######OpenITI# #META# المؤلف: د/ صلاح الصاوي #META# bkid: 35562 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: فاعلم أنه لا إله إلا الله - الصاوي ¶ المؤلف: د/ صلاح الصاوي ¶ ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# ملاحظة: [هذا الكتاب من كتب المستودع بموقع المكتبة الشاملة] #META# auth: أحمد الصاوي #META# Lng: أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي المالكي #META# max: 133 #META# bk: فاعلم أنه لا إله إلا الله - الصاوي #META# authinf: الصاوي (1175 - 1241 ه = 1761 - 1825 م) ¶ أبو العباس أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصاوي: فقيه مالكي، نسبته إلى (صاء الحجر) في إقليم الغربية، بمصر. ¶ توفي بالمدينة المنورة. ¶ من كتبه (حاشية على تفسير الجلالين - ط) وحواش على بعض كتب الشيخ أحمد الدردير في فقه المالكية و (الفرائد السنية - خ) شرح همزية البوصيري، في دار الكتب . ¶ نقلا عن : الأعلام للزركلي #META# ndata: فاعلم أنBDCBE5E6. الفهرس #META# bkord: 9704 #META# archive: 14 #META# الكتاب: فاعلم أنه لا إله إلا الله - الصاوي #META# authno: 576 #META# ad: 1241 #META# idx: 1 #META# comp: 1 #META# higrid: 1241 #META# cat: العقيدة - مرقم آليا #META# iso: فاعلم انه لا اله الا الله الصاوي #META# DownloadSource: Abū Yaʿqūb's Shamela database #META# DownloadDate: 2017? #META# ConversionDate: 2020-10-01 #META#Header#End# ### | CHECK [فاعلم أنه لا إله إلا الله - الصاوي] # فاعلم أنه لا إله إلا الله # د/ صلاح الصاوي PageV01P001 ~~مقدمة في توحيد الربوبية PageV01P002 ~~مقدمة في توحيد الربوبية # تمهيد # إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ~~وليا مرشدا، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ~~ورسوله. # اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب ~~والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه ~~من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. # أما بعد ... # فإن الأدلة على وجود الله بعدد مخلوقات الله، فكل ما خلق الله في ~~السماوات والأرض يحمل بذاته أبلغ الأدلة على وجود الله عز وجل، وعلى علمه ~~المطلق، وقدرته التامة، وحكمته البالغة، بدءا من أصغر ذرة في الأرض إلى ~~أكبر مجرة في السماء. # ولقد ظل هذا المعنى بدهيا في فطرة الإنسان عبر التاريخ البشري مهما ارتكس ~~في ظلمات الشرك أو هوى إلى دركات سحيقة من الضلالة، ولهذا لم يكن رسل الله ~~بحاجة إلى أن يخوضوا معركة كبرى في هذا المجال لفرط وضوحه وبداهته، بل كانت ~~تكفي الإشارة إليه والتنبيه عليه، ثم الانطلاق منه بعد ذلك لتقرير بقية ~~حقائق التوحيد والإيمان. PageV01P003 # ونحن لا ننكر أن شذاذا في تاريخ الأمم تنكروا لهذه الحقيقة وجحدوا بها، ~~ولكنهم كانوا من الشذوذ والقلة بحيث لا يشكلون ظاهرة عامة تتنزل من أجلها ~~الكتب وتبعث من أجلها الرسل، وتخاض من أجلها المعارك، ومن أجل ذلك خلت كتب ~~السلف الصالح من علماء المسلمين من التناول المفصل لهذه القضية وإفرادها ~~بمؤلفات خاصة، فلم يكن للملاحدة من الوجود الفكري أو السياسي ما يحفز إلى ~~التصدي والمواجهة. # ولكن شذاذ الأمس وحثالات الأمم الماضية قد أصبحوا في هذا الزمن وإلى وقت ~~قريب أمة قائمة: يشيدون على الإلحاد دولا، ويبنون على أساسه تاريخا وحضارة، ~~بل ويقيمون له المعاهد العلمية التي تعمل ms01 على تأصيل الإلحاد وترسيخ قواعده ~~وإعطائه صبغة العلم والتقدمية، وإن كان نجمهم قد أخذ مؤخرا في الأفول بعد ~~أن زالت إمبراطوريتهم ومزقوا في الأرض كل ممزق. # ومن هنا مست الحاجة إلى أن يهتم المسلمون بإبراز الآيات الدالة على وجوده ~~جل وعلا، والتي تبرهن على كثير من أسمائه وصفاته، دحضا لشبه المبطلين، ~~وقياما بحجة الله على العالمين، وحماية للأمة من أن يصيبها رذاذ هذا ~~الإلحاد الفاجر، استجابة لأمر الله لهم بالنظر والتفكر في ملكوت السماوات ~~والأرض وما خلق الله من شيء! PageV01P004 # وسوف نتناول في هذه العجالة دلالة الخلق على الحق من خلال العناصر الآتية: # - دلالة الفطرة. # - دلالة المعجزة. # - دلالة الآيات. # - دلالة إجماع الأمة. # - دلالة العقل. # دلالة الفطرة # إن معرفة الخالق جلا وعلا والإقرار بربوبيته أمر فطري ضروري يحسه في نفسه ~~البر والفاجر، فهو شعور غامر يملأ على الإنسان أقطار نفسه، إقرارا بخالقه، ~~وتألها له، لا يستطيع دفعه ولا يملك رده، فهو أشد رسوخا في النفس من مبدأ ~~العلم الرياضي كقولنا: إن الواحد نصف الاثنين، ومبدأ العلم الطبيعي كقولنا: ~~إن الجسم لا يكون في مكانين، وغير ذلك من الحقائق والمسلمات. # قال تعالى: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض} [إبراهيم: 10]. # وهو استفهام تقريري يتضمن تقرير الأمم على ما هم ما مقرون به من أنه ليس ~~في الله شك. # وإن هذه المعرفة الضرورية لمحض هبة من الله عز وجل لعباده، فهي ليست من ~~صنع حجة أو قياس، ولم تنشأ عن نظر أو تفكر، بل هي أسبق من هذا كله، PageV01P005 ~~وأبلغ من هذا كله! لأنها فطرة الله التي فطر الناس عليها، والحنيفية التي ~~خلق عليها عباده كلهم، وهي التي كان يشير إليها كثير من السلف بقولهم،» ~~عرفت ربي بربي، ولولا ربي لما عرفت ربي! «فهي معرفة لا تنشأ بالنظر والتفكر ~~وإنما تزداد بذلك. # ففي الحديث القدسي:» إني خلقت عبادي حنفاء كلهم ثم جاءتهم الشياطين ~~فاجتالتهم عن دينهم «، وقال صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة ~~فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه". # وإن هذا ms02 الإقرار الفطري بالخالق الحكيم ليولد مع الإنسان منذ البداية، ~~ويظل يصحبه في مختلف أطوار حياته ما لم تفسد فطرته وتنتكس بفعل العوارض ~~والأهواء، فالكفر طارئ عرض، فإذا تاب منه صاحبه فقد رجع إلى الفطرة التي ~~فطر عليها، وإلى الأصل الذي شذ عنه وخرج عليه. # وهذه الفطرة عند كثير من المفسرين هي الميثاق الذي أخذه الله بربوبيته ~~على بني آدم قبل أن يوجدوا، وجعل منه حجة قائمة عليهم لا يسعهم جهلها أو ~~التنكر لها اعتذارا بتقليد الآباء والأجداد. # قال تعالى: {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ~~ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا ... ~~غافلين * أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا ~~بما فعل المبطلون} [الأعراف: 172 - 173]. PageV01P006 # ولقد طابت نفوس العارفين بهذه المعرفة الضرورية الفطرية، وقرت بها عيونهم، ~~وقنعوا بها عن أقيسة المناطقة والمتكلمين، حتى قيل لأحدهم يوما: إن فلانا ~~من علماء الكلام قد أقام على وجود الله ألف دليل، فقال: لأن في نفسه ألف ~~شبهة!!. # وقد قيل لابن عباس بم عرفت ربك؟، فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره ~~في التباس، خارجا عن المنهاج، ظاعنا في الاعوجاج؛ عرفته بما عرف به نفسه، ~~ووصفته بما وصف به نفسه. # فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان ~~حصل بكلام الله وهو نور القرآن. # وقد يحجب هذا الشعور الفطري إقبال الرخاء والعافية، أو سيطرة الذهول ~~والغفلة، ولكن سرعان ما يتهاوى ذلك كله تحت مطارق الشدائد، فينقلب الملحد ~~الكفور ضارعا لربه منيبا له. # وقال تعالى: {وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما ~~كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ... ما كانوا ~~يعملون} [يونس: 12]. # وقال تعالى: {هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا ~~أنهم ms03 أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من ~~الشاكرين} [يونس: 22]. PageV01P007 # وقال تعالى: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم ~~إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} [لقمان: 32]. # وقد سأل رجل الإمام جعفر الصادق عن الله، فقال له: ألم تركب البحر؟، قال: ~~بلى، قال: فهل حدث لك مرة أن هاجت بكم الريح عاصفة؟، قال: نعم، قال: وانقطع ~~أملك من الملاحين ووسائل النجاة؟ # قال: نعم، قال: فهل خطر ببالك وانقدح في نفسك أن هناك من يستطيع أن ينجيك ~~إن شاء؟، قال: نعم، قال جعفر: فذلك هو الله. # وإن العتاة الغلاظ من أكابر الملاحدة والكافرين لم يستطيعوا دفع هذه ~~الحقيقة عن أنفسهم، ولا جحدها بأفئدتهم، وإن جحدتها ألسنتهم ظلما وعلوا. ~~كما قال تعالى: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا} [النمل: 14]. # بل إن فرعون على ما كان عليه من عتو وطغيان لم يستطع أن يدفع عن نفسه هذه ~~المعرفة الضرورية وكان أول من يعرف عن نفسه كذبها في دعوى الألوهية: ويتجلى ~~ذلك من محاجته لموسى، ومن قول موسى له فيما يحكيه عنه القرآن الكريم: {قال ~~لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض ... بصائر} [الإسراء: 102]. ~~بل ومن قوله حين أدركه الغرق حيث لا ينفعه إيمان، ولا تقبل له توبة: {آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل ... وأنا من المسلمين} [يونس: 90]. PageV01P008 # دلالة الآيات # إن في خلق السماوات والأرض، وما بث فيهما من دابة لآيات بينات تحرق كل ~~شبهة، وتخرس كل كفور، وترغم كل مكابر ومعاند، لما تتضمنه من الشهادة لله ~~بالربوبية والألوهية على الخلق أجمعين، فهي بعددها أدلة على ثبوت خالقها جل وعلا. # فهذه المخلوقات على ما هي عليه من العظمة والتسوية لم تخلق من غير شيء، ~~كما أنها لم تخلق نفسها، وذلك مما استقر بالفطر، وعلم بالضرورة والبداهة، ~~فلم يبق إذن إلا أنها خلقت بتقدير العزيز العليم، الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى. # وإن إثبات الصانع في ms04 القرآن بنفس آياته التي يستلزم العلم بها العلم به، ~~كاستلزام العلم بالشعاع العلم بالشمس، من غير احتياج إلى قياس ولا غيره. # قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} [الطور: 35]. # قال جبير بن مطعم: لما سمعتها أحسست بفؤادي قد تصدع، وفي هذه الآية ~~استفهام إنكاري يقول: هل وجدوا من غير مبدع؟ أم هم الخالقون لأنفسهم؟ ~~والنتيجة معلومة بالفطرة والضرورة، فلا يحتاج أن يستدل عليها: بأن كل كائن ~~محدث، أو كل ممكن لا يوجد بنفسه ولا يوجد من غير موجد، قال تعالى: {أفلا ~~ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت} ~~[الغاشية: 17 - 19]. PageV01P009 # وقال تعالى: {يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم ~~تتقون * الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج ~~به من الثمرات رزقا لكم} [البقرة: 21 - 22]. # وقال تعالى حاكيا قول موسى عندما سأله فرعون: {قال فرعون وما رب العالمين ~~* قال رب السماوات والأرض وما بينهما ... إن كنتم موقنين} [الشعراء: 23 - 24]. # فقد جعل نفس هذه المخلوقات آية لله عز وجل من غير احتياج إلى مقدمات ~~ونتائج. # دلالة المعجزة # وهذه إحدى الطرق القرآنية في إثبات الربوبية، ذلك أن المعجزة كما تدل على ~~صدق الرسل، فإنها تدل أيضا على ربوبية المرسل وألوهيتة وذلك لما يأتي: # أولا: أن المعجزة تدل بنفسها على ثبوت الصانع كسائر الحوادث، بل هي أخص ~~من ذلك؛ لأن الحوادث المعتادة ليست في الدلالة كالحوادث الغريبة، ولهذا ~~يسبح الرب عندها ويمجد ويعظم ما لا يكون عند المعتاد، ويحصل بها في النفوس ~~ذلة من ذكر عظمته ما لا يحصل للمعتاد، إذ هي آيات جديدة فتعطى حقها. # ثانيا: أنه إذا تقررت بها النبوة والرسالة فقد تقررت بها الربوبية كذلك، ~~إذ لا يكون هناك نبي ولا رسول إلا وهناك مرسل، فالإقرار بالرسالة يتضمن ~~الإقرار بالربوبية بلا نزاع. PageV01P010 # ثالثا: إن النبوة إذا ثبتت بالمعجزة، فقد صارت أصلا في وجوب قبول جميع ما ~~دعا إليه النبي من حقائق الربوبية والألوهية ms05 وغيرها. # وقد جاء القرآن بهذه الطريقة في قصة فرعون، فإنه كان منكرا للرب جلا ~~وعلا، فحاجه موسى في ذلك، ثم عرض عليه الحجة البينة التي جعلها دليلا على ~~صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلها غير فرعون، فاستدل بالمعجزة ~~على كلا الأمرين: ربوبية الله جل وعلا، وكونه مرسلا من عنده تعالى. # قال تعالى: {قال فرعون وما رب العالمين * قال رب السماوات والأرض وما ~~بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم ~~الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب ~~وما بينهما إن كنتم تعقلون * قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين ~~* قال أولو جئتك بشيء مبين * قال فأت به إن كنت من الصادقين * فألقى عصاه ~~فإذا هي ثعبان مبين * ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين} [الشعراء: 23 - 33]. # فقد أقام عليه الحجة أولا بالآيات التي يستلزم العلم بها العلم بالخالق ~~جل وعلا، فلما عاند وكابر رده إلى دلالة المعجزة التي هي أبلغ في الدلالة ~~على المقصود ليثبت بها كلا الأمرين: الربوبية والرسالة. # وقال تعالى: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من ~~استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين * فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما ~~أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو فهل أنتم مسلمون} [هود: 13 - 14]. PageV01P011 # فبين أن المعجزة تدل على الرسالة والوحدانية، فإذا أثبتت المعجزة أحدها فقد ~~أثبتت الآخر. # إجماع الأمم # ومن الأدلة على وجود الخالق جلا وعلا إثبات الأمم كلها له، وإجماعهم على ~~ذلك، بحيث لم يذهب إلى نقيضه طائفة معروفة من بني آدم اللهم إلا شذاذ ~~وحثالات لا يعتد لمثلهم بخلاف، ولا يؤبه لمثلهم بقول. # وقد ذكر أرباب المقالات ما جمعوا من مقالات الأولين والآخرين في الملل ~~والنحل والآراء والديانات فلم ينقل عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق ~~المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، فضلا عن إنكار الربوبية بالكلية، ~~ولهذا فإن ظاهرة الإلحاد لم تكن فيما مضى ms06 إلا شذوذا تخلف به أصحابه عن ~~مواكب العقلاء، وهووا به إلى دركات سحيقة من الضلالة والبهتان. # فقد كفروا بما استكن في الفطر، وتقرر في بداهة العقول، واستفاض في حقائق ~~التاريخ الثابتة والتواتر المضطرد جيلا بعد جيل، فلم يبق عندهم ما نحاكمهم ~~إليه أو نعول في حجاجهم عليه، فضلا عن أنهم لا يملكون على بهتانهم هذا ~~دليلا ولا أثارة من دليل، فالأدلة على بطلان مزاعمهم عدد الرمل والحصى ~~والنجوم، بل عدد ما خلق الله في السماوات والأرض. # فإن حاكمتهم إلى الفطر التي جبلت على الإقرار بخالقها، بحيث لا تملك لذلك ~~دفعا تبين لك ما هم فيه من كفر وعمى. PageV01P012 # وإن حاكمتهم إلى بداهة العقول التي تجزم بضرورة الخالق لاستحالة وجود خلق ~~بغير خالق تبين لك ما هم فيه من جحود ومكابرة. # وإن حاكمتهم إلى إجماع الأمم واتفاقها على معرفة الله والإقرار به تبين ~~لك ما هم فيه من شذوذ ومراغمة. # وإن حاكمتهم إلى حقائق التاريخ التي تقطع ببعثة الرسل وتأييد الله لهم ~~بالخوارق تبين لك ما هم فيه من بهت وضلال، فأية شقاوة تعدل هذه الشقاوة؟!، ~~وأي خذلان يعدل هذا الخذلان؟!. # لقد رد هؤلاء الملاحدة فكرة الألوهية من حيث المبدأ، وزعموا أنها فكرة ~~رأسمالية ابتدعها المتسلطون من الأغنياء ليسيطروا بها على الفقراء ~~والكادحين. # ثم نسبوا الخلق إلى الطبيعة، فقالوا إن خلق الإنسان وغيره جاء نتيجة ~~لتفاعلات كيميائية بين المواد المختلفة، وأن هذه التفاعلات قد حدثت صدفة، ~~فإلى الطبيعة والتفاعلات الكيميائية والمصادفة يرد خلق كل شيء. # فما هي الطبيعة إذن، ذلك الوثن الجديد؟!. # الجواب: إنها جماع الأوثان السابقة التي عبدتها الوثنيات الأولى، ذلك ~~إنها هي هذه المخلوقات بما أودع فيها من خصائص وصفات، كالشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب والبحار والأنهار، فهي إذن ليست إلا وثنا ~~جديدا جمع الأوثان السابقة. PageV01P013 # والسؤال الآن: # لقد خلق الإنسان ذا علم وتدبير وإرادة وقدرة، فهل تملك هذه الطبيعة ~~الجامدة العلم والتدبير والقدرة حتى تكون هي التي منحت ذلك للإنسان؟! # وما الفرق بين هذا القول وبين من ms07 يزعم أن اللات والعزى وهبل ومناة هي ~~التي خلقت الإنسان، وزودته بكل ما تميز به عن غيره من المخلوقات؟!. # قال تعالى: {واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا * إذ قال لأبيه ~~يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا} [مريم: 41 - 42]. # وإذا كانت الطبيعة هي الخالقة فكيف سخرت للإنسان، وأصبح سيدا عليها يبني ~~ويهدم ويتصرف بأجزائها كيف يشاء؟! وهي لا تقاوم سيطرة الإنسان، ولا تتمرد ~~عليه، ولا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا!. # قال تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ~~ولا أنفسهم ينصرون} [الأعراف: 191 - 192]. # وقال تعالى: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون} [الجاثية: 13]. # وقال تعالى: {ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض ~~وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا ~~هدى ولا كتاب منير} [لقمان: 20]. PageV01P014 # إن في القول بأن التفاعل الكيميائي هو الذي جاء بالإنسان مسخا للإنسانية ~~كلها، ذلك أن التفاعل الكيميائي محدود الزمن والنتائج، فمعنى ذلك أن يصبح ~~قيام الإنسان وقعوده وضحكه وبكاؤه ورضاه وغضبه أعمالا ميكانيكية بحتة، تبدأ ~~عند وجود التفاعل الكيميائي اللازم لوجودها وتنتهي بانتهائه، ويقف الإنسان ~~جنبا إلى جنب مع بقية الآلات الميكانيكية التي تتحرك بالأزرار، وتتوقف ~~بالأزرار. بلا عقل ولا إرادة ولا اختيار. # بل ولا معنى إذن لأن يثاب الإنسان على خير، أو يعاقب على شر، لأن الأمر ~~ليس إلا تفاعلات كيميائية أوجدت ما عمل من خير أو من شر. # أما القول بأن ذلك كله قد حدث صدفة فهو من أبين الباطل وأمحل المحال، ذلك ~~أن الصدفة تتنافى مع مبدأ الإحكام والتقدير والتدبير الذي يشهد به كل شيء ~~في هذا الوجود من الذرة إلى المجرة، بل يشهد به واقع القوم أنفسهم، فلو قيل ~~لهم إن كل ما تطلقونه من الأقمار الصناعية والمركبات الفضائية قد حدث صدفة ~~نتيجة لبعض التفاعلات الكيميائية بين بعض ms08 المواد الخام الموجودة بالصدفة في ~~بلادكم من غير تقدير منكم ولا تدبير، فهو لا يشهد لكم بتقدم علمي أو حضاري ~~لفغروا أفواههم دهشة وعجبا، وأوشكوا أن يفتكوا بمن يقول لهم ذلك. # فيا عجبا للإنسان عندما تتخطفه الشياطين! لا يقر للصدفة بخلق مركبة ~~فضائية وتوجيهها إلى الفضاء، ويقر لها بخلق السماوات والأرض وما بث فيهما ~~من دابة!. PageV01P015 # ومن ناحية أخرى فإن للمصادفة قانونا رياضيا عقليا لا تنفك عنه ولا يمكن ~~الخروج عليه وهو:» أن حفظ المصادفة من الاعتبار يزداد وينقص بنسبة معكوسة ~~مع عدد الإمكانات المتكافئة المتزاحمة «، فكلما قل عدد الأشياء المتزاحمة ~~ازداد حظ المصادفة من النجاح، وكلما كثر عددها قل حظ المصادفة، ويظل يقل ~~حتى يصبح في حكم العدم أو المستحيل، ولنتأمل هذا المثال: # لو أن مطبعة بها نصف مليون حرف مفرقة في صناديقها، فأصابتها هزة أرضية ~~قلبت صناديق هذه الحروف وبعثرتها وخلطتها، فجاء من يخبرنا بأنه قد تألف من ~~اختلاط الحروف بالمصادفة عشر كلمات متفرقة غير مترابطة المعاني، فإن القضية ~~هنا تبدو معقولة وقابلة للتصديق، ولو قيل لنا إن الكلمات العشر ألفت جملة ~~مفيدة كاملة، فإننا نستبعد ذلك ولكن لا نراه مستحيلا. # أما لو قيل لنا إن حروف المطبعة بكاملها تشكلت وكونت عند اختلاطها ~~بالمصادفة كتابا كاملا من 500 صحيفة يتضمن قصيدة واحدة، تؤلف بمجموعها وحدة ~~كاملة مترابطة، منسجمة بألفاظها وأوزانها، لا شك أننا في هذه الحالة نرى ~~الاستحالة بدهية واضحة، والسبب في رؤية الاستحالة يعود إلى قانون الصدفة نفسه. # هذا مع مراعاة أن حروف المطبعة موجودة ومصفوفة في صناديقها، أما القضية ~~في موضوع الكون فإنها من التعقيد لدرجة لا تستطيع أن تحيط بها عقول البشر ~~كافة، مما يجعل الصدفة مستحيلة التصور في حد ذاتها بلة الوقوع. PageV01P016 # دلالة العقل # لقد دل القرآن الكريم على الأدلة العقلية التي بها يعرف الخالق وتوحيده ~~وكثير من صفاته جل وعلا، ففي القرآن من بيان أصول الدين التي تعلم مقدماتها ~~بالعقل الصريح ما لا يوجد مثله في كلام الناس، بل عامة ما يأتي به ms09 حذاق ~~النظار من الأدلة العقلية يأتي القرآن بخلاصتها وبما هو أحسن قال تعالى: ~~{ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33]. # وقد أخطأ من ظن أن دلالة الكتاب والسنة على أصول الدين بمجرد الخبر أو ~~بطريقة خطابية بل فيهما من الدلائل العقلية والبراهين اليقينية ما يقوض كل ~~شبهة، ويذهب كل ريبة، ويبني اليقين في النفوس بعيدا عن سفسطة الفلاسفة ~~وتعقيدات المتكلمين!. # قال الرازي: تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية فما وجدتها تشفي ~~عليلا، ولا تروي غليلا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن. # هذا وقد سبق أن الأدلة على وجود الله بعدد مخلوقات الله، وأن هذه الأدلة ~~المشاهدة في المخلوقات تقوم على أسس ثلاثة شهد بها العقل، ودل عليها الكتاب ~~والسنة، ولا يمكن لأحد أن يخالف فيها مهما كان دينه أو جنسه أو علمه. # فما هي هذه الأسس؟ وكيف ترغم المكابر على الإقرار بوجود الله؟ (¬1). PageV01P017 # الأساس الأول: لكل فعل فاعل # فالعدم لا يخلق شيئا، وهذه ضرورة عقلية وحقيقة شرعية، شهدت بها بداهة ~~العقول، وأثبتها كتاب رب العالمين. # قال تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون * أم خلقوا السماوات ~~والأرض بل لا يوقنون} [الطور: 35 - 36]. # وكيف يمكن لعاقل أن يجحد هذه الحقيقة وقد شهد بها حذاؤه الذي ينتعله، ~~والثوب الذي يلبسه، والسيارة التي تقله، والمظلة التي تقيه حر الشمس، بل ~~وطعامه وشرابه وكل شيء حوله، فهو لا يعقل وجود شيء من هذه الأشياء بدون ~~صانع أوجده وهيأه لما أعد له من منفعة. # وإننا إذا طبقنا هذا الأساس، وشاهدنا ما لا يحصى من الأحداث التي تقع كل ~~يوم في هذا الكون الفسيح، أيقنت عقولنا بأن لكل فعل منها فاعلا لا محالة. # الأساس الثاني: الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته # ذلك بأن بين الفعل والفاعل علاقة قوية، فلا يكون شيء في الفعل إلا ولدى ~~الفاعل قدرة على فعله، فإذا شاهدنا مصباحا كهربائيا عرفنا أن لدى صانع ذلك ~~المصباح زجاجا وأسلاكا، وأن لديه قدرة على تشكيل الزجاج والأسلاك في الشكل ~~الذي نراه في المصباح، ms10 وأن لديه خبرة بالكهرباء. # وإذا شاهدنا سيارة متحركة تسير في الطرقات المعبدة وتتحرك عند اللزوم، ~~وتتوقف في المكان المعلوم، وتدور في المكان المعد للدوران، عرفنا أن سائق ~~السيارة PageV01P018 ~~عاقل مفكر، وأن له إرادة حكيمة أحكمت توجيه السيارة، وأنه عليم بطرق قيادة ~~السيارات. # وهكذا عرفنا شيئا من قدرة الصانع والسائق وصفاتهما من الآثار المشاهدة ~~لأفعالهما أمامنا، وبهذا كان الفعل مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته. # وقد دلنا القرآن الكريم على هذا الأساس العقلي، فحثنا على النظر في ملكوت ~~السماوات والأرض، وما خلق الله من شيء، لكي نتعرف من خلال هذا النظر على ~~كثير من صفات الخالق الحكيم جل وعلا. # قال تعالى: {الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف ~~يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده ~~إذا هم يستبشرون * وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين * فانظر ~~إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على ~~كل شيء قدير} [الروم: 48 - 50]. # فظاهرة تكون المطر، ثم سوقه إلى الأرض الميتة، ثم حياة الأرض به من بعد ~~موتها، تدل على وجود الصانع وعموم قدرته، خاصة على إحياء الموتى، كما تدل ~~على رحمته جل وعلا، ولهذا قال تعالى بعد ذكر هذه الظواهر: {فانظر إلى آثار ~~رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل ... ~~شيء قدير} [الروم: 50]، فالتعرف على بعض صفات الفاعل من خلال مشاهدة أفعاله ~~وآثاره منهاج عقلي وشرعي، يحسه العقل بالضرورة، وتحث عليه النصوص PageV01P019 ~~الشرعية، وتعتمده أساسا هاما تقيم عليه كثيرا من حقائق الإيمان، وبتطبيق ~~هذا الأساس نجد أن هذا الكون الكبير. # - يشهد بوجوده على أنه من صنع موجود دائم. # - وبعظمة تكوينه على أنه من صنع عظيم قدير. # - وبما فيه من حياة على أنه صنع حي دائم. # - وبما فيه من إحكام وتناسق وترابط على أنه من صنع حكيم عليم. # - وبنظامه الموحد وقوانينه الثابتة على أنه من صنع حاكم واحد ms11 مهيمن. # وبذلك تقدم لنا هذه المخلوقات شهادة يقينية على أنها من صنع موجود حكيم ~~عليم عظيم قدير حي دائم لا يعجزه شيء، وبهذا نكون قد انتهينا إلى تقرير ~~الملحد بوجود خالق حكيم عليم قدير عظيم حي مهيمن لا يعجزه شيء. # ولكنه قد يقول: سلمت لكم بوجود خالق لهذا الكون، ولكن هذا الخالق هو ~~الطبيعة كما يقول العلم، وليس هو الله كما يقول الخرافيون من أتباع ~~الأديان!!. # وهنا نأتي إلى الأساس الثالث الذي يقوض آخر معقل للالحاد ويأتي على ~~بنيانه من القواعد!. # الأساس الثالث: لا ينسب الفعل إلى من هو عاجز عنه # وهذه ضرورة عقلية شهد بها العقل ودلت عليها النصوص الشرعية، فلا يعقل أن ~~ينسب إلى الأخرس فصاحة اللسان، وحسن البيان، وإلقاء الخطب البليغة التي ~~تأخذ بمجامع القلوب. PageV01P020 # ولا يعقل أن ينسب إلى حيوان لا يعقل أو إلى جاهل غبي أنه قام بإطلاق مركبة ~~فضائية لغزو الفضاء الخارجي والتعرف على كثير من حقائقه. # ولا يعقل أن ينسب إلى بدوي يعيش في مجاهل الصحراء يرعى إبله وغنمه أنه ~~قام بإجراء عملية دقيقة في المخ لاستئصال بعض الأورام الخبيثة، أو أنه ألف ~~كتابا حول الذرة يشرح فيه بالوثائق العلمية كل ما يتعلق بها من حقائق. # كما لا يعقل أن ينسب إلى حجارة صماء القدرة على الخلق والرزق والإحياء ~~والإماتة، وإيصال النفع والضر إلى من تشاء. # قال تعالى: {أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون * ولا يستطيعون لهم نصرا ~~ولا أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم ~~أم أنتم صامتون * إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم ~~فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين * ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون ~~بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم ~~كيدون فلا تنظرون * إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين * ~~والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولآ أنفسهم ينصرون * وإن تدعوهم ~~إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم ms12 لا يبصرون} [الأعراف: 191 - 198]. # وقال تعالى: {واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون ~~لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا} [الفرقان: 3]. PageV01P021 # وقال تعالى: {والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات ~~غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون} [النحل: 20 - 21]. # وقال تعالى: {قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ~~بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا} [فاطر: 40]. # وإذا طبقنا هذا الأساس وجدنا أنه لا يوجد قط في هذه المخلوقات من يصح أن ~~ينسب إليه الخلق، لأنه ليس فيها من يوصف بأنه الحكيم العليم الخبير العظيم ~~المهيمن الهادي الحي الدائم الباقي. # فليس في الطبيعة المزعومة شيء من ذلك يؤهلها لأن ينسب إليها خلق أو ~~تقدير، إلا كما يصح أن ينسب إلى اللات والعزى أنها هي التي خلقت السماوات ~~والأرض، الأمر الذي لم يجرؤ على القول به أكابر المجرمين والمشركين على ~~مدار التاريخ البشرى كله. # وإننا لنسأل لهؤلاء. # هل يصح أن ينسب إلى هذه الطبيعة وهي الجامدة الصماء أنها هي التي خلقت ~~الإنسان ونفخت فيه الروح، ومنحته العقل والإرادة والتدبير والتقدير، وهي ~~التي لا تملك من ذلك شيئا، بل هل يصح أن ينسب إليها خلق ذبابة أو بعوضة؟. PageV01P022 # قال تعالى: {يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله ~~لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ~~ضعف الطالب والمطلوب} [الحج: 73]. # - أو هل يصح أن ينسب إليها أنها هي التي اختارت سمك قشرة الأرض بوضعه ~~الحالي، لأنه لو زاد على ذلك بضعة أقدام لاستحالت الحياة لامتصاص ثاني ~~أكسيد الكربون والأوكسجين. # - أو أنها هي التي جعلت الجبال أوتادا للأرض حتى لا تميد بأهلها؟. # - أو أنها هي التي قدرت فيها أقواتها حتى تبقى الحياة؟. # - أو أنها هي التي جعلت ماء المحيطات ملحا لأن الملح هو الذي ms13 يمنع حصول ~~التعفن والفساد. # - أو أنها هي التي جعلت الأوكسجين في الهواء على نسبته الحالية، حتى لا ~~تملأ زيادته الأرض بالحرائق بحيث تحترق الغابة كلها عند أول شرارة من البرق ~~تصيب شجرة منها. # - هل يصح شيء من ذلك من هذا الجماد الأبكم الذي لا يسمع ولا يعقل ولا ~~يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. # - وإذا لم يكن في المخلوقات ما يصح أن ينسب إليه الخلق، فقد تعين أن يكون ~~خالق الكون هو غير الكون المخلوق أو الطبيعة المخلوقة. PageV01P023 # قال تعالى: {هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في ~~السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} [الحشر: 24]. PageV01P024 # فصل في توحيد الألوهية PageV01P025 ~~فصل في توحيد الألوهية # تمهيد # الإله: هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة. # وتوحيد الألوهية: هو إفراد الله وحده بالعبادة، والبراءة من كل معبود من ~~دونه، فلا يعبد إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يتحاكم إلا إليه، ولا ~~يتلقى الهدى إلا منه ولا يتوجه بالعمل إلا إليه، ولا يوالى ولا يعادى إلا فيه. # قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا ~~نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} [آل عمران: 64]. # وتوحيد الألوهية هو دين الرسل جميعا، فبه تنزلت الكتب، ومن أجله بعثت الرسل. # قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} [الأنبياء: 25]، وقال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن ~~اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} [النحل: 36]، وقال تعالى: {واذكر أخا عاد إذ ~~أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه ألا تعبدوا ... إلا ~~الله} [الأحقاف: 21]، وقال صلى الله عليه وسلم: "الأنبياء إخوة لعلات، ~~أمهاتهم شتى ودينهم واحد" (رواه البخاري). PageV01P026 # وقد تضمن توحيد الألوهية جوانب كثيرة، منها: توحيد العبادة والتأله، توحيد ~~الطاعة والإنقياد، توحيد الإيمان والقبول. # وسوف نتكلم عن بعض هذه الجوانب تباعا في المباحث الآتية: # المبحث الأول # توحيد ms14 العبادة والتأله # تمهيد # وهو التوجه إلى الله وحده بسائر أنواع العبادات القولية والعملية، كالحب، ~~والتعظيم، والرغبة، والرهبة، والإنابة، والرجاء، والتوكل، والدعاء، ~~والاستغاثة، والذبح، والنذر، والركوع، والسجود، وغير ذلك. # وقد ضل الخرافيون وغلاة القبوريين في هذا الباب، فاتخذوا من الأولياء ~~والصالحين أندادا يحبونهم كحب الله، وتوجهوا إليهم بكثير من ألوان العبادات ~~كالدعاء، والاستغاثة، والذبح، والنذر، ونحوه، وسرى هذا الباطل في الأمة ~~مسرى النار في الهشيم، وكانت فتنة عامة علا فيها صوت الباطل والبدعة، وكاد ~~أن يخرس معها إلى الأبد صوت الحق والسنة. # ولكن الله عز وجل قد قيض لهذا الدين من يحمل أمانته، ويعلي كلمته، وينفي ~~عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين، وانتحال الجاهلين، فانبعث المجددون من دعاة PageV01P027 ~~التوحيد الخالص يبلغون رسالات الله ويخشونه، ولا يخشون أحدا إلا الله، ~~ويوطئون للحق مهادا في أرض الله، ويقومون بحجة الله على عباد الله. # ولم تكن معركة التوحيد يومئذ قاصرة على مواجهة ضلال القبوريين في باب ~~النسك، بل تعدت ذلك إلى مواجهة شرك الطواغيت في العدول عن شريعة الله، وشرك ~~المنهزمين وصنائع المستشرقين ممن هان عليهم دينهم وأمتهم فراحوا يتخذون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ويوادون من حاد الله ورسوله!. # وسوف نتناول في هذا الفصل بعض صور العبادة التي ضل فيها كثير من ~~القبوريين ومن دار في فلكهم فتوجهوا بها لغير الله، ثم نتناول بقية الجوانب ~~تباعا في المطالب التالية بإذن الله. # المطلب الأول # الدعاء والاستغاثة والاستعاذة # أولا: الدعاء # الدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة، ويراد به في القرآن هذا تارة ~~وهذا تارة وقد يراد به مجموعهما. # فدعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعي من جلب نفع أو كشف ضر، ولقد أنكر ~~القرآن على من يدعو أحدا من دون الله ممن لا يملك ذلك. # قال تعالى: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله ~~هو السميع العليم} [المائدة: 76]. PageV01P028 # وقال تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا ~~من الظالمين} [يونس: 106]. # وهذا الدعاء متضمن ms15 لدعاء العبادة؛ لأن السائل أخلص سؤاله لله، ورغب إليه ~~بخضوع وتذلل، وذلك من أفضل العبادات، ولهذا فقد سمته نصوص الكتاب والسنة ~~عبادة، فمن جحد ذلك فقد صادم النصوص واللغة واستعمال الأمة. # ففي حديث أنس مرفوعا: "الدعاء مخ العبادة" (¬1)، وقال تعالى: {وقال ربكم ~~ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ... جهنم داخرين} ~~[غافر: 60]، وقال تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له ~~إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون * وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء ~~وكانوا بعبادتهم كافرين} [الأحقاف: 5 - 6]. # دعاء العبادة: وهو سائر القربات من ذكر وتلاوة وصلاة ونسك، وسميت هذه ~~الأشياء دعاء؛ إما لأنها بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه لأن من شغلته ~~عبادة ربه عن دعائه، فإن الله عز وجل يعطيه أفضل ما يعطي السائلين، أو ~~باعتبار كون الذاكر والتالي والمصلي والمتقرب بالنسك طالبا في المعنى، وقد ~~شرع الله في الصلاة من دعاء المسألة ما لا تصح الصلاة إلا به كما في ~~الفاتحة وبين السجدتين والتشهد وذلك عبادة كالركوع والسجود. PageV01P029 # وهكذا فإن دعاء العبادة يستلزم دعاء المسألة، ودعاء المسألة يتضمن دعاء ~~العبادة، وليس استعمال لفظ الدعاء في الدلالة على هذين المعنيين من قبل ~~استخدام اللفظ في حقيقته ومجازه، بل هو استعمال في حقيقته الواحدة المتضمنة ~~للأمرين جميعا. # ثانيا: الاستغاثة # أما الاستغاثة فهي طلب الغوث وهو إزالة الشدة، والفرق بينها وبين الدعاء ~~أنها لا تكون إلا من المكروب بخلاف الدعاء فإنه أعم من ذلك، فعطف الدعاء ~~على الاستغاثة من عطف العام على الخاص، فكل استغاثة دعاء وليس كل دعاء ~~استغاثة. # وقد أمرنا الله عز وجل بدعائه وحده، وحذرنا من أن ندعو معه أو من دونه ~~آلهة أخرى، وقد استفاض هذا المعنى في القرآن الكريم والسنة المطهرة. # قال تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} [الجن: 18]، وقال ~~تعالى: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون ~~جهنم داخرين} [غافر: 60]، وقال تعالى: {فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من ms16 ~~المعذبين} [الشعراء: 213]، وقال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب ~~المعتدين} [الأعراف: 55]، وقال تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف ~~السوء ويجعلكم خلفاء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون} [النمل: 62]، ~~وقال تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما ~~يملكون من قطمير * إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ~~ويوم القيامة يكفرون PageV01P030 ~~بشرككم ولا ينبئك مثل خبير} [فاطر: 13 - 14]، وقال تعالى: {إن الذين تدعون ~~من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم ... صادقين} ~~[الأعراف: 194]، وقال صلى الله عليه وسلم: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله" (¬1). # أما الاستغاثة فلا تطلب من المخلوق إلا فيما يقدر عليه كقوله تعالى: ~~{فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه} [القصص: 15]. أما ما لا يقدر ~~عليه إلا الله فلا يطلب إلا من الله. # فمن توجه إلى غير الله بدعاء أو استغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد ~~أشرك بالله العظيم؛ لأنه صرف حق الربوبية عمن يستحقه، وتوجه به لمن لا ~~يستحقه، وضابط ذلك أن كل أمر شرعه الله لعباده وأمرهم به ففعله لله عبادة، ~~وصرفه لغير الله إشراك بالله. # مراتب الأدعية البدعية # ومما يجدر التنبيه عليه أن الأدعية البدعية على ثلاث مراتب: # الأولى: أن يدعو غير الله وهو ميت أو غائب، سواء كان من الأنبياء ~~والصالحين أو غيرهم، ويطلب منهم قضاء الحوائج أو كشف الكروب، فهذا هو الشرك ~~بالله، فطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم هو أصل شرك ~~العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فضلا PageV01P031 ~~عمن استغاث به، كذلك الغائب فإنه ليس له من الأمر من شيء، وإنما الأمر كله ~~لله، فاستغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق. # ومن أمثلة ذلك قول بعض الضلال والجهال: يا سيدي فلان أغثني أو انصرني على ~~عدوي، وأقبح منه من يناديه فيقول:» أغفر ms17 لي وتب علي «، ولقد سمعنا عن بعض ~~البلاد إنه إذا هطل المطر بشدة هتف القبوريون:» يا سيدي عبد القادر الطف ~~بعبادك «، فكل هذا شرك وضلال يستتاب منه صاحبه فإن تاب وإلا قتل. # الثانية: طلب الدعاء من الميت أو الغائب من الأنبياء والصالحين. كأن ~~يقول:» ادع الله لي، أو اسأل الله لنا كما تقول النصارى لمريم وغيرها «، ~~وهذا من البدع التي لم يفعلها أحد من سلف الأمة، ولا يستريب عالم من حرمة ~~ذلك وعدم جوازه. # ذلك أنه إذا كان لا يشرع للمسلم أن يقصد الصلاة إلى القبور، ولا أن يقصد ~~القبور عند الدعاء لله تعالى، فلأن يسأل الميت نفسه أولى بعدم الجواز. # فعلم أنه لا يجوز أن يسأل الميت شيئا، لا يطلب منه أن يدعو الله له ولا ~~غير ذلك، ولا يجوز أن يشتكي إليه شيء من مصائب الدنيا والدين، ولو جاز أن ~~يشكي إليه ذلك في حياته، فإن ذلك في حياته لا يفضي إلى الشرك وهذا يفضي إلى ~~الشرك، ولا يلزم من جواز الشيء في حياته جوازه بعد موته، فهذا بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم تحرم الصلاة فيه أو اتخاذه مسجدا بعد أن دفن فيه ~~بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، أما قبل ذلك فهذا كله جائز ومشروع. PageV01P032 # وقد كان أصحابه صلى الله عليه وسلم يبتلون بأنواع من البلاء بعد موته، ~~فتارة بالجدب وتارة بنقص الرزق، وتارة بالخوف وقوة العدو، وتارة بالذنوب ~~والمعاصي، ولم يكن أحد منهم يأتي إلى قبره صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره ~~من الأنبياء فيشتكي إليه ذلك، أو يسأله الدعاء برفع هذا البلاء، بل هذا وما ~~يشبهه من البدع المحدثة، فهو مما علم بالاضطرار من دين الإسلام، وبالنقل ~~المتواتر، وبإجماع المسلمين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرعه لأمته. # الثالثة: التوسل إلى الله بذاته أو بجاهه، وهو من البدع المحدثة، أما قول ~~عمر بن الخطاب: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا ~~نتوسل إليك بعم نبينا". فهو توسل ms18 بدعائه وشفاعته، وليس توسلا بذاته أو ~~بجاهه، إذ لو كان هذا مشروعا لم يعدل عمر والمهاجرون والأنصار عن السؤال ~~بالرسول إلى السؤال بالعباس، فلفظ التوسل في عرف الصحابة ولغتهم هو التوسل ~~والتوجه بدعائه وشفاعته، ومما هو جدير بالذكر أن خلافا قد وقع في هذا ~~التوسل، فأجازه أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين، والعز بن عبد السلام، ~~والشوكاني، ولكن جمهور أهل العلم على رده. # الخلط بين التوسل والاستغاثة تلبيس ومكابرة # وقد خلط بعض الناس بين التوسل والاستغاثة، فزعموا أن الاستغاثة بمعنى ~~التوسل، وأن قول القائل في دعائه: استغيث برسولك عندك، كقوله: أتوسل إليك ~~برسولك، وأن هذا كله يعد استغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في لغة العرب PageV01P033 ~~وجميع الأمم، وإذا كانت الاستغاثة كالتوسل فالأمر فيها قريب، وفي المنع ~~منها خلاف!. # وهذا تلبيس واضح، فلم يقل أحد أن التوسل بالنبي أو بالصالح هو استغاثة ~~به، فالمستغيث بالنبي أو بالولي طالب منه وسائل له، أما المتوسل بهما فإنه ~~لا يدعوهما ولا يطلب منهما وإنما يطلب بهما، وفرق بين المدعو والمدعو به، ~~وعلى هذا فقول القائل: إن من توسل إلى الله بنبي فقد استغاث بذلك النبي ~~حقيقة في لغة العرب وجميع الأمم كذب وبهتان، فما يعرف هذا في لغة أحد من ~~بني آدم إلا على سبيل التجوز، ولكن الجميع يعلمون أن المستغاث مسئول مدعو، ~~ويفرقون بين المسئول والمسئول به. # فإذا ثبت عن معين أنه قصد باستغاثته بالنبي صلى الله عليه وسلم أو الولي ~~مجرد التوسل بهما إلى الله عز وجل، كما قد يقع ذلك أحيانا من العامة فلابد ~~أن يبين له الفرق بينهما، ولا يصار إلى تكفيره بمجرد ذلك لتخلف قصده إلى ~~الشرك، وغاية القول فيه وفي أضرابه أنه من جهال أهل البدع وعوامهم، وأنه ~~يجب أن تقام عليه الحجة الرسالية التي ترفع الجهالة وتزيل الالتباس. # ثالثا: الاستعاذة # الاستعاذة: هي الالتجاء والاعتصام، فالعائذ بالله قد التجأ إلى الله ~~والتصق بجنابه، واعتصم به من شر كل ذي شر، والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ ~~لطلب الخير. ms19 PageV01P034 # والاستعاذة بالله من العبادات التي أمر الله بها عباده، قال تعالى: {وإما ~~ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم} [فصلت: 36]، ~~وقال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} [النحل: ~~98]، وقال تعالى: {قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق} [الفلق: 1 - 2]. # وعلى هذا فمن استعاذ بغير الله فقد أشرك في عبادة ربه، ونازعه في الهيبة؛ ~~لأن كل ما كان عبادة لله كان صرفه لغير الله شركا في العبادة. # وقد نص الأئمة كأحمد وغيره أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق، وكان هذا مما ~~استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق. لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم ~~والتعاويذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك، قال تعالى: {وأنه ~~كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} [الجن: 6]. # وقد كان الرجل من العرب إذا نزل واديا مقفرا للمبيت فيه وخاف على نفسه، ~~قال: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، يريد كبير الجن، فتعاظم الجن في ~~أنفسهم لما رأوا من استعاذة الإنس بهم، وزادوهم رهقا أي خوفا وإرهابا وذعرا ~~حتى تشتد مخافتهم منهم ويكثر تعوذهم بهم. PageV01P035 # المطلب الثاني # الخوف والمحبة # أولا: الخوف # الخوف من الله من أفضل مقامات الدين وأجلها، وهو عبودية القلب فلا يصلح ~~إلا لله تعالى، قال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم ~~وخافون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 175]، وقال تعالى: {فلا تخشوا الناس ~~واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا} [المائدة: 44]، وقال تعالى: {وقال ~~الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون} [النحل: 51]. # وينقسم الخوف إلى ثلاثة أقسام: # 1 - خوف السر أو الخشية بالغيب: # وهذا عبودية القلب، بل هو أجمع أنواع العبادة، فيجب اخلاصه لله تعالى، ~~فإذا صرف لغير الله تعالى فذلك هو الشرك، كمن يخاف من غير الله من وثن أو ~~طاغوت أن يصيبه بما يكره، كما قال تعالى عن قوم هود عليه ms20 السلام أنهم قالوا ~~له: {إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني ~~بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون} [هود: 54 - 55]. # وكما يقع من القبوريين حيث يخشون من أوليائهم كخشية الله أو أشد خشية، ~~ويخوفون بهم أهل التوحيد إن هم أنكروا عليهم ما هم فيه من شرك وضلال. PageV01P036 # 2 - ترك بعض الواجبات خوفا من الناس: # وهذا محرم، وهو نوع من الشرك بالله المنافي لكمال التوحيد، قال تعالى: ~~{إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم ... مؤمنين} ~~[آل عمران: 175]. # فهو يخوف المؤمنين بجنده لئلا يجاهدوهم ولا يأمروهم بمعروف ولا ينهوهم عن ~~منكر، وقد نهى الله عن هذا الخوف، فكلما قوي إيمان العبد زال خوف أولياء ~~الشيطان من قلبه، وكلما ضعف إيمانه قوي خوفه منهم، فدلت الآية على أن إخلاص ~~الخوف من كمال شروط الإيمان. # 3 - الخوف الطبيعي: # وهو الخوف من سبع أو عدو أو غير ذلك، وهذا لا يذم، قال تعالى: {فخرج منها ~~خائفا يترقب} [القصص: 21]، وقال تعالى: {فأوجس في نفسه خيفة ... موسى} [طه: ~~67]، وهذا أمر جبلي يتفاوت الناس فيه، ولكنه ليس من باب الشرك في شيء، وقد ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم: "أيكون المؤمن جبانا؟ "، قال: "نعم" (¬1). # ثانيا: المحبة # العبادة هي كمال المحبة وكمال الخضوع، فمحبته عز وجل بتأله وذلة هي أصل ~~دين الإسلام، الذي يدور عليه قطب رحاه، وهذه تستلزم الخوف والتعظيم ~~والإجلال، وهي على هذا النحو لا تصلح إلا لله تعالى، فمن أحب من دونه شيئا كما PageV01P037 ~~يحب الله تعالى فهو ممن اتخذ من دونه أندادا، قال تعالى: {ومن الناس من ~~يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله} ~~[البقرة: 165]. # فهذا ند في المحبة لا في الخلق والربوبية، فإن أحدا من أهل الأرض لم يثبت ~~هذا الند بخلاف ند المحبة، فإن أكثر أهل الأرض قد اتخذوا من دون الله ~~أندادا في الحب والتعظيم، والمقصود أن محبتهم لأندادهم من جنس محبة ~~المؤمنين لربهم، ms21 فهي محبة ممتزجة بالذل والتعظيم والتقديس، فتحملهم على ~~عبادتهم بالدعاء وغيره من أنواع العبادة، وهذه المحبة الشركية وهي المحبة ~~مع الله تختلف عن المحبة في الله. # فالمحبة في الله: ليس فيها شيء من شوائب الشرك، كالاعتماد عليه ورجائه في ~~حصول مرغوب أو دفع مرهوب، وهي واجبة تابعة لمحبة الله ولازمة لها، وهي ~~تزداد بزيادة محبة الله في قلب المؤمن وتنقص بنقصها، فكل من كان محبا لله ~~فإنما يحب في الله ولأجله عباده الصالحين وعلى رأسهم سيد المرسلين، كما يحب ~~الإيمان والأعمال الصالحات ويكره الفواحش والمنكرات، وهذه المحبة من كمال ~~التوحيد. # أما المحبة مع الله: فهي المحبة الشركية لما فيها من التأله لغير الله، ~~والتعلق به، والرغبة إليه من دون الله، وهي التي عناها الله عز وجل بقوله: ~~{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله} [البقرة: 165]، ~~وإنما كانت شركا لما يتعلق في قلوب أصحابها من التأله الذي لا يكون إلا ~~لله، فهي تتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في ~~النار: {تالله إن كنا لفي ضلال ... مبين * إذ نسويكم برب العالمين} ~~[الشعراء: 97 - 98]، مع إقرارهم بأن آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحي ولا ~~تميت، وإنما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة. PageV01P038 # وهذا هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلهم يحبون معبوداتهم ويعظمونها ~~ويوالونها من دون الله، بل إن أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ~~ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص ~~معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد من رب ~~العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب الليث ~~الحرب، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها ~~بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تتنكر له قلوبهم، بل ترى أحدهم يتخذ من ذكر ~~إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه دينا له إن قام وإن قعد وإن عثر وإن ~~مرض وإن استوحش، فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب ms22 على قلبه ولسانه، ~~وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنه من باب حاجته إلى الله، شفيعه عنده، ووسيلته ~~إليه، وهكذا كان عباد الأصنام سواء بسواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، ~~وتوارثه المشركون من بعدهم بحسب اختلاف آلهتهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # أما ما كان من جنس المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه ~~كمحبة المال والولد ونحوه فهي ليست من هذه الأبوب، وإنما تدخل في نطاق ~~المباحات ما لم تستلزم ترك واجب أو جرأة على معصية. PageV01P039 # المطلب الثالث # النذر والذبح # أولا: النذر # الوفاء بالنذر باب من أبواب القربات، وقد مدح الله من فعل ذلك طاعة له ~~وقياما بما تقرب به إليه، قال تعالى: {يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا} [الإنسان: 7]، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالوفاء ~~بالنذر إذا كان نذر طاعة، وعلى ذلك أجمع العلماء إلا ما حكي عن أبي حنيفة ~~أنه لا يلزم الوفاء إلا بما كان جنسه واجبا بأصل الشرع كالصوم، وأما ما ليس ~~كذلك كالاعتكاف فلا يجب عليه الوفاء به، قال صلى الله عليه وسلم: "من نذر ~~أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" (رواه البخاري في ~~الصحيح). # ولما كان النذر عبادة لأنه يجب الوفاء به إذا نذره لله، فإن النذر لغير ~~الله - كهذه النذور الواقعة من القبوريين تقربا بها للأولياء لقضاء حوائجهم ~~والشفاعة لهم - شرك في العبادة بلا ريب، وهو نذر معصية باتفاق المسلمين، ~~ولا يجب الوفاء به لأنه بمنزلة الحلف بالمخلوقات، والحلف بالمخلوقات والنذر ~~لها كلاهما شرك، والشرك ليس له حرمة فلا يجب الوفاء بشيء من ذلك. # أما الناذر لله فقد علق رغبته به وحده، لعلمه بأن ما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن، ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع، ولهذا ترتب عليه وجوب ~~الوفاء فيما نذر طاعة لله، بخلاف الذي نذر لغيره تعالى، فقد علق رغبته ~~بغيره عز وجل، ووزع PageV01P040 ~~قصده بين الله وبين شركائه الذين زعمهم، ومن ms23 هنا كان الشرك لالتفاته إلى ~~غيره تعالى فيما يرغب فيه أو يرهب، فالعبادة إذا صرفت لغير الله صار ذلك ~~شركا بالله. # والنذر لغير الله باطل من وجوه كثيرة منها: # - أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق لا يجوز. # - ومنها أنه عبادة والعبادة لا تكون لمخلوق. # - ومنها أن المنذور له ميت، والميت لا يملك. # - ومنها أنه ظن أن الميت يتصرف في الأمور، وأن له تأثيرا حقيقيا في قضاء ~~حاجته وإلا لما نذر له، واعتقاد ذلك كفر. # - ومنها أنه يخاف بطش الميت ونقمته إذا لم يوف بنذره، فهو إذن قد اعتقد ~~قدرته على النفع في البداية، وقدرته على الإضرار - عند عدم الوفاء - في ~~النهاية، والشرك في ذلك ظاهر. # ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام ما شاع على ألسنة العوام من باب ~~النذر للأولياء من قولهم:» النذر لله والثواب للشيخ «، يتعللون بذلك في دفع ~~وصمة الشرك عن هذه النذور. # والذي لا شك فيه أن الشريعة قد أجازت أن يتصدق الرجل عن غيره، ففي دعاء ~~الأحياء وصدقتهم منفعة للأموات، ولكن واقع هؤلاء، يبطل هذا التعلق، فهي ~~ليست صدقة بريئة مجردة عن الدوافع البدعية التي تقدح في توحيد الألوهية ~~وإفراد الله بالعبادة. PageV01P041 # فالقوم يقدمون هذه الصدقة بين يدي أمر ألم بهم يريدون وساطة الولي في دفعه، ~~وهم يخشون إن نكثوا في نذرهم أن تحل عليهم نقمة هذا الولي وسخطه. # وهذا هو نفس المعنى الذي وجد في النذور الشركية الأولى التي كانت للأصنام ~~في أيام الجاهلية. نعم، لابد أن يؤخذ هذا التأول في الاعتبار عند إجراء ~~الحكم على معين منهم، فتزال شبهه أولا وتقام عليه الحجة الرسالية التي يكفر ~~معاندها، شريطة أن يقوم بذلك من تقوم بمثله الحجة، وينقطع ببلاغة العذر. # ثانيا: الذبح # الذبح شعيرة من الشعائر وعبادة من العبادات، قال تعالى: {فصل لربك وانحر} ~~[الكوثر: 2]، فقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين هاتين ~~العبادتين وهما الصلاة والنسك، فإنهما أجل ما يتقرب به إليه عز وجل، ~~فالصلاة أجل العبادات البدنية، والنحر أجل العبادات ms24 المالية، ولهذا كان صلى ~~الله عليه وسلم كثير الصلاة كثير النحر، وقال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ~~ومحياي ومماتي لله رب العالمين} [الأنعام: 162]، فقد أمر الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم أن يخبر المشركين الذين يعبدون غير الله ويذبحون له بأنه ~~أخلص لله صلاته ونسكه ومحياه ومماته، والنسك: الذبيحة لله تعالى ابتغاء ~~وجهه، فقد كان المشركون يعبدون الأصنام ويذبحون لها فأمره الله تعالى ~~بمخالفتهم، والتوجه إلى الله بأعماله كلها. # وعلى هذا فمن ذبح لغير الله فقد جعل لله شريكا في العبادة، بخلاف من ذبح ~~لله عز وجل تصدقا عن ميت فلا خلاف على جواز ذلك إذا لم يقترن به اعتقاد ~~فاسد، وفي الذبح صور عديدة نوجزها فيما يلي: # - # -? PageV01P042 ~~- أن يذبح لغير الله تقربا إليه، وتعظيما له، وهذا باب من أبواب الردة يخرج ~~به صاحبه عن الإسلام. # - أن يهل على ذبيحته بغير اسم الله، أي أن يذكر عليها اسما غير اسمه ~~تعالى من غير أن يقصد بها التقرب لأحد، كأن يذبحها للحم مثلا فلا شك في ~~حرمة هذه الصورة، بل وقد تلتحق بالصورة الأولى باعتبارها استغاثة بغير الله. # - أن يذبح تقربا إلى الله عز وجل، ذاكرا اسمه عليها، على أن يكون صدقة عن ~~ميت من الأموات برا به ووفاء له وترحما عليه، فإن هذه الصورة إذا لم يشبها ~~اعتقاد فاسد في هذا الميت فلا شك في حلها، بل والتحاقها بأبواب القربات. # - أن يذبح لمحض التقرب إلى الله عز وجل، كالأضحية والهدي وغيره، فذلك لا ~~شك في مشروعيته واعتباره من أجل العبادات. # - أن يذبح للحم بعد ذكر اسم الله تعالى فذلك يلتحق بالمباحات، فإذا ترك ~~التسمية عمدا أو سهوا فالأمر محل خلاف فقهي يرجع فيه إلى كتب الفروع. # قال النووي:» وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح لغير اسم الله كمن ~~يذبح للصنم أو للصليب أو لعيسى أو للكعبة ونحو ذلك، فكل هذا حرام ولا تحل ~~هذه الذبيحة سواء كان هذا الذابح مسلما أو نصرانيا أو يهوديا، نص عليه ~~الشافعي واتفق ms25 PageV01P043 ~~عليه أصحابنا، فإن قصد مع ذلك تعظيم المذبوح له غير الله والعبادة له كان ~~ذلك كفرا، فإن كان الذابح مسلما قبل ذلك صار بالذبح مرتدا «. # وقال ابن تيمية:» وما أهل به لغير الله: ظاهره أنه ما ذبح لغير الله مثل ~~أن يقول: هذه ذبيحة لكذا، وإذا كان هذا هو المقصود فسواء لفظ به أو لم ~~يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه باسم المسيح أو ~~نحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى وأعظم مما ذبحناه ~~للحم وقلنا عليه: بسم الله، فإذا حرم ما قيل فيه اسم المسيح أو الزهرة فلأن ~~يحرم ما قيل فيه لأجل المسيح أو الزهرة أو قصد به ذلك أولى، فإن العبادة ~~لغير الله أعظم كفرا من الاستعانة بغير الله «. # وعلى هذا فلو ذبح لغير الله متقربا إليه يحرم وإن قال فيه باسم الله كما ~~قد يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة الذين يتقربون إلى الكواكب بالذبح ~~والبخور ونحو ذلك، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع ~~في الذبيحة مانعان: # الأول: أنها مما أهل ... به لغير الله. # الثاني: أنها ذبيحة مرتد. # ومن هذا الباب: ما يفعله الجاهلون بمكة من الذبح للجن، ولهذا روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الذبح للجن (¬1). PageV01P044 # المطلب الرابع # السحر والتنجيم والرقي والتمائم # أولا: السحر # السحر في اللغة: عبارة عما لطف وخفي سببه، ولذلك قيل للرئة السحر لخفائها ~~ولطف مجاريها إلى أجزاء البدن. # وفي الاصطلاح: عزائم ورقي وعقد تؤثر في القلوب والأبدان، فتمرض وتقتل ~~وتفرق بين المرء وزوجه. # وقد أنكر المعتزلة وجود السحر، وربما كفروا من اعتقد وجوده، فلم يثبتوا ~~له حقيقة بل قالوا إنه تمويه وتخييل، وأما عند أهل السنة فالسحر حق وله ~~حقيقة يخلق الله عنده ما يشاء، فلا يرجع تأثيره إلى الفلك أو النجوم، وإنما ~~يخلق الله الأشياء عندما يقول الساحر ما لديه من رقي وتعازيم. # ومما استدل له أهل السنة على وقوع السحر وأنه بخلق ms26 الله عز وجل: قوله ~~تعالى: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من ~~أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102]، وقوله تعالى: {ومن شر النفاثات في ~~العقد} [الفلق: 4]، يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن، ~~ولولا أن للسحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. # وما رواه البخاري، عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر حتى أنه ~~ليخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها ذات يوم: "أتاني ملكان PageV01P045 ~~فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال: وما وجع الرجل؟، قال: مطبوب، ~~قال: ومن طبه؟، قال: لبيد بن الأعصم في مشط ومشاطة وفي جف طلعه ذكر في ... ~~بئر ذروان" (متفق عليه)، والسحر محرم بالإجماع ليس في دين الإسلام فحسب، بل ~~في دين الرسل جميعا، قال تعالى: {ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة ~~... من خلاق} [البقرة: 102]، أي ولقد علم اليهود الذين استعاضوا عن متابعة ~~الرسول بالسحر لمن فعل فعلهم ذلك أنه ما له في الآخرة من نصيب، وقال تعالى: ~~{ولا يفلح الساحر حيث أتى} [طه: 69]، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات"، وعد منها الشرك ~~بالله والسحر. # حكم الساحر # اختلف العلماء في حكم الساحر: فذهب طائفة من السلف إلى القول بأنه كافل، ~~وبه قال مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، وقال الشافعي رحمه الله:» إذا تعلم السحر ~~قلنا له صف لنا سحرك، فإن وصف ما يوجب الكفر، مثل ما اعتقده أهل بابل من ~~التقرب إلى الكواكب السبعة، أو أنها تفعل ما يلتمس منها فهو كافر، وإن كان ~~لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر «. # وفصل بعض أصحاب أبي حنيفة بين من يتعلم السحر ليتقيه أو ليتجنبه فهذا لا ~~يكفر، وبين من يتعلمه معتقدا جوازه أو أنه ينفعه، أو أن الشياطين تفعل له ~~ما يشاء فهو كافر. PageV01P046 # ولا شك أن السحر أنواع عديدة: فمنه ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من ~~التقرب إليهم بما ms27 يسخط الله عز وجل، وذلك ككتابة كلام الله بالنجاسة من دم ~~وغيره، أو يقلبون حروف كلامه عز وجل أو غير ذلك مما هو من جنس الكفر أو ~~الشرك، هذا فضلا عن تعظيمهم والاستغاثة بهم والتذلل لهم، فإذا تقرب صاحب ~~العزائم والأقسام وكتب الروحانيات السحرية وأمثال ذلك إليهم بما يحبونه من ~~الكفر والشرك صار ذلك كالرشوة لهم فيقضون بعض أغراضه، كمن يعطي غيره مالا ~~ليقتل له من يريد قتله أو يعينه على فاحشة أو ينال معه فاحشة، فربما غوروا ~~له ماء من المياه، أو حملوه في الهواء إلى بعض الأمكنة، أو جاءوه بمال من ~~أموال بعض الناس، كما تسرقه الشياطين من أموال بعض الخائنين ومن لم يذكر ~~اسم الله عليه وتأتي به، أو غير ذلك. # ومنه ما هو من جنس عبادة الفلك والنجوم والكواكب، وذلك كسحر من كانوا ~~يعبدون الكواكب السبعة المتحيرة وهي السيارة، وكانوا يعتقدون أنها مدبرة ~~للعالم وأنها تأتي بالخير والشر فيخاطبونها ويتستنزلون روحانياتها بزعمهم، ~~وقد يجمع بعضهم بين الأمرين: الاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون ~~ذلك أقوى بزعمهم. # فحقيقة السحر تعلق بغير الله استعانة ولياذا وتضرعا وتقربا وقصدا، فهو ~~إما من جنس عبادة الشياطين أو من جنس عبادة الكواكب، وكلاهما إشراك بالله ~~وكفر به، ولا أظن خلافا وقع في هذا القدر. PageV01P047 # أما إذا أطلق السحر على نحو النميمة أو الشعوذة وخفة اليد، أو الاستعانة ~~بخواص الأدوية في الأطعمة والدهانات أو الحيل ونحوه، فلا يدخل شيء من هذا ~~في باب الكفر والشرك وإنما يلتحق بالفجور والمعاصي لما يتضمنه من زور وكذب وخداع. # ثانيا: النشرة # النشرة: ضرب من العلاج والرقية، يعالج به من يظن أن به مسا من الجن، فهو ~~حل السحر عن المسحور. # وسميت نشرة لأنه ينشر عنه بها ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال. # وهي نوعان: # الأول: النشرة بالرقية والتعوذات والأدوية والدعوات المباحة، وهذه جائزة ~~باتفاق. # الثاني: النشرة بالسحر وفيها وقع الخلاف. # فذهبت طائفة إلى جوازها، منهم سعيد بن المسيب، والشعبي، وغيرهم. # فقد روى البخاري عن قتادة:» قلت ms28 لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن ~~امرأته أيحل عنه أو ينشر؟، قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ~~ما ينفع فلم ينه عنه «، وقال الشعبي:» لا بأس بالنشرة «. # وقد سئل أحمد عمن يطلق السحر عن المسحور، فقال:» لا بأس به «، وإن كان ~~قوله هذا يمكن أن يحمل على النشرة بالأدعية والأدوية المباحة. PageV01P048 # ومنع آخرون كابن مسعود، وجابر، وأحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن القيم، ~~وغيرهم. # فعن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن النشرة؟ فقال: "هي من ~~عمل الشيطان" (¬1)، وقد سئل عنها أحمد بن حنبل، فقال:» ابن مسعود يكره هذا ~~كله «، وقال ابن القيم:» النشرة حل السحر عن المسحور، وهي نوعان: أحدهما: ~~حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن: فيتقرب ~~الناشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله من المسحور، والذي أراه أن هذه ~~النشرة هي من جنس السحر، فالقول فيها هو القول في السحر، وفي الاستشفاء بما ~~شرعه الله ورسوله ما يغني عن الشرك وأهله «. # ذلك أن عامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك، ولو لم يكن فيه من ذلك إلا ~~دعاء الجن وتعظيمهم والاستعانة بهم والتقرب إليهم لكفى. # والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التداوي بالمحرمات كالميتة والخنزير، ~~فلايتنازعون في أن الكفر والشرك لا يجوز التداوي به بحال، لأن ذلك محرم في ~~كل حال. # ولا وجه للاعتذار بالإكراه والضرورة في مثل هذه الحالة، وذلك لأن في الحق ~~ما يغني عن الباطل، وفيما شرعه الله ورسوله من الأدعية والأذكار كفاية وفلاح. PageV01P049 # ومن ناحية أخرى فإن التكلم بهذه العزائم الشركية يختلف عن التكلم بكلمة ~~الكفر عند الإكراه، فالإكراه يصلح عذرا إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان، ~~ولكن التكلم بهذه العزائم لا يؤثر إلا إذا كان عن يقين واطمئنان، ولا أثر ~~لها إذا كان القلب مطمئنا بالإيمان، والشيطان إذا عرف أن صاحبه مستخف ~~بالعزائم لم يساعده ولم يستجب له. # والحاصل: أن ما كان من النشرة بسحر فهو حرام، وأما ما كان بالقرآن ms29 ~~والدعوات والأدوية المباحة فهو جائز بلا خلاف، والله أعلم. # ثالثا: التنجيم # التنجيم: هو الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وهو قسمان: ~~جائز، ومحرم. # فأما الجائز: فهو ما كان من جنس الحساب، ويدرك بطريق المشاهدة والخبر، ~~كمعرفة حركات النجوم، والكواكب وتنقلاتها ومنازلها، وذلك للتعرف على نحو ~~الكسوف والخسوف والزوال وجهة القبلة، وما شابه ذلك، فهو ونحوه ليس من باب ~~علم الغيب في شيء، وإنما هو من جنس علم الحساب الذي علمه الله عباده. # وقد اخترع أهل هذه الصناعة لمعرفة ذلك منظارات مقربة وآلات حاسبة، ومراصد ~~كاملة الأسباب والآلات، وتعرفوا من خلال ذلك على كثير من العوالم العلوية ~~حتى أصبحت كأنها على الأرض. PageV01P050 # ولا شك أن ما كان من هذا القبيل فلا يصح أن يختلف فيه مطلقا، لأنه مما يعرف ~~بالحساب كما سبق، وهو مما أجرى الله به العادة فلا يحرم أبدا، فكان الإخبار ~~عنه بمنزلة الإخبار بأن الهلال يطلع إما ليلة الثلاثين أو الليلة التي ~~بعدها، أو أن الشمس تغرب آخر النهار وأمثال ذلك، قال تعالى: {الشمس والقمر ~~... بحسبان} [الرحمن: 5]، وقال تعالى: {الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا ~~وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} [يونس: 5]، قال الخطابي:» أما علم ~~النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم به ~~جهة القبلة فهو غير داخل فيما نهى الله عنه «. # وقال ابن رجب:» والمأذون في تعلمه علم التسيير لا علم التأثير فإنه باطل ~~محرم قليله وكثيره، وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج منه للاهتداء، ومعرفة ~~القبلة والطرق جائز عند الجمهور، وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله عما هو ~~أهم منه «. # وقال ابن تيمية:» لا ريب أن النجوم نوعان: حساب وأحكام، فأما الحساب فهو ~~معرفة أقدار الأفلاك والكواكب وصفاتها ومقادير حركاتها وما يتبع ذلك، فهذا ~~في الأصل علم صحيح لا ريب فيه كمعرفة الأرض وصفتها نحو ذلك، ولكن جمهور ~~التدقيق منه كثير التعب قليل الفائدة «(¬1). # وقال أيضا وهو بصدد حديثه عن الكسوف والخسوف:» وما أخبر به النبي صلى ~~الله عليه ms30 وسلم لا ينافي لكون الكسوف له وقت محدد يكون فيه، حيث لا PageV01P051 ~~يكون كسوف الشمس إلا في آخر الشهر ليلة السرار، ولا يكون خسوف القمر إلا في ~~وسط الشهر وليالي الإدبار «. # ومن ادعى خلاف ذلك من المتفقهة أو العامة فلعدم علمه بالحساب، ولهذا يمكن ~~المعرفة بما مضى من الكسوف وما يستقبل، كما يمكن المعرفة بما مضى من الأهلة ~~وما يستقبل إذ كل ذلك بحساب، قال تعالى: {وجعل الليل سكنا والشمس والقمر ~~حسبانا} [الأنعام: 96]، وقال تعالى: {الشمس والقمر ... بحسبان} [الرحمن: 5] (¬1). # وأما المحرم فهو قسمان: # الأول: الاستدلال بحركات النجوم على الحوادث المستقبلة، وهو ما يدعيه أهل ~~التنجيم من الاستدلال على الحوادث بمسير الكواكب واجتماعها وافتراقها، وهذا ~~من جنس الاستقسام بالأزلام، فهو تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله ~~به، ولا شك في فساد هذه الصناعة وحرمتها. # وقد علم الخاصة والعامة بالتجربة والتواتر أن الأحكام التي يحكم بها ~~المنجمون يكون الكذب فيها أضعاف الصدق، فصدقهم كصدق الكهان، يصدقون في كلمة ~~ويكذبون في مائة، وذلك أن مبنى علمهم أن الحركات العلوية هي السبب في ~~الحوادث، والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب، وهذا إنما يكون إذا علم السبب ~~التام الذي لا يختلف عنه حكمه، وهؤلاء - إن علموا - لا يعلمون إلا جزءا PageV01P052 ~~يسيرا من جملة الأسباب الكثيرة، ولا يعلمون بقية الأسباب ولا الشروط ولا ~~الموانع، وذلك مثل من يعلم أن الشمس في الصيف تعلو الرأس حتى يشتد الحر ~~فيريد أن يعلم من هذا مثلا أن العنب الذي بأرض كذا يصير زبيبا، وهذا وإن ~~كان يقع أحيانا ولكن أخذه من مجرد حرارة الشمس جهل عظيم، إذا قد يكون هناك ~~عنب وقد لا يكون، وقد يثمر شجره أو لا يثمر، وقد يؤكل عنها وقد يعصر وقد ~~يسرق وكل ذلك وارد!. # وقد أراد المنجمون أن يمنعوا عليا كرم الله وجهه من السفر لقتال الخوارج ~~قائلين له:» إنك إن سافرت والقمر في العقرب هزم أصحابك «، فقال على:» بل ~~أسافر ثقة بالله، وتوكلا على الله «، فبورك له في سفره هذا، وكتب ms31 له فيه ~~النصر والغلبة. # قال الخطابي:» علم النجوم المنهي عنه هو ما يدعيه أهل التنجيم من علم ~~الكوائن والحوادث التي ستقع في مستقبل الزمان، كأوقات هبوب الرياح، ومجيء ~~المطر، وتغير الأسعار، وما في معناها من الأمور التي يزعمون أنها تدرك ~~معرفتها بمسير الكواكب في مجاريها واجتماعها وافتراقها يدعون أن لها تأثيرا ~~في السفليات، وهذا منهم تحكم على الغيب وتعاط لعلم قد استأثر الله به، ولا ~~يعلم الغيب سواه «. # وقال ابن تيمية:» والسحر محرم بالكتاب والسنة والإجماع، وذلك أن النجوم ~~التي من السحر نوعان: أحدهما: علمي، وهو الاستدلال بحركات النجوم على ~~الحوادث من جنس الاستقسام بالأزلام ... إلى أن قال: والدلالة الدالة على ~~فساد هذه الصناعة وتحريمها كثيرة وليس هذا موضعها، وقد ثبت في صحيح مسلم عن PageV01P053 ~~النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له ~~صلاة أربعين يوما"، والعراف قد قيل إنه اسم عام للكاهن والمنجم والرمال ~~ونحوهم ممن يتكلم في تقدم المعرفة بهذه الطرق، ولو قيل: إنه في اللغة اسم ~~لبعض هذه الأنواع؛ فسائرها يدخل فيه بطريق العموم المعنوي، كما قيل في اسم ~~الخمر والميسر ونحوهما «. # الثاني: القول بتأثير الكواكب في الأمور، وأن الحوادث مركبة على تأثيرها، ~~ولا شك أن هذا كفر بإجماع المسلمين، فإذا انضم إلى ذلك دعاؤها والاستعانة ~~بها فقد بلغ الكفر غايته ومنتهاه (¬1). # قال قتادة:» إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، ~~وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك؛ فقد قال ~~برأيه، وأخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به، وإن ناسا جهلة بأمر ~~الله قد أحدثوا في هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ~~ومن سافر بنجم كذا وكذا كان كذا وكذا، ولعمري ما من نجم إلا ويولد به ~~الأحمر والأسود والطويل والقصير والحسن والدميم، وما علم هذه النجوم وهذه ~~الدابة وهذا الطائر بشيء من هذا الغيب، ولو أن أحدا أعلم الغيب لعلمه آدم ~~الذي خلقه بيده، ms32 وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء «(¬2). PageV01P054 # وقال ابن تيمية:» واعتقاد المعتقد أن نجما من النجوم السبعة هو المتولي ~~لسعده ونحسه اعتقاد فاسد، وإن اعتقد أنه هو المدبر له فهو كافر، وكذلك إذا ~~انظم إلى ذلك دعاؤه والاستعانة به كان كفرا وشركا محضا «(¬1) # ثالثا: الرقى والتمائم # الرقى: جمع رقية، وهي التي تسمى العزائم، وتنقسم إلى قسمين: # رقية مشروعة: وهي ما كانت بالقرآن أو بأسماء الله وصفاته. # رقية ممنوعة: وهي ما استعين فيها بغير الله، أو كانت بغير اللسان العربي. # ففي صحيح مسلم عن عوف بن مالك: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا يا رسول ~~الله: كيف ترى في ذلك؟، فقال: "اعرضوا علي رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم تكن ~~شركا" (¬2)، وفي الصحيحين حديث رقيا سيد الحي بالفاتحة، وإقرار ... النبي ~~صلى الله عليه وسلم لذلك (¬3). # وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرقي، فقال: "من استطاع منكم أن ~~ينفع أخاه فليفعل" (¬4). PageV01P055 # قال الخطابي:» وكان عليه السلام قد رقي ورقي، وأمر بها وأجازها، فإذا كانت ~~بالقرآن أو أسماء الله فهي مباحة، أو مأمور بها، وإنما جاءت الكراهة والمنع ~~فيما كان فيها بغير لسان العرب، فإنه ربما كان كفرا أو قولا يدخله شرك «. # وقال ابن تيمية:» كل اسم مجهول فليس لأحد أن يرقي به فضلا عن أن يدعو به، ~~ولو عرف معناه؛ لأنه يكره الدعاء بغير العربية، وإنما يرخص لمن لا يحسن ~~العربية، فأما جعل الألفاظ الأعجمية شعارا فليس من دين الإسلام «، وقال في ~~موضع آخر وهو يتحدث عن المصروع:» وأما الاستعانة عليهم بما يقال ويكتب مما ~~لا يعرف معناه فلا يشرع، لا سيما إن كان فيه شرك فإن ذلك محرم «(¬1). # وقال السيوطي:» قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاث شروط: أن ~~تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته، وباللسان العربي وما يعرف معناه، وأن ~~يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى «. # وعلى هذا فتحمل الرقى في قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الرقى والتمائم ~~والتولة شرك" (¬2)، على الرقى ms33 الشركية التي يستعان فيها بغير الله. # ولا بأس أن يكتب شيء من القرآن أو الذكر في إناء أو لوح بالمداد المباح ~~ثم يمحى بالماء أو غيره، ويسقى للمصاب وغيره من المرضي، نص على ذلك شيخ ~~الإسلام ابن تيمية (¬3)، ونقله عن أحمد وابن عباس وغيرهم من العلماء. PageV01P056 # أما التمائم # فهي جمع تميمة، وهي ما يعلق بأعناق الصبيان من خرزات وعظام ونحوه لدفع العين. # وقد ورد النهي عنها وتسميتها شركا؛ لأنه لا يدفع السوء إلا الله، فهي لا ~~ترد من أمر الله شيئا، وعجيب أمر قوم يتلمسون الوقاية ودفع الأذى في حجارة ~~أو عظام، وفي حدوة حمار أو حصان!. # عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~"إن الرقى والتمائم والتولة شرك" (¬1) (والتولة: شيء كانت المرأة تجلب به ~~محبة زوجها). # وفي الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله عنه، أنه كان مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بعض أسفاره فأرسل رسولا: "أن لا يبقين في رقبة بعير ~~قلادة من وتر أو قلادة إلا قطعت"، وقد كانوا يقلدون الإبل بالأوتار لئلا ~~تصيبها العين، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بإزالتها إعلاما لهم أن ~~الأوتار لا ترد شيئا. # وروى أحمد عن عقبة بن عامر الجهني، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"أقبل على رهط فبايع تسعة وأمسك عن واحد، فقالوا: يا رسول الله بايعت تسعة PageV01P057 ~~وأمسكت عن هذا؟، فقال: "إن عليه تميمة"، فأدخل يده فقطعها فبايعه، وقال: ~~"من تعلق تميمة فقد أشرك" (¬1). # وإنما كانت هذه الأشياء من الشرك لما فيها من التفات القلب عن الله عز ~~وجل، وتعلقه بغيره، ولما تتضمنه من طلب دفع المضار وجلب المنافع من غيره عز ~~وجل، ولا شك أن من تعلق بشيء وكل إليه، ومن اعتصم بمخلوق من دونه تعالى ~~تقطعت به الأسباب، وتشردت خطاه في الأرض، ولا يبالي ربه بأي أوديتها هلك. # قال الإمام أحمد: حدثنا هشام بن القاسم، حدثنا أبو سعيد المؤدب، حدثنا من ~~سمع عطاء الخرساني، ms34 قال:» لقيت وهب بن منبه وهو يطوف بالبيت فقلت حدثني ~~حديثا أحفظه عنك في مقامي هذا وأوجز، قال: نعم أوحى الله تبارك وتعالى إلى ~~داود: "يا داود أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم بي عبد من عبادي دون خلقي أعرف ~~ذلك في نيته فتكيده السماوات السبع ومن فيهن، والأرضون السبع ومن فيهن، إلا ~~جعلت له من بينهن مخرجا، أما وعزتي وعظمتي لا يعتصم عبد من عبادي بمخلوق ~~دوني أعرف ذلك في نيته إلا قطعت أسماء السماء من يده، وأسخت الأرض من تحت ~~قدميه، ثم لا أبالي بأي أوديتها هلك" «. PageV01P058 # هل يجوز تعليق التمائم إذا كانت من القرآن أو أسماء الله وصفاته؟ # اختلف العلماء في ذلك: # فقالت طائفة بجوازه، وحملوا الحديث على التمائم التي فيها شرك، وهو قول ~~عبد الله بن عمرو بن العاص وظاهر ما روي عن عائشة، وبه قال أبو جعفر ~~الباقي، وأحمد في رواية، وقد روى أن عبد الله بن عمرو بن العاص كان يكتب ~~بعض الأدعية في ألواح ويعلقها في عنق صغاره بينما كان يحفظها لأولاده ~~الكبار. # ومنع منه آخرون: كابن مسعود، وابن عباس، وهو قول حذيفة وعقبة بن عامر، ~~وبه قال جماعة من التابعين منهم أصحاب ابن مسعود، وأحمد في رواية اختارها ~~كثير من أصحابه، وجزم به المتأخرون، واحتجوا بالحديث السابق وما في معناه. # والذي يقتضيه النظر هو المنع من ذلك سدا للذرائع لكونه قد يفضي إلى تعليق ~~التمائم الشركية، بالإضافة إلى كون المعلق عرضه للامتهان، إذ قد يحمل في ~~حال قضاء الحاجة والاستنجاء ونحو ذلك، فضلا عن كون الرواية الواردة في ذلك ~~عن عبد الله بن عمر بن العاص ضعيفة. PageV01P059 # المطلب الخامس # الحلف بغير الله # ومن الشرك أيضا الحلف بغير الله، وهو من الشرك الأصغر، وقد يكون من الشرك ~~الأكبر بحسب حال قائله ومقصده. # فإن كان يحب المحلوف به كما يحب الله، أو يعظمه كما يعظم الله، أو يخشاه ~~بالغيب كما يخشى الله، فإنه بهذا يكون قد وقع في الشرك الأكبر المخرج من الملة. # وقد رأينا ms35 كثيرا من الناس من يحلفون بالله كذبا غير مبالين، فإذا ~~استحلفوا بمن يعظمونه من الموتى والأولياء تراجعوا وصدقوا خوفا من عقاب ذلك ~~الولي وانتقامه منهم، كأن هذا الولي أعز وأقدر وأغير من الله، تعالى الله ~~عن ذلك علوا كبيرا. # عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله ~~فقد كفر أو أشرك" (¬1). # عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"إن الله ~~تعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت" (¬2). # عن بريدة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "من حلف ~~بالأمانة فليس منا" (¬3). PageV01P060 # عن ابن عمر أنه سمع رجلا يقول: لا والكعبة، فقال ابن عمر: لا تحلف بغير ~~الله، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: "من حلف بغير الله ~~فقد كفر أو أشرك". # وقد تنازع الناس في جواز الحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم مع اتفاقهم ~~بأنه لا يحلف بشيء من المخلوقات المعظمة كالعرش والكرسي والكعبة والملائكة. # فذهب جمهور العلماء كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في أحد قوليه إلى ~~أنه لا يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم، كما لا يحلف بشيء من المخلوقات، ~~ولا تجب الكفارة على من حلف بشيء من ذلك وحنث. # وذهب أحمد بن حنبل في رواية عنه أن يحلف بالنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ~~لأنه يجب الإيمان به خصوصا، ويجب ذكره في الشهادتين والأذان، فللإيمان به ~~اختصاص لا يشركه فيه غيره. # والصواب هو ما عليه عامة المسلمين سلفهم وخلفهم أنه لا يحلف بمخلوق لا ~~نبي ولا غير نبي، ولا ملك من الملائكة، ولا ملك من الملوك، ولا شيخ من ~~الشيوخ، وذلك لعموم الأدلة التي تنهي عن الحلف بغير الله. PageV01P061 # المبحث الثاني # توحيد الطاعة والانقياد # أجمع المسلمون على أنه لا حكم إلا لله تعالى، فلا حرام إلا ما حرمه، ولا ~~حلال إلا ما أحله، ولا واجب إلا ما أوجبه، ولا دين إلا ما شرعه، لم ms36 يكن له ~~شريك في الخلق، فلا ينبغي أن يكون له شريك في الأمر. # قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك ... الدين ~~القيم} [يوسف: 40]. # وقال تعالى: {ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54]. # فليس لأحد كائنا من كان أن يعقب على حكمه، ولا أن يشرك به في طاعته، ولا ~~أن يبغي بشرعة بدلا، فمن فعل ذلك فقد خلع الربقة وفارق الملة. # ولقد ظلت هذه المعاني بدهية في حس الأجيال السابقة، فلم يحفظ التاريخ ~~خلافا يذكر حول كفر من ترك الشرع المحكم المنزل على محمد وتحاكم إلى غيره ~~ولو إلى شريعة منسوخ؛ لأنه يكون بذلك قد جعل لله ندا في الطاعة والاتباع، ~~بل واتفقوا أيضا على وجوب قتاله بلا خلاف. # ولكن الفتن المعاصرة قد كادت أن تطمس برذاذها الآسن جلاء هذه الحقيقة ~~الناصعة، فارتاب فيها المرتابون، وأصبح الناس فيها فريقين يختصمون، ومن هنا PageV01P062 ~~كان لزاما علينا أن نتناول هذه القضية بشيء من التفصيل آملين في عودة ~~الأمور إلى نصابها، مبتدئين في ذلك بتحرير محل النزاع. # محل النزاع: # لا خلاف يذكر على أن الحاكم إذا التزم بشرائع الإسلام في الجملة بحيث ~~كانت هي مرجعه الدائم الذي يرجع إليه في كل أمر، ويعول عليه في كل قضية، ~~ولكنه زلت به القدم في موقف عارض فحكم فيه بغير ما أنزل الله ميلا مع الهوى ~~لشهوة أو لقرابة أو غير ذلك - فإنه لا يخرج بذلك من الملة إلا بالاستحلال ~~أو الجحود، وأن فعله هذا يلتحق بسائر الكبائر وإن كان من أعتاها وأغلظها، ~~وإلى هذه الصورة وأشباهها ترجع عبارات السلف: كفر دون كفر - ليس بالكفر ~~الذي تذهبون إليه - كفر لا ينقل من الملة ... إلخ، هذه العبارات التي أثرت ~~عن كثير منهم عند تفسير قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~... الكافرون} [المائدة: 44]، وإنما وقع الخلاف حديثا فيمن يمتنعون عن ~~التزام شرائع الإسلام، ويتركون الحكم بالشرع المحكم المنزل على محمد صلى ~~الله عليه وسلم، ويقدمون عليه شرائع اليهود ms37 والنصارى والملاحدة في خطة ~~ثابتة ومنهاج دائم مطرد، بحيث لا يملك قاضيهم أن يرد الأمر إلى الكتاب ~~والسنة، فإن فعل كان ناكثا لعهده وقسمه، مخالفا لما تعهد بتعظيمه والعمل ~~به، ثم يوالون على ذلك ويعادون على ذلك، فمن تابعهم على ما هم عليه من عناد ~~وضلالة قربوه ومكنوه، ومن دعا إلى نبذ هذا الباطل أبعدوه وحاربوه. PageV01P063 # فمحل هذا الخلاف إذن هو الامتناع عن الالتزام بالحكم بشرائع الإسلام، ~~وتقديم غيرها عليها على وجه الدوام والثبات، بحيث يصبح الحكم بغير ما أنزل ~~الله هو معيار الشرعية، والحكم بالشرع شططا وخروجا على هذه الشرعية، وبحيث ~~يقسم بالقرآن على الحكم بخلاف القرآن. # هذه هي الصورة المستحدثة للحكم بغير ما أنزل الله، وحولها فقط سيكون ~~حديثنا بإذن الله، وسوف نبدأ بتجلية الفرق بين الصورتين إحكاما للأمر، ~~وزيادة في البيان والإيضاح. # الفرق بين الانحراف العارض عن الحكم بما أنزل الله، وبين ظاهرة الامتناع ~~عن التزام الحكم بشرائع الإسلام: # 1 - أن الحاكم في الصورة الأولى قد التزم الحكم بشرائع الله، وأعلن عن ~~إذعانه وانقياده لها، فأصبح انحرافه في قضية ما شذوذا عن الأصل الثابت ~~والمنهاج الدائم المضطرد، فإذا ما عاد إلى الحكم بالحق فقد عاد إلى خطته ~~الأصلية في الحكم والتحاكم، وحدث التوافق بين ما أعلنه من منهج وبين ما ~~مارسه من تطبيق. # أما في الصورة الثابتة فقد أصبح الانحراف هو الأصل الثابت الدائم، بل هو ~~الشريعة المهيمنة الحاكمة التي نسخت كل ما تعارض معها من الشرائع الأخرى، ~~فعندما تبدل أحكام الله وتسن بدلا منها تشريعات أخرى ينص دائما على إلغاء ~~العمل بما يتعارض مع هذه التشريعات من أحكام أو نظم أخرى. PageV01P064 # 2 - أن مرجع الحاكم في الصورة الأولى إنما هو إلى الكتاب والسنة، فهما ~~قانونه المعلن وشريعته الحاكمة، فإذا ما أشكل عليه أمر رجع إلى المأثور من ~~أقوال الصحابة والتابعين، أو إلى الراجح من فقه أبي حنيفة، ومالك، ~~والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من الفقهاء ليتعرف على حكم الله فيما عرض عليه. # أما الحاكم في الصورة ms38 الثانية فإنه يرجع إلى أهواء البشر والشرائع ~~الوضعية الوافدة، فذلك هو قانونه المعلن، وتلك هي شريعته الحاكمة، فإذا ما ~~أشكل عليه الأمر رجع إلى الفقه الفرنسي أو الفقه الألماني أو الفقه ~~الإيطالي يستلهم من ذلك الحكم من محل النزاع!!. # 3 - أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى في الصورة الأولى هو الله عز وجل، ~~فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرع وأما ما ~~يحدث من خلل فهو انحراف عارض في أمور جزئية، لا تبدل فيه الشرائع، ولا تغير ~~فيه القواعد الكلية، فالأصل هنا أن القاضي أو الحاكم خاضع لحكم الله عز وجل ~~باحث عنه متقيد به، لا يبتغي به بدلا ولا عنه حولا. # أما الحكم الأعلى في الصورة الثانية فإنما هو محض الهوى وما يوحي الشيطان ~~إلى أوليائه من ضلالات وأباطيل يسمونها نظما وتشريعات وقوانين، فالقاضي أو ~~الحاكم هنا منخلع عن حكم الله غير ملتزم به من حيث المبدأ، متعبد لأهواء ~~شعبه يسن لهم ما يشتهون، ويسبغ الشرعية على ما تجنح إليه أهواؤهم وما ~~يفترون. # 4 - أن معيار العدل والإصابة في الصورة الأولى يتمثل في مدي إصابة الحاكم ~~لحكم الله عز وجل وتحقيقه لمقاصد شريعته، بخلاف معيار العدل في الصورة ~~الثانية PageV01P065 ~~فإنه يتمثل في مدى استجابة الحاكم لأهواء شعبه، أو مدى موافقته للقوانين ~~الوضعية الوافدة نصا وروحا. # 5 - أن الحكم بالكتاب والسنة في الصورة الأولى هو الحق وهو الصواب، بخلاف ~~الصورة الثانية فإن الحكم فيها بشيء من ذلك يعد نقضا للعهد، وهتكا ~~للمواثيق، وخروجا من الصراط المستقيم، بل جريمة جنائية تستوجب تقديم صاحبها ~~إلى محكمة الجنايات، فلو أن قاضيا في ظل هذه النظم حكم بقطع يد سارق أو ~~برجم زان فإنه يكون قد حكم بما يخالف الصواب، وخرج على مقتضى القانون ~~الواجب الاتباع، فينقض حكمه، وينظر في أمره ليجري عليه ما يستحقه من جزاءات ~~وعقوبات، أما إذا عمل على تنفيذ مثل هذا الحكم فإنه يقدم هو ومن أعانه على ~~ذلك إلى محاكمة جنائية بتهمة ms39 إحداث عاهة مستديمة، أو بتهمة القتل العمد مع ~~سبق الإصرار والترصد، وما ذلك إلا لأن القانون لا يقر هذه العقوبات، ولا ~~يعترف بهذه التشريعات، فهذا فارق جوهري لابد أن ينتبه إليه، فحكم الله في ~~الصورة الأولى هو الحق والصواب، أما في الصورة الثانية فهو منكر أو جريمة ~~تستوجب العقاب، وسوف نبين فيما يلي مدى تعارض الامتناع عن الالتزام بالحكم ~~بشريعة الله مع قواعد الاعتقاد الكلية، وكيف أنها تلتحق بالشرك الأكبر ~~المخرج من الملة. PageV01P066 # المطلب الأول # الامتناع عن التزام الحكم بالشريعة ناقض لأصل الدين # لقد تمهد في قواطع الإسلام ومحكماته أن الحجة القاطعة والحكم الأعلى هو ~~الشرع لا غير، فلا حلال إلا ما أحله الله ورسوله، ولا حرام إلا ما حرم الله ~~ورسوله، ولا دين إلا ما شرعه الله ورسوله، وإن من أحل الحرام المجمع عليه، ~~أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع الجمع عليه، أو امتنع عن التزام ~~الحكم به والتحاكم إليه كان مرتدا عن الإسلام باتفاق المسلمين. # ومما يدل على أن الامتناع عن التزام الحكم بالشريعة والتحاكم إليها ناقض ~~لأصل الدين ما يلى: # أولا: أن الامتناع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام منازعة لله في ~~الربوبية # ذلك أن الخلق والأمر من أخص خصائص الربوبية وأجمع صفاتها. كما قال تعالى: ~~{ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} [الأعراف: 54]، ولهذا أجاب ~~بهما موسى عليه السلام في مقام المحاجة مع فرعون عندما ابتدره سائلا: {قال ~~فمن ربكما يا موسى} [طه: 49]، فكان جواب الكليم عليه السلام: {قال ربنا ~~الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [طه: 50]، ومن قبل ذلك قال الخليل إبراهيم ~~عليه السلام في وصفه لربه: {الذي خلقني فهو يهدين} [الشعراء: 78]، ومن بعد ~~ذلك أمر محمد صلى الله عليه وسلم أن يسبح باسم ربه الأعلى الذي تفرد بهذين ~~الوصفين فقال PageV01P067 ~~تعالى: {سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى} [الأعلى: 1 - 3]. # والأمر في لغة الشارع يأتي بمعنيين: # الأول: الأمر الكوني، وهو الذي به يدبر شئون المخلوقات، وبه يقول للشيء ms40 ~~كن فيكون، ومنه قوله تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن ... ~~فيكون} [يس: 82]، وقوله تعالى: {وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر} [القمر: 50]. # الثاني: الأمر الشرعي، وهو الذي به يفصل الحلال والحرام، الأمر والنهي ~~وسائر الشرائع، ومنه قوله تعالى: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا ~~وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24]. # وإذا كانت البشرية لم تعرف في تاريخها من نازع الله في عموم الخلق أو ~~الأمر بمهفومه الكوني فقد حفل تاريخها بمن نازع الله في جانب الأمر الشرعي ~~وادعى مشاركته فيه، فقد حكى لنا القرآن الكريم عن من قال: {سأنزل مثل ما ~~أنزل ... الله} [الأنعام: 93]، ومن قال: {ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم ~~إلا سبيل ... الرشاد} [غافر: 29]، ورأينا في واقعنا المعاصر من قال: لا ~~سياسية في الدين ولا دين في السياسة، بل من اجترأ على ربه وقال: إن ~~القوانين الوضعية خير من الشريعة الإسلامية، لأن الأولى تمثل الحضارة ~~والمدنية، والثانية تمثل البداوة والرجعية. # ولا يتحقق توحيد الربوبية إلا بإفراد الله جل وعلا بالخلق والأمر بقسميه: ~~الكوني والشرعي، وإفراده بالأمر الشرعي يقتضي الإقرار له وحده بالسيادة العليا PageV01P068 ~~والتشريع المطلق، فلا حلال ألا ما أحله، ولا حرام إلا حرمه، ولا دين إلا ما ~~شرعه، ومن سوغ للناس اتباع شريعة غير شريعته فهو كافر مشرك. # وقد اتفق الأصوليون أجمعون على أن الحاكم لجميع أفعال الملكفين إنما هو ~~الله عز وجل، فهو وحده مصدر جميع الأحكام الشرعية، ولذلك اشتهر من أصولهم:» ~~لا حكم إلا لله «. # حتى هؤلاء الذين قالوا باستقلال العقل بمعرفة بعض الأحكام الشرعية لم ~~ينازعوا في هذا الأصل السابق، وإنما كان نزاعهم حول كيفية التعرف على حكم ~~الله عز وجل، فدور العقل عندهم هو دور التعرف على حكم الله الكاشف عنه ~~أحيانا، مع اتفاق الجميع على أن الحاكم الذي يصدر الأحكام وينشئها إنما هو ~~الله عز وجل، ومن هنا كان اتفاقهم على تعريف الحكم الشرعي بأنه: (خطاب الله ~~المتعلق بأفعال المكلفين طلبا أو تخييرا أو وضعا)، وقسموه إلى قسمين: # الحكم ms41 التكليفي: وهو خطاب الله المتعلق بأفعال الملكفين طلبا وتخييرا، ~~وأقسامه خمسة: الإيجاب والتحريم والكراهة والندب والإباحة. # الحكم الوضعي: وهو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الوضع، وهو ~~ما اقتضى وضع شيء سببا لشيء أو شرطا له أو مانعا منه. # وعلى هذا فمن امتنع عن الالتزام بالحكم بشرائع الله عز وجل، وأعطى نفسه ~~حق إصدار أحكام عامة ملزمة على سبيل الإيجاب أو التخيير أو الوضع على خلاف ~~أمر الله ورسوله، وسن ذلك للناس قانونا عاما واجب الاتباع فقد ضاد الله في PageV01P069 ~~شرعه وحكمه، ونازعه في ربوبيته وألوهيته، ولاريب في شركه وكفره لعدوانه على ~~حرم الربوبية، إذ لا فرق بين من ينازع الله في صفة الخلق، وبين من ينازعه ~~في صفة الأمر، فكلاهما طاغوت مشرك متمرد على مقام العبودية، منتهك لحرم ~~الربوبية والألوهية. # وقد كانت ربوبية الأحبار والرهبان في بني إسرائيل من هذا القبيل، فقد ~~أحلوا حرام الله وحرموا حلاله، فتابعهم الناس على ذلك، فلم تكن الربوبية ~~فيهم في جانب الخلق أو الأمر الكوني، بل كانت في جانب الهداية والأمر ~~الشرعي. # عن عدي بن حاتم أنه سمع النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ: {اتخذوا أحبارهم ~~ورهبانهم أربابا من دون الله} [التوبة: 31]، فقلت: إنا لسنا نعبدهم، قال: ~~"أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ "، فقلت: ~~بلى، قال: "فتلك عبادتهم" (¬1). # فحقيقة الإقرار بالربوبية لا تتمثل في إفراد الله جل وعلا بالخلق ~~والتدبير الكوني فحسب بل تمتد لتشمل إفراده تعالى بالأمر والقضاء الشرعي، ~~وقبول ما جاء به ورسوله صلى الله عليه وسلم من الهدى والشرائع، وذلك لأن ~~المنازعة في الأمر الشرعي كالمنازعة في الأمر الكوني ولا فرق، فإن الذي ~~أوجب الرضا بقدره هو الذي أوجب التحاكم إلى شرعه، وهو القائل: {إن الحكم ~~إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} [يوسف: 40]، والقائل: {أم لهم شركاء ~~شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} [الشورى: 21]. PageV01P070 # ثانيا: عدم التزام الحكم بشرائع الإسلام كفر بالألوهية # فإن الإله هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة، ms42 وإن حق الله على عباده ~~أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، ففي الحديث المتفق على صحته قوله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ "، قلت: "الله ورسوله ~~أعلم"، قال: "حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا". # وعبادة الله عز وجل لها ركنان عظيمان: كمال المحبة، وكمال الخضوع ~~والطاعة، فلا تتحقق عبادة ولا يثبت إيمان إلا بتوافرهما جميعا. # فالانقياد لله عز وجل والتزام طاعته هو أحد ركني العبادة، فمن زعم حب ~~الله عز وجل وتصديقه ولكنه رفض الطاعة له أو الانقياد لأمره، ورسم لنفسه ~~طريقا آخر مضادا للصراط المستقيم الذي أمر الله به واتخذ ذلك منهجا ثابتا ~~وديدنا مضطردا فقد كفر بألوهية الله عليه، وجعل نفسه ندا للذي خلقه، فإذا ~~ما انضم إلى هذا أن والى على ذلك وعادى على ذلك، وشرح بهذا التمرد صدرا، ~~وأقسم على احترامه والتمسك به، وصب ويله وبطشه على كل من دعا إلى خلافه من ~~إقامة الدين والتزام شرائعه كما هو ديدن الطواغيت في واقعنا المعاصر فقد ~~شهد على نفسه بما لا ينبغي أن يختلف عليه من الإشراك والردة، وقال تعالى: ~~{ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} [الأنعام: 121]. PageV01P071 # وقد روى الحافظ ابن كثير عن سعيد بن جبير قال: خاصمت اليهود ... النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا: نأكل مما قتلنا ولا نأكل مما قتل الله؟ فأنزل الله ~~هذه الآية (¬1). # والمقصود في هذا المقام أن الله عز وجل قد جعل عدولهم إلى غير شريعة الله ~~بعد إشراكا بالله. # ثالثا: عدم التزام الحكم بالشرائع الإسلام نقض للإيمان المجمل # فقد تمهد في أصول أهل السنة والجماعة أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ~~وأن أصله تصديق الخبر والانقياد للأمر، وأن من لم يحصل في قلبه التصديق ~~والانقياد فهو كافر بالله العظيم. # فلا يثبت عقد الإيمان بمجرد التصديق الخبري، بل لابد من التكلم بالإيمان ~~على وجهه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، ms43 ولهذا لما جاء نفر من اليهود ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: "نشهد أنك لرسول"، لم يكونوا مسلمين ~~بذلك لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم فحسب، أي نعلم ونجزم ~~أنك رسول الله، قال: "فلم لا تتبعوني"، قالوا نخاف يهود. # يقول ابن القيم رحمه الله:» ونحن نقول: الإيمان هو التصديق، ولكن ليس ~~التصديق مجرد اعتقاد صدق المخبر دون الانقياد له، ولو كان مجرد اعتقاد ~~التصديق إيمانا لكان إبليس وفرعون وقومه وقوم صالح واليهود الذين عرفوا أن محمدا PageV01P072 ~~رسول الله كما يعرفون أبناءهم مؤمنين مصدقين، فالتصديق إنما يتم بأمرين: ~~أحدهما: اعتقاد الصدق، والثاني: محبة القلب وانقياده «(¬1). # ويقول القسطلاني في تعريف الإيمان:» وهو لغة التصديق، وهو كما قال ~~التفتازاني: إذعان لحكم المخبر وقبوله، فليس حقيقة التصديق أن يقع في القلب ~~نسبة التصديق إلى الخبر أو المخبر من غير إذعان وقبول، بل هو إذعان وقبول ~~لذلك بحيث يقع عليه اسم التسليم «(¬2). # ويقول الكمال بن الهمام:» فلابد في تحقيق الإيمان من المعرفة: أعني إدراك ~~مطابقة دعوى النبي للواقع، ومن أمر آخر: هو الاستسلام الباطن والانقياد ~~لقبول الأوامر والنواهي المستلزم ذلك الاستسلام والانقياد للإجلال، أي ~~لإجلال الله تعالى وعدم الاستخفاف بأوامره ونواهيه «(¬3). # وقال ابن راهويه:» قد أجمع المسلمون أن من سب الله أو سب رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، أو دفع شيئا مما أنزل الله، أو قتل نبيا من أنبياء الله أنه ~~كافر بذلك، وإن كان مقرا بما أنزل الله «(¬4). # وإننا لو أثبتنا إيمانا أو صححنا توحيدا لمن كان حظه من الشرائع السماوية ~~مجرد اعتقاد صدقها وأنها منزلة من عند الله لحكمنا بإيمان من في الأرض كلهم جميعا. PageV01P073 # ألم يقل الله في أهل الكتاب: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون ~~أبناءهم} [البقرة: 146]، وقال المشركين: {فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين ~~بآيات الله يجحدون} [الأنعام: 33]، وقال في قوم فرعون: {وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم} [النمل: 14]، ألم يمت أبو طالب على الكفر رغم إقراره ~~بأن دين محمد من خير أديان البرية، وهو القائل: # ولقد علمت بأن ms44 دين محمد ... من خير أديان البرية دينا # وكذلك هرقل الذي أعلن تصديقه النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يمنعه من ~~اتباعه إلا على خشيته على ملكه، وقصته معروفه في كتب السنة. # ذلك أن آيات الله مبصرة فلا يملك القلب البشري تجاهها إلا الإذعان ~~والتسليم، لاسيما إذا ما عرضت خالية من التشويه والتحريف، ولكن يختلف الناس ~~بعد ذلك في الموقف العملي: أهو الإخبات والطاعة، أم الإباء والاستكبار؟. # فالإيمان كما سبق ليس مجرد التصديق، ولكنه الإقرار والطمأنينة، وذلك لأن ~~التصديق إنما يعرض للخبر فقط، فأما الأمر فليس فيه تصديق من حيث هو أمر، ~~وكلام الله خبر وأمر، فالخبر يستوجب تصديق المخبر والأمر يستوجب الانقياد ~~له والاستسلام، وهو عمل في القلب جماعه الخضوع والانقياد للأمر وإن لم يفعل ~~المأمور به، فإذا قوبل الخبر بالتصديق والأمر بالانقياد فقد حصل أصل ~~الإيمان في القلب وهو الطمأنينة والإقرار، فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو ~~القرار والطمأنينة، وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد. PageV01P074 # شبهة وجوابها: # ولكن تبقى بعد ذلك شبهة: وهي أن هذه النصوص السابقة إنما هي في قوم رفضوا ~~الدخول في الإسلام من البداية، وأبوا أن يذعنوا له رغم معرفتهم بأنه حق من ~~عند الله، أما هؤلاء الممتنعون عن التزام الشرائع أو الحكم بها قد أعلنوا ~~قبولهم للإسلام في الجملة. # ويجاب عن هذا بأنه قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا فرق بين من ~~يدفع جميع ما أنزل الله على عباده وبين من يدفع شيئا واحدا من ذلك، كما لا ~~فرق بين من يكذب بالقرآن كله وبين من يكذب بسورة واحدة من سوره، أو حتى آية ~~واحدة من آياته، ولا بين من يجحد الإسلام من البداية ومن يجحد حكما واحدا ~~من أحكامه، فمن أعلن قبوله للإسلام والتزامه بشرائعه جملة، ثم رد شيئا من ~~أحكامه القطعية فقد خرق بذلك قاعدة الخضوع والتزام الطاعة وهي التي تمثل ~~إحدى دعامتي التوحيد كما سبق القول. # رابعا: عدم التزام الحكم بشرائع الإسلام استحلال للحكم بغير ما أنزل ms45 الله # لقد اتفقت الأمة على أن استحلال المحرمات القطعية كفر بالإجماع، لم ينازع ~~في ذلك فيما نعلم أحد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» والإنسان متى حلل ~~الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو بدل الشرع المجمع عليه ~~كان كافرا PageV01P075 ~~ومرتدا باتفاق الفقهاء، وفي مثل هذا نزل قول الله تعالى: {ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الكافرون} [المائدة: 44]، أي: هو المستحل للحكم بغير ~~ما أنزل الله «(¬1). # وإن في الامتناع عن الالتزام بشرائع الإسلام أو بالحكم بها استباحة لما ~~حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الاستحلال ليس مجرد عدم ~~الاعتقاد بأن الله قد حرم هذا الشيء، بل يكون أيضا مع اعتقاد حرمته وعدم ~~التزام هذا التحريم. # فللاستحلال صورتان: # الأولى: عدم اعتقاد الحرمة، ومرده حينئذ إلى خلل في الإيمان بالربوبية ~~والرسالة، ويؤدي إلى كفر التكذيب. # الثانية: اعتقاد الحرمة والامتناع عن التزام هذا التحريم، ومرده في هذه ~~الحالة إما إلى خلل في التصديق بصفة من صفات الشارع جل وعلا كالحكمة ~~والقدرة، وإما لمجرد التمرد واتباع هوى النفس. # يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:» وبيان هذا أن من فعل المحارم مستحلا لها ~~فهو كافر بالاتفاق، فإنه ما آمن بالقرآن من استحل محارمه، وكذلك لو استحلها ~~من غير فعل، والاستحلال: اعتقاد أن الله لم يحرمها وتارة بعدم اعتقاد أن ~~الله حرمها، وهذا يكون لخلل في الإيمان بالربوبية، ولخلل في الإيمان ~~بالرسالة، ويكون جحدا محضا غير مبني على مقدمة، وتارة يعلم أن الله حرمها، ~~ويعلم أن الرسول إنما حرم ما PageV01P076 ~~حرمه الله، ثم يمتنع عن التزام التحريم ويعاند المحرم فهذا أشد كفرا ممن ~~قبله، وقد يكون هذا مع علمه أن من يلتزم هذا التحريم عاقبه الله وعذبه، ثم ~~إن هذا الامتناع والإباء إما لخلل في اعتقاد حكمه الآمر وقدرته فيعود هذا ~~إلى عدم التصديق بصفة من صفاته، وقد يكون مع العلم بجميع ما يصدق به تمردا ~~أو اتباعا لغرض النفس، وحقيقته كفر هذا لأنه يعترف لله ورسوله بكل ما أخبر ~~به، ms46 ويصدق بكل ما يصدق به المؤمنون، لكنه يكره ذلك ويبغضه ويسخطه لعدم ~~موافقته لمراده ومشتهاه، ويقول أنا لا أقر بذلك ولا ألتزمه، وأبغض هذا الحق ~~وأنفر عنه فهذا نوع غير النوع الأول، وتكفير هذا معلوم بالاضطرار من دين ~~الإسلام «(¬1). # فلا يشترط إذن في الاستحلال أن يكون دينيا، أي يعتقد حل المحرمات دينا، ~~بل يكفي ألا يلتزم بهذا التحريم وإن كان مقرا به لكي يكون مستحلا كافرا ~~بإجماع الأمة. # ويقول الجصاص في أحكام القرآن في تعليقه على قوله تعالى:» {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65]، وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئا من ~~أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام، ~~سواء رده من جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول والامتناع من التسليم، وذلك ~~يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع من أداء الزكاة ~~وقتلهم وسبي PageV01P077 ~~ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم ~~قضاءه وحكمه فليس من أهل الإيمان «(¬1). # فمن امتنع عن التزام الحكم بشرائع الإسلام، وتحاكم في الدماء والأموال ~~والأعراض إلى غير ما أنزل الله، وشرع للناس من الأحكام ما لم يأذن به الله ~~فإنه يكون مستجيزا مخالفة حكم الله، مستحلا للحكم بغير ما أنزل الله، ~~وتكفيره معلوم بالاضطرار من دين الإسلام. # ولكن سؤالا يرد في هذا المقام: هل مجرد التحاكم إلى الشرائع الوضعية ~~والتزامها يعد خلعا للربقة وتحللا من الالتزام بشرائع الله؟ # وفي الجواب على هذا تفصيل لا غنى عن ذكره: # أولا: لا شك أن من أقدم على نقض أحكام الله وتبديل شرائعه، وأحل أهواء ~~البشر محلها طائعا مختارا، وسن للأمة بذلك نظما ثابتة، وألزمها بالحكم بها ~~والتحاكم إليها فإنه مشرك بالله العظيم كافر بربوبيته وألوهيته. # ثانيا: أما من ورث ذلك من الحكام، ولم يقم بنفسه بالتبديل فلا يخلو حاله ~~من صورة من هذه ms47 الصور: # أ- أن يرضى بهذه الأحكام ويعلن التزامها، ويسعى إلى تدعيمها ونصرتها، ~~ويعقد ولاءه وبراءه على ذلك، فهذا لا شك في كفره؛ لأن الرضا بالكفر ~~والتزامه كفر بالاتفاق. # ب- # ج- PageV01P078 ~~د- أن يعلن الكفر بها والعزم على تغييرها، ويتخذ بهذا الصدد خطوات حقيقية ~~تبين صدقه في دعواه، فهذا قد برئ من الرضا والمتابعة، وذلك هو المسلم الذي ~~له ذمة الله ورسوله، ويجب على الأمة عونه وتأييده، وقد يستغرق استكمال ~~التغيير مددا تطول أو تقصر، ولكن هذا لا يقدح في صحة إسلامه ما صدقت أفعاله ~~أقواله. # ه- أن يروغ في مواقفه، فلا يعلن صريح الرضا والمتابعة، ولا صريح الإنخلاع ~~والبراءة، وإنما يتذبذب بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، فهذا هو ~~محض النفاق، وعلى الأمة أن تتابع مواقفه، وأن تلجئه إلى التزام أحد ~~المنهجين لتفوت عليه ما يريده من الخداع والتلبيس، فإذا ما أظهر نفاقه ~~بيقين فقد حل دمه وسقطت طاعته. # والحق أن هذا الموقف الأخير هو أخطر ما يواجه الدعوة إلى إقامة الدين في ~~هذا العصر؛ لأنه يجعل الناس في هؤلاء المارقين فئتين: # - فئة تحسن الظن بأقوالهم، فتلقي إليهم السلم، وتشايعهم بالقول والعمل، ~~وتتهم الآخرين بالغلو والشطط. # - وفئة آخرى حاكمت أقوالهم إلى أعمالهم، وشعاراتهم إلى واقعهم فتبين لها ~~كذب المقالات وزيف الشعارات، فلم تقم لها وزنا وحكمت عليهم بما أسفر عنه ~~استقراء واقعهم، ورصد حقيقتهم. # وإن المعركة الحقيقية في مثل هذه المواقع لابد أن تكون على محورين: PageV01P079 # الأول: بيان حقيقة التوحيد وتبليغها للكافة حتى يستفيض العلم بأنه لا حكم ~~إلا لله. # الثاني: بيان حقيقة الواقع، ورصده بمنتهى الموضوعية والدقة، حتى يتبين ~~للناس مدى مراغمة هذه النظم للحق، وامتناعها عن الالتزام بأحكام الله، ~~ومحاداتها الحقيقية لله ورسوله، وحتى يدرك الناس حقيقة الشعارات ~~والتصريحات. # ذلك أن من الناس من يجهل حقيقة التوحيد وعلاقته بالحكم والتشريع. # ومنهم من يجهل حقيقة الواقع تحت تأثير أبواق التضليل والدعاية وخبراء ~~الخداع والتلبيس، وهؤلاء يمثلون في الواقع نسبة عالية لا يستهان بها، وفيهم ~~الدعاة والهداة من حملة القرآن والسنة ممن يقرون ms48 بالقضية من جانبها النظري، ~~بل ربما تعتبر عند كثير منهم من البدهيات والمسلمات، ولكنهم فتنوا ~~بالشعارات والتصريحات التي تؤكد حرص هذه النظم على إقامة الدين، وتطبيق ~~أحكامه، وأنه لا مناص من ذلك بعد الفراغ من الدراسة والإعداد، وتحقق ~~الملاءمة السياسية وبعض الاعتبارات، وتمضي السنوات تلو السنوات، والحال هو ~~الحال اللهم إلا مزيدا من الكفر والضلالات. PageV01P080 # المطلب الثاني # نماذج من فتاوى أئمة المسلمين # في ظاهرة الامتناع عن التزام الحكم بالشرائع # ابن كثير (¬1): # قال عند تفسير قوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما ~~لقوم يوقنون} [المائدة: 50]. # » ينكر تعالى من خرج عن حكم الله تعالى المشتمل على كل خير، الناهي عن كل ~~شر، وعدل إلى ما سواه من الآراء والآهواء والاصطلاحات التي وضعها الرجال ~~بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الجهالات ~~والضلالات، وكما يحكم به التتار من السياسات المأخوذة عن جنكيز خان الذي ~~وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى من ~~اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من ~~مجرد نظره وهواه فصارت في بنيه شرعا يقدمونها على الحكم بالكتاب والسنة، ~~فمن فعل ذلك فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله، فلا يحكم ~~بسواه في قليل ولا كثير «. PageV01P081 # ويقول في البداية والنهاية:» فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبد ~~الله خاتم الأنبياء وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن ~~تحاكم إلى الياسق وقدمها عليه؟! من فعل فقد كفر بإجماع المسلمين «. # ابن تيمية (¬1): # » والإنسان متى أحل الحرام المجمع عليه، أو حرم الحلال المجمع عليه، أو ~~بدل الشرع المجمع عليه كان كافرا مرتدا باتفاق الفقهاء «. # ويقول في موضع آخر:» فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلا من ~~غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم ~~بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى ~~الإسلام يحكمون ms49 بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكانوا ~~الأمراء المطاعين، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، ~~وهذا هو الكفر، فإن كثيرا من الناس أسلموا ولكن لا يحكمون إلا بالعادات ~~الجارية التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز لهم الحكم ~~إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل ~~الله فهم كفار «. # محمد بن إبراهيم آل الشيخ (¬2): # » إن من الكفر الأكبر المستبين تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به ~~الروح الأمين على قلب محمد صلى الله عليه وسلم ليكون من المنذرين بلسان ~~عربي مبين «. PageV01P082 # ثم أخذ يعدد أنواع الحكم بما أنزل الله التي تخرج من الملة، فقال:» من أعظم ~~ذلك وأظهرها معاندة للشرع ومكابرة لأحكامه، ومشاقة الله ورسوله: إيجاد ~~المحاكم الوضعية التي مراجعها القانون الوضعي كالقانون الفرنسي أو الأمريكي ~~أو البريطاني أو غير ذلك من مذاهب الكفار، وأي كفر فوق هذا الكفر، وأي ~~مناقضة للشهادة بأن محمدا رسول الله بعد هذه المناقضة؟ «. # الشيخ عبد العزيز بن باز (¬1): # » وقد أجمع العلماء على أن من زعم أن حكم غير الله أحسن من حكم الله، أو ~~أن غير هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحسن من هدى الرسول صلى الله ~~عليه وسلم فهو كافر، كما أجمعوا على أن من زعم أنه يجوز لأحد من الناس ~~الخروج على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، أو تحكيم غيرها فهو كافر ضال، ~~وبما ذكرناه من الأدلة القرآنية وإجماع أهل العلم يعلم السائل وغيره أن ~~الذين يدعون إلى الإشتراكية أو إلى الشيوعية أو غيرها من المذاهب الهادمة ~~المناقضة لحكم الإسلام كفار ضلال أكفر من اليهود والنصارى، لأنهم ملاحدة، ~~لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يجوز أن يجعل أحد منهم خطيبا أو ~~إماما في مسجد من مساجد المسلمين ولا تصح الصلاة خلفهم، وكل من ساعدهم على ~~ضلالهم، وحسن ما يدعون إليه، وذم دعاة الإسلام ولمزهم، فهو كافر ضال، حكمه ~~حكم الطائفة الملحدة، التي سار ms50 في ركابها وأيدها في طلبها، وقد أجمع علماء ~~الإسلام على أن من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم عليهم بأي نوع من ~~أنواع المساعدة، فهو كافر مثلهم «. PageV01P083 # محمد حامد الفقي (¬1): # » ذكر في تعليقه على كتاب فتح المجيد معقبا على كلام ابن كثير في قوله ~~تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} ~~[المائدة: 50]، ومثل هذا وشر منه من اتخذ كلام الفرنجة قوانين يتحاكم إليها ~~في الدماء والفروج والأموال، ويقدمها على ما علم وتبين له من كتاب وسنة ~~رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو بلا شك كافر مرتد إذا أصر عليها ولم يرجع ~~إلى الحكم بما أنزل الله ولا ينفعه أي اسم تسمى به، ولا أي عمل من ظواهر ~~أعمال الصلاة والصيام ونحوها «. # الشيخ أحمد شاكر (¬2): # » إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح لا ~~خفاء فيه ولا مداورة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب إلى الإسلام كائنا من كان في ~~العمل بها أو الخضوع لها أو إقرارها، فليحذر امرؤ لنفسه، وكل امرئ حسيب ~~نفسه «. # الشيخ مصطفى صبري شيخ الإسلام في الدولة العثمانية: # » فصل الدين عن الدولة ارتداد عن الإسلام من الحكومة أولا ومن الأمة ~~ثانيا إن لم يكن ارتداد الداخلين في حوزة تلك الحكومة باعتبارها أفرادا ~~فباعتبارهم جماعة، وهو أقصر طريق إلى الكفر من ارتداد الأفراد، بل أنه ~~يتضمن ارتداد الأفراد أيضا لقبولهم الطاعة لتلك الحكومة المرتدة «. PageV01P084 # محمد الخضر حسين شيخ الأزهر سابقا (¬1): # » أما أن تفعل البلاد الإسلامية ما فعلته الدول الغربية من تجريد السياسة ~~من الدين فهو رأي لا يصدر إلا ممن يكن في صدره أن ليس للدين، من سلطان على ~~السياسة، وهذا ما يبثه فئة يريدون أن ينقضوا حقيقة الإسلام من أطرافها حتى ~~تكون بمقدار غيرها من الديانات الروحية التي فصلها أهلها عن السياسة، ثم ~~يصبغوا هذا المقدار بأي صيغة أرادوا، فيذهب الإسلام فلا القرآن نزل، ولا ~~محمد صلى الله عليه وسلم بعث، ولا الخلفاء الراشدون جاهدوا في الله حق ~~جهاده، ولا الراسخون ms51 في العلم سهروا في تعرف الأصول من مواردها وانتزاع ~~الأحكام من أصولها «. # إلى أن يقول:» فصل الدين علن السياسة هدم لمعظم الدين، ولا يقدم عليه ~~المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمين «. # الكوثري: # » وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن دين الإسلام جامع لمصلحتي الدنيا ~~والآخرة ولأحكامهما دلالة واضحة لا ارتياب فيها، فتكون محاولة فصل الدين عن ~~الدولة كفرا صريحا منابذا لإعلاء كلمة الله، وعداء موجها إلى الدين ~~الإسلامي في صميمه، ويكون هذا الطلب من الطالب إقرارا منه بالانتباذ ~~والانفصال، فنلزمه بإقراره فنعده عضوا مفصولا عن جماعة المسلمين وشخصا PageV01P085 ~~منفصلا عن عقيدة أهل الإسلام، فلا تصح مناكحته، ولا تحل ذبيحته؛ لأنه ليس ~~من المسلمين ولا من أهل الكتاب «. # الدكتور يوسف القرضاوي (¬1): # » بل إن العلماني الذي يرفض (مبدأ) تحكيم الشريعة من الأساس، ليس من ~~الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه ~~الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاء عليه بالردة، وجرد من انتمائه ~~إلى الإسلام، أو سحبت منه الجنسية الإسلامية، وفرق بينه وبين زوجه وولده، ~~وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة وبعد الوفاة «. PageV01P086 # المطلب الثالث # فتاوى العلماء في شأن من التزم بشريعة # غير شريعة الإسلام مع الرضا والاختيار # مسألة تجنيس المسلمين بالجنسية الفرنسية في تونس: # لقد حرصت فرنسا إبان احتلالها لتونس على صبغها بالصبغة الفرنسية والقضاء ~~على الوجود الإسلامي بها، وذلك بتحويلها إلى قطر يسكنه رعايا فرنسيون: ~~شريعتهم القانون الوضعي الفرنسي، ولغتهم اللغة الفرنسية تمهيدا لتكوين ~~إمبراطورية فرنسية من أكبر أجزائها أفريقيا الشمالية: تونس، والجزائر، ~~والمغرب. # وكان من أخطر وسائلهم لذلك تجنيس سكان هذه البلاد بالجنسية الفرنسية، ومن ~~المعلوم أن المتجنس بالجنسية الفرنسية لا يحتكم إلى شريعة الإسلام، وإنما ~~يحتكم للقانون الفرنسي الذي يتناقض مع أحكام الشرع الإسلامي تناقضا جذريا، ~~هذا فضلا عن أن المتجنس زيادة على ذلك يوجب على نفسه برضا واختيار أن يكون ~~جنديا يقاتل تحت الراية الفرنسية حتى المسلمين أنفسهم، ويخرج طائعا مختارا ~~عن جماعة المسلمين. # وقد استجاب عدد من المسلمين ms52 لهذه الخطة الماكرة، فتجنس نفر منهم بالجنسية ~~الفرنسية، وكونوا بمساعدة الحكومة المحتلة لهم جمعية تدعى جمعية PageV01P087 ~~المسلمين الفرنسيين لتنشيط هذا الأمر، والحكومة من ورائها تنشطها بشتى ~~الوسائل. # واستفتى المسلمون في تونس يومئذ علماءهم في ذلك، فحجرت حكومة الاحتلال ~~على العلماء الرسميين الإفتاء في هذا الأمر، فسكت بعضهم وكتم ما أنزل الله ~~من البينات والهدى، ولكن فريقا منهم استعلى على واقع الفتنة، وصدع بحكم ~~الله، فأفتى الشيخ أحمد عياد، والشيخ التهامي عمار بردة المتجنس، وعدم جواز ~~معاملته معاملة المسلم، وأفتى بذلك من مصر الشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، ~~والسيد رشيد رضا، والشيخ على سرور، وغيرهم. # وحدث أن مات أحد هؤلاء المتجنسين في مدينة بنزرت فامتنع المسلمون من ~~قبوله في مقابرهم لأنه مرتد بحكم الفتوى، إلا أن السلطة امتنعت عن الإصغاء ~~لهذه المعارضة، واستفتت مفتى البلدة الشيخ إدريس الشريف، فأفتى بالردة وعدم ~~الدفن في مقابر المسلمين، فنزل هذا الأمر على الحكومة نزول الصاعقة، ودفن ~~هذا المارق في مدافن النصارى الغرباء. # وكان لذلك الموقف أصداؤه الهائلة، وتحركت السلطة يومئذ لتدبر مع وزراء ~~السوء وعلماء السوء خطة لمعالجة الأمر، ومواجهة هذه الفتاوى التي كان لها ~~أكبر الأثر في تطويق التجنيس وإصابته في مقاتله. # وكانت اضطرابات هائلة وقفت فيها السلطة بغشمها وعتادها، ووقف فيها ~~المؤمنون عزلا إلا من الإيمان بالله والثبات على الحق، وارتوت الأرض يومئذ ~~بدماء الشهداء الذين قتلتهم فتاوى علماء السوء قبل أن يقتلهم رصاص السلطة ~~الغاشمة. PageV01P088 # والذي يهمنا في هذا المقام ذكر الفتاوى الشرعية التي صدرت من كبار العلماء ~~يومئذ في هذا الأمر، فماذا قال علماء المسلمين يومئذ في نبذ الالتزام ~~بشرائع الإسلام عن رضا واختيار والتزام القوانين الفرنسية. # فتوى الشيخ يوسف الدجوي، عضو هيئة كبار العلماء في مصر: # لقد قدم إليه أحد التونسيين النازلين بمصر سؤالا حول هذه القضية، وهذا نص ~~الاستفتاء والفتوى: # قدم أحد التونسيين إلى حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الجليل الشيخ يوسف ~~الدجوي، من هيئة كبار العلماء في مصر السؤال الآتي: # سؤال: ما قول ساداتنا العلماء أمتع الله بهم ms53 الأمة في رجل مسلم تجنس ~~بجنسية أمة غير مسلمة اختيارا منه، والتزم أن تجري عليه قوانينها بدل أحكام ~~الشريعة الغراء حتى في الأحوال الشخصية كالنكاح، والطلاق، والمواريث، ويدخل ~~في هذا الالتزام أن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية، فهل يكون ~~نبذه لأحكام الشريعة الإسلامية، والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة طوعا منه ~~ارتدادا عن الدين، وتجري عليه أحكام المرتدين، فلا يصلى عليه، ولا يدفن في ~~مقابر المسلمين، أو كيف الحال ... ؟ وإذا كان خلع أحكام الشريعة من عنقه ~~والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة ردة، فهل ينفعه أن يقول بعد هذا الالتزام: ~~إني مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ # أفتونا أعلى الله بكم كلمة الدين، وجعلكم من العلماء الراشدين المرشدين. # أحد التونسيين النازلين بمصر PageV01P089 ~~فأجاب فضيلة الأستاذ حفظه الله تعالى بما يأتي: # الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وأصحابه، وبعد: فقد قرأت ~~شيئا عن هذا الموضوع: موضوع التجنس بالجنسية الفرنسية التي يشير إليه حضرة ~~السائل في سؤاله، وفي تونس الآن حركة تدمي القلوب وتفتت الأكباد، وما يراد ~~بتلك الحركة وأمثالها كالظهير البربري المعروف إلا محو الإسلام من تلك ~~البلاد ذات التاريخ المجيد في خدمة الدين والعلم بما أنجبت من أكابر ~~الفضلاء وفحول العلماء، وإنه ليجب على المسلمين أن يتيقظوا لما يدبر لهم في ~~الخفاء، وما يراد بهم من الأعداء الذين لا يألون جهدا في الكيد لهم، ~~والتفنن في وسائل الإيقاع بهم، والعمل على إخراجهم من دينهم واستعبادهم في ~~أوطانهم، والسير بهم في طريق يؤدي إلى الكفر لا محالة، وقد استعملوا لذلك ~~ضروب الحيل وشتى الوسائل، ولقد مر بنا من الحوادث ما فيه مزدجر، وقام على ~~سوء نيتهم وكذب دعاويهم ما فيه عبرة لأولي الألباب. # التجنس بالجنسية الفرنسية معناه الانسلاخ من جميع شرائع الإسلام # إن التجنس بالجنسية الفرنسية والتزام ما عليه الفرنسيون في كل شيء حتى ~~الأنكحة والمواريث والطلاق، ومحاربة المسلمين والانضمام إلى صفوف أعدائهم ~~معناه الانسلاخ من جميع شرائع الإسلام، ومبايعة أعدائه على ألا ms54 يعودوا إليه ~~ولا يقبلوا حكما من أحكامه بطريق العهد الوثيق والعقد المبرم (وهل بقي بعد ~~هذا من الإسلام شيء)، وإن هناك فرقا كبيرا بين من تسوقه الشهوات بسلطانها ~~الشديد إلى PageV01P090 ~~الزنا وشرب الخمر مثلا وبين من يلتزم هذه الأشياء مختارا لها على شرائع ~~الإسلام التي نبذها وراء ظهره، وأعطى على نفسه العهود والمواثيق ألا يعود ~~إليها، فإن صاحب الشهوة يفعل ما يفعل بمقتضى سلطانها الطبيعي القاهر، وهو ~~يتمنى أن يتوب الله عليه، فهو معتقد قبح ما يفعل وسوء مغبته، وربما كان ~~قلبه ممتلئا بمحبة الله ورسوله كما قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه عندما ~~لعنوا ذلك الذي حد في الخمر مرارا: "لا تلعنوه فإنه يحب الله ورسوله" فمثل ~~هذا يوشك أن يندم على ما فعل ويتوب مما اقترف، وأما حليف الفرنسيين الخارج ~~من صفوف المسلمين طوعا واختيارا مستبدلا لشريعة بشريعة وأمة بأمة مقدما ذلك ~~على اتباع الرسول بلا قاسر ولا ضرورة فلابد أن يكون في اعتقاده خلل وفي ~~إيمانه دخل، وإذا حللنا أحواله القلبية ونزعاته النفسية وجدناه منحل ~~العقيدة فاسد الإيمان، فهو من وادي من قال الله فيهم: {ألم تر إلى الذين ~~يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى ~~الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا ~~قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك ~~صدودا} [النساء: 60 - 61]، وهذه الظواهر التي تدل على فساد البواطن ينبغي ~~أن لا نتغافل عنها ولا عما صاحبها من تلك القرائن التي تنطق بالبعد عن ~~حقائق الإيمان وتدل على سوء المقصد وقبح الغاية، ولله در المالكية في نظرهم ~~البعيد، حيث لم يقبلوا التوبة من الزنديق الذي قامت القرائن على كذبه في ~~دعوى الإسلام، وإن لذلك مدى كبيرا في نفسي، فقد كان لهم من بعد النظر وحسن ~~السياسة للشريعة المطهرة ما يعرفنا أنهم بالمحل الأول من الحكمة واليقظة، ولولا PageV01P091 ~~ذلك لكان الإسلام لعبة في يد هؤلاء الزنادقة، ولكان المسلمون ms55 لديهم مثال ~~الغفلة والبلاهة والجهالة، فما أسرع ما كانوا يهزءون بهم ويسخرون من ~~عقولهم، وقد رأينا ذلك في ملاحدة مصر حيث يأتي الرجل بالكفر الصريح، ~~والإلحاد المشكوف، والإقذاع الفاحش، ثم يكتب على صفحات الجرائد أنه يؤمن ~~بالله ورسوله واليوم الآخر، ويقول بعض ذوي القلوب السليمة من العلماء أنه ~~إن كان كفر بالأمس فقد أسلم اليوم، ولم يدر أننا صيرنا الإسلام بذلك هزأة ~~الهازئين، وسخرية الساخرين، وأضحوكة الزنادقة والملحدين، فجزى الله ~~المالكية عن الإسلام خيرا، فما أوسع نظرهم، وأعرفهم بتلك النفوس الخبيثة ~~ومقدار تفننها في الخبث والدهاء، وما أعظم استعدادها لأن تظهر بكل لون ~~وتتشكل بكل شكل. # لا يمكننا أن نفهم إلا أن هذا استحلال لما حرم الله ورد لما أوجبه # على أننا لو تنزلنا غاية التنزل فلسنا نشك في أن هؤلاء المتجنسين ~~بالجنسية الفرنسية على أبواب الكفر، وقد سلكوا أقرب طريق إليه، وليس يخفى ~~ضعف النفوس وتأثرها بما تعتاده وتألفه، فهي طريق موصلة لغايتها توصيلا ~~طبيعيا لا محالة، وقد رأينا المدنية الأوربية وما فعلت بنا، والتقاليد ~~الغربية وما أفسدت من أبنائنا الذين سارت بهم مسيرا تدريجيا في طريق الفساد ~~الذي قضى على الدين والآداب والأخلاق قضاء مبرما، ومما لاشك فيه أن أبناء ~~أولئك المتجنسين لابد أن يكونوا خلوا من الإسلام براء من ذويه، لا يعرفون ~~غير الكفر ومحبذيه، ولا شك أن الرضا بالكفر كفر، والوسيلة تعطى حكم المقصد، ~~وما لا يتم الكفر إلا به فهو كفر، PageV01P092 ~~ومن عزم على الكفر بعد خمسين عاما فهو كافر من الآن، ولا يمكننا أن نفهم ~~إلا أن هذا استحلال لما حرم الله، ورد لما أوجبه سبحانه وتعالى. # هو رجل اختار غيرنا فلا نقول إنه منا! # وبعد فإن كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم مؤمنين فليعلموا أن الحب في الله ~~والبغض في الله من الإيمان، والحب في الشيطان والبغض في الشيطان من الكفر، ~~وليس هناك ميزان صحيح لوزن الإيمان الصحيح غير الحب في الله والبغض في ~~الله، وقد ورد في الصحيح أن المرء مع من أحب (¬1)، فإنه ms56 لا يحبه إلا إذا ~~كان بينه وبينه تشاكل في النفوس وتوافق في النزعات وتقارب في الاستعداد، ~~وإلا وقع التباين فكانت البغضاء والمقاطعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما ~~سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما ~~يكره أن يقذف في النار" (¬2)، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا: "لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به"، ويقول الله عز وجل: {قل إن كان ~~آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ~~تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله ~~فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24]، ~~ويقول: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة: 51]، ويقول عز من قائل: ~~{لا تجد PageV01P093 ~~قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ~~آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22]، والآية على ~~ظاهرها متى كانت المودة قلبية بالغة ذلك الحد الذي ينم عما امتلأت به ~~النفس، فإن ذلك منبيء عن فساد الإيمان ولابد، وأي حد أبعد من أن يحارب ~~المسلمين، ولا يكون في صفوفهم، ولا يحرم المحارم، ولا يعتبر طلاقا شرعيا ~~ولا زواجا شرعيا ولا ميراثا شرعيا، وعلى الجملة فهو رجل اختار غيرنا فلا ~~نقول إنه منا، وكيف نجعله منا وهو ينادي بأنه ليس منا؟ بل نقول: أنه فتح ~~بفعله هذا باب الكفر، ومهد السبيل لأمة بأسرها لخطر الخروج من حظيرة ~~الإسلام إن عاجلا وإن آجلا لا قدر الله. # وإنا نرى شبها كبيرا بين من يختار أن يسير على شريعة الفرنسيين دون شريعة ~~المسلمين وبين جبلة بن الأيهم الغساني حين لطم الفزاري، فأراد عمر رضي الله ~~عنه أن يقتص منه، فلم يرض بحكم الدين، وفر إلى الشام مستبدلا المسيحية ~~بالإسلام: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو ms57 في الآخرة من ... ~~الخاسرين} [آل عمران: 85]. # وأما تلفظه بالشهادتين فلا يفيده مطلقا، وقد قلنا: إن شأنهم مخادعة ~~المسلمين والهزء بهم إذا خلوا إلى شياطينهم، وأنت تعلم أن هناك مكفرات ~~كثيرة ذكرها العلماء في باب الردة، وليس كل من ينطق بالشهادتين يعتبر مسلما ~~كما بينه الفقهاء، وقد أكثروا من موجبات الردة خصوصا الحنفية، أو نقول: إن ~~هذه الأفعال تكذبه في دعواه الإسلام، وتنطق بأن شهادته هذه ليست من قلب ولا ~~عن عقيدة وإلا لم يأت بما ينقاضها: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك ~~لرسول الله والله يعلم إنك PageV01P094 ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} [المنافقون: 1]، ومع ذلك كله فإنا ~~نقبله ونرحب به متى جاءنا رافضا ما التزمه من العمل بشريعتهم، راجعا إلى ~~حظيرة الإسلام تائبا نادما على ما كان منه، والتوبة تجب ما قبلها، وقد قال ~~تعالى: {إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين * ~~وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما ~~يعملون بصير * وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} ~~[الأنفال: 38 - 40]. # إنهم مبشرون ومتعصبون في بلادنا وإن كانوا لا دينيين في بلادهم! # فيا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ولا تغتروا بأساليب الاستعمار وحيل ~~المستعمرين بعد ما اتضح أمرهم وافتضح سرهم، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، ~~وليعلم المسلمون أن الروح التبشرية والنزعة الصليبية لا تفارقهم على الرغم ~~من تلك الدعاوي الكاذبة، فهم مبشرون متعصبون في بلادنا ولو كانوا لا دينين ~~في بلادهم، ولو فرضنا أنهم قهروكم على ذلك وجبت عليكم الهجرة وجوبا لا ~~هوادة فيه وإلا كنتم ممن يقال لهم: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها} ~~[النساء: 97]، والأمر أوضح من أن نطيل فيه أو نستدل عليه وهو على ما يقول ~~الله تعالى: {قد بينا الآيات لقوم يوقنون} [البقرة: 118]، {ولن ترضى عنك ~~اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت ~~أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك ms58 من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: ~~120]، هذا وإذا بحثت عن نكبات المسلمين في جميع عصورهم وأدوار تاريخهم ~~وجدتها من علماء السوء وأمراء الهوى، PageV01P095 ~~أسأل الله أن يرشد المسلمين إلى صلاح أمرهم واتفاق كلمتهم، وأن يقيهم شر ~~زلل العلماء وجهل الأمراء بمنه وكرمه. # يوسف الدجوي # من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف PageV01P096 ~~فتوى علماء جمعية الهداية الإسلامية في مسألة التجنس # لقد ألفت جمعية الهداية الإسلامية لجنة من أفاضل علمائها تحت رياسة الشيخ ~~علي محفوظ وكيل الجمعية والمدرس بكلية أصول الدين لبحث مسألة التجنس إثر ~~سؤال وجه إليها بهذا الصدد. # وقد رأت اللجنة أن الأدلة على ردة المتجنس قاطعة فكتبت فتوى بذلك، ~~وقدمتها إلى مجلس إدارة الجمعية، فقرر نشرها بالصحف تحذيرا للمسلمين من ~~الوقوع في هاوية الارتداد عن الدين: # ما قول ساداتنا العلماء - أمتع الله بهم الأمة - في رجل مسلم تجنس بجنسية ~~أمة غير مسلمة اختيارا منه، والتزم أن تجري عليه أحكام قوانينها بدل أحكام ~~الشريعة الغراء حتى في الأحوال الشخصية كالنكاح والطلاق والمورايث، ويدخل ~~في هذا الالتزام أن يقف في صفوفها عند محاربتها ولو لأمة إسلامية، كما هو ~~الشأن في التجنس بالجنسية الفرنسية الآن في تونس. # فهل يكون نبذه لأحكام الشريعة الإسلامية، والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة ~~طوعا منه ارتدادا عن الدين؟ وتجري عليه أحكام المرتدين؟ فلا يصلى عليه، ولا ~~يدفن في مقابر المسلمين، أو كيف الحال؟ وإذا كان خلع أحكام الشريعة عن ~~عنقه، والتزامه لقوانين أمة غير مسلمة ردة، فهل ينفعه أن يقول بعد هذا ~~الالتزام: إني PageV01P097 ~~مسلم وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟ أفتونا أعلى الله بكم ~~كلمة الدين، وجعلكم من العلماء الراشدين المرشدين. # أحد التونسيين النازلين بمصر # الفتوى # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. # أما بعد،،، # التجنس بجنسية أمة غير مسلمة ردة عن الإسلام: # فإن التجنس بجنسية أمة غير مسلمة على نحو ما في السؤال هو تعاقد على نبذ ~~أحكام الإسلام عن رضا واختيار واستحلال لبعض ما حرم الله، ms59 وتحريم لبعض ما ~~أحل الله، والتزام لقوانين أخرى يقول الإسلام ببطلانها، وينادي بفسادها. # ولا شك أن شيئا واحدا من ذلك لا يمكن تفسيره إلا بالردة، ولا ينطبق عليه ~~حكم إلا حكم الردة، فما بالك بهذه الأربعة مجتمعة في ذلك التجنس الممقوت؟. # 1 - إن الله تعالى يقول في نبذ أي حكم من أحكام الشريعة: {فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. PageV01P098 # 2 - ويقول جل شأنه في النسيء (¬1)، وهو من جملة استحلال الحرام وتحريم ~~الحلال: {إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ~~ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين} [التوبة: 37]. # 3 - ويقول تعالى فيمن التزم شريعة أخرى غير الإسلام: {ومن يبتغ غير ~~الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} [آل عمران: 85]، أضف ~~إلى ما سبق أن التجنس المذكور فيه موالاة للكفار، ونصرة لهم على المسلمين، ~~وفيه تعاقد على أن هذا المتجنس يقف في صف الأمة غير المسلمة إذا نفر النفير ~~ولو ضد أمة إسلامية. # ومثل هذه الموالاة ينعي الله على أصحابها، ويعتبرهم من جملة من والوهم، ~~ويسمهم بالظلم، ويتوعدهم بأنه لا يهديهم، ويصفهم بمرض القلوب وبالجبن ~~والخوف، ويفند مزاعمهم في احتجاجاتهم الباطلة، وينادي على لسان المؤمنين ~~بحبوط أعمالهم وبخسرانهم، ثم يحكم أخيرا سبحانه بردتهم، وينذر بالفناء ~~والزوال وأن يستبدل بهم قوما خيرا منهم، قال جل ذكره في بيان ذلك كله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في ~~قلوبهم مرض يسارعون فيهم PageV01P099 ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده ~~فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين * ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين ~~أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين * يا ~~أيها الذين ms60 آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة ~~لآئم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم} [المائدة: 51 - 54]. # ثم إن مثل التجنس الفرنسي المذكور فيه فوق ما ذكر مودة لدولة تحاد الله ~~ورسوله، وتشاق المسلمين، وتستعمر ديارهم قوة واقتدارا، وتذيقهم كأس الظلم ~~والإرهاق ألوانا، وتعمل على تنصيرهم بكل الوسائل والحيل، والله جلت قدرته ~~يقول: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} [المجادلة: 22]. # لا ينفع المتجنس النطق بالشهادتين # أما النطق بالشهادتين مع التردي في هذه البؤر الخبيثة الموجبة للردة، ومع ~~عدم الإقلاع عنها والتبرؤ منها والندم عليها، هذه الشهادة على تلك الحال لا ~~تنفع صاحبها شيئا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، لأن الشهادتين إنما كانتا ~~دليلا على الإسلام باعتبار أنهما عقد بين العبد وربه على احترام أحكام ~~دينه، والرضا عنه وعن تشريعه، وعدم تخطيه إلى شريعة أخرى، فإذا قامت قرينة ~~ظاهرة تدل على عدم الإذعان لمقتضى هاتين الشهادتين لم يقبل إسلام من نطق ~~بهما، كمن يقول كلمة التوحيد وهو يسجد لصنم، وكمن يقول أنا أؤمن بالله ~~وملائكته وكتبه ورسله PageV01P100 ~~واليوم الآخر وهو يهين كتاب الله، فما بالك بالتجنس الآنف وهو جريمة ... ~~متألفة - كما علمت - من أربع جرائم كل منها يكفي قرينة ظاهرة تدل على عدم ~~الإذعان لكلمة الإسلام، وعلى ترك القيام بحقها، وما مثل هؤلاء إلا كمثل من ~~قال الله فيهم: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما ~~أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد ~~الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى ~~الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا} [النساء: 60 - 61]. # إن الله تعالى سمى أمثال هؤلاء منافقين، واعتبرهم أشد من الكفار ~~الظاهرين، وقال فيهم: {إن المنافقين في الدرك الأسفل ms61 من النار ولن تجد لهم ~~... نصيرا} [النساء: 145]، وفضحهم أشنع الفضيحة في سورة التوبة، ونهى رسول ~~... الله صلى الله عليه وسلم، أن يصلى على أحد منهم مات أبدا أو يقوم على ~~قبره، مع أنهم كانوا يصلون صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا ~~يقفون في صف الجهاد معه، وكانوا يظهرون خضوعهم لأحكام الله، فكيف أنت ~~بهؤلاء المتجنسين الذين رضوا بالوقوف في صف الجهاد مع فرنسا ولو ضد ~~الإسلام؟ وأظهروا التبرؤ والانسلاخ من أحكام الله، وانضووا علانية تحت ~~قانون ضد دين الله؟!. # إن أمثال هؤلاء زنادقة لم يكفهم أن يخرجوا من الإسلام ومن زمرة المسلمين، ~~بل زادوا على ذلك بأن استخفوا بالإسلام والمسلمين، فهم أشد ممن قال الله ~~فيهم: {وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا ~~معكم إنما نحن مستهزئون * الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون * ~~أولئك الذين اشتروا PageV01P101 ~~الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين} [البقرة: 14 - 16]، نعم ~~زنادقة اليوم أشد من منافقي الأمس؛ لأن أولئك كانوا يتسترون في انضمامهم ~~إلى العدو، وكانوا يستحيون أن يقولوا لشياطينهم إنا معكم إلا حين يخلون ~~إليهم، أما مرتدو اليوم فقد انسلخوا عن الإسلام في جرأة، وناصروا العدو في ~~عقد مكتوب محكم لا يسمح لهم ولا يسمحون هم لأنفسهم أن يرجعوا عنه يوما، أو ~~يتهاونوا في احترام نصوصه أبدا، وإن الله تعالى يقول: {إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا ~~يعملون} [المنافقون: 1 - 2]، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يؤمن ~~أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به". # هل لهؤلاء من عذر؟ # ولا عذر لهؤلاء المتجنسين؛ لأنهم ليسوا بمكرهين حتى نقول ما قال الله: ~~{من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [النحل: 106]. # بل هم مختارون راضون كما يقول السؤال، وليس ما ينتظرونه وراء التجنس من ~~حطام الدنيا وحظوظ العاجلة ms62 بمسوغ لهذا التجنس، بل يجب أن يفر المرء بدينه ~~متى استطاع وإن ذهبت دنياه، اقرأ إن شئت قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم ~~وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون ~~كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين} [التوبة: 24]. PageV01P102 # إن الشارع أوجب الهجرة من دار الكفر إن خاف المسلم على نفسه الفتنة، وتوعد ~~الله سبحانه أولئك الذين يبقون في أوطانهم بين الفتنة وهم قادرون على ~~الهجرة فقال جل من قائل: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم ~~كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا ~~فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا} [النساء: 97]. # هل لهؤلاء من توبة؟ # بقي الكلام على التوبة هل تقبل من هؤلاء أم لا؟ # والجواب: أنها تقبل، ولكن على معنى أن التوبة إصلاح للماضي بالندم على ما ~~فرط فيه، وإصلاح للحال بالإقلاع من الذنب فورا، وإصلاح للمستقبل بالعزم على ~~عدم العود إلى ذلك الإثم أبدا. # أما التائب الذي لم يقلع عن ذنبه فهو كالمستهزئ بربه وما يأتيه ليس ~~بتوبة، إنما هي حوبة جديدة وأكذوبة سخيفة، إذ يقول: تبت، وما تاب، ورجعت، ~~وما رجع، مع إن ربه عليم بذات نفسه، لا تخفى عليه خافية. # فهؤلاء المتجنسون إن نبذوا عقد التجنس، وخرجوا عن مقتضياته، وندموا على ~~ما فرط منهم، ورجعوا إلى أحكام الله واحترامها، وصمموا ألا يعودوا إلى ذلك ~~التجنس أبدا، إنهم إن فعلوا ذلك فقد تابوا حقا، والتائب من الذنب كمن لا ~~ذنب له، أما إن بقوا على احترامهم لعقد التجنس ونبذهم لعقد الله فأولئك لا ~~يقبل الله منهم صرفا ولا عدلا، ولو ملأوا الأرض من كلمة التوحيد ومن ألفاظ التوبة PageV01P103 ~~والاستغفار، ومن مظاهر الصلاة والصوم والصدقة، قال تعالى: {والذين كفروا ~~أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله ~~عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب} [التوبة: 39]. PageV01P104 # نصيحتنا # وأننا ننصح لإخواننا المسلمين أن يتيقظوا ms63 لما يراد بهم في هذا الزمان من ~~أعداء الإسلام وأعوانهم ممن يزعمون الإسلام، فإننا أصبحنا في فتن كقطع ~~الليل المظلم، فيها يصبح الرجل مسلما ويمسى كافرا، ويمسي مسلما ويصبح ~~كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا، والمؤمن من فر بدينه من الفتن، والعاقل ~~من اعتبر بحوادث الزمن، ويكفي ما نحن فيه، فقد طفح الكيل، وبلغ السيل ~~الزبي، واتسع الخرق على الراقع. # نسأل الله السلامة، وإنا لله وإنا إليه راجعون. # التوقيعات # رئيس اللجنة ... أمين اللجنة # على محفوظ ... محمد عبد العظيم الزرقاني # المدرس بكلية أصول الدين بالأزهر ... من علماء الأزهر PageV01P105 ~~المطلب الرابع # شبهات وجوابها # قد يرد على بعض الناس القول بأن هذه النظم لم تبتدئ رد الأحكام وتبديل ~~شرائع الإسلام، وإنما توارثت ذلك عن نظم سابقة، وهي تسعى جاهدة إلى ~~التغيير. # ولا شك أن هذه الشبهة تعد من أبرز الشبهات التي يعتمد عليها فريق كبير من ~~الناس سواء منهم من يتعمدون التلبيس والكذب وهم يعلمون، أو من فتنوا بهم ~~وهم يحسبون أنهم يعلمون. # والجواب على ذلك في مسألتين: # المسألة الأولى: أنه قد علم بالضرورة من دين الإسلام، بل من دين الرسل ~~جميعا أنه لا فرق في الحكم العام بين من يكفر بالحق ابتداء، وبين من يتوارث ~~ذلك عن غيره مع الرضا والمتابعة. # - فلا فرق بين ابتدأ تحريف التوارة والإنجيل، وبين من توارث ذلك من ~~اليهود والنصارى من بعد، ما داموا مقرين ومتابعين. # - ولا فرق بين من ابتدع عبادة الأصنام، وبين من تعبد لها بعد ذلك تقليدا ~~ومتابعة. # - ولا فرق بين عمرو بن لحي الخزاعي - وهو أول من غير دين إبراهيم - فأدخل ~~الأصنام إلى الحجاز ودعا إلى عبادتها من دون الله، # -? PageV01P106 ~~- وشرع من الدين ما لم يأذن به الله، وبين من تابعه على ذلك من العرب من بعد. # ولقد خاطب القرآن الكريم أهل الكتاب بما ارتكبه آباؤهم من قبل، وما ذلك ~~إلا لإقرارهم له ورضاهم به، فقال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ~~قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو ms64 الحق مصدقا لما معهم قل ~~فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} [البقرة: 91]. # يقول لهم: إن كنتم صادقين في دعوى الإيمان بما أنزل عليكم، فلم قتلتم ~~الأنبياء الذين جاؤكم بتصديق التوراة التي بين أيديكم وقد أمرتم باتباعهم ~~وتصديقهم، وهذا خطاب لليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ~~ومعلوم أن أحدا من هؤلاء لم يرتكب شيئا من ذلك، وإنما هو أمر جناه آباؤهم ~~من قبل، فخوطبوا به لرضاهم به وإقرارهم له، ومثل ذلك كثير في القرآن. # المسألة الثانية: إن القول بأن هذه النظم تسعى جاهدة إلى التغيير، وأن ~~ذلك ينفي شبهة الرضا والمتابعة أمر يحتاج إلى تفصيل. # ذلك أنه لا منازعة في صحة المبدأ في ذاته، فمن جاء على ميراث سابق من ~~الكفر، ولكن أعلن انخلاعه عنه، وكفره به، وبراءته منه، ثم توجه بكل جهده ~~نحو تغييره وإزالته، فلاشك أنه لا ينسحب عليه حكم من سبقه، ولا يسأل عن ~~جريمة جناه غيره، بل يسلك إن صدق في عداد المجاهدين. PageV01P107 # أما إذا جناها يروغ ويدور، فيزعم الإيمان، ويدعي التوجه إلى التغيير، ويقدم ~~بين يدى ذلك أعمالا هزيلة مدخولة، ثم تتجه خطاه بعد ذلك نحو الباطل الذي ~~توارثه تدعيما له وتثبيتا لأركانه، ومدافعة عنه، ومجادلة دونه، بل ويوالي ~~ويعادي على ذلك، فمن رضي بشرعه ومنهاجه قربه ووالاه، ومن ظن به سوى ذلك ~~أبعده وعاداه، بل يخنق كل صوت يدعو إلى الحق، وكل دعوة تعمل على إقامة ~~الدين والتزام شرائعه، فلا يجوز حينئذ أن يعول على قول تبين زوره، ولا على ~~دعوى تبين بطلانها، ولا على زعم تحقق كذبه، بل الأقرب أن يلحق هؤلاء ~~بالزنادقة الذين لا تقبل لهم توبة في رأي فريق كبير من العلماء. PageV01P108 # فصل في الولاء والبراء # تمهيد # الولاية أصلها المحبة والقرب، والعداوة أصلها البغض والبعد. # فالولاء هو الحب وما ينشأ عنه من التوقير والمتابعة والنصرة وغير ذلك، ~~والبراء هو البغض وما يلزم عنه من البعد والعداوة والهجرة والجهاد بعد ~~الإعذار وإقامة الحجة. # وصلة الولاء والبراء ms65 بالتوحيد صلة وثيقة ومباشرة، فحب الله عز وجل ~~والطاعة له هما جماع العبودية، ويلزم من محبته تعالى محبة طاعته وأهل طاعته ~~والموالاة على ذلك، وبغض معصيته والمعاداة على ذلك. # فولاية العبد لله عز وجل إنما تكون بمحبته، ونصرة دينه، وتعظيم شعائره، ~~ومحبة أوليائه ونصرتهم، والبراءة من أعدائه ومجاهدتهم، وتحقيق التوحيد ~~يقتضي ألا يحب إلا الله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي ~~إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، وأن يبغض ما أبغضه الله، فلا ينال ولاية ~~الله إلا بذلك. # قال ابن عباس:» من أحب في الله، وأبغض في الله ووالى في ذلك، وعادى في ~~الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته ~~وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدى ~~على أهله شيئا «(¬1) (أخرجه ابن جرير والمروزي). PageV01P109 # وقال:» أوثق عرى الإيمان الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في ~~الله، والبغض في الله «(رواه الطبراني في الكبير). # وسوف نتناول هذه القضية بشيء من التفصيل في هذين المبحثين: # المبحث الأول # الولاء للحق والبراءة من الباطل # إن محبة الله عز وجل تورث القلب تعظيم شعائر الله، ومحبة الحق الذي جاء ~~من عند الله، والتمسك به مهما أقفرت طريقه من السالكين، وخلت ساحاته من ~~القاصدين، وكراهية الباطل بجميع صنوفه ودرجاته من كفر أو فسوق أو عصيان ~~مهما ازدحم حوله المخدعون، وروج له المضللون والمفتونون. # ذلك أن المسلم يوقن أنه على الحق المبين، وأنه وحده صاحب الدين الحق الذي ~~أكمله الله وأتمه ورضيه دينا للعالمين إلى قيام الساعة، وصاحب الكتاب الحق ~~الذي صانه الله من العبث والتحريف، وصاحب المنهاج الحق الذي لا صلاح ~~للبشرية إلا به، ولا فوز إلا باتباعه، فهو وحده ولي الله في أرضه دون أهل ~~الأرض جميعا، وهو وحده الذي يمشي سويا وغيره يمشي مكبا على وجهه، وهو وحده ~~الذي أحياه ربه وجعل له نورا يمشي به في الناس بينما يتخبط غيره في الظلمات ~~ليس ms66 بخارج منها. PageV01P110 # والمسلم حين يدرك هذه المعاني فإنه يستعلي بما هو عليه من إيمان وهدى على ~~كل ما في الأرض من قيم وتصورات، وعلى كل ما عليها من متاع وزينة، فلا ~~يستهويه باطل مهما تفنن الشيطان في عرضه وإخراجه، ولا تستخفه أساليب الغزو ~~الفكري والثقافي التي تسللت إلى بلاد الإسلام مع ضعف الولاء للحق والبراءة ~~من الباطل، ومع ما يغشى هذه الأمة من غواشي التراجع والانكسار في هذه ~~الأيام، ولا تستدرجه الشهوات الفاجرة التي تتوارى خلف الشعارات الخلابة ~~والأسماء الخادعة. # وذلك لأنه يعلم أن هدى الله هو الهدى، وأنه لا أضل ممن اتبع هواه بغير ~~هدى من الله، وأن من أعرض عن ذكر الله عز وجل فليس له إلا ضنك المعيشة في ~~الأرض، وعذاب الخلد يوم القيامة، فهو حائر وإن زعم الهدى، خائف وإن كان في ~~بروج مشيدة، ذليل مستعبد وإن كان في صورة الملوك والسلاطين. # وإن انتصار العقيدة في نفس المسلم على هذا النحو لهو الانتصار مهما كان ~~في ذلة وقلة وخطوب ومحن، فإذا ما تزلزل هذا البناء ونجحت معاول الشيطان في ~~نقضه وتخريبه فتلك هي بداية النهاية، وهذه هي أولى الخطوات نحو الكفر ~~والردة ونحو الفناء العاجل والهلاك المحقق. # هذا وقد تمهد في محكمات الشريعة أن معقد الولاء والبراء هو الإسلام لا ~~غير، وأن عقد الولاء والبراء على ما دون ذلك من أمور الجاهلية المفرقة ~~للأمة، سواء أكان على شيء أعم من الإسلام أو أخص منه أو أعم من وجه أو أخص ~~من وجه، وأهله خارجون من الهدى إلى الضلالة ومن الجماعة إلى الفرقة. PageV01P111 # فالأعم منه كما عليه بعض المتفلسفة ومن اتبعهم من ضلال المتكلمة والمتصوفة ~~من تسويغ التدين بغير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، أو تسويغ النجاة ~~والسعادة بعد مبعثه بغير شريعته، وإن عظموا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وجعلوا دينه من أفضل الأديان. # ومثل هؤلاء من ينادون بوجود زمالة عالمية بين الأديان، ووجوب الموالاة ~~بين أهلها وقوفا في وجه الإلحاد والشيوعية، حتى قسموا ms67 العالم إلى قسمين: ~~غرب مؤمن، وشرق ملحد، ونسوا أو تناسوا هذه الآيات: {ولن ترضى عنك اليهود ~~ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم ~~بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير} [البقرة: 120]، ~~وقوله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا ~~من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق} [البقرة: 109]، وقوله تعالى: {لقد ~~كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} [المائدة: 73]، وقوله تعالى: {لعن ~~الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا ~~وكانوا يعتدون} [المائدة: 78]، والأعم من وجه والأخص من وجه مثل الموالاة ~~على أساس الأنساب والقبائل والأجناس العربية والفارسية والرومية والتركية ~~أو الأمصار والبلاد. # وهذه هي التي تسمى بلغة العصر: الوطنية والقومية. # فالوطنية: هي الانتساب إلى البلاد والأمصار، والقومية: هي الانتساب إلى ~~القبائل والأجناس، وكلاهما جاهلية بغيضة فرقت كلمة الأمة، ومزقت شملها، ~~وغيرت اتجاهها كله، فتغنى أهل كل مصر بأمجاد الآباء والأجداد، واستعزوا PageV01P112 ~~بالانتساب إلى مثل فرعون وقارون وهامان، ولم يعد الولاء قائما على أساس ~~الإسلام، بل على أساس المصر أو النسب، فعرف» الوطني «،» والأجنبي «بديلا ~~عن» المسلم «،» والحربي «، وأطلت العصبية بوجهها الكالح البغيض، وما كان ~~هذا كله إلا محصلة طبيعية للعدوان على مفهوم الولاء والبراء وزعزعة أساسه ~~المكين الذي قضى ألا يقوم إلا عليه. # ومثل ذلك أيضا الموالاة على أساس المبادئ والأفكار كالحرية، أو ~~الديمقراطية، أو العدالة الاجتماعية، أو حقوق الإنسان إلى غير ذلك من ~~الأفكار التي يتحزب لكل منها فريق من الناس فيوالون عليها ويعادون عليها ~~لتصبح بديلا عن أخوة الإسلام ورابطة الصلة في الله، وفي ذلك ما فيه من ~~إذابة الأمة وتفريقها والعدوان على الوجود الإسلامي ذاته. # أما الأخص مطلقا فهو الانتساب إلى جنس معين من أجناس شرائع الدين كالتجند ~~للمجاهدين والفقه للعلماء والفقر والتصوف للعباد، أو الانتساب إلى بعض فرق ~~هذه الطوائف كإمام معين أو شيخ أو ملك أو متكلم من ms68 رؤس المتكلمين، أو مقالة ~~أو فعل تتميز به طائفة. # فكل ذلك من أمور الجاهلية المفرقة بين الأمة - وأهلها خارجون عن السنة ~~والجماعة - داخلون في الفرقة والضلالة. # أما دين الله تعالى فلا ولاء فيه إلا على أساس ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم من عند ربه من البينات والهدى. PageV01P113 # هذا ولقد نجحت وسائل الكفار في أن تصرع فريقا من المنتسبين إلى الإسلام، ~~وأن تزعزع ولاءه لدينه وعقيدته، فتجد أحدهم يستحي من الانتساب إلى الإسلام، ~~ويكره أن يرى وهو يقوم بشيء من شعائره، بل ربما يحب أحدهم أن يراه الناس ~~خارجا من حانة، ولا يحب أن يروه خارجا من مسجد، وقد يسهل عليه أن يوصف بأنه ~~زنى بعشر نسوة بينما يسوء وجهه لو قيل إنه متزوج من اثنين. # وقد يرفض كثير منهم أن يعمل تحت لواء الإسلام، في الوقت الذي يتيه فيه ~~عجبا بالانتساب إلى العالمانية وما دار في فلكها من الرايات المارقة، وبمثل ~~هؤلاء ابتليت الأمة، وصبت عليها الهزائم والولايات. # المبحث الثاني # الولاء لأهل الحق # والبراء من أهل الباطل # إن محبة أهل التوحيد والإيمان، وكراهية أهل الشرك والعصيان دلالة لا تخفى ~~على الإيمان، والأصل أن المسلم لا يبذل حبه وولاءه ولا بغضه وبراءه إلا في ~~الله، فهو يحب أولياء الله ويواليهم، ويبغض أعداءه ويعاديهم، ولا يكون ~~ولاؤه وبراؤه إلا على أساس الإيمان والطاعة. PageV01P114 # تفاوت الولاء أو البراء بحسب الطاعة أو المعصية: # الناس في هذه المسألة ثلاثة أقسام: # فمن كان مؤمنا وجبت موالاته من أي صنف كان، فلا يفرق بين المؤمنين على ~~أساس جنس أو لون أو لغة أو خلاف في الرأي وتباين في الاجتهاد، ما دام الأمر ~~في دائرة النظر. # فالمؤمنون بعضهم أولياء بعض، ولا تنقطع الولاية بينهم بظلم أو اعتداء، ~~ولهذا كان السلف مع الاقتتال يوالي بعضهم بعضا موالاة الدين، لا يعادون ~~كمعاداة الكفار، فيقبل بعضهم شهادة بعض، ويأخذ بعضهم العلم من بعض، ~~ويتوارثون ويتناكحون، ويتعاملون بمعاملة المسلمين بعضهم مع بعض، على ما كان ~~بينهم من القتال والتلاعن ms69 وغير ذلك. # والمسلم مهما تسعر الخلاف بينه وبين أخيه المسلم فإنه لا يطيع فيه كافرا، ~~ولا يستعين بكافر عليه، وقد ذكر الفقهاء أن من أحكام قتال البغاة ألا ~~يستعان عليهم بمشرك. # قال تعالى: {إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ~~ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب ~~الله هم الغالبون} [المائدة: 55 - 56]، ومن كان فيه إيمان وفجور أعطى من ~~الموالاة بحسب إيمانه، ومن البغض بحسب فجوره، كالسارق تقطع يده نكالا ~~وعقوبة، ويعطى من بيت المال ما يكفيه برا به وقياما بحقوق موالاته، وكإقامة ~~الحد على شارب الخمر ثم النهي عن لعنه وسبه، كما نهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن لعن عبد الله بن حمار PageV01P115 ~~مع كثرة ما كان يؤتى به وقد شرب الخمر، قائلا: "لا تلعنه فإنه يحب الله ~~ورسوله"، والحديث قد رواه البخاري في صحيحه. # فالرجل قد يجتمع فيه كفر وإيمان، وشرك وتوحيد، وفجور وتقوى، ونفاق ~~وإيمان، وهذا من أعظم أصول أهل السنة، وقد خالفهم فيه غيرهم من أهل البدع ~~كالخوارج والمعتزلة والقدرية. # وأما من كان كافرا فقد وجبت معاداته من أي صنف كان، ولو كان أبا أو ابنا ~~أو اخا أو زوجة، فقد قطع الله الموالاة بين المؤمنين والكافرين، ولم يرخص ~~فيها حتى مع أقرب الأقربين، وقد تكرر هذا المعنى في عشرات المواضع من ~~القرآن الكريم. # قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق} [الممتحنة: 1]، وقال تعالى: ~~{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من ~~الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة} [آل عمران: 28]، وقال تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون} [التوبة: 23]، وقال تعالى: ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب ms70 في قلوبهم ~~الإيمان وأيدهم بروح منه} [المجادلة: 22]. PageV01P116 # انتصار عقيدة الولاء والبراء في نفوس الرعيل الأول: # ولقد وعى الرعيل الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه ~~الحقيقة فانتصر ولاء العقيدة في قلوبهم على كل اعتبار آخر، وقهروا روابط ~~الدم والنسب والعشيرة عندما وقفت في معركة مع الإيمان. # فأبو هريرة يقتل أباه يوم بدر لأنه استحب الكفر على الإيمان، ووقف مقاتلا ~~في حزب الشيطان. # وعبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول يمنع أباه من دخول المدينة إلا ~~بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه قال قولته الآثمة: لئن رجعنا إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأراد أن يعلمه من هو الأعز ومن هو الأذل. # ومصعب بن عمير يمر يوم بدر على رجل من الأنصار يأسر أخاه لأمه ولأبيه: ~~أبا عزيز بن عمير، فيوصيه بأن يشد وثاقة قائلا:» إن أمه ذات متاع لعلها ~~تفديه منك «، فقال أبو عزيز: يا أخي هذه وصاتك بي، فيجيبه مصعب:» إنه أخي ~~دونك «. # وزيد بن الدثنة لا يحب أن يفدى من القتل بشوكة تصيب محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، وهو في مكانه. # وكعب بن مالك يرسل إليه ملك غسان يستقدمه لإكرامه وتعزيزه بعد أن علم ~~بجفوة النبي صلى الله عليه وسلم، أصحابه له، فكان جوابه أن أخذ الكتاب ~~وأحرقه في التنور. # وهذه الأمثلة قليل من كثير، والسيرة حافلة بالأعاجيب. PageV01P117 # موالاة أعداء الله شعب متفاوتة # هذا وإن مسمى الموالاة لأعداء الله يقع على شعب متفاوتة منها ما يوجب ~~الردة، وذهاب الإسلام بالكلية، ومنها ما هو دون ذلك من الكبائر والمحرمات. # ومن صورها: الرضى بكفر الكفار، أو عدم تكفيرهم، أو الشك في ذلك، أو ~~اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، أو التآمر معهم، والدخول في أحلافهم، ونقل ~~عورات المسلمين إليهم، أو مداهنتهم ومداراتهم على حساب الدين، أو الاعتزاز ~~بسيرتهم في الحياة، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، إلى غير ذلك من الصور التي ~~تتضمن معنى الحب والموالاة. # وبعض هذه الصور متفق على نقضه للإسلام كالرضى بكفرهم، أو ms71 مظاهرتهم لشركهم ~~على المسلمين، أو توليهم في الدين ونحوه، أما بقية الصور فتدخل في باب ~~المحرمات، وفي نقض الإسلام ببعضها خلاف. # وإذا كان إظهار العداوة باللسان والجوراح قد يختلف من آن إلى آخر بحسب ~~القدرة والمنعة، فإن بغض القلب وكراهيته لابد أن يكون كاملا جازما، فلا ~~ينقص منه شيء إلا بنقص الإيمان، وأما فعل البدن فهو بحسب قدرته وطاقته. # الفرق بين الولاء والتسامح # ومما ينبغي أن ينتبه إليه في هذا المقام التفرقة بين الولاء من ناحية، ~~وبين التسامح والمعاملة بالحسنى من ناحية أخرى، فقد قال تعالى: {لا ينهاكم ~~الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} [الممتحنة: 8]، والمعنى كما رجحه ابن ~~جرير: لا ينهاكم الله عن PageV01P118 ~~الذين لم يقاتلوكم في الدين من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم ~~وتصلوهم وتقسطوا إليهم، لأن الله عز وجل عم بقوله: {الذين لم يقاتلوكم في ~~الدين ولم يخرجوكم من دياركم}، جميع من كان ذلك صفته، فلم يخصص به بعضا دون ~~بعض، ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن لأحد من أهل الحرب ~~ممن بينه وبينه قرابة نسب، أو ممن لا قرابة بينهما ولا نسب غير محرم ولا ~~منهي عنه، إذا لم يكن في ذلك دلالة له أو لأهل الحرب على عورة لأهل ~~الإسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح (¬1). # ولكن هذا الإحسان ليس من باب الموالاة في شيء، بل هو من جنس إحسان ~~الإسلام في معاملة الأسرى والشيوخ والأطفال في الحرب. # قال ابن حجر:» البر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتواد المنهي ~~عنه في قوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله} [المجادلة: 22]، فإنها عامة في حق من قاتل ومن لم يقاتل «. # وبعد،،، # فرغم وضوح هذه القضية - البراءة من الكافرين - في القرآن الكريم إلى درجة ~~أن تعد الآيات الواردة فيها بالعشرات، ورغم بداهتها في حس الأجيال الأولى ~~حتى قلت الإشارة إليها في كتبهم لاعتبارها ms72 من المسلمات، فإنها قد تعرضت PageV01P119 ~~في الفترة الأخيرة لحملات شرسة من التشكيك والتوهين تولى كبرها تلاميذ ~~الاستشراق وصرعى الاستغراب. # فعرفت ديار الإسلام دعوات غريبة مشبوهة تفوح منها رائحة الدنس والهزيمة ~~كالدعوة إلى التقارب بين الأديان، والإقرار بوجود زمالة عالمية بينها، أو ~~القول بأن عقيدة المسلم لا تمنعه من أن يعمل للديمقراطية، أو الاشتراكية، ~~أو الوحدة العالمية، أو الدعوة السافرة إلى إحياء الجاهليات والقوميات، ~~والتغني بأمجاد الدول الكافرة، ومعرفة أبطال حضارتها، أو الحرب المعلنة على ~~قيم الإسلام وشرائعه بالدعوة الصريحة إلى أن تسير الأمة الإسلامية سيرة ~~الأوربيين وتسلك طريقهم، لتكون لهم ندا وشريكا في الحضارة خيرها وشرها، ~~وحلوها ومرها، وما يحب منها وما يكره، وما يحمد منها وما يعاب!!. # إنها دعوات أثيمة في دروب النفاق والهزيمة، تختلف صورها وتتعدد مجالاتها، ~~ولكنها ترتكز في النهاية حول محور واحد وهو: العدوان على مفهوم الولاء ~~والبراء، وذبذبته أو إذابته في نفس المسلم، وبعده يكون مستعدا لكل شيء. # يقول أحد المستشرقين: إننا في كل بلد إسلامي دخلناه نبشنا الأرض لنحصل ~~على تراث الحضارات القديمة قبل الإسلام، ولسنا نعتقد بهذا أن المسلم سيترك ~~دينه، ولكنه يكفينا منه تذبذب ولائه بين الإسلام وتلك الحضارات (¬1). PageV01P120 # خاتمة في توحيد الأسماء والصفات # تمهيد # توحيد الأسماء والصفات من القضايا التي احتدم حولها الجدل، وتفرقت حولها ~~الفرق في ماضي هذه الأمة وحاضرها، وقد هلك فيها فريقان من الناس: # - المشبهة: الذين غلوا في إثبات صفات الله عز وجل حتى هووا إلى دركة ~~التشبيه والتمثيل. # - المعطلة: الذين غلوا في باب النفي والتنزيه، فهووا إلى دركة التحريف ~~والتعطيل. # وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى العقيدة الوسط، فأثبتوا لله ما أثبته ~~الله عز وجل لنفسه وما أثبته له رسله، ونفوا عن الله عز وجل ما نفاه الله ~~عن نفسه وما نفته عنه رسله، بلا تمثيل وتعطيل، كما قال تعالى: {ليس كمثله ~~شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. # والناس في تناولهم لهذه القضية في واقعنا المعاصر طرفان وواسطة: # فمنهم من غلا فيها غلوا منكرا، فأحيا الخلافات المندثرة حولها، ms73 وفتن ~~العامة بها، وألزمهم بتفصيلات ومصطلحات لا تبلغها عقولهم، ولا ترقى إليها ~~مداركهم، وأثار حولها من الجدل والخصومات ما لا يعلم مداه إلا الله، وجعل ~~ذلك كله من معاقد الولاء والبراء. PageV01P121 # ومنهم من فرط فيها تفريطا منكرا، فهمش قيمتها، ونهى عن الانشغال بها ~~واعتبرها من قضايا الفتنة التي ينهى عن مجرد الدخول فيها، وتستمطر اللعنات ~~من أيقظها. # وبين هؤلاء وهؤلاء وقف أهل القصد والاعتدال، الذين لم يتعمقوا فيها تعمق ~~الأولين، ولم يجفوا عنها كما فعل الآخرون، بل ألزموا العامة فيها بالجمل ~~الثابتة التي لا لبس فيها ولا غموض، وأحالوا إلى أهل العلم ما وراء ذلك من ~~الجزئيات والتفاصيل التي لا تبلغها عقول العامة ولم تتهيأ لها، واعتبروا ~~بواقع الفتنة والغربة الذي يغشى الأمة في هذه الأيام، فلم يثربوا على ~~المخالف التثريب الذي يحمله على الانحياز إلى معسكر الخصوم، ولم يسكتوا عنه ~~السكوت الذي تغيم معه الرؤية وتشتبه به الأمور، بل المداراة والتألف مع ~~الإلحاح في البلاغ والبيان. # ونود في هذه العجالة أن نشير إلى بعض القواعد الكلية في باب توحيد ~~الأسماء والصفات التي لا يسع المبتدئ جهلها محيلين فيما وراء ذلك إلى ~~المراجع والمطولات. # ثوابت ومحكمات في توحيد الأسماء والصفات: # الجمع بين النفي والإثبات هو حقيقة التوحيد في باب الأسماء والصفات، لأن ~~الاقتصار على النفي المحض تعطيل محض، والاقتصار على الإثبات المحض لا يمنع ~~المشاركة، فلو قلت: (ليس محمد بعالم)، فقد نفيت عنه صفة العلم وعطلته منها، ~~وإن قلت: (محمد عالم)، فإنك وإن أثبت له صفة العلم إلا أن هذا لا يمنع ~~مشاركة غيره له في ذلك، بخلاف ما لو قلت: (لا عالم إلا محمد)، فقد أثبت له ~~صفة العلم ونفيتها عن غيره، فتكون موحدا له في هذه القضية. PageV01P122 # والصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها هو ~~التفصيل، لأن ذلك يظهر من كمال الموصوف بها ما لم يكن معلوما من قبل، وإما ~~الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه فكلها صفات نقص لا تليق بذاته ms74 ~~تعالى، والغالب فيها هو الإجمال، لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف وأكمل في ~~التنزيه، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من ~~الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه. # جماع القول في باب الأسماء والصفات أن يوصف الله تعالى بما وصف به نفسه ~~وما وصفته به رسله إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، وقد جمع الله ذلك ~~في قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. # ولهذه القاعدة دليلان: نقلي وعقلي: # أما الدليل النقلي: فمثل قوله تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ~~[الشورى: 11]، ففي قوله ليس كمثله شيء رد للتشبيه والتمثيل، وفي قوله: {وهو ~~السميع البصير} رد للإلحاد والتعطيل. # وقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في ~~أسمائه} [الأعراف: 180]. # وأما الدليل العقلي: فلأن القول في أسماء الله وصفاته من باب الخبر المحض ~~الذي لا يمكن للعقل إدراك تفاصيله فوجب الوقوف فيه على ما جاء به السمع. PageV01P123 # لا يستلزم الاشتراك في الأسماء والصفات تماثل المسميات والمواصفات، ولهذه ~~القاعدة أدلة نقلية وعقلية: # فمن النقل: نجد أن الله تعالى قد أثبت لنفسه السمع والبصر، في مثل قوله ~~تعالى: {إن الله كان سميعا بصيرا} [النساء: 58]، وأثبت للإنسان السمع ~~والبصر في مثل قوله تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا ... بصيرا} [الإنسان: 2]، ونفى أن يكون سمعه وبصره كسمع ~~الإنسان وبصره، فقال تعالى: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]. # وفي باب العلم نجد أن الله قد أثبت لنفسه العلم، في مثل قوله تعالى: {علم ~~الله أنكم ستذكرونهن} [البقرة: 235]، وأثبت لعباده العلم، في مثل قوله ~~تعالى: {فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10]، وليس ~~علم الإنسان كعلم الله عز وجل، فقد قال تعالى عن نفسه: {وسع كل شيء علما} ~~[طه: 98]، وقال عن بني آدم: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} [الإسراء: 85]. # ومن العقل: ما هو معلوم البداهة من أن المعاني والأوصاف إنما تتقيد ~~وتتميز بحسب ما تضاف إليه، فللذباب جسم وقوة، وللفيل جسم ms75 وقوة، وشتان ما ~~بين الجسمين والقوتين، فإذا كان الاشتراك في الاسم والصفة في عالم ~~المخلوقات لا يستلزم التماثل في الحقيقة، فانتفاء التلازم في ذلك بين ~~الخالق والمخلوق أولى وأجلى. # الأصل هو إجراء نصوص الصفات على ظاهرها بغير تحريف، وظاهر النصوص هو ما ~~يتبادر منها من المعاني بحسب ما تضاف إليه وما يحتف بها من PageV01P124 ~~القرائن، فليس الظاهر هو ما يتوهمه المؤولة من التمثيل والمعاني الفاسدة، ~~فإن هذا وإن كان غير مراد لكنه ليس ظاهر نصوص الكتاب والسنة. # فقد اتفق السلف والأئمة على أن نصوص الصفات تجري على ظاهرها اللائق بالله ~~عز وجل من غير تحريف، وأن هذا الظاهر لا يقتضي تمثيل الخالق بالمخلوق. # وبيان ذلك أن من صفات البشر ما هو معان وأعراض قائمة بهم كالعلم والقدرة ~~والإرداة، ومنها ما هو أعيان وأجسام كالوجه واليدين، ومن المعلوم أن الله ~~قد وصف نفسه بالعلم والقدرة والإرادة، ولم يقل أحد أن علمه وقدره وإرادته ~~كعلم البشر وقدرتهم وإرادتهم، كما وصف نفسه بأن له وجها ويدين، ولم يقل أحد ~~من السلف أو الأئمة كذلك إن وجهه تعالى ويديه كوجوه البشر وأيديهم، بل كما ~~أن ذاته لا تشبه الذوات، فكذلك صفاته لا تشبه الصفات. # ومن قال من المؤولة إن ظاهر نصوص الصفات غير مراد فقد أخطأ في تحديد ~~المراد بهذا الظاهر؛ لأنه يكون قد فسر اللفظ بمعنى فاسد لا يدل عليه، أو ~~أخطأ في رد معنى ظاهر صحيح توهم أنه فاسد بناء على فهم مغلوط لديه: # فمن زعم أن ظاهر قوله تعالى عن سفينة نوح: {تجري بأعيننا} أنها تجرى في ~~عين الله فقد أبعد النجعة لأن هذا ليس بظاهر، ولا هو المتبادر من اللفظ ~~فيما يفهمه عقلاء الناس بل وسفهاؤهم عند سماع هذه الآية، بل يفهم الناس ~~جميعا أن السفينة تجرى وأن الله يكلؤها بعينه. PageV01P125 # ومن زعم أن ظاهر قوله تعالى في الحديث القدسي: "ابن آدم مرضت ولم تزرني ... ~~الخ" أن الله عز وجل يمرض ويجوع ويعطش قيل له: ليس هذا هو المعنى المتبادر ms76 ~~الظاهر من جملة الحديث؛ لأن بقية الحديث ترد هذا الظاهر المزعوم، وتبين أن ~~الذي مرض وجاع وعطش إنما هو العبد وليس الله رب العالمين، وذلك في قوله ~~تعالى في الحديث نفسه مبينا لمعنى هذه العبارة، "أما علمت أن عبدي فلانا ~~مرض فلم تعده ... الخ". # وقد يرد المؤولة معنى صحيحا يتوهمون فساده كما ردوا حقيقة الاستواء بدعوى ~~أنه يستلزم أن يكون الله محدودا وهو محال، وقد أتوا من جهة توهم هذا اللازم ~~الفاسد؛ لأن استواء الله على عرشه لا يقتضي أن يكون الله محدودا - وإن كان ~~العرش محدودا - لأنه علو يليق بجلال الله وعظمته ولا يماثل علو المخلوق على ~~المخلوق. # الزائغون عن الحق في باب الأسماء والصفات، فريقان: الممثلة، والمعطلة: # فالممثلة: غلوا في جانب الاثبات وقصروا في جانب النفي، فأثبتوا صفات الله ~~على نحو يماثل صفات المخلوقين، فأثبتوا لله وجها ويدا وعينا كوجه الإنسان ~~ويده وعينه. # وشبهتهم على ذلك قياس الغائب على الشاهد، يقولون إن القرآن خاطبنا بما ~~نفهم ونعقل ونحن لا نفهم ولا نعقل إلا ما كان شاهدا، فإذا خاطبنا عن الغائب ~~بشيء وجب حمله على الشاهد، ومذهبهم باطل ومنكر يرده النقل والعقل. PageV01P126 # فمن النقل: أن الله عز وجل قد نفى أن يكون له مماثل، في مثل قوله: {ليس ~~كمثله شيء وهو السميع البصير} [الشورى: 11]، ونهى أن تضرب له الأمثال، في ~~مثل قوله تعالى: {فلا تضربوا لله الأمثال} [النحل: 74]. # ومن العقل: أن التباين بين الخالق والمخلوق في الذات يستلزم التباين في ~~الصفات، فالمعاني والصفات تتميز وتتقيد بحسب ما تضاف إليه، وأن القول ~~بالمماثلة يقتضي النقص وهو محال وضلال. # وأما قياسهم الغائب على الشاهد فهو باطل من وجهين: # - أن ما أخبر الله به عن نفسه أخبر به مضافا إلى ذاته المقدسة فيكون على ~~وجه يليق بذاته المقدسة لا مماثلا لمخلوقاته. # - أن المماثلة تستلزم نقص الخالق، واعتقاد ذلك كفر وضلال. # والمعطلة: غلوا في جانب النفي وقصروا في جانب الإثبات، فأنكروا أسماء ~~الله وصفاته إنكارا كليا أو جزئيا، وحرفوا من أجل ذلك نصوص ms77 الكتاب والسنة، ~~وهم طوائف منهم: الأشاعرة، والمعتزلة، والجهمية، والقرامطة، والفلاسفة على ~~تفاوت ما بينهم في التعطيل والتحريف. # وأظهر هذه الطوائف في واقعنا المعاصر هم الأشاعرة - وإن كانوا أقرب هذه ~~الطوائف إلى الحق - وطريقتهم في ذلك أنه أثبتوا بعض الصفات ونفوا بعضها ~~الآخر، وردوا لذلك من النصوص ما أمكنهم رده، وتأولوا ما أعجزهم رده، ~~فأثبتوا صفات الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام على ~~خلاف بينهم PageV01P127 ~~وبين السلف في كيفية إثباتها؛ لأن العقل قد دل عليها، ونفوا كثيرا من ~~الصفات بدعوى أن إثباتها يستلزم التشبيه. # ومما يرد عليهم فيما ذهبوا إليه ما يلي: # أن منهج السلف الصالح في هذا الباب هو الرجوع إلى الكتاب والسنة وليس إلى ~~العقل، قال أحمد رحمه الله: نصف الله بما وصف به نفسه، ولا نتعدى القرآن ~~والحديث. # أن الرجوع إلى العقل في هذا الباب مخالف للعقل؛ لأنه من الأمور الغيبية ~~التي ليس للعقل فيها مجال، فإن العقل لا يمكنه أن يدرك بالتفصيل ما يجب وما ~~يجوز وما يستحيل في حق الله عز وجل، وإنما مرد ذلك إلى النقل. # أن تحكيم العقل في ذلك يستلزم الاختلاف والتناقض، فإن العقول متفاوتة، ~~وما يثبته هذا قد ينفيه ذاك، ولا يخفى أن تناقض الأقوال دليل على فسادها، ~~ورحم الله مالك بن أنس حيث قال:» أو كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء «. # أنه يلزمهم في المعنى الذي صرفوا إليه نصوص الصفات ما يلزمهم في المعنى ~~الذي نفوه مع وقوعهم في التحريف، فإن نفوا حقيقة اليد حتى لا يقعوا في ~~التشبيه وتأولوها والقوة فإنه يلزمهم في إثبات القوة نظير ما يلزمهم في ~~إثبات اليد الحقيقية؛ لأن للمخلوق قوة كذلك فإثبات القوة لله يستلزم ~~التشبيه بناء على هذا القاعدة. PageV01P128 # فإن قالوا إننا نثبت القوة على وجه يليق بذاته تعالى لا على وجه الماثلة ~~للمخلوقين قيل لهم: وكذلك اليد ولا فرق. # أن القول في بعض الصفات كالقول في بعض، فمن أثبت لله شيئا ms78 مما أثبته الله ~~لنفسه من الصفات لزمه إثبات الباقي، أو الوقوع في التناقض لا محالة. # فمن أثبت حقيقة الإرادة ونفى حقيقة المحبة قيل له لا فرق بين ما أثبته من ~~حقيقة الإرادة وما نفيته من حقيقة المحبة، فإن كان إثبات حقيقة المحبة ~~يستلزم التمثيل فكذلك إثبات حقيقة الإرادة، وإن كان إثبات حقيقة الإرادة لا ~~يستلزم التمثيل فكذلك إثبات حقيقة المحبة، فلزمك إثبات الجميع أو نفي ~~الجميع أو التناقض. # فإن قال: أثبت إرادة تليق بجلال الله لا على وجه المماثلة للمخلوقين، قيل ~~لهم: وكذلك في المحبة. # إن القول في الذات كالقول في الصفات، فكما أثبتنا لله ذاتا لا تماثل ذوات ~~المخلوقين لزم أن نثبت له صفات لا تماثل صفات المخلوقين، وهذا يتضمن الرد ~~على الزائغين جميعا سواء كانوا من المعطلة أو من الممثلة. # وبعد: # فإننا نختم هذه الدراسة بالتأكيد على أهمية تصحيح المفاهيم وإزالة ما عسى ~~أن يكون قد لحق بحقائق الإسلام من الغبش كمقدمة ضرورية لحشد كتائب الحق ~~وتجييشها في معركة الإسلام المقبلة. PageV01P129 # إن الباطل يحشد أجناده، ويؤجل خلافاته الداخلية إلى حين، ويستنفر كل شيعه ~~وأحزانه لضرب الإسلام والتهييج على دعاته وحملة شريعته في تواطئ غير مسبوق ~~في تاريخنا المعاصر. # وإن ترتيب الأوراق داخل الصف الإسلامي وجمع رجالاته حول محكمات الإسلام ~~وثوابته عقيدة وشريعة - بعد بلورتها وإزالة ما علق بها من الغبار ... ~~والأتربة - لهو أولى الخطوات الجادة على طريق المواجهة المحتومة، فلن يثبت ~~في هذه المواجهة إلا من كان على بصيرة من أمره فاستيقن بما هو عليه من الحق ~~وبما عليه خصومه من الباطل فلا تتقلقل في قلبه الحقائق، ولا ترتجف فوق ~~شفاهه الكلمات، ولا تضطرب في يديه أسلحة المواجهة. # وأمرى وما أمرى على بغمة ... كأسطع شمس لا أراها تماريا # ولا يفوتنا أن نذكر أن هذا لا يعني بالضرورة إرهاق الساحة بتفصيلات ~~وجزئيات لا تتهيأ لاستيعابها العامة وأشباه العامة، وإنما المقصود هو بلورة ~~الجمل الثابتة والقواعد الكلية في الدين التي تمثل الشرع المحكم الذي تنتصر ~~له سيوف المسلمين لتكون إطارا ms79 مرجعيا للصحوة الإسلامية المعاصرة. # فاللهم قيض لهذه الأمة من يردها إلى دينك ردا جميلا، وأبرم لها أمر رشد ~~يعز فيه أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن ~~المنكر، ويحكم فيه بكتابك وسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، إنك ولي ذلك ~~والقادر عليه. PageV01P130 # اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. PageV01P131 # فهرس # مقدمة في توحيد الربوبية ... تمهيد # دلالة الفطرة ... دلالة الآيات # دلالة المعجزة ... إجماع الأمم # دلالة العقل ... فصل في توحيد الألوهية # تمهيد ... المبحث الأول: توحيد العبادة والتأله # المطلب الأول: الدعاء والاستغاثة والاستعاذة ... المطلب الثاني: الخوف ~~والمحبة # المطلب الثالث: النذر والذبح ... المطلب الرابع: السحر والتنجيم والرقى ~~والتمائم # المطلب الخامس: الحلف بغير الله ... المبحث الثاني: توحيد الطاعة ~~والانقياد # المطلب الأول: الامتناع عن التزام الحكم بالشريعة ناقض لأصل الدين ... ~~المطلب الثاني: نماذج من فتاوى أئمة المسلمين في ظاهرة الامتناع عن التزام ~~الحكم بالشرائع # المطلب الثالث: فتاوى العلماء في شأن من التزم بشريعة غير شريعة الإسلام ~~مع الرضا والاختيار ... المطلب الرابع: شبهات وجوابها PageV01P132 ~~فصل في الولاء والبراء # المبحث الأول: الولاء للحق والبراءة من الباطل ... المبحث الثاني: الولاء ~~لأهل الحق، والبراء من أهل الباطل # خاتمة في توحيد الأسماء والصفات ... الفهرس PageV01P133 ~~ ms80