~يذبحون فيه لصنم أو وثن فيكون كحديث ثابت. # قوله: (عن ثابت بن الضحاك) ، أي: ابن خليفة الأشهلي، صحابي مشهور، روى ~~عنه أبو قلابة وغيره ومات سنة أربع وستين. قوله: نذر رجل. يحتمل أن يكون هو ~~كردم بن سفيان والد ميمونة لما روى أبو داود عنها، "قالت: خرجت مع أبي في ~~حجة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"قالت: فدنا إليه أبي. فقال: يا رسول الله، إني نذرت إن ولد لي ولد ذكر أن ~~أنحر على رأس بوانة في عقبة من الثنايا عدة من النعم. قال: لا أعلم إلا ~~أنها قالت خمسين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هل بها من هذه الأوثان ~~شيء؟ قال: لا قال: فأوف بما نذرت لله" وذكر الحديث. # قوله: "أن ينحر إبلا في حديث ميمونة، قال: فأوف بما نذرت لله قال: فجمعها ~~فجعل يذبحها، فانفلتت منه شاة فطلبها. وهو يقول: اللهم أوف بنذري فظفر بها ~~فذبحها". فيحتمل أن يكون نذر إبلا وغنما ويحتمل أن يكون ذلك قضيتين! . # قوله: "ببوانة". بضم الباء وقيل بفتحها. قال البغوي: موضع في أسفل مكة ~~دون يلملم، وقال أبو السعادات: هضبة من وراء ينبع. # قوله: "فقال: هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ = " قال [الحرالي] ~~في "عروة المفتاح" الصنم: هو ما له صورة، والوثن: ما ليس له صورة. قلت: هذا ~~هو الصحيح في الفرق بينهما، وقد جاء عن السلف ما يدل على ذلك. وفيه المنع ~~من الوفاء بالنذر إذا كان في المكان وثن من أوثانهم، ولو بعد زواله. ذكره ~~المصنف. PageV01P162 # قوله: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ " قال شيخ الإسلام: العيد اسم لما ~~يعود من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدا إما بعود السنة أو بعود ~~الأسبوع أو الشهر ونحو ذلك، والمراد به هنا الاجتماع المعتاد من اجتماع ~~الجاهلية، فالعيد يجمع ms139 أمورا منها يوم عائد كيوم الفطر ويوم الجمعة، ومنها ~~اجتماع فيه، ومنها أعمال تتبع ذلك من العبادات والعادات. وقد يختص العيد ~~بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا، فالزمان: ~~كقول النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة: "إن هذا يوم جعله الله ~~للمسلمين عيدا" 1. والاجتماع والأعمال "كقول ابن عباس: شهدت العيد مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم". # والمكان كقوله: "لا تتخذوا قبري عيدا "2. وقد يكون لفظ العيد اسما لمجموع ~~اليوم والعمل فيه، وهو الغالب " كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: ~~دعهما يا أبا بكر فإن لكل قوم عيدا" 3. انتهى. وفيه استفصال المفتي، والمنع ~~من الوفاء بالنذر إذا # كان في المكان عيد من أعياد الجاهلية ولو بعد زواله، والحذر من مشابهة ~~المشركين في أعيادهم ولو لم يقصده. ذكره المصنف. # قوله: "فأوف بنذرك". هذا يدل على أن الذبح لله في المكان الذي يذبح فيه ~~المشركون لغيره، أو في محل أعيادهم معصية، لأن قوله: فأوف بنذرك تعقيب ~~للوصف بالحكم بحرف الفاء، وذلك يدل على أن الوصف سبب الحكم، فيكون سبب ~~الأمر بالوفاء وجود النذر خاليا عن هذين الوصفين، فيكونان مانعين من ~~الوفاء، ولو لم يكن معصية لجاز الوفاء به، ولأنه عقبه بقوله: فإنه لا وفاء ~~لنذر في معصية الله. فدل أن الصورة المسئول عنها مندرجة في هذا اللفظ ~~العام؛ لأن العام إذا أورد على سبب فلا بد أن يكون السبب مندرجا فيه، ولأنه ~~لو كان الذبح فيما ذكر جائزا لسوغ صلى الله عليه وسلم للناذر الوفاء به كما ~~سوغ لمن نذرت الضرب بالدف أن تضرب به؛ لأنه عليه السلام PageV01P163 # استفصل. فلما قالوا: لا. قال له: "فأوف بنذرك". # وهذا يقتضي أن كون البقعة مكانا لعيدهم، أو بها وثن من أوثانهم مانع من ~~الذبح بها وإن نذر، وإلا لما حسن الاستفصال، هذا معنى كلام شيخ الإسلام. # وفيه أن تخصيص البقعة بالنذر لا بأس به إذا خلا من الموانع. # قوله: "فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله". ms140 دليل على أن هذا نذر معصية، لا ~~يجوز الوفاء به لما تقدم1. وعلى أن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به. # وقد أجمع العلماء على ذلك لهذا الحديث، وحديث عائشة الآتي وما في ~~معناهما، واختلفوا هل تجب به كفارة يمين؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، ~~أحدهما: تجب وهو المذهب المشهور عن أحمد. وروي عن ابن مسعود وابن عباس، وبه ~~قال أبو حنيفة وأصحابه لحديث عائشة مرفوعا: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة ~~يمين" 2. رواه أحمد وأهل السنن، واحتج به أحمد وإسحاق. والثاني: لا كفارة ~~عليه. روي ذلك عن مسروق والشعبي، والشافعي لحديث الباب، وحديث عائشة الآتي. ~~ولم يذكر فيهما كفارة، وجوابه أن عدم ذكر الكفارة لا يدل على عدم وجوبها. # قوله: "ولا فيما لا يملك ابن آدم". قال في "شرح المصابيح": يعني إذا أضاف ~~النذر إلى معين لا يملكه بأن قال: إن شفى الله مريضي فلله علي أن أعتق عبد ~~فلان، أو أتصدق بثوبه ونحو ذلك، فأما إذا التزم في الذمة شيئا لا يملكه ~~فيصح نذره، مثاله إن شفى الله مريضي، فلله علي أن أعتق رقبة، وهو في ذلك ~~الحال لا يملك رقبة ولا قيمتها، فيصح نذره، وإذا شفي ثبت النذر في ذمته. ~~PageV01P164 # قوله: (رواه أبو داود وإسناده على شرطيهما) ، أي: شرط البخاري ومسلم، ~~وأضمرهما للعلم بذلك. وأبو داود اسمه: سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشر بن ~~شداد الأزدي السجستاني، صاحب الإمام أحمد، ومصنف "السنن" وغيرها ثقة إمام ~~حافظ من كبار العلماء. مات سنة خمس وسبعين ومائتين. # PageV01P165 # [6- ### | باب من الشرك النذر لغير الله # ش: أي إنه من العبادة، فيكون صرفه لغير الله شركا، فإذا نذر طاعة وجب ~~عليه الوفاء بها وهو عبادة، وقربة إلى الله. ولهذا مدح الله الموفين به، ~~فإن نذر لمخلوق تقربا إليه ليشفع له عند الله، ويكشف ضره ونحو ذلك فقد أشرك ~~في عبادة الله تعالى غيره ضرورة، كما أن من صلى لله وصلى لغيره، فقد أشرك، ~~كذلك هذا، لقوله تعالى: {يوفون بالنذر} 1 وجه الدلالة ms141 من الآية على الترجمة ~~أن الله تعالى مدح الموفين بالنذر، والله تعالى لا يمدح إلا على فعل واجب ~~أو مستحب، أو ترك محرم، لا يمدح على فعل المباح المجرد، وذلك هو العبادة، ~~فمن فعل ذلك لغير الله متقربا إليه فقد أشرك. # قال: وقوله: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} 2. # وجه الدلالة من الآية على الترجمة أن الله تعالى أخبر بأن ما أنفقناه من ~~نفقة، أو نذرناه من نذر متقربين بذلك إليه أنه يعلمه، ويجازينا عليه. فدل ~~ذلك أنه عبادة. وبالضرورة يدري كل مسلم أن من صرف شيئا من أنواع العبادة ~~لغير الله فقد أشرك. # قال ابن كثير: يخبر تعالى بأنه عالم بجميع ما يعمله العاملون من الخيرات ~~من النفقات والمنذورات. وتضمن ذلك مجازاته على PageV01P165 # ذلك أوفر الجزاء للعاملين لذلك، ابتغاء وجهه، ورجاء موعوده. إذا علمت ذلك ~~فهذه النذور الواقعة من عباد القبور وأشباههم لمن يعتقدون فيه نفعا أو ضرا ~~فيتقرب إليه بالنذر، ليقضي حاجته أو ليشفع له. كل ذلك شرك في العبادة، وهو ~~شبيه بما ذكر الله عن المشركين في قوله: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} 1. روى ابن ~~أبي حاتم في الآية. يعني: جعلوا لله جزءا من الحرث ولشركائهم ولأوثانهم ~~جزءا، فما ذهبت به الريح مما سموا لله إلى جزء أوثانهم تركوه، وقالوا: الله ~~عن هذا غني، وما ذهبت به الريح من جزء أوثانهم إلى جزء الله أخذوه. # وعباد القبور يجعلون لله جزءا من أموالهم بالنذر والصدقة، وللأموات ~~والطواغيت جزءا كذلك، وقد نص غير واحد من العلماء، على أن النذر لغير الله ~~شرك. # قال شيخ الإسلام: وأما ما نذره لغير الله كالنذر للأصنام والشمس والقمر ~~والقبور ونحو ذلك، فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات، والحالف ~~بالمخلوقات لا وفاء عليه ولا كفارة، وكذلك الناذر للمخلوق ليس عليه وفاء ms142 ~~ولا كفارة، فإن كليهما شرك، والشرك ليس له حرمة، بل عليه أن يستغفر الله من ~~هذا العقد ويقول ما قال النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "من حلف باللات ~~والعزى فليقل لا إله إلا الله" 2. وقال أيضا فيمن نذر للقبور ونحوها دهنا ~~لتنور به ويقول: إنها تقبل النذر كما يقول بعض الضالين. فهذا النذر معصية ~~باتفاق العلماء، لا يجوز الوفاء به، وكذلك إذا نذر مالا من النقد أو غيره ~~للسدنة أو المجاورين العاكفين بتلك البقعة، فإن هؤلاء السدنة فيهم شبه من ~~السدنة التي كانت للات والعزى ومناة يأكلون {أموال الناس بالباطل ويصدون عن ~~سبيل الله} PageV01P166 # والمجاورون هناك فيهم شبه من العاكفين الذين قال فيهم إبراهيم الخليل ~~عليه السلام: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون} 1. والذين اجتاز بهم ~~موسى عليه السلام وقومه؛ قال تعالى: {وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم} 2. فالنذر لأولئك السدنة والمجاورين في هذه ~~البقاع التي لا فضل للشريعة في المجاورة فيها نذر معصية، وفيه شبه من النذر ~~للسدنة الصلبان المجاورين عندها، أو لسدنة الأبدال التي في الهند ~~والمجاورين عندها، ثم هذا المال إذا صرفه في جنس تلك العبادة من المشروع ~~مثل أن يصرفه في عمارة المساجد أو للصالحين من فقراء المسلمين، يستعينون ~~بالمال على عبادة الله كان حسنا. # وقد تقدم كلام ابن القيم في قوله: ويقولون إنها تقبل النذر، أي: تقبل ~~العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة. إلى آخره. # وقال الإمام الأذرعي " في شرح منهاج النووي": وأما النذر للمشاهد التي ~~بنيت على قبر ولي أو شيخ، أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك ~~البقعة من الأنبياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك وهو الغالب أو الواقع ~~من قصود العاقد تعظيم البقعة والمشهد والزاوية، أو تعظيم من دفن بها أو ~~نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل غير منعقد، فإن معتقدهم أن ~~لهذه الأماكن خصوصيات لأنفسها، ويرون أنها مما يدفع به البلاء، ويستجلب به ~~النعماء، ويستشفى ms143 بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار لما ~~قيل: إنه جلس إليها أو استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج ~~والشموع والزيت، ويقولون: القبر الفلاني أو المكان الفلاني يقبل النذر، ~~يعنون بذلك أنه يحصل به الغرض المأمول من شفاء مريض، وقدوم غائب، وسلامة ~~مال، وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة. # فهذا النذر على هذا الوجه باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت والشمع ونحوهما ~~للقبور باطل مطلقا، من PageV01P167 # ذلك نذر الشموع الكثيرة العظيمة وغيرها لقبر الخليل عليه السلام، ولقبر ~~غيره من الأنبياء والأولياء، فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على ~~القبر تبركا وتعظيما، ظانا أن ذلك قربة، فهذا مما لا ريب في بطلانه. ~~والإيقاد المذكور محرم سواء انتفع به هناك منتفع أم لا إلى آخر كلامه. # وقال الشيخ قاسم [بن قطلبغى] الحنفي في "شرح درر البحار": النذر الذي ~~ينذره أكثر العوام على ما هو مشاهد، كأن يكون للإنسان غائب أو مريض أو له ~~حاجة ضرورية، فيأتي إلى بعض الصلحاء، ويجعل على رأسه سترة ويقول: يا سيدي ~~فلان إن رد الله غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب كذا أو ~~من الفضة كذا، أو من الطعام كذا، أو من الماء ومن الشمع والزيت كذا، فهذا ~~النذر باطل بالإجماع لوجوه. منها: أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز ~~لأنه عبادة، والعبادة لا تكون لمخلوق. # ومنها أن المنذور له ميت والميت لا يملك. # ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور دون الله، واعتقاد ذلك كفر، إلى ~~أن قال: إذا علمت هذا فما يؤخذ من الدراهم والشمع والزيت وغيرها وينقل إلى ~~ضرائح الأولياء تقربا إليهم فحرام بإجماع المسلمين. نقله عنه ابن نجيم في ~~"البحر الرائق" في آخر كتاب الصوم. ومنه نقله المرشدي أيضا في "تذكرته" ~~ونقله غيرهما عنه وزاد: وقد ابتلي الناس بهذا لا سيما في مولد أحمد البدوي. # وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في الرد على من أجاز الذبح والنذر ~~للأولياء، وأثبت الأجر في ms144 ذلك: فهذا الذبح والنذر إن كان على اسم فلان ~~وفلان فهو لغير الله، فيكون باطلا. # وفي التنزيل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه} 1. وقوله: {قل إن ~~صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين} 2. أي: صلاتي وذبحي لله، كما ~~فسر به قوله: {فصل لربك وانحر} 3. وفي PageV01P168 # الحديث: "لا نذر في معصية الله" 1. رواه أبو داود وغيره. # والنذر لغير الله إشراك مع الله، إلى أن قال: فالنذر لغير الله كالذبح ~~لغيره. وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك: الركوع والسجود والنذر والذبح ~~واليمين. قال: والحاصل أن النذر لغير الله فجور، فمن أين تحصل لهم الأجور؟ ~~انتهى ملخصا. # وقال القاضي أبو بكر ابن العربي المالكي: قد نهي عن النذر، وندب إلى ~~الدعاء، والسبب فيه أن الدعاء عبادة عاجلة، ويظهر به التوجه إلى الله ~~تعالى، والتضرع له، وهذا بخلاف النذر فإن فيه تأخير العبادة إلى حين الحصول ~~وترك العمل إلى حين الضرورة. # فقد نص أبو بكر على أن الدعاء والنذر عبادتان، ولا يمتري مسلم أن من عبد ~~غير الله فقد أشرك، ولكن كما قال تعالى: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا ~~يؤمنون} 2. # قال: وفي " الصحيح " " عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه " 3. # ش: قوله في "الصحيح" أي: "صحيح البخاري". # قوله: "عن عائشة". هي أم المؤمنين، وزوج النبي صلى الله عليه وسلم. وبنت ~~أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم. وهي بنت ~~سبع سنين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وهي أفقه النساء مطلقا، وأفضل أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا خديجة ففيهما خلاف كثير. وماتت سنة سبع ~~وخمسين على الصحيح، قاله الحافظ [في التقريب] . # قوله: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" أي: فليفعل ما نذره من طاعة الله وقد ~~أجمع العلماء على أن من نذر طاعة بشرط يرجوه كقوله: إن شفى الله مريضي فعلي ~~أن أتصدق بكذا ونحو ذلك، وجب ms145 عليه أن يوفي بها مطلقا إذا حصل الشرط، إلا ~~أنه حكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزمه الوفاء بما لا أصل له في الوجوب، ~~PageV01P169 # كالاعتكاف، وعيادة المريض. والحديث حجة عليه، لأنه لم يفرق بين ما له أصل ~~في الوجوب وما لا أصل له، فإن نذر ابتداء كقوله: لله تعالى علي صوم شهر ~~فالحكم أيضا كذلك في قول الأكثرين. وعن بعضهم أنه لا يلزم، والحديث حجة ~~عليه أيضا، لأنه لم يفرق بين ما علقه على شرط وبين ما نذره ابتداء قوله: ~~"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" 1. زاد الطحاوي "وليكفر عن يمينه". قال ~~ابن القطان: عندي شك في رفع هذه الزيادة، أي: لا يفعل المعصية التي نذرها ~~وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الوفاء بنذر المعصية. # قال الحافظ في "الفتح": واتفقوا على تحريم النذر في المعصية، وتنازعوا هل ~~ينعقد موجبا للكفارة أم لا؟ وقد تقدم ذلك في الباب قبله. # وقد يستدل بقوله: "ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" بصحة النذر في المباح، ~~كما هو مذهب أحمد وغيره. يؤيده ما رواه أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده ورواه أحمد والترمذي عن بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني ~~نذرت أن أضرب على رأسك بالدف. فقال: "أوف بنذرك" 2 وإذا صححناه فحكمه حكم ~~الحلف على فعله، فيخير بين فعله وكفارة اليمين. # وأما نذر اللجاج والغضب، فهو يمين عند أحمد، فيخير بين فعله وكفارة ~~اليمين، لحديث عمران بن حصين مرفوعا: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين" ~~3. رواه سعيد [بن منصور] وأحمد، والنسائي، وله طرق، وفيه كلام، فإن نذر ~~مكروها كالطلاق، استحب أن يكفر ولا يفعله. PageV01P170 ### | باب من الشرك الاستعاذة بغير الله # الاستعاذة: الالتجاء، والاعتصام، والتحرز، وحقيقتها: الهرب من شيء تخافه ~~إلى من يعصمك منه، ولهذا يسمى المستعاذ به معاذا، # PageV01P170 # وملجأ ووزرا، فالعائذ بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه، ~~وفر إليه، وألقى نفسه بين يديه واعتصم به، واستجار به، والتجأ إليه، وهذا ms146 ~~تمثيل وتفهيم، وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله، والاعتصام به، ~~والإطراح بين يدي الرب، والافتقار إليه، والتذلل بين يديه، أمر لا تحيط به ~~العبارة. هذا معنى كلام ابن القيم. # وقال ابن كثير: الاستعاذة هي: الالتجاء إلى الله والالتصاق بجنابه من شر ~~كل ذي شر. والعياذ يكون لدفع الشر. واللياذ لطلب الخير. وهذا معنى كلام ~~غيرهما من العلماء، فتبين بهذا أن الاستعاذة بالله عبادة لله، ولهذا أمر ~~الله بالاستعاذة به في غير آية، وتواترت السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك. قال الله تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو ~~السميع العليم} 1. وقال: {وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن ~~يحضرون} 2. وقال: {فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير} 3. وقال: {قل أعوذ ~~برب الفلق} 4. وقال تعالى: {قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس} 5. ~~فإذا كان تعالى هو ربنا وملكنا وإلهنا، فلا مفزع لنا في الشدائد سواه، ولا ~~ملجأ لنا منه إلا إليه، ولا معبود لنا غيره، فلا ينبغي أن يدعى ولا يخاف ~~ولا يرجى ولا يحب غيره، ولا يذل ولا يخضع لغيره، ولا يتوكل إلا عليه، لأن ~~من تخافه وترجوه وتدعوه وتتوكل عليه، إما أن يكون مربيك والقيم بأمورك، ~~ومتولي شأنك، فهو ربك، ولا رب لك سواه، أو تكون مملوكه وعبده الحق، فهو ملك ~~الناس حقا، وكلهم عبيده ومماليكه، أو يكون معبودك وإلهك الذي لا تستغني عنه ~~طرفة عين، بل حاجتك إليه أعظم من حاجتك إلى حياتك وروحك، فهو الإله الحق ~~إله الناس، فمن كان ربهم وملكهم وإلههم فهم جديرون أن لا يستعيذوا بغيره، ~~ولا يستنصروا بسواه، ولا يلجئوا إلى غير حماه، PageV01P171 # فهو كافيهم وحسبهم وناصرهم ووليهم ومتولي أمورهم جميعا بربوبيته وملكه ~~وإلهيته لهم، فكيف لا يلتجئ العبد عند النوازل ونزول عدوه به إلى ربه وملكه ~~وإلهه، وهذه طريقة القرآن يحتج عليهم بإقرارهم بهذا التوحيد على توحيد ~~الإلهية، هذا معنى كلام ابن القيم، فإذا تحقق العبد بهذه الصفات: الرب ~~والملك والإله، ms147 وامتثل أمر الله واستعاذ به، فلا ريب أن هذه عبادة من أجل ~~العبادات، بل هو من حقائق توحيد الإلهية، فإن استعاذ بغيره فهو عابد لذلك ~~الغير، كما أن من صلى لله وصلى لغيره يكون عابدا لغير الله كذلك في ~~الاستعاذة، ولا فرق إلا أن المخلوق يطلب منه ما يقدر عليه ويستعاذ به فيه، ~~بخلاف ما لا يقدر عليه إلا الله، فلا يستعاذ فيه إلا بالله، كالدعاء، فإن ~~الاستعاذة من أنواعه. # قال: وقول الله تعالى: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا} 1. # ش: المعنى والله أعلم على قول أن الإنس زادوا الجن باستعاذتهم بهم رهقا، ~~أي: إثما وطغيانا وشرا، فضمير الفاعل على هذا للعائذين من الإنس وضمير ~~المفعول للمستعاذ بهم من الجن، وعلى القول الثاني بالعكس، وزيادتهم للإنس ~~رهقا بإغوائهم وإضلالهم، وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى في واد قفر ~~في بعض سيره وخاف على نفسه قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد ~~الجن وكبيرهم. # قال مجاهد: كانوا يقولون إذا هبطوا واديا: نعوذ بعظيم هذا الوادي، ~~فزادوهم رهقا. قال: زادوا الكفار طغيانا. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر. # والآثار بذلك عن السلف مشهورة، ووجه الاستدلال بالآية على الترجمة أن ~~الله حكى عن مؤمني الجن أنهم لما تبين لهم دين الرسول صلى الله عليه وسلم ~~وآمنوا به، ذكروا أشياء من الشرك كانوا يعتقدونها في الجاهلية، من جملتها ~~الاستعاذة بغير الله. PageV01P172 # وقد أجمع العلماء على أنه لا تجوز الاستعاذة بغير الله، ولهذا نهوا عن ~~الرقى التي لا يعرف معناها، خشية أن يكون فيها شيء من ذلك. قال ملا علي ~~القاري الحنفي: ولا تجوز الاستعاذة بالجن، فقد ذم الله الكافرين على ذلك ~~فقال:: {وأنه كان رجال من الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} 1، إلى ~~أن قال: وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا يا معشر الجن قد استكثرتم من الأنس ~~وقال أولياؤهم من الأنس ربنا استمتع بعضنا ببعض} 2. فاستمتاع الإنسي بالجني ~~في قضاء حوائجه وامتثال أوامره، أو ms148 إخباره بشيء من المغيبات، واستمتاع ~~الجني بالإنسي تعظيمه إياه، واستعاذته به، واستغاثته وخضوعه له. وفيه أن ~~كون الشيء يحصل به منفعة دنيوية من كف شر أو جلب نفع لا يدل على أنه ليس من ~~الشرك. ذكره المصنف. # قال: وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء ~~حتى يرحل من منزله ذلك" 3. رواه مسلم. # قوله: "عن خولة بنت حكيم". أي: ابن أمية السلمية، يقال لها: أم شريك. ~~ويقال لها: خويلة بالتصغير، ويقال: إنها هي الواهبة، وكانت قبل تحت عثمان ~~بن مظعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة. # قوله: (أعوذ بكلمات الله التامات) . هذا ما شرعه الله لأهل الإسلام أن ~~يستعيذوا به بدلا عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن، فشرع الله ~~للمسلمين أن يستعيذوا به أو بصفاته. # قال القرطبي في "المفهم": # قيل: معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب، كما يلحق كلام البشر. ~~وقيل: معناه الشافية الكافية، وقيل: الكلمات هنا: هي القرآن، فإن الله أخبر ~~عنه بأنه {هدى وشفاء} وهذا الأمر على جهة الإرشاد إلى ما يدفع به ~~PageV01P173 # الأذى. ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى والالتجاء إليه، كان ذلك ~~من باب المندوب إليه المرغب فيه. # وعلى هذا فحق المتعوذ بالله تعالى وبأسمائه وصفاته أن يصدق الله في ~~التجائه إليه، ويتوكل في ذلك عليه، ويحضر ذلك في قلبه، فمتى فعل ذلك وصل ~~إلى منتهى طلبه، ومغفرة ذنبه. # وقال غيره: وقد اتفق العلماء على أن الاستعاذة بالمخلوق لا تجوز، ~~واستدلوا بحديث خولة، وقالوا: فيه دليل على أن كلمات الله غير مخلوقة، ~~وردوا به على الجهمية والمعتزلة في قولهم بخلق القرآن، قالوا: فلو كانت ~~كلمات الله مخلوقة لم يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم بالاستعاذة بها، ~~لأن الاستعاذة بالمخلوق شرك. # وقال شيخ الإسلام: وقد نص الأئمة كأحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة ~~بمخلوق، وهذا مما استدلوا به على أن ms149 كلام الله غير مخلوق. قالوا: لأنه ثبت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، ولهذا نهى ~~العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك. # وقال ابن القيم: ومن ذبح للشيطان ودعاه واستغاث به، وتقرب إليه بما يحب، ~~فقد عبده وإن لم يسم ذلك عبادة، ويسميه استخداما، وصدق هو استخدام الشيطان ~~له، فيصير من خدم الشيطان وعابديه، وبذلك يخدمه الشيطان لكن خدمة الشيطان ~~له ليست خدمة عبادة، فإن الشيطان لا يخضع له ويعبده كما يفعل هو به. # قوله: {من شر ما خلق} 1. أي: من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان ~~أو غيره، إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة، أو ريحا أو صاعقة، أي نوع كان ~~من أنواع البلاء في PageV01P174 # الدنيا والآخرة. وما ههنا موصولة ليس إلا، وليس المراد بها العموم ~~الإطلاقي، بل المراد التقييدي الوصفي والمعنى من شر كل مخلوق فيه شر، لا من ~~شر كل ما خلقه الله تعالى، فإن الجنة والملائكة والأنبياء ليس فيهم شر، هذا ~~معنى كلام ابن القيم. قال: والشر يقال على شيئين على الألم وعلى ما يفضي ~~إليه. # قوله: "لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك". قال القرطبي: هذا خبر صحيح ~~وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم ~~يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب بالمهدية1 ليلا، فتفكرت في نفسي فإذا ~~بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات. قال المصنف: فيه فضيلة هذا الدعاء مع ~~اختصاره. PageV01P175 # [8- ### | باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره # ش: قال شيخ الإسلام: الاستغاثة هي طلب الغوث، وهو إزالة الشدة كالاستنصار ~~طلب النصر، والاستعانة طلب العون. وقال غيره: الفرق بين الاستغاثة والدعاء: ~~أن الاستغاثة لا تكون إلا من المكروب كما قال تعالى: {فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه} 1. وقال: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم} ~~2.والدعاء أعم من الاستغاثة لأنه يكون من المكروب وغيره، ms150 فعلى هذا عطف ~~الدعاء على الاستغاثة من عطف العام على الخاص. # وقال أبو السعادات: الإغاثة: الإعانة، فعلى هذا تكون الاستغاثة هي ~~الاستعانة. ولا ريب أن من استغاثك فأغثته فقد أعنته، إلا أن لفظ الاستغاثة ~~مخصوص بطلب العون في حالة الشدة، بخلاف الاستعانة. PageV01P175 # وقوله: "أو يدعو غيره". المراد بالدعاء هنا. هو دعاء المسألة فيما لا ~~يقدر عليه إلا الله تعالى، فإن ذلك شرك لما سيذكره المصنف من الآيات. # واعلم أن الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة كما حققه غير واحد منهم: ~~شيخ الإسلام وابن القيم وغيرهما، ويراد به في القرآن هذا تارة، وهذا تارة، ~~ويراد به مجموعهما، وهما متلازمان. # فدعاء المسألة هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، فالمعبود لا ~~بد أن يكون مالكا للنفع والضر، ولهذا أنكر الله تعالى على من عبد من دونه ~~ما لا يملك ضرا ولا نفعا كقوله: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ~~ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم} 1. وقوله: {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} 2. وذلك كثير في ~~القرآن يبين أن المعبود لا بد وأن يكون مالكا للنفع والضر، فهو يدعى للنفع ~~والضر دعاء المسألة، ويدعى خوفا ورجاء دعاء العبادة، فعلم أن النوعين ~~متلازمان. فكل دعاء عبادة مستلزم لدعاء المسألة، وكل دعاء مسألة متضمن ~~لدعاء العبادة. وبهذا التحقيق يندفع عنك ما يقوله عباد القبور إذ احتج ~~عليهم بما ذكر الله في القرآن من الأمر بإخلاص الدعاء له. # قالوا: المراد به العبادة، فيقولون في مثل قوله تعالى: {وأن المساجد لله ~~فلا تدعو مع الله أحدا} 3. أي: لا تعبدوا مع الله أحدا، فيقال لهم: وإن ~~أريد به دعاء العبادة، فلا ينفي أن يدخل دعاء المسألة في العبادة، لأن دعاء ~~العبادة مستلزم لدعاء المسألة، كما أن دعاء المسألة متضمن لدعاء العبادة، ~~هذا لو لم يرد في دعاء المسألة بخصوصه من القرآن إلا الآيات التي ذكر فيها ~~دعاء العبادة. فكيف وقد ذكر الله ms151 في القرآن في غير موضع. قال الله تعالى: ~~{ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين} 4. وقال تعالى: {وادعوه خوفا ~~وطمعا} 5. PageV01P176 # وقال تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله ~~فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله} 1. وقال تعالى: {واسألوا الله ~~من فضله} 2. وقال تعالى: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة ~~أغير الله تدعون إن كنتم صادقين بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه إن شاء ~~وتنسون ما تشركون} 3. # وقال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء ~~إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا ~~في ضلال} 4. وقال تعالى: عن إبراهيم عليه السلام: {إن ربي لسميع الدعاء} 5. ~~وقال عنه أيضا: {وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون ~~بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله ... } 6. وقال تعالى: ~~{ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم ~~يشركون} 7.8. وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} 9. وقال تعالى: {وإذا مسكم الضر في البحر ضل من ~~تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الأنسان كفورا} 10. وقال ~~تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} ~~11. وقال تعالى عن زكريا عليه السلام: {قال رب إني وهن العظم مني واشتعل ~~الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا} 12. وقال تعالى: {وقيل ادعوا شركاءكم ~~فدعوهم فلم يستجيبوا لهم} 13. وقال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} 14. فكفى بهذه الآيات ~~نجاة وحجة وبرهانا في الفرق بين التوحيد والشرك عموما وفي هذه المسألة ~~خصوصا. # وقال تعالى: {فابتغوا عند الله الرزق} 15. وقال تعالى: {وإذا مس الأنسان ~~ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل ~~وجعل لله أندادا ليضل ms152 عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار} ~~16. وقال تعالى: PageV01P177 # {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ~~ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم} 1. وقال تعالى: ~~{وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم ~~داخرين} 2. وغير ذلك من الآيات. # وفي الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يحصى، منها قوله صلى ~~الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: "يا عبادي، كلكم ~~جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته ~~فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا ~~عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر ~~لكم" 3. رواه مسلم "وقوله صلى الله عليه وسلم ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى ~~سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر ثم يقول: من يدعوني فأستجب له؟ من ~~يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ " 4. رواه البخاري ومسلم. # وقوله: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء" 5 رواه أحمد والترمذي وابن ~~ماجة وابن حبان، والحاكم وصححه. وقوله: "من لم يدع الله يغضب عليه" 6 رواه ~~أحمد وابن أبي شيبة والحاكم وقوله: "سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن ~~يسأل" 7. رواه الترمذي، وقوله: "الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور ~~السماوات والأرض". رواه الحاكم وصححه8. وقوله: "الدعاء هو العبادة" 9. رواه ~~أحمد والترمذي. وفي حديث آخر: "الدعاء مخ العبادة" 10. رواه الترمذي. وقوله ~~لما سئل: "أي العبادة أفضل؟ قال: دعاء المرء لنفسه". رواه البخاري في ~~"الأدب"11. وقوله: "لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ~~ينزل فعليكم بالدعاء يا عباد الله" 12. رواه أحمد. وقوله: "سلوا الله كل ~~شيء PageV01P178 # حتى الشسع1 إذا انقطع، فإنه إن لم ييسره لم يتيسر" رواه أبو يعلى بإسناد ~~صحيح. وقوله: "ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع ~~وحتى يسأله الملح" 2. رواه البزار بإسناد صحيح. # وقال عمر ms153 بن الخطاب رضي الله عنه: "إني لا أحمل هم الإجابة، ولكن هم ~~الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء علمت أن الإجابة معه". وقال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: " أفضل العبادة الدعاء وقرأ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم " رواه ابن ~~المنذر والحياكم وصححه. "وقال مطرف: تذكرت ما جماع الخير؟ فإذا الخير كثير، ~~الصلاة والصيام، وإذا هو في يد الله تعالى، وإذا أنت لا تقدر على ما في يد ~~الله إلا أن تسأله فيعطيك". رواه أحمد. [في الزهد] . # والأحاديث والآثار في ذلك لا يحيط بها إلا الله تعالى. فثبت بهذا أن ~~الدعاء عبادة من أجل العبادات، بل هو أكرمها على الله كما تقدم، فإن لم يكن ~~الإشراك فيه شركا، فليس في الأرض شرك، وإن كان في الأرض شرك فالشرك في ~~الدعاء أولى أن يكون شركا من الإشراك في غيره من أنواع العبادة، بل الإشراك ~~في الدعاء - هو أكبر شرك المشركين الذين بعث إليهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإنهم يدعون الأنبياء والصالحين والملائكة، ويتقربون إليهم ليشفعوا ~~لهم عند الله، ولهذا يخلصون في الشدائد لله وينسون ما يشركون، حتى جاء أنهم ~~إذا جاءتهم الشدائد في البحر يلقون أصنامهم في البحر ويقولون: يا الله يا ~~الله، لعلمهم أن آلهتهم لا تكشف الضر ولا تجيب المضطر. وقال تعالى: {أمن ~~يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء PageV01P179 # الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} 1. فهم كانوا يعلمون أن ذلك لله ~~وحده، وأن آلهتهم ليس عندها شيء من ذلك، ولهذا احتج سبحانه وتعالى عليهم ~~بذلك أنه هو الإله الحق، وعلى بطلان إلهية ما سواه. وقال تعالى:: {فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون} 2.فهذه حال المشركين الأولين. # وأما عباد القبور اليوم فلا إله إلا الله، كم ذا بينهم وبين المشركين ~~الأولين من التفاوت العظيم في الشرك، فإنهم إذا أصابتهم الشدائد برا وبحرا ~~أخلصوا لآلهتهم وأوثانهم التي يدعونها من دون الله، وأكثرهم قد اتخذ ذكر ~~إلهه وشيخه ديدنه، وهجيراه ms154 إن قام وإن قعد وإن عثر. هذا يقول: يا علي ~~[الشاذلي] ، وهذا يقول: يا عبد القادر [الجيلاني] ، وهذا يقول: يا ابن ~~علوان، وهذا يدعو البدوي، وهذا يدعو العيدروس. وبالجملة ففي كل بلد في ~~الغالب أناس يدعونهم ويسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات. بل بلغ الأمر ~~إلى أن سألوهم مغفرة الذنوب، وترجيح الميزان، ودخول الجنة والنجاة من ~~النار، والتثبيت عند الموت والسؤال، وغير ذلك من أنواع المطالب التي لا ~~تطلب إلا من الله. وقد يسألون ذلك من أناس يدعون الولاية، وينصبون أنفسهم ~~لهذه الأمور وغيرها من أنواع النفع والضر التي هي خواص الإلهية، ويلفقون ~~لهم من الأكاذيب في ذلك عجائب. منها أنهم يدعون أنهم يخلصون من التجأ إليهم ~~ولاذ بحماهم من النار والعذاب، فيقول أحدهم: إنه يقف عند النار فلا يدع ~~أحدا ممن يرتجيه ويدعوه يدخلها أو نحو هذا، وقد قال تعالى لسيد المرسلين ~~صلى الله عليه وعليهم أجمعين: {أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في ~~النار} 3. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يقدر على تخليص أحد من ~~النار، فكيف بغيره، بل كيف بمن يدعي نفسه PageV01P180 # أنه هو يفعل ذلك؟! ومنها أن أكثرهم يلفق حكايات في أن بعض الناس استغاث ~~بفلان فأغاثه، أو دعا الولي الفلاني فأجابه، أو في كربة ففرج عنه، وعند ~~عباد القبور من ذلك شيء كثير من جنس ما عند عباد الأصنام الذين استولت ~~عليهم الشياطين، ولعبوا بهم لعب الصبيان بالكرة. # ويوجد شيء من ذلك في أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ~~الذين جاوزوا الحد في مدحه صلى الله عليه وسلم وعصوه في نهيه من الغلو فيه، ~~وإطرائه كما أطرت النصارى ابن مريم، وصار حظهم منه صلى الله عليه وسلم هو ~~مدحه بالأشعار والقصائد، والغلو الزائد، مع عصيانهم له في أمره ونهيه، فتجد ~~هذا النوع من أعصى الخلق له صلوات الله عليه وسلامه. # ويقع من ذلك كثير في مدح غيره، فإن عباد القبور لا يقتصرون على بعض من ~~يعتقدون فيه الضر والنفع، بل ms155 كل من ظنوا فيه ذلك بالغوا في مدحه وأنزلوه ~~منزلة الربوبية وصرفوا له خالص العبودية، حتى إنهم إذا جاءهم رجل وادعى أنه ~~رأى رؤيا مضمونها أنه دفن في المحل الفلاني رجل صالح، بادروا إلى المحل ~~وبنوا عليه قبة وزخرفوها بأنواع الزخارف، وعبدوها بأنواع من العبادات. # وأما القبور المعروفة أو المتوهمة، فأفعالهم معها وعندها لا يمكن حصره، ~~فكثير منهم إذا رأوا القباب التي يقصدونها كشفوا الرؤوس فنزلوا عن الأكوار، ~~فإذا أتوها طافوا بها واستلموا أركانها، وتمسحوا بها، وصلوا عندها ركعتين، ~~وحلقوا عندها الرؤوس ووقفوا باكين متذللين متضرعين سائلين مطالبهم، وهذا هو ~~الحج، وكثير منهم يسجدون لها إذا رأوها، ويعفرون وجوههم في التراب تعظيما ~~لها، وخضوعا لمن فيها، فإن كان للإنسان منهم حاجة من شفاء مريض أو غير ذلك، ~~نادى صاحب القبر، يا سيدي فلان جئتك قاصدا من مكان بعيد، لا تخيبني، وكذلك ~~إذا قحط المطر، أو عقرت المرأة عن الولد، أو دهمهم عدو أو جراد، فزعوا إلى ~~صاحب القبر، وبكوا عنده فإن # PageV01P181 # جرى المقدور بحصول شيء مما يريدون، استبشروا وفرحوا ونسبوا ذلك إلى صاحب ~~القبر، فإن لم يتيسر شيء من ذلك اعتذروا عن صاحب القبر بأنه إما غائب في ~~مكان آخر، أو ساخط لبعض أعمالهم، أو أن اعتقادهم في الولي ضعيف، أو أنهم لم ~~يعطوه نذره ونحو هذه الخرافات. ومن بعض أشعار المادحين لسيد المرسلين صلى ~~الله عليه وسلم قول البوصيري: # 152 يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند حلول الحادث العمم. # 153 ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقم. # 146 فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمدا وهو أوفى الخلق بالذمم. # 147 إن لم يكن في معادي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم. # فتأمل ما في هذه الأبيات من الشرك. # منها. أنه نفى أن يكون له ملاذا إذا حلت به الحوادث، إلا النبي صلى الله ~~عليه وسلم وليس ذلك إلا لله وحده لا شريك له، فهو الذي ليس للعباد ملاذ إلا ~~هو. ms156 # الثاني. أنه دعاه وناداه بالتضرع وإظهار الفاقة والاضطرار إليه، وسأل منه ~~هذه المطالب التي لا تطلب إلا من الله، وذلك هو الشرك في الإلهية. # الثالث. سؤاله منه أن يشفع له في قوله: ولن يضيق رسول الله. البيت. وهذا ~~هو الذي أرادها المشركون ممن عبدوه، وهو الجاه والشفاعة عند الله، وذلك هو ~~الشرك وأيضا فإن الشفاعة لا تكون إلا بعد إذن الله فلا معنى لطلبها من ~~غيره، فإن الله تعالى هو الذي يأذن للشافع أن يشفع لأن الشافع يشفع ابتداء. # الرابع. قوله: فإن لي ذمة. إلى آخره. كذب على الله وعلى رسوله صلى الله ~~عليه وسلم فليس بينه وبين من اسمه محمد ذمة إلا بالطاعة، لا بمجرد الإشراك ~~في الاسم مع الشرك. # الخامس. قوله: إن لم يكن في معادي. البيت. تناقض # PageV01P182 # عظيم وشرك ظاهر، فإنه طلب أولا أن لا يضيق به جاهه، ثم طلب هنا أن يأخذ ~~بيده فضلا وإحسانا، وإلا فيا هلاكه! فيقال: كيف طلبت منه أولا الشفاعة ثم ~~طلبت منه هنا أن يتفضل عليك؟! فإن كنت تقول: إن الشفاعة لا تكون إلا بعد ~~إذن الله، فكيف تدعو النبي صلى الله عليه وسلم وترجوه وتسأله الشفاعة؟! ~~فهلا سألتها من له الشفاعة جميعا الذي له ملك السموات والأرض الذي لا تكون ~~الشفاعة إلا من بعد إذنه، فهذا يبطل عليك طلب الشفاعة من غير الله. # وإن قلت: ما أريد إلا جاهه، وشفاعته بإذن الله. قيل: فكيف سألته أن يتفضل ~~عليك ويأخذ بيدك في يوم الدين، فهذا مضاد لقوله تعالى: {وما أدراك ما يوم ~~الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله} 1. فكيف يجتمع في قلب عبد الإيمان بهذا وهذا؟! وإن قلت: سألته أن يأخذ ~~بيدي، ويتفضل علي بجاهه وشفاعته. قيل: عاد الأمر إلى طلب الشفاعة من غير ~~الله، وذلك هو محض الشرك. # السادس. في هذه الأبيات من التبري من الخالق - تعالى وتقدس - والاعتماد ~~على المخلوق في حوادث الدنيا والآخرة ما لا يخفى علىمؤمن، فأين ms157 هذا من قوله ~~تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} 2. وقوله تعالى: {فإن تولوا فقل حسبي الله ~~لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} 3. وقوله: {وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} 4. وقوله تعالى: {قل ~~إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من ~~دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} 5. PageV01P183 # فإن قيل: هو لم يسأله أن يتفضل عليه، وإنما أخبر أنه إن لم يدخل في عموم ~~شفاعته فيا هلاكه. قيل: المراد بذلك سؤاله، وطلب الفضل منه، كما دعاه أول ~~مرة وأخبر أنه لا ملاذ له سواه، ثم صرح بسؤال الفضل والإحسان بصيغة الشرط ~~والدعاء، والسؤال كما يكون بصيغة الطلب يكون بصيغة الشرط كما قال نوح عليه ~~السلام: {إلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين} 1. # ومن شعر البرعي قوله: # ماذا تعامل يا شمس النبوة من ... أضحى إليك من الأشواق في كبدي # فامنع جناب صريع لا صريخ له ... نائي المزار غريب الدار مبتعد. # حليف ودك واه الصبر منتظر ... لغارة منك يا ركني ويا عضدي. # أسير ذنبي وزلاتي ولا عمل ... أرجو النجاة به إن أنت لم تجد. # وجرى في شركه إلى أن قال: # وحل عقدة كربي يا محمد من ... هم على خطرات القلب مطرد. # أرجوك في سكرات الموت تشهدني ... كيما يهون إذ الأنفاس في صعد # وإن نزلت ضريحا لا أنيس به ... فكن أنيس وحيد فيه منفرد. # وارحم مؤلفها عبد الرحيم ومن ... يليه من أجله وانعشه وافتقد. # وإن دعا فأجبه واحم جانبه ... من حاسد شامت أو ظالم نكد # وقوله من أخرى: # يا رسول الله يا ذا الفضل يا ... بهجة في الحشر جاها ومقاما. # عد على عبد الرحيم الملتجي ... بحمى عزك يا غوث اليتامى. # وأقلني عثرتي يا سيدي ... في اكتساب الذنب في خمسين عاما. # وقوله: # يا سيدي يا رسول الله يا أملي ... يا موئلي يا ملاذي يوم يلقاني. # هبني بجاهك ما قدمت من زلل ... جودا ورجح بفضل منك ميزاني. ms158 # واسمع دعائي واكشف ما يساورني ... من الخطوب ونفس كل أحزاني. PageV01P184 # فأنت أقرب من ترجى عواطفه ... عندي وإن بعدت داري وأوطاني. # إني دعوتك من "نيابتي برع" ... وأنت أسمع من يدعوه ذو شان. # فامنع جنابي وأكرمني وصل نسبي ... برحمة وكرامات وغفران. # لقد أنسانا هذا ما قبله، وهذا بعينه هو الذي ادعته النصارى في عيسى عليه ~~السلام، إلا أن أولئك أطلقوا عليه اسم الإله، وهذا لم يطلقه ولكن أتى بلباب ~~دعواهم وخلاصتها، وترك الاسم، إذ في الاسم نوع تمييز، فرأى الشيطان أن ~~الإتيان بالمعنى دون الاسم أقرب إلى ترويج الباطل، وقبوله عند ذوي العقول ~~السخيفة، إذ كان من المتقرر عند الأمة المحمدية أن دعوى النصارى في عيسى ~~عليه السلام كفر. # فلو أتاهم بدعوى النصارى اسما ومعنى لردوه وأنكروه، فأخذ المعنى وأعطاه ~~البرعي وأضرابه، وترك الاسم للنصارى وإلا فما ندري ماذا أبقى هذا المتكلم ~~الخبيث للخالق تعالى وتقدس من سؤال مطلب أو تحصيل مأرب، فالله المستعان. # وهذا كثير جدا في أشعار المادحين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو حجة ~~أعداء دينه الذين يجوزون الشرك بالله، ويحتجون بأشعار هؤلاء، ولم يقتصروا ~~أيضا على طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم بل يطلبون مثل ذلك من غيره، ~~كما حدث بعض الثقاة أنه رأى في رابية صاحب مشهد من المشاهد: هذه راية البحر ~~التيار، به أستغيث، وأستجير، وبه أعوذ من النار. # وقال بعضهم في قصيدة في بعض آلهتهم: # يا سيدي يا صفي الدين يا سندي ... يا عمدتي بل ويا ذخري ومفتخري # أنت الملاذ لما أخشى ضرورته ... وأنت لي ملجأ من حادث الدهر. # إلى أن قال: # وامنن علي بتوفيق وعافية ... وخير خاتمة مهما انقضى عمري. # وكف عنا أكف الظالمين إذا ام ... تدت بسوء لأمر مؤلم نكر. # فإنني عبدك الراجي بودك ما ... أملته يا صفي السادة الغرر. # PageV01P185 # قال بعض العلماء: فلا ندري أي معنى اختص به الخالق تعالى بعد هذه ~~المنزلة، وماذا أبقى هذا المتكلم الخبيث لخالقه من الأمر، فإن المشركين أهل ~~الأوثان ما يؤهلون من عبدوه ms159 لشيء من هذا. انتهى. # وكثير من عباد القبور ينادون الميت من مسافة شهر وأكثر يسألونه حوائجهم، ~~ويعتقدون أنه يسمع دعاءهم ويستجيب لهم، وتسمع عندهم حال ركوبهم البحر ~~واضطرابه من دعاء الأموات والاستغاثة بهم ما لا يخطر على بال، وكذلك إذا ~~أصابتهم الشدائد، من مرض، أو كسوف، أو ريح شديدة، أو غير ذلك، فالولي في ~~ذلك نصب أعينهم، والاستغاثة به هي ملاذهم، ولو ذهبنا نذكر ما يشبه هذا لطال ~~الكلام. إذا عرفت هذا، فقد تقدم ذكر دعاء المسألة. # [كلام العلماء في الغلو والمغالين] # وأما دعاء العبادة، فهو عبادة الله تعالى بأنواع العبادات، من الصلاة، ~~والذبح، والنذر، والصيام، والحج وغيرها، خوفا وطمعا، يرجو رحمته، ويخاف ~~عذابه، وإن لم يكن في ذلك صيغة سؤال وطلب، فالعابد الذي يريد الجنة ويهرب ~~من النار، وهو سائل راغب راهب. يرغب في حصول مراده، ويذهب من فواته، وهو ~~سائل لما يطلبه بامتثال الأمر في فعل العبادة، وقد فسر قوله تعالى: {ادعوني ~~أستجب لكم} 1. بهذا. وهذا قيل: اعبدوني وامتثلوا أمري أستجب لكم، وقيل: ~~سلوني أعطكم، وعلى هذا القول تدل الأحاديث والآثار. # إذا تبين ذلك، فاعلم أن العلماء أجمعوا على أن من صرف شيئا من نوعي ~~الدعاء لغير الله فهو مشرك، ولو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى ~~وصام، إذ شرط الإسلام مع التلفظ بالشهادتين أن لا يعبد إلا الله، فمن أتى ~~بالشهادتين وعبد غير الله فما أتى بهما حقيقة وإن تلفظ بهما كاليهود الذين ~~يقولون: لا إله إلا الله وهم PageV01P186 # مشركون، ومجرد التلفظ بهما لا يكفي في الإسلام بدون العمل بمعناهما ~~واعتقاده إجماعا. # ذكر شيء من كلام العلماء في ذلك وإن كنا غنيين بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى ~~الله عليه وسلم عن كل كلام، إلا أنه قد صار بعض الناس منتسبا إلى طائفة ~~معينة، فلو أتيته بكل آية من كتاب الله وكل سنة عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # لم يقبل حتى تأتيه بشيء من كلام العلماء، أو بشيء من كلام طائفته التي ~~ينتسب ms160 إليها. # قال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي صاحب كتاب "الفنون" الذي ألفه ~~في نحو أربعمائة مجلد، وغيره من التصانيف. # قال في الكتاب المذكور: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن ~~أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها ~~تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب ~~الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء ~~الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. نقله غير واحد، مقررين له، ~~راضين به، منهم الإمام أبو الفرج بن الجوزي، الإمام ابن مفلح صاحب كتاب ~~"الفروع" وغيرهما. # وقال شيخ الإسلام في "الرسالة السنية": فإذا كان على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم من انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن ~~المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان أيضا قد يمرق أيضا من الإسلام ~~وذلك بأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: {يا أهل الكتاب ~~لا تغلوا في دينكم ... } 1. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي ~~بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح عليه السلام، فكل من غلا في نبي أو رجل ~~صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو ~~أغثني، أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو PageV01P187 # هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن ~~الله إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر والذين ~~يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم يكونوا ~~يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا ~~يعبدونهم أو يعبدون قبورهم، أو يعبدون صورهم، يقولون: إنما {نعبدهم ... ~~ليقربونا إلى الله زلفى} 1. ويقولون: {هؤلاء شفعاؤنا عند الله} 2. فبعث ~~الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. ~~انتهى. # وقد نص الحافظ أبو بكر أحمد بن علي المقريزي ms161 صاحب كتاب "الخطط" في كتاب ~~له في التوحيد على أن دعاء غير الله شرك. # وقال شيخ الإسلام: من جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم يدعوهم ~~ويسألهم، كفر إجماعا، نقله عنه غير واحد مقررين له، منهم ابن مفلح في ~~"الفروع" وصاحب "الإنصاف [المرداوي] " وصاحب "الغاية [مرعي الكرمي] " وصاحب ~~"الإقناع [الحجاوي] " وشارحه [البهوتي] ، وغيرهم، ونقله صاحب "القواطع [ابن ~~حجر الهيثمي] " في كتابه عن صاحب "الفروع". # قلت: وهو إجماع صحيح معلوم بالضرورة من الدين، وقد نص العلماء من أهل ~~المذاهب الأربعة، وغيرهم في باب حكم المرتد، على أن من أشرك بالله فهو ~~كافر، أي: عبد مع الله غيره بنوع من أنواع العبادات. # وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع أن دعاء الله عبادة له، فيكون صرفه لغير ~~الله شركا. # وقال الإمام ابن النحاس الشافعي في كتاب "الكبائر": ومنها إيقادهم السرج ~~عند الأحجار، والأشجار والعيون، والآبار، ويقولون: إنها تقبل النذر، وهذه ~~كلها بدع شنيعة ومنكرات قبيحة تجب PageV01P188 # إزالتها ومحو أثرها، فإن أكثر الجهال يعتقدون أنها تنفع وتضر، وتجلب ~~وتدفع، وتشفي المرض وترد الغائب، إذا نذر لها، وهذا شرك ومحادة لله تعالى ~~ولرسوله صلى الله عليه وسلم. # قلت: فصرح رحمه الله أن الاعتقاد في هذه الأمور أنها تضر وتنفع وتجلب، ~~وتدفع، وتشفي المريض وترد الغائب إذا نذر لها، أن ذلك شرك، وإذا ثبت أنه ~~شرك، فلا فرق في ذلك بين اعتقاده في الملائكة والنبيين، ولا بين اعتقاده في ~~الأصنام والأوثان، إذ لا يجوز الإشراك بين الله تعالى وبين مخلوق فيما يختص ~~بالخالق سبحانه، كما قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين ~~أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} 1 وهذا بعينه هو الذي يعتقده من ~~دعا الأنبياء والصالحين، ولهذا يسألونهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، ~~وشفاء ذوي الأمراض والعاهات، فثبت أن ذلك شرك. # وقال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في "شرح المنازل" ومن أنواعه أي: ~~الشرك، طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل ~~شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا ms162 يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، فضلا ~~لمن استغاث به أو سأله أن يشفع إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع ~~عنده، فإن الله سبحانه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله سبحانه لم يجعل ~~سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك ~~بسبب يمنع الإذن، والميت محتاج إلى من يدعو له، كما أمرنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم، وندعو لهم، ونسأل لهم ~~العافية والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم ~~أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ~~ونسبتهم إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق سبحانه بالشرك وأولياءه ~~الموحدين بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به PageV01P189 # غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به، وهؤلاء هم ~~أعداء الرسل في كل زمان ومكان. وما أكثر المستجيبين لهم! ولله در خليله ~~إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث قال: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب ~~إنهن أضللن كثيرا من الناس} 1. وما نجا من أشرك بهذا الشرك الأكبر، إلا من ~~جرد توحيده لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله. # وقال الإمام الحافظ ابن عبد الهادي في رده على السبكي وقوله: أي: قول ~~السبكي: إن المبالغة في تعظيمه، أي تعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم واجبة: ~~إن أريد به المبالغة بحسب ما يراه كل أحد تعظيما، حتى الحج إلى قبره، ~~والسجود له، والطواف به، واعتقاد أنه يعلم الغيب، وأنه يعطي ويمنع، ويملك ~~لمن استغاث به من دون الله الضر والنفع، وأنه يقضي حوائج السائلين، ويفرج ~~كربات المكروبين، وأنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة من يشاء، فدعوى ~~المبالغة في هذا التعظيم مبالغة في الشرك وانسلاخ من جملة الدين. # قلت: هذا هو اعتقاد عباد القبور فيمن هو دون الرسول صلى الله عليه وسلم ~~فضلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم كما تقدم بعض ذلك، والأمر أعظم وأطم من ~~ذلك. وفي "الفتاوى البزازية" من كتب الحنفية، قال علماؤنا: ms163 من قال: أرواح ~~المشايخ حاضرة تعلم، يكفر. # فإن أراد بالعلماء علماء الشريعة فهو حكاية للإجماع على كفر معتقد ذلك، ~~وإن أراد علماء الحنفية خاصة، فهو حكاية لاتفاقهم على كفر معتقد ذلك، وعلى ~~التقديرين تأمله تجده صريحا في كفر من دعا أهل القبور، لأنه ما دعاهم حتى ~~اعتقد أنهم يعلمون ذلك، ويقدرون على إجابة سؤاله، وقضاء مأموله. # وقال الشيخ صنع الله الحلبي الحنفي في كتابه الذي ألفه في الرد على من ~~ادعى أن للأولياء تصرفا على الحياة وبعد الممات في سبيل PageV01P190 # الكرامة: هذا وإنه قد ظهر الآن فيما بين المسلمين جماعات يدعون أن ~~للأولياء تصرفات في حياتهم وبعد الممات، ويستغاث بهم في الشدائد والبليات، ~~وبهممهم تكشف المهمات، فيأتون قبورهم، وينادونهم في قضاء الحاجات، مستدلين ~~على أن ذلك منهم كرامات، وقالوا: منهم أبدال ونقباء، وأوتاد ونجباء، وسبعون ~~وسبعة، وأربعون وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، وعليه المدار بلا التباس، ~~وجوزوا لهم الذبائح والنذور، وأثبتوا لهم فيها الأجور. # قال: وهذا الكلام فيه تفريط وإفراط، بل فيه الهلاك الأبدي، والعذاب ~~السرمدي، لما فيه من روائح الشرك المحقق، ومصادمة الكتاب العزيز المصدق، ~~ومخالف لعقائد الأئمة وما اجتمعت عليه الأمة. وفي التنزيل: {ومن يشاقق ~~الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ~~ونصله جهنم وساءت مصيرا} 1، إلى أن قال: الفصل الأول فيما انتحلوه من الإفك ~~الوخيم والشرك العظيم. إلى أن قال: فأما قولهم: إن للأولياء تصرفات في ~~حياتهم وبعد الممات، فيرده قوله تعالى: {أإله مع الله} 2، {ألا له الخلق ~~والأمر} 3، {لله ملك السماوات والأرض} 4، ونحوه من الآيات الدالة على أنه ~~المنفرد بالخلق والتدبير، والتصرف والتقدير، ولا شيء لغيره في شيء ما بوجه ~~من الوجوه، فالكل تحت ملكه وقهره تصرفا وملكا، وإحياء وإماتة، وخلقا، وتمدح ~~الرب سبحانه بانفراده في ملكه بآيات من كتابه كقوله: {هل من خالق غير الله} ~~5. {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير} 6. وذكر آيات في هذا المعنى ~~ثم قال: فقوله في الآيات كلها {من دونه} ، أي: من ms164 غيره، فإنه عام يدخل فيه ~~من اعتقدته من ولي وشيطان تستمده، فإن من لم يقدر على نصر نفسه كيف يمد ~~غيره، إلى أن قال: فكيف يتصور لغيره من ممكن أن يتصرف، إن هذا من السفاهة ~~لقول وخيم، وشرك عظيم، إلى أن قال: وأما القول بالتصرف بعد PageV01P191 # الممات فهو أشنع وأبدع من القول بالتصرف في الحياة. قال جل ذكره: {إنك ~~ميت وإنهم ميتون} 1، {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ~~فيمسك التي قضى عليها الموت} 2، {كل نفس ذائقة الموت} 3، {كل نفس بما كسبت ~~رهينة} 4. # وفي الحديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله" 5. الحديث، فجميع ذلك وما هو ~~نحوه دال على انقطاع الحس والحركة من الميت، وأن أرواحهم ممسكة، وأن ~~أعمالهم منقطعة عن زيادة ونقصان، فدل ذلك أن ليس للميت تصرفا في ذاته فضلا ~~عن غيره بحركة، وأن روحه محبوسة مرهونة بعملها من خير وشر، فإذا عجز عن ~~حركة نفسه فكيف يتصرف في غيره؟! فالله سبحانه يخبر أن الأرواح عنده، وهؤلاء ~~الملحدون يقولون: إن الأرواح مطلقة متصرفة. قل أأنتم أعلم أم الله؟. # قال: وأما اعتقادهم أن هذه التصرفات لهم من الكرامات، فهو من المغالطة، ~~لأن الكرامة شيء من عند الله يكرم بها أولياءه، لا قصد لهم فيه ولا تحدي، ~~ولا قدرة ولا علم، كما في قصة مريم بنت عمران، وأسيد بن حضير، وأبي مسلم ~~الخولاني. # قال: وأما قولهم: فيستغاث بهم في الشدائد، فهذا أقبح مما قبله، وأبدع ~~لمصادمته قوله جل ذكره: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم ~~خلفاء الأرض أإله مع الله} 6، {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} 7. وذكر ~~آيات في هذا المعنى ثم قال: فإنه جل ذكره قرر أنه الكاشف للضر لا غيره، ~~وأنه المتعين لكشف الشدائد والكرب وأنه المتفرد بإجابة المضطرين، وأنه ~~المستغاث لذلك كله، وأنه القادر على دفع الضر، والقادر على إيصال الخير، ~~فهو المنفرد بذلك فإذا تعين هو جل ذكره، خرج غيره من ملك ونبي وولي. # قال: والاستغاثة تجوز في الأسباب الظاهرة ms165 العادية من الأمور الحسية في ~~قتال أو إدراك عدو أو سبع ونحوه كقولهم: يا لزيد PageV01P192 # يا لقوم يا للمسلمين كما ذكروا ذلك في كتب النحو بحسب الأسباب الظاهرة ~~بالفعل، وأما الاستغاثة بالقوة والتأثير، أو في الأمور المعنوية من ~~الشدائد، كالمرض وخوف الغرق والضيق والفقر وطلب الرزق ونحوه، فمن خصائص ~~الله، فلا يطلب فيها غيره. # قال: وأما كونهم معتقدين التأثير منهم في قضاء حاجاتهم كما تفعله جاهلية ~~العرب والصوفية والجهال، وينادونهم ويستنجدون بهم، فهذا من المنكرات، إلى ~~أن قال: فمن اعتقد أن لغير الله من نبي أو ولي أو روح أو غير ذلك في كشف ~~كربه أو قضاء حاجته تأثيرا، فقد وقع في وادي جهل خطير، فهو على شفا حفرة من ~~السعير. وأما كونهم مستدلين على أن ذلك منهم كرامات، فحاشا لله أن تكون ~~أولياء الله بهذه المثابة، فهذا ظن أهل الأوثان كذا أخبر الرحمن {هؤلاء ~~شفعاؤنا عند الله} 1، {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} 2، {أأتخذ من ~~دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون} 3. فإن ~~ذكر ما ليس من شأنه النفع ولا دفع الضر من نبي وولي وغيره على وجه الإمداد ~~منه إشراك مع الله، إذ لا قادر على الدفع غيره، ولا خير إلا خيره قال: وأما ~~ما قالوه: من أن منهم أبدالا ونقباء، وأوتادا ونجباء، وسبعين وسبعة، ~~وأربعين وأربعة، والقطب هو الغوث للناس، فهذا من موضوعات إفكهم، كما ذكره ~~القاضي المحدث ابن العربي في "سراج المريدين" وابن الجوزي وابن تيمية. ~~انتهى باختصار. ومثل هذا يوجد في كلام غيرهم من العلماء، والمقصود أن أهل ~~العلم ما زالوا ينكرون هذه الأمور ويبينون أنها شرك، وإن كان بعض المتأخرين ~~ممن ينتسب إلى العلم والدين ممن أصيب في عقله ودينه قد يرخص في بعض هذه ~~الأمور، وهو مخطئ في ذلك، ضال مخالف لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وإجماع المسلمين، فكل أحد مأخوذ من قوله ومتروك إلا قول ربنا، وقول ~~رسوله صلى الله عليه وسلم ms166 فإن ذلك لا PageV01P193 # يتطرق إليه الخطأ بحال، بل واجب على الخلق اتباعه في كل زمان، على أنه لو ~~أجمع المتأخرون على جواز هذا لم يعتد بإجماعهم المخالف لكلام الله وكلام ~~رسوله في محل النزاع، لأنه إجماع غير معصوم، بل هو من زلة العالم التي ~~حذرنا من اتباعها، وأما الإجماع المعصوم، فهو إجماع الصحابة والتابعين وما ~~وافقه، وهو السواد الأعظم الذي ورد الحث على اتباعه وإن لم يكن عليه إلا ~~الغرباء الذين أخبر بهم صلى الله عليه وسلم في قوله: "بدأ الإسلام غريبا ~~وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء" 1 رواه مسلم، لا ما كان عليه العوام ~~والطغام، والخلف المتأخرون الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا ~~يؤمرون. # [النفع والضر من الله وحده] # قال: وقول الله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن ~~فعلت فإنك إذا من الظالمين وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو ... } 2. # ش: قال ابن عطية: معناه قيل لي: ولا تدع، فهو عطف على "أقم" وهذا الأمر ~~والمخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت هكذا، فأحرى أن يحذر من ذلك ~~غيره. # وقال غيره: {فإن فعلت} معناه: فإن دعوت من دون الله ما لا ينفعك ولا ~~يضرك، فكنى عنه بالفعل إيجازا، {فإنك إذا من الظالمين} ، إذا جزاء للشرط ~~وجواب لسؤال مقدر، كأن سائلا سأل عن تبعة عبادة الأوثان، وجعل من الظالمين، ~~لأنه لا ظلم أعظم من الشرك {إن الشرك لظلم عظيم} 3. # قلت: حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى نهى رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يدعو من دونه ما لا ينفعه ولا يضره، والمراد به كل ما سوى الله، فإنهم لا ~~ينفعون ولا يضرون وسواء في ذلك الأنبياء والصالحون وغيرهم، كما قال تعالى: ~~{وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} 4. وقال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة ~~لو اجتمعت على أن ينفعوك PageV01P194 # بشيء لم ينفعوك إلا بشيء ms167 قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء ~~لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك" 1 رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح. # وفي الآية تنبيه على أن المدعو لا بد أن يكون مالكا للنفع والضر حتى يعطي ~~من دعاه أو يبطش بمن عصاه، وليس ذلك إلا لله وحده، فتعين أن يكون هو المدعو ~~دون ما سواه، والآية شاملة لنوعي الدعاء. # وقوله: {فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} أي المشركين، وهذا كقوله: {فلا ~~تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين} 2. وقوله: {ولقد أوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} 3. وقوله في ~~الأنعام: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} 4. فإذا كان هذا الأمر لا ~~يصدر من الأنبياء وحاشاهم من ذلك لم يفكوا أنفسهم من عذاب الله، فما ظنك ~~بغيرهم؟! فلم يبق شيء يقرب إلى الله ويباعد من سخطه إلا توحيده والعمل بما ~~يرضاه، لا الاعتماد على شخص أو قبر أو صنم أو وثن أو مال أو غير ذلك من ~~الأسباب {ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه ~~لا يفلح الكافرون} 5 والآية. نص في أن دعاء غير الله والاستغاثة به شرك ~~أكبر، ولهذا قال: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير ~~فلا راد لفضله} 6؛ لأنه المتفرد بالملك والقهر والعطاء والمنع، ولازم ذلك ~~إفراده بتوحيد الإلهية لأنهما متلازمان، وإفراده بسؤال كشف الضر وجلب ~~الخير، لأنه لا يكشف الضر إلا هو، ولا يجلب الخير إلا هو {ما يفتح الله ~~للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز ~~الحكيم} 7. فتعين أن لا يدعى لذلك إلا هو، وبطل دعاء من سواه ممن لا يملك ~~لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عن غيره، وهذا ضد ما عليه عباد القبور، فإنهم ~~يعتقدون أن الأولياء والطواغيت الذي يسمونهم PageV01P195 # المجاذيب ينفعون ويضرون ويمسون بالضر ويكشفونه، وأن لهم التصرف المطلق في ~~الملك، ms168 أي: على سبيل الكرامة، وهذا فوق شرك كفار العرب، وإما على سبيل ~~الوساطة بينهم وبين الله بالشفاعة وهذا شرك الذين قالوا: {ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى} 1.وفي الآية دليل على أن أصلح الناس لو يفعله ~~إرضاء لغيره صار من الظالمين. ذكره المصنف. # وقوله: {يصيب به من يشاء من عباده} ، فلا يرده عنه راد، لأنه العزيز الذي ~~لا يغالب ولا يمانع ولا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، فأي فائدة في دعاء ~~غيره لشفاعة أو غيرها؟ فإنه تعالى فعال لما يريد، لا يغنيه عنه شفيع ولا ~~غيره، بل لا يتكلم أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفع أحد إلا بإذنه {ما لكم من ~~دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون} 2. # وقوله: {وهو الغفور الرحيم} أي لمن تاب إليه وأقبل عليه حتى ولو كان من ~~الشرك. # قال: وقوله: {فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه} 3. # ش: أمر الله تعالى بابتغاء الرزق عنده لا عند غيره ممن لا يملك رزقا من ~~الأوثان والأصنام وغيرها، كما قال في أولا الآية: {إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا وتخلقون إفكا} ، [العنكبوت، من الآية: 17] . قال ابن كثير: وهذا ~~أبلغ في الحصر كقوله: {إياك نعبد وإياك نستعين} 4. {رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة} 5. ولهذا قال: {فابتغوا عند الله الرزق} 6. أي: لا عند غيره لأنه ~~المالك له وغيره لا يملك شيئا من ذلك {فاعبدوه} ، أي: أخلصوا له العبادة ~~وحده لا شريك له {واشكروا له} أي: على ما أنعم عليكم {وإليه ترجعون} ، أي: ~~فيجازي كل عامل بعمله. # قلت: في الآية الرد على المشركين الذين يدعون غير الله PageV01P196 # ليشفعوا لهم عنده في جلب الرزق، فما ظنك بمن دعاهم أنفسهم، واستغاث بهم ~~ليرزقوه وينصروه كما هو الواقع من عباد القبور؟ . # وقال المصنف: وفيه أن طلب الرزق لا ينبغي إلا من الله، كما أن الجنة لا ~~تطلب إلا منه. # قال: وقوله {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم ms169 أعداء وكانوا ~~بعبادتهم كافرين} ، [الأحقاف الآيتان: 5-6] . # ش: حاصل كلام المفسرين أن الله تعالى حكم بأنه لا أضل ممن يدعو من دون ~~الله، لا دعاء عبادة ولا دعاء مسألة واستغاثة من هذه حاله. ومعنى الاستفهام ~~فيه إنكار أن يكون في الضلال كلهم أبلغ ضلالا ممن عبد غير الله ودعاه، حيث ~~يتركون دعاء السميع المجيب القادر على تحصيل كل بغية ومرام، ويدعون من دونه ~~من لا يستجيب لهم، ولا قدرة به على استجابة أحد منهم ما دام في الدنيا وإلى ~~أن تقوم القيامة، كما قال تعالى: {له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا ~~يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما ~~دعاء الكافرين إلا في ضلال} 1 وقوله: {وهم عن دعائهم غافلون} 2.أي لا ~~يشعرون بدعاء من دعاهم، لأنهم إما عباد مسخرون مشتغلون بأحوالهم كالملائكة، ~~وإما أموات كالأنبياء والصالحين، وإما أصنام وأوثان. وقوله: {وإذا حشر ~~الناس كانوا لهم أعداء} 3. أي: إذا قامت القيامة وحشر الناس للحساب عادوهم ~~وكانوا بعبادتهم الدعاء وغيره من أنواع العبادة كافرين، كما قال تعالى: ~~{واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون ~~عليهم ضدا} 4. فليسوا في الدارين إلا على نكد ومضرة، لا تتولاهم بالاستجابة ~~في الدنيا، وتجحد عبادتهم في الآخرة وهم أحوج ما كانوا إليها. # وفي الآيتين مسائل نبه عليها المصنف: أحدها: أنه لا أضل ممن دعا غير ~~الله. الثانية: أنه غافل عن دعاء الداعي لا يدري عنه. الثالثة: PageV01P197 # أن تلك الدعوة سبب لبغض المدعو للداعي وعداوته له. الرابعة: تسمية تلك ~~الدعوة عبادة للمدعو. الخامسة: كفر المدعو بتلك العبادة. السادسة: أن هذه ~~الأمور هي سبب كونه أضل الناس. # [لا يجيب المضطر إلا الله] # قال: وقوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء} 1. # ش: يقرر تعالى أنه الإله الواحد الذي لا شريك له، ولا معبود سواه مما ~~يشترك في معرفته المؤمن والكافر، لأن القلوب مفطورة على ذلك، فمتى جاء ~~الاضطرار رجعت القلوب إلى الفطرة، وزال ما ينازعها، ms170 فالتجأت إليه وأنابت ~~إليه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: {ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم ~~إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون} 2 وقال تعالى: {وإذا مس ~~الأنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه ~~من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب ~~النار} 3. ومثل هذا كثير في القرآن. # يبين تعالى أنه المدعو عند الشدائد، الكاشف للسوء وحده، فيكون هو المعبود ~~وحده، وكذا قال في هذه الآية: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} 4. أي: من هو ~~الذي لا يلجأ المضطر إلا إليه والذي لا يكشف ضر المضطرين سواه، ومن المعلوم ~~أن المشركين كانوا يعلمون أنه لا يقدر على هذه الأمور إلا الله وحده، وإذا ~~جاءتهم الشدائد أخلصوا الدعاء لله، كما قال تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك ~~دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} 5. # فتبين أن من اعتقد في غير الله أنه يكشف السوء أو يجيب دعوة المضطر، أو ~~دعاه لذلك فقد أشرك شركا أكبر من شرك العرب كما هو الواقع من عباد القبور. # [تحريم الاستغاثة بغير الله] # قال: وروى الطبراني بإسناده أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ~~منافق يؤذي المؤمنين. فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إنه لا يستغاث ~~بي وإنما يستغاث بالله". PageV01P198 # ش: قوله: (روى الطبراني) ، هو: الإمام الحافظ الثقة، سليمان بن أحمد بن ~~أيوب بن مطير اللخمي الطبراني صاحب المعاجم الثلاثة وغيرها. روى عن النسائي ~~وإسحاق بن إبراهيم الدبري وخلق كثير، ومات سنة ستين وثلاثمائة، وقد بيض ~~المصنف لاسم الراوي، وكأنه والله أعلم نقله عن غيره أو كتبه من حفظه، ~~والحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه. # قوله: (إنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين) . ~~هذا المنافق لم أقف على تسميته، ms171 ويحتمل أن يكون هو عبد الله بن أبي، فإنه ~~معروف بالأذى للمؤمنين بالكلام في أعراضهم ونحو ذلك، أما أذاهم بنحو ضرب أو ~~زجر، فلا نعلم منافقا بهذه الصفة. # قوله: (فقال بعضهم) . أي: بعض المؤمنين، وهذا البعض القائل لذلك يحتمل أن ~~يكون واحدا، وأن يكون جماعة، والظاهر أنه واحد، وأظن في بعض الروايات أنه ~~أبو بكر الصديق رضي الله عنه. # قوله: (قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم) . مرادهم ~~الاستغاثة به فيما يقدر عليه بكف المنافق عن أذاهم، بنحو ضربه أو زجره، لا ~~الاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله. # قوله: "إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله" قال بعضهم: فيه التصريح ~~بأنه لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم في الأمور، وإنما يستغاث بالله. ~~والظاهر أن مراده صلى الله عليه وسلم إرشادهم إلى التأدب مع الله في ~~الألفاظ، لأن استغاثتهم به صلى الله عليه وسلم من المنافق من الأمور التي ~~يقدر عليها، إما بزجره أو تعزيره ونحو ذلك، فظهر أن المراد بذلك الإرشاد ~~إلى حسن اللفظ والحماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد، وتعظيم الله ~~تبارك وتعالى. فإذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم في الاستغاثة به فيما ~~يقدر عليه، فكيف بالاستغاثة به أو بغيره في الأمور المهمة التي لا يقدر ~~عليها أحد إلا الله كما هو جار على ألسنة كثير من الشعراء وغيرهم؟! وقل من ~~يعرف أن ذلك منكر، فضلا عن معرفة كونه شركا. # PageV01P199 # فإن قلت: ما الجمع بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: {فاستغاثه الذي من ~~شيعته على الذي من عدوه} 1. فإن ظاهر الحديث المنع من إطلاق لفظ الاستغاثة ~~على المخلوق فيما يقدر عليه، وظاهر الآية جوازه. قيل: تحمل الآية على ~~الجواز، والحديث على الأدب والأولى، والله أعلم. وقد تبين بما ذكر في هذا ~~الباب وشرحه من الآيات والأحاديث وأقوال العلماء أن دعاء الميت والغائب ~~والحاضر فيما لا يقدر عليه إلا الله والاستغاثة بغير الله في كشف الضر أو ~~تحويله، هو الشرك الأكبر، ms172 بل هو أكبر أنواع الشرك، لأن الدعاء مخ العبادة، ~~ولأن من خصائص الإلهية إفراد الله بسؤال ذلك، إذ معنى الإله هو الذي يعبد ~~لأجل هذه الأمور، ولأن الداعي إنما دعوا إلهه عند انقطاع أمله مما سواه، ~~وذلك هو خلاصة التوحيد، وهو انقطاع الأمل مما سوى الله، فمن صرف شيئا من ~~ذلك لغير الله، فقد ساوى بينه وبين الله، وذلك هو الشرك، ولهذا يقول ~~المشركون لآلهتهم وهم في الجحيم: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم ~~برب العالمين} 2. ولكن لعباد القبور على هذا شبهات، ذكر المصنف كثيرا منها ~~في "كشف الشبهات" ونحن نذكر هنا ما لم يذكره. # فمن ذلك أنهم احتجوا بحديث رواه الترمذي في "جامعه" حيث قال: حدثنا محمود ~~بن غيلان، ثنا عثمان بن عمرو، ثنا شعبة عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ~~ثابت عن عثمان بن حنيف "أن رجلا ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: ادع الله أن يعافيني، قال: إن شئت دعوت، وإن شئت صبرت، فهو خير لك ~~قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ، ويحسن وضوءه، ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إني ~~أسألك، وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، إني توجهت به إلى ربي في حاجتي ~~هذه لتقضى، اللهم فشفعه في". قال: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من ~~رواية أبي جعفر، PageV01P200 # وهو غير الخطمي، هكذا رواه الترمذي ورواه النسائي وابن شاهين والبيهقي ~~كذلك، وفي بعض الروايات: "يا محمد إني أتوجه ... " 1 إلى آخره. # وهذه اللفظة هي التي تعلق بها المشركون، وليست عند هؤلاء الأئمة. قالوا: ~~فلو كان دعاء غير الله شركا لم يعلم النبي صلى الله عليه وسلم الأعمى هذا ~~الدعاء الذي فيه نداء غير الله. # والجواب من وجوه: # الأول: أن هذا الحديث من أصله وإن صححه الترمذي، فإن في ثبوته نظرا، لأن ~~الترمذي يتساهل في التصحيح كالحاكم، لكن الترمذي أحسن نقدا، كما نص على ذلك ~~الأئمة. ووجه عدم ثبوته أنه قد نص أن أبا جعفر الذي عليه مدار هذا الحديث ms173 ~~هو غير الخطمي، وإذا كان غيره، فهو لا يعرف، ولعل عمدة الترمذي في تصحيحه ~~أن شعبة لا يروي إلا عن ثقة، وهذا فيه نظر، فقد قال عاصم بن علي: سمعت شعبة ~~يقول: لو لم أحدثكم إلا عن ثقة لم أحدثكم إلا عن ثلاثة، وفي نسخة عن ~~ثلاثين، ذكره الحافظ العراقي، وهذا اعتراف منه بأنه يروي عن الثقة وغيره ~~فينظر في حاله، ويتوقف الاحتجاج به على ثبوت صحته. # الثاني: أنه في غير محل النزاع، فأين طلب الأعمى من النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يدعو له، وتوجهه بدعائه مع حضوره، من دعاء الأموات، والسجود لهم، ~~ولقبورهم، والتوكل عليهم، والالتجاء إليهم في الشدائد والنذر والذبح لهم، ~~وخطابهم بالحوائج من الأمكنة البعيدة: يا سيدي يا مولاي افعل بي كذا؟! ~~فحديث الأعمى شيء، ودعاء غير الله تعالى والاستغاثة به شيء آخر، فليس في ~~حديث الأعمى شيء غير أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، ~~ويشفع له، فهو توسل بدعائه وشفاعته، ولهذا قال في آخره "اللهم فشفعه في". ~~فعلم أنه شفع له. PageV01P201 # وفي رواية أنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو له، فدل الحديث ~~على أنه صلى الله عليه وسلم شفع له بدعائه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمره هو أن يدعو الله ويسأله قبول شفاعته، فهذا من أعظم الأدلة على أن دعاء ~~غير الله شرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يسأل قبول شفاعته، فدل ~~على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يدعى. ولأنه صلى الله عليه وسلم لم ~~يقدر على شفائه إلا بدعاء الله له. فأين هذا من تلك الطوام، والكلام إنما ~~هو في سؤال الغائب أو سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله، أما أن ~~تأتي شخصا يخاطبك فتسأله أن يدعو لك فلا إنكار في ذلك على ما في حديث ~~الأعمى، فالحديث سواء كان صحيحا أو لا، وسواء ثبت قوله فيه: يا محمد أو لا، ~~لا يدل على سؤال الغائب، ms174 ولا على سؤال المخلوق فيما لا يقدر عليه إلا الله ~~بوجه من وجوه الدلالات. ومن ادعى ذلك، فهو مفتر على الله وعلى رسوله صلى ~~الله عليه وسلم؛ لأنه إن كان سأل النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، فهو لم ~~يسأل منه إلا ما يقدر عليه، وهو أن يدعو له، وهذا لا إنكار فيه وإن كان ~~توجه به من غير سؤال منه نفسه، فهو لم يسأل منه، وإنما سأل من الله به، ~~سواء كان متوجها بدعائه، كما هو نص أول الحديث وهو الصحيح، أو كان متوجها ~~بذاته على قول ضعيف، فإن التوجه بذوات المخلوقين، والإقسام بهم على الله ~~بدعة منكرة، لم تأت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه، ~~والتابعين لهم بإحسان، ولا الأئمة الأربعة ونحوهم من أئمة الدين. قال أبو ~~حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به. وقال أبو يوسف: أكره بحق فلان ~~وبحق أنبيائك ورسلك، وبحق البيت، والمشعر الحرام. وقال القدوري: المسألة ~~بحق المخلوق لا تجوز، فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك أو أنبيائك ونحو ~~ذلك، لأنه لا حق للمخلوق على الخالق، واختاره العز بن عبد السلام، إلا في ~~حق النبي صلى الله عليه وسلم خاصة إن ثبت الحديث، يشير إلى حديث الأعمى، ~~وقد تقدم أنه على تقدير ثبوته ليس فيه إلا أنه توسل بدعائه لا بذاته. # PageV01P202 # وقد ورد في ذلك حديث رواه الحاكم في "مستدركه" فأبعد النجعة من طريق عبد ~~الرحمن بن زيد بن أسلم [عن أبيه عن جده عن عمر بن الخطاب، قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: "لما أذنب آدم الذنب الذي أذنبه، رفع رأسه إلى ~~العرش، فقال: أسألك بحق محمد إلا غفرت لي". الحديث. وهو حديث ضعيف بل ~~موضوع، لأنه مخالف للقرآن. قال تعالى: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر ~~لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين} 1. فهذا هو الذي قاله آدم. قال الذهبي في ~~هذا الحديث: أظنه موضوعا، وعبد الرحمن بن زيد متفق على ضعفه، قال ابن ms175 معين: ~~ليس حديثه بشيء. # الثالث. أن قوله: يا محمد إني أتوجه إلخ لم تثبت في أكثر الروايات. ~~وبتقدير ثبوتها لا يدل على جواز دعاء غير الله، لأن هذا خطاب لحاضر معين ~~يراه ويسمع كلامه، ولا إنكار في ذلك، فإن الحي يطلب منه الدعاء كما يطلب ~~منه ما يقدر عليه، فأين هذا من دعاء الغائب والميت لو كان أهل البدع والشرك ~~يعلمون؟! . # واحتجوا أيضا بحديث رواه أبو يعلى وابن السني في "عمل اليوم والليلة" ~~فقال ابن السني: حدثنا أبو يعلى ثنا الحسن بن عمرو بن شقيق ثنا معروف بن ~~حسان أبو معاذ السمرقندي عن سعيد عن قتادة عن أبي بردة عن أبيه عن عبد الله ~~بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا انفلتت دابة أحدكم ~~بأرض [فلاة] فليناد يا عباد الله احبسوا" هكذا في كتاب ابن السني. وفي ~~"الجامع الصغير:" فإن لله عز وجل في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم".والجواب أن ~~هذا الحديث مداره على معروف ابن حسان وهو أبو معاذ السمرقندي. فقوله في ~~الأصل: ثنا أبو معاذ السمرقندي خطأ أظنه من الناسخ. قال ابن عدي: منكر ~~الحديث، وقال الذهبي في "الميزان": قال ابن عدي: منكر الحديث، قد روى عن ~~عمر بن ذر PageV01P203 # نسخة طويلة كلها غير محفوظة، وقال السيوطي: حديث ضعيف، وأقول: بل هو ~~باطل، إذ كيف يكون عند سعيد عن قتادة، ثم يغيب عن أصحاب سعيد الحفاظ ~~الأثبات مثل يحيى القطان، وإسماعيل بن علية، وأبي أسامة، وخالد بن الحارث، ~~وأبي خالد الأحمر وسفيان، وشعبة، وعبد الوارث، وابن المبارك، والأنصاري، ~~وغندر، وابن أبي عدي ونحوهم، حتى يأتي به هذا الشيخ المجهول المنكر الحديث! ~~فهذا من أقوى الأدلة على وضعه، وبتقدير ثبوته لا دليل فيه، لأن هذا من دعاء ~~الحاضر فيما يقدر عليه كما قال: "فإن لله في الأرض حاضرا سيحبسه عليكم". # واحتجوا أيضا بحديث رواه الطبراني في "المعجم الكبير" فقال: حدثنا طاهر ~~بن عيسى بن قيرس المصري ثنا أصبغ بن الفرج، ثنا ابن وهب عن أبي سعيد ms176 المكي ~~عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المديني عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ~~"أن رجلا كان يختلف إلى عثمان ابن عفان في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت ~~إليه، ولا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك، فقال له عثمان بن ~~حنيف: ائت الميضأة فتوضأ، ثم ائت المسجد فصل فيه ركعتين، ثم قل: اللهم إني ~~أسألك، وأتوجه إليك بنبينا محمد نبي الرحمة يا محمد إني أتوجه بك إلى ربك ~~ليقضي لي حاجتي". الحديث. والجواب من وجوه: # الأول: أن راوية طاهر بن عيسى ممن لا يعرف بالعدالة بل هو مجهول، قال ~~الذهبي: طاهر بن عيسى بن قيرس أبو الحسين المصري المؤدب عن سعيد بن أبي ~~مريم، ويحيى بن بكير، وأصبغ بن الفرج. وعنه الطبراني. توفي سنة اثنتين ~~وتسعين ومائتين، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا، فهو إذا مجهول الحال لا ~~يجوز الاحتجاج بخبره، لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة. # الثاني: قوله: عن أبي سعيد المكي أشد جهالة من الأول، # PageV01P204 # فإن مشايخ ابن وهب المكيين معروفون كداود بن عبد الرحمن، وزمعة بن صالح، ~~وابن عيينة، وطلحة بن عمرو الحضرمي، وابن جريج، وعمر بن قيس، ومسلم بن خالد ~~الزنجي، وليس فيهم من يكنى أبا سعيد، فتبين أنه مجهول. # الثالث: إن قلنا بتقدير ثبوته، فليس فيه دليل على دعاء الميت والغائب، ~~غاية ما فيه أنه توجه به في دعائه، فأين هذا من دعاء الميت؟ فإن التوجه ~~بالمخلوق سؤال به لا سؤال منه، والكلام إنما هو في سؤال المخلوق نفسه ~~ودعائه والاستغاثة به فيما لا يقدر عليه إلا الله، وكل أحد يفرق بين سؤال ~~الشخص، وبين السؤال به، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء لله، ولكن توجه ~~على الله بذاته أو بدعائه. وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه إلا الله، ~~فقد جعله شريكا لله في عبادة الدعاء، فليس في حديث الأعمى، وحديث ابن حنيف ~~هذا إلا إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه، إلا قوله، ms177 يا محمد إني أتوجه ~~بك، وهذا ليس فيه المخاطبة لميت فيما لا يقدر عليه، إنما فيه مخاطبته ~~مستحضرا له في ذهنه كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته. # الرابع: أنهم زعموا أنه دليل على دعاء كل غائب وميت من الصالحين، فخرجوا ~~عما فهموه من الحديث بفهمهم الفاسد إلى أنه دليل على دعاء كل غائب وميت ~~صالح، ولا دليل فيه أصلا على دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته، ولا ~~في حياته فيما لا يقدر عليه، ثم لو كان فيه دليل على ذلك لم يكن فيه دليل ~~على دعاء الغائب والميت مطلقا، لأن هذا قياس مع وجود الفارق، وهو باطل ~~بالإجماع، إذ ما ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم من الفضائل والكرامات لا ~~يساويه فيه أحد، فلا يجوز قياس غيره عليه، وأيضا فالقياس إنما يجوز للحاجة ~~ولا حاجة إلى قياس غيره عليه، فبطل قياسهم بنفس مذهبهم، هذا غاية ما احتجوا ~~به مما هو موجود في بعض الكتب # PageV01P205 # المعروفة، وما سوى هذه الأحاديث الثلاثة فهو مما وضعوه بأنفسهم، كقولهم: ~~إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، وقولهم: لو حسن أحدكم ظنه بحجر ~~لنفعه. قال ابن القيم: وهو من وضع المشركين عباد الأوثان. # PageV01P206 # [9 ### | - باب قول الله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون} ، # [الأعراف الآيتان: 191-192] # ش: المراد من هذه الترجمة بيان حال المدعوين من دون الله أنهم لا ينفعون ~~ولا يضرون، وسواء في ذلك الملائكة والأنبياء والصالحون والأصنام، فكل من ~~دعي من دون الله فهذه حاله، كما قال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل ~~فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ~~وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب ما قدروا الله ~~حق قدره إن الله لقوي عزيز} 1. ويكفيك في ذلك قوله تعالى لأكرم الخلق: {قل ~~إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن ms178 أجد من ~~دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} 2.وقال: {قل لا أملك لنفسي نفعا ~~ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني ~~السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} 3. وقال: {واتخذوا من دونه آلهة ~~لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون ~~موتا ولا حياة ولا نشورا} 4.ومن المعلوم أنهم كانوا قد عبدوا الملائكة ~~والأنبياء والصالحين، ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن الملائكة أنهم يتبرؤون ~~منهم يوم القيامة، كما قال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~PageV01P206 # يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} 1. إذا تبين ذلك فحاصل كلام المفسرين على ~~الآية المترجم # لها أن قوله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون} 2. توبيخ ~~وتعنيف للمشركين بأنهم يعبدون مع الله تعالى عبادا لا تخلق شيئا وليس فيها ~~ما تستحق به العبادة من الخلق والرزق والنصر، لأنفسهم أو لمن عبدهم وهم مع ~~ذلك مخلوقون محدثون ولهم خالق خلقهم، وإن خرج الكلام مخرج الاستفهام، ~~فالمراد به ما ذكرناه. وقوله: {ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون} ~~3. أي: ويشركون به، ويعبدون من هذه حاله لا يستطيع نصر عابديه ولا نصر نفسه ~~بأن يدفع عن نفسه من أراد به الضر، ومن هذه حاله فهو في غاية العجز، فكيف ~~يكون إلها معبودا؟! وجميع الأنبياء والملائكة والصالحين وغيرهم داخلون في ~~هذه الأوصاف، فلا يقدر أحد منهم أن يخلق شيئا ولا يستطيعون لمن عبدهم نصرا، ~~ولا ينصرون أنفسهم، وإذا كان كذلك بطلت دعوتهم من دون الله. # قال: وقوله تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير ... } 4. # ش: حاصل كلام المفسرين كابن كثير وغيره أنه تعالى يخبر عن حال المدعوين ~~من دونه من الملائكة والأنبياء والأصنام وغيرها بما يدل على عجزهم وضعفهم، ~~وأنهم قد انتفت عنهم الشروط التي لا بد أن تكون في المدعو وهي الملك، وسماع ~~الدعاء، والقدرة على استجابته، فمتى عدم ms179 شرط بطل أن يكون مدعوا، فكيف إذا ~~عدمت كلها، فنفى عنهم الملك بقوله: {ما يملكون من قطمير} .قال ابن عباس، ~~ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة: القطمير: اللفافة التي تكون على ~~نواة التمر، أي: ولا {يملكون} من السموات PageV01P207 # والأرض شيئا، ولا بمقدار هذا القطمير، كما قال: {ويعبدون من دون الله ما ~~لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون} 1. وقال: {قل ~~ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض ... } 2. فمن كان هذا حاله فكيف يدعى من دون الله؟ ونفى عنهم سماع ~~الدعاء بقوله: {إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم} 3. يعني أن الآلهة التي ~~تدعونها لا يسمعون دعاءكم؛ لأنهم أموات أو ملائكة مشغولون بأحوالهم مسخرون ~~لما خلقوا له أو جماد، فلعل المشرك يقول: هذا في الأصنام، أما الملائكة ~~والأنبياء والصالحون فيسمعون ويستجيبون، فنفى سبحانه ذلك بقوله: {ولو سمعوا ~~ما استجابوا لكم} ، أي: لا يقدرون على ما تطلبون منهم، وما خص تعالى ~~الأصنام، بل عم جميع من يدعى من دونه. ومن المعلوم أنهم كانوا يعبدون ~~الملائكة والأنبياء والصالحين، كما ذكر الله تعالى ذلك في كتابه، فلم يرخص ~~في دعاء أحد منهم لا استقلالا ولا وساطة بالشفاعة. # وقوله: {يوم القيامة يكفرون بشرككم} 4. كقوله: {واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا} 5. وهذا نص صريح ~~على أن من دعا غير الله فقد أشرك بشرطه، وأن المدعوين يكفرون به يوم ~~القيامة، ويتبرءون منهم كقوله تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين ~~اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} 6.فهل على كلام رب العزة استدراك؟ ~~ولهذا قال: {ولا ينبئك مثل خبير} أي: ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما ~~تصير إليه مثل خبير بها. قال قتادة: يعني نفسه تبارك وتعالى، فإنه أخبر ~~بالواقع لا محالة. PageV01P208 # قال: وفي " الصحيح " عن أنس. قال: "شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم ~~أو ms180 يعذبهم فإنهم ظالمون} ، [آل عمران: 128] ". # ش: قوله في "الصحيح"، أي "الصحيحين" فعلقه البخاري عن حميد وثابت عن أنس، ~~ووصله أحمد والترمذي والنسائي، عن حميد، عن أنس به. ووصله مسلم عن ثابت عن ~~أنس وقال ابن إسحاق في " المغازي ": حدثني حميد الطويل، عن أنس قال: "كسرت ~~رباعية النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وشج في وجهه، فجعل الدم يسيل على ~~وجهه، وجعل يمسح الدم وهو يقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم ~~إلى ربهم؟ " 1. فأنزل الله الآية. # قوله: شج النبي صلى الله عليه وسلم. قال أبو السعادات: الشج في الرأس ~~خاصة في الأصل، وهو أن يضربه بشيء فيجرحه فيه ويشقه، ثم استعمل في غيره من ~~الأعضاء. وذكر ابن هشام من حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو ~~الذي كسر رباعية النبي صلى الله عليه وسلم السفلى، وجرح شفته السفلى، وأن ~~عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته، وأن عبد الله بن قمئة جرحه ~~في وجنته، فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، وأن مالك بن سنان مص الدم ~~من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ازدرده، فقال له: "لن تمسك النار". # وروى الطبراني من حديث أبي أمامة. قال: "رمى عبد الله بن قمئة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فشجه في وجهه، وكسر رباعيته. فقال: خذها وأنا ~~ابن قمئة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لك أقمأك الله فسلط الله ~~عليه تيس جبل، فلم يزل ينطحه حتى قطعه قطعة قطعة". PageV01P209 # قال القرطبي: والرباعية - بفتح الراء وتخفيف الياء، وهي كل سن بعد ثنية. ~~قال النووي: وللإنسان أربع رباعيات. قال الحافظ: والمراد أنها كسرت فذهب ~~منها فلقة ولم تقلع من أصلها. قلت: فظهر بهذا أن قول بعضهم: إنه شج في رأسه ~~فيه نظر. # قال النووي: وفي هذا وقوع الأسقام والابتلاء بالأنبياء صلوات الله وسلامه ~~عليهم لينالوا جزيل الأجر والثواب، ولتعرف أممهم وغيرهم ما أصابهم، ويتأسوا ~~بهم. # قال القرطبي: ms181 وليعلم أنهم من البشر تصيبهم محن الدنيا، ويطرأ على أجسامهم ~~ما يطرأ على أجسام البشر ليتيقنوا أنهم مخلوقون مربوبون، ولا يفتتن بما ظهر ~~على أيديهم من المعجزات، ويلبس الشيطان من أمرهم ما لبسه على النصارى ~~وغيرهم. # قوله: "يوم أحد" جبل معروف إلى الآن، كانت عنده الواقعة المشهورة فأضيفت ~~إليه. # قوله: فقال: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ "1. زاد مسلم من طريق ثابت عن أنس ~~"وكسروا رباعيته وأدموا وجهه" 2. # قوله: فأنزل الله: {ليس لك من الأمر شيء} . قال ابن عطية: كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحقه في تلك الحال يأس من فلاح كفار قريش، فمالت نفسه إلى ~~أن يستأصلهم الله، ويريح منهم. فقيل له: بسبب ذلك {ليس لك من الأمر شيء} ، ~~أي: عواقب الأمور بيد الله فامض أنت لشأنك، ودم على الدعاء لربك. # وقال غيره: المعنى أن الله تعالى مالك أمرهم، فإما أن يهلكهم {أويكبتهم} ~~، {أويتوب عليهم} إن أسلموا، {أويعذبهم} إن PageV01P210 # أصروا، و {ليس لك من} أمرهم {شيء} ، وإنما أنت عبد مأمور بإنذارهم ~~وجهادهم، فعلى هذا يكون قوله: {ليس لك من الأمر شيء} ، اعتراض المعطوف ~~والمعطوف عليه. # وقال ابن إسحاق: أي ليس لك من الحكم بشيء في عبادي إلا ما أمرتك به فيهم. # قال: وفيه عن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا ~~رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: "اللهم العن فلانا ~~وفلانا"، بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. فأنزل الله: ~~{ليس لك من الأمر شيء} " 1. وفي رواية: "يدعو على صفوان ابن أمية، وسهيل بن ~~عمرو، والحارث بن هشام، فنزلت: {ليس لك من الأمر شيء} " 2. # ش: قوله: وفيه: أي في "الصحيح" والمراد به "صحيح البخاري"، ورواه ~~النسائي. # قوله: عن ابن عمر. هو عبد الله بن عمر بن الخطاب، صحابي جليل، من عباد ~~الصحابة، شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاح. مات سنة ثلاث ~~وسبعين في آخرها، أو أول التي تليها. # قوله: إنه سمع رسول الله صلى الله ms182 عليه وسلم ... إلى آخره. هذا القنوت ~~على هؤلاء هو بعد ما شج، وكسرت رباعيته يوم أحد. # قوله: "اللهم العن فلانا وفلانا". قال أبو السعادات: أصل اللعن: الطرد ~~والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء. قلت: الظاهر أنه من الخلق طلب ~~طرد الملعون وإبعاده من الله بلفظ اللعن، لا مطلق السب والشتم. # قوله: (فلانا وفلانا) ، يعني صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن ~~هشام كما بينه في الرواية التي بعدها. وفيه جواز الدعاء على المشركين في ~~الصلاة، وتسمية المدعو عليهم ولهم بأسمائهم في الصلاة، وأن ذلك لا يضر ~~الصلاة. PageV01P211 # قوله: (بعد ما يقول: سمع الله لمن حمده) . قال أبو السعادات، أي: أجاب ~~حمده وتقبله. وقال السهيلي: مفعول "سمع" محذوف، لأن السمع متعلق بالأقوال ~~والأصوات دون غيرها، فاللام تؤذن بمعنى زائد وهو الاستجابة المقارنة للسمع، ~~فاجتمع في الكلمة الإيجاز والدلالة على الزائد، وهو الاستجابة لمن حمده. # وقال ابن القيم رحمه الله تعالى ما معناه: عدى سمع الله لمن حمده باللام ~~لتضمنه معنى: استجاب له، ولا حذف هناك، وإنما هو مضمن. # قوله: ربنا ولك الحمد. في بعض روايات البخاري بإسقاط الواو. قال النووي: ~~لا ترجيح لإحداهما على الأخرى. وقال ابن دقيق العيد: كأن إثباتها دال على ~~معنى زائد، لأنه يكون التقدير مثلا: ربنا استجب ولك الحمد، فيشتمل على معنى ~~الدعاء، ومعنى الخبر. # قال شيخ الإسلام: والحمد ضد الذم، والحمد يكون على محاسن المحمود مع ~~المحبة له، كما أن الذم يكون على مساوئه مع البغض له، وكذا قال ابن القيم، ~~وفرق بينه وبين المدح بأن الإخبار عن محاسن الغير، إما أن يكون إخبارا ~~مجردا عن حب وإرادة، أو مقرونا بحبه وإرادته، فإن كان الأول، فهو المدح، ~~وإن كان الثاني، فهو الحمد. فالحمد إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله ~~وتعظيمه، ولهذا كان خبرا يتضمن الإنشاء بخلاف المدح، فإنه خبر مجرد. ~~فالقائل إذا قال: الحمد لله، وقال: ربنا ولك الحمد، تضمن كلامه الخبر عن كل ~~ما يحمد عليه تعالى باسم جامع محيط متضمن لكل ms183 فرد من أفراد الجملة المحققة ~~والمقدرة، وذلك يستلزم إثبات كل كمال يحمد عليه الرب تعالى، ولهذا لا تصلح ~~هذه اللفظة على هذا الوجه، ولا تنبغي إلا لمن هذا شأنه، وهو الحميد المجيد. ~~وفيه التصريح بأن الإمام يجمع بين التسميع والتحميد، وهو قول الشافعي وأحمد ~~وأبي يوسف، وخالف في ذلك مالك وأبو حنيفة فقالا: يقتصر على قول: سمع الله ~~لمن حمده. # قوله: وفي رواية يدعو على صفوان بن أمية، وسهيل بن # PageV01P212 # عمرو، والحارث بن هشام. إنما دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لأنهم رؤساء المشركين يوم أحد، والسبب في تلك الأفاعيل التي جرت على سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم هم وأبو سفيان، ومع ذلك فما استجيب له فيهم، ~~بل أنزل الله عليه: {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ~~ظالمون} 1. فتاب الله عليهم وآمنوا، مع أنهم فعلوا أشياء لم يفعلها أكثر ~~الكفار، منها غزوهم نبيهم صلى الله عليه وسلم في بلاده، وشجهم له، وكسر ~~رباعيته، وقتلهم بني عمهم المؤمنين، وقتلهم الأنصار والتمثيل بقتلى ~~المسلمين، وإعلانهم بشركهم وكفرهم، ومع هذا كله لم يقدر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يدفعهم عن نفسه، ولا عن أصحابه، كما قال تعالى:: {قل إني لا ~~أملك لكم ضرا ولا رشدا قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ~~ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته} 2. بل لجأ صلى الله عليه وسلم إلى ربه ~~المالك القادر على النفع والضر وإهلاكهم، ودعا عليهم صلى الله عليه وسلم في ~~الصلاة المكتوبة جهرا، وخلفه سادات الأولياء يؤمنون على دعائه، ومع هذا كله ~~ما استجاب الله له فيهم، بل تاب عليهم وآمنوا، فلو كان عنده صلى الله عليه ~~وسلم من النفع والضر شيء لكان يفعل بهم ما يستحقونه على هذه الأفعال ~~العظيمة، ولكن الأمر كما قال تعالى: {هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا ~~أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب} 3. فأين هذا مما يعتقده عباد القبور ~~في الأولياء والصالحين بل في الطواغيت ms184 الذين يسمونهم المجاذيب والفقراء ~~أنهم ينفعون من دعاهم، وينصرون من لاذ بحماهم، ويدعونهم برا وبحرا في ~~غيبتهم وحضرتهم. # [إنذاره عليه الصلاة والسلام لأقاربه وعشيرته] # قال: وفيه عن أبي هريرة قال: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزل ~~الله عليه" {وأنذر عشيرتك الأقربين} 4. قال: يا معشر قريش أو كلمة نحوها ~~اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني ~~عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أغني عنك ~~من الله شيئا، ويا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغني عنك من ~~الله شيئا". PageV01P213 # ش: قوله: وفيه، أي: في "صحيح البخاري". # قوله: عن أبي هريرة. اختلف الحفاظ في اسمه على أكثر من ثلاثين قولا، وصحح ~~النووي أن اسمه عبد الرحمن بن صخر، كما رواه الحاكم في "المستدرك" عن أبي ~~هريرة قال: "كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسميت في الإسلام عبد ~~الرحمن". وقال غيره: اسمه عبد الله بن عمرو، وقيل: ابن عامر. وقال ابن ~~الكلبي: اسمه عمير بن عامر، ويقال: كان اسمه في الجاهلية عبد شمس وكنيته ~~أبو الأسود، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله، وكناه أبا ~~هريرة. وروى الدولابي بإسناده عن "أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سماه عبد الله". وهو دوسي من فضلاء الصحابة، وحفاظهم، وعلمائهم، حفظ عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أكثر مما حفظه غيره، وروي له في كتب السنة أكثر ~~من خمسة آلاف حديث، ومات سنة سبعة أو ثمان أو تسع وخمسين، وهو ابن ثمان ~~وسبعين سنة؟ . # قوله: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم. في "الصحيح" من رواية ابن عباس ~~"صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا " 1. # قوله: حين أنزل الله عليه {وأنذر عشيرتك الأقربين} عشيرة الرجل: هم بنو ~~أبيه الأدنون أو قبيلته. والأقربين: أي الأقرب فالأقرب منهم. ### | 1- # لأنهم أحق الناس ببرك وإحسانك الديني والدنيوي، كما قال تعالى: {يا أيها ms185 ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} 2. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن قال له: من أبر؟ قال: "أمك قال: ثم ~~من، قال: ثم أباك، ثم أختك وأخاك" 3. ### | 2- # ولأنه إذا قام عليهم في أمر الله كان أدعى لغيرهم إلى الانقياد، والطاعة ~~له. ### | 3- # ولئلا يأخذه ما يأخذ القريب للقريب من الرأفة والمحاباة فيحابيهم في ~~الدعوة والتخويف، ولذلك أمر بإنذارهم خاصة، وقد أمره الله أيضا بالنذارة ~~العامة كما قال: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} 4. وقال: {لتنذر ~~PageV01P214 # قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون} 1. ولا تنافي بينهما، لأن النذارة ~~الخاصة فرد من أفراد العامة. # قوله: "يا معشر قريش" المعشر كمسكن: الجماعة. # قوله، أو كلمة نحوها. هو بنصب "كلمة" على أنه معطوف على ما قبله، أي أو ~~قال كلمة نحو قوله: يا معشر قريش، أي: بمعناها. # قوله: "اشتروا أنفسكم". أي: بتوحيد الله، وإخلاص العباده له وعدم الإشراك ~~به، وطاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر، فإن جميع ذلك ثمن النجاة، ~~والخلاص من عذاب الله، لا الاعتماد على الأنساب، وترك الأسباب، فإن ذلك غير ~~نافع عند رب الأرباب: ودفع بقوله: " {لا أغني عنكم من الله شيئا} " 2. ما ~~عساه أن يتوهم بعضم أنه يغني عنهم من الله شيئا بشفاعته، فإذا كان لا يملك ~~لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا يدفع عن نفسه عذاب ربه لو عصاه، كما قال تعالى: ~~{قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} 3. فكيف يملك لغيره نفعا أو ضرا، ~~أو يدفع عنه عذاب الله؟ وأما شفاعته صلى الله عليه وسلم في بعض العصاة، فهو ~~أمر من الله ابتداء فضلا عليه وعليهم، لا أنه يشفع فيمن يشاء، ويدخل الجنة ~~من يشاء. # وفي صحيح البخاري بعد قوله: "لا أغني عنكم من الله شيئا يا بني عبد مناف ~~لا أغني عنكم من الله شيئا" 4 فلعل المصنف اختصرها. # قوله: "يا عباس بن عبد المطلب". بنصب "ابن" ويجوز في "عباس" الرفع ~~والنصب، وكذا القول في قوله: "ويا صفية عمة رسول الله، ويا ms186 فاطمة بنت ~~محمد"5 صلى الله عليه وسلم. PageV01P215 # قوله: "سليني من مالي ما شئت" 1. في رواية مسلم عن عائشة. قالت "لما ~~نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} 2. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، سلوني من ~~مالي ما شئتم". فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا ينجيهم من عذاب الله، ولا ~~يدخلهم الجنة، ولا يقربهم إلى الله، وإنما الذي يقرب إلى الله، ويدخل ~~الجنة، وينجي من النار برحمة الله، هو طاعة الله. وأما ما يقدر عليه صلى ~~الله عليه وسلم من أمور الدنيا فلا يبخل بها عنهم، كما قال: "سلوني من مالي ~~ما شئتم" 3 وكما قال: "ألا إن لكم رحما سأبلها ببلالها" 4. رواه أحمد وعبد ~~بن حميد وابن المنذر، وهو عند مسلم في حديث آخر. # فإذا صرح وهو سيد المرسلين لأقاربه المؤمنين وغيرهم، خصوصا سيدة نساء ~~العالمين وعمه وعمته، وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق، ثم نظر إلى ما ~~وقع في قلوب كثير من الناس من الاعتقاد فيه وفي غيره من الأنبياء ~~والصالحين، أنهم ينفعون ويضرون ويغنون من عذاب الله حتى يقول صاحب "البردة ~~[البوصيري] ". # فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم. # تبين له التوحيد، وعرف غربة الدين: فأين هذا من قول صاحب "البردة" ~~والبرعي وأضرابهما من المادحين له صلى الله عليه وسلم بما هو يتبرأ منه ~~ليلا ونهارا، ويبين اختصاصه، بالخالق تعالى وتقدس، كما قال تعالى: {قل لا ~~أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من ~~الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} 5. {فذلكم الله ~~ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون كذلك حقت كلمت ربك على ~~الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون} 6 تالله لقد تاهت عقول تركت كلام ربها، وكلام ~~نبيها لوساوس صدرها، وما PageV01P216 # ألقاه الشيطان في نفوسها. ومن العجب أن اللعين كادهم مكيدة أدرك بها ~~مأموله، فأظهر لهم ms187 هذا الشرك في صورة محبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، ~~ومحبة الصالحين وتعظيمهم، ولعمر الله إن تبرئتهم من هذا التعطيم والمحبة، ~~هو التعطيم لهم والمحبة، وهو الواجب المتعين. وأظهر لهم التوحيد والإخلاص ~~في سورة بغض النبي صلى الله عليه وسلم وبغض الصالحين، والتنقص بهم، وما ~~شعروا أنهم تنقصوا الخالق سبحانه وتعالى، وبخسوه حقه، وتنقصوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم والصالحين بذلك. أما تنقصهم للخالق تعالى، فلأنهم جعلوا ~~المخلوق العاجز مثل الرب القادر في القدرة على النفع والضر. وأما بخسهم حقه ~~تعالى، فلأن العبادة بجميع أنواعها حق لله تعالى، فإذا جعلوا شيئا منها ~~لغيره، فقد بخسوه حقه. وأما تنقصهم للنبي صلى الله عليه وسلم وللصالحين، ~~فلأنهم ظنوا أنهم راضون منهم بذلك أو أمروهم به وحاشا لله أن يرضوا بذلك أو ~~يأمروا به، كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} 1.وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم، جده صلى ~~الله عليه وسلم في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب به إلى الجنون، وكذلك لو ~~يفعله مسلم الآن، قاله المصنف. # وفيه دليل على الاجتهاد في الأعمال وترك البطالة والاعتماد على مجرد ~~الانتساب إلى الأشخاص كما يفعله أهل الطيش والحمق ممن ينتسب إلى نبي أو ~~صالح ونحو ذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم إذا خاطب بنته وعمه وعمته وقرابته ~~بهذا الخطاب كان تنبيها لذريتهم ونحوهم على ذلك، لأنه إذا كان لا يغني عن ~~هؤلاء شيئا، كان ذريتهم أولى أن لا يغني عنهم من الله شيئا، وقد قال تعالى ~~لمن اكتفى بالانتساب إلى الأنبياء عن متابعتهم: {تلك أمة قد خلت لها ما ~~كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون} 2. # وفيه أن أولى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم هم أهل طاعته، ~~ومتابعته PageV01P217 # في محياه ومماته، كما قال صلى الله عليه وسلم: "ألا إن آل أبي -يعني ~~فلانا- ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالحو المؤمنين" 1. رواه مسلم. ~~وروى عبد بن حميد عن ms188 الحسن. أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع أهل بيته قبل ~~موته فقال: "ألا إن لي عملي ولكم عملكم، ألا إني لا أغني عنكم من الله ~~شيئا، ألا إن أوليائي منكم المتقون، ألا لا أعرفنكم يوم القيامة تأتون ~~بالدنيا تحملونها على رقابكم ويأتي الناس يحملون الآخرة". PageV01P218 ### | باب قول الله تعالى: {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} ، # [سبأ، من الآية: 23] . # ش: أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة بيان حال الملائكة الذين هم أقوى ~~وأعظم من عبد من دون الله، فإذا كان هذا حالهم مع الله تعالى، وهيبتهم منه، ~~وخشيتهم له، فكيف يدعوهم أحد من دون الله؟! وإذا كانوا لا يدعون مع الله ~~تعالى لا استقلالا، ولا وساطة بالشفاعة، فغيرهم ممن لا يقدر على شيء من ~~الأموات والأصنام أولى أن لا يدعى، ولا يعبد، ففيه الرد على جميع فرق ~~المشركين الذين يدعون مع الله من لا يداني الملائكة ولا يساويهم في صفة من ~~صفاتهم. وقد قال تعالى فيهم: {وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد ~~مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون} 1. فهذه حالهم وصفاتهم، ~~وليس لهم من الربوبية PageV01P218 # والإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له، وكذا قال في هذه الآية: {حتى ~~إذا فزع عن قلوبهم} ، أي: زال الفزع عنها " قاله ابن عباس، وابن عمر، وأبو ~~عبد الرحمن السلمي، والشعبي والحسن وغيرهم. والضمير عائد على ما عادت عليه ~~الضمائر التي للغيبة في قوله: (لا يملكون) ، (وفي أموالهم) ، (وما له منهم) ~~. و "حتى" تدل على الغاية، وليس في الكلام ما يدل على أنه غاية له، فقال ~~ابن عطية: في الكلام حذف يدل عليه الظاهر، كأنه قال: ولا هم شفعاء كما ~~تزعمون أنتم، بل هم عبدة مسلمون أبدا، يعني: منقادون، حتى إذا فزع عن ~~قلوبهم، والمراد الملائكة على ما اختاره ابن جرير وغيره. # قال ابن كثير: وهو الحق الذي ms189 لا مرية فيه، لصحة الأحاديث فيه والآثار. ~~وقال أبو حيان: تظاهرت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوله: ~~{حتى إذا فزع عن قلوبهم} ، إنما هي في الملائكة، إذا سمعت الوحي إلى جبريل ~~يأمر الله به، سمعت كجر سلسلة الحديد على الصفوان، فتفزع عند ذلك تعظيما ~~وهيبة. قال: وبهذا المعنى من ذكر الملائكة في صدر الآيات تتسق هذه الآية ~~على الأولى، ومن لم يشعر أن الملائكة مشار إليهم من أول قوله: (الذين ~~زعمتم) لم تتصل له هذه الآية بما قبلها. # وقال ابن كثير: هذا مقام رفيع في العظمة، وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي، ~~فسمع أهل السماوات كلامه، أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي قاله ابن ~~مسعود ومسروق وغيرهما. # وقوله: {قالوا الحق} أي: قالوا: قال الله الحق، وذلك لأنهم إذا سمعوا ~~كلام الله وصعقوا ثم أفاقوا، أخذوا يتساؤلون، فيقولون: {ماذا قال ربكم؟} ~~فيقولون: قال {الحق} . # PageV01P219 # قوله: {وهو العلي} أي: العالي، فهو فوق كل شيء، فهو تعالى على العرش الذي ~~هو فوق السماوات كما قال: {الرحمن على العرش استوى} 1. # قال: في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله. كأنه سلسلة ~~على صفوان ينفذهم ذلك {حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا ~~الحق وهو العلي الكبير} 2 فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق ~~بعض" وصفه سفيان بكفه فحرقها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من ~~تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر والكاهن ~~فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها ~~مائة كذبة، فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي ~~سمعت من السماء" # ش: قوله: في "الصحيح" أي "صحيح البخاري" # قوله: إذا قضى الله الأمر في السماء. أي: إذا تكلم الله بأمره الذي قضاه ~~في السماء مما يكون، كما روى سعيد بن منصور، ms190 وأبو داود، وابن جرير عن ابن ~~مسعود قال: إذا تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كجر السلسلة على ~~الصفوان. وروى ابن أبي حاتم، وابن مردوية عن ابن عباس قال: "لما أوحى ~~الجبار إلى محمد صلى الله عليه وسلم دعا الرسول من الملائكة ليبعثه بالوحي، ~~فسمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم سألوا عما قال ~~الله، فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا". # قوله: "ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله"3. أي: PageV01P220 # لقول الله تعالى؟ قال الحافظ: خضعانا بفتحتين من الخضوع، وفي رواية بضم ~~أوله وسكون ثانيه، وهو مصدر بمعنى خاضعين. # قوله: كأنه سلسلة على صفوان. أي: كأن الصوت المسموع سلسلة على صفوان، وهو ~~الحجر الأملس. قال الحافظ: هو مثل قوله في بدء الوحي: صلصلة كصلصلة الجرس، ~~وهو صوت الملك بالوحي. وقد روى ابن مردويه من حديث ابن مسعود رفعه: "إذا ~~تكلم الله بالوحي سمع أهل السماوات صلصلة كصلصلة السلسلة على الصفوان ... " ~~1 الحديث. # قوله: ينفذهم ذلك هو بفتح التحتيه وسكون النون وضم الفاء والذال المعجمة، ~~ذلك، أي القول، والضمير في (ينفذهم) عائد على الملائكة. أي ينفذ الله ذلك ~~القول إلى الملائكة، أي: يلقيه إليهم. وقيل: وهو أظهر. أي: يخلص ذلك القول، ~~ويمضي في قلوب الملائكة حتى يفزعوا من ذلك، كما في حديث النواس وفي حديث ~~ابن عباس عن ابن مردويه من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عنه: "فلا ~~ينزل على أهل سماء إلا صعقوا" وفي حديث ابن مسعود عند أبي داود وغيره ~~مرفوعا: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماء الدنيا صلصلة كجر السلسلة ~~على الصفا، فيصعقون، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل" الحديث. # قوله: {حتى إذا فزع عن قلوبهم} أي: أزيل عنها الخوف والغشي. قوله: {قالوا ~~ماذا قال ربكم} أي: قال الملائكة بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم. قوله: {قالوا ~~الحق} ، أي: قالوا: قال الله الحق، علموا أن الله لا يقول إلا حقا. ~~PageV01P221 # قوله:"فيسمعها مسترق السمع"أي: يسمع الكلمة التي قضاها الله مسترق السمع، ms191 ~~وهم الشياطين يركب بعضهم بعضا، فيسمعون أصوات الملائكة بالأمر يقضيه الله، ~~كما قال تعالى: {وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب ~~مبين} ، [الحجر الآيتان: 17-18] .وفي "صحيح البخاري" عن عائشة مرفوعا: "إن ~~الملائكة تنزل في العنان وهو السحاب، فتذكر الأمر قضي في السماء، فتسترق ~~الشياطين السمع فتسمعه، فتوحيه إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة من عند ~~أنفسهم" 1. وظاهر هذا أنهم لا يسمعون كلام الملائكة الذين في السماء ~~الدنيا، وإنما يسمعون كلام الملائكة الذين في السحاب. # قوله: (وصفه سفيان بكفه) . أي: وصف ركوب بعضهم فوق بعض. وسفيان هو ابن ~~عيينة أبو محمد الهلالي الكوفي ثم المكي، ثقة حافظ فقيه # إمام حجة، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وربما، دلس لكن عن الثقات. مات سنة ~~ثمان وتسعين ومائة وله إحدى وتسعون سنة. قوله: فحرفها. بحاء مهملة وراء ~~مشددة وفاء. # قوله: (وبدد) . أي: فرق بين أصابعه. # قوله: (فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته) . أي: يسمع المسترق الفوقاني ~~الكلمة من الوحي، فيلقيها إلى الشيطان الذي تحته، ثم يلقيها الآخر من تحته، ~~حتى يلقيها على لسان الساحر والكاهن، وحينئذ يقع الرجم. # قوله: (فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها) . الشهاب: هو النجم الذي يرمى ~~به. أي: ربما أدرك المسترق الشهاب إذا رمي به قبل أن يلقي الكلمة إلى من ~~تحته، وربما ألقاها المسترق قبل أن يدركه الشهاب، وهذا يدل على أن الرجم ~~بالنجوم كان قبل المبعث، كما روى أحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن معمر عن ~~الزهري عن علي بن حسين عن ابن عباس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~جالسا في نفر من أصحابه فرمي بنجم فاستنار، فقال PageV01P222 # ما كنتم تقولون إذا كان هذا في الجاهلية قالوا: كنا نقول: يولد عظيم، أو ~~يموت عظيم، قال فإنها لا يرمى بها لموت أحد، ولا لحياته، ولكن ربنا إذا قضى ~~أمرا سبح حملة العرش، ثم سبح أهل السماء الذين يلون حملة العرش، فيقول ~~الذين يلون حملة العرش لحملة العرش: ماذا قال ربكم؟ فيخبرونهم، ويخبر ms192 أهل ~~كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء، وتخطف الجن السمع فيرمون، ~~فما جاؤوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يحرفونه ويزيدون فيه" قال معمر: قلت ~~للزهري: "أكان يرمى بها في الجاهلية؟ قال نعم. قال أرأيت: {وأنا كنا نقعد ~~منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} ، [الجن:9] . # قال: غلظت، وشدد أمرها حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفيه الرد ~~على المنجمين الذين ينسبون الخير والشر والإعطاء والمنع إلى الكواكب بحسب ~~السعود منها والنحوس، وعلى حسب كونها في البروج الموافقة، أو المنافرة، ~~ونحو ذلك لما في الرمي بها من الدلالة على تسخيرها لما خلقت له، كما قال ~~تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ~~ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} 1. # قوله: فيكذب معها مائة كذبة، أي: يكذب الكاهن أو الساحر مع الكلمة التي ~~ألقاها إليه وليه من الشياطين مائة كذبة، بفتح الكاف وسكون الذال المعجمة، ~~أو يكذب الشيطان مع الكلمة التي استرقها مائة كذبة، ويخبر بالجميع وليه من ~~الإنس، فما جاؤوا به على وجهه فهو صدق، وما خلط فيه فهو كذب، ومع هذا ~~فيفتتن الإنس بالإنس الساحر والكاهن، ويفتتنان بوليهما من الشياطين، ~~ويقبلون ما جاؤوا به من الصدق والكذب، لكونهم قد يصدقون فيما يأتون به من ~~خبر السماء. # قوله: فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا كذا؟ هكذا بيض المصنف في هذا ~~الموضع، ولفظ الحديث في "الصحيح" فيقال: PageV01P223 # "أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا هكذا" 1. والمعنى أن الذين يأتون الكهان ~~يصدقونهم في كذبهم، ويستدلون على ذلك بكونهم يصدقون بعض الأحيان فيما سمعوه ~~من الوحي، ويذكرون أنه أخبرهم بشيء مرة فوجدوه حقا، وتلك الكلمة من الحق ~~كما في "الصحيح" عن عائشة قلت: "يا رسول الله: إن الكهان كانوا يحدثونا ~~بالشيء فنجده حقا، قال: "تلك الكلمة الحق يخطفها الجني فيقذفها في أذن ~~وليه، ويزيد فيها ms193 مائة كذبة" 2 وفيه قبول النفوس للباطل، كيف يتعلقون ~~بواحدة، ولا يعتبرون بمائة كذبة؟! ذكره المصنف. وفيه أن الشيء إذا كان فيه ~~نوع من الحق لا يدل على أنه حق كله، بل لا يدل على إباحته كما في الكهانة ~~والسحر والتنجيم. # قوله: فيصدق بتلك الكمة التي سمعت من السماء. أي: يستدلون على صدقها. # قال: وعن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا ~~أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة أو ~~قال: رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا ~~وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما ~~أراد ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء يسأله ملائكته: ماذا قال ~~ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال: الحق وهو العلي الكبير قال: فيقولون كلهم ~~مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل". # ش قوله: عن النواس بن سمعان بكسر السين، أي: ابن PageV01P224 # خالد الكلابي، ويقال: الأنصاري، صحابي، ويقال: إن أباه صحابي أيضا. قال ~~أبو حاتم الرازي: سكن الشام. # قوله: "ذا أراد الله أن يوحي بالأمر" إلخ هذا والله أعلم في جميع الأمور ~~التي يقضيها الرب تبارك وتعالى، كما يدل عليه عموم اللفظ، ويدل على ذلك ~~أيضا حديث أبي هريرة الذي تقدم وغيره من الأحاديث المتقدمة. # قوله:"أخذت السماوات منه رجفة" هو برفع "رجفة" على أنه فاعل، أي: أصاب ~~السماوات منه رجفة، أي: ارتجفت، كما روى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إذا ~~قضى الله أمرا تكلم وتبارك وتعالى، رجفت السماوات والأرض والجبال، وخرت ~~الملائكة كلهم سجدا. # قوله:"أو قال: رعدة شديدة".يعني أن الراوي شك، هل قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم: رجفة، أو قال: رعدة، وهو بفتح الراء بمعنى الأول. # قوله:"خوفا من الله عز وجل".لا ينكر أن السماوات والأرض ترجف وترتعد خوفا ~~من الله عز وجل فقد قال تعالى: {تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن ~~وإن ms194 من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا} 1. ~~وقال تعالى: {فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين} 2. ~~وقال تعالى: {تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا} 3. ~~قال تعالى: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملون} 4. # وفي "البخاري" عن أبي مسعود قال: "كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل" وفي ~~حديث أبي ذر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ في يده حصيات، فسمع لهن ~~تسبيح كخنين النحل، وكذا في يد أبي بكر وعمر وعثمان" وهو حديث مشهور في ~~"المسانيد". PageV01P225 # وكذلك في "الصحيح" قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم قبل اتخاذ المنبر، ومثل هذا كثير. # قوله:"صعقوا وخروا لله سجدا"،أي: يقع منهم الأمران: الصعق - وهو الغشي- ~~والسجود، والله أعلم أيهما قبل الآخر، فإن الواو لا تقتضي ترتيبا. # قوله:"فيكون أول من يرفع رأسه جبريل"معنى جبريل: عبد الله كما روى ابن ~~جرير، وأبو الشيخ الأصبهاني عن على بن حسين قال: اسم جبريل عبد الله، واسم ~~ميكائيل عبيد الله، وإسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء راجع إلى إيل فهو معبد ~~لله عز وجل. # وفيه دليل على فضيلة جبريل عليه السلام، كما قال تعالى: {إنه لقول رسول ~~كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين} ، [التكوير: 19-21] . قال أبو ~~صالح [باذم] في قوله: {عند ذي العرش مكين} . قال: جبريل يدخل في سبعين ~~حجابا من نور بغير إذن. # وقد ورد في صفة جبريل أحاديث صحيحة، منها: ما رواه أحمد بإسناد صحيح عن ~~عبد الله بن مسعود قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل في صورته، ~~وله ستمائة جناح، كل جناح منها قد سد الأفق، يسقط من جناحه من التهاويل ~~والدر والياقوت ما الله به عليم" 1. # قوله: "ثم يمر جبريل على الملائكة ... " إلى آخره. معناه ظاهر، فإذا كان ~~هذا حال الملائكة الذين ms195 هم أقوى وأعظم ممن عبد من دون الله، وشدة خشيتهم من ~~الله، وهيبتم له مع ما أعطاهم الله من القوة العظيمة التي لا يعلمها إلا ~~الله، ومع هذا فقد نفى عنهم الشفاعة بغير إذنه كما قال: {وكم من ملك في ~~السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} 2. ~~وأخبر أنهم لا يملكون كشف الضر عمن دعاهم ولا تحويله. فقال: {قل ادعوا ~~الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا} 3. وفي ضمن ذلك ~~النهي عن دعائهم وعبادتهم الشفاعة وغيرها، كما قال PageV01P226 # تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون قل لله الشفاعة جميعا} 1. فكيف يدعوهم المشرك ويظن أنهم يشفعون له ~~عند الله كما يشفع الوزراء عند الملوك، وإذا بطلت دعوتهم مع أنهم أحياء ~~ناطقون مقربون عند الله، فدعاء غيرهم من الأموات الذين لا يستطيعون سمعا ~~ولا يملكون ضرا ولا نفعا أولى بالبطلان. {إن الذين تدعون من دون الله عباد ~~أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين} 2. وقال: {والذين يدعون من ~~دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان ~~يبعثون إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم ~~مستكبرون} 3. # قوله:"ثم ينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل".قد بيض المصنف ~~رحمه الله بعد هذا، ولعله أراد أن يكتب تمام الحديث ومن رواه. وتمامه: إلى ~~حيث أمره الله عز وجل من السماء والأرض. ورواه ابن جرير وابن خزيمة [في ~~التوحيد 206] ، وابن أبي حاتم والطبراني، وفي الحديث من الفوائد إثبات ~~الكلام خلافا للجهمية، وإثبات الصوت خلافا لهم وللأشاعرة. PageV01P227 # [11- ### | باب الشفاعة # لما كان المشركون في قديم الزمان وحديثه إنما وقعوا في الشرك لتعلقهم ~~بأذيال الشفاعة، كما قال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ~~ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} 1. وقال تعالى: {والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} 2. وكذلك قطع الله ~~أطماع المشركين ms196 منها، وأخبر أنه شرك، ونزه نفسه عنه، ونفى أن يكون الخلق من ~~دونه ولي أو شفيع، كما قال تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا PageV01P227 # تتذكرون} 1. أراد المصنف في هذا الباب إقامة الحجج على أن ذلك هو عين ~~الشرك وأن الشفاعة التي يظنها من دعا غير الله ليشفع له كما يشفع الوزير ~~عند الملك منتفية دنيا وأخرى، وإنما الله هو الذي يأذن للشافع ابتداء، لا ~~يشفع ابتداء كما يظنه أعداء الله. فإن قلت: إذا كان من اتخذ شفيعا عند ~~الله، إنما قصده تعظيم الرب تعالى وتقدس أن يتوصل إليه إلا بالشفعاء، فلم ~~كان هذا القدر شركا؟! # قيل: قصده للتعظيم لا يدل على أن ذلك تعظيم لله تعالى، فكم من يقصد ~~التعظيم لشخص ينقصة بتعظيمه، ولهذا قيل في المثل المشهور: يضر الصديق ~~الجاهل ما لا يضر العدو العاقل. فإن اتخاذ الشفعاء والأنداد من دون الله ~~هضم لحق الربوبية، وتنقص للعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، كما قال ~~تعالى: {ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن ~~السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت ~~مصيرا} 2 فإنهم ظنوا به ظن السوء حتى أشركوا به، ولو أحسنوا به الظن لوحدوه ~~حق توحيده، ولهذا أخبر سبحانه وتعالى عن المشركين أنهم ما قدروه حق قدره ~~وكيف يقدره حق قدره من اتخذ من دونه ندا، أو شفيعا يحبه ويخافه ويرجوه، ~~ويذل له، ويخضع له ويهرب من سخطه ويؤثر مرضاته ويدعوه ويذبح له وينذر، وهذه ~~هي التسوية التي أثبتها المشركون بين الله وبين آلهتهم، وعرفوا وهم في ~~النار أنها كانت باطلا وضلالا، فيقولون وهم في النار: {تالله إن كنا لفي ~~ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين} 3. ومعلوم، أنهم ما ساووهم به في الذات ~~والصفات والأفعال، ولا قالوا: إن آلهتكم خلقت السماوات والأرض وإنها تحيي ~~وتميت، وإنما ساووهم به في المحبة والتعظيم والعبادة، كما ترى عليه ms197 أهل ~~الإشراك ممن ينتسب إلى الإسلام، وإنما كان ذلك هضما لحق الربوبية، وتنقصا ~~لعظمة الإلهية، وسوء ظن برب العالمين، لأن PageV01P228 # المتخذ للشفعاء والأنداد، إما أن يظن أن الله سبحانه يحتاج إلى من يدبر ~~أمر العالم معه من وزير أو ظهير أو معين، وهذا أعظم التنقص لمن هو غني عن ~~كل ما سواه بذاته، وكل ما سواه فقير إليه بذاته، وإما أن يظن أن الله ~~سبحانه إنما تتم قدرته بقدرة الشفيع، وإما أن يظن أنه لا يعلم حتى يعلمه ~~الشفيع، أو لا يرحم حتى يجعله الشفيع يرحم، أو لا يكفي وحده، أو لا يفعل ما ~~يريد العبد حتى يشفع عنده كما يشفع عند المخلوق، أو لا يجيب دعاء عباده حتى ~~يسألوا الشفيع أن يرفع حاجتهم إليه، كما هو حال ملوك الدنيا. وهذا أصل شرك ~~الخلق، أو يظن أنه لا يسمع حتى يرفع الشفيع إليه ذلك، أو يظن أن للشفيع ~~عليه حقا، فهو يقسم عليه بحقه، ويتوسل إليه بذلك الشفيع، كما يتوسل الناس ~~إلى الأكابر والملوك بمن يعز عليهم، ولا تمكنهم مخالفته، وكل هذا تنقص ~~للربوبية، وهضم لحقها. ذكر معناه ابن القيم. فلهذه الأمور وغيرها أخبر ~~سبحانه وتعالى أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه فقال: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا ~~يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} 1. # فإن قلت: إنما حكم سبحانه وتعالى بالشرك على من عبد الشفعاء، أما من ~~دعاهم للشفاعة فقط، فهو لم يعبدهم، فلا يكون ذلك شركا. # قيل: مجرد اتخاذ الشفعاء ملزوم للشرك، والشرك، لازم له كما أن الشرك ~~ملزوم لتنقص الرب سبحانه وتعالى، والتنقص لازم له ضرورة، شاء المشرك أم ~~أبى، وعلى هذا فالسؤال باطل من أصله لا وجود له في الخارج، وإنما هو شيء ~~قدره المشركون في أذهانهم، فإن الدعاء عبادة، بل هو مخ العبادة، فإذا دعاهم ~~للشفاعة، فقد عبدهم وأشرك في عبادة الله شاء أم أبى. # قال: وقول الله ms198 عز وجل: {وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس ~~لهم من دونه ولي ولا شفيع} 2. PageV01P229 # ش: الإنذار: هو الإعلام بموضع المخافة- وقوله: "به"، قال ابن عباس ~~بالقرآن وقوله: {الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم} 1، أي أنذر يا محمد ~~بالقرآن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. الذين يخشون ربهم، ويخافون سوء ~~الحساب، وهم المؤمنون، كما روي ذلك عن ابن عباس والسدي وعن "الفضيل بن ~~عياض: ليس كل خلقه عاتب، إنما عاتب الذين يعقلون فقال: {وأنذر به الذين ~~يخافون أن يحشروا إلى ربهم} ، أي: وهم المؤمنون أصحاب القلوب الواعية، ~~فإنهم المقصودون، والمنظور إليهم لا أصحاب التجمل والسيادة، فإن الله لا ~~ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" # وقوله: {ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع} 2. قال الزجاج: موضع "ليس" نصب ~~على الحال كأنه قال: متخلين من ولي وشفيع، والعامل فيه "يخافون". وقال ابن ~~كثير: ليس لهم من دونه يومئذ ولي ولا شفيع من عذابه إن أرادهم به لعلهم ~~يتقون، فيعملون في هذه الدار عملا ينجيهم الله به من عذابه يوم القيامة. ~~قلت: فنفى سبحانه وتعالى عن المؤمنين أن يكون لهم ولي أو شفيع من دون الله ~~كما هو دين المشركين، فمن اتخذ من دون الله شفيعا، فليس من المؤمنين، ولا ~~تحصل له الشفاعة. وليس في الآية دليل على نفي الشفاعة لأهل الكبائر بإذن ~~الله كما ادعته المعتزلة، بل فيها دليل على نفي اتخاذ الشفعاء من المؤمنين، ~~وعلى نفيها بغير إذن الله، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع كما قال: {ما ~~من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} 3. # قال وقوله: {قل لله الشفاعة جميعا} ، [الزمر، من الآية: 44] . # ش: هكذا أوردها المصنف، ونتكلم عليها وعلى الآية التي قبلها ليتضح ~~المعنى. قال الله تعالى: {أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا ~~يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة PageV01P230 # جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون} ، [الزمر: 43-44] .فقوله: ~~{أم اتخذوا} ، أي: بل اتخذوا، ms199 أي: المشركون. والهمزة للإنكار من دون الله ~~شفعاء، أي: أتشفع لهم عند الله بزعمهم كما قال: {ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله} 1. # وقال: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب ~~كفار} 2. فكذبهم وكفرهم بذلك وقال تعالى: {فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} 3. فهذا هو ~~مقصود المشركين ممن عبدوهم وهو الشفاعة لهم عند الله. # قوله: من دون الله. أي: من دون إذنه وأمره. والحال أنه لا يشفع عنده أحد ~~إلا بإذنه، وأن يكون المشفوع له مرتضى، وههنا الشرطان مفقودان، فإن الله ~~سبحانه لم يجعل اتخاذ الشفعاء ودعاءهم من دونه سببا لإذنه ورضاه، بل ذلك ~~سبب لمنعه وغضبه. # قوله: {قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون} 4. أي: أيشفعون ولو ~~كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم جمادات لا تقدر ولا تعلم، أو أموات ~~كذلك، حتى ولا يملكون الشفاعة كما قال: {قل لله الشفاعة جميعا} ، أي: هو ~~مالكها كلها فليس لمن تدعونهم منها شيء، قال البيضاوي: لعله رد لما عسى ~~يجيبون به وهو أن الشفعاء أشخاص مقربون، هي تماثيلهم. والمعنى: أنه مالك ~~الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه، ولا يستقل بها. # وقوله: {له ملك السماوات والأرض} . تقرير لبطلان اتخاذ الشفعاء من دونه ~~بأنه مالك الملك كله، لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه، فاندرج ~~في ذلك ملك الشفاعة، فإذا كان هو مالكها بطل اتخاذ الشفعاء من دونه كائنا ~~من كان. # وقوله: {ثم إليه ترجعون} ، أي: PageV01P231 # فتعلمون أنهم لا يشفعون، ويخيب سعيكم في عبادتهم، بل، يكونون عليكم ضدا ~~ويتبرؤون من عبادتكم كما قال تعالى: {كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ~~ضدا} 1،وقال تعالى: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم ~~وشركاؤكم فزيلنا بينهم وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا ms200 تعبدون فكفى بالله شهيدا ~~بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين} 2. # قال: وقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} 3. # في هذه الآية رد على المشركين الذين اتخذوا الشفعاء من دون الله من ~~الملائكة والأنبياء والأصنام المصورة على صور الصالحين وغيرهم، وظنوا أنهم ~~يشفعون عنده بغير إذنه فأنكر ذلك عليهم، وبين عظيم ملكوته وكبريائه وأن ~~أحدا لا يتمالك أن يتكلم يوم القيامة إلا إذا أذن له في الكلام كقوله: {لا ~~يتكلمون إلا من أذن له الرحمن} ، [النبأ، من الآية: 38] . # وقوله: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه} [هود] . قال ابن جرير في هذه ~~الآية: نزلت لما قال الكفار: ما نعبد أوثاننا هذه إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى فقال الله تعالى: {له ما في السماوات وما في الأرض} وتقرر في هذه ~~الآية أن الله يأذن لمن يشاء بالشفاعة، وهم الأنبياء والعلماء وغيرهم، ~~والإذن راجع إلى الأمر فيما نص عليه كمحمد صلى الله عليه وسلم إذا قيل له: ~~اشفع تشفع، وكذلك قاله غير واحد من المفسرين. # [بيان أنه لا شفاعة إلا بإذن الله] # قال: وقوله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن ~~يأذن الله لمن يشاء ويرضى} 4 # ش: قال أبو حيان: "كم" خبرية ومعناها: التكثير، وهي في موضع رفع ~~بالابتداء والخبر. "لا تغني" والغناء جلب النفع، ودفع الضرر بحسب الأمر ~~الذي يكون فيه الغناء. و"كم": لفظها مفرد، ومعناها جمع. وإذا كانت الملائكة ~~المقربون {لا تغني شفاعتهم} PageV01P232 # إلا بعد إذن الله ورضاه أن يرضاه أهلا للشفاعة، فكيف تشفع الأصنام لمن ~~عبدها؟ قلت: في هذه الآيات من الرد على من عبد الملائكة والصالحين لشفاعة ~~أو غيرها ما لا يخفى، لأنهم إذا كانوا لا يشفعون إلا بإذن من الله ابتداء، ~~فلأي معنى يدعون ويعبدون؟ وأيضا فإن الله لا يأذن إلا لمن ارتضى. # قوله: (وعمله) ، وهو الموحد لا المشرك. كما قال: {يومئذ لا تنفع الشفاعة ~~إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} 1 والله لا يرتضي إلا التوحيد ms201 كما قال: ~~{ومن يبتغ غير الأسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} 2. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه" 3. فلم يقل: أسعد الناس بشفاعتي من دعاني. # فإن قال المشرك: أنا أعلم أنهم لا يشفعون إلا بإذنه لكن أدعوهم ليأذن ~~الله لهم في الشفاعة لي. قيل: فإن الله لم يجعل الشرك به ودعاء غيره سببا ~~لإذنه ورضاه، بل ذلك سبب لغضبه، ولهذا نهى عن دعاء غيره في غير آية كقوله: ~~{ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين} ~~4. # فتبين أن دعاء الصالحين من الملائكة والأنبياء وغيرهم شرك كما كان ~~المشركون الأولون "يدعونهم ليشفعوا لهم عند الله، فأنكر الله عليهم ذلك، ~~وأخبر أنه لا يرضاه، ولا يأمر به كما قال تعالى: {ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون} 5. وقال ~~تعالى: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب} 6. قال ابن كثير: تبرأت منهم الملائكة الذين كانوا يزعمون أنهم ~~يعبدونهم في الدنيا: فنقول الملائكة: {تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون} ~~. وقال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق} 7 ~~PageV01P233 # وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا ~~تحويلا} 1. # روى سعيد بن منصور والبخاري والنسائي وابن جرير عن ابن مسعود في الآية: ~~"كان نفر من الإنس يعبدون نفرا من الجن فأسلم نفر من الجن وتمسك الإنسيون ~~بعبادتهم فأنزل الله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} " ~~كلاهما بالياء. # وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن "ابن عباس في الآية لما كان أهل الشرك ~~يعبدون الملائكة والمسيح وعزيرا. وفي رواية عنه عندهما في قوله: {فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم} قال عيسى وأمه وعزير. وقال تعالى: {إنكم ms202 وما تعبدون ~~من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون} 2 إلى قوله: {إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى} 3 قال ابن إسحاق: لما ذكر قصة ابن الزبعري ومخاصمته لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عند نزول هذه الآية قال: وأنزل الله: {إن الذين سبقت لهم ~~منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ... } 4 الآيتين، أي: عيسى وعزير ومن عبد من ~~الأحبار والرهبان الذين مضوا على أمر الله، فاتخذهم من يعبدهم من أهل ~~الضلالة أربابا من دون الله. وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان} 5 ~~الآيات. # وروى ابن أبي حاتم عن الزهري قال: "نزلت سورة النجم وكان المشركون ~~يقولون: لو كان هذا الرجل يذكر آلهتنا بخير أقررناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر ~~من خالف دينه من اليهود والنصارى بمثل الذي يذكر آلهتنا من السب والشتم ~~والشر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد عليه ما نال أصحابه من ~~أذاهم وتكذيبهم، وأحزنه ضلالتهم، فكان يتمنى هداهم، فلما أنزل الله سورة ~~النجم قال: {أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى} [النجم] ألقى ~~الشيطان عندها كلمات حين ذكر الطواغيت فقال: تلك الغرانيق العلا، وإن ~~PageV01P234 # شفاعتهن لترتجى، وكان ذلك من سجع الشيطان وفتنته، فوقعت هاتان الكلمتان ~~في قلب كل مشرك بمكة، وذلت بها ألسنتهم، وتباشروا بها وقالوا: إن محمدا قد ~~رجع إلى دينه الأول ودين قومه. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم آخر ~~النجم، سجد، وسجد كل من حضر من مسلم ومشرك، ففشت تلك الكلمة في الناس ~~وأظهرها الشيطان حتى بلغت أرض الحبشة فأنزل الله: {وما أرسلنا من قبلك من ~~رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ... } الآيات. فلما بين ~~الله قضاءه وبرأه من سجع الشيطان انقلب المشركون بعداوتهم وضلالتهم ~~للمسلمين، واشتدوا عليه ". وهي قصة مشهورة صحيحة رويت عن ابن عباس من طرق ~~بعضها صحيح. ورويت عن جماعة من التابعين بأسانيد صحيحة منهم عروة وسعيد ms203 بن ~~جبير وأبو العالية وأبو بكر بن عبد الرحمن وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومحمد ~~بن كعب القرظي ومحمد بن قيس والسدي وغيرهم. وذكرها أيضا أهل السير وغيرها ~~وأصلها في "الصحيحين". # والمقصود منها قوله: تلك الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى. فإن ~~الغرانيق هي الملائكة على قول، وعلى آخر هي الأصنام ولا تنافي بينهما، فإن ~~المقصود بعبادتهما الأصنام الملائكة والصالحين كما تقدم عن البيضاوي. فلما ~~سمع المشركون هذا الكلام المقتضي لجواز عبادة الملائكة رجاء شفاعتهم عند ~~الله ظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله، فرضوا عنه وسجدوا معه، ~~وحكموا بأنه قد وافقهم على دينهم من دعاء الملائكة والأصنام للشفاعة حتى ~~طارت الكلمة كل مطار، وبلغ المهاجرين إلى الحبشة أنهم صالحوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فعرفت أن الفارق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هي مسألة الشفاعة، لأنم يقولون: نريد من الملائكة # PageV01P235 # والأصنام المصورة على صورهم بزعمهم أن يشفعوا لنا عند الله، والرسول صلى ~~الله عليه وسلم قد أتاهم بإبطال ذلك، والنهي عنه، وتكفير من دان به ~~وتضليلهم وتسفيه عقولهم ولم يرخص لهم في سؤال الشفاعة من الملائكة، ولا من ~~الأنبياء ولا الأصنام، بل أتاهم بقوله تعالى: {قل لله الشفاعة جميعا} . ~~وقوله: {أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ~~ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين} 1. وهذا كثير جدا لمن تتبعه. # والمقصود أن المشركين الأولين يدعون الملائكة والصالحين ليشفعوا لهم عند ~~الله، كما تشهد به نصوص القرآن، وكتب التفسير والسير، والآثار طافحة بذلك، ~~ويكفي العاقل المنصف قوله تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} 2. # قال: وقوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في ~~السماوات ولا في الأرض ... } 3. # ش: هذه الآية هي التي قال فيها بعض العلماء: إنها تقطع عروق شجرة الشرك ~~من القلب لمن عقلها. قال ابن القيم في الكلام ms204 عليها: وقد قطع الله الأسباب ~~التي يتعلق بها المشركون جميعها قطعا، يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من ~~دون الله وليا، فمثله {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت} [العنكبوت] ، فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع، ~~والنفع لا يكون إلا ممن يكون فيه خصالا من هذه الأربع: إما مالك لما يريد ~~عابده منه، فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا له، كان ~~معينا له وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده، فنفى سبحانه ~~المراتب الأربع نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك ~~والشركة والمظاهرة والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها ~~لمشرك وهي الشفاعة التي، قال: فهو الذي يأذن PageV01P236 # للشافع، وإن لم يأذن له لم يتقدم في الشفاعة بين يديه كما يكون في حق ~~المخلوقين، فإن المشفوع عنده يحتاج إلى الشافع ومعاونته له، فيقبل شفاعته ~~وإن لم يأذن له فيها، وأما كل ما سواه فقير إليه بذاته وهو الغني بذاته عن ~~كل ما سواه، فكيف يشفع عنده أحد بدون إذنه؟! # فكفى بهذه الآية نورا وبرهانا ونجاة وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ~~ومواده لمن عقلها. والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا ~~يشعرون بدخول الواقع تحته، وتضمنه له، ويظنه في نوع، وقوم قد خلوا من قبل ~~ولم يعقبوا وارثا، وهذا الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله ~~إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم وشر منهم ودونهم، وتناول ~~القرآن لهم كتناوله لأولئك، ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف ~~الجاهلية". وهذا لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما دعا به القرآن ~~وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان ~~عليه الجاهلية، أو نظيره أو شر منه أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ~~ويعود ms205 المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر ~~الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد ويبدع بتجريد متابعة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى ذلك عيانا، ~~فالله المستعان. # وقال الله تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: {والذين اتخذوا من دونه ~~أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم ~~فيه يختلفون} 1. فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى ~~الله تعالى، وما أعز من يخلص من هذا بل ما أعز من يعادي من أنكره. والذي في ~~قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك، ~~وقد أنكره الله عليهم في كتابه، وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه ~~PageV01P237 # لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن الله تعالى أن يشفع له فيه، ورضي قوله ~~وعملة. وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه سبحانه ~~وتعالى يأذن في الشفاعة فيهم لمن يشاء، حيث لم يتخذوهم شفعاء من دونه، ~~فيكون أسعد الناس بشفاعته من يأذن الله تعالى له، صاحب التوحيد الذي لم ~~يتخذ شفيعا من دون الله. والشفاعة التي أثبتها الله تعالى ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم هي الشفاعة الصادرة عن إذنه لمن وحده، والتي نفاها الله تعالى هي ~~الشفاعة الشركية التي في قلوب المشركين المتخذين من دون الله شفعاء، ~~فيعاملون بنقيض مقصودهم من شفاعتهم، ويفوز بها الموحدون. انتهى. # ولكن تأمل الآية كيف أمرهم تعالى بدعاء الملائكة أمر تعجيز، والمراد بيان ~~أنهم لا يملكون شيئا، فلا يدعون لا لشفاعة ولا غيرها، ثم أخبر أنهم هم ~~الذين اتخذوهم بزعمهم شفعاء فنسبه إلى زعمهم وإفكهم الذي ابتدعوه من غير ~~برهان ولا حجة من الله وهذه الآية نزلت في دعوة الملائكة، ودخول غيرهم فيها ~~من باب أولى، كما روى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: {وما له منهم من ~~ظهير} . يقول: من عون الملائكة. وكما يدل عليه قوله تعالى: {حتى إذا ms206 فزع عن ~~قلوبهم} . كما تقدم. # فإذا كان اتخاذ الملائكة شفعاء من دون الله شركا، فكيف باتخاذ الأموات ~~كما يفعله عباد القبور؟ أم كيف باتخاذ الفجار والفساق إخوان الشياطين من ~~المجاذيب الذين جذبهم إبليس إلى جانبه وطاعته شفعاء؟ وأعظم من ذلك اعتقاد ~~الربوبية في هؤلاء الملاعين مع ما يشاهده الناس منهم من الفجور، وأنواع ~~الفسوق، وترك الصلوات، وفعل المنكرات، والمشي في الأسواق عراة. # كما قال بعض المتأخرين: # كقوم عراة في ذرى مصر ما يرى ... على عورة منهم هناك ثياب. # يدورون فيها كاشفين لعورة ... تواتر هذا لا يقال كذاب. # يعدونهم في مصرهم فضلاءهم ... دعاؤهم فيما يرون مجاب # ومن العجب أنهم لم يأتوا بشيء يدل على كون هؤلاء الشياطين # PageV01P238 # من جملة المسلمين، فضلا عن كونهم أولياء، فضلا عن كونهم يدعون ويستغاث ~~بهم إلا بشيء من المخاريق والسحر والشعبذة، يدعون أن لهم كرامات، وأنهم ~~أولياء لما يظهرونه من المخاريق. # وأعلم أن الضلال والكفر إنما استولى على أكثر المتأخرين بسبب نبذهم كتاب ~~الله وراء ظهورهم، وإحسان الظن بمن سحرهم، ودعا إلى نفسه، واقتصارهم على ~~القوانين والدعاوي والأوضاع التي وضعوها لأنفسهم، وإلا فلو قرؤوا كتاب ~~الله، وعلموا بما فيه، ورجعوا عند الاختلاف إليه لوجدوا فيه الهدى والشفاء ~~والنور، ولكن نبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ~~وتقدم الكلام على بقية الآية. # قال المؤلف: قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، ~~فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو يكون عونا لله، ولم يبق إلا الشفاعة. ~~فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: {ولا يشفعون إلا لمن ~~ارتضى} . فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما ~~نفاها القرآن، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم "أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده ~~لا يبدأ بالشفاعة أولا، ثم يقال له. ارفع رأسك، وقل يسمع، واسأل تعط واشفع ~~تشفع. وقال له أبو هريرة: "من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال: لا إله إلا ~~الله خالصا من قلبه ms207 " 1. فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن ~~أشرك، بالله وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر ~~لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، وينال المقام المحمود فالشفاعة ~~التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع. ~~وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. ~~انتهى كلامه. PageV01P239 # ش: قوله: قال أبو العباس. هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ~~بن عبد السلام بن تيمية، الإمام المشهور، صاحب "المصنفات" شهرته وإمامته في ~~علوم الإسلام وتفننه تغني عن الإطناب في وصفه. قال الذهبي: لم يأت قبلة ~~بخمس مائة سنة مثله، وفي رواية: بأربع مائة وقال أيضا: لو حلفت بين الركن ~~والمقام لحلفت أني لم أر مثله. وما رأي بعينيه مثل نفسه رحمه الله. وقال ~~ابن دقيق العيد: لما اجتمعت بابن تيمية رأيت رجلا كل العلوم بين عينيه، ~~يأخذ ما يشاء، ويدع ما يشاء. وبالجملة فما أتى بعد عصر الإمام أحمد له ~~نظير، وكانت وفاته سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. # قوله: نفي الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، أي: أن الله تعالى نفى ~~في الآية المذكورة قبل ما يتعلق به المشركون من الاعتقاد في غير الله من ~~الملك والشركة فيه والمعاونة والشفاعة، فهذه الأمور الأربعة هي التي يتعلق ~~بها المشركون. # قوله: فنفى أن يكون لغيره ملك، وذلك في قوله تعالى: {لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض} 1. ومن لا يملك هذا المقدار فليس بأهل أن يدعى # قوله: أو قسط منه. أي من الملك، والقسط- بكسر القاف- هو النصيب من الشيء، ~~وذلك في قوله: {وما لهم فيهما من شرك} . أي: ما لمن تدعون من الملائكة ~~وغيرهم فيها، أي: في السماوات والأرض من شرك ومن ليس بمالك ولا شريك للمالك ~~فكيف يدعي من دون الله؟! # قوله: أو أن يكون عونا لله، وذلك في قوله: {وما له منهم من ظهير} أي ما ~~لله ممن تدعونهم ms208 عون. # قوله: ولم يبق إلا الشفاعة، فتبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب. ~~إلخ. جملة الشروط التي لا بد وأن يكون أحدها في المدعو، أربعة حتى يقدر على ~~إجابة من دعاه: PageV01P240 # الأول: الملك، فنفاه بقوله: {لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في ~~الأرض} 1. # الثاني: إذا لم يكن مالكا فيكون شريكا للمالك،. فنفاه بقوله: {وما لهم ~~فيهما من شرك} . # الثالث: إذا لم يكن مالكا ولا شريكا للمالك فيكون عونا ووزيرا فنفاه ~~بقوله: {وما له منهم من ظهير} # الرابع: إذا لم يكن مالكا ولا شريكا ولا عونا فيكون شفيعا، فنفى سبحانه ~~وتعالى الشفاعة عنده إلا بإذنه، فهو الذي يأذن للشافع ابتداء فيشفع، فبنفي ~~هذه الأمور بطلت دعوة غير الله، إذ ليس عند غيره من النفع والضر ما يوجب ~~قصده بشيء من العبادة. كما قال تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون ~~شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ~~ولا نشورا} 2. # وقال تعالى: {واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون لا يستطيعون نصرهم ~~وهم لهم جند محضرون} 3. وقال تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا ~~يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا} 4. # قوله: فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما ~~نفاها القرآن. يعني أن الشفاعة التي يطلبها المشركون من الشفعاء والأنداد ~~من دون الله منتفية دنيا وأخرى، كما قال تعالى عن مؤمن يس: {أأتخذ من دونه ~~آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ~~ضلال مبين} 5. وقال تعالى عن مؤمن آل فرعون: {لا جرم أنما تدعونني إليه ليس ~~له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة} 6. وقال تعالى: {فلولا نصرهم الذين ~~اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون} ~~7. وقال تعالى: {فما أغنت عنهم آلهتهم التي PageV01P241 # يدعون من دون الله من شيء لما جاء أمر ربك وما زادوهم غير تتبيب} 1. وقال ~~تعالى: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم ms209 أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم ~~وضل عنكم ما كنتم تزعمون} 2. وقال تعالى: {وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم ~~يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} 3. فهذه حال كل من دعي من ~~دون الله لشفاعة أو غيرها في الدنيا والآخرة # قوله: وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا ~~يبدأ بالشفاعة أولا. إلى آخره. هذا ثابت في "الصحيحين" وغيرهما من حديث أنس ~~وغيره عنه صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة قال: " فأقوم فأمشي بين ~~سماطين من المؤمنين حتى أستأذن على ربي، فإذا رأيته وقعت له، أو خررت ساجدا ~~لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم قال: ارفع محمد، قل يسمع واشفع تشفع، ~~وسل تعطه، فأرفع رأسي فأحمد بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم ~~الجنة، ثم أعود إليه الثانية، فإذا رأيت ربي وقعت له، أو خررت ساجدا لربي ~~فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: ارفع محمد، قل يسمع، وسل فتعطه. ~~واشفع تشفع فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم اشفع فيحد لي حدا، ~~فأدخلهم الجنة ثم أعود الثالثة، فإذا رأيت ربي وقعت له، أو خررت ساجدا ~~لربي، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: ارفع محمد، قل يسمع، وسل تعطه، ~~واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأحمده بتحميد يعلمنيه، ثم أشفع فيحد لي حدا ~~فأدخلهم الجنة، ثم أعود الرابعة فأقول: يا رب ما بقي إلا من حبسه القرآن" ~~الحديث، فبين صلى الله عليه وسلم أنه لا يشفع إلا بعد الإذن في الشفاعة وفي ~~المشفوع فيهم، كما قال: "فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة" 4. # [أنواع الشفاعة التي تكون للرسول صلى الله عليه وسلم في القيامة] # قوله: وقال أبو هريرة: من أسعد الناس بشفاعتك إلى آخره. PageV01P242 # هذا الحديث رواه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول ~~الله من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة فقال: "لقد ظننت يا أبا هريرة أن ms210 ~~لا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك، لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد ~~الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصا من قبل نفسه" 1. ~~وفي رواية: "خالصا مخلصا من قلبه أو نفسه " 2 رواه أحمد من طريق آخر، وصححه ~~ابن حبان، وفيه: "وشفاعتي لمن شهد أن لا إله إلا الله مخلصا، يصدق قلبه ~~لسانه ولسانه قلبه" 3. # قال شيخ الإسلام: فجعل أسعد الناس بشفاعته أكملهم إخلاصا. وقال في الحديث ~~الصحيح: "من سأل الله لي الوسيلة حلت عليه شفاعتي يوم القيامة" 4. ولم يقل: ~~كان أسعد الناس بشفاعتي، فعلم أن ما يحصل للعبد بالتوحيد والإخلاص من شفاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم وغيرها ما لا يحصل بغيره من الأعمال، وإن كان ~~صالحا لسؤال الوسيلة للرسول صلى الله عليه وسلم فكيف بما لم يأمر به من ~~الأعمال، بل نهى عنه، فذلك لا ينال به خير لا في الدنيا ولا في الآخرة، مثل ~~غلو النصارى في المسيح، فإنه يضرهم ولا ينفعهم، ونظير هذا في "الصحيح" عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لكل نبي دعوة مستجابة، وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي يوم القيامة، فهي نائلة إن شاء الله من مات لا يشرك بالله ~~شيئا" 5. وكذلك في أحاديث الشفاعة كلها إنما يشفع في أهل التوحيد، فبحسب ~~توحيد العبد لربه، وإخلاصه دينه لله تعالى يستحق كرامة الله بالشفاعة ~~وغيرها. # وقال ابن القيم ما معناه: تأمل هذا الحديث كيف جعل أعظم الأسباب التي ~~تنال بها شفاعته تجريد التوحيد، عكس ما عند المشركين من أن الشفاعة تنال ~~باتخاذهم شفعاء، وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم ما في زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن ~~الله للشافع أن يشفع. ومن جهل PageV01P243 # المشرك اعتقاده أن من اتخذه وليا أو شفيعا أنه يشفع له، وينفعه عند الله، ~~كما يكون خواص الملوك والولاة تنفع من والاهم، ولم يعلموا أن الله لا يشفع ~~عند أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة ms211 إلا من رضي قوله وعمله، قال تعالى ~~في الفصل الأول: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} 1. # وفي الفصل الثاني: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} 2. # وبقي فصل ثالث وهو أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده، واتباع رسوله ~~صلى الله عليه وسلم فهذه ثلاثة فصول تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها ~~وعقلها. انتهى ملخصا. # وقال الحافظ: المراد بهذه الشفاعة، المسؤول عنها هنا بعض أنواع الشفاعة، ~~وهي التي يقول صلى الله عليه وسلم: "أمتي أمتي"، فيقال له: أخرج من النار ~~من كان في قلبه وزن كذا من الإيمان. فأسعد الناس بهذه الشفاعة من يكون ~~إيمانه أكمل ممن دونه. وأما الشفاعة العظمى فالإراحة من كرب الموقف. فأسعد ~~الناس بها من يسبق إلى الجنة، وهم الذين يدخلونها بغير حساب، ثم الذين ~~يلونهم وهو من يدخلها بغير عذاب بعد أن يحاسب. ويستحق العذاب، ثم من يصيبه ~~لفح من النار ولا يسقط. # واعلم أن شفاعته صلى الله عليه وسلم في القيامة ستة أنواع كما ذكره ابن ~~القيم: # الأول: الشفاعة الكبرى التي يتأخر عنها. أولو العزم عليهم الصلاة والسلام ~~حتى تنتهي إليه فيقول: "أنا لها". وذلك حين يرغب الخلائق إلى الأنبياء ~~ليشفعوا لهم إلى ربهم حتى يريحهم من مقامهم في الموقف. وهذه شفاعة يختص ~~بها، لا يشركه فيها أحد. # الثاني: شفاعته لأهل الجنة في دخولها. وقد ذكرها أبو هريرة في حديثه ~~الطويل المتفق عليه. # الثالث: شفاعته لقوم من العصاة من أمته قد استوجبوا النار، فيشفع لهم أن ~~لا يدخلوها. PageV01P244 # الرابع: شفاعته في العصاة من أهل التوحيد الذين دخلوا النار بذنوبهم، ~~والأحاديث بها متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أجمع عليها ~~الصحابة وأهل السنة قاطبة، وبدعوا من أنكرها، وصاحوا به من كل جانب، ونادوا ~~عليه بالضلال. # الخامس: شفاعته لقوم من أهل الجنة في زيادة ثوابهم ورفع درجتهم، وهذه مما ~~لم ينازع فيها أحد. # السادس: شفاعته في بعض الكفار من أهل النار حتى يخفف عذابه، وهذه خاصة ~~بأبي طالب وحده. # قوله: وحقيقته. أي: حقيقة ms212 الأمر، أي: أمر الشفاعة أن الله سبحانه هو الذي ~~يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه، ~~وينال المقام المحمود. فهذا هو حقيقة الشفاعة، لا كما يظن المشركون والجهال ~~أن الشفاعة هي كون الشفيع يشفع ابتداء فيمن شاء، فيدخله الجنة وينجيه من ~~النار. ولهذا يسألونها من الأموات وغيرهم إذا زاروهم وذلك أنهم قالوا: إن ~~الميت المعظم الذي لروحه قرب ومزية عند الله لا تزال تأتيه الألطاف من ~~الله، وتفيض على روحه الخيرات، فإذا علق الزائر روحه به، وأدناها منه فاض ~~من روح المزور على روح الزائر من تلك الألطاف بواسطتها، كما ينعكس الشعاع ~~من المرآة الصافية والماء ونحوه على الجسم المقابل له. قالوا: فتمام ~~الزيارة أن يتوجه الزائر بروحه وقلبه إلى الميت، ويعكف بهمته عليه، ويوجه ~~قصده كله وإقباله عليه بحيث لا يبقى فيه التفات إلى غيره. وكل ما كان جمع ~~الهمة والقلب عليه أعظم كان أقرب إلى انتفاعه به، وشفاعته له. # قال ابن القيم: وقد ذكر هذه الزيارة على هذا الوجه ابن سينا والفارابي ~~وغيرهما، وصرح بها عباد الكواكب في عبادتها وقالوا: إذا تعلقت النفس ~~الناطقة بالأرواح العلوية فاض عليها منها النور. وبهذا # PageV01P245 # السر عبدت الكواكب، واتخذت لها الهياكل، وصنفت لها الدعوات، واتخذت ~~الأصنام المجسدة لها، وهذا بعينه هو الذي أوجب لعباد القبور اتخاذ أعياد، ~~وتعليق الستور عليها، وإيقاد السرج عليها، وبناء المساجد عليها، وهو الذي ~~قصد الرسول صلى الله عليه وسلم إبطاله ومحوه بالكلية، وسد الذرائع المفضية ~~إليه، فوقف المشركون في طريقه، وناقضوه في قصده وكان صلى الله عليه وسلم في ~~شق وهؤلاء في شق. وهذا الذي ذكره هؤلاء المشركون في زيارة القبور هو ~~الشفاعة التي ظنوا أن آلهتهم تنفعهم بها وتشفع لهم عند الله. قالوا: فإن ~~العبد إذا تعلقت روحه بروح الوجيه المقرب عند الله، وتوجه بهمته إليه، وعكف ~~بقلبه عليه، صار بينه وبينه اتصال يفيض به عليه منه نصيب مما يحصل له من ~~الله، وشبهوا ذلك بمن يخدم ذا جاه ms213 وحظوة وقرب من السلطان، فهو شديد التعلق ~~به، فما يحصل لذلك السلطان من الإنعام والإفضال ينال ذلك المتعلق بحسب ~~تعلقه به. فهذا سر عبادة الأصنام وهو الذي بعث الله رسله، وأنزل كتبه ~~بإبطاله وتكفير أصحابه، ولعنهم، وأباح دماءهم، وأموالهم، وسبى ذراريهم، ~~وأوجب لهم النار، والقرآن من أوله إلى آخره، مملوء من الرد على أهله وإبطال ~~مذهبهم. انتهى. # قوله: (وينال المقام المحمود) ، أي: المقام الذي يحمده فيه الخلائق # كلهم وخالقهم تبارك وتعالى: قال ابن جرير: قال أكثر أهل التأويل: ذلك ~~المقام، الذي يقومه صلى الله عليه وسلم الشفاعة للناس ليريحهم ربهم مما هم ~~فيه من شدة ذلك اليوم. # وقال "ابن عباس: المقام المحمود مقام الشفاعة". وكذا قال ابن أبي نجيح عن ~~مجاهد. وقال قتادة: هو أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع، وكان أهل العلم ~~يرون أنه المقام المحمود. # قوله: فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك. يعني: أن الشفاعة ~~التي نفاها الله في القرآن هي الشفاعة التي فيها شرك بالله، من دعاء غير ~~الله وعبادته ليشفع له عند الله، فإن الله سبحانه نفى هذه # PageV01P246 # الشفاعة، وأخبر أنها لا تكون أبدا، بل أخبر أن ذلك شرك، ونزه نفسه عنه، ~~ونفى أن يكون للمؤمنين ولي أو شفيع من دونه، مع أن الشفاعة يوم القيامة لهم ~~بإذنه، لا للمشركين كما قال تعالى: {يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي له قولا} 1. فنفى سبحانه أن تنفع الشفاعة أحدا {إلا من أذن له ~~الرحمن ورضي} قوله وعمله، وهو المؤمن المخلص. # وأما المشرك الداعي لغير الله ليشفع له فلا تنفعه الشفاعة، ولا يؤذن لأحد ~~في الشفاعة فيه. كما قال: {فما تنفعهم شفاعة الشافعين} . وقال تعالى: {وقيل ~~ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون} ~~2. # قوله: وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم إلى آخره. تقدم ما يتعلق بذلك ~~والله أعلم PageV01P247 ### | [باب قول الله تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت # ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} ، [القصص: ms214 56] ،] . # أراد المصنف رحمه الله الرد على عباد القبور الذين يعتقدون في الأنبياء ~~والصالحين أنهم ينفعون ويضرون، فيسألونهم مغفرة الذنوب، وتفريج الكروب، ~~وهداية القلوب، وغير ذلك من أنواع المطالب الدنيوية والأخروية، ويعتقدون أن ~~لهم التصرف بعد الموت على سبيل الكرامة. وقد وقفت على رسالة لرجل منهم في ~~ذلك، ويحتجون على ذلك بقوله: {لهم ما يشاءون عند ربهم} يقول قائلهم ~~[البوصيري] في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم: # فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم الروح والقلم. # فإذا عرف الإنسان معنى هذه الآية ومن نزلت فيه; تبين له بطلان قولهم ~~وفساد شركهم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق # PageV01P247 # وأقربهم من الله، وأعظمهم جاها عنده، ومع ذلك حرص واجتهد على هداية عمه ~~أبي طالب في حياة أبي طالب وعند موته، فلم يتيسر ذلك ولم يقدر عليه، ثم ~~استغفر له بعد موته، فلم يغفر له حتى نهاه الله عن ذلك. # ففي هذا أعظم البيان، وأوضح البرهان على أنه صلى الله عليه وسلم لا يملك ~~ضرا ولا نفعا، ولا عطاء ولا منعا، وأن الأمر كله بيد الله، فهو الذي يهدي ~~من يشاء، ويضل من يشاء، ويعذب من يشاء، ويرحم من يشاء، ويكشف الضر عمن ~~يشاء، ويصيب به من يشاء من عباده وهو الغفور الرحيم وهو الذي من جوده ~~الدنيا والآخرة، وهو بكل شيء عليم. ولو كان عنده صلى الله عليه وسلم من ~~هداية القلوب ومغفرة الذنوب وتفريج الكروب شيء ; لكان أحق الناس به، ~~وأولاهم من قام معه أتم القيام ونصره، وأحاطه من بلوغه ثمان سنين إلى ما ~~بعد النبوة بثمان سنين أو أكثر، بل قال تعالى: {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء ~~إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} 1. وقال تعالى: {قل لا أقول لكم عندي ~~خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى} 2. ~~فهل يجتمع في قلب ms215 عبد الإيمان بهذه الآيات وما أشبهها، والإيمان بذلك البيت ~~وما أشبهه، ولكن قاتل الله أعداءه الذين جاوزوا الحد في إطرائه والغلو فيه. # وأما معنى الآية فقال ابن كثير: يقول تعالى لرسوله: إنك يا محمد لا تهدي ~~من أحببت، أي: ليس إليك ذلك، إنما عليك البلاغ، والله يهدي من يشاء، وله ~~الحكمة البالغة، والحجة الدامغة كما قال تعالى: {ليس عليك هداهم ولكن الله ~~يهدي من يشاء} 3 وقال: {وما أكثر PageV01P248 # الناس ولو حرصت بمؤمنين} 1. وهذه الآية أخص من هذا كله فإنه قال: {إنك لا ~~تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين} 2. أي: أعلم بمن ~~يستحق الهداية ممن يستحق الغواية. وقد ثبت في "الصحيحين" أنها نزلت في أبي ~~طالب، وقد كان يحوطه وينصره، ويقوم في حقه، ويحبه حبا طبعيا لا حبا شرعيا، ~~فلما حضرته الوفاة وحان أجله دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الإيمان والدخول في الإسلام فسبق القدر فيه، واختطف من يده، واستمر على ما ~~كان عليه من الكفر ولله الحجة البالغة. فإن قلت: قال الله تعالى: {وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم} 3. # فالجمع بينها وبين الآية. المترجم لها، قيل: الهداية التي تصح نسبتها ~~لغير الله بوجه ما هي هداية الإرشاد والدلالة، كما قال: {وإنك لتهدي إلى ~~صراط مستقيم} 4. أي: ترشد وتبين، والهداية المنفية عن غير الله هي هداية ~~التوفيق وخلق القدرة على الطاعة، ذكره بعضهم بمعناه. # قال: في " الصحيح " عن ابن المسيب عن أبيه قال. "لما حضرت أبا طالب ~~الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو ~~جهل فقال: يا عم قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: ~~أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا، ~~فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فأنزل الله عز ms216 ~~وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي ~~قربى} [التوبة] " وأنزل الله في أبي طالب: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله ~~يهدي من يشاء} 5. # ش: قوله في "الصحيح". أي "الصحيحين". # قوله: (عن ابن المسيب) ، هو سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي PageV01P249 # وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء ~~الأثبات، الفقهاء الكبار، الحفاظ العباد، اتفقوا على أن مرسلاته أصح ~~المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه مات بعد ~~التسعين وقد ناهز الثمانين، وأبوه المسيب صحابي، بقي إلى خلافة عثمان رضي ~~الله عنه وكذلك جده حزن صحابي، استشهد باليمامة. # قوله: (لما حضرت أبا طالب الوفاة) ، أي: حضرت علامات الوفاة وإلا فلو كان ~~انتهى إلى المعاينة لم ينفعه الإيمان لو آمن. ويدل على ذلك ما وقع من ~~المراجعة بينه وبينهم، ويحتمل أن يكون انتهى إلى تلك الحالة، لكن رجا النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه إذا أقر بالتوحيد ولو في تلك الحالة أن ذلك ينفعه ~~بخصوصه، ويسوغ فيه شفاعته صلى الله عليه وسلم ولهذا قال: أجادل لك بها، ~~وأشهد لك بها، وأحاج لك بها. ويدل على الخصوصية أنه بعد أن امتنع من ~~الإقرار بالتوحيد، ومات على الامتناع منه لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم ~~الشفاعة له، بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة إلى غيره. وكان ذلك من ~~الخصائص في حقه. # قوله: (جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم) ، يحتمل أن يكون المسيب حضر ~~هذه القصة، فإن المذكورين من بني مخزوم وهو أيضا مخزومي، وكانوا يومئذ ~~كفارا فمات أبو جهل على كفره، وأسلم الآخران. وقول بعض الشراح: إن هذا ~~الحديث من مراسيل الصحابة مردود، وفي هذا جواز عيادة المشرك إذا رجي ~~إسلامه. وجواز حمل العلم إذا كان فيه مصلحة راجحة على عدمه. # قوله: (يا عم) . منادى مضاف يجوز فيه إثبات الياء وحذفها. # قوله: (قل لا إله إلا الله) ، أي: قل هذه الكلمة، عارفا لمعناها، معتقدا ms217 ~~له في هذه الحال وإن لم تعمل به، إذ لا يمكن عند الموت إلا ذلك، ولا بد مع ~~ذلك من شهادة أن محمدا رسول الله. # PageV01P250 # قوله: (كلمة) . قال القرطبي: أحسن ما تقيد "كلمة" بالنصب على أنه بدل من ~~لا إله إلا الله، ويجوز رفعها على احتمال المبتدأ. # قوله: (أحاج لك بها عند الله) . هو بتشديد الجيم من "المحاجة" وهي مفاعلة ~~من الحجة، والجيم مفتوحة، على الجزم جواب الأمر، أي: أشهد لك بها عند الله ~~كما في الرواية الأخرى وفيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم، لأنه لو قالها ~~لنفعته، وإن مات على التوحيد نفعته الشفاعة وإن لم يعمل شيئا غير ذلك، وأن ~~من كان كافرا يجحدها إذا قالها عند الموت أجريت عليه أحكام الإسلام، فإن ~~كان صادقا من قلبه نفعته عند الله، وإلا فليس لنا إلا الظاهر، بخلاف من كان ~~يتكلم بها في حال كفره. # قوله: (فقالا له) : أترغب عن ملة عبد المطلب. ذكراه الحجة الملعونة التي ~~يتعلق بها المشركون من الأولين والآخرين، ويردون بها على الرسل، وهي تقليد ~~الآباء والكبراء، وأخرجا الكلام مخرج الاستفهام مبالغة في الإنكار لعظمة ~~هذه الحجة في قلوب الضالين، وكذلك اكتفيا بها في المجادلة، مع مبالغته صلى ~~الله عليه وسلم وتكريره فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصرا عليها. قال ~~المصنف: وفيه تفسير لا إله إلا الله بخلاف ما عليه أكثر من يدعي العلم. ~~وفيه أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي صلى الله عليه وسلم إذا قال ~~الرجل: قل لا إله إلا الله. فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام. # قوله: (فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأعادا) ، أي: أعاد عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم مقالته، وأعادا عليه مقالتهما مبالغة منه صلى ~~الله عليه وسلم وحرصا على إسلام عمه، ومع ذلك لم يقدر النبي صلى الله عليه ~~وسلم على ذلك، ولا على تخليصه من عذاب الله، بل سبق فيه القضاء المحتوم، ~~واستمر على كفره ليعلم الناس أن لا إله إلا الله فلو ms218 كان عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم من هداية القلوب، وتفريج الكروب شيء، لكان أحق الناس بذلك ~~وأولاهم عمه الذي فعل معه ما فعل. وفيه الحرص في الدعوة إلى الله والصبر ~~على # PageV01P251 # الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن رد ذلك على صاحبه، وتكريره وعدم ~~الاكتفاء بمرة واحدة. # قوله: (فكان آخر ما قال - هو بنصب آخر على الظرفية-) ، أي: آخر زمن ~~تكليمه إياهم، ويجوز رفعه. # قوله: (هو على ملة عبد المطلب) . الظاهر أن أبا طالب قال: أنا، فغيره ~~الراوي أنفة أن يحكي كلام أبي طالب استقباحا للفظ المذكور، وهي من التصرفات ~~الحسنة، قاله الحافظ وقد رواه الإمام أحمد بلفظ أنا. فدل على ما ذكرناه. # قوله: (وأبى أن يقول لا إله إلا الله) . قال الحافظ: هذا تأكيد من الراوي ~~في نفي وقوع ذلك من أبي طالب، وكأنه استند في ذلك إلى عدم سماعه منه في تلك ~~الحال. كذا قال. وفيه نظر، بل نفيه مستند إلى إباء أبي طالب عن قولها ~~بقوله: وهو على ملة عبد المطلب. قال المصنف: وفيه الرد على من زعم إسلام ~~عبد المطلب وأسلافه، ومضرة أصحاب السوء على الإنسان، ومضرة تعظيم الأسلاف ~~والأكابر. أي: زيادة على المشروع بحيث يجعل أقوالهم حجة يرجع إليها عند ~~التنازع. # قوله: فقال النبي: "لأستغفرن لك ما لم أنه عنك" 1. أقسم صلى الله عليه ~~وسلم ليستغفرن له إلا أن ينهى عن ذلك، كما في رواية مسلم: "أما والله ~~لأستغفرن لك" قال النووي: وفيه جواز الحلف من غير استحلاف، وكأن الحلف هنا ~~لتأكيد العزم على الاستغفار، وتطبيبا لنفس أبي طالب وكانت وفاة أبي طالب ~~بمكة قبل الهجرة بقليل. # قال ابن فارس: مات أبو طالب ولرسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون ~~سنة وثمانية أشهر وأحد عشر يوما. وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها ~~بعد موت أبي طالب بثمانية أيام. PageV01P252 # قوله: فأنزل الله: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} 1. ~~أي: ما ينبغي لهم ذلك، وهو خبر بمعنى النهي. وقد روى الطبري عن عمرو ms219 بن ~~دينار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استغفر إبراهيم لأبيه وهو ~~مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى نهاني عنه ربي فقال أصحابه: نستغفر ~~لآبائنا كما استغفر نبينا لعمه فنزلت: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب ~~الجحيم وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين ~~له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم} ". وهذا فيه إشكال لأن ~~وفاة أبي طالب بمكة قبل الهجرة اتفاقا. وقد ثبت "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية" 2. ~~وفيه دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، ولكن يحتمل أن يكون نزول ~~الآية تأخر وإن كان سببها تقدم، ويكون لنزولها سببان: متقدم: وهو أمر أبي ~~طالب، ومتأخر: وهو أمر أمه ويؤيد تأخر النزول استغفاره صلى الله عليه وسلم ~~للمنافقين حتى نزل النهي عن ذلك، فإن ذلك يقتضي تأخر النزول وإن تقدم السبب ~~ويشير إلى ذلك أيضا قوله في حديث الباب، وأنزل الله في أبي طالب: {إنك لا ~~تهدي من أحببت} . لأنه يشعر بأن الأولى نزلت في أبي طالب وفي غيره، ~~والثانية فيه وحده. ويؤيد تعدد السبب ما أخرج أحمد عن علي قال: "سمعت رجلا ~~يستغفر لوالديه وهما مشركان، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله {ما كان للنبي ... } الآية". قاله الحافظ، وفيه تحريم الاستغفار ~~للمشركين، وتحريم موالاتهم ومحبتهم، لأنه إذا حرم الاستغفار لهم، فموالاتهم ~~ومحبتهم أولى. PageV01P253 ### | باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين # ... # [13- باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم وهو الغلو في الصالحين] # أما تركهم فهو مجرور عطفا على المضاف إليه، ولما ذكر المصنف رحمه الله ~~بعض ما يفعله عباد القبور مع الأموات من الشرك، أراد أن يبين السبب في ذلك ~~ليحذر، وهو الغلو مطلقا لاسيما في ms220 الصالحين، فإنه أصل الشرك قديما وحديثا ~~لقرب الشرك بالصالحين من النفوس فإن الشيطان يظهره في قالب المحبة ~~والتعظيم. # وقول الله عز وجل: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} 1. قال العلماء: ~~الغلو هو مجاورة الحد في مدح الشيء أو ذمه، وضابطه تعدي ما أمر الله به وهو ~~الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله: {ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي} 2. ~~وكذا قال تعالى في هذه الآية: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} 3. أي: ~~لا تتعدوا ما حدد الله لكم. وأهل الكتاب هنا هم اليهود والنصارى، فنهاهم عن ~~الغلو في الدين ونحن كذلك، كما قال تعالى: {فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ~~ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير} 4. # والغلو كثير في النصارى، فإنهم غلوا في عيسى عليه السلام، فنقلوه من حيز ~~النبوة إلى أن اتخذوه إلها من دون الله يعبدونه كما يعبدون الله، بل غلوا ~~فيمن زعم أنه على دينه من أتباعه، فادعوا فيهم العصمة، فاتبعوهم في كل ما ~~قالوه، سواء كان حقا أو باطلا، وناقضتهم اليهود في أمر عيسى عليه السلام، ~~فغلوا فيه فحطوه من منزلته حتى جعلوه ولد بغي. # قال شيخ الإسلام: ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى وغلا في الدين ~~بإفراط فيه أو تفريط وضاهاهم في ذلك، فقد شابههم كالخوارج المارقين من ~~الإسلام، الذين خرجوا في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقاتلهم حين ~~خرجوا على المسلمين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك من عشرة ~~أوجه في "الصحاح" و "المسانيد" وغير: ذلك، PageV01P254 # وكذلك من غلا في دينه من الرافضة والقدرية والجهمية والمعتزلة والأشاعرة. ~~وقال أيضا: فإذا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من انتسب إلى ~~الإسلام، وقد مرق منه مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام ~~والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام وذلك، بأسباب: منها الغلو ~~الذي ذمه الله في كتابه حيث قال: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم} 1. ~~وعلي بن ms221 أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة فأمر بأخاديد خدت ~~لهم عند باب كندة، فقذفهم فيها واتفق الصحابة رضي الله عنهم على قتلهم، ~~ولكن ابن عباس كان مذهبه أن يقتلوا بالسيف من غير تحريق. وهو قول أكثر ~~العلماء. # [سبب عبادة الأصنام] # قال: في "الصحيح" عن "ابن عباس في قول الله تعالى: {وقالوا لا تذرن ~~آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا} . قال: هذه أسماء ~~رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى ~~مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم، ففعلوا ولم تعبد ~~حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت". # ش: قوله: في "الصحيح"، أي: "صحيح البخاري". وهذا الأثر اختصره المصنف، ~~وقد رواه البخاري عن ابن عباس ولفظه: (وصارت الأوثان التي كانت في قوم نوح ~~في العرب بعد، أما ود فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، ~~وأما يغوث، فكانت لمراد، ثم لبني غطيف بالجرف2 عند سبأ، وأما يعوق، فكانت ~~لهمدان، وأما نسر، فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين في قوم ~~نوح ... ) إلى آخره. وهكذا روي عن عكرمة والضحاك وابن إسحاق نحو هذا. ~~PageV01P255 # وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن ~~قيس: أن يغوث ويعوق ونسرا كانوا قوما صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع ~~يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صورناهم ~~كانوا أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون، ~~دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر فعبدوهم. قال ~~سفيان عن أبيه عن عكرمة قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام، ~~وروى ابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير أنهم كانوا أولاد آدم لصلبه، وكان ود ~~أكبرهم وأبرهم به، هكذا رواه عمر بن شبه في "أخبار مكة" من طريق محمد بن ~~كعب القرظي، وذكر السهيلي في "التعريف": أن يغوث بن شيث بن آدم فيما ms222 قيل، ~~وكذا سواع وما بعده. فكانوا يتبركون بدعائهم، وكلما مات منهم أحد مثلوا ~~صورته وتمسحوا بها إلى زمن مهلاييل، فعبدوها بتدريج الشيطان لهم، ثم صارت ~~سنة في العرب في الجاهلية. # ولا أدري من أين سرت تلك الأسماء أمن قبل الهند؟ فقد قيل: إنهم كانوا ~~المبدأ في عبادة الأصنام بعد نوح عليه السلام، أم الشيطان ألهم العرب ذلك. ~~انتهى وقد روى الفاكهي عن ابن الكلبي قال: كان لعمرو بن ربيعة رئي1 من الجن ~~فأتاه فقال: أجب أبا ثمامة وادخل بلا ملامة، ثم ائت سيف2 جدة، تجد بها ~~أصناما معدة، ثم أوردها تهامة ولا تهب، ثم ادع العرب إلى عبادتها تجب. قال ~~فأتى عمرو ساحل جدة فوجد بها ودا وسواعا ويغوث ويعوق ونسرا، وهي الأصنام ~~التي عبدت على عهد نوح وإدريس، ثم إن الطوفان طرحها هناك فسفا عليها ~~PageV01P256 # الرمل، فاستثارها عمرو وخرج بها إلى تهامة، وحضر الموسم ودعا إلى عبادتها ~~فأجيب. # وعمرو بن ربيعة: هو عمرو بن لحي، قاله الحافظ. قلت: وهو سيد خزاعة، وكان ~~أول من سيب السوائب، وغير دين إبراهيم عليه السلام. وكانت العرب قبله على ~~دين أبيهم إبراهيم عليه السلام، حتى نشأ فيهم عمرو فأحدث الشرك، كما روى ~~ابن جرير عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأكثم ~~بن الجون1: "يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار ~~فما رأيت رجلا أشبه برجل منك به ولا به منك فقال أكثم: أتخشى أن يضرني شبهه ~~يا رسول الله؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنك مؤمن، وهو كافر، إنه ~~أول من غير دين إبراهيم، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، وحمى الحامي". إسناده ~~حسن. # وفي "الصحيحين" من حديث أبي هريرة مرفوعا: "رأيت عمرو بن عامر الخزاعي ~~يجر قصبه في النار، كان أول من سيب السوائب" 2. # قوله: أن انصبوا. بكسر الصاد المهملة. # قوله: أنصابا جمع نصب، وأصله ما نصب كغرض ونحوه، والمراد به هنا الأصنام ~~المصورة على صورهم المنصوبة في مجالسهم. ms223 # قوله: حتى إذا هلك أولئك، أي: الذين نصبوها ليكون أشوق إليهم إلى ~~العبادة، وليتذكروا برؤيتها أفعال أصحابها. PageV01P257 # قوله: ونسي العلم. أي: زالت المعرفة بحالها وما قصده من صورها، وغلب ~~الجهال الذين لا يميزون بين التوحيد والشرك، وذهب العلماء الذين يعرفون ~~ذلك. # قوله: عبدت. تقدم أنه دب إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم ~~يسقون المطر، فعبدوهم. وفي رواية أنهم قالوا: ما عظم أولنا هؤلاء إلا وهم ~~يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوهم فهذا هو السبب في عبادة هؤلاء الصالحين، ~~وهو رجاء شفاعتهم عند الله، وكذلك هو السبب في عبادة صورهم، وهذه هي الشبهة ~~التي ألقاها الشيطان على المشركين من الأولين والآخرين. # وقد بين الله ذلك في القرآن بيانا شافيا، وتقدم في هذا الكتاب من الكلام ~~على ذلك ما يكفي لمن هداه الله. # قال: وقال ابن القيم: قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على ~~قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمر فعبدوهم. # ش: قوله: وقال ابن القيم. هو الإمام العلامة محمد بن أبي بكر بن أيوب ~~الزرعي الدمشقي المعروف بابن قيم الجوزية، تلميذ شيخ الإسلام، وصاحب ~~المصنفات الكثيرة في فنون العلم. قال الحافظ السخاوي في حقه: العلامة ~~الحجة، المتقدم في سعة العلم ومعرفة الخلاف وقوة الجنان، المجمع عليه بين ~~الموافق والمخالف، صاحب التصانيف السائرة والمحاسن الجمة. مات سنة إحدى ~~وخمسين وسبعمائة. # قوله: قال غير واحد من السلف إلى آخره. الظاهر أن ابن القيم ذكر ذلك ~~بالمعنى لا باللفظ، وقد روي عن غير واحد من السلف معنى ذلك، منهم أبو جعفر ~~الباقر وغيره، وتقدم ما يدل على ذلك. # PageV01P258 # قوله: ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. أي: طال عليهم الزمان، ونسوا ما قصده ~~الأولون بتصوير صورهم، فعبدوهم، فتبين أن مبدأ الشرك بالصالحين هو الغلو ~~فيهم، كما أن سبب الشرك بالنجوم هو الغلو فيها واعتقاد النحوس فيها ~~والسعود، ونحو ذلك. وهذا هو الغالب على الفلاسفة ونحوهم، كما أن ذاك هو ~~الغالب على عباد القبور، ونحوهم، وهو أصل عبادة الأصنام، فإنهم عظموا ~~الأموات تعظيما ms224 مبتدعا، فصوروا صورهم، وتبركوا بها، فآل الأمر إلى أن عبدت ~~الصور ومن صورته، وهذا أول شرك حدث في الأرض، وهو الذي أوحاه الشيطان إلى ~~عباد القبور في هذه الأزمان، فإنه ألقى إليهم أن البناء على القبور والعكوف ~~عليها من محبة الصالحين وتعظيمهم، وأن الدعاء عندها أرجى في الإجابة من ~~الدعاء في المسجد الحرام والمساجد، فاعتادوها لذلك. فإذا تقرر ذلك عندهم، ~~نقلهم منه إلى الدعاء به والإقسام على الله به. # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وهذا أعظم من الذي قبله، فإن شأن الله ~~أعظم من أن يقسم عليه، أو يسأل بأحد من خلقه فإذا تقرر ذلك عندهم، نقلهم ~~منه إلى دعائه وعبادته، وسؤاله الشفاعة من دون الله، واتخاذ قبره وثنا يعكف ~~عليه، وتعلق عليه القناديل والستور ويطاف به ويستلم، ويقبل ويحج إليه، ~~ويذبح عنده، فإذا تقرر ذلك عندهم، نقله منه إلى دعاء الناس إلى عبادته، ~~واتخاذه عيدا ومنسكا، ورأوا أن ذلك أنفع لهم في دنياهم وأخراهم، وكل هذا ~~مما قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه مضاد لما بعث الله به رسوله صلى ~~الله عليه وسلم من تجريد التوحيد لله، وألا يعبد إلا الله، فإذا تقرر ذلك ~~عندهم نقلهم منه إلى أن من نهى عن ذلك، فقد تنقص أهل الرتب العالية، وحطهم ~~عن منزلتهم، وزعم أنهم لا حرمة لهم، ولا قدر، وغضب المشركون، واشمأزت ~~قلوبهم كما قال تعالى: {وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون} 1. وسرى PageV01P259 # ذلك في نفوس كثير من الجهال والطغام، وكثير ممن ينتسب إلى العلم والدين، ~~حتى عادوا أهل التوحيد، ورموهم بالعظائم، ونفروا الناس عنهم، ووالوا أهل ~~الشرك وعظموهم، وزعموا أنهم أولياء الله وأنصار دينه ورسوله، ويأبى الله ~~ذلك {وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون} 1. # قلت: وفي القصة فوائد نبه المصنف على بعضها. # منها: أن من فهم هذا الباب وما بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة ~~الله، وتقليبه القلوب العجب. # ومنها: معرفة أن ms225 أول شرك حدث في الأرض بشبهة محبة الصالحين. # ومنها: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء. # ومنها: معرفة سبب قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تنكرها. # ومنها: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين، والثاني ~~فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا فظن من بعدهم أنهم ~~أرادوا غيره. # ومنها: معرفة جبلة الإنسان في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد. # ومنها: أن فيها شاهدا لما نقل عن بعض السلف أن البدعة سبب للكفر، وأنها ~~أحب إلى إبليس من المعصية، لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. # ومنها: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل. # ومنها: معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يؤول إليه. ~~PageV01P260 # ومنها: مضرة العكوف على قبر لأجل عمل صالح. # ومنها: معرفة النهي عن التماثيل، والحكمة في إزالتها. # ومنها: معرفه عظم شأن هذه القصة، وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها. # ومنها: -وهي أعجب العجب- قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم ~~بمعنى الكلام، وكون الله حال بين قلوبهم، حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو ~~أفضل العبادات، واعتقدوا أن نهي الله ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال. # ومنها: التصريح أنهم لم يريدوا إلا الشفاعة. # ومنها: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك # ومنها: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم، ففيها معرفة قدر وجوده، ~~ومضرة فقده. # ومنها: أن سبب فقد العلم موت العلماء. انتهى بمعناه. # ومنها: شدة حاجة الخلق بل ضرورتهم إلى الرسالة، وأن ضرورتهم إليها أشد ~~وأعظم من ضرورتهم إلى الطعام والشراب. # ومنها: الرد على من يقدم الشبهات التي يسميها عقليات على ما جاء من عند ~~الله، لأن ذلك الذي أوقع المشركين في الشرك. # ومنها: مضرة التقليد وكيف آل بأهله إلى المروق من الإسلام. # [النهي عن الإطراء ومجاوزة الحد في المدح] # قال: وعن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تطروني كما أطرت ~~النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ms226 ورسوله" 1 أخرجاه. # ش: قوله عن عمر. هو ابن الخطاب بن نفيل بنون وفاء مصغرا بن عبد العزى بن ~~رياح بتحتانية بن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح براء ثم زاي خفيفة بن ~~عدي بن كعب PageV01P261 # القرشي العدوي، أمير المؤمنين وأفضل الصحابة بعد الصديق رضي الله عنهما، ~~ولي الخلافة عشر سنين ونصفا، فامتلأت الدنيا عدلا، وفتحت في أيامه ممالك ~~كسرى وقيصر، واستشهد في ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. # قوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم" 1. الإطراء: مجاوزة الحد في ~~المدح، والكذب فيه، قاله أبو السعادات. وقال غيره: # لا تطروني بضم التاء وسكون الطاء المهملة من الإطراء، أي: لا تمدحوني ~~بالباطل، أو لا تجاوزوا الحد في مدحي. # قوله: (إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله) ، أي: لا تمدحوني فتغلوا في ~~مدحي كما غلت النصارى في عيسى، فادعوا فيه الربوبية، وإنما أنا عبد لله ~~فصفوني بذلك كما وصفني به ربي، وقولوا عبد الله ورسوله. فأبى عباد القبور ~~إلا مخالفة لأمره، وارتكابا لنهيه، وناقضوه أعظم المناقضة، وظنوا أنهم إذا ~~وصفوه بأنه عبد الله ورسوله، وأنه لا يدعى ولا يستغاث به، ولا ينذر له، ولا ~~يطاف بحجرته، وأنه ليس له من الأمر شيء، ولا يعلم من الغيب إلا ما علمه ~~الله، أن في ذلك هضما لجنابه، وغضا من قدره، فرفعوه فوق منزلته، وادعوا فيه ~~ما ادعت النصارى في عيسى أو قريبا منه، فسألوه مغفرة الذنوب، وتفريج ~~الكروب. # وقد ذكر شيخ الإسلام في كتاب "الاستغاثة" عن بعض أهل زمانه أنه جوز ~~الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث فيه بالله، وصنف فيه ~~مصنفا. وكان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم مفاتيح الغيب التي لا ~~يعلمها إلا الله. وحكى عن آخر من جنسه يباشر التدريس، وينسب إلى الفتيا أنه ~~كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما ~~يقدر الله عليه، وأن هذا السر انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية ms227 ~~الحسن إلى أبي الحسن الشاذلي، وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع، ~~ومن هؤلاء من يقول PageV01P262 # في قول الله تعالى: {وسبحوه بكرة وأصيلا} إن الرسول صلى الله عليه وسلم ~~هو الذي يسبح بكرة وأصيلا ومنهم من يقول: نحن نعبد الله ورسوله، فيجعلون ~~الرسول معبودا. # قلت: وقال البوصيري: # 154 فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم الروح والقلم. # فجعل الدنيا والآخرة من جوده، وجزم بأنه يعلم ما في اللوح المحفوظ، وهذا ~~هو الذي حكاه شيخ الإسلام عن ذلك المدرس، وكل ذلك كفر صريح. ومن العجب أن ~~الشيطان أظهر لهم ذلك في صورة محبته عليه السلام وتعظيمه ومتابعته، وهذا ~~شأن اللعين لا بد وأن يمزج الحق بالباطل ليروج على أشباه الأنعام اتباع كل ~~ناعق، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق، لأن هذا ليس ~~بتعظيم، فإن التعظيم محله القلب واللسان والجوارح وهم أبعد الناس منه، فإن ~~التعظيم بالقلب: ما يتبع اعتقاد كونه عبدا رسولا، من تقديم محبته على النفس ~~والولد والوالد والناس أجمعين. # ويصدق هذه المحبة أمران: # أحدهما: تجريد التوحيد، فإنه صلى الله عليه وسلم كان أحرص الخلق على ~~تجريده، حتى قطع أسباب الشرك ووسائله من جميع الجهات، حتى قال له رجل: ما ~~شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" 1. ونهى أن ~~يحلف بغير الله، وأخبر أن ذلك شرك. ونهى أن يصلى إلى القبر أو يتخذ مسجدا ~~أو عيدا، أو يوقد عليه سراج، بل مدار دينه على هذا الأصل الذي هو قطب رحا ~~النجاة، ولم يقرر أحد ما قرره النبي بقوله وفعله، وسد الذرائع المنافية له، ~~فتعظيمه صلى الله عليه وسلم بموافقته على ذلك لا بمناقضته فيه. # الثاني: تجريد متابعته، وتحكيمه وحده في الدقيق والجليل من PageV01P263 # أصول الدين وفروعه، والرضى بحكمه، والانقياد له والتسليم، والإعراض عما ~~خالفه، وعدم الالتفات إلى ما خالفه، حتى يكون وحده هو الحاكم المتبع ~~المقبول قوله، المردود ما خالفه، كما كان ربه تعالى وحده هو المعبود ~~المألوه المخوف المرجو ms228 المستغاث به، المتوكل عليه، الذي إليه الرغبة ~~والرهبة، الذي يؤمل وحده لكشف الشدائد ومغفرة الذنوب، الذي من جوده الدنيا ~~والآخرة، الذي خلق الخلق وحده، ورزقهم وحده، ويبعثهم وحده، ويغفر ويرحم ~~ويهدي ويضل، ويسعد ويشقي وحده، وليس لغيره من الأمر شيء كائنا من كان، لا ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا لجبريل عليه السلام ولا غيرهما. فهذا هو ~~التعظيم الحق المطابق لحال المعظم، النافع للمعظم في معاشه ومعاده، والذي ~~هو لازم إيمانه وملزومه. # وأما التعظيم باللسان، فهو الثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به عليه ربه ~~وأثنى على نفسه من غير غلو ولا تقصير، كما فعل عباد القبور، فإنهم غلوا في ~~مدحه إلى الغاية. # وأما التعظيم بالجوارح، فهو العمل بطاعته، والسعي في إظهار دينه، ونصر ما ~~جاء به، وجهاد ما خالفه. # وبالجملة فالتعظيم النافع هو التصديق فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ~~والانتهاء عما عنه نهى وزجر، والموالاة والمعاداة والحب والبغض لأجله، ~~وتحكيمه وحده، والرضى بحكمه، وأن لا يتخذ من دونه طاغوت يكون التحاكم إلى ~~أقواله فما وافقها من قوله صلى الله عليه وسلم قبله، وما خالفها رده أو ~~تأوله أو أعرض عنه، والله سبحانه يشهد وكفى به شهيدا وملائكته ورسله ~~وأولياؤه، أن عباد القبور وخصوم الموحدين ليسوا كذلك، والله المستعان. # [النهي عن التنطع في الدين] # وقال المصنف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم والغلو، فإنما ~~أهلك من كان قبلكم الغلو" 1. PageV01P264 # ش: هكذا ثبت هذا البياض في أصل المصنف، وذكره أيضا غير معزو. والحديث ~~رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس، وهذا لفظ ابن ماجة: ~~حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو أسامة عن عوف عن زياد بن الحصين عن أبي ~~العالية عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غداة العقبة ~~وهو على ناقته: القط لي حصى. فلقطت له سبع حصيات هن حصى الحذف فجعل ينفضهن ~~في كفه ويقول: أمثال هؤلاء فارموا، وإياكم والغلو في الدين، فإنما أهلك من ~~كان قبلكم الغلو في الدين" ms229 1. وهذا إسناد صحيح. وعوف، هو الأعرابي ثقة ~~مشهور. # قوله: إياكم والغلو. إلى آخره. قل شيخ الإسلام: هذا عام في جميع أنواع ~~الغلو في الاعتقادات والأعمال وسبب هذا اللفظ العام رمي الجمار وهو داخل ~~فيه، مثل الرمي بالحجارة الكبار، بناء على أنه أبلغ من الصغار، ثم علله بما ~~يقتضي مجانبة هديهم، أي: هدي من كان قبلنا إبعادا عن الوقوع فيما هلكوا به، ~~وأن المشارك لهم في بعض هديهم يخاف عليه من الهلاك. # قال: ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "هلك ~~المتنطعون قالها ثلاثا" 2. # ش: قوله: "هلك المتنطعون"3. قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، ~~المتكلف البحث عنه على مذاهب أهل الكلام، الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين ~~فيما لا تبلغه عقولهم. # وقال أبو السعادات: هم المتعمقون الغالون في الكلام، المتكلمون بأقصى ~~حلوقهم; مأخوذ من النطع وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل متعمق ~~قولا وفعلا. # وقال غيره: هم الغالون في عبادتهم بحيث تخرج عن قوانين الشريعة، ويسترسل ~~مع الشيطان في الوسوسة. وكل هذه الأقوال PageV01P265 # صحيحة، فإن المتكلفين من أهل الكلام متنطعون، والمتقعرون في الكلام ~~ومخارج الحروف متنطعون، والغالون في عباداتهم متنطعون، وبالجملة فالتنطع: ~~التعمق في قول أو فعل كما قال أبو السعادات. وقال النووي: فيه كراهة ~~المتقعر في الكلام بالتشدق، وتكلف الفصاحة، واستعمال وحشي اللغة ودقائق ~~الإعراب في مخاطبة العوام ونحوهم. # قوله: (قالها ثلاثا) . أي: قال هذه الكلمة ثلاث مرات، مبالغة في التحذير ~~والتعليم، فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين، فما ترك شيئا يقرب ~~من الجنة ويباعد من النار إلا أخبرنا به، وإنما ضل الأكثرون بمخالفة هذه ~~الأحاديث وما في معناها، فغلوا وتنطعوا فهلكوا، ولو اقتصروا على ما جاءهم ~~من ربهم على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لسلموا وسعدوا، قال تعالى: ~~{أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم ~~يؤمنون} 1. PageV01P266 ### | باب ما جاء من التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا ms230 عبده؟! # ... # [باب ما جاء من التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟!] # أي: عبد القبر أو الرجل الصالح، ولما كان عباد القبور إنما دهوا من حيث ~~ظنوا أنهم محسنون، فرأوا أن أعمالهم القبيحة حسنة، كما قال تعالى: {أفمن ~~زين له سوء عمله فرآه حسنا ... } 1 الآية. نوع المصنف التحذير من الافتتان ~~بالقبور، وأخرجه في أبواب مختلفة، ليكون أوقع في القلب، وأحسن في التعليم، ~~وأعظم في الترهيب، فإذا كان قصد قبور الصالحين لعبادة الله عندها فيه من ~~PageV01P266 # النهي والوعيد ما سيمر بك إن شاء الله، فكيف بعبادة أربابها من دون الله ~~واعتيادها لذلك في اليوم والأسبوع والشهر مرات كثيرة. # قال: في "الصحيح" عن عائشة أن "أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: أولئك إذا مات فيهم ~~الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور، ~~أولئك شرار الخلق عند الله" 1. # فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل. # ش قوله: في "الصحيح". أي في "الصحيحين". # قوله: أن أم سلمة. هي هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله ابن عمرو ~~بن مخزوم القرشية المخزومية; تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد أبي سلمة ~~سنة أربع، وقيل ثلاث، وكانت قد هاجرت مع أبي سلمة إلى الحبشة، ماتت سنة ~~اثنتين وستين. # قوله: (ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم) . كان ذكر أم سلمة هذه ~~الكنيسة للنبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، كما جاء مبينا في رواية في ~~"الصحيح". وفي "الصحيحين" أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا ذلك لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله: (كنيسة) . وفي رواية يقال: لها مارية، وهي بفتح الكاف وكسر النون: ~~معبد النصارى. # قوله: (أولئك) . بفتح الكاف وكسرها. # قوله: (إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح) . هذا والله أعلم شك ~~من بعض رواة الحديث، هل قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا أو هذا، ففيه ~~التحري ms231 في الرواية، وجواز رواية الحديث بالمعنى. # قوله: (بنوا على قبره مسجدا) ، أي: موضعا للعبادة، وإن لم يسم مسجدا ~~كالكنائس والمشاهد. # قوله: (وصوروا فيه تلك الصور) . الإشارة بتلك الصور إلى PageV01P267 # ما ذكرت أم سلمة وأم حبيبة من التصاوير التي في الكنيسة، كما في بعض ~~ألفاظ الحديث فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها. # قوله: (أولئك شرار الخلق عند الله) . مقتضى هذا تحريم ما ذكر، لا سيما ~~وقد ثبت اللعن عليه. قال البيضاوي: لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور ~~الأنبياء تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها ~~أوثانا، لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ومنع المسلمين عن مثل ذلك. قال ~~القرطبي: وإنما صور أوائلهم الصور ليتأسوا بها، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، ~~فيجتهدون كاجتهادهم، ويعبدون الله عند قبورهم، ثم خلفهم قوم جهلوا مرادهم، ~~ووسوس لهم الشيطان أن أسلافكم كانوا يعبدون هذه الصور ويعظمونها، فحذر ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك سدا للذريعة المؤدية إلى ذلك. # قوله: (فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين ### | .... # ) إلى آخره. هذا من كلام شيخ الإسلام، ذكره المصنف عنه. يعني أن الذين ~~بنوا هذه الكنيسة جمعوا فيها بين فتنتين، ضل بها كثير من الخلق. الأولى: ~~فتنة القبور، لأنهم افتتنوا بقبور الصالحين، وعظموها تعظيما مبتدعا، فآل ~~بهم إلى الشرك، وهي أعظم الفتنتين، بل هي مبدأ الفتنة. الثانية: وهي فتنة ~~التماثيل، أي: الصور، فإنهم لما افتتنوا بقبور الصالحين وعظموها، وبنوا ~~عليها المساجد، وصوروا فيها الصور للقصد الذي ذكره القرطبي، فآل الأمر إلى ~~أن عبدت الصور ومن هي صورته من دون الله، وهاتان الفتنتان هما سبب عبادة ~~الصالحين كاللات وود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم من الصالحين. # قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وهذه العلة هي التي لأجلها نهى الشارع ~~عن اتخاذ المساجد على القبور، وهي التي أوقعت كثيرا من الأمم إما في الشرك ~~الأكبر، أو فيما دونه من الشرك، فإن النفوس قد أشركت بتماثيل القوم ~~الصالحين، وتماثيل يزعمون أنها طلاسم لكواكب ونحو ذلك، فإن الشرك بقبر ~~الرجل الذي يعتقد صلاحه أقرب # PageV01P268 # إلى النفوس ms232 من الشرك بخشبة أو حجر. ولهذا تجد أهل الشرك يتضرعون عندها ~~ويخشعون ويخضعون، ويعبدون بقلوبهم عبادة لا يفعلونها في بيوت الله ولا وقت ~~السحر، ومنهم من يسجد لها، وأكثرهم يرجون من بركة الصلاة عندها والدعاء ما ~~لا يرجونه في المساجد، فلأجل هذه المفسدة حسم النبي صلى الله عليه وسلم ~~مادتها حتى نهى عن الصلاة في المقبرة مطلقا وإن لم يقصد المصلي بركة البقعة ~~بصلاته، كما يقصد بصلاته بركة المساجد. كما نهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ~~وغروبها، لأنها أوقات يقصد المشركون فيها الصلاة للشمس، فنهى أمته عن ~~الصلاة حينئذ وإن لم يقصد ما قصده المشركون سدا للذريعة. قال: وأما إذا قصد ~~الرجل الصلاة عند القبور متبركا بالصلاة في تلك البقعة، فهذا عين المحادة ~~لله ورسوله، والمخالفة لدينه، وابتداع دين لم يأذن به الله، فإن المسلمين ~~قد أجمعوا على ما علموه بالاضطرار من دين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~الصلاة عند القبور منهي عنها، وأنه لعن من اتخذها مساجد. فمن أعظم المحدثات ~~وأسباب الشرك الصلاة عندها، واتخاذها مساجد، وبناء المساجد عليها، فقد ~~تواترت النصوص عن النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عن ذلك والتغليط فيه. # وقد صرح عامة الطوائف بالنهي عن بناء المساجد عليها متابعة منهم للسنة ~~الصحيحة الصريحة. وصرح أصحاب أحمد وغيرهم من أصحاب مالك والشافعي بتحريم ~~ذلك، وطائفة أطلقت الكراهة. والذي ينبغي أن تحمل على كراهة التحريم إحسانا ~~للظن بالعلماء، وأن لا يظن بهم أن يجوزوا فعل ما تواتر عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لعن فاعله والنهي عنه. # [لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد] # قال: ولهما عنها قالت: "لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح ~~خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على ~~اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك ~~أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا" 1 أخرجاه. PageV01P269 # ش: هكذا ثبت في أول هذا الحديث "ولهما" وفي آخره: "أخرجاه" بخط ms233 المصنف، ~~وأحد اللفظين يغني عن الآخر، لأن المراد صاحبا "الصحيحين". # قوله: (لما نزل) . هو بضم النون وكسر الزاي. أي: نزل به ملك الموت ~~والملائكة الكرام عليهم السلام. # قوله: (طفق) ، بكسر الفاء وفتحها والكسر أفصح، وبه جاء القرآن ومعناه: ~~جعل. # قوله: (خميصة) ، بفتح المعجمة كساء له أعلام. # قوله: (فإذا اغتم بها كشفها) ، أي: إذا احتبس نفسه عن الخروج كشفها عن ~~وجهه. # قوله: "لعن الله اليهود والنصارى" إلى آخره. لعنهم صلى الله عليه وسلم ~~على هذا الفعل بعينه وهو اتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، أي: كنائس ~~وبيع يتعبدون ويسجدون فيها لله، وإن لم يسموها مساجد، فإن الاعتبار بالمعنى ~~لا بالاسم. ومثل ذلك القباب والمشاهد المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، ~~فإنها هي المساجد الملعون من بناها على قبورهم وإن لم يسمها من بناها ~~مساجد. وفيه رد على من أجاز البناء على قبور العلماء والصالحين تمييزا لهم ~~عن غيرهم، فإذا كان صلى الله عليه وسلم لعن من بنى المساجد على قبور ~~الأنبياء، فكيف بمن بناها على قبور غيرهم؟! # قوله: "يحذر ما صنعوا". الظاهر أن هذا من كلام عائشة رضي الله عنها، أي: ~~أن الرسول صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على ذلك تحذيرا لأمته أن ~~تصنع ما صنعوا. # قال القرطبي: وكل ذلك لقطع الذريعة المؤدية إلى عبادة من فيها كما كان ~~السبب في عبادة الأصنام. # قوله: (ولولا ذاك) ، أي: لولا تحذير النبي صلى الله عليه وسلم ما صنعوا ~~ولعن من فعل ذلك. # PageV01P270 # قوله: (لأبرز قبره) ، أي: لدفن خارج بيته ومنه الحديث: "كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يوما بارزا للناس. أي: جالسا خارج بيته" 1. # قوله: (غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا) . روي بفتح الخاء وضمها بالبناء ~~للفاعل والمفعول، قالوا: فأما رواية الفتح، فإنها تقتضي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم هو الذي أمرهم بذلك، وأما رواية الضم، فيحتمل أن تكون عائشة هي ~~التي خشيت كما في لفظ آخر، غير أني أخشى. أو هي ومن معها من الصحابة. قلت: ~~وهذا أظهر. ورواية: غير ms234 أني أخشى، لا تخالفه. # قال القرطبي: ولهذا بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأعلوا حيطان تربته، وسدوا المداخل إليها، وجعلوها محدقة بقبره ~~صلى الله عليه وسلم ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذا كان مستقبل ~~المصلين، فتصور الصلاة إليه بصورة العبادة، فبنوا جدارين من ركني القبر ~~الشماليين، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلثة من ناحية الشمال حتى لا ~~يتمكن أحد من استقبال قبره. # قلت: وفي الحديثين مسائل نبه المصنف على بعضها. منها: ما ذكر الرسول صلى ~~الله عليه وسلم فيمن بنى مسجدا يعبد الله فيه على قبر رجل صالح، ولو صحت ~~نية الفاعل. ومنها: النهي عن التماثيل بتغليظ الأمر. ومنها: نهيه عن فعله ~~عند قبره قبل أن يوجد القبر. ومنها: أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور ~~أنبيائهم. ومنها: لعنه إياهم على ذلك. ومنها: مراده بذلك تحذيره إيانا عن ~~قبره، ومنها: العلة في عدم إبراز قبره، ومنها: ما بلي به صلى الله عليه ~~وسلم من شدة النزع. # قلت: ومنها التنبيه على علة تحريم ذلك، وعلة لعن من فعله. # [النهي عن اتخاذ القبور مساجد] # قال: ولمسلم: عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يموت بخمس وهو يقول: "إني أبرأ إلى الله أن PageV01P271 # يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ~~ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم ~~كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني ~~أنهاكم عن ذلك" 1. فقد نهى عنه وهو في آخر حياته، ثم إنه لعن -وهو في ~~السياق- من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يبن مسجدا، وهو معنى قوله: ~~أخشى أن يتخذ مسجدا، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا. وكل ~~موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا، بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما ~~قال صلى الله عليه وسلم "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" ms235 2. # ش: قوله: عن جندب بن عبد الله. أي: ابن سفيان البجلي أبو عبد الله، وينسب ~~إلى جده، صحابي مشهور مات بعد الستين. # قوله: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، أي: أمتنع من هذا وأنكره. ~~والخليل: هو المحبوب غاية المحبة، مشتق من الخلة بفتح الخاء وهي تخلل ~~المودة في القلب، كما قال الشاعر: # قد تخللت مسلك الروح ... مني وبذا سمي الخليل خللا # هذا هو الصحيح في معناه، كما ذكره شيخ الإسلام وابن القيم وابن كثير ~~وغيرهم. # قال القرطبي: وإنما كان ذلك لأن قلبه صلى الله عليه وسلم قد امتلأ من ~~محبة الله، وتعظيمه ومعرفته، فلا يسع لمخالة غيره. # قوله: "فإن الله قد اتخذني خليلا". فيه التصريح بأن الخلة أكمل من المحبة ~~قال ابن القيم: وأما ما يظنه بعض الغالطين من أن المحبة أكمل من الخلة، وأن ~~إبراهيم خليل الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم حبيب الله، فمن جهلهم، فإن ~~المحبة عامة والخلة خاصة، وهي نهاية المحبة، قال: وقد أخبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن الله قد اتخذه خليلا، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع ~~إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن PageV01P272 # الخطاب رضي الله عنهم وغيرهم. وأيضا فإن الله يحب التوابين، ويحب ~~المتطهرين، ويحب الصابرين، وخلته خاصة بالخليلين. وفيه جواز ذكر الإنسان ما ~~فيه من الفضل إذا دعت الحاجة الشرعية إلى ذلك. # قوله: "ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا" 1. فيه دليل ~~على أن الصديق أفضل الصحابة، حيث صرح صلى الله عليه وسلم أنه لو اتخذ خليلا ~~غير ربه، لاتخذ أبا بكر، فيه رد على الرافضة وعلى الجهمية الذين هم شر أهل ~~البدع، بل أخرجهم بعض السلف من الثنتين والسبعين فرقة. وبسبب الرافضة حدث ~~الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد قاتلهم الله، قاله ~~المصنف. وفيه إشارة إلى خلافته، لأن من كانت محبته لشخص أشد، فهو أحق الناس ~~بالنيابة عنه، لا سيما وقد قال ذلك في مرض موته، خصوصا وقد استخلفه ms236 على ~~الصلاة بالناس، وغضب لما صلى بهم عمر. # واسم أبي بكر: عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم ~~بن مرة، الصديق الأكبر، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفضل الصحابة ~~بإجماع من يعتد به من أهل السنة، مات في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة، وله ~~ثلاث وستون سنة. # قوله: (ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ... ) ، إلى آخر ~~الحديث. قال الخلخالي: وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم صنيعهم هذا يخرج ~~على وجهين، أحدهما: أنهم يسجدون لقبور الأنبياء تعظيما لهم، والثاني: أنهم ~~يجوزون الصلاة في مدافن الأنبياء والسجود في مقابرهم، والتوجه إليها حالة ~~الصلاة نظرا منهم بذلك إلى عبادة الله، والمبالغة في تعظيم الأنبياء. ~~والأول هو الشرك الجلي، والثاني الخفي، فلذلك استحقوا اللعن. # قلت: (الحديث أعم من ذلك) ، فيشمله ويشمل بناء المساجد والقباب عليها. ~~PageV01P273 # قوله: (فقد نهى عنه في آخر حياته) ، أي: كما في حديث جندب. # قوله: (ثم إنه لعن) -وهو في السياق- من فعله، أي: كما في حديث عائشة. # قوله: (والصلاة عندها من ذلك) ، وإن لم يبن مسجدا، يعني: أن الصلاة عند ~~القبور وإليها من اتخاذها مساجد الملعون من فعله، وإن لم يبن مسجدا، فتحرم ~~الصلاة في المقبرة وإلى القبور، بل لا تنعقد أصلا لما في هذه الأحاديث ~~الصحيحة وغيرها، من لعن من اتخذها مساجد. # وروى مسلم عن أبي مرثد الغنوي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" 1 وعن أبي سعيد الخدري ~~مرفوعا: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" 2. رواه أحمد وأهل السنن، ~~وصححه ابن حبان والحاكم من طرق على شرط الشيخين، وفي "صحيح البخاري" أن: ~~"عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى أنس بن مالك يصلي عند قبر فقال: القبر ~~القبر". وهذا يدل على أنه كان من المستقر عند الصحابة ما نهاهم عنه نبيهم ~~صلى الله عليه وسلم من الصلاة عند القبور. وفعل أنس لا يدل على اعتقاد ms237 ~~جوازه، فإنه لعله لم يره، ولم يعلم أنه قبر أو ذهل عنه، فلما نبهه عمر ~~تنبه. # وفي هذا كله إبطال قول من زعم أن النهي عن الصلاة فيها لأجل النجاسة، ~~فهذا أبعد شيء عن مقاصد الرسول صلى الله عليه وسلم، بل العلة في ذلك الخوف ~~على الأمة أن يقعوا فيما وقعت فيه اليهود والنصارى، وعباد {اللات والعزى} ~~من الشرك، ويدل على PageV01P274 # ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن اليهود والنصارى على اتخاذ قبور ~~أنبيائهم مساجد، ومعلوم قطعا أن هذا ليس لأجل النجاسة، لأن قبور الأنبياء ~~من أطهر البقاع، فإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجسادهم، فهم في قبورهم ~~طريون. # وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم متخذي المساجد عليها وموقدي السرج ~~عليها، ومعلوم أن إيقاد السرج عليها إنما هو لعن فاعله، لكونه وسيلة إلى ~~تعظيمها وجعلها نصبا يوفض إليها المشركون كما هو الواقع، فهكذا اتخاذ ~~المساجد عليها. # قال ابن القيم: وبالجملة فمن له معرفة بالشرك وأسبابه، وذرائعه، وفهم عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم مقاصده جزم جزما لا يحتمل النقيض، أن هذه ~~المبالغة واللعن والنهي بصيغتيه: صيغة: (لا تفعلوا) وصيغة: (إني أنهاكم) ~~ليس لأجل النجاسة، بل هو لأجل نجاسة الشرك اللاحقة بمن عصاه، وارتكب ما عنه ~~نهاه واتبع هواه ولم يخش ربه ومولاه، وقل نصيبه، أو عدم من تحقيق لا إله ~~إلا الله، فإن هذا وأمثاله من النبي صلى الله عليه وسلم صيانة لحمى التوحيد ~~أن يلحقه الشرك ويغشاه، وتجريد له وغضب لربه أن يعدل به سواه، فأبى ~~المشركون إلا معصية لأمره وارتكابا لنهيه، وغرهم الشيطان بأن هذا التعظيم ~~لقبور المشايخ والصالحين، وكلما كنتم أشد لها تعظيما، وأشد فيهم غلوا كنتم ~~بقربهم أسعد، ومن أعدائهم أبعد. ولعمر الله من هذا الباب بعينه دخل على ~~عباد يغوث ويعوق ونسر، ودخل على عباد الأصنام منذ كانوا إلى يوم القيامة. ~~فجمع المشركون بين الغلو فيهم والطعن في طريقتهم، وهدى الله أهل التوحيد ~~لسلوك طريقهم وإنزالهم منازلهم التي أنزلهم الله إياها من ms238 العبودية، وسلب ~~خصائص الإلهية. # PageV01P275 # قلت: وممن علل بخوف الفتنة والشرك الشافعي وأبو بكر الأثرم وأبو محمد ~~المقدسي وشيخ الإسلام وغيرهم وهو الحق. # قوله: فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا، أي: لما علموا من ~~تشديده في ذلك وتغليظه، ولعن من فعله، فكيف يتخذون على قبره مسجدا؟ وإنما ~~خشوا أن يعتاده بعض الجهال للصلاة عنده، من غير شعور من الصحابة بذلك، ~~فلذلك دفنوه في بيته. # قوله: (وكل موضع قصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجدا) ، أي: وإن لم يبن ~~مسجدا. قوله: "بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا"، الظاهر أن الأول في ~~الأمكنة المعدة للصلاة، وإن لم يبن فيها مسجدا. وهذا في أي موضع صلي فيه، ~~وإن لم يعد لذلك، كالمواضع التي يصلي فيها المسافر ونحو ذلك. فعلى هذا إذا ~~صلى عند القبور ولو مرة واحدة وإن لم يكن هناك مسجد، فقد اتخذها مساجد. # قوله: كما قال صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" 1 أي: ~~فسمى الأرض مسجدا، وليست مسجدا مبنيا، لكن لما كان يسجد فيها سميت مسجدا. ~~فدل هذا الحديث أن من صلى عند القبور أو إليها فقد اتخذها مساجد. وهذا ~~الحديث طرف من حديث صحيح متفق عليه عن جابر. # قال البغوي في "شرح السنة": أراد أن أهل الكتاب لم تبح لهم الصلاة إلا في ~~بيعهم وكنائسهم، وأباح الله لهذه الأمة الصلاة حيث كانوا، تخفيفا عليهم ~~وتيسيرا، ثم خص من جميع المواضع الحمام والمقبرة والمكان النجس. # وقوله: (طهورا) . أراد به التيمم. وفي حديث جندب من الفوائد أيضا، العبرة ~~في مبالغته صلى الله عليه وسلم في النهي عن بناء المساجد على القبور، كيف ~~بين لهم ذلك أولا، ثم قبل موته بخمس قال ما قال، ثم لما كان في النزع لم ~~يكتف بما تقدم، بل PageV01P276 # لعن من فعل ذلك. فدلت هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة على تحريم البناء على ~~القبور مطلقا، فلذلك اكتفى المصنف بإيرادها عن غيرها، كحديث جابر أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبر، وأن ms239 يقعد عليه وأن يبنى عليه. رواه ~~مسلم وغيره وزاد أبو داود والحاكم: وأن يكتب عليه. # [شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد] # قال: ولأحمد بسند جيد، عن ابن مسعود مرفوعا: "إن من شرار الناس من تدركهم ~~الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد" 1 رواه أبو حاتم [وابن ~~حبان] في " صحيحه". # ش: قوله: "إن من شرار الناس". هو بكسر الشين جمع شر. # قوله: "من تدركهم الساعة وهم أحياء". أي: من تقوم عليهم الساعة بحيث ينفخ ~~في الصور وهم أحياء، وهذا كحديثه الآخر الذي في مسلم: "لا تقوم الساعة إلا ~~على شرار الخلق". # فإن قلت: ما الجمع بين هذا وبين حديث ثوبان: "لا تزال طائفة من أمتي على ~~الحق" 2. وما في معناه. # قيل: حديث ثوبان مستغرق للأزمنة، عام فيها، وهذا مخصص وسيأتي زيادة لذلك ~~عند الكلام على حديث ثوبان إن شاء الله تعالى. # قوله: "والذين يتخذون القبور مساجد". "الذين" في محل نصب عطفا على "من" ~~الموصولة، أي: إن من شرار الناس الذين يتخذون القبور مساجد، بالصلاة عندها ~~وإليها، وبناء المساجد عليها. وهذا المعنى متواتر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم معلوم بالاضطرار من دينه. وكل ذلك شفقة على الأمة وخوفا عليهم أن ~~يقودهم ذلك إلى الشرك بها وبأصحابها، كما قاد إلى ذلك اليهود والنصارى. ~~فأبى عباد القبور إلا الضرب بهذه الأحاديث الجدار ونبذها وراء الظهر، أو ~~الدفع في PageV01P277 # صدورها وأعجازها بحمل ذلك على غير قبور الأنبياء والصالحين. أما قبورهم ~~فتجوز الصلاة إليها وعندها، وبناء المساجد والقباب عليها رجاء أن تصل إليهم ~~العواطف الروحانية. ولا ريب أن هذا مراغمة ومحادة لله ورسوله، وهذا هو قول ~~اليهود: {قالوا سمعنا وعصينا} [البقرة، النساء] ، فإن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنما لعن من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد، كما هو نص حديث ~~عائشة رضي الله عنها وغيره، وقبور غيرهم إنما أخذ النهي عن البناء عليها من ~~هذه الأحاديث ونحوها بقياس الأولى، أو من عموم أحاديث أخر، فمن أعظم ~~المراغمة والمناصبة والمحادة لله ورسوله، أن تحمل على ms240 غير ما وردت فيه، ~~ويباح ما وردت بالنهي عنه، ولعن من فعله، ولكن هذا شأن عباد القبور {أنما ~~يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين} 1. # وقد أجمع العلماء على النهي عن البناء على القبور وتحريمه ووجوب هدمه ~~لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا مطعن فيها بوجه من الوجوه، ولا فرق ~~في ذلك بين البناء في مقبرة مسبلة، أو مملوكة، إلا أنه في المملوكة أشد. ~~ولا عبرة بمن شذ من المتأخرين فأباح ذلك، إما مطلقا، وإما في المملوكة. # قال الإمام أبو محمد بن قدامة: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد" يحذر ما صنعوا. ولأن تخصيص القبور بالصلاة عندها يشبه ~~تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا أن ابتداء عبادة ~~الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها". # وقال شيخ الإسلام: "أما بناء المساجد على القبور، فقد صرح عامة علماء ~~الطوائف بالنهي عنه متابعة للأحاديث الصحيحة، وصرح أصحابنا وغيرهم من أصحاب ~~مالك والشافعي، بتحريمه. قال: ولا ريب في PageV01P278 # القطع بتحريمه، ثم ذكر الأحاديث في ذلك. إلى أن قال: فهذه المساجد ~~المبنية على قبور الأنبياء والصالحين، أو الملوك وغيرهم، تتعين إزالتها ~~بهدم أو بغيره هذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء المعروفين". # وقال ابن القيم: "يجب هدم القباب التي على القبور، لأنها أسست على معصية ~~الرسول صلى الله عليه وسلم". وقال أبو حفص: "تحرم الحجرة بل تهدم. فإذا كان ~~هذا كلامه في الحجرة فكيف بالقبة". وقال الشافعي: "أكره أن يعظم مخلوق، حتى ~~يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة عليه، وعلى من بعده من الناس". وقال أيضا: ~~"تسطح القبور ولا تبنى ولا ترفع، وتكون على وجه الأرض. وقد أفتى جماعة من ~~الشافعية بهدم ما في القرافة من الأبنية، منهم ابن الجميزي والظهير ~~التزمنتي وغيرهما". وقال القاضي ابن كج: "ولا يجوز أن تجصص القبور، ولا أن ~~يبنى عليها ms241 قباب ولا غير قباب، والوصية بها باطلة". وقال الأذرعي: "وأما ~~بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وإنفاق الأموال ~~الكثيرة، فلا ريب في تحريمه". # قلت: وجزم النووي في "شرح المهذب" بتحريم البناء مطلقا، وذكر في "شرح ~~مسلم" نحوه أيضا. وقال القرطبي في حديث جابر: "نهى أن يجصص القبر أو يبنى ~~عليه، وبظاهر هذا الحديث قال مالك، وكره البناء والجص على القبور، وقد ~~أجازه غيره، وهذا الحديث حجة عليه، ووجه النهي عن البناء والتجصيص في ~~القبور أن ذلك مباهاة، واستعمال زينة الدنيا في أول منازل الآخرة، وتشبه ~~بمن كان يعبد القبور ويعظمها، وباعتبار هذه المعاني وبظاهر هذا النص ينبغي ~~أن يقال: هو حرام كما قال به بعض أهل العلم". وقال ابن رشد: "كره مالك ~~البناء على القبر، وجعل البلاطة المكتوبة، وهو من بدع أهل الطول، أحدثوه ~~إرادة الفخر والمباهاة والسمعة، # PageV01P279 # وهو مما لا اختلاف فيه". وقال الزيلعي في "شرح الكنز": "ويكره أن يبنى ~~على القبر. وفي "الخلاصة" ولا يجصص القبر ولا يطين، ولا يرفع عليه بناء". ~~وذكر أيضا قاضي خان "أنه لا يجصص القبر، ولا يبنى عليه، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن التجصيص وعن البناء فوق القبر، والمراد ~~بالكراهة عند الحنفية كراهة التحريم التي هي في مقابلة ترك الواجب". وقد ~~ذكر ذلك ابن نجيم في "شرح الكنز". "ومثل هذا كثير في كلام العلماء أتباع ~~الأئمة الأربعة وغيرهم، والمقصود أن كلام العلماء موافق لما دلت عليه السنة ~~الصحيحة في النهي عن البناء على القبور". # واعلم أنه قد وقع بسبب البناء على القبور من المفاسد التي لا يحيط بها ~~على التفصيل إلا الله، ما يغضب من أجله كل من في قلبه رائحة إيمان، كما نبه ~~عليه ابن القيم وغيره. # فمنها: اعتيادها للصلاة عندها، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. # ومنها: تحري الدعاء عندها. ويقولون: من دعا الله عند قبر فلان استجاب له، ~~وقبر فلان الترياق المجرب، وهذا بدعة منكرة. # ومنها: ظنهم أن لها ms242 خصوصيات بأنفسها في دفع البلاء وجلب النعماء. ~~ويقولون: إن البلاء يدفع عن أهل البلدان بقبور من فيها من الصالحين، ولا ~~ريب أن هذا مخالف للكتاب والسنة والإجماع. فالبيت المقدس كان عنده من قبور ~~الأنبياء والصالحين ما شاء الله، فلما عصوا الرسول وخالفوا ما أمرهم الله ~~به، سلط الله عليهم من انتقم منهم. وكذلك أهل المدينة لما تغيروا بعض ~~التغير، جرى عليهم عام الحرة من النهب والقتل وغير ذلك # PageV01P280 # من المصائب ما لم يجر عليهم قبل ذلك. وهذا أكثر من أن يحصر. # ومنها: الدخول في لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم باتخاذ المساجد عليها ~~وإيقاد السرج عليها. # ومنها: أن ذلك يتضمن عمارة المشاهد، وخراب المساجد، كما هو الواقع، ودين ~~الله بضد ذلك. # ومنها: اجتماعهم لزيارتها واختلاط النساء بالرجال، وما يقع في ضمن ذلك من ~~الفواحش وترك الصلوات، ويزعمون أن صاحب التربة تحملها عنهم، بل اشتهر أن ~~البغايا يسقطن أجرتهن على البغاء في أيام زيارة المشايخ، كالبدوي وغيره ~~تقربا إلى الله بذلك، فهل بعد هذا في الكفر غاية؟ # ومنها: كسوتها بالثياب النفيسة المنسوجة بالحرير والذهب والفضة ونحو ذلك. # ومنها: جعل الخزائن والأموال ووقف الوقوف لما يحتاج إليه من ترميمها ونحو ~~ذلك. # ومنها: إهداء الأموال ونذر النذور لسدنتها العاكفين عليها الذين هم أصل ~~كل بلية وكفر، فإنهم الذين يكذبون على الجهال والطغام بأن فلانا دعا صاحب ~~التربة فأجابه، واستغاثه فأغاثه، ومرادهم بذلك تكثير النذر والهدايا لهم. # ومنها: جعل السدنة لها كسدنة عباد الأصنام. # ومنها: الإقسام على الله في الدعاء بالمدفون فيها. # ومنها: أن كثيرا من الزوار إذا رأى البناء الذي على قبر صاحب التربة سجد ~~له. ولا ريب أن هذا كفر بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، بل هذا هو عبادة ~~الأوثان، لأن السجود للقبة عبادة لها، وهو من جنس عبادة النصارى للصور التي ~~في كنائسهم على صور من يعبدونه بزعمهم الباطل، فإنهم عبدوها ومن هي صورته، ~~وكذلك # PageV01P281 # عباد القبور لما بنوا القباب على القبور آل بهم إلى أن عبدت القباب ومن ~~بنيت ms243 عليه من دون الله عز وجل. # ومنها: النذر للمدفون فيها، وفرض نصيب من المال والولد، وهذا هو الذي قال ~~الله فيه: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركائنا ... } 1. بل هذا أبلغ فإن المشركين ما كانوا يبيعون ~~أولادهم لأوثانهم. # ومنها: أن المدفون فيها أعظم في قلوب عباد القبور من الله وأخوف، ولهذا ~~لو طلبت من أحدهم اليمين بالله تعالى أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو ~~صادقا، وإذا طلبت بصاحب التربة لم يقدم إن كان كاذبا. ولا ريب أن عباد ~~الأوثان ما بلغ شركهم إلى هذا الحد، بل كانوا إذا أرادوا تغليظ اليمين، ~~غلظوها بالله كما في قصة القسامة وغيرها. # ومنها: سؤال الميت قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والإخلاص له من دون ~~الله في أكثر الحالات. # ومنها: التضرع عند مصارع الأموات والبكاء بالهيبة والخشوع لمن فيها أعظم ~~مما يفعلونه مع الله في المساجد والصلوات. # ومنها: تفضيلها على خير البقاع وأحبها إلى الله وهي المساجد، فيعتقدون أن ~~العبادة والعكوف فيها أفضل من العبادة والعكوف في المساجد، وهذا أمر ما بلغ ~~إليه شرك الأولين، فإنهم يعظمون المسجد الحرام أعظم من بيوت الأصنام يرون ~~فضله عليها، وهؤلاء يرون العكوف في المشاهد أفضل من العكوف في المساجد. # ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور إنما هو ~~تذكرة الآخرة، كما قال: "زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة" 2. والإحسان ~~إلى المزور بالترحم عليه، والدعاء له PageV01P282 # والاستغفار، وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت، ~~فقلب عباد القبور الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك ~~بالميت ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم ونصرهم على الأعداء ونحو ذلك. ~~فصاروا مسيئين إلى نفوسهم وإلى الميت ولو لم يكن إلا بحرمانه بركة ما شرعه ~~الله من الدعاء والترحم عليه والاستغفار له. # ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله عباد القبور بها، فإنه يؤذيهم ما يفعلونه ~~عند قبورهم ويكرهونه غاية الكراهة، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما ~~يفعله النصارى، وكذلك غيره من ms244 الأنبياء والأولياء يؤذيهم ما يفعله أشباه ~~النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم كما قال تعالى: {ومن أضل ~~ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم ~~غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين} 1. # ومنها: محادة الله ورسوله ومناقضة ما شرعه فيها. # ومنها: التعب العظيم مع الوزر الكبير، والإثم العظيم، وكل هذه المفاسد ~~العظيمة وغيرها مما لم يذكر، إنما حدثت بسبب البناء على القبور، ولهذا تجد ~~القبور التي ليس عليها قباب لا يأتيها أحد ولا يعتادها لشيء مما ذكر إلا ما ~~شاء الله، وصاحب الشرع أعلم بما يؤول إليه هذا الأمر، فلذلك غلظ فيه وأبدأ ~~وأعاد، ولعن من فعله، فالخير والهدى في طاعته، والشر والضلال في معصيته ~~ومخالفته. والعجب ممن يشاهد هذه المفاسد العظيمة عند القبور، ثم يظن أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، ~~كما يظنه بعض متأخري الفقهاء، ولو كان ذلك لأجل النجاسة لكان ذكر المجازر ~~والحشوش بل ذكر التحرز من البول والغائط أولى. وإنما ذلك لأجل نجاسة الشرك ~~التي وقعت من عباد PageV01P283 # القبور لما خالفوا ذلك ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما ~~يشترون. # PageV01P284 # [15 ### | - باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله] # ش: أراد المصنف رحمه الله بهذه الترجمة أمورا: # الأول: التحذير من الغلو في قبور الصالحين. # الثاني: أن الغلو فيها يؤول إلى عبادتها. # الثالث: أنها إذا عبدت سميت أوثانا ولو كانت قبور الصالحين. # الرابع: التنبيه على العلة في المنع من البناء عليها واتخاذها مساجد ~~والأوثان هي المعبودات التي لا صورة لها، كالقبور والأشجار والعمد والحيطان ~~والأحجار ونحوها، وقد تقدم بيان ذلك. # وقيل: الوثن هو الصنم، والصنم هو الوثن، وهذا غير صحيح إلا مع التجريد، ~~فأحدهما قد يعني به الآخر، وأما مع الاقتران، فيفسر كل واحد بمعناه. # قال: روى مالك في "الموطأ" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم ~~لا ms245 تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" 1. # ش: هذا الحديث رواه مالك في "باب جامع الصلاة" مرسلا عن زيد بن أسلم عن ~~عطاء بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله. ورواه ابن أبي شيبة في ~~"مصنفه" عن أبي خالد الأحمر عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم به ولم يذكر عطاء. ~~ورواه البزار عن عمر بن محمد عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، ~~وعمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ثقة من أشراف أهل ~~المدينة روى عنه مالك والثوري وسليمان بن بلال، فالحديث صحيح عند من يحتج ~~بمراسيل الثقات. وعند من قال PageV01P284 # بالمسند لإسناد عمر بن محمد له بلفظ "الموطأ" سواء، وهو ممن تقبل زيادته. ~~وله شاهد عند الإمام أحمد والعقيلي من طريق سفيان عن حمزة ابن المغيرة عن ~~سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رفعه: "اللهم لا تجعل قبري وثنا ~~يعبد، لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1. # قوله: (روى مالك في "الموطأ") ، هو الإمام مالك بن أنس بن مالك ابن أبي ~~عامر بن عمر الأصبحي أبو عبد الله المدني الفقيه، إمام دار الهجرة وأحد ~~الأئمة الأربعة، وأحد المتقنين في الحديث، حتى قال البخاري: أصح الأسانيد ~~كلها: مالك عن نافع عن ابن عمر. مات سنة تسع وسبعين ومائة. وكان مولده سنة ~~ثلاث وتسعين. وقال الواقدي: بلغ تسعين سنة. # قوله: (اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد) . قد استجاب الله دعاء رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فمنع الناس من الوصول إلى قبره لئلا يعبد استجابة لدعاء ~~رسوله صلى الله عليه وسلم. كما قال ابن القيم: # فأجاب رب العالمين دعاءه ... وأحاطه بثلاثة من الجدران # ودل الحديث على أن قبر الرسول صلى الله عليه وسلم لو عبد لكان وثنا، فما ~~ظنك بقبر غيره من القبور التي عبدت هي وأربابها من دون الله، وإذا أريد ~~تغيير شيء من ذلك أنف عبادها، واشمأزت قلوبهم، واستكبرت ms246 نفوسهم، وقالوا: ~~تنقص أهل الرتب العالية، ورموهم بالعظائم، فماذا يقولون لو قيل لهم: إنها ~~أوثان تعبد من دون الله؟! فالله المستعان على غربة الإسلام، وهذه هي الفتنة ~~العظمى التي قال فيها عبد الله بن مسعود: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم ~~فيها الكبير، وينشأ فيها الصغير، تجري على الناس يتخذونها سنة، إذا غيرت". ~~قيل: غيرت السنة. # ويؤخذ من الحديث المنع من تتبع آثار الأنبياء والصالحين PageV01P285 # كقبورهم ومجالسهم، ومواضع صلاتهم للصلاة، والدعاء عندها، فإن ذلك من ~~البدع، أنكره السلف من الصحابة والتابعين وغيرهم. ولا نعلم أحدا أجازه أو ~~فعله إلا ابن عمر على وجه غير معروف عند عباد القبور، وهو إرادة التشبه ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة فيما صلى فيه ونحو ذلك. ومع ذلك ~~فلا نعلم أحدا وافقه عليه من الصحابة، بل خالفه أبوه وغيره، لئلا يفضي ذلك ~~إلى اتخاذها أوثانا كما وقع. قال ابن عبد الباقي [الزرقاني] في "شرح ~~الموطأ" روى أشهب عن مالك أنه كره لذلك أن يدفن في المسجد قال: "وإذا منع ~~من ذاك فسائر آثاره أحرى بذلك". وقد كره مالك طلب موضع شجرة بيعة الرضوان ~~مخالفة لليهود والنصارى. انتهى. # قال ابن وضاح: سمعت عيسى بن يونس يقول: "أمر عمر بن الخطاب بقطع الشجرة ~~التي بويع تحتها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعها، لأن الناس كانوا يذهبون ~~فيصلون تحتها، فخاف عليهم الفتنة". قال عيسى بن يونس: وهو عندنا من حديث ~~ابن عون عن نافع: أن الناس كانوا يأتون الشجرة فقطعها عمر رضي الله عنه. # وقال "المعرور بن سويد: صليت مع عمر بن الخطاب في طريق مكة صلاة الصبح، ~~فقرأ فيها: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} ، [الفيل: 1] ، و {لإيلاف ~~قريش} ، [قريش: 1] ، ثم رأى الناس يذهبون مذاهب فقال: أين يذهب هؤلاء؟ ~~فقيل: يا أمير المؤمنين مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم ~~يصلون فيه، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يتتبعون آثار ~~أنبيائهم، ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته الصلاة ms247 في هذه المساجد فليصل، ~~ومن لا فليمض ولا يتعمدها". # PageV01P286 # وفي "مغازي ابن إسحاق" من زيادات يونس بن بكير عن أبي خلدة: خالد بن ~~دينار، حدثنا "أبو العالية قال: لما فتحنا تستر [سنة: 17ه] . وجدنا في بيت ~~مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، فأخذنا المصحف فحملناه إلى ~~عمر، فدعا له كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل قرأه من العرب، قرأته مثل ~~ما أقرأ القرآن، فقلت لأبي العالية: ما كان فيه؟ قال: سيرتكم وأموركم ولحون ~~كلامكم، وما هو كائن بعد. قلت: فما صنعتم بالرجل؟ قال: حفرنا له بالنهار ~~ثلاثة عشر قبرا متفرقة فلما كان بالليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه ~~على الناس لا ينبشونه قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم ~~برزوا بسريره فيمطرون. فقلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: رجل يقال له: ~~دانيال. فقلت: منذ كم وجدتموه مات؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما كان ~~تغير منه شيء؟ قال: لا إلا شعيرات من قفاه، إن لحوم الأنبياء لا تبليها ~~الأرض". # قال ابن القيم رحمه الله تعالى: ففي هذه القصة ما فعله المهاجرون ~~والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولم يبرزوه للدعاء عنده والتبرك به، ~~ولو ظفر به المتأخرون لجالدوا عليه بالسيوف ولعبدوه من دون الله. # قال شيخ الإسلام رحمه الله: وهو إنكار منهم لذلك، فمن قصد بقعة يرجو ~~الخير بقصدها ولم يستحب الشارع قصدها، فهو من المنكرات، وبعضه أشد من بعض، ~~سواء قصدها ليصلي عندها، أو ليدعوا عندها # PageV01P287 # أو ليقرأ عندها، أو ليذكر الله عندها، أو ليسكن عندها بحيث يخص تلك ~~البقعة بنوع من العبادة التي لم يشرع تخصيصها به لا نوعا ولا عينا، لأن ذلك ~~قد يجوز بحكم الاتفاق لا لقصد الدعاء فيها، كمن يدعو الله في طريقه، ويتفق ~~أن يمر في طريقه بالقبور أو كمن يزورها ويسلم عليها، ويسأل الله العافية له ~~وللموتى كما جاءت به السنة، فإن ذلك ونحوه لا بأس به. # وأما تحري الدعاء عندها بحيث يستشعر أن الدعاء هناك ms248 أجوب منه في غيره، ~~فهذا هو المنهي عنه. والفرق بين النوعين ظاهر، فإن الرجل لو كان يدعو الله ~~واجتاز في ممره بصنم أو صليب أو كنيسة أو دخل إليها ليبيت فيها مبيتا جائزا ~~ودعا الله في الليل، أو أتى بعض أصدقائه ودعا الله في بيته لم يكن بهذا ~~بأس. ولو تحرى الدعاء عند هذه المواضع لكان من العظائم بل قد يكون كفرا. # قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 1 هذه الجملة ~~بعد الأولى تنبيه على سبب لحوق اللعن بهم، وهو توسلهم بذلك إلى أن تصير ~~أوثانا تعبد. ففيه إشارة إلى ما ترجم له المصنف، وفيه تحريم البناء على ~~القبور، وتحريم الصلاة عندها. # وقد روى أصحاب مالك عنه أنه كره أن يقول القائل: زرت قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وعلل وجه الكراهة بقوله: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد ~~غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" 2 فكره إضافة هذا اللفظ إلى ~~القبر لئلا يقع التشبه بفعل أولئك سدا للذريعة، وحسما للباب. ذكره [المحب] ~~الطبري [في القرى 629] . وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما ~~يخاف وقوعه. ذكره المصنف. # قال: ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد {أفرأيتم اللات ~~والعزى} 3. قال: كان يلت لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره وكذا قال أبو ~~الجوزاء عن ابن عباس: كان يلت السويق للحاج. # ش: قوله: (ولابن جرير) . هو الإمام الحافظ محمد بن جرير بن PageV01P288 # يزيد الطبري صاحب "التفسير" و "التاريخ" وغيرهما. قال ابن خزيمة: لا أعلم ~~على الأرض أعلم من محمد بن جرير، وكان من الأئمة المجتهدين، لا يقلد أحدا ~~وله أصحاب يتفقهون على مذهبه. ولد سنة أربع وعشرين ومائتين، ومات ليومين ~~بقيا من شوال سنة عشر وثلاثمائة. # قوله: (عن سفيان) . هو أحد السفيانين، إما ابن عيينة وإما الثوري، فإن ~~كان ابن عيينة فقد تقدمت ترجمته، وإن كان الثوري وهو الأظهر فهو سفيان بن ~~سعيد بن مسروق أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ ms249 فقيه إمام حجة عابد. وكان ~~مجتهدا، له أتباع وأصحاب يتفقهون على مذهبه. مات سنة إحدى وستين ومائة، وله ~~أربع وستون سنة. # قوله: (عن منصور) . هو ابن المعتمر بن عبد الله السلمي أبو عتاب -بمثناة ~~ثقيلة ثم موحدة- الكوفي، ثقة ثبت فقيه. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # قوله: (عن مجاهد هو ابن جبر) -بالجيم والموحدة- أبو الحجاج المخزومي ~~مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير والعلم، أخذ التفسير عن ابن عباس وغيره. # مات سنة أربع ومائة، قاله يحيى القطان، وقال ابن حبان: مات سنة اثنتين أو ~~ثلاث ومائة وهو ساجد، وكان مولده سنة إحدى وعشرين في خلافة عمر رضي الله ~~عنه. # قوله: (كان يلت لهم السويق فمات) ، فعكفوا على قبره. لت السويق هو خلطه ~~بسمن ونحوه. وقد قيل: إن اسم الرجل صرمة بن غنم، وعن ابن عباس: كان يلت ~~السويق على الحجر فلا يشرب منه أحد إلا سمن فعبدوه، رواه ابن أبي حاتم. # وعن مجاهد: كان اللات رجلا في الجاهلية، وكان له غنم فكان يسلؤ من رسلها # PageV01P289 # ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل منه حيسا ويطعم من يمر من الناس، ~~فلما مات عبدوه وقالوا: هو اللات. وكان يقرأ اللات مشددة، رواه سعيد بن ~~منصور والفاكهي. # قوله: (وكذا قال أبو الجوزاء ... ) إلى آخره. هو أوس بن عبد الله الربعي، ~~بفتح الراء والباء، ثقة مشهور، مات سنة ثلاث وثمانين. # وهذا الأثر ذكره المصنف ولم يعزه، وقد رواه البخاري، ولا تخالف بين هذا ~~التفسير والقراءة وبين قراءة من قرأ بالتخفيف. وقال: إنه كان حجرا فعبدوه، ~~واشتقوا له من اسم الله الإله، كما تقدم تقريره في باب: من تبرك بشجرة. ~~وأيضا فيجاب على الأول بأن أصله التشديد، وخفف لكثرة الاستعمال، وأما كونهم ~~اشتقوا هذا الاسم من اسم الله الإله، فلا ينافي ذلك أيضا، فقد رأيت أن سبب ~~عبادة اللات هو الغلو في قبره حتى صار وثنا يعبد، كما كان ذلك هو السبب في ~~عبادة الصالحين: ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر وغيرهم، وكما كان ذلك هو السبب ~~في عبادة ms250 الصالحين من الأموات وغيرهم اليوم، فإنهم غلوا فيهم، وبنوا على ~~قبورهم القباب والمشاهد، وجعلوها ملاذا لقضاء المآرب. # وبالجملة فالغلو أصل الشرك في الأولين والآخرين إلى يوم القيامة. وقد ~~أمرنا الله تعالى بمحبة أوليائه وإنزالهم منازلهم من العبودية، وسلب خصائص ~~الإلهية عنهم، وهذا غاية تعظيمهم وطاعتهم، ونهانا عن الغلو فيهم، فلا ~~نرفعهم فوق منزلتهم، ولا نحطهم منها لما يعلمه تعالى في ذلك من الفساد ~~العظيم، فما وقع الشرك إلا بسبب الغلو فيهم، فإن الشرك بهم غلو فيهم، ~~وأنزلوهم منازل الإلهية، وعصوا أمرهم، وتنقصوهم في صورة التعظيم لهم، فتجد ~~أكثر هؤلاء الغالين فيهم، العاكفين على قبورهم، # PageV01P290 # معرضين عن طريقة من فيها وهديه وسنته، عائبين لها مشتغلين بقبورهم عما ~~أمروا به ودعوا إليه. # وتعظيم الأنبياء والصالحين ومحبتهم إنما هي باتباع ما دعوا إليه من العلم ~~النافع والعمل الصالح، واقتفاء آثارهم، وسلوك طريقتهم دون عبادتهم وعبادة ~~قبورهم، والعكوف عليها كالذين يعكفون على الأصنام واتخاذها أعيادا ومجامع ~~للزيارات والفواحش وترك الصلوات، فإن من اقتفى آثارهم كان متسببا في تكثير ~~أجورهم باتباعه لهم، ودعوته الناس إلى اتباعهم; فإذا أعرض عما دعوا إليه ~~واشتغل بضده حرم نفسه وحرمهم ذلك الأجر. # فأي تعظيم لهم واحترام في هذا؟! # قال: وعن ابن عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور ~~والمتخذين عليها المساجد والسرج" 1. رواه أهل السنن. # ش: قوله: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور" 2. أي: من ~~النساء وهذا يدل على تحريم زيارة القبور عليهن كما هو مذهب أحمد وطائفة. ~~وقيل في تعليل ذلك: إنه يخرجها إلى الجزع والندب والنياحة والافتتان بها ~~وبصورتها وتأذي الميت ببكائها، كما في حديث آخر: "فإنكن تفتن الحي وتؤذين ~~الميت". وإذا كان زيارة النساء مظنة وسببا للأمور المحرمة في حقهن وحق ~~الرجال، وتقدير ذلك غير مضبوط، لأنه لا يمكن حد المقدار الذي لا يفضي إلى ~~ذلك ولا التمييز بين نوع ونوع. # ومن أصول الشريعة أن الحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، ~~فتحرم سدا للذريعة، كما حرم ms251 النظر إلى الزينة الباطنة لما في ذلك من ~~الفتنة، وكما حرمت الخلوة بالأجنبية، وليس في زيارتها من المصلحة ما يعارض ~~هذه المفسدة، لأنه ليس في زيارتها إلا دعواها للميت أو اعتبارها به، وذلك ~~ممكن في بيتها. # وقد روى الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم عن حسان بن ثابت مرفوعا: "لعن ~~رسول الله زوارات القبور" 3. وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لعن زوارات القبور" 4. رواه أحمد PageV01P291 # وابن ماجة، والترمذي وصححه، وضعفه عبد الحق، وحسنه ابن القطان. ولا يعارض ~~هذا حديث: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" رواه مسلم وغيره; لأن هذا ~~إن سلم دخول النساء فيه، فهو عام والأول خاص، والخاص مقدم عليه، وأيضا ففي ~~دخول النساء في خطاب الذكور خلاف عند الأصوليين. # قوله: "والمتخذين عليها المساجد" 1 تقدم في الباب قبله شرحه وتعليله. # قوله: (والسرج) . هذا دليل على تحريم اتخاذ السرج على القبور. # قال أبو محمد المقدسي: لو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من فعله، لأن ~~فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور، أشبه تعظيم ~~الأصنام. وقال ابن القيم: اتخاذها مساجد وإيقاد السرج عليها من الكبائر. # ووجه إيراد المصنف هذا الحديث في هذا الباب دون الذي قبله، هو أنه لعن ~~المتخذين عليها المساجد والسرج، وقرن بينهما، فهما قرينان في اللعنة، فدل ~~ذلك على أنه ليس المنع من اتخاذ المساجد عليها لأجل النجاسة، بل لأجل نجاسة ~~الشرك، ولذلك قرن بينه وبين من لا سراج عليها، وليس النهي عن الإسراج لأجل ~~النجاسة، فكذلك البناء. # قوله: (رواه أهل "السنن") يعني هنا أبا داود، وابن ماجة، والترمذي فقط، ~~ولم يروه النسائي. PageV01P292 # [16- ### | باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك # الجناب: هو الجانب. واعلم أن في الأبواب المتقدمة شيئا من حمايته صلى ~~الله عليه وسلم لجناب التوحيد، ولكن أراد المصنف هنا بيان حمايته # PageV01P292 # الخاصة. ولقد بالغ صلى الله عليه وسلم وحذر وأنذر، وأبدأ وأعاد، وخص وعم ~~في حماية ms252 الحنيفية السمحة التي بعثه الله بها، فهي حنيفية في التوحيد، سمحة ~~في العمل، كما قال بعض العلماء: هي أشد الشرائع في التوحيد والإبعاد عن ~~الشرك، وأسمح الشرائع في العمل. # قال: وقوله تعالى: {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ... } 1. # ش: قوله: {لقد جاءكم رسول} 2. هذا خطاب من الله تعالى للعرب في قول ~~الجمهور، وهذا على جهة تعديده نعمه عليهم، إذ جاءهم بلسانهم، وبما يفهمونه ~~من الأغراض والفصاحة، وشرفوا به أبد الآبدين. # وقوله: رسول، أي: رسول عظيم أرسله الله إليكم من أنفسكم، أي: ترجعون معه ~~إلى نفس واحدة، لأنه وأنتم من أب قريب، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه ~~السلام أنه قال: {ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم} 3. وذلك أقرب وأسرع إلى فهم ~~الحجة، وأبعد من المحك واللجاجة، وهذا يقتضي مدحا لنسب النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأنه من صميم العرب. # قال جعفر بن محمد في قوله: {من أنفسكم} قال: لم يصبه شيء من ولادة ~~الجاهلية. # وقوله: {عزيز عليه} 4 أي: شديد عليه جدا ما عنتم، أي: عنتكم وهو لحاق ~~الأذى الذي يضيق به الصدر، ولا يهتدي للمخرج، وهي هنا لفظ عام أي: ما شق ~~عليكم من كفر وضلال وقتل وأسر وامتحان بسبب الحق. و"ما" مصدرية وهي مبتدأ، ~~و "عزيز" خبر مقدم، ويجوز أن يكون "ما عنتم" فاعلا ب "عزيز" و "عزيز" صفة ~~للرسول، وهذا أصوب. PageV01P293 # وقوله: {حريص عليكم} أي: بليغ الحرص عليكم، أي: على نفعكم وإيمانكم ~~وهداكم. والمعنى: شدة طلب الشيء على الاجتهاد فيه. # وروى الطبراني بإسناد جيد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: "تركنا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وما طائر يقلب جناحيه في الهوى إلا وهو يذكر لنا منه ~~علما. قال: وقال: "ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بينته ~~لكم". # وروى مسلم في "صحيحه" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "مثلي كمثل رجل استوقد ms253 نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه ~~الدواب التي في النار يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها قال: ~~"فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار. هلم عن النار، هلم عن النار، ~~فتغلبونني وتقحمون فيها" 1. # وقوله: {بالمؤمنين} ، أي: لا بغيرهم، كما يفيده تقديم الجار رؤءوف، أي: ~~بليغ الشفقة. قال أبو عبيدة: الرأفة أرق الرحمة (رحيم) . أي: بليغ الرحمة، ~~كما هو اللائق بشريف منصبه، وعظيم خلقه، فتأمل هذه الآية وما فيها من ~~أوصافه الكريمة ومحاسنه الجمة التي تقتضي أن ينصح لأمته، ويبلغ البلاغ ~~المبين، ويسد الطرق الموصلة إلى الشرك، ويحمي جناب التوحيد غاية الحماية، ~~ويبالغ أشد المبالغة في ذلك لئلا تقع الأمة في الشرك، وأعظم ذلك الفتنة ~~بالقبور، فإن الغلو فيها هو الذي جر الناس في قديم الزمان وحديثه إلى ~~الشرك، لا جرم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وحمى جناب التوحيد حتى في ~~قبره الذي هو أشرف القبور، حتى نهى عن جعله عيدا، ودعا الله أن لا يجعله ~~وثنا يعبد. # وفي الآية مسائل: # منها: التنبيه على هذه النعمة العظيمة، وهي PageV01P294 # إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم فينا، كما قال تعالى: {لقد من الله على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم ~~الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} 1. # ومنها: كونه منا نعمة أخرى عظيمة. # ومنها: كونه بهذه الصفات نعم متعددة. # ومنها: مدح نسبه صلى الله عليه وسلم فهو أشرف العرب بيتا ونسبا. # ومنها: رأفته بالمؤمنين. # ومنها: غلظته على الكفار والمنافقين. # قال: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا ~~بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ~~كنتم" 2. رواه أبو داود بإسناد حسن. رواته ثقات. # ش قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" 3. قال شيخ الإسلام نور الله ضريحه: ~~أي: لا تعطلوها من الصلاة فيها والدعاء والقراءة فتكون بمنزلة القبور، فأمر ~~بتحري العبادة في البيوت، ونهى عن تحريها عند القبور، عكس ما يفعله ms254 ~~المشركون من النصارى، ومن تشبه بهم. # وفي "الصحيحين" عن ابن عمر مرفوعا "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا ~~تتخذوها قبورا" 4. # وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر مرفوعا "لا تجعلوا بيوتكم مقابر، فإن الشيطان ~~يفر من البيت الذي يسمع سورة البقرة تقرأ فيه" 5. # وفيه أن الصلاة في المقبرة لا تجوز، وأن التطوع في البيت أفضل منه في ~~المسجد. وفي حديث أبي هريرة الذي ذكرنا كراهة القراءة في المقابر، وكل هذا ~~إبعاد لأمته عن الشرك. # قوله: "ولا تجعلوا قبري عيدا" 6. قال شيخ الإسلام: "العيد اسم لما يعود ~~من الاجتماع العام على وجه معتاد، عائدا إما بعود السنة أو بعود الأسبوع أو ~~الشهر ونحو ذلك وتقدم ذلك". # وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "العيد ما يعتاد مجيئه PageV01P295 # وقصده من زمان ومكان، مأخوذ من المعاودة والاعتياد، فإن كان اسما للمكان ~~فهو المكان الذي يقصد فيه الاجتماع وانتيابه للعبادة أو لغيرها، كما أن ~~المسجد الحرام ومنى ومزدلفة وعرفة والمشاعر جعلها الله عيدا للحنفاء ~~ومثابة، كما جعل أيام العيد فيها عيدا، وكان للمشركين أعياد زمانية ~~ومكانية، فلما جاء الله بالإسلام أبطلها وعوض الحنفاء منها عيد الفطر وعيد ~~النحر وأيام مني، كما عوضهم عن أعياد المشركين المكانية بالكعبة ومنى ~~ومزدلفة وعرفة والمشاعر". # وقال غيره: "هذا أمر بملازمة قبره والعكوف عنده واعتياد قصده وانتيابه، ~~ونهى أن يجعل كالعيد الذي إنما يكون في العام مرة أو مرتين، فكأنه قال: لا ~~تجعلوه كالعيد الذي يكون من الحول إلى الحول، واقصدوه كل ساعة وكل وقت". # قال ابن القيم رحمه الله: "وهذا مراغمة ومحادة ومناقضة لما قصده الرسول ~~صلى الله عليه وسلم وقلب للحقائق، ونسبة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ~~التلبيس والتدليس بعد التناقض، فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون. ولا ريب ~~أن من أمر الناس باعتياد أمر وملازمته وكثرة انتيابه بقوله: لا تجعلوا ~~عيدا، فهو إلى التلبيس وضد البيان أقرب منه إلى الدلالة والبيان، وهكذا ~~غيرت أديان الرسل، ولولا أن الله أقام لدينه الأنصار والأعوان الذابين عنه، ~~لجرى عليه، ما ms255 جرى على الأديان قبله. ولو أراد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، ويلعن ~~فاعل ذلك، فإنه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها، فكيف يأمر ~~بملازمتها والعكوف عندها وأن يعتاد قصدها وانتيابها؟! ولا تجعل كالعيد الذي ~~يجيء من الحول إلى الحول وكيف يسأل ربه أن لا يجعل قبره وثنا يعبد، وكيف ~~يقول أعلم الخلق بذلك: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا، وكيف ~~يقول: "لا تجعلوا قبري # PageV01P296 # عيدا، وصلوا علي حيثما كنتم" 1. وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك ما ~~فهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف؟! وهذا أفضل التابعين من ~~أهل بيته علي بن الحسين رضي الله عنهما، نهى ذلك الرجل أن يتحرى الدعاء عند ~~قبره صلى الله عليه وسلم واستدل بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه ~~الحسين عن جده علي رضي الله عنهما، وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك ~~ابن عمه الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته، كره أن يقصد الرجل القبر إذا لم يكن ~~يريد المسجد، ورأى أن ذلك من اتخاذه عيدا. انتهى. # قلت: وكيف يريد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى ويعبر عنه بهذا ~~الكلام، مع أنه أفصح الخلق وأنصحهم، وكان يمكنه أن يقول: أكثروا زيارة ~~قبري، أو اجعلوه عيدا تعتادون المجيء إليه والعبادة عنده؟! فظهر بطلان هذا ~~القول. # إذا تبين ذلك، فمعنى الحديث نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص، واجتماع ~~معهود كالعيد الذي يكون على وجه مخصوص، في زمان مخصوص. وذلك يدل على المنع ~~في جميع القبور وغيرها، لأن قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل قبر على ~~وجه الأرض، وقد نهى عن اتخاذه عيدا فقبر غيره أولى بالنهي كائنا من كان. ~~قال المصنف: وفيه النهي عن الإكثار من الزيارة. # قوله: "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم" 2. قال شيخ الإسلام: يشير ~~بذلك إلى أن ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم ms256 من قبري ~~وبعدكم، فلا حاجة بكم إلى اتخاذه عيدا. انتهى. # وقد روى أبو داود عن أبي هريرة مرفوعا: "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله ~~علي روحي حتى أرد عليه السلام" 3؟ وعن أوس بن أوس مرفوعا: "أكثروا من ~~الصلاة علي يوم PageV01P297 # الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي" قالوا: يا رسول الله كيف ~~تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ قال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل لحوم ~~الأنبياء" 1. رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة. # فهذه الأحاديث وغيرها تدل على أن صلاتنا عليه تبلغه سواء كنا عند قبره أو ~~لم نكن، فلا مزية لمن سلم عليه أو صلى عند قبره، كما قال الحسن بن الحسن: ~~ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. # وأما حديث:. فرواه البيهقي [في حياة الأنبياء ص: 15] ، وغيره من حديث ~~العلاء بن عمرو الحنفي: حدثنا أبو عبد الرحمن عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره. قال البيهقي: أبو عبد الرحمن ~~هذا، هو محمد بن مروان السدي فيما أرى، وفيه نظر. # قلت: محمد بن مروان السدي الصغير قال فيه يحيى بن معين: ليس بثقة، وقال ~~الجوزجاني: ذاهب الحديث، وقال النسائي: متروك الحديث، وكذلك قال أبو حاتم ~~الرازي والأزدي. # وقال صالح بن محمد: كان يضع الحديث على أن معناه صحيح معلوم من أحاديث ~~أخر، كإخباره بسماع الموتى لسلام من يسلم عليهم إذا مر على قبورهم. # فإن قيل: إذا سمع سلام المسلم عليه عند قبره حصلت المزية بسماعه. # قيل: هذا لو حصل الوصول إلى قبره، أما وقد منع الناس من الوصول إليه ~~بثلاثة الجدران، فلا تحصل مزية، فسواء سلم عليه عند قبره أو في مسجده إذا ~~دخله، أو في أقصى المشرق والمغرب، فالكل يبلغه، كما وردت به الأحاديث، وليس ~~في شيء منها أنه يسمع صوت المصلي والمسلم بنفسه، إنما فيها أن ذلك يعرض ~~عليه ويبلغه صلى الله عليه وسلم. ومعلوم أنه أراد بذلك الصلاة والسلام الذي ~~أمر به الله، سواء صلى عليه في ms257 مسجده أو في مدينته أو في مكان آخر، فعلم أن ~~PageV01P298 # ما أمر الله به من ذلك فإنه يبلغه، وأما من سلم عليه عند قبره فإنه يرد ~~عليه وذلك كالسلام على سائر المؤمنين ليس هو من خصائصه، ولكن لا يوصل إلى ~~قبره صلى الله عليه وسلم. # قال: وعن علي بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. وقال ألا أحدثكم حديثا سمعته ~~من أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا ~~ولا بيوتكم قبورا، فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم" 1. رواه في " المختارة". # ش: هذان الحديثان جيدان، حسنا الإسنادين، أما الحديث الأول فرواه أبو ~~داود وغيره من حديث عبد الله بن نافع الصائغ قال: أخبرني ابن أبي ذئب عن ~~سعيد المقبري عن أبي هريرة ... فذكره. ورواته ثقات مشاهير، لكن عبد الله بن ~~نافع فيه لين لا يمنع الاحتجاج به. قال ابن معين: هو ثقة، وقال أبو زرعة: ~~لا بأس به. وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالحافظ تعرف وتنكر. قال شيخ الإسلام ~~رحمه الله: ومثال هذا قد يخاف أن يغلط أحيانا، فإذا كان لحديثه شواهد علم ~~أنه محفوظ، وهذا له شواهد متعددة. # وقال الحافظ ابن عبد الهادي: هو حديث حسن جيد الإسناد، وله شواهد كثيرة ~~يرتقي بها إلى درجة الصحة. # وأما الحديث الثاني فرواه أبو يعلى والقاضي إسماعيل والحافظ الضياء في ~~"المختارة". # قال أبو يعلى: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا زيد بن الحباب ثنا جعفر بن ~~إبراهيم من "ولد" ذي الجناحين ثنا علي بن عمر عن PageV01P299 # أبيه عن علي بن حسين ... فذكره. # وعلي بن عمر: هو علي بن عمر بن علي بن الحسين. قال شيخ الإسلام: فانظر ~~كيف هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدينة وأهل البيت الذين لهم من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قرب النسب وقرب الدار، لأنهم إلى ذلك أحوج من ~~غيرهم، فكانوا أضبط. # قلت: وللحديثين شواهد، منها ms258 ما رواه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو خالد الأحمر ~~عن ابن عجلان عن سهيل عن جبير بن حنين قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي حيث ما كنتم فإن ~~صلاتكم تبلغني" 1. وقال سعيد بن منصور: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني ~~سهيل بن أبي سهيل [المدني العابد] ، قال: أتى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء. ~~فقلت: لا أريده. فقال: ما لي رأيتك عند القبر؟ فقلت: سلمت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم. فقال: إذا دخلت المسجد فسلم، ثم قال: إن الرسول صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر وصلوا علي، ~~فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم، لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم ~~مساجد" 2. ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء. ورواه القاضي إسماعيل في كتاب ~~(فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) 3. ولم يذكر: ما أنتم ومن ~~بالأندلس إلا سواء. # وقال سعيد: أيضا حدثنا حبان ابن علي ثنا محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى ~~المهري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا ولا ~~بيوتكم قبورا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" 4. قال شيخ الإسلام: "فهذان ~~المرسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما وقد ~~احتج به من أرسله، وذلك يقتضي PageV01P300 # ثبوته عنده، هذا لو لم يرو من وجوه مسندة غير هذين، فكيف وقد تقدم ~~مسندا". # قوله: (عن علي بن الحسين) . أي: ابن علي بن أبي طالب المعروف بزين ~~العابدين رضي الله عنه وهو أفضل التابعين من أهل بيته وأعلمهم. # قال الزهري: "ما رأيت قرشيا أفضل منه. مات سنة ثلاث وتسعين على الصحيح، ~~وأبوه الحسين سبط النبي صلى الله عليه وسلم وريحانته، وحفظ عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم واستشهد يوم عاشوراء سنة إحدى وستين وله ست وخمسون سنة". # قوله: (إنه رأى رجلا ms259 يجيء إلى فرجة) -هو بضم الفاء وسكون الراء واحدة ~~الفرج- وهي الكوة في الجدار والخوخة ونحوهما. # قوله: (فيدخل فيها فيدعو فنهاه إلى آخر الحديث) . وهذا يدل على النهي عن ~~قصد القبور والمشاهد لأجل الدعاء والصلاة عندها كما تقدم بعض ذلك، لأن ذلك ~~من اتخاذها عيدا كما فهمه علي بن الحسين من الحديث. فنهى ذلك الرجل عن ~~المجيء إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم للدعاء عنده، فكيف بقبر غيره؟! # ويدل أيضا على أن قصد الرجل القبر لأجل السلام إذا لم يكن يريد المسجد من ~~اتخاذه عيدا المنهي عنه، ولهذا لما رأى الحسن بن الحسن سهيلا عند القبر ~~نهاه عن ذلك وذكر له الحديث مستدلا به، وأمر بالسلام عليه عند دخول المسجد. ~~قال شيخ الإسلام: ما علمت أحدا، أي: من علماء السلف رخص فيه، لأن ذلك نوع ~~من اتخاذه عيدا، ويدل أيضا على أن قصد القبر للسلام إذا دخل المسجد ليصلي ~~منهي عنه، لأن ذلك من اتخاذه عيدا، وكره مالك لأهل المدينة كلما دخل إنسان ~~المسجد أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن السلف لم يكونوا يفعلون ~~ذلك. # قال: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، بل كان الصحابة ~~والتابعون # PageV01P301 # يأتون إلى مسجده صلى الله عليه وسلم فيصلون خلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ~~رضي الله عنهم، ثم إذا قضوا الصلاة قعدوا، أو خرجوا ولم يكونوا يأتون القبر ~~للسلام، لعلمهم أن الصلاة والسلام عليه في الصلاة أكمل وأفضل. وأما دخولهم ~~عند قبره للصلاة والسلام عليه هناك، أو للصلاة والدعاء فلم يشرعه لهم بل ~~نهاهم بقوله: "لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني" 1. فبين ~~أن الصلاة تصل إليه من بعد وكذلك السلام. ولعن من اتخذ قبور الأنبياء ~~مساجد، وكانت الحجرة في زمانهم يدخل إليها من الباب إذ كانت عائشة فيها، ~~وبعد ذلك إلى أن بني الحائط الآخر. وهم مع ذلك التمكن من الوصول إلى قبره ~~لا يدخلون إليه لا لسلام ولا لصلاة ولا لدعاء لأنفسهم ولا لغيرهم، ms260 ولا ~~لسؤال عن حديث أو علم، ولا كان الشيطان يطمع فيهم حتى يسمعهم كلاما أو ~~سلاما فيظنون أنه هو كلمهم وأفتاهم وبين لهم الأحاديث أو أنه قد رد عليهم ~~السلام بصوت يسمع من خارج كما طمع الشيطان في غيرهم، فأضلهم عند قبره وقبر ~~غيره، حتى ظنوا أن صاحب القبر يأمرهم وينهاهم ويفتيهم ويحدثهم في الظاهر، ~~وأنه يخرج من القبر ويرونه خارجا من القبر، ويظنون أن نفس أبدان الموتى ~~خرجت تكلمهم، وأن روح الميت تجسدت لهم، فرأوها كما رآهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم ليلة المعراج. # والمقصود أن الصحابة ما كانوا يعتادون الصلاة والسلام عليه عند قبره، كما ~~يفعله من بعدهم من الخلوف، وإنما كان بعضهم يأتي من خارج فيسلم عليه إذا ~~قدم من سفر، كما كان ابن عمر رضي الله عنه يفعل. قال عبيد الله بن عمر عن ~~نافع: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه، ~~ثم ينصرف. قال عبيد الله: ما نعلم أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~فعل ذلك إلا ابن عمر. # وهذا يدل على أنه لا يقف عند القبر للدعاء إذا سلم كما يفعله كثير. قال ~~شيخ الإسلام: إن ذلك لم ينقل عن أحد من PageV01P302 # الصحابة، فكان بدعة محضة. وفي "المبسوط" قال مالك: لا أرى أن يقف عند قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولكن ليسلم ويمضي. والحكاية التي رواها القاضي ~~عياض بإسناده عن مالك في قصته مع المنصور وأنه قال لمالك: يا أبا عبد الله ~~أستقبل القبلة وأدعو أم أستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: ولم ~~تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم إلى الله يوم القيامة، بل ~~استقبله واستشفع به يشفعه الله فيك. فهذه الرواية ضعيفة، أو موضوعة لأن في ~~إسنادها من يتهم محمد بن حميد ومن يجهل حاله. # ونص أحمد أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره ms261 لئلا يستدبره وذلك ~~بعد تحيته والسلام عليه، فظاهر هذا أنه يقف للدعاء بعد السلام. وذكر أصحاب ~~مالك أنه يدعو مستقبلا القبلة يوليه ظهره. # وبالجملة فقد اتفق الأئمة على أنه إذا دعا لا يستقبل القبر، وتنازعوا هل ~~يستقبله عند السلام عليه أم لا؟ ومن الحجة في ذلك ما روى ابن زبالة وهو في ~~"أخبار المدينة" عن عمر بن هارون، عن سلمة بن وردان وهما ساقطان قال: رأيت ~~أنس بن مالك يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسند ظهره إلى جدار ~~القبر، ثم يدعو. # وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره صلى الله عليه وسلم، وإلى ~~غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادا، بل من أعظم أسباب ~~الإشراك بأصحابها، كما وقع من عباد القبور الذين يشدون إليها الرحال، ~~وينفقون في ذلك الكثير من الأموال، وليس لهم مقصود إلا مجرد الزيارة للقبور ~~تبركا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك. # هذه المسألة التي أفتى فيها شيخ الإسلام أعني من سافر لمجرد زيارة قبور ~~الأنبياء والصالحين، ومشاهدهم ونقل فيها اختلاف العلماء في الإباحة والمنع، ~~فمن مبيح لذلك كأبي حامد الغزالي وأبي محمد المقدسي، ومن مانع لذلك كابن ~~بطة وابن عقيل وأبي محمد الجويني والقاضي عياض، وهو قول الجمهور نص عليه ~~مالك ولم يكن يخالفه أحد من الأئمة وهو الصواب. # فقام عليه بعض # PageV01P303 # المعاصرين له كالسبكي ونحوه فنسبه إلى إنكار الزيارة مطلقا وهو لم ينكر ~~منها إلا ما كان بشد رحل، كما أنكره جمهور العلماء قبله، أو الزيارة التي ~~يكون فيها دعاء الأموات والاستغاثة بهم في الملمات، مع ما ينضم إلى ذلك من ~~أنواع المنكرات. # ومما يدل على النهي عن شد الرحال إلى القبور ونحوها ما أخرجاه في ~~"الصحيحين" عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تشد الرحال ~~إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" 1. فدخل ~~في ذلك شدها لزيارة القبور والمشاهد فإما أن يكون نهيا، وإما أن يكون نفيا ~~للاستحباب. # وقد جاء ms262 في رواية في "الصحيح" بصيغة النهي صريحا فتعين أن يكون للنهي. ~~ولهذا فهم منه الصحابة المنع، كما في "الموطأ" و "السنن" عن بصرة بن أبي ~~بصرة الغفاري أنه قال لأبي هريرة وقد أقبل من الطور: لو أدركتك قبل أن تخرج ~~إليه لما خرجت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تعمل المطي إلا ~~إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى" 2. وروى ~~الإمام أحمد وعمر بن شبه في "أخبار المدينة" بإسناد جيد عن قزعة. قال: أتيت ~~ابن عمر فقلت: "إني أريد الطور. فقال: إنما تشد الرحال إلى ثلاثة مساجد: ~~المسجد الحرام، ومسجد المدينة، والمسجد الأقصى، فدع عنك الطور فلا تأته". # وروى أحمد وعمر بن شبه أيضا عن شهر بن حوشب. قال: سمعت أبا سعيد وذكر ~~عنده الصلاة في الطور. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينبغي ~~للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام، ومسجدي ~~هذا، والمسجد الأقصى" 3. # فأبو سعيد جعل الطور مما نهي عن شد الرحال إليه، مع أن اللفظ الذي ذكره ~~إنما فيه النهي عن شدها إلى المساجد، فدل على أنه علم أن غير المساجد أولى ~~بالنهي. والطور إنما يسافر من يسافر إليه لفضيلة البقعة وأن الله تعالى ~~سماه PageV01P304 # {الواد المقدس} و {البقعة المباركة} ، {وكلم الله موسى} هناك. # وهذا ظاهر لا يخفى على أحد ممن يقول بفحوى الخطاب وتنبيهه، وهم الجمهور ~~والأئمة الأربعة وأتباعهم ولهذا لم يوجبوا على من نذر أن يسافر إلى أثر نبي ~~من الأنبياء قبورهم أو غير قبورهم الوفاء بذلك، بل لو سافر إلى مسجد قباء ~~من بلد بعيد لم يكن هذا مشروعا باتفاق الأئمة الأربعة، مع أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان يأتيه كل سبت راكبا وماشيا، وإن كان في وجوب الوفاء ~~بنذر إتيانه خلاف والجمهور على أنه لا يجب. # وقد صرح مالك وغيره بأن من نذر السفر إلى المدينة النبوية إن كان مقصوده ~~الصلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وفى ms263 بنذره، وإن كان مقصوه مجرد ~~زيارة القبر من غير صلاة في المسجد لم يف بنذره. قال: لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "لا تعمل المطي إلا إلى ثلاثة مساجد" 1. ذكره إسماعيل ابن ~~إسحاق في "المبسوط" ومعناه في "المدونة" و "الجلاب" وغيرهما من كتب أصحاب ~~مالك. # وبالجملة فقد تنازع العلماء في جواز شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة، ~~فالجمهور على المنع، وطائفة من المتأخرين على الجواز، فاستحباب شد الرحال ~~إلى القبور والمشاهد والتقرب به إلى الله كما ظنه السبكي وغيره، قول مبتدع ~~مخالف للإجماع قبله، والأحاديث التي احتج بها كحديث: "من زارني بعد وفاتي ~~فكأنما زارني في حياتي"، ونحوها لا يصح منها شيء عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه البتة، بل هي ما بين ضعيف وموضوع، أو كلها ~~موضوعة كما قد بين عللها شيخ الإسلام وغيره. وكثير منها لا يدل على محل ~~النزاع إذ ليس فيه إلا مطلق الزيارة. # وذلك لا ينكره شيخ الإسلام ولا غيره من العلماء، لأنه PageV01P305 # محمول على الزيارة الشرعية الجارية على وفق مراد النبي صلى الله عليه ~~وسلم وهي التي لا يكون فيها شرك ولا شد رحل إلى قبر، وبتقدير ثبوتها لا تدل ~~على شد الرحال إلى قبر غيره، والسبكي أجاز ذلك في سائر القبور فخالف ~~الأحاديث وخرق الإجماع، والله أعلم. # قال المصنف: وفيه أنه صلى الله عليه وسلم في البرزخ تعرض عليه أعمال أمته ~~في الصلاة والسلام. # قوله: رواه في "المختارة" المختارة: كتاب جمع فيه مؤلفه الأحاديث الجياد ~~الزائدة على "الصحيحين" ومؤلفه هو أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي ~~الحافظ ضياء الدين الحنبلي، أحد أعلام الإسلام وحفاظ الحديث. قال الذهبي ~~أفنى عمره في هذا الشأن مع الدين المتين والورع والفضيلة التامة والثقة ~~والإتقان، انتفع الناس بتصانيفه والمحدثون بكتبه فالله يرحمه ويرضى عنه. ~~وقال شيخ الإسلام: تصحيحه في "مختاراته" خير من تصحيح الحاكم بلا ريب. مات ~~سنة ثلاث وأربعين وستمائة. # PageV01P306 # [17- ### | باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبدون ms264 الأوثان # ش: أراد المصنف بهذه الترجمة الرد على عباد القبور، الذين يفعلون الشرك ~~ويقولون: إنه لا يقع في هذه الأمة المحمدية وهم يقولون: لا إله إلا الله ~~محمد رسول الله. فبين في هذا الباب من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه ~~وسلم ما يدل على تنوع الشرك في هذه الأمة ورجوع كثير منها إلى عبادة ~~الأوثان، وإن كانت طائفة منها لا تزال على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي ~~أمر الله تبارك وتعالى. # قال: وقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت} 1. # ش: يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا} ~~2. PageV01P306 # أي: أعطوا نصيبا أي: حظا {من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت} 1. روى ~~الإمام أحمد عن ابن عباس قال: "لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ~~ترى إلى هذا الصنبور2 المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا ونحن أهل الحجيج، ~~وأهل السدنة وأهل السقاية قال: أنتم خير، قال فنزلت فيهم: {إن شانئك هو ~~الأبتر} [الكوثر] ونزل: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ... } ~~إلى. { ... نصيرا} ". # وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: "جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى ~~أهل مكة فقالوا لهم: أنتم أهل الكتاب، وأهل العلم فأخبرونا عنا وعن محمد ~~فقال: ما أنتم وما محمد؟ فقالوا: نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي ~~الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج، ومحمد صنبور قطع أرحامنا، ~~واتبعه سراق الحجيج من غفار. فنحن خير أم هو؟ فقالوا: أنتم خير وأهدى ~~سبيلا، فأنزل الله: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت ~~والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا} ". # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان. # وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والحسن وغيرهم، وعن ابن عباس ~~وعكرمة وأبي مالك: الجبت: الشيطان زاد ابن عباس بالحبشية وعن ابن عباس أيضا ~~الجبت: الشرك، PageV01P307 # وعنه الجبت: الأصنام، وعنه الجبت: حيي ms265 ابن أخطب، وعن الشعبي الجبت: ~~الكاهن. وعن مجاهد الجبت: كعب ابن الأشرف. # قلت: الظاهر أنه يعم ذلك كله كما قال الجوهري: الجبت: كلمة تقع على الصنم ~~والكاهن والساحر ونحو ذلك. وفي الحديث "الطيرة والعيافة والطرق من الجبت" ~~قال: وهذا ليس من محض العربية لاجتماع الجيم والباء في حرف واحد من غير حرف ~~ذولقي1. # قال المصنف: وفيه معرفة الإيمان بالجبت والطاغوت في [هذا] الموضع، هل هو ~~اعتقاد قلب، أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ وأما الطاغوت ~~فتقدم الكلام عليه في أول الكتاب. # قال: وقوله تعالى: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله ~~وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت} 2. # ش: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب، الطاعنين في دينكم الذي هو توحيد ~~الله وإفراده بالعبادة، دون ما سواه {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند ~~الله} 3، أي: هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا، هم ~~أنتم أيها المتصفون بهذه الصفات المذمومة المفسرة بقوله: {من لعنه الله} 4، ~~أي: أبعده وطرده من رحمته وغضب عليه، أي: غضبا لا يرضى بعده، وجعل منهم ~~القردة والخنازير، أي: مسخ منهم الذين عصوا أمره، فجعلهم قردة وخنازير، كما ~~قال تعالى: {ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا PageV01P308 # لهم كونوا قردة خاسئين} 1.وذلك أن الله تعالى أخذ عليهم تعظيم السبت، ~~والقيام بأمره، وترك الاصطياد فيه، وكانت الحيتان لا تأتيهم إلا يوم السبت، ~~فتحيلوا اصطيادها فيه بما وضعوه لها من الشصوص والحبائل والبرك قبل يوم ~~السبت، فلما جاءت الحيتان يوم السبت على عادتها نشبت تلك الحبائل فلم تخلص ~~منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك ~~مسخهم الله تعالى إلى صورة القردة، وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر ~~وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم كانت مشابهة للحق في الظاهر ~~ومخالفة له في الباطن، فكان ms266 جزاؤهم من جنس عملهم. # قال العوفي عن ابن عباس في قوله: {فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين} 2 فجعل ~~الله منهم القردة والخنازير فزعم أن شباب القوم صاروا قردة والمشيخة صاروا ~~خنازير. # وروى مسلم في "صحيحه" عن ابن مسعود قال: "سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن القردة والخنازير أهي مما مسخ الله؟ فقال: إن الله لم يهلك قوما أو ~~قال: لم يمسخ قوما فيجعل الله لهم نسلا ولا عاقبة، وإن القردة والخنازير ~~كانت قبل ذلك" 3. # وفي هذه القصة دليل قاطع على تحريم الحيل التي يتوصل بها إلى تحليل ~~الحرام وتحريم الحلال ونحو ذلك. # وقوله: {وعبد الطاغوت} . قال شيخ الإسلام: الصواب أنه معطوف على قوله: ~~{من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير} 4. فهو فعل ماض معطوف ~~على ما قبله من الأفعال الماضية، أي: من لعنه الله ومن غضب عليه، ومن جعل ~~منهم القردة والخنازير، ومن عبد الطاغوت. لكن الأفعال المقدمة الفاعل فيها ~~PageV01P309 # هو اسم الله مظهرا ومضمرا، وهنا الفاعل اسم من عبد الطاغوت، وهو الضمير ~~في "عبد". # ولم يعد سبحانه لفظ "من" لأنه جعل هذه الأفعال كلها صفة لصنف واحد وهم ~~اليهود. # قال: وقوله: {قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} 1. # ش: يخبر تعالى عن الذين غلبوا على أمر أصحاب الكهف أنهم قالوا هذه ~~المقالة لنتخذن عليهم مسجدا. # وقد حكى ابن جرير في القائلين في ذلك قولين، أحدهما: أنهم المسلمون. ~~والثاني: أنهم المشركون. وعلى القولين فهم مذمومون. ### | 1- # لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا ~~قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد يحذر ما فعلوا" 2. رواه البخاري ومسلم. ### | 2- # ولما يفضي إليه ذلك من الإشراك بأصحابها كما هو الواقع. ولهذا لما فعلته ~~اليهود والنصارى جرهم ذلك إلى الشرك، فدل ذلك على أن هذه الأمة تفعله كما ~~فعلته اليهود والنصارى، فيجرها ذلك إلى الشرك، لأن ما فعلته اليهود ~~والنصارى ستفعله هذه الأمة شبرا بشبر وذراعا بذراع، كما أخبر بذلك الصادق ~~المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو ms267 إلا وحي يوحى وبهذا يظهر وجه استشهاد ~~المصنف بهذه الآيات. # قال عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لتتبعن سنن من ~~كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا: يا رسول ~~الله! آليهود والنصارى؟ قال: فمن؟! " 3. أخرجاه. # ش: هذا الحديث أورده المصنف بهذا اللفظ معزوا PageV01P310 # "للصحيحين". ولعله نقله عن غيره ولفظهما، والسياق لمسلم عن أبي سعيد ~~الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لتتبعن سنن من كان قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لاتبعتموهم. قلنا: يا رسول ~~الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟! " 1. ويحتمل أن يكون مرويا عند غيرهما ~~باللفظ الذي ذكره المصنف وأراد أصله لا لفظه. # قوله: (لتتبعن) ، هو بضم العين وتشديد النون. # قوله: (سنن) ، بفتح المهملة، أي: طريق من كان قبلكم. أي: الذين قبلكم قال ~~المهلب: الفتح أولى، وقال ابن التين: قرأناه بضمها. # قوله: (حذو القذة بالقذة) ، هو بنصب حذو على المصدر، والقذة - بضم القاف ~~- واحدة القذذ وهي ريش السهم، وله قذتان متساويتان، أي: لتفعلن أفعالهم، ~~ولتتبعن طرائقهم حتى تشبهوهم وتحاذوهم، كما تشبه قذة السهم القذة الأخرى، ~~ثم إن هذا لفظ خبر معناه النهي عن متابعتهم، ومنعهم من الالتفات لغير دين ~~الإسلام، لأن نوره قد بهر الأنوار وشريعته نسخت الشرائع، وهذا من معجزاته، ~~فقد اتبع كثير من أمته سنن اليهود والنصارى وفارس في شيمهم ومراكبهم ~~وملابسهم، وإقامة شعارهم في الأديان والحروب والعادات من زخرفة المساجد، ~~وتعظيم القبور واتخاذها مساجد، حتى عبدوها ومن فيها من دون الله، وإقامة ~~الحدود والتعزيرات على الضعفاء دون الأقوياء، وترك العمل يوم الجمعة، ~~والتسليم بالأصابع، وعدم عيادة المريض يوم السبت، والسرور بخميس البيض، وأن ~~الحائض لا تمس عجينا، واتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، ~~والإعراض عن كتاب الله، والإقبال على كتب الضلال PageV01P311 # من السحر والفلسفة والكلام والتكذيب بصفات الله التي وصف الله بها نفسه ~~أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ووصفه بما لا يليق به من النقائص ~~والعيوب ms268 إلى غير ذلك مما اتبعوا فيه اليهود والنصارى. # قوله: (حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه) ، الجحر - بضم الجيم بعدها حاء ~~مهملة - معروف. # وفي حديث آخر: "حتى لو كان فيهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ~~ذلك" 1 وفي حديث آخر: "حتى لو أن أحدهم جامع أمه في الطريق لفعلتموه" صحت ~~بذلك الأحاديث، فأخبر أن أمته ستفعل ما فعلته اليهود والنصارى وفارس من ~~الأديان والعادات والاختلاف. # قال شيخ الإسلام: هذا خرج مخرج الخبر والذم لمن يفعله كما كان يخبر عما ~~يكون بين يدي الساعة من الأشراط والأمور المحرمة. # وقال غيره: وجمع ذلك أن كفر اليهود أشد من جهة عدم العمل بعلمهم فهم ~~يعلمون الحق ولا يتبعونه عملا ولا قولا، وكفر النصارى من جهة عملهم بلا ~~علم، فهم يجتهدون في أصناف العبادات بلا شريعة من الله، ويقولون ما لا ~~يعلمون، ففي هذه الأمة من يحذو حذو الفريقين. # ولهذا كان السلف كسفيان بن عيينة يقولون: من فسد من علمائنا، ففيه شبه من ~~اليهود، ومن فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى، وقضاء الله نافذ بما أخبر ~~به رسوله صلى الله عليه وسلم بما سبق في علمه، لكن ليس الحديث إخبارا عن ~~جميع الأمة لما تواتر عنه أنها لا تجتمع على ضلالة. # قوله: "قالوا: يا رسول الله آليهود والنصارى؟ قال فمن؟ " هو برفع اليهود ~~خبر مبتدأ محذوف، أي: أهم اليهود والنصارى الذين نتبع سنتهم؟ وقوله: قال: ~~"فمن" استفهام إنكار، أي: فمن هم غير أولئك؟ ثم إنه فسر هنا باليهود ~~والنصارى، وفي رواية أبي هريرة في البخاري بفارس والروم ولا تعارض، كما قال ~~PageV01P312 # بعضهم لاختلاف الجواب بحسب اختلاف المقام، فحيث قيل: فارس والروم كان ثم ~~قرينة تتعلق بالحكم بين الناس، وسياسة الرعية، وحيث قيل: اليهود والنصارى ~~كان هناك قرينة تتعلق بأمور الديانات، أصولها وفروعها كذا قال. ولا يلزم ~~وجود قرينة، بل الظاهر أنه أخبر أن هذه الأمة ستفعل ما فعلته الأمم قبلها ~~من الديانات والعادات والسياسات مطلقا، والتفسير ببعض الأمم لا ينفي ms269 ~~التفسير بأمة أخرى، إذ المقصود التمثيل لا الحصر. # ووجه مطابقة الحديث للترجمة واضح؛ لأن الأمم قبلنا وجد فيها الشرك، فكذلك ~~يوجد في هذه الأمة كما هو الواقع. # [إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أمر أمته سيتسع] # قال: ولمسلم عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله زوى ~~لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ~~وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة ~~بعامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإن ربي قال: ~~يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة ~~عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم ~~من أقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا" 1. # ورواه البرقاني في " صحيحه " وزاد: "وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، ~~وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق ~~حي من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ~~كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال ~~طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك ~~وتعالى"2. # ش: هذا الحديث رواه أبو داود في "سننه" وابن ماجة بالزيادة التي زكرها ~~المصنف، ورواه الترمذي مختصرا ببعضها. PageV01P313 # قوله: (عن ثوبان) . هو ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم صحبه ولازمه ~~ونزل بعده الشام، ومات بحمص سنة أربع وخمسين. # قوله: (زوى لي الأرض) . قال التوربشتي: زويت الشيء جمعته وقبضته، يريد به ~~تقريب البعيد منها حتى اطلع عليه اطلاعه على القريب. وحاصله أن الله طوى له ~~الأرض وجعلها مجموعة كهيئة كف في مرآة نظره. # وقال القرطبي: "أي جمعها لي حتى أبصرت ما تملك أمتي من أقصى المشارق ~~والمغارب منها، وظاهر هذا اللفظ يقتضي أن الله تعالى قوى إدراك بصره، ورفع ~~عنه الموانع المعتادة فأدرك ms270 البعيد من موضعه كما أدرك بيت المقدس من مكة، ~~وأخذ يخبرهم عن آياته وهو ينظر إليه. وكما قال: "إني لأبصر قصر المدائن ~~الأبيض ". ويحتمل أن يكون مثلها الله له، والأول أولى". # قوله: (وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها) . قال القرطبي: "هذا الخبر ~~وجد مخبره كما قاله، فكان ذلك من دلائل نبوته، وذلك أن ملك أمته اتسع إلى ~~أن بلغ أقصى بحر طنجة، بالنون والجيم الذي هو منتهى عمارة المغرب وإلى أقصى ~~المشرق، ما وراء خراسان والنهر وكثير من بلاد الهند والسند والصغد. ولم ~~يتسع ذلك الاتساع من جهة الجنوب والشمال، ولذلك لم يذكر عليه السلام أنه ~~أريه ولا أخبر أن ملك أمته يبلغه". # وقوله: (زوى) ، يحتمل أن يكون مبنيا للفاعل، وأن يكون مبنيا للمفعول ~~والأول أظهر. # قوله: (وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض) ، قال القرطبي: يعني بهما كنز ~~كسرى وهو ملك الفرس، وكنز قيصر وهو ملك الروم، وقصورهما وبلادهما. وقد دل ~~على ذلك قوله عليه السلام حين أخبر عن هلاكهما: "والذي نفسي بيده لتنفقن ~~كنوزهما في سبيل الله" وعبر بالأحمر عن كنز قيصر، لأن الغالب عندهم كان ~~الذهب، وبالأبيض عن كنز كسرى لأن الغالب عندهم كان الجوهر والفضة. وقد ظهر ~~ذلك ووجد كذلك في زمان الفتوح في # PageV01P314 # إمارة عمر رضي الله عنه، فإنه سيق إليه تاج كسرى وحليته، وما كان في بيوت ~~أمواله وجميع ما حوته مملكته على سعتها وعظمتها، وكذلك فعل الله بقيصر لما ~~فتحت بلاده. كذا قال في الغالب على كنوز كسرى وقيصر وعكس ذلك التوربشتي ~~والخلخالي. والأبيض والأحمر منصوبان على البدل. # قوله: (وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة) ، هكذا ثبت في أصل ~~المصنف بعامة بالباء وهي رواية صحيحة في أصل "مسلم" وفي بعض أصوله بسنة ~~عامة بحذفها. # قال القرطبي: "وكأنها زائدة لأن عامة صفة لسنة فكأنه قال: بسنة عامة. ~~ويعني بالسنة: الجدب العام الذي يكون به الهلاك العام، ويسمى الجدب والقحط ~~سنة ويجمع على سنين كما قال تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين} 1. أي: ms271 ~~بالجدب المتوالي. # قوله: (من سوى أنفسهم) . أي: من غيرهم يعني الكفار. # قوله: (فيستبيح بيضتهم) . قال الجوهري: بيضة كل شيء: حوزته، وبيضة القوم: ~~ساحتهم، وعلى هذا فيكون معنى الحديث: أن الله تعالى لا يسلط العدو على كافة ~~المسلمين حتى يستبيح جميع ما حازوه من البلاد والأرض، ولو اجتمع عليهم كل ~~من بين أقطار الأرض، وهو جوانبها. # وقيل: بيضتهم معظمهم وجماعتهم. # قلت: وهذا هو الظاهر، وأن الله تعالى لا يسلط الكفار على معظم المسلمين ~~وجماعتهم وإمامهم ما داموا بضد هذه الأوصاف المذكورة في قوله: (حتى يكون ~~بعضهم يهلك بعضا) . فأما إذا وجدت هذه الأوصاف، فقد يسلط الكفار على ~~جماعتهم ومعظمهم وإمامهم كما وقع. # قوله: (وإن ربي قال: يا محمد إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد) . قال بعضهم: ~~أي: إذا حكمت حكما مبرما فإنه نافذ لا يرد بشيء، ولا يقدر أحد على رده، بل ~~كل جميع الخلق تمضي عليهم الأقدار PageV01P315 # طوعا وكرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا راد لما قضيت". # قلت: الظاهر أنه سواء في ذلك المبرم والمعلق، فالكل لا يرد فإن هذا إخبار ~~عن عدم الرد لجنس القضاء، والنبي صلى الله عليه وسلم سأل ذلك مطلقا فأجيب ~~بهذا، واستجاب له دعاءه ما لم يوجد الشرط المقتضي لتسليط العدو، فإذا وجد ~~ذلك وجد القضاء المعلق. # قوله: (حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ... ) إلى آخره. أي: حتى يوجد ذلك منهم ~~فإن وجد فإنه يسلط عليهم عدوهم من الكفار، فيستبيح جماعتهم وإمامهم ومعظمهم ~~لا كل الأمة، ثم أيضا تكون العاقبة لهذه الأمة إن رجعوا عما هم فيه من ~~الأسباب الموجبة للتسليط، وكذلك وقع، فإن هذه الأمة لما جعل بأسها بينها ~~اقتتلوا فأهلك بعضهم بعضا، وسبى بعضهم بعضا، فلما فعلوا ذلك تفرقت جماعتهم، ~~واشتغل بعضهم ببعض عن جهاد العدو، واستولوا عليهم، كما وقع ذلك في المائة ~~السابعة في المشرق والمغرب، فاختلفت ملوك المشرق وتخاذلوا واستولى التتار ~~على غالب أرض خراسان، وعلى العراق وديار الروم، وقتلوا الخليفة والعلماء ~~والملوك الكبار، وكذلك ملوك المغرب اختلفوا وتخاذلوا ms272 واستولت الإفرنج على ~~جميع بلاد الأندلس والجزر القريبة منها، فهي في أيديهم إلى اليوم، بل ~~استولوا على كثير من بلدان الشام حتى استنقذها منهم صلاح الدين ابن أيوب ~~وغيره. # [خوف الرسول صلى الله عيه وسلم من الأئمة المضلين] # قوله: ورواه البرقاني في "صحيحه". البرقاني هو الحافظ الكبير أبو بكر ~~محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي الشافعي، ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، ~~ومات سنة خمس وعشرين وأربع مائة. قال الخطيب: كان ثبتا ورعا، لم نر في ~~شيوخنا أثبت منه، # PageV01P316 # عارفا بالفقه كثير التصنيف، صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه "الصحيحان" ~~وجمع حديث الثوري، وحديث شعبة، وطائفة وكان حريصا على العلم منصرف الهمة ~~إليه. # قلت: وهذا "المسند" الذي ذكره الخطيب هو صحيحه الذي عزا إليه المصنف. # قوله: (وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين) . أي: الأمراء والعلماء ~~والعباد، الذين يقتدي بهم الناس، ويحكمون فيهم بغير علم فيضلون ويضلون، فهم ~~ضالون عن الحق مضلون لغيرهم، كما قال تعالى عن أهل النار: {حتى إذا اداركوا ~~فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار} 1. وقال تعالى: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} ~~2. وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة ~~الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} 3. ولشدة الضرورة إلى اتباع أئمة ~~الهدى ومعرفتهم، والتفريق بينهم وبين أئمة الضلال المغضوب عليهم والضالين، ~~أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى سلوك صراط أئمة الهدى، وهم المنعم عليهم ~~من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، غير المغضوب عليهم؛ الذين يعلمون ~~الحق ولا يعملون به، ولا الضالين الذين يعملون على غير شرع من الله، بل بما ~~تهوى أنفسهم. # فصراط المنعم عليهم هو الجامع بين العلم بالهدى والعمل به، وقد وصف النبي ~~صلى الله عليه وسلم أئمة الهدى لما ذكر التفرق من بعده، بأنهم الذين كانوا ~~على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما رواه أبو داود ~~وغيره. # فمن كان على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهو ms273 من الأئمة ~~المهديين، ومن خالفهم فهو من الضالين، كالذي يقول لأصحابه من كانت له حاجة ~~فليأت إلى قبري فإني أقضيها له، ولا خير في رجل يحجبه عن أصحابه ذراع من ~~تراب، أو نحو هذا كالذي يدعي أنه يخلص أصحابه ومريديه من النار، وأنه يحفظ ~~الناس ويكلأهم إذا اعتقدوه، ويضر بهم إذا كفروا PageV01P317 # به وحاربوه، ويدعي أن ذلك من كراماته. # وكالذي يمشي في الأسواق عريانا، ولا يشهد بصلاة ولا ذكر الله ولا علما، ~~بل يعيب علماء الشرع، ويغمزهم ويسميهم أهل علم الظاهر، ويدعي أنه صاحب علم ~~الباطن، وربما يدعي أنه يسعه الخروج من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم كما ~~وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام، ونحو ذلك من الكفر والهذيان. ~~وكالذي يدعي أن العبد يصل مع الله إلى حال تسقط عنه التكاليف، أو يدعي أن ~~الأولياء يدعون، ويستغاث بهم في حياتهم ومماتهم، وأنهم ينفعون ويضرون ~~ويدبرون الأمور على سبيل الكرامة، أو أنه يطلع على اللوح المحفوظ، ويعلم ~~أسرار الناس وما في ضمائرهم، أو يجوز بناء المساجد على قبور الأنبياء ~~والصالحين، وإيقادها بالسرج والشموع، وكسوتها بالحرير والديباج، والفرش ~~النفيسة، أو يدعي أن من عمل بالقرآن والسنة في أصول الدين وفروعه، فقد ضل ~~وأضل وابتدع، أو أن ظواهر القرآن في آيات الصفات تشبيه وتمثيل، وأن الهدى ~~لا يؤخذ منه في هذا الباب ولا في غيره، وإنما يؤخذ من الشبهات الوهمية التي ~~يسميها بزعمه براهين عقلية. فكل هؤلاء وأشباههم من أئمة الضلال الذين خاف ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وحذر منهم. # والضابط في الفرق بين أئمة المتقين وبين الأئمة المضلين قوله تعالى: {قل ~~إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ~~قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين} 1 فافهم عن ~~ربك وكن على بصيرة، ولا يغرك جلالة شخص أو عظمته في النفوس، فربك أعظم ~~واتباعك لكلامه وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم هو الفرض، والعصمة منتفية ~~عن غير الرسول، ms274 وربك أدرى بما في الضمائر، فرب من تعتقده إمام هدى ليس ~~كذلك، وقد قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ثم جعلناك على شريعة من ~~الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون} 2. PageV01P318 # فكل من أتى بشيء يخالف ما جاء عن الله وعن رسوله، فهو من أهواء الذين لا ~~يعلمون، ومن لم يستجب للرسول صلى الله عليه وسلم فإنما يتبع هواه. # قال الله تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ~~ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} 1. وقال ~~تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما ~~تذكرون} 2. وعن زياد بن حدير قال: قال لي عمر: "هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ ~~قلت: لا. قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب، وحكم الأئمة ~~المضلين". رواه الدارمي. # وقال يزيد بن عميرة: "كان معاذ بن جبل لا يجلس مجلسا للذكر إلا قال حين ~~يجلس: الله حكم قسط هلك المرتابون". الحديث. وفيه: "واحذروا زيغة الحكيم، ~~فإن الشيطان قد يقول الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. ~~قلت لمعاذ: ما يدريني رحمك الله أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن ~~المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال لي: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي ~~يقال: ما هذه ولا يثنيك ذلك عنه، فإنه لعله يراجع الحق، وتلق الحق إذا ~~سمعته فإن على الحق نورا". رواه أبو داود وغيره وما أحسن ما قال ابن ~~المبارك رضي الله عنه: # وهل أفسد الدين إلا الملو ... ك وأحبار سوء ورهبانها. # قوله: (وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة) . أي: إذا وقعت ~~الفتنة والقتال بينهم بقي إلى يوم القيامة، وكذلك وقع، فإن السيف لما وضع ~~فيهم بقتل عثمان رضي الله عنه لم يرتفع إلى اليوم، وكذلك يكون إلى يوم ~~القيامة، ولكن يكثر تارة ويقل أخرى، ويكون في جهة ويرتفع عن أخرى. # قوله: (ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين) . الحي واحد ms275 ~~الأحياء، وهي القبائل وفي رواية أبي داود: PageV01P319 # "ولا تقوم الساعة حتى يلحق قبائل من أمتي بالمشركين" 1 والمعنى: أنهم ~~ينزلون معهم في ديارهم، ويصيرون منهم بالردة ونحوها. # [لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من الناس الأوثان] # قوله: (وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان) . الفئام - مهموز - الجماعات ~~الكثيرة، قاله أبو السعادات، وفي رواية أبي داود: (وحتى تعبد قبائل من أمتي ~~الأوثان) ، ومعناه ظاهر. # وهذا هو شاهد الترجمة، ففيه الرد على من قال بخلافه من عباد القبور الذين ~~ينكرون وقوع الشرك، وعبادة الأوثان في هذه الأمة. وفي معنى هذا ما في ~~"الصحيحين" عن أبي هريرة مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس ~~على ذي الخلصة" 2. قال: وذو الخلصة طاغية دوس التي كانوا يعبدون في ~~الجاهلية. وروى ابن حبان عن معمر قال: إن عليه الآن بيتا مبنيا مغلقا. # وفي "صحيح مسلم" عن عائشة مرفوعا: "لا يذهب الليل والنهار حتى تعبد اللات ~~والعزى" 3 وقيل: إن القبر المنسوب إلى ابن عباس بالطائف إنه قبر اللات، ~~وكانوا يعبدونه، ويطوفون به ويقربون إليه القرابين وينذرون له النذور ~~ويسألونه قضاء حاجتهم وتفريج كربتهم. # إخباره صلى الله عليه وسلم بأنه سيكون في هذه الأمة دجالون كذابون # قوله: (وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون) ، كلهم يزعم أنه نبي. قال ~~القرطبي: وقد جاء عددهم معينا في حديث حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يكون في أمتي كذابون دجالون سبع وعشرون، منهم أربع نسوة". ~~أخرجه أبو نعيم. وقال: هذا حديث غريب تفرد به معاوية بن هشام. # قلت: حديث ثوبان أصح من هذا. # قال القاضي عياض: عد من تنبأ من زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~الآن ممن اشتهر بذلك، وعرف واتبعه جماعة على ضلالته، فوجد هذا العدد فيهم، ~~ومن طالع كتب الأخبار والتواريخ عرف صحة هذا. # وقال الحافظ: قد ظهر مصداق ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج ~~مسيلمة الكذاب باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة ~~PageV01P320 # أبي بكر طليحة بن ms276 خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني ~~تميم، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، وقتل مسيلمة ~~الكذاب في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، وتاب طليحة ومات على الإسلام على ~~الصحيح في زمن عمر رضي الله عنه. ويقال: إن سجاح تابت أيضا. # ثم خرج المختار بن أبي عبيد الثقفي، وغلب على الكوفة في أول خلافة ابن ~~الزبير فأظهر محبة أهل البيت، ودعا الناس إلى طلب قتلة الحسين، فاتبعهم ~~فقتل كثيرا ممن باشر ذلك، أو أعان عليه فأحبه الناس، ثم إنه زين له الشيطان ~~أن يدعي النبوة، وزعم أن جبريل عليه السلام يأتيه. # ومنهم: الحارث الكذاب خرج في خلافة عبد الملك بن مروان فقتل، وخرج في ~~خلافة بني العباس جماعة. وليس المراد بالحديث من ادعى النبوة مطلقا؛ فإنهم ~~لا يحصون كثرة لكون غالبهم ينشأ عن جنون أو سوداء، وإنما المراد من قامت له ~~شوكة، وبدت له شبهة، كمن وصفنا، وقد أهلك الله تعالى من وقع له منهم ذلك، ~~وبقي منهم من يلحقه بأصحابه وآخرهم الدجال الأكبر. # قوله: (وأنا خاتم النبيين) . الخاتم - بفتح التاء- بمعنى الطابع، وبكسرها ~~بمعنى فاعل الطبع والختم. قال الحسن: خاتم الذي ختم به، أي: آخر # النبيين، كما قال تعالى: {ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ~~وخاتم النبيين} 1 وإنما ينزل عيسى ابن مريم عليه السلام في آخر الزمان ~~حاكما بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم مصليا إلى قبلته، فهو كآحاد أمته كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكما ~~مقسطا، فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية" 2. # قوله: "ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم PageV01P321 # من خذلهم ولا من خالفهم" 1. # قال يزيد بن هارون، وأحمد بن حنبل: إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من ~~هم. وكذلك قال: إنهم أهل الحديث عبد الله ابن المبارك، وعلي بن المديني، ~~وأحمد بن سنان والبخاري وغيرهم. وقال المديني في رواية: هم العرب، ms277 واستدل ~~برواية من روى هم أهل الغرب، وفسر الغرب بالدلو العظيمة، لأن العرب هم ~~الذين يستقون بها. # قلت: ولا تعارض بين القولين، إذ يمتنع أن تكون الطائفة المنصورة لا تعرف ~~الحديث، ولا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل لا يكون منصورا على الحق ~~إلا من عمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهم أهل الحديث من ~~العرب وغيرهم. # فإن قيل: فلم خصصه بالعرب؟ قيل: المراد التمثيل لا الحصر، أي: أن العرب ~~إن استقاموا على العمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهم ~~الطائفة المنصورة حال استقامتهم. # قال القرطبي: وفيه دليل على أن الإجماع حجة، لأن الأمة إذا أجمعت فقد دخل ~~فيهم الطائفة المنصورة. # وقال المصنف: وفيه الآية العظيمة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من ~~خالفهم. والبشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال ~~عليه طائفة. # قوله: (حتى يأتي أمر الله) . الظاهر أن المراد بأمر الله ما روي من قبض ~~من بقي من المؤمنين بالريح الطيبة، ووقوع الآيات العظام، ثم لا يبقى إلا ~~شرار الناس كما روى الحاكم. وأصله في "مسلم" عن عبد الرحمن بن شماسة أن عبد ~~الله بن عمرو قال: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل ~~الجاهلية. فقال عقبة بن عامر لعبد الله: أعلم ما تقول، وأما أنا فسمعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر ~~الله، ظاهرين لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة على ذلك. فقال عبد ~~الله: ويبعث الله ريحا ريحها المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحدا في ~~قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار الناس فعليهم تقوم ~~الساعة" 2. PageV01P322 # وفي "صحيح مسلم" عن ابن مسعود مرفوعا: "لا تقوم الساعة إلا على شرار ~~الناس" 1. وفي "صحيحه" أيضا: "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله ~~الله" 2 وذلك إنما يقع بعد طلوع الشمس من مغربها وخروج ms278 الدابة وسائر الآيات ~~العظام. وقد ثبت أن الآيات العظام مثل السلك إذا انقطع تناثر الخرز بسرعة، ~~رواه أحمد. ويؤيده حديث عمران بن حصين مرفوعا: "لا تزال طائفة من أمتي ~~يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال" 3 رواه أبو ~~داود والحاكم. وعلى هذا فالمراد بقوله في حديث عقبة وما أشبهه من الأحاديث ~~"حتى تأتيهم الساعة". ساعتهم وهي وقت موتهم بهبوب الريح، ذكره الحافظ وهو ~~المعتمد. # وقد اختلف في محل هذه الطائفة، فقال ابن بطال: إنها تكون ببيت المقدس إلى ~~أن تقوم الساعة، كما روى الطبري من حديث أبي أمامة: "قيل يا رسول الله وأين ~~هم؟ قال: (ببيت المقدس) " وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (هم بالشام) . ~~وهذا قول أكثر الشارحين. # وفي كلام الطبري ما يدل على أنه لا يجب أن تكون في الشام أو في بيت ~~المقدس دائما إلى أن يقاتلوا الدجال، بل قد تكون في موضع آخر، لكن لا تخلو ~~الأرض منها حتى يأتي أمر الله. # قلت: وهذا هو الحق فإنه ليس في الشام منذ أزمان أحد بهذه الصفات، بل ليس ~~فيه إلا عباد القبور، وأهل الفسق وأنواع الفواحش والمنكرات، ويمتنع أن ~~يكونوا هم الطائفة المنصورة، وأيضا فهم منذ أزمان لا يقاتلون أحدا من أهل ~~الكفر، وإنما بأسهم وقتالهم بينهم. وعلى هذا فقوله في الحديث: (هم ببيت ~~المقدس) . وقول معاذ: (هم بالشام) . المراد أنهم يكونون في بعض الأزمان دون ~~بعض، وكذلك الواقع فدل على ما ذكرنا4. PageV01P323 # قوله: (تبارك وتعالى) . قال ابن القيم: البركة نوعان: أحدهما بركة وهي ~~فعله تبارك وتعالى، والفعل منها بارك، ويتعدى بنفسه تارة وبأداة "على" ~~تارة، وبأداة "في" تارة والمفعول منها مبارك، وهو ما جعل كذلك فكان مباركا ~~بجعله تعالى. # والنوع الثاني: بركة تضاف إليه إضافة الرحمة والعزة، والفعل منها تبارك، ~~ولهذا لا يقال لغيره ذلك ولا يصلح إلا له عز وجل، فهو سبحانه المتبارك ~~وعبده ورسوله المبارك. كما قال المسيح عليه السلام: {وجعلني مباركا أين ما ~~كنت} 1. فمن بارك الله ms279 فيه وعليه فهو المبارك، وأما صفة تبارك، فمختصة به ~~كما أطلقها على نفسه بقوله: {فتبارك الله رب العالمين} 2. {تبارك الذي بيده ~~الملك وهو على كل شيء قدير} 3. أفلا تراها كيف اطردت في القرآن جارية عليه ~~مختصة به لا تطلق على غيره، وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى وتعاظم ~~ونحوه، فجاءت تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، ~~فكذلك تبارك، دال على كمال بركته وعظمته وسعتها. # وهذا معنى قول من قال من السلف تبارك: تعاظم. وقال ابن عباس: جاء بكل ~~بركة واعلم أن هذا الحديث بجملته مما عد من الأدلة على الشهادتين فإن كل ~~جملة منه وقعت كما أخبر بها صلى الله عليه وسلم. PageV01P324 # [18- ### | باب ما جاء في السحر # ش: السحر في اللغة: عبارة عما خفي ولطف سببه، ولهذا جاء في الحديث: "إن ~~من البيان لسحرا". وسمي السحور سحورا، لأنه يقع خفيا آخر الليل. وقال ~~تعالى: {سحروا أعين الناس} 1، أي أخفوا عنهم علمهم. ولما كان السحر من ~~أنواع الشرك إذ لا يأتي السحر بدونه، ولهذا جاء في الحديث: "ومن سحر فقد ~~أشرك" 2. أدخله "المصنف" في كتاب "التوحيد" ليبين ذلك تحذيرا منه كما ذكر ~~غيره من أنواع الشرك. # قال أبو محمد المقدسي في "الكافي": السحر: عزائم ورقى وعقد يؤثر في ~~القلوب والأبدان فيمرض ويقتل، ويفرق ... المرء وزوجته، ويأخذ أحد الزوجين ~~عن صاحبه. قال الله تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} ~~3، وقال سبحانه: {قل أعوذ برب الفلق} إلى قوله: {ومن شر النفاثات في العقد} ~~4. يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ولولا أن للسحر ~~حقيقة لم يأمر بالاستعاذة منه. # وروت عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سحر حتى إنه ليخيل إليه أنه ~~يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: أتاني ملكان فجلس أحدهما عند ~~رأسي والآخر عند رجلي. فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: ~~لبيد بن أعصم في مشط ومشاطة في جف طلعة ذكر في بئر ذي ms280 أروان" 5. رواه ~~البخاري. انتهى. # وقد زعم قوم من المعتزلة وغيرهم أن السحر تخييل لا حقيقة له، وهذا ليس ~~بصحيح على إطلاقه، بل منه ما هو تخييل، ومنه ما له حقيقة كما يفهم مما ~~تقدم. PageV01P325 # قال: وقول الله تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق} ~~1. # ش: أي: ولقد علم اليهود الذين استبدلوا السحر عن متابعة الرسل والإيمان ~~بالله لمن اشتراه، أي: استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله ومتابعة رسله، ~~ما له في الآخرة من خلاق. قال ابن عباس: من نصيب. قال قتادة: وقد علم أهل ~~الكتاب فيما عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة. # وقال الحسن: ليس له دين. فدلت الآية على تحريم السحر، وهو كذلك، بل هو ~~محرم في جميع أديان الرسل عليهم السلام كما قال تعالى: {ولا يفلح الساحر ~~حيث أتى} 2. واستدل بها بعضهم على كفر الساحر لعموم قوله: {لمن اشتراه} يدل ~~عليه قوله: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} 3. وقد نص أصحاب ~~أحمد على أنه يكفر بتعلمه وتعليمه. # وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "من تعلم شيئا من السحر قليلا كان أو كثيرا كان آخر عهده من الله" ~~وهذا مرسل. # واختلفوا هل يكفر الساحر أو لا؟ فذهب طائفة من السلف إلى أنه يكفر، وبه ~~قال مالك وأبو حنيفة وأحمد، قال أصحابه: إلا أن يكون سحره بأدوية وتدخين ~~وسقي شيء يضر فلا يكفر، وقيل: لا يكفر إلا أن يكون في سحره شرك فيكفر، وهذا ~~قول الشافعي وجماعته. قال الشافعي رحمه الله: إذا تعلم السحر قلنا له: صف ~~لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقد أهل بابل من التقرب إلى ~~الكواكب السبعة، وأنها تفعل ما يلتمس منها، فهو كافر، وإن كان لا يوجب ~~الكفر، فإن اعتقد إباحته، كفر. # وعند التحقيق ليس بين القولين اختلاف، فإن من لم يكفر لظنه أنه يتأتى ~~بدون الشرك وليس كذلك بل لا يأتي السحر ms281 الذي من قبل PageV01P326 # الشياطين إلا بالشرك وعبادة الشيطان والكواكب، ولهذا سماه الله كفرا في ~~قوله: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} 1. وقوله: {وما كفر سليمان ولكن الشياطين ~~كفروا} 2. وفي حديث مرفوع رواه رزين: "الساحر كافر". وقال أبو العالية: ~~السحر من الكفر. وقال ابن عباس في قوله: {إنما نحن فتنة فلا تكفر} 3. وذلك ~~أنهما علماه الخير والشر والكفر والإيمان، فعرفا أن السحر من الكفر. وقال ~~ابن جريج في الآية: لا يجترئ على السحر إلا الكافر. # وأما سحر الأدوية والتدخين ونحوه فليس بسحر، وإن سمي سحرا فعلى سبيل ~~المجاز كتسمية القول البليغ والنميمة سحرا، ولكنه يكون حراما لمضرته يعزر ~~من يفعله تعزيرا بليغا. # قال: وقوله: {يؤمنون بالجبت والطاغوت} 4. # ش: تقدم الكلام عليها في الباب الذي قبله، ووجه إيرادها هنا ظاهر، لأن ~~السحر من الجبت، كما قال عمر بن الخطاب. # قال "المصنف": قال عمر بن الخطاب: "الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان". # ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم وغيره، وفيه معرفة الجبت والطاغوت والفرق ~~بينهما. # قال: وقال جابر: "الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد". # ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم بنحوه مطولا عن وهب بن منبه. قال: "سألت ~~جابر بن عبد الله عن الطواغيت التي كانوا يتحاكمون إليها. قال: إن في جهينة ~~واحدا، وفي أسلم واحدا، وفي هلال واحدا، وفي كل حي واحدا، وهم كهان تنزل ~~عليهم الشياطين". # قوله: (قال جابر) . هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام أبو عبد الله ~~الأنصاري ثم السلمي بفتحتين. صحابي جليل ابن صحابي PageV01P327 # جليل مكثر عن النبي صلى الله عليه وسلم. مات بالمدينة بعد السبعين، وقد ~~كف بصره وله أربع وتسعون سنة. # قوله: (الطواغيت كهان ... ) إلى آخره. المراد بهذا أن الكهان من الطواغيت ~~لا أنهم الطواغيت لا غير. # وقوله: (كان ينزل عليهم الشيطان) ، أراد الجنس لا الشيطان الذي هو إبليس ~~فقط، بل تتنزل عليهم الشياطين ويخاطبونهم ويخبرونهم ببعض الغيب، مما ~~يسترقونه من السمع فيصدقون مرة ويكذبون مائة. # قوله: (في كل حي واحد) . الحي: ms282 واحد الأحياء، وهم القبائل، أي: في كل ~~قبيلة من قبائل العرب كاهن يتحاكمون إليه، ويسألونه عن الغيب. وكذلك كان ~~الأمر قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم فأبطل الله ذلك بالإسلام، وحرست ~~السماء بالشهب. # ومطابقة هذا للترجمة ظاهر من جهة أن الساحر طاغوت من الطواغيت؛ إذ كان ~~هذا الاسم يطلق على الكاهن فالساحر أولى، لأنه أشر وأخبث. # [أمره صلى الله عليه وسلم باجتناب السبع الموبقات] # قال: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اجتنبوا السبع ~~الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل ~~النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، ~~والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" 1. # ش: هكذا أورد المصنف هذا الحديث غير معزو، وقد رواه البخاري ومسلم. # قوله: (اجتنبوا السبع) . أي: أبعدوا، وهو أبلغ من: لا تفعلوا، لأن نهي ~~القربان أبلغ من نهي المباشرة. ذكره الطيبي. # قوله: (السبع الموبقات) . بموحدة وقاف، أي: المهلكات: وسميت الكبائر ~~موبقات، لأنها تهلك فاعلها في الدنيا بما يترتب عليها من العقوبات، وفي ~~الآخرة من العذاب. # قلت: هكذا ثبت في هذه الرواية عن السبع الموبقات، وكذلك في كتاب عمرو بن ~~حزم الذي أخرجه PageV01P328 # النسائي وابن حبان في "صحيحه" والطبراني من طريق سليمان بن داود عن ~~الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال: كتب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كتاب الفرائض والديات والسنن، وبعث به مع عمرو بن ~~حزم إلى اليمن. الحديث بطوله. # وفيه: وكان في الكتاب: "وإن أكبر الكبائر الشرك"، فذكر مثل حديث أبي ~~هريرة سواء. وأخرجه البزار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: "الكبائر: الشرك بالله وقتل النفس". ~~الحديث. وذكر بدل السحر الانتقال إلى الأعرابية بعد الهجرة، وكذلك في حديث ~~عند الطبراني، وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن [من سمع] الحسن قال: ~~"الكبائر الإشراك بالله ... " فذكر مثل الأول سواء، إلا ms283 أنه قال: (اليمين ~~الفاجرة) ، بدل السحر. وفي حديث ابن عمر عند البخاري في "الأدب المفرد" ~~والطبري في "التفسير" وعبد الرزاق مرفوعا وموقوفا قال: "الكبائر تسع" فذكر ~~السبع المذكورة وزاد: "والإلحاد في الحرم وعقوق الوالدين". # وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: (هن عشر) فذكر ~~السبع التي في الأصل وزاد: "عقوق الوالدين، واليمين الغموس، وشرب الخمر". ~~ولابن أبي حاتم عن علي قال: الكبائر. فذكر السبع إلا مال اليتيم. وزاد: ~~"العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة، ونكث الصفقة". # وللطبراني عن أبي أمامة أنهم "تذاكروا الكبائر، فقالوا: الشرك، ومال ~~اليتيم، والفرار من الزحف، والسحر، والعقوق، وقول الزور، والغلول والربا. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا؟! " وقد جاء في أحاديث غير ما ذكرنا جملة من الكبائر ~~منها اليمين الغموس، وشهادة الزور والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة ~~الله وسوء الظن بالله، والزنا، والسرقة وغير ذلك. # قال الحافظ: "ويحتاج عندها إلى الجواب عن # PageV01P329 # الحكمة في الاقتصار على سبع، ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو جواب ~~ضعيف، أو بأنه أعلم أولا بالمذكورات، ثم أعلم بما زاد، فيجب الأخذ بالزائد، ~~أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة للسائل، أو من وقعت له واقعة ونحو ~~ذلك". # وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن ابن عباس أنه قيل له: الكبائر سبع؟ ~~فقال: هن أكثر من سبع. وفي رواية عنه: هي إلى السبعين أقرب، وفي رواية: إلى ~~السبعمئة. وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد، ~~لأن أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد انتهى. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله. # قوله: قال: (الشرك بالله) . هو أن يجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله، ~~ويرجوه كما يرجو الله، ويخافه كما يخاف الله، وبدأ به لأنه أعظم ذنب عصي ~~الله به كما في "الصحيحين" عن ابن مسعود سألت النبي صلى الله عليه وسلم أي ~~ذنب أعظ عن الله؟ قال: "أن تجعل لله ندا ms284 وهو خلقك" 1. # قوله: (والسحر) . تقدم معناه، وهذا وجه إيراد المصنف لهذا الحديث في ~~الباب. # قوله: (وقتل النفس التي حرم الله) . أي: حرم قتلها إلا بالحق، أي: بفعل ~~موجب للقتل، كقتل المشرك المحارب، والنفس بالنفس، والزاني بعد الإحصان، كما ~~قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ~~ولعنه وأعد له عذابا عظيما} 2 وسواء في ذلك القتل عمدا أو شبه عمد، كما صرح ~~به طائفة من الشافعية بخلاف قتل الخطإ، فإنه لا كبيرة ولا صغيرة، لأنه غير ~~معصية. # قلت: ويلتحق بذلك قتل المعاهد كما صح الحديث: "من قتل معاهدا لم يرح ~~رائحة الجنة."الحديث. PageV01P330 # قوله: (وأكل الربا) . أي: تناوله بأي وجه كان كما قال تعالى: {الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ... } 1 ~~إلى قوله: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} 2. قال ابن دقيق ~~العيد: وهو مجرب لسوء الخاتمة نعوذ بالله من ذلك. # قوله: (وأكل مال اليتيم) . يعني التعدي فيه، وعبر بالأكل، لأنه أهم وجوه ~~الانتفاع كما قال تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون ~~في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} 3. # قوله: (والتولي يوم الزحف) ، أي: الإدبار من وجوه الكفار وقت ازدحام ~~الطائفتين في القتال، وإنما يكون كبيرة إذا فر إلى غير فئة أو غير متحرف ~~لقتال كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} 4. # قوله: (وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) . هو بفتح الصاد المحفوظات من ~~الزنا، وبكسرها: الحافظات فروجهن منه. والمراد الحرائر العفيفات، ولا يختص ~~بالمتزوجات، بل حكم البكر كذلك بالإجماع كما ذكره الحافظ، إلا إن كانت دون ~~تسع سنين، والمراد رميهن بزنا أو لواط. والغافلات، أي: عن الفواحش وما رمين ~~به، لا خبر عندهن من ذلك، فهو كناية عن البريئات، لأن الغافل بريء عما بهت ~~به من الزنا، والمؤمنات، أي: ms285 بالله تعالى احترازا عن قذف الكافرات، فإنه من ~~الصغائر. # [ما ورد في حد الساحر] # قال: وعن جندب مرفوعا "حد الساحر ضربة بالسيف" 5. رواه الترمذي وقال: ~~الصحيح أنه موقوف. # ش: هذا الحديث رواه الترمذي كما قال المصنف من طريق PageV01P331 # إسماعيل بن مسلم المكي وقال بعد أن رواه: لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا ~~الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث من قبل حفظه، وإسماعيل بن ~~مسلم العبدي البصري، قال وكيع: هو ثقة، ويروى عن الحسن أيضا، والصحيح عن ~~جندب موقوف انتهى. ورواه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم وقال: صحيح غريب. ~~وقال الترمذي في "العلل": سألت عنه محمدا يعني البخاري فقال: هذا لا شيء، ~~وإسماعيل ضعيف جدا وقال الذهبي في "الكبائر": إنه من قول جندب، وأشار ~~مغلطاي إلى أنه - وإن كان ضعيفا يتقوى بكثرة طرقه. وقال: خرجه جمع: منهم ~~البغوي الكبير والصغير، والطبراني، والبزار ومن لا يحصى كثرة. # قوله: (عن جندب) . ظاهر صنيع الطبراني في "الكبير" أنه جندب بن عبد الله ~~البجلي لا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، فإنه رواه في "ترجمة" جندب ~~البجلي من طريق خالد العبد عن الحسن عن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم ### | .... # وذكره، وخالد العبد ضعيف. # قال الحافظ: والصواب أنه غيره، فقد رواه ابن قانع والحسن بن سفيان من ~~وجهين، عن الحسن عن جندب الخير أنه جاء إلى ساحر فضربه بالسيف حتى مات، ~~وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ... ، فذكره. # وجندب الخير هو جندب بن كعب - وقيل: جندب بن زهير، وقيل: هما واحد كما ~~قاله ابن حبان - أبو عبد الله الأزدي الغامدي صحابي. وروى ابن السكن من ~~حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يضرب ضربة فيكون أمة وحده". # قوله: (حد الساحر ضربة بالسيف) . روي بالهاء والتاء وكلاهما صحيح، وبهذا ~~الحديث أخذ أحمد ومالك وأبو حنيفة، فقالوا: يقتل الساحر. وروي ذلك عن عمر ~~وعثمان وابن عمر وحفصة وجندب بن عبد الله وجندب بن كعب وقيس بن سعد وعمر بن # PageV01P332 # عبد العزيز. ms286 ولم ير الشافعي عليه القتل بمجرد السحر إلا إن عمل في سحره ~~ما يبلغ الكفر. وبه قال ابن المنذر وهو رواية عن أحمد، والأول أولى للحديث، ~~ولأثر عمر الذي ذكره المصنف وعمل به الناس في خلافته من غير نكير فكان ~~إجماعا. # [أمر عمر رضي الله عنه بقتل الساحر] # قال: وفي " صحيح البخاري" عن بجالة بن عبدة قال: "كتب عمر بن الخطاب! أن ~~اقتلوا كل ساحر وساحرة. قال: فقتلنا ثلاث سواحر". # ش: هذا الأثر رواه البخاري كما ذكره المصنف، لكنه لم يذكر قتل السحرة. ~~ولفظه: عن بجالة بن عبدة قال: كنت كاتبا لجزء بن معاوية عم الأحنف، فأتانا ~~كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: فرقوا بين كل محرم من المجوس ولم يكن ~~عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أخذها من مجوس هجر. وعلى هذا فعزو المصنف إلى البخاري يحتمل أنه ~~أراد أصله لا لفظه ورواه الترمذي والنسائي مختصرا، ورواه عبد الرزاق وأحمد ~~وأبو داود والبيهقي مطولا. ورواه القطيعي في الجزء الثاني من "فوائده" ~~بزيادة، فقال: حدثنا أبو علي بشر بن موسى الأسدي، ثنا هوذة بن خليفة، ثنا ~~عوف عن عمار مولى بني هاشم عن بجالة بن عبدة قال: كتب إلينا عمر بن الخطاب ~~أن اعرضوا على من كان قبلكم من المجوس أن يدعوا نكاح أمهاتهم وبناتهم ~~وأخواتهم ويأكلوا جميعا كيما نلحقهم بأهل الكتاب، ثم اقتلوا كل كاهن وساحر. ~~قلت: وإسناده حسن. # قوله: (عن بجالة) . هو بفتح الموحدة بعدها جيم ابن عبدة بفتحتين التيمي ~~العنبري بصري ثقة. # قوله: (كتب إلينا عمر بن الخطاب: أن اقتلوا كل ساحر # PageV01P333 # وساحرة ... ) إلى آخره. صريح في قتل الساحر والساحرة، وهو من حجج الجمهور ~~القائلين بأنه يقتل، وظاهره أنه يقتل من غير استتابة، وهو كذلك على المشهور ~~عن أحمد، وبه قال مالك: إن الصحابة لم يستتيبوهم، ولأن علم السحر لا يزول ~~بالتوبة. وعن أحمد يستتاب فإن تاب، قبلت توبته وخلي سبيل، وبه قال الشافعي، ms287 ~~لأن ذنبه لا يزيد على الشرك، والمشرك يستتاب وتقبل توبته، فكذلك الساحر، ~~وعلمه بالسحر لا يمنع توبته بدليل ساحر أهل الكتاب إذا أسلم، ولذلك صح ~~إيمان سحرة فرعون وتوبتهم. # قلت: الأول أصح لظاهر عمل الصحابة. # فلو كانت الاستتابة واجبة لفعلوها أو بينوها، وأما قياسه على المشرك فلا ~~يصح، لأنه أكثر فسادا وتشويها من المشرك، وكذلك لا يصح قياسه على ساحر أهل ~~الكتاب، لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا الخلاف إنما هو في إسقاط الحد عنه ~~بالتوبة، أما فيما بينه وبين الله، فإن كان صادقا قبلت توبته. # قال: وصح عن حفصة أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها. # ش: هذا الأثر رواه مالك في "الموطأ" عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن ~~زرارة أنه بلغه "أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قتلت جارية لها ~~سحرتها وكانت قد دبرتها فأمرت بها فقتلت". ورواه عبد الرزاق. # وحفصة هي أم المؤمنين بنت عمر بن الخطاب تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعد خنيس بن حذافة سنة ثلاث وماتت سنة خمس وأربعين. # قال: وكذا صح عن جندب. # ش: المراد به هنا قطعا جندب الخير الأزدي قاتل الساحر، وهو جندب بن كعب ~~بن عبد الله. قال أبو حاتم: جندب بن كعب # PageV01P334 # قاتل الساحر، ويقال: جندب بن زهير، فجعلهما واحدا وفرق بينهما ابن الكلبي ~~وغيره. قال ابن عبد البر: ذكره الزبير أن جندب بن زهير قاتل الساحر والصحيح ~~أنه غيره. وأشار المصنف بهذا إلى قتله الساحر، كما رواه البخاري في ~~"تاريخه" عن أبي عثمان النهدي قال: كان عند الوليد رجل يلعب، فذبح إنسانا ~~وأبان رأسه فعجبنا فأعاد رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. # ورواه البيهقي في "الدلائل" مطولا وفيه، فقال الناس: سبحان الله يحيي ~~الموتى. ورآه رجل صالح من المهاجرين، فنظر إليه فلما كان من الغد اشتمل على ~~سيفه فذهب يلعب لعبه ذلك، فاخترط الرجل سيفه فضرب عنقه، وقال: إن كان ~~صادقا، فليحي نفسه فأمر به الوليد فسجن. وذكر القصة بتمامها ولها طرق ~~كثيرة. # قوله: (قال ms288 أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) . # ش: أحمد هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل. وقوله: عن ثلاثة أي: صح قتل ~~الساحر عن ثلاثة أو جاء قتل الساحر عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم يعني: عمر، وحفصة، وجندبا والله أعلم. # PageV01P335 ### | باب بيان شيئ من أنواع السحر # ... # [19- باب بيان شيء من أنواع السحر] # لما ذكر المصنف ما جاء في السحر أراد هنا أن يبين شيئا من أنواعه لكثرة ~~وقوعها وخفائها على الناس حتى اعتقد كثير من الناس أن من صدرت عنه هذه ~~الأمور، فهو من الأولياء، وعدوها من كرامات الأولياء وآل الأمر إلى أن عبد ~~أصحابها ورجي منهم النفع والضر، والحفظ والكلاءة والنصر أحياء وأمواتا، بل ~~اعتقد كثير في أناس من هؤلاء أن لهم التصرف التام المطلق في الملك، ولا بد ~~من ذكر فرقان يفرق به المؤمن بين ولي الله وبين عدو الله، من ساحر وكاهن ~~وعائف وزاجر ومتطير ونحوهم ممن قد يجري على يده شيء من الخوارق. # PageV01P335 # فاعلم أنه ليس كل من جرى على يده شيء من خوارق العادة يجب أن يكون وليا ~~لله تعالى، لأن العادة تنخرق بفعل الساحر والمشعوذ وخبر المنجم والكاهن ~~بشيء من الغيب، مما يخبره به الشياطين المسترقون للسمع. وفعل الشياطين ~~بأناس ممن ينتسبون إلى دين وصلاح ورياسة مخالفة للشريعة، كأناس من الصوفية ~~وكرهبان النصارى ونحوهم، فيطيرون بهم في الهواء، ويمشون بهم على الماء، ~~ويأتون بالطعام والشراب والدراهم، وقد يكون ذلك بعزائم ورقى شيطانية وبحيل ~~وأدوية، كالذين يدخلون النار بحجر الطلق ودهن النارنج. # وقد يكون برؤيا صادقة فيها وما يستدل به على وقوع ما لم يقع، وهذه مشتركة ~~بين ولي الله وعدوه. # وقد يكون ذلك بنوع طيرة يجدها الإنسان في نفسه فتوافق القدر، وتقع كما ~~أخبر، وقد يكون بعلم الرمل والضرب بالحصى، وقد يكون ذلك استدراجا والأحوال ~~الشيطانية كثيرة. # وقد فرق الله بين أوليائه وأعدائه في كتابه فاعتصم به وحده، لا إله إلا ~~هو، فإنه لا يضل من اعتصم ms289 به ولا يشقى. # قال الله تعالى: {ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون} 1. فذكر تعالى أن أولياءه الذين لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون هم المؤمنون المتقون، ولم يشترط أن يجري على أيديهم شيء من خوارق ~~العادة. فدل أن الشخص قد يكون وليا لله وإن لم يجر على يديه شيء من الخوارق ~~إذا كان مؤمنا متقيا. # وقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ~~ذنوبكم والله غفور رحيم} 2. فأولياء الله المحبوبون عند الله هم المتبعون ~~للرسول صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، ومن كان بخلاف هذا فليس بمؤمن ~~فضلا عن أن يكون وليا لله تعالى، وإنما أحبهم الله تعالى لأنهم والوه، ~~فأحبوا ما يحب، وأبغضوا ما يبغض، ورضوا بما يرضى، وسخطوا ما يسخط، وأمروا ~~بما يأمر، ونهوا عما ينهى، وأعطوا من يحب أن يعطى، ومنعوا من PageV01P336 # يحب أن يمنع. وأصل الولاية المحبة والقرب، وأصل العداوة البغض والبعد. # وبالجملة فأولياء الله هم أحبابه المقربون إليه بالفرائض والنوافل وترك ~~المحارم، الموحدون له، الذين لا يشركون بالله شيئا وإن لم تجر على أيديهم ~~خوارق، فإن كانت الخوارق دليلا على ولاية الله، فلتكن دليلا على ولاية ~~الساحر والكاهن والمنجم والمتفرس، ورهبان اليهود والنصارى، وعباد الأصنام، ~~فإنهم يجري لهم من الخوارق ألوف، ولكن هي من قبل الشياطين، فإنهم يتنزلون ~~عليهم لمجانستهم لهم في الأفعال والأقوال كما قال تعالى: {هل أنبئكم على من ~~تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم} 1. وقال تعالى: {ومن يعش عن ذكر ~~الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} 2. وقد طارت الشياطين ببعض من ينتسب ~~إلى الولاية، فقال: لا إله إلا الله فسقط. وتجد عمدة كثير من الناس في ~~اعتقادهم الولاية في شخص أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض ~~الخوارق للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو ~~غيرها أحيانا، أو يمشي على الماء، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو يخبر ms290 في ~~بعض الأوقات بشيء من الغيب، أو يختفي أحيانا عن أعين الناس، أو يخبر بعض ~~الناس بما سرق له، أو بحال غائب أو مريض، أو أن بعض الناس استغاث به وهو ~~غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته أو نحو ذلك، وليس في شيء من هذه ~~الأمور ما يدل على أن صاحبها مسلم فضلا عن أن يكون وليا لله، بل قد اتفق ~~أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر ~~PageV01P337 # به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ~~ونهيه. # ومثل هذه الأمور قد يكون صاحبها وليا لله، وقد يكون عدوا له، فإنها قد ~~تكون لكثير من الكفار والمشركين واليهود والنصارى والمنافقين وأهل البدع، ~~وتكون لهؤلاء من قبل الشياطين أو تكون استدراجا، فلا يجوز أن يظن أن كل من ~~كان له شيء من هذه الأمور فهو ولي لله، بل يعرف أولياء الله بصفاتهم ~~وأحوالهم وأفعالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، وأكثر هذه الأمور قد توجد ~~في أشخاص يكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي المكتوبة ولا يتنظف ولا يتطهر ~~الطهارة الشرعية، بل يكون ملابسا للنجاسات، معاشرا للكلاب، يأوي إلى ~~المزابل، رائحته خبيثة، ركابا للفواحش، يمشي في الأسواق كاشفا لعورته، ~~غامزا للشرع، مستهزئا به وبحملته، يأكل العقارب والخبائث التي تحبها ~~الشياطين، كافرا بالله، ساجدا لغير الله من القبور وغيرها، يكره سماع ~~القرآن وينفر منه، ويؤثر سماع الأغاني والأشعار ومزامير الشيطان على كلام ~~الرحمن. فلو جرى على يدي شخص من الخوارق ماذا عساه أن يجري فلا يكون وليا ~~لله، محبوبا عنده حتى يكون متبعا لرسوله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا. # فإن قلت: فعلى هذا ما الفرق بين الكرامة وبين الاستدراج والأحوال ~~الشيطانية؟ قيل: إن علمت ما ذكرنا عرفت الفرق، لأنه إذا كان الشخص مخالفا ~~للشرع، فما يجري له من هذه الأمور ليس بكرامة، بل هي إما استدراج وإما من ~~عمل الشياطين، ويكون سببها هو ارتكاب ما نهى الله عنه ورسوله صلى الله ms291 عليه ~~وسلم، فإن المعاصي لا تكون سببا لكرامة الله، ولا يستعان بالكرامات عليها، ~~فإذا كانت لا تحصل بالصلاة والذكر وقراءة القرآن والدعاء بل تحصل بما تحبه ~~الشياطين كالاستغاثة بغير الله، أو كانت مما يستعان بها على ظلم الخلق وفعل ~~الفواحش، فهي من الأحوال الشيطانية لا من الكرامات الرحمانية، وكلما كان ~~الإنسان أبعد عن الكتاب والسنة كانت الخوارق الشيطانية # PageV01P338 # له أقوى وأكثر من غيره، فإن الجن الذين يقترنون بالإنس من جنسهم. فإن كان ~~كافرا ووافقهم على ما يختارونه من الكفر والفسوق والضلال والإقسام عليهم ~~بأسماء من يعظمونه، وللسجود لهم وكتابة أسماء الله أو بعض كلامه بالنجاسة ~~فعلوا معه كثيرا مما يشتهيه بسبب ما برطلهم به من الكفر وقد يأتونه بما ~~يهواه من امرأة وصبي، بخلاف الكرامة، فإنها لا تحصل إلا بعبادة الله ~~والتقرب إليه ودعائه وحده لا شريك له، والتمسك بكتابه، واجتناب المحرمات، ~~فما يجري من هذا الضرب فهو كرامة. وقد اتفق على هذا الفرق جميع العلماء. # وبالجملة فإن عرفت الأسباب التي بها تنال ولاية الله عرفت أهلها وعرفت ~~أنهم أهل الكرامة، وإن كنت ممن يسمع بالأولياء وهو لا يعرف الولاية ولا ~~أسبابها ولا أهلها بل يميل مع كل ناعق وساحر {وما تغني الآيات والنذر عن ~~قوم لا يؤمنون} [يونس، من الآية101] . ولشيخ الإسلام كتاب "الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان1". فراجعه فإنه أتى فيه بالحق المبين. # [العيافة والطرق والطيرة من الجبت] # قال رحمه الله: قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف ثنا حبان بن ~~العلاء، ثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت" 2. # قال عوف: العيافة: زجر الطير، والطرق: الخط يخط في الأرض، والجبت: قال ~~الحسن: رنة الشيطان. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي وابن حبان في " صحيحه ~~" المسند منه. # ش: قوله: "قال أحمد". هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل، ومحمد ابن جعفر هو ~~المشهور بغندر الهذلي البصري ثقة مشهور، PageV01P339 # ثبت في شعبة حتى فضله علي بن ms292 المديني فيه على عبد الرحمن بن مهدي بل أقر ~~له ابن مهدي بذلك. مات سنة ثلاث وتسعين ومائة1 أو أربع وتسعين ومائة. وعوف ~~هو ابن أبي جميلة - بفتح الجيم - العبدي البصري المعروف بعوف الأعرابي ثقة. ~~مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، وله ست وثمانون سنة. وحبان بن العلاء هو ~~بالتحتية ويقال: حيان بن مخارق أبو العلاء البصري مقبول. وقطن - بفتحتين - ~~أبو سهلة البصري صدوق. # قوله: (عن أبيه) . هو قبيصة - بفتح أوله وكسر الموحدة ابن المخارق - بضم ~~الميم وتخفيف المعجمة أبو عبد الله الهلالي، صحابي نزل البصرة. # قوله: (إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت) . قال عوف: العيافة زجر ~~الطير. هذا التفسير ذكره غير واحد كما قال عوف وهو كذلك. # قال أبو السعادات: العيافة: زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها ~~وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا وهو كثير في أشعارهم، يقال: عاف يعيف ~~عيفا: إذا زجر وحدس وظن. # قوله: (والطرق) : الخط يخط في الأرض هكذا فسره عوف، وهو تفسير صحيح. وقال ~~أبو السعادات: هو الضرب بالحصى الذي يفعله النساء. # قلت: وأيا ما كان فهو من الجبت، وأما الطيرة، فسيأتي الكلام عليها في ~~بابها إن شاء الله تعالى # قوله: "من الجبت". أي: من أعمال السحر. قال القاضي: والجبت في الأصل: ~~الجبس الذي لا خير فيه، ثم استعير لما يعبد من دون الله وللساحر والسحر. ~~وقال الطيبي: "من" فيه إما ابتدائية أو تبعيضية، فعلى الأول المعنى الطيرة ~~ناشئة من الساحر، PageV01P340 # وعلى الثاني المعنى الطيرة من جملة السحر والكهانة، أو من جملة عبادة غير ~~الله، أي: الشرك يؤيده قوله في الحديث الآتي: (الطيرة شرك) انتهى. # وفي الحديث دليل على تحريم التنجيم، لأنه إذا كان الخط ونحوه الذي هو من ~~فروع النجامة من الجبت فكيف بالنجامة؟! . # قوله: (قال الحسن: رنة الشيطان) . لم أجد فيه كلاما. # قوله: (ولأبي داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" المسند منه) . يعني أن ~~هؤلاء رووا الحديث واقتصروا على المرفوع منه، ولم يذكروا التفسير الذي فسره ~~به عوف. وقد رواه أبو داود في ms293 التفسير المذكور بدون كلام الحسن. # والنسائي هو الإمام الحافظ أحمد بن شعيب بن علي ابن سنان بن بحر بن دينار ~~أبو عبد الرحمن صاحب "السنن" وغيرها من المصنفات. روى عن محمد بن المثنى ~~وابن بشار وقتيبة بن سعيد وخلق. وكان إليه المنتهى في الحفظ والعلم لعلل ~~الحديث. مات سنة ثلاث وثلاثمائة وله ثمان وثمانون سنة. # قال: وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من اقتبس ~~شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد" 1. رواه أبو داود ~~بإسناد صحيح PageV01P341 # ش: هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف بإسناد صحيح، وكذا صححه ~~النووي والذهبي ورواه أحمد وابن ماجة. # قوله: (من اقتبس) . قال أبو السعادات: قبست العلم واقتبسته: إذا تعلمته. ~~انتهى. # وعلى هذا، فالمعنى من تعلم. # قوله: (شعبة) ، أي: طائفة وقطعة من النجوم، والشعبة: الطائفة من الشيء ~~والقطعة منه، ومنه الحديث: "الحياء شعبة من الإيمان" 1، أي: جزء منه. # قوله: (فقد اقتبس شعبة من السحر) . أي: المعلوم تحريمه قال شيخ الإسلام: ~~فقد صرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علم النجوم من السحر. وقد قال ~~الله تعالى: {ولا يفلح الساحر حيث أتى} 2. وهكذا الواقع فإن الاستقراء يدل ~~على أن أهل النجوم لا يفلحون في الدنيا ولا في الآخرة. # قوله: "زاد ما زاد" يعني: كلما زاد من علم النجوم زاد له من الإثم مثل ~~إثم الساحر، أو زاد اقتباس شعب السحر ما زاد اقتباس علم النجوم. # قلت: والقولان متلازمان، لأن زيادة الإثم فرع عن زيادة السحر، وذلك لأنه ~~تحكم على الغيب الذي استأثر الله بعلمه. فعلم أن تأثير النجوم باطل محرم، ~~وكذا العمل بمقتضاه، كالتقرب إليها بتقريب القرابين لها كفر، قاله ابن رجب. # قال: وللنسائي من حديث أبي هريرة: "من عقد عقدة ثم نفث فيها، فقد سحر، ~~ومن سحر، فقد أشرك، ومن تعلق شيئا، وكل إليه" 3. # ش: هذا الحديث ذكره المصنف من حديث أبي هريرة وعزاه للنسائي ولم يبين هل ~~هو موقوف أو مرفوع؟ وقد رواه ms294 النسائي مرفوعا وذكر المصنف عن الذهبي أنه ~~قال: لا يصح، وحسنه ابن مفلح. PageV01P342 # قوله: (من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر) . اعلم أن السحرة إذا أرادوا ~~عمل السحر، عقدوا الخيوط، ونفثوا على كل عقدة حتى ينعقد ما يريدونه من ~~السحر. ولهذا أمر الله بالاستعاذة من شرهم في قوله: {ومن شر النفاثات في ~~العقد} 1. يعني: السواحر اللاتي يفعلن ذلك، والنفث: هو النفخ مع ريق، وهو ~~دون التفل وهو مرتبة بينهما، والنفث فعل الساحر. فإذا تكيفت نفسه بالخبث ~~والشر الذي يريده بالمسحور، ويستعين عليه بالأرواح الخبيثة، نفخ في تلك ~~العقد نفخا معه ريق، فيخرج من نفسه الخبيثة نفس ممازج للشر والأذى مقترن ~~بالريق الممازج لذلك. وقد يتساعد هو والروح الشيطانية على أذى المسحور، ~~فيصيبه السحر بإذن الله الكوني الشرعي، لا الإذن القدري قاله ابن القيم. # قوله: (ومن سحر فقد أشرك) . نص في أن الساحر مشرك إذ لا يتأتى السحر بدون ~~الشرك كما حكاه الحافظ عن بعضهم. # قوله: (ومن تعلق شيئا وكل إليه) . أي: من تعلق قلبه شيئا بحيث يتوكل ~~عليه، ويرجوه وكله الله إلى ذلك الشيء. فإن تعلق العبد على ربه وإلهه وسيده ~~ومولاه، رب كل شيء ومليكه وكله إليه فكفاه ووقاه وحفظه وتولاه، و {نعم ~~المولى ونعم النصير} ، [لأنفال، من الآية: 40] ، كما قال تعالى: {أليس الله ~~بكاف عبده} 2. ومن تعلق على السحر والشياطين وكله الله إليهم فأهلكوه في ~~الدنيا والآخرة. # وبالجملة فمن توكل على غير الله كائنا من كان وكل إليه، وأتاه الشر في ~~الدنيا والآخرة من جهته مقابلة له بنقيض قصده، وهذه سنة الله في عباده التي ~~لا تبدل، وعادته التي لا تحول، أن من اطمأن إلى غيره أو وثق بسواه، أو ركن ~~إلى مخلوق يدبره، أجرى الله تعالى PageV01P343 # له بسببه أو من جهته خلاف ما علق به آماله. وهذا أمر معلوم بالنص ~~والعيان. ومن تأمل ذلك في أحوال الخلق بعين البصيرة النافذة رأى ذلك عيانا. # وفائدة هذه الجملة بعد ما قبلها الإشارة إلى أن الساحر متعلق على غير ms295 ~~الله، فإنه متعلق على الشياطين. # قال: وعن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا هل أنبئكم ~~ما العضه هي النميمة القالة بين الناس" 1 رواه مسلم. # ش: قوله: (هل أنبئكم) ، أي: أخبركم. # قوله: (ما العضه؟) ، هو بفتح العين المهملة وسكون المعجمة. قال أبو ~~السعادات: هكذا يروى في كتب الحديث. والذي جاء في كتب الغريب ألا أنبئكم ما ~~العضة بكسر العين وفتح الضاد. وفي حديث آخر "إياكم والعضة" قال الزمخشري: ~~أصلها العضهة فعلة من العضه، وهو البهت فحذفت لامه، كما حذفت من السنة ~~والشفة وتجمع على عضين. ثم فسره بقوله: هي النميمة القالة بين الناس. وعلى ~~هذا فأطلق عليها العضه، لأنها لا تنفك عن الكذب والبهتان غالبا، ذكره ~~القرطبي. # قلت: ظاهر إيراد المصنف لهذا الحديث هنا يدل على أن معنى العضه عنده هنا ~~هو السحر، ويدل على ذلك حديث: "كادت النميمة أن تكون سحرا". رواه ابن لال ~~في "مكارم الأخلاق" بإسناد ضعيف. وذكر ابن عبد البر عن يحيى بن أبي كثير ~~قال: يفسد النمام والكذاب في ساعة ما لا يفسد الساحر في سنة. # وقال أبو الخطاب في "عيون المسائل": ومن السحر السعي بالنميمة والإفساد ~~بين الناس. # قال في "الفروع" ووجهه أنه يقصد الأذى بكلامه وعلمه على وجه المكر ~~والحيلة، أشبه السحر، ولهذا يعلم بالعرف والعادة أنه يؤثر وينتج ما يعمله ~~الساحر أو أكثر، فيعطى حكمه تسوية بين المتماثلين أو المتقاربين، لكنه ~~يقال: الساحر إنما PageV01P344 # كفر لوصف السحر وهو أمر خاص، ودليله خاص، وهذا ليس بساحر وإنما يؤثر عمله ~~ما يؤثره فيعطى حكمه إلا فيما اختص به من الكفر وعدم قبول التوبة انتهى ~~ملخصا. وبه يظهر مطابقة الحديث للترجمة. # والحديث دليل على تحريم الغيبة والنميمة، وهو كذلك بالإجماع. وقد قال أبو ~~محمد بن حزم: اتفقوا على تحريم الغيبة والنميمة في غير النصيحة الواجبة، ~~وفيه دليل على أنها من الكبائر. # وقوله: (القالة بين الناس) . قال أبو السعادات: أي: كثرة القول وإيقاع ~~الخصومة بين الناس بما يحكى للبعض عن البعض، ms296 ومنه الحديث "ففشت القالة بين ~~الناس" 1. # قال: ولهما عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن من ~~البيان لسحرا" 2. # ش: البيان: البلاغة والفصاحة، قال صعصعة بن صوحان: صدق نبي الله أما ~~قوله: (إن من البيان لسحرا) ، فالرجل يكون عليه الحق وهو ألحن بالحجج من ~~صاحب الحق، فيسحر القوم ببيانه، فيذهب بالحق. وقال ابن عبد البر: تأولته ~~طائفة على الذم، لأن السحر مذموم. وذهب أكثر أهل العلم وجماعة أهل الأدب ~~إلى أنه على المدح، لأن الله تعالى مدح البيان. قال: وقد قال عمر بن عبد ~~العزيز لرجل سأله عن حاجة، فأحسن المسألة، فأعجبه قوله فقال: "هذا والله ~~السحر الحلال". # قلت: الأول أصح وهو أنه خرج مخرج الذم لبعض البيان لا كله، # وهو الذي فيه تصويب الباطل وتحسينه، حتى يتوهم السامع أنه حق أو يكون فيه ~~بلاغة زائدة عن الحد، أو قوة في الخصومة حتى يسحر القوم ببيانه، فيذهب ~~بالحق ونحو ذلك، فسماه سحرا لأنه يستميل القلوب كالسحر، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم لما جاءه رجلان من PageV01P345 # المشرق، فخطبا فعجب الناس لبيانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"إن من البيان لسحرا" 1. كما رواه مالك والبخاري وغيرهم. # وأما جنس البيان، فمحمود بخلاف الشعر فجنسه مذموم إلا ما كان حكما، ولكن ~~لا يحمد البيان إلا إذا لم يخرج إلى حد الإسهاب والإطناب، أو تصوير الباطل ~~في صورة الحق، فإذا خرج إلى هذا الحد فهو مذموم. وعلى هذا تدل الأحاديث ~~كقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل ~~بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها" 2. رواه أحمد وأبو داود. # وقوله: (لقد رأيت أو لقد أمرت أن أتجوز في القول فإن الجواز هو خير) . ~~رواه أبو داود. PageV01P346 # [20- ### | باب ما جاء في الكهان ونحوهم # اعلم أن الكهان الذين يأخذون عن مسترقي السمع موجودون إلى اليوم، لكنهم ~~قليل بالنسبة لما كانوا عليه في الجاهلية، لأن الله تعالى حرس السماء ~~بالشهب، ولم يبق من استراقهم إلا ما يخطفه الأعلى، ms297 فيلقيه إلى الأسفل قبل ~~أن يصيبه الشهاب. # وأما ما يخبر به الجني مواليه من الإنس بما غاب عن غيره مما لا يطلع عليه ~~الإنسان غالبا فكثير جدا في أناس ينتسبون إلى الولاية والكشف، وهم من ~~الكهان إخوان الشياطين لا من الأولياء. # ولما ذكر المصنف شيئا مما يتعلق بالسحر ذكر ما جاء في الكهان ونحوهم ~~كالعراف لمشابهة هؤلاء للسحرة. # والكهانة: ادعاء علم الغيب كالإخبار بما سيقع في الأرض مع الاستناد إلى ~~سبب. # والأصل فيه استراق الجن السمع من كلام الملائكة، فتلقيه في أذن الكاهن، ~~والكاهن لفظ يطلق على العراف والذي يضرب الحصى والمنجم. وقال في "المحكم": ~~الكاهن: القاضي بالغيب. # PageV01P346 # وقال الخطابي: الكهان فيما علم بشهادة الامتحان: قوم لهم أذهان حادة ~~ونفوس شريرة، وطبائع نارية، فهم يفزعون إلى الجن في أمورهم، ويستفتونهم في ~~الحوادث، فيلقون إليهم الكلمات. # ] من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما] . # قال: وروى مسلم في " صحيحه " عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل ~~له صلاة أربعين يوما" 1. # ش: هذا الحديث رواه مسلم كما قال المصنف، ولفظه: حدثنا محمد بن المثنى ~~العنزي، ثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله - في نسخة: عبد الله - عن نافع عن ~~صفية عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما وليلة" 2. ~~هكذا رواه، وليس فيه "فصدقه". # قوله: (عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) . هي حفصة، على ما ذكره ~~أبو مسعود الدمشقي، لأنه ذكر هذا الحديث في الأطراف في مسندها وكذلك سماه ~~بعض الرواة. # قوله: (من أتى عرافا فسأله عن شيء) . العراف سيأتي بيانه وهو من أنواع ~~الكهان، وظاهر الحديث أن هذا الوعيد مرتب على مجيئه وسؤاله سواء صدقه، أو ~~شك في خبره، لأن إتيان الكهان منهي عنه، كما في حديث معاوية ms298 بن الحكم ~~السلمي "قلت: يا رسول الله إن منا رجالا يأتون الكهان قال: فلا تأتهم" 3. ~~رواه مسلم. ولأنه إذا شك في خبره، فقد شك في أنه لا يعلم الغيب، وذلك موجب ~~للوعيد، بل يجب عليه أن يقطع ويعتقد أنه لا يعلم الغيب إلا الله. # قوله: (لم تقبل له صلاة أربعين يوما) ، إذا كانت هذه حال السائل، فكيف ~~بالمسؤول؟ قال النووي وغيره: معناه: أنه لا ثواب له فيها، وإن كانت مجزئة ~~في سقوط الفرض عنه، ولا يحتاج معها إلى PageV01P347 # إعادة، ونظير هذه الصلاة في أرض مغصوبة مجزئة مسقطة للقضاء، لكن لا ثواب ~~له فيها، قاله جمهور أصحابنا. قالوا: فصلاة الفرض إذا أتى بها على وجهها ~~الكامل، ترتب عليها شيئان: سقوط الفرض، وحصول الثواب. فإذا أداها في أرض ~~مغصوبة، حصل له الأول دون الثاني ولا بد من هذا التأويل في هذا الحديث، فإن ~~العلماء متفقون على أنه لا يلزم من أتى العراف إعادة صلاة أربعين ليلة فوجب ~~تأويله، هذا كلامه. وهو مبني على الملازمة بين الإجزاء وعدم الإعادة. # والصواب أن عدم الإعادة لا يستلزم الإجزاء، لكن الصلاة في الأرض المغصوبة ~~في إجزائها نزاع، والمشهور من مذهب أحمد أنها لا تجزئ وتجب إعادتها. # وفي الحديث النهي عن إتيان الكاهن ونحوه قال القرطبي: يجب على من قدر على ~~ذلك من محتسب وغيره أن يقيم على من يتعاطى شيئا من ذلك من التعزيرات. وينكر ~~عليهم أشد النكير وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا ~~بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم، فإنهم غير راسخين في العلم، بل من ~~الجهال بما في إتيانهم من المحذور. # [من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد] # قال: وعن أبي هريرة. عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهنا ~~فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" 1. رواه أبو ~~داود. # ش: هذا الحديث رواه أبو داود ولفظه: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا ms299 حماد. ح ~~وحدثنا مسدد ثنا يحيى عن حماد بن سلمة عن حكيم الأثرم، عن أبي تميمة عن أبي ~~هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى كاهنا قال موسى في ~~حديثه: فصدقه بما يقول أو أتى امرأة، قال مسدد: امرأته حائضا، أو أتى ~~امرأة. قال مسدد: يعني: امرأته في دبرها، فقد برئ مما أنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم"، ورواه PageV01P348 # الترمذي والنسائي وابن ماجة بنحوه وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث ~~الأثرم، وضعف محمد هذا الحديث من جهة إسناده. وقال البغوي: سنده ضعيف، وقال ~~الذهبي: ليس إسناده بالقائم. # قلت: أطال أبو الفتح اليعمري في بيان ضعفه وادعى أن متنه منكر، وأخطأ في ~~إطلاق ذلك، فإن إتيان الكاهن له شواهد صحيحة، منها ما ذكره المصنف بعده، ~~وكذلك إتيان المرأة في الدبر له شواهد، منها ما رواه عبد بن حميد بإسناد ~~صحيح عن طاووس "أن رجلا سأل ابن عباس عن إتيان المرأة في دبرها فقال: ~~تسألني عن الكفر؟ ". ومنها ما رواه الترمذي والنسائي وابن حبان في "صحيحه". ~~وصححه ابن حزم عن ابن عباس مرفوعا: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو ~~امرأة في الدبر" 1. # والأحاديث في ذلك كثيرة. وغاية ما ينكر من متنه ذكر إتيان الحائض والله ~~أعلم. # قال: وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن ... "من أتى عرافا أو ~~كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" 2. # ش: هكذا بيض المصنف اسم الراوي. وقد رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن أبي ~~هريرة مرفوعا ولفظ أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة ~~والحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم ... فذكره. وهذا إسناد صحيح على شرط ~~البخاري فقد روي عن عوف عن خلاس عن أبي هريرة، حديث "أن موسى كان رجلا حييا ~~... " الحديث. قال العراقي في أماليه: حديث صحيح. وقال الذهبي: إسناده قوي. ~~وعلى هذا فعزو المصنف إلى الأربعة ليس كذلك، فإنه لم يروه أحد منهم، وأظنه ms300 ~~تبع في ذلك الحافظ، فإنه عزاه في "الفتح" إلى أصحاب السنن والحاكم فوهم، ~~ولعله أراد الذي قبله. # قوله: "من أتى كاهنا ... " 3 إلى آخره. قال بعضهم: لا تعارض PageV01P349 # بين هذا الخبر، وبين حديث: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة ~~أربعين ليلة" 1. إذ الغرض في هذا الحديث أنه سأله معتقدا صدقه وأنه يعلم ~~الغيب فإنه يكفر، فإن اعتقد أن الجن تلقي إليه ما سمعته من الملائكة، أو ~~أنه بإلهام فصدقه من هذه الجهة لا يكفر كذا قال، وفيه نظر. وظاهر الحديث ~~أنه يكفر متى اعتقد صدقه بأي وجه كان، لاعتقاده أنه يعلم الغيب، وسواء كان ~~ذلك من قبل الشياطين، أو من قبل الإلهام لا سيما وغالب الكهان في وقت ~~النبوة إنما كانوا يأخذون عن الشياطين. وفي حديث رواه الطبراني عن واثلة ~~مرفوعا: "من أتى كاهنا فسأله عن شيء حجبت عنه التوبة أربعين ليلة فإن صدقه ~~بما قال كفر". قال المنذري: ضعيف. فهذا - لو ثبت - نص في المسألة لكن ما ~~تقدم من الأحاديث يشهد له، فإن الحديث الذي فيه الوعيد بعدم قبول الصلاة ~~أربعين ليلة ليس فيه ذكر تصديقه والأحاديث التي فيها إطلاق الكفر مقيدة ~~بتصديقه. # قوله: "فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم". قال الطيبي: ~~المراد بالمنزل الكتاب والسنة، أي: من ارتكب هذه فقد برئ من دين محمد صلى ~~الله عليه وسلم وما أنزل عليه انتهى. وهل الكفر في هذا الموضوع كفر دون كفر ~~أو يجب التوقف؟ فلا يقال: ينقل عن الملة. ذكروا فيها روايتين عن أحمد وقيل: ~~هذا على التشديد والتأكيد، أي: قارب الكفر والمراد كفر النعمة، وهذان ~~القولان باطلان. # قال: ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا. # ش: أبو يعلى اسمه أحمد بن علي بن المثنى الموصلي الإمام صاحب التصانيف ك: ~~"المسند" وغيره روى عن يحيى بن معين وأبي خيثمة وأبي بكر بن أبي شيبة وخلق ~~وكان من الأئمة الحفاظ مات سنة سبع وثلاثمائة. وهذا الأثر رواه البزار أيضا ~~وإسناده ms301 على شرط مسلم ولفظه: "من أتى كاهنا أو ساحرا فصدقه بما يقول فقد ~~كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم" 2. وفيه دليل على كفر ~~PageV01P350 # الكاهن والساحر والمصدق لهما، لأنهما يدعيان علم الغيب وذلك كفر، والمصدق ~~لهما يعتقد ذلك ويرضى به وذلك كفر أيضا. # قال: وعن عمران بن الحصين مرفوعا "ليس منا من تطير أو تطير له، [أو تكهن] ~~أو تكهن له، [أو سحر] أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما ~~أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم". رواه البزار بإسناد جيد. # ورواه الطبراني بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله: (ومن أتى ... ) ~~إلى آخره. # ش: هذا الحديث رواه الطبراني كما قال "المصنف" في "الأوسط" قال المنذري: ~~إسناد الطبراني حسن وإسناد البزار جيد. # قوله: (ليس منا) أي: ليس يفعل ذلك من هو من أشياعنا العاملين باتباعنا ~~المقتفين لشرعنا. # قوله: (من تطير) أي: فعل الطيرة أو تطير له، أي: أمر من يتطير له، وكذلك ~~معنى تكهن أو تكهن له [أو سحر] أو سحر له. # قوله: (رواه البزار) . اسمه أحمد بن عمرو بن عبد الخالق أبو بكر البزار ~~البصري صاحب "المسند الكبير" الذي عزا إليه المصنف، روى عن ابن بشار وابن ~~المثنى وخلق. قال الدارقطني: ثقة يخطئ ويتكل على حفظه مات سنة اثنين وتسعين ~~ومائتين. # [تعريف الكاهن والعراف] # قوله: قال البغوي [في شرح السنة 3259] : "العراف الذي يدعي معرفة الأمور ~~بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل: هو الكاهن، ~~والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في ~~الضمير، وقال أبو العباس ابن تيمية: "العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ~~ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق". # ش: البغوى بفتحتين اسمه الحسين بن مسعود بن الفراء # PageV01P351 # المعروف بمحيي السنة الشافعي صاحب التصانيف، وعالم أهل خراسان وكان ثقة ~~فقيها زاهدا مات في شوال سنة ست عشرة وخمسمائة. # قوله: (العراف الذي يدعي معرفة الأمور ... ) إلى آخره. هذا تفسير حسن ~~وظاهره يقتضي ms302 أن العراف هو الذي يخبر عن الواقع كالمسروق والضالة، وأحسن ~~منه كلام شيخ الإسلام: أن العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوهم، ~~كالحازر الذي يدعي علم الغيب أو يدعي الكشف. وقال أيضا: "والمنجم يدخل في ~~اسم العراف وعند بعضهم هو في معناه". وقال أيضا: "والمنجم يدخل في اسم ~~الكاهن عند الخطابي وغيره من العلماء وحكى ذلك عن العرب وعند آخرين من جنس ~~الكاهن وأسوء حالا منه، فيلحق به من جهة المعنى"، وقال الإمام أحمد: ~~"العراف طرف من السحر والساحر أخبث". وقال أبو السعادات: "العراف المنجم ~~والحازر الذي يدعي علم الغيب وقد استأثر الله تعالى به". # وقال ابن القيم: "من اشتهر بإحسان الزجر عندهم سموه عائفا وعرافا. ~~والمقصود من هذا معرفة أن من يدعي علم شيء من المغيبات، فهو إما داخل في ~~اسم الكاهن، وإما مشارك له في المعنى فيلحق به، وذلك أن إصابة المخبر ببعض ~~الأمور الغائبة في بعض الأحيان يكون بالكشف. ومنه ما هو من الشياطين ويكون ~~بالفأل والزجر والطير والضرب بالحصى والخط في الأرض والتنجيم والكهانة ~~والسحر ونحو هذا من علوم الجاهلية. ونعني بالجاهلية: كل من ليس من أتباع ~~الرسل كالفلاسفة والكهان والمنجمين وجاهلية العرب الذين كانوا قبل مبعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فإن هذه علوم قوم ليس لهم علم بما جاءت به الرسل ~~عليهم السلام. وكل هذه الأمور يسمى صاحبها كاهنا أو عرافا أو في معناهما ~~فمن أتاهم فصدقهم بما يقولون لحقه الوعيد. # PageV01P352 # وقد ورث هذه العلوم عنهم أقوام فادعوا بها علم الغيب الذي استأثر الله ~~تعالى بعلمه، وادعوا أنهم أولياء وأن ذلك كرامة، ولا ريب أن من ادعى ~~الولاية، واستدل عليها بإخباره ببعض المغيبات، فهو من أولياء الشيطان لا من ~~أولياء الرحمن، إذ الكرامة أمر يجريه الله على يد عبده المؤمن المتقي، إما ~~بدعاء أو أعمال صالحة لا صنع للولي فيها، ولا قدرة له عليها بخلاف من يدعي ~~أنه ولي لله ويقول للناس: اعلموا أني أعلم المغيبات، فإن مثل هذه الأمور قد ~~تحصل بما ذكرنا من ms303 الأسباب وإن كانت أسبابا محرمة كاذبة في الغالب، ولهذا ~~قال صلى الله عليه وسلم في وصف الكهان: "فيكذبون معها مائة كذبة" 1. فبين ~~أنهم يصدقون مرة ويكذبون مائة. وهكذا حال من سلك سبيل الكهان ممن يدعي ~~الولاية والعلم بما في ضمائر الناس مع أن نفس دعواه دليل على كذبه، لأن في ~~دعواه الولاية تزكية النفس المنهي عنها بقوله: {فلا تزكوا أنفسكم} 2. وليس ~~هذا من شأن الأولياء، بل شأنهم الإزراء على نفوسهم وعيبهم لها وخوفهم من ~~ربهم. # فكيف يأتون الناس يقولون: اعرفوا أنا أولياء، وأنا نعلم الغيب. وفي ضمن ~~ذلك طلب المنزلة في قلوب الخلق، واقتناص الدنيا بهذه الأمور؟! وحسبك بحال ~~الصحابة والتابعين وهم سادات الأولياء أفكان عندهم من هذه الدعاوى والشطحات ~~شيء؟! لا والله. بل كان أحدهم لا يملك نفسه من البكاء إذا قرأ القرآن ~~كالصديق. وكان عمر يسمع نشيجه من وراء الصفوف يبكي في صلاته، وكان يمر ~~بالآية في ورده بالليل فيمرض منها ليالي يعوده الناس، وكان تميم الداري ~~يتقلب في فراشه لا يستطيع النوم إلا قليلا خوفا من النار، ثم يقوم إلى ~~صلاته ويكفيك في صفات الأولياء ما ذكر الله تعالى من صفاتهم في سورة الرعد ~~[20، 22، 28] ، والمؤمنين [1، 9، 57، 61] ، والفرقان [63، 74] ، والذاريات ~~[16، 19] ، والطور [26، 28] ، فالمتصفون بتلك الصفات هم الأولياء الأصفياء ~~لا أهل الدعوى PageV01P353 # والكذب، ومنازعة رب العالمين فيما اختص من الكبرياء والعظمة، وعلم الغيب، ~~بل مجرد دعواه علم الغيب كفر، فكيف يكون المدعي لذلك وليا لله؟! ولقد عظم ~~الضرر، واشتد الخطب بهؤلاء المفترين الذين ورثوا هذه العلوم عن المشركين، ~~ولبسوا بها على خفافيش البصائر. نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا ~~والآخرة". # فإن قلت: كيف يكون علم الخط من الكهانة؟ وقد روى أحمد ومسلم عن "معاوية ~~بن الحكم أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومنا رجال يخطون فقال كان ~~نبي من الأنبياء يخط فمن وافق خطه فذاك" 1. # قلت: قال النووي: "معناه أن من وافق خطه، فهو مباح له، لكن لا طريق لنا ~~إلى العلم باليقين بالموافقة، فلا يباح. والقصد أنه لا يباح ms304 إلا بيقين ~~الموافقة وليس لنا يقين". وقال غيره: "المراد به النهي عنه والزجر عن ~~تعاطيه، لأن خط ذلك النبي كان معجزة وعلما لنبوته، وقد انقطعت نبوته ولم ~~يقل: فذلك الخط حرام دفعا لتوهم أن خط ذلك النبي حرام". # قلت: ويحتمل أن المعنى أن سبب إصابة صاحب الخط هو موافقته لخط ذلك النبي، ~~فمن وافق خطه أصاب. وإذا كان كذلك وكانت الإصابة نادرة بالنسبة إلى الخط، ~~ولا طريق إلى اليقين بالموافقة صار ذلك بالنسبة إلى من يتعاطاه من أنواع ~~الكهانة لمشاركته لها في المعنى إذا علمت ذلك، فاعلم أن مذهب الإمام أحمد ~~أن حكم الكاهن والعراف الاستتابة، فإن تابا وإلا قتلا. ذكره غير واحد من ~~الأصحاب. # فأما المعزم الذي يعزم على المصروع، ويزعم أنه يجمع الجن وأنها تطيعه، ~~والذي يحل السحر، فقال في "الكافي" ذكرهما أصحابنا في السحرة الذين ذكرنا ~~حكمهم. وقد توقف أحمد لما سئل عن الرجل يحل السحر، فقال: قد رخص فيه بعض ~~الناس. قيل: إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه، فنفض يده وقال: ما أدري ما ~~هذا؟!. قيل له: فترى أن يؤتى مثل هذا يحل؟ قال: ما أدري PageV01P354 # ما هذا؟!. قال: وهذا يدل على أنه لا يكفر صاحبه، ولا يقتل. # قلت: إن كان ذلك لا يحصل إلا بالشرك والتقرب إلى الجن، فإنه يكفر ويقتل، ~~ونص أحمد لا يدل على أنه لا يكفر، فإنه قد يقول مثل هذا في الحرام البين. # قوله: وقال ابن عباس في قوم يكتبون أبا جاد، وينظرون في النجوم: ما أرى ~~من فعل ذلك له عند الله من خلاق. # ش: هذا الأثر ذكره المصنف عن ابن عباس، ولم يعزه، وقد رواه الطبراني عن ~~ابن عباس مرفوعا، وإسناده ضعيف، ولفظه: "رب معلم حروف أبي جاد دارس في ~~النجوم ليس له عند الله من خلاق يوم القيامة". ورواه أيضا حميد بن زنجويه ~~عنه بلفظ "رب ناظر في النجوم ومتعلم حروف أبي جاد ليس له عند الله خلاق". # قوله: (ما أرى) . يجوز فتح الهمزة من "أرى" بمعنى: ms305 لا أعلم له عند الله ~~من خلاق، أي: من نصيب، ويجوز ضمها بمعنى: لا أظن ذلك لاشتغاله بما فيه من ~~اقتحام الخطر والجهالة وادعاء علم الغيب الذي استأثر الله به، وكتابة أبي ~~جاد وتعلمها لمن يدعي بها معرفة علم الغيب هو الذي يسمى علم الحرف. ولبعض ~~المبتدعة فيه مصنف، فأما تعليمها للتهجي وحساب الجمل، فلا بأس بذلك. # قوله: (وينظرون في النجوم) . هذا محمول على علم التأثير لا التسيير، كما ~~سيجيء في باب التنجيم، وفيه عدم الاغترار بما يؤتاه أهل الباطل من معارفهم ~~وعلومهم، كما قال تعالى: {فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من ~~العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} 1. PageV01P355 # [21- ### | باب ما جاء في النشرة # لما ذكر المصنف حكم السحرة والكهانة ذكر ما جاء في النشرة، لأنها قد تكون ~~من قبل الشياطين والسحرة، فتكون مضادة للتوحيد، وقد تكون مباحة، كما سيأتي ~~تفصيله. # قال أبو السعادات: النشرة ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من كان يظن أن ~~به مسا من الجن، سميت نشرة، لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي: يكشف ~~ويزال. # وقال الحسن: النشرة من السحر، وقد نشرت عنه تنشيرا، ومنه الحديث: "فلعل ~~طبا أصابه ثم نشره ب {قل أعوذ برب الناس} " أي: رقاه. وقال غيره: ونشره ~~أيضا إذا كتب له النشرة، وهي كالتعويذ والرقية. وقال ابن الجوزي: النشرة حل ~~السحر عن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر. # [النشرة من عمل الشيطان] # قال: عن جابر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة، فقال: هي ~~من عمل الشيطان" 1. رواه أحمد بسند جيد، وأبو داود، قال: سئل أحمد عنها، ~~فقال ابن مسعود: يكره هذا كله. # ش: هذا الحديث رواه أحمد، ورواه عنه أبو داود في "سننه" والفضل بن زياد ~~في كتاب "المسائل" عن عبد الرزاق عن عقيل بن معقل بن منبه عن عمه وهب بن ~~منبه عن جابر، فذكره، قال ابن مفلح: إسناده جيد، وحسن الحافظ إسناده، ورواه ~~ابن أبي شيبة، وأبو داود ms306 في المراسيل عن الحسن رفعه "النشرة من عمل ~~الشيطان" 2. # قوله: (سئل عن النشرة) . الألف واللام في النشرة للعهد، أي: PageV01P356 # النشرة المعهودة التي كان أهل الجاهلية يصنعونها، هي من عمل الشيطان، لا ~~النشرة بالرقى والتعوذات الشرعية والأدوية المباحة، فإن ذلك جائز كما قرره ~~ابن القيم فيما سيأتي. # قوله: (وقال: سئل أحمد عنها فقال ابن مسعود: يكره هذا كله) . مراد أحمد - ~~والله أعلم - أن ابن مسعود يكره النشرة التي من عمل الشيطان والنشرة التي ~~بكتابة وتعليق كالتمائم، فإن ابن مسعود كان يكره التمائم كلها من القرآن ~~وغير القرآن، أما النشرة بالتعويذ والرقى بأسماء الله وكلامه من غير تعليق، ~~فلا أعلم أحدا كرهه، وكذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن إبراهيم: كانوا يكرهون ~~التمائم والرقى والنشر. محمول على ما ذكرنا. # قال وفي " البخاري " عن قتادة قلت لابن المسيب: رجل به طب، أو يؤخذ عن ~~امرأته، أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ~~ما ينفع فلم ينه عنه؟ . # ش: هذا الأثر علقه البخاري، ووصله أبو بكر الأثرم في كتاب "السنن" من ~~طريق أبان العطار عن قتادة مثله، ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة بلفظ: ~~(يلتمس من يداويه) . فقال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع. # قوله: (عن قتادة) ، هو ابن دعامة بكسر الدال السدوسي البصري ثقة # ثبت فقيه من أحفظ التابعين، يقال: إنه ولد أكمه مات سنة بضع عشرة ومائة. # قوله: (رجل به طب) ، بكسر الطاء، أى: سحر، يقال: طب الرجل بالضم: إذا ~~سحر، ويقال: كنوا عن السحر بالطب تفاؤلا، كما قالوا للديغ: سليم، وقال ابن ~~الأنباري: الطب من الأضداد يقال لعلاج الداء: طب، والسحر من الداء، يقال ~~له: طب. # قوله: (أو يؤخذ) . بفتح الواو مهموز، وتشديد الخاء المعجمة # PageV01P357 # وبعدها ذال معجمة، أي: يحبس عن امرأته، ولا يصل إلى جماعها والأخذ بضم ~~الهمزة: الكلام الذي يقوله الساحر. # قوله: (يحل) بضم الياء وفتح الحاء مبني للمفعول. # قوله: (وينشر) ، بتشديد المعجمة. # قوله: (قال لا بأس به ... ) إلى آخره ms307 يعني أن النشرة لا بأس بها لأنهم ~~يريدون بها الإصلاح، أي: إزالة السحر، ولم ينه عما يراد به الإصلاح، إنما ~~ينهى عما يضر. وهذا الكلام من ابن المسيب يحمل على نوع من النشرة لا يعلم ~~هل هو نوع من السحر أم لا؟ فأما أن يكون ابن المسيب يفتي بجواز قصد الساحر ~~الكافر المأمور بقتله ليعمل السحر، فلا يظن به ذلك، حاشاه منه، ويدل على ~~ذلك قوله: إنما يريدون به الإصلاح، فأي إصلاح في السحر؟! بل كله فساد وكفر ~~والله أعلم. # قال: وروي عن الحسن أنه قال: لا يحل السحر إلا ساحر. # ش: هذا الأثر ذكره ابن الجوزي في "جامع المسانيد" بغير إسناد، ولفظه: (لا ~~يطلق السحر إلا ساحر) ، وروى ابن جرير في "التهذيب" من طريق يزيد بن زريع ~~عن قتادة عن سعيد بن المسيب أنه كان لا يرى بأسا إذا كان بالرجل سحر أن ~~يمشي إلى من يطلق عنه، فقال: هو صلاح، قال قتادة: وكان الحسن يكره ذلك ~~يقول: لا يعلم ذلك إلا ساحر، قال: فقال سعيد بن المسيب: إنما نهى الله عما ~~يضر، ولم ينه عما ينفع. # قوله: (عن الحسن) ، هو ابن أبي الحسن، واسمه يسار بالتحتانية والمهملة ~~البصري الأنصاري مولاهم ثقة فقيه إمام فاضل من خيار التابعين. مات سنة عشر ~~ومائة، وقد قارب التسعين. # [أنواع النشرة] # قوله: قال ابن القيم: النشرة حل السحر عن المسحور. وهي نوعان: حل بسحر ~~مثله، وهو الذي من عمل الشيطان. وعليه # PageV01P358 # يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله ~~عن المسحور. والثاني: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية المباحة، فهذا ~~جائز. # ش: هذا الثاني هو الذي يحمل عليه كلام ابن المسيب، أو على نوع لا يدرى هل ~~هو من السحر أم لا؟ وكذلك ما روي عن الإمام أحمد من إجازة النشرة، فإنه ~~محمول على ذلك وغلط من ظن أنه أجاز النشرة السحرية، وليس في كلامه ما يدل ~~على ذلك، بل لما سئل عن الرجل يحل السحر قال: قد رخص فيه بعض ms308 الناس. قيل: ~~إنه يجعل في الطنجير ماء ويغيب فيه؟ فنفض يده وقال: لا أدري ما هذا؟ قيل ~~له: أفترى أن يؤتى مثل هذا؟ قال لا أدري ما هذا؟ وهذا صريح في النهي عن ~~النشرة على الوجه المكروه. وكيف يجيزه؟! وهو الذي روى الحديث أنها من عمل ~~الشيطان. ولكن لما كان لفظ النشرة مشتركا بين الجائزة والتي من عمل ~~الشيطان، ورأوه قد أجاز النشرة ظنوا أنه قد أجاز التي من عمل الشيطان، ~~وحاشاه من ذلك. ومما جاء في صفة النشرة الجائزة ما رواه ابن أبي حاتم وأبو ~~الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن ~~الله تقرأ في إناء فيه ماء ثم تصب على رأس المسحور الآية التي في يونس: ~~{فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل ~~المفسدين} ، إلى قوله: {ولو كره المجرمون} ، [يونس: من الآيتان: 81-82] . ~~وقوله: {فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون ... } 1، إلى آخر أربع آيات. ~~وقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى} 2. وقال ابن بطال: ~~في كتاب وهب بن منبه أنه يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم ~~يضربه بالماء ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم ~~يغتسل به فإنه يذهب عنه كل ما به وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله. ~~PageV01P359 # [22- ### | باب ما جاء في التطير # مصدر تطير يتطير والطيرة أيضا - بكسر الطاء وفتح الياء وقد تسكن - مصدر ~~تطير، يقال: تطير طيرة وتخير خيرة ولم يجئ من المصادر هكذا غيرهما، وأصله ~~فيما يقال: التطير بالسوانح، والبوارح من الطير والظباء وغيرهما، وكان ذلك ~~يصدهم عن مقاصدهم. فإذا أرادوا أمرا، فإن رأوا الطير مثلا طار يمنة، تيمنوا ~~به، وإن طار يسرة، تشاؤموا به، فنفاه الشرع وأبطله ونهى عنه وأخبر أنه ليس ~~له تأثير في جلب نفع أو دفع ضر. قال المدائني: سألت رؤبة بن العجاج ما ~~السانح؟ قال: ما ولاك ميامنه قلت: فما ms309 البارح؟ قال: ما ولاك مياسره. قال ~~والذي يجيء من أمامك فهو الناطح والنطيح، والذي يجيء من خلفك هو القاعد ~~والقعيد. # ولما كانت الطيرة بابا من الشرك منافيا للتوحيد أو لكماله، لأنها من ~~إلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته، ذكره المصنف في كتاب "التوحيد" تحذيرا منها ~~وإرشادا إلى كمال التوحيد بالتوكل على الله. واعلم أن ما كان معتنيا بها ~~قابلا بها كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس ~~فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة ~~والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه، فالواجب ~~على العبد التوكل على الله ومتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يمضي ~~لشأنه لا يرده شيء من الطيرة عن حاجته فيدخل في الشرك. # قال: وقول الله تعالى: {ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} ~~1. ش: أول الآية قوله تعالى: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم ~~سيئة يطيروا بموسى ومن معه ... } 2 الآية. المعنى أن آل فرعون إذا أصابتهم ~~{الحسنة} ، أي: الخصب والسعة والعافية PageV01P360 # على ما فسره مجاهد وغيره قالوا: لنا هذه، أي: نحن الجديرون الحقيقون به، ~~ونحن أهله وإن تصبهم سيئة، أي: بلاء وضيق وقحط يطيروا بموسى ومن معه، ~~فيقولون: هذا بسبب موسى وأصحابه أصابنا بشؤمهم كما يقوله المتطير لمن يتطير ~~به. فأخبر سبحانه أن طائرهم عنده فقال: {ألا إنما طائرهم عند الله} 1. قال ~~ابن عباس: طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم. وفى رواية ذكرها ابن جرير عنه ~~قال: الأمر من قبل الله، وفي رواية: شؤمهم عند الله ومن قبله، أي: إنما ~~جاءهم الشؤم من قبله بكفرهم وتكذيبهم بآياته ورسله. وقيل: المعنى أن الشؤم ~~العظيم هو الذي عند الله من عذاب النار لا هذا الذي أصابهم في الدنيا. ~~والظاهر أن هذه الآية كقوله تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله ~~وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} 2، أي: أن الكل من ~~الله لكن هذا الشؤم ms310 الذي أجراه عليهم من عنده هو بسبب أعمالهم لا بسبب موسى ~~عليه السلام ومن معه. وكيف يكون ذلك وما جاء به خير محض؟ والطيرة إنما تكون ~~بالشر لا بالخير. # وقوله: {ولكن أكثرهم لا يعلمون} 3، أي: أن أكثرهم جهال لا يدرون، ولو ~~فهموا أو عقلوا لعلموا أنه ليس فيما جاء به موسى عليه السلام شيء يقتضي ~~الطيرة. # وقال ابن جرير: يقول تعالى ذكره: ألا إنما طائر آل فرعون وغيرهم - وذلك ~~أنصباؤهم من الرخاء والخصب وغير ذلك من أنصباء الخير والشر - إلا عند الله، ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك كذلك، فلجهلهم بذلك كانوا يتطيرون بموسى ومن ~~معه. # قال: وقوله: {قالوا طائركم معكم ... } 4 الآية. # ش: المعنى والله أعلم، أي: حظكم وما نالكم من خير وشر معكم بسبب أفعالكم ~~وكفركم ومخالفتكم الناصحين، ليس هو من أجلنا ولا بسببنا، بل ببغيكم ~~وعداوتكم فطائر الباغي الظالم معه وهو عند الله كما قال تعالى: {وإن تصبهم ~~سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل PageV01P361 # من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا} 1. ولو فقهوا أو ~~فهموا لما تطيروا بما جئت به، لأنه ليس فيما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ما يقتضي الطيرة، كأنه خير محض لا شر فيه، وصلاح لا فساد فيه، وحكمة ~~لا عيب فيها، ورحمة لا جور فيها. فلو كان هؤلاء القوم من أهل الفهم والعقول ~~السليمة لم يتطيروا من هذا، لأن الطيرة إنما تكون بالشر لا بالخير المحض ~~والحكمة والرحمة، بل طائرهم معهم بسبب كفرهم وشركهم وبغيهم وهو عند الله ~~كسائر حظوظهم، وأنصبائهم التي ينالونها منه بأعمالهم. ويحتمل أن يكون ~~المعنى {طائركم معكم} ، أي: راجع عليكم، فالتطير الذي حصل لكم إنما يعود ~~عليكم، وهذا من باب القصاص في الكلام ونظيره قوله عليه السلام: "إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم" 2. ذكره ابن القيم. # وقوله: {أإن ذكرتم} 3 أي: من أجل أنا ذكرناكم وأمرناكم بتوحيد الله، ~~وإخلاص العبادة له قابلتمونا بهذا الكلام؟! وتوعدتمونا بل أنتم قوم مسرفون. ~~وقال قتادة: أئن ms311 ذكرناكم بالله تطيرتم بنا؟ # ومطابقة الآيتين لمقصود الباب ظاهر، لأن الله تعالى لم يذكر الطير إلا عن ~~أعدائه، فهو من أمر الجاهلية، لا من أمر الإسلام. # [لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر] # قال: عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى ولا ~~طيرة ولا هامة ولا صفر" 4. أخرجاه. زاد مسلم عن جابر: "ولا نوء ولا غول" 5. # ش: قوله: (لا عدوى) . قال أبو السعادات: العدوى اسم من الأعداء كالدعوى ~~والبقوى من الادعاء والإبقاء. يقال: أعداه الداء يعديه إعداء، وهو أن يصيبه ~~مثل ما بصاحب الداء. وذلك أن يكون ببعير جرب مثلا يتقي مخالطته بإبل أخرى ~~حذار أن يتعدى ما به من الجرب إليها، فيصيبها ما أصابه. انتهى. PageV01P362 # وفي بعض روايات هذا الحديث: "فقال أعرابي: يا رسول الله فما بال الإبل ~~تكون في الرمل كأنها الظباء فيجيء البعير الأجرب، فيدخل فيها فيجربها كلها؟ ~~قال: فمن أعدى الأول" 1. وفي رواية في "مسلم" أن أبا هريرة كان يحدث بحديث: ~~"لا عدوى" ويحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يورد ممرض على ~~مصح" 2. ثم إن أبا هريرة اقتصر على حديث "لا يورد ممرض على مصح" 3 وأمسك عن ~~حديث: "لا عدوى"، فراجعوه فيه، فقالوا: سمعناك تحدثه، فأبى أن يعترف به. ~~قال أبو سلمة الراوي عن أبي هريرة: فلا أدري أنسي أبو هريرة أو نسخ أحد ~~القولين الآخر. # وقد روى حديث: "لا عدوى"، جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، وجابر بن ~~عبد الله، والسائب بن يزيد وابن عمر وغيرهم، فنسيان أبي هريرة له لا يضر. ~~وفي بعض روايات هذا الحديث: "وفر من المجذوم كما تفر من الأسد". # وقد اختلف العلماء في ذلك اختلافا كثيرا. # فردت طائفة حديث: "لا عدوى"، بأن أبا هريرة رجع عنه. قالوا: والأخبار ~~الدالة على الاجتناب أكثر فالمصير إليها أولى، وهذا ليس بشيء، لأن حديث: ~~"لا عدوى"، قد رواه جماعة كما تقدم. # وعكست طائفة هذا القول، ورجحوا حديث: "لا عدوى"، وزيفوا ما ms312 سواه من ~~الأخبار، وأعلوا بعضها بالشذوذ كحديث: "فر من المجذوم فرارك من الأسد" 4. ~~وبأن عائشة أنكرته كما روى ابن جرير عنها: أن امرأة سألتها عنه فقالت: ما ~~قال ذلك، ولكنه قال: "لا عدوى" 5. وقال: "فمن أعدى الأول" 6. قالت: وكان لي ~~مولى به PageV01P363 # هذا الداء، فكان يأكل في صحافي، ويشرب في أقداحي، وينام على فراشي. وهذا ~~أيضا ليس بشيء، فإن الأحاديث في الاجتناب ثابتة. # وحملت طائفة أخرى الإثبات والنفي على حالتين مختلفتين، فحيث جاء (لا ~~عدوى) كان المخاطب بذلك من قوي يقينه، وصح توكله بحيث لا يستطيع أن يدفع عن ~~نفسه اعتقاد العدوى، كما يستطيع أن يدفع التطير الذي يقع في نفس كل واحد، ~~لكن القوي اليقين لا يتأثر به، وهذا كما أن قوة الطبيعة تدفع العلة ~~وتبطلها. وحيث جاء الإثبات كان المراد به ضعيف الإيمان والتوكل ذكره بعض ~~أصحابنا واختاره وفيه نظر. وقال مالك لما سئل عن حديث "فر من المجذوم": ما ~~سمعت فيه بكراهية وما أرى ما جاء من ذلك إلا مخافة أن يقع في نفس المؤمن ~~شيء. ومعنى هذا أنه نفى العدوى أصلا، وحمل الأمر بالمجانبة على حسم المادة ~~وسد الذريعة، لئلا يحدث للمخاطب شيء من ذلك فيظن أنه بسبب المخالطة، فيثبت ~~العدوى التي نفاها الشارع. وإلى هذا ذهب أبو عبيد وابن جرير والطحاوي وذكره ~~القاضي أبو يعلى عن أحمد. # قلت: وأحسن من هذا كله ما قاله البيهقي، وتبعه ابن الصلاح وابن القيم ~~وابن رجب وابن مفلح وغيرهم أن قوله: (لا عدوى) على الوجه الذي كانوا ~~يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى، وأن هذه الأمراض ~~تعدي بطبعها، وإلا فقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه ~~العيوب سببا لحدوث ذلك. ولهذا قال: "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" وقال: ~~"لا يورد ممرض على مصح". وقال في الطاعون: "من سمع به بأرض فلا يقدم عليه" ~~1. وكل ذلك بتقدير الله تعالى كما قال: "فمن أعدى الأول" 2. PageV01P364 # يشير إلى أن الأول إنما جرب ms313 بقضاء الله وقدره، فكذلك الثاني وما بعده. ~~وروى الإمام أحمد والترمذي عن ابن مسعود مرفوعا: "لا يعدي شيء قالها ثلاثا. ~~فقال الأعرابي: يا رسول الله، النقبة من الجرب تكون بمشفر البعير أو بذنبه ~~في الإبل العظيمة فتجرب كلها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن أجرب ~~الأول؟ لا عدوى، ولا هامة، ولا صفر، خلق الله كل نفس وكتب حياتها ومصابها ~~ورزقها" , فأخبر عليه السلام أن ذلك كله بقضاء الله وقدره كما دل عليه قوله ~~تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن ~~نبرأها} 1. # وأما أمره بالفرار من المجذوم، ونهيه عن إيراد الممرض على المصح، وعن ~~الدخول إلى موضع الطاعون، فإنه من باب اجتناب الأسباب التي خلقها الله ~~تعالى، وجعلها أسبابا للهلاك والأذى، والعبد مأمور باتقاء أسباب الشر إذا ~~كان في عافية، فكما أنه يؤمر أن لا يلقي نفسه في الماء أو في النار أو تحت ~~الهدم أو نحو ذلك مما جرت العادة بأنه يهلك ويؤذي، فكذلك اجتناب مقاربة ~~المريض كالمجذوم، وقدوم بلد الطاعون، فإن هذه كلها أسباب للمرض والتلف، ~~والله تعالى هو خالق الأسباب ومسبباتها لا خالق غيره ولا مقدر غيره. # وأما إذا قوي التوكل على الله، والإيمان بقضائه وقدره فقويت النفس على ~~مباشرة بعض هذه الأسباب اعتمادا على الله ورجاء منه أن لا يحصل به ضرر ففي ~~هذه الحال تجوز مباشرة ذلك لا سيما إذا كانت فيه مصلحة عامة أو خاصة وعلى ~~هذا يحمل الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي: "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخذ بيد مجذوم فأدخلها معه في القصعة ثم قال: كل باسم الله، ثقة ~~بالله، وتوكلا عليه" 2. وقد أخذ PageV01P365 # به الإمام أحمد. وروي ذلك عن عمر وابنه وسلمان رضي الله عنهم. ونظير ذلك ~~ما روي عن خالد بن الوليد من أكل السم، ومن مشي سعد بن أبي وقاص وأبي مسلم ~~الخولاني بالجيوش على متن البحر قاله ابن رجب. # قوله: "ولا طيرة"قال ابن القيم: هذا يحتمل ms314 أن يكون نفيا أو يكون نهيا، ~~أي: لا تتطيروا، ولكن قوله في الحديث: "ولا عدوى ولا صفر ولا هامة" 1 يدل ~~على أن المراد النفي وإبطال هذه الأمور التي كانت الجاهلية تعانيها. والنفي ~~في هذا أبلغ من النهي، لأن النفي يدل على بطلان ذلك وعدم تأثيره، والنهي ~~إنما يدل على المنع منه وفي "صحيح مسلم" عن معاوية بن الحكم السلمي أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "ومنا أناس يتطيرون؟ فقال: ذاك شيء يجده ~~أحدكم في نفسه فلا يصدنكم" 2. فأخبر أن تأذيه وتشاؤمه بالتطير إنما هو في ~~نفسه وعقيدته لا في المتطير به، فوهمه وخوفه وإشراكه هو الذي يطيره ويصده ~~لا ما رآه وسمعه، فأوضح صلى الله عليه وسلم لأمته الأمر وبين لهم فساد ~~الطيرة ليعلموا أن الله سبحانه لم يجعل لهم عليها علامة، ولا فيها دلالة، ~~ولا نصبها سببا لما يخافونه ويحذرونه، ولتطمئن قلوبهم، وتسكن نفوسهم إلى ~~وحدانيته تعالى التي أرسل بها رسله ونزل بها كتبه، وخلق لأجلها السموات ~~والأرض، وعمر الدارين الجنة والنار بسبب التوحيد فقطع صلى الله عليه وسلم ~~علق الشرك من قلوبهم، لئلا يبقى فيها علق منها ولا يتلبسوا بعمل من أعمال ~~أهل النار البتة. # فمن استمسك بعروة التوحيد الوثقى واعتصم بحبله المتين، وتوكل على الله، ~~قطع هاجس الطيرة من قبل استقرارها، وبادر خواطرها من قبل استمكانها. قال ~~عكرمة: "كنا جلوسا عند ابن عباس فمر طائر يصيح. فقال رجل من القوم: خير ~~خير. فقال ابن عباس: لا خير ولا شر"فبادره بالإنكار عليه لئلا يعتقد تأثيره ~~في الخير والشر. وخرج طاووس مع صاحب له في سفر، فصاح غراب، فقال الرجل: ~~خير، فقال طاووس: وأي خير عند هذا لا تصحبني انتهى. ملخصا. PageV01P366 # ولكن يشكل عليه ما رواه ابن حبان في صحيحه عن أنس مرفوعا: "لا طيرة، ~~والطيرة على من تطير" فظاهر هذا أنها تكون سببا لوقوع الشر بالمتطير. # وجوابه: أن المراد بذلك من تطير تطيرا منهيا عنه، وهو أن يعتمد على ما ~~يسمعه ويراه حتى يمنعه مما ms315 يريده من حاجته، فإنه قد يصيبه ما يكرهه عقوبة ~~له، فأما من توكل على الله، ووثق به بحيث علق قلبه بالله خوفا ورجاء، وقطعه ~~عن الالتفات إلى غير الله. وقال: وفعل ما أمر به فإنه لا يضره ذلك. وأما من ~~اتقى أسباب الضرر بعد انعقادها بالأسباب المنهي عنها، فإنه لا ينفعه ذلك ~~غالبا كمن ردته الطيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطير به، فإنه كثيرا ما ~~يصاب بما يخشى به. # وقد جاءت أحاديث ظن بعض الناس أنها تدل على جواز الطيرة. # منها: قوله عليه السلام: "الشؤم في ثلاث: في المرأة، والدابة، والدار" 1. ~~وفي رواية: "لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث ... ". الحديث وفي حديث آخر ~~"إن كان ففي الفرس، والمرأة، والمسكن". رواهما البخاري فأنكرت عائشة رضي ~~الله عنها ذلك وقالت: "كذب والذي أنزل الفرقان على أبي القاسم من حدث بها ~~ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "كان أهل الجاهلية يقولون: إن ~~الطيرة في المرأة والدار والدابة" ثم قرأت عائشة: {ما أصاب من مصيبة في ~~الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} ~~[الحديد: 22] . رواه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه بمعناه. وقال الخطابي ~~وابن قتيبة: هذا مستثنى من الطيرة، أي: الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له ~~دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس أو خادم فليفارق الجميع ~~بالبيع والطلاق ونحوه، ولا يقيم على الكراهة والتأذي به فإنه شؤم. # وقالت طائفة: لم يجزم النبي صلى الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة، ~~بل PageV01P367 # علقه على الشرط كما ثبت ذلك في الصحيح، ولا يلزم من صدق الشرطية صدق كل ~~واحد بمفردها، قالوا: والراوي غلط. # قلت: لا يصح تغليطه مع إمكان حمله على الصحة، ورواية تعليقه بالشرط لا ~~تدل على نفي رواية الجزم. # وقالت طائفة أخرى: الشؤم بهذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها فيكون ~~شؤمها عليه، ومن توكل على الله ولم يتشاءم ولم يتطير لم تكن مشئومة عليه، ms316 ~~قالوا: ويدل عليه حديث أنس: "الطيرة على من تطير". وقد يجعل الله سبحانه ~~تطير العبد وتشاؤمه سببا لحلول المكروه، كما يجعل الثقة به والتوكل عليه، ~~وإفراده بالخوف والرجاء من أعظم الأسباب التي يدفع بها الشر. وقال ابن ~~القيم: إخباره صلى الله عليه وسلم بالشؤم في هذه الثلاثة، ليس فيه إثبات ~~الطيرة التي نفاها الله وإنما غايته أن الله سبحانه قد يخلق أعيانا منها ~~مشئومة على من قاربها وسكنها، وأعيانا مباركة لا يلحق من قاربها منها شؤم ~~ولا شر. وهذا كما يعطي سبحانه الوالدين ولدا مباركا يريان الخير على وجهه، ~~ويعطي غيرهما ولدا مشئوما يريان الشر على وجهه، وكذلك ما يعطاه العبد من ~~ولاية أو غيرها. فكذلك الدار والمرأة والفرس. والله سبحانه خالق الخير ~~والشر والسعود والنحوس فيخلق بعض هذه الأعيان سعودا مباركة، ويقضي بسعادة ~~من قاربها وحصول اليمن والبركة له، ويخلق بعضها نحوسا يتنحس بها من قاربها، ~~وكل ذلك بقضائه وقدره كما خلق سائر الأسباب وربطها بمسبباتها المتضادة ~~والمختلفة، كما خلق المسك وغيره من الأرواح الطيبة، ولذذ بها من قاربها من ~~الناس، وخلق ضدها وجعلها سببا لألم من قاربها من الناس، والفرق بين هذين ~~النوعين مدرك بالحس فكذلك في الديار والنساء والخيل فهذا لون والطيرة ~~الشركية لون. انتهى. # قلت: ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة أو أمة أو دابة، أن يسأل الله من خيرها ~~وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ من شرها وشر ما جبلت عليه، وكذلك ينبغي لمن سكن ~~دارا أن يفعل ذلك # PageV01P368 # ولكن يبقى على هذا أن يقال: هذا جار في كل مشئوم فما وجه خصوصية هذه ~~الثلاثة بالذكر؟ وجوابه أن أكثر ما يقع التطير في هذه الثلاثة فخصت بالذكر ~~لذلك، ذكره في "شرح السنن". # ومنها ما روى مالك عن يحيى بن سعيد قال: "جاءت امرأة إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله دار سكناها والعدد كثير والمال وافر ~~فقل العدد وذهب المال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعوها ذميمة" 1. رواه ~~أبو داود عن أنس ms317 بنحوه. # وجوابه أن هذا ليس من الطيرة المنهي عنها، بل أمرهم بالانتقال لأنهم ~~استثقلوها واستوحشوا منها، لما لحقهم فيها ليتعجلوا الراحة مما دخلهم من ~~الجزع، لأن الله قد جعل في غرائز الناس استثقال ما نالهم الشر فيه، وإن كان ~~لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يديه الخير لهم، وإن لم يردهم به، ولأن ~~مقامهم فيها قد يقودهم إلى الطيرة، فيوقعهم ذلك في الشرك، والشر الذي يلحق ~~المتطير بسبب طيرته، وهذا بمنزلة الخارج من بلد الطاعون غير فار منه، ولو ~~منع الناس الرحلة من الدار التي تتوالى عليهم فيها المصائب والمحن، وتعذر ~~الأرزاق مع سلامة التوحيد في الرحلة، للزم كل من ضاق عليه رزق في بلد أو ~~قلة فائدة صناعته أو تجارته فيها أن لا ينتقل عنها إلى غيرها. # ومنها فإن قيل: ما الفرق بين الدار وبين موضع الوباء حيث رخص في الارتحال ~~عن الدار دون موضع البلاء؟ أجاب بعضهم أن الأمور بالنسبة إلى هذا المعنى ~~ثلاثة أقسام: # أحدها: ما لا يقع التطير منه إلا نادرا، أو إلا مكررا، فهذا لا يصغى إليه ~~كنعي الغراب في السفر، وصراخ بومة في دار، وهذا كانت العرب تعتبره. # ثانيها: ما يقع به ضرر، ولكنه يعم ولا يخص ويندر ولا يتكرر كالوباء، فهذا ~~لا يقدم عليه ولا يفر منه. # وثالثها: سبب محض ولا يعم ويلحق به الضرر لطول الملازمة كالمرأة، والفرس ~~والدار فيباح له الاستبدال، أو التوكل على الله، والإعراض عما يقع في النفس ~~ذكره في "شرح السنن". PageV01P369 # ومنها: "حديث اللقحة لما منع النبي صلى الله عليه وسلم حربا ومرة من ~~حلبها وأذن ليعيش". رواه مالك. # وجوابه: أن ابن عبد البر قال: ليس هذا عندي من باب الطيرة لأنه محال أن ~~ينهى عن شيء ويفعله، وإنما هو من طلب الفأل الحسن. وقد كان أخبرهم عن أقبح ~~الأسماء أنه حرب ومرة. فالمراد بذلك حتى لا يتسمى بهما أحد. وقد روى ابن ~~وهب في "جامعه" ما يدل على هذا فإنه قال في هذا الحديث: ms318 "فقام عمر بن ~~الخطاب فقال: أتكلم يا رسول الله أم أصمت؟ فقال: بل اصمت وأخبرك بما أردت، ~~ظننت يا عمر أنها طيرة ولا طير إلا طيره، ولا خير إلا خيره، ولكن أحب الفأل ~~الحسن". # وعلى هذا تجري بقية الأحاديث التي توهم بعضهم أنها من باب الطيرة. # قوله: "ولا هامة"بتخفيف الميم على الصحيح. قال الفراء: الهامة طائر من ~~طير الليل كأنه يعني: البومة قال ابن الأعرابي: كانوا يتشاءمون بها إذا ~~وقعت على بيت أحدهم يقول: نعت إلي نفسي أو أحدا من أهل داري. وقال أبو ~~عبيد: كانوا يزعمون أن عظام الميت تصير هامة فتطير، ويسمون ذلك الطائر ~~الصدى، وبه جزم ابن رجب قال: وهذا شبيه باعتقاد أهل التناسخ أن أرواح ~~الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكل هذه اعتقادات ~~باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها. ولكن الذي جاءت به الشريعة أن أرواح ~~الشهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنة وتشرب من أنهارها إلى أن ~~يردها الله إلى أجسادها. وذكر الزبير بن بكار في "الموفقيات" أن العرب كانت ~~في الجاهلية تقول: إذا قتل الرجل، ولم يؤخذ بثأره، خرجت من رأسه هامة، وهي ~~دودة فتدور حول قبره وتقول: اسقوني. وفي ذلك يقول شاعرهم: # يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي ... أضربك حتى تقول الهامة اسقوني # قال: وكانت اليهود تزعم أنها تدور حول قبره سبعة أيام ثم تذهب. # PageV01P370 # قوله: "ولا صفر"، بفتح الفاء. روى أبو عبيد القاسم بن سلام في "غريب ~~الحديث " له عن رؤبة أنه قال: هي حية تكون في البطن تصيب الماشية والناس ~~وهي أعدى من الجرب عند العرب. فعلى هذا فالمراد بنفيه ما كانوا يعتقدونه من ~~العدوى، ويكون عطفه على العدوى من عطف الخاص على العام. وممن قال بهذا: ~~سفيان بن عيينة وأحمد والبخاري وابن جرير، وقال آخرون: المراد به شهر صفر، ~~والنفي لما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النسيء، وكانوا يحلون المحرم، ~~ويحرمون صفر مكانه. وهذا قول مالك وفيه نظر. وروى أبو داود عن محمد ms319 بن راشد ~~عمن سمعه يقول: إن أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون: إنه شهر ~~مشؤوم فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، قال ابن رجب: ولعل هذا القول ~~أشبه الأقوال، وكثير من الجهال يتشاءم بصفر، وربما ينتهي عن السفر فيه. ~~والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهي عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من ~~الأيام، كيوم الأربعاء وتشاؤم أهل الجاهلية بشوال في النكاح فيه خاصة. # قوله: "ولا نوء"النوء واحد الأنواء. وسيأتي الكلام عليه في باب ما جاء في ~~الاستسقاء بالأنواء. # قوله: "ولا غول". هو بالفتح مصدر معناه: البعد والهلاك وبالضم الاسم، ~~وجمعه أغوال وغيلان وهو المراد هنا. قال أبو السعادات: الغول واحد الغيلان، ~~وهو جنس من الجن والشياطين كانت العرب تزعم أن الغول في الفلاة تتراءى ~~للناس فتتغول تغولا، أي: تتلون تلونا في صور شتى وتغولهم، أي: تضلهم عن ~~الطريق وتهلكهم، فنفاه النبي صلى الله عليه وسلم وأبطله. # وقيل: قوله: لا غول ليس نفيا لعين الغول ووجوده، وإنما فيه إبطال زعم ~~العرب في تلونه بالصور المختلفة واغتياله. فيكون المعنى بقوله: "لا غول"، ~~أنها لا تستطيع أن تضل أحدا ويشهد له الحديث الآخر: "لا غول ولكن السعالي ~~سحرة # PageV01P371 # الجن" أي: ولكن في الجن سحرة لهم تلبيس وتخييل، ومنه الحديث: "إذا تغولت ~~الغيلان فبادروا بالأذان" 1. أي: ادفعوا شرها بذكر الله، وهذا يدل على أنه ~~لم يرد بنفيها عدمها، ومنه حديث أبي أيوب: كان لي تمر في سهوة فكانت الغول ~~تجيء فتأخذ. # [كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل] # قال: ولهما عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى ولا ~~طيرة ويعجبني الفأل، قالوا: وما الفأل؟ قال: الكلمة الطيبة" 2. # ش قوله: "ويعجبني الفأل". قال أبو السعادات: الفأل مهموز فيما يسر ويسوء، ~~والطيرة لا تكون إلا فيما يسوء، وربما استعملت فيما يسر، يقال: تفاءلت ~~بكذا، وتفألت على التخفيف والقلب. وقد أولع الناس بترك الهمزة تخفيفا، ~~وإنما أحب الفأل، لأن الناس إذا أملوا فائدة الله، ورجوا عائدته عند كل سبب ~~ضعيف ms320 أو قوي، فهم على خير، ولو غلطوا في جهة الرجاء، فإن الرجاء لهم خير، ~~وإذا قطعوا أملهم ورجاءهم من الله كان ذلك من الشر. # وأما الطيرة، فإن فيها سوء الظن بالله، وتوقع البلاء. ومعنى التفاؤل مثل ~~أن يكون رجل مريض، فيتفاءل بما يسمع من كلام فيسمع آخر يقول: يا سالم، أو ~~يكون طالب ضالة، فيسمع آخر يقول: يا واجد، فيقع في ظنه أنه برئ من مرضه ~~ويجد ضالته ومنه الحديث قيل: "يا رسول الله ما الفأل؟ فقال: الكلمة ~~الصالحة" 3. # قوله: "قالوا وما الفأل؟ قال الكلمة الطيبة" 4. بين لهم صلى الله عليه ~~وسلم أن الفأل يعجبه فدل أنه ليس من الطيرة المنهي عنها. # قال ابن القيم:"ليس في الإعجاب بالفأل ومحبته شيء من الشرك بل ذلك إبانة ~~عن مقتضى الطبيعة، ومن حب الفطرة الإنسانية التي PageV01P372 # تميل إلى ما يوافقها ويلائمها، كما أخبرهم أنه حبب إليه من الدنيا النساء ~~والطيب. وكان يحب الحلوى والعسل، ويحب حسن الصوت بالقرآن والأذان ويستمع ~~إليه ويحب معالي الأخلاق، ومكارم الشيم، وبالجملة يحب كل كمال وخير وما ~~يفضي إليهما. والله سبحانه وتعالى قد جعل في غرائز الناس الإعجاب بسماع ~~الاسم الحسن ومحبته، وميل نفوسهم إليه، وكذلك جعل فيها الارتياح والاستبشار ~~والسرور باسم الفلاح والسلام والنجاح والتهنئة والبشرى والفوز والظفر ونحو ~~ذلك، فإذا قرعت هذه الأسماء الأسماع، استبشرت بها النفس، وانشرح لها الصدر، ~~وقوي بها القلب، وإذا سمعت أضدادها، أوجب لها ضد هذه الحال، فأحزنها ذلك، ~~وأثار لها خوفا وطيرة وانكماشا وانقباضا عما قصدت له وعزمت عليه، فأورت لها ~~ضررا في الدنيا، ونقصا في الإيمان، ومقارفة للشرك" # وقال الحليمي: "إنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل، لأن التشاؤم ~~سوء ظن بالله تعالى بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن ~~الظن بالله تعالى على كل حال" # قال: ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: "ذكرت الطيرة عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلما، فإذا رأى ~~أحدكم ما يكره ms321 فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات ~~إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" 1. # ش: قوله: (عن عقبة بن عامر) ، هكذا وقع في نسخ التوحيد، وصوابه عروة بن ~~عامر كذا أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو مكي اختلف في نسبه، فقال أحمد ~~بن حنبل في روايته: عن عروة بن عامر القرشي، وقال غيره الجهني، واختلف في ~~صحبته فقال البارودي: له صحبة، وذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وقال ~~المزي: لا صحبة له تصح. PageV01P373 # قوله: فقال: "أحسنها الفأل". قد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه ~~الفأل. وروى الترمذي وصححه عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم "كان إذا ~~خرج لحاجته يحب أن يسمع يا نجيح يا راشد" 1 وروى أبو داود عن بريدة: "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن ~~اسمه فإذا أعجبه، فرح به وإن كره اسمه، رئي كراهيته ذلك في وجهه" 2. ~~وإسناده حسن. فهذا في استعمال الفأل. قال ابن القيم في الكلام على الحديث ~~المشروح: أخبر صلى الله عليه وسلم أن الفأل من الطيرة وهو خيرها، فأبطل ~~الطيرة، وأخبر أن الفأل منها، ولكنه خير منها، ففصل بين الفأل والطيرة لما ~~بينهما من الامتياز والتضاد، ونفع أحدهما ومضرة الآخر، ونظير هذا منعه من ~~الرقى بالشرك، وإذنه في الرقية إذا لم يكن فيها شرك لما فيها من المنفعة ~~الخالية عن المفسدة. # قوله: "ولا ترد مسلما". قال الطيبي: تعريض بأن الكافر بخلافه. # قوله: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت"، أي: ~~لا تأتي الطيرة بالحسنات ولا تدفع المكروهات، بل أنت # وحدك لا شريك لك، الذي تأتي بالحسنات وتدفع السيئات. وهذا دعاء مناسب لمن ~~وقع في قلبه شيء من الطيرة، وتصريح بأنها لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا، ويعد ~~من اعتقدها سفيها مشركا. # قوله: "ولا حول ولا قوة إلا بك"، استعانة بالله تعالى على فعل التوكل، ~~وعدم الالتفات إلى الطيرة التي قد ms322 تكون سببا لوقوع المكروه وعقوبة لفاعلها، ~~وذلك إنما يصدر من تحقيق التوكل الذي هو أقوى الأسباب في جلب الخيرات، ودفع ~~المكروهات. والحول: التحول والانتقال من حال إلى حال، والقوة على ذلك، أي: ~~لا حول ولا قوة على ذلك الحول إلا بك، وذلك يفيد التوكل على الله لأنه علم ~~وعمل، فالعلم معرفة القلب بتوحد الله بالنفع والضر، وعامة PageV01P374 # المؤمنين بل كثير من المشركين يعلمون ذلك، والعمل هو ثقة القلب بالله ~~وفراغه من كل ما سواه، وهذا عزيز ويختص به خواص المؤمنين، وهو داخل في هذه ~~الكلمة، لأن فيها التبرؤ من الحول والقوة والمشيئة بدون حول الله وقوته ~~ومشيئته والإقرار بقدرته على كل شيء، وبعجز العبد عن كل شيء إلا ما أقدره ~~عليه ربه، وهذا نهاية توحيد الربوبية الذي يثمر التوكل وتوحيد العبادة. # [الطيرة شرك] # قال: وعن ابن مسعود مرفوعا: "الطيرة شرك الطيرة شرك وما منا إلا ولكن ~~الله يذهبه بالتوكل" 1. رواه أبو داود والترمذي وصححه وجعل آخره من قول ابن ~~مسعود. # ش: هذا الحديث رواه أيضا ابن ماجة وابن حبان ولفظ أبي داود: "الطيرة شرك ~~الطيرة شرك ثلاثا" 2. # قوله: "الطيرة شرك"، صريح في تحريم الطيرة وأنها من الشرك لما فيها من ~~تعلق القلب على غير الله. وقال ابن حمدان في "الرعاية": تكره الطيرة، وكذا ~~قال غير واحد من أصحاب أحمد. قال ابن مفلح: والأولى القطع بتحريمها. ولعل ~~مرادهم بالكراهة التحريم. # قلت: بل الصواب القطع بتحريمها، لأنها شرك وكيف يكون الشرك مكروها ~~الكراهة الاصطلاحية؟! فإن كان القائل بكراهتها أراد ذلك فلا ريب في بطلانه. ~~قال في "شرح السنن": وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن ~~التطير يجلب لهم نفعا، أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه فكأنهم شركوه مع ~~الله تعالى. # قوله: "وما منا إلا ... ". قال أبو القاسم الأصبهاني والمنذري: في الحديث ~~إضمار والتقدير: وما منا إلا وقد وقع في قلبه شيء من ذلك انتهى. وحاصله: ~~وما منا إلا من يعتريه التطير، ويسبق إلى قلبه الكراهة فيه. فحذف ذلك ~~اعتمادا ms323 على فهم السامع. وقال الخلخالي: حذف المستثنى لما يتضمنه من الحالة ~~المكروهة وهذا نوع من أدب الكلام. PageV01P375 # قوله: "ولكن الله يذهبه بالتوكل"أي: ما منا إلا من يقع في قلبه ذلك، ولكن ~~لما توكلنا على الله وآمنا به، واتبعنا ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واعتقدنا صدقه، أذهب الله ذلك عنا، وأقر قلوبنا على السنة واتباع ~~الحق. # قوله: (وجعل آخره من قول ابن مسعود) . قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل ~~يقول: كان سليمان بن حرب يقول في هذا: "وما منا" هذا عندي من قول ابن ~~مسعود، فالترمذي نقل ذلك عن سليمان بن حرب ووافقه على ذلك العلماء. قال ابن ~~القيم: وهو الصواب، فإن الطيرة نوع من الشرك. # قال: ولأحمد من حديث ابن عمرو "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا: ~~فما كفارة ذلك قال: أن تقول: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك ولا ~~إله غيرك" 1. # ش: هذا الحديث رواه الإمام أحمد والطبراني عن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~مرفوعا وفي إسناده ابن لهيعة وفيه اختلاف، وبقية رجاله ثقات. # قوله: (من حديث ابن عمرو) . هو عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي ~~أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد ~~العبادلة الفقهاء مات في ذي الحجة ليالي الحرة على الأصح بالطائف. # قوله: "من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك". وذلك أن التطير هو التشاؤم ~~بالشيء المرئي أو المسموع فإذا استعملها الإنسان فرجع بها عن سفره، وامتنع ~~بها عما عزم عليه، فقد قرع باب الشرك، بل ولجه وبرئ من التوكل على الله، ~~وفتح على نفسه باب الخوف والتعلق بغير الله، وذلك قاطع له عن مقام {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} ، فيصير قلبه متعلقا بغير الله، وذلك شرك، PageV01P376 # فيفسد عليه إيمانه، ويبقى هدفا لسهام الطيرة. ويقيض له الشيطان من ذلك ما ~~يفسد عليه دينه ودنياه، وكم ممن هلك بذلك وخسر الدنيا والآخرة! # قوله: (فما كفارة ذلك ... ) إلى آخر الحديث. هذا كفارة لما ms324 يقع من ~~الطيرة، ولكن يمضي مع ذلك ويتوكل على الله، وفيه الاعتراف بأن الطير خلق ~~مسخر مملوك لله، لا يأتي بخير ولا يدفع شرا، وأنه لا خير في الدنيا والآخرة ~~إلا خير الله، فكل خير فيهما فهو من الله تعالى تفضلا على عباده، وإحسانا ~~إليهم وأن الإلهية كلها لله ليس فيها لأحد من الملائكة والأنبياء عليهم ~~السلام شركة، فضلا عن أن يشرك فيها ما يراه ويسمعه مما يتشاءم به. # قوله: وله من حديث الفضل بن العباس "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" 1. # ش: هذا الحديث رواه أحمد في "المسند" ولفظه حدثنا حماد بن خالد قال: ثنا ~~ابن علاثة عن مسلمة الجهني قال: سمعته يحدث عن الفضل بن عباس قال: "خرجت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فبرح ظبي فمال في شقه فاحتضنته فقلت: يا ~~رسول الله تطيرت قال: إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" 2. هكذا رواه أحمد وفي ~~إسناده نظر. وقرأت بخط المصنف: فيه رجل مختلف فيه، وفيه انقطاع أي: بين ~~مسلم وبين الفضل وهو ابن العباس بن عبد المطلب ابن عم النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأكبر ولد العباس. قال ابن معين: قتل يوم اليرموك في عهد أبي بكر رضي ~~الله عنه. وقال غيره: قتل يوم مرج الصفر، سنة ثلاث عشرة وهو ابن اثنتين ~~وعشرين سنة. قال أبو داود: قتل بدمشق كان عليه درع النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وقال الواقدي وابن سعد: مات في طاعون عمواس. # قوله: "إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك" 3. هذا حد للطيرة المنهي ~~PageV01P377 # عنها بأنها ما أوجب للإنسان أن يمضي لما يريده ولو من الفأل، فإن الفأل ~~إنما يستحب لما فيه من البشارة والملاءمة للنفس، فأما أن يعتمد عليه ويمضي ~~لأجله مع نسيان التوكل على الله، فإن ذلك من الطيرة. وكذلك إذا رأى أو سمع ~~ما يكره فتشاءم به ورده عن حاجته، فإن ذلك أيضا من الطيرة. # PageV01P378 # [23- ### | باب ما جاء في التنجيم # [التنجيم على ثلاثة أقسام] : # المراد هنا ذكر ما يجوز من ms325 التنجيم وما لا يجوز وما ورد فيه من الوعيد. ~~قال شيخ الإسلام: التنجيم هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث ~~الأرضية. وقال الخطابي: علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من ~~علم الكوائن والحوادث التي لم تقع وستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب ~~الرياح، ومجيء المطر، وظهور الحر والبرد، وتغير الأسعار، وما كان في معناها ~~من الأمور التي يزعمون أنهم يدركون معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها ~~واجتماعها وافتراقها، ويدعون أن لها تأثيرا في السفليات، وأنها تجري على ~~قضايا موجباتها، وهذا منهم تحكم على الغيب، وتعاط لعلم قد استأثر الله به ~~لا يعلم الغيب سواه. # قلت: واعلم أن التنجيم على ثلاثة أقسام: # أحدها: ما هو كفر بإجماع المسلمين، وهو القول بأن الموجودات في العالم ~~السفلي مركبة على تأثير الكواكب والروحانيات، وأن الكواكب فاعلة مختارة ~~وهذا كفر بإجماع المسلمين، وهذا قول الصابئة المنجمين الذين بعث إليهم ~~إبراهيم الخليل عليه السلام، [كما في الأنعام 75-79] ولهذا كانوا يعظمون ~~الشمس والقمر والكواكب تعظيما يسجدون لها ويتذللون لها ويسبحونها تسابيح ~~معروفة في كتبهم، ويدعونها دعوات لا تنبغي إلا لخالقها وفاطرها وحده لا ~~شريك له، ويبنون لكل كوكب هيكلا، أي: موضعا لعبادته ويصورون فيه ذلك ~~الكوكب، ويتخذونه لعبادته # PageV01P378 # وتعظيمه، ويزعمون أن روحانية ذلك الكوكب تنزل عليهم وتخاطبهم وتقضي ~~حوائجهم. وتلك الروحانيات هي الشياطين تنزلت عليهم، وخاطبتهم وقضت حوائجهم. ~~وقد صنف بعض المتأخرين في هذا الشرك مصنفا وذكر صاحب "التذكرة" فيها. # الثاني: الاستدلال على الحوادث الأرضية بمسير الكواكب واجتماعها ~~وافتراقها ونحو ذلك، ويقول: إن ذلك بتقدير الله ومشيئته، فلا ريب في تحريم ~~ذلك، واختلف المتأخرون في تكفير القائل بذلك. وينبغي أن يقطع بكفره، لأنها ~~دعوى لعلم الغيب الذي استأثر الله تعالى بعلمه بما لا يدل عليه. # الثالث: ما ذكره المصنف في تعلم المنازل وسيأتي الكلام عليه. # [خلق الله النجوم لثلاث] : # قوله قال البخاري في: " صحيحه " قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث، ~~زينة للسماء، ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك ~~أخطأ وأضاع ms326 نصيبه، وتكلف ما لا علم له به. # ش: هذا الأثر علقه البخاري في "صحيحه" كما قال المصنف وأخرجه عبد الرزاق، ~~وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ والخطيب ~~في كتاب "النجوم" عن قتادة. ولفظه: قال: إن الله إنما جعل هذه النجوم لثلاث ~~خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن ~~تعاطى فيها غير ذلك، فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا ~~علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من ~~أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ~~ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن ~~والذميم، وما علم هذه النجوم وهذه الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ~~ولو أن أحدا # PageV01P379 # علم الغيب، لعلمه آدم الذي خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه ~~أسماء كل شيء. # قوله: خلق الله هذه النجوم لثلاث. إلى آخره. هذا مأخوذ من القرآن في قوله ~~تعالى: {ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين} 1. ~~وقوله تعالى: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 2. وفيه إشارة إلى أن النجوم في ~~السماء الدنيا كما هو ظاهر الآية، وفيه حديث رواه ابن مردويه عن ابن مسعود ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما السماء الدنيا، فإن الله ~~خلقها من دخان، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا، وزينها بمصابيح النجوم، ~~وجعلها رجوما للشياطين وحفظا من كل شيطان رجيم". # وقوله: {وعلامات} ، أي: دلالات على الجهات والبلدان ونحو ذلك يهتدى بها ~~بصيغة المجهول. أي: يهتدي بها الناس في ذلك كما قال تعالى: {وهو الذي جعل ~~لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر} 3. وليس المراد: يهتدون بها ~~في علم الغيب ولهذا قال: فمن تأول فيها [غير] ذلك، أي: زعم فيها غير ما ذكر ~~الله تعالى في هذه الثلاث، فادعى بها علم الغيب، فقد أخطأ، أي: حيث تكلم ~~رجما بالغيب وأضاع نصيبه، أي: حظه من ms327 عمره، لأنه اشتغل بما لا فائدة فيه، ~~بل مضرة محضة، وتكلف ما لا علم له به، أي: تعاطى شيئا لا يتصور علمه، لأن ~~أخبار السماء، والأمور المغيبة لا تعلم إلا من طريق الكتاب والسنة، وليس ~~فيهما أزيد مما تقدم. قال الداوودي: قول قتادة في النجوم حسن إلا قوله: ~~أخطأ وأضاع نصيبه، فإنه قصر في ذلك، بل قائل ذلك كافر. # فإن قلت: إن المنجمين قد يصدقون بعض الأحيان. # قيل: صدقهم كصدق الكهان يصدقون مرة ويكذبون مائة، وليس في صدقهم مرة ما ~~يدل على أن ذلك علم صحيح كالكهان. PageV01P380 # وقد استدل بعض المنجمين بآيات من كتاب الله على صحة علم التنجيم 1-منها ~~قوله: {وعلامات وبالنجم هم يهتدون} 1 # والجواب أنه ليس المراد بهذه الآية أن النجوم علامات على الغيب يهتدي بها ~~الناس في علم الغيب، وإنما المعنى وعلامات، أي: دلالات على قدرة الله ~~وتوحيده. وعن قتادة ومجاهد أن من النجوم ما يكون علامة لا يهتدى إلا بها، ~~وقيل: إن هذا من تمام الكلام الأول وهو قوله: {وألقى في الأرض رواسي أن ~~تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون وعلامات} 2، أي: وألقى لكم معالم يعلم ~~بها الطريق والأراضي من الجبال الكبار والصغار يستدل بها المسافرون في ~~طرقهم. وقوله: {وبالنجم هم يهتدون} 3. قال ابن عباس في الآية: {وعلامات} ~~يعني: معالم الطرق بالنهار {وبالنجم هم يهتدون} 4. قال: يهتدون به في البحر ~~في أسفارهم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. فهذا القول ونحوه هو معنى الآية، ~~فالاستدلال بها على صحة علم التنجيم استدلال على ما يعلم فساده بالاضطرار ~~من دين الإسلام بما لا يدل عليه لا نصا ولا ظاهرا، وذلك أفسد أنواع ~~الاستدلال، فإن الأحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم بإبطال علم ~~التنجيم وذمه، منها حديث "من اقتبس شعبة من علم النجوم فقد اقتبس شعبة من ~~السحر" 5. الحديث وقد تقدم. وعن عبد الله بن محيريز التابعي الجليل أن ~~سليمان بن عبد الملك دعاه فقال: لو علمت علم النجوم فازددت إلى علمك. فقال: ~~قال رسول الله ms328 صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي ثلاث: حيف ~~الأئمة، وتكذيب بالقدر، وإيمان بالنجوم". وعن رجاء بن حيوة أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "مما أخاف على أمتي التصديق بالنجوم، والتكذيب بالقدر، ~~وحيف الأئمة". رواهما عبد بن حميد. فهذان المرسلان من هذين الوجهين ~~المختلفين يدلان PageV01P381 # على ثبوت الحديث، لا سيما وقد احتج به من أرسله. وعن أبي محجن مرفوعا: ~~"أخاف على أمتي من بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، وإيمانا بالنجوم، وتكذيبا ~~بالقدر". رواه ابن عساكر وحسنه السيوطي. وعن أنس مرفوعا: "أخاف على أمتي ~~بعدي خصلتين تكذيبا بالقدر، وإيمانا بالنجوم". رواه أبو يعلى وابن عدي ~~والخطيب في كتاب "النجوم" وحسنه السيوطي أيضا. # وروى الإمام أحمد والبخاري عن ابن عمر مرفوعا: "مفاتيح الغيب خمس لا ~~يعلمها إلا الله، لا يعلم ما في غد إلا الله: ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا ~~الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت، ~~ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" 1. لفظ البخاري. وعن العباس بن عبد ~~المطلب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد طهر الله هذه الجزيرة ~~من الشرك ما لم تضلهم النجوم". رواه ابن مردويه. وعن ابن عمر مرفوعا: ~~"تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا" 2. وعن ~~أبي هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النظر في النجوم". ~~رواهما ابن مردويه والخطيب. # وعن سمرة بن جندب أنه خطب فذكر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: "أما بعد: فإن ناسا يزعمون أن كسوف هذه الشمس، وكسوف هذا القمر، ~~وزوال هذه النجوم عن مواضعها لموت رجال عظماء من أهل الأرض، وأنهم قد كذبوا ~~ولكنها آيات من آيات الله يعتبر بها عباده لينظر من يحدث له منهم توبة". ~~رواه أبو داود. وفي الباب أحاديث وآثار غير ما ذكرنا. فتبين بهذا أن ~~الاستدلال بالآية على صحة أحكام النجوم من أفسد أنواع الاستدلال. ~~PageV01P382 ### | 2- # ومنها قوله ms329 تعالى عن إبراهيم: {فنظر نظرة في النجوم فقال إني سقيم} 1. # والجواب: أن هذا من جنس استدلاله بالآية الأولى في الفساد، فأين فيها ما ~~يدل على صحة أحكام النجوم بوجه من وجوه الدلالات؟! وهل إذا رفع إنسان بصره ~~إلى النجوم، فنظر إليها، دل ذلك على صحة علم النجوم عنده؟! وكل الناس ~~ينظرون إلى النجوم، فلا يدل ذلك على صحة علم أحكامها. وكأن هذا ما شعر أن ~~إبراهيم عليه السلام إنما بعث إلى الصابئة المنجمين مبطلا لقولهم مناظرا ~~لهم على ذلك. # فإن قيل على هذا: فما فائدة نظرته في النجوم؟. # قيل: نظرته في النجوم من معارض الأفعال ليتوصل به إلى غرضه من كسر ~~الأصنام كما كان قوله: {قال بل فعله كبيرهم هذا} 2. فمن ظن أن نظرته في ~~النجوم ليستنبط منها علم الأحكام، وعلم أن طالعه يقضي عليه بالنحس، فقد ضل ~~ضلالا بعيدا. ولهذا جاء في حديث الشفاعة الصحيح أنه عليه السلام يقول: "لست ~~هناكم ويذكر ثلاث كذبات كذبهن" وعدها العلماء قوله: {إني سقيم} . قوله: {بل ~~فعله كبيرهم هذا} . وقوله لسارة: هي أختي. # فلو كان قوله: إني سقيم أخذه من علم النجوم لم يعتذر من ذلك، وإنما هي من ~~معاريض الأفعال، فلهذا اعتذر منها كما اعتذر من قوله: {بل فعله كبيرهم} ، ~~ذكر ذلك ابن القيم. لكن قوله: وعدها العلماء. يدل على أنه لم يستحضر الحديث ~~الوارد في عدها. وقد رواه أحمد والبخاري وأصحاب "السنن" وابن جرير وغيرهم ~~عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: PageV01P383 # "لم يكذب إبراهيم عليه السلام غير ثلاث كذبات اثنتين في ذات الله قوله: ~~إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله في سارة هي أختي" لفظ ابن ~~جرير. # وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد مرفوعا: "في كلمات إبراهيم الثلاث التي ~~قال: ما منها كذبة إلا ما حل بها عن دين الله، فقال: إني سقيم، وقال: بل ~~فعله كبيرهم هذا، وقال للملك حين أراد امرأته: هي أختي". وفي إسناده ضعف. ~~وقال قتادة في الآية: العرب ms330 تقول لمن تفكر: نظر في النجوم قال ابن كثير: ~~يعني قتادة: أنه نظر إلى السماء متفكرا فيما يكذبهم به فقال: إني سقيم، أي: ~~ضعيف. # قال: وكره قتادة تعلم منازل القمر ولم يرخص ابن عيينة فيه، ذكره حرب ~~عنهما ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق. # ش: هذا هو القسم الثالث من علم التنجيم وهو تعلم منازل الشمس والقمر، ~~للاستدلال بذلك على القبلة وأوقات الصلوات والفصول، وهو كما ترى من اختلاف ~~السلف فيه، فما ظنك بذينك القسمين؟! ومنازل القمر ثمانية وعشرون كل ليلة في ~~منزلة منها، فكره قتادة وسفيان بن عيينة تعلم المنازل، وأجازه أحمد وإسحاق ~~وغيرهما. # قال الخطابي: "أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي ~~يعرف به الزوال، وتعلم به جهة القبلة، فإنه غير داخل فيما نهي عنه، وذلك أن ~~معرفة رصد الظل ليس شيئا بأكثر من أن الظل ما دام متناقصا، فالشمس بعد ~~صاعدة نحو وسط السماء من الأفق الشرقي، وإذا أخذ في الزيادة، فالشمس هابطة ~~من وسط السماء # PageV01P384 # نحو الأفق الغربي. وهذا علم يصح دركه بالمشاهدة، إلا أن أهل هذه الصناعة ~~قد دبروها بما اتخذوا له من الآلات التي يستغني الناظر فيها عن مراعاة مدته ~~ومراصدته، وأما ما يستدل به من النجوم على جهة القبلة، فإنها كواكب رصدها ~~أهل الخبرة بها من الأئمة الذين لا نشك في عنايتهم بأمر الدين، ومعرفتهم ~~بها وصدقهم فيما أخبروا به عنها. مثل أن يشاهدوها بحضرة الكعبة، ويشاهدوها ~~على حال الغيبة عنها، فكان إدراكهم الدلالة منها بالمعاينة وإدراكنا ذلك ~~بقبول خبرهم، إذ كانوا عندنا غير متهمين في دينهم، ولا مقصرين في معرفته". # وروى ابن المنذر عن مجاهد أنه كان لا يرى بأسا أن يتعلم الرجل منازل ~~القمر قلت: لأنه لا محذور في ذلك. وعن إبراهيم أنه كان لا يرى بأسا أن ~~يتعلم الرجل من النجوم ما يهتدي به. رواه ابن المنذر. # قال ابن رجب: "والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير، فإنه باطل ~~محرم قليله وكثيره. وأما علم التسيير، فتعلم ms331 ما يحتاج إليه للاهتداء، ~~ومعرفة القبلة، والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله ~~عما هو أهم منه، وربما أدى تدقيق النظر فيه إلى إساءة الظن بمحاريب ~~المسلمين، كما وقع من أهل هذا العلم قديما وحديثا، وذلك يفضي اعتقاده إلى ~~خطإ السلف في صلاتهم وهو باطل. انتهى مختصرا". # قلت: وهذا هو الصحيح إن شاء الله، ويدل على ذلك الآيات والأحاديث التي ~~تقدمت. وهل يدخل في النهي وقت الكسوف الشمسي والقمري أم لا؟ رجح ابن القيم ~~أنه لا يدخل. # قوله: (ذكره حرب عنهما) . هو الإمام الحافظ حرب بن إسماعيل أبو محمد ~~الكرماني الفقيه من أجلة أصحاب الإمام # PageV01P385 # أحمد روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وابن معين وأبي خيثمة وابن أبي ~~شيبة وغيرهم، وله مصنفات جليلة منها كتاب "المسائل" التي سئل عنها الإمام ~~أحمد وغيره وأورد فيها الأحاديث والآثار، وأظنه روى أثر قتادة وابن عيينة ~~فيها. مات سنة ثمانين ومائتين. # وإسحاق هو [ابن] إبراهيم بن مخلد أبو يعقوب الحنظلي النيسابوري الإمام ~~المعروف بابن راهويه، روى عن ابن المبارك وأبي أسامة وابن عيينة وطبقتهم ~~قال أحمد: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين، وروى عنه أحمد والبخاري ~~ومسلم وأبو داود وغيرهم، وروى هو أيضا عن أحمد مات سنة تسع وثلاثين ~~ومائتين. # [ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحم ومصدق بالسحر] # قال: وعن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا ~~يدخلون الجنة: مدمن الخمر، وقاطع الرحم، ومصدق بالسحر" 1. رواه أحمد وابن ~~حبان في " صحيحه". # ش: هذا الحديث رواه أيضا الطبراني والحاكم وقال: صحيح وأقره الذهبي: ~~وتمام الحديث: "ومن مات وهو مدمن الخمر سقاه الله من نهر الغوطة نهر يجري ~~من فروج المومسات يؤذي أهل النار ريح فروجهن" 2. # قوله: (عن أبي موسى) ، هو عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بفتح المهملة ~~وتشديد الضاد المعجمة أبو موسى الأشعري، صحابي جليل استعمله النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأمره عمر ثم عثمان، وهو أحد الحكمين بصفين مات سنة ms332 خمسين. # قوله: "ثلاثة لا يدخلون الجنة"، هذا من نصوص الوعيد التي كره السلف ~~تأويلها وقالوا: أمروها كما جاءت. وإن كان صاحبها لا ينتقل عن الملة عندهم، ~~وكأن المصنف رحمه الله يميل إلى هذا القول. وقالت طائفة: هو على ظاهره فلا ~~يدخل الجنة أصلا مدمن الخمر ونحوه، ويكون هذا مخصصا لعموم الأحاديث الدالة ~~على خروج PageV01P386 # الموحدين من النار ودخولهم الجنة، وحمله أكثر الشراح على من فعل ذلك ~~مستحلا، أو على معنى أنهم لا يدخلون الجنة إلا بعد العذاب إن لم يتوبوا ~~والله أعلم. # قوله: (مدمن الخمر) ، أي: المداوم على شربها. # قوله: (وقاطع الرحم) . أي: القرابة كما قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم ~~أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم} 1. # قوله: "ومصدق بالسحر"مطلقا ويدخل فيه التنجيم لحديث: "من اقتبس علما من ~~النجوم اقتبس علما من السحر" 2. وهذا وجه مطابقة الحديث للباب. قال الذهبي ~~في "الكبائر": ويدخل فيه تعلم السيمياء وعملها، وهو محض السحر، وعقد المرء ~~عن زوجته، ومحبة الزوج لامرأته وبغضها وبغضه، وأشباه ذلك بكلمات مجهولة ~~قال: وكثير من الكبائر بل عامتها إلا الأقل يجهل خلق من الأمة تحريمه، وما ~~بلغه الزجر فيه، ولا الوعيد عليه، فهذا الضرب فيهم تفصيل، فينبغي للعالم أن ~~لا يجهل على الجاهل، بل يرفق به ويعلمه سيما إذا قرب عهده بجهله، كمن أسر ~~وجلب إلى أرض الإسلام وهو تركي فبالجهد أن يتلفظ بالشهادتين فلا يأثم أحد ~~إلا بعد العلم بحاله وقيام الحجة عليه. PageV01P387 # [24- ### | باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء # أي: من الوعيد، والمراد نسبة السقيا ومجيء المطر إلى الأنواء جمع نوء وهي ~~منازل القمر. قال أبو السعادات: وهي ثمانية وعشرون منزلة ينزل القمر كل ~~ليلة منزلة منها ومنه قوله تعالى: {والقمر قدرناه منازل} 1، يسقط في الغرب ~~كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلتها ذلك الوقت في ~~الشرق فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة. وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة ~~PageV01P387 # وطلوع رقيبها يكون مطر، وينسبونه إليها فيقولون: مطرنا ms333 بنوء كذا، وإنما ~~سمي نوءا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق ينوء نوءا، ~~أي: نهض وطلع. # قال: وقول الله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} 1. # روى الإمام أحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن أبي حاتم والضياء في ~~"المختارة" عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~{وتجعلون رزقكم} ، يقول: شكركم: {أنكم تكذبون} ، يقولون: مطرنا بنوء كذا ~~وكذا وبنجم كذا وكذا" وهذا أولى ما فسرت به الآية. وروي ذلك عن علي وابن ~~عباس وقتادة والضحاك وعطاء الخراساني وغيرهم. وهو قول جمهور المفسرين، وبه ~~يظهر وجه استدلال المصنف بالآية على الترجمة، فالمعنى على هذا: وتجعلون ~~شكركم لله على ما أنزل إليكم من الغيث والمطر والرحمة أنكم تكذبون، أي: ~~تنسبونه إلى غيره. وقال ابن القيم: أي: وتجعلون حظكم من هذا الرزق الذي به ~~حياتكم التكذيب به يعني: القرآن. قال الحسن: تجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن ~~أنكم تكذبون، قال: وخسر عبد لا يكون حظه من كتاب الله إلا التكذيب به. قلت: ~~والآية تشمل المعنيين. # [أربع من أمر الجاهلية] # قال: عن أبي مالك الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أربع في ~~أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، ~~والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" 2. وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها ~~تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" 3 رواه مسلم. # ش: قوله: (عن أبي مالك الأشعري) اسمه الحارث بن الحارث الشامي صحابي تفرد ~~عنه بالرواية أبو سلام، وفي الصحابة أبو مالك الأشعري اثنان غير هذا، جزم ~~به الحافظ. PageV01P388 # قوله: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن". أي: من أفعال أهلها ~~بمعنى أنها معاصي ستفعلها هذه الأمة، إما مع العلم بتحريمها، وإما مع الجهل ~~بذلك كما كان أهل الجاهلية يفعلونها. والمراد بالجاهلية هنا ما قبل المبعث، ~~سموا بذلك لفرط جهلهم، وكل ما يخالف ما جاءت به الأنبياء والمرسلون فهو ~~جاهلية منسوبة إلى الجاهل، فإن ما كانوا عليه من الأقوال ms334 والأعمال إنما ~~أحدثه لهم جاهل وإنما يفعله جاهل. قال شيخ الإسلام: أخبر أن بعض أمر ~~الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذما لمن لم يتركه، وهذا يقتضي أن ما كان من ~~أمر الجاهلية وفعلهم، فهو مذموم في دين الإسلام وإلا لم يكن في إضافة هذه ~~المنكرات إلى الجاهلية ذم لها. ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج ~~الذم وهذا كقوله تعالى: {ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى} 1 فإن في ذلك ذما ~~للتبرج، وذما لحال الجاهلية الأولى وذلك يقتضي المنع من مشابهتهم في ~~الجملة. # قوله: "الفخر بالأحساب"، أي: التشرف بالآباء والتعاظم بعد مناقبهم ~~ومآثرهم وفضائلهم وذلك جهل عظيم، إذ لا شرف إلا بالتقوى كما قال تعالى: ~~{وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا ~~... } 2 الآية. وقال تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} 3. وروى أبو داود ~~عن أبي هريرة مرفوعا: "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء ~~مؤمن تقي، أو فاجر شقي، الناس بنو آدم وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم ~~بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون PageV01P389 # على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن" 1. والأحساب جمع حسب وهو ما ~~يعده الإنسان له ولآبائه من شجاعة وفصاحة ونحو ذلك. # قوله: "والطعن في الأنساب". أي: الوقوع فيها بالذم والعيب أو يقدح في نسب ~~أحد من الناس فيقول: ليس هو من ذرية فلان أو يعيره بما في آبائه من ~~المطاعن، ولهذا لما عير أبو ذر رضي الله عنه رجلا بأمه، قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي ذر: "أعيرته بأمه؟! إنك امرؤ فيك جاهلية" 2. متفق عليه. فدل ~~ذلك أن التعيير بالأنساب من أخلاق الجاهلية، وأن الرجل مع فضله وعلمه ودينه ~~قد يكون فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية ويهودية ونصرانية، ولا يوجب ~~ذلك كفره وفسقه. قاله شيخ الإسلام. # قوله: "والاستسقاء بالنجوم". أي: نسبة السقيا ومجيء المطر إلى النجوم ~~والأنواء، وهذا هو الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، كما روى ~~الإمام ms335 أحمد وابن جرير عن جابر السوائي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: "أخاف على أمتي ثلاثا: استسقاء بالنجوم، وحيف السلطان، وتكذيبا ~~بالقدر" 3. # إذا تبين هذا، فالاستسقاء بالنجوم نوعان: # أحدهما: أن يعتقد أن المنزل للمطر هو النجم، فهذا كفر ظاهر، إذ لا خالق ~~إلا الله، وما كان المشركون هكذا، بل كانوا يعلمون أن الله هو المنزل ~~للمطر، كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض ~~من بعد موتها ليقولن الله} 4. وليس هذا معنى الحديث، فالنبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبر أن هذا لا يزال في أمته، ومن اعتقد أن النجم ينزل المطر، فهو ~~كافر. # الثاني: أن ينسب إنزال المطر إلى النجم، مع اعتقاده أن الله تعالى هو ~~الفاعل لذلك المنزل له، إلا أنه سبحانه وتعالى أجرى PageV01P390 # وكراهته، وصرح أصحاب الشافعي بجوازه، والصحيح أنه محرم، لأنه من الشرك ~~الخفي، وهو الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم وأخبر أنه من أمر ~~الجاهلية، ونفاه، وأبطله، وهو الذي كان يزعم المشركون، ولم يزل موجودا في ~~هذه الأمة إلى اليوم، وأيضا فإن هذا من النبي صلى الله عليه وسلم حماية ~~لجناب التوحيد وسدا لذرائع الشرك ولو بالعبادات الموهمة التي لا يقصدها ~~الإنسان، كما قال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟! ~~بل ما شاء الله وحده" 1. # وفيه التنبيه على ما هو أولى بالمنع من نسبة السقيا إلى الأنواء كدعاء ~~الأموات، وسؤالهم الرزق والنصر والعافية ونحو ذلك من المطالب، فإن هذا من ~~الشرك الأكبر، سواء قالوا: إنهم شفعاؤنا إلى الله، كما قال المشركون: ~~{هؤلاء شفعاؤنا عند الله} ، [يونس: من الآية: 18] ، أو اعتقدوا أنهم ~~يخلقون، ويرزقون وينصرون استقلالا على سبيل الكرامة، كما ذكره بعض عباد ~~القبور في رسالة صنفها في ذلك، لأنه إذا منع من إطلاق نسبة السقيا إلى ~~الأنواء مع عدم القصد والاعتقاد، فلأن يمنع من دعاء الأموات والتوجه إليهم ~~في الملمات مع اعتقاد أن لهم أنواع التصرفات أولى وأحرى. # قوله: (والنياحة) . أي: رفع ms336 الصوت بالندب على الميت، لأنها سخط لقضاء ~~الله ومعارضة لأحكامه وسوء أدب مع الله، ولا كذلك ينبغي أن يفعل المملوك مع ~~سيده، فكيف يفعله مع ربه وسيده ومالكه وإلهه الذي لا إله له سواه! الذي كل ~~قضائه عدل، وأيضا ففيها تفويت الأجر مع ذهاب المصيبة. # وفي الحديث دليل على شهادة أن محمدا رسول الله، لأن هذه الأخبار من أنباء ~~الغيب، فأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فكان كما أخبر. PageV01P391 # قوله: وقال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها". فيه تنبيه على أن الوعيد ~~والذم لا يلحق من تاب من الذنب، وهو كذلك بالإجماع، فعلى هذا إذا عرف شخص ~~بفعل ذنوب توعد الشرع عليها بوعيد لم يجز إطلاق القول بلحوقه لذلك الشخص ~~المعين، كما يظنه كثير من أهل البدع، فإن عقوبات الذنوب ترتفع بالتوبة، ~~والحسنات الماحية، والمصائب المكفرة، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وشفاعة ~~نبيهم صلى الله عليه وسلم فيهم، وعفو الله عنهم. # وفيه أن من تاب قبل الموت ما لم يغرغر، فإن الله يتوب عليه، كما في حديث ~~ابن عمر مرفوعا: "إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" 1. رواه أحمد ~~والترمذي وابن ماجة وابن حبان في "صحيحه". # قوله: "تقام يوم القيامة"، أي: تبعث من قبرها، وعليها سربال من قطران ~~ودرع من جرب. قال القرطبي: السربال. واحد السرابيل، وهي الثياب والقمص، ~~يعني أنهن يلطخن بالقطران، فيصير لهن كالقميص حتى يكون اشتعال النار ~~والتصاقها بأجسادهن أعظم ورائحتهن أنتن وألمها بسبب الجرب أشد. وروي عن ~~"ابن عباس أن القطران هو النحاس المذاب"وروى الثعلبي في "تفسيره" عن "عمر ~~بن الخطاب أنه سمع نائحة فأتاها، فضربها بالدرة حتى وقع خمارها، فقيل يا ~~أمير المؤمنين: المرأة المرأة قد وقع خمارها. قال: إنها لا حرمة لها". # قال: ولهما عن زيد بن خالد قال: "صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على ~~الناس. فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ms337 أصبح ~~من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي ~~كافر PageV01P392 # بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب" ~~1. # ش: قوله: (عن زيد بن خالد) . أي: الجهني المدني، صحابي مشهور، مات سنة ~~ثمان وستين بالكوفة، وقيل غير ذلك، وله خمس وثمانون سنة. # قوله: (صلى لنا) ، أي: صلى بنا، فاللام بمعنى الباء. قال الحافظ: وفيه ~~جواز إطلاق ذلك مجازا، وإنما الصلاة لله. # قوله: (بالحديبية) . بالمهملة والتصغير وتخفف ياؤها وتثقل. # قوله: (على إثر) . بكسر الهمزة وسكون المثلثة على المشهورة، وهو ما يعقب ~~الشيء. # قوله: (سماء) . أي: مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء. # قوله: (فلما انصرف) . أي: من صلاته لا من مكانه، كما يدل عليه. # قوله: (أقبل على الناس) . أي: التفت إليهم بوجهه الشريف، ففيه دليل على ~~أنه لا ينبغي للإمام إذا صلى أن يجلس مستقبل القبلة، بل ينصرف إلى ~~المأمومين، كما صحت بذلك الأحاديث. # قوله: (هل تدرون؟) ، لفظ استفهام، ومعناه التنبيه. وفي رواية النسائي ~~"ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ " 2 وهذا من الأحاديث القدسية # قال الحافظ: وهي تحمل على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها عن الله ~~بواسطة أو بلا واسطة، وفيه إلقاء العالم المسألة على أصحابه ليخبرهم، ~~وإخراج العالم التعليم للمسألة بالاستفهام فيها ذكره المصنف. # قوله: "قالوا: الله ورسوله أعلم"فيه حسن الأدب للمسئول عما لا يعلم، وأنه ~~يقول ذلك أو نحوه، ولا يتكلف ما لا يعنيه. # قوله: قال: "أصبح من عبادي". الإضافة هنا للعموم بدليل التقسيم إلى مؤمن ~~وكافر. PageV01P393 # فإن قيل: هذا يدل على أن المراد بالكفر هنا هو الأكبر. قيل: ليس فيه دليل ~~إذ الأصغر يصدر من الكفار. # قوله: "مؤمن بي وكافر". المراد بالكفر هنا هو الأصغر بنسبة ذلك إلى غير ~~الله وكفران نعمته، وإن كان يعتقد أن الله تعالى هو الخالق للمطر المنزل له ~~بدليل قوله في الحديث "فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته ... "إلى آخره، ~~فلو كان المراد هو الأكبر، لقال: ms338 أنزل علينا المطر نوء كذا، فأتى بباء ~~السببية ليدل على أنهم نسبوا وجود المطر إلى ما اعتقدوه سببا. وفي رواية: ~~"فأما من حمدني على سقياي وأثنى علي، فذاك من آمن بي" 1. فلم يقل فأما من ~~قال: إني المنزل للمطر، فذاك من آمن بي، لأن المؤمنين والكفار يقولون ذلك. ~~فدل على أن المراد إضافة ذلك إلى غير الله، وإن كان يعتقد أن الفاعل لذلك ~~هو الله. وروى النسائي والإسماعيلي نحوه. وقال في آخره: "وكفر بي أو كفر ~~نعمتي" وفي رواية أبي صالح عن أبي هريرة عند مسلم: "قال الله تعالى: ما ~~أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين" 2. وله من حديث ~~ابن عباس "أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ... " 3 الحديث. وفي حديث معاوية ~~الليثي مرفوعا: "يكون الناس مجدبين فينزل الله عليهم رزقا من رزقه فيصبحون ~~مشركين، يقولون: مطرنا بنوء كذا" 4. رواه أحمد، فبين الكفر والشرك المراد ~~هنا بأن نسبة ذلك إلى غيره تعالى، بأن يقال: مطرنا بنوء كذا، قال ابن ~~قتيبة: كانوا في الجاهلية يظنون أن نزول الغيث بواسطة النوء إما بصنعه على ~~زعمهم، وإما بعلامته، فأبطل الشرع قولهم، وجعله كفرا، فإن اعتقد قائل ذلك ~~أن للنوء صنعا في ذلك، فكفره كفر شرك، وإن اعتقد أن ذلك من قبيل التجربة، ~~فليس بشرك، لكن يجوز إطلاق الكفر عليه وإرادة كفر النعمة، لأنه لم يقع في ~~شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين. ~~PageV01P394 # وقال الشافعي: من قال: مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا، فلا ~~يكون كفرا، وغيره من الكلام أحب إلي منه. # قلت: قد يقال: إن كلام الشافعي لا يدل على جواز ذلك، وإنما يدل على أنه ~~لا يكون كفر شرك، وغيره من الكلام أحسن منه. أما كونه يجوز إطلاق ذلك أو لا ~~يجوز، فالصحيح أنه لا يجوز، لما تقدم أن معنى الحديث هو نسبة السقيا إلى ~~الأنواء لفظا، وإن كان القائل لذلك يعتقد أن الله هو المنزل للمطر، ms339 فهذا من ~~باب الشرك الخفي في الألفاظ، كقوله: لولا فلان لم يكن كذا، وفيه معنى قوله ~~تعالى: {وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم} 1. فإن كثيرا من النعم قد تجر ~~الإنسان إلى شر، كالذين قالوا: مطرنا بنوء كذا بسبب نزول النعمة. # وفيه التفطن للإيمان في هذا الموضع. ذكره المصنف، يشير إلى أن المراد به ~~هنا نسبة النعمة إلى الله وحمده عليها، كما في قوله تعالى: "فأما من حمدني ~~على سقياي وأثنى علي فذاك من آمن بي"، وقوله: "فأما من قال: مطرنا بفضل ~~الله ورحمته" الحديث. # وفيه أن من الكفر ما لا يخرج عن الملة. ذكره المصنف. # قوله: (فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته) . أي: من نسبه إلى الله ~~واعتقد أنه أنزله بفضله ورحمته من غير استحقاق من العبد على ربه وأثنى به ~~عليه، فقال: مطرنا بفضل الله ورحمته، وفي الرواية الأخرى: "فأما من حمدني ~~على سقياي، وأثنى علي فذاك من آمن بي" 2. وهكذا يجب على الإنسان أن لا يضيف ~~نعم الله إلى غيره ولا يحمدهم عليها بل يضيفها إلى خالقها ومقدرها الذي ~~أنعم بها على العبد بفضله ورحمته، ولا ينافي ذلك الدعاء لمن أحسن بها إليك، ~~وذكر ما أولاكم من المعروف إذا سلم لك دينك، والسر في ذلك -والله أعلم- أن ~~العبد يتعلق قلبه بمن يظن حصول الخير له من جهته وإن كان لا صنع له في ذلك، ~~وذلك نوع شرك خفي فمنع من ذلك. PageV01P395 # قوله: (وأما من قال: مطرنا بنوء كذا ... ) إلى آخره. كالصريح فيما ذكرنا ~~أن المراد نسبة ذلك إلى غير الله، وإن كان يعتقد أن المنزل للمطر هو الله. ~~ولهذا لم يقل: فأما من قال: أنزل علينا المطر أو أمطرنا بنوء كذا. قال ~~المصنف: وفيه التفطن للكفر في هذا الموضع، يشير إلى أن المراد بالكفر هنا ~~هو نسبة النعمة إلى غير الله كالنوء ونحوه على ما تقدم، ولما كان إنزال ~~الغيث من أعظم نعم الله وإحسانه إلى عباده لما اشتمل عليه من منافعهم، فلا ~~يستغنون عنه أبدا ms340 كان من شكره الواجب عليهم أن يضيفوه إلى البر الرحيم ~~المنعم، ويشكروه فإن النفوس قد جبلت على حب من أحسن إليها، والله تعالى هو ~~المحسن المنعم على الإطلاق الذي ما بالعباد من نعمة فمنه وحده، كما قال ~~تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} 1. # [تفسير قوله تعالى: فلا أقسم بمواقع النجوم] # قال: ولهما من حديث ابن عباس معناه. # وفيه قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: {فلا أقسم ~~بمواقع النجوم ... } 2 إلى قوله: { ... تكذبون} . # ش قوله: (ولهما) . الحديث لمسلم فقط، ولفظه عن ابن عباس قال: "مطر الناس ~~على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أصبح من ~~الناس شاكر ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا ~~وكذا، قال فنزلت هذه الآية: {فلا أقسم بمواقع النجوم} 3 حتى بلغ {وتجعلون ~~رزقكم أنكم تكذبون} . # قوله: (قال بعضهم) : ذكر الواقدي في "مغازيه" عن أبي قتادة أن عبد الله ~~بن أبي هو القائل في ذلك الوقت: مطرنا بنوء الشعرى، وفي صحة ذلك نظر. # قوله: {فلا أقسم بمواقع النجوم} 4. هذا قسم PageV01P396 # من الله عز وجل يقسم بما شاء من خلقه، وهو دليل على عظمة المقسم به ~~وتشريفه. # وتقديره: أقسم بمواقع النجوم، ويكون جوابه: {إنه لقرآن كريم} 1، فعلى هذا ~~تكون "لا" صلة لتأكيد النفي، فتقدير الكلام: ليس الأمر كما زعمتم في القرآن ~~أنه سحر أو كهانة، بل هو قرآن كريم. # قال ابن جرير: "قال بعض أهل العربية: معنى قوله: {فلا أقسم} ، فليس الأمر ~~كما تقولون، ثم استؤنف القسم بعد، فقيل: أقسم ; ومواقع النجوم. قال ابن ~~عباس: يعني نجوم القرآن، فإنه نزل جملة ليلة القدر من السماء العليا إلى ~~السماء الدنيا، ثم نزل مفرقا في السنين بعد، ثم قرأ ابن عباس هذه الآية. ~~ومواقعها: نزولها شيئا بعد شيء، وقيل: النجوم هي الكواكب، ومواقعها: ~~مساقطها عند غروبها، قال مجاهد: مواقع النجوم يقال: مطالعها ومشارقها، ~~واختاره ابن جرير. وعلى هذا فتكون المناسبة بين ذكر النجوم ms341 في القسم وبين ~~المقسم عليه وهو القرآن من وجوه: # أحدها: أن النجوم جعلها الله يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وآيات ~~القرآن يهتدى بها في ظلمات الغي والجهل، فتلك هداية في الظلمات الحسية، ~~وآيات القرآن هداية في الظلمات المعنوية، فجمع بين الهدايتين مع ما في ~~النجوم من الزينة الظاهرة للعالم وفي القرآن من الزينة الباطنة، ومع ما في ~~النجوم من الرجوم للشياطين، وفي آيات القرآن من رجوم شياطين الإنس والجن، ~~والنجوم آياته المشهودة العيانية، والقرآن آياته المتلوة السمعية مع ما في ~~مواقعها عند الغروب من العبرة والدلالة على آياته القرآنية ومواقعها عند ~~النزول، ذكره ابن القيم. # وقوله: {وإنه لقسم لو تعلمون عظيم} 2. قال ابن كثير: أي وإن هذا القسم ~~الذي أقسمت به لقسم عظيم، لو تعلمون عظمته لعظمتم المقسم عليه. PageV01P397 # وقوله: {إنه لقرآن كريم} 1. هذا هو المقسم عليه، وهو القرآن أي: إنه وحي ~~الله وتنزيله وكلامه، لا كما يقول الكفار: إنه سحر وكهانة أو شعر، بل هو ~~قرآن كريم، أي: عظيم كثير الخير، لأنه كلام الله. قال ابن القيم: فوصفه بما ~~يقتضي حسنه وكثرة خيره ومنافعه وجلالته، فإن الكريم هو البهي الكثير الخير، ~~العظيم النفع، وهو من كل شيء أحسنه وأفضله، والله سبحانه وصف نفسه بالكرم ~~[الانفطار 6، والنحل 40] ، ووصف به كلامه، ووصف به عرشه [المؤمنون 16] ، ~~ووصف به ما كثر خيره، وحسن منظره من النبات وغيره، ولذلك فسر السلف الكريم ~~بالحسن، قال الأزهري: الكريم: اسم جامع لما يحمد، والله تعالى كريم جميل ~~الفعال، إنه لقرآن كريم يحمد لما فيه من الهدى والبيان، والعلم والحكمة. # وقوله: {في كتاب مكنون} 2. قال ابن كثير: أي: معظم في كتاب معظم محفوظ ~~موقر. وقال ابن القيم: اختلف المفسرون في هذا فقيل: هو اللوح المحفوظ، ~~والصحيح أنه الكتاب الذي بأيدي الملائكة وهو المذكور في قوله: {في صحف ~~مكرمة مرفوعة مطهرة بأيدي سفرة كرام بررة} 3. ويدل على أنه الكتاب الذي ~~بأيدي الملائكة قوله: {لا يمسه إلا المطهرون} 4. فهذا يدل على أنه بأيديهم ~~يمسونه. PageV01P398 # وقوله: {لا يمسه إلا المطهرون} ms342 1. قال "ابن عباس: {لا يمسه إلا المطهرون} ~~2. قال: الكتاب الذي في السماء"وفي رواية:" {لا يمسه إلا المطهرون} 3، ~~يعني: الملائكة وقال قتادة: لا يمسه عند الله إلا المطهرون". أما في ~~الدنيا، فإنه يمسه المجوسي النجس والمنافق الرجس. قال: وهي في قراءة ابن ~~مسعود: ما يمسه إلا المطهرون. واختار هذا القول كثيرون منهم: ابن القيم ~~ورجحه. وقال ابن زيد: زعمت قريش أن هذا القرآن تنزلت به الشياطين فأخبر ~~الله تعالى أنه لا يمسه إلا المطهرون كما قال: {وما تنزلت به الشياطين ... ~~} 4 إلى قوله: {لمعزولون} . وقال ابن كثير: وهذا قول جيد وهو لا يخرج عن ~~القول قبله. # وقال البخاري في "صحيحه" في هذه الآية: لا يجد طعمه إلا من آمن به. قال ~~ابن القيم: وهذا من إشارة الآية وتنبيهها وهو أنه لا يلتذ به وبقراءته ~~وفهمه وتدبره إلا من يشهد أنه كلام الله تكلم به حقا، وأنزله على رسوله ~~وحيا، ولا ينال معانيه إلا من لم يكن في قلبه منه حرج بوجه من الوجوه. # وقال آخرون: {لا يمسه إلا المطهرون} ، [الواقعة: 79] ، أي: من الجنابة ~~والحدث قالوا: ولفظ الآية خبر ومعناه الطلب. قالوا: والمراد بالقرآن هنا ~~المصحف، كما في حديث ابن عمر مرفوعا: "نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو ~~مخافة أن يناله العدو" 5. واحتجوا على ذلك بما رواه مالك في "الموطأ" عن ~~عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن في الكتاب الذي ~~كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم: "أن لا يمس القرآن إلا ~~طاهر". # وقوله: {تنزيل من رب العالمين} 6. قال ابن كثير: أي: هذا القرآن منزل من ~~الله رب العالمين، وليس كما يقولون: إنه سحر أو كهانة أو شعر، بل هو الحق ~~الذي لا مرية فيه وليس وراءه حق PageV01P399 # نافع. وفي هذه الآية 1-إثبات أنه كلام الله تكلم به. قال ابن القيم: ~~ونظيره {ولكن حق القول مني} 1 وقوله: {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} 2. ~~2-وإثبات علو الله سبحانه على ms343 خلقه، فإن النزول والتنزيل الذي تعقله ~~العقول، وتعرفه الفطر هو وصول الشيء من أعلى إلى أسفل، ولا يرد عليه قوله: ~~{وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} 3. لأنا نقول: إن الذي أنزلها من فوق ~~سماواته قد أنزلها لنا بأمره. قال ابن القيم: وذكر التنزيل مضافا إلى ~~ربوبيته للعالمين المستلزمة لملكه لهم، وتصرفه فيهم، وحكمه عليهم، وإحسانه ~~وإنعامه عليهم، وأن من هذا شأنه مع الخلق كيف يليق به مع ربوبيته التامة أن ~~يتركهم سدى، ويدعهم هملا، ويخلقهم عبثا، لا يأمرهم ولا ينهاهم، ولا يثيبهم ~~ولا يعاقبهم؟! فمن أقر بأنه رب العالمين أقر بأن القرآن نزله على رسوله، ~~واستدل بكونه رب العالمين على ثبوت رسالة رسوله وصحة ما جاء به. وهذا ~~الاستدلال أقوى وأشرف من الاستدلال بالمعجزات والخوارق وإن كانت دلالتها ~~أقرب إلى أذهان عموم الناس، وتلك إنما تكون لخواص العقلاء. # وقوله: {أفبهذا الحديث أنتم مدهنون} 4 قال مجاهد: أي: أتريدون أن ~~تمالؤوهم فيه وتركنوا إليهم. قال ابن القيم: ثم وبخهم سبحانه على وضعهم ~~الأدهان في غير موضعه، وأنهم يداهنون فيما حقه أن يصدع به، ويفرق به، ويعض ~~عليه بالنواجذ، وتثنى عليه الخناصر، وتعقد عليه القلوب والأفئدة، ويحارب ~~ويسالم لأجله، ولا يلتوي عنه يمنة ولا يسرة، ولا يكون للقلب التفات إلى ~~غيره، ولا محاكمة إلا إليه، ولا مخاصمة إلا به، ولا اهتداء في طرق المطالب ~~العالية إلا بنوره، ولا شفاء إلا به. فهو روح الوجود، وحياة العالم، ومدار ~~السعادة، وقائد الفلاح، وطريق النجاة، وسبيل الرشاد، ونور البصائر، فكيف ~~تطلب المداهنة بما هذا شأنه؟! ولم PageV01P400 # ينزل للمداهنة، وإنما أنزل بالحق وللحق، والمداهنة إنما تكون في باطل قوي ~~لا تمكن إزالته، أو في حق ضعيف لا تمكن إقامته، فيحتاج المداهن إلى أن يترك ~~بعض الحق، ويلتزم بعض الباطل. فأما الحق الذي قام به كل حق فكيف يداهن ~~فيه؟! # وقوله: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} 1، تقدم الكلام عليها أول الباب، ~~والله أعلم. PageV01P401 ### | باب قول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} ms344 # ... # [25- بابقول الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم ~~كحب الله} 1] # [أقسام المحبة وأنواعها] . # ش: لما كانت محبة الله سبحانه هي أصل دين الإسلام، الذي يدور عليه قطب ~~رحاها، فبكمالها يكمل الإيمان، وبنقصانها ينقص توحيد الإنسان، نبه المصنف ~~رحمه الله على وجوبها على الأعيان، ولهذا جاء في الحديث: "أحبوا الله لما ~~يغذوكم به من نعمه ... ". الحديث رواه الترمذي والحاكم. وفي حديث آخر: ~~"أحبوا الله بكل قلوبكم". وفي حديث معاذ بن جبل في حديث المنام: "وأسألك ~~حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك". رواه أحمد والترمذي وصححه. # وما أحسن ما قال ابن القيم في وصفها: هي المنزلة التي يتنافس فيها ~~المتنافسون، وإلى عملها شمر السابقون، وعليها تفانى المحبون، فهي قوت ~~القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها، فهو من ~~جملة الأموات، والنور الذي من فقده، ففي بحار الظلمات، والشفاء الذي من ~~عدمه، حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها، فعيشه كله هموم ~~وآلام، وهي روح الإيمان والأعمال، والمقامات والأحوال التي متى خلت منها، ~~فهي كالجسد الذي لا روح فيه، تحمل أثقال السائرين إلى بلاد لم PageV01P401 # يكونوا إلا إلا {بشق الأنفس} بالغيها، وتوصلهم إلى منازل لم يكونوا أبدا ~~بدونها واصليها، وتبوئهم من مقاعد الصدق مقامات لم يكونوا لولا هي داخليها. # تالله لقد ذهب أهلها بشرف الدنيا والآخرة، وقد قضى الله تعالى يوم قدر ~~مقادير الخلائق، بمشيئته وحكمته البالغة، أن المرء مع من أحب، فيا لها من ~~نعمة على المحبين سابغة. تالله لقد سبق القوم السعاة، وهم على ظهور الفرش ~~نائمون، ولقد تقدموا الركب بمراحل وهم في مسيرهم واقفون، وأجابوا مؤذن ~~الشوق، إذ نادى بهم: حي على الفلاح، وبذلوا نفوسهم في طلب الوصول إلى ~~محبوبهم، وكان بذلهم بالرضى والسماح، وواصلوا إليه المسير بالإدلاج والغدو ~~والرواح، تالله لقد حمدوا عند الوصول مسراهم، وشكروا مولاهم على ما أعطاهم، ~~وإنما يحمد القوم السرى عند الصباح. وأطال في وصفها فراجعه في "المدارج". # واعلم أن المحبة قسمان، ms345 مشتركة وخاصة: # فالمشتركة: ثلاثة أنواع، # أحدها: محبة طبيعية، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك. وهذه ~~لا تستلزم التعظيم. # الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، وهذه أيضا لا ~~تستلزم التعظيم. # الثالث: محبة أنس وألف، وهي محبة المشتركين في صناعة، أو علم أو مرافقة ~~أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضا، وكمحبة الإخوة، بعضهم بعضا. فهذه الأنواع ~~الثلاثة، التي تصلح للخلق، بعضهم من بعض ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة ~~الله، ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء والعسل، وكان ~~يحب نساءه، وعائشة أحبهن إليه، وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق رضي ~~الله عنه. # PageV01P402 # القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله، ومتى أحب العبد بها ~~غيره، كان شركا لا يغفره الله، وهي محبة العبودية، المستلزمة للذل، والخضوع ~~والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره. فهذه المحبة لا يجوز تعلقها ~~بغير الله أصلا كما حققه ابن القيم، وهي التي سوى المشركون بين الله تعالى ~~وبين آلهتهم فيها. كما قال تعالى في الآية التي ترجم لها المصنف: {ومن ~~الناس من يتخذ من دون الله أندادا} 1. قال ابن كثير: يذكر تعالى حال ~~المشركين به في الدنيا، وما لهم في الآخرة من العذاب والنكال حيث جعلوا لله ~~أندادا، أي: أمثالا ونظراء، يحبونهم كحبه، ويعبدونهم معه، وهو الله الذي لا ~~إله إلا هو، ولا ضد له ولا ند له، ولا شريك معه. # وقوله: {يحبونهم كحب الله} 2، أي: يساوونهم بالله في المحبة والتعظيم، ~~ولهذا يقولون لأندادهم، وهم في النار: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ ~~نسويكم برب العالمين} 3. فهذا هو مساواتهم برب العالمين، وهو العدل ~~المذكور، في قوله: {ثم الذين كفروا بربهم يعدلون} 4. أما مساواتهم بالله في ~~الخلق والرزق وتدبير الأمور، فما كان أحد من المشركين يساوون أصنامهم بالله ~~في ذلك. وهذا القول رجحه شيخ الإسلام. # والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم، كما يحب المؤمنون الله، ثم بين أن ~~محبة المؤمنين لله أشد من محبة أصحاب الأنداد لأندادهم. قال شيخ الإسلام: ms346 ~~وهذا متناقض، وهو باطل، فإن المشركين لا يحبون الأنداد، مثل محبة المؤمنين ~~الله، ودلت الآية على أن من أحب شيئا، كحب الله، فقد اتخذه ندا لله، وذلك ~~هو الشرك الأكبر، قاله المصنف. وعلى وجوب إفراد الله بالمحبة الخاصة التي ~~هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب، إنما نشأ عن المحبة، ~~ولأجلها، فهي الحق الذي خلقت به السموات والأرض، وهي الحق PageV01P403 # الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سر التأله، وتوحيدها هو شهادة أن لا إله ~~إلا الله وليس كما زعم المنكرون، أن الإله هو الرب الخالق، فإن المشركين ~~كانوا مقرين، بأنه لا رب إلا الله، ولا خالق سواه، ولم يكونوا مقرين بتوحيد ~~الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حبا ~~وذلا وخوفا ورجاء، وتعظيما وطاعة، إله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله ~~من التأله، وهو التعبد الذي هو آخر مراتب الحب، فالمحبة حقيقة العبودية، ~~ودلت أيضا على أن المشركين يعرفون الله ويحبونه، وإنما الذي أوجب كفرهم ~~مساواتهم به الأنداد في المحبة، فكيف بمن أحب الأنداد أكثر من حب الله! ~~فكيف بمن لم يحب الله أصلا، ولم يحب إلا الند وحده فالله المستعان. # قوله: {والذين آمنوا أشد حبا لله} 1. # نتكلم عليها لتعلقها بما قبلها تكميلا للفائدة، وإن لم يذكرها المصنف، ~~وفيها قولان: أحدهما وهو الصحيح أن المعنى: والذين آمنوا أشد حبا لله من ~~محبة المشركين بالأنداد لله، فإن محبة المؤمنين خالصة، ومحبة أصحاب الأنداد ~~قد ذهبت أندادهم بقسط منها، والمحبة الخالصة أشد من المشتركة. # والثاني: والذين آمنوا أشد حبا لله من حب أصحاب الأنداد لأندادهم التي ~~يحبونها من دون الله. قال ابن القيم: والقولان مرتبان على القولين في قوله: ~~يحبونهم كحب الله. وفي الآية دليل على أن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان ~~خالصا، وأن الشرك محبط للأعمال. # [توعد من قدم شيئا على محبة الله ورسوله] # قال: وقوله: {قل إن كان آباؤكم ... } 2 إلى قوله: {أحب إليكم من الله ~~ورسوله ... } 3. # هذا أمر من الله ms347 تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يتوعد من أحب ~~أهله وعشيرته وأمواله ومساكنه، أو أحد هذه الأشياء على الله ورسوله، ~~PageV01P404 # وجهاد في سبيله، وقد خوطب بهذا المؤمنين في آخر الأمر، كما قاله شيخ ~~الإسلام، فقيل لهم: {إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم ~~وأموال اقترفتموها} 1، أي: حصلتموها، {وتجارة تخشون كسادها} 2، أي: رخصها ~~وفوات وقت نفاقها، {ومساكن ترضونها} 3، أي: لحسنها وطيبها، {أحب إليكم من ~~الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره} 4، أي: انتظروا ~~ماذا يحل بكم من عذاب الله، {والله لا يهدي القوم الفاسقين} 5، أي: ~~الخارجين عن طاعة الله. # وهو تنبيه على أن من فعل ذلك، فهو من الفاسقين فهذا تشديد، ووعيد عظيم، ~~ولا يخلص منه إلا من صح إيمانه فخلص لله سره وإعلانه، وعلى أن المحبة ~~الصادقة تستلزم تقديم مراضي الله على هذه الثمانية كلها، فكيف بمن آثر ~~بعضها على الله ورسوله، وجهاد في سبيله! # فإن قلت: قد قال شيخ الإسلام: إن كثيرا من المسلمين أو أكثرهم بهذه ~~الصفة. # قيل: مراده أن كثيرا من المسلمين قد يكون ما ذكر أحب إليه من الله ~~ورسوله، أي: في إيثار ذلك على فعل أمر الله، وأمر رسوله الذي ينشأ عن ~~المحبة لا في الحب الذي يوجب قصد المحبوب بالتأله، فإن من ساوى بين الله ~~وبين غيره في هذا الحب، فهو مشرك، فكيف إذا كان غير الله أحب إليه كما هو ~~الواقع من عباد القبور، فإنهم يحبون أندادهم أعظم من حب الله، وذلك أن أصل ~~الحب يحتمل الشركة بخلاف الخلة، فإنها لا تقبل الشركة أصلا، ولهذا قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الحسن وأسامة: "اللهم إني أحبهما وأحب من ~~يحبهما". حديث صحيح. # واعلم أن هذه الآية شبيهة بقوله: {قل إن كنتم تحبون الله PageV01P405 # فاتبعوني} 1. فلما كثر المدعون لمحبة الله، طولبوا بإقامة البينة، فجاءت ~~هذه الآية ونحوها. فمن ادعى محبة الله، وهو يحب ما ذكر على الله ورسوله، ~~فهو كاذب كمن يدعي محبة الله، وهو على غير طريق النبي ms348 صلى الله عليه وسلم ~~فإنه كاذب، إذ لو كان صادقا لكان متبعا له، قال مبارك ابن فضالة: عن الحسن. ~~قال: كان ناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: يا رسول الله إننا ~~نحب ربنا حبا شديدا، فأحب الله أن يجعل لحبه علما فأنزل الله: {قل إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم} 2. وقد وقع لكثير من ~~المدعين نوع انبساط في دعوى المحبة أخرجهم إلى شيء من الرعونة والدعاوي ~~التي تنافي العبودية، ويدعي أحدهم دعاوي تتجاوز حدود الأنبياء، ويطلبون من ~~الله ما لا يصلح بكل وجه إلا لله. وسبب هذا ضعف تحقيق المحبة التي هي محض ~~العبودية، بل ضعف العقل الذي به يعرف العبد حقيقته، ومدعي ذلك فيه شبه من ~~اليهود والنصارى الذين قالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه. # وشرط المحبة موافقة المحبوب، فتحب ما يحب، وتكره ما يكره، وتبغض ما يبغض، ~~وذلك كمن يدعي أن الذنوب لا تضره، لكون الله يحبه فيصر عليها أو يدعي أنه ~~يصل إلى حد في محبة الله تسقط عنه التكاليف، وكقول بعضهم: أي مريد لي ترك ~~في النار أحدا، فإن بريء منه، فقال الآخر: أي مريد لي ترك أحدا من المؤمنين ~~يدخل النار، فإنه بريء منه. ونحو ذلك من الدعاوي مع أن كثيرا من هذا ونحوه ~~لا يصدر إلا من كافر، والعاقل يتنبه. وما هكذا كان سادات المحبين: الأنبياء ~~والمرسلون، والصحابة، والتابعون، فكن على حذر من ذلك، فإن كثيرا من جهال ~~المتصوفة وقع فيه، وقد ينسب ذلك إلى بعض المشايخ المشهورين، وهو إما كذب ~~عليهم، وإما خطأ منهم، فإن العصمة منتفية عن غير الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. PageV01P406 # [لا يكمل إيمان العبد حتى يحب الرسول أكثر من جميع البشر] # قال: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن أحدكم حتى ~~أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين" 1. أخرجاه # ش: قوله: (لا يؤمن أحدكم) . أي. لا يحصل له الإيمان الذي تبرأ به ذمته، ~~ويستحق به دخول الجنة ms349 بلا عذاب حتى يكون الرسول أحب إليه من أهله وولده ~~ووالده والناس أجمعين، بل لا يحصل له ذلك حتى يكون الرسول أحب إليه من نفسه ~~أيضا، كما في حديث "عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنت يا رسول الله أحب إلي من كل شيء إلا نفسي فقال: والذي نفسي ~~بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنك الآن والله أحب إلي من ~~نفسي، فقال: الآن يا عمر" 2. رواه البخاري. فمن لم يكن كذلك، فهو من أصحاب ~~الكبائر، إذا لم يكن كافرا، فإنه لا يعهد في لسان الشرع نفي اسم مسمى أمر ~~الله به ورسوله إلا إذا ترك بعض واجباته، فأما إذا كان الفعل مستحبا في ~~العبادة لم ينفها لانتفاء المستحب، ولو صح هذا لنفي عن جمهور المؤمنين اسم ~~الإيمان والصلاة والزكاة والحج وحب الله ورسوله، لأن ما من عمل إلا وغيره ~~أفضل منه، وليس أحد يفعل أفعال البر مثل ما فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~بل ولا أبو بكر ولا عمر، فلو كان من لم يأت بكمالها المستحب يجوز نفيها عنه ~~لجاز أن ينفى عن جمهور المسلمين من الأولين والآخرين، وهذا لا يقوله عاقل. ~~وعلى هذا فمن قال: إن المنفي هو الكمال، فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب ~~الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب ~~فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. قاله شيخ الإسلام. ~~وأكثر الناس يدعي أن الرسول أحب إليه مما ذكر، فلا بد من تصديق ذلك بالعمل ~~والمتابعة له، وإلا فالمدعي كاذب، فإن القرآن بين أن المحبة التي في القلب ~~تستلزم العمل الظاهر بحبها كما قال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله} 3. وقال تعالى: {ويقولون PageV01P407 # آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك ~~بالمؤمنين} 1، إلى قوله: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم ms350 أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} 2. فنفى الإيمان ~~عمن تولى عن طاعة الرسول، وأخبر أن المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ~~سمعوا وأطاعوا. فتبين أن هذا من لوازم الإيمان والمحبة، لكن كل مسلم لا بد ~~أن يكون محبا بقدر ما معه من الإسلام كما أن كل مؤمن لا بد أن يكون مسلما، ~~وكل مسلم لا بد أن يكون مؤمنا، وإن لم يكن مؤمنا الإيمان المطلق، لأن ذلك ~~لا يحصل إلا لخواص المؤمنين، فإن الاستسلام لله ومحبته لا تتوقف على هذا ~~الإيمان الخاص. # قال شيخ الإسلام: وهذا الفرق يجده الإنسان من نفسه ويعرفه من غيره، فعامة ~~الناس إذا أسلموا بعد كفر، أو ولدوا على الإسلام، والتزموا شرائعه، وكانوا ~~من أهل الطاعة لله ورسوله، وهم مسلمون، ومعهم إيمان مجمل، لكن دخول حقيقة ~~الإيمان إلى قلوبهم يحصل شيئا فشيئا إن أعطاهم الله ذلك، وإلا فكثير من ~~الناس لا يصلون إلى اليقين، ولا إلى الجهاد ولو شككوا لشكوا، ولو أمروا ~~بالجهاد لما جاهدوا، وليسوا كفارا ولا منافقين، بل ليس عندهم من علم القلب ~~ومعرفته ويقينه ما يدرأ الريب، ولا عندهم من قوة الحب لله ورسوله ما ~~يقدمونه على الأهل والمال. وهؤلاء إن عرفوا من المحنة وماتوا دخلوا الجنة، ~~وإن ابتلوا بمن يدخل عليهم شبهات توجب ريبهم فإن لم ينعم الله عليهم بما ~~يزيل الريب، وإلا صاروا مرتابين وانتقلوا إلى نوع من النفاق انتهى. # قوله: (أحب) . هو بالنصب خبر كون. # قوله: (والناس أجمعين) . هو من عطف العام على الخاص وهو كثير. ~~PageV01P408 # وفي الحديث من الفوائد: # إذا كان هذا شأن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم فما الظن بمحبة الله؟! # وفيه أن الأعمال من الإيمان، لأن المحبة عمل، وقد نفي الإيمان عمن لم يكن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليه مما ذكر فدل على ذلك. # وفيه أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام. # وفيه وجوب محبته صلى الله عليه وسلم على ما ذكر، ذكرهما المصنف. # [ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان] ms351 . # قال: ولهما عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه ~~وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب ~~المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه ~~كما يكره أن يقذف في النار"1. وفي رواية: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى ~~... " 2 إلى آخره. # ش: قوله: (ثلاث) . أي: ثلاث خصال. وجاز الابتداء بثلاث، لأن المضاف إليه ~~منوي ولذلك جاء التنوين. # قوله: (من كن فيه) . أي: وجدن وحصلن، فهي تامة. # قوله: (وجد بهن حلاوة الإيمان) . قال ابن أبي جمرة: إنما عبر بالحلاوة ~~لأن الله شبه الإيمان بالشجرة في قوله: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة ~~طيبة} 3. # قلت: والشجرة لها ثمرة، والشجرة لها حلاوة، فكذلك شجرة الإيمان لا بد لها ~~من ثمرة ولا بد لتلك الثمرة من حلاوة. لكن قد يجدها المؤمن وقد لا يجدها ~~وإنما يجدها بما ذكر في الحديث. # قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما) . "أحب" منصوب لأنه خبر ~~يكون. قال البيضاوي: المراد بالحب هنا الحب العقلي الذي هو إيثار ما يقتضي ~~العقل السليم رجحانه، وإن كان على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء ~~بطبعه، فينفر عنه بطبعه ويميل إليه بمقتضى عقله فيهوى تناوله. فإذا تأمل ~~المرء أن الشارع PageV01P409 # لا يأمر ولا ينهى إلا بما فيه صلاح عاجل أو خلاص آجل، والعقل يقتضي رجحان ~~جانب ذلك تمرن على الائتمار بأمره بحيث يصير هواه تبعا له، ويلتذ بذلك ~~التذاذا عقليا إذ الالتذاذ العقلي إدراك ما هو كمال وخير من حيث هو كذلك. # قلت: وكلامه على قواعد الجهمية ونحوهم من نفي محبة المؤمنين لربهم لهم. ~~والحق خلاف ذلك بل المراد في الحديث أن يكون الله ورسوله عند العبد أحب ~~إليه مما سواهما حبا قلبيا كما في بعض الأحاديث: "أحبوا الله بكل قلوبكم". ~~فيميل بكليته إلى الله وحده حتى يكون وحده محبوبه ومعبوده، وإنما يحب من ~~سواه تبعا لمحبته كما يحب الأنبياء والمرسلين ms352 والملائكة والصالحين لما كان ~~يحبهم ربه سبحانه، وذلك موجب لمحبة ما يحبه سبحانه وكراهة ما يكره، وإيثار ~~مرضاته على ما سواه والسعي فيما يرضيه ما استطاع وترك ما يكره. فهذه علامات ~~المحبة الصادقة ولوازمها، وأما مجرد إيثار ما يقضي العقل رجحانه، وإن كان ~~على خلاف هوى النفس كالمريض يعاف الدواء بطبعه فينفر عنه ... إلى آخر # كلامه. فهذا قد يكون في بعض الأمور علامة على الحب ولازما له لا أنه هو ~~الحب. # وقال شيخ الإسلام: أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الثلاث من كن ~~فيه وجد حلاوة الإيمان، لأن وجود الحلاوة للشيء يتبع المحبة له فمن أحب ~~شيئا واشتهاه إذا حصل له مراده فإنه يجد الحلاوة واللذة والسرور بذلك. ~~واللذة أمر يحصل عقيب إدراك الملائم الذي هو المحبوب أو المشتهى. # قال: فحلاوة الإيمان المتضمنة للذة والفرح يتبع كمال محبة العبد لله، ~~وذلك بثلاثة أمور: تكميل هذه المحبة وتفريعها ودفع ضدها. # PageV01P410 # فتكميلها أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما فإن محبة الله ورسوله، ~~لا يكتفى فيها بأصل الحب، بل لا بد أن يكون الله ورسوله، أحب إليه مما ~~سواهما. # قلت: ولا يكون كذلك، إلا إذا وافق ربه، فيما يحبه وما يكرهه، قال: ~~وتفريعها أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. # قلت: فإن من أحب مخلوقا لله، لا لغرض آخر، كان هذا من تمام حبه لله، فإن ~~محبة محبوب المحبوب من تمام محبة المحبوب، فإذا أحب أنبياء الله، وأولياءه، ~~لأجل قيامهم بمحبوبات الله، لا لشيء آخر، فقد أحبهم لله لا لغيره. # قال: ودفع ضدها أن يكره ضد الإيمان، كما يكره أن يقذف في النار. # قلت: وإنما كره الضد، لما دخل قلبه من محبة الله، فانكشف له بنور المحبة ~~محاسن الإسلام، ورذائل الجهل، والكفران، وهذا هو الحب الذي يكون مع من أحب، ~~كما في "الصحيحين". عن أنس: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى ~~الساعة، فقال: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صيام ولا ms353 ~~صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت مع من ~~أحببت"، وفي رواية للبخاري "فقلنا: ونحن كذلك، قال، نعم قال أنس: ففرحنا ~~يومئذ، فرحا شديدا" 1. # وقوله: (مما سواهما) ، فيه جمع ضمير الرب سبحانه، وضمير الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وقد أنكره على الخطيب، لما قال: ومن يعصهما، فقد غوى، وأحسن ما ~~قيل فيه قولان: أحدهما ما قاله البيضاوي وغيره، أنه ثنى الضمير هنا إيماء ~~إلى أن المعتبر هو المجموع المركب من المحبتين، لا كل واحدة، فإنها وحدها ~~لاغية، وأمر بالإفراد في حديث الخطيب إشعارا بأن كل واحد من العصيانين ~~مستقل باستلزام PageV01P411 # الغواية، إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في ~~الحكم. قلت: وهذا جواب بليغ جدا. # الثاني: حمل حديث الخطيب على الأدب والأولى، وهذا على الجواز. # وجواب ثالث، وهو أن هذا ورد على الأصل، وحديث الخطيب ناقل، فيكون أرجح. # قوله: (كما يكره أن يقذف في النار) ، أي: يستوي عنده الأمران، الإلقاء في ~~النار، والعود في الكفر. # قلت: وفي الحديث من الفوائد: أن الله تعالى يحبه المؤمنون، وهو تعالى ~~يحبهم، كما قال: {يحبهم ويحبونه} 1. # وفيه رد ما يظنه بعض الناس من أنه من ولد على الإسلام أفضل ممن كان كافرا ~~فأسلم، فمن اتصف بهذه الأمور، فهو أفضل ممن لم يتصف بها مطلقا، ولهذا كان ~~السابقون الأولون أفضل ممن ولد على الإسلام. # وفيه رد على الغلاة الذين يتوهمون أن صدور الذنب من العبد نقص في حقه ~~مطلقا، والصواب أنه إن لم يتب كان نقصا وإن تاب فلا، ولهذا كان المهاجرون ~~والأنصار أفضل هذه الأمة، وإن كانوا في أول الأمر كفارا يعبدون الأصنام، ~~بلا المنتقل من الضلال إلى الهدى، ومن السيئات إلى الحسنات يضاعف له ~~الثواب، قاله شيخ الإسلام. # وفيه دليل على عداوة المشركين وبغضهم، لأن من أبغض شيئا أبغض من اتصف به، ~~فإذا كان يكره الكفر كما يكره أن يلقى في النار، فكذلك يكره من اتصف به. # قوله: (وفي رواية لا يجد أحد) ، هذه ms354 الرواية أخرجها البخاري في "صحيحه" ~~ولفظه: "لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن ~~يقذف في النار أحب إليه PageV01P412 # من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، وحتى يكون الله ورسوله أحب ~~إليه مما سواهما"1. # [لا تنال ولاية الله إلا بالحب في الله والبغض في الله] # قال: وعن ابن عباس قال: "من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، ~~وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن ~~كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر ~~الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا". رواه ابن جرير. # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير بكماله كما قال المصنف، وأخرج ابن أبي شيبة ~~وابن أبي حاتم الجملة الأولى منه فقط. # قوله: (من أحب في الله) ، أي: أحب المسلمين والمؤمنين في الله. # قوله: (وأبغض في الله) ، أي: أبغض الكفار والفاسقين في الله لمخالفتهم ~~لربهم وإن كانوا أقرب الناس إليه، كما قال تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم} 2. # قوله: (ووالى في الله) . هذا بيان للازم المحبة في الله وهو الموالاة. ~~فيه إشارة إلى أنه لا يكفي في ذلك مجرد الحب، بل لا بد مع ذلك من الموالاة ~~التي هي لازم الحب، وهي النصرة والإكرام والاحترام والكون مع المحبوبين ~~باطنا وظاهرا. # قوله: (وعادى في الله) ، هذا بيان للازم البغض في الله وهو المعاداة فيه، ~~أي: إظهار العداوة بالفعل، كالجهاد لأعداء الله والبراءة منهم، والبعد عنهم ~~باطنا وظاهرا إشارة إلى أنه لا يكفي مجرد بغض القلب، بل لا بد مع ذلك من ~~الإتيان بلازمه كما قال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا ~~بيننا وبينكم العداوة PageV01P413 # والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} 1 فهذا ms355 علامة الصدق في البغض في ~~الله. # قوله: (فإنما تنال ولاية الله بذلك) . يجوز فتح الواو وكسرها، أي: لا ~~يكون العبد من أولياء الله ولا تحصل له ولاية الله إلا بما ذكر من الحب في ~~الله، والبغض في الله، والموالاة في الله، والمعاداة في الله، كما روى ~~الإمام أحمد والطبراني عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجد العبد ~~صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض لله، فقد استحق ~~الولاية لله" 2. وفي حديث آخر "أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في ~~الله عز وجل" 3. رواه الطبراني وغيره، وينبغي لمن أحب شخصا في الله أن ~~يأتيه في بيته فيخبره أنه يحبه في الله كما روى أحمد والضياء عن أبي ذر ~~مرفوعا: "إذا أحب أحدكم صاحبه فليأته في منزله فليخبره أنه يحبه لله" 4 وفي ~~حديث ابن عمر عند البيهقي في "الشعب" فإنه يجد مثل الذي يجد له. # قوله: (ولن يجد عبد طعم الإيمان ... ) إلى آخره أي: لا يجد عبد طعم ~~الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يحب في الله، ويبغض في الله، ويعادي في ~~الله، ويوالي في الله، وهذا منتزع من حديث أنس السابق وفي حديث أبي أمامة ~~مرفوعا "من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان" 5 ~~رواه أبو داود. والعجب ممن يدعي محبة الله وهو على خلاف ذلك، وما أحسن ما ~~قال ابن القيم: # أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان # قوله: (وقد صارت عامة مؤاخات الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على ~~أهله شيئا) ، أي: المؤاخاة على أمر الدنيا لا يجدي على أهله شيئا، أي: لا ~~ينفعهم أصلا، بل يضرهم، كما قال تعالى: {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين} 6. فهذا PageV01P414 # حال كل خلة ومحبة كانت في الدنيا على غير طاعة الله، فإنها تعود عداوة ~~وندامة يوم القيامة بخلاف المحبة والخلة على طاعة الله، فإنها من أعظم ~~القربات كما جاء في حديث السبعة الذين يظلهم ms356 الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ~~قال: "ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه" 1. وفي الحديث ~~القدسي الذي رواه مالك وابن حبان في صحيحه: "وجبت محبتي للمتحابين في ~~وللمتجالسين في، وللمتزاورين في وللمتباذلين في" 2. وهذا الكلام قاله ابن ~~عباس رضي الله عنه في أهل زمانه، فكيف لو رأى الناس فيما هم فيه من ~~المؤاخاة على الكفر والبدع والفسوق والعصيان؟! ولكن هذا مصداق قوله عليه ~~السلام: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" 3. # وفيه إشارة إلى أن الأمر قد تغير في زمن ابن عباس بحيث صار الأمر إلى هذا ~~بالنسبة إلى ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فضلا عن زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. وقد روى ابن ماجة عن "ابن عمر قال: لقد رأيتنا على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وما منا أحد يرى أنه أحق بديناره ودرهمه من ~~أخيه المسلم"4. وأبلغ منه قوله تعالى: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم ~~خصاصة} 5. فهذا كان حالهم في ذلك الوقت الطيب، وهؤلاء هم المتحابون لجلال ~~الله كما في الحديث القدسي يقول الله عز وجل: "أين المتحابون لجلالي، اليوم ~~أظلهم في ظلي" 6 فهذه هي المحبة النافعة لا لمحبة الدنيا، وهي التي أوجبت ~~لهم المواساة والإيثار على الأنفس. {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو ~~الفضل العظيم} 7. # قال المصنف: وقال "ابن عباس: في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة من ~~الآية: 166] قال: المودة". # ش: هذا الأثر رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم ~~والحاكم وصححه. PageV01P415 # قوله: (قال: المودة) : أي: المحبة التي كانت بينهم في الدنيا وتقطعت بهم ~~وخانتهم أحوج ما كانوا إليها، وتبرأ بعضهم من بعض، كما قال تعالى عن ~~إبراهيم الخليل عليه السلام: أنه قال لقومه: {إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن ~~بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين} 1. وهذه الآية وإن كانت نزلت ~~في المشركين عباد الأوثان ms357 الذين يحبون أندادهم وأوثانهم كحب الله، فإنها ~~عامة، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ولهذا "قال قتادة: {وتقطعت ~~بهم الأسباب} [البقرة، من الآية: 166] . قال: أسباب الندامة يوم القيامة". ~~والأسباب: المواصلة التي يتواصلون بها ويتحابون بها، فصارت عداوة يوم ~~القيامة، يلعن بعضهم بعضا. رواه عبد بن حميد وابن جرير فهذا حال من كانت ~~مودته لغير الله فاحذر من ذلك. PageV01P416 # [26 ### | - باب قول الله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} # 1] # [الخوف على ثلاثة أقسام] . # الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، فلذلك قال المصنف بوجوب إخلاصه بالله ~~تعالى. وقد ذكره الله تعالى في كتابه عن سادات المقربين من الملائكة ~~والأولياء والصالحين قال الله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} 2. وقال الله ~~تعالى: {وهم من خشيته مشفقون} 3. # وقال تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون} 4. وقال تعالى: {الذين ~~يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله} 5. وأمر بإخلاصه له ~~فقال تعالى: {وإياي فارهبون} 6. وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس واخشون} 7. ~~وقال تعالى: {أفغير الله تتقون} 8 [النحل: 53] وهو على ثلاثة أقسام. ~~PageV01P416 # أحدها: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو ~~فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف ~~بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال، فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله ~~أصلا، لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو ~~مشرك. # وهذا هو الذي كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وآلهتهم ولهذا يخوفون بها ~~أولياء الرحمن كما خوفوا إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام فقال لهم: ~~{ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا ~~تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به ~~عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون} 1. وقال تعالى عن ~~قوم هود إنهم قالوا له: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني ms358 أشهد ~~الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} 2. ~~وقال تعالى: {ويخوفونك بالذين من دونه} 3. # وهذا القسم هو الواقع اليوم من عباد القبور، فإنهم يخافون الصالحين بل ~~الطواغيت، كما يخافون الله بل أشد. ولهذا إذا توجهت على أحدهم اليمين بالله ~~أعطاك ما شئت من الأيمان كاذبا أو صادقا، فإن كان اليمين بصاحب التربة لم ~~يقدم على اليمين إن كان كاذبا، وما ذاك إلا لأن المدفون في التراب أخوف ~~عنده من الله. ولا ريب أن هذا ما بلغ إليه شرك الأولين، بل جهد أيمانهم ~~اليمين بالله تعالى، وكذلك لو أصاب أحدا منهم ظلم لم يطلب كشفه إلا من ~~المدفونين في التراب. وإذا أراد أن يظلم أحدا فاستعاذ بالله أو ببيته لم ~~يعذه، ولو استعاذ بصاحب التربة أو بتربته لم يقدم عليه أحدا ولم يتعرض له ~~بالأذى حتى إن بعض الناس أخذ من التجار أموالا عظيمة أيام موسم الحاج، ثم ~~بعد أيام أظهر الإفلاس، فقام عليه أهل الأموال، فالتجأ إلى قبر في جدة يقال ~~له: المظلوم فما تعرض له PageV01P417 # أحد بمكروه خوفا من سر المظلوم وأشباه هذا من الكفر، وهذا الخوف لا يكون ~~العبد مسلما إلا بإخلاصه لله تعالى وإفراده بذلك دون من سواه. # الثاني: أن يترك الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر بغير عذر إلا لخوف من الناس، فهذا محرم، وهو الذي نزلت فيه الآية ~~المترجم لها وهو الذي جاء فيه الحديث: "إن الله تعالى يقول للعبد يوم ~~القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر أن لا تغيره فيقول: يا رب خشيت الناس، ~~فيقول إياي كنت أحق أن تخشى" 1 رواه أحمد. # الثالث: خوف وعيد الله الذي توعد به العصاة وهو الذي قال الله فيه: {ذلك ~~لمن خاف مقامي وخاف وعيد} 2. # وقال: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} 3. وقال تعالى: {قالوا إنا كنا قبل في ~~أهلنا مشفقين} 4. وقال تعالى: {ويخافون يوما كان شره مستطيرا} 5. وهذا ~~الخوف من أعلى مراتب الإيمان، ونسبة الأول إليه ms359 كنسبة الإسلام إلى الإحسان ~~وإنما يكون محمودا إذا لم يوقع في القنوط واليأس من روح الله، ولهذا قال ~~شيخ الإسلام: هذا الخوف ما حجزك عن معاصي الله، فما زاد على ذلك، فهو غير ~~محتاج إليه. # بقي قسم رابع وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك، ~~فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى عليه الصلاة والسلام في قوله: ~~{فخرج منها خائفا يترقب} 6. # إذا تبين هذا فمعنى قوله تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} 7، أي: ~~يخوفكم أولياءه ويوهمكم أنهم ذو بأس وشدة. قال الله تعالى: {فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين} 8. أي: فإذا سول لكم وأوهمكم فتوكلوا على الله فإنه ~~كافيكم وناصركم عليهم كما قال تعالى: {أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين ~~PageV01P418 # من دونه ... } 1، إلى قوله: {قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون} 2. وقال ~~تعالى: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا} 3. قاله ابن ~~كثير. # وقال ابن القيم: ومن كيد عدو الله أنه يخوف المؤمنين من جنده وأوليائه ~~لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف، ولا ينهوهم عن منكر. فأخبر تعالى أن هذا ~~من كيده وتخويفه، ونهانا أن نخافهم، قال: والمعنى عند جميع المفسرين: ~~يخوفكم بأوليائه قال قتادة: يعظمهم في صدوركم، ولهذا قال: {فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين} 4. فكلما قوي إيمان العبد زال من قلبه خوف أولياء ~~الشيطان، وكلما ضعف إيمان العبد قوي خوفه منهم. قلت: فأمر تعالى بإخلاص هذا ~~الخوف له، وأخبر أن ذلك شرط في الإيمان، فمن لم يأت به لم يأت بالإيمان ~~الواجب، ففيه أن إخلاص الخوف لله من الفرائض. # قال: وقوله تعالى: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر ~~وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله ... } 5 الآية. # لما نفى تبارك وتعالى عمارة المساجد عن المشركين بقوله تعالى: {ما كان ~~للمشركين أن يعمروا مساجد الله ... } 6 الآية إذ لا تنفعهم عمارتها مع ~~الشرك، كما قال تعالى: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} ~~7. أثبت تعالى في هذه الآية ms360 عمارة المساجد بالعبادة للمؤمنين بالله تعالى ~~واليوم الآخر، المقيمين الصلاة المؤتين الزكاة، الذين لا يخشون إلا الله، ~~ولا يخشون معه إلها آخر. كما قال تعالى: {ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى ~~بالله حسيبا} 8، فهذه هي العمارة النافعة، وهي الخالصة من الشرك، فإنه نار ~~تحرق الأعمال. # وقوله: {ولم يخش إلا الله} 9. قال ابن عطية: يريد خشية التعظيم والعبادة ~~والطاعة، ولا محالة أن الإنسان يخشى غيره، ويخشى المحاذير الدنيوية، وينبغي ~~أن يخشى في ذلك كله قضاء الله وتصريفه. PageV01P419 # قلت: ولهذا قال ابن عباس في الآية: لم يعبد إلا الله، فإن الخوف كما قال ~~ابن القيم: عبودية القلب، فلا يصلح إلا لله، كالذل والإنابة والمحبة ~~والتوكل والرجاء وغيرها من عبودية القلب. # وقوله: {فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين} 1. قال ابن أبي طلحة عن ابن ~~عباس يقول: إن أولئك المهتدون، كقوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} 2. ~~وكل "عسى" في القرآن فهي واجبة. وتضمنت الآية أن من عمر المساجد من ~~المسلمين بالعبادة، هو من المؤمنين كما في حديث: "إذا رأيتم الرجل يعتاد ~~المسجد فاشهدوا له بالإيمان" قال الله: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله ~~واليوم الآخر} 3". رواه أحمد والترمذي والحاكم. # قال وقوله: {ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة ~~الناس كعذاب الله ... } 4. # قال ابن كثير: "يقول تعالى مخبرا عن قوم من الذين يدعون الإيمان بألسنتهم ~~ولم يثبت الإيمان في قلوبهم بأنهم إذا جاءتهم محنة في الدنيا اعتقدوا أنها ~~من نقمة الله بهم، فارتدوا عن الإسلام". قال ابن عباس: "يعني فتنته أن يرتد ~~عن دينه إذا أوذي في الله". وقال ابن القيم:"الناس إذا أرسل إليهم الرسل ~~بين أمرين: إما أن يقول أحدهم: آمنا، وإما أن لا يقول ذلك، بل يستمر على ~~السيئات والكفر، فمن قال: آمنا امتحنه ربه وابتلاه وفتنه، والفتنة: ~~الابتلاء والاختبار، ليتبين الصادق من الكاذب، ومن لم يقل: آمنا فلا يحسب ~~أنه يعجز الله ويفوته ويسبقه فمن آمن بالرسل وأطاعهم، عاداه أعداؤهم وآذوه، ~~فابتلي بما يؤلمه، ومن ms361 لم يؤمن بهم، ولم يطعهم، عوقب في الدنيا والآخرة، ~~وحصل له ما يؤلمه، وكان هذا الألم أعظم وأدوم من ألم اتباعهم، فلا بد من ~~حصول الألم لكل نفس آمنت، أو رغبت عن الإيمان، لكن المؤمن يحصل له الألم في ~~الدنيا ابتداء، ثم تكون له العاقبة في الدنيا والآخرة، PageV01P420 # والمعرض عن الإيمان تحصل له اللذة ابتداء، ثم يصير له الألم الدائم. ~~والإنسان لا بد أن يعيش مع الناس، والناس لهم إرادات وتصورات، فيطلبون منه ~~أن يوافقهم عليها، وإن لم يوافقهم آذوه، وعذبوه، وإن وافقهم حصل له الأذى ~~والعذاب، تارة منهم، وتارة من غيرهم، كمن عنده دين وتقى حل بين قوم فجار ~~ظلمة، ولا يتمكنون من فجورهم إلا بموافقته لهم أو سكوته عنهم، فإن وافقهم ~~أو سكت عنهم سلم من شرهم في الابتداء، ثم يتسلطون عليه بالإهانة والأذى ~~أضعاف ما كان يخافه ابتداء لو أنكر عليهم وخالفهم، وإن سلم منهم، فلا بد أن ~~يهان ويعاقب على يد غيرهم، فالحزم كل الحزم بما قالت أم المؤمنين لمعاوية: ~~"من أرضى الله بسخط الناس، كفاه الله مؤنة الناس ومن أرضى الناس بسخط الله، ~~لم يغنوا عنه من الله شيئا". فمن هداه الله، وألهمه رشده، ووقاه شر نفسه، ~~امتنع من الموافقة على فعل المحرم، وصبر على عداوتهم، ثم تكون له العاقبة ~~في الدنيا والآخرة، كما كانت للرسل وأتباعهم". # ثم أخبر عن حال الداخل في الإيمان بلا بصيرة، وأنه إذا أوذي في الله جعل ~~فتنة الناس له، وهي أذاهم له، ونيلهم إياه بالمكروه، وهو الألم الذي لا بد ~~أن ينال الرسل وأتباعهم ممن خالفهم، جعل ذلك في قراره منه وتركه السبب الذي ~~يناله به كعذاب الله الذي فر منه المؤمنون بالإيمان. فالمؤمنون لكمال ~~بصيرتهم فروا من ألم عذاب الله إلى الإيمان، وتحملوا ما فيه من الألم ~~الزائل المفارق عن قرب، وهذا لضعف بصيرته فر من ألم أعداء الرسل إلى ~~موافقتهم ومتابعتهم، ففر من ألم عذابهم إلى ألم عذاب الله، فجعل ألم فتنة ~~الناس في الفرار منه بمنزلة ms362 ألم عذاب الله، وغبن كل الغبن إذا استجار من ~~الرمضاء بالنار، وفر من ألم ساعة إلى ألم الأبد، وإذا نصر الله جنده ~~وأولياءه قال: إني كنت معكم والله عليم بما انطوى عليه صدره من النفاق ~~انتهى. # قلت: وإنما حمل ضعيف البصيرة على أن {جعل فتنة الناس # PageV01P421 # كعذاب الله} ، هو الخوف منهم أن ينالوه بما يكره بسبب الإيمان بالله، ~~وذلك من جملة الخوف من غير الله، وهذا وجه مطابقة الآية للترجمة، وفي الآية ~~رد على المرجئة والكرامية، وفيها الخوف على نفسك، والاستعداد للبلاء إذ لا ~~بد منه مع سؤال الله العافية. # [من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله] . # قال: عن أبي سعيد مرفوعا: "إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، ~~وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، إن رزق الله لا ~~يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره". # ش: هذا الحديث رواه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي، وأعله بمحمد بن ~~مروان السدي، وقال: ضعيف، وفيه أيضا عطية العوفي، أورده الذهبي في الضعفاء ~~والمتروكين، وقال: ضعفوه وموسى بن بلال، قال الأزدي: ساقط. # قلت: إسناده ضعيف، ومعناه صحيح، وتمامه: "وإن الله بحكمته جعل الروح ~~والفرح في الرضى واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط". # قوله: (إن من ضعف اليقين) ، قال في "المصباح": والضعف بفتح الضاد في لغة ~~تميم وبضمها في لغة قريش: خلاف القوة والصحة. واليقين المراد به: الإيمان ~~كله كما قال ابن مسعود: "اليقين الإيمان كله، والصبر نصف الإيمان"رواه ~~الطبراني بسند صحيح، ورواه أبو نعيم في "الحلية" والبيهقي في "الزهد" # PageV01P422 # من حديثه مرفوعا ولا يثبت رفعه. قاله الحافظ: ويدخل في ذلك تحقيق الإيمان ~~بالقدر السابق كما في حديث ابن عباس مرفوعا: "فإن استطعت أن تعمل بالرضى في ~~اليقين فافعل، وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا". وفي ~~رواية أخرى في إسنادها ضعف: "قلت: يا رسول الله: كيف أصنع باليقين؟ قال: أن ~~تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك ms363 لم يكن ليصيبك" 1. # قوله: (أن ترضي الناس بسخط الله) . أي: تؤثر رضاهم على رضي الله، ~~فتوافقهم على ترك المأمور، أو فعل المحظور استجلابا لرضاهم فلولا ضعف ~~اليقين لما فعلت ذلك، لأن من قوي يقينه علم أن الله وحده هو النافع الضار، ~~وأنه لا معول إلا على رضاه، وليس لسواه من الأمر شيء كائنا ما كان فلا يهاب ~~أحدا، ولا يخشاه لخوف ضرر يلحقه من جهته كما قال تعالى: {ويخشونه ولا يخشون ~~أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا} 2. # قوله: (وأن تحمدهم على رزق الله) ، أي: تحمدهم وتشكرهم على ما وصل إليك ~~على أيديهم من رزق، بأن تضيفه إليهم وتنسى المنعم المتفضل على الحقيقة وهو ~~الله رب العالمين الذي قدر هذا الرزق لك، وأوصله إليك بلطفه ورحمته فإنه ~~لطيف لما يشاء وهو العليم الحكيم فإذا أراد أمرا قيض له أسبابا ولا ينافي ~~ذلك حديث: "من لا يشكر الناس لا يشكر الله". لأن المراد هنا إضافة النعمة ~~إلى السبب ونسيان الخالق، والمراد بشكر الناس عدم كفر إحسانهم ومجازاتهم ~~على ذلك بما استطعت، فإن لم تجد فجازهم بالدعاء. # قوله: (وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله) ، أي: إذا طلبتهم شيئا فمنعوك ~~ذممتهم على ذلك، فلو علمت يقينا أن المتفرد بالعطاء والمنع هو الله وحده، ~~وأن المخلوق مدبر {لا يملك} لنفسه {ضرا ولا PageV01P423 # نفعا} فضلا عن غيره، وأن الله لو قدر لك رزقا; أتاك ولو اجتهد الخلق كلهم ~~في دفعه، وإن أرادك بمنع لم يأتك مرادك ولو اجتمع الخلق كلهم في إيصاله ~~إليك; لقطعت العلائق عن الخلائق وتوجهت بقلبك إلى الخالق تبارك وتعالى، ~~ولهذا قرر ذلك بقوله: "إن رزق الله لا يجره حرص حريص ولا يرده كراهية ~~كاره". فلا ترض الخلق بما يسخط الله، ولا تحمدهم على رزق الله، ولا تذمهم ~~على ما لم يؤتك الله طلبا لحصول رزق من جهتهم، {ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم} ، [فاطر: 2] ~~. # قال شيخ الإسلام: اليقين ms364 يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله ~~أهل طاعته ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله ~~لم تكن موقنا لا بوعد الله ولا برزق الله، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك ~~إما ميل إلى ما في أيديهم فيترك القيام فيهم بأمر الله لما يرجوه منهم، ~~وإما ضعف تصديقه بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في ~~الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك ورزقك وكفاك مؤنتهم، وإرضاؤهم ~~بما يسخطه إنما يكون خوفا منهم، ورجاء لهم وذلك من ضعف اليقين، وإذا لم ~~يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما يقدر، كان ذلك من ضعف يقينك ~~فلا تخفهم ولا ترجهم، ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، ولكن من حمده الله ~~ورسوله منهم فهو المحمود، ومن ذمه الله ورسوله فهو المذموم، ولما قال بعض ~~وفد بني تميم: "أي محمد أعطني فإن حمدي زين وذمي شين"= قال صلى الله عليه ~~وسلم: "ذاك الله" ت. # وفي الحديث أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأعمال داخلة في الإيمان وإلا لم ~~تكن هذه الثلاث من ضعفه وأضدادها من قوته. # PageV01P424 # [من التمس رضي الناس بسخط الله سخط الله عليه] . # قال: وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من التمس رضا الله ~~بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله، ~~سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس" 1. رواه ابن حبان في " صحيحه". # ش: هذا الحديث رواه ابن حبان بهذا اللفظ الذي ذكره المصنف، ورواه الترمذي ~~عن رجل من أهل المدينة. قال: "كتب معاوية إلى عائشة أن اكتبي لي كتابا ~~توصيني فيه، ولا تكثري علي، فكتبت عائشة إلى معاوية: سلام عليك أما بعد ~~فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من التمس رضى الله بسخط ~~الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس ms365 بسخط الله وكله الله إلى ~~الناس. والسلام عليك" رواه أبو نعيم وغيره. # قوله: "من التمس"، أي: طلب قال شيخ الإسلام: "وكتبت عائشة إلى معاوية ~~وروي أنها رفعته من أرضى الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن أرضى ~~الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئا", هذا لفظ المرفوع ولفظ ~~الموقوف: "من أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى ~~الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاما". هذا اللفظ المأثور عنها، ~~وهذا من أعظم الفقه في الدين والمأثور أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم ~~كان قد اتقاه. وكان عبده الصالح والله يتولى الصالحين وهو كاف عبده {ومن ~~يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب} 2. والله يكفيه مؤنة الناس ~~بلا ريب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه فقد يحصل ذلك، لكن يرضون إذا سلموا ~~من الإعراض، وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه ~~من الله شيئا، كالظالم الذي يعض على يديه، وأما كون حامده ينقلب ذاما، فهذا ~~يقع كفرا ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى لا تحصل ابتداء PageV01P425 # عند أهوائهم. # قلت: وإنما يحمل الإنسان على إرضاء الخلق بسخط الخالق هو الخوف منهم، فلو ~~كان خوفه خالصا لله لما أرضاهم بسخطه، فإن العبيد فقراء عاجزون لا قدرة لهم ~~على نفع ولا ضر البتة، وما بهم من نعمة فمن الله، فكيف يحسن بالموحد المخلص ~~أن يؤثر رضاهم على رضاء رب العالمين الذي له الملك كله، وله الحمد كله، ~~وبيده الخير كله، ومنه الخير كله، {وإليه يرجع الأمر كله} ، [هود، من ~~الآية: 123] ، {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} ، [آل عمران، من الآية: 6] . ~~وقد أخبر تعالى أن ذلك من صفات المنافقين في قوله: {لأنتم أشد رهبة في ~~صدورهم من الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون} وما أحسن ما قيل: # إذا صح منك الود يا غاية المنى ... فكل الذي فوق التراب تراب # قال ابن رجب: فمن تحقق أن كل مخلوق ms366 فوق التراب، فهو تراب، فكيف يقدم طاعة ~~من هو تراب على طاعة رب الأرباب؟! أم كيف يرضي التراب بسخط الملك الوهاب؟! ~~{إن هذا لشيء عجاب} ، [ص، من الآية: 5] . # وفي الحديث عقوبة من خاف الناس وآثر رضاهم على رضي الله، وأن العقوبة قد ~~تكون في الدين عياذا بالله من ذلك. فإن المصيبة في الأديان أعظم من المصيبة ~~في الأموال والأبدان. وفيه شدة الخوف على عقوبات الذنوب، لا سيما في الدين، ~~فإن كثيرا من الناس يفعل المعاصي ويستهين ولا يرى أثرا لعقوبتها، ولا يدري ~~المسكين بماذا أصيب فقد تكون عقوبته في قلبه كما قال تعالى: {فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون} . ~~اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك، لا نحصي ثناء ~~عليك أنت كما أثنيت على نفسك. # PageV01P426 # [27 ### $ - باب قول الله تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ... } 1 # [التوكل قسمان] : # قال أبو السعادات: يقال: توكل بالأمر إذا ضمن القيام به، ووكلت أمري إلى ~~فلان، أي: ألجأته واعتمدت عليه فيه، ووكل فلان فلانا: إذا استكفاه أمره ثقة ~~بكفايته، أو عجز عن القيام بأمر نفسه انتهى. # ومراد المصنف بهذه الترجمة النص على أن التوكل فريضة يجب إخلاصه لله ~~تعالى لأنه من أفضل العبادات، وأعلى مقامات التوحيد. بل لا يقوم به على وجه ~~الكمال إلا خواص المؤمنين، كما تقدم في صفة السبعين ألفا الذين يدخلون ~~الجنة بلا حساب ولا عذاب، ولذلك أمر الله به في غير آية من القرآن أعظم مما ~~أمر بالوضوء والغسل من الجنابة، بل جعله شرطا في الإيمان والإسلام ومفهوم ~~ذلك انتفاء الإيمان والإسلام عند انتفائه كما في الآية المترجم لها وقوله ~~تعالى: {إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} 2. وقوله تعالى: ~~{فاعبده وتوكل عليه} 3. وقوله: {رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه ~~وكيلا} 4. وقوله: {ألا تتخذوا من دوني وكيلا} 5. وقوله: {وتوكل على الحي ~~الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا} 6. وقوله: ms367 {فإن تولوا ~~فقل حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم} 7. وغير ذلك ~~من الآيات. # وفي الحديث: "من سره أن يكون أقوى الناس إيمانا فليتوكل على الله" رواه ~~ابن أبي الدنيا، وأبو يعلى والحاكم وفي حديث آخر "لو أنكم توكلون على الله ~~حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا". رواه أحمد وابن ~~ماجة. قال الإمام أحمد: التوكل عمل القلب. وقال أبو إسماعيل الأنصاري: ~~التوكل كلة الأمر إلى مالكه والتعويل على وكالته. PageV01P427 # إذا تبين ذلك فمعنى الآية المترجم لها أن موسى عليه السلام أمر قومه ~~بدخول الأرض المقدسة التي كتبها الله لهم، ولا يرتدوا على أدبارهم خوفا من ~~الجبارين، بل يمضوا قدما لا يهابونهم ولا يخشونهم، متوكلين على الله في ~~هزيمتهم، مصدقين بصحة وعده لهم إن كانوا مؤمنين. # قال ابن القيم: فجعل التوكل على الله شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء ~~الإيمان عند انتفائه. وفي الآية الأخرى: {وقال موسى يا قوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين} 1. فجعل دليل صحة الإسلام التوكل، ~~وقال: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} 2؟ فذكر اسم الإيمان ههنا دون سائر ~~أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة ~~الإيمان وضعفه، وكلما قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ~~ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا، فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد. ~~والله تبارك وتعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين ~~التوكل والتقوى، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية. فظهر أن ~~التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن ~~منزلته منها كمنزلة الجسد من الرأس، فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، ~~فكذلك لا يقوم الإيمان ومقوماته إلا على ساق التوكل. # قلت: وفي الآية دليل على أن التوكل على الله عبادة، وعلى أنه فرض، وإذا ~~كان كذلك فصرفه لغير الله شرك. قال شيخ الإسلام: وما رجا أحد مخلوقا أو ~~توكل عليه إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك: {ومن يشرك ms368 بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} 3. # قلت: لكن التوكل على غير الله قسمان: # أحدهما: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، كالذين يتوكلون ~~على الأموات PageV01P428 # والطواغيت في رجاء مطالبهم من النصر والحفظ والرزق والشفاعة، فهذا شرك ~~أكبر فإن هذه الأمور ونحوها لا يقدر عليها إلا الله تبارك وتعالى. # الثاني: التوكل في الأسباب الظاهرة العادية، كمن يتوكل على أمير أو ~~سلطان، فيما جعله الله بيده من الرزق أو دفع الأذى ونحو ذلك. فهذا نوع شرك ~~خفي، والوكالة الجائزة هي توكل الإنسان في فعل مقدور عليه. ولكن ليس له أن ~~يتوكل عليه وإن وكله، بل يتوكل على الله ويعتمد عليه في تيسير ما وكله فيه ~~كما قرره شيخ الإسلام. # قال: وقوله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ... } 1 ~~الآية. # قال ابن عباس في الآية: المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند ~~أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا ~~يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم، فأخبر الله أنهم ليسوا بمؤمنين، ~~ثم وصف المؤمنين فقال: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} # 2. فأدوا فرائضه. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم. وهذه صفة المؤمن الذي إذا ~~ذكر الله وجل قلبه، أي: خاف من الله ففعل أوامره، وترك زواجره، فإن وجل ~~القلب من الله يستلزم القيام بفعل المأمور، وترك المحظور كما قال تعالى: ~~{وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} 3. ولهذا ~~قال السدي في قوله: {إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} 4. هو الرجل يريد أن يظلم، ~~أو قال: يهم بمعصية، فيقال له: اتق الله فيجل قلبه. رواه ابن أبي شيبة، ~~وابن جرير، وابن أبي حاتم. # وقوله: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا} 5. قد استدل الصحابة ~~والتابعون ومن تبعهم بهذه الآية وأمثالها على زيادة الإيمان PageV01P429 # ونقصانه. قال عمر بن حبيب [الخطمي] الصحابي: إن الإيمان يزيد وينقص فقيل ~~له: وما زيادته ms369 وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وخشيناه فذلك زيادته، وإذا ~~غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه. رواه ابن سعد. وقال مجاهد في هذه الآية: ~~الإيمان يزيد وينقص، وهو قول وعمل، رواه ابن أبي حاتم، وحكى الإجماع على ~~ذلك الشافعي وأحمد وأبو عبيد وغيرهم. # وقوله: {وعلى ربهم يتوكلون} 1، أي: يعتمدون عليه بقلوبهم مفوضين إليه ~~أمورهم وحده لا شريك له، فلا يرجون سواه، ولا يقصدون إلا إياه، ولا يرغبون ~~إلا إليه، يعلمون أن ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه المتصرف في الملك ~~وحده لا شريك له. # وفي الآية وصف المؤمنين حقا بثلاث مقامات من مقامات الإحسان وهي: الخوف، ~~وزيادة الإيمان، والتوكل على الله وحده. # فإن قيل: إذا كان المؤمن حقا هو الذي فعل المأمور وترك المحظور فلماذا لم ~~يذكر إلا خمسة أشياء؟.قيل: لأن ما ذكر مستلزم لما ترك، فإنه ذكر وجل قلوبهم ~~إذا ذكر الله، وزيادة إيمانهم إذا تليت عليهم آياته، مع التوكل عليه، وأقام ~~الصلاة على الوجه المأمور به باطنا وظاهرا، والإنفاق من المال والمنافع ~~فكان مستلزما للباقي. فإن وجل القلب عند ذكر الله يقتضي خشيته والخوف منه، ~~وذلك يدعو صاحبه إلى فعل المأمور، وترك المحظور. وكذلك زيادة الإيمان عند ~~تلاوة آيات الله يقتضي زيادته علما وعملا، ثم لا بد من التوكل على الله ~~فيما لا يقدر عليه إلا الله ومن طاعة الله فيما يقدر عليه. وأصل ذلك ~~الصلاة، والزكاة، فمن قام بهذه الخمس كما أمر لزم أن يأتي بسائر الواجبات، ~~بل الصلاة نفسها إذا فعلها كما أمر فهي تنهى عن الفحشاء والمنكر ذكر ذلك ~~شيخ الإسلام. # قال: وقوله: {يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين} الآية2. # قال ابن القيم: أي: الله وحده كافيك وكافي أتباعك، فلا PageV01P430 # تحتاجون معه إلى أحد، وقيل: المعنى حسبك الله وحسبك المؤمنون. قال ابن ~~القيم: وهذا خطأ محض لا يجوز حمل الآية عليه، فإن الحسب والكفاية لله وحده ~~كالتوكل والتقوى والعبادة. قال تعالى: {وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله ~~هو الذي ms370 أيدك بنصره وبالمؤمنين} 1. ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له ~~وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده، وأثنى على أهل التوحيد من عباده حيث ~~أفردوه بالحسب فقال تعالى: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم ~~فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل} 2. ولم يقولوا: ~~حسبنا الله ورسوله، فإذا كان هذا قولهم ومدح الرب تعالى لهم بذلك فكيف يقول ~~لرسوله: الله وأتباعك حسبك؟! وأتباعه قد أفردوا الرب تعالى بالحسب، ولم ~~يشركوا بينه وبين رسوله، فكيف يشرك بينه وبينهم في حسب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم؟! هذا من أمحل المحال وأبطل الباطل. # ونظير هذا قوله سبحانه: {وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ~~إنا إلى الله راغبون} 3. فتأمل كيف جعل الإيتاء لله والرسول كما قال: {وما ~~آتاكم الرسول فخذوه} 4. # وجعل الحسب له، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعله خالص حقه، ~~كما قال: {إنا إلى الله راغبون} 5. ولم يقل وإلى رسوله، بل جعل الرغبة إليه ~~وحده، كما قال: {وإلى ربك فارغب} 6. فالرغبة والتوكل والإنابة والحسب لله ~~وحده، كما أن العبادة والتقوى والسجود والنذر والحلف لا يكون إلا له سبحانه ~~وتعالى انتهى كلامه. # وبهذا يتبين مطابقة الآية للترجمة، لأن الله تعالى أخبر أنه حسب رسوله، ~~وحسب أتباعه. أي: كافيهم وناصرهم، {فنعم المولى ونعم النصير} ، [الحج: من ~~الآية: 78] ، وفي ضمن ذلك أمر لهم بإفراده تعالى بالحسب، استكفاء بكفايته ~~تبارك وتعالى وذلك هو التوكل. PageV01P431 # قال: وقوله: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 1. # قال ابن القيم:"أي: كافيه، ومن كان الله كافيه وواقيه، فلا مطمع فيه ~~لعدوه، ولا يضره إلا أذى لا بد منه كالحر والبرد والجوع والعطش. وأما أن ~~يضره بما يبلغ به مراده فلا يكون أبدا، وفرق بين الأذى الذي هو في الظاهر ~~إيذاء، وهو في الحقيقة إحسان إليه، وإضرار بنفسه، وبين الضرر الذي يشتفى به ~~منه. قال بعض السلف: جعل الله لكل عمل جزاء من نفسه، وجعل جزاء التوكل عليه ~~نفس كفايته، فقال: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} 2. ولم ms371 يقل: فله كذا وكذا ~~من الأجر، كما قال في الأعمال، بل جعل نفسه سبحانه كافي عبده المتوكل عليه، ~~وحسبه، وواقيه، فلو توكل العبد على الله حق توكله، وكادته السموات والأرض ~~ومن فيهن، لجعل له مخرجا، وكفاه، ونصره، انتهى. # وفي أثر رواه أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه، قال الله عز وجل في بعض ~~كتبه: "بعزتي إنه من اعتصم بي فإن كادته السموات ومن فيهن، والأرضون بمن ~~فيهن، فإني أجعل له بذلك مخرجا، ومن لم يعتصم بي، فإني أقطع يديه من أسباب ~~السماء، وأخسف من تحت قدميه الأرض، فأجعله في الهواء ثم أكله إلى نفسه، كفى ~~بي لعبدي مآلا، إذا كان عبدي في طاعتي أعطيه قبل أن يسألني، وأستجيب له قبل ~~أن يدعوني، فأنا أعلم بحاجته التي ترفق به منه". # وفي الآية دليل على فضل التوكل، وأنه أعظم الأسباب في جلب المنافع، ودفع ~~المضار، لأن الله علق الجملة الأخيرة على الأولى تعليق الجزاء على الشرط، ~~فيمتنع أن يكون وجود الشرط كعدمه، لأنه تعالى رتب الحكم على الوصف المناسب ~~له، فعلم أن توكله هو سبب كون الله حسبا له، ذكره شيخ الإسلام. # وفيها تنبيه على القيام بالأسباب مع التوكل، لأنه تبارك وتعالى ذكر ~~التقوى، ثم ذكر التوكل، كما قال: {واتقوا الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون} ~~3. فجعل التقوى الذي هو قيام PageV01P432 # بالأسباب المأمور بها، فحينئذ إذا توكل على الله، فهو حسبه، فالتوكل بدون ~~القيام بالأسباب المأمور بها عجز محض، وإن كان مشوبا بنوع من التوكل، فلا ~~ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزا، ولا عجزه توكلا، بل يجعل توكله من جملة ~~الأسباب التي لا يتم المقصود إلا بها كلها. ذكر معناه ابن القيم. # قال عن ابن عباس: قال: {حسبنا الله ونعم الوكيل} 1 قالها إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين ~~قالوا: {إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا} 2. رواه البخاري. # ش: قوله: {حسبنا الله} أي: كافينا فلا نتوكل إلا عليه، كما قال: ms372 {ومن ~~يتوكل على الله فهو حسبه} 3 أي كافيه. كما قال: {أليس الله بكاف عبده} 4. # قوله: {ونعم الوكيل} أي: نعم الموكل إليه المتوكل عليه; كما قال تبارك ~~وتعالى: {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير} 5. فقد تضمنت ~~هذه الكلمة العظيمة التوكل على الله والالتجاء إليه، قال ابن القيم: وهو ~~حسب من توكل عليه، وكافي من لجأ إليه، وهو الذي يؤمن خوف الخائف، ويجير ~~المستجير وهو نعم المولى، ونعم النصير، فمن تولاه، واستنصر به، وتوكل عليه، ~~وانقطع بكليته إليه، تولاه، وحفظه وحرسه، وصانه، ومن خافه، واتقاه آمنه مما ~~يخاف ويحذر، وجلب إليه كل ما يحتاج إليه من المنافع. # قوله: "قالها إبراهيم صلى الله عليه وسلم حين ألقي في النار"، وفي رواية ~~عن " ابن عباس: قال: كان آخر قول إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار. ~~{حسبنا الله ونعم الوكيل} 6 ". رواه البخاري، وقد ذكر الله القصة في سورة ~~الأنبياء [51-73] عليهم السلام. PageV01P433 # قوله: "وقالها محمد صلى الله عليه وسلم ... " إلى آخره، وذلك بعدما كان ~~من أمر أحد ما كان. بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أن أبا سفيان ومن ~~معه قد أجمعوا الكرة عليهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي، والزبير وسعد وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن ~~اليمان وعبد الله ابن مسعود، وأبو عبيدة بن الجراح في سبعين راكبا حتى ~~انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثلاثة أميال، ثم ألقى الله ~~الرعب في قلب أبي سفيان، فرجع إلى مكة، ومر به ركب من عبد قيس فقال: أين ~~تريدون؟ فقالوا: نرييد المدينة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة ~~أرسلكم بها إليه؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا ~~السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم، فمر الركب برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان وأصحابه، فقال: ~~{حسبنا الله ونعم الوكيل} 1. والقصة مشهورة في السير والتفاسير. # ففي هاتين القصتين فضل هذه الكلمة ms373 وأنها قول إبراهيم ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام في الشدائد، ولهذا جاء في الحديث: "إذا وقعتم في الأمر العظيم ~~فقولوا حسبنا الله ونعم الوكيل". رواه ابن مردويه وأن القيام بالأسباب مع ~~التوكل على الله لا يتنافيان، بل يجب على العبد القيام بهما، كما فعل ~~الخليلان عليهما الصلاة والسلام، ولهذا جاء في الحديث الصحيح الذي رواه ~~الإمام أحمد وأبو داود والنسائي عن عوف بن مالك: "أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قضى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ردوا علي الرجل. قال: ما قلت؟ قال: قلت: ~~حسبي الله ونعم الوكيل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله يلوم ~~على العجز، ولكن عليك بالكيس فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي الله ونعم الوكيل". ~~وفي الآية دليل على أن الإيمان يزيد وينقص. قال مجاهد في قوله: {فزادهم ~~إيمانا} . قال: PageV01P434 # الإيمان يزيد وينقص، وعلى أن ما يكرهه الإنسان قد يكون خيرا له، وأن ~~التوكل أعظم الأسباب في حصول الخير، ودفع الشر في الدنيا والآخرة. # PageV01P435 # [28 ### | - باب قول الله تعالى: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون} # 1] # المراد بهذه الترجمة التنبيه على الجمع بين الرجاء والخوف، ولذلك ذكر بعد ~~هذه الآية قوله تعالى: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} 2. هذا هو مقام ~~الأنبياء والصديقين كما قال تعالى: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا} 3. ~~فابتغاء الوسيلة إليه هو التقرب بحبه وطاعته، ثم ذكر الرجاء والخوف وهذه ~~أركان الإيمان. وقال تعالى: {إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ~~ورهبا وكانوا لنا خاشعين} 4. وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {ولا أخاف ~~ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون} 5. ~~وقال عن شعيب: {قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا ~~الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا ms374 أن يشاء الله ربنا} 6. فوكلا ~~الأمر إلى مالكه، وقال تعالى عن الملائكة عليهم السلام: {يخافون ربهم من ~~فوقهم ويفعلون ما يؤمرون} 7. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلمكم ~~بالله وأشدكم له خشية" 8. وكلما قوي إيمان العبد ويقينه قوي خوفه ورجاؤه ~~مطلقا. قال الله تعالى: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} 9. وقال: {إن ~~الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم ~~لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} 10. ~~وقالت عائشة: PageV01P435 # يارسول الله هو الرجل يزني ويسرق ويخاف أن يعاقب؟ قال: "لا يا بنت الصديق ~~هو الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه ". رواه الإمام أحمد ~~والترمذي وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه. # قال ابن القيم: الخوف من أجل منازل الطريق، وخوف الخاصة أعظم من خوف ~~العامة، وهم إليه أحوج، وهم به أليق وله ألزم، فإن العبد إما أن يكون ~~مستقيما أو مائلا عن الاستقامة. فإن كان مائلا عن الاستقامة فخوفه من ~~العقوبة على ميله، ولا يصح الإيمان إلا بهذا الخوف، وهو ينشأ من ثلاثة ~~أمور: أحدها: معرفته بالجناية وقبحها، والثاني: تصديق الوعيد وأن الله رتب ~~على المعصية عقوبتها، الثالث: أنه لا يعلم أنه يمنع من التوبة، ويحال بينه ~~وبينها إذا ارتكب الذنب فبهذه الأمور الثلاثة يتم له الخوف، وسبب قوتها ~~وضعفها يكون قوة الخوف، وضعفه هذا قبل الذنب، فإذا عمله كان خوفه أشد. ~~وبالجملة فمن استقر في قلبه ذكر الدار الآخرة وجزائها، وذكر المعصية ~~والتوعد عليها، وعدم الوقوف بإتيانه بالتوبة النصوح، هاج من قلبه من الخوف ~~ما لا يملكه، ولا يفارق حتى ينجو وأما إن كان مستقيما مع الله، فخوفه يكون ~~من جريان الأنفاس لعلمه بأن الله مقلب القلوب. وما من قلب إلا وهو بين ~~إصبعين من أصابع الرحمن عز وجل فإن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه ~~أزاغه، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وكانت أكثر يمينه: "لا ومقلب ~~القلوب" 1. ويكفي ms375 في هذا قوله تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء ~~وقلبه} 2. فأي قرار لمن هذه حاله ومن أحق بالخوف منه، بل خوفه لازم له في ~~كل حال، وإن توارى عنه بغلبة حال أخرى عليه، فالخوف حشو قلبه، ولكن توارى ~~عنه بغلبة غيره، فوجود الشيء غير العلم به، فالخوف الأول ثمرة العلم بالوعد ~~والوعيد، وهذا الخوف ثمرة العلم بقدرة الله عز وجل وعزته وجلاله، وأنه ~~الفعال لما PageV01P436 # يريد، وأنه المحرك للقلب المصرف له كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز ~~الحكيم انتهى. فهذا الخوف الثاني هو من خوف المكر. # إذا علمت هذا، فمعنى الآية المترجم لها أن الله تبارك وتعالى لما ذكر حال ~~أهل القرى المكذبين للرسل، بين أن الذي حملهم على ذلك هو الأمن من عذاب ~~الله، وعدم الخوف منه، كما قال: {أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا ~~وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون} 1 ثم بين أن ~~ذلك بسبب الجهل والغرة بالله، فأمنوا مكره فيما ابتلاهم به من السراء ~~والضراء، بأن يكون استدراجا، فقال: {أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله ~~إلا القوم الخاسرون} 2. أي: الهالكون. فدل على وجوب الخوف من مكر الله. قال ~~الحسن: من وسع عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأي له، ومن قتر عليه، فلم ير ~~أنه ينظر له فلا رأي له. وقال قتادة: بغت القوم أمر الله، وما أخذ الله ~~قوما قط إلا عند سلوتهم وغرتهم ونعمتهم. فلا تغتروا بالله إنه لا يغتر به ~~إلا القوم الفاسقون. # رواهما ابن أبي حاتم. وفي الحديث: "إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا ~~على معاصيه ما يحب; فإنما هو استدراج" 3. رواه أحمد وابن جرير وابن أبي ~~حاتم. وقال إسماعيل بن رافع: من الأمن من مكر الله إقامة العبد على الذنب ~~يتمنى على الله المغفرة. رواه ابن أبي حاتم. # قال: وقوله: {قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} 4. # نبه المصنف رحمه الله بهذه الآية على الجمع بين الرجاء والخوف، فإذا ms376 خاف ~~فلا يقنط من رحمة الله، بل يرجوها مع العمل الصالح. كما قال تعالى: {إن ~~الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله ~~والله غفور رحيم} 5. فذكر سبحانه PageV01P437 # أنهم يرجون رحمة الله مع الاجتهاد في الأعمال الصالحة فأما الرجاء مع ~~الإصرار على المعاصي، فذاك من غرور الشيطان; إذا تبين ذلك، فقوله تعالى: ~~ومن يقنط حكاية قول إبراهيم عليه السلام لما بشرته الملائكة بولده إسحاق ~~عليه السلام، ف {قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون} 1. استبعادا ~~لوقوع هذا في العادة مع كبر السن منه ومن زوجته {قالوا بشرناك بالحق} أي: ~~الذي لا ريب فيه ولا مثنوية، بل هو أمر الذي {إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون} 2. وإن بعد مثله في العادة التي أجراها فإن ذلك عليه ~~يسير، إذا أراده، فلا تكن من القانطين، أي لا تيأس من رحمة الله، قال ~~إبراهيم عليه السلام: {ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون} 3. فأجابهم بأنه ~~ليس بقانط، ولكن يرجو من الله الولد، وإن كان قد كبر، وأسنت امرأته، فإنه ~~يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك. قال السدي: {ومن يقنط من رحمة ~~ربه} 4. قال: من ييأس من رحمة ربه. رواه ابن أبي حاتم {إلا الضالون} قال ~~بعضهم: إلا المخطئون طريق الصواب، أو الكافرون، كقوله: {لا ييأس من روح ~~الله إلا القوم الكافرون} 5. وفي حديث مرفوع: "الفاجر الراجي لرحمة الله ~~أقرب منها من العابد القانط" رواه الحكيم الترمذي والحاكم في "تاريخه". # قال: عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الكبائرقال: ~~"الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله". # ش: هذا الحديث رواه البزار وابن أبي حاتم من طريق شبيب بن بشر عن عكرمة ~~عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان متكئا، فدخل عليه رجل، ~~فقال: ما الكبائر؟ فقال: الشرك بالله" 6. وذكر الحديث. ورجاله ثقات إلا ~~شبيب بن بشر فقال ابن PageV01P438 # معين: ثقة، ms377 ولينه ابن أبي حاتم، ومثل هذا يكون حسنا. وقال ابن كثير: في ~~إسناده نظر، والأشبه أن يكون موقوفا. # قوله: "الشرك بالله هو أكبر الكبائر"، إذ مضمونه تنقيص رب العالمين ~~وإلههم ومالكهم وخالقهم الذي لا إله إلا هو، وعدل غيره به، كما قال: {ثم ~~الذين كفروا بربهم يعدلون} 1. فهو أظلم الظلم، وأقبح القبيح، ولهذا لا يغفر ~~إن لم يتب منه، بخلاف غيره من الذنوب، ففي مشيئة الله إن شاء غفرها، وإن ~~شاء عذب بها. # قوله: "واليأس من روح الله" أي: قطع الرجاء والأمل من الله فيما يرومه ~~ويقصده قال تعالى: {ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا ~~القوم الكافرون} 2. وذلك إساءة ظن بكرم الله ورحمته وجوده ومغفرته. # قوله: "والأمن من مكر الله" أي: من استدراجه للعبد أو سلبه ما أعطاه من ~~الإيمان - نعوذ بالله من غضبه - وذلك جهل بالله وبقدرته، وثقة بالنفس وعجب ~~بها. # واعلم أن هذا الحديث لم يرد فيه حصر الكبائر فيما ذكر، بل الكبائر كثيرة، ~~لكن ذكر ما هو أكبرها، أو من أكبرها، ولهذا قال ابن عباس: هي إلى السبعين ~~أقرب منها إلى السبع، رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. وفي رواية هي إلى ~~سبعمائة أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع استغفار، ولا صغيرة مع ~~إصرار. # قال: وعن ابن مسعود قال: "أكبر الكبائر: الإشراك بالله، والأمن من مكر ~~الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله". رواه عبد الرزاق. # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير بأسانيد صحاح عن ابن مسعود، قال ابن كثير: ~~وهو صحيح إليه بلا شك، ورواه الطبراني أيضا. PageV01P439 # قوله: "أكبر الكبائر الإشراك بالله". أي: في ربوبيته أو عبادته وهذا ~~بالإجماع. # قوله: "والقنوط من رحمة الله". قال أبو السعادات: هو أشد اليأس من الشيء. # قلت: فعلى هذا يكون الفرق بينه وبين اليأس كالفرق بين الاستغاثة والدعاء، ~~فيكون القنوط من اليأس، وظاهر القرآن أن اليأس أشد لأنه حكم لأهله بالكفر، ~~ولأهل القنوط بالضلال. # وفيه: التنبيه على الجمع بين ms378 الرجاء والخوف، فإذا خاف فلا يقنط ولا ييأس، ~~وكان السلف يستحبون أن يقوى في الصحة الخوف، وفي المرض الرجاء، هذه طريقة ~~أبي سليمان وغيره، قال: وينبغي للقلب أن يكون الغالب عليه الخوف فإذا كان ~~الغالب عليه الرجاء فسد، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا خشيته في الغيب ~~والشهادة إنه على كل شيء قدير. # PageV01P440 # [29- ### | باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله # لما كان ببديع حكمته، ولطيف رحمته، قضى أن يبتلي النوع الإنساني بالأوامر ~~والنواهي والمصائب التي قدرها عليهم، وأمرهم بالصبر على ذلك، وافترضه عليهم ~~تسلية لهم وتقوية على ذلك، ووعدهم عليه الثواب بغير حساب كما قال: {إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} 1. فعلى هذا يكون الصبر ثلاثة أنواع: صبر ~~على المأمور، وصبر عن المحظور، وصبر على المقدور، ويشملها قوله تعالى: ~~{والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} 2. وقوله تعالى: {الذين صبروا وعلى ربهم ~~يتوكلون} 3. ولما كان الصبر لا PageV01P440 # يحصل إلا بالله كما قال: {واصبر وما صبرك إلا بالله} 1. أرشد تبارك ~~وتعالى إلى الجمع بينهما. وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} 2. ~~قال الإمام أحمد: ذكر الله الصبر في تسعين موضعا وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم "والصبر ضياء" 3. رواه أحمد ومسلم. # وقال عليه السلام: "ما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر" 4. رواه ~~البخاري ومسلم. وفي حديث آخر "الصبر نصف الإيمان" 5. رواه أبو نعيم ~~والبيهقي في الشعب. وقال عمر: "وجدنا خير عيشنا بالصبر". رواه البخاري ~~[معلقا قبل: 6470] . وقال علي بن أبي طالب: "ألا إن الصبر من الإيمان ~~بمنزلة الرأس من الجسد فإذا قطع الرأس بان الجسد، ثم رفع صوته فقال: ألا لا ~~إيمان لمن لا صبر له". والأحاديث والآثار في ذلك كثيرة. # واشتقاقه من صبر: إذا حبس ومنع، فالصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن ~~التشكي والسخط، والجوارح عن لطم الخدود، وشق الجيوب ونحوهما ذكره ابن ~~القيم. # قال: وقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} 6. # ش: أول الآية: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه ~~والله بكل شيء ms379 عليم} 7. أخبر تعالى أن ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في ~~الأنفس إلا بإذن الله، أي: بقدره وأمره كما قال في الآية الأخرى: {إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} 8. "قال ابن عباس في قوله: ~~إلا بإذن الله: إلا بأمر الله". يعني: من قدره ومشيئته ومن يؤمن بالله يهد ~~قلبه، أي: ومن أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب ~~واستسلم لقضاء الله جازاه الله تعالى بهداية قلبه التي هي أصل كل سعادة ~~وخير في الدنيا والآخرة. وقد يخلف PageV01P441 # عليه أيضا في الدنيا ما أخذه منه أو خيرا منه كما قال: {وبشر الصابرين ~~الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات ~~من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون} 1. قال ابن عباس: "يهد قلبه باليقين، ~~فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه". وفي الحديث ~~الصحيح: "عجبا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته ~~ضراء فصبر كان خيرا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرا له، وليس ذلك لأحد ~~إلا للمؤمن" 2. # وقوله: {والله بكل شيء عليم} 3 تنبيه على أن ذلك صادر عن علمه المتضمن ~~لحكمته، وذلك يوجب الصبر والرضى. # قوله: "قال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ~~ويسلم". # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم عن علقمة وهو صحيح. # وعلقمة هو ابن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ولد في حياة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسمع من أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وعائشة ~~وغيرهم، وهو من كبار التابعين وأجلائهم وعلمائهم وثقاتهم مات بعد الستين. # قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة ... " إلى آخره. هذا تفسير للإيمان ~~المذكور في الآية لكنه تفسير باللازم وهو صحيح، لأن هذا اللازم للإيمان ~~الراسخ في القلب، وقريب منه تفسير سعيد بن جبير: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} ~~4. يعني: يسترجع يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون. وفي ms380 الآية أن الصبر سبب ~~لهداية القلب، وأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وأن الأعمال من الإيمان ~~وفيها إثبات القدر. PageV01P442 # قال: وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت" 1. # ش: قوله: "هما". أي الاثنتان. # قوله: "بهم كفر". أي: هما بالناس، أي: فيهم كفر. قال شيخ الإسلام: أي: ~~هاتان الخصلتان هما كفر قائم في الناس. فنفس الخصلتين كفر حيث كانتا في ~~أعمال الكفار، وهما قائمتان بالناس، لكن ليس من قام به شعبة من شعب الكفر ~~يصير كافرا الكفر المطلق، حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه ليس من قام به ~~شعبة من شعب الإيمان يصير مؤمنا حتى يقوم به أصل الإيمان، وفرق بين الكفر ~~المعرف باللام كما في قوله: "ليس بين العبد وبين الكفر أو الشرك إلا ترك ~~الصلاة" 2. وبين كفر منكر في الإثبات. # قوله: "الطعن في النسب" أي: عيبه، ويدخل فيه أن يقال: هذا ليس ابن فلان ~~مع ثبوت نسبه في ظاهر الشرع ذكره بعضهم. # قوله: "والنياحة على الميت" أي: رفع الصوت بالندب بتعديد شمائله لما في ~~ذلك من التسخط على القدر والجزع المنافي للصبر، وذلك كقول النائحة: ~~واعضداه، واناصراه، واكاسياه ونحو ذلك. وفيه دليل على أن الصبر واجب، لأن ~~النياحة منافية له، فإذا حرمت دل على وجوبه وفيه أن من الكفر ما لا ينقل عن ~~الملة. # قال: ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ~~ودعى بدعوى الجاهلية" 3. # ش: قوله: "ليس منا" هذا من نصوص الوعيد، وقد جاء عن سفيان الثوري وأحمد ~~كراهة تأويلها ليكون أوقع في النفوس، وأبلغ PageV01P443 # في الزجر، وقيل أي: ليس من أهل سنتنا وطريقتنا، لأن الفاعل لذلك ارتكب ~~محرما، وترك واجبا. وليس المراد إخراجه من الإسلام بل المراد المبالغة في ~~الردع عن الوقوع في ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاقبته: لست مني ولست ~~منك، فالمراد أن فاعل ذلك ليس من المؤمنين الذين قاموا ms381 بواجبات الإيمان. # قوله: "من ضرب الخدود". قال الحافظ: خص الخد بذلك لكونه الغالب، وإلا ~~فضرب بقية الوجه مثله، قلت: بل ولو ضرب غير الوجه كالصدر، فكما لو ضرب ~~الخد، فيدخل في معنى ضرب الخد، إذ الكل جزع مناف للصبر فيحرم. # قوله: "وشق الجيوب"، جمع جيب وهو الذي يدخل فيه الرأس من الثوب، وكانوا ~~يشقونه حزنا على الميت. قال الحافظ: والمراد إكمال فتحه إلى آخره. قلت: ~~الظاهر أن فتح بعضه كفتحه كله. # قوله: "ودعا بدعوى الجاهلية". قال شيخ الإسلام: هو ندب الميت. وقال غيره: ~~هو الدعاء بالويل والثبور. وقال الحافظ: أي: من النياحة ونحوها. وكذا الندب ~~به كقولهم: واجبلاه، وكذا الدعاء بالويل والثبور. وقال ابن القيم: الدعاء ~~بدعوى الجاهلية، كالدعاء إلى القبائل والعصبية للإنسان، ومثله التعصب ~~للمذاهب والطوائف، والمشايخ وتفضيل بعض على بعض في الهوى والعصبية، وكونه ~~منتسبا إليه يدعو إلى ذلك، ويوالي عليه، ويعادي ويزن الناس به، فكل هذا من ~~دعوى الجاهلية. # قلت: الصحيح أن دعوى الجاهلية يعم ذلك كله، وقد جاء لعن من فعل ما في هذا ~~الحديث عن ابن ماجة، وصححه ابن حبان عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لعن الخامشة وجهها، والشاقة جيبها، والداعية بالويل والثبور" 1 ~~وهذا يدل على أن هذه الأمور من الكبائر، لأنها مشتملة على التسخط على الرب ~~وعدم PageV01P444 # الصبر الواجب، والإضرار بالنفس من لطم الوجه، وإتلاف المال; بشق الثياب ~~وتمزيقها وذكر الميت بما ليس فيه، والدعاء بالويل والثبور والتظلم من الله ~~تعالى، وبدون هذا يثبت التحريم الشديد، فأما الكلمات اليسيرة إذا كانت صدقا ~~لا على وجه النوح والتسخط فلا تحرم، ولا تنافي الصبر الواجب. نص عليه أحمد ~~لما رواه في مسنده عن [عائشة] "أن أبا بكررضي الله عنه دخل على النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد وفاته فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صدغيه وقال: ~~وانبياه واخليلاه واصفياه" 1. وكذلك صح عن "فاطمة رضي الله عنها أنها ندبت ~~أباها صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبتاه أجاب ربا دعاه". ms382 الحديث. # واعلم أن الحديث المشروح لا يدل على النهي عن البكاء أصلا، وإنما يدل على ~~النهي عما ذكر فيه فقط. وكذلك يدل على النهي عما في معناه كالبكاء برنة، ~~وحلق الشعر، وخمش الوجوه، ونحو ذلك. أما البكاء على وجه الرحمة والرقة ونحو ~~ذلك فيجوز، بل قال شيخ الإسلام: البكاء على الميت على وجه الرحمة حسن ~~مستحب، ولا ينافي الرضى بقضاء الله، بخلاف البكاء عليه لفوات حظه منه. # قلت: ويدل لذلك قوله عليه السلام لما مات ابنه إبراهيم: "تدمع العين، ~~ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون" 2. ~~وهو في الصحيح وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم انطلق إلى أحد بناته ولها صبي في الموت فرفع إليه الصبي ونفسه تقعقع ~~كأنها شن ففاضت عيناه فقال سعد: ما هذا يا رسول الله؟ قال: هذه رحمة جعلها ~~الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء" 3. PageV01P445 # قال: وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أراد الله بعبده ~~الخير عجل له العقوبة في الدنيا وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه ~~حتى يوافي به يوم القيامة" 1. # ش: هذا الأثر رواه الترمذي، والحاكم، وحسنه الترمذي وفي إسناده سعد بن ~~سنان. قال الذهبي في موضع: سعد ليس حجة وفي آخر كأنه غير صحيح. وأخرجه ~~الطبراني، والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة، ~~والطبراني عن عمار بن ياسر وحسنه السيوطي. # قوله: "إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا". قال شارح ~~الجامع الصغير: أي: بصب البلاء والمصائب عليه جزاء لما فرط من الذنوب منه، ~~فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة، كما يعلم من مقابله الآتي، ~~ومن فعل ذلك به فقد أعظم اللطف به، لأن من حوسب بعمله عاجلا في الدنيا خف ~~جزاؤه عليه حتى يكفر بالشوكة يشاكها، حتى بالقلم يسقط من الكاتب، فيكفر عن ~~المؤمن بكل ما يلحقه في ms383 دنياه حتى يموت على طهارة من دنسه. # قلت: وفي الصحيح: "لا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض وليس عليه ~~خطيئة" 2. وفي المسند وغيره من حديث أبي هريرة مرفوعا: "لا يزال البلاء ~~بالمؤمن والمؤمنة في جسده وماله وفي ولده حتى يلقى الله وما عليه خطيئة" 3. # قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة، لأنها مكفرات للذنوب، ولأنها تدعو إلى ~~الصبر، فيثاب عليها، ولأنها تقتضي الإنابة إلى الله والذل له، والإعراض عن ~~الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، ~~ومعلوم أن هذا من أعظم النعم، ولو كان رجل من أفجر الناس فإنه لا بد أن ~~يخفف الله عنه عذابه بمصائبه. فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق إلا أن ~~يدخل صاحبها بسببها في معاصي أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون PageV01P446 # شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه، فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو ~~مرض أو جوع حصل له من الجزع والسخط والنفاق ومرض القلب، أو الكفر الظاهر، ~~أو ترك بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات ما يوجب له ضررا في دينه بحسب ذلك. ~~فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة المصيبة، ~~كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية، فهي بعينها ~~فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله تبارك وتعالى محمود عليها، فإن اقترن ~~بها طاعة كان ذلك نعمة ثانية على صاحبها، وإن اقترن بها للمؤمن معصية، فهذا ~~مما تتنوع فيه أحوال الناس كما تتنوع أحوالهم في العافية، فمن ابتلي فرزق ~~الصبر كان الصبر عليه نعمة في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، ~~وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه حيث قال: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون} 1. فحصل له غفران السيئات، ورفع الدرجات وهذا من ~~أعظم النعم. فالصبر واجب على كل مصاب; فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. ~~انتهى ملخصا. # قوله: "وإذا أراد بعبده الشر أمسك ms384 عنه"، أي: أخر عنه العقوبة بذنبه. # قوله: "حتى يوافي به يوم القيامة"، هو بضم الياء وكسر الفاء منصوبا بحتى ~~مبنيا للفاعل. قال العزيزي: "أي: لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في ~~الآخرة مستوفي الذنوب وافيها فيستوفي ما يستحقه من العقاب". # قلت: وهذا مما يزهد العبد في الصحة الدائمة خوفا أن تكون طيباته عجلت له ~~في الحياة الدنيا، والله تعالى لم يرض الدنيا لعقوبة أعدائه، كما لم يرضها ~~لإثابة أوليائه بل جعل ثوابهم أن أسكنهم في جواره ورضي عنهم. كما قال ~~تعالى: {إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر} 2. لهذا "لما ~~ذكر النبي صلى الله عليه وسلم PageV01P447 # الأسقام قال رجل: يا رسول الله وما الأسقام؟ والله ما مرضت قط قال: قم ~~عنا فلست منا" 1 رواه أبو داود. وهذه الجملة هي آخر الحديث. # فأما قوله: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء ... " إلى ~~آخره فهو أول حديث آخر لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد عن صحابي واحد ~~جعلهما المصنف كالحديث الواحد. # وفيه من الفوائد أن البلاء للمؤمن من علامات الخير خلافا لما يظنه كثير ~~من الناس، وفيه الخوف من الصحة الدائمة أن تكون علامة شر، وفيه تنبيه على ~~رجاء الله وحسن الظن به فيما يقضيه لك مما تكره، وفيه معنى قوله تعالى: ~~{وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم} الآية2. # قال المصنف: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن عظم الجزاء مع عظم ~~البلاء وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فله ~~السخط" 3. حسنه الترمذي. # ش: هذا الحديث رواه الترمذي ولفظه: حدثنا قتيبة، ثنا الليث عن يزيد ابن ~~أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا أراد الله بعبده الخير ... " 4 الحديث الذي قبل هذا ثم قال: وبهذا ~~الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن عظم الجزاء ... " الحديث. ثم ~~قال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ورواه ms385 ابن ماجة وصححه السيوطي. وروى ~~الإمام أحمد عن محمود بن لبيد مرفوعا: "إذا أحب الله قوما ابتلاهم فمن صبر ~~فله الصبر، ومن جزع فله الجزع" 5. قال المنذري: رواته ثقات. # قوله: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء"، بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما، ~~ويجوز ضمها مع سكون الظاء، أي: من كان ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم، فعظمة ~~الأجر وكثرة الثواب مع عظم البلاء كيفية وكمية جزاء وفاقا. PageV01P448 # قلت: ولما كان الأنبياء عليهم السلام أعظم الناس جزاء كانوا أشد الناس ~~بلاء، كما في حديث سعد: "سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ ~~قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في ~~دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح ~~البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة" 1. رواه الدارمي، ~~وابن ماجة، والترمذي وصححه. وقد يحتج بقوله: "إن عظم الجزاء مع عظم ~~البلاء". من يقول: إن المصائب والأسقام يثاب عليها غير تكفير الخطايا، ورجح ~~ابن القيم وغيره أن ثوابها تكفير الخطايا فقط إلا إن كانت سببا لعمل صالح ~~كالتوبة، والاستغفار والصبر والرضى، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منها كما ~~في حديث "إذا سبقت للعبد من الله منزلة لم يبلغها، أو قال: لم ينلها بعمله ~~ابتلاه الله في جسده، أو في ولده، أو في ماله، ثم صبره حتى يبلغه المنزلة ~~التي سبقت له من الله عز وجل" 2. رواه أبو داود في رواية ابن داسة والبخاري ~~في تاريخه وأبو يعلى في مسنده وحسنه بعضهم. وعلى هذا فيجاب عن الأول "إن ~~عظم الجزاء مع عظم البلاء". أي: إذا صبر واحتسب. # قوله: "وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم". صريح في حصول الابتلاء لمن أحبه ~~الله، ولما كان الأنبياء عليهم السلام أفضل الأحباب كانوا أشد الناس بلاء، ~~وأصابهم من البلاء في الله ما لم يصب أحدا لينالوا بذلك الثواب العظيم ~~والرضوان الأكبر وليأتسي بهم من بعدهم، ويعلموا أنهم بشر تصيبهم المحن ~~والبلايا فلا ms386 يعبدونهم. # فإن قلت: كيف يبتلي الله أحبابه؟! # قيل: لما كان أحد لا يخلو من ذنب كان الابتلاء تطهيرا لهم كما صحت بذلك ~~الأحاديث. وفي أثر إلهي: "أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب" ولأنه ~~زيادة في درجاتهم لما يحصل مع المصيبة للمؤمن من الأعمال الصالحة كما تقدم ~~في PageV01P449 # حديث "إذا سبقت للعبد من الله منزلة ... " 1 الحديث. ولأن ذلك يدعو إلى ~~التوبة فإن الله تعالى يبتلي العباد بعذاب الدنيا ليتوبوا من الذنوب كما ~~قال تعالى: {ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} 2. فمن رزقه الله التوبة ~~بسبب المصيبة كان ذلك من أعظم نعم الله عليه، ولأن ذلك يحصل به دعاء الله ~~والتضرع إليه; ولهذا ذم الله من لا يستكين لربه، ولا يتضرع عند حصول ~~البأساء كما قال تعالى: {ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما ~~يتضرعون} 3. ودعاء الله والتضرع إليه من أعظم النعم، فهذه النعمة والتي ~~قبلها من أعظم صلاح الدين، فإن صلاح الدين في أن يعبد الله وحده ويتوكل ~~عليه، وأن لا تدعو مع الله إلها آخر لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة. فإذا ~~حصلت لك التوبة التي مضمونها أن تعبد الله وحده، وتطيع رسله بفعل المأمور، ~~وترك المحظور، كنت ممن يعبد الله، وإذا حصل لك الدعاء الذي هو سؤال الله ~~حاجاتك، فتسأله ما تنتفع به، وتستعيذ به مما تستضر به، كان هذا من أعظم نعم ~~الله عليك، وهذا كثيرا ما يحصل بالمصائب. وإذا كانت هذه النعم في المصائب، ~~فأولى الناس بها أحبابه، فعليهم حينئذ أن يشكروا الله. لخصت ذلك من كلام ~~شيخ الإسلام رحمه الله. # قوله: "فمن رضي فله الرضى". أي: من رضي بما قضاه الله وقدره عليه من ~~الابتلاء فله الرضى من الله جزاء وفاقا. كما قال تعالى: {رضي الله عنهم ~~ورضوا عنه} 4. وهذا دليل على فضيلة الرضى، وهو أن لا يعترض على الحكم ولا ~~يتسخطه ولا يكرهه، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا فقال: "لا تتهم ~~الله في شيء قضاه لك" 5. فإذا نظر المؤمن بالقضاء والقدر في ms387 حكمة الله ~~ورحمته، وأنه غير متهم في قضائه، دعاه ذلك إلى الرضى، قال ابن مسعود: إن ~~الله بقسطه وعلمه جعل الروح والفرح في اليقين والرضى، وجعل الهم والحزن في ~~الشك والسخط. وقال ابن عون: ارض بقضاء الله من عسر PageV01P450 # ويسر فإن ذلك أقل لهمك، وأبلغ فيما تطلب من أمر آخرتك، واعلم أن العبد لن ~~يصيب حقيقة الرضى حتى يكون رضاه عند الفقر والبلاء كرضاه عند الغنى والرخاء ~~كيف تستقضي الله في أمرك، ثم تسخط إن رأيت قضاءه مخالفا لهواك؟ ولعل ما ~~هويت من ذلك لو وفق لك لكان فيه هلاكك، وترضى قضاءه إذا وافق هواك، وذلك ~~لقلة علمك بالغيب، إذا كنت كذلك ما أنصفت من نفسك، ولا أصبت باب الرضى. ~~ذكره ابن رجب قال: وهذا كلام حسن. # قوله: "ومن سخط"، هو بكسر الخاء قال أبو السعادات: السخط الكراهية للشيء ~~وعدم الرضى به، أي: من سخط أقدار الله فله السخط أي: من الله وكفى بذلك ~~عقوبة. قال تعالى: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم} 1. وفيه دليل أن السخط من أكبر الكبائر وقد يستدل به على إيجاب ~~الرضى كما هو اختيار ابن عقيل. واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ ~~الإسلام، وابن القيم. قال شيخ الإسلام: ولم يجئ الأمر به كما جاء الأمر ~~بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه ومدحهم. قال وأما ما جاء من الأثر: ~~"من لم يصبر على بلائي، ولم يرض بقضائي فليتخذ ربا سواي". فهذا إسرائيلي ~~ليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. # قلت: قد روى الطبراني في الأوسط معناه عن أنس بن مالك رضي الله عنه ~~مرفوعا: "من لم يرض بقضاء الله ويؤمن بقدر الله، فليلتمس إلها غير الله". ~~قال الهيثمي: فيه حزم بن أبي حزم وثقه ابن معين، وضعفه جمع وبقية رجاله ~~ثقات. فإن ثبت هذا دل على وجوبه. قال شيخ الإسلام: وأعلى من ذلك، أي: من ~~الرضى أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله تعالى عليه بها. ~~انتهى. # واعلم ms388 أنه لا تنافي بين الرضى وبين الإحساس بالألم فكثير ممن له أنين من ~~وجع وشدة مرض قلبه مشحون من الرضى والتسليم لأمر الله. # فإن قيل: ما الفرق بين الرضى والصبر؟ PageV01P451 # فالجواب قال طائفة من السلف منهم عمر بن عبد العزيز، والفضيل، وأبو ~~سليمان، وابن المبارك، وغيرهم: إن الراضي لا يتمنى غير حاله التي هو عليها ~~بخلاف الصابر، وقال الخواص: "الصبر دون الرضى، الرضى أن يكون الرجل قبل ~~نزول المصيبة راض بأي ذاك كان، والصبر أن يكون بعد نزول المصيبة يصبر". # قلت: كلام الخواص هذا عزم على الرضى ليس هو الرضى، فإنه إنما يكون بعد ~~القضاء كما في الحديث: "وأسألك الرضى بعد القضاء" 1. لأن العبد قد يعزم على ~~الرضى بالقضاء قبل وقوعه فإذا وقع انفسخت تلك العزيمة، فمن رضي بعد وقوع ~~القضاء فهو الراضي حقيقة. قاله ابن رجب. PageV01P452 # [30- ### | باب ما جاء في الرياء # أي: من الوعيد ولما كان خلوص العمل من الشرك والرياء شرطا في قبوله ~~لمنافاة الشرك والرياء للتوحيد، نبه المصنف على ذلك تحقيقا للتوحيد. ~~والرياء مصدر راءى يرائي مراءاة ورياء; وهو أن يري الناس أنه يعمل عملا على ~~صفة وهو يضمر في قلبه صفة أخرى، فلا اعتداد ولا ثواب إلا بما خلصت فيه ~~النية لله تعالى. ذكره القاضي أبو بكر بمعناه، وقال الحافظ: هو مشتق من ~~الرؤية، والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمد صاحبها انتهى. ~~والفرق بينه وبين السمعة أن الرياء هو العمل لرؤية الناس، والسمعة العمل ~~لأجل سماعهم، فالرياء يتعلق بحاسة البصر، والسمعة بحاسة السمع، ويدخل فيه ~~أن يخفي عمله لله ثم يحدث به الناس. # قال: وقول الله تعالى: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله ~~واحد} 1. # يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد للناس: إنما أنا بشر ~~مثلكم، أي: في البشرية ولكن الله من علي وفضلني بالرسالة وليس لي من ~~الربوبية ولا من الإلهية شيء، بل ذلك لله وحده لا شريك له PageV01P452 # كما قال: {يوحى إلي أنما إلهكم ms389 إله واحد} 1، أي: معبودكم الذي أدعوكم إلى ~~عبادته إله واحد لا شريك له {فمن كان يرجوا لقاء ربه} 2، أي: من كان يخاف ~~لقاء الله يوم القيامة. قال شيخ الإسلام: أما اللقاء، فقد فسره طائفة من ~~السلف والخلف بما يتضمن المعاينة والمشاهدة بعد السلوك والسير وقالوا: إن ~~لقاء الله يتضمن رؤيته سبحانه وتعالى وأطال في ذلك واحتج له. وقال سعيد ابن ~~جبير: {فمن كان يرجوا لقاء ربه} 3. قال: من كان يخشى البعث في الآخرة رواه ~~ابن أبي حاتم. {فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} 4، أي: كائنا ~~ما كان. قال ابن القيم أي: كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن ~~تكون العبادة له وحده لا شريك له فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد ~~بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالص من الرياء، المقيد بالسنة انتهى. وهذان ~~ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون صوابا خالصا، فالصواب أن يكون على السنة ~~وإليه الإشارة بقوله: {فليعمل عملا صالحا} 5. والخالص: أن يخلص من الشرك ~~الجلي والخفي وإليه الإشارة بقوله: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} 6. روى عبد ~~الرزاق وابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص وابن أبي حاتم والحاكم عن طاوس ~~قال: "قال رجل يا نبي الله إني أقف المواقف أبتغي وجه الله وأحب أن يرى ~~موطني فلم يرد عليه شيئا حتى نزلت هذه الآية: {فمن كان يرجوا لقاء ربه ~~فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ، [الكهف، من الآية: 110] ". ~~رواه الحاكم وصححه موصولا عن طاوس عن ابن عباس. # وفي الآية دليل على الشهادتين، وأن الله تعالى فرض على نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أن يخبرنا بتوحيد الإلهية، ولا فتوحيد الربوبية لم ينكره الكفار ~~الذين كذبوه وقاتلوه ذكره المصنف. # وفيها تسمية الرياء شركا. وفيها أن من شروط الإيمان بالله واليوم الآخر ~~أن لا يشرك بعبادة ربه أحدا. ففيه التصريح بأن الشرك الواقع من المشركين ~~إنما هو في العبادة لا في الربوبية. وفيها الرد على من قال: أولئك يتشفعون ~~PageV01P453 # بالأصنام ونحن نتشفع بصالح العمل ms390 لأنه قال: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ~~1. فليس بعد هذا بيان، افتتح الآية بذكر براءة النبي صلى الله عليه وسلم ~~الذي هو أقرب الخلق إلى الله وسيلة، أي: براءته من الإلهية وختمها بقوله: ~~أحدا. # واعلم رحمك الله أن هذه الآية لا ينتفع بها إلا من ميز بين توحيد ~~الربوبية وبين توحيد الإلهية تمييزا تاما وعرف ما عليه غالب الناس إما ~~طواغيت ينازعون الله في توحيد الربوبية الذي لم يصل إليه شرك المشركين، ~~وإما مصدق لهم تابع لهم، وإما شاك لا يدري ما أنزل الله على رسوله، ولا ~~يميز بين دين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين دين النصارى، ذكره المصنف. # وفيها أن أصل دين النبي صلى الله عليه وسلم الذي بعث به هو الإخلاص كما ~~في هذه الآية وقوله: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير ألا ~~تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير} 2. وذلك هو دعوة الرسل من أولهم ~~إلى آخرهم كما قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه ~~لا إله إلا أنا فاعبدون} 3. وذلك هو الحنيفية الإبراهيمية جعلنا الله من ~~أهلها بمنه وكرمه. # قال: عن أبي هريرةرضي الله عنه مرفوعا قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء ~~عن الشرك من عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه" 4 رواه مسلم. # ش: قوله: "أنا أغنى الشركاء عن الشرك" لما كان المرائي قاصدا بعمله الله ~~تعالى وغيره، كان قد جعل الله تعالى شريكا، فإذا كان كذلك، فالله تعالى هو ~~الغني على الإطلاق، والشركاء بل جميع الخلق فقراء إليه بكل اعتبار، فلا ~~يليق بكرمه وغناه التام أن يقبل العمل الذي جعل له فيه شريك، فإن كماله ~~تبارك وتعالى وكرمه وغناه يوجب أن لا يقبل ذلك ولا يلزم من اسم التفضيل ~~إثبات غنى للشركاء، فقد تقع المفاضلة بين الشيئين وإن كان أحدهما لا فضل ~~فيه كقوله تعالى: {آلله خير أما يشركون} 5. وقوله تعالى: {أصحاب الجنة ~~يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا} 6. PageV01P454 # قوله: "من عمل عملا ms391 أشرك معي فيه غيري"، أي: من قصد بذلك العمل الذي ~~يعمله لوجهي غيري من المخلوقين تركته وشركه. وفي رواية عند ابن ماجة وغير: ~~ه "فأنا منه بريء وهو للذي أشرك" 1. قال الطيبي: الضمير المنصوب في تركته ~~يجوز أن يرجع إلى العمل والمراد من الشرك الشريك. # قال ابن رجب: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام فتارة يكون رياء محضا، فلا ~~يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم كما ~~قال تعالى: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس} 2. وكذلك وصف ~~الله الكفار بالرياء في قوله: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ~~ورئاء الناس} 3. وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة ~~والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة، أو الحج أو غيرهما من الأعمال ~~الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك ~~مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة، وتارة يكون العمل ~~لله ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه، ~~ثم ذكر أحاديث تدل على ذلك، منها الحديث الذي ذكره المصنف، وحديث شداد بن ~~أوس مرفوعا: "من صلى يرائي فقد أشرك، ومن صام يرائي فقد أشرك، ومن تصدق ~~يرائي فقد أشرك، وإن الله عز وجل يقول: أنا خير قسيم لمن أشرك بي فمن أشرك ~~بي شيئا فإن حشده4 وعمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني". ~~رواه أحمد. # وحديث الضحاك بن قيس مرفوعا إن الله عز وجل يقول: "أنا خير شريك فمن أشرك ~~معي شريكا، فهو لشريكي يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله عز وجل فإن الله ~~لا يقبل من الأعمال إلا ما خلص له ولا PageV01P455 # تقولوا: هذا لله والرحم فإنها للرحم وليس لله منه شيء، ولا تقولوا هذا ~~لله ولوجوهكم، فإنه لوجوهكم وليس لله منه شيء" رواه البزار وابن مردويه ~~والبيهقي بسند قال المنذري: لا بأس به، وحديث أبي أمامة الباهلي: " أن رجلا ~~جاء إلى رسول الله صلى الله ms392 عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا ~~يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ~~فأعادها عليه ثلاث مرات يقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا شيء له ~~ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهه" 1. ~~رواه أبو داود والنسائي بإسناد جيد. ثم قال: فإن خالط نية الجهاد مثلا نية ~~غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة، أو أخذ شيء من الغنيمة، أو التجارة، نقص ~~بذلك أجر جهادهم ولم يبطل بالكلية. # وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو2 عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إن ~~الغزاة إذا غنموا غنيمة تعجلوا ثلثي أجرهم، فإن لم يغنموا شيئا تم لهم ~~أجرهم" 3. # قلت: هذا لا يدل على أنهم غزوا لأجلها فلا يدل على ثبوت الأجر لمن غزا ~~يلتمس عرضا. قال: وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده ~~عرضا من الدنيا أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد ~~إلا الدنيا. # قلت: ظاهر حديث أبي هريرة: "أن رجلا قال: يا رسول الله رجل يريد الجهاد ~~وهو يبتغي عرضا من عرض الدنيا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا أجر ~~له. فأعاد عليه ثلاثا، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: لا أجر له" 4. رواه ~~أبو داود. يدل على أن نية الجهاد إذا خالطها نية أجرة الخدمة أو أخذ شيء من ~~الغنيمة أو التجارة لم يكن له أجر، ويحتمل أن يكون معنى: يريد الجهاد أي: ~~يريد سفر الجهاد ولم ينو الجهاد، إنما نوى عرض الدنيا. # قال ابن رجب، وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكاري أجرهم على ~~PageV01P456 # قدر ما يخلص من نيتهم في غزواتهم، ولا يكونون مثل من جاهد بنفسه، وماله ~~لا يخلط به غيره. وقال أيضا فيمن يأخذ جعلا على الجهاد: إذا لم يخرج لأجل ~~الدراهم فلا بأس، كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئا أخذه وكذا ms393 روي عن عبد الله ~~بن عمرو قال: إذا أجمع أحدكم على الغزو، فعوضه الله رزقا فلا بأس بذلك. ~~وأما إن أحدكم إن أعطي درهما غزا، وإن لم يعط درهما لم يغز، فلا خير في ~~ذلك. # قلت: هذا يدل على الفرق بين ما كانت نية الدنيا مخالطة له من أول مرة، ~~بحيث تكون هي الباعث له على العمل، أو من جملة ما يبعث عليه، كالذي يلتمس ~~الأجر والذكر، فهذا الأجر له وبين ما كانت النية خالصة لله من أول مرة، ثم ~~عرض له أمر من الدنيا لا يبالي به، سواء حصل له أو لم يحصل، كالذي أجمع على ~~الغزو سواء أعطي أو لم يعط. فهذا لا يضره. ونحوه التجارة في الحج كما قال ~~تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} 1. وعلى هذا ينزل ما روي ~~عن مجاهد أنه قال في حج الجمال وحج الأجير وحج التاجر: هو تام لا ينقص من ~~أجورهم شيء، أي: لأن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب. # قال: وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأ عليه نية الرياء، فإن كان خاطرا ~~ودفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك، ~~ويجازى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف، حكاه الإمام ~~أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته ~~الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره. ويستدل لهذا القول بما أخرجه أبو ~~داود في مراسيله عن عطاء الخراساني: "أن رجلا قال: يا رسول الله إن بني ~~سلمة كلهم يقاتل، فمنهم من يقاتل للدنيا، ومنهم من يقاتل نجدة، ومنهم من ~~يقاتل ابتغاء وجه الله [فأيهم الشهيد؟] ،قال: كلهم إذا كان أصل أمره أن ~~تكون كلمة الله هي العليا". # وذكر ابن جرير أن هذا الاختلاف إنما هو PageV01P457 # في عمل مرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج، فأما ما لا ارتباط فيه، ~~كالقراءة والذكر، وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة ~~عليه، ms394 ويحتاج إلى تجديد نية. فأما إذا عمل العمل لله خالصا، ثم ألقى الله ~~له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك; ~~لم يضره. # وفي هذا المعنى جاء في حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه "سئل ~~عن الرجل يعمل العمل من الخير، يحمده الناس عليه، فقال: تلك عاجل بشرى ~~المؤمن" 1. رواه مسلم انتهى ملخصا. # إذا تبين هذا; فقد دل الكتاب والسنة على حبوط العمل بالرياء، وجاء الوعيد ~~بالعذاب عليه، قال الله تعالى: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف ~~إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} 2. والآية بعدها. # وروى مسلم في صحيحه حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعر بهم النار: ~~المقاتل ليقال جريء، والمتعلم ليقال عالم، والمتصدق ليقال جواد. فأما ما ~~رواه البزار وابن منده والبيهقي عن معاذ بن جبل مرفوعا: "من عمل رياء لا ~~يكتب لا له، ولا عليه". ذكره السيوطي في الدر ولم أقف على إسناده فما أظنه ~~يثبت، والكتاب والسنة يدلان على خلافه، بل هو موضوع. [الرياء من الشرك ~~الخفي] # قال: وعن أبي سعيد مرفوعا: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح ~~الدجال؟ قالوا: بلى قال: الشرك الخفي; يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما ~~يرى من نظر رجل" 3. رواه أحمد. # ش: هذا الحديث رواه أحمد كما قال المصنف، ورواه ابن ماجة، وابن أبي حاتم، ~~والبيهقي، وفيه قصة، ولفظ ابن ماجة والبيهقي: "خرج علينا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ونحن نتذاكر المسيح الدجال فقال ألا أخبركم ... " 4. الحديث ~~وفي سنده PageV01P458 # ضعف1. ومعناه صحيح. وروى ابن خزيمة في صحيحه معناه عن محمود بن لبيد2 ~~قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أيها الناس إياكم وشرك ~~السرائر. قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي ~~فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الرجل إليه فذلك شرك السرائر". # قوله: "عن أبي سعيد"، هو الخدري تقدمت ترجمته. # قوله: "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح الدجال؟ ms395 " إنما كان ~~الرياء كذلك، لخفائه وقوة الداعي إليه، وعسر التخلص منه لما يزينه الشيطان، ~~والنفس الأمارة في قلب صاحبه. # قوله: "قالوا": بلى. فيه الحرص على العلم، وأن من عرض عليك أن يخبرك بما ~~فيك فلا ينبغي لك رده، بل قابله بالقبول والتعلم. # قوله: "قال: الشرك الخفي"، سمي الرياء شركا خفيا، لأن صاحبه يظهر أن عمله ~~لله، ويخفي في قلبه أنه لغيره، وإنما تزين بإظهاره أنه لله بخلاف الشرك ~~الجلي. وفي حديث محمود بن لبيد الذي تقدم في باب الخوف من الشرك تسميته ~~بالشرك الأصغر. وعن "شداد بن أوس قال: كنا نعد الرياء على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الشرك الأصغر". رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص، ~~وابن جرير في التهذيب والطبراني والحاكم وصححه. فظاهره أنه من الأصغر ~~مطلقا، وهو ظاهر قول الجمهور. وقال ابن القيم: وأما الشرك الأصغر; فكيسير ~~الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل للرجل: ما شاء الله ~~وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، ~~PageV01P459 # وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون ~~هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده انتهى. ففسر الشرك الأصغر باليسير من ~~الرياء، فدل على أن كثيره أكبر، وضد الشرك الأكبر والأصغر التوحيد ~~والإخلاص، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة باطنا وظاهرا كما قال تعالى: ~~{فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص} 1. وقال تعالى: {قل إني ~~أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين} 2 وقال تعالى: {قل الله أعبد مخلصا له ~~ديني} 3. وقيل: الإخلاص استواء أحوال العبد في الظاهر والباطن، والرياء أن ~~يكون ظاهره خيرا من باطنه، أي: لملاحظة الخلق، والصدق في الإخلاص أن يكون ~~باطنه أعمر من ظاهره. # قوله: "فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل"4. فسر الشرك الخفي بهذا أن ~~يعمل الرجل العمل لله، لكن يزيد فيه صفة كتحسينه وتطويله ونحو ذلك، لما يرى ~~من نظر رجل، فهذا هو الشرك الخفي، وهو الرياء، والحامل ms396 له على ذلك هو حب ~~الرياسة، والجاه عند الناس. قال الطيبي: وهو من أضر غوائل النفس، وبواطن ~~مكائدها، يبتلى به العلماء والعباد، والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق ~~الآخرة، فإنهم مهما قهروا أنفسهم، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، ~~عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة، الواقعة على الجوارح، فطلبت ~~الاستراحة إلى التظاهر بالخير، وإظهار العلم والعمل، فوجدت مخلصا من مشقة ~~المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق، ولم تقنع باطلاع الخالق تبارك وتعالى، ~~وفرحت بحمد الناس، ولم تقنع بحمد الله وحده، فأحب مدحهم، PageV01P460 # وتبركهم بمشاهدته وخدمته وإكرامه وتقديمه في المحافل، فأصابت النفس في ~~ذلك أعظم اللذات، وأعظم الشهوات. وهو يظن أن حياته بالله تعالى وبعبادته، ~~وإنما حياته هذه الشهوة الخفية التي تعمى عن دركها العقول الناقدة1. قد ~~أثبت اسمه عند الله من المنافقين، وهو يظن أنه عند الله من عباده المقربين. ~~وهذه مكيدة للنفس لا يسلم منها إلا الصديقون، ولذلك قيل: آخر ما يخرج من ~~رؤوس الصديقين حب الرياسة. انتهى كلامه. # وفي الحديث من الفوائد شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ونصحه لهم، وأن ~~الرياء أخوف على الصالحين من فتنة الدجال، والحذر من الرياء ومن الشرك ~~الأكبر، إذ كان صلى الله عليه وسلم يخاف الرياء على أصحابه مع علمهم ~~وفضلهم، فغيرهم أولى بالخوف. PageV01P461 # [31- ### | باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا # قد ظن بعض الناس أن هذا الباب داخل في الرياء، وأن هذا مجرد تكرير فأخطأ، ~~بل المراد بهذا أن يعمل الإنسان عملا صالحا يريد به الدنيا كالذي يجاهد ~~للقطيفة والخميلة ونحو ذلك، ولهذا سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبدا لذلك ~~بخلاف المرائي، فإنه إنما يعمل ليراه الناس ويعظموه، والذي يعمل لأجل ~~الدراهم والقطيفة ونحو ذلك أعقل من المرائي، لأن ذلك عمل لدنيا يصيبها. ~~والمرائي عمل لأجل المدح، والجلالة في أعين الناس، وكلاهما خاسر نعوذ بالله ~~من موجبات غضبه، وأليم عقابه. قال: وقوله تعالى: {من كان يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها ... } 1. # قال ابن عباس: "من كان ms397 يريد الحياة الدنيا أي: ثوابها أي: مآلها وزينتها ~~نوف إليهم: نوفر لهم ثواب أعمالهم PageV01P461 # بالصحة والسرور في الأهل والمال والولد، وهم فيها لا يبخسون لا ينقصون، ~~ثم نسختها و {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} " رواه ~~النحاس في ناسخه. # وقوله: "ثم نسختها"، أي: قيدتها أو خصصتها، فإن السلف كانوا يسمون ~~التقييد والتخصيص نسخا، وإلا فالآية محكمة. وقال الضحاك: من عمل صالحا من ~~أهل الإيمان من غير تقوى، عجل له ثواب عمله في الدنيا، واختاره الفراء. قال ~~ابن القيم: وهذا القول أرجح. ومعنى الآية على هذا: من كان يريد بعمله ~~الحياة الدنيا وزينتها. وقالت طائفة: هذه الآية في حق الكفار بدليل قوله: ~~{أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار} 1 أي: أنهم لم يعملوا إلا ~~للحياة الدنيا وزينتها. {وحبط ما صنعوا فيها} 2. قال بعض المفسرين: أي: ~~وحبط في الآخرة ما صنعوه، أو صنيعهم يعني: لم يكن لهم ثواب، لأنهم لم ~~يريدوا به الآخرة، إنما أرادوا به الدنيا، وقد وفى إليهم ما أرادوا {وباطل ~~ما كانوا يعملون} 3 أي: كان عمله في نفسه باطلا، لأنه لم يعمل لوجه صحيح، ~~والعمل الباطل لا ثواب له. انتهى. # فإن قيل: الآية على القول الأول تقتضي تخليد المؤمن من المريد بعمله ~~الدنيا في النار. # قيل: إن الله سبحانه ذكر جزاء من يريد بعمله الحياة الدنيا وزينتها، وهو ~~النار، وأخبر بحبوط عمله وبطلانه، فإذا أحبط ما ينجو به وبطل، لم يبق معه ~~ما ينجيه. فإن كان معه إيمان لم يرد به الحياة الدنيا وزينتها، بل أراد به ~~الله والدار الآخرة، لم يدخل هذا الإيمان في العمل الذي حبط وبطل. ونجاة ~~هذا الإيمان من الخلود في النار، وإن دخلها بحبوط عمله الذي به النجاة ~~المطلقة. فالإيمان إيمانان إيمان: يمنع دخول النار، وهو الإيمان الباعث على ~~أن تكون الأعمال لله وحده يبتغي بها وجهه وثوابه، وإيمان يمنع الخلود في ~~النار، فإن PageV01P462 # كان مع المرائي شيء منه، وإلا كان من أهل الخلود، فالآية لها ms398 حكم نظائرها ~~من آيات الوعيد. ذكره ابن القيم. # وقد سئل شيخ الإسلام المصنف عن معنى هذه الآية فأجاب بما ملخصه: ذكر عن ~~السلف من أهل العلم فيها أنواع مما يفعله الناس اليوم، ولا يعرفون معناه. # فمن ذلك العمل الصالح الذي يفعله كثير من الناس ابتغاء وجه الله من صدقة ~~وصلاة وإحسان إلى الناس، وترك ظلم، ونحو ذلك مما يفعله الإنسان، أو يتركه ~~خالصا لله، لكنه لا يريد ثوابه في الآخرة، إنما يريد أن يجازيه الله بحفظ ~~ماله وتنميته، أو حفظه أهله وعياله، أو إدامة النعم عليهم، ولا همة له في ~~طلب الجنة، والهرب من النار، فهذا يعطى ثواب عمله في الدنيا، وليس له في ~~الآخرة من نصيب. وهذا النوع ذكره ابن عباس. # النوع الثاني: وهو أكبر من الأول وأخوف، وهو الذي ذكر مجاهد في الآية ~~أنها نزلت فيه، وهو أن يعمل أعمالا صالحة، ونيته رياء الناس لا طلب ثواب ~~الآخرة. # النوع الثالث: أن يعمل أعمالا صالحة يقصد بها مالا مثل أن يحج لمال ~~يأخذه، لا لله، أو يهاجر لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، أو يجاهد لأجل ~~المغنم، فقد ذكر أيضا هذا النوع في تفسير هذه الآية. وكما يتعلم الرجل لأجل ~~مدرسة أهله أو مكسبهم أو رياستهم، أو يتعلم القرآن ويواظب على الصلاة لأجل ~~وظيفة المسجد، كما هو واقع كثيرا، وهؤلاء أعقل من الذين قبلهم، لأنهم عملوا ~~لمصلحة يحصلونها، والذين قبلهم عملوا من أجل المدح والجلالة في أعين الناس، ~~ولا يحصل لهم طائل، والنوع الأول أعقل من هؤلاء، لأنهم عملوا لله وحده لا ~~شريك له، لكن لم يطلبوا منه الخير الكثير الدائم وهو الجنة، ولم يهربوا من ~~الشر العظيم وهو النار. # PageV01P463 # النوع الرابع: أن يعمل بطاعة الله مخلصا في ذلك لله وحده لا شريك له، ~~لكنه على عمل يكفره كفرا يخرجه عن الإسلام مثل اليهود والنصارى إذا عبدوا ~~الله أو تصدقوا أو صاموا ابتغاء وجه الله والدار الآخرة، ومثل كثير من هذه ~~الأمة الذين فيهم كفر أو شرك أكبر يخرجهم من ms399 الإسلام بالكلية إذا أطاعوا ~~الله طاعة خالصة، يريدون بها ثواب الله في الدار الآخرة، لكنهم على أعمال ~~تخرجهم من الإسلام وتمنع قبول أعمالهم. فهذا النوع أيضا قد ذكر في هذه ~~الآية عن أنس بن مالك وغيره. وكان السلف يخافون منها، قال بعضهم: لو أعلم ~~أن الله تقبل مني سجدة واحدة لتمنيت الموت، لأن الله يقول: {إنما يتقبل ~~الله من المتقين} 1. # ثم قال: بقي أن يقال: إذا عمل الرجل الصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج ~~ابتغاء وجه الله طالبا ثواب الآخرة، ثم بعد ذلك عمل أعمالا قاصدا بها ~~الدنيا مثل أن يحج فرضه لله، ثم يحج بعده لأجل الدنيا، كما هو واقع، فهو ~~لما غلب عليه منهما. وقد قال بعضهم: القرآن كثيرا ما يذكر أهل الجنة الخلص، ~~وأهل النار الخلص، ويسكت عن صاحب الشائبتين وهو هذا وأمثاله. انتهى. وقد ~~أجاد وأفاد رحمه الله. # وفي الآية من الفوائد أن الشرك محبط للأعمال، وأن إرادة الدنيا وزينتها ~~بالعمل كذلك، وأن الله يجازي الكافر بحسناته، وكذلك طالب الدنيا، ثم يفضي ~~إلى الآخرة وليس له حسنة. الخامسة شدة الوعيد على ذلك. السادسة الفرق بين ~~الحبوط والبطلان. # قال في: الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة إن ~~أعطي رضي، وإن لم يعط سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد أخذ ~~بعنان فرسه في سبيل الله PageV01P464 # أشعث رأسه، مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في ~~الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع" 1. # قوله: "في الصحيح"، أي: صحيح البخاري. # قوله: "تعس عبد الدينار"، هو بكسر العين، ويجوز الفتح، أي: سقط والمراد ~~هنا: هلك، قاله الحافظ. وقال في موضع آخر: وهو ضد سعد، أي: شقي. وقيل معنى ~~التعس: الكبة على الوجه. قال أبو السعادات: يقال: تعس يتعس، إذا عثر، وانكب ~~لوجهه، وهو دعاء عليه بالهلاك. # قوله: "تعس عبد الخميصة"، قال ms400 أبو السعادات: هو ثوب خز أو صوف معلم. ~~وقيل: لا تسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، وكانت من لباس الناس قديما، ~~وجمعها الخمائص. والخميلة بفتح الخاء المعجمة، قال أبو السعادات: الخميل ~~والخميلة: القطيفة، وهي ثوب له خمل من أي شيء كان، وقيل: الخميل الأسود من ~~الثياب. # قوله: "تعس وانتكس"، قال الحافظ: هو بالمهملة أي: عاوده المرض. وقال أبو ~~السعادات، أي: انقلب على رأسه، وهو دعاء عليه بالخيبة، لأن من انتكس في ~~أمره فقد خاب وخسر. وقال الطيبي: وفيه الترقي بالدعاء عليه، لأنه إذا تعس ~~انكب على وجهه، فإذا انتكس انقلب على رأسه بعد أن سقط. # قوله: "وإذا شيك"، أي: أصابته شوكة فلا انتقش. قال أبو السعادات، أي: إذا ~~شاكته شوكة، فلا يقدر على انتقاشها، وهو إخراجها بالمنقاش. وقال الحافظ: ~~أي: إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش، قال: وفي الدعاء عليه ~~بذلك إشارة إلى عكس مقصوده، لأن من عثر فدخلت في رجله الشوكة، فلم يجد من ~~يخرجها يصير عاجزا عن السعي والحركة في تحصيل مصالح الدنيا. PageV01P465 # وقال الطيبي: المعنى أنه إذا وقع في البلاء لا يترحم عليه، فإن من وقع في ~~البلاء إذا ترحم له الناس ربما هان الخطب عليه، ويتسلى بعض التسلي، وهؤلاء ~~بخلافه، بل يزيد غيظهم بفرح الأعداء أو شماتتهم. # فإن قيل: لم سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم؟ # قيل: لما كان ذلك هو مقصوده ومطلوبه الذي عمل له، وسعى في تحصيله بكل ~~ممكن حتى صارت نيته مقصورة عليه يغضب ويرضى له صار عبدا له. # قال شيخ الإسلام: فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار والدرهم، ~~وعبد القطيفة، وعبد الخميصة، وذكر فيه ما هو دعاء وخبر. وهو قوله: "تعس ~~وانتكس وإذا شيك فلا انتقش"، وهذه حال من أصابه شر لم يخرج منه ولم يفلح ~~لكونه تعس وانتكس، فلا نال المطلوب، ولا خلص من المكروه، وهذه حال من عبد ~~المال. وقد وصف ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن منع سخط كما قال ms401 تعالى: {ومنهم من ~~يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون} 1. ~~فرضاهم لغير الله، وسخطهم لغير الله، وهكذا حال من كان متعلقا برئاسة أو ~~بصورة، أو نحو ذلك من أهواء نفسه إن حصل له رضي، وإن لم يحصل له سخط، فهذا ~~عبد ما يهواه من ذلك، وهو رقيق له، إذ الرق والعبودية في الحقيقة هو رق ~~القلب وعبوديته، فما استرق القلب واستعبده، فهو عبده ... إلى أن قال: وهكذا ~~أيضا طالب المال فإن ذلك يستعبده ويسترقه. # وهذه الأمور نوعان: فمنها ما يحتاج إليه العبد كما يحتاج إلى طعامه وشربه ~~ومنكحه ومسكنه ونحو ذلك، فهذا يطلبه من الله ويرغب إليه فيه فيكون المال ~~عنده، يستعمله في حاجته بمنزلة حماره الذي يركبه، وبساطه الذي يجلس عليه من ~~غير أن يستعبدوه فيكون PageV01P466 # هلوعا. ومنها ما لا يحتاج إليه العبد، فهذه ينبغي أن لا يعلق قلبه بها، ~~فإذا تعلق قلبه بها، صار مستعبدا لها وربما صار مستعبدا معتمدا على غير ~~الله فيها، فلا يبقى معه حقيقة العبودية لله، ولا حقيقة التوكل عليه، بل ~~فيه شعبة من العبادة لغير الله، وشعبة من التوكل على غير الله، وهذا من أحق ~~الناس بقوله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار، وتعس ~~عبد الخميصة تعس عبد الخميلة" 1. وهذا هو عبد لهذه الأمور، ولو طلبها من ~~الله، فإن الله إذا أعطاه إياه رضي، وإن منعه إياها سخط. وإنما عبد الله من ~~يرضيه ما يرضي الله، ويسخطه ما يسخط الله، ويحب ما أحب الله ورسوله، ويبغض ~~ما أبغض الله ورسوله، ويوالي أولياء الله، ويعادي أعداء الله فهذا الذي ~~استكمل الإيمان. انتهى ملخصا. # قوله: "طوبى لعبد"، قال أبو السعادات: طوبى اسم الجنة، وقيل: هي شجرة ~~فيها. قلت: قد روى ابن وهب عن عمرو بن الحارث أن دراجا حدثه أن أبا الهيثم ~~حدثه عن أبي سعيد في حديث: "فقال رجل: يا رسول الله وما طوبى؟ قال: شجرة في ~~الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل ms402 الجنة تخرج من أكمامها" 2. رواه حرملة عنه. ~~ورواه أحمد في مسنده من حديث عتبة بن عبد السلمي "جاء أعرابي إلى النبي صلى ~~الله عليه وسلم فسأله عن الحوض وذكر الجنة. ثم قال الأعرابي: "وفيها فاكهة؟ ~~قال: نعم. وفيها شجرة تدعى طوبى ... " 3 الحديث. قال الزجاج: في قوله: طوبى ~~لهم. معناه: العيش الطيب. وقال ابن الأنباري: الحال المستطابة لهم، لأنه ~~فعلى من الطيب، وقيل: معناه هنيئا بطيب العيش لهم وهذه الأقوال ترجع إلى ~~قول واحد. # قوله: "أخذ بعنان فرسه في سبيل الله"، أي: في طريق الجهاد. # قوله: "أشعث رأسه"، هو بنصب أشعث صفة لعبد لأنه غير مصروف للصفة ووزن ~~الفعل، ورأسه مرفوع على الفاعلية لأشعث، وهو مغبر الرأس. وفيه فضل إصابة ~~الغبار في سبيل الله. PageV01P467 # قوله: "مغبرة قدماه"، هو كأشعث في الإعراب والمراد به كثرة الغبار له في ~~سبيل الله لكثرة جهاده ومصابرته. # قوله: "إن كان في الحراسة". قال بعضهم: هو بكسر الحاء أي: حماية الجيش ~~ومحافظتهم عن أن يهجم عليهم عدوهم. # قوله: "كان في الحراسة"، أي: امتثل غير مقصر فيها بالنوم والغفلة ~~ونحوهما. # قوله: "وإن كان في الساقة كان في الساقة"، أي: إن جعل في مؤخرة الجيش صار ~~فيها ولزمها. وقال ابن الجوزي: المعنى: أنه خامل الذكر، لا يقصد السمو، فأي ~~موضع اتفق له كان فيه. وقال الخلخالي: المعنى ائتماره لما أمر، وإقامته حيث ~~أقيم لا يفقد من مكانه، وإنما ذكر الحراسة والساقة، لأنهما أشد مشقة وأكثر ~~آفة. قلت: وفيه فضيلة الحرس في سبيل الله. # قوله: "إن استأذن لم يؤذن له"، أي: إن استأذن على الأمراء ونحوهم لم ~~يأذنوا له، لأنه ليس بذي جاه ولا يقصد بعمله الدنيا فيطلبها منهم، ويتردد ~~إليهم لأجلها بل هو مخلص لله. # قوله: "وإن شفع" بفتح أوله وثانيه مبني للفاعل، ويشفع بتشديد الفاء، مبني ~~للمفعول، والمراد والله أعلم أنه لا يشفع عند الملوك ونحوهم، لعدم جاهه ~~عندهم وعلى تقدير شفاعته إن شفع لم يشفع بل يردون شفاعته. # قال بعضهم: قيل: إن هذا إشارة إلى عدم ms403 التفاته إلى الدنيا وأربابها بحيث ~~لا يبتغي مالا ولا جاها عند الناس، بل يكون عند الله وجيها ولم يقبل الناس ~~شفاعته، ويكون عند الله شفيعا مشفعا، كما في الحديث الذي رواه أحمد [عن أنس ~~بنحوه] ومسلم عن أبي هريرة مرفوعا "رب أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على ~~الله لأبره" 1. وقال الحافظ: فيه ترك حب الرئاسة والشهرة، وفضل الخمول ~~والتواضع. PageV01P468 # قلت: وفيه أن هذه الأمور ونحوها لا تكون لهوان المؤمن على الله بل ~~لكرامته، وفيه الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات. قاله المصنف. # PageV01P469 # [32 ### | - باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه الله فقد اتخذهم أربابا من دون الله] # [لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق] # ش: لما كانت الطاعة من أنواع العبادة بل هي العبادة فإنها طاعة الله ~~بامتثال ما أمر به على ألسنة رسله عليهم السلام ; نبه المصنف رحمه الله ~~تعالى بهذه الترجمة على وجوب اختصاص الخالق تبارك وتعالى بها، وأنه لا يطاع ~~أحد من الخلق إلا حيث كانت طاعته مندرجة تحت طاعة الله وإلا فلا تجب طاعة ~~أحد من الخلق استقلالا. والمقصود هنا الطاعة الخاصة في تحريم الحلال أو ~~تحليل الحرام، فمن أطاع مخلوقا في ذلك غير الرسول صلى الله عليه وسلم فإنه ~~لا ينطق عن الهوى، فهو مشرك كما بينه الله تعالى في قوله: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم} 1 أي: علماءهم {أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا ~~إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} 2. وفسرها النبي ~~صلى الله عليه وسلم بطاعتهم في تحريم الحلال، وتحليل الحرام كما سيأتي في ~~حديث عدي. # فإن قيل: قد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم} 3. # قيل: هم العلماء، وقيل: هم الأمراء وهما روايتان عن أحمد. قال ابن القيم: ~~والتحقيق بأن الآية تعم الطائفتين. # قيل: إنما تجب طاعتهم إذا أمروا بطاعة الله وطاعة رسوله، فكان العلماء ~~مبلغين لأمر الله وأمر رسوله، والأمراء منفذين له، ms404 فحينئذ تجب طاعتهم تبعا ~~لطاعة الله ورسوله كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا طاعة في معصية إنما ~~الطاعة في المعروف" 4. وقال: "على المرء المسلم PageV01P469 # السمع والطاعة ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" 1. ~~حديثان صحيحان فليس في هذه الآية ما يخالف آية براءة. # قال: "وقال ابن عباس: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء. أقول: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون: قال أبو بكر وعمر". # ش: قوله: "يوشك"، بضم أوله وكسر الشين المعجمة. قال أبو السعادات أي: ~~يقرب ويدنو ويسرع، وهذا الكلام قاله ابن عباس لمن ناظره في متعة الحج. وكان ~~ابن عباس يأمر بها، فاحتج عليه المناظر بنهي أبي بكر وعمر عنها، أي: هما ~~أعلم منك وأحق بالاتباع. فقال هذا الكلام الصادر عن محض الإيمان وتجريد ~~المتابعة للرسول صلى الله عليه وسلم وإن خالفه من خالفه كائنا من كان، كما ~~قال الشافعي: أجمع العلماء على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد. فإذا كان هذا كلام ابن عباس لمن ~~عارضه بأبي بكر وعمر وهما [هما] 2 فماذا تظنه يقول لمن يعارض سنن الرسول ~~صلى الله عليه وسلم بإمامه وصاحب مذهبه الذي ينتسب إليه؟ ويجعل قوله عيارا ~~على الكتاب والسنة، فما وافقه قبله، وما خالفه رده، أو تأوله فالله ~~المستعان. وما أحسن ما قال بعض المتأخرين: # فإن جاءهم فيه الدليل موافقا ... لما كان للآبا إليه ذهاب. # رضوه وإلا قيل: هذا مؤول ... ويركب للتأويل فيه صعاب. # ولا ريب أن هذا داخل في قوله تعالى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من ~~دون} 3. # [التحذير من مخالفة الرسول] # قال المصنف، وقال أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد PageV01P470 # وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله تعالى يقول: {فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره أن تصيبهم فتنة} 1. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض ~~قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. # ش: هذا الكلام عن أحمد ms405 رواه عنه الفضل بن زياد وأبو طالب. # قال الفضل عن أحمد: نظرت في المصحف فوجدت طاعة الرسول في ثلاثة وثلاثين ~~موضعا، ثم جعل يتلو: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة} 2 ~~الآية وجعل يكررها ويقول: وما الفتنة إلا الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن ~~يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه، فيهلكه وجعل يتلو هذه الآية: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} 3. # وقال أبو طالب عن أحمد وقيل له: إن قوما يدعون الحديث، ويذهبون إلى رأي ~~سفيان؟ فقال: أعجب4. لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته يدعونه ~~ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره. قال الله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} 5. وتدري ما الفتنة؟ الكفر قال الله ~~تعالى: {والفتنة أكبر من القتل} 6. فيدعون الحديث عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وتغلبهم أهواؤهم إلى الرأي. ذكر ذلك شيخ الإسلام. # قلت: وكلام أحمد في ذمه التقليد وإنكار تأليف كتب الرأي كثير مشهور. # قوله: "عرفوا الإسناد"، أي: إسناد الحديث وصحته، أي: صحة الإسناد وصحته ~~دليل على صحة الحديث. # قوله: "يذهبون إلى رأي سفيان"، أي: الثوري الإمام الزاهد العابد الثقة ~~الفقيه، وكان له أصحاب ومذهب مشهور فانقطع. PageV01P471 # ومراد أحمد الإنكار على من يعرف إسناد الحديث وصحته، ثم بعد ذلك يقلد ~~سفيان أو غيره، ويعتذر بالأعذار الباطلة إما بأن الأخذ بالحديث اجتهاد ~~والاجتهاد انقطع منذ زمان، وإما بأن هذا الإمام الذي قلدته أعلم مني، فهو ~~لا يقول إلا بعلم، ولا يترك هذا الحديث مثلا إلا عن علم، وإما بأن ذلك ~~اجتهاد، ويشترط في المجتهد أن يكون عالما بكتاب الله عالما بسنة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وناسخ ذلك ومنسوخه، وصحيح السنة وسقيمها، عالما بوجوه ~~الدلالات، عالما بالعربية والنحو والأصول، ونحو ذلك من الشروط التي لعلها ~~لا توجد تامة في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما قاله المصنف، فيقال له: ~~هذا إن صح، فمرادهم بذلك المجتهد المطلق، أما أن يكون ذلك شرطا ms406 في جواز ~~العمل بالكتاب والسنة، فكذب على الله، وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى ~~أئمة العلماء، بل الفرض والحتم على المؤمن إذا بلغه كتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم وعلم معنى ذلك في أي شيء كان أن يعمل به ولو خالفه من ~~خالفه، فبذلك أمرنا ربنا تبارك وتعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم وأجمع على ~~ذلك العلماء قاطبة إلا جهال المقلدين وجفاتهم، ومثل هؤلاء ليسوا من أهل ~~العلم1 كما حكى الإجماع على أنهم ليسوا من أهل العلم أبو عمر بن عبد البر ~~وغيره قال الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه ~~أولياء قليلا ما تذكرون} 2. وقال تعالى: {وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول ~~إلا البلاغ المبين} 3. فشهد تعالى لمن أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم ~~بالهداية، وعند جفاة المقلدين أن من أطاعه صلى الله عليه وسلم ليس بمهتد ~~إنما المهتدي من عصاه، وعدل عن أقواله، ورغب عن سنته إلى مذهب أو شيخ ونحو ~~ذلك، وقد وقع في هذا التقليد المحرم خلق كثير ممن يدعي العلم والمعرفة ~~بالعلوم، ويصنف التصانيف في PageV01P472 # الحديث والسنن، ثم بعد ذلك تجده جامدا على أحد هذه المذاهب، ويرى الخروج ~~عنها من العظائم. # وفي كلام أحمد إشارة إلى أن التقليد قبل بلوغ الحجة لا يذم، إنما المذموم ~~المنكر الحرام الإقامة على ذلك بعد بلوغ الحجة، نعم وينكر الإعراض عن كتاب ~~الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والإقبال على تعلم الكتب المصنفة في ~~الفقه استغناء بها عن الكتاب والسنة، بل إن قرؤوا شيئا من كتاب الله وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فإنما يقرءون تبركا لا تعلما وتفقها، أو لكون بعض ~~الموقفين وقف على من قرأ البخاري مثلا، فيقرؤونه لتحصيل الوظيفة لا لتحصيل ~~الشريعة، فهؤلاء من أحق الناس بدخولهم في قول الله تعالى: # {وقد آتيناك من لدنا ذكرا من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا خالدين ~~فيه وساء لهم يوم القيامة حملا} # 1. وقوله تعالى: {ومن أعرض عن ذكري ms407 فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة ~~أعمى ... } 2 إلى قوله: {ولعذاب الآخرة أشد وأبقى} 3. # فإن قلت: فماذا يجوز للإنسان من قراءة هذه الكتب المصنفة في المذاهب؟ ~~قيل: يجوز من ذلك قراءتها على سبيل الاستعانة بها على فهم الكتاب والسنة، ~~وتصوير المسائل، فتكون من نوع الكتب الآلية، أما أن تكون هي المقدمة على ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم الحاكمة بين الناس فيما اختلفوا ~~فيه، المدعو إلى التحاكم إليها دون التحاكم إلى الله والرسول صلى الله عليه ~~وسلم فلا ريب أن ذلك مناف للإيمان مضاد له كما قال تعالى: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} 4. # فإذا كان التحاكم عند المشاجرة إليها دون الله ورسوله، ثم إذا5 قضى الله ~~ورسوله أمرا وجدت الحرج في نفسك، وإن قضى أهل الكتاب بأمر لم تجد حرجا، ثم ~~إذا قضى الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر لم تسلم له، وإذا PageV01P473 # قضوا بأمر سلمت له، فقد أقسم الله تعالى سبحانه وهو أصدق القائلين بأجل ~~مقسم به، وهو نفسه تبارك وتعالى أنك لست بمؤمن والحالة هذه وبعد ذلك، فقد ~~قال الله تعالى: {بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} ، [سورة ~~القيامة، الآيتان: 1415-] . # على أن الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، قد نهوا عن تقليدهم مع ظهور ~~السنة. # كلام أحمد الذي ذكره المصنف كاف عن تكثير النقل عنه. # وقال أبو حنيفة: "إذا جاء الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم فعلى ~~الرأس والعين، وإذا جاء عن الصحابة فعلى الرأس والعين، وإذا جاء عن ~~التابعين، فنحن رجال وهم رجال". # وفي روضة العلماء سئل أبو حنيفة إذا قلت قولا وكتاب الله يخالفه؟ قال: ~~اتركوا قولي لكتاب الله، قيل: إذا كان قول الرسول يخالفه؟ قال: اتركوا قولي ~~لخبر الرسول صلى الله عليه وسلم قيل: إذا كان قول الصحابة يخالفه؟ قال: ~~اتركوا قولي لقول الصحابة، فلم يقل: هذا الإمام ما يدعيه جفاة المقلدين له ~~أنه لا ms408 يقول قولا يخالف كتاب الله، حتى أنزلوه بمنزلة المعصوم الذي لا ينطق ~~عن الهوى. # وروى البيهقي في السنن عن الشافعي أنه قال: "إذا قلت قولا وكان عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم خلاف قولي فما يصح من حديث رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أولى فلا تقلدوني". وقال الربيع: "سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في ~~كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ودعوا ما قلت". وتواتر عنه أنه قال: "إذا صح الحديث أي: ~~بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط". # PageV01P474 # وقال مالك: "كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم". # وكلام الأئمة مثل هذا كثير. فخالف المقلدون ذلك، وجمدوا على ما وجدوه في ~~الكتب المذهبية، سواء كان صوابا أم خطأ مع أن كثيرا من هذه الأقوال ~~المنسوبة إلى الأئمة ليست أقوالا لهم منصوصا عليها، وإنما هي تفريعات ووجوه ~~واحتمالات وقياس على أقوالهم، ولسنا نقول: إن الأئمة على خطأ، بل هم إن شاء ~~الله على هدى من ربهم، وقد قاموا بما أوجب الله عليهم من الإيمان بالرسول ~~صلى الله عليه وسلم ومتابعته، ولكن العصمة منتفية عن غير الرسول، فهو الذي ~~{وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ، [سورة النجم، الآيتان: 3-4] . ~~فما العذر في اتباعهم وترك اتباع الذي لا ينطق عن الهوى؟! # قوله: "لعله"، أي: لعل الإنسان الذي تصح عنده سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قوله: "إذا رد بعض قوله"، أي: قول النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله: "أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك". هذا تنبيه على أن رد قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم سبب لزيغ القلب الذي هو سبب الهلاك في الدنيا ~~والآخرة، فإذا كانت إساءة الأدب معه في الخطاب سببا لحبوط الأعمال كما قال ~~تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم ~~لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} 1. فما ظنك برد أحكامه وسنته ms409 لقول ~~أحد من الناس كائنا من كان؟. قال شيخ الإسلام: فإذا كان المخالف عن أمره قد ~~حذر من الكفر والشرك، أو من العذاب الأليم، دل على أنه قد يكون مفضيا إلى ~~الكفر والعذاب الأليم، ومعلوم أن إفضاءه إلى العذاب هو مجرد فعل المعصية، ~~فإفضاؤه إلى الكفر إنما هو لما يقترن به من استخفاف بحق الآمر، كما فعل ~~إبليس لعنه الله. # فإذا علمت أن المخالفة عن أمره صلى الله عليه وسلم سبب للفتنة، التي هي ~~PageV01P475 # الشرك والعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، علمت أن من رد قوله وخالف أمره ~~لقول أبي حنيفة، أو مالك أو غيرهما، لهم النصيب الكامل، والحظ الوافر من ~~هذه الآية، وهذا الوعيد على مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم وقد استدل بهذه ~~الآية كثير من العلماء على أن أصل الأمر للوجوب حتى يقوم دليل على ~~استحبابه. # قال: عن "عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ~~{اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله} ، [التوبة، من الآية: 31] ، ~~فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ~~ما حرم الله فتحلونه؟ فقلت بلى قال: فتلك عبادتهم" 1. رواه أحمد2 والترمذي ~~وحسنه. # ش: هذا الحديث قد روي من طرق3. فرواه ابن سعد، وعبد بن حميد، وابن ~~المنذر، وابن جرير وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، ~~والبيهقي في السنن وفيه قصة اختصرها المصنف. # قوله: "عن عدي بن حاتم"، أي: الطائي المشهور وهو ابن عبد الله ابن سعد بن ~~الحشرج بفتح المهملة وسكون المعجمة وآخره PageV01P476 # جيم، مات مشركا وعدي يكنى أبا طريف بفتح المهملة صحابي شهير، حسن ~~الإسلام، مات سنة ثمان وستين وله مائة وعشرون سنة. # قوله: "فقلت: إنا لسنا نعبدهم"، عن ظن عدي أن العبادة المراد بها التقرب ~~إليهم بأنواع العبادة، من السجود والذبح والنذر ونحو ذلك فقال: إنا لسنا ~~نعبدهم. # قوله: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ... " إلى آخره. # صرح صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن عبادة الأحبار والرهبان ms410 هي ~~طاعتهم في تحريم الحلال وتحليل الحرام، وهو طاعتهم في خلاف حكم الله ~~ورسوله. # قال شيخ الإسلام: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون ~~الله حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وعكسه يكونون على وجهين. # أحدهما: أنهم يعلمون أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل ~~فيعتقدون تحليل ما حرم الله، وتحريم ما أحل الله اتباعا لرؤسائهم مع علمهم ~~أنهم خالفوا دين الرسل فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركا وإن لم يكونوا ~~يصلون لهم ويسجدون. # الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال، وتحليل الحرام ثابتا، ~~لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي ~~يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في ~~الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف" ~~1. # ثم نقول: اتباع هذا المحلل للحرام والمحرم للحلال إن كان مجتهدا قصده ~~اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم لكن خفي عليه الحق في نفس الأمر، وقد اتقى ~~الله ما استطاع، فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه، بل يثيبه على اجتهاده الذي ~~أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا الخطأ PageV01P477 # فيما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اتبعه على خطئه وعدل عن قول ~~الرسول صلى الله عليه وسلم فله نصيب من الشرك الذي ذمه الله، لا سيما إن ~~اتبعه في ذلك لهواه ونصره باللسان واليد مع علمه بأنه مخالف للرسول صلى ~~الله عليه وسلم. فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه، ولهذا اتفق العلماء ~~على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه، وأما إن كان المتبع ~~للمجتهد عاجزا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من ~~الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ كما في القبلة. وأما إن قلد ~~شخصا دون نظيره بمجرد هواه، ونصره بيده ولسانه من غير علم أن الحق معه، ~~فهذا من أهل الجاهلية، فإن كان متبوعه مصيبا لم يكن عمله صالحا، ms411 وإن كان ~~متبوعه مخطئا، كان آثما كمن قال في القرآن برأيه، فإن أصاب فقد أخطأ، وإن ~~أخطأ، فليتبوأ مقعده من النار. انتهى ملخصا. # قال المصنف: وفيه تغير الأحوال إلى هذه الغاية [حتى] صار عند الأكثر ~~عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال ويسمونها الولاية. وعبادة الأحبار هي العلم ~~والفقه، ثم تغيرت الحال إلى أن عبد من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى ~~الثاني من هو من الجاهلين. # قوله: "صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال". يشير إلى ما ~~يعتقده كثير من الناس فيمن ينتسب إلى الولاية من الضر والنفع، والعطاء ~~والمنع، ويسمون ذلك الولاية والسر ونحو ذلك وهو الشرك. # قوله: "وعبادة الأحبار هي العلم والفقه"، أي: هي التي تسمى اليوم العلم ~~والفقه المؤلف على مذاهب الأئمة ونحوهم، فيطيعونهم في كل ما يطيعونك سواء ~~وافق حكم الله أم خالفه، بل لا يعبؤون بما خالف ذلك من كتاب وسنة، بل ~~يريدون كلام الله وكلام رسوله لأقوال من قلدوه، ويصرحون بأنه لا يحل العمل ~~بكتاب ولا سنة، وأنه لا يجوز تلقي العلم والهدى منهما، وإنما الفقه والهدى ~~عندهم # PageV01P478 # هو ما وجدوه في هذه الكتب. بل أعظم من ذلك وأطم رمي كثير منهم كلام الله ~~وكلام رسوله بأنه لا يفيد العلم ولا اليقين في باب معرفة أسماء الله وصفاته ~~وتوحيده، ويسمونها ظواهر لفظية، ويسمون ما وضعه الفلاسفة المشركون القواطع ~~العقلية، ثم يقدمونها في باب الأسماء والصفات والتوحيد على ما جاء من عند ~~الله، ثم يرمون من خرج عن عبادة الأحبار والرهبان إلى طاعة رب العالمين، ~~وطاعة رسوله وتحكيم ما أنزل الله في موارد النزاع بالبدعة أو الكفر. # قوله: "ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من ليس من الصالحين"، وذلك كاعتقادهم ~~في كثير ممن ينتسب إلى الولاية من الفساق والمجاذيب. # وقوله: "وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين"، وذلك كاعتقادهم العلم ~~في أناس من جهلة المقلدين فيحسنون لهم البدع والشرك فيطيعونهم، ويظنون أنهم ~~علماء مصلحون {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} 1. PageV01P479 # [33 ### | - باب قول الله تعالى: ms412 {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يض # لهم ضلالا بعيدا ... } 1] . # ش: لما كان التوحيد الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله مشتملا على ~~الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم مستلزما له، وذلك هو الشهادتان، ولهذا ~~جعلهما النبي صلى الله عليه وسلم ركنا واحدا في قوله: "بني الإسلام على ~~خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا PageV01P479 # رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا" 1. نبه في هذا الباب على ما تضمنه التوحيد، واستلزمه من ~~تحكيم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع، إذ هذا هو مقتضى شهادة ~~أن لا إله إلا الله، ولازمها الذي لا بد منه لكل مؤمن، فإن من عرف أن لا ~~إله إلا الله، فلا بد من الانقياد لحكم الله والتسليم لأمره الذي جاء من ~~عنده على يد رسوله محمد صلى الله عليه وسلم. # فمن شهد أن لا إله إلا الله، ثم عدل إلى تحكيم غير الرسول صلى الله عليه ~~وسلم في موارد النزاع، فقد كذب في شهادته. # وإن شئت قلت: لما كان التوحيد مبنيا على الشهادتين، إذ لا تنفك إحداهما ~~عن الأخرى لتلازمهما، وكان ما تقدم من هذا الكتاب في معنى شهادة أن لا إله ~~إلا الله التي تتضمن حق الله على عباده، نبه في هذا الباب على معنى شهادة ~~أن محمدا رسول الله، التي تتضمن حق الرسول صلى الله عليه وسلم فإنها تتضمن ~~أنه عبد لا يعبد، ورسول صادق لا يكذب، بل يطاع ويتبع، لأنه المبلغ عن الله ~~تعالى. فله عليه الصلاة والسلام منصب الرسالة، والتبليغ عن الله، والحكم ~~بين الناس فيما اختلفوا فيه، إذ هو لا يحكم إلا بحكم الله ومحبته على ~~النفس، والأهل والمال والوطن، وليس له من الإلهية شيء، بل هو عبد الله ~~ورسوله كما قال تعالى: {وأنه لما قام عبد ms413 الله يدعوه كادوا يكونون عليه ~~لبدا} 2 وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله" ~~3. # ومن لوازم ذلك متابعته وتحكيمه في موارد النزاع، وترك التحاكم إلى غيره، ~~كالمنافقين الذين يدعون الإيمان به، ويتحاكمون إلى غيره، وبهذا يتحقق العبد ~~بكمال التوحيد وكمال المتابعة، وذلك هو كمال سعادته، وهو معنى الشهادتين. # إذا تبين هذا فمعنى الآية المترجم لها: أن الله تبارك وتعالى أنكر على من ~~يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله، وعلى الأنبياء PageV01P480 # قبله، وهو مع ذلك يريد أن يتحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة ~~رسوله، كما ذكر المصنف في سبب نزولها. قال ابن القيم: والطاغوت: كل من تعدى ~~به حده من الطغيان وهو مجاوزة الحد، فكل ما تحاكم إليه متنازعان غير كتاب ~~الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو طاغوت إذ قد تعدى به حده. ومن هذا ~~كل من عبد شيئا دون الله فإنما عبد الطاغوت، وجاوز بمعبوده حده فأعطاه ~~العبادة التي لا تنبغي له، كما أن من دعا إلى تحكيم غير الله تعالى ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم فقد دعا إلى تحكيم الطاغوت. وتعلل تصديره سبحانه الآية ~~منكرا لهذا التحكيم على من زعم أنه قد آمن بما أنزله الله على رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى من قبله ثم هو مع ذلك يدعو إلى تحكيم غير الله ورسوله ~~صلى الله عليه وسلم، ويتحاكم إليه عند النزاع وفي ضمن قوله: يزعمون نفي لما ~~زعموه من الإيمان، ولهذا لم يقل: ألم تر إلى الذين آمنوا، فإنهم لو كانوا ~~من أهل الإيمان حقيقة لم يريدوا أن يتحاكموا إلى غير الله تعالى ورسوله صلى ~~الله عليه وسلم. ولم يقل فيهم يزعمون فإن هذا إنما يقال غالبا لمن ادعى ~~دعوى هو فيها كاذب، أو منزل منزلة الكاذب، لمخالفته لموجبها وعمله بما ~~ينافيها. قال ابن كثير: والآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكم إلى ~~ما سواهما من الباطل وهو المراد بالطاغوت ههنا. # وقوله تعالى: {وقد أمروا ms414 أن يكفروا به} 1. # أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له، ~~فلا يصح الإيمان إلا بالكفر به، وترك التحاكم إليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم ~~يؤمن بالله. # وقوله: {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} 2. # أي: لأن إرادة التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~من طاعة الشيطان، وهو إنما يدعو أحزابه ليكونوا من أصحاب السعير. وفي الآية ~~دليل على أن ترك التحاكم إلى الطاغوت، الذي هو ما سوى PageV01P481 # الكتاب والسنة من الفرائض وأن التحاكم إليه غير مؤمن بل ولا مسلم. # وقوله تعالى: {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت ~~المنافقين يصدون عنك صدودا} 1. # أي: إذا دعوا إلى التحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول أعرضوا إعراضا ~~مستكبرين كما قال تعالى: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق ~~منهم معرضون} 2 قال ابن القيم: هذا دليل على أن من دعي إلى تحكيم الكتاب ~~والسنة، فلم يقبل، وأبى ذلك أنه من المنافقين. ويصدون هنا لازم لا متعد، ~~وهو بمعنى يعرضون، لا بمعنى يمنعون غيرهم، ولهذا أتى مصدره على صدودا، ~~ومصدر المتعدي صدا. فإذا كان المعرض عن ذلك قد حكم الله سبحانه بنفاقهم، ~~فكيف بمن ازداد إلى إعراضه منع الناس من تحكيم الكتاب والسنة، والتحاكم ~~إليهما بقوله وعمله وتصانيفه؟! ثم يزعم مع ذلك أنه إنما أراد الإحسان ~~والتوفيق؛ الإحسان في فعله ذلك، والتوفيق بين الطاغوت الذي حكمه، وبين ~~الكتاب والسنة. # قلت: وهذا حال كثير ممن يدعي العلم والإيمان في هذه الأزمان، إذا قيل ~~لهم: تعالوا نتحاكم إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون، ويعتذرون أنهم لا يعرفون ذلك، ولا يعقلون، بل لعنهم الله بكفرهم ~~فقليلا ما يؤمنون. # وقوله تعالى: {فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم} 3.قال ابن كثير: ~~أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في المصائب بسبب ذنوبهم، واحتاجوا ~~إليك في ذلك. وقال ابن القيم قيل: المصيبة فضيحتهم إذا أنزل القرآن بحالهم، ~~PageV01P482 # ولا ms415 ريب أن هذا أعظم المصيبة والإضرار فالمصائب التي تصيبهم بما قدمت ~~أيديهم في أبدانهم وقلوبهم وأديانهم بسبب مخالفة الرسول عليه الصلاة ~~والسلام، أعظمها مصائب القلب والدين، فيرى المعروف منكرا، والهدى ضلالا، ~~والرشاد غيا، والحق باطلا، والصلاح فسادا، وهذا من المصيبة التي أصيب بها ~~في قلبه، وهو الطبع الذي أوجبه مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم وتحكيم ~~غيره، قال سفيان الثوري في قوله: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة} 1. قال: هي أن تطبع على قلوبهم. # وقوله تعالى: {ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} 2. # قال ابن كثير: أي: يعتذرون ويحلفون إن أردنا بذهابنا إلى غيرك إلا ~~الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة. وقال غيره: إلا إحسانا، أي: لا ~~إساءة، وتوفيقا، أي: بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك، ولا تسخطا لحكمك. # قلت: فإذا كان هذا حال المنافقين يعتذرون عن أمرهم، ويلبسونه لئلا يظن ~~أنهم قصدوا المخالفة لحكم النبي صلى الله عليه وسلم أو التسخط، فكيف بمن ~~يصرح بما كان المنافقون يضمرونه حتى يزعم أنه من حكم الكتاب والسنة في ~~موارد النزاع، فهو إما كافر وإما مبتدع ضال!؟ وفعل المنافقين الذي ذكره ~~الله عنهم في هذه الآية هو بعينه الذي يفعله المحرفون للكلم عن مواضعه ~~الذين يقولون: إنما قصدنا التوفيق بين القواطع العقلية بزعمهم التي هي ~~الفلسفة والكلام، وبين الأدلة النقلية، ثم يجعلون الفلسفة التي هي سفاهة ~~وضلالة الأصل، ويردون بها ما أنزل الله على رسوله من الكتاب والحكمة، زعموا ~~أن ذلك يخالف الفلسفة التي يسمونها القواطع، فتطلبوا له وجوه التأويلات ~~البعيدة، وحملوه على شواذ اللغة التي لا تكاد تعرف. # وقوله تعالى: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم} 3. PageV01P483 # قال ابن كثير: أي: هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله أعلم بما في ~~قلوبهم، وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد ~~فيهم، فإنه عالم ببواطنهم وظواهرهم. # وقوله تعالى: {فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا} 1. # قال ابن القيم: أمر الله رسوله صلى الله ms416 عليه وسلم فيهم بثلاثة أشياء: # أحدها: الإعراض عنهم إهانة لهم، وتحقيرا لشأنهم، وتصغيرا لأمرهم لا إعراض ~~متاركة وإهمال، وبهذا يعلم أنها غير منسوخة. # الثاني: قوله: وعظهم وهو تخويفهم عقوبة الله وبأسه ونقمته إن أصروا على ~~التحاكم إلى غير رسوله صلى الله عليه وسلم وما أنزل عليه. # الثالث: قوله: وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، أي: يبلغ تأثيره إلى قلوبهم ~~ليس قولا لينا لا يتأثر به المقول له، وهذه المادة تدل على بلوغ المراد ~~بالقول، فهو قول يبلغ به مراد قائله من الزجر والتخويف ويبلغ تأثيره إلى ~~نفس المقول له، ليس هو كالقول الذي يمر على الأذن صفحا. # وهذا القول البليغ يتضمن ثلاثة أمور: # أحدها: عظم معناه، وتأثر النفوس به. # الثاني: فخامة ألفاظه وجزالتها. # الثالث: كيفية القائل في إلقائه إلى المخاطب فإن القول كالسهم، والقلب ~~كالقوس الذي يدفعه وكالسيف، والقلب كالساعد الذي يضرب به. # وفي متعلق قوله: {في أنفسهم} قولان: # أحدهما: بقوله {بليغا} أي: قولا بليغا في أنفسهم، وهذا حسن من جهة ~~المعنى، ضعيف من جهة الإعراب، لأن صفة الموصوف لا تعمل فيما قبلها. # والقول الثاني: أنه متعلق بقل وفي المعنى على هذا قولان: # أحدهما: قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم بل PageV01P484 # مسرا لهم النصيحة. # والثاني: أن معناه قل لهم في معنى أنفسهم، كما يقال: قل لفلان في كيت ~~وكيت، أي: في ذلك المعنى. # قلت: وهذا القول أحسن. # ثم قال تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله} 1. قال ابن ~~كثير: أي: إنما فرضت طاعته على من أرسله إليهم. وقال ابن القيم: هذا تنبيه ~~على جلالة منصب الرسالة، وعظم شأنها، وأنه سبحانه لم يرسل رسله عليهم ~~الصلاة والسلام إلا ليطاعوا بإذنه، فتكون الطاعة لهم لا لغيرهم، لأن طاعتهم ~~طاعة مرسلهم، وفي ضمنه أن من كذب رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم فقد كذب ~~الرسل. والمعنى أنك واحد منهم تجب طاعتك، وتتعين عليهم كما وجبت طاعة من ~~قبلك من المرسلين، فإن كانوا قد أطاعوهم كما زعموا وآمنوا بهم، ms417 فما لهم لا ~~يطيعونك، ويؤمنون بك؟! والإذن ههنا هو الإذن الأمري لا الكوني، إذ لو كان ~~إذنا كونيا قدريا لما تخلفت طاعتهم، وفي ذكره نكتة وهي أنه بنفس إرساله ~~تتعين طاعته، وإرساله نفسه إذن في طاعته، فلا تتوقف على نص آخر سوى الإرسال ~~بأمر فيه بالطاعة، بل متى تحققت رسالته، وجبت طاعته. فرسالته نفسها متضمنة ~~للإذن في الطاعة. ويصح أن يكون الإذن ههنا إذنا كونيا قدريا، ويكون المعنى: ~~ليطاع بتوفيق الله وهدايته، فتضمن الآية الأمرين الشرع والقدر، ويكون فيها ~~دليل على أن أحدا لا يطيع رسله إلا بتوفيقه وإرشاده وهدايته، وهذا حسن جدا. ~~والمقصود أن الغاية من الرسل هي طاعتهم ومتابعتهم، فإذا كانت الطاعة ~~والمتابعة لغيرهم، لم تحصل الفائدة المقصودة من إرسالهم. # وقوله: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم ~~الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} 2. # قال ابن القيم: لما علم سبحانه أن المرسل إليهم لا بد لهم من ظلم ~~لأنفسهم، واتباع لأهوائهم، أرشدهم إلى ما يدفع عنهم شر ذلك PageV01P485 # الظلم وموجبه، وهو شيئان: # أحدهما: منهم، وهو استغفارهم ربهم عز وجل. # والثاني: من غيرهم وهو استغفار الرسول صلى الله عليه وسلم لهم إذا جاءوه، ~~وانقادوا له، واعترفوا بظلمهم، فمتى فعلوا ذلك وجدوا الله توابا رحيما يتوب ~~عليهم فيمحو أثر سيئاتهم ويقيهم شرها، ويزيدهم مع ذلك رحمته وبره وإحسانه. # فإن قلت: فما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من هذه ~~الآية؟ وهل كلام بعض الناس في دعوى المجيء إلى قبره صلى الله عليه وسلم ~~والاستغفار عنده، والاستشفاع به، والاستدلال بهذه الآية على ذلك صحيح أم ~~لا؟ . # قيل: أما حظ من ظلم نفسه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية ~~فالاستغفار، وأن يتوب إلى الله توبة نصوحا في كل زمان ومكان، ولا يشترط في ~~صحة التوبة المجيء إلى قبره، والاستغفار عنده بالإجماع. وأما المجيء إلى ~~قبره، والاستغفار عنده، والاستشفاع به، والاستدلال بالآية على ذلك، فهو ~~استدلال على ما لا تدل الآية عليه ms418 بوجه من وجوه الدلالات، لأنه ليس في ~~الآية إلا المجيء إليه صلى الله عليه وسلم لا المجيء إلى قبره، واستغفاره ~~لهم، لاستشفاعهم به بعد موته، فعلم أن ذلك باطل، يوضح ذلك أن الصحابة الذين ~~هم أعلم الناس بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ما فهموا هذا من ~~الآية، فعلم أن ذلك بدعة. وأكثر ما استدل به من أجاز ذلك رواية العتبي عن ~~أعرابي مجهول على أن القصة لا نعلم لها إسنادا. ومثل هذا لو كان حديثا، أو ~~أثرا عن صحابي لم يجز الاحتجاج به، ولم يلزمنا حكمه لعدم صحته، فكيف يجوز ~~الاحتجاج في هذا بقصة لا تصح عن بدوي لا يعرف؟!. # ثم قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} 1. # قال ابن القيم: أقسم سبحانه بأجل مقسم به، وهو نفسه عز وجل PageV01P486 # على أنه لا يثبت لهم الإيمان، ولا يكونون من أهله حتى يحكم لرسوله صلى ~~الله عليه وسلم في جميع موارد النزاع، وفي جميع أبواب الدين فإن لفظة "ما" ~~من صيغ العموم، ولم يقتصر على هذا حتى ضم إليه انشراح صدورهم بحكمه، بحيث ~~لا يجدون في أنفسهم حرجا، وهو الضيق والحصر من حكمه، بل يقبلون حكمه ~~بالانشراح، ويقابلونه بالقبول، لا يأخذونه على إغماض، و] لا] 1 يشربونه على ~~قذى، فإن هذا مناف للإيمان، بل لا بد أن يكون أخذه بقبول ورضى، وانشراح ~~صدر. ومتى أراد العبد شاهدا فلينظر في حاله، ويطالع قلبه عند ورود حكمه على ~~خلاف هواه وغرضه، أو على خلاف ما قلد فيه أسلافه من المسائل الكبار وما ~~دونها {بل الأنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره} 2، فسبحان الله! كم من ~~حزازة في نفوس كثير من النصوص، وبودهم أن لو لم ترد، وكم من حرارة في ~~أكبادهم منها، وكم من شجى في حلوقهم من موردها، ثم لم يقتصر سبحانه على ذلك ~~حتى ضم إليه قوله: {ويسلموا تسليما} 3 فذكر الفعل مؤكدا له ms419 بالمصدر القائم ~~مقام ذكره مرتين، وهو الخضوع والانقياد لما حكم به طوعا ورضى وتسليما، لا ~~قهرا أو مصابرة، كما يسلم المقهور لمن قهره كرها، بل تسليم عبد مطيع لمولاه ~~وسيده الذي هو أحب شيء إليه، يعلم أن سعادته وفلاحه في تسليماته. انتهى. # وقد ورد في "الصحيح" أن سبب نزولها قصة الزبير لما اختصم هو والأنصاري في ~~شراج الحرة، ولكن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان سبب ~~نزولها مخاصمة في مسيل ماء قضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقضاء، ~~فلم يرضه الأنصاري، PageV01P487 # فنفى تعالى عنه الإيمان بذلك، فما ظنك بمن لم يرض بقضائه صلى الله عليه ~~وسلم وأحكامه في أصول الدين وفروعه؟! بل إذا دعوا إلى ذلك تولوا وهم ~~معرضون، ولم يكفهم ذلك حتى صدوا الناس عنه، ولم يكفهم ذلك حتى كفروا، أو ~~بدعوا من اتبعه صلى الله عليه وسلم وحكمه في أصول الدين وفروعه، ورضي بحكمه ~~في ذلك، ولم يبغ عنه حولا. # وقوله تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ~~ما فعلوه إلا قليل منهم} 1.المعنى والله أعلم أي: لو أوجبنا عليهم مثل ما ~~أوجبنا على بني إسرائيل من قتلهم أنفسهم، أو خروجهم من ديارهم حين استتيبوا ~~من عبادة العجل {ما فعلوه إلا قليل منهم} 2. وهذا توبيخ لمن لم يحكم الرسول ~~صلى الله عليه وسلم في موارد الشجار، أي: نحن لم نكتب عليهم ذلك، بل إنما ~~أوجبنا عليهم ما في وسعهم، فما لهم لا يحكمونك، ولا يرضون بحكمك؟! . # ثم قال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ~~وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما} 3. # قال ابن القيم: "أخبر تعالى أنهم لو فعلوا ما يعظهم به، وهو أمره ونهيه ~~المقرون بوعده ووعيده لكان فعل أمره، وترك نهيه خيرا لهم في دينهم ودنياهم، ~~وأشد تثبيتا لهم على الحق، وتحقيقا لإيمانهم، وقوة لعزائمهم وإراداتهم، ~~وثباتا لقلوبهم عند جيوش الباطل، وعند واردات الشبهات المضلة، والشهوات ~~المردية. فطاعة الله ms420 تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم هي سبب ثبات القلب، ~~وقوته قوة عزائمه وإراداته، ونفاذ بصيرته، وهذا دليل على أن طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم تثمر الهداية، وثبات القلب عليها، ومخالفته تثمر زيغ ~~القلب، واضطرابه، وعدم ثباته". # ثم قال تعالى: {وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم PageV01P488 # صراطا مستقيما} 1، فهذه أربعة أنواع من الجزاء المرتب على طاعة الرسول ~~صلى الله عليه وسلم: # أحدها: حصول الخير المطلق بها. # الثاني: التثبت والقوة المتضمن للنصر والغلبة. # والثالث: حصول الأجر العظيم لهم في الآخرة. # والرابع: هدايتهم الصراط المستقيم. وهذه الهداية هي هداية ثانية أوجبتها ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فطاعته صلى الله عليه وسلم ثمرة الهداية ~~السابقة عليها فهي محفوفة بهدايتين: هداية قبلها وهي سبب الطاعة، وهداية ~~بعدها هي ثمرة لها، وهذا يدل على انتفاء هذه الأمور الأربعة عند انتفاء ~~طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا} 2. # قال ابن القيم: "فأخبر سبحانه أن طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم ~~توجب مرافقة المنعم عليهم، وهم أهل السعادة الكاملة، وهم أربعة أصناف: ~~النبيون وهم أفضلهم ثم الصديقون وهم بعدهم في الدرجة، ثم الشهداء، ثم ~~الصالحون فهؤلاء المنعم عليهم النعمة التامة وهم السعداء الفائزون، ولا ~~فلاح لأحد إلا بموافقتهم، والكون معهم، ولا سبيل إلى مرافقتهم إلا بطاعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ولا سبيل إليها إلا بمعرفة سنته وما جاء به فدل ~~على أن من عدم العلم بسنته وما جاء به، فليس له إلى مرافقة هؤلاء سبيل، بل ~~هو ممن يعض على يديه يوم القيامة، ويقول: {يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا} ~~، [الفرقان، من الآية: 27] ". # قلت: ما لمن لم يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع إلى ~~مرافقة هؤلاء المنعم عليهم سبيل، وكيف يكون له سبيل إلى ذلك، وعنده أن من ~~حكم الرسول صلى الله عليه وسلم في موارد النزاع، فهو إما ms421 زنديق أو مبتدع، ~~وأنى له بطاعة الله ورسوله، وهذا أصل اعتقاده الذي بنى عليه دينه، ومع ذلك ~~{ويحسبون أنهم مهتدون} إذا حكموا غير الرسول صلى الله عليه وسلم ونبذوا ~~حكمه {وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} . PageV01P489 # قال المصنف وقوله: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها} 1. # قال أبو بكر بن عياش في الآية: "إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى أهل الأرض، وهم في فساد فأصلحهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم فمن دعا ~~إلى خلاف ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فهو من المفسدين في الأرض". ~~وقال ابن القيم: "قال أكثر المفسرين: لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى ~~غير طاعة الله بعد إصلاح الله إياها ببعث الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء ~~إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله، والدعوة إلى غيره، والشرك به هو أعظم ~~فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو بالشرك به، ومخالفة أمره. ~~فالشرك والدعوة إلى غير الله، وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلا ~~أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع ~~لرسوله ليس إلا. # وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا أمر ~~بمعصيته وخلاف شريعته، فلا سمع له ولا طاعة، ومن تدبر أحوال العالم، وجد كل ~~صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته، وطاعة رسوله، وكل شر في العالم، ~~وفتنة وبلاء، وقحط وتسليط عدو وغير ذلك، فسببه مخالفة رسوله، والدعوة إلى ~~غير الله ورسوله". انتهى. # وبهذا يتبين وجه مطابقة الآية للترجمة، لأن من يدعو إلى التحاكم إلى غير ~~ما أنزل الله وإلى الرسول، فقد أتى بأعظم الفساد. # قال وقوله: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون} 2. # قال أبو العالية في الآية "يعني: لا تعصوا في الأرض، وكان فسادهم ذلك ~~معصية لله، لأن من عصى الله في الأرض، أو أمر بمعصية ms422 الله، فقد أفسد في ~~الأرض، لأن صلاح الأرض والسماء PageV01P490 # بالطاعة. قلت: ومطابقة الآية للترجمة ظاهر، لأن من دعا إلى التحاكم إلى ~~غير ما أنزل الله، فقد أتى بأعظم الفساد. وفي الآية دليل على وجوب إطراح ~~الرأي مع السنة، وإن ادعى صاحبه أنه مصلح، وأن دعوى الإصلاح ليس بعذر في ~~ترك ما أنزل الله، والحذر من العجب بالرأي. # قال: {أفحكم الجاهلية يبغون ... } 1. # قال ابن كثير: "ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل ~~خير وعدل، الناهي عن كل شر إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات ~~التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله كما كان أهل الجاهلية يحكمون به ~~من الضلالات والجهالات، كما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن ~~جنكزخان الذي وضع لهم كتابا مجموعا من أحكام اقتبسها من شرائع شتى من الملة ~~الإسلامية وغيرها، وفيها كثير من الأحكام أخذها عن مجرد نظره، فصار في بنيه ~~شرعا يقدمونه على الحكم بالكتاب والسنة، ومن فعل ذلك، فهو كافر يجب قتاله ~~حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير، قال تعالى: ~~{أفحكم الجاهلية يبغون} 2 أي: يريدون. {ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ~~3 أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه، وآمن وأيقن، وعلم ~~أنه تعالى أحكم الحاكمين، وأرحم بعباده من الوالدة بولدها فإنه تعالى ~~العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. # قلت وفي الآية إشارة إلى أن من ابتغى غير حكم الله ورسوله، فقد ابتغى حكم ~~الجاهلية كائنا ما كان. # [لا يؤمن العبد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول] # قال: عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". قال النووي: حديث صحيح رويناه في ~~كتاب "الحجة" بإسناد صحيح. PageV01P491 # ش: هذا الحديث رواه الشيخ أبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي في ~~كتاب "الحجة على ms423 تارك المحجة" بإسناد صحيح كما قال المصنف عن النووي، وهو ~~كتاب يتضمن ذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة. ورواه الطبراني ~~وأبو بكر بن [أبي] عاصم، والحافظ أبو نعيم في "الأربعين" التي شرط في أولها ~~أن تكون من صحاح الأخبار. # وقال ابن رجب: "تصحيح هذا الحديث بعيدا جدا من وجوه ... " ذكرها، وتعقبه ~~بعضهم. # قلت: ومعناه صحيح قطعا وإن لم يصح إسناده. وأصله في القرآن كثير كقوله ~~تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} 1. # وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم ~~الخيرة من أمرهم} 2. وقوله: {فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون ~~أهواءهم} 3. وغير ذلك من الآيات، فلا يضر عدم صحة إسناده. # قوله: "لا يؤمن أحدكم"، أي: لا يحصل له الإيمان الواجب ولا يكون من أهله. # قوله: "حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". قال بعضهم: هواه بالقصر، أي: ما ~~يهواه، أي: تحبه نفسه وتميل إليه، ثم المعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق ~~أنه الميل إلى خلاف الحق ومنه {ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} 4. وقد ~~يطلق على الميل والمحبة ليشمل الميل للحق وغيره، وربما استعمل في محبة الحق ~~خاصة، والانقياد إليه، كما في حديث صفوان بن عسال أنه سئل هل سمعت النبي ~~صلى الله عليه وسلم يذكر الهوى. الحديث. # قال ابن رجب: "أما معنى الحديث، فهو أن الإنسان لا يكون PageV01P492 # مؤمنا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول صلى ~~الله عليه وسلم من الأوامر والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به ويكره ما نهى ~~عنه. وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع، وذم سبحانه من كره ما أحبه الله ~~تعالى، أو أحب ما كره الله كما قال: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم} 1. وقال: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط ~~أعمالهم} 2. فالواجب على كل مؤمن أن يحب ما أحبه الله محبة توجب له الإتيان ~~بما وجب عليه منه، فإن ms424 زادت المحبة حتى أتى بما ندب إليه منه كان ذلك فضلا. ~~وأن يكره ما كرهه الله كراهة توجب له الكف عما حرم عليه منه، فازدادت ~~الكراهة حتى أوجبت الكف عما كرهه تنزيها كان ذلك فضلا. # فمن أحب الله ورسوله محبة صادقة من قلبه، أوجب ذلك له أن يحب بقلبه ما ~~يحبه الله ورسوله ويكره ما يكرهه الله ورسوله. ويرضى بما يرضى به الله ~~ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب ~~والبغض. # فإن عمل بجوارحه شيئا يخالف ذلك، بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ~~ترك بعض ما يحبه الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته ~~الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة. فجميع ~~المعاصي تنشأ من تقديم هوى النفس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله ~~المشركين باتباع الهوى في مواضع من كتابه فقال تعالى: {فإن لم يستجيبوا لك ~~فاعلم أنما يتبعون أهواءهم} 3، وكذلك البدع إنما تنشأ من تقديم الهوى على ~~الشرع، ولهذا سمي أهلها أهل الأهواء، وكذلك المعاصي إنما تقع من تقديم ~~الهوى على محبة الله ومحبة ما يحبه الله وكذلك حب الأشخاص الواجب فيه أن ~~يكون تبعا لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فيجب على المؤمن محبة ما ~~يحبه الله من PageV01P493 # الملائكة والرسل والصديقين، والأنبياء والشهداء والصالحين عموما. ولهذا ~~كان علامة وجود حلاوة الإيمان "أن يحب المرء لا يحبه إلا لله" 1. وتحرم ~~موالاة أعداء الله ومن يكرهه الله عموما، وبهذا يكون الدين كله لله. و "من ~~أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان". ومن كان ~~حبه، وبغضه، وعطاؤه، ومنعه لهوى نفسه، كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب، فتجب ~~عليه التوبة من ذلك، والرجوع إلى اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه ~~وسلم من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النفس ~~ومرادها. انتهى ملخصا. # ومطابقة الحديث للباب ظاهرة من جهة أن الرجل لا ms425 يؤمن حتى يكون هواه تبعا ~~لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء حتى في الحكم وغيره. فإذا ~~حكم بحكم أو قضى بقضاء، فهو الحق الذي لا محيد للمؤمن عنه، ولا اختيار له ~~بعده. # قال المصنف: وقال الشعبي: "كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود ~~خصومة فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال ~~المنافق: نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا على أن ~~يأتيا كاهنا في جهينة فيتحاكما إليه فنزلت: {ألم تر إلى الذين يزعمون ... } ~~2. # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير، وابن المنذر بنحوه. # قوله: "كان بين رجل من المنافقين، ورجل من اليهود خصومة"، لم أقف على ~~تسمية هذين الرجلين، وقد روى ابن إسحاق وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال: ~~كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد وبشير، كانوا ~~يدعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية فأنزل الله ~~فيهم: {ألم تر إلى الذين يزعمون ... } 3 الآية. فيحتمل أن يكون المنافق ~~PageV01P494 # المذكور في قصة الشعبي أحد هؤلاء، بل روى الثعلبي عن ابن عباس أن المنافق ~~اسمه بشير. # قوله: "عرف أنه لا يأخذ الرشوة"، هي بتثليث الراء قال أبو السعادات: وهو ~~الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء، ~~والراشي: من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي: الآخذ. # قلت: فعلى هذا رشوة الحاكم هي ما يعطاه ليحكم بالباطل، سواء طلبها أم لا. ~~وفيه دليل على شهادة أن محمدا رسول الله، لأن أعداءه يعلمون عدله في ~~الأحكام، ونزاهته عن قذر الرشوة صلى الله عليه وسلم بخلاف حكام الباطل. # قوله: "فاتفقا على أن يأتيا كاهنا في جهينة". لم أقف على تسمية هذا ~~الكاهن، وفي قصة رواها ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن السدي في سبب نزول ~~الآية قال: فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم من قريظة، وقالت ~~قريظة: ms426 نحن أكرم منكم، فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الأسلمي وذكر القصة. # قال المصنف: وقيل: ونزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر فذكر ~~له أحدهما القصة. فقال للذي لم يرض برسول الله صلى الله عليه وسلم أكذلك؟ ~~قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله. # ش: هذه القصة قد رويت من طرق متعددة من أقربها لسياق المصنف ما رواه ~~الثعلبي وذكره البغوي عن ابن عباس في قوله: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ~~آمنوا ... } 1. قال: نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشير خاصم يهوديا ~~فدعاه اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه المنافق إلى كعب بن ~~الأشرف، ثم إنهما احتكما للنبي صلى الله عليه وسلم فقضى لليهودي فلم يرض ~~المنافق، وقال: PageV01P495 # تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلم يرض بقضائه. فقال للمنافق: أكذلك؟ قال نعم، فقال عمر: ~~مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر فاشتمل على سيفه، ثم خرج فضرب عنق ~~المنافق حتى برد، ثم قال: هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت. # وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، هذه القصة عن مكحول وقال في ~~آخرها: فأتى جبريل عليه السلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن عمر ~~قد قتل الرجل، وفرق الله بين الحق والباطل على لسان عمر، فسمي الفاروق. ~~ورواه أبو إسحاق بن دحيم في تفسيره على ما ذكره شيخ الإسلام، وابن كثير، ~~ورواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود، وذكر ~~القصة، وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما كنت أظن أن يجترئ عمر ~~على قتل مؤمن" فأنزل الله {فلا وربك لا يؤمنون ... } الآية،1 فهدر دم ذلك ~~الرجل وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال: {ولو أنا كتبنا ~~عليهم أن اقتلوا أنفسكم.. .} 2 إلى قوله: {وأشد تثبيتا} 3. # وبالجملة ms427 فهذه القصة مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن ~~الإسناد، ولها طرق كثيرة، ولا يضرها ضعف إسنادها. # وكعب بن الأشرف المذكور هنا هو طاغوت من رؤساء اليهود وعلمائهم، ذكر ابن ~~إسحاق وغيره أنه كان موادعا للنبي صلى الله عليه وسلم في جملة من وادعه من ~~يهود المدينة، وكان عربيا من بني طيئ وكانت أمه من بني النضير قالوا: فلما ~~قتل أهل بدر، شق ذلك عليه، وذهب إلى مكة ورثاهم لقريش، وفضل دين الجاهلية ~~على دين الإسلام حتى أنزل الله فيه: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من ~~الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين ~~آمنوا سبيلا} 4. ثم لما رجع إلى المدينة أخذ ينشد الأشعار يهجو بها ~~PageV01P496 # رسول الله صلى الله عليه وسلم وشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم حتى قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "من لكعب بن الأشرف، فإنه قد آذى الله ورسوله" 1 ~~وذكر قصة قتله، وقتله محمد بن مسلمة، وأبو نائلة وأبو عبس بن جبير، وعباد ~~بن بشر رضي الله عنهم. # وفي القصة من الفوائد: أن الدعاء إلى تحكيم غير الله ورسوله من صفات ~~المنافقين، ولو كان الدعاء إلى تحكيم إمام فاضل، ومعرفة أعداء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بما كان عليه من العلم والعدل في الأحكام. # وفيها الغضب لله تعالى، والشدة في أمر الله كما فعل عمررضي الله عنه. # وفيها أن من طعن في أحكام النبي صلى الله عليه وسلم أو في شيء من دينه ~~قتل كهذا المنافق بل أولى. # وفيها جواز تغيير المنكر باليد، وإن لم يأذن فيه الإمام، وكذلك تعزير من ~~فعل شيئا من المنكرات التي يستحق عليها التعزير. لكن إذا كان الإمام لا ~~يرضى بذلك، وربما أدى إلى وقوع فرقة أو فتنة فيشترط إذنه في التعزير فقط. # وفيها أن معرفة الحق لا تكفي عن العمل والانقياد، فإن اليهود يعلمون أن ~~محمدا رسول الله ويتحاكمون إليه في كثير من الأمور. PageV01P497 # [34 ### | - باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات] # أي: ms428 من أسماء الله وصفاته، والمراد ما حكمه هل هو ناج أو هالك؟ ولما كان ~~تحقيق التوحيد بل التوحيد لا يحصل إلا بالإيمان بالله والإيمان بأسمائه ~~وصفاته، نبه المصنف على وجوب الإيمان بذلك وأيضا فالتوحيد ثلاثة أنواع: ~~توحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، وتوحيد العبادة. والأولان وسيلة ~~إلى الثالث، فهو الغاية والحكمة المقصود بالخلق والأمر. وكلها متلازمة ~~فناسب التنبيه على الإيمان بتوحيد الصفات. # قال: وقول الله تعالى: {وهم يكفرون بالرحمن ... } 1. أي: يجحدون هذا ~~الاسم، لا أنهم يجحدون الله، فإنهم يقرون PageV01P497 # به كما قال تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} 1. والمراد بهذا ~~كفار قريش أو طائفة منهم، فإنهم جحدوا هذا الاسم عنادا أو جهلا، ولهذا لما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي يوم الحديبية: "اكتب: {بسم الله الرحمن ~~الرحيم} . فقالوا: لا نعرف الرحمن ولا الرحيم، وفي بعض الروايات لا نعرف ~~الرحمن إلا رحمن اليمامة" 2. يعنون مسيلمة الكذاب، فإنه قبحه الله كان قد ~~تسمى بهذا الاسم. وأما كثير من أهل الجاهلية فيقرون بهذا الاسم كما قال ~~بعضهم: # وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق # قال ابن كثير: {وهم يكفرون بالرحمن} 3، أي: لا يقرون به، لأنهم يأبون من ~~وصف الله بالرحمن الرحيم. # ومطابقة الآية للترجمة ظاهرة، لأن الله تعالى سمى جحود اسم من أسمائه ~~كفرا، فدل على أن جحود شيء من أسماء الله وصفاته كفر، فمن جحد شيئا من ~~أسماء الله وصفاته من الفلاسفة، والجهمية والمعتزلة ونحوهم، فله نصيب من ~~الكفر بقدر ما جحد من الاسم أو الصفة، فإن الجهمية والمعتزلة ونحوهم، وإن ~~كانوا يقرون بجنس الأسماء والصفات فعند التحقيق لا يقرون بشيء، لأن الأسماء ~~عندهم أعلام محضة، لا تدل على صفات قائمة بالرب تبارك وتعالى وهذا نصف كفر ~~الذين جحدوا اسم الرحمن. # وقوله: {قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب} 4. أي: قل يا ~~محمد رادا عليهم في كفرهم بالرحمن تبارك وتعالى هو أي: الرحمن عز وجل {ربي ~~لا إله إلا هو} 5، أي: لا معبود سواه {عليه توكلت وإليه متاب} 6، أي: ms429 إليه ~~مرجعي وأوبتي، وهو مصدر من قول القائل: تبت متابا وتوبة، قاله ابن جرير. ~~وفي الآية دليل على أن التوكل عبادة، وعلى أن التوبة عبادة، PageV01P498 # وإذا كان كذلك فالتوبة إلى غيره شرك. ولما "قال سارق وقد قطعت يده للنبي ~~صلى الله عليه وسلم اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم عرف الحق لأهله" 1. رواه أحمد. # قال: وفي "صحيح البخاري" "قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن ~~يكذب الله ورسوله؟ " # ش: هذا الأثر رواه البخاري مسندا لا معلقا لكنه في بعض الروايات علقه ~~أولا ثم ذكر إسناده، وفي بعضها ساق إسناده أولا فرواه عن عبيد الله بن موسى ~~عن معروف بن خربوذ عن أبي الطفيل عن علي به ولفظه: "أتحبون أن يكذب الله ~~ورسوله". # قوله: "بما يعرفون". أي: بما يفهمون. قال الحافظ: وزاد آدم ابن أبي إياس ~~في كتاب "العلم" له عن عبد الله بن داود عن معروف في آخره: ودعوا ما ~~ينكرون. أي: ما يشتبه عليهم فهمه. قال: وفيه دليل على أن المتشابه لا ينبغي ~~أن يذكر عند العامة. ومثله قول ابن مسعود: " ما أنت محدث قوما حديثا لا ~~تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة". رواه مسلم قال: وممن رأى التحديث ببعض ~~دون بعض أحمد في الأحاديث التي ظاهرها الخروج على السلطان ومالك في أحاديث ~~الصفات، وأبو يوسف في "الغرائب" ومن قبلهم أبو هريرة كما تقدم عنه في ~~الجرابين وأن المراد ما يقع من الفتن، ونحوه عن حذيفة. # وعن الحسن أنه أنكر تحديث أنس للحجاج بقصة العرنيين، لأنه اتخذها وسيلة ~~إلى ما كان يعتمده من المبالغة في سفك الدماء بتأويله الواهي، وضابط ذلك أن ~~يكون ظاهر الحديث يقوي البدعة، وظاهره في الأصل غير مراد فالإمساك عنه عند ~~من يخشى PageV01P499 # عليه الأخذ بظاهره مطلوب انتهى. # وما ذكره عن مالك في أحاديث الصفات ما أظنه يثبت عن مالك، وهل في أحاديث ~~الصفات أكثر من آيات الصفات التي في القرآن؟ فهل يقول مالك أو غيره ms430 من ~~علماء الإسلام: إن آيات الصفات لا تتلى على العوام، وما زال العلماء قديما ~~وحديثا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم يقرؤون آيات الصفات، ~~وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين وخواصهم، بل شرط الإيمان هو الإيمان بالله، ~~وصفات كماله التي وصف بها نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه ~~وسلم فكيف يكتم ذلك عن عوام المؤمنين؟! بل نقول: من لم يؤمن بذلك فليس من ~~المؤمنين، ومن وجد في قلبه حرجا من ذلك، فهو من المنافقين. # ولكن هذا من بدع الجهمية وأتباعهم الذين ينفون صفات الرب تبارك وتعالى، ~~فلما رووا أحاديث الصفات مبطلة لمذاهبهم، قامعة لبدعهم تواصوا بكتمانها عن ~~عوام المؤمنين، لئلا يعلموا ضلالهم، وفساد اعتقادهم فاعلم ذلك. # وفي الأثر دليل على أنه إذا خشي ضرر من تحديث الناس ببعض ما يعرفون فلا ~~ينبغي تحديثهم به، وليس ذلك على إطلاق، وإن كثيرا من الدين والسنن يجهله ~~الناس، فإذا حدثوا به كذبوا بذلك وأعظموه، فلا يترك العالم تحديثهم، بل ~~يعلمهم برفق ويدعوهم بالتي هي أحسن. # PageV01P500 # قال: وروى عبد الرزاق عن معمر عن [ابن] طاوس عن أبيه "عن ابن عباس أنه ~~رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات ~~استنكارا لذلك فقال: ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند ~~متشابهه". انتهى. # ش: قوله: "روى عبد الرزاق هو ابن همام الصنعاني"، الإمام الحافظ صاحب ~~التصانيف ك: "المصنف" وغيره. روى عنه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وخلق لا ~~يحصون مات سنة إحدى عشرة ومائتين. # ومعمر هو ابن راشد الأزدي أبو عروة البصري، نزل اليمن، ثقة ثبت، مات سنة ~~أربع وخمسين ومائة، وله ثمان وخمسون سنة. # وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس اليماني، ثقة فاضل عابد، مات سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة. وأبوه طاوس بن كيسان اليماني ثقة فقيه فاضل من جلة أصحاب ~~ابن عباس وعلمائهم، مات سنة ست ومائة. # قوله: "إنه رأى رجلا". لم يسم هذا الرجل. # قوله: "انتفض"، أي: ارتعد لما ms431 سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~فاستنكره، إما لأن عقله لا يحتمله، أو لكونه اعتقد عدم صحته فأنكره. # قوله: "فقال"، أي: ابن عباس وهو عبد اللهرضي الله عنه. # قوله: "ما فرق هؤلاء". يحتمل وجهين: # أحدهما: أن تكون "ما" استفهامية إنكارية. وفرق بفتح الفاء والراء وهو ~~الخوف والفزع، أي: ما فزع هذا وأضرابه من أحاديث الصفات واستنكارهم لها؟ ~~والمراد الإنكار عليهم، فإن الواجب على # PageV01P501 # العبد التسليم والإذعان والإيمان بما صح عن الله وعن رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وإن لم يحط به علما. ولهذا قال الشافعي: "آمنت بالله، وبما جاء عن ~~الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وما جاء عن رسول الله على مراد رسول ~~الله". # والثاني: أن يكون بفتح الفاء وتشديد الراء، ويجوز تخفيفها. و "ما" نافية ~~أي: ما فرق هذا وأضرابه بين الحق والباطل، ولا عرفوا ذلك، فلهذا قال: يجدون ~~رقة وهي ضد القسوة، أي: لينا وقبولا للمحكم، ويهلكون عند متشابهه، أي: ما ~~يشتبه عليهم فهمه، لأن آيات الصفات هي المتشابه كما تقوله الجهمية ونحوهم، ~~ولأن في القرآن متشابها لا يعرف معناه كالألفاظ الأعجمية، فإن لفظ التشابه ~~والمتشابه يدلان على بطلان ذلك، وإنما المراد بالمتشابه، أي: ما يشتبه فهمه ~~على بعض الناس دون بعض، فالمتشابه أمر نسبي إضافي، فقد يكون مشتبها بالنسبة ~~إلى قوم بينا جليا بالنسبة إلى آخرين. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما خرج على قوم يتراجعون في القرآن فغضب وقال: "بهذا ضلت الأمم قبلكم; ~~باختلافهم على أنبيائهم، وضرب الكتاب بعضه ببعض، وإن القرآن لم ينزل ليكذب ~~بعضه بعضا، ولكن نزل لأن يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما ~~تشابه عليكم فآمنوا به" 1. رواه ابن سعد، وابن الضريس وابن مردويه. # وأما قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم ~~الكتاب وأخر متشابهات} 2. فقال ابن كثير: يخبر تعالى أن في القرآن آيات ~~محكمات، أي: بينات واضحات الدلالة لا التباس فيها على أحد، ومنه آيات أخر ~~فيها اشتباه ms432 في الدلالة على كثير من الناس أو بعضهم. فمن رد ما اشتبه عليه ~~إلى الواضح منه، وحكم محكمه على متشابهه عنده فقد اهتدى، ومن عكس انعكس، ~~ولهذا قال: {هن أم الكتاب} 3، أي: أصله الذي يرجع إليه عند الاشتباه {وأخر ~~متشابهات} 4، أي: تحتمل دلالتها موافقة المحكم، وقد PageV01P502 # تحتمل أشياء أخرى من حيث اللفظ والتركيب لا من حيث المراد، ولهذا قال ~~تعالى: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} 1، أي: ضلال، وخروج عن الحق إلى الباطل ~~{فيتبعون ما تشابه منه} ، أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن ~~يحرفوه إلى مقاصدهم الفاسدة، وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه. فأما ~~الحكم، فلا نصيب لهم فيه، لأنه دافع لهم، وحجة عليهم، ولهذا قال: {ابتغاء ~~الفتنة} 2، أي: الإضلال لأتباعهم، إيهاما لهم أنهم يحتجون على بدعتهم ~~بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم. انتهى. # وقال ابن عباس: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} 3، يعني أهل الشك، فيحملون ~~المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون، فلبس الله عليهم {وما ~~يعلم تأويله إلا الله} 4. قال: تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله. رواه ~~ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وقوله: {وما يعلم تأويله إلا الله} ~~5. تقدم كلام ابن عباس. وقال مقاتل والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون، وما ~~عواقب الأشياء من القرآن. # قلت: فهذا التأويل الذي انفرد الله بعلمه هو العلم بحقائق الأشياء وما ~~تؤول إليه وعواقبها، كالإخبار بما يكون، وما في الجنة من النعيم، وما في ~~النار من العذاب; فإن هذه الأمور وإن علمناها لكن العلم بحقائقها مما لا ~~يعلمه إلا الله. ولهذا قال ابن عباس: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا ~~الأسماء. فعلى هذا يكون الوقف على الجلالة كما روي عن جماعة من السلف، ~~وقيل: الوقف على قوله: {والراسخون في العلم} 6، أي: وما يعلم تأويله إلا ~~الله والراسخون في العلم. فأما أهل الزيغ فلا يعلمون تأويله، وعلى هذا ~~فالمراد بتأويله هو تفسيره وفهم معناه، وهذا هو المروي عن ابن عباس وجماعة ~~من السلف. قال ابن أبي نجيح عن ms433 مجاهد عن "ابن عباس: أنا من الراسخين الذين ~~يعلمون تأويله". وقال مجاهد: {والراسخون في العلم} 7، يعرفون تأويله. ~~ويقولون: آمنا به، وكذا قال الربيع بن أنس وغيره. PageV01P503 # فقد تبين ولله الحمد أنه ليس في الآية حجة للمبطلين في جعلهم ما أخبر ~~الله به من صفات كماله هو المتشابه، ويحتجون على باطلهم بهذه الآية، فيقال: ~~وأين في الآية ما يدل على مطلوبكم؟ وهل جاء نص عن الله أو عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه جعل ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله متشابها؟! ~~ولكن أصل ذلك أنهم ظنوا أن التأويل المراد في الآية هو صرف اللفظ عن ظاهره ~~إلى ما يحتمله اللفظ لدليل يقترن بذلك، وهذا هو اصطلاح كثير من المتأخرين، ~~وهو اصطلاح حادث، فأرادوا حمل كلام الله على هذا الاصطلاح فضلوا ضلالا ~~بعيدا، وظنوا أن لنصوص الصفات تأويلا يخالف ما دلت عليه، لا يعلمه إلا الله ~~كما يقوله أهل التجهيل، أو يعلمه المتأولون كما يقوله أهل التأويل. وفي ~~الأثر المشروح دليل على ذكر آيات الصفات، وأحاديثها بحضرة عوام المؤمنين ~~وخواصهم، وأن من رد شيئا منها أو استنكره بعد صحته، فهو ممن لم يفرق بين ~~الحق والباطل، بل هو من الهالكين وأنه ينكر عليه استنكاره. # قال: ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ~~ذلك فأنزل الله: {وهم يكفرون بالرحمن} 1. # ش: هكذا ذكر المصنف هذا الأثر بالمعنى، وقد روى ابن جرير وابن المنذر عن ~~ابن جريج [عن مجاهد] في الآية، قال: هذا "لما كاتب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قريشا في الحديبية، كتب: {بسم الله الرحمن الرحيم} . فقالوا: لا نكتب ~~الرحمن، ولا ندري ما الرحمن، ولا نكتب إلا باسمك اللهم، فأنزل الله {وهم ~~يكفرون بالرحمن} ". # وفيه دليل على أن من أنكر شيئا من الصفات، فهو من الهالكين، لأن الواجب ~~على العبد الإيمان بذلك، سواء فهمه أم لم يفهمه، وسواء قبله عقله أو أنكره. ~~فهذا هو الواجب على العبد في كل ما صح عن ms434 الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ~~وهو الذي ذكر الله تعالى عن الراسخين في العلم أنهم {يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا} 2. PageV01P504 # [35 ### $ - باب قول الله تعالى: {يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها ... } 1] # ش: المراد بهذه الترجمة التأدب مع جناب الربوبية عن الألفاظ الشركية ~~الخفية، كنسبة النعم إلى غير الله، فإن ذلك باب من أبواب الشرك الخفي، وضده ~~باب من أبواب الشكر كما في الحديث الذي رواه ابن حبان في "صحيحه" عن جابر ~~مرفوعا: "من أولي معروفا فلم يجد له جزاء إلا الثناء فقد شكره، ومن كتمه ~~فقد كفره" 2. وفي رواية جيدة لأبي داود "من أبلي فذكره فقد شكره، ومن كتمه ~~فقد كفره" 3. قال المنذري "من أبلي" أي: من أنعم عليه، الإبلاء الإنعام. ~~فإذا كان ذكر المعروف الذي يقدره الله على يدي إنسان من شكره، فذكر معروف ~~رب العالمين، وآلائه وإحسانه ونسبة ذلك إليه أولى بأن يكون شكرا. # قال المصنف: قال مجاهد ما معناه: هو "قول الرجل: هذا مالي ورثته عن ~~آبائي". # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، ولفظه كما في "الدر" قال: ~~المساكن والأنعام وسرابيل الثياب، والحديد يعرفه كفار قريش ثم ينكرونه بأن ~~يقولوا: هذا كان لآبائنا ورثناه عنهم. # قال ابن القيم "ما معناه: لما أضافوا النعمة إلى غير الله فقد أنكروا ~~نعمة الله بنسبتها إلى غيره، فإن الذي يقول هذا جاحد لنعمة الله عليه غير ~~معترف بها، وهو كالأبرص والأقرع اللذين ذكرهما الملك بنعم الله عليهما ~~فأنكراها وقالا: إنما ورثنا هذا كابرا عن كابر، وكونها موروثة عن الآباء ~~أبلغ في إنعام الله عليهم إذ أنعم بها على آبائهم ثم ورثهم إياها فتمتعوا ~~هم وآباؤهم بنعمه". # وقال عون بن عبد الله: "يقولون: لولا فلان لم يكن كذا". PageV01P505 # ش: هذا الأثر رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم ولفظه كما في ~~"الدر" "لولا فلان ما أصابني كذا وكذا، ولولا فلان لم أصب كذا وكذا". # وعون هذا هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي أبو ms435 عبد الله الكوفي ~~ثقة عابد مات قبل سنة عشرين ومائة. # قوله: "لولا فلان ... "، إلى آخره. قال ابن القيم ما معناه: هذا يتضمن ~~قطع إضافة النعمة عن من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لم يملك لنفسه ضرا ~~ولا نفعا فضلا عن غيره، وغايته أن يكون جزءا من أجزاء السبب أجرى الله ~~نعمته على يده، والسبب لا يستقل بالإيجاد وجعله سببا هو من نعم الله عليه. ~~فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب ~~من إنعامه، وهو تعالى كما أنه قد ينعم بذلك السبب، فقد ينعم بدونه ولا يكون ~~له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضا يقاومها، وقد يرتب على ~~السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة. # قال: وقال ابن قتيبة: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا". # ش: ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري الحافظ، صاحب ~~التفسير والمعارف وغيرها. وثقه الخطيب وغيره، مات سنة سبع وستين ومائتين. ~~أو قبلها. # قوله: "يقولون هذا بشفاعة آلهتنا"، قال ابن القيم: هذا يتضمن الشرك مع ~~إضافة النعمة إلى غير وليها، فالآلهة التي تعبد من دون الله أحقر وأذل من ~~أن تشفع عند الله، وهي محضرة في الهوان والعذاب مع عابديها وأقرب الخلق إلى ~~الله، وأحبهم إليه لا يشفع عنده إلا من بعد إذنه لمن ارتضاه; # PageV01P506 # فالشفاعة بإذنه من نعمه، فهو المنعم بالشفاعة، وهو المنعم بقبولها، وهو ~~المنع بتأهيل المشفع له، إذ ليس كل أحد أهلا أن يشفع له. فمن المنعم على ~~الحقيقة سواه؟ قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله} 1. فالعبد لا خروج له ~~عن نعمة الله وفضله ومنته وإحسانه طرفة عين، لا في الدنيا ولا في الآخرة، ~~ولهذا ذم سبحانه وتعالى من آتاه شيئا من نعمه ف {قال إنما أوتيته على علم ~~عندي} 2. # قال المصنف: وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله ~~تعالى قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر ... " 3 الحديث. وقد تقدم وهذا ~~كثير في الكتاب والسنة، ms436 يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال ~~بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، ونحو ذلك مما هو ~~جار على ألسنة كثير. # ش: قوله: "وقال أبو العباس"، هو: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. # قوله: "قال بعض السلف"، لم أقف على تسمية هذا البعض. # قوله: "كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا"، الملاح: هو سائس السفينة. # والمعنى أن السفن إذا جرين بريح طيبة بأمر الله جريا حسنا نسبوا ذلك إلى ~~طيب الريح، وحذق الملاح في سياسة السفينة، ونسوا ربهم الذي أجرى لهم الفلك ~~في البحر رحمة بهم كما قال تعالى: {ربكم الذي يزجي لكم الفلك في البحر ~~لتبتغوا من فضله إنه كان بكم رحيما} 4. فيكون نسبة ذلك إلى طيب الريح وحذق ~~الملاح من جنس نسبة المطر إلى الأنواء. وإن كان المتكلم بذلك لم يقصد أن ~~الريح والملاح هو الفاعل لذلك من دون خلق الله وأمره وإنما أراد أنه سبب. ~~لكن لا ينبغي أن يضيف ذلك إلا إلى الله وحده; لأن غاية الأمر في ذلك أن ~~يكون الريح والملاح سببا، أو جزء سبب. ولو شاء الرب تبارك وتعالى لسلبه ~~سببيته، فلم يكن سببا PageV01P507 # أصلا. فلا يليق بالمنعم عليه المطلوب منه الشكر أن ينسى من بيده الخير ~~كله وهو على كل شيء قدير، ويضيف النعم إلى غيره، بل يذكرها مضافة منسوبة ~~إلى مولاها والمنعم بها، وهو المنعم على الإطلاق كما قال تعالى: {وما بكم ~~من نعمة فمن الله} 1. فهو المنعم بجميع النعم في الدنيا والآخرة وحده لا ~~شريك له. فإن ذلك من شكرها، وضده من إنكارها. ولا ينافي ذلك الدعاء ~~والإحسان إلى من كان سببا أو جزء سبب في بعض ما يصل إليك من النعم من ~~الخلق. قال المصنف: وفيه اجتماع الضدين في القلب. PageV01P508 # [36 ### | - باب قول الله: {فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون} # 1] # اعلم أن من تحقيق التوحيد الاحتراز من الشرك بالله في الألفاظ، وإن لم ~~يقصد المتكلم بها معنى لا يجوز، بل ربما تجري على لسانه من ms437 غير قصد، كمن ~~يجري على لسانه ألفاظ من أنواع الشرك الأصغر لا يقصدها. # فإن قيل: الآية نزلت في الأكبر. # قيل: السلف يحتجون بما أنزل في الأكبر على الأصغر، كما فسرها ابن عباس، ~~وغيره فيما ذكره المصنف عنه بأنواع من الشرك الأصغر، وفسرها أيضا بالشرك ~~الأكبر، وفسرها غيره بشرك الطاعة، وذلك لأن الكل شرك. ومعنى الآية: أن الله ~~تبارك وتعالى نهى الناس أن يجعلوا له أندادا، أي: أمثالا في العبادة ~~والطاعة، وهم يعلمون أن الذي فعل تلك الأفعال، فهو ربهم وخالقهم، وخالق من ~~قبلهم، وجاعل على الأرض فراشا، والسماء بناء، والذي أنزل من السماء ماء ~~فأخرج به من أنواع الثمرات رزقا لهم. فإذا كنتم تعلمون ذلك فلا تجعلوا له ~~أندادا. قال ابن القيم: فتأمل PageV01P508 # هذه، وشدة لزومها لتلك المقدمات قبلها، وظفر العقل بها بأول وهلة، ~~وخلوصها من كل شبهة وريب وقادح إذا كان الله وحده هو الذي فعل هذه الأفعال، ~~فكيف تجعلون له أندادا وقد علمتم أنه لا ند له يشاركه في فعله؟!. # [صور من الشرك الأصغر] # قال المصنف: قال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب ~~النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة، ~~وحياتي. وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى ~~اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله ~~وفلان، لا تجعل فيها فلان هذا كله به شرك" رواه ابن أبي حاتم. # ش: هذا الأثر رواه ابن أبي حاتم، كما قال المصنف وسنده جيد. # قوله: "هو الشرك أخفى من دبيب النمل ... " إلى آخره أي: إن هذه الأمور من ~~الشرك خفية في الناس، لا يكاد يتفطن لها ولا يعرفها إلا القليل، وضرب المثل ~~لخفائها بما هو أخفى شيء وهو أثر النمل، فإنه خفي، فكيف إذا كان على صفاة؟ ~~فكيف إذا كانت سوداء، فكيف إذا كانت في ظلمة الليل؟ وهذا يدل على شدة خفائه ~~على من يدعي الإسلام، وعسر التخلص منه، ولهذا جاء في ms438 حديث أبي موسى قال: ~~خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال: "أيها الناس اتقوا هذا ~~الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه ~~وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: "قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن ~~نشرك بك شيئا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه" 1. رواه أحمد والطبراني. # قوله: "وهو أن تقول: والله وحياتك يا فلانة وحياتي"، أي: إن من الحلف ~~بغير الله، الحلف بحياة المخلوق وسيأتي الكلام عليه. # قوله: "وتقول: لولا كلبة هذا لأتانا اللصوص"، أي: السراق. PageV01P509 # والمعنى أن من الشرك نسبة عدم السرقة إلى الكلبة التي إذا رأت السراق ~~نبحتهم، فاستيقظ أهلها وهرب السراق. وربما امتنعوا من إتيان المحل الذي هي ~~فيه خوفا من نباحها، فيعلم بهم أهلها كما روى ابن أبي الدنيا في "الصمت" عن ~~ابن عباس قال: "إن أحدكم ليشرك حتى يشرك بكلبه يقول: لولاه لسرقنا الليلة". # قوله: "ولولا البط في الدار لأتى اللصوص". البط بفتح الموحدة: طائر معروف ~~يتخذ في البيوت، وإذا دخلها غريب صاح1 واستنكره، وهو الإوز بكسر الهمزة ~~وفتح الواو ومعناها كالذي قبله. والواجب نسبة ذلك إلى الله تعالى، فهو الذي ~~يحفظ عباده ويكلؤهم بالليل والنهار كما قال تعالى: {قل من يكلأكم بالليل ~~والنهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون} 2. # قوله: "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت"، وسيأتي الكلام عليها إن ~~شاء الله. # قوله: "وقول الرجل: لولا الله وفلان لا تجعل فيها فلان"، هكذا ثبت بخط ~~المصنف بلا تنوين، والمعنى: لا تجعل فيها أي: في هذه الكلمة فلانا فتقول: ~~لولا الله وفلان، بل قل: لولا الله وحده، ولا تقل: لولا الله وفلان فهو نهي ~~عن ذلك. # قوله: "هذا كله به". أي: بالله شرك، وأعاد الضمير على الله، لأنه قد تقدم ~~ذكر اسمه عز وجل فتبين أن هذه الأمور ونحوها من الألفاظ الشركية الخفية كما ~~نص عليه ابن عباس رضي الله عنه. # قال: وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ms439 صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف ~~بغير الله فقد كفر أو أشرك" 3. رواه الترمذي وحسنه، وصححه الحاكم. ~~PageV01P510 # ش: قوله: "عن عمر بن الخطاب". هكذا وقع في الكتاب، وصوابه عن ابن عمر ~~كذلك أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم. وصححه ابن حبان. وقال ~~الزين العراقي في "أماليه": إسناده ثقات. # قوله: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك" 1. قال بعضهم ما معناه: رواه ~~الترمذي بأو التي للشك، وفي ابن حبان والحاكم عدمها. وفي رواية للحاكم: "كل ~~يمين يحلف بها دون الله شرك" وفي "الصحيحين "من حديث ابن عمر مرفوعا: "إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 2. ~~وعن بريدة مرفوعا: "من حلف بالأمانة فليس منا" 3. رواه أبو داود. والأحاديث ~~في ذلك كثيرة، وقد تقدم كلام ابن عباس في عده ذلك من الأنداد، وقال كعب: ~~"إنكم تشركون في قول الرجل: كلا وأبيك، كلا والكعبة، كلا وحياتك، وأشباه ~~هذا، احلف بالله صادقا أو كاذبا، ولا تحلف بغيره". رواه ابن أبي الدنيا في ~~"الصمت". وأجمع العلماء على أن اليمين لا تكون إلا بالله، أو بصفاته، ~~وأجمعوا على المنع من الحلف بغيره. قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير ~~الله بالإجماع. انتهى ولا اعتبار بمن قال من المتأخرين: إن ذلك على سبيل ~~كراهة التنزيه، فإن هذا قول باطل. وكيف يقال ذلك لما أطلق عليه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم أنه كفر أو شرك، بل ذلك محرم. ولهذا اختار ابن مسعودرضي ~~الله عنه أن يحلف بالله كاذبا، ولا يحلف بغيره صادقا. فهذا يدل على أن ~~الحلف بغير الله أكبر من الكذب. مع أن الكذب من المحرمات في جميع الملل فدل ~~ذلك أن الحلف بغير الله من أكبر المحرمات. # فإن قيل: إن الله تعالى أقسم بالمخلوقات في القرآن. # قيل: ذلك يختص بالله تبارك وتعالى، فهو يقسم بما شاء من خلقه; لما في ذلك ~~من الدلالة على قدرة الرب ووحدانيته، وإلهيته PageV01P511 # وعلمه وحكمته وغير ذلك من صفات كماله. وأما المخلوق فلا ms440 يقسم إلا بالخالق ~~تعالى، فالله تعالى يقسم بما يشاء من خلقه. وقد نهانا عن الحلف بغيره فيجب ~~على العبد التسليم والإذعان لما جاء من عند الله. قال الشعبي: الخالق يقسم ~~بما شاء من خلقه والمخلوق لا يقسم إلا بالخالق، قال: ولأن أقسم بالله فأحنث ~~أحب إلي من أن أقسم بغيره فأبر. وقال مطرف بن عبد الله: "إنما أقسم الله ~~بهذه الأشياء ليعجب بها المخلوقين، ويعرفهم قدرته لعظم شأنها عندهم، ~~ولدلالتها على خالقها" ذكرهما ابن جرير. # فإن قيل: قد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي ~~الذي سأله عن أمور الإسلام فأخبره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أفلح ~~وأبيه إن صدق" رواه البخاري، وقال للذي سأله: "أي الصدقة أفضل أما وأبيك ~~لتنبأنه" 1. رواه مسلم ونحو ذلك من الأحاديث. # قيل: ذكر العلماء عن ذلك أجوبة. # أحدها: ما قاله ابن عبد البر في قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" هذه اللفظة ~~غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها إسماعيل بن جعفر "أفلح والله إن صدق" 2. ~~قال: وهذا أولى من رواية من روى عنه بلفظ: "أفلح وأبيه" لأنها لفظة منكرة ~~تردها الآثار الصحاح، ولم تقع في رواية مالك أصلا، وزعم بعضهم أن بعض ~~الرواة عنه صحف قوله: "وأبيه" من قوله: "والله" انتهى. وهذا جواب عن هذا ~~الحديث الواحد فقط ولا يمكن أن يجاب به عن غيره. # الثاني: أن هذا اللفظ كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم به، والنهي ~~إنما ورد في حق من قصد حقيقة الحلف ذكره PageV01P512 # البيهقي وقال النووي: إنه المرضي. # قلت: هذا جواب فاسد، بل أحاديث النهي عامة مطلقة ليس فيها تفريق بين من ~~قصد القسم وبين من لم يقصد، ويؤيد ذلك أن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه حلف ~~مرة باللات والعزى، ويبعد أن يكون أراد حقيقة الحلف بهما، ولكنه جرى على ~~لسانه من غير قصد على ما كانوا يعتادونه قبل ذلك، ومع هذا نهاه النبي صلى ~~الله عليه وسلم. غاية ما يقال: أن من جرى ms441 ذلك على لسانه من غير قصد معفو ~~عنه، أما أن يكون ذلك أمرا جائزا للمسلم أن يعتاده فكلا. وأيضا فهذا يحتاج ~~إلى نقل أن ذلك كان يجري على ألسنتهم من غير قصد للقسم، وأن النهي إنما ورد ~~في حق من قصد حقيقة الحلف وأنى يوجد ذلك؟ # الثالث: أن مثل ذلك يقصد به التأكيد لا التعظيم، وإنما وقع النهي عما ~~يقصد به التعظيم. # قلت: وهذا أفسد من الذي قبله، وكأن من قال ذلك لم يتصور ما قال، فهل يراد ~~بالحلف إلا تأكيد المحلوف عليه بذكر من يعظمه الحالف والمحلوف له؟ فتأكيد ~~المحلوف عليه بذكر المحلوف به مستلزم لتعظيمه. وأيضا فالأحاديث مطلقة ليس ~~فيها تفريق، وأيضا فهذا يحتاج إلى نقل أن ذلك جائز للتأكيد دون التعظيم ~~وذلك معدوم. # الرابع: أن هذا كان في أول الأمر ثم نسخ، فما جاء من الأحاديث فيه ذكر ~~شيء من الحلف بغير الله فهو قبل النسخ، ثم نسخ ذلك ونهي عن الحلف بغير ~~الله. وهذا الجواب ذكره الماوردي. قال السهيلي: أكثر الشراح عليه، حتى قال ~~ابن العربي: روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يحلف بأبيه حتى نهي عن ذلك قال ~~السهيلي: ولا يصح ذلك، وكذلك قال غيرهم. وهذا الجواب هو الحق، يؤيده أن ذلك ~~كان مستعملا شائعا. حتى ورد النهي عن ذلك كما في حديث ابن عمر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: "ألا إن ~~الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 1. ~~PageV01P513 # رواه البخاري، ومسلم. وعنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله" 1. وكانت قريش تحلف بآبائها فقال: "ولا ~~تحلفوا بآبائكم" 2. رواه مسلم. وعن سعد بن أبي وقاصرضي الله عنه قال: حلفت ~~مرة باللات والعزى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قل لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، ثم انفث عن يسارك ثلاثا وتعوذ ولا تعد" 3. رواه النسائي، ~~وابن ماجة، ms442 وهذا لفظه. وفي هذا المعنى أحاديث، فما ورد فيه ذكر الحلف بغير ~~الله، فهو جار على العادة قبل النهي، لأن ذلك هو الأصل حتى ورد النهي عن ~~ذلك. # وقوله: "فقد كفر أو أشرك"، أخذ به طائفة من العلماء فقالوا: يكفر من حلف ~~بغير الله كفر شرك، قالوا: ولهذا أمره النبي صلى الله عليه وسلم بتجديد ~~إسلامه بقول: لا إله إلا الله. فلولا أنه كفر ينقل عن الملة لم يؤمر بذلك. ~~وقال الجمهور: لا يكفر كفرا ينقله عن الملة، لكنه من الشرك الأصغر كما نص ~~على ذلك ابن عباس وغيره، وأما كونه أمر من حلف باللات والعزى أن يقول: لا ~~إله إلا الله، فلأن هذا كفارة له مع استغفاره كما قال في الحديث الصحيح: ~~"ومن حلف فقال في حلفه: واللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله" 4. وفي ~~رواية: "فليستغفر"، فهذا كفارة له في كونه تعاطى صورة تعظيم الصنم، حيث حلف ~~به لا أنه لتجديد إسلامه، ولو قدر ذلك فهو تجديد لإسلامه لنقصه بذلك لا ~~لكفره لكن الذي يفعله عباد القبور إذا طلبت من أحدهم اليمين بالله، أعطاك ~~ما شئت من الأيمان صادقا أو كاذبا. فإذا طلبت منه اليمين بالشيخ أو تربته ~~أو حياته، ونحو ذلك، لم يقدم على اليمين به إن كان كاذبا. فهذا شرك أكبر ~~بلا ريب، لأن المحلوف به عنده أخوف وأجل وأعظم من الله. وهذا ما بلغ إليه ~~شرك عباد الأصنام، لأن جهد اليمين عندهم هو الحلف بالله كما قال تعالى: ~~{وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من PageV01P514 # يموت} 1 فمن كان جهد يمينه الحلف بالشيخ أو بحياته، أو تربته فهو أكبر ~~شركا منهم، فهذا هو تفصيل القول في هذه المسألة. # والحديث دليل على أنه لا تجب الكفارة بالحلف بغير الله مطلقا، لأنه لم ~~يذكر فيه كفارة للحلف بغير الله ولا في غيره من الأحاديث، فليس فيه كفارة ~~إلا النطق بكلمة التوحيد، والاستغفار. وقال بعض المتأخرين: تجب الكفارة ~~بالحلف برسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، وهذا ms443 قول باطل ما أنزل الله به ~~من سلطان، فلا يلتفت إليه وجوابه المنع. # قال المصنف: وقال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف ~~بغيره صادقا". # ش: هكذا ذكر المصنف هذا الأثر عن ابن مسعود ولم يعزه. وقد ذكره ابن جرير ~~بغير سند أيضا. قال: وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه، ورواه الطبراني ~~بإسناد موقوفا هكذا. قال المنذري: ورواته رواة الصحيح. # قوله: "لأن أحلف بالله ... " إلى آخره. "أن" هي المصدرية، والفعل بعدها ~~منصوب في تأويل مصدر مرفوع على الابتداء. و "أحب" خبره، ومعناه ظاهر. وإنما ~~رجح ابن مسعودرضي الله عنه الحلف بالله كاذبا على الحلف بغيره صادقا، لأن ~~الحلف بالله توحيد، والحلف بغيره شرك، وإن قدر الصدق في الحلف بغير الله ~~فحسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الكذب أسهل من سيئة الشرك. ذكره ~~شيخ الإسلام. وفيه دليل على أن الحلف بغير الله صادقا أعظم من اليمين ~~الغموس، وفيه دليل على أن الشرك الأصغر أكبر من الكبائر. وفيه شاهد للقاعدة ~~المشهورة وهي: ارتكاب أقل الشرين ضررا إذا كان لا بد من أحدهما. # قال: وعن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقولوا ما شاء الله ~~PageV01P515 # وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان" 1. رواه أبو داود بسند ~~صحيح. # ش: هذا الحديث رواه أبو داود، كما قال المصنف، ورواه أحمد وابن أبي شيبة، ~~والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي وله علة وله شواهد، وهو صحيح المعنى بلا ~~ريب. وسيأتي الكلام على معناه في باب ما شاء الله وشئت إن شاء الله. # قال: وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك، ~~ويجوز أن يقول: بالله ثم بك. قال: ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: ~~لولا الله وفلان. # هذا الأثر رواه المصنف غير معزو، وقد رواه عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا ~~في كتاب "الصمت" عن مغيرة قال: كان إبراهيم يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله ~~وبك، ويرخص أن يقول: أعوذ بالله ms444 ثم بك، ويكره أن يقول: لولا الله وفلان، ~~ويرخص أن يقول: لولا الله ثم فلان، لفظ ابن أبي الدنيا، وذلك والله أعلم؛ ~~لأن الواو تقتضي مطلق الجمع; فمنع منها للجمع، لئلا توهم الجمع بين الله ~~وبين غيره، كما منع من جمع اسم الله، واسم رسوله في ضمير واحد. و"ثم" إنما ~~تقتضي الترتيب فقط، فجاز ذلك لعدم المانع. # ومطابقة الحديثين والأثرين للترجمة ظاهرة على ما فسر به ابن عباس رضي ~~الله عنهما الآية. PageV01P516 ### | باب ما جاء في من لم يقنع بالحلف بالله # ... # [37- باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله] # أي: من الوعيد; لأن ذلك يدل على قلة تعظيمه لجناب الربوبية، إذ القلب ~~الممتلئ بمعرفة عظمة الله وجلاله وعزته وكبريائه لا يفعل ذلك. # PageV01P516 # قال: عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحلفوا ~~بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس من ~~الله" 1. رواه ابن ماجة بسند حسن. # ش: هذا الحديث رواه ابن ماجة في "سننه" وترجم عليه "من حلف له بالله ~~فليرض" 2. حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة، ثنا أسباط بن محمد عن محمد بن ~~عجلان، عن نافع عن ابن عمر قال: سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يحلف ~~بأبيه فقال: "لا تحلفوا بآبائكم" 3 الحديث. وهذا إسناد جيد على شرط مسلم ~~عند الحاكم وغيره، فإنه متصل ورواته ثقات، بل قد روى مسلم عن ابن عجلان عن ~~نافع عن ابن عمر "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأتي قباء راكبا وماشيا" ~~4. وأصل هذا الحديث في "الصحيحين" عن ابن عمر بلفظ: "لا تحلفوا بآبائكم، من ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" 5. وليس فيه هذه الزيادة. # قوله: "لا تحلفوا بآبائكم" 6. تقدم ما يتعلق به في الباب قبله. # قوله: "من حلف بالله فليصدق" 7، أي: وجوبا; لأن الصدق واجب، ولو لم يحلف ~~بالله فكيف إذا حلف به؟ وأيضا فالكذب حرام لو لم يؤكد الخبر باسم الله فكيف ~~إذا أكده باسم الله؟ . # قوله: ms445 "ومن حلف له بالله فليرض" 8 أي: وجوبا كما يدل عليه قوله: "ومن لم ~~يرض فليس من الله" 9. ولفظ ابن ماجة: "ومن لم يرض بالله فليس من الله" 10. ~~وهذا وعيد كقوله تعالى: {ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء} 11. قال ابن ~~كثير: أي: فقد برئ من الله، وهذا عام في الدعاوي وغيرها، ما لم يفض إلى ~~إلغاء حكم شرعي كمن تشهد عليه البينة الشرعية، فيحلف على تكذيبها فلا يقبل ~~حلفه, ولهذا لما "رأى عيسى عليه السلام رجلا يسرق فقال له: سرقت قال: ~~PageV01P517 # كلا والله الذي لا إله إلا هو، فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني" 1. ~~رواه البخاري وفيه وجهان. # أحدهما: قال القرطبي: "ظاهر قول عيسى عليه السلام للرجل سرقت أنه خبر ~~جازم، لكونه أخذ مالا من حرز في خفية، وقول الرجل: كلا نفي لذلك، ثم أكده ~~باليمين. وقول عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني أي: صدقت من حلف بالله، وكذبت ~~ما ظهر لي من كون الأخذ سرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، ~~أو ما أذن له صاحبه في أخذه، أو أخذه ليقلبه، وينظر فيه ولم يقصد الغصب ~~والاستيلاء". # قلت: وهذا فيه نظر وصدر الحديث يرده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~"رأى عيسى رجلا يسرق"، فأثبت صلى الله عليه وسلم سرقته. # الثاني: ما قاله ابن القيم: "إن الله تعالى كان في قلبه أجل من أن يحلف ~~به أحد كاذبا. فدار الأمر بين تهمة الحالف، وتهمة بصره، فرد التهمة إلى ~~بصره، كما ظن آدم عليه السلام صدق إبليس لما حلف له أنه ناصح [كما في ~~الأعراف 21] ". # قلت: هذا القول أحسن من الأول وهو الصواب إن شاء الله تعالى. وحدثت عن ~~المصنف أنه حمل حديث الباب على اليمين في الدعاوي، كمن يتحاكم عند الحاكم ~~فيحكم على خصمه باليمين، فيحلف فيجب عليه أن يرضى. PageV01P518 # [38- ### | باب قول: ما شاء الله وشئت # أي ما حكم التكلم بذلك، هل يجوز أم لا؟ وإذا قلنا: لا يجوز فهل هو من ~~الشرك ms446 أم لا؟ . # قال: عن قتيلة "أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم ~~تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة، فأمرهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء ~~الله ثم شئت" 1. رواه النسائي وصححه. # ش: هذا الحديث رواه النسائي في "السنن" و "اليوم PageV01P518 # والليلة". وهذا لفظه في "اليوم والليلة" أخبرنا يوسف بن عيسى قال: ثنا ~~الفضل بن موسى قال: أنا مسعر عن معبد بن خالد، عن عبد الله بن يسار، عن ~~قتيلة امرأة من جهينة "أن يهوديا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنكم ~~تنددون و [إنكم] تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة. ~~فأمرهم النبي عليه السلام إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: "ورب الكعبة، ~~ويقول أحدكم: ما شاء الله ثم شئت". ورواه عن أحمد بن حفص حدثني أبي، حدثني ~~إبراهيم بن طهمان، عن مغيرة عن معبد بن خالد عن قتيلة امرأة من جهينة قالت: ~~دخلت يهودية على عائشة فقالت: إنكم تشركون وساق الحديث، ولم يذكر عبد الله ~~بن يسار، والمشهور ذكره، وقد رواه ابن سعد، والطبراني، وابن منده، وأشار ~~ابن سعد إلى أنها ليس لها غيره. # قوله: "عن قتيلة"، هو بضم القاف وفتح التاء بعدها مثناة تحتية مصغرا بنت ~~صيفي الجهنية، أو الأنصارية صحابية. # قوله: "إنكم تشركون تقولون: ما شاء الله وشئت". هذا نص في أن هذا اللفظ ~~من الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقر اليهودي على تسمية هذا اللفظ ~~تنديدا أو شركا. ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وأرشد إلى استعمال ~~اللفظ البعيد من الشرك. # وقول: "ما شاء الله ثم شئت"، وإن كان الأولى قول: ما شاء الله وحده، كما ~~يدل عليه حديث ابن عباس وغيره، وعلى النهي عن قول: ما شاء الله وشئت جمهور ~~العلماء، إلا أنه حكي عن أبي جعفر الداودي ما يقتضي جواز ذلك احتجاجا بقوله ~~تعالى: {وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من ms447 فضله} 1. وقوله: {وإذ تقول ~~للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه} 2. ونحو ذلك. والصواب القول الأول، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنكر ذلك وقال لمن قال له ذلك: أجعلتني لله ندا. ~~وأقر اليهودي على تسميته تنديدا وشركا، ومن المحال أن يكون هذا أمرا جائزا. ~~وأما ما احتج من القرآن، فقد ذكروا عن ذلك جوابين: PageV01P519 # أحدهما: أن ذلك لله وحده، لا شريك له، كما أنه تعالى يقسم بما شاء من ~~مخلوقاته فكذلك هذا. # الثاني: أن قوله: "ما شاء الله وشئت"، تشريك في مشيئة الله، وأما الآية ~~فإنما أخبر بها عن فعلين متغايرين، فأخبر تعالى أنه أغناهم وأن رسوله ~~أغناهم. وهو من الله حقيقة، لأنه الذي قدر ذلك، ومن الرسول صلى الله عليه ~~وسلم حقيقة باعتبار تعاطي الفعل، وكذا الإنعام أنعم الله على زيد بالإسلام، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم أنعم عليه بالعتق، وهذا بخلاف المشاركة في الفعل ~~الواحد، فالكلام إنما هو فيه، والمنع إنما هو منه. # فإن قلت: قد ذكر النحاة أن "ثم" تقتضي اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ~~الحكم كالواو فلم جاز ذلك بثم؟ ومنع منه الواو. وغاية ما يقال: إن "ثم" ~~تقتضي الترتيب بخلاف الواو، فإنها تقتضي مطلق الجمع، وهذا لا يغير صورة ~~الاشتراك قبل النهي عن ذلك، إنما هو إذا أتى بصورة التشريك جميعا، وهذا لا ~~يحصل إلا بالواو بخلاف ثم، فإنها لا تقتضي الجمع، إنما تقتضي الترتيب، فإذا ~~أتى بها زالت صورة التشريك والجمع في اللفظ. وأما المعنى، فلله تعالى ما ~~يختص به من المشيئة، وللمخلوق ما يختص به، فلو أتى بثم وأراد أنه شريك لله ~~تعالى في المشيئة كلولا الله ثم فلان، مثلا لم يوجد ذلك فالنهي باق بحاله، ~~بل يكون في هذه الصورة أشد ممن أتى بالواو مع عدم هذا الاعتقاد. ويشبه ذلك ~~الجمع بين اسم الله واسم غيره في ضمير واحد، ولهذا "أنكره النبي صلى الله ~~عليه وسلم على الخطيب قال: ومن يعصهما فقد غوى، فقال له: بئس الخطيب أنت" ~~1. # قوله: "فأمرهم النبي صلى ms448 الله عليه وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ~~ورب الكعبة"، تقدم ما يتعلق بالحلف بغير الله قريبا. # وفي الحديث من الفوائد: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، وكثير ممن يدعي ~~الإسلام لا يعرف الشرك الأكبر، بل يصرف خالص العبادات من الدعاء والذبح، ~~والنذر لغير الله ويظن أن ذلك PageV01P520 # من دين الإسلام، فعلمت أن اليهود في ذلك الوقت أحسن حالا ومعرفة منهم. ~~وفيه فهم الإنسان إذا كان له هوى كما نبه عليه المصنف، وأن المعرفة بالحق ~~لا تستلزم الإيمان ولا العمل، وقبول الحق ممن جاء به، وإن كان عدوا مخالفا ~~في الدين، وإن الحلف بغير الله من الشرك الأصغر لا يمرق به الإنسان من ~~الإسلام. # قال: وله أيضا عن ابن عباس "أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم ما شاء ~~الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندا ما شاء الله وحده" 1. # ش: هذا الحديث رواه النسائي، كما قال المصنف لكن في "اليوم والليلة" وهذا ~~لفظه: أخبرنا علي بن خشرم عن عيسى، عن الأجلح عن يزيد بن الأصم عن ابن عباس ~~"أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه في بعض الأمر فقال: ما شاء ~~الله وشئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجعلتني لله عدلا؟ قل: ما شاء ~~الله وحده" 2. ورواه ابن ماجة في الكفارات من "السنن" عن هشام بن عمار، عن ~~عيسى نحوه. ولفظه: "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء الله وشئت ... " 3 ~~الحديث. وقد تابع عيسى على هذا الحديث سفيان الثوري، وعبد الرحمن وجعفر بن ~~عون عن الأجلح وكلهم ثقات. وخالفهم القاسم بن مالك وهو ثقة فرواه عن ~~الأجلح، عن أبي الزبير عن جابر، والأول أرجح. ويحتمل أن يكون عن الأجلح ~~عنهما جميعا. # قوله: "أجعلتني لله ندا"، هذه رواية ابن مردويه، والرواية عند النسائي ~~وابن ماجة "أجعلتني لله عدلا" والمعنى واحد. قال ابن القيم: ومن ذلك أي: من ~~الشرك بالله في الألفاظ قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه ms449 قال له رجل: ما شاء الله وشئت، وذكر الحديث ~~المشروح. ثم قال: هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة - كقوله: {لمن شاء ~~منكم أن يستقيم} 4. PageV01P521 # فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسب الله وحسبك، وما ~~لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من يركات الله وبركاتك، والله ~~لي في السماء وأنت لي في الأرض. والله وحياة فلان أو يقول: نذرا لله ~~ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا. فوازن بين هذه الألفاظ، ~~وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش. يتبين لك أن ~~قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا ~~كان قد جعله ندا بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه ندا لرب العالمين. ~~فالسجود، والعبادة، والتوكل، والإنابة، والتقوى، والخشية، والتوبة، والنذر، ~~والحلف، والتسبيح، والتكبير، والتهليل، والتحميد، والاستغفار، وحلق الرأس ~~خضوعا وتعبدا، والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق لله الذي لا يصلح ولا ~~ينبغي لسواه، من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي "مسند" الإمام أحمد: "أن رجلا ~~أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني ~~أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال: عرف الحق لأهله" 1. # قلت: إذا كان هذا كلامه صلى الله عليه وسلم لمن قال له: ما شاء الله وشئت ~~فكيف بمن يقول فيه [البوصيري في البردة] ؟!: ### | 154- # فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم. # ويقول في همزيته: ### | 427- # هذه علتي وأنت طبيبي ... ليس يخفى عليك في القلب داء. # وأشباه هذا من الكفر الصريح. # قال: ولابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال: "رأيت كأني أتيت على نفر ~~من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير بن الله. قالوا: ~~وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مررت بنفر ~~من ms450 النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله، ~~قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم PageV01P522 # تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته قال: "هل أخبرت بها أحدا؟ قلت: نعم قال: ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من ~~أخبر منكم وإنكم قلتم: كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها فلا ~~تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا: ما شاء الله وحده". # ش: هذا الحديث لم يروه ابن ماجة بهذا اللفظ عن الطفيل، إنما رواه عن ~~حذيفة ولفظه: حدثنا هشام بن عمار ثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير، ~~عن ربعي بن حراش، عن حذيفة بن اليمان "أن رجلا من المسلمين رأى في النوم ~~أنه لقي رجلا من أهل الكتاب فقال: نعم القوم أنتم لولا أنكم تشركون، ~~تقولون: ما شاء الله وشاء محمد، وذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~"أما والله إن كنت لأعرفها لكم قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد" 1. ورواه ~~أحمد والنسائي بنحوه. وفي رواية للنسائي أن الراوي لذلك هو حذيفة نفسه. هذه ~~رواية ابن عيينة، ثم ذكر ابن ماجة حديث الطفيل هذا فساق إسناده ولم يذكر ~~اللفظ. فقال: حدثنا ابن أبي الشوارب، ثنا ابن عوانة عن عبد الملك، عن ربعي ~~بن حراش، عن الطفيل بن سخبرة أخي عائشة لأمها، عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بنحوه، هذا لفظ ابن ماجة. وهكذا رواه حماد بن سلمة وشعبة وابن إدريس عن عبد ~~الملك، فقالوا: عن الطفيل وهو الذي رجحه الحفاظ، وقالوا: ابن عيينة وهم في ~~قوله: عن حذيفة فقد تبين أن هذا الحديث المذكور لم يروه ابن ماجة بهذا ~~اللفظ، لكن رواه أحمد والطبراني بنحو مما ذكره المصنف. PageV01P523 # قوله: "عن الطفيل" هو ابن سخبرة وفي حديثه هذا أنه أخو عائشة لأمها، وكذا ~~قال الحربي. وقال: الذي عندي أن الحارث بن سخبرة ms451 قدم مكة، فحالف1 أبا بكر ~~فمات، فخلف أبو بكر على أم رومان فولدت له عبد الرحمن وعائشة، وكان لها من ~~الحارث الطفيل بن الحارث، فهو أخو عائشة لأمها. وقيل غير ذلك. وهو صحابي ~~ليس له إلا هذا الحديث قال البغوي: لا أعلم له غيره. # قوله: "رأيت فيما يرى النائم". كما روى أحمد، والطبراني. # قوله: "على نفر من اليهود" وفي رواية أحمد، والطبراني: "كأني مررت برهط ~~من اليهود فقلت: من أنتم فقالوا: نحن اليهود. والنفر رهط الإنسان وعشيرته"، ~~وهو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا ~~واحد له من لفظه. قاله أبو السعادات. # قوله: "فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله"، أي: ~~نعم القوم أنتم لولا ما أنتم عليه من الشرك، والمسبة لله بنسبة الولد إليه ~~وهذا لفظ الطبراني، ولفظ أحمد قال: أنتم القوم. # قوله: "قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء ~~محمد". عارضوه بذكر شيء مما في المسلمين من الشرك الأصغر فقالوا له: هذا ~~الكلام، أي: نعم القوم أنتم لولا ما فيكم من الشرك. # وكذلك جرى له مع النصارى. # قوله: "فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت". وفي رواية أحمد: "فلما أصبح أخبر ~~بها من أخبر"، وفي رواية الطبراني: "فلما أصبحت أخبرت بها أناسا". ~~PageV01P524 # قوله: "ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته". فيه حسن خلقه صلى ~~الله عليه وسلم وعدم احتجابه عن الناس كالملوك بحيث إذا أراد أحد الوصول ~~إليه أمكنه ذلك بلا كلفة ولا مشقة، بل يصلون إليه ويقضي حاجتهم ويخبرونه ~~بما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، ويقصون عليه ما يرونه في المنام، ~~بل كان صلى الله عليه وسلم يعتني بالرؤيا لأنها من أقسام الوحي، وكان إذا ~~صلى الصبح كثيرا ما يقول: "هل رأى أحد منكم رؤيا؟ " 1. # قوله: "فحمد الله وأثنى عليه". وفي رواية أحمد: "فلما أصبحوا خطبهم فحمد ~~الله وأثنى عليه". وفي رواية الطبراني: "فلما صلى الظهر قام خطيبا". ففيه ~~مشروعية حمد الله ms452 والثناء عليه في الخطب، وفيه الخطبة في الأمور المهمة. ~~وأما معنى الحمد، فقد تقدم في باب قول الله تعالى: {أيشركون ما لا يخلق ~~شيئا} 2. وأما الثناء فقال ابن القيم: هو تكرار المحامد. # قوله: "ثم قال: أما بعد". في رواية أحمد، والطبراني: "ثم قال: إن طفيلا ~~رأى رؤيا"، ولم يذكر أما بعد. وفي رواية للطبراني: فقام نبي الله على ~~المنبر فقال: "إن أخاكم رأى رؤيا قد حدثكم بما رأى". فيه مشروعية "أما بعد" ~~في الخطب في هذا الحديث، وإلا فلا يضر فإنها ثابتة في خطبه عليه السلام، ~~وفي غيره. # قوله: "وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها" وفي رواية ~~أحمد، والطبراني "وإنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم ~~عنها" 3. وهذا الحياء منهم ليس على سبيل الحياء من الإنكار عليهم، بل كان ~~صلى الله عليه وسلم يكرهها ويستحيي أن يذكرها، لأنه لم يأمر بإنكارها، فلما ~~جاء الأمر الإلهي بالرؤيا الصالحة أنكرها، ولم يستحي في ذلك. # وفيه دليل على أنها من الشرك الأصغر، إذ لو كانت من الأكبر لأنكرها من ~~أول مرة قالوها. وفيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الحياء وأنه ~~من الأخلاق المحمودة. PageV01P525 # قوله: "فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ~~وحده" 1. هذا على سبيل الاستحباب وإلا فيجوز أن يقول: ما شاء الله ثم شاء ~~فلان كما تقدم. وفيه أن الرؤيا قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام كما في هذا ~~الحديث، وحديث الأذان، وحديث الذكر بعد الصلوات. PageV01P526 # [39- ### | باب من سب الدهر فقد آذى الله # ش: مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة، لأن سب الدهر يتضمن الشرك كما ~~سيأتي بيانه. ولفظ الأذى في اللغة هو لما خف أمره، وضعف أثره من الشرك ~~والمكروه. ذكره الخطابي. قال شيخ الإسلام: وهو كما قال. وهذا بخلاف الضرر، ~~فقد أخبر سبحانه أن العباد لا يضرونه كما قال تعالى: {ولا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا} 1. فبين سبحانه أن ms453 الخلق لا ~~يضرونه، لكن يؤذونه إذا سبوا مقلب الأمور. # وقال وقول الله تعالى: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما ~~يهلكنا إلا الدهر ... } 2. # ش: قال ابن كثير: يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من ~~مشركي العرب في إنكار المعاد {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا} 3. قال ابن ~~جرير: أي: ما حياة إلا حياتنا التي نحن فيها، ولا حياة سواها تكذيبا منهم ~~بالبعث بعد الموت {نموت ونحيا} 4. # قال ابن كثير: أي: يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة. وهذا ~~يقوله مشركو العرب المنكرون للمعاد، وتقوله الفلاسفة الإلهيون منهم، وهم ~~ينكرون البدأة والرجعة، وتقوله الفلاسفة الدورية المنكرون للصانع، ~~المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه. ~~فزعموا أن هذا قد تكرر PageV01P526 # مرات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا {وما يهلكنا ~~إلا الدهر} 1. قال ابن جرير: أي: وما يهلكنا فيفنينا إلا مر الليالي ~~والأيام، وطول العمر إنكارا منهم أن يكون لهم رب يفنيهم ويهلكهم. ثم روى ~~بإسناد على شرط "الصحيحين" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، وهو الذي يهلكنا ~~ويميتنا ويحيينا". فقال الله في كتابه: {وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} 2. قال فيسبون الدهر فقال الله تبارك ~~وتعالى: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" 3. ~~قوله: {وما لهم بذلك من علم} 4. قال ابن جرير: يعني: من يقين علم {إن هم ~~إلا يظنون} 5. قال ابن كثير: يتوهمون ويتخيلون. # فإن قلت: فأين مطابقة الآية للترجمة إذا كانت خبرا عن الدهرية المشركين؟ # قيل: المطابقة ظاهرة، لأن من سب الدهر فقد شاركهم في سبه، وإن لم يشاركهم ~~في الاعتقاد. # [النهي عن سب الدهر] # قال في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال ~~الله تعالى "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار" 6. ~~وفي ms454 رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله" 7. # ش: قوله: في "الصحيح"، أي: "صحيح البخاري". ورواه أحمد بهذا اللفظ، ~~وأخرجه مسلم بلفظ آخر. # قوله: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر"، فيه أن سب الدهر يؤذي الله تبارك ~~وتعالى. قال الشافعي في تأويله والله أعلم: إن العرب كان من شأنها أن تذم ~~الدهر، وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم، من موت، أو هرم، أو تلف، أو غير ~~ذلك، فيقولون: إنما يهلكنا PageV01P527 # الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون: أصابتهم قوارع الدهر، وأبادهم الدهر. ~~فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيذمون الدهر بأنه الذي يفنيهم، ~~ويفعل بهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا الدهر" 1. على أنه ~~الذي يفنيكم والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه ~~الأشياء، فإنما تسبون الله تبارك وتعالى، فإنه فاعل هذه الأشياء. انتهى. # قلت: والظاهر أن المشركين نوعان. # أحدهما: من يعتقد أن الدهر هو الفاعل، فيسبه لذلك. فهؤلاء هم الدهرية. # الثاني: من يعتقد أن المدبر للأمور هو الله وحده لا شريك له، ولكن يسبون ~~الدهر لما يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث، فيضيفون ذلك إليه من إضافة ~~الشيء إلى محله، لا لأنه عندهم فاعل لذلك. # والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقا، سواء اعتقد أنه فاعل أو لم ~~يعتقد ذلك، كما يقع كثيرا ممن يعتقد الإسلام. # كقول ابن المعتز: # يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا ... وأنت والد سوء تأكل الولدا. # وقول أبي الطيب: # قبحا لوجهك يا زمان كأنه ... وجه له من كل قبح برقع. # وقول الطرفي: # إن تبتلى بلئام الناس يرفعهم ... عليك دهر لأهل الفضل قد خانا. # وقول الحريري: # ولا تأمن الدهر الخئون ومكره ... فكم خامل أخنى عليه ونابه. # ونحو ذلك كثير. وكل هذا داخل في الحديث. # قال ابن القيم: وفي هذا ثلاث مفاسد عظيمة: # أحدها: سبه من ليس أهلا للسب، فإن الدهر خلق مسخر من PageV01P528 # خلق الله مقاد لأمره، متذلل لتسخيره، فسابه أولى بالذم والسب منه. # والثانية: أن سبه متضمن للشرك، فإنه إنما سبه ms455 لظنه أنه يضر وينفع وأنه مع ~~ذلك ظالم قد ضر من لا يستحق العطاء، ورفع من لا يستحق الرفعة، وحرم من لا ~~يستحق الحرمان. وهو عند شاتميه من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة ~~في سبه كثيرة جدا. وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. # الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأفعال التي لو اتبع ~~الحق فيها أهواءهم لفسدت السموات والأرض، وإذا وافقت أهواءهم حمدوا الدهر ~~وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر، فرب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع ~~المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبة لله عز وجل ~~ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى، فساب الدهر دائر بين أمرين لا بد له من ~~أحدهما: إما مسبة الله أو الشرك به، فإنه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله ~~فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك، وهو يسب من فعله فهو ~~يسب الله تعالى. انتهى. وأشار ابن أبي جمرة1 إلى أن النهي عن سب الدهر ~~تنبيه بالأعلى على الأدنى، وأن فيه إشارة إلى ترك سب كل شيء مطلق، إلا ما ~~أذن الشرع فيه، لأن العلة واحدة. # قوله: "وأنا الدهر"، قال الخطابي: معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور ~~التي ينسبونها إلى الدهر، فمن سب الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور عاد سبه ~~إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفا لمواقع الأمور. # قلت: ولهذا قال في الحديث: "وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب PageV01P529 # الليل والنهار" 1. وفي رواية لأحمد: "بيدي الليل والنهار أجده وأبليه ~~وأذهب بالملوك" 2. وفي رواية: "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، الأيام ~~والليالي أجددها وأبليها وآتي بملوك بعد ملوك". قال الحافظ: وسنده صحيح. ~~فقد تبين بهذا خطأ ابن حزم في عده الدهر من أسماء الله الحسنى، وهذا غلط ~~فاحش، ولو كان كذلك لكان الذين قالوا: {وما يهلكنا إلا الدهر} 3 مصيبين. # قوله: "وفي رواية". هذه الرواية رواها مسلم وغيره. قال المصنف: وفيه أنه ~~قد يكون سبا ولو ms456 لم يقصده بقلبه. PageV01P530 # [40 ### | - باب التسمي بقاضي القضاة] # ونحوه # كأقضى القضاة، وحاكم الحكام، أو سيد الناس ونحو ذلك. أي: ما حكم التسمي ~~بذلك هل يجوز أم لا؟ # قال في "الصحيح" عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن أخنع ~~اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله" 1. قال سفيان: "مثل ~~شاهان شاه وفي رواية: "أغيظ رجل على الله وأخبثه" 2. # قوله: "أخنع"، يعني أوضع. # ش: قوله: "في الصحيح" أي: "الصحيحين". # قوله: "إن أخنع" ذكر المصنف أن معناه: أوضع. وهذا التفسير رواه مسلم عن ~~الإمام أحمد، عن أبي عمرو الشيباني، قال عياض: معناه: إنه أشد الأسماء ~~صغارا، وبنحو ذلك فسره أبو عبيد. والخانع: الذليل، وخنع الرجل: ذل. قال ابن ~~بطال: وإذا كان الاسم أذل الأسماء كان من تسمى به أشد ذلا. وقد فسر الخليل ~~أخنع. أفجر، فقال: الخنع: الفجور. وفي رواية: "أخنى الأسماء"، من الخنا ~~بفتح المعجمة وتخفيف النون مقصور، PageV01P530 # وهو الفحش في القول. وفي رواية "اشتد غضب الله على من زعم أنه ملك ~~الأملاك" رواه الطبراني. # قوله: "رجل يسمى". بصيغة المجهول من التسمية، أي: يدعى بذلك ويرضى به. ~~وفي بعض الروايات: تسمى بفتح الفوقانية وتشديد الميم ماض معلوم من التسمي، ~~أي: سمى نفسه. # قوله: "ملك الأملاك" هو بكسر اللام من ملك. والأملاك جمع ملك، ثم أكد ~~النبي صلى الله عليه وسلم التشديد في تحريم التسمي بذلك بقوله: "لا مالك ~~إلا الله"، فالذي تسمى بهذا الاسم قد كذب وفجر وارتقى إلى ما ليس له بأهل، ~~بل هو حقيق برب العالمين، فإنه الملك في الحقيقة، فلهذا كان أذل الناس عند ~~الله يوم القيامة. والفرق بين الملك والمالك أن المالك هو المتصرف بفعله ~~وأمره، ذكره ابن القيم. فالذي تسمى بملك الأملاك، أو ملك الملوك قد بلغ ~~الغاية في الكفر والكذب. ولقد كان بعض السلاطين المساكين يفتخر بهذا الاسم ~~فأذله الله. # قوله: "قال سفيان": هو ابن عيينة تقدمت ترجمته. # قوله: "مثل شاهان شاه" - هو بكسر النون والهاء في آخره، ms457 وقد تنون وليست ~~هاء تأنيث فلا يقال بالمثناة أصلا، وإنما مثل سفيان بشاهان شاه لأنه قد ~~كثرت التسمية به في ذلك العصر، فنبه سفيان بأن الاسم الذي ورد الخبر بذمه ~~لا ينحصر في ملك الأملاك، بل كل ما أدى معناه بأي لسان كان، فهو مراد ~~بالذم، ذكره الحافظ. والحديث صريح في تحريم التسمي بملك الأملاك ونحوه، ~~كملك الملوك وسلطان السلاطين. # قال ابن القيم: "لما كان الملك لله وحده لا ملك على الحقيقة سواه، كان ~~أخنع اسم وأوضعه عنده، وأبغضه له اسم شاهان شاه، # PageV01P531 # أي: ملك الملوك، وسلطان السلاطين، فإن ذلك ليس لأحد غير الله. فتسمية ~~غيره بهذا من أبطل الباطل، والله لا يحب الباطل وقد ألحق أهل العلم بهذا ~~قاضي القضاة وقالوا: ليس قاضي القضاة إلا من يقضي الحق وهو خير الفاصلين ~~الذي إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويلي هذا الاسم في القبح ~~والكراهة والكذب سيد الناس وسيد الكل، وليس ذلك إلا لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم خاصة كما قال: "أنا سيد ولد آدم"، فلا يجوز لأحد قط أن يقول عن ~~غيره: هو سيد الناس. كما لا يجوز له أن يقول: أنا سيد ولد آدم عليه ~~السلام". # وقال ابن أبي جمرة: "يلتحق بملك الأملاك قاضي القضاة، وإن كان قد اشتهر ~~في بلاد الشرق من قديم الزمان إطلاق ذلك على كبير القضاة. وقد سلم أهل ~~المغرب من هذا، فاسم كبير القضاة عندهم قاضي الجماعة. وقد زعم بعض ~~المتأخرين [هو ابن المنير] أن التسمي بقاضي القضاة ونحوها جائز، واستدل له ~~بحديث: "أقضاكم علي". قال: فيستفاد منه أن لا حرج على من أطلق على قاض أن ~~يكون أعدل القضاة، وأعلمهم في زمانه أقضى القضاة، أو يريد إقليمه، أو ~~بلده". وتعقبه العالم العراقي، فصوب المنع، ورد ما احتج به بأن التفضيل في ~~ذلك وقع في حق من خوطب به، ومن يلتحق بهم، فليس مساويا لإطلاق التفضيل ~~بالألف واللام. قال: ولا يخفى ما في ذلك من الجرأة وسوء الأدب. ولا عبرة ms458 ~~بقول من ولي القضاة، فنعت بذلك، فلذ في سمعه واحتال في الجواز، فإن الحق ~~أحق أن يتبع". # PageV01P532 # قلت: وقد تبين بهذا مطابقة الحديث للترجمة. # قوله: وفي رواية: "أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه" 1 هذه الرواية ~~رواها مسلم في "صحيحه". قال ابن أبي جمرة: وفي الحديث مشروعية الأدب في كل ~~شيء، لأن الزجر عن ملك الأملاك، والوعيد عليه يقتضي المنع منه مطلقا سواء ~~أراد من تسمى بذلك أنه ملك على ملوك الأرض، أم على بعضها. وسواء كان محقا ~~في ذلك أم مبطلا، مع أنه لا يخفى الفرق بين من قصد ذلك وكان فيه صادقا، ومن ~~قصده وكان فيه كاذبا. # قلت: يعني أن الثاني أشد إثما من الأول. PageV01P533 ### | باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك # ... # [41- باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك] # ش: أي: لأجل احترامها وهو تعظيمها. وذلك من تحقيق التوحيد. ويستفاد منه ~~المنع من التسمي بهذا ابتداء من باب الأولى، لكن في الأسماء المختصة بالله ~~تعالى. # قال: عن أبي شريح أنه كان يسمى أبا الحكم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم. فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء ~~أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ ~~فقلت: شريح، ومسلم، وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: أنت أبو ~~شريح" 1. رواه أبو داود وغيره. # ش: هذا الحديث رواه أبو داود كما قال المصنف، ورواه النسائي ولفظ أبي ~~داود من طريق يزيد بن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده عن أبيه هانئ، وهو ~~أبو شريح أنه "لما وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم ~~يكنونه بأبي الحكم، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله هو ~~الحكم، وإليه الحكم فلم PageV01P533 # تكنى أبا الحكم؟ فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء" 1 الحديث. قال ابن ~~مفلح: وإسناده جيد، ورواه الحاكم وزاد: "فدعا له ولولده". # قوله: "عن أبي ms459 شريح". هو بضم المعجمة وفتح الراء وآخره مهملة مصغر، واسمه ~~هانئ بن يزيد الكندي، قال الحافظ: وقيل: الحارثي الضبابي قاله المزي. وقيل: ~~المذحجي وقيل: غير ذلك: صحابي نزل الكوفة، ولا عبرة بقول من قال: إنه ~~الخزاعي، ولا من ظن أنه النخعي والد شريح القاضي، فإن ذلك خطأ فاحش. # قوله: "إنه كان يكنى أبا الحكم". قال بعضهم: الكنية قد تكون بالأوصاف ~~كأبي الفضائل، وأبي المعالي، وأبي الخير، وأبي الحكم. وقد تكون بالنسبة إلى ~~الأولاد كأبي سلمة، وأبي شريح وإلى ما يلابسه كأبي هريرة فإنه عليه السلام ~~رآه ومعه هرة فكناه بأبي هريرة، وقد تكون للعلمية الصرفة كأبي بكر. # قوله: "إن الله هو الحكم وإليه الحكم"، أما الحكم فهو من أسماء # الله تبارك وتعالى كما في هذا الحديث، وقد ورد عده في الأسماء الحسنى ~~مقرونا بالعدل، فسبحان الله ما أحسن اقتران هذين الاسمين! قال في "شرح ~~السنة" الحكم: هو الحاكم الذي إذا حكم لا يرد حكمه، وهذه الصفة لا تليق ~~بغير الله تعالى كما قال تعالى: {والله يحكم لا معقب لحكمه} 2 وقال بعضهم: ~~عرف الخبر في الجملة الأولى، وأتى بضمير الفصل فدل على الحصر. وإن هذا ~~الوصف مختص به لا يتجاوز إلى غيره. # وأما قوله: "وإليه الحكم"، أي: إليه الفصل بين العباد في الدنيا والآخرة، ~~كما قال تعالى: {له الحكم وإليه ترجعون} 3. وقال: {إن الحكم إلا لله يقص ~~الحق وهو خير الفاصلين} 4 وفيه الدليل على المنع من التسمي بأسماء الله ~~المختصة به، والمنع مما يوهم عدم الاحترام لها كالتكني بأبي الحكم ونحوه. ~~PageV01P534 # قوله: "إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم". أي: أنا لم أكن ~~نفسي بهذه الكنية، وإنما كنت أحكم بين قومي فكنوني بها. وفيه جواز التحاكم ~~إلى من يصلح للقضاء، وإن لم يكن قاضيا، وأنه يلزم حكمه. ولهذا قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "ما أحسن هذا". قال الخلخالي: للتعجب، أي: الحكم بين ~~الناس حسن، ولكن هذه الكنية غير حسنة. وقال غيره: أي: الذي ذكرته من الحكم ms460 ~~بالعدل. وقيل: ما أحسن هذا! أي: ما ذكرت من وجه الكنية. قال بعضهم: وهو ~~الأولى. قلت: فعلى هذا يكون حكمه لقومه قبل إسلامه، إذ يبعد أن يكون قاضيا ~~لهم قبل أن يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتعلم منه; لأن هذه القصة ~~كانت بعد إسلامه بقليل، لأنه كان مع وفد قومه حين أسلموا، وقدموا على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ولا يظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحسن ~~أمر حكام الجاهلية. # قوله: "قال: شريح ومسلم وعبد الله". صريح في أن الواو لا تقتضي الترتيب ~~وإنما تقتضي مطلق الجمع، فلذا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأكبر، ~~إذ لو كانت دالة على الترتيب لم يحتج إلى سؤال عن أكبرهم. # قوله: "فأنت أبو شريح"، أي رعاية للأكبر منا في التكريم والإجلال، فإن ~~الكبير أولى بذلك. قال في "شرح السنة": فيه أن يكنى الرجل بأكبر بنيه، فإن ~~لم يكن له ابن، فبأكبر بناته. وكذلك المرأة تكنى بأكبر بنيها فإن لم يكن ~~لها ابن فبأكبر بناتها. انتهى. وفيه تقديم الأكبر، وفيه أن استعمال اللفظ ~~الشريف الحسن مكروه في حق من ليس كذلك، ومنه أن يقول المملوك لسيده وغيره: ~~"ربي" نبه عليه ابن القيم. # PageV01P535 # [42 ### | - باب من هزل بشيء فيه ذكر الله، أو القرآن أو الرسول] # ش: أي: إنه يكفر بذلك لاستخفافه بجناب الربوبية والرسالة، وذلك مناف ~~للتوحيد. ولهذا أجمع العلماء على كفر من فعل شيئا من # PageV01P535 # ذلك فمن استهزأ بالله، أو بكتابه أو برسوله، أو بدينه، كفر ولو هازلا لم ~~يقصد حقيقة الاستهزاء إجماعا. # قال: وقول الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب ... } 1. # ش: يقول تعالى مخاطبا لرسوله صلى الله عليه وسلم: {ولئن سألتهم} ، أي: ~~سألت المنافقين الذين تكلموا بكلمة الكفر استهزاء {ليقولن إنما كنا نخوض ~~ونلعب} 2، أي: يعتذرون بأنهم لم يقصدوا الاستهزاء والتكذيب، إنما قصدوا ~~الخوض في الحديث واللعب: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} 3، لم ~~يعبأ باعتذارهم إما لأنهم كانوا كاذبين فيه، وإما لأن ms461 الاستهزاء على وجه ~~الخوض واللعب لا يكون صاحبه معذورا، وعلى التقديرين فهذا عذر باطل، فإنهم ~~أخطئوا موقع الاستهزاء. # وهل يجتمع الإيمان بالله، وكتابه، ورسوله، والاستهزاء بذلك في قلب؟! بل ~~ذلك عين الكفر فلذلك كان الجواب مع ما قبله {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم} 4. # قال شيخ الإسلام: فقد أمره أن يقول: كفرتم بعد إيمانكم. وقول من يقول: ~~إنهم قد كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولا بقلوبهم لا يصح، لأن ~~الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر. فلا يقال: قد كفرتم بعد ~~إيمانكم فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر، وإن أريد: إنكم أظهرتم الكفر ~~بعد إظهاركم الإيمان، فهم لم يظهروا ذلك إلا لخوضهم، وهم مع خوضهم ما زالوا ~~هكذا، بل لما نافقوا وحذروا {أن تنزل عليهم سورة} ، [التوبة، من الآية: 64] ~~، تبين ما في قلوبهم من النفاق وتكلموا بالاستهزاء، أي: صاروا كافرين بعد ~~إيمانهم. ولا يدل اللفظ على أنهم ما زالوا منافقين إلى أن قال تعالى: {ولئن ~~سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} 5، فاعترفوا ولهذا قيل: {لا تعتذروا قد ~~كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} 6، فدل على أنهم لم ~~يكونوا عند أنفسهم قد أتوا كفرا، بل ظنوا أن ذلك ليس PageV01P536 # بكفر. فتبين أن الاستهزاء بآيات الله ورسوله كفر يكفر به صاحبه بعد ~~إيمانه، فدل على أنه كان عندهم إيمان ضعيف، ففعلوا هذا المحرم الذي عرفوا ~~أنه محرم. ولكن لم يظنوه كفرا وكان كفرا كفروا به، فإنهم لم يعتقدوا جوازه. # وقوله: {إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة} 1. قال ابن كثير: أي: لا يعفى ~~عن جميعكم، ولا بد من عذاب بعضكم بأنهم كانوا مجرمين بهذه المقالة الفاجرة. ~~قيل: إن الطائفة مخشي بن حمير عفا الله عنه وتسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن ~~يقتل شهيدا لا يعلم مقتله، فقتل يوم اليمامة، ولم يعلم مقتله، ولا من قتله، ~~ولا يدرى له عين ولا أثر. وقيل: إن الطائفة زيد بن وديعة. والأول أشهر، ~~ويحتمل أن الله عفا عنهما جميعا. ms462 # وفي الآية دليل على أن الرجل إذا فعل الكفر ولم يعلم أنه كفر لا يعذر ~~بذلك، بل يكفر، وعلى أن الشاك2 كافر بطريق الأولى نبه عليه شيخ الإسلام. # [النهي عن الخوض بآيات الله والاستهزاء بها] # قال: عن ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة دخل حديث بعضهم في ~~بعض أنه "قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا ~~أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء. يعني: رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه القراء. فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخبره، ~~فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ~~ارتحل وركب ناقته فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث ~~الركب نقطع به عنا الطريق قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة3ناقة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة لتنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا ~~نخوض ونلعب فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبالله وآياته ورسوله ~~كنتم تستهزئون ما يلتفت إليه وما يزيد عليه". PageV01P537 # ش: هذا الأثر ذكره المصنف مجموعا من رواية ابن عمر، ومحمد بن كعب، وزيد ~~بن أسلم، وقتادة، وقد ذكره قبله كذلك شيخ الإسلام. فأما أثر ابن عمر فرواه ~~ابن جرير، وابن أبي حاتم، وغيرهما بنحو مما ذكره المصنف. وأما أثر محمد بن ~~كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة فهي معروفة لكن بغير هذا اللفظ. # قوله: "عن ابن عمر". هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما. # ومحمد بن كعب هو محمد بن كعب بن سليم أبو حمزة القرظي المدني. قال ~~البخاري: إن أباه كان ممن لم ينبت من بني قريظة، وهو ثقة عالم مات سنة ~~عشرين ومئة. # وزيد بن أسلم هو مولى عمر بن الخطاب، والد عبد الرحمن وإخوته، يكنى أبا ~~عبد الله، ثقة مشهور مات سنة ست ms463 وثلاثين ومئة. # وقتادة هو ابن دعامة وتقدم. # قوله: "دخل حديث بعضهم في بعض"، أي: إن الحديث مجموع من رواياتهم، فلذلك ~~دخل بعضه في بعض. # قوله: "إنه قال رجل في غزوة تبوك"، لم أقف على تسمية القائل لذلك أبهم ~~اسمه في جميع الروايات التي وقفت عليها. ولكن قد ورد تسمية جماعة ممن نزلت ~~فيهم الآية مع اختلاف الرواية فيما قالوه من الكلام. ففي بعض الروايات أنهم ~~قالوا ما ذكره المصنف. # وعن مجاهد في الآية: "قال رجل من المنافقين يحدثنا محمد أن ناقة فلان ~~بواد كذا وكذا في يوم كذا وكذا وما يدريه بالغيب؟! ". رواه ابن أبي شيبة، ~~وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وعن قتادة قال: "بينما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في غزوته إلى تبوك، وبين يديه أناس من المنافقين، فقالوا: يرجو ~~هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها؟! هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ~~على ذلك، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم احبسوا علي الركب. فأتاهم فقال: ~~"قلتم كذا، وقلتم كذا. قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب" فأنزل الله ~~فيهم ما تسمعون. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم. # وفي رواية جابر بن عبد الله عند ابن # PageV01P538 # مردويه: " كان فيمن تخلف من المنافقين بالمدينة وداعه بن ثابت أحد بني ~~عمرو بن عوف، فقيل له: ما خلفك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~الخوض واللعب، فأنزل الله فيه وفي أصحابه {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا ~~نخوض ونلعب ... } ". # وسمى ابن عباس في رواية عند ابن مردويه منهم: وديعة بن ثابت ومخشي بن ~~حمير، وأنهم قالوا: أتحسبون أن قتال بني الأصفر كقتال غيرهم، والله لكأنكم ~~غدا تفرون في الجبال. القصة بكمالها. فيحتمل أنهم قالوا ذلك كله، فإن ~~المنافقين إذا خلوا إلى شياطينهم أخذوا في الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ~~والمؤمنين، فلا يبعد أنهم قالوا ذلك. فكل ذكر بعض كلامهم، والآية تعم ذلك. # وفي هذه الروايات ذكر أسماء القائلين لبعضهم ذلك، منهم: وديعة بن ثابت ~~وقيل وداعة، وزيد ابن وديعة، ms464 ومخشي بن حمير الذي تاب الله عليه، لكنه لم ~~يقل ذلك إنما حضره. # وفي بعض الروايات أن عبد الله بن أبي هو الذي قال ذلك، لكن رده ابن ~~القيم1 بأن ابن أبي تخلف عن غزوة تبوك. # وذكر ابن إسحاق أسماء الذين هموا بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فعد جماعة، فيحتمل أنهم من المستهزئين، ويحتمل أنهم غيرهم. ولهذا قال تعالى ~~في المستهزئين: {قد كفرتم بعد إيمانكم} 2 وفي الآخرين: {ولقد قالوا كلمة ~~الكفر وكفروا بعد إسلامهم} 3. # قوله: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء". القراء جمع قارئ وهم عند السلف الذين ~~يقرؤون القرآن ويعرفون معانيه، أما قراءته من غير فهم لمعناه، فلا يوجد في ~~ذلك العصر، وإنما حدث بعد ذلك من جملة البدع. # قوله: "أرغب بطونا"، أي: أوسع بطونا. الرغب والرغيب: الواسع يقال: جوف ~~رغيب وواد رغيب يصفونهم بسعة البطون، وكثرة الأكل، كما روى أبو نعيم عن ~~شريح بن عبيد "أن رجلا قال لأبي الدرداء: ما بالكم أجبن منا وأبخل إذا ~~سئلتم، وأعظم لقما إذا PageV01P539 # أكلتم، فأعرض عنه أبو الدرداء ولم يرد عليه شيئا، وأخبر بذلك عمر بن ~~الخطاب، فانطلق عمر إلى الرجل الذي قال ذلك، فأخذه بثوبه وخنقه، وقاده إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرجل: إنما كنا نخوض ونلعب". # قوله: "فقال له عوف بن مالك": كذبت ولكنك منافق. فيه المبادرة في الإنكار ~~والشدة على المنافقين، وجواز وصف الرجل بالنفاق إذا قال أو فعل ما يدل ~~عليه. # قوله: "لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم". فيه أن هذا وما أشبهه لا ~~يكون غيبة ولا نميمة، بل هو من النصح لله ورسوله، فينبغي الفرق بين الغيبة ~~والنميمة، وبين النصيحة لله ورسوله، فذكر أفعال المنافقين والفساق لولاة ~~الأمور; ليزجروهم، ويقيموا عليهم أحكام الشريعة ليس من الغيبة والنميمة. ~~انتهى. # قوله: "فوجد القرآن قد سبقه"، أي: جاءه الوحي من الله بما قالوه في هذه ~~الآية {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب} 1، وفيه دلالة على علم ~~الله سبحانه، وعلى قدرته وإلهيته، وعلى أن ms465 محمدا رسول الله. # قوله: "فجاء ذلك الرجل"، قد تقدم أنه ابن أبي كما رواه ابن المنذر، وابن ~~أبي حاتم عن ابن عمر، لكن رده ابن القيم2 [بأن ابن أبي تخلف عن غزوة تبوك] ~~. # وفي هذا الحديث من الفوائد: # أن الإنسان قد يكفر بكلمة يتكلم بها أو عمل يعمل به، وأشدها خطرا إرادات ~~القلوب فهي كالبحر الذي لا ساحل له. ويفيد الخوف من النفاق الأكبر، فإن ~~الله تعالى أثبت لهؤلاء PageV01P540 # إيمانا قبل أن يقولوا ما قالوه، كما قال ابن أبي مليكة: "أدركت ثلاثين من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النفاق على نفسه" نسأل الله ~~السلامة والعفو والعافية في الدنيا والآخرة. # PageV01P541 # [43 ### $ - باب قول الله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي ... } 1] # ذكر المصنف رحمه الله تعالى عن ابن عباس وغيره من المفسرين في معنى هذه ~~الآية وما بعدها ما يكفي في المعنى ويشفي. # قوله: قال مجاهد: هذا بعملي وأنا محقوق به. وقال ابن عباس: يريد من عندي. ~~وقوله: {قال إنما أوتيته على علم عندي} 2, قال قتادة: على علم مني بوجوه ~~المكاسب. وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل، وهذا معنى قول مجاهد: ~~أوتيته على شرف. # قوله: باب: قول الله تعالى: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته} ~~الآية 3. # وليس فيما ذكروه اختلاف، وإنما هي أفراد المعنى. # قال ابن كثير رحمه الله في معنى قوله تعالى: {ثم إذا خولناه نعمة منا قال ~~إنما أوتيته على علم بل هي فتنة} 4، يخبر أن الإنسان في حال الضر يضرع إلى ~~الله تعالى وينيب إليه ويدعوه، ثم إذا خوله نعمة منا طغى وبغى وقال: {إنما ~~أوتيته على علم} 5، أي لما يعلم من استحقاقي له، ولولا أني عند الله حظيظ ~~لما خولني هذا. قال تعالى: {بل هي فتنة} 6، أي ليس الأمر كما زعمتم، بل ~~إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة، لنختبره فيما أنعمنا عليه، أيطيع أم يعصي؟ ~~مع علمنا المتقدم بذلك. {بل هي فتنة} 7، أي اختبار ms466 {ولكن PageV01P541 # أكثرهم لا يعلمون} 1، فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون ما يدعون {قد قالها ~~الذين من قبلهم} 2، أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى ~~كثير ممن سلف من # الأمم {فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون} 3، أي: فما صح قولهم، ولا نفعهم ~~جمعهم وما كانوا يكسبون، كما قال تعالى مخبرا عن قارون: {إذ قال له قومه لا ~~تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس ~~نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله ~~لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك ~~من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم ~~المجرمون} 4. وقال تعالى: {وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن ~~بمعذبين} 5. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص، وأقرع، وأعمى، فأراد الله أن يبتليهم فبعث ~~إليهم ملكا فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ~~ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به. قال: فمسحه فذهب عنه قذره، فأعطي لونا ~~حسنا وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر، شك إسحاق، ~~فأعطي ناقة عشراء. وقال: بارك الله لك فيها. قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء ~~أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه ~~وأعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأعطي ~~بقرة حاملا. قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ ~~قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس، فمسحه فرد الله إليه بصره. قال ~~فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا، فأنتج هذان، وولد هذا، ~~فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من PageV01P542 # الغنم. قال: ثم إنه أتى ms467 الأبرص في صورته وهيأته فقال: رجل مسكين [وابن ~~سبيل] قد انقطعت به الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك ~~أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في ~~سفري. فقال: الحقوق كثيرة فقال: كأني أعرفك؟ ألم تكن أبرص يقذرك الناس؟ ~~فقيرا فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. ~~فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت به، وأتى الأقرع في صورته فقال ~~له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا. فقال: إن كنت كاذبا ~~فصيرك الله إلى ما كنت. قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن ~~سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، ~~أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري. فقال: قد كنت أعمى فرد ~~الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته ~~لله. فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك". ~~أخرجاه. # قوله:"أخرجاه". أي: البخاري ومسلم. # والناقة العشراء: بضم العين وفتح الشين وبالمد: هي الحامل. # قوله:"أنتج". وفي رواية: فنتج; معناه: تولى نتاجها، والناتج للناقة ~~كالقابلة للمرأة. # قوله:"ولد هذا". هو بتشديد اللام. أي: تولى ولادتها، وهو بمعنى: أنتج في ~~الناقة، فالمولد والناتج والقابلة بمعنى واحد، لكن هذا للحيوان، وذلك ~~لغيره. # قوله:"انقطعت بي الحبال": هو بالحاء المهملة والباء الموحدة: هي الأسباب. # PageV01P543 # قوله:"لا أجهدك". معناه: لا أشق عليك في رد شيء تأخذه، أو تطلبه من مالي. ~~ذكره النووي. # وهذا حديث عظيم، وفيه معتبر، فإن الأولين جحدا نعمة الله، فما أقرا لله ~~بنعمته، ولا نسبا النعمة إلى المنعم بها، ولا أديا حق الله، فحل عليهما ~~السخط. وأما الأعمى فاعترف بنعمة الله، ونسبها إلى من أنعم عليه بها، وأدى ~~حق الله فيها، فاستحق الرضى من الله بقيامه بشكر النعمة لما أتى بأركان ~~الشكر الثلاثة التي لا يقوم الشكر إلا بها، وهي: الإقرار ms468 بالنعمة، ونسبتها ~~إلى المنعم، وبذلها فيما يحب. # قال العلامة ابن القيم رحمه الله:"أصل الشكر هو الاعتراف بإنعام المنعم ~~على وجه الخضوع له، والذل، والمحبة، فمن لم يعرف النعمة، بل كان جاهلا بها، ~~لم يشكرها، ومن عرفها ولم يعرف المنعم بها، لم يشكرها أيضا، ومن عرف النعمة ~~والمنعم، لكن جحدها كما يجحدها المنكر لنعمة المنعم عليه بها، فقد كفرها، ~~ومن عرف النعمة والمنعم بها وأقر بها ولم يجحدها، ولكن لم يخضع له ولم يحبه ~~ولم يرض به وعنه، لم يشكره أيضا، ومن عرفها وعرف المنعم بها وأقر بها وخضع ~~للمنعم بها وأحبه ورضي به وعنه، واستعملها في محابه وطاعته، فهذا هو الشاكر ~~لها. فلا بد في الشكر من علم القلب، وعمل يتبع العلم، وهو الميل إلى المنعم ~~ومحبته والخضوع له". # قوله:"قذرني الناس"، بكراهة رؤيته وقربه منهم. # PageV01P544 ### | باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون} # ... # [44- بابقول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى الله عما يشركون} 1] . # قال ابن حزم: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، كعبد عمرو، وعبد ~~الكعبة، وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب. # وعن ابن عباس في الآية قال: لما تغشى آدم حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني ~~صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعني أو PageV01P544 # لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه ولأفعلن ولأفعلن يخوفهما، سمياه ~~عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا، ثم حملت فأتاهما فقال مثل قوله، ~~فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا ثم حملت فأتاهما فذكر لهما فأدركهما حب الولد، ~~فسمياه عبد الحارث فذلك قوله: {جعلا له شركاء فيما آتاهما} 1 رواه ابن أبي ~~حاتم. # وله بسند صحيح عن قتادة قال: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته. # وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: {لئن آتيتنا صالحا} 2.قال: أشفقا أن لا ~~يكون إنسانا، وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. # قوله: باب قول الله تعالى: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما ~~فتعالى ms469 الله عما يشركون} 3. # قال الإمام أحمد رحمه الله في معنى هذه الآية: حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر ~~بن إبراهيم حدثنا قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال:"لما ولدت حواء طاف بها إبليس، وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد ~~الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، فكان ذلك من وحي الشيطان وأمره" ~~4. رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن جرير، والحاكم وصححه5. ولهذا ذكر ~~الضمير في آخرها بصيغة الجمع استطرادا من ذكر الشخص إلى الجنس. ومعنى ~~الآية: أنه تعالى يخبر عن مبدأ الجنس الإنساني، وما فيه لله من عجائب ~~القدرة، فأوجد هذا الجنس على كثرته واختلاف أنواعه {من نفس واحدة} ، وهو ~~آدم عليه السلام، {وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها} أي: وطئها و ~~{حملت حملا خفيفا} ، وذلك PageV01P545 # الحمل لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة. # وقوله: {فمرت به} ، قال مجاهد: استمرت عليه، وقال مهران: استخفته، وقال ~~ابن جرير: استمرت بالماء وقامت به وقعدت {فلما أثقلت} ، أي: صارت ذات ثقل ~~بحملها. قال السدي: كبر في بطنها {دعوا الله ربهما} 1، أي: أن آدم وحواء ~~عليهما السلام، {دعوا الله ... لئن آتيتنا صالحا} 2. بشرا سويا. قال ابن ~~عباس: أشفقا أن يكون بهيمة {لنكونن من الشاكرين} 3، أي: لنشكرك على ذلك. ~~انتهى ملخصا من ابن كثير وفيه زيادة. # وقوله: {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء} 4، أي: لله شركاء فيما آتاهما ~~أي: لم يقوما بشكر ذلك على الوجه المرضي كما وعدا بذلك، بل جعلا لي فيه ~~شركاء فيما أعطيتهما من الولد الصالح، والبشر السوي، بأن سمياه عبد الحارث، ~~فإن من تمام الشكر أن لا يعبد الاسم إلا لله، وإذا تأملت سياق الكلام من ~~أوله إلى آخره مع ما فسره به السلف تبين قطعا أن ذلك في آدم وحواء عليهما ~~السلام، فإن فيه غير موضع يدل على ذلك5. والعجب ممن يكذب بهذه القصة، وينسى ~~ما جرى أول مرة ويكابر بالتفاسير المبتدعة، ويترك تفاسير السلف وأقوالهم. ~~وليس المحذور في ms470 هذه القصة بأعظم من المحذور في المرة الأولى. # وقوله تعالى: {عما يشركون} هذا والله أعلم عائد إلى المشركين من القدرية، ~~فاستطرد من ذكر الشخص إلى الجنس وله نظائر في القرآن. # قوله:"قال ابن حزم": هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري ~~المشهور صاحب كتاب"الإجماع"و"الإيصال"و"المحلى"وغيرها من المصنفات. ~~PageV01P546 # قوله:"اتفقوا": الظاهر أن المراد أجمعوا، فمقصوده حكاية الإجماع لا حكاية ~~الاتفاق على طريقة المتأخرين. # قوله: "حاشا عبد المطلب". قال ابن القيم: "لا تحل التسمية بعبد علي، وعبد ~~الحسين، ولا عبد الكعبة، وقد روى ابن أبي شيبة عن هانئ [ابن يزيد أبي] شريح ~~قال: "وفد على النبي صلى الله عليه وسلم قوم فسمعهم يسمون رجلا عبد الحجر ~~فقال له ما اسمك قال: عبد الحجر. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"إنما أنت عبد الله". # فقيل: كيف يتفقون على تحريم الاسم المعبد لغير الله؟ وقد صح عنه صلى الله ~~عليه وسلم"تعس عبد الدينار" 1 الحديث. وصح عنه أنه قال: "أنا النبي لا كذب ~~أنا ابن عبد المطلب" 2. # فالجواب: أما قوله:"تعس عبد الدينار". فلم يرد الاسم، وإنما أراد به ~~الوصف والدعاء على من يعبد قلبه الدينار والدرهم، فرضي بعبوديتهما عن ~~عبودية الله تبارك وتعالى. # وأما قوله:"أنا ابن عبد المطلب". فهذا ليس من باب إنشاء التسمية بذلك، ~~وإنما هو من باب الإخبار بالاسم الذي عرف به المسمى دون غيره، والإخبار ~~بمثل ذلك على وجه تعريف المسمى لا يحرم. ولا وجه لتخصيص أبي محمد [ابن حزم] ~~ذلك بعبد المطلب خاصة، فقد كان أصحابه يسمون بعبد شمس، وبني عبد الدار ~~بأسمائهم، ولا ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فباب الإخبار أوسع ~~من الإنشاء فيجوز فيه ما لا يجوز في الإنشاء. انتهى ملخصا، وهو حسن. # ولكن بقي إشكال وهو أن في الصحابة من اسمه المطلب بن ربيعة ابن الحارث بن ~~عبد المطلب. # فالجواب: أما من اسمه عبد شمس، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد ~~الله كما ذكروا ذلك في تراجمهم، وأما المطلب ms471 بن ربيعة فذكر ابن عبد البر أن ~~اسمه عبد المطلب وقال: كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم [ولم] ~~يغير اسمه فيما علمت. وقال الحافظ: وفيما قاله نظر، فإن الزبير أعلم من ~~PageV01P547 # غيره بنسب قريش، ولم يذكر أن اسمه إلا المطلب، وقد ذكر العسكري أن أهل ~~النسب إنما يسمونه المطلب. # وأما أهل الحديث فمنهم من يقول: المطلب، ومنهم من يقول: عبد المطلب. وأما ~~عبد يزيد أبو ركانة فذكره الذهبي في"التجريد"وقال أبو ركانة: طلق امرأته ~~وهذا لا يصح، والمعروف أن صاحب القصة ركانة، وروى حديثه أبو داود ~~في"السنن"عن ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أبو ركانة وإخوته أم ركانة وذكر ~~الحديث، ثم قال: وحديث نافع بن عجير، وعبد الله علي بن يزيد بن ركانة عن ~~أبيه عن جده أن ركانة طلق امرأته البتة، فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم ~~واحدة، أصح، لأنهم ولد الرجل وأهله، وهم أعلم به. فقد تبين أنه ليس من ~~الصحابة من أولاء] من] تصح له صحبته. فعلى هذا لا تجوز التسمية بعبد المطلب ~~ولا غيره مما عبد لغير الله، وكيف تجوز التسمية وقد أجمع العلماء على تحريم ~~التسمية ب: عبد النبي، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي، وعبد الحسين، ~~وعبد الكعبة؟! وكل هذه أولى بالجواز من عبد المطلب لو جازت التسمية به. ~~وأيضا فقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن التسمية بعبد الحارث من وحي ~~الشيطان، وأمره بعبد المطلب كعبد الحارث، لا فرق بينهما، إلا أن أصدق ~~الأسماء الحارث وهمام، فلعله أولى بالجواز. لا يقال: إن الحارث اسم ~~للشيطان، لأنه وإن كان اسما له، فلا فرق في ذلك بين جميع من اسمه الحارث. ~~فلا يجوز التسمية به وإن نوى عبد الحارث بن هشام أو غيره. # فإن قلت: إذا كان ابن حزم قد حكى الإجماع على جواز التسمية بعبد المطلب، ~~فكيف يجوز خلافه؟ # قلت: كلام ابن حزم ليس صريحا في حكاية الإجماع على جواز ذلك بعبد المطلب، ~~فإن لفظه: اتفقوا على تحريم كل اسم ms472 معبد لغير الله، كعبد العزى، وعبد هبل، ~~وعبد عمرو، وعبد الكعبة، وما أشبه ذلك حاشا عبد المطلب. واتفقوا على إباحة ~~كل اسم بعد ما ذكرنا ما لم يكن # PageV01P548 # اسم نبي، أو اسم ملك إلى آخر كلامه. فيحتمل أن مراده حكاية الخلاف فيه، ~~ويكون التقدير: اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله حاشا عبد المطلب، ~~أي: فإنهم لم يتفقوا على تحريمه، بل اختلفوا، ويؤيده أنه قال بعده: واتفقوا ~~على إباحة كل اسم بعد ما ذكرنا إلى آخره. ويكون المراد حاشا عبد المطلب، ~~فلا أحفظ ما قالوا فيه، ويكون سكوتا منه عن حكاية إجماعا، أو خلاف فيه، ~~وعلى تقدير أن مراده حكاية الإجماع من جواز ذلك، فليس كل من حكى إجماعا ~~يسلم له، ولا كل إجماع يكون حجة أيضا، فكيف والخلاف موجود، والسنة فاصلة ~~بين المتنازعين؟ وغاية حجة من أجازه قوله عليه السلام: "أنا ابن عبد ~~المطلب" ونحوه، أو أن بعض الصحابة اسمه عبد المطلب. وقد تقدم الجواب عن ~~ذلك، وأيضا فلو كان قوله: "أنا ابن عبد المطلب" حجة على جواز التسمية به ~~لكان قوله: "إنما بنو هاشم، وبنو عبد مناف شيء واحد" حجة على جواز التسمية ~~بعبد مناف، ولكن فرق بين إنشاء التسمية وبين الإخبار بذلك عمن هو اسمه. # وقوله:"في الآية"، أي: المترجم لها # قوله:"تغشاها"، أي: حواء، أي.: وطئها، عليهما السلام. # قوله:"أو لأجعلن له"، أي: لولدكما. # قوله:"قرني أيل". هو بالتثنية أو الإضافة، وأيل بفتح الهمزة وكسر المثناة ~~التحتية المشددة: ذكر الأوعال، والمعنى: أنه يخوفهما بكونه يجعل للولد قرني ~~وعل، فيخرج من بطنها فيشقه كما قال: فيخرج من بطنك فيشقه. # قوله:"ولأفعلن ولأفعلن" يخوفهما بغير ما ذكر، ويزعم أنه يفعل بهما غير ~~ذلك. # قوله:"سمياه عبد الحارث"، قال سعيد ين جبير: كان اسمه في # PageV01P549 # الملائكة الحارث، وكان مراده أن سمياه بذلك، ليكون قد وجد له صورة ~~الإشراك به، فإن هذا من باب كيد إبليس إذا عجز عن الآدمي أن يوقعه في ~~المعصية الكبيرة، قنع منه بالصغيرة، وأيضا فإنه يحصل له منهما طاعته كما ms473 ~~أطاعا أول مرة، كما روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن زيد بن ~~أسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خدعهما مرتين" قال: زيد ~~خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض. # قوله:"فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا". إلخ. هذا والله أعلم من الامتحان فإن ~~الإنسان لا عزم له، وإن عاين ماذا عساه أن يعلن من الآيات إلا بتوفيق الله ~~تعالى. فإن الطبيعة البشرية تغلب عليه كما غلبت على الأبوين مرتين، مع ما ~~وقع لهما قبل من التحذير والإنذار عن كيد إبليس وعداوته لهما، ومع ذلك ~~أدركهما حب الولد فسمياه عبد الحارث، وكان ذلك شركا في التسمية وإن لم ~~يقصدا العبادة للشيطان، بل قصدا به فيما ظنا، إما دفع شره عن حواء، وإما ~~الخوف على الولد من الموت. كما روى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن أبي بن ~~كعب قال:"لما حملت حواء، أتاها الشيطان فقال: أتطيعينني ويسلم ولدك؟ سميه ~~عبد الحارث فلم تفعل فولدت فمات، ثم حملت فقال لها مثل ذلك فلم تفعل. ثم ~~حملت الثالثة فقال: أتطيعينني يسلم لك ولدك وإلا فإنه يكون بهيمة فهيبها ~~فأطاعاه". رواه ابن أبي حاتم. قلت: وإسناده صحيح. ورواه سعيد ابن منصور ~~وابن المنذر. وعن ابن عباس قال:"كانت حواء تلد لآدم أولادا فتعبدهم لله، ~~وتسميه عبد الله وعبيد الله ونحو ذلك فيصيبهم الموت، فأتاها إبليس وآدم ~~فقال: إنكما لو تسميانه بغير ما تسميانه لعاش، فولدت له رجلا فسمياه عبد ~~الحارث ففيه أنزل {هو الذي خلقكم من نفس واحدة ... } إلى آخر الآية". رواه ~~ابن مردويه. # قوله: شركاء في طاعته ولم يكن في عبادته، أي: لكونهما أطاعاه في التسمية ~~بعبد الحارث، لا أنهما عبداه فهو دليل على # PageV01P550 # الفرق بين شرك الطاعة وبين شرك العبادة. قال بعضهم: تفسير قتادة في هذه ~~الآية بالطاعة، لأن المراد بها على كلام كثير من المفسرين آدم وحواء عليهما ~~السلام، فناسب تفسيرها بالطاعة، لأنهما أطاعا الشيطان في تسمية الولد بعبد ~~الحارث. # وقد استشكله بعض المعاصرين بما حاصله أنهم قد ms474 فسروا العبادة بالطاعة، ~~فيلزم على قول قتادة أن يكون الشرك في العبادة. # والجواب: أن تفسير العبادة بالطاعة من التفسير اللازم، فإنه لازم العبادة ~~أن يكون العابد مطيعا لمن عبده بها، فلذا فسرت بالطاعة. أو يقال: هو من ~~التفسير بالملزوم وإرادة اللازم، أي: لما كانت الطاعة ملزوما للعبادة، ~~والعبادة لازمة لها، فلا تحصل إلا بالطاعة، جاز تفسيرها بذلك وهو أصح. ~~وبالجملة فلا إشكال في ذلك بحمد الله. # فإن قلت: قد سمى النبي صلى الله عليه وسلم طاعة الأحبار والرهبان في ~~معصية الله عبادة. # قلت: راجع الكلام على حديث عدي يتضح الجواب. # قوله:"أشفقا"، أي: خافا أي: آدم وحواء أن لا يكون إنسانا. قال أبو صالح: ~~أشفقا أن يكون بهيمة فقال: لئن آتيتنا بشرا سويا. رواه ابن أبي حاتم. وفي ~~هذا أن هبة الله للرجل البنت السوية من النعم ذكره المصنف، وذلك أن الله ~~سبحانه وتعالى قادر على أن يجعلها غير سوية، وأن يجعلها من غير الجنس. فلا ~~ينبغي للرجل أن يسخط مما وهبه الله له كما يفعل أهل الجاهلية، بل يحمد الله ~~الذي جعلها بشرية سوية. ولهذا كانت عائشة رضي الله عنها إذا بشرت بمولود لم ~~تسأل إلا عن صورته لا عن ذكوريته وأنوثيته. # قوله:"وذكر". أي: ذكر ابن أبي حاتم فإنه روى ذلك عمن ذكر المصنف معناه عن ~~الحسن، وهو البصري. قوله:"وسعيد"، أي ابن جبير وغيره كالسدي. وغيره. # PageV01P551 # [45 ### | - باب قول الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه} # 1] # يخبر تعالى أن له أسماء وصفها بكونها حسنى أي: حسان. وقد بلغت الغاية في ~~الحسن فلا أحسن منها، كما يدل عليه من صفات الكمال، ونعوت الجلال، فأسماؤه ~~الدالة على صفاته هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها، ولا ~~يقوم غيرها مقامها. وتفسير الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمراد محض، بل هو ~~على سبيل التقريب والتفهيم، فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى ~~وأبعده، وأنزهه عن شائبة نقص، فله من صفة الإدراكات العليم الخبير دون ms475 ~~العالم الفقيه، والسميع البصير دون السامع والباصر، ومن صفات الإحسان البر ~~الرحيم الودود، دون الرفيق والشفيق والمشوق. وكذلك العلي العظيم، دون ~~الرفيع الشريف، وكذلك الكريم، دون السخي. والخالق البارئ المصور، دون ~~الصانع الفاعل المشكل، والعفو الغفور، دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسماء ~~الله تعالى يجري على نفسه أكملها وأحسنها، ولا يقوم غيره مقامه فأسماؤه ~~أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا نعدل عما سمى به نفسه إلى ~~غيره، كما لا يتجاوز ما وصف به نفسه، PageV01P552 # ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم إلى ما وصفه به المبطلون. # ومن هنا يتبين لك خطأ من أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها; ~~لأن اللفظ الذي أطلقه سبحانه على نفسه، وأخبر به عنها أتم من هذا، وأكمل ~~وأجل شأنا، فإنه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها. فيوصف من ~~الإرادة بأكملها، وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته. كما قال تعالى: ~~{فعال لما يريد} ، [البروج: 16] ، وبإرادة اليسر لا العسر. كما قال تعالى: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} 1 # وبإرادة الإحسان وتمام النعمة على عباده كقوله تعالى: {والله يريد أن ~~يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} 2. فإرادة ~~التوبة له وإرادة الميل لمبتغي الشهوات. وقوله: {ما يريد الله ليجعل عليكم ~~من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم} 3. وكذلك العليم الخبير أكمل ~~من الفقيه العارف، والكريم الجواد أكمل من السخي، والرحيم أكمل من الشفيق، ~~والخالق البارئ المصور أكمل من الفاعل الصانع; ولهذا لم تجئ هذه في أسمائه ~~الحسنى، فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، ~~والوقوف معها وعدم إطلاق ما لم يطلقه على نفسه، ما لم يكن مطابقا لمعنى ~~أسمائه وصفاته. # وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولا سيما إذا كان مجملا، أو ~~منقسما، أو ما يمدح به وغيره، فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدا، وهذا كلفظ ~~الفاعل والصانع، فإنه لا يطلق عليه في أسمائه الحسنى إلا إطلاقا مقيدا كما ~~أطلقه على ms476 نفسه كقوله: {فعال لما يريد} ،4, وقوله: {ويفعل الله ما يشاء} 5. ~~وقوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء} فإن اسم الفاعل والصانع منقسم المعنى ~~إلى ما يمدح عليه ويذم، فلهذا المعنى - والله أعلم - لم يجئ في الأسماء ~~الحسنى المريد، كما جاء فيها السميع PageV01P553 # البصير، ولا المتكلم الآمر الناهي، لانقسام مسمى هذه الأسماء، بل وصف ~~نفسه بكمالاتها، وشرف أنواعها. # ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين، وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه من ~~كل فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا، وأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق منها ~~اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، والمضل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~انتهى ملخصا من كلام الإمام ابن القيم. # وقيل: فصل الخطاب في أسماء الله الحسنى، هل هي توقيفية أم لا؟ # وحاصله أن ما يطلق عليه من باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يطلق من باب ~~الإخبار لا يجب أن يكون توقيفيا، كالقديم والشيء الموجود، والقائم بنفسه، ~~والصانع، ونحو ذلك. # فادعوه بها، أي: اسألوه، وتوسلوا إليه بها كما تقول: اغفر لي وارحمني إنك ~~أنت الغفور الرحيم. فإن ذلك من أقرب الوسائل وأحبها إليه، كما ~~في"المسند"والترمذي "ألظوا بياذا الجلال والإكرام" 1. والحديث الآخر سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو وهو يقول: "اللهم إني أسألك بأني أشهد ~~أنك أنت الله الذي لا إله إلا أنت، الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم ~~يكن له كفوا أحد، فقال:"والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم الذي ~~إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى" 2. رواه الترمذي وغيره. # وقوله عليه السلام: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، ~~وبك منك، لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" 3. حديث صحيح رواه ~~مسلم، وغيره. # ومنه: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع ~~السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام" 4. رواه الترمذي بنحوه، واللفظ ~~لغيره. PageV01P554 # قال ابن القيم: "فهذا سؤال له، وتوسل إليه بحمده وأنه لا إله إلا هو ~~المنان. فهو توسل إليه بأسمائه، وصفاته، ms477 وما أحق ذلك بالإجابة، وأعظمه ~~موقعا عند السؤال! وأعلم أن الدعاء بها أحد مراتب إحصائها الذي قال فيه ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" ~~1 رواه البخاري، وغيره. # وهي ثلاث مراتب: # المرتبة الأولى: إحصاء ألفاظها، وأسمائها، وعددها. # المرتبة الثانية: فهم معانيها، ومدلولها. # المرتبة الثالثة: دعاؤه بها كما في الآية، وهو نوعان: # دعاء ثناء وعبادة، ودعاء طلب ومسألة، فلا يثني عليه إلا بأسمائه الحسنى، ~~وصفاته العلا، وكذا لا يسأل إلا بها. فلا يقال: يا موجود ويا شيء ويا ذات ~~اغفر لي، بل يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب. فيكون السائل ~~متوسلا إليه بذلك الاسم. ومن تأمل أدعية الرسل، لا سيما خاتمهم عليه وعليهم ~~السلام، وجدها مطابقة لهذا كما تقول: رب اغفر لي وارحمني إنك أنت الغفور ~~الرحيم. ولا يحسن: إنك أنت السميع العليم البصير، ولكن أسماؤه تعالى منها ~~ما يطلق عليه مفردا، وهو غالب الأسماء كالقدير، والسميع، والبصير، والحكيم. ~~فهذا يسوغ أن يدعى به مفردا، ومقترنا بغيره. فتقول: يا عزيز، يا حكيم، يا ~~قدير، يا سميع، يا بصير، وإن انفرد كل اسم. وكذلك في الثناء عليه، والخبر ~~عنه. وبه يسوغ لك الإفراد والجمع. # ومنها ما لا يطلق عليه مفردا، بل مقرونا بمقابله. كالمانع، والضار، ~~والمنتقم، والمذل، فلا يجوز أن يفرد هذا عن مقابله، فإنه مقرون بالمعطي، ~~والنافع، والعفو، والعزيز والمعز. فهو المعطي المانع، الضار النافع، ~~المنتقم العفو، المعز المذل; لأن الكمال في اقتران كل اسم من هذا بمقابله، ~~لأنه يراد به أنه PageV01P555 # المتفرد بالربوبية، وتدبير الخلق، والتصرف فيهم إعطاء ومنعا، ونفعا وضرا، ~~وانتقاما وعفوا، وإعزازا وإذلالا. فأما الثناء عليه بمجرد المنع والانتقام ~~والإضرار، فلا يسوغ، فهذه الأسماء الممزوجة يجري الاسمان منها مجرى الاسم ~~الواحد الذي يمتنع فصل بعض حروفه من بعض. ولذلك لم تجئ مفردة، ولم تطلق ~~عليه إلا مقترنة. فلو قلت: يا ضار، يا مانع، يا مذل، لم تكن مثنيا عليه، ~~ولا حامدا له حتى تذكر مقابلتها". انتهى ملخصا ms478 من كلام ابن القيم. وفيه بعض ~~زيادة، وبه يظهر الجواب عما قد يرد على ما سبق. # ذكر الأسماء الحسنى التي ورد عدها في الحديث: # لما كان إحصاء الأسماء الحسنى والعمل بها أصلا للعمل بكل معلوم، وكانت ~~سعادة الدنيا والآخرة مرتبة عليها فما حصل من آثارها للعباد، هو الذي أوجب ~~لهم دخول الجنة، ولهذا جاء الحديث الصحيح المتفق عليه أن "من أحصاها دخل ~~الجنة" 1. وذكرنا مراتب الإحصاء، لأن العبد محتاج، بل مضطر إلى معرفتها فوق ~~كل ضرورة. # وقد قيل: إن الله ذكرها كلها في القرآن. ولا ريب أن الله تعالى ذكر ~~أكثرها بلفظها، و [ما] لم يذكره بلفظه، ففي القرآن ما يدل عليه. # قال الترمذي: حدثنا إبراهيم بن يعقوب، أخبرنا صفوان بن صالح، أخبرنا ~~الوليد بن مسلم أخبرنا شعيب بن أبي حمزة: عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة ~~وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة هو الله الذي لا إله إلا هو. الرحمن. ~~الرحيم. الملك القدوس. السلام. المؤمن. المهيمن. العزيز. الجبار. المتكبر. ~~الخالق. البارئ. المصور. الغفار. القهار. الوهاب. الرزاق. الفتاح. العليم. ~~القابض. الباسط. الخافض. الرافع. المعز. المذل. السميع. PageV01P556 # البصير. الحكم. العدل. اللطيف. الخبير. الحليم. العظيم. الغفور. الشكور. ~~العلي. الكبير. الحفيظ. المقيت. الحسيب. الجليل. الكريم. الرقيب. المجيب. ~~الواسع. الحكيم. الودود. المجيد. الباعث. الشهيد. الحق. الوكيل. القوي. ~~المتين. الولي. الحميد. المحصي. المبدئ. المعيد. المحيي. المميت. الحي. ~~القيوم. الواجد. الماجد. الواحد. الأحد. الصمد. القادر. المقتدر. المقدم. ~~المؤخر. الأول. الآخر. الظاهر. الباطن. الوالي. المتعال. البر. التواب. ~~المنعم. المنتقم. العفو. الرؤوف. مالك الملك. ذو الجلال والإكرام. المقسط. ~~الجامع. الغني. المغني. المانع. الضار. النافع. النور. الهادي. البديع. ~~الباقي. الوارث. الرشيد. الصبور" 1. # قال الترمذي: هذا حديث غريب جدا حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، ولا ~~نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. # وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن ms479 النبي صلى ~~الله عليه وسلم ولا نعلم في كبير شيء من الروايات ذكر الأسماء الحسنى إلا2 ~~في هذا الحديث، وقد روى آدم بن3 أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي ~~هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح. # قلت: يشير إلى عدد الأسماء سردا، وإلا فصدر الحديث متفق عليه. وقد خرجه ~~بالعدد المذكور ابن المنذر، وابن خزيمة في"صحيحه"وابن حبان والطبراني، ~~والحاكم في"المستدرك"وغيرهم به، ولم يذكروا فيه"المعطي"، وإسناده صحيح، ~~ولكن المستغرب منه ذكر العدد. # ورواه ابن ماجة من طريق PageV01P557 # عبد الملك بن الصنعاني عن زهير بن محمد التميمي عن موسى بن عقبة عن ~~الأعرج، وساق الأسماء، وخالف سياق الترمذي في الترتيب والزيادة والنقص. # فأما الزيادة فهي البارئ الراشد البرهان الشديد الواقي القائم الحافظ ~~الناظر السامع المعطي الأبد المنير التام القديم الوتر".وعبد الملك لين ~~الحديث، وزهير مختلف فيه، وحديث الوليد أصح إسنادا وأحسن سياقا، وأجدر أن ~~يكون مرفوعا ولهذا قال النووي: هو حديث حسن. قال بعضهم: والعلة في كونهما ~~لم يخرجاه بذكر الأسامي تفرد الوليد بن مسلم عالم الشاميين الثقة. وقد قيل: ~~إن العدد المذكور مدرج. # قال في"الإرشاد"ما معناه: ذكر جماعة من الحفاظ المحققين المتقنين أن سرد ~~الأسماء في حديث أبي هريرة مدرج فيه، وأن جماعة من أهل العلم جمعوها من ~~القرآن، كما روي ذلك عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة، وأبي زيد اللغوي. ~~وقال البيهقي: يحتمل أن يكون التفسير للأسماء وقع من بعض الرواة، ولهذا ~~الاحتمال ترك الشيخان إخراج حديث الوليد في"الصحيح". # قال في"البدر": والدليل على ذلك وجهان: # أحدهما: أن أصحاب الحديث لم يذكروها. # والثاني: أن فيها تغييرا بزيادة ونقصان، وذلك لا يليق بالمرتبة العليا ~~النبوية، كذا قال، وفيه نظر، فإن الزيادة والنقصان قد تكون من الرواة، وإن ~~كان الحديث صحيحا كما في غير ذلك من الأحاديث. وقد رواه الطبراني ~~في"الدعاء"، والحاكم وغيرهما، فزادوا "الرب الإله الحنان المنان البارئ"وفي ~~لفظ:"القائم الفرد". وفي لفظ:"القادر"بدل: الفرد و"المغيث الدائم الحميد". ~~وفي لفظ:"الجميل الصادق المولى النصير ms480 القديم الوتر الفاطر العلام المليك ~~الأكرم المدبر المالك الشاكر الرفيع ذو الطول، ذو المعارج ذو الفضل ~~الخلاق"، ولا أظنه يثبت، وإن كان بعض العدد صحيحا. وعد جعفر بن محمد منها: # PageV01P558 # "المنعم المتفضل السريع". وقال ابن حزم: جاءت في إحصائها أحاديث مضطربة، ~~لا يصح منها شيء أصلا، ونقل عنه أنه قال: صح عندي قريبا من ثمانين اسما، ~~اشتمل عليها الكتاب، والصحاح من الأخبار، فليطلب الباقي بطريق الاجتهاد. # وقال القرطبي في"شرح الأسماء الحسنى": العجب من ابن حزم ذكر من الأسماء ~~الحسنى نيفا وثمانين فقط، والله يقول: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} 1. ثم ~~ساق ما ذكره ابن حزم. وفيه من الزيادة على ما تقدم "الرب الإله الأعلى ~~الأكبر الأعز السيد السبوح الوتر المحسن الجميل الرفيق الدهر". # وقد عدها الحافظ فزاد "الخفي السريع الغالب العالم الحافظ المستعان". وفي ~~هذا نظر يفهم مما تقدم، وإن كان قد ذكر بعضها فيما لا يثبت من الحديث، فهذه ~~خمسة وستون ومائة اسم، أقربها من جهة الإسناد سياق الترمذي، وما عدا ذلك ~~ففيه أسماء صحيحة ثابتة، وفي بعضها توقف، وبعضها خطأ محض، كالأبد والناظر ~~والسامع والقائم والسريع، فهذه وإن ورد عدادها في بعض الأحاديث، فلا يصح ~~ذلك أصلا. # وكذلك الدهر والفعال والفالق والمخرج والعالم، مع أن هذه لم ترد في شيء ~~من الأحاديث إلا حديث "لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر" 2. وقد مضى ~~معناه، وبينا خطأ ابن حزم في عده من الأسماء الحسنى هناك. # واعلم أن الأسماء الحسنى لا تدخل تحت حصر، ولا تحد بعدد فإن لله تعالى ~~أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده، ولا يعلمها ملك مقرب، ولا نبي ~~مرسل، كما في الحديث الصحيح: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته ~~في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" 3. ~~رواه أحمد وابن حبان في"صحيحه"وغيرهما. # وقال ابن القيم: "فجعل أسماءه ثلاثة أقسام: قسم سمى به نفسه فأظهره لمن ~~شاء من ملائكته أو غيرهم، ولم ينزل به ms481 كتابه، وقسم أنزل به كتابه، وتعرف به ~~PageV01P559 # إلى عباده، وقسم استأثر به في علم غيبه، فلم يطلع عليه أحدا من خلقه، ~~ولهذا قال:"استأثرت به"، أي: انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالمسمى ~~به، لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه. ومن هذا قوله ~~عليه السلام في حديث الشفاعة: "فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن" 1. ~~وتلك المحامد هي بأسمائه وصفاته. ومنه قوله: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما ~~أثنيت على نفسك" 2. # وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل ~~الجنة" 3. فالكلام جملة واحدة. # وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" 4. صفة لا خبر مستقبل، والمعنى: له أسماء ~~متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة، وهذا كقولك: لفلان ألف شاة أعدها ~~للأضياف فلا يدل على أنه لا يملك غيرها. وهذا لا خلاف بين العلماء فيه. # وقوله تعالى: {وذروا الذين يلحدون في أسمائه} 5، أي: اتركوهم، وأعرضوا عن ~~مجادلتهم، قال ابن القيم: والإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ~~ومعانيها عن الحق الثابت لها، وهو مأخوذ من الميل، كما يدل عليه مادة ~~اللحد، ومنه اللحد وهو الشق في جانب القبر الذي قد مال عن الوسط، ومنه ~~اللمحد في الدين المائل عن الحق إلى الباطل. # إذا عرف هذا فالإلحاد في أسمائه: # أحدها: أن يسمي الأصنام بها، كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، ~~وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد حقيقة، فهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم ~~وآلهتهم الباطلة. # الثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله، كتسمية النصارى له أبا وتسمية ~~الفلاسفة له موجبا بذاته، أو علة فاعلة بالطبع، ونحو ذلك. # وثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص، كقول أخبث اليهود: إنه ~~فقير، PageV01P560 # وقولهم: إنه استراح بعد أن خلق خلقه، وقولهم: {يد الله مغلولة} ، ~~[المائدة، من الآية: 64] ، وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته. # ورابعها: تعطيل الأسماء الحسنى عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول من يقول ~~من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة، لا تتضمن صفات، ولا معاني، فيطلقون ~~عليه ms482 اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم، ويقولون: لا حياة له ولا ~~سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلا ~~وشرعا ولغة وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا من أسمائه ~~وصفاته لآلهتهم، وهؤلاء سلبوا كماله، وجحدوها وعطلوها، وكلاهما ألحد في ~~أسمائه، ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد، فمنهم الغالي ~~والمتوسط والمتلوث، وكل من جحد شيئا مما وصف الله به نفسه، أو وصفه به ~~رسوله صلى الله عليه وسلم فقد ألحد في ذلك فليقل أو ليستكثر. # وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علوا ~~كبيرا، فهذا الإلحاد في مقابله إلحاد المعطلة، فإن أولئك نفوا صفات كماله ~~وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه، وبرأ ~~الله أتباع رسوله، وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله، فلم يصفوه إلا بما ~~وصف به نفسه، ولم يجحدوا صفاته، ولم يشبهوها بصفات خلقه، ولم يعدلوا بها ~~عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى، بل أثبتوا له الأسماء والصفات، ونفوا عنه ~~مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه، وتنزيههم خاليا من ~~التعطيل، لا كمن شبه كأنه يعبد صنما، أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما، ~~وأهل السنة وسط في النحل، كما أن أهل الإسلام وسط في الملل توقد مصابيح ~~معارفهم: {من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو ~~لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء} ، [النور، من الآية: ~~35] . {سيجزون ما كانوا يعملون} ، [الأعراف، من الآية: 180] وعيد وتهديد. # PageV01P561 # قوله: {يلحدون في أسمائه} ، [الأعراف، من الآية: 180] يشركون، أي يشركون ~~غيره في أسمائه كتسميتهم الصنم إلها، ويحتمل أن المراد الشرك في العبادة، ~~لأن أسماءه تعالى تدل على التوحيد، فالإشراك بغيره إلحاد في معاني أسمائه ~~سبحانه وتعالى لا سيما مع الإقرار بها، كما كانوا يقرون بالله ويعبدون ~~غيره، فهذا الاسم وحده أعظم الأدلة على التوحيد، فمن عبد غيره; فقد ألحد في ~~هذا الاسم، وعلى هذا بقية الأسماء، وهذا الأثر ms483 لم يروه ابن أبي حاتم عن ابن ~~عباس إنما رواه عن قتادة فاعلم ذلك. # قوله:"وعنه: سمو اللات من الإله، والعزى من العزيز". # هذا الأثر معطوف على سابقه، أي: رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وكذلك ~~الأثر الثاني عن الأعمش معطوف على سابقه أي: رواه ابن أبي حاتم عنه. # والأعمش اسمه سليمان بن مهران أبو محمد الكوفي الفقيه ثقة حافظ ورع مات ~~سنة 147 وكان مولده أول سنة 61. # قوله:"يدخلون فيها ما ليس منها"، أي: كتسمية النصارى له أبا ونحوه كما ~~سبق. # PageV01P562 # [46- ### | باب لا يقال: السلام على الله # لما كان حقيقة لفظ الإسلام السلامة والبراءة والخلاص والنجاة من الشر ~~والعيوب، فإذا قال المسلم: السلام عليكم فهو دعاء للمسلم عليه، وطلب له أن ~~يسلم من الشر كله، والله هو المطلوب منه لا المطلوب له، وهو المدعو لا ~~المدعو له، وهو الغني له ما في السموات وما في الأرض، استحال أن يسلم عليه ~~سبحانه وتعالى، بل هو المسلم على عباده كما قال تعالى: {قل الحمد لله وسلام ~~على عباده الذين اصطفى} 1 وقال: {وسلام على PageV01P562 # المرسلين} 1 وقال: {تحيتهم يوم يلقونه سلام} 2 فهو السلام ومنه السلام لا ~~إله غيره ولا رب سواه. # في"الصحيح"عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "كنا إذا كنا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الصلاة قلنا: السلام على الله من عباده، السلام على ~~فلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله، فإن الله ~~هو السلام" 3. # ش: قوله:"في"الصحيح"" أي"الصحيحين". # قوله:"قلنا: السلام على الله"، أي: يقولون ذلك في التشهد الأخير كما هو ~~مصرح به في بعض ألفاظ الحديث: "كنا نقول قبل أن يفرض التشهد: السلام على ~~الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله هو السلام، ولكن قولوا ~~التحيات لله" 4. # قوله:"فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقولوا السلام على الله"، أي: - ~~والله أعلم - لما تقدم، ولأن السلام اسمه، كما يرشد إليه آخر الحديث. # قوله:"فإن الله هو السلام". أنكر عليه السلام التسليم على ms484 الله، وأخبر أن ~~ذلك عكس ما يجب له سبحانه، فإن كل سلام ورحمة له ومنه فهو مالكها ومعطيها، ~~وهو السلام. قال ابن الأنباري: أمرهم أن يعرفوه إلى الخلق لحاجتهم إلى ~~السلامة، وقال غيره: وهذا كله حماية منه صلى الله عليه وسلم لجناب التوحيد ~~حتى يعرف لله تعالى ما يستحقه من الأسماء والصفات وأنواع العبادات. # قوله: "السلام على فلان وفلان". اختلف العلماء في معنى السلام المطلوب ~~عند التحية على قولين: # أحدهما: أن المعنى اسم السلام عليكم، والسلام هنا هو الله عز وجل. ومعنى ~~الكلام: نزلت بركة اسم السلام عليكم، وحملت عليكم فاختير في هذا المعنى من ~~أسمائه اسم السلام دون غيره، ويدل عليه قوله في آخر الحديث. # قوله:"فإن الله هو السلام". فهذا صريح في كون السلام اسما من أسمائه، ~~فإذا قال المسلم: السلام عليكم; PageV01P563 # كان معناه: اسم السلام عليكم، يدل عليه ما رواه أبو داود، عن ابن عمر أن ~~رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى استقبل الجدار، ثم ~~تيمم ورد عليه وقال: "إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر" 1. ففي هذا بيان ~~أن السلام ذكر لله وإنما يكون ذكرا إذا تضمنت اسما من أسمائه. # الثاني: أن السلام مصدر بمعنى السلامة، وهو المطلوب المدعو به عند ~~التحية، لأنه ينكر بلا ألف ولام، فيجوز أن يقول المسلم: سلام عليكم، ولو ~~كان اسما من أسمائه تعالى لم يستعمل كذلك، بل كان يطلق عليه معرفا كما يطلق ~~على سائر أسمائه الحسنى. فيقال: السلام، المؤمن، المهيمن، فإن التنكير لا ~~يصرف اللفظ إلى معين، فضلا عن أن يصرفه إلى الله وحده، بخلاف المعرف فإنه ~~ينصرف إليه تعيينا إذا ذكرت أسماؤه الحسنى. ويدل على ذلك عطف الرحمة ~~والبركة عليه في قوله: سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ولأنه لو كان اسما ~~من أسمائه تعالى لم يستقم الكلام بالإضمار، وذلك خلاف الأصل ولا دليل عليه، ~~ولأنه ليس المقصود من السلام هذا المعنى، وإنما المقصود منه الإيذان ~~بالسلامة خبرا ودعاء. # قال ابن القيم: "والصواب ms485 في مجموعهما أي: القولين، وذلك أن من دعا الله ~~بأسمائه الحسنى يسأل في كل مطلوب ويتوسل إليه بالاسم المقتضي لذلك المطلوب ~~المناسب لحصوله، حتى كأن الداعي مستشفع إليه، متوسل به. فإذا قال: رب اغفر ~~لي، وتب علي إنك أنت التواب الرحيم الغفور، فقد سأله أمرين، وتوسل إليه ~~باسمين من أسمائه، مقتضيين لحصول مطلوبه وهذا كثير جدا وإذا ثبت هذا ~~فالمقام لما كان مقام2 طلب السلامة التي هي أهم ما عند الرجل أتى في طلبها ~~بصيغة اسم من أسمائه تعالى، وهو السلام الذي تطلب منه السلامة. PageV01P564 # فتضمن لفظ السلام معنيين. أحدهما: ذكر الله تعالى كما في حديث ابن عمر. # والثاني: طلب السلامة وهو مقصود المسلم. فقد تضمن"سلام عليكم"اسما من ~~أسماء الله، وطلب السلامة منه. انتهى ملخصا. # PageV01P565 # [47 ### | - باب قول اللهم اغفر لي إن شئت] # ش: لما كان العبد لا غناء له عن رحمة الله ومغفرته طرفة عين، بل فقير ~~بالذات إلى الغني بالذات كما قال تعالى: {يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى ~~الله والله هو الغني الحميد} 1. نهي عن قول ذلك، لما فيه من إيهام ~~الاستغناء عن مغفرة الله ورحمته كما سيأتي، وذلك مضاد للتوحيد. # في"الصحيح"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقولن ~~أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة، فإن ~~الله لا مكره له" 2. ولمسلم. "وليعظم الرغبة، فإن الله لا يتعاظمه شيء ~~أعطاه" 3. # ش: قوله:"في"الصحيح""، أي:"الصحيحين". # قوله:"اللهم اغفر لي إن شئت". قال القرطبي: إنما نهى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم عن هذا القول، لأنه يدل على فتور الرغبة، وقلة الاهتمام ~~بالمطلوب. وكأن هذا القول يتضمن أن هذا المطلوب إن حصل وإلا استغنى عنه، ~~ومن كان هذا حاله لم يتحقق من حاله الافتقار والاضطرار الذي هو روح عبادة ~~الدعاء، وكان ذلك دليلا على قلة معرفته بذنوبه، وبرحمة ربه. وأيضا فإنه لا ~~يكون موقنا بالإجابة. وقد قال عليه السلام: "ادعوا الله وأنتم موقنون ~~بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب ms486 غافل لاه" 4. # قوله:"ليعزم المسألة". قال القرطبي أي: ليجزم في طلبته، PageV01P565 # ويحقق رغبته، ويتيقن الإجابة، فإنه إذا فعل ذلك دل على علمه بعظيم ما ~~يطلب من المغفرة والرحمة، وعلى أنه مفتقر إلى ما يطلب مضطر إليه، وقد وعد ~~الله المضطر بالإجابة بقوله: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} 1. # قوله:"فإنه لا مكره له". أي: فإن الله لا مكره له. هذا لفظ البخاري في ~~الدعوات، ولفظ مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"لا يقولن أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم ~~المسألة في الدعاء، فإن الله صانع ما شاء، لا مكره له" 2. قال القرطبي: هذا ~~إظهار لعدم فائدة تقبل الاستغفار والرحمة بالمشيئة. كأن الله تعالى لا ~~يضطره إلى فعل شيء دعاء ولا غيره، بل يفعل ما يريد ويحكم ما يشاء. ولذلك ~~قيد الله تعالى الإجابة بالمسألة في قوله: {فيكشف ما تدعون إليه إن شاء} 3. ~~فلا معنى لاشتراط المشيئة بقيله. # قوله:"ولمسلم" أي: من وجه آخر. # قوله:"وليعظم الرغبة" هو بالتشديد، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه يقال: ~~تعاظم زيد هذا الأمر، أي: كبر عليه وعسر. قال: والرغبة يعني الطلبة والحاجة ~~التي يريد. # وقيل: السؤال والطلب بتكرار الدعاء والإلحاح فيه، والأول أظهر، أي: لسعة ~~جوده وكرمه، لا يعظم عليه إعطاء شيء، بل جميع الموجودات في أمره يسير، وهو ~~أكبر من ذلك، وهذا هو غاية المطالب، فالاقتصار على الداني في المسألة إساءة ~~ظن بجوده وكرمه. PageV01P566 # [48 ### | - باب لا يقول: عبدى وأمتي] # ش: أي: لما في ذلك من الإيهام من المشاركة في الربوبية، فنهي عن ذلك أدبا ~~مع جناب الربوبية، وحماية لجناب التوحيد. # PageV01P566 # قال في"الصحيح"عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ~~يقل أحدكم: أطعم ربك، وضيء ربك، وليقل: سيدي ومولاي، ولا يقل أحدكم: عبدي ~~وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي" 1. # ش: قوله:"في الصحيح"، أي:"الصحيحين". # قوله:"لا يقل أحدكم"، هو بالجزم على النهي، والمراد أن يقول ذلك لمملوكه ~~أو مملوك غيره، فالكل منهي عنه. # قوله:"أطعم ربك"، بفتح ms487 الهمزة من الإطعام. # قوله:"وضيء ربك"، أمر من الوضوء وفيهما في هذا الحديث زيادة: "اسق ربك"، ~~وكأن المؤلف اختصرها. # قال الخطابي: وسبب المنع أن الإنسان مربوب معبد بإخلاص التوحيد لله ~~تعالى، وترك الإشراك به، فترك المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك، ~~ولا فرق في ذلك بين الحر والعبد. وأما من لا تعبد عليه من سائر الحيوانات ~~والجمادات، فلا يكره أن يطلق ذلك عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار والثوب. # قال ابن مفلح في"الفروع": وظاهر النهي التحريم، وقد يحتمل أنه للكراهية، ~~وجزم به غير واحد من العلماء. # فإن قلت: قد قال الله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام: {اذكرني عند ربك} ~~2.وقال النبي صلى الله عليه وسلم في اشتراط الساعة: "أن تلد الأمة ربتها" 3 ~~فهذا يدل على الجواز. # قيل: فأما الآية ففيها جوابان. أحدهما وهو الأظهر: أن هذا جائز في شرع من ~~قبلنا، وقد ورد شرعنا بخلافه. والثاني: أنه ورد لبيان الجواز، والنهي للأدب ~~والتنزيه دون التحريم. # وأما الحديث فليس من هذا الباب للتأنيث، والنهي عنه أن يقول ذلك للذكر ~~لما فيه من إيهام المشاركة، وهو معدوم في الأنثى. أو يقال: بحمله على ~~الكراهة في الأنثى أيضا لورود الحديث بذلك دون الذكر، لأنه لم يرد فيه إلا ~~النهي، ويقال وهو أظهر: إن هذا ليس فيه إلا PageV01P567 # وصفها بذلك لا دعاؤها به، وتسميتها به، وفرق بين الدعاء والتسمية، وبين ~~الوصف، كما تقول: زيد فاضل، فتصفه بذلك ولا تسميه به ولا تدعوه به. # قوله:"وليقل سيدي"، قيل: إن الفرق بين الرب والسيد، أن الرب من أسماء ~~الله تعالى اتفاقا، واختلف في السيد هل هو من أسماء الله تعالى؟ ولم يأت في ~~القرآن أنه من أسماء الله. لكن في حديث عبد الله بن الشخير: "السيد الله" ~~1. وسيأتي. # فإن قلنا: ليس من أسماء الله فالفرق واضح، إذ لا التباس، وإن قلنا: إنه ~~من أسماء الله فليس في الشهرة والاستعمال، كلفظ الرب فيحصل الفرق. وأما من ~~حيث اللغة فالسيد من السؤدد وهو التقدم، يقال: ساد قومه ms488 إذا تقدمهم، ولا ~~شكر في تقديم السيد على غلامه، فلما حصل الافتراق جاز الإطلاق. # قلت: وحديث ابن الشخير لا ينفي إطلاق لفظ السيد على غير الله، بل المراد ~~أن الله هو الأحق بهذا الاسم بأنواع العبارات، كما أن غيره لا يسمى به. # "ومولاي". قال النووي: المولى يطلق على ستة عشر معنى، منها الناظر ~~والمولى والمالك، وحينئذ فلا بأس أن يقول: مولاي. # قال في"الفروع"ولا يقل: عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وإماء الله. ولا يقل ~~العبد لسيده: ربي. وفي مسلم أيضا: "ولا مولاي فمولاكم الله". وظاهر النهي ~~للتحريم. وقد يحتمل أنه PageV01P568 # للكراهة، وجزم به غير واحد من العلماء كما في"شرح مسلم"انتهى كلامه. # قلت: فظاهر رواية مسلم معارضة لحديث الباب، وأجيب بأن مسلما قد بين ~~الاختلاف فيه عن الأعمش، وأن منهم من ذكر هذه الزيادة، ومنهم من حذفها. # قال عياض: وحذفها أصح. فظهر أن اللفظ الأول أرجح، وإنما صرنا للترجيح ~~للتعارض بينهما والجمع متعذر، والعلم بالتاريخ مفقود، فلم يبق إلا الترجيح. # قلت: الجمع ممكن بحمل النهي على الكراهة، أو على خلاف الأولى. # قوله:"ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي"، لأن حقيقة العبودية إنما يستحقها الله ~~تعالى، ولأن فيها تعظيما لا يليق بالمخلوق، وقد بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم العلة في ذلك. كما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة مرفوعا: ~~"لا يقولن أحدكم: عبدي وأمتي، ولا يقولن المملوك: ربي وربتي، وليقل المالك: ~~فتاي وفتاتي، وليقل المملوك: سيدي وسيدتي، فإنكم المملوكون، والرب الله عز ~~وجل" 1. ورواه أيضا بإسناد صحيح موقوفا، فهذه علة له. وفي رواية لمسلم: "لا ~~يقولن أحدكم: عبدي فإن كلكم عبيد الله" 2. # قال في"مصابيح الجامع"النهي إنما جاء متوجها إلى السيد إذ هو في مظنه ~~الاستطالة، وأما قول الغير: هذا عبد زيد، وهذه أمة خالد فجائز، لأنه يقول ~~إخبارا أو تعريفا، وليس في مظنة الاستطالة. # قلت: وهو حسن، وقد رويت أحاديث تدل على ذلك، وقال أبو جعفر النحاس: لا ~~نعلم بين العلماء خلافا أنه لا ينبغي لأحد أن يقول لأحد من المخلوقين: ~~مولاي، ms489 ولا يقول: عبدك وعبدي، وإن كان مملوكا، وقد حظر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على المملوكين، فكيف للأحرار؟. # قوله:"وليقل: فتاي وفتاتي، وغلامي"، أي: لأنها ليست دالة PageV01P569 # على الملك كدلالة عبدي وأمتي، فأرشد عليه السلام إلى ما يؤدي المعنى من ~~السلامة من الإيهام والتعاظم مع أنها تطلق على الحر والمملوك، لكن إضافته ~~تدل على الإخلاص. # PageV01P570 # [49- ### | باب لا يرد من سئل بالله # ش: أي: إعظاما وإجلالا لله تعالى أن يسأل به في شيء، ولا يجاب السائل إلى ~~سؤاله ومطلوبه، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإبرار القسم وتنازعوا ~~هل هو أمر استحباب، أو إيجاب؟ وظاهر كلام شيخ الإسلام التفريق بين أن يقصد ~~إلزامه بالقسم فتجب إجابته، أو يقصد إكرامه فلا تجب عليه. ولهذا أوجب على ~~المقسم في الأولى الكفارة، إذا لم يفعل المحلوف عليه، دون الثانية، لأنه ~~كالأمر، ولا يجب إذا كان للإكرام لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر ~~بوقوفه في الصف ولم يقف، ولأن أبا بكر أقسم على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليخبرنه بالصواب والخطأ لما فسر الرؤيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"لا تقسم". كما في"الصحيحين"قال: لأنه علم أنه لم يقصد الإقسام عليه مع ~~المصلحة المقتضية للكتم. # قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن ~~صنع إليكم معروفا فكافؤوه، فإن لم تجدوا ما تكافؤوه فادعوا له حتى تروا ~~أنكم قد كافأتموه" 1. رواه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. # ش: قوله:"من استعاذ بالله فأعيذوه"، أي: من سألكم أن تدفعوا عنه شركم أو ~~شر غيركم بالله، كقوله: بالله عليك أن تدفع عني شر فلان أو شرك، أعوذ بالله ~~من شرك أو شر فلان ونحو ذلك، فأعيذوه، أي: امنعوه مما استعاذ منه وكفوه عنه ~~لتعظيم اسم الله تعالى، ولهذا لما قالت الجونية للنبي صلى الله عليه وسلم ~~أعوذ بالله منك PageV01P570 # قال: "لقد عذت بمعاذ، ألحقي بأهلك" 1. ولفظ أبي داود: ms490 "من استعاذكم بالله ~~فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه" 2. # قوله:"ومن سأل بالله فأعطوه". وفي حديث ابن عباس عند أحمد وأبي داود: ~~"ومن سألكم بوجه الله فأعطوه". ومعناه ظاهر، وهو أن يقول: أسألك بالله أو ~~بوجه الله ونحو ذلك، أن تفعل أو تعطيني كذا، ويدخل في ذلك القسم عليه بالله ~~أن يفعل كذا، وظاهر الحديث، وجوب إعطائه ما سأل ما لم يسأل إثما، أو قطيعة ~~رحم. وقد جاء الوعيد على ذلك في عدة أحاديث، منها: حديث أبي موسى مرفوعا: ~~"ملعون من سئل بوجه الله، وملعون من يسأل بوجهه ثم منع سائله ما لم يسأل ~~هجرا". رواه الطبراني. قال في"تنبيه الغافلين": ورجال إسناده رجال الصحيح، ~~إلا شيخه يحيى بن عثمان بن صالح، والأكثر على توثيقه، فإن بلغ هذا الإسناد ~~أو إسناد غيره مبلغا يحتج به كان ذلك من الكبائر. # وعن أبي عبيد مولى رفاعة بن رافع مرفوعا "ملعون من سأل بوجه الله وملعون ~~من سئل بوجه الله فمنع سائله". رواه الطبراني أيضا. وعن ابن عباس مرفوعا: ~~"ألا أخبركم بشر الناس: رجل يسأل بالله ولا يعطي" 3. رواه الترمذي وحسنه، ~~وابن حبان في"صحيحه". وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"ألا أخبركم بشر البرية؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: الذي يسأل بالله ولا ~~يعطي" 4. رواه أحمد. # إذا تبين هذا فهذه الأحاديث دالة على إجابة من سئل بالله أو أقسم به، ~~ولكن قال شيخ الإسلام: إنما تجب على معين، فلا تجب على سائل يقسم على ~~الناس، وظاهر كلام الفقهاء أن ذلك مستحب كإبرار القسم، والأول أصح. # قوله:"ومن دعاكم فأجيبوه". أي: من دعاكم إلى طعام فأجيبوه فإن كانت وليمة ~~عرس وتوفرت الشروط المبينة في كتب الفقه وجبت الإجابة، وإن كان لغيرها ~~استحب إجابتها، وتجب PageV01P571 # مطلقا وهو الصحيح لظاهر الأحاديث، وهي لم تفرق بين وليمة العرس وغيرها، ~~وإن كانت وليمة العرس آكد وأوجب. # قوله:"ومن صنع إليكم معروفا فكافؤوه". المعروف: اسم جامع لمخير. # وقوله:"فكافؤوه"، أي: على إحسانه بمثله أو خير منه، وقد أشار شيخ ms491 الإسلام ~~إلى مشروعية المكافأة، لأن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، فهو إذا أحسن ~~إليه ولم يكافئه يبقى في قلبه نوع تأله لمن أحسن إليه، فشرع قطع ذلك ~~بالمكافأة، فهذا معنى كلامه. وقال غيره: إنما أمر بالمكافأة ليخلص القلب من ~~إحسان الخلق ويتعلق بالحق. ولفظ أبي داود: "من أتى إليكم معروفا ... " 1. # قوله:"فإن لم تجدوا ما تكافئوه". هكذا ثبت بحذف النون في خط المصنف، ~~وهكذا هو في غيره من أصول الحديث. قال الطيبي: سقطت من غير ناصب ولا جازم، ~~إما تخفيفا أو سهوا من الناسخ. # قوله:"فادعوا له ... " إلى إلخ يعني من أحسن إليكم أي إحسان فكافئوه ~~بمثله، فإن لم تقدروا فبالغوا في الدعاء له جهدكم حتى تحصل المسألة، ووجه ~~المبالغة أنه رأى في نفسه تقصيرا في المجازاة لعدم القدرة عليها، فأحالها ~~إلى الله، ونعم المجازي هو، وهذا الحديث رواه أيضا أحمد بإسناد صحيح، وابن ~~حبان، والحاكم، وصححه النووي. وقد روى الترمذي وصححه النسائي وابن حبان عن ~~أسامة بن زيد مرفوعا: "من صنع إليكم معروفا فقال لفاعله: جزاك الله خيرا ~~فقد أبلغ في الثناء" 2. PageV01P572 # [50- ### | باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة # أي إعظاما وإجلالا وإكراما لوجه الله أن يسأل به إلا غاية المطالب، وهذا ~~من معاني قوله تعالى: {ويبقى وجه ربك ذو الجلال والأكرام} 1. PageV01P572 # قال: عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~يسأل بوجه الله إلا الجنة" 1. رواه أبو داود أيضا. # ش: قوله:"عن جابر". هو جابر بن عبد الله. # قوله: "لا يسأل بوجه الله إلا الجنة" 2 روي بالنفي والنهي، وروي بالبناء ~~للمجهول، وهو الذي في الأصل، وروي بالخطاب للمفرد، وفيه إثبات الوجه خلافا ~~للجهمية ونحوهم، فإنهم أولوا الوجه بالذات، وهو باطل، إذ لا يسمى ذات الشيء ~~وحقيقته وجها، فلا يسمى الإنسان وجها، ولا تسمى يده وجها، ولا تسمى رجله ~~وجها. والقول في الوجه عند أهل السنة كالقول في بقية الصفات، فيثبتونه لله ~~على ما يليق بجلاله وكبريائه من غير كيف ولا تحديد، إثبات ms492 بلا تمثيل، ~~وتنزيه بلا تعطيل. # قوله:"إلا الجنة"، كأن يقول:"اللهم إني أسألك بوجهك الكريم أن تدخلني ~~الجنة". وقيل: المراد لا تسألوا من الناس شيئا بوجه الله"كأن يقول: أعطني ~~شيئا بوجه الله، فإن الله أعظم من أن يسأل به شيء من الحطام. # قلت: والظاهر أن كلا المعنيين صحيح، قال الحافظ العراقي: "وذكر الجنة ~~إنما هو للتنبيه به على الأمور العظام لا للتخصيص، فلا يسأل بوجهه في ~~الأمور الدنيئة، بخلاف الأمور العظام تحصيلا أو دفعا، كما يشير إليه ~~استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم به". # قلت: والظاهر أن المراد لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، أو ما هو وسيلة ~~إليها، كالاستعاذة بوجه الله من غضبه ومن النار ونحو ذلك مما هو وارد في ~~أدعيته صلى الله عليه وسلم وتعوذاته،"ولما نزل قوله تعالى: {قل هو القادر ~~على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم} 3. قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أعوذ ~~بوجهك". {أو من تحت أرجلكم} 4 قال: "أعوذ بوجهك" رواه البخاري. وهذا الحديث ~~رواه في"المختارة"أيضا ولكن في PageV01P573 # إسناده سليمان بن معاذ. قال ابن معين: ليس بشيء، وضعفه عبد الحق وابن ~~القطان. # PageV01P574 ### | باب ماجاء في "لو" # ... # [51- باب ما جاء في ال "لو"] # اعلم أن من كمال التوحيد الاستسلام للقضاء والقدر رضا بالله ربا فإن هذا ~~من جنس المصائب، والعبد مأمور عند المصائب بالصبر والإرجاع والتوبة. وقول ~~"لو" لا يجدي عليه إلا الحزن والتحسر مع ما يخاف توحيده من نوع المعاندة ~~للقدر الذي لا يكاد يسلم منها من وقع منه هذا إلا ما شاء الله، فهذا وجه ~~إيراده هذا الباب في التوحيد. # قال وقول الله تعالى: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} ~~1. # ش: قال ابن كثير: فسر ما أخفوه في أنفسهم بقوله: {يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} 2 أي: يسرون هذه المقالة عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # قال ابن إسحاق: حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد ~~الله بن الزبير ms493 قال الزبير: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين اشتد الخوف علينا: أرسل الله علينا النوم، فما منا رجل إلا ذقنه في ~~صدره فوالله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: {لو كان لنا ~~من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} . فحفظتها منه وفي ذلك أنزل الله عز وجل: ~~{يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} 3. لقول معتب. رواه ابن ~~أبي حاتم. قال الله تعالى: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل إلى مضاجعهم} 4. أي: هذا قدر مقدر من الله عز وجل وحكم حتم لازم لا ~~محيد عنه ولا مناص منه. PageV01P574 # قلت: فتبين وجه إيراد المصنف الآية على الترجمة، لأن قول"لو"في الأمور ~~المقدرة من كلام المنافقين، ولهذا رد الله عليهم ذلك بأن هذا قدر، فمن كتب ~~عليه شيء فلا بد أن يناله، فماذا يغني عنكم قول"لو"و"ليت"إلا الحسرة ~~والندامة؟! فالواجب عليكم في هذه الحالة الإيمان بالله والتعزي بقدره مع ما ~~ترجون من حسن ثوابه، وفي ذلك عين الفلاح لكم في الدنيا والآخرة، بل يصل ~~الأمر إلى أن تنقلب المخاوف أمانا والأحزان سرورا وفرحا كما قال عمر بن عبد ~~العزيز: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع القضاء والقدر. # قال: وقوله تعالى: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا ... ~~} 1. # ش: روى ابن جرير عن السدي قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ~~في ألف رجل، وقد وعدهم الفتح إن صبروا، فلما خرجوا رجع عبد الله ابن أبي في ~~ثلاثمائة، فتبعهم أبو جابر السلمي يدعوهم، فلما غلبوه وقالوا له: ما نعلم ~~قتالا ولئن أطعتنا لترجعن معنا فنزل: {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو ~~أطاعونا ما قتلوا ... } 2. وعن ابن جريج في الآية. قال: هو عبد الله بن أبي ~~{الذين ... وقعدوا} 3. الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد. ~~رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم. فعلى هذا إخوانهم هم المسلمون المجاهدون، ~~وسموا إخوانهم لموافقتهم في الظاهر. وقيل: إخوانهم في ms494 النسب لا في الدين. ~~{لو أطاعونا ما قتلوا} 4. قال ابن كثير: لو سمعوا مشورتنا عليهم في القعود، ~~وعدم الخروج ما قتلوا مع من قتل قال الله تعالى: {قل فادرأوا عن أنفسكم ~~الموت إن كنتم صادقين} 5. أي: إن كان القعود يسلم به الشخص من القتل والموت ~~فينبغي أنكم لا تموتون، والموت لا بد آت إليكم ولو كنتم في بروج مشيدة. ~~فادفعوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين. قال مجاهد: عن جابر بن ~~PageV01P575 # عبد الله نزلت هذه الآية في عبد الله بن أبي. # قلت: وكان أشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد بعدم الخروج، ~~فلما قدر الله الأمر قال ذلك تصويبا لرأيه، ورفعا لشأنه فرد الله عليه وعلى ~~أمثاله {قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} 1. فلا تعذرون عن ذلك. ~~فعلم أن ذلك بقضاء الله وقدره. أي: يستوي الذي في وسط الصفوف والذي في ~~البروج المشيدة في القتل والموت. بل {لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم} 2، فلا ينجي حذر من قدر. وفي ضمن ذلك ~~قول"لو"ونحوه في مثل هذا المقام; لأن ذلك لا يجدي شيئا؛ إذ المقدر قد وقع ~~فلا سبيل إلى دفعه أبدا. {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} 3. # قال في"الصحيح"عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. وإن أصابك شيء فلا ~~تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل; فإن لو ~~تفتح عمل الشيطان" 4. # ش: قوله:"في"الصحيح"" أي:"صحيح مسلم". # قوله:"احرص على ما ينفعك ... " إلخ. هذا الحديث اختصره المصنف رحمه الله ~~ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله ~~من المؤمن الضعيف. وفي كل خير، احرص على ما ينفعك" 5 إلى آخره. # فقوله عليه السلام: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" ~~6. فيه أن الله سبحانه موصوف بالمحبة، وأنه يحب على الحقيقة كما قال: {حبهم ~~ويحبونه} 7. وفيه ms495 أنه سبحانه يحب مقتضى أسمائه وصفاته، وما يوافقها فهو ~~القوي، ويحب المؤمن القوي،،هو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب ~~العلماء، ومحسن PageV01P576 # يحب المحسنين، وصبور يحب الصابرين، وشكور يحب الشاكرين. # قلت: الظاهر أن المراد القوة في أمر الله وتنفيذه، والمسابقة بالخير، ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والصبر على ما يصيب في ذات الله ونحو ~~ذلك، لا قوة البدن. ولهذا مدح الله الأنبياء بذلك في قوله: {واذكر عبادنا ~~إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار} 1. فالأيدي: القوة، والعزائم ~~في تنفيذ أمر الله. وقوله: {واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب} 2. # وقوله:"وفي كل خير"، أي: كل من المؤمن القوي والمؤمن الضعيف على خير ~~وعافية، لاشتراكهما في الإيمان والعمل الصالح. ولكن القوي في إيمانه ودينه ~~أحب إلى الله. # وفيه أن محبة المؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض. # وقوله:"احرص على ما ينفعك"، هو بفتح الراء وكسرها قال ابن القيم: سعادة ~~الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده. والحرص: هو بذل الجهد ~~واستفراغ الوسع. فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا، وكماله كله ~~في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا، وأن يكون حرصه على ما ينتفع به. فإن ~~حرص على ما لا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص، فإنه من الكمال بحسب ما ~~فاته من ذلك، فالخير كله في الحرص على ما ينفع. # قوله:"واستعن بالله". قال ابن القيم: "لما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو ~~بمعونة الله، ومشيئته، وتوفيقه، أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام {إياك ~~نعبد وإياك نستعين} ، [الفاتحة: 5] ، فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله، ولا ~~تتم إلا بمعونته. فأمره بأن يعبده ويستعين به. # وقال غيره:"استعن بالله"، أي: اطلب الإعانة في جميع أمورك من الله لا من ~~غيره. كما قال تعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} ، [الفاتحة: 5] ، فإن العبد ~~عاجز لا يقدر على شيء إن لم يعنه PageV01P577 # الله عليه، فلا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله عز وجل. فمن ~~أعانه الله فهو المعان، ومن خذله ms496 فهو المخذول. وقد كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم يقول في خطبته ويعلم أصحابه أن يقولوا: "الحمد لله نستعينه ونستهديه" ~~1. ومن دعاء القنوت: "اللهم إنا نستعينك" وأمر معاذ بن جبل أن لا يدع في ~~دبر كل صلاة أن يقول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك" 2. وكان ذلك ~~من دعائه صلى الله عليه وسلم. ومنه أيضا: "اللهم أعني ولا تعن علي" 3. وإذا ~~حقق العبد مقام الاستعانة وعمل به، كان مستعينا بالله عز وجل متوكلا عليه، ~~راغبا وراهبا إليه; فيستحق له مقام التوحيد إن شاء الله تعالى. # قوله:"ولا تعجز"، وهو بكسر الجيم وفتحها. استعمل الحرص والاجتهاد في ~~تحصيل ما ينفعك من أمر دينك ودنياك التي تستعين بها على صيانة دينك، وصيانة ~~عيالك، ومكارم أخلاقك. ولا تفرط في طلب ذلك، ولا تتعاجز عنه متكلا على ~~القدر، أو متهاونا بالأمر. فتنسب للتقصير وتلام على التفريط شرعا وعقلا مع ~~إنهاء الاجتهاد نهايته، وبلاغ الحرص غايته. فلا بد من الاستعانة بالله ~~والتوكل عليه والالتجاء في كل الأمور إليه، فمن ملك هذين الطريقين حصل على ~~خير الدارين. # وقال ابن القيم: "العجز ينافي حرصه على ما ينفعه، وينافي استعانته بالله، ~~فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز، فهذا إرشاد له قبل رجوع ~~المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله، وهو الحريص عليه مع الاستعانة بمن ~~أزمة الأمور بيده، ومصدرها منه، ومردها إليه". # قوله:"وإن أصابك شيء ### | … # "، إلى آخره. العبد إذا فاته ما لم يقدر له فله حالتان: حالة عجز وهي ~~مفتاح عمل الشيطان فيلقيه PageV01P578 # العجز إلى"لو"ولا فائدة في"لو"ههنا، بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط ~~والأسف والحزن، وذلك كله من عمل الشيطان، فنهاه صلى الله عليه وسلم عن ~~افتتاح عمله بهذا المفتاح، وأمره بالحالة الثانية، وهي النظر إلى القدر ~~وملاحظته، وأنه لو قدر له لم يفته، ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا ~~أنفع من شهود القدر، ومشيئة الرب النافذة، التي توجب وجود المقدور وإذا ~~انتفت امتنع وجوده، فلهذا قال: "وإن أصابك شيء"، أي: غلبك الأمر ms497 ولم يحصل ~~المقصود بعد بذل جهده والاستعانة بالله فلا تقل:"لو أني فعلت لكان كذا وكذا ~~ولكن قل قدر الله وما شاء فعل". فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين. حالة ~~حصول مطلوبه، وحالة فواته. فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد ~~أبدا، بل هو أشد شيء إليه ضرورة، وهو يتضمن إثبات القدر والكسب، والاختيار، ~~والقيام بالعبودية باطنا وظاهرا في حالتي حصول المطلوب وعدمه، هذا معنى ~~كلام ابن القيم. # وقال القاضي: قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن قاله معتقدا ذلك ~~حتما، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه قطعا. فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى، ~~وأنه لن يصيبه إلا ما شاء الله، فليس من هذا، واستدل بقول أبي بكر الصديق ~~في الغار: لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا. قال القاضي: وهذا ما لا حجة فيه، ~~لأنه أخبر عن مستقبل، وليس فيه دعوى لرد القدر بعد وقوعه. قال: وكذا جميع ~~ما ذكره البخاري فيما يجوز من"اللو"كحديث: "لولا حدثان قومك بالكفر، لأتممت ~~البيت على قواعد إبراهيم" 1. و: "لو كنت راجما بغير بينة لرجمت هذه" 2. و ~~"لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" 3. وشبه ذلك، وكله مستقبل لا ~~اعتراض فيه على قدر ولا كراهة فيه، لأنه إنما أخبر عن اعتقاده فيما كان ~~يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في قدرته. # فإن قيل: ما تصنعون بقوله صلى الله عليه وسلم: "لو PageV01P579 # استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة؟ " 1. قيل: هذا ~~كقوله: "لولا حدثان قومك بالكفر" 2. ونحوه مما هو خبر عن مستقبل لا اعتراض ~~فيه على قدر، بل هو إخبار لهم أنه لو استقبل الإحرام بالحج; ما ساق الهدي ~~ولا أحرم بالعمرة، بقوله لهم لما أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة حثا لهم ~~وتطييبا لقلوبهم لما رآهم توقفوا في أمره، فليس من المنهي عنه، بل هو إخبار ~~لهم عما كان يفعل في المستقبل لو حصل، ولا خلاف في جواز ذلك، وإنما ينهى عن ~~ذلك في ms498 معارضة القدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو يقع لوقع خلاف المقدور. # قوله:"فإن لو تفتح عمل الشيطان"، أي: من الجزع والعجز واللوم والسخط من ~~القضاء والقدر ونحو ذلك، ولهذا من قالها على وجه النهي عنه، فإن سلم من ~~التكذيب بالقضاء والقدر لم يسلم من المعاندة له، واعتقاد أنه لو فعل ما زعم ~~لم يقع المقدور ونحو ذلك، وهذا من عمل الشيطان. # فإن قيل: ليس في هذا رد للقدر ولا تكذيب به، إذ تلك الأسباب التي تمناها ~~من القدر، فهو يقول: لو أني وقفت لهذا القدر لاندفع به عني ذلك القدر، فإن ~~القدر يدفع بعضه ببعض. # قيل: هذا حق، ولكن ينفع قبل وقوع القدر المكروه، فأما إذا ما وقع فلا ~~سبيل إلى دفعه، وإن كان له سبب إلى دفعه أو تخفيفه بقدر آخر، فهو أولى به ~~من قول: لو كنت فعلت، بل وحقيقته في هذه الحال أن يستقبل فعله الذي يدفع به ~~المكروه، ولا يتمنى ما لا مطمع في وقوعه، فإنه عجز محض والله يلوم على ~~العجز، ويحب الكيس ويأمر به، والكيس مباشرة الأسباب التي ربط الله بها ~~بمسبباتها النافعة للعبد في معاشه ومعاده. انتهى ملخصا من كلام ابن القيم. ~~PageV01P580 # [52- ### | باب النهي عن سب الريح # ش: أي لأنها مأمورة ولا تأثير لها في شيء إلا بأمر الله فسبها كسب الدهر، ~~وقد تقدم النهي عنه، فكذلك الريح. # قال: عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون، فقولوا: اللهم إنا نسألك خير هذه ~~الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها ~~وشر ما أمرت به" 1. صححه الترمذي. # ش: قوله:"عن أبي بن كعب"، أي: ابن قيس بن عبيد بن زيد ابن معاوية بن عمرو ~~بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي أبو المنذر. صحابي بدري جليل وكان من ~~قراء الصحابة وقضاتهم وعلمائهم وله مناقب مشهورة اختلف في سنة موته، فقال ~~الهيثم بن ms499 عدي: مات سنة تسعة عشر. وقال خليفة بن خياط: سنة اثنين وثلاثين، ~~يقال فيها مات أبي بن كعب، ويقال: بل مات في خلافة عمر. قلت: وقيل غير ذلك. # قوله:"لا تسبوا الريح"، أي: لا تشتموها ولا تلعنوها للحوق ضرر فيها فإنها ~~مأمورة مقهورة، فلا يجوز سبها، بل تجب التوبة عند التضرر بها وهو تأديب من ~~الله تعالى لعباده، وتأديبه رحمة للعباد، فلهذا جاء في حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: "الريح من روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها ولكن سلوا ~~الله من خيرها وتعوذوا بالله من شرها" 2. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة. ~~وكونها قد تأتي بالعذاب لا ينافي كونها من رحمة الله وعن ابن عباس أن رجلا ~~لعن الريح عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "لا تلعنوا الريح، فإنها ~~مأمورة، وإنه من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه". رواه الترمذي، ~~وقال: غريب. # قال الشافعي: "لا ينبغي شتم الريح فإنها خلق مطيع لله، وجند من جنوده، ~~يجعلها الله رحمة إذا شاء، ونقمة إذا شاء. ثم روي PageV01P581 # بإسناده حديث منقطع أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر، ~~فقال له: "لعلك تسب الريح". وقال مطرف: "لو حبست الريح عن الناس لأنتن ما ~~بين السماء والأرض". # قوله:"فإذا رأيتم ما تكرهون"، أي: من الريح إما شدة حرها، أو بردها، أو ~~قوتها. # قوله: فقولوا:"اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح"، أمر صلى الله عليه ~~وسلم بالرجوع إلى خالقها وآمرها الذي أزمة الأمور كلها بيده، ومصدرها عن ~~قضائه، فما استجلبت نعمة بمثل طاعته وشكره، ولا استدفعت نقمة بمثل الالتجاء ~~إليه والتعوذ به، والاضطرار إليه والاستكانة له ودعائه، والتوبة إليه ~~والاستغفار من الذنوب. # قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عصفت الريح قال: ~~"اللهم إني أسألك من خيرها وخير ما فيها وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من ~~شرها وشر ما فيها وشر ما أرسلت به" 1. وإذا تخيلت السماء تغير لونه، وخرج ~~ودخل وأدبر وأقبل، فإذا مطرت سري ذلك ms500 عنه، فعرفت عائشة ذلك فسألته، ~~فقال:"لعله يا عائشة كما قال قوم عاد: {فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم ~~قالوا هذا عارض ممطرنا} 2". رواه البخاري ومسلم، فهذا ما أمر به صلى الله ~~عليه وسلم وفعله عند الريح وغيرها من الشدائد المكروهات، فأين هذا ممن ~~يستغيث بغير الله من الطواغيت والأموات، فيقولون: يا فلان الزمها أو أزلها. ~~فالله المستعان. PageV01P582 # [53 ### $ - باب قول الله تعالى: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ... } 1] # ش: أراد المصنف بهذه الترجمة التنبيه على وجوب حسن الظن بالله، لأن ذلك ~~من واجبات التوحيد، ولذلك ذم الله من أساء الظن PageV01P582 # من حسن الظن ما يناسب كل اسم وصفة، لأن كل صفة لها عبودية خاصة، وحسن ظن ~~خاص. وقد جاء الحديث القدسي، قال الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه ~~حين يذكرني" 1. رواه البخاري ومسلم. وعن جابر رضي الله عنه: "أنه سمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: لا يموتن أحدكم إلا وهو ~~يحسن الظن بالله عز وجل" 2. رواه مسلم وأبو داود. وفي حديث عند أبي داود ~~وابن حبان: "حسن الظن من حسن العبادة" 3. رواه الحاكم، ولفظهما: "حسن الظن ~~بالله من حسن العبادة" 4. # قوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} 5. قال ابن القيم: ثم أخبر عن ~~الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل وهو قولهم: {هل لنا من الأمر من شيء} 6. ~~وقولهم: {لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} 7. فليس مقصودهم بالكلمة ~~الأولى والثانية إثبات القدر ورد الأمر كله لله، ولو كان مقصودهم لما ذموا ~~عليه، ولما حسن الرد عليهم بقوله: {قل إن الأمر كله لله} 8. ولا كان مصدر ~~هذا الكلام ظن الجاهلية، ولهذا قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل ~~ههنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم لكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه تبعا لهم يسمعون منهم، لما أصابهم القتل، ولكان ~~التصرف والظفر لهم، فكذبهم ms501 الله عز وجل في هذا الظن الباطل الذي هو ظن ~~الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل الذين يزعمون بعد نفاذ القضاء ~~والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه: أنهم كانوا قارين على دفعه وأن الأمر لو ~~كان إليهم لما نفذ PageV01P583 # القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قل إن الأمر كله لله} 1. فلا يكون إلا ما ~~سبق به قضاؤه وقدره، وجرى به قلمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولا بد، ~~شاء الناس أم أبوا، وما لم يشأ لم يكن، شاءه الناس أو لم يشاؤوه، وما جرى ~~عليكم من الهزيمة والقتل فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان ~~لكم من الأمر شيء أو لم يكن، فإنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على ~~بعضكم; لخرج من كتب عليه القتل من بيته إلى مضجعه ولا بد، سواء كان له من ~~الأمر شيء أو لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالا لقول القدرية النفاة، ~~الذين يجوزون أن يقع ما لا يشاء الله وأن يشاء ما لا يقع. # وقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} 2، أي: يختبر ما فيها من الإيمان ~~والنفاق. فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانا وتسليما، والمنافق ومن في قلبه ~~مرض لا بد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه. # قوله: {وليمحص ما في قلوبكم} 3، هذه حكمة أخرى، وهي تمحيص ما في قلوب ~~المؤمنين وهو تخليصه وتنقيته وتهذيبه، فإن القلوب يخالطها تغليب الطباع ~~وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة مما يضاد ما ~~أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى فلو تركت في عافية دائمة ~~مستمرة، لم تتخلص من هذه المخاطر ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز الرحيم ~~أن قيض لها من المحن والبلايا ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء إن لم ~~يتداركه طبيب بإزالته وتنقيته ممن هو في جسده، وإلا خيف عليه من الفساد ~~والهلاك، فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكثرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم ~~تعادل4 نعمته عليهم بنصره، PageV01P584 # وتأييدهم وظفرهم بقدرتهم، فله عليهم ms502 النعمة التامة في هذا وهذا. # قوله: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم} 1. يعني ~~أهل الإيمان واليقين والثبات والتوكل الصادق، وهم الجازمون بأن الله عز وجل ~~سينصر رسوله، وينجز له مأموله، ولهذا قال: {وطائفة قد أهمتهم أنفسهم} 2، ~~يعني: لا يغشاهم النعاس من القلق: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} 3، ~~كما قال في الآية الأخرى: {بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى ~~أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم} 4. وهكذا هؤلاء اعتقدوا أن المشركين لما ~~ظهروا تلك الساعة أنها الفاصلة وأن الإسلام قد باء وأهله. # قال ابن القيم: ظن الجاهلية: هو المنسوب إلى أهل الجهل وظن غير الحق، ~~لأنه غير ما يليق بأسمائه الحسنى وصفاته العلا وذاته المبرأة من من كل عيب ~~وسوء، أو خلاف ما يليق بحكمته وحمده وتفرده بالربوبية والإلهية، وما يليق ~~بوعده الصادق الذي لا يخلفه. وقد ذكر المؤلف تفسير ابن القيم لهذه الآية، ~~وهو أحسن ما قيل فيها وسيأتي ما يتعلق به إن شاء الله تعالى. # قوله: {يقولون هل لنا من الأمر من شيء} 5. هذا أيضا من حكاية مقال ~~المنافقين. والظاهر أن المعنى: إنا أخرجنا كرها، ولو كان الأمر إلينا ما ~~خرجنا، كما أشار إليه ابن أبي بذلك، ولفظه استفهام، ومعناه النفي، أي: ما ~~إن شيء من الأمر، أي: أمر الخروج، وقيل غير ذلك فرد الله عليهم بقوله: {إن ~~الأمر كله لله} 6، أي: ليس لكم من الأمر شيء ولا لغيركم، بل الأمر كله لله، ~~فهو الذي إذا شاء فلا مرد له. # وقوله: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} 7، تقدم الكلام ~~عليها في باب ما جاء في ال "لو". # وقوله: {وليبتلي الله ما في صدوركم} 8، أي: قدر الله هذه الهزيمة ~~PageV01P585 # والقتل، ليختبر الله ما في صدوركم بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبا فيعلمه ~~شهادة لأن المجازاة إنما تقع على من يعلم مشاهدة، لا على ما هو معلوم منهم ~~غير مغمور {وليمحص ما في قلوبكم} 1 أي: يطهرها من الشدة والمرض بما ms503 يريكم ~~من عجائب آياته وباهر قدرته، وهذا خاص بالمؤمنين دون المنافقين {والله عليم ~~بذات الصدور} 2 قيل معناه: إن الله لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم فإنه ~~عليم بذلك وإنما ابتلاكم ليظهر أسراركم. والله أعلم. # قال وقوله: {الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء} 3. # ش: قال ابن كثير: يتهمون الله تعالى في حكمه، ويظنون بالرسول صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه أن يقتلوا ويذهبوا بالكلية، ولهذا قال: {عليهم دائرة ~~السوء وغضب الله عليهم ولعنهم} 4 # أي: أبعدهم من رحمته {وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا} 5. # [بعض أنواع ظن السوء برب العالمين] # قال ابن القيم في الآية الأولى: فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، ~~وأن أمره سيضمحل، وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته، ففسر بإنكار ~~الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله، وأن يظهره على الدين كله، ~~وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، وإنما كان ~~هذا ظن السوء، لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه، وما يليق بحكمته وحمده ووعده ~~الصادق، فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو ~~أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق ~~عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة; ف {ذلك ظن الذين كفروا فويل ~~للذين كفروا من النار} 6. وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم ~~وفيما يفعله بغيرهم، فقل من PageV01P586 # يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وهو موجب حكمته وحمده، ~~فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله تعالى ويستغفره من ظنه ~~بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر، وملامة له، ~~يقول: إنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك هل أنت ~~سالم؟ # فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا. # ش: قوله:"فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله". إلى آخره. هذا تفسير ~~غير واحد ms504 من المفسرين وهو مأخوذ من تفسير قتادة والسدي، وذكر ذلك عنهما ابن ~~جرير وغيره بالمعنى. # وقوله:"وإن أمره سيضمحل". أي: سيذهب جملة حتى لا يبقى له أثر. ~~والاضمحلال: ذهاب الشيء جملة. # قوله:"وفسر أن ما أصابهم لم يكن بقدر الله وحكمته". قال القرطبي: وقال ~~جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: {يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية} ~~1 يعني التكذيب بالقدر وذلك أنهم تكلموا فيه، فقال الله: قل إن الأمر كله ~~لله، يعني: القدر خيره وشره من الله. # وأما تفسيره بإنكار الحكمة، فلم أقف عليه عن السلف، فهو تفسير صحيح فمن ~~أنكر أن ذلك لم يكن لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر، فقد ظن بالله ظن ~~السوء، وقد أشار تعالى إلى بعض الحكم والغايات المحمودة في ذلك، في سورة"آل ~~عمران"فذكر شيئا كثيرا منها في الآية المفسرة: {وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور} 2. فهذا بعض الحكمة في ذلك. ~~فمن أنكره، فقد ظن ظن السوء بالله وحكمته وعلمه ورحمته لكمال علمه وقدرته ~~ورحمته، ولأن من أسمائه الحق، وذلك هو موجب لهيبته وربوبيته. # قوله:"لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه". أي: لأن الذي يليق به PageV01P587 # سبحانه أنه يظهر الحق على الباطل وينصره، فلا يجوز في عقل ولا شرع أن ~~يظهر الباطل على الحق. قال تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا ~~هو زاهق} 1. وقال تعالى: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ~~2. # قوله:"ولا يليق بحكمته وحمده"، أي: إن الذي يليق بحكمته وحمده أن لا يكون ~~في السموات ولا في الأرض حركة ولا سكون إلا وله في ذلك الحكمة البالغة ~~والحمد الكامل التام عليها، فكيف بمثل هذا الأمر العظيم الذي وقع على سيد ~~المرسلين صلى الله عليه وسلم وعلى سادات الأولياء، رضي الله عنهم، فله ~~سبحانه وتعالى في ذلك الحكمة، وله عليه الحمد، بل والشكر. ومن تأمل ما في ~~سورة"آل عمران: [121-179] " في سياق القصة; رأى من ذلك العجب، فمن ظن بالله ~~تعالى أنه لا ms505 يفعل ذلك بقدرة وحكمة يستحق عليها الحمد والشكر، فقد ظن به ظن ~~السوء. # قوله:"فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق"، ~~فهذا ظن السوء، لأنه نسبه - أي سبحانه - إلى ما لا يليق بجلاله وكماله ~~ونعوته وصفاته، فإن حمده وحكمته وعزته تأبى ذلك، وتأبى أن يذل حزبه وجنده ~~وأن تكون النصرة المستقرة والظفر الدائم لأعدائه المشركين المعاندين له، ~~فمن ظن به ذلك، فما عرفه ولا عرف أسماءه وصفاته وكماله. # قوله:"أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره"، أي: فذلك ظن السوء، لأنه ~~نسبة له إلى ما لا يليق بربوبيته وملكه وعظمته. # قوله:"أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد"، بل زعم أن ~~ذلك لمشيئة مجردة {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} 3. # قال ابن القيم: وكذلك من أنكر أن يكون قدر ما قدره من ذلك PageV01P588 # وغيره لحكمة بالغة وغاية محمودة يستحق عليها الحمد، وأن ذلك إنما صدر عن ~~مشيئة مجردة عن حكمة وغاية مطلوبة هي أحب إليه من فواتها1. وأن تلك الأسباب ~~المكروهة المفضية إليها لا يخرج تقديرها عن الحكمة لانضمامها إلى ما يحب، ~~وإن كانت مكروهة له، فما قدرها سدى ولا شاءها عبثا، ولا خلقها باطلا {ذلك ~~ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} 2. # قوله:"ووعده الصادق"؛ لأن الله تعالى وعد رسوله صلى الله عليه وسلم أن ~~يظهر أمره ودينه على الدين كله {على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة، ~~من الآية: 33، والصف من الآية: 9] ، فمن ظن به تعالى أن دين نبيه سيضمحل ~~ويبطل، ولا يظهر على الدين كله، فقد ظن به ظن السوء، لأنه ظن أنه يخلف ~~الميعاد والله تعالى لا يخلف الميعاد. # قوله:"وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء"، فيما يختص بهم، وفيما يفعله ~~بغيرهم. قال ابن القيم: فمن قنط من رحمته، وأيس من روحه، فقد ظن به ظن ~~السوء، ومن جوز عليه أن يعذب أولياءه مع إحسانهم وإخلاصهم ويسوي بينهم وبين ~~أعدائه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه ms506 يترك خلقه سدى معطلين عن الأمر ~~والنهي، ولا يرسل إليهم رسله، ولا ينزل إليهم كتبه، فقد ظن به ظن السوء، ~~ومن ظن أنه لن يجمعهم بعد موتهم للثواب والعقاب في دار يجازي فيها المحسن ~~بإحسانه، والمسيء بإساءته، ويبين لخلقه حقيقة ما اختلفوا فيه، ويظهر ~~للعالمين كلهم صدقه، وصدق رسله، وأن أعداءه كانوا هم الكافرين، فقد ظن به ~~ظن السوء، ومن ظن أنه يضيع عليه عمله الصالح الذي عمله خالصا لوجهه على ~~امتثال أمره، ويبطله عليه بلا سبب من العبد، أو أنه يعاقبه [بما لا صنع له ~~فيه، ولا اختيار له، ولا قدرة ولا إرادة له في PageV01P589 # حصوله، بل يعاقبه] على فعله سبحانه به، أو ظن به أنه يجوز عليه أن يؤيد ~~أعداءه الكاذبين عليه بالمعجزات التي يؤيد بها أنبياءه ورسله، [ويجريها على ~~أيديهم ليضلوا بها عباده] ، وأنه يحسن منه كل شيء حتى يعذب من أفنى عمره في ~~طاعته، أي: كمحمد صلى الله عليه وسلم فيخلده في الجحيم، أو في أسفل سافلين، ~~وينعم من استنفد عمره في عداوته، وعداوة رسله ودينه، كأبي جهل فيرفعه إلى ~~أعلى عليين، وكلا الأمرين في الحسن سواء عنده، ولا يعرف امتناع أحدهما، ~~ووقوع الآخر إلا بخبر صادق، وإلا فالعقل لا يقضي بقبح أحدهما، وحسن الآخر، ~~فقد ظن به ظن السوء. ومن ظن أنه أخبر عن نفسه وصفاته وأفعاله بما ظاهره ~~باطل، وتشبيه وتمثيل، وترك الحق لم يخبر به، وإنما رمز إليه1 رموزا بعيدة، ~~وصرح دائما بالتشبيه والتمثيل والباطل، وأراد من خلقه أن يتعبوا أذهانهم ~~وقواهم وأفكارهم في تحريف كلامه عن مواضعه، وتأويله على غير تأويله، ~~وإعانتهم في معرفة أسمائه وصفاته على عقولهم وآرائهم لا على كتابه مع قدرته ~~على أن يصرح لهم بالحق الذي ينبغي التصريح به، ويريحهم من الألفاظ التي ~~توقعهم في اعتقاد الباطل; فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أن يكون له في ~~ملكه ما لا يشاء ولا يقدر على إيجاده وتكوينه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن ~~أنه لا سمع ms507 له، ولا بصر، ولا علم، ولا إرادة، ولا كلام يقوم به، وأنه لم ~~يكلم أحدا من الخلق، ولا يتكلم أبدا، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه ليس ~~فوق سماواته على عرشه بائنا من خلقه، وأن نسبة ذاته تعالى إلى عرشه كنسبتها ~~إلى أسفل سافلين، وأنه أسفل كما أنه أعلى، وأن من قال: سبحان ربي الأسفل ~~كمن قال: سبحان ربي الأعلى، فقد ظن به أقبح الظن، ومن ظن أنه يحب الكفر ~~والفسوق والعصيان PageV01P590 # والفساد، ولا يحب الإيمان والبر والطاعة والصلاح، فقد ظن به ظن السوء، ~~ومن ظن أنه لا يحب، ولا يرضى، ولا يغضب، ولا يوالي، ولا يعادي، ولا يقرب من ~~أحد من خلقه، ولا يقرب عنده أحد، وأن ذوات الشياطين في القرب منه، كذوات ~~الملائكة المقربين، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه يسوي بين المتضادين، أو ~~يفرق بين المتساويين في كل وجه، أو يحبط طاعات العمر المديد الخالصة الصواب ~~بكبيرة واحدة تكون بعدها، فيخلده في الجحيم لتلك الكبيرة، كما يخلد من لم ~~يؤمن به طرفة عين، واستنفد عمره في مساخطه، ومعاداة رسله ودينه; فقد ظن به ~~ظن السوء. # وبالجملة فمن ظن به خلاف ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، أو عطل حقائق ~~ما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أن له ولدا أو ~~شريكا، أو أن أحدا يشفع عنده بدون إذنه، أو أن بينه وبين خلقه وسائط يرفعون ~~حوائجهم إليه، أو أنه نصب لعباده أولياء من دونه، يتقربون بهم إليه، ~~ويجعلونهم وسائط بينه وبينهم فيدعونهم، ويخافونهم، ويرجونهم; فقد ظن به ~~أقبح الظن وأسوأه، ومن ظن به أنه ينال ما عنده بمعصيته ومخالفته، كما ينال ~~بطاعته، والتقرب إليه، فهو من ظن السوء، ومن ظن أنه إذا ترك لأجله شيئا لم ~~يعوضه خيرا منه، أو من فعل شيئا لأجله، لم يعطه أفضل منه، فقد ظن به ظن ~~السوء، ومن ظن أنه يغضب على عبده، ويعاقبه بغير جرم، ولا سبب ms508 من العبد إلا ~~بمجرد المشيئة; فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن أنه إذا صدق في الرغبة والرهبة، ~~وتضرع إليه وسأل واستعان به، وتوكل عليه أنه يخيبه، فقد ظن به ظن السوء، ~~ومن ظن أنه يثيبه إذا عصاه، كما يثيبه إذا أطاعه، وسأله ذلك في دعائه، فقد ~~ظن به خلاف ما هو أهله، وما لا يفعله، ومن ظن أنه إذا أغضبه وأسخطه، ووقع ~~في معاصيه، ثم اتخذ من دونه أولياء، ودعا من دونه ملكا، أو بشرا حيا أو ~~ميتا يرجو بذلك # PageV01P591 # أن ينفعه عند ربه، ويخلصه من عذابه، فقد ظن به ظن السوء، ومن ظن به أنه ~~يسلط على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم أعداءه تسليطا مستقرا دائما في ~~حياته ومماته، وابتلاه بهم لا يفارقونه، فلما مات استبدوا بالأمر دون وصيه، ~~وأهل بيته، وسلبوهم حقهم، وأذلوهم من غير جرم، ولا ذنب لأوليائه، وأهل ~~الحق، وهو يرى ذلك، ويقدر على نصرة أوليائه وحزبه، ولا ينصرهم، ثم جعل ~~المبدلين لدينه مضاجعيه صلى الله عليه وسلم في حفرته تسلم أمته عليه وعليهم ~~كل وقت، كما تظنه الرافضة; فقد ظن به أقبح الظن. انتهى اختصارا. وهو ينبهك ~~على إحسان الظن بالله في كل شيء. # فليعتن اللبيب. اللب: العقل، واللبيب العاقل. # قوله:"ولو فتشت من فتشت لرأيت عنده تعنتا على القدر"، وملامة له، وأنه ~~كان ينبغي أن يكون كذا وكذا. # قلت: بل يبوحون بذلك، ويصرحون به جهارا في أشعارهم وكلامهم. # قال ابن عقيل في"الفنون": الواحد من العوام إذا رأى مراكب مقلدة بالذهب ~~والفضة، ودارا مشيدة مملوءة بالخدم والزينة، قال: انظر إلى إعطائهم مع سوء ~~أفعالهم، ولا يزال يلعنهم، ويذم معطيهم حتى يقول: فلان يصلي الجماعات ~~والجمع، ولا يؤذي الذر، ولا يأخذ ما ليس له، ويؤدي الزكاة إذا كان له مال، ~~ويحج ويجاهد، ولا ينال خلة بقلبه، ويظهر الإعجاب كأنه ينطق إنه لو كانت ~~الشرائع حقا لكان الأمر بخلاف ما ترى، وكان الصالح غنيا، والفاسق فقيرا. # قال أبو الفرج ابن الجوزي: وهذه حالة قد شملت خلقا ms509 كثيرا من العلماء ~~والجهال، أولهم إبليس فإنه نظر بعقله، فقال: كيف يفضل الطين على جوهر ~~النار؟! وفي ضمن اعتراضه: إن حكمتك قاصرة وأنا أجود. واتبع إبليس في تفضيله ~~واعتراضه خلق كثير، مثل الراوندي والمعري، ومن قوله: # PageV01P592 # إذا كان لا يحظى برزقك عاقل ... وترزق مجنونا وترزق أحمقا # ولا ذنب يا رب السماء على امرئ ... رأى منك ما لا ينتهي فتزندقا # [وأمثال ذلك كثير في أولئك الذين ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله، ~~وانطلقوا إلى أهوائهم، واعتمدوا على عقولهم القاصرة التي جعلتهم يعترضون ~~على الله جل وعلا] . # وكان أبو طالب المكي يقول: ليس على المخلوق أضر من الخالق. قال ابن ~~الجوزي: ودخلت على صدقة بن الحسين الحداد، وكان فقيها غير أنه كان كثير ~~الاعتراض، وكان عليه جرب، فقال: هذا ينبغي أن يكون على حمد لا علي. وكان ~~يتفقد بعض الأكابر أكولا، فيقول: بعث لي هذا على الكبر وقت لا أقدر على ~~أكله. وكان رجل يصحبني قد قارب ثمانين سنة، كثير الصلاة والصوم، فمرض واشتد ~~به المرض، فقال: إن كان يريد أن أموت فيميتني، وأما هذا التعذيب، فما له ~~معنى، والله لو أعطاني الفردوس كان مكفورا. ورأيت آخر تزيا بالعلم إذا ضاق ~~عليه رزقه يقول: أيش هذا التدبير؟ وعلى هذا كثير من العوام إذا ضاقت ~~أرزاقهم اعترضوا، وربما قالوا: ما يريد يصلي. وإذا رأوا رجلا صالحا مؤذيا ~~قالوا ما يستحق قدحا في القدر، وكان قد جرى في زماننا تسلط من الظلمة، وقال ~~بعض من تزيا بالدين: هذا حكم بارد. وما فهم ذلك الأحمق، فإن لله على ~~الظالم] أن يسلط عليه أظلم منه] ، وفي الحمقى من يقول: أي فائدة في خلق ~~الحيات والعقارب، وما علم أن ذلك نموذج لعقوبة المخالف، وهذا أمر قد شاع، ~~ولهذا مددت النفس فيه. # واعلم أن المعترض قد ارتفع أن يكون شريكا وعلا الخالق بالحكم عليه، ~~وهؤلاء كلهم كفرة، لأنهم رأوا حكمة الخالق قاصرة، وإذا كان قد توقف القلب ~~عن الرضى بحكم الرسول صلى الله عليه وسلم يخرج عن الإيمان. ms510 قال: {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم} 1. فكيف يصح الإيمان مع الاعتراض على ~~الله؟ وكان في زمن ابن عقيل رجل رأى بهيمة على غاية من السقم، فقال: ~~PageV01P593 # وارحمتي1 لك، واقلة حيلتي في إقامة التأويل لمعذبك. فقال له ابن عقيل: إن ~~لم تقلد على حمل هذا الأمر لأجل رقبتك الحيوانية ومناسبتك الجنسية، فعندك ~~عقل تعرف به حكم الصانع وحكمته يوجب عليك التأويل، فإن لم تجد استطرحت ~~الفاطر العقل، حيث خانك العقل عن معرفة الحكمة في ذلك. انتهى. # قوله:"وفتش نفسك هل أنت سالم؟ ". قال ابن القيم: أكثر الخلق إلا من شاء ~~الله يظنون بالله غير الحق، وظن السوء، فإن غالب بني آدم يعتقد أنه مبخوس ~~الحق، ناقص الحظ، وأنه يستحق فوق ما أعطاه الله، ولسان حاله يقول: ظلمني ~~ربي، ومنعني ما أستحقه، ونفسه تشهد عليه بذلك، وهو بلسانه ينكره، ولا ~~يتجاسر على التصريح به، ومن فتش نفسه، وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها، ~~رأى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد، فاقرع زناد من شئت ينبئك شرارها ~~عما في زناده، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ~~ويستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي مأوى كل ~~سوء وصنيع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهو أولى بظن السوء من أحكم ~~الحاكمين، وأعدل العادلين، وأرحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى ~~التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه، ~~فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك وأفعاله كلها حكمة ومصلحة ~~ورحمة وعدل، وأسماؤه كلها حسنى. # فلا تظنن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل. # ولا تظنن بنفسك قط خيرا ... فكيف بظالم جان جهول # وظن بنفسك السوأى تجدها ... كذاك وخيرها كالمستحيل # وما بك من تقى فيها وخير ... فتلك مواهب الرب الجليل PageV01P594 # وليس لها ولا منها ولكن ... من الرحمن فاشكر للدليل. # قوله:"فإن تنج منها". أي: من هذه الخصلة العظيمة. # قوله:"من ذي عظيمة". أي: تنج من شر عظيم. # قوله:"وإني لا ms511 إخا لك". هو بكسر الهمزة. أي: أظنك والله أعلم. # PageV01P595 # [54- ### | باب ما جاء في منكري القدر # ش: أي من الوعيد. والقدر بالفتح والسكون: ما يقدره الله من القضاء. ولما ~~كان توحيد الربوبية لا يتم إلا بإثبات القدر. قال القرطبي: القدر: مصدر ~~قدرت الشيء بتخفيف الدال أقدره وأقدره قدرا وقدرا إذا حصلت بمقداره، ويقال ~~فيه: قدرت أقدر تقديرا مشدد الدال ، فإذا قلنا: إن الله تعالى قدر الأشياء، ~~فمعناه: إنه تعالى علم مقاديرها وأحوالها وأزمانها قبل إيجادها، ثم أوجد ~~منها ما سبق في علمه أنه يوجده على نحو ما سبق في علمه، فلا محدث في العالم ~~العلوي والسفلي إلا هو صادر عن علمه تعالى وقدرته وإرادته، هذا هو المعلوم ~~من دين السلف الماضين الذي دلت عليه البراهين; ذكر المصنف ما جاء في الوعيد ~~فيمن أنكره تنبيها على وجوب الإيمان، ولهذا عده النبي صلى الله عليه وسلم ~~من أركان الإيمان كما ثبت في حديث جبريل عليه السلام لما سئل عن الإيمان، ~~فقال: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره ~~وشره قال: صدقت" 1. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص. قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن الله تعالى كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات ~~والأرض بخمسين ألف سنة قال: وكان عرشه على الماء" 2. وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز ~~والكيس" 3. رواهما مسلم في"صحيحه"وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن PageV01P595 # بأربع: يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله بعثني بالحق، ويؤمن ~~بالموت، والبعث بعد الموت، ويؤمن بالقدر" 1. # رواه الترمذي، وابن ماجة، والحاكم في"مستدركه". والأحاديث في ذلك كثيرة ~~جدا، قد أفردها العلماء بالتصنيف. # قال البغوي في"شرح السنة": الإيمان بالقدر فرض لازم، وهو أن يعتقد أن ~~الله تعالى خالق أعمال العباد خيرها وشرها كتبها عليهم في اللوح المحفوظ ~~قبل أن يخلقهم. قال الله تعالى: ms512 {والله خلقكم وما تعملون} 2. فالإيمان ~~والكفر، [والطاعة والمعصية كلها بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته غير أنه ~~يرضى الإيمان والطاعة] 3. ووعد عليهما الثواب، ولا يرضى الكفر والمعصية ~~وأوعد عليهما بالعقاب. قال الله تعالى: {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما ~~يشاء} 4.قال: والقدر سر من أسرار الله تعالى لم يطلع عليه ملكا مقربا، ولا ~~نبيا مرسلا، ولا يجوز الخوض فيه والبحث عنه بطريق العقل، بل يعتقد أن الله ~~تعالى خلق الخلق، فجعلهم فريقين: أهل يمين خلقهم للنعيم فضلا، وأهل شمال ~~خلقهم للجحيم عدلا. قال الله تعالى: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والأنس} 5. وقد"سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير ~~المؤمنين أخبرني عن القدر. قال: طريق مظلم، فلا تسلكه، فأعاد السؤال فقال: ~~بحر عميق لا تلجه، فأعاد السؤال فقال: سر الله خفي عليك فلا تفشه". # وقال شيخ الإسلام: "مذهب أهل السنة في هذا الباب وغيره ما دل عليه الكتاب ~~والسنة، وكان عليه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم ~~بإحسان، وهو أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وقد دخل في ذلك جميع الأعيان ~~القائمة بأنفسها وصفاتها القائمة بها من أفعال العباد وغير أفعال ~~PageV01P596 # العباد، وأنه سبحانه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يكون في الوجود ~~شيء إلا بمشيئته وقدرته، لا يمتنع عليه شيء شاءه، بل هو قادر على كل شيء، ~~ولا يشاء شيئا إلا وهو قادر عليه، وأنه سبحانه يعلم ما كان وما يكون، وما ~~لم يكن لو كان كيف كان يكون، فقد دخل في ذلك أفعال العباد وغيرها، وقد قدر ~~مقادير الخلائق قبل أن يخلقهم، قدر أرزاقهم وآجالهم وأعمالهم، وكتب ذلك ~~وكتب ما يصيرون إليه من سعادة وشقاوة، فهم يؤمنون بخلقه لكل شيء، وقدرته ~~على كل شيء، ومشيئته لكل ما كان، وعلمه بالأشياء قبل أن تكون، وتقديره لها ~~وكتابته إياها قبل أن تكون. وغلاة القدرية ينكرون علمه المتقدم وكتابته ~~السابقة، ويزعمون أنه أمر ونهي، وهو لا يعلم من يطيعه ممن يعصيه، بل ms513 الأمر ~~أنف، أي: مستأنف. # وهذا القول أول ما حدث في الإسلام بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين، وبعد ~~إمارة معاوية بن أبي سفيان في زمن الفتنة التي كانت بين ابن الزبير وبين ~~أمية في آخر عصر عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس وغيرهما من الصحابة، ~~وكان أول من ظهر ذلك عنه بالبصرة معبد الجهني، فلما بلغ الصحابة قول هؤلاء ~~تبرءوا منهم وأنكروا مقالتهم، ثم لما كثر خوض الناس في القدر صار جمهورهم ~~يقر بالعلم المتقدم والكتاب السابق، ولكن ينكرون عموم مشيئة الله وعموم ~~خلقه وقدرته، ويظنون أنه لا معنى لمشيئته إلا أمره، فما شاء فقد أمر به، ~~وما لم يشأ لم يأمر به; فلزمهم أنه قد يشاء ما لا يكون، ويكون ما لا يشاء. ~~وأنكروا أن يكون الله خالقا لأفعال العباد، أو قادرا عليها، أو أن يخص بعض ~~عباده من النعم مما يقتضي إيمانهم به وطاعتهم له. # وزعموا أن نعمته التي بها يمكن الإيمان والعمل الصالح على الكفار كأبي ~~جهل وأبي لهب مثل نعمته بذلك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، بمنزلة رجل دفع ~~إلى والديه بمال قسمه بينهم بالسوية، ولكن هؤلاء أحدثوا أعمالهم الصالحة، ~~وهؤلاء أحدثوا أعمالهم # PageV01P597 # الفاسدة من غير نعمة خص الله بها المؤمنين، وهذا قول باطل، وقد قال الله ~~تعالى: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} 1. وقال: {ولكن الله حبب إليكم الأيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون فضلا ~~من الله ونعمة والله عليم حكيم} 2. # وقال ابن القيم ما معناه: مراتب القضاء والقدر أربع مراتب: # الأولى: علم الرب سبحانه بالأشياء قبل كونها. # الثانية: كتابة ذلك عنده في الأزل قبل خلق السموات والأرض. # الثالثة: مشيئته المتناولة لكل موجود فلا خروج لكائن كما لا خروج له عن ~~علمه. # الرابعة: خلقه لها وإيجاده وتكوينه، فالله خالق كل شيء، وما سواه مخلوق. # [الإيمان بالقدر خيره وشره] # قال: وقال ابن عمر: "والذي نفس ms514 ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ~~ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم استدل بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" 3 رواه مسلم. # ش: قوله:"وقال ابن عمر": هو عبد الله بن عمر بن الخطاب. # قوله:"لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله ~~منه ... " إلخ. هذا قول ابن عمر لغلاة القدرية الذين أنكروا أن يكون الله ~~تعالى عالما بشيء من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنما يعلمها بعد كونها ~~منهم كما تقدم عنهم. قال القرطبي: ولا شك في تكفير من يذهب إلى ذلك، فإنه ~~جحد معلوم من الشرع بالضرورة، PageV01P598 # ولذلك تبرأ منهم ابن عمر، وأفتى بأنهم لا تقبل منهم أعمالهم ولا نفقاتهم، ~~وأنهم كمن قال الله فيهم: {وما منعهم أن تقبل منهم نفقاتهم إلا أنهم كفروا ~~بالله وبرسوله} 1. وهذا المذهب قد ترك اليوم، فلا يعرف من ينسب إليه من ~~المتأخرين من أهل البدع المشهورين. فقال شيخ الإسلام لما ذكر كلام ابن عمر ~~هذا: وكذلك كلام ابن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع وغيرهم من ~~الصحابة والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسائر أئمة المسلمين فيهم ~~كثير، حتى قال فيهم الأئمة، كمالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل وغيرهم: "إن ~~المنكرين لعلم الله المتقدم ينكرون القدر"2. # وقوله:"ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم "الإيمان أن تؤمن بالله، ~~وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره" 3. فجعل ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث كأنه لما سئل عن الإسلام، ذكر ~~أركان الإسلام الخمسة لأنها أصل الإسلام، ولما سئل عن الإيمان أجاب ~~بقوله:"أن تؤمن بالله ... " إلى آخره. فيكون المراد حينئذ بالإيمان جنس ~~تصديق القلب، وبالإسلام جنس العمل، والقرآن والسنة مملوءان بإطلاق الإيمان ~~على الأعمال، كما هما مملوءان بإطلاق الإسلام على الإيمان الباطن، مع ظهور ~~دلالتهما أيضا على الفرق بينهما، ولكن حيث أفرد أحد ms515 الاسمين دخل فيه الآخر، ~~وإنما يفرق بينهما حيث فرق بين الاسمين، ومن أراد تحقيق ما أشرنا إليه ~~فليراجع كتاب"الإيمان"الكبير لشيخ الإسلام. # إذا تبين هذا، فوجه استدلال ابن عمر بالحديث من جهة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عد الإيمان بالقدر من أركان الإيمان، فمن أنكره لم يكن مؤمنا، إذ ~~الكافر PageV01P599 # بالبعض كافر بالكل، فلا يكون مؤمنا متقيا، والله لا يقبل إلا من المتقين. # وهذا قطعة من حديث جبريل عليه السلام، وقد أخرجه مسلم بطوله أول كتاب ~~الإيمان في"صحيحه"من حديث يحيى بن يعمر عن ابن عمر، ولفظه: "عن يحيى بن ~~يعمر قال: كان أول من قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد ~~بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا ~~عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلا المسجد، فاكتنفته أنا وصاحبي، أحدنا عن ~~يمينه، والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي، فقلت: يا أبا عبد ~~الرحمن إنه قد ظهر قبلنا أناس يقرؤون القرآن ويتقفرون1 العلم، وذكر من ~~شأنهم وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: فإذا لقيت أولئك ~~فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم برآء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر: لو ~~أن لأحدهم مثل أحد ذهبا فأنفقه، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر. ثم قال: ~~حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ذات يوم، إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه ~~أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسند ~~ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام ### | .... # وذكر الحديث. # وقوله:"خيره وشره"، أي: خير القدر وشره، أي: أنه تعالى قدر الخير والشر ~~قبل خلق الخلق، وأن جميع الكائنات بقضائه وقدره وإرادته، لقوله تعالى: ~~{وخلق كل شيء فقدره تقديرا} ms516 2. {والله خلقكم وما تعملون} 3. {إنا كل شيء ~~خلقناه بقدر} 4 PageV01P600 # وغير ذلك. # فإن قلت: كيف قال:"وتؤمن بالقدر خيره وشره"وقد قال في الحديث: "والشر ليس ~~إليك" 1. # قيل: إثبات الشر في القضاء والقدر إنما هو بالإضافة إلى العبد، والمفعول ~~إن كان مقدرا عليه، فهو بسبب جهله وظلمه وذنوبه، لا إلى الخالق، فله في ذلك ~~من الحكم ما تقصر عنه أفهام البشر، لأن الشر إنما هو بالذنوب وعقوباتها في ~~الدنيا والآخرة، فهو شر بالإضافة إلى العبد، أما بالإضافة إلى الرب سبحانه ~~وتعالى، فكله خير وحكمة، فإنه صادر عن حكمه وعلمه، وما كان كذلك فهو خير ~~محض بالنسبة إلى الرب سبحانه وتعالى، إذ هو موجب أسمائه وصفاته، ولهذا ~~قال:"والشر ليس إليك"، أي: تمتنع إضافته إليك بوجه من الوجوه، فلا يضاف ~~الشر إلى ذاته وصفاته، ولا أسمائه ولا أفعاله، فإن ذاته منزهة عن كل شر، ~~وصفاته كذلك، إذ كلها صفات كمال، ونعوت جلال، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ~~وأسماؤه كلها حسنى ليس فيها اسم ذم ولا عيب، وأفعاله حكمة ورحمة ومصلحة ~~وإحسان وعدل، لا تخرج عن ذلك البتة، وهو المحمود على ذلك كله، فتستحيل ~~إضافة الشر إليه، فإنه ليس شر في الوجود إلا الذنوب وعقوبتها، وكونها ذنوبا ~~تأتي من نفس العبد، فإن سبب الذنب الظلم والجهل، وهما في نفس العبد. فإنه ~~ذات مستلزمة للجهل والظلم، وما فيه من العلم والعدل فإنما حصل له بفضل الله ~~عليه، وهو أمر خارج عن نفسه، فمن أراد الله به خيرا أعطاه الفضل فصدر منه ~~الإحسان والبر والطاعة، ومن أراد به شرا أمسكه عنه وخلاه ودواعي نفسه وطبعه ~~وموجبها، فصدر عنه موجب الجهل والظلم من كل شر وقبيح، وليس منعه من ذلك ~~شرا، ولله في ذلك الحكمة التامة، والحجة البالغة، فهذا عدله، وذلك فضله ~~يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم، وهو العلي الحكيم. هذا معنى كلام ابن ~~القيم، وهو الحق. PageV01P601 # وحاصله أن الشر راجع إلى مفعولاته، لا إلى ذاته وصفاته، ويتبين ذلك بمثال ~~ولله المثل الأعلى. لو أن ms517 ملكا من ملوك العدل كان معروفا بقمع المخالفين ~~وأهل الفساد، مقيما للحدود والتعزيرات الشرعية على أرباب أصحابها، لعدوا ~~ذلك خيرا يحمده عليه الملوك، ويمدحه الناس ويشكرونه على ذلك، فهو خير ~~بالنسبة إلى الملوك، يمدح ويثنى به ويشكر عليه وإن كان شرا بالنسبة إلى من ~~أقيم عليه، فرب العالمين أولى بذلك، لأن له الكمال المطلق من جميع الوجوه ~~والاعتبارات. وأيضا فلولا الشر هل كان يعرف الخير؟ فإن الضد لا يعرف إلا ~~بضده، فإن لم تحط به خبرا فاذكر كلام ابن عقيل في الباب الذي قبل هذا، ~~وأسلم تسلم، والله أعلم. # [ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك] . # قال:"وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ~~حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن أول ما خلق الله القلم، فقال: [له] ~~اكتب. قال: رب وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة"، يا ~~بني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من مات على غير هذا فليس ~~مني" 1. # ش قوله:"يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان ... " إلى آخره. ابنه هذا هو ~~الوليد بن عبادة كما صرح به الترمذي في روايته، وفيه أن للإيمان طعما، وهو ~~كذلك، فإن له حلاوة وطعما، من ذاقه تسلى به عن الدنيا وما عليها وقد قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ... " 2. ~~الحديث وإنما يكون العبد كذلك إذا كان مؤمنا بالقدر، إذ يمتنع أن توجد ~~الثلاث فيه وهو لا يؤمن بالقدر بل يكذب به ويرد على الله كلامه وعلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم مقالته، فإن المحبة التامة تقتضي المتابعة التامة، فمن ~~لم يؤمن بالقدر، لم PageV01P602 # يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، فلا يجد حلاوة الإيمان ولا طعمه، ~~بل إن كان منكرا للعلم القديم، فهو كافر كما تقدم، ولهذا روي عن بعض الأئمة ~~القدرية الكبار ms518 بإسناد صحيح أنه قال لما ذكر حديث ابن مسعود رضي الله عنه: ~~"حدثني الصادق المصدوق ... ". الحديث: لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته، ولو ~~سمعت زيد بن وهب يقول هذا لأجبته، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما ~~قبلته، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته، وذكر كلمة ~~بعدها. فهذا كفر صريح نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه. # وقد بين في الحديت كيفية الإيمان بالقدر: أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~حديث جابر رضي الله عنه: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره حتى إن ما ~~أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه" 1. رواه الترمذي. # والمعنى: أن العبد لا يؤمن حتى يعلم أن ما يصيبه إنما أصابه في القدر، ~~أي: ما قدر عليه من الخير والشر، لم يكن ليخطئه، أي: يجاوزه فلا يصيبه، ~~وإنما أخطأه من الخير والشر في القدر، أي: لم يقدر عليه، لم يكن ليصيبه، ~~كما قال تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من ~~قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} 2. وقال تعالى: {قل لن يصيبنا إلا ما ~~كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون} 3. # قوله:"إن أول ما خلق الله القلم"، قال شيخ الإسلام: قد ذكرنا أن للسلف في ~~العرش والقلم أيهما خلق قبل الآخر قولين، كما ذكر ذلك الحافظ أبو العلاء ~~الهمداني وغيره. # أحدهما: أن القلم خلق أولا، كما أطلق ذلك غير واحد، وهذا هو الذي يفهم من ~~ظاهر كتب المصنفين في"الأوائل"للحافظ أبو PageV01P603 # عروبة الحراني ولد القاسم الطبراني، للحديث الذي رواه أبو داود ~~في"سننه"عن عبادة ابن الصامت، وذكر الحديث المشروح. # والثاني: أن العرش خلق أولا. قال الإمام عثمان بن سعيد الدارمي في تصنيفه ~~في"الرد على الجهمية1": حدثنا محمد بن كثير العبدي، أنبأنا سفيان الثوري، ~~ثنا أبو هاشم، عن مجاهد، عن ابن عباس ms519 قال:"إن الله كان على عرشه قبل أن ~~يخلق شيئا، فكان أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما هو كائن، وأن ما ~~يجري على الناس على أمر قد فرغ منه" وكذلك ذكر الحافظ أبو بكر البيهقي في ~~كتاب"الأسماء والصفات"لما ذكر بدء الخلق، ثم ذكر حديث الأعمش، عن المنهال ~~بن عمرو، عن سعيد بن جبير،"عن ابن عباس أنه سئل عن قول الله تعالى: {وكان ~~عرشه على الماء} 2. على أي شيء [كان الماء] ؟ قال: على متن الريح". وروى ~~حديث القاسم بن [أبي بزة] ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان يحدث أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أول شيء خلقه الله القلم، وأمره فكتب ~~كل شيء يكون" قال البيهقي: "وإنما أراد - والله أعلم - أول شيء خلقه بعد ~~خلق الماء والريح والعرش، وذلك في حديث عمران بن حصين الذي أشار إليه، وهو ~~ما رواه البخاري من غير وجه مرفوعا عنه: "كان الله ولم يكن شيء قبله وكان ~~عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء" 3. ورواه ~~البيهقي كما رواه محمد بن هارون الروياني في"مسنده"وعثمان بن سعيد الدارمي ~~وغيرهما، من حديث الثقات المتفق على ثقتهم، عن أبي إسحاق، عن الأعمش، عن ~~جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، PageV01P604 # عن عمران بن حصين عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كان الله ولم يكن ~~شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم كتب في الذكر كل شيء، ثم خلق السموات". ~~وذكر أحاديث وآثارا، ثم قال ما معناه: فثبت في النصوص الصحيحة أن العرش خلق ~~أولا. # وقال ابن كثير: "قال قائلون: خلق القلم أولا، وهذا اختيار ابن جرير وابن ~~الجوزي وغيرهما". # قال ابن جرير: "وبعد القلم السحاب الرقيق، وبعده العرش، واحتجوا بحديث ~~عبادة". # والذي عليه الجمهور أن العرش مخلوق قبل ذلك، كما دل على ذلك الحديث الذي ~~رواه مسلم في"صحيحه"يعني حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي تقدم. قالوا: ~~وهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير، وقد دل ms520 الحديث أن ذلك بعد خلق ~~العرش، فثبت تقديم العرش على القلم الذي كتب به المقادير كما ذهب إلى ذلك ~~الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم. انتهى ~~بمعناه. # قوله:"اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة". قال شيخ الإسلام: وكذلك في ~~حديث ابن عباس وغيره، وهذا يبين أنه إنما أمره حينئذ أن يكتب مقدار هذا ~~الخلق إلى قيام الساعة، لم يكن حينئذ ما يكون بعد ذلك. # قوله:"من مات على غير هذا لم يكن مني". أي: لأنه إذا كان جاحدا للعلم ~~القديم فهو كافر، كما قال كثير من أئمة السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن ~~أقروا به خصموا، وإن جحدوا كفروا. يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق ~~بأفعال العباد، وأن الله قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في ~~كتاب حفيظ، فقد كذب القرآن، فيكفر بذلك، كما نص عليه الشافعي وأحمد ~~وغيرهما، وإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد، وشاءها وأرادها ~~بينهم إرادة كونية قدرية، فقد خصموا، لأن ما أقروا به حجة عليهم فيما ~~أنكروه. وفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور، وبالجملة فهم # PageV01P605 # أهل بدعة شنيعة، والرسول صلى الله عليه وسلم بريء منهم، كما هو بريء من ~~الأولين. # وقد بيض المصنف آخر هذا الحديث ليعزوه، وقد رواه أبو داود وهذا لفظه، ~~ورواه أحمد والترمذي وغيرهما. # [من لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار] # قال: وفي رواية لابن وهب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فمن لم ~~يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار". # ش: قوله:"وفي رواية لابن وهب". هو الإمام الحافظ عبد الله بن وهب بن مسلم ~~القرشي مولاهم المصري الفقيه، ثقة إمام مشهور عابد، له مصنفات، ~~منها"الجامع"وغيره، مات سنة سبع وتسعين ومائة وله اثنان وسبعون سنة. # قوله:"أحرقه الله بالنار"، أي: لكفره أو بدعته إن كان ممن يقر بالعلم ~~السابق وينكر خلق أفعال العباد، فإن صاحب البدعة متعرض للوعيد كأصحاب ~~الكبائر، بل أعظم. # قال: وفي"المسند"و"السنن""عن أبن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب ms521 فقلت: في ~~نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت ~~مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ~~ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار. ~~قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، كلهم حدثني ~~بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم". حديث صحيح رواه الحاكم في"صحيحه". # ش: قوله: وفي"المسند"، أي"مسند الإمام أحمد"، و"السنن" أي"سنن أبي ~~داود"وابن ماجة فقط، بمعنى ما ذكر المصنف، وفيه زيادة اختصرها المصنف، ولفظ ~~ابن ماجة: حدثنا علي بن محمد، حدثنا إسحاق بن سليمان، قال: سمعت أبا سنان ~~عن وهب بن خالد الحمصي"عن ابن الديلمي قال: وقع في # PageV01P606 # نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد علي ديني وأمري، فأتيت أبي بن كعب، ~~فقلت: يا أبا المنذر إنه قد وقع في قلبي شيء من هذا القدر، فخشيت على ديني ~~وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني. فقال: لو أن الله عذب أهل ~~سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا ~~لهم من أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبا أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل ~~الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما ~~أخطأك لم يكن ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي ~~يا أخي عبد الله بن مسعود فتسأل، فأتيت عبد الله فسألته، فذكر مثل ما قال ~~أبي، وقال لي: لا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة فسألته، فقال مثل ما ~~قال: ائت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته فقال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه ~~لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو ~~كان مثل أحد أو ms522 مثل جبل أحد ذهبا تنفقه في سبيل الله ما قبله الله منك حتى ~~تؤمن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ~~ليصيبك، وإنك إن مت على غير هذا دخلت النار". هذا حديث ابن ماجة. ولفظ أبي ~~داود كما ذكره المصنف إلا أنه قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ~~ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك. # قوله:"عن ابن الديلمي". هو عبد الله بن فيروز الديلمي. وفيروز قاتل ~~الأسود العنسي الكذاب. وعبد الله هذا ثقة من كبار التابعين، بل ذكره بعضهم ~~في الصحابة. والديلمي نسبة إلى جبل الديلم، وهو من أبناء الفرس الذين بعثهم ~~كسرى إلى اليمن. # قوله:"وقع في نفسي شيء من القدر". أي: شك أو اضطراب يؤدي إلى شك فيه، أو ~~جحد له. # PageV01P607 # قوله:"لو أنفقت مثل أحد ذهبا ما قبله الله منك". هذا تمثيل على سبيل ~~الفرض لا تحديد، إذ لو فرض إنفاق ملء السموات والأرض كان ذلك. # قوله:"حتى تؤمن بالقدر". أي: بأن جميع الأمور الكائنة خيرها وشرها، ~~وحلوها ومرها، ونفعها وضرها، وقليلها وكثيرها، وكبيرها وصغيرها بقضائه ~~وقدره وإرادته ومشيئته وأمره، كما ذكر عن علي رضي الله عنه 1. PageV01P608 # [55- ### | باب ما جاء في المصورين # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله ~~تعالى: "ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة، أو ~~ليخلقوا شعيرة" 1. أخرجاه. # ولهما عن عائشة رضي الله عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"أشد ~~الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهؤون بخلق الله" 2. # ولهما عن ابن عباس: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مصور في ~~النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم" 3. # ولهما عنه مرفوعا "من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس ~~بنافخ" 4. # ولمسلم عن"أبي الهياج قال: قال لي علي: ألا أبعثك ms523 على ما بعثني عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ "أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا ~~سويته" 5. # فيه مسائل: # الأولى: التغليظ الشديد في المصورين. # الثانية: التنبيه على العلة، وهو ترك الأدب مع الله، لقوله:"ومن أظلم ممن ~~ذهب يخلق كخلقي". # الثالثة: التنبيه على قدرته، وعجزهم، لقوله:"فليخلقوا ذرة أو حبة أو ~~شعيرة". # الرابعة: التصريح بأنهم أشد الناس عذابا. # الخامسة: أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم. # السادسة: أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح. # السابعة: الأمر بطمسها إذا وجدت. # ش: قوله: باب ما جاء في المصورين. # أي: من عظيم عقوبة الله لهم وعذابه. وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~العلة، وهي المضاهاة بخلق الله، لأن الله تعالى له الخلق والأمر، فهو رب كل ~~شيء ومليكه، وهو خالق كل شيء، وهو الذي صور جميع المخلوقات، وجعل فيها ~~الأرواح التي تحصل بها الحياة، كما قال الله تعالى: {الذي أحسن كل شيء خلقه ~~وبدأ خلق الأنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ ~~فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} 6. فالمصور ~~لما صور الصورة على شكل ما خلقه الله تعالى من إنسان وبهيمة صار مضاهيا ~~لخلق الله، فصار ما صور عذابا له يوم القيامة، وكلف أن ينفخ فيها الروح ~~وليس بنافخ. فكان أشد الناس عذابا، لأن ذنبه من أكبر الذنوب. PageV01P609 # فإذا كان هذا فيمن صور صورة على مثال ما خلقه الله تعالى من الحيوان، ~~فكيف بحال من سوى المخلوق برب العالمين، وشبهه بخلقه، وصرف له شيئا من ~~العبادة التي ما خلق الله الخلق إلا ليعبدوه وحده بما لا يستحقه غيره من كل ~~عمل يحبه الله من العبد ويرضاه؟! # فتسوية المخلوق بالخالق بصرف حقه لمن لا يستحقه من خلقه، وجعله شريكا له ~~فيما اختص به تعالى وتقدس، هو أعظم ذنب عصي الله تعالى به. ولهذا أرسل ~~رسله، وأنزل كتبه، لبيان هذا الشرك والنهي عنه، وإخلاص العبادة بجميع ms524 ~~أنواعها لله تعالى. فنجى الله تعالى رسله ومن أطاعهم، وأهلك من جحد ~~التوحيد، واستمر على الشرك والتنديد، فما أعظمه من ذنب! {إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} 1 {ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق} 2. # قال المصنف رحمه الله تعالى: ولمسلم (969) عن أبي الهياج، قال: قال لي ~~علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "ألا تدع ~~صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته". # قوله:"ولمسلم عن أبي الهياج الأسدي" - حيان بن حصين -. # قال: قال لي علي رضي الله عنه. هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه. # قوله:"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ "أن لا ~~تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته". # فيه تصريح بأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عليا لذلك. أما الصور: ~~فلمضاهاتها لخلق الله، وأما تسوية القبور، فلما في تعليتها من الفتنة ~~بأربابها وتعظيمها، وهو من ذرائع الشرك ووسائله، فصرف الهمم إلى هذا ~~وأمثاله من مصالح الدين ومقاصده وواجباته. # ولما وقع التساهل في هذه الأمور وقع المحذور، وعظمت PageV01P610 # الفتنة بأرباب القبور، وصارت محطا لرحال العابدين المعظمين لها، فصرفوا ~~لها جل العبادة من الدعاء والاستعانة والاستغاثة، والتضرع لها، والذبح لها، ~~والنذور، وغير ذلك من كل شرك محرم محظور. # قال العلامة ابن القيم رحمه الله: "ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القبور وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ~~ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر، مناقضا له بحيث لا ~~يجتمعان أبدا. # فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة إلى القبور، وهؤلاء يصلون ~~عندها وإليها، ونهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ~~ويسمونها مشاهد مضاهاة لبيوت الله، ونهى عن إيقاد السرج عليها، وهؤلاء ~~يوقفون الوقوف على إيقاد القناديل عليها، ونهى عن أن ms525 تتخذ عيدا، وهؤلاء ~~يتخذونها أعيادا، ومناسك، ويجتمعون لها كاجتماعهم للعيد أو أكثر. # وأمر بتسويتها، كما روى مسلم في"صحيحه"عن أبي الهياج الأسدي ... - فذكر ~~حديث الباب - وحديث ثمامة بن شفي، وهو عند مسلم أيضا قال:"كنا مع فضالة بن ~~عبيد بأرض الروم برودس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي، ثم قال: ~~"سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بتسويتها" 1. وهؤلاء يبالغون في ~~مخالفة هذين الحديثين، يرفعونها عن الأرض كالبيت، ويعقدون عليها القباب. ~~ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه، كما روى مسلم في"صحيحه"عن جابر رضي الله ~~عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبر، وأن يقعد ~~عليه، وأن يبنى عليه ونهى عن الكتابة عليها" 2. # كما روى أبو داود في"سننه"عن جابر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "نهى ~~عن تجصيص القبور، وأن يكتب عليها" 3. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهؤلاء ~~يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن وغيره، ونهى أن يزاد عليها غير ~~PageV01P611 # ترابها؛ كما روى أبو داود عن جابر أيضا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه" 1. وهؤلاء يزيدون عليه ~~الآجر والجص والأحجار. قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون الآجر على قبورهم. # والمقصود أن هؤلاء المعظمين للقبور، المتخذينها أعيادا، الموقدين عليها ~~السرج، الذين يبنون عليها المساجد والقباب مناقضون لما أمر به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم محادون لما جاء به، وأعظم ذلك اتخاذها مساجد، وإيقاد ~~السرج عليها وهو من الكبائر، وقد صرح الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم ~~بتحريمه. قال أبو محمد المقدسي: "ولو أبيح اتخاذ السرج عليها لم يلعن من ~~فعله، ولأن فيه تضييعا للمال في غير فائدة، وإفراطا في تعظيم القبور أشبه ~~تعظيم الأصنام". قال: "ولا يجوز اتخاذ المساجد على القبور لهذا الخبر، ولأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" 2. متفق عليه. ولأن تجصيص القبور بالصلاة ~~عندها يشبه تعظيم الأصنام بالسجود لها والتقرب إليها، وقد روينا ms526 أن ابتداء ~~عبادة الأصنام تعظيم الأموات باتخاذ صورهم والتمسح بها والصلاة عندها". ~~انتهى. # وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا ~~لها مناسك، حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا سماه"مناسك حج المشاهد"، ~~مضاهاة منه بالقبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ~~ودخول في دين عباد الأصنام، فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقصده من النهي عما تقدم ذكره في القبور، وبين ما ~~شرعه هؤلاء وقصدوه. # ولا ريب أن في ذلك من المفاسد ما يعجز عن حصره. فمنها: # تعظيم الموقع في الافتتان بها. # ومنها: اتخاذها أعيادا. # ومنها: السفر PageV01P612 # إليها. # ومنها: مشابهة عباد الأصنام بما يفعل عندها من العكوف عليها والمجاورة ~~عندها، وتعليق الستور عليها، وسندانتها وعبادها يرجحون المجاورة عندها على ~~المجاورة عند المسجد الحرام، ويرون سدانتها أفضل من خدمة المساجد، والويل ~~عندهم لقيمها ليلة يطفأ القنديل المعلق عليها. # ومنها: النذر لها ولسدنتها. # ومنها: اعتقاد المشركين فيها أن بها يكشف البلاء، وينصر على الأعداء، ~~ويستنزل غيث السماء، وتفرج الكروب، وتقضى الحوائج، وينصر المظلوم، ويجار ~~الخائف إلى غير ذلك. # ومنها: الدخول في لعنة الله ورسوله باتخاذ المساجد عليها، وإيقاد السرج ~~عليها. # ومنها: الشرك الأكبر الذي يفعل عندها. # ومنها: إيذاء أصحابها بما يفعله المشركون بقبورهم، فإنهم يؤذيهم ما يفعل ~~عند قبورهم، ويكرهونه غاية الكراهية، كما أن المسيح عليه السلام يكره ما ~~يفعله النصارى عند قبره، وكذلك غيره من الأنبياء والمشايخ يؤذيهم ما يفعله ~~أشباه النصارى عند قبورهم، ويوم القيامة يتبرؤون منهم، كما قال تغالى: ~~{ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ~~ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن ~~متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا} 1. وقال الله تعالى ~~للمشركين: {فقد كذبوكم بما تقولون} 2. وقال تعالى: {وإذ قال الله يا عيسى ~~ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال ms527 سبحانك ما ~~يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا ~~أعلم ما في نفسك ... } 3.وقال تعالى: {ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة ~~أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون} 4. # ومنها: إماتة السنن وإحياء البدع. # ومنها: تفضيلها على خير PageV01P613 # البقاع وأحبها إلى الله، فإن عباد القبور يقصدونها مع التعظيم والاحترام، ~~والخشوع ورقة القلب، والعكوف بالهمة على الموتى ما لا يفعلونه في المساجد، ~~ولا يحصل لهم فيها نظيره ولا قريبا منه. # ومنها: أن الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم عند زيارة القبور إنما هو ~~تذكر الآخرة، والإحسان إلى المزور بالدعاء له والترحم عليه، والاستغفار له، ~~وسؤال العافية له، فيكون الزائر محسنا إلى نفسه وإلى الميت، فقلب هؤلاء ~~المشركون الأمر، وعكسوا الدين، وجعلوا المقصود بالزيارة الشرك بالميت ~~ودعاءه والدعاء به، وسؤاله حوائجهم، واستنزال البركة منه، ونصره لهم على ~~الأعداء، ونحو ذلك، فصاروا مسيئين إلى أنفسهم وإلى الميت. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى الرجال عن زيارة القبور سدا ~~للذريعة. فلما تمكن التوحيد في قلوبهم أذن لهم في زيارتها على الوجه الذي ~~شرعه، ونهاهم أن يقولوا هجرا، ومن أعظم الهجر: الشرك عندها قولا وفعلا. ~~وفي"صحيح مسلم"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم:"زوروا القبور، فإنها تذكركم الموت" 1. وعن ابن عباس رضي الله عنهما ~~قال: "مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه. ~~فقال: السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن ~~بالأثر" 2. رواه أحمد والترمذي وحسنه. # فهذه الزيارة التي شرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته، وعلمهم ~~إياها. هل تجد فيها شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما ~~هم عليه من كل وجه؟ وما أحسن ما قال مالك بن أنس رحمه الله: "لن يصلح آخر ~~هذه الأمة إلا ما أصلح أولها". ولكن ms528 كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ~~ونقص إيمانهم، أعرضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع والشرك. PageV01P614 # ولقد جرد السلف الصالح التوحيد وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ثم أراد الدعاء استقبل القبلة، وجعل ظهره إلى ~~جدار القبر، ثم دعا. ونص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة وقت ~~الدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة، وفي الترمذي وغيره ~~مرفوعا: "الدعاء هو العبادة" 1. فجرد السلف العبادة لله، ولم يفعلوا عند ~~القبور منها إلا ما أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء ~~لأصحابها والاستغفار لهم والترحم عليهم. # وأخرج أبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني ~~حيث كنتم" 2. وإسناده جيد، ورواته ثقات مشاهير. # وقوله: "ولا تجعلوا بيوتكم قبورا" 3. أي: لا تعطلوها عن الصلاة فيها ~~والدعاء والقراءة، فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ~~ونهى عن تحري النافلة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون من النصارى ~~وأشباههم. ثم إن في تعظيم القبور، واتخاذها أعيادا، من المفاسد العظيمة ~~التي لا يعلمها إلا الله ما يغضب لأجله كل من في قلبه وقار لله وغيرة على ~~التوحيد، وتهجين وتقبيح للشرك، ولكن ما لجرح بميت إيلام. # فمن المفاسد: اتخاذها أعيادا والصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها ~~واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستغاثة بهم، ~~وسؤالهم النصر والرزق والعافية وقضاء الديون، وتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات، وغير ذلك من أنواع الطلبات التي كان عباد الأوثان يسألونها ~~أوثانهم. # فلو رأيت غلاة المتخذين لها عيدا، وقد نزلوا عن الأكوار PageV01P615 # والدواب إذا رأوها من مكان بعيد، فوضعوا لها الجباه، وقبلوا الأرض، ~~وكشفوا الرؤوس، وارتفعت أصواتهم بالضجيج، وتباكوا حتى تسمع لهم النشيج، ~~ورأوا أنهم قد أربوا في الربح على الحجيج، فاستغاثوا بمن لا يبدئ ولا يعيد، ~~ونادوا ولكن من مكان بعيد، حتى إذا دنوا منها صلوا عند القبر ركعتين، ورأوا ~~أنهم ms529 قد أحرزوا من الأجر ما لم يحرزه من صلى إلى القبلتين، فتراهم حول ~~القبر ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الميت ورضوانا، وقد ملؤوا أكفهم خيبة ~~وخسرانا. فلغير الله - بل للشيطان - ما يراق هناك من العبرات، ويرتفع من ~~الأصوات، ويطلب من الميت من الحاجات، ويسأل من تفريج الكربات، وإغاثة ~~اللهفات، وإغناء ذوي الفاقات، ومعافاة ذوي العاهات والبليات، ثم انثنوا بعد ~~ذلك حول القبر طائفين، تشبيها له بالبيت الحرام الذي جعله الله مباركا وهدى ~~للعالمين، ثم أخذوا في التقبيل والاستلام. أرأيت الحجر الأسود وما يفعل به ~~وفد البيت الحرام؟ ثم عفروا لديه تلك الجباه والخدود التي يعلم الله أنها ~~لم تعفر كذلك بين يديه في السجود. ثم كملوا مناسك حج القبر بالتقصير هناك ~~والحلاق، واستمتعوا بخلاقهم من ذلك الوثن إذ لم يكن لهم عند الله من خلاق، ~~وقد قربوا لذلك الوثن القرابين، وكانت صلاتهم ونسكهم وقربانهم لغير الله رب ~~العالمين، فلو رأيتهم يهنئ بعضهم بعضا ويقول: أجزل الله لنا ولكم أجرا ~~وافرا وحظا، فإذا رجعوا سألهم غلاة المتخلفين أن يبيع أحدهم ثواب حجة القبر ~~بحجة المتخلف إلى البيت الحرام. فيقول: لا ولا بحجك كل عام!! # هذا، ولم نتجاوز فيما حكيناه عنهم، ولا استقصينا جميع بدعهم وضلالهم، إذ ~~هي فوق ما يخطر بالبال، أو يدور في الخيال، وهذا مبدأ عبادة الأصنام في قوم ~~نوح كما تقدم. # وكل من شم أدنى رائحة من العلم والفقه يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة ~~إلى هذا المحظور، وأن صاحب الشرع أعلم بعاقبة ما نهى عنه وما # PageV01P616 # يؤول إليه، وأحكم في نهيه عنه وتوعده عليه، وأن الخير والهدى في اتباعه ~~وطاعته، والشر والضلال في معصيته ومخالفته. انتهى كلامه رحمه الله. # PageV01P617 # [56 ### | باب ما جاء في كثرة الحلف # وقول الله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} 1. # عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للكسب" 2. أخرجاه. # وعن سلمان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ثلاثة لا يكلمهم الله ms530 ~~ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل مستكبر، ورجل جعل الله ~~بضاعته، ولا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" 3. رواه الطبراني بسند ~~صحيح. # وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. - قال ~~عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ - ثم إن بعدكم قوم يشهدون ~~ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" ~~4. # وفيه عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الناس قرني ثم ~~الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة ~~أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" 5. # وقال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار. # فيه مسائل: # الأولى: الوصية بحفظ الأيمان. # الثانية: الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة. # الثالثة: الوعيد الشديد فيمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه. # الرابعة: التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي. # الخامسة: ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون. # السادسة: ثناؤه صلى الله عليه وسلم على القرون الثلاثة أو الأربعة، وذكر ~~ما يحدث. # السابعة: ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون. # الثامنة: كون السلف يضربون الصغار على الشهادة والعهد. # قوله: "باب ما جاء في كثرة الحلف". # أي: من النهي عنه والوعيد. وقول الله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} 6. # قال ابن جرير: "لا تتركوها بغير تكفير". وذكر غيره من المفسرين عن ابن ~~عباس يريد: لا تحلفوا. وقال آخرون: احفظوا أيمانكم عن الحنث فلا تحنثوا. # والمصنف أراد من الآية المعنى الذي ذكره ابن عباس; فإن القولين متلازمان، ~~فيلزم من كثرة الحلف كثرة الحنث مع ما يدل عليه من الاستخفاف وعدم التعظيم ~~لله، وغير ذلك مما ينافي كمال التوحيد الواجب أو عدمه. # قوله:"عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: "الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة" 7. أخرجاه. أي: البخاري ومسلم. ~~وأخرجه أبو داود والنسائي. # والمعنى: أنه إذا حلف على سلعة أنه أعطي فيها ms531 كذا وكذا، أو أنه اشتراها ~~بكذا وكذا، وقد يظنه المشتري صادقا فيما حلف عليه، فيأخذها بزيادة على ~~قيمتها، والبائع كذاب، وحلف طمعا في الزيادة، فيكون قد عصى الله تعالى، ~~فيعاقب بمحق البركة، فإذا ذهبت بركة كسبه دخل عليه من النقص أعظم من تلك ~~الزيادة التي دخلت عليه بسبب حلفه، وربما ذهب ثمن تلك السلعة رأسا، وما عند ~~الله لا ينال إلا بطاعته، وإن تزخرفت الدنيا للعاصي، فعاقبتها اضمحلال ~~وذهاب وعقاب. PageV01P617 # قوله:"وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~"ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: أشيمط زان، وعائل ~~مستكبر، ورجل جعل الله بضاعته، لا يشتري إلا بيمينه، ولا يبيع إلا بيمينه" ~~1. رواه الطبراني بسند صحيح. # و"سلمان"لعله سلمان الفارسي، أبو عبد الله، أسلم مقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم المدينة وشهد الخندق، روى عنه أبو عثمان النهدي، وشرحبيل بن ~~السمط وغيرهما. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سلمان منا أهل البيت، إن ~~الله يحب من أصحابي أربعة: عليا، وأبا ذر، وسلمان، والمقداد" 2. أخرجه ~~الترمذي وابن ماجة. # قال الحسن: كان سلمان أميرا على ثلاثين ألفا يخطب بهم في عباءة يفترش ~~نصفها ويلبس نصفها. توفي في خلافة عثمان رضي الله عنه. قال أبو عبيدة سنة ~~ست وثلاثين عن ثلاثمائة وخمسين سنة. ويحتمل أنه سلمان بن عامر بن أوس ~~الضبي. # قوله: "ثلاثة لا يكلمهم الله" 3. نفي كلام الرب تعالى وتقدس عن هؤلاء ~~العصاة دليل على أنه يكلم من أطاعه، وأن PageV01P618 # الكلام صفة من صفات كماله، والأدلة على ذلك من الكتاب والسنة أظهر شيء ~~وأبينه، وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة من المحققين قيام الأفعال ~~بالله سبحانه، وأن الفعل يقع بمشيئته تعالى وقدرته شيئا فشيئا ولم يزل ~~متصفا به، فهو حادث الآحاد قديم النوع، كما يقول ذلك أئمة أصحاب الحديث ~~وغيرهم من أصحاب الشافعي وأحمد وسائر الطوائف، كما قال تعالى: {إنما أمره ~~إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} 1. فأتى بالحروف الدالة على الاستقلال، ~~والأفعال الدالة ms532 على الحال والاستقبال أيضا، وذلك في القرآن كثير. # قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإذا قالوا لنا - يعني النفاة -: ~~فهذا يلزمه أن تكون الحوادث قائمة به؟ ومن أنكر هذا قبلكم من السلف ~~والأئمة؟! ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل. ولفظ الحوادث ~~مجمل، فقد يراد به الأعراض والنقائص، والله تعالى منزه عن ذلك - ولكن يقوم ~~به ما يشاء من كلامه وأفعاله ونحو ذلك، مما دل عليه الكتاب والسنة. والقول ~~الصحيح: هو قول أهل العلم والحديث الذين يقولون: لم يزل الله متكلما إذا ~~شاء، كما قال ابن المبارك وأحمد بن حنبل وغيرهما من أئمة السنة. اه. # قلت: ومعنى قيام الحوادث به تعالى، قدرته عليها، وإيجاده لها بمشيئته ~~وأمره. والله أعلم. # قوله: "ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" 2. لما عظم ذنبهم عظمت عقوبتهم، ~~فعوقبوا بهذه الثلاث التي هي أعظم العقوبات. # قوله:"أشيمط زان"، صغره تحقيرا له وذلك لأن داعي المعصية ضعف في حقه، فدل ~~على أن الحامل له على الزنا محبة المعصية والفجور، وعدم خوفه من الله، وضعف ~~الداعي إلى المعصية مع فعلها يوجب تغليظ العقوبة عليه، بخلاف الشاب; فإن ~~قوة داعي الشهوة منه قد تغلبه مع خوفه من الله، وقد يرجع على نفسه بالندم، ~~ولومها على المعصية، فينتهي ويراجع. وكذا العائل المستكبر ليس PageV01P619 # له ما يدعوه إلى الكبر، لأن الداعي إلى الكبر في الغالب كثرة المال ~~والنعم والرياسة. و"العائل"الفقير لا داعي له إلى أن يستكبر، فاستكباره مع ~~عدم الداعي إليه يدل على أن الكبر طبيعة له، كامن في قلبه، فعظمت عقوبته، ~~لعدم الداعي إلى هذا الخلق الذميم الذي هو من أكبر المعاصي. # قوله:"ورجل جعل الله بضاعته" بنصب الاسم الشريف، أي: الحلف به، جعله ~~بضاعته، لملازمته له وغلبته عليه. وهذه أعمال تدل على أن صاحبها إن كان ~~موحدا فتوحيده ضعيف، وأعماله ضعيفة بحسب ما قام بقلبه وظهر على لسانه وعمله ~~من تلك المعاصي العظيمة على قلة الداعي إليها. نسأل الله السلامة والعافية، ~~ونعوذ بالله من كل عمل لا يحبه ربنا ولا يرضاه. ms533 # قوله:"وفي"الصحيح"، أي:"صحيح مسلم". وأخرجه أبو داود والترمذي. ورواه ~~البخاري بلفظ: "خيركم". # قوله: وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم "خير أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم - قال ~~عمران: فلا أدري: أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ - ثم إن بعدكم قوما يشهدون ~~ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون ويظهر فيهم السمن" ~~1. # ش: قوله:"وفي الصحيح"، أي: صحيح مسلم. # قوله: "خير أمتي قرني" 2 لفضيلة أهل ذلك القرن في العلم والإيمان، ~~والأعمال الصالحة التي يتنافس فيها المتنافسون، ويتفاضل فيها العاملون، ~~فغلب الخير فيها وكثر أهله، وقل الشر فيها وأهله، واعتز فيها الإسلام ~~والإيمان، وكثر فيها العلم والعلماء. # "ثم الذين يلونهم"، فضلوا على من بعدهم لظهور الإسلام PageV01P620 # فيهم، وكثرة الداعي إليه، والراغب فيه والقائم به، وما ظهر فيه من البدع ~~أنكر واستعظم وأزيل، كبدعة الخوارج والقدرية والرافضة فهذه البدع وإن كانت ~~قد ظهرت، فأهلها في غاية الذل والمقت والهوان والقتل فيمن عاند منهم ولم ~~يتب. # قوله:"فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا؟ ". هذا شك من راوي الحديث ~~عمران بن حصين رضي الله عنه. والمشهور في الروايات: أن القرون المفضلة ~~ثلاثة، الثالث دون الأولين في الفضل، لكثرة ظهور البدع فيه، لكن العلماء ~~متوافرون، والإسلام فيه ظاهر، والجهاد فيه قائم، ثم ذكر ما وقع بعد القرون ~~الثلاثة من الجفاء في الدين وكثرة الأهواء. فقال:"ثم إن بعدكم قوما يشهدون ~~ولا يستشهدون" لاستخفافهم بأمر الشهادة، وعدم تحريهم للصدق، وذلك لقلة ~~دينهم، وضعف إسلامهم. # قوله:"ويخونون ولا يؤتمنون"، يدل على أن الخيانة قد غلبت على كثير منهم ~~أو أكثرهم. # قوله:"وينذرون ولا يوفون"، أي لا يؤدون ما وجب عليهم، فظهور هذه الأعمال ~~الذميمة يدل على ضعف إسلامهم، وعدم إيمانهم. # قوله:"ويظهر فيهم السمن"، لرغبتهم في الدنيا، ونيل شهواتهم والتنعم بها، ~~وغفلتهم عن الدار الآخرة والعمل لها. # وفي حديث أنس: "لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ~~ربكم". قال أنس: سمعته من نبيكم ms534 صلى الله عليه وسلم" 1. فما زال الشر يزيد ~~في الأمة، حتى ظهر الشرك والبدع في كثير منهم، حتى فيمن ينتسب إلى العلم، ~~ويتصدر للتعليم والتصنيف. # قلت: بل قد دعوا إلى الشرك والضلال والبدع، وصنفوا في ذلك نظما ونثرا، ~~فنعوذ بالله من موجبات غضبه. PageV01P621 # قوله: وفيه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم ~~يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته" 1. # قال إبراهيم: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد، ونحن صغار. # قلت: وهذه حال من صرف رغبته إلى الدنيا، ونسي المعاد، فخف أمر الشهادة ~~واليمين عنده تحملا وأداء، لقلة خوفه من الله وعدم مبالاته بذلك. وهذا هو ~~الغالب على الأكثر، والله المستعان. فإذا كان هذا قد وقع في صدر الإسلام ~~الأول فما بعده أكبر بأضعاف، فكن من الناس على حذر. # قوله:"قال إبراهيم" - هو النخعي -: كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ~~ونحن صغار. وذلك لكثرة علم التابعين وقوة إيمانهم ومعرفتهم بربهم، وقيامهم ~~بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر; لأنه من أفضل الجهاد، ولا يقوم ~~الدين إلا به. # وفي هذا الرغبة في تمرين الصغار على طاعة ربهم، ونهيهم عما يضرهم، ذلك ~~فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. PageV01P622 # قال المصنف رحمه الله تعالى : # [57- باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه] # وقوله: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} 1. # وعن بريدة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش ~~أو سرية، أوصاه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: اغزوا باسم ~~الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا ~~تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا. وإذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ثلاث ~~خصال - أو خلال - فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم. ثم ادعهم إلى ~~الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، ms535 ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار ~~المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على ~~المهاجرين. فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ~~يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن ~~يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل ~~منهم، وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم. وإذا حاصرت أهل حصن ~~فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ~~ولكن اجعل لهما ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم أن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون ~~من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه. وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم ~~على حكم الله، فلا تنزلهم، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري: أتصيب فيهم ~~حكم الله أم لا؟ " 2. رواه مسلم. # فيه مسائل: # الأولى: الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه وذمة المسلمين. # الثانية: الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا. # الثالثة: قوله:"اغزوا باسم الله في سبيل الله". # الرابعة: قوله:"قاتلوا من كفر بالله". # الخامسة: قوله:"استعن بالله وقاتلهم". # السادسة: الفرق بين حكم الله وحكم العلماء. # السابعة: في كون الصحابي يحكم عند الحاجة، بحكم لا يدري: أيوافق حكم الله ~~أم لا؟. # قوله:" ### | باب ما جاء في ذمة الله وذمة رسوله # ". # وقول الله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد ~~توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} 3. # قال العماد ابن كثير: "وهذا مما يأمر الله تعالى به، وهو الوفاء بالعهود ~~والمواثيق، والمحافظة على الأيمان المؤكدة. ولهذا PageV01P622 # قال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} 1. ولا تعارض بين هذا وقوله: {ولا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم} 2. وبين قوله {ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~واحفظوا أيمانكم} 3، أي: لا تتركوها بلا تكفير. وبين قوله صلى الله عليه ~~وسلم في"الصحيحين": "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها ~~خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير منها وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن ~~يميني" ms536 4. لا تعارض بين هذا كله وبين الآية المذكورة هنا وهي: {ولا تنقضوا ~~الأيمان بعد توكيدها} 5؛ لأن هذه الأيمان المراد بها: الداخلة في العهود ~~والمواثيق، لا الأيمان الواردة على حث أو منع، ولهذا قال مجاهد في الآية: ~~يعني: الحلف أي: حلف الجاهلية. # ويؤيده ما رواه الإمام احمد عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام ~~إلا شدة" 6. وكذا رواه مسلم، ومعناه: أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف ~~الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه، فإن في التمسك بالإسلام حماية كفاية عما ~~كانوا فيه. # وقوله تعالى: {إن الله يعلم ما تفعلون} 7، تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان ~~بعد توكيدها. PageV01P623 # قوله:"عن بريدة"، هو ابن الحصيب الأسلمي. وهذا الحديث من رواية ابنه ~~سليمان عنه. قاله في"المفهم". # قوله:"قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميرا على جيش أو ~~سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله تعالى"، فيه من الفقه: تأمير الأمراء، ~~ووصيتهم. قال الحربي: السرية: الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها. والجيش: ما كان ~~أكثر من ذلك. وتقوى الله: التحرز بطاعته من عقوبته. قلت: وذلك بالعمل بما ~~أمر الله به والانتهاء عما نهى عنه. # قوله:"ومن معه من المسلمين خيرا"، أي: ووصاه بمن منهم أن يفعل معهم خيرا; ~~من الرفق بهم، والإحسان إليهم، وخفض الجناح لهم، وترك التعاظم عليهم. # وقوله:"اغزوا باسم الله"، أي: اشرعوا في فعل الغزو مستعينين بالله مخلصين ~~له. # قلت: فتكون الباء في"باسم الله" هنا للاستعانة، والتوكل على الله. # قوله:"قاتلوا من كفر بالله"، هذا العموم يشمل جميع أهل # PageV01P624 # الكفر المحاربين وغيرهم، وقد خصص منهم من له عهد، والرهبان والنسوان، ومن ~~لم يبلغ الحلم، وقد قال متصلا به "ولا تقتلوا وليدا"، وإنما نهى عن قتل ~~الرهبان والنسوان، لأنه لا يكون منها قتال غالبا، وإن كان منهم قتال أو ~~تدبير قتلوا. # قلت: وكذلك الذراري والأولاد. # قوله:"ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا"، الغلول: الأخذ من الغنيمة من ~~غير قسمتها. والغدر: نقض العهد. والتمثيل ms537 هنا: التشويه بالقتيل، كقطع أنفه ~~وأذنه والعبث به. ولا خلاف في تحريم الغلول والغدر، وفي كراهية المثلة. # قوله:"وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خلال - أو خصال"، ~~الرواية بأل للشك وهو من بعض الرواة، ومعنى الخلال والخصال واحد. # قوله:"فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم"، قيدناه عمن يوثق بعلمه ~~وتقييده بنصب"أيتهن"على أن يعمل فيها"أجابوك"لا على إسقاط حرف الجر. ~~و"ما"زائدة. ويكون تقدير الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبل منهم، كما تقول: ~~جئتك إلى كذا وفي كذا، فيعدى إلى الثاني بحرف الجر. # قلت: فيكون في ناصب"أيتهن"وجهان: ذكرهما الشارح. الأول: منصوب على ~~الاشتغال. والثاني: على نزع الخافض. # قوله:"ثم ادعهم إلى الإسلام"، كذا وقعت الرواية في جميع نسخ كتاب مسلم"ثم ~~ادعهم"بزيادة"ثم"والصواب إسقاطها. كما روي في غير كتاب مسلم. كمصنف أبي ~~داود، وكتاب الأموال لأبي عبيد; لأن ذلك هو ابتداء تفسير الثلاث الخصال. # وقوله:"ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين"، يعني المدينة. ~~وكان في أول الأمر وجوب الهجرة إلى المدينة # PageV01P625 # على كل من دخل في الإسلام، وهذا يدل على أن الهجرة واجبة على كل من آمن ~~من أهل مكة وغيرهم. # قوله:"فإن أبوا أن يتحولوا"، يعني: أن من أسلم ولم يهاجر ولم يجاهد لا ~~يعطى من الخمس ولا من الفيء شيئا. وقد أخذ الشافعي رحمه الله بالحديث في ~~الأعراب، فلم ير لهم من الفيء شيئا، وإنما لهم الصدقة المأخوذة من أغنيائهم ~~فترد على فقرائهم، كما أن أهل الجهاد وأجناد المسلمين لا حق لهم في الصدقة ~~عنده، ومصرف كل مال في أهله. وسوى مالك رحمه الله وأبو حنيفة رحمهما الله ~~بين المالين، وجوزا صرفهما للضعيف. # قوله:"فإن هم أبوا فاسألهم الجزية"، فيه حجة لمالك وأصحابه، والأوزاعي في ~~أخذ الجزية من كل كافر، عربيا كان أو غيره، كتابيا كان أو غيره. وذهب أبو ~~حنيفة رحمه الله إلى أنها تؤخذ من الجميع، إلا من مشركي العرب ومجوسهم. ~~وقال الشافعي: لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب، عربا كانوا أو عجما، وهو قول ~~الإمام أحمد في ظاهر مذهبه، وتؤخذ من ms538 المجوس. # قلت: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذها منهم، وقال: "سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب". # وقد اختلفوا في القدر المفروض من الجزية، فقال مالك: أربعة دنانير على ~~أهل الذهب، وأربعون درهما على أهل الورق، وهل ينقص منها الضعيف أو لا؟ ~~قولان. وقال الشافعي: فيه دينار على الغني والفقير، وقال أبو حنيفة رحمه ~~الله، والكوفيون: على الغني ثمانية وأربعون درهما، والوسط أربعة وعشرون ~~درهما، والفقير اثنا عشر درهما وهو قول أحمد بن حنبل رحمه الله. # قال يحيى بن يوسف الصرصري الحنبلي رحمه الله: # وقاتل يهودا والنصارى وعصبة ال ... مجوس فإن هم سلموا الجزية اصدد. # على الأدون اثني عشر درهما افرضن ... وأربعة منبعد عشر ينزيد. # لأوسطهم حالا، ومن كان موسرا ... ثمانية مع أربعين لتنقد # PageV01P626 # وتسقط عن صبيانهم ونسائهم ... وشيخ لهم فان وأعمى ومقعد # وذي الفقر والمجنون أو عبد مسلم ... ومن وجبت منهم عليه فيهتدي # وعند مالك وكافة العلماء على الرجال الأحرار البالغين العقلاء دون غيرهم، ~~وإنما تؤخذ ممن كان تحت قهر المسلمين، لا ممن نأى بداره ويجب تحويلهم إلى ~~بلاد المسلمين أو حربهم. # وقوله:"وإذا حاصرت أهل حصن"، الكلام إلى آخره فيه حجة لمن يقول من ~~الفقهاء وأهل الأصول: إن المصيب في مسائل الاجتهاد واحد، وهو المعروف من ~~مذهب مالك وغيره، ووجه الاستدلال به: أنه صلى الله عليه وسلم قد نص على أن ~~الله تعالى قد حكم حكما معينا في المجتهدات، فمن وافقه فهو المصيب، ومن لم ~~يوافقه فهو المخطئ. # قوله:"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ... "، ~~الحديث. الذمة: العهد، وتخفر: تنقض. يقال: أخفرت الرجل: إذا نقضت عهده، ~~وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خاف من نقض من لم يعرف حق الوفاء للعهد، كجملة ~~الأعراب، فكأنه يقول: إن وقع نقض من متعد معتد، كان نقض عهد الخلق أهون من ~~نقض عهد الله تعالى. والله أعلم. # قوله:"وقول نافع وقد سئل عن الدعوة قبل القتال"، ذكر فيه: أن مذهب مالك ~~يجمع فيه بين الأحاديث في الدعوة قبل القتال. قال: وهو أن ms539 مالكا قال: لا ~~يقاتل الكفار قبل أن يدعوا، ولا تلتمس غرتهم إلا أن يكونوا قد بلغتهم ~~الدعوة، فيجوز أن تلتمس غرتهم. # وهذا الذي صار إليه مالك هو الصحيح، لأن فائدة الدعوة أن يعرف العدو أن ~~المسلمين لا يقاتلون للدنيا ولا للعصبية، وإنما يقاتلون للدين، فإذا علموا ~~بذلك أمكن أن يكون ذلك سببا مميلا لهم إلى الانقياد إلى الحق، بخلاف ما إذا ~~جهلوا مقصود المسلمين، فقد # PageV01P627 # يظنون أنهم يقاتلون للملك وللدنيا فيزيدون عتوا وبغضا. والله أعلم. # PageV01P628 # [58- ### | باب ما جاء في الإقسام على الله # عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي ~~يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له، وأحبطت عملك" 1. رواه مسلم. # وفي حديث أبي هريرة: أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة: تكلم بكلمة ~~أوبقت دنياه وآخرته. # فيه مسائل: # الأولى: التحذير من التألي على الله. # الثانية: كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله. # الثالثة: أن الجنة مثل ذلك. # الرابعة: فيه شاهد لقوله:"إن الرجل ليتكلم بالكلمة"إلخ. # الخامسة: أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. # ش: قوله:"باب ما جاء في الإقسام على الله". # ذكر المصنف فيه حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان. قال الله عز وجل: من ذا الذي ~~يتألى علي أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك" 2. رواه مسلم. # قوله:"يتألى"، أي: يحلف، والألية بالتشديد الحلف. وصح من حديث أبي هريرة. # قال البغوي في"شرح السنة"- وساق بالسند إلى"عكرمة بن عمار [نا ضمضم بن ~~حوس]- قال: دخلت مسجد المدينة فناداني شيخ قال: يا يمامي، تعال، وما أعرفه، ~~قال: لا تقولن لرجل: والله لا يغفر لك أبدا ولا يدخلك الجنة. قلت: ومن أنت ~~يرحمك الله؟ قال: أبو هريرة، قال: فقلت: إن هذه كلمة يقولها أحدنا لبعض ~~أهله إذا غضب، ms540 أو لزوجته أو لخادمه، قال: فإني سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين، أحدهما مجتهد في ~~العبادة، والآخر كأنه يقول: مذنب، PageV01P628 # فجعل يقول: أقصر عما أنت فيه. قال فيقول: خلني وربي، قال: فوجده يوما على ~~ذنب استعظمه. فقال: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا، فقال: والله ~~لا يغفر الله لك ولا يدخلك الجنة أبدا. قال: فبعث الله إليهما ملكا، فقبض ~~أرواحهما، فاجتمعا عنده، فقال للمذنب: ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: ~~أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي؟ قال: لا يا رب. قال اذهبوا به إلى النار". ~~قال أبو هريرة: "والذي نفسي بيده، تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته". رواه ~~أبو داود في"سننه"وهذا لفظه عن أبي هريرة رضي الله عنه يقول: "كان رجلان في ~~بني إسرائيل متآخيين فكان أحدهما يذنب، والآخر يجتهد في العبادة. فكان لا ~~يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يوما على ذنب فقال ~~له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبا؟ قال: والله لا يغفر الله لك، ~~ولا يدخلك الجنة. فقبضت أرواحهما فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا ~~المجتهد: أكنت بي عالما، أو كنت على ما في يدي قادرا؟ فقال للمذنب: اذهب ~~فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار" 1. # قوله:"وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد" يشير إلى قوله في هذا ~~الحديث "أحدهما مجتهد في العبادة"، وفي هذه الأحاديث: بيان خطر اللسان، ~~وذلك يفيد التحرز من الكلام، كما في حديث معاذ قلت: "يا رسول الله وإنا ~~لمؤاخذون بما نتكلم به؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار ~~على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائد ألسنتهم؟ " 2. والله أعلم. ~~PageV01P629 # قال المصنف رحمه الله تعالى : # [59- ### | باب لا يستشفع بالله على خلقه # عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: "جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق ~~لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك، ms541 وبك على الله، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "سبحان الله! سبحان الله! فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ~~ثم قال: ويحك، أتدري ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله ~~على أحد" وذكر الحديث. رواه أبو داود. # فيه مسائل: # الأولى: إنكاره على من قال"نستشفع بالله عليك". # الثانية: تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة. # الثالثة: أنه لم ينكر عليه قوله"نستشفع بك على الله". # الرابعة: التنبيه على تفسير سبحان الله. # الخامسة: أن المسلمين يسألونه صلى الله عليه وسلم الاستسقاء. # ش: قوله:"باب لا يستشفع بالله على خلقه". # وذكر الحديث وسياق أبي داود في"سننه"أتم مما ذكره المصنف رحمه الله ~~ولفظه: عن جبير بن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه عن جده قال: "أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعرابي فقال: يا رسول الله، جهدت الأنفس، وضاعت ~~العيال، ونهكت الأموال، وهلكت الأنعام، فاستسق الله لنا، فإنا نستشفع بك ~~على الله، ونستشفع بالله عليك، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحك ~~أتدري ما تقول؟ وسبح رسول الله صلى الله عليه وسلم فما زال يسبح حتى عرف ~~ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه، ~~شأن الله أعظم من ذلك، ويحك، أتدري ما الله؟ إن عرشه على سمواته لهكذا - ~~وقال بأصابعه مثل القبة عليه - وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب" 1. قال ~~ابن بشار في حديثه: "إن الله فوق عرشه، وعرشه فوق سمواته" 2. # قال الحافظ الذهبي [في العلو] : رواه أبو داود بإسناد حسن عنده في"الرد ~~على الجهمية"من حديث محمد بن إسحاق بن يسار. # قوله:"ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه"، فإنه تعالى رب كل شيء ~~ومليكه، والخير كله بيده، لا مانع لما أعطى، PageV01P630 # ولا معطي لما منع، ولا راد لما قضى، {وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا} ، [فاطر، من الآية: 44] . ~~{إنما أمره إذا أراد شيئا أن ms542 يقول له كن فيكون} ، [يس: 82] . والخلق وما في ~~أيديهم ملكه يتصرف فيهم كيف يشاء، وهو الذي يشفع الشافع إليه، ولهذا أنكر ~~على الأعرابي. # قوله:"وسبح الله كثيرا وعظمه"؛ لأن هذا القول لا يليق بالخالق سبحانه ~~وبحمده، وإن شأن الله أعظم من ذلك. # وفي هذا الحديث: إثبات علو الله على خلقه، وأن عرشه فوق سمواته. # وفيه: تفسير الاستواء بالعلو كما فسره الصحابة والتابعون والأئمة، خلافا ~~للمعطلة والجهمية والمعتزلة ومن أخذ عنهم، كالأشاعرة ونحوهم ممن ألحد في ~~أسماء الله وصفاته، وصرفها عن المعنى الذي وضعت له ودلت عليه، من إثبات ~~صفات الله تعالى التي دلت على كماله جل وعلا، كما عليه السلف الصالح ~~والأئمة ومن تبعهم ممن تمسك بالسنة، فإنهم أثبتوا ما أثبته الله لنفسه ~~وأثبته له رسوله من صفات كماله، على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا ~~تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل. # قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في"مفتاح دار السعادة"- بعد كلام ~~سبق فيما يعرف العبد بنفسه وبربه من عجائب مخلوقاته - قال بعد ذلك: # "والثاني: أن يتجاوز هذا إلى النظر بالبصيرة الباطنة، فتفتح له أبواب ~~السماء، فيجول في أقطارها وملكوتها وبين ملائكتها، ثم يفتح له باب بعد باب ~~حتى ينتهي به سير القلب إلى عرش الرحمن، فينظر سعته وعظمته وجلاله ومجده ~~ورفعته ويرى السموات السبع والأرضين السبع بالنسبة إليه كحلقة ملقاة بأرض ~~فلاة، ويرى الملائكة حافين من حول العرش لهم زجل بالتسبيح والتحميد، ~~والتقديس والتكبير، والأمر ينزل من فوقه بتدبير الممالك والجنود التي لا ~~يعلمها إلا ربها ومليكها، فينزل الأمر بإحياء قوم وإماتة آخرين، وإعزاز قوم # PageV01P631 # وإذلال آخرين، وإنشاء ملك وسلب ملك، وتحويل نعمة من محل إلى محل وقضاء ~~الحاجات على اختلافها وتبيانها وكثرتها; من جبر كسير، وإغناء فقير، وشفاء ~~مريض، وتفريج كرب، ومغفرة ذنب، وكشف ضر، ونصر مظلوم، وهداية حيران، وتعليم ~~جاهل ورد آبق، وأمان خائف، وإجارة مستجير، ومدد لضعيف، وإغاثة لملهوف، ~~وإعانة لعاجز، وانتقام من ظالم، وكف لعدوان، فهي مراسيم دائرة بين العدل ~~والفضل والحكمة والرحمة، تنفذ في أقطار العوالم، ms543 لا يشغله سمع شيء منها من ~~سمع غيره، ولا تغلطه كثرة المسائل والحوائج على اختلاف لغاتها وتباينها ~~واتحاد وقتها، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، ولا تنقص ذرة من خزائنه، {لا إله ~~إلا هو العزيز الحكيم} ، [آل عمران، من الآية: 6، و18] . فحينئذ يقوم القلب ~~بين يدي الرحمن مطرقا لهيبته، خاشعا لعظمته، عاليا لعزته، فيسجد بين يدي ~~الملك الحق المبين سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم المزيد، فهذا سفر القلب ~~وهو في وطنه وداره ومحل ملكه، وهذا من أعظم آيات الله، وعجائب صنعه، فيا له ~~من سفر ما أبركه وأروحه! وأعظم ثمرته وربحه! وأجل منفعته وأحسن عاقبته! سفر ~~هو حياة الأرواح، ومفتاح السعادة، وغنيمة العقول والألباب لا كالسفر الذي ~~هو قطعة من العذاب" اه كلامه رحمه الله. # وأما الاستشفاع بالرسول صلى الله عليه وسلم في حياته، فالمراد به استجلاب ~~دعائه وليس خاصا به صلى الله عليه وسلم بل كل حي صالح يرجى أن يستجاب له، ~~فلا بأس أن يطلب منه أن يدعو للسائل بالمطالب الخاصة أو العامة، كما قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لعمر لما أراد أن يعتمر من المدينة: "لا تنسنا يا ~~أخي من صالح دعائك" 1. وأما الميت، فإنما يشرع في حقه الدعاء له على جنازته ~~وعلى قبره وفي غير ذلك. وهذا هو الذي يشرع في حق الميت. # وأما دعاؤه، فلم يشرع، بل قد دل الكتاب والسنة على النهي عنه والوعيد ~~عليه، كما قال تعالى: {والذين تدعون من دونه ما يملكون من PageV01P632 # قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم ~~القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} 1. فبين الله تعالى أن دعاء من ~~لا يسمع ولا يستجيب شرك يكفر به المدعو يوم القيامة، أي: ينكره ويعادي من ~~فعله، كما في آية الأحقاف {وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم ~~كافرين} 2. فكل ميت أو غائب لا يسمع ولا يستجيب ولا ينفع ولا يضر. والصحابة ~~رضي الله عنهم، لا سيما أهل السوابق منهم كالخلفاء الراشدين، لم ينقل ms544 عن ~~أحد منهم ولا عن غيرهم أنهم أنزلوا حاجاتهم بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ~~وفاته، حتى في أوقات الجدب. # كما وقع لعمر رضي الله عنه لما خرج ليستسقي بالناس خرج بالعباس عم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فأمره أن يستسقي لأنه حي حاضر يدعو ربه، فلو جاز أن ~~يستسقى بأحد بعد وفاته لاستسقى عمر رضي الله عنه والسابقون الأولون بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم. # وبهذا يظهر الفرق بين الحي والميت، لأن المقصود من الحي دعاؤه إذا كان ~~حاضرا، فإنهم في الحقيقة إنما توجهوا إلى الله بطلب دعاء من يدعوه ويتضرع ~~إليه، وهم كذلك يدعون ربهم، فمن تعدى المشروع إلى ما لا يشرع ضل وأضل. ولو ~~كان دعاء الميت خيرا لكان الصحابة إليه أسبق وعليه أحرص، وبهم أليق، وبحقه ~~أعلم وأقوم. فمن تمسك بكتاب الله نجا، ومن تركه واعتمد على عقله، هلك. ~~وبالله التوفيق. PageV01P633 # قال المصنف رحمه الله تعالى : # [60 ### | - باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد، وسده طرق الشرك] # عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: "انطلقت في وفد بني عامر إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا فقال: السيد الله تبارك ~~وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض # PageV01P633 # قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان" 1. رواه أبو داود بسند جيد. وعن أنس رضي ~~الله عنه أن أناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا، وابن خيرنا، وسيدنا وابن ~~سيدنا. فقال: "يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا ~~محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز ~~وجل" 2. رواه النسائي بسند جيد. # فيه مسائل: # الأولى: تحذير الناس من الغلو. # الثانية: ما ينبغي أن يقول من قيل له: أنت سيدنا # الثالثة: قوله:"لا يستجرينكم الشيطان"مع أنهم لم يقولوا إلا الحق. # الرابعة: قوله"ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي". # قوله: باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسده ~~طرق الشرك. # حمايته ms545 صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد عما يشوبه من الأقوال والأعمال ~~التي يضمحل معها التوحيد أو ينقص، وهذا كثير في السنة الثابتة عنه صلى الله ~~عليه وسلم كقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد ~~فقولوا: عبد الله ورسوله" 3. # وتقدم قوله: "إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله عز وجل"، ونحو ذلك. ~~ونهى عن التمادح وشدد القول فيه، كقوله لمن مدح إنسانا: "ويلك قطعت عنق ~~صاحبك ... " الحديث. أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن ~~رجلا أثنى على رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: "قطعت عنق صاحبك ~~ثلاثا". وقال: "إذا لقيتم المداحين، فاحثوا في وجوههم التراب" 4. أخرجه ~~مسلم والترمذي وابن ماجة عن المقداد ابن الأسود. # وفي هذا الحديث نهى عن أن يقولوا: أنت سيدنا، وقال: "السيد الله تبارك ~~وتعالى". ونهاهم أن يقولوا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا. وقال: "لا ~~يستجرينكم الشيطان". # وكذلك قوله في حديث أنس أن ناسا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن ~~خيرنا وسيدنا وابن سيدنا. فقال:"يا أيها الناس، قولوا: بقولكم، ولا ~~يستهوينكم الشيطان ... " إلخ. كره صلى الله عليه وسلم أن يواجهوه بالمدح ~~فيفضي بهم إلى الغلو، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن مواجهة المادح للممدوح ~~بمدحه - ولو بما هو فيه - من عمل الشيطان، لما تقضي محبة المدح إليه من ~~تعاظم الممدوح في نفسه، وذلك ينافي كمال التوحيد. PageV01P634 # فإن العبادة لا تقوم إلا بقطب رحاها الذي لا تدور إلا عليه، وذلك غاية ~~الذل في غاية المحبة، وكمال الذل يقتضي الخضوع والخشية والاستكانة لله ~~تعالى، وأنه لا يرى نفسه إلا في مقام الذم لها، والمعاتبة لها في حق ربه، ~~وكذلك الحب لا تحصل غايته إلا إذا كان يحب ما يحبه الله، ويكره ما يكرهه ~~الله من الأقوال والأعمال والإرادات، ومحبة المدح من العبد لنفسه تخالف ما ~~يحبه الله منه، والمادح يغره من نفسه فيكون آثما، فمقام العبودية يقتضي ~~كراهة المدح رأسا، والنهي عنه صيانة لهذا المقام، فمتى أخلص العبد ms546 الذل لله ~~والمحبة له، خلصت أعماله وصحت، ومتى أدخل عليها ما يشوبها من هذه الشوائب، ~~دخل على مقام العبودية بالنقص أو الفساد، وإذا أداه المدح إلى التعاظم في ~~نفسه والإعجاب بها، وقع في أمر عظيم ينافي العبودية الخاصة، كما في الحديث: ~~"الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني شيئا منهما عذبته" 1. وفي ~~الحديث: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" 2. وهذه الآفات ~~قد تكون محبة المدح سببا لها وسلما إليها، والعجب يأكل الحسنات كما تأكل ~~النار الحطب، وأما المادح فقد يفضي به المدح إلى أن ينزل الممدوح منزلة لا ~~يستحقها، كما يوجد كثيرا من أشعارهم من الغلو الذي نهى عنه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم وحذر أمته أن يقع منهم، فقد وقع الكثير منه حتى صرحوا فيه بالشرك ~~في الربوبية والإلهية والملك، كما تقدمت الإشارة إلى شيء من ذلك. # والنبي صلى الله عليه وسلم لما أكمل الله له مقام العبودية صار يكره أن ~~يمدح صيانة لهذا المقام، وأرشد الأمة إلى ترك ذلك نصحا لهم، وحماية لمقام ~~التوحيد عن أن يدخله ما يفسده أو يضعفه، من الشرك ووسائله {فبدل الذين ~~ظلموا قولا غير الذي قيل لهم} 3. ورأوا أن فعل ما نهاهم صلى الله عليه وسلم ~~عن فعله قربة من أفضل القربات، وحسنة من أعظم الحسنات. PageV01P635 # وأما تسمية العبد بالسيد، فاختلف العلماء في ذلك. # قال العلامة ابن القيم في"بدائع الفوائد": "اختلف الناس في جواز إطلاق ~~السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول"النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قيل له: يا سيدنا قال"السيد الله تبارك وتعالى"1. وجوزه قوم، ~~واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار "قوموا إلى سيدكم" 2. وهذا ~~أصح من الحديث الأول. قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه، فلا يقال ~~للتميمي: سيد كندة، ولا يقال: الملك سيد البشر. قال: وعلى هذا فلا يجوز أن ~~يطلق على الله هذا الاسم وفي هذا نظر، فإن السيد إذا أطلق عليه تعالى، فهو ~~في منزلة المالك، والمولى، والرب، ms547 لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق. انتهى. # قلت: فقد صح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في معنى قول الله تعالى: ~~{قل أغير الله أبغي ربا} 3، أي: إلها وسيدا، وقال في قول الله تعالى: {الله ~~الصمد} 4، إنه السيد الذي كمل في جميع أنواع السؤدد. وقال أبو وائل: هو ~~السيد الذي انتهى سؤدده. وأما استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~للأنصار "قوموا إلى سيدكم" 5، فالظاهر: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يواجه سعدا به، فيكون في هذا المقام تفصيل. والله أعلم. PageV01P636 ### | باب ما جاء في قول الله تعالى: {_25d9_2588_25d9_2585_25d8_25a7 _25d9_2582_25d8_25af_25d8_25b1_25d9_2588_25d8_25a7 _25d8_25a7_25d9_042940fdc7 # ... # قال المصنف رحمه الله تعالى : # [الخاتمة] [61- باب ما جاء في قول الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره ~~والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ... } 1] # عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: "جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السموات على إصبع، ~~والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، ~~وسائر الخلق على إصبع. فيقول: أنا الملك. PageV01P636 # فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، تصديقا لقول الحبر. ثم ~~قرأ: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ... } الآية. ~~متفق عليه. # وفي رواية لمسلم: "والجبال والشجر على إصبع، ثم يهزهن، فيقول: أنا الملك، ~~أنا الله" 1. # وفي رواية للبخاري: "يجعل السموات على إصبع، والماء والثرى على إصبع، ~~وسائر الخلق على إصبع" 2. أخرجاه. # ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا: "يطوي الله السموات يوم القيامة، ثم يأخذهن ~~بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي ~~الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين ~~المتكبرون؟ " 3. # وروي عن ابن عباس قال: "ما السموات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن ~~إلا كخردلة في يد أحدكم". # وقال ابن جرير: حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما ms548 السموات السبع في الكرسي إلا ~~كدراهم سبعة ألقيت في ترس". # قال: وقال أبو ذر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض". # وعن ابن مسعود قال: "بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل ~~سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي ~~والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء. والله فوق العرش; لا يخفى عليه شيء ~~من أعمالكم". أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم بن زر عن عبد الله. # ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله. # قاله الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى قال: وله طرق. # وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: ~~بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكثف ~~كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله ~~وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من ~~أعمال بني آدم". أخرجه أبو داود وغيره. # فيه مسائل: # الأولى: تفسير قوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته ~~يوم القيامة} 4 # الثانية: أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمنه صلى ~~الله عليه وسلم لم ينكروها ولم يتأولوها. # الثالثة: أن الحبر لما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم صدقه، ونزل القرآن ~~بتقرير ذلك. # الرابعة: وقوع الضحك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الحبر هذا ~~العلم العظيم. # الخامسة: التصريح بذكر اليدين، وأن السموات في اليد اليمنى والأرضين في ~~الأخرى. # السادسة: التصريح بتسميتها الشمال. # السابعة: ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك. # الثامنة: قوله: كخردلة في كف أحدكم. # التاسعة: عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء. # العاشرة: عظم العرش بالنسبة إلى الكرسي. # الحادية عشرة: أن العرش غير الكرسي والماء. # الثانية ms549 عشرة: كم بين كل سماء إلى سماء. # الثالثة عشرة: كم بين السماء السابعة والكرسي. # الرابعة عشرة: كم بين الكرسي والماء. # الخامسة عشرة: أن العرش فوق الماء. # السادسة عشرة: أن الله فوق العرش. # السابعة عشرة: كم بين السماء والأرض. الثامنة عشرة: كثف كل سماء مائة ~~سنة. # التاسعة عشرة: أن البحر الذي فوق السموات أسفله وأعلاه خمسمائة سنة والله ~~أعلم. # قوله: باب ما جاء في قول الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض ~~جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما ~~يشركون} 5. # أي: من الأحاديث والآثار في معنى هذه الآية الكريمة. # قال العماد بن كثير رحمه الله تعالى: "يقول تعالى: ما قدر المشركون الله ~~حق قدره، حتى عبدوا معه غيره، وهو العظيم الذي لا أعظم منه، القادر على كل ~~شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قهره وقدرته". قال مجاهد: "نزلت في ~~قريش"، وقال السدي: "ما عظموه حق تعظيمه"، وقال محمد بن كعب: "لو قدروه حق ~~قدره ما كذبوه"، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: "هم الكفار الذين لم ~~يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير، فقد قدر الله ~~حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره". # وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية، الطريق فيها وفي أمثالها من ~~مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف. وذكر حديث ابن ~~مسعود كما ذكره المصنف رحمه الله في هذا الباب، قال: ورواه البخاري في ~~صحيحه في غير موضع ومسلم، والإمام أحمد والترمذي والنسائي كلهم من حديث ~~سليمان بن مهران وهو الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود بنحوه. # قال الإمام أحمد: حدثنا معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، PageV01P637 # عن علقمة عن عبد الله قال: "جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: يا أبا القاسم، أبلغك أن الله تعالى يجعل الخلائق على ~~إصبع، السموات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والثرى ms550 على ~~إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك؟ فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حتى بدت نواجذه، قال: وأنزل الله عز وجل: {وما قدروا الله حق ~~قدره ... } " الآية. وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش ~~به. # وقال الإمام أحمد: حدثنا الحسين بن حسن الأشقر، حدثنا أبو كدينة عن عطاء ~~عن أبي الضحى عن ابن عباس قال: "مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو جالس فقال: كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله السموات على ذه - ~~وأشار بالسبابة - والأرض على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلائق على ذه؟ كل ~~ذلك يشير بإصبعه، فأنزل الله: {وما قدروا الله حق قدره} ". وكذا رواه ~~الترمذي في التفسير بسنده عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به، وقال: حسن صحيح ~~غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه. # ثم قال البخاري: حدثنا سعيد بن عفير حدثنا الليث حدثني عبد الرحمن بن ~~خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة رضي ~~الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "يقبض الله الأرض، ~~ويطوي السماء بيمينه، فيقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ " تفرد به من هذا ~~الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر وقال البخاري في موضع آخر: حدثنا مقدم بن ~~محمد حدثنا عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله ~~عنهما قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله تعالى يقبض يوم ~~القيامة الأرضين على إصبع، وتكون السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك". تفرد ~~به أيضا من هذا الوجه، ورواه مسلم من وجه آخر. # PageV01P638 # وقد رواه الإمام أحمد من طريق آخر بلفظ أبسط من هذا السياق وأطول فقال: ~~حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، أنبأنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن ~~عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه ~~الآية ذات يوم على ms551 المنبر: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} . ورسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر، يمجد الرب تعالى ~~نفسه:"أنا الجبار المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم، فرجف برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا: ليخرن1 به" اه. PageV01P639 # قوله:"ولمسلم عن ابن عمر – الحديث"، كذا في رواية مسلم. قال الحميدي: وهي ~~أتم، وهي عند مسلم من حديث سالم عن أبيه. وأخرجه البخاري من حديث عبيد الله ~~عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: "إن الله يقبض يوم القيامة ~~الأرضين، وتكون السماء بيمينه" 1. وأخرجه مسلم من حديث عبيد الله بن مقسم. # قلت: وهذه الأحاديث وما في معناها تدل على عظمة الله، وعظيم قدرته وعظم ~~مخلوقاته، وقد تعرف سبحانه وتعالى إلى عباده بصفاته، وعجائب مخلوقاته، ~~وكلها تعرف تدل على كماله، وأنه هو المعبود وحده، لا شريك له في ربوبيته ~~وإلهيته، وتدل على إثبات الصفات له على ما يليق بجلال الله وعظمته إثباتا ~~بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، وهذا هو الذي دلت عليه نصوص الكتاب والسنة ~~وعليه سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان، واقتفى أثرهم على الإسلام ~~والإيمان. PageV01P640 # وتأمل ما في هذه الأحاديث الصحيحة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم ربه ~~بذكر صفات كماله على ما يليق بعظمته وجلاله وتصديقه اليهود فيما أخبروا به ~~عن الله من الصفات التي تدل على عظمته، وتأمل ما فيها من إثبات علو الله ~~تعالى على عرشه، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم في شيء منها: إن ظاهرها ~~غير مراد، أو أنها تدل على تشبيه صفات الله بصفات خلقه، فلو كان هذا حقا ~~بلغه أمينه أمته، فإن الله أكمل به الدين، وأتم به النعمة فبلغ البلاغ ~~المبين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين. ~~وتلقى الصحابة رضي الله عنهم عن نبيهم صلى الله عليه وسلم ما وصف به ربه من ~~صفات كماله ms552 ونعوت جلاله، فآمنوا به، وآمنوا بكتاب الله وما تضمنه من صفات ~~ربهم جل وعلا، كما قال تعالى: {والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ~~عند ربنا} 1. وكذلك التابعون لهم بإحسان وتابعوهم، والأئمة من المحدثين ~~والفقهاء كلهم وصف الله بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم ~~ولم يجحدوا شيئا من الصفات، ولا قال أحد منهم: إن ظاهرها غير مراد، ولا إنه ~~يلزم من إثباتها التشبيه، بل أنكروا على من قال ذلك غاية الإنكار، فصنفوا ~~في رد هذه الشبهات المصنفات الكبار المعروفة الموجودة بأيدي أهل السنة ~~والجماعة. # قال شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: وهذا كتاب الله # من أوله إلى آخره وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلام الصحابة ~~والتابعين، وكلام سائر الأئمة مملوءة كلها بما هو نص أو ظاهر أن الله تعالى ~~فوق كل شيء، وأنه فوق العرش فوق السموات مستو على عرشه مثل قوله تعالى: ~~{إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه} 2 وقوله تعالى: {إذ قال الله ~~يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي} 3 وقوله تعالى: {بل رفعه الله إليه} 4 ~~وقوله تعالى: {ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه} 5 وقوله تعالى: {يدبر ~~الأمر من PageV01P641 # السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه} 1 وقوله تعالى: {يخافون ربهم من فوقهم} 2 ~~وقوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ~~فسواهن سبع سماوات} 3 وقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض ~~في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} ~~4 وقوله تعالى: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم ~~استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم ~~فاعبدوه أفلا تذكرون} 5. فذكر التوحيدين في هذه الآية. وقوله تعالى: {الله ~~الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش} ms553 6 وقوله تعالى: ~~{تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى الرحمن على العرش استوى} 7 وقوله ~~تعالى: {وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ~~الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فاسأل به خبيرا} 8 وقوله تعالى: {الله الذي خلق السماوات والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع ~~أفلا تتذكرون يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان ~~مقداره ألف سنة مما تعدون} 9 وقوله تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل ~~من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير} 10 ~~فذكر عموم علمه وعموم قدرته وعموم إحاطته وعموم رؤيته، وقوله تعالى: ~~{أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في ~~السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير} 11 وقوله تعالى: {تنزيل من ~~حكيم حميد} 12 وقوله تعالى: {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} 13 وقوله ~~تعالى: {وقال فرعون يا هامان ابن لي PageV01P642 # صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه ~~كاذبا} 1. انتهى كلامه رحمه الله. # قلت: وقد ذكر الأئمة رحمهم الله تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة ~~الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوال الصحابة والتابعين. ~~فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب"العلو". وغيره بالأسانيد الصحيحة عن ~~أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت في قوله تعالى: {الرحمن ~~على العرش استوى} 2. قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإقرار ~~به إيمان، والجحود به كفر. رواه ابن المنذر واللالكائي وغيرهما بأسانيد ~~صحاح [مختصر العلو 111] . قال: وثبت عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى أنه ~~قال:"لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن: كيف الاستواء؟ قال: الاستواء ms554 غير ~~مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا ~~التصديق". # وقال ابن وهب:"كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرحمن على ~~العرش استوى} كيف استوى؟ فأطرق مالك رحمه الله وأخذته الرحضاء. وقال: ~~الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه، ولا يقال: كيف؟ و"كيف"عنه مرفوع، ~~وأنت صاحب بدعة. أخرجوه. رواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن وهب، ورواه عن ~~يحيى بن يحيى أيضا. ولفظه قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ~~والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة. قال الذهبي: فانظر إليهم كيف أثبتوا ~~الاستواء لله، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير، ونفوا عنه ~~الكيفية. قال البخاري في"صحيحه": قال مجاهد: استوى: علا على العرش. وقال ~~إسحاق ابن راهويه: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: {الرحمن على العرش ~~استوى} أي: ارتفع. وقال محمد بن جرير الطبري في PageV01P643 # قوله تعالى: {الرحمن على العرش استوى} أي: علا وارتفع. # وشواهده في أقوال الصحابة والتابعين وأتباعهم. فمن ذلك قول عبد الله ابن ~~رواحة رضي الله عنه: # شهدت بأن وعد الله حق ... وأن النار مثوى الكافرينا # وأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمينا # وتحمله ملائكة شداد ... ملائكة الإله مسومينا # وروى الدارمي والحاكم والبيهقي بأصح إسناد إلى علي بن الحسين بن شقيق ~~قال:"سمعت عبد الله بن المبارك يقول: نعرف ربنا بأنه فوق سبع سماواته على ~~العرش استوى، بائن من خلقه، ولا نقول كما قالت الجهمية". قال الدارمي: ~~حدثنا حسن بن الصباح البزار، حدثنا علي بن الحسين ابن شقيق"عن ابن المبارك: ~~قيل له: كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة على العرش بائن من ~~خلقه". # وقد تقدم قول الأوزاعي: كنا - والتابعون متوافرون - نقول: إن الله تعالى ~~ذكره بائن من خلقه، ونؤمن بما وردت به السنة. # وقال أبو عمر الطلمنكي في كتاب"الأصول": أجمع المسلمون من أهل السنة على ~~أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة ~~على أن الله تعالى استوى على عرشه على الحقيقة ms555 لا على المجاز، ثم ساق بسنده ~~عن مالك قوله: الله في السماء وعلمه في كل مكان، ثم قال في هذا الكتاب: ~~أجمع المسلمون من أهل السنة أن معنى قوله: {وهو معكم أين ما كنتم} 1، ونحو ~~ذلك من القرآن: أن ذلك علمه، وأن الله فوق السماوات بذاته مستو على عرشه ~~كيف شاء، وهذا لفظه في كتابه. # وهذا كثير في كلام الصحابة والتابعين والأئمة، أثبتوا ما أثبته الله في ~~كتابه على لسان رسوله على الحقيقة على ما يليق بجلال الله وعظمته، ونفوا ~~عنه مشابهة المخلوقين، ولم يمثلوا، ولم PageV01P644 # يكيفوا كما ذكرنا ذلك عنهم في هذا الباب. # وقال الحافظ الذهبي: "وأول وقت سمعت مقالة من أنكر أن الله فوق عرشه: هو ~~الجعد بن درهم، وكذلك أنكر جميع الصفات، وقتله خالد بن عبد الله القسري ~~وقصته مشهورة، فأخذ هذه المقالة عنه الجهم بن صفوان إمام الجهمية، فأظهرها ~~واحتج لها بالشبهات، وكان ذلك في آخر عصر التابعين، فأنكر مقالته أئمة ذلك ~~العصر مثل الأوزاعي، وأبي حنيفة ومالك، والليث بن سعد، والثوري، وحماد بن ~~زيد، وحماد بن سلمة، وابن المبارك، ومن بعدهم من أئمة الهدى، فقال الأوزاعي ~~إمام أهل الشام على رأس الخمسين ومائة عند ظهور هذه المقالة ما أخبرنا عبد ~~الواسع الأبهري بسنده إلى أبي بكر البيهقي: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، ~~أخبرني محمد بن علي الجوهري - ببغداد - حدثنا إبراهيم بن الهيثم، حدثنا ~~محمد بن كثير المصيصي"سمعت الأوزاعي يقول: كنا - والتابعون متوافرون - ~~نقول: إن الله فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته" أخرجه البيهقي ~~في"الصفات"ورواته أئمة ثقات". # وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: "لله أسماء وصفات لا يسع أحدا ~~ردها، ومن خالف بعد ثبوت الحجة عليه كفر، وأما قبل قيام الحجة فإنه يعذر ~~بالجهل، ونثبت هذه الصفات وننفي عنه التشبيه، كما نفى عنه نفسه فقال: {ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير} 1 اه من فتح الباري. # قوله:"وعن العباس بن عبد المطلب ساقه المصنف رحمه الله مختصرا". والذي ~~في"سنن أبي داود": # عن"العباس بن عبد ms556 المطلب قال: "كنت في البطحاء في عصابة فيهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة، فنظر إليها، فقال: ما تسمون هذه؟ ~~قالوا: السحاب، قال: والمزن قالوا: والمزن. قال: والعنان. قالوا: والعنان - ~~قال أبو داود: لم أتقن العنان جيدا - قال: هل تدرون ما بعد بين السماء ~~PageV01P645 # والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إن بعد ما بينهما إما واحدة، أو اثنتان، أو ~~ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء التي فوقها كذلك، حتى عدد سبع سماوات، ثم فوق ~~السابعة بحر بين أسفله، وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ~~ثمانية أوعال، بين أظلافهم وركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهم ~~العرش، وبين أسفله وأعلاه، كما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك تعالى فوق ~~ذلك". وأخرجه الترمذي وابن ماجة، وقال الترمذي: حسن غريب1. # وقال الحافظ الذهبي: رواه أبو داود بإسناد حسن، وروى الترمذي نحوه من ~~حديث أبي هريرة وفيه "بعد ما بين سماء إلى سماء خمسمائة عام". ولا منافاة ~~بينهما، لأن تقدير ذلك بخمسمائة عام هو على سير القافلة مثلا، ونيف وسبعون ~~سنة على سير البريد، لأنه يصح أن يقال: بيننا وبين مصر عشرون يوما باعتبار ~~سير العادة، وثلاثة أيام باعتبار سير البريد، وروى شريك بعض هذا الحديث عن ~~سماك فوقفه، هذا آخر كلامه. # قلت: فيه التصريح بأن الله فوق عرشه كما تقدم في الآيات المحكمات، ~~والأحاديث الصحيحة وفي كلام السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم. وهذا ~~الحديث له شواهد في"الصحيحين"وغيرهما، ولا عبرة بقول من ضعفه، لكثرة شواهده ~~التي يستحيل دفعها، وصرفها عن ظواهرها. # وهذا الحديث كأمثاله يدل على عظمة الله وكماله، وعظم مخلوقاته، وأنه ~~المتصف بصفات الكمال التي وصف بها نفسه في كتابه، ووصفه بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعلى كمال قدرته، وأنه هو المعبود وحده لا شريك له، دون كل ~~ما سواه. وبالله التوفيق. # والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ~~أجمعين PageV01P646 ms557