######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0008532 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو سليمان عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1242هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1242 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0008532 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-8532 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/8532 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الرابعة 1420هـ/2000م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: عبد العزيز ومحمد العبد الله الجميح #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 # الكلمات النافعة في المكفرات الواقعة ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور ~~أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل الله فلا هادي ~~له0 وأشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~الذي بعثه رحمة للعالمين، وحجة على المعاندين، الذي أكمل به الدين، وختم به ~~الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان ~~إلى يوم الدين. أما بعد فهذه فصول وكلمات نقلتها من كلام العلماء المجتهدين ~~من أصحاب الأئمة الأربعة الذين هم أئمة أهل السنة والدين، في بيان بعض ~~الأفعال والأقوال المكفرة للمسلم المخرجة له من الدين، وأن تلفظه ~~بالشهادتين وانتسابه إلى الإسلام وعمله ببعض شرائع الدين لا يمنع من تكفيره ~~وقتله وإلحاقه بالمرتدين. والسبب الحامل على ذلك أن بعض من ينتسب إلى العلم ~~والفقه من أهل هذا الزمان غلط في ذلك غلطا فاحشا قبيحا، وأنكر على من أفتى ~~به من أهل العلم والدين إنكارا شنيعا، ولم يكن لهم بإنكار ذلك مستند صحيح ~~لا من كلام الله ولا من كلام رسوله ولا من كلام أئمة العلم والدين، إلا انه ~~خلاف عاداتهم وأسلافهم، عياذا بالله من الجهل والخذلان والتعصب. وأذكر من ~~ذلك ما مست إليه الحاجة وغلط فيه من غلط من المنسوبين إلى العلم في هذا ~~الزمان، الذين غلبت عليهم الشقاوة والجهل والتعصب والخذلان، لما جبلوا عليه ~~من مخالفة الكتاب والسنة، وعمل السلف والأئمة المهديين، وحب الرياسة وشهوات ~~الدنيا، والطمع فيما في أيدي الناس والفسقة المعاندين، نسأل الله أن يوفقنا ~~لما يرضاه من العمل، ويجنبنا ما يسخطه من الزلل، إنه لا يخيب من رجاه، ولا ~~يرد سؤال من دعاه، فنقول وبالله التوفيق: اعلم أن هذه المسائل من أهم ما ~~ينبغي للمؤمن الاعتناء به، لئلا يقع في شيء منها وهو لا يشعر، وليتبين له ~~الإسلام والكفر حتى يتبين له الخطأ من # PageV01P329 # الصواب، ويكون على بصيرة في دين الله ولا يغتر بأهل الجهل ms01 والارتياب، وإن ~~كانوا هم الأكثرين عددا، فهم الأقلون عند الله وعند رسوله والمؤمنين قدرا. ~~وقد اعتنى العلماء رضي الله عنهم بذلك في كتبهم، وبوبوا لذلك في كتب الفقه ~~في كل مذهب من المذاهب الأربعة وهو (باب حكم المرتد) ، وهو المسلم الذي ~~يكفر بعد إسلامه، وذكروا أنواعا كثيرة كل نوع منها يكفر به المسلم ويبيح ~~دمه وماله، وسأذكر من ذلك إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي لمن هداه الله ~~وألهمه رشده، وأجعل كلام كل طائفة من أتباع الأئمة الأربعة - أبي حنيفة ~~ومالك والشافعي وأحمد - على حده ليسهل ذلك على من أراد الاطلاع عليه. ونبدأ ~~بكلامهم في الشرك الأكبر وتكفيرهم لأهله حين وقع في زمانهم من بعض ~~المنتسبين إلى الإسلام والسنة، لأنه هو المهم، فنقول: أما كلام الشافعي ~~فقال ابن حجر رحمه الله تعالى في: (كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر) : ~~(الكبيرة الأولى) الكفر أو الشرك أعاذنا الله من ذلك. ولما كان الكفر أعظم ~~الذنوب كان أحق أن يبسط الكلام عليه وعلى أحكامه، قال الله تعالى: {إن الله ~~لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال تعالى: {إن الشرك لظلم ~~عظيم} وقال تعالى: {إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنةومأواه ~~النار} وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين" وكان متكئا فجلس فقال: "ألا وقول ~~الزور، ألا وشهادة الزور" فما زال يكررها حتى قلنا ليته يسكت" ثم ذكر ~~أحاديث كثيرة ثم قال: (تنبيهات) : منها بيان الشرك وذكر جملة من أنواعه ~~لكثرة وقوعها في الناس وعلى ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، فإذا ~~بانت لهم فلعلهم أن يجتنبوها لئلا تحبط أعمال مرتكبي ذلك، ويخلدوا في أعظم ~~العذاب وأشد العقاب. ومعرفة ذلك أمر مهم جدا، فإن من ارتكب مكفرا تحبط جميع ~~أعماله، ويجب عليه قضاء الواجب منها عند جماعة من الأئمة كأبي حنيفة، ومع ~~ذلك فقد توسع أصحابه # PageV01P330 # في المكفرات وعدوا منها جملا مستكثرة جدا وبالغوا ms02 في ذلك أكثر من بقية ~~أئمة المذهب. هذا مع قولهم بأن الردة تحبط جميع الأعمال، وبأن من ارتد بانت ~~منه زوجته وحرمت عليه فمع هذا التشديد بالغوا في الاتساع في المكفرات، ~~فتعين على ذي مسكة في دينه أن يعرف ما قالوه حتى يجتنبه ولا يقع فيه فيحبط ~~عمله ويلزمه قضاؤه وتبين منه زوجته عند هؤلاء الأئمة، بل عند الشافعي رحمه ~~الله تعالى أن الردة إن لم تحبط العمل لكنها تحبط ثوابه فلم يبق الخلاف ~~بينه وبين غيره إلا في القضاء فقط. ثم ذكر أنواع الكفر نوعا نوعا، وسيأتي ~~بقية كلامه إنشاء الله تعالى في ذلك. لكن تأمل رحمك الله قوله: لكثرة ~~وقوعها في الناس على ألسنة العامة من غير أن يعلموا أنها كذلك، وأن الشرك ~~والردة قد وقع فيه كثير من أهل زمانه، يتبين لك مصداق ما قلنا إ نشاء الله ~~تعالى وقال النووي في شرح مسلم: وأما الذبح لغير الله فالمراد به أن يذبح ~~باسم غير الله كمن ذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو عيسى أو للكعبة ونحو ~~ذلك. وكل هذا حرام ولا تحل هذه الذبيحة سواء كان الذابح مسلما أو نصرانيا ~~أو يهوديا نص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابنا، فإن القصد مع ذلك تعظيم ~~المذبوح له غير الله والعبادة له كان ذلك كفرا، فإن كان الذابح قبل ذلك ~~مسلما صار بالذبح مرتدا. انتهى. فتأمل قوله: فإن القصد مع ذلك الخ تجده ~~صريحا في أن المسلم إذا قصد بالذبح لغير الله تعظيم المذبوح له غير الله ~~والعبادة له أنه يصير كافرا مرتدا. والله أعلم. (فصل) : وأما كلام الحنفية ~~فقال في كتاب تبيين المحارم المذكورة في القرآن: (باب الكفر) وهو الستر ~~وجحود الحق وإنكاره، وهو أو ل ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال ~~الله تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم} الآية، وهو ~~أكبر الكبائر على الإطلاق فلا كبيرة فوق الكفر. إلى أن قال: واعلم أن ما ~~يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله ms03 سبحانه، ونوع يتعلق بالقرآن وسائر ~~الكتب المنزلة، ونوع يتعلق بنبينا صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء # PageV01P331 # والملائكة والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام. فأما ما يتعلق بالله سبحانه ~~وتعالى إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به: بأن شبه الله بشيء من ~~المخلوقات، أو نفى صفاته، أو قال بالحلول والإتحاد، أو معه قديم غيره. أو ~~معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه سبحانه جسم، أو محدث، أو غير حي، أو ~~اعتقد أنه لا يعلم الجزيئات، أو سخر باسم من أسمائه، أو أمر من أوامره، أو ~~وعيده، أو وعده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله تعالى، أو سب الله سبحانه، ~~أو دعي أن له ولد وصاحبة، أو متولد بشيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من ~~خلقه، أو افترى على الله سبحانه وتعالى الكذب بادعاء الإلهية والرسالة، أو ~~نفى أن يكون خالقه ربه وقال ليس لي ربا، أو قال لذرة من الذرات هذه خلقت ~~عبثا ومهملا، وما أشبه ذلك مما لا يليق به: {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا ~~كبيرا} يكفر في هذه الوجوه كلها بالإجماع، سواء فعله عمدا أو هزلا ويقتل إن ~~أصر على ذلك، وإن تاب تاب الله عليه وسلم من القتل. انتهى كلامه بحروفه. ~~فتأمل رحمك الله تصريحه بأن من أشرك في عبادة الله غيره أنه يكفر بالإجماع، ~~ويقتل إن أصر على ذلك. والعبادة التي لا تصلح إلا لله ولا يجوز أن يشرك معه ~~فيها غيره أنواع: منها الدعاء لجلب خير أو دفع ضر، قال الله تعالى: {وأن ~~المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا} وقال تعالى {ادعوني أستجب كم} وقال: ~~{له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه ~~إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه} الآية، وقال تعالى: {فإذا فرغت فانصب} ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله". ومن أنواع العبادة الصلاة فلا يصلي إلا لله، ولا ~~يسجد ولا يركع إلا لله وحده، قال ms04 تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين} الآية، وقال تعالى: {فصل لربك وانحر} أي أخلص لربك الصلاة ~~والنحر لا شريك له في ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعن الله من ~~ذبح لغير الله" وقد قرن الله بين هاتين العبادتين الصلاة والنسك - في هاتين ~~الآيتين، فإذا كان من صلى # PageV01P332 # لغير الله أو ركع لغير الله أو سجد لغير الله فقد أشرك في عبادة الله ~~غيره، فكذلك من ذبح القربان لغير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن ~~أنواع العبادة أيضا الخشية، فلا تجوز الخشية إلا لله وحده، قال الله تعالى: ~~{فلا تخشوا الناس واخشون} وقال تعالى: {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا ~~تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} وقال تعالى: {ومن يطع الله ورسوله ويخش ~~الله ويتقه فأولئك هم الفائزون} فجعل الطاعة لله ولرسوله، وجعل الخشية ~~والتقوى لله وحده. ومن أنواع العبادة التوكل وهو إسناد العبد أمره إلى الله ~~وحده لا شريك له في جميع أموره الدينية والدنيوية، قال الله تعالى: {وعلى ~~الله فليتوكل المؤمنون} وقال تعالى: {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} ~~فمن توكل على غير الله فقد أشرك في عبادة الله غيره. ومن أنواع العبادة ~~الاستعانة، قال تعالى: {) إياك نعبد وإياك نستعين} وقال تعالى: {فاعبده ~~وتوكل عليه} وقال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "إذا سألت فاسأل ~~الله وإذا استعنت فاستعن بالله" فمن استعان بغير الله فقد أشرك في عبادة ~~الله غيره. ومن أنواع العبادة النذر فلا ينذر إلا لله وحده، قال الله ~~تعالى: {وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه} وقال تعالى: ~~{يوفون بالنذرويخافون يوما كان شره مستطيرا} وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه". ~~والحاصل أن "العبادة" اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من أقوال العباد ~~وأفعالهم مما أمرهم به في كتابه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد ~~صرح هذا الحنفي في ms05 كتابه الذي قدمته لك أن من أشرك في عبادة الله غيره فهو ~~كافر بالإجماع سواء فعله عمدا أو هزلا، وإنه يقتل إن أصر على ذلك، وإن تاب ~~تاب الله عليه، وسلم من القتل. والله أعلم. وذكر أيضا أن ما يكون فعله كفرا ~~بالاتفاق إذا فعله المسلم تحبط جميع أعماله ويلزمه إعادة الحج ولا يلزمه ~~إعادة الصلاة والصوم # PageV01P333 # لأنهما يسقطان عن المرتد ويكون وطؤه مع امرأته حراما وزنا، وإن أتى بكلمة ~~الشهادة بحكم العادة ولم يرجع عما قاله لا يرتفع الكفر. والله أعلم. وقال ~~الشيخ قاسم في شرح الدرر: النذر الذي يقع من أكثر العوام - بأن يأتي إلى ~~قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان إن رد غائبي أو عوفي مريضي أو قضيت ~~حاجتي فلك من الذهب والطعام والشمع كذا - باطل إجماعا لوجوه: (منها) أن ~~النذر للمخلوق لا يجوز، (ومنها) أن ذلك كفر - إلى أن قال - وقد ابتلي الناس ~~بذلك لاسيما في مولد أحمد البدوي اه. صرح بأن النذر كفر يكفر به المسلم. ~~والله أعلم. ومن كلام الشافعية أيضا ما قاله الإمام المحقق ناصر السنة شهاب ~~الدين عبد الرحمن بن إسماعيل من إبراهيم محدث الشام المعروف بأبي شامة في ~~كتاب: (الباعث، على إنكار البدع والحوادث) : ومن هذا ما قد عم الابتلاء به ~~من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، ومواضع مخصوصة في كل بلد ~~يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا ممن شهر بالصلاح والولاية، ~~فيحافظون عليه مع تضييعهم فرائض الله تعالى وسننه، ويظنون أنهم متقربون ~~بذلك، ثم يتجاوزون ذلك إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم فيعظمونها ~~ويرجون الشفاء لمرضاهم وقضاء حوائجهم بالنذر لهم، وهي بين عيون وشجر، وحائط ~~وحجر. وفي مدينة دمشق صانها الله تعالى مواضع متعددة كعوينة الحمى خارج باب ~~توما، والعمود المخلق داخل باب الصغير والشجرة اليابسة خارج باب النصر في ~~نفس قارعة الطريق سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات ~~أنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق وسفيان بن ms06 عيينة عن ~~الزهري عن سنان بن أبي سنان عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة يأتونها كل سنة ~~فيعلقون عليها سلاحهم ويعكفون عندها ويذبحون لها - وفي رواية - خرجنا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قبل حنين وللمشركين سدرة يعكفون عليها وينوطون ~~بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله - وفي ~~الرواية الأولى - وكانت تسمى ذات أنواط فمررنا بشجرة عظيمة خضراء فتنادينا ~~من جنبتي الطريق ونحن نسير إلى حنين يا رسول الله اجعل # PageV01P334 # لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "هذا ~~كما قال قوم موسى لموسى {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} لتركبن سنن من كان ~~قبلكم" أخرجه الترمذي بلفظ آخر والمعنى واحد وقال: هذا حديث حسن صحيح. وقال ~~الإمام أبو بكر الطرطوشي في كتابه: فانظروا رحمكم الله تعالى أينما وجدتم ~~سدرة أو شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها ويرجون البر والشفاء من قبلها ~~وينوطون بها أسلحتهم ويضربون عليها المسامير والخرق فهي ذات أنواط ~~فاقطعوها. قلت: ولقد أعجبني ما صنعه الشيخ أبو إسحاق الحينبائي رحمه الله ~~تعالى -أحد الصالحين ببلاد إفريقية في المائة الرابعة- حكى عنه صاحبه ~~الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي العباس المؤدب أنه كان إلى جانبه عين تسمى ~~عين العافية كان العامة قد افتنوا بها يأتونها من الآفاق، من تعذر عليه ~~نكاح أو ولد قال: امضوا بي إلى عين العافية فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد ~~الله: فأنا في السحر ذات ليلة إذا سمعت أذان أبي إسحاق نحوها فخرجت فوجدته ~~قد هدمها وأذن الصبح عليها ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها ~~رأسا. فما رفع لها رأسا إلى الآن. قلت وأدهى من ذلك وأمر أمر إقدامهم على ~~الطريق السابلة يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية التي هي من ~~بناء الجن في زمن نبي الله سليمان ابن داود عليهما السلام، أو من بناء ms07 ذي ~~القرنين، وقيل فيها غير ذلك ما يؤذن بالتقدم على ما نقلناه في كتاب تاريخ ~~مدينة دمشق حرسها الله تعالى، وهو الباب الشمالي ذكره لهم بعض من لا يوثق ~~به في أحد شهور سنة ست وثلاثين وستمائة أنه رأى مناما يقتضي أن ذلك المكان ~~دفن فيه بعض أهل البيت، وقد أخبرني عنه ثقة أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، ~~فقطعوا طريق المنارة فيه وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب وقد كان ~~الطريق يضيق بسالكيه فتضاعف الضيق والحرج على من دخل وخرج، ضاعف الله ~~العذاب لمن تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان هدامه وإزالته اتباعا لسنة ~~النبي صلى الله عليه وسلم في هدم مسجد الضرار المرصد لأعدائه من الكفار. ~~قلت: فلم ينظر الشرع إلى كونه مسجدا، وهدمه لمن قصد به السوء والردى، وقال ~~الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم {لا تقم فيه أبدا لمسجد أسس # PageV01P335 # على التقوى} الآية، أسأل الله الكريم معافاته من كل ما يخالف رضاه، وأن ~~لا يجعلنا ممن أضله فاتخذ إلهه هواه. انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى هذا ~~الإمام وتصريحه بأن الذي تفعله العامة في زمانه في العمد والشجر والمواضع ~~المخصوصة أنه مثل فعل المشركين بذات أنوا ط، وكذلك تصريح أبي بكر الطرطوشي ~~وكان من أئمة المالكية بأن كل شجرة يقصدها الناس ويعظمون من شأنها فهي ذات ~~أنواط، وكذلك تأمل قوله: ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق ببلاد ~~إفريقية في المائة الرابعة في هدمه تلك العين التي تسمى عين العافية لما ~~رأى الناس يقصدونها ويتبركون بها، يتبين لك أن الشرك قد حدث في هذه الأمة ~~من زمان قديم، وأن أهل العلم رضي الله عنهم ينكرون ذلك أشد الإنكار ويهدمون ~~ما قدروا عليه مما يفتتن به الناس وأن هذا مما حدث بعد القرون الثلاثة ~~المفضلة، وأن ذلك ليس من الدين بإجماع أهل العلم، ويجب على من قدر على ذلك ~~إزالته، فويل للأمراء والقضاة القادرين على إزالته والنهي عنه. وتأمل أيضا ~~كلام أبي شامة في المسجد الذي ms08 بني على قارعة الطريق، وتمنيه هدمه وإزالته، ~~وتشبيهه إياه بمسجد الضرار، وكان أبو شامة رحمه الله تعالى في أوائل القرن ~~السابع، ومعلوم أن الأمر لا يزيد إلا شدة، والله أعلم. فهذا ما وقفنا عليه ~~من كلام الشافعية والحنفية [والمالكية] في هذه المسألة. (فصل) : وأما كلام ~~الحنابلة فقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل: لما صعبت التكاليف على الجهال ~~والطغاة عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم إذا لم ~~يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور ~~وخطاب الموتى بالحوائج أو كتب الرقاع فيها: يا مولاي افعل بي كذا، وكذا ~~إلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه. فتأمل ~~قوله وهم عندي كفار بهذه الأوضاع وتشبيهه إياهم بمن عبد اللات والعزى. وقال ~~الشيخ تقي الدين في "الرسالة السنية" لما ذكر حديث الخوارج ومروقهم من ~~الدين وأمره صلى الله عليه وسلم بقتالهم قال: فإذا كان على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق مع عبادته ~~العظيمة فليعلم أن المنتسب # PageV01P336 # إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك ~~لأسباب: منها الغلو الذي ذمه الله تعالى في كتابه فقال: {لا تغلوا في ~~دينكم} الآية، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه حرق الغالية من الرافضة فأمر ~~بأخاديد خدت لهم عند باب كندة فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم لكن ~~ابن عباس مذهبه أن يقتلوا بالسيف بلا تحريق، وهو قول أكثر العلماء، وقصتهم ~~معروفة عند العلماء. وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي ~~طالب، بل الغلو في المسيح ونحوه، فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه ~~نوعا من الإلهية مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني، أو أغثني أو انصرني، أو ~~اجبرني، أو أنا في حسبك، أو نحو هذه الأقوال فكل هذا شرك وضلال يستتاب ~~صاحبه، فإن تاب وإلا قتل، فإن الله تعالى إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب ms09 ~~ليعبد وحده لا يجعل معه إله آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى مثل ~~المسيح والملائكة والأصنام لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق أو تنزل ~~المطر أو تنبت النبات وإنما كانوا يعبدونهم أو يعبدون قبورهم أو صورهم ~~ويقولون {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ويقولون {هؤلاء شفعاؤنا ~~عند الله} ، فبعث الله رسله تنهى أن يدعى أحد من دونه لا دعاء عبادة ولا ~~دعاء استغاثة، وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا. أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} الآية، ~~قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح وعزيرا والملائكة إلى أن قال ~~تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} ~~وقال: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} وكان صلى الله عليه وسلم يحقق التوحيد ويعلمه أمته، حتى قال رجل: ~~ما شاء الله وشئت، قال: "أجعلتني لله ندا؟ بل ما شاء الله وحده" ونهى عن ~~الحلف بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن ~~الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" يحذر ما فعلوا، وقال: ~~"اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد"، ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع ~~بناء المساجد على القبور ولا الصلاة عندها، وذلك لأن من أكبر أسباب عبادة ~~الأوثان كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أن من سلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته ولا يقبلها، لأنه إنما يكون ~~لأركان بيت الله فلا # PageV01P337 # يشبه بيت المخلوق بيت الخالق. كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين ~~ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه كما ~~قال تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} وقال ~~تعالى: {ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما} ولهذا كانت كلمة التوحيد ~~أفضل الكلام وأعظمه، ms10 فأعظم آية في القرآن آية الكرسي {الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم} وقال صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله ~~دخل الجنة" والإله هو الذي يألهه القلب عبادة واستعانة ورجاء له وخشية ~~وإجلالا. انتهى كلامه. فتأمل أول الكلام وآخره، وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا ~~أو وليا مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني ونحوه، أنه يستتاب فإن تاب وإلا ~~قتل، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك وقتلهم بعد الاستتابة وإقامة الحجة ~~عليهم، وأن من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعا من الإلهية فقد اتخذه ~~إلها مع الله، لأن الإله هو المألوه الذي يألهه القلب أي يقصده بالعبادة ~~والخشية والإجلال والتعظيم، وإن زعم أنه لايريد إلا الشفاعة والتقرب عند ~~الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، واستدل على ذلك بالآيات ~~الصريحات القاطعات. والله أعلم. وقال رحمه الله تعالى في كتاب (اقتضاء ~~الصراط المستقيم) : وكانت الطواغيت الكبار التي تشد لها الرحال ثلاثة: ~~اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى. وكل واحد منها لمصر من أمصار العرب، ~~فكانت لأهل الطائف ذكروا أنه في الأصل رجل صالح يلت السويق للحاج فلما مات ~~عكفوا عن قبره. وأما العزى فكانت لأهل مكة قريبا من عرفات، وكانت هناك شجرة ~~يذبحون عندها ويدعون. وأما مناة فكانت لأهل المدينة، وكانت حذو قديد من ~~ناحية الساحل. ومن أراد أن يعرف كيف كانت أحوال المشركين في عبادة أوثانهم ~~ويعرف حقيقة الشرك الذي ذمه الله تعالى وأنواعه حتى يتبين له تأويل القرآن ~~فلينظر إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأحوال العرب في زمانه وما ذكره ~~الأزرقي في أخبار مكة وغيره من العلماء، ولما كان للمشركين شجرة يعقلون ~~عليهم أسلحتهم ويسمونها ذات أنواط قال بعض الناس: يا رسول الله، اجعل لنا ~~ذات أنواط كما لهم ذات # PageV01P338 # اأنواط، فقال: "الله أكبر إنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم"، فأنكر ~~صلى الله عليه وسلم مجرد مشابهتهم في اتخاذ شجرة يعكفون عليها معلقين ~~سلاحهم، فكيف بما ms11 هو أطم من ذلك من الشرك بعينه؟ - إلى أن قال -: فمن ذلك ~~أمكنة بدمشق مثل مسجد يقال له مسجد الكف يقال أنه كف علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه حتى هدم الله ذلك الوثن، وهذه الأمكنة كثيرة موجودة في أكثر ~~البلاد، وفي الحجاز منها مواضع. انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله تعالى كلام ~~هذا الإمام في اللات والعزى ومناة وجعله بعينه هذا الذي يفعل بدمشق وغيرها ~~من البلاد من ذلك، وتأمل قوله # على حديث ذات أنواط وتدبره فإنه نافع جدا. وقال رحمه الله تعالى في ~~الكلام على قوله تعالى: {وما أهل به لغير الله} : ظاهره أن ما ذبح لغير ~~الله سواء لفظ به أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم وقال ~~فيه باسم المسيح ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله كان أزكى مما ~~ذبحناه للحم وقلنا باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة والنسك له أعظم من ~~الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرا من ~~الاستعانة. فلو ذبح لغير الله متقربا إليه لحرم وإن قال بسم الله، كما قد ~~يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم ~~بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح ~~للجن. انتهى كلامه. فتأمل رحمك الله هذا الكلام وتصريحه فيه بأن من ذبح ~~لغير الله من هذه الأمة فهو كافر مرتد لا تباح ذبيحته، لأنه يجتمع فيها ~~مانعان: الأول أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع، والثاني ~~أنها مما أهل به لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله: {قل لا أجد في ما ~~أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ~~خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به} وتأمل قوله: ومن هذا يفعل بمكة ~~وغيرها من الذبح للجن. والله أعلم # PageV01P339 # (فصل) : وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في شرح المنازل في كتاب التوبة: ~~"وأما ms12 الشرك فهو نوعان: أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه ~~وهو أن يتخذ من دون الله ندا يحبه كحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم ~~من محبة الله، ويغضبون لتنقص معبوديهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا تنقص ~~أحد رب العالمين، وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتخذ ~~ذكر إلهه ومعبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش، وهو لا ~~ينكر ذلك ويزعم أنه حاجته إلى الله وشفيعه عنده، وهكذا كان عباد الأصنام ~~سواء، وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف ~~آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وهؤلاء اتخذوها من البشر، قال الله ~~تعالى حاكيا عن أسلاف هؤلاء: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ~~ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله ~~لا يهدي من هو كاذب كفار} . فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه ~~يقربه إلى الله زلفى، وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من ~~أنكره. والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند ~~الله، وهذا عين الشرك، وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله وأخبر أن ~~الشفاعة كلها له وقال تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف ~~الضر عنكم ولا تحويلا} وقوله: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون ~~مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ~~ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} والقرآن مملوء من مثل هذه ~~الآية، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته ويظنه في قوم قد خلوا ~~ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن، كما قال ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في ~~الإسلام من لا يعرف الجاهلية. وهذا لأنه إذا ms13 لم يعرف الشرك وما عابه القرآن ~~وذمه وقع فيه وأقره وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض ~~بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا والمنكر معروفا، والبدعة سنة والسنة ~~بدعة، ويكفر الرجل بمحض الأيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم ومفارقة الأهواء والبدع، ومن له بصيرة وقلب حي ~~يرى ذلك عيانا. فالله المستعان. # PageV01P340 # ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستعانة بهم والتوجه إليهم، وهذا ~~أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله وهو لايملك لنفسه نفعا ولا ضرا ~~فضلا عمن استغاث به أو سأله أن يشفع له إلى الله. وهذا من جهله بالشافع ~~والمشفوع عنده، فإن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، والله لم يجهعل ~~سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك ~~بسبب يمنع الإذن، والميت يحتاج لمن يدعو له، كما أوصانا النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية ~~والمغفرة، فعكس المشركون هذا وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا ~~تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم ~~إلى التنقص بالأموات، وهم قد تنقصوا الخالق بالشرك، وأولياءه الموحدين ~~بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون ~~منهم بهذا وأنهم أمروهم به، وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر ~~المستجيبين لهم! ولله در خليله إبراهيم عليه السلام حيث قال: {واجنبني وبني ~~أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من الناس} الآية، وما نجا من شرك هذا ~~الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله، وتقرب بمقتهم إلى الله". انتهى كلامه ~~رحمه الله. فتأمل رحمك الله كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن من دعا الموتى ~~وتوجه إليهم واستغاث بهم ليشفعوا له عند الله فقد فعل الشرك الأكبر الذي ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم بإنكاره وتكفيره من لم يتب منه وقتاله ~~ومعاداته، وأن هذا قد وقع في زمانه وأنهم غيروا دين الرسول صلى الله عليه ms14 ~~وسلم وعادوا أهل التوحيد الذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك ~~له. وتأمل قوله أيضا: وما أعز من يتخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من ~~أنكره. يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى، ولكن تأمل أرشدك الله تعالى ~~قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من عادى المشركين لله إلى آخره، ~~يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل الشرك، فإن لم يعادهم فهو ~~منهم وإن لم يفعله، والله أعلم. # PageV01P341 # وقال رحمة الله عليه في كتاب (زاد المعاد في هدي خير العباد) في الكلام ~~على غزوة الطائف وما فيها من الفقه قال: وفيها أن لا يجوز إبقاء مواضع ~~الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر ~~الكفر والشرك، وهى أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة. ~~وهذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من ~~دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز ~~إبقاء أي شيء منها على وجه الأرض مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنزلة ~~اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى أو أعظم شركا عندها وبها. والله ~~المستعان. ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق أو ترزق وتحي ~~وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما كان يفعله من المشركين اليوم عند ~~طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، ~~أخذوا مأخذهم شبرا شبرا وذراع بذراع، وغلب الشرك على أكثر النفوس لظهور ~~الجهل وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا والمنكر معروفا، والسنة بدعة ~~والبدعة سنة، ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت ~~غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلب السفهاء، وتفاقم الأمر واشتد اليأس. وظهر ~~الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، ولكن لا تزال طائفة من الأمة ~~المحمدية قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن ~~عليها وهو خير الوارثين. ومنها جواز صرف الإمام الأموال التي تصير إلى هذه ms15 ~~المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين، كما أخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم أموال اللات وأعطاها أبا سفيان يتألفه بها وقضى منها دين عروة ~~والأسود، وكذلك الحكم في أوقافها، فإن وقفها والوقف عليها باطل، ومال ضائع، ~~فإن الوقف لا يصح إلا في قربة، وهذا مما لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام ~~ومن أتبع سبيلهم. والله أعلم. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. فتأمل رحمك ~~الله تعالى هذا الكلام وما فيه من التصريح بأن هذا الذي يفعل عند المشاهد ~~والقباب التي على القبور في كثير من البلدان أنه هو الشرك الأكبر # PageV01P342 # الذي فعله المشركون، وأن كثيرا منها بمنزلة اللات والعزى ومناة بل أعظم ~~شركا من شرك أهل اللات والعزى ومناة وتصريحه بأنهم فعلوا فعل المشركين، ~~واتبعوا سبيلهم حذو القذة بالقذة. وتأمل قوله: وغلب الشرك على أكثر النفوس ~~لظهور الجهل وخفاء العلم، والله أعلم. وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله ~~تعالى - لما سئل عن قتال التتار مع التمسك بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع ~~أصل الإسلام - فقال: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة ~~المتواترة من هؤلاء القوم أو غيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه، ~~وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه، كما قاتل أبو بكر ~~والصحابة رضى الله عنهم مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، مع ~~سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضى الله عنهما، فاتفق الصحابة على القتال على ~~حقوق الإسلام عملا بالكتاب والسنة. وكذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من عشرة أوجه الحديث عن الخوارج والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق ~~والخليقة، مع قوله "تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكن مع صيامهم" فعلم أن ~~مجرد الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، فالقتال ~~واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله ~~فالقتال واجب، فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو ~~الصيام أو الحج أو عن التزام تحريم الدماء والأموال أو الخمر أو الزنا أو ms16 ~~الميسر أو نكاح ذوات المحارم أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على ~~أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد ~~في جحودها أو تركها والتي يكفر الواحد بجحودها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل ~~عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء، وإنما ~~اختلف العلماء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي ~~الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، ~~فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات ~~المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ~~ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام أو الخارجين # PageV01P343 # عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإن ~~أولئك خارجون عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذي قاتلهم ~~علي ابن أبي طالب رضي الله عنه، ولهذا افترقت سيرته رضي الله عنه في قتاله ~~أهل البصرة وأهل الشام وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين ~~والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع الخوارج بخلاف ذلك، وثبتت النصوص عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم بما استقر عليه إجماع الصحابة من قتال الصديق رضي ~~الله عنه لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. ~~فتأمل رحمك الله تعالى تصريح هذا الإمام في هذه الفتوى بأن من امتنع عن ~~شريعة من شرائع الإسلام كالصلوات الخمس والصيام والزكاة أو الحج، أو ترك ~~المحرمات كالزنا أو تحريم الدماء والأموال أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ~~ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله لله ~~ويلتزموا جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ~~وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وأن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر ~~الطوائف، الصحابة فمن بعدهم، وأن ذلك عمل بالكتاب والسنة. فتبين لك أن مجرد ~~الاعتصام بالإسلام مع عدم التزام شرائعه ليس بمسقط للقتال، ms17 وأنهم يقاتلون ~~قتال الكفر وخروج عن الإسلام كما صرح به في آخر الفتوى بقوله: وهؤلاء عند ~~المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة الخارجين على الإمام بل هم خارجون ~~عن الإسلام بمنزلة مانعي الزكاة. والله أعلم. وقال الشيخ رحمه الله تعالى ~~في آخر كلامه على كفر مانعي الزكاة: والصحابة لم يقولوا هل أنت مقر بوجوبها ~~أو جاحد لها؟ هذا لم يعهد عن الصحابة بحال، بل قال الصديق لعمر رضي الله ~~عنهما: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لقاتلتهم على منعها. فجعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب وقد ~~روي أن طوائف منهم كانوا يقرون بالوجوب لكن يخلون بها، ومع هذا فسيرة ~~الخلفاء فيهم سيرة واحدة وهي قتل مقاتلهم، وسبي ذراريهم، وغنيمة أموالهم، ~~والشهادة على قتلاهم بالنار، وسموهم جميعا أهل الردة، وكان من أعظم فضائل ~~الصديق عندهم أن ثبته الله على قتالهم، ولم يتوقف كما توقف غيره حتى # PageV01P344 # ناظرهم فرجعوا إلى قوله. وأما قتال المقرين بنبوة مسيلمة فهؤلاء لم يقع ~~بينهم نزاع في قتالهم، وهذه حجة من قال إن قاتلوا الإمام عليها كفروا وإلا ~~فلا فإن كفر هؤلاء وإدخالهم في أهل الردة قد ثبت باتفاق الصحابة المستند ~~إلى نصوص الكتاب والسنة، بخلاف من لم يقاتل الإمام عليها، فإن في الصحيح عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قيل له: منع ابن جميل، فقال: "ما ينقم ابن ~~جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله" فلم يأمر بقتله ولا حكم بكفره. وفي ~~السنن من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم: ~~"ون منعها فإنا آخذوها وشطر إبله" الحديث. انتهى. فتأمل كلامه وتصريحه بأن ~~الطائفة الممتنعة عن أداء الزكاة إلى الإمام أنهم يقاتلون، ويحكم عليهم ~~بالكفر والردة عن الإسلام وتسبى ذراريهم وتغنم أموالهم وإن أقروا بوجوب ~~الزكاة، وصلوا الصلوات الخمس، وفعلوا جميع شرائع الإسلام غير أداء الزكاة، ~~وأن ذلك ليس بمسقط للقتال لهم والحكم عليهم بالكفر والردة، وأن ذلك قد ms18 ثبت ~~بالكتاب والسنة واتفاق الصحابة رضي الله عنهم والله أعلم. وقال الشيخ رحمه ~~الله تعالى في كتاب (الصارم المسلول، على شاتم الرسول) : قال الإمام إسحاق ~~بن راهويه أحد الأئمة يعدل بالشافعي وأحمد: أجمع المسلمون أن من سب الله أو ~~رسوله أو دفع شيئا مما أنزل الله أنه كافر بذلك وإن كان مقرا بكل ما أنزل ~~الله. وقال محمد بن سحنون أحد الأئمة من أصحاب مالك: أجمع العلماء على أن ~~شاتم الرسول صلى الله عليه وسلم كافر، وأن حكمه عند الأئمة قتل، ومن شك في ~~كفره كفر. قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن على من سبه القتل، ~~وقال الإمام أحمد فيمن سبه: يقتل، قيل: فيه أحاديث؟ قال: نعم، منها حديث ~~الأعمى الذي قتل المرأة، وقول ابن عمر: من شتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~قتل. وعمر بن عبد العزيز يقول: يقتل. وقال في رواية عبد الله: لا يستتاب، ~~فإن خالد بن الوليد قتل رجلا شتم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يستتبه. ~~انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى كلام إسحاق بن راهويه ونقله الإجماع على أن ~~من سب الله أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم أو دفع شيئا مما أنزل الله فهو ~~كافر - وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله - يتبين لك أن من تلفظ بلسانه بسب ~~الله تعالى أو سب رسوله صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد عن الإسلام، وإن ~~أقر بجميع ما أنزل الله، وإن كان هازلا بذلك لم # PageV01P345 # يقصد معناه بقلبه، كما قال الشافعي رضي الله عنه: من هزل بشيء من آيات ~~الله فهو كافر، فكيف بمن هزل بسب الله تعالى أو بسب رسوله صلى الله عليه ~~وسلم، ولهذا قال الشيخ تقي الدين: قال أصحابنا وغيرهم: من سب الله كفر - ~~مازحا أو جادا - لقوله تعالى: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون؟ لا ~~تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} الآية. قال: وهذا هو الصواب المقطوع به. اه. ~~ومعنى قول إسحاق رحمه الله تعالى: "أو دفع شيئا ms19 مما أنزل الله" أن يدفع ~~ويرد شيئا مما أنزل الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من ~~الفرائض أو الواجبات أو المسنونات أو المستحبات، بعد أن يعرف أن الله أنزله ~~في كتابه أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم أو نهى عنه ثم دفعه بعد ذلك ~~فهو كافر مرتد وإن كان مقرا بكل ما أنزل الله من الشرع إلا ما دفعه أو ~~أنكره لمخالفته هواه أو عادته أو عادة أهل بلده، وهذا معنى قول العلماء رضي ~~الله عنهم: من أنكر فرعا مجمعا عليه فقد كفر فإذا كان من أنكر النهي عن ~~الأكل بالشمال أو النهي عن إسبال الثياب - بعد معرفته أن الرسول صلى الله ~~ليه وسلم نهى عن ذلك - فهو كافر مرتد وإن كان من أعبد الناس وأزهدهم، فكيف ~~بمن أنكر إخلاص العبادة لله وحده، وإخلاص الدعوة والاستغاثة والنذر والتوكل ~~وغير ذلك من أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله وحده، ولا يصلح منها شيء ~~لملك مقرب ولا نبي مرسل، التي أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه لأجل ~~معرفتها والعمل بها، التي هي أعظم شعائر الإسلام الذي هو معنى لا إله إلا ~~الله، فمن أنكر ذلك وأبغضه وسبه وسب أهله وسماهم الخوارج فهو الكافر حقا ~~الذي يجب قتاله حتى يكون الدين كله لله بإجماع المسلمين كلهم. والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. صل. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الإغاثة: قال صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تتخذوا قبري عيدا" وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، ~~اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وفي اتخاذها أعيادا من ~~المفاسد العظيمة ما يغضب لأجله من في قلبه وقار لله وغيرة على التوحيد، ~~ولكن: ما لجرح بميت إيلام. (منها) : الصلاة إليها والطواف بها واستلامها ~~وتعفير الخدود على ترابها وعبادة أصحابها وسؤالهم النصر والرزق والعافية ~~وقضاء الديون وتفريج الكربات التي كان # PageV01P346 # عباد الأوثان يسألونها أوثانهم. وكل من شم أدنى رائحة من العلم يعلم أن ~~من أهم الأمور ms20 سد الذريعة إلى ذلك، وأنه صلى الله عليه وسلم أعلم بعاقبة ما ~~نهى عنه وما يؤول إليه، وإذا لعن من اتخذ قبور الأنبياء مساجد يعبد الله ~~عندها فكيف بملازمتها واعتياد قصدها؟ ومن جمع بين سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في القبور وما أمر به ونهى عنه وما عليه أصحابه، وبين ما عليه ~~أكثر الناس اليوم رأى أحدهما مضادا للآخر، فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء ~~يبنون عليها المساجد. ونهى عن تسريجها، وهؤلاء يوقفون الوقوف على إيقاد ~~القناديل عليها. ونهى أن نتخذها عيدا وهؤلاء يتخذونها أعيادا، وأمر ~~بتسويتها كما في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه، وهؤلاء يرفعونها ويجعلون ~~عليها القباب، ونهى عن تجصيص القبر والبناء عليه كما في صحيح مسلم عن جابر ~~رضي الله عنه، ونهى عن الكتابة عليها كما رواه الترمذي في صحيحه عن جابر، ~~ونهى أن يزاد عليها غير ترابها كما رواه أبو داود عن جابر، وهؤلاء يتخذون ~~عليها الألواح ويكتبون عليها القرآن ويزيدون على ترابها بالجص والآجر ~~والأحجار، وقد آل الأمر بهؤلاء المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، وصنفوا ~~لها (مناسك حج المشاهد) ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الإسلام ودخول في دين ~~عبادة الأصنام. فانظر إلى هذا التباين العظيم بين ما شرعه الرسول صلى الله ~~عليه وسلم لأمته وبين ما شرعه هؤلاء. والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بزيارة ~~القبور لأنها تذكر الآخرة، وأمر الزائر أن يدعو لأهل القبور، ونهاه أن يقول ~~هجرا. فهذه الزيارة التي أذن الله فيها لأمته وعلمهم إياها، هل تجد فيها ~~شيئا مما يعتمده أهل الشرك والبدع. أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟ ~~وما أحسن ما فاله الإمام مالك: " لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها" ~~ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوه من البدع ~~والشرك. ولقد جرد السلف الصلح التوحيد وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم ~~على النبي صلى لله عليه وسلم ثم أراد الدعاء جعل ظهره إلى ms21 جدار القبر ثم ~~دعا. وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة للدعاء حتى لا يدعو ~~عند القبر فإن الدعاء عبادة. # PageV01P347 # وبالجملة فالميت قد انقطع عمله فهو محتاج إلى من يدعو له، ولهذا شرع ~~الصلاة عليه من الدعاء ما لم يشرع مثله للحي، ومقصود الصلاة على الميت ~~الاستغفار له والدعاء له. وكان صلى الله عليه وسلم يقف على القبر بعد الدفن ~~فيقول: "سلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل" فبدل أهل البدع والشرك قولا غير ~~الذي قيل لهم: فبدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، ~~والزيارة التي شرعت إحسانا إلى الميت إلى الزيارة بسؤال الميت والإقسام به ~~على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة، وحضور القلب ~~عندها وخشوعه أعظم منه في المساجد. وذكر ابن إسحاق عن أبي العالية قال: لما ~~فتحنا (تستر) وجدنا في بيت مال الهرمزان سريرا عليه رجل ميت عند رأسه مصحف، ~~فحملنا المصحف إلى عمر فدعا كعبا فنسخه بالعربية، فأنا أول رجل من العرب ~~قرأه، قرأته مثلما أقرأ القرآن، فيه سيرتكم وأموركم ولحون كلامكم وما هو ~~كائن بعد، قلت: فما صنعتم بالرجل، قال: حفرنا بالنهار ثلاثة عشر قبرا ~~متفرقة، فلما كان الليل دفناه وسوينا القبور كلها لنعميه على الناس أن لا ~~ينبشوه. قلت: وما يرجون منه؟ قال: كانت السماء إذا حبست عنهم أبرزوا السرير ~~فيمطرون، قلت: من كنتم تظنون الرجل؟ قال: دانيال. قلت: منذ كم مات؟ قال: ~~منذ ثلاثمائة سنة. قلت: ما تغير منه شيء؟ قال: لا، إلا شعيرات من قفاه، إن ~~لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض ولا تأكلها السباع. ففي هذه القصة ما فعله ~~المهاجرون والأنصار من تعمية قبره لئلا يفتتن به، ولو ظفر به المتأخرون ~~لجالدوا عليه بالسيوف وعبدوه، فهم قد اتخذوا من قبور من لا يدانيه أوثانا ~~وجعلوا لها سدنة. وقد أنكر الصحابة ما هو دون هذا بكثير، فقطع عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه الشجرة التي بويع رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها. ~~ولما رأى عمر الناس ms22 يذهبون فسأل عن ذلك فقيل: مسجد صلى فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ يصلون فيه. فقال: إنما كان أهلك من كان قبلكم بمثل هذا ~~كانوا يتبعون آثار أنبيائهم ويتخذونها كنائس وبيعا، فمن أدركته منكم الصلاة ~~في هذه المساجد فليصل، ومن لا فليمض ولا يتعمدها. وقد أنكر الرسول صلى الله ~~عليه وسلم على الصحابة لما سألوه شجرة يعلقون عليها # PageV01P348 # أسلحتهم بخصوصها ثم ذكر حديث ذات أنواط. فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق ~~الأسلحة والعكوف حولها اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها ولا يسألونها، ~~فما الظن بالعكوف حول القبر ودعائه والدعاء عنده والدعاء به؟ وأي نسبة ~~للفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟ ومن له ~~خبرة بما بعث الله به رسوله وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب ~~وغيره علم أن بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب، والأمر والله ~~أعظم مما ذكرنا. وفي صحيح البخاري عن أم الدرداء قالت: دخل علي أبو الدرداء ~~مغضبا، فقلت: ما لك؟ قال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم إلا أنهم يصلون جميعا. اه. فتأمل رحمك الله تعالى كلام الشيخ ~~رحمه الله تعالى وتصريحه بأن عبادة الأوثان قد وقعت في زمانه وتصريح بعد ~~ذكره قصة دفن دانيال بأن أهل زمانه من المتأخرين قد اتخذوا من قبور من لا ~~يدانيه في المرتبة والفضل والصلاح أوثانا، وأنهم لو وجدوه لجالدوا عليه ~~بالسيوف وعبدوه من دون الله، يتبين لك ما أصبح غالب الناس اليوم فيه من ~~عبادة غير الله، ودعائهم، والاستغاثة بهم في الشدائد وتفريج الكربات وإغاثة ~~اللهفات، والإخلاص لهم في العبادات في أوقات الشدائد عند ركوبهم في البحر ~~وغيره الذي لم يفعله المشركون الأولون كما أخبر الله عنهم بقوله: {فإذا ~~ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم ~~يشركون} وقوله: {قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله ~~تدعون إن كنتم صادقين، بل إياه تدعون ms23 فيكشف ما تدعون إليه إن شاء وتنسون ما ~~تشركون} . فتأمل رحمك الله تعالى ما ذكر الله تعالى عن هؤلاء المشركين من ~~إخلاص الدعوة لله في أوقات الشدائد، ثم تأمل ما يفعله المشركون في زماننا ~~مما ذكرت لك، يتبين لك غربة الإسلام الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ~~في هذه الأزمان. فإذا كان كلام أهل العلم، وتصريحهم بأن الشرك بالله غلب ~~على أكثر النفوس، وأن القليل الذي تخلص منه، بل القليل من لا يعادي من أنكر ~~الشرك، فما ظنك بزمانك هذا؟ ومعلوم أن الأمر لا يزداد إلا شدة وغربة، وفي ~~الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يأتي زمان إلا ~~والذي بعده # PageV01P349 # شر منه" أخرجه البخاري في صحيحه عن أنس رضي الله عنه، ولكن الأمر كما قال ~~الشيخ رحمه الله تعالى: ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله صلى الله عليه ~~وسلم وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره علم أن بينهم ~~وبينهما أبعد مما بين المشرق والمغرب، وهذه هي الفتنة التي قال فيها ابن ~~مسعود رضي الله عنه: كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير، وينشأ ~~فيها الصغير، يتخذها الناس سنة، إذا غيرت قيل غيرت السنة. والله أعلم. قال ~~ابن القيم رحمه الله تعالى: والناس قد ابتلوا بالأنصاب والأزلام، فالأنصاب ~~للشرك والأزلام لطلب علم ما استأثر الله به، هذه للعلم وتلك للعمل. ودين ~~الله تعالى مضاد لهذا وهذا. وعمى الصحابة قبر دانيال بأمر عمر رضي الله ~~عنه، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم تحتها أرسل فقطعها. قال عيسى بن يونس: هو عندنا من حديث عون بن نافع، ~~فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي ذكرها الله في القرآن وبايع تحتها ~~الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فماذا حكمه فيما عداها؟ وأبلغ من ذلك ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هدم مسجد الضرار، ففيه دليل على هدم ~~المساجد التي ms24 هي أعظم فسادا منه كالمبنية على القبور، وكذلك قبابها، فتجب ~~المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله، والله يقيم ~~لدينه من ينصره ويذب عنه. وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب فيسر الله تعالى ~~كسرها على يد شيخ الإسلام وحزب الموحدين وكان العامة يقولون لشيء منها أنه ~~يقبل النذر، أي يقبل العبادة من دون الله، فالنذر عبادة يتقرب بها الناذر ~~إلى المنذور له. ولقد كره السلف التمسح بحجر المقام الذي أمر الله أن يتخذ ~~منه مصلى، قال قتادة في الآية: إنما أمروا بأن يصلوا عنده ولم يؤمروا ~~بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى ~~أثر أصابعه فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق. وأعظم فتنة بهذه الأنصاب ~~فتنة أصحاب القبور، وهي أصل فتنة عباد الأصنام كما ذكر الله عن قوم نوح في ~~قوله: {وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ~~ونسرا} الآية. ذكر السلف في تفسيرها أن هؤلاء أسماء رجال صالحين في قوم ~~نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد # PageV01P350 # فعبدوهم. وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع الصالحين واتباع ما دعوا إليه ~~دون اتخاذ قبورهم أعيادا وأوثانا، فأعرضوا عن المشروع واشتغلوا بالبدع. ومن ~~أصغى إلى كلام الله وتفهمه أغناه عن البدع والآراء، ومن بعد عنه فلا بد أن ~~يتعوض عنه بما لا ينفعه، كما أن عمر قلبه بمحبة الله وخشيته والتوكل عليه ~~أغناه عن محبة غيره وخشيته والتوكل عليه، والمعرض عن محبة الله عبد الصور ~~شاء أم أبى. وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع: أبعدها عن الشرع أن ~~يسأل الميت خاصة كما يفعله الكثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد ~~يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت كما يتمثل لعباد الأصنام، وهذا يحصل ~~للمشركين وأهل الكتاب وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به. والنوع ~~الثاني أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو بدعة إجماعا. ~~والنوع الثالث أن ms25 يظن أن الدعاء عنده مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في ~~المسجد، فيقصد القبر لذلك، فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما علمت فيه ~~نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعله. وبالجملة فأكثر ~~أهل الأرض مفتونون بعبادة الأوثان، ولم يتخلص منها إلا الحنفاء أتباع ملة ~~إبراهيم، وعبادتها في الأرض من قبل نوح عليه السلام، وهياكلها ووقوفها ~~وسدنتها وحجابها والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض. قال إمام الحنفاء ~~عليه السلام: {واجنبني وبني أن نعبد الأصنام، رب إنهن أضللن كثيرا من ~~الناس} . وكفى في معرفة أنهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، وقد قال الله تعالى: ~~{فأبى أكثر الناس إلا كفورا} وقال: {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن ~~سبيل الله} ، وقال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ، وقال: {وما وجدنا ~~لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين} . ولو لم تكن الفتنة بعبادة ~~الأصنام عظيمة لما أقدم عبادها على بذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، ~~وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبا لها وتعظيما، ~~ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها. والله أعلم. # PageV01P351 # فتأمل رحمك الله كلام الشيخ في الأنصاب والأزلام والقباب المبنية على ~~القبور، وأنه يجب المبادرة إلى هدمها، وأنها أعظم ضررا من مسجد الضرار الذي ~~قال الله تعالى في أهله: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين ~~المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل} وأمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بهدمه وتحريقه، ونهى الله نبيه عن الصلاة فيه، وقوله: والله يقيم ~~لدينه من ينصره ويذب عنه. وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب فيسر الله كسرها ~~على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين ومراده بذلك شيخ الإسلام تقي الدين ~~ابن تيمية رحمه الله تعالى فإنه هدم مواضع كثيرة بدمشق مما يعبده كثير من ~~العامة من دون الله وينذرون له ويقولون إنه يقبل النذر أي يقبل العبادة ~~وذلك لأن النذر عبادة لله ms26 قال تعالى: {يوفون بالنذر} وقال: {وما أنفقتم من ~~نفقة أو نذرتم من نذر} الآية. فإذا عرفت أن النذر عبادة وصرفته لغير الله ~~فقد أشركت في عبادة الله غيره، وقد أقام الله تعالى في زماننا هذا - وهو ~~آخر القرن الثاني عشر من الهجرة النبوية - من بعث الله به دين الإسلام ~~وإخلاص العبادة لله وحده بعد اندراسه، وهو الشيخ الإمام العالم، ذو الفضل ~~والمكارم، والأخلاق السنية والأعمال المرضية السنية، محيي السنة النبوية، ~~وقامع البدعة الشركية، محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الجنة التي هي أحسن ~~المآب، وبرد مضجعه وأجزل له الثواب، فنصر الله به الدين القويم، وبين بسببه ~~الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين، والشهداء ~~والصالحين، وأزال الله به الشرك وعبادة الأوثان، من أرض نجد محل الكفر ~~والطغيان، ويسر الله كسر تلك الأوثان على يده وأيدي أتباعه من الموحدين، ~~وحزب الله المفلحين، وكان قبل ذلك في كل أرض وبلد من أرض نجد أوثان وأشجار ~~تعبد من دون الله وينذر لها ويذبح لها القربان ويعظمونها أعظم من تعظيم ~~الله، كقبر زيد بن الخطاب في الجبيلة، وشجرة في قريوة من بلد الدرعية، ~~وشجرة أخرى لأهل الطرفية، وغار يقال له غار بنت الأمير في أسفل بلد الدرعية ~~وقبر يقال له قبر المغربي. وأعظم من ذلك عبادتهم تاجا وشمسان مع شهادتهم ~~عليهم بالفجور، ولكن يزعمون أنهكم أولياء لا تضرهم الذنوب، ويهابونهم أعظم ~~مما يهابون الله؛ ومنهم من يعبد الجن ويذبح لهم، وفي # PageV01P352 # كل بلد من ذلك شيء عظيم. فأزال الله ذلك كله بشيخ الإسلام، وأقام به ~~الحجة على أهل زمانه وعرف التوحيد جميع أهل عدوانه، وأقروا أنه دين الله ~~ورسوله، وأن الذي هم عليه الشرك بالله، ولم يزدهم ذلك إلا بغضا له وعداوة، ~~وسعوا في إزالته وعداوته بكل ممكن حسدا له لما أظهر الله الدين على يده، ~~حتى أظهره الله عليهم ونصره ونصر أتباعه على من خذلهم وخالفهم مع ضعفهم ~~وقلة عددهم وقوة عدوهم وكثرتهم، وأدخل الله جميع أهل نجد في الإسلام ودانوا ms27 ~~به واجتمعوا عليه حاضرتهم وباديتهم، فالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه ~~كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله، ونسأل الله العظيم ~~المنان أن يثبتنا على الإسلام وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يعيذنا ~~من التفرق والاختلاف إنه على كل شيء قدير. وقال الشيخ تقي الدين رحمه الله ~~تعالى في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: العبادات مبناها على ~~الإتباع لا على الابتداع، فليس لأحد أن يشرع من الدين ما لم يأذن به الله، ~~قال تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} ، وفي ~~الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من ~~أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي الصحيح وغيره: "يقول الله تعالى: ~~أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا منه بريء وهو ~~كله للذي أشرك" ولهذا قال الفقهاء: العبادات مبناها على التوقيف، كما في ~~الصحيحين عن عمر رضي الله عنه أنه قبل الحجر الأسود وقال: والله إني لأعلم ~~أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقبلك ما قبلتك". والله سبحانه أمرنا باتباع الرسول وطاعته وموالاته ~~ومحبته، وضمن لنا بطاعته وبمحبته وإكرامه محبته لنا ومغفرته وهدايتنا ~~وإدخالنا الجنة، فقال تعالى: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ~~ويغفر لكم ذنوبكم} وقال: {وإن تطيعوه تهتدوا} وقال: {ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم} وأمثال ~~ذلك في القرآن كثير ولا ينبغي لأحد أن يخرج في هذا الباب عما مضت به السنة ~~وكان عليه سلف الأمة. وبالجملة فمعنا أصلان عظيمان: (أحدهما) أن لا نعبد ~~إلا الله، (والثاني) # PageV01P353 # أن لا نعبده إلا بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما ~~تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كما قال تعالى: ~~{ليبلوكم أيكم أحسن عملا} . قال ms28 الفضيل بن عياض: أخلصه وأصوبه. قالوا: يا ~~أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم ~~يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. ~~والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. وذلك تحقيق قوله تعالى: ~~{فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} ~~وجاءت السنة أن يسأل الله بأسمائه وصفاته فيقال: أسألك بأن لك الحمد لا إله ~~إلا أنت المنان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال، يا حي يا قيوم، وأسألك ~~بأنك أنت الله، لا إله إلا أن الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن ~~له كفوا أحد. وكذلك قوله: اللهم إني أسألك بمعاقد العز من عرشك، ومنتهى ~~الرحمة من كتابك، وباسمك الأعظم، وجدك الأعلى وكلماتك التامة. مع أن هذا ~~الدعاء الثاني في جواز الدعاء له قولان للعلماء، وقال الشيخ أبو الحسن ~~القدوري: قال بشر بن الوليد سمعت أبا يوسف يقول قال أبو حنيفة رحمه الله: ~~لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به، وأكره أن يقول بمعاقد العز من عرشك أو ~~بحق خلقك. وهو قول أبي يوسف. قال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك، هو الله، ~~لا أكره هذا، وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر ~~الحرام. قال القدوري: المسألة بخلقه لا تجوز، لأنه لا حق للمخلوق على ~~الخالق، فلا تجوز. يعني وفاقا. وقال البلدجي في شرح المختار: ويكره أن يدعو ~~الله إلا به، فلا يقول أسألك بحق فلان بملائكتك أو بأنبيائك ونحو ذلك، لأنه ~~لا حق لمخلوق على الخالق. أو يقول في دعائه أسألك بمعقد العز من عرشك. وعن ~~أبي يوسف أنه يجوز. قلت: وهذا من أبي حنيفة وأبي يوسف وغيرهما يقتضي المنع ~~أن يسأل الله تعالى بغيره وأما سؤال الميت والغائب نبيا كان أو غير نبي فهو ~~من المحرمات المنكرة باتفاق المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله صلى ~~الله عليه وسلم، ولا ms29 فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا ~~استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا # PageV01P354 # مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت ~~به ترة أو عرضت له حاجة لميت: يا سيدي فلان أنا في حسبك، أو اقضي حاجتي، ~~كما يقوله بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين، ولا أحد من ~~الصحابة استغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته ولا بأحد من الأنبياء، ~~لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور ~~الأنبياء، ولا الصلاة عندها. ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك - إذا ~~أجدبنا - بنبينا فتسقينا، وإنا تتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون، كما ~~ثبت ذلك في صحيح البخاري. وكذلك معاوية رضي الله عنه لما استسقى بأهل الشام ~~توسل بيزيد بن الأسود الجرشي. فهذا الذي ذكره عمر رضي الله عنه توسل منهم ~~بدعاء النبي صلى اله عليه وسلم وشفاعته في حياته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء ~~العباس ودعاء يزيد بن الأسود وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، ~~فقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فهو أفضل. وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم ~~يفعلها السلف، وقد قال الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا ~~يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة أيهم أقرب} الآية، وفي التفسير الصحيح عن مجاهد {يبتغون إلى ربهم ~~الوسيلة} قال: عيسى بن مريم وعزير والملائكة. وكذلك عن إبراهيم النخعي قال: ~~كان ابن عباس يقول في قوله: {أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة} ~~هو عزير والمسيح والشمس والقمر. وكذلك شعبة روى عن السدي عن أبي صالح عن ~~ابن عباس قال: عيسى وأمه والعزير. وعن عبد ms30 الله بن مسعود قال: نزلت في نفر ~~من العرب كانوا يعبدون نفرا من الجن، فأسلم الجنيون، والإنس الذين كانوا ~~يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم، فنزلت هذه الآية، ثبت ذلك عنه في صحيح ~~البخاري. وهذه الأقوال كلها حق، فإن الآية تعم كل من كان معبوده عابدا لله، ~~سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، والسلف رضي الله عنهم يذكرون ~~في تفسيرهم جنس # PageV01P355 # المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى لفظ ~~الخبز؟ فيريه رغيفا فيقول: هذا. فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه. ومرادهم ~~بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية للنوعين، فالآية خطاب لكل من دعا دون ~~الله مدعوا وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، ~~فكل من دعا ميتا أو غائبا من الأنبياء والصالحين سواء كان بلفظ الاستغاثة ~~أو غيرها فقد تناولته هذه الآية كما تناولت من دعا الملائكة والجن ومعلوم ~~أن هؤلاء يكونون وسائط فيما يقدره الله تعالى بأفعالهم، ومع هذا فقد نهى ~~الله تعالى عن دعائهم وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، ~~لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره ~~ولهذا قال: {ولا تحويلا} فذكر نكرة تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتا أو ~~غائبا من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة أو دعا الجن فقد دعا من لا ~~يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله، وقد قال تعالى: {وأنه كان رجال من ~~الأنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا} . وقد نص الأئمة - كأحمد وغيره - ~~على أنه لا يجوز الاستعاذة بمخلوق. وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله ~~غير مخلوق، فقالوا: لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ ~~بكلمات الله، وأمر بذلك، ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاويذ التي لا ~~يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك. ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها ~~وأنها كما قيل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق ms31 أن الذين خرجوا عن ~~المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم حتى خرجوا إلى الشرك، فطائفة من هؤلاء ~~يصلون للميت ويستدبر أحدهم القبلة ويسجد للقبر ويقول أحدهم: القبلة قبلة ~~العامة، وقبر الشيخ قبلة الخاصة. وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، ~~وهو شيخ متبوع ولعله من أمثل أتباع شيخه يقوله في شيخه، وآخر من أعيان ~~الشيوخ المتبوعين أصحاب الصدق والاجتهاد في العبادة والزهد يأمر المريد أول ~~ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل عليها، وجمهور ~~هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء ~~وحضور القلب ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها ~~اسمه، وآخرون يحجون القبور، وطائفة # PageV01P356 # صنفوا كتاب مناسك حج المشاهد كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان ~~الملقب بالمفيد أحد شيوخ الإمامية كتابا في ذلك وذكر فيه من الحكايات ~~المكذوبة على أهل البيت ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل، وآخرون ~~يسافرون إلى قبور لمشائخ وإن لم يسموا ذلك حجا، فالمعنى واحد. ومن هؤلاء من ~~يقول: وحق النبي الذي تحج إليه المطايا، فيجعل الحج إلى النبي لا إلى بيت ~~الله عز وجل، وكثير من هؤلاء أعظم قصده من الحج قصد قبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا حج البيت وبعض الشيوخ المشهورين بالدين والزهد والصلاح صنف ~~كتابا سماه الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة والمنام، وهذا ~~الضال استعان بهذا الكتاب، وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم منتهى قصده ثم رجع ولم يذهب إلى مكة وجعل هذا من ~~مناقبه، فإن كان هذا مستحبا فينبغي لمن يجب عليه حج البيت إذا حج أن يجعل ~~المدينة منتهى قصده ولا يذهب إلى مكة فإنه زيادة كلفة ومشقة مع ترك الأفضل، ~~وهذا لا يقوله عاقل. وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض أكابر الشيوخ عند ~~الناس ممن يقصده الملوك والقضاة والعلماء والعامة على طريقة ابن سبعين ms32 قيل ~~إنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبد الذي ~~للمشركين بالهند وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق وأن دين النصارى حق، ~~وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال له: أريد أسلك على ~~يديك. فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود ~~والنصارى ليسوا كفارا؟ فقال: لا تشدد عليهم، ولكن الإسلام أفضل. ومن هؤلاء ~~من يرجح الحج إلى المقابر على الحج إلى البيت، ومنهم من يرجح الحج إلى ~~البيت لكن يقول أحدهم: إنك إذا زرت قبر الشيخ مرتين أو ثلاثا كان كحجة، ومن ~~الناس منه يجعل مقبرة الشيخ بمنزلة عرفات يسافرون إليها وقت الموسم فيعرفون ~~بها كما يعرف المسلمون بعرفات، كما يفعل هذا في المغرب والمشرق، ومنهم من ~~يجعل السفر إلى المشهد والقبر الذي يعظمه أفضل من الحج، ويقول أحدهم لأحد ~~المريدين وقد حج سبع حجج إلى بيت الله العتيق: أتبيعني زيارة قبر الشيخ ~~بالحجج السبع؟ فشاور الشيخ، فقال له: لو بعته لكنت مغبونا! ومنهم من يقول: ~~من طاف بقبر # PageV01P357 # الشيخ سبعا كان كحجة، ومنهم من يقول: زيارة المغارة الفلانية ثلاث مرات ~~كحجة، ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت أنه قال: كل خطوة إلى قبري كحجة، ويوم ~~القيامة لا أبيع بحجة. وأنكر بعض الناس ذلك فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ ~~في منامه وزجره عن إنكار ذلك. وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب ~~العالمين، فليسوا على ملة إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد الله الذين ~~قال الله فيهم: {إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر} فعمار ~~مساجد الله لا يخشون إلا الله، وعمار مشاهد المقابر يخشون غير الله، حتى إن ~~طائفة من أرباب الكبائر الذين لا يخشون الله فيما يفعلونه من القبائح كان ~~أحدهم إذا رأى قبة الميت أو الهلال الذي على رأس القبة يخشى من فعل ~~الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك هذا هلال القبة، فيخشون المدفون تحت ~~الهلال، ولا يخشون الذي خلق السموات والأرض وجعل أهلة السماء مواقيت ms33 للناس ~~والحج. وهؤلاء إذا نوظروا خوفوا مناظرهم كما صنع المشركون بإبراهيم. قال ~~تعالى: {وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به ~~إلا أن يشاء ربي شيئا} - إلى قوله - {فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم ~~تعلمون} قال تعالى: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن ~~وهم مهتدون} . وآخرون قد جعلوا الميت بمنزلة الإله، والشيخ الحي المتعلق به ~~كالنبي، فمن الميت تطلب قضاء الحاجات وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما ~~حلله والحرام ما حرمه، وكأنهم في أنفسهم قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها، ~~وعزلوا محمدا صلى الله عليه وسلم أن يتخذوه رسولا، وقد يجيء الحديث العهد ~~بالإسلام أو التابع لهم الحسن الظن بهم أو غيره يطلب من الشيخ الميت إما ~~دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه أو غير ذلك فيدخل ذلك السادن فيقول قد قلت للشيخ ~~والشيخ يقول للنبي والنبي يقول لله والله قد بعث رسولا إلى السلطان فلان. ~~فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى، وفيه من الكذب والجهل ما لا ~~يستجيزه كل مشرك ونصراني ولا يروج عليه!. # PageV01P358 # ويأكلون من النذور والمنذور وما يؤتى به إلى قبورهم ما يدخلون به في قوله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال ~~الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله} يعرضون بأنفسهم ويمنعون غيرهم، إذ ~~التابع لهم يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك من الدين ~~الحق الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه، والله تعالى لم يذكر في كتابه ~~المشاهد، بل ذكر المساجد وأنها خالصة له، قال تعالى: {قل أمر ربي بالقسط ~~وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} وقال تعالى: {إنما يعمر مساجد الله} الآية. ~~وقال تعالى: {في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه} الآية. وقال ~~تعالى: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد} ~~الآية. ولم يذكر بيوت الشرك كبيوت الأصنام والمشاهد، ولا ذكر بيوت النار، ~~لأن الصوامع والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ms34 ذلك ما كان مبنيا فبل النسخ ~~والتبديل، كما أثنى على اليهود والنصارى والصابئين الذين كانوا قبل النسخ ~~والتبديل يؤمنون بالله واليوم الآخر ويعملون الصالحات. فبيوت الأوثان وبيوت ~~النيران وبيوت الكواكب وبيوت المقابر لم يمدح الله شيئا منها ولم يذكر ذلك ~~إلا في قصة من لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {قال الذين غلبوا ~~على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا} فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف ~~كانوا من النصارى الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "لعن الله ~~اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" - وفي رواية - "والصالحين" ~~ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك. وقد قدم بعض شيوخ المشرق وتكلم ~~معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا أعيتكم الأمور فعليكم بأصحاب القبور"؟ فقلت: هذا مكذوب باتفاق ~~أهل العلم، لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من علماء الحديث. ~~وبسبب هذا وأمثاله ظهر مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث ~~الصحيح: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب ~~لدخلتموه" قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: "فمن؟ ". وهؤلاء ~~الغلاة المشركون إذا حصل لأحدهم مطلوبه ولو من كافر لم يقبل على الرسول، بل ~~يطلب حاجته من حيث يظن أنها تفضي، فتارة يذهب إلى ما # PageV01P359 # يظنه قبر رجل صالح ويكون فيه قبر كافر أو منافق، وتارة يعلم أنه كافر أو ~~منافق ويذهب إليه، كما يذهب قوم إلى كنيستهم أو إلى مواضع يقال لهم إنها ~~تقبل النذر، فهذا يقع فيه عامتهم، وأما الأول فيقع فيه خاصتهم، حتى أن بعض ~~أصحابنا المباشرين لقضاء القضاة لما بلغه أني أنهى عن ذلك صار عنده من ذلك ~~شبهة ووسواس، لما يعتقده من الحق فيما أذكره، ولما عنده من المعارضة، لذلك ~~قال لبعض أصحابنا سرا: أنا جربت إجابة الدعاء عند قبر بالقرافة، فقال له ~~ذلك الرجل: فأنا أذهب معك إليه لنعرف قبر من هو، فذهبا إليه، ms35 فوجدا مكتوبا ~~عليه (قبر علي) ، فعرفوا أنه إما رافضي وإما إسماعيلي. وكان بالبلد جماعة ~~كثيرون يظنون في العبيديين أنهم أولياء الله الصالحون، فلما ذكرت لهم أن ~~هؤلاء كانوا منافقين زنادقة، وخيار من فيهم الرافضة، جعلوا يتعجبون ~~ويقولون: نحن نذهب بالفرس التي فيها مغل إلى قبورهم فتشفى عند قبورهم. فقلت ~~لهم: هذا من أعظم الأدلة على كفرهم، وطلبت طائفة من سياس الخيل فقلت: أنتم ~~بالشام ومصر إذا أصاب الخيل المغل أين تذهبون بها؟ فقالوا في الشام نذهب ~~بها إلى قبور اليهود والنصارى، وإذا كنا بأرض الشمال نذهب بها إلى القبور ~~التي ببلاد الإسماعيلية كالعليقة والمنيعة ونحوهما. وأما في مصر فنذهب بها ~~إلى دير هنا للنصارى، ونذهب إلى قبور هؤلاء الأشراف - وهم يظنون أن ~~العبيديين أشراف لما أظهروا أنهم من أهل البيت - فقلت: هل تذهبون بها إلى ~~قبور صالحي المسلمين مثل الليث بن سعد والشافعي وابن القاسم ونفيسة وغير ~~هؤلاء؟ فقالوا: لا. فقلت لأولئك: اسمعوا، إنما يذهبون بها إلى قبور الكفار ~~والمنافقين، وبينت لهم سبب ذلك فقلت: لأن هؤلاء يعذبون في قبورهم والبهائم ~~تسمع أصواتهم، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، فإذا سمعت ذلك فزعت فبسبب ~~الرعب الذي يحصل لها فتنحل بطونها فتروث، فإن الفزع يقتضي الإسهال. فتعجبوا ~~من ذلك. وهذا المعنى كثيرا ما كنت أذكره للناس ولم أن أحدا قاله، ثم وجدته ~~قد ذكره بعض العلماء. والمقصود هنا أن كثيرا من الناس يعظم قبر من يكون في ~~الباطن كافرا أو منافقا، ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن ~~الميت يقضي حاجته إذا كان رجلا صالحا، وكلا هذين عنده من جنس من يستغيث به. ~~وكم # PageV01P360 # من مشهد يعظمه الناس وهو كذب، بل يقال إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح ~~جبل لبنان الذي يقال إنه قبر نوح، فإن أهل المعرفة يقولون إنه قبر بعض ~~العمالقة، وكذلك مشهد الحسين الذي بالقاهرة وقبر أبي بن كعب الذي في دمشق ~~اتفق العلماء أنه كذب، ومنهم من قال إنهما قبران لنصرانيين، وكثير من ~~المشاهد متنازع ms36 فيها، وعندها شياطين تضل بسببها من تضل. ومنهم من يرى في ~~المنام شخصا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته أو بغير صورته، ~~كالشياطين التي تكون بالأصنام وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث ~~بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون ~~بعض التمايل التي بالبرابي بديار مصر باخميم وغيرها يرصدون التمثال مدة لا ~~يتطهرون طهور المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرؤون حتى يتعلق ~~الشيطان تلك الصورة فيراها تتحرك فيضع فيها شمعة أو غيرها، فيرى شيطانا قد ~~خرج له، فيسجد لذلك الشيطان حتى يقضي بعض حوائجه، وقد يمكنه من فعل الفاحشة ~~به حتى يقضي حوائجه، ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار سمونه البوى وهو ~~المتخنث إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور أرسلوا إليه من ينكحه ينصبون له ~~حركات عالية في ليلة ظلماء وقربوا له خبزا وميتة وغنوا عناء يناسبه شرط أن ~~لا يكون عندهم من يذكر الله ولا هناك شيء فيه من ذكر الله، ثم صعد ذلك ~~الشيخ المفعول به في الهواء ويرون الدف يطير في الهواء ويضرب من د يده إلى ~~الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو وهم يسمعون ويغني لهم الأغاني التي كانت ~~تغنيها آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب، وكذلك الطعام فيرونه وقد نقل إلى بيت ~~البوى وقد لا يغيب ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار ويقضي بعض حوائجهم. مثل ~~هذا كثير جدا للمشركين فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما جري عند الأصنام، ~~وقد ثبت من طرق متعددة أن ما يشرك به من دون الله من نم أو قبر وغير ذلك قد ~~يكون عنده شياطين تضل من أشرك به، وإن تلك لشياطين لا يقضون إلا بعض ~~أغراضهم وإنما يقضونها إذا حصل منهم من الشرك المعاصي ما يحبه الشيطان، ~~فمنهم من يأمر الداعي أني يسجد له، ومنهم من يأمره # PageV01P361 # بالفواحش وقد يفعلها الشيطان، وقد ينهاه عما أمر الله به من التوحيد ~~والإخلاص الصلوات الخمس وقراءة القرآن ونحو ذلك، والشياطين تغوي الإنسان ~~بحسب تطمع منه فإن كان ms37 ضعيف الإيمان أمرته بالكفر وإلا أمرته بما هو فسق أو ~~عصية، وإن كان قليل العلم أمرته بما لا يعرف أنه مخالف للكتاب والسنة. وقد ~~وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب وافر من الدين والزهد ~~والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث به رسوله طمعت فيهم ~~لشياطين حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة، وقد جرى لغير واحد من ~~صحابنا المشايخ يستغيث بأحدهم بعض أصحابه فيرى الشيخ قد جاء في اليقظة حتى ~~قضى ذلك المطلوب، وإنما هي شياطين تتمثل للمشركين الذين يدعون غير لله، ~~والجن بحسب الإنس: فالكافر للكافر والفاجر للفاجر والجاهل للجاهل، أما أهل ~~العلم والإيمان فاتباع الجن لهم كاتباع الإنس يتبعونهم فيما أمر الله تعالى # به ورسوله، وقد حدثني بعض الثقات عن هذا الشخص - يعني ابن البكري الذي ~~جوزفي كتابه الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل ما يستغاث بالله - ~~أنه كان يقول: أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم مفاتح الغيب التي قال فيها ~~النبي صلى الله عليه وسلم: "خمس لا يعلمها إلا الله {إن الله عنده علم ~~الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما ~~تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} " وأظنه ذكر عنه أنه قال: علمها ~~بعد أن أخبر أنه لا يعلمها إلا الله. وآخر من جنسه يباشر التدريس وينسب إلى ~~الفتيا كان يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم ما يعلمه الله ويقدر ~~على ما يقدر الله عليه، وإن هذا السر انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي ~~الحسن الشاذلي. وقالوا: هذا مقام القطب الغوث الفرد الجامع. وكان شيخ آخر ~~معظم عند أتباعه يدعي هذه المنزلة ويقول إنه المهدي الذي بشر به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه يزوج عيسى بابنته، وأن نواصي الملوك والأولياء بيده: ~~يولي من يشاء ويعزل من يشاء. وأن الرب يناجيه دائما، وأنه الذي يمد حملة ~~العرش وحيتان البحر. وقد عزرته تعزيرا بليغا في يوم مشهود ms38 بحضرة أهل المسجد ~~الجامع يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة. ~~ومن هؤلاء من يقول: قول الله سبحانه وتعالى: {إنا أرسلناك شاهدا # PageV01P362 # ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة ~~وأصيلا} ، إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي يسبح بكرة وأصيلا، ومنهم ~~من يقول: نحن نعبد الله ورسوله فيجعلون الرسول معبودا. ومنهم من يأتي قبر ~~الميت الرجل أو المرأة الذي يحسن الظن لنفسه فيقول: اغفر لي وارحمني ولا ~~توقفني على زلة، ونحو هذا الكلام، إلى أمثال هذه الأمور التي يتخذ فيها ~~المخلوق إلها. ولما استقر هذا في نفوس عامتهم تجد أحدهم إذا سئل عمن ~~ينهاهم: ما يقول هذا؟ فلان عنده ما ثم إلا الله. لما استقر في نفوسهم أنهم ~~يجعلون مع الله إلها آخر. وهذا كله وأمثاله وقع ونحن بمصر. وآخر يقول معظما ~~لمن يدعو إلى التوحيد: قد جعل الآلهة إلها واحدا. وهؤلاء الضالون مستخفون ~~بتوحيد الله، ويعظمون دعاء غير الله من الأموات، وإذا أمروا بالتوحيد ونهوا ~~عن الشرك استخفوا به كما أخبر تعالى عن المشركين بقوله تعالى: {وإذا رأوك ~~إن يتخذونك إلا هزوا} الآية. فاستهزؤوا بالرسول لما نهاهم عن الشرك. وقال ~~تعالى عن المشركين: {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ~~ويقولون أإنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون} قال تعالى: {بل جاء بالحق وصدق ~~المرسلين} وقال تعالى: {وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر ~~كذاب. أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب} وذكر رحمه الله أشياء ~~كثيرة. ومازال المشركون يسفهون الأنبياء ويصفونهم بالجنون والضلال ~~والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح وعاد لهود عليها السلام: {قالوا أجئتنا ~~لنعبد الله وحده} فأعظم ما سفهوه لأجله وأنكروه هو التوحيد، وهكذا تجد من ~~عليه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص ~~الدين له وأن لا يعبد الإنسان إلا الله ولا يتوكل إلا عليه استهزأ بذلك لما ~~عنده من الشرك، وكثير من هؤلاء يخربون المساجد، فتجد المسجد ms39 الذي بني ~~للصلوات الخمس معطلا مخربا ليس له كسوة إلا من الناس وكأنه خانة من ~~الخانات، والمشهد الذي بني عليه الميت فعليه الستور وزينة الذهب والفضة ~~والرخام، والنذور تغدو وتروح إليه، فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته ~~ورسوله وتعظيمهم للشرك؟، فإنهم اعتقدوا أن الميت الذي بني له المشهد ~~والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله تعالى # PageV01P363 # والذين يجعلون دعاء الموتى من الأنبياء والأئمة والشيوخ أفضل من دعاء ~~الله أنواع متعددة منهم من تقدم ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات: حكاية ~~أن بعض المريدين استغاث بالله فلم يغثه واستغاث بشيخه فأغاثه، وحكاية أن ~~بعض المأسورين في بلاد العدو دعا الله فلم يخرجه فدعا بعض المشايخ الموتى ~~فجاءه فأخرجه إلى بلاد الإسلام، وحكاية أن بعض الشيوخ قال لمريده: إذا كانت ~~لك إلى الله حاجة فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل إلى الله بي، وآخر قال: ~~قبر فلان هو الترياق المجرب. فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية على أدعية ~~المخلصين لله مضاهاة لسائر المشركين. وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه ~~الذي يدعوه فيظنه إياه أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه، ومن هؤلاء ~~من إذا نزلت به شدة لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه قد لهج به كما ~~يلهج الصبي بذكر أمه فيستنصر به أحدهم فيقول: يا فلان، وقد قال الله تعالى ~~للموحدين: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا} . ~~ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب ويحلف بشيخه وإمامه ويصدق ولا يكذب، فيكون ~~شيخه عنده وفي صدره أعظم من الله، فإذا كان دعاء الموتى مثل الأنبياء ~~والصالحين يتضمن هذا الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فأي الفريقين أحق ~~بالاستهزاء بالله وآياته ورسوله: من كان يأمر بدعاء الموتى والاستغاثة بهم ~~مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، أو من كان يأمر ~~بدعاء الله وحده لا شريك له كما أمرت رسله ويوجب طاعة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم ومتابعته في كل ما جاء به. وأيضا فإن هؤلاء الموحدين ms40 من أعظم الناس ~~إيجابا لرعاية جانب الرسول صلى الله عليه وسلم تصديقا له فيما أخبر، وطاعة ~~له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه من الصحيح ~~والضعيف والصدق والكذب، واتباع ذلك دون ما خالفه، عملا بقوله تعالى: ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون} ~~وأما أولئك الضلال أشباه المشركين والنصارى فعمدتهم إما أحاديث ضعيفة أو ~~موضوعة أو منقولات عمن لا يحتج بقوله، وإما أن تكون كذبا عليه، وإما أن ~~تكون غلطا منه، إذ هي نقل غير مصدق عن قائل غير معصوم. وإن اعتصموا بشيء ~~مما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم حرفوا الكلم # PageV01P364 # والاستغاثة به في البيت الذي بني لله عز وجل، ففضلوا البيت الذي لدعاء ~~المخلوق، وإذا كان لهذا وقف ولهذا وقف كان وقف الشرك أعظم منه، مضاهاة ~~لمشركي العرب الذين ذكر الله في قوله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث ~~والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا ~~يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} كما يجعلون ~~لله زرعا وماشية ولآلهتهم زرعا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم أخذوا من ~~نصيب الله تعالى فوضعوه فيه وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما ~~يجعل لغير الله على ما يجعل لله، وهكذا هؤلاء الوقوف والنذور التي تبذل ~~عندهم للمشاهد أعظم مما تبذل عندهم للمساجد ولعمارة المساجد والجهاد في ~~سبيل الله. وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه بكى عنده وخضع ويدعو ~~ويتضرع ويحصل له من الرقة والتواضع والعبودية وحضور القلب ما لا يحصل له في ~~الصلوات الخمس والجمعة وقيام الليل وقراءة القرآن، فهل هذا إلا من حال ~~المشركين المبتدعين لا الموحدين المخلصين المتبعين لكتاب الله وسنة رسوله ~~صلى الله عليه وسلم؟!! ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم سماع الأبيات يحصل له من ~~الحضور والخضوع والبكاء ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله تعالى، ~~فيخشع عند ms41 سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين، ~~بل إذا سمعوا آيات الله اشتغلوا وكرهوها واستهزؤوا بها وبمن يقرؤها ما يحصل ~~لهم به أعظم نصيب من قوله: {قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} ، وإذا ~~سمعوا القرآن سمعوه بقلوب لاهية، وألسن لاغية، كأنهم صم وعمي، وإذا سمعوا ~~الأبيات حضرت قلوبهم وسكتت ألسنتهم وسكنت حركاتهم حتى لا يشرب العطشان منهم ~~ماء. ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم فأذن المؤذن قال نحن في شيء أفضل ~~مما دعانا إليه، ومنهم من يقول كنا في الحضرة فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا ~~إلى الباب، وقد سألني بعضهم عمن قال ذلك من الشيوخ الضلال فقلت: كذب، كان ~~في حضرة الشيطان فصار في باب الله، فإن البدع والضلال فيها من حضور الشيطان ~~ما قد فصل في غير هذا الموضع. # PageV01P365 # عن مواضعه وتمسكوا بمتشابهه وتركوا محكمه، كما يفعله النصارى، وكما فعل ~~هذا الضال: أخذ لفظ الاستغاثة - تنقسم لاستغاثة بالحي وبالميت، والاستغاثة ~~بالحي تكون فيما يقدر عليه وما لا يقدر عليه - فجعل حكم ذلك كله واحدا، ولم ~~يكفه حتى جعل سؤال الشخص من مسمى الاستغاثة أيضا، ولم يكفه ذلك حتى جعل ~~الطالب إنما طلب من الله لا منه، فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل ~~الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، واحتج على هذه الدعوة العامة الكلية ~~- التي أدخل فيها من الشرك والضلال ما لا يعلمه إلا ذو الجلال - بقضية خاصة ~~جزئية كسؤال الناس للنبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة أن يدعو ~~الله لهم وتوجههم إلى الله بدعائه وشفاعته، ومعلوم أن هذا الذي جاءت به ~~السنة حق لا ريب فيه ولكن لا يلزم من ذلك ثبوت جميع تلك الدعاوي العامة ~~وإبطال نقيضها، إذ الدعوى الكلية لا تثبت بدليل جزئي، لا سيما عند الاختلاف ~~والتباين، وهذا كمن يريد أن يثبت حل جميع أنواع الملاهي لكل أحد والتقرب ~~بها إلى الله بكون جاريتين غنتا عند عائشة رضي الله عنها في بيت النبي صلى ~~الله عليه وسلم في يوم ms42 عيد مع كون وجهه كان مصروفا إلى الحائط لا إليهما، ~~أو يحتج على استماع كل قول بقوله تعالى: {فبشر عباد الذين يستمعون القول ~~فيتبعون أحسنه} ولا يدري أن القول هنا هو القرآن كما في قوله تعالى: {أفلم ~~يدبروا القول} الآية وإلا فمسلم لا يسوغ استماع كل قول، ونهى الله عز وجل ~~عن الجلوس مع الخائضين في آياته، وخوضهم نوع من القول، قال تعالى: {وإذا ~~رأيت الذين يخوضون في آياتنا} الآية، وقال: {وقد نزل عليكم في الكتاب أن ~~إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم} الآية، وقال ~~تعالى: {وإذا مروا باللغو مروا كراما} وقال تعالى: {وإذا سمعوا اللغو ~~أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم} الآية، وهذا الضال يجوز عنده ~~أن يستغاث بالرسول في كل ما يستغاث بالله على معنى أنه وسيلة من وسائل الله ~~تعالى في طلب الغوث، وهذا عنده ثابت للصالحين، وهو ثابت عند هذا الضال بعد ~~موته ثبوته في حياته لأنه عند الله في مزيد دائم لا ينقص جاهه، فدخل عليه ~~الخطأ من وجوه: (منها) أنه جعل المتوسل به بعد موته في الدعاء مستغاثا به، ~~وهذا لا يعرف # PageV01P366 # في لغة أحد من الأمم لا حقيقة ولا مجازا مع دعواه الإجماع على ذلك، فإن ~~المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به. (الثاني) ظنه أن توسل ~~الصحابة به في حياته كان توسلا بذاته لا بدعائه وشفاعته، فيكون التوسل به ~~بعد موته كذلك، وهذا غلط، لكنه يوافقه طائفة من الناس، بخلاف الأول فإني ما ~~علمت أحدا وافقه عليه. (الثالث) أنه أدرج سؤاله أيضا في الاستغاثة به، وهذا ~~صحيح جائز في حياته وهو قد سوى في ذلك بين محياه ومماته صلى الله عليه ~~وسلم، وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات، ~~وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل ~~الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان له كتاب ~~المستغيثين بالنبي ms43 عليه السلام في اليقظة والمنام، وهذا الرجل قد نقل منه ~~فيما يغلب على ظني، وهؤلاء لهم صلاح ودين لكنهم ليسوا من أهل العلم ~~العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة ~~الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا ~~عليها كما جرت عادة كثير من الناس بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. ~~وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم - ولهم فضل وعلم وزهد - إذا نزل به أمر خطا ~~إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به، وهذا يفعله كثير من ~~الناس، ولهذا لما نبه من نبه من فضلائهم تنبهوا وعلموا أن ما كانوا عليه ~~ليس من دين الإسلام، بل هو مشابهة لعباد الأصنام. لكن هؤلاء كلهم لا يعد ~~نفي هذا والنهي عنه كفرا، إلا مثل هذا الأحمق الضال، الذي حاق به وبيل ~~النكال، فإنه من غلاة أهل البدع الذين يبتدعون القول ويكفرون من خالفهم فيه ~~كالخوارج والروافض والجهمية، فإن هذا القول الذي قاله لم يوافقه عليه أحد ~~من علماء المسلمين لا الأولين ولا الآخرين، وقد طاف بجوابه على علماء مصر ~~ليوافقه منهم واحد فما وافقوه، وطلب منهم أن يخالفوا الجواب الذي كتبته فما ~~خالفوه، وقد كان بعض الناس يوافقه على جواز التوسل بالنبي الميت، لكنهم لم ~~يوافقوه على تسميته استغاثة، ولا على كفر من أنكر # PageV01P367 # الاستغاثة به، ولا جعل هذا من السب، بل عامتهم وافقوا على منع الاستغاثة ~~به، بمعنى أن يطلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله، وما علمت عالما نازع في ~~أن الاستغاثة بالنبي وغيره من المخلوقين بهذا المعنى لا تجوز، مع أن قوما ~~كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما واستغاثوا بمن له ~~غرض من ذوي السلطان، وجمعوا الناس وعقدوا مجلسا عظيما ضل فيه سعيهم، وظهر ~~فيه جهلهم، وخاب فيه قصدهم، وظهر فيه الحق لمن يعاونهم من الأعيان، وتمنوا ~~أن ما فعلوه ما كان، لأنه كان سببا في ظهور الحق مع الذي عادوه وقاموا ~~عليه، ms44 وسببا لانقلاب الحق إليه، وكانوا كالباحث على حتفه بظلفه، والجادع ~~مارن أنفه بكفه، مع فرط تعصبهم وكثرة جمعهم وقوة سلطانهم، ومكايد شيطانهم. ~~وهذه الطريقة التي سلكها هذا وأمثاله هي طريقه أهل البدع الذين يجمعون بين ~~الجهل والظلم، فيبتدعون بدعة مخالفة للكتاب والسنة وإجماع الصحابة، ويكفرون ~~من خالفهم في بدعتهم كالخوارج المارقين، وكذلك الروافض الذين كفروا أبا بكر ~~وعمر وعثمان ومن والاهم وأئمة السنة والجماعة. وأهل العلم والإيمان فيهم ~~العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون به موفقين للسنة سالمين من ~~البدعة، ويعدلون فيمن خرج عنها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: {كونوا قوامين ~~بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم} الآية، وقال تعالى: {ولا يجرمنكم شنآن ~~قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى} الآية، فلهذا كان أهل العلم ~~والسنة لا يكفرون من خالفهم وإن كان ذلك المخالف يكفرهم، لأن الكفر حكم ~~شرعي فليس للإنسان أن يعاقب بمثله. كمن كذب عليك وزنى بأهلك ليس لك أن تكذب ~~عليه وتزني بأهله، لأن الكذب والزنى حرام لحق الله، كذلك التكفير حق لله ~~فلا يكفر إلا من كفره الله ورسوله، وأيضا فإن تكفير الشخص المعين وجواز ~~قتله موقوف على أن تبلغه الحجة النبوية التي يكفر من خالفها، وإلا فليس كل ~~من جهل شيئا من الدين يكفر، ولهذا لما استحل طائفة من الصحابة الخمر - ~~كقدامة ابن مظعون وأصحابه، وظنوا أنها تباح لمن عمل صالحا على ما فهموه من ~~آية المائدة - اتفق علماء الصحابة كعمر وعلي وغيرهما على أنهم يستتابون فإن ~~أصروا # PageV01P368 # على الاستحلال كفروا، وإن أقروا به جلدوا، فلم يكفرهم بالاستحلال ابتداء ~~لأجل الشبهة التي عرضت لهم حتى يتبين لهم الحق، فإذا أصروا على الجحود ~~كفروا، وقد ثبت في الصحيحين حديث الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاسحقوني ثم ~~ذروني في اليم فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من ~~العالمين" فأمر الله البر فرد ما أخذ منه، وأمر البحر فرد ما أخذ منه، ~~وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك يا ms45 رب. فغفر له". فهذا اعتقد أنه ~~إذا فعل ذلك لا يقدر الله على إعادته، وأنه لا يعيده، أو جوز ذلك، وكلاهما ~~كفر، لكن كان جاهلا لم يتبين له الحق بيانا يكفر بمخالفته فغفر الله له. ~~ولهذا كنت أقول للجهمية من الحلولية والنفاة الذين نفوا أن يكون الله تعالى ~~فوق العرش: أنا لو وافقتكم كنت كافرا، لأني أعلم أن قولكم كفر، وأنتم عندي ~~لا تكفرون لأنكم جهال، وكان هذا خطابا لعلمائهم وقضاتهم وشيوخهم وأمرائهم. ~~وهو قد احتج بحديث الأعمى الذي قال: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك ~~محمد نبي الرحمة" وهذا الحديث لا حجة فيه لوجهين: أحدهما أنه ليسهو استغاثة ~~بل توجها به، والثاني أنه إنما توجه بدعائه وشفاعته، فإنه طلب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم الدعاء وقال في آخره: "اللهم فشفعه في" فعلم أنه شفع له، ~~فتوسل بشفاعته لا بذاته، كما كان الصحابة يتوسلون بدعائه في الاستسقاء وكما ~~توسلوا بدعاء العباس بعد مماته. وكذلك في أول الحديث أنه طلب من النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يدعوله، فيدل الحديث على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شفع له ودعا له، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يدعو الله تعالى وأن ~~يسأله قبول شفاعته. وقوله: يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي في حاجتي هذه ~~لتقضى، خطاب لحاضر في قلبه، كما نقول في صلاتنا: السلام عليك أيها النبي ~~ورحمة الله وبركاته، كما يستحضر الإنسان من يحبه ويبغضه في قلبه ويخاطبه، ~~وهذا كثير. وما ذكره من توسل آدم وحكاية المنصور فجوابها من وجهين: ~~(أحدهما) أن هذا لا أصل له ولا تقوم به حجة ولا إسناد لذلك، و (الثاني) أنه ~~لم يدل على التوسل بذاته ولا على الاستغاثة. وأما اشتكاء البعير إليه فهذا ~~كاشتكاء الآدمي إليه، ومازال الناس يستغيثون به في حياته كما يستغيثون به ~~يوم القيامة. وقد قلنا # PageV01P369 # إنه إذا طلب منه ما يليق بمنصبه فهذا لا نزاع فيه، والطلب منه في حياته ~~والاستغاثة به في حياته فيما يقدر ms46 عليه لم ينازع فيهما أحد. فما ذكره لا ~~يدل على مورد النزاع، ولكن هذا أخذ لفظ الاستغاثة ومعناها العام فجعل يشبه ~~به، وهذا إنما يليق بمن قال: لايستغيث به أحد حيا ولا ميتا في شيء من ~~الأشياء، ومعلوم أن العاقل لا يقول هذا في آحاد العامة فضلا عن الصالحين ~~فضلا عن الأنبياء والمرسلين فضلا عن سيد الأولين والآخرين، فإنه ما من أحد ~~إلا يمكن أن يستغاث به في بعض الأشياء فكيف بأفضل الخلق وأكرمهم على الله، ~~ولكن النفي عاد إلى الشيئين: على الاستغاثة به بعد الموت، وأن يطلب منه ما ~~لا يقدر عليه إلا الله تعالى. وأما قول هؤلاء الجهال فهو يستلزم الردة عن ~~الدين، والكفر برب العالمين، ولا ريب أن أصل قول هؤلاء هو من باب الشرك ~~بالله الذي هو الكفر الذي لا يغفره الله تعالى، فإن الله تعالى قال في ~~كتابه: {وقالوا لا تذرن آلهتكم} الآية، وقد قال غير واحد من السلف: هذه ~~أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا ~~تماثيلهم ثم عبدوهم، وقد ذكروا ذلك بعبارات متقاربة في كتب الحديث والتفسير ~~وقصص الأنبياء كما ذكره البخاري في صحيحه وجماعة من أهل الحديث، وقد أمر ~~الله تعالى نبيه أن يقول: {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} الآية، فيقول ~~أهل الضلال: هذا يقوله هو نفسه، وأما نحن فبيس لنا أن نقول هو بشر، بل نقول ~~كما قال فلان وفلان. ومن زعم أن محمدا بشر كله فقد كفر. وهذا يقوله قوم ~~منهم، وهو تشبه بقول النصارى في المسيح، يقولون: هو ليس بشرا كله، بل ~~المسيح عندهم اسم يتناول اللاهوت والناسوت، والإلهية والبشرية له جميعا، ~~وهذا يقوله طائفة من غلاة الصوفية والشيعة يقولون باتحاد اللاهوت والناسوت ~~في الأنبياء والصالحين كما تقول النصارى في المسيح. ونحن نعلم بالضرورة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته أن تدعو أحدا من الأموات، لا ~~الأنبياء ولا الصالحين بلفظ الاستغاثة ولا غيرها، كما أنه لم يشرع ms47 لأمته ~~السجود لميت ولا إلى ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور وأن ~~ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكن لغلبة الجهل # PageV01P370 # وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يمكن تكفيرهم بذلك حتى ~~يبين لهم ما جاء به الرسول مما يخالفه، ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن ~~يعرف دين الإسلام إلا تفطن لها وقال: هذا أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر ~~الشيوخ العارفين من أصحابنا يقول: هذا أعظم ما بينه لنا، لعلمه بأن هذا أصل ~~الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الإسلام ويدعون الأموات ~~ويسألونهم ويستجيرون بهم ويفزعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات ~~أعظم، لأنهم إنما يقصدو الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعون دعاء المضطر راجين ~~قضاء حاجاتهم بدعائه والدعاء به عند قبره، بخلاف عبادتهم لله ودعائهم إياه ~~فإنهم يفعلون في كثير من الأوقات على وجه التكلف والعادة، حتى إن العدو ~~الخارج عن شريعة الإسلام لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور ~~التي يرجون عندها كشف ضرهم، قال بعض الشعراء: # يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر # أوقال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكم من الضرر # فقلت لهم: هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا ~~كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه قضى أن العسكر ينكسر لأسباب ~~اقتضت ذلك ولحكمة كانت لله عز وجل في ذلك، ولهذا كان أهل المعرفة بالدين ~~والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ~~ورسوله، فلم كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله والاستغاثة به، وأنهم ~~لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل. فلما أصلح ~~الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصرا لم يتقدم ~~نظيره، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك أصلا، لما صح من توحيد ~~الله وطاعة رسوله ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين ms48 آمنوا في ~~الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد كما قال تعالى في يوم بدر: {إذ تستغيثون ~~ربكم فاستجاب لكم} الآية. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر كان ~~يقول: "يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت برحمتك أستغيث" وفي لفظ: "أصلح لي ~~شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين ولا إلى أحد من خلقك"، وهؤلاء يدعون ~~الميت والغائب فيقول أحدهم: # PageV01P371 # بك أستغيث بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي، ومنهم من ~~يقول للميت: اغفر لي وارحمني وتب علي ونحو ذلك، زمن لم يقله من عقلائهم ~~فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، ~~وظهور البدع، وجدب الزمان وغير ذلك. فيشكو إليه ما حصل من ضرر في الدين أو ~~الدنيا، ومقصوده بالشكوى أن يشكيه فيزيل ذلك الضرر، وقد يقول مع ذلك: أنت ~~تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب. فيجعل الميت أو ~~الحي الغائب عالما بذنوب العباد وجزئياتهم التي يمتنع أن يعلمها بشر حي أو ~~ميت. ثم منهم من يطلق سؤاله والشكوى ظنا منه أنه يقضي حاجته كما يخاطب بذلك ~~ربه بناء على أنه يمكنه ذلك بطريق من الطرق، وأنه وسيلة وسبب وإن كان ~~السائل لا يعلم وجه ذلك، وعقلاؤهم يقولون مقصودنا أن يسأل الله لنا، ويظنون ~~أنهم إذا سألوه بعد موته أن يسأل الله لهم فإنه يسأل ويشفع كما يسأل ويشفع ~~لما سأله الصحابة رضي الله عنهم في الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة ~~إذا سئل الشفاعة ولا يعلمون أن سؤال الميت أو الغائب لا يشرع البتة، ولم ~~يفعلهما أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه إلى سؤال غيره ~~وطلب الدعاء منه، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء والصالحين ~~وغيرهم لا يطلب منه من بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته. والله ~~أعلم. اه ملخصا. فتأمل رحمك الله تعالى كلامه ساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم ~~وشهرا بعد شهر ms49 وسنة بعد سنة لعلك أن تعرف أن دين الإسلام الذي بعث الله به ~~جميع رسله وأنزل به جميع كتبه، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} وقال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} وقال تعالى: {واسأل من أرسلنا ~~من قبلك من رسلنا} الآية. ثم تأمل ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من أنواع ~~الشرك الأكبر الذي قد وقع في زمانه لمن يدعي العلم والمعرفة وينتصب للفتيا ~~والقضاء، لكن لما نبههم الشيخ على ذلك وبين لهم أن هذا هو الشرك الذي حرمه ~~الله ورسوله تنبهوا وعرفوا أن ما هم عليه شرك وضلال، وانقادوا للحق - وإن ~~بعضهم لما # PageV01P372 # بين له ذلك قال: هذا أحسن ما بينته لنا - يتبين لك غربة الإسلام. وهذا ~~مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله أنه قال: "لتتبعن سنن من كان ~~قبلكم" الحديث. وتأمل أيضا ما وقع من هذا الرجل وتجويزه الاستغاثة بغير ~~الله، وأنه يجوزالاستغاثة بغير الله وأنه يجوز الاستغاثة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم في كل ما يستغاث الله به واحتجاجه على ذلك بمتشابه القرآن والسنة ~~ويكفر من قال لا يستغاث إلا بالله وبالأمور التي لا يقدر عليها إلا الله، ~~من كشف الشدائد، وإنزال الفوائد. ثم تأمل رد الشيخ رحمه الله تعالى بالآيات ~~المحكمات، والبراهين القاطعات، من الأحاديث الصريحات يتبين لك الأمر إن ~~هداك الله، وتنزاح عنك الشبهة التي أدخلت كثيرا من الناس النار، وهي ~~الاغترار بما عليه الآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل ~~البلاد. ومن أعجب ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى عن هؤلاء المشركين في ~~زمانه أن أحدهم يسجد للقبر ويستدبر القبلة ويقول أحدهم: القبلة قبلة ~~العامة، وقبر الشيخ فلان قبلة الخاصة. قال رحمة الله عليه: هذا يقوله من هو ~~أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع. قلت: كالذي يشاهد اليوم في زماننا ~~يفعل في مشهد علي وغيره من المشاهد والمساجد المبنية على ms50 القبور يجدون من ~~الرقة والخشوع والبكاء أعظم مما يجدون في بيوت الله، بل إذا قام أحدهم في ~~الصلاة بين يدي الله تعالى نقرها نقر الغراب، ومنهم من يحلف بالله اليمين ~~الغموس كاذبا، فإذا قيل له احلف بتربة فلان أو بفلان أبى أن يحلف كاذبا، ~~فيكون فلان أو تربته والشيخ فلان أعظم في صدره من الله، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون ما أعظمها من مصيبة، تالله إنها فتنة عمت فأعمت، وربت على القلوب ~~والأسماع فأصمت. وتأمل أيضا رحمك الله تعالى قول الشيخ رحمه الله تعالى: ~~وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل ~~الشيخ يحيى الصرصري والشيخ محمد بن النعمان، وإن هؤلاء وأشباههم ليسوا من ~~أهل العلم العالمين بمدارك الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ~~ومعرفة الحلال من الحرام، فإن الشيخ يحيى الصرصري الحنبلي في شعره قطعة من ~~دعوة الرسل # PageV01P373 # والاستغاثة بهم، كذلك غيره من المصنفين في الزيارة، فإياك أن تغتر بذلك ~~أو تقلدهم في ذلك، فإنه ليس لهم في ذلك مستند صحيح لا من كتاب ولا سنة ولا ~~نقل عن عالم مرضي، بل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى عادة جروا عليها فلا ~~يقتدى بهم في ذلك، وإنما يقتدى في الدين بكلام رب العالمين ورسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أجمعين. فهل تجد أحد الصحابة أو ~~التابعين لهم بإحسان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته واستغاث به ~~أو استشفع به إلى ربه وقال: يا رسول الله اشفع لي إلى ربك واقض ديني أو فرج ~~كربتي أو انصرني أو اغفر لي ذنبي، بل جردوا التوحيد لله تعالى وحموا جانبه، ~~ولهذا كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وغيره من الصحابة إذا سلم على ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقف فيقول: السلام عليك يا رسول الله، ثم يقف ~~فيقول: السلام عليك يا أبا بكر، ثم يقف فيقول: السلام عليك يا أبت. وإذا ~~أراد أحدهم الدعاء جعل ms51 ظهره إلى جدار القبر واستقبل القبلة إذا أراد أن ~~يدعو حتى لا يدعو عند القبر. وذكر الإمام أحمد وغيره أنه يستقبل القبلة ~~ويجعل القبر عن يساره لئلا يستدبره وذلك بعد تحيته والصلاة والسلام عليه، ~~ثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حياه وصلى عليه يستقبل وجهه - بأبي هو وأمي ~~صلى الله عليه وسلم - فإذا أراد الدعاء جعل الحجرة عن يساره واستقبل القبلة ~~ودعا الله. وذكر أصحاب مالك أنه يدنو من القبر فيسلم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ثم يدعو مستقبل القبلة يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، وإنما ~~اختلفوا لما فيه من استدباره صلى الله عليه وسلم، فأما إذا جعل الحجرة عن ~~يساره فقد زال المحذور بلا خلاف. وقال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند ~~قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يصلي ويسلم. فهذا هو هدي السلف الصالح ~~من الصحابة رضي الله عنهم والتابعين لهم بإحسان والأئمة الأربعة، وما أحسن ~~ما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح ~~أولها. ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم عوضوا عن ذلك بما أحدثوا ~~من البدع والشرك وغيره، ولهذا كرهت الأئمة استلام القبر وتقبيله، وبنوا ~~بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه. والله أعلم. PageV01P374 ms52