######OpenITI# #META# URI: 1243NiqulaTurki.TamallukFaransawiyyaAqtarMisriyya.Hindawi42506202 #META# Tags: history #META# ID: 42506202 #META# Title: ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية #META# AuthorID: 92424283 #META# Author: نقولا التركي #META# EditorID: None #META# Editor: None #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # فاتحة الكتاب‏ # ذكر الثورة الفرنسية‏ # ذكر ما صنعه أمير الجيوش في جريان النيل‏ # ذكر ما صنعه أمير الجيوش في مولد النبي الواقع في 12 ربيع أول سنة 1213‏ # ذكر العيد الذي صنعه أمير الجيوش للمشيخة في ربيع ثاني سنة 1213‏ # ذكر أمير الحج لما خرج في الحج قبل دخول الفرنساوية‏ # ذكر ما تم في ممالك الدولة العثمانية‏ # ذكر ما حدث بمصر‏ # فاتحة الكتاب‏ # ذكر الثورة الفرنسية‏ # ذكر ما صنعه أمير الجيوش في جريان النيل‏ # ذكر ما صنعه أمير الجيوش في مولد النبي الواقع في 12 ربيع أول سنة 1213‏ # ذكر العيد الذي صنعه أمير الجيوش للمشيخة في ربيع ثاني سنة 1213‏ # ذكر أمير الحج لما خرج في الحج قبل دخول الفرنساوية‏ # ذكر ما تم في ممالك الدولة العثمانية‏ # ذكر ما حدث بمصر‏ # | ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية # | ذكر تملك جمهور الفرنساوية الأقطار المصرية والبلاد الشامية # تأليف # نقولا التركي # | فاتحة الكتاب # بسم الله الحي، القيوم الأبدي، الأزلي الدايم السرمدي، الواحد الأحد، الفرد ~~الصمد، الذي لا رب غيره وسواه لا يعبد، من خلق السموات وزينها بالكواكب السايرة، ~~والنجوم الساهرة، وبسط الأرض وأتقنها بحكمته الباهرة، وقدرته القادرة، وصنع الإنسان وولاه ~~على ساير ما أبدع في دنياه، وجمله في العقل الفايق والذهن الرايق، وأمره بالسير على ~~الحق وحفظ السنن، وخلوص الود للخلق وترك الفتن. نحمده - سبحانه وجل شانه - حمدا يليق ~~بعزته ذات الجلالة، ما بزغ بدر وأشرقت غزالة. # أما بعد؛ فيقول العبد الضعيف صاحب هذا التأليف: إنه إذ قد جرت عادة الأوايل بتأليف الكتب ~~والرسايل، وذكر ما يمر عليهم من الحادثات الكونية والحركات الكلية، كقيام دولة على ~~دولة وانتشار الحروب المهولة، وما يتعلق بها من المواقع المريعة والأمور الفظيعة. # فحق لنا أن نؤرخ في هذا الكتاب لانتفاع الطلاب ما حدث من التغيير والانقلاب، مما ~~أجرته يد الأقدار في هذه الأمصار، ومما أذنت به العزة الإلهية بظهور المشيخة ~~الفرنساوية، وما تكون بسببها من الفتن في البلاد الإفرنجية وديار الرومية، وقتل ~~سلطانهم وخراب بلدانهم، وانتشار شانهم وربحهم ms001 من بعد خسرانهم، وذلك بظهور فرد أفرادهم وقايد ~~أجنادهم، الليث الشديد والبطل الصنديد، أمير الجيوش الأمير بونابرته، وذكر الحروب التي ثارت ~~بتلك الممالك وحدوث الشرور والمهالك، وقهر البلاد التي اتصلوا إليها والانتصارات العظيمة ~~التي حصلوا عليها، بانتقالهم الغريب من الغرب إلى الشرق، ومرورهم العجيب أسرع من البرق، ~~ونزولهم على جزيرة مالطة كالصواعق الهابطة، وفتوحهم ثغر الإسكندرية واستيلائهم على الأقطار ~~المصرية، وذكر ما تم لهم من التمليك في حروبهم مع جملة الغز والمماليك، ومسيرهم على ~~الأقطار الشامية، ومحاصرتهم لمدينة عكا القوية مسكن ذاك الوزير الجبار المعروف ~~بأحمد باشا الجزار، ورجوعهم إلى أرض مصر، وما تم لهم في ذلك العصر، وكفاحهم مع الدولتين ~~العظيمتين؛ الدولة العثمانية والدولة الإنكليزية، ومصادماتهم للعساكر البرية والبحرية، ~~وخروجهم من مصر القاهرة بالتسليم من بعد حروب وافرة وهول عظيم، وذلك في مدة ثلاثة أعوام في ~~التمام، ابتداؤها شهر محرم الحرام افتتاح عام ألف ومايتين وثلاثة عشر هجرية، وآخرها شهر ~~ربيع الثاني عام ألف ومايتين وستة عشر بالهجرة الإسلامية، ثم يتلوه ذكر تملك الدولة ~~العثمانية والدولة الإنكليزية من بعد خروج الدولة الفرنساوية، وذكر ما تم لهم مع زمرة ~~الغز والمماليك المحمدية من بعد فتوحهم مصر الكنانة، وبالله القوة والإعانة. # | ذكر الثورة الفرنسية # إنه في سنة 1792 مسيحية الموافقة لسنة 1207 هجرية، حدث في مدينة باريز بلبلة عظيمة؛ إذ ~~هاج شعب هذه المملكة هياجا عظيما، وتظاهر ظهورا جسيما ضد السلطان والأمراء والأشراف، ~~في يوم كان شديد الارتجاف، وأبرزوا الكمين منذ أعوام وسنين، وطلبوا نظامات جديدة وترتيبات ~~حديثة، وادعوا أن وجود السلطان بصوت منفرد أحدث خرابا عظيما في المملكة، وأن أشرافها ~~يتنعمون في خيراتها وباقي شعوبها يكابدون أتعابها ومشقاتها؛ فلأجل ذلك نهضوا جميعهم ~~سوية؛ تلك الشعوب الفرنساوية، ودخلوا إلى سراية الملك، فخاف منهم خوفا عظيما مع أرباب ~~دولته، وسألهم عن مرامهم والسبب الداعي إلى قيامهم، فأعلموه أنه من الآن وصاعدا لا يبرز ~~الملك أمرا أو يبث رأيا من تلقا ذاته، بل يكون بث الأحكام والترتيب والنظام بموجب ~~ديوان عظيم ومحفل جسيم، ms002 ويكون الملك له الصوت الأول، ثم من بعده مشايخ الشعب الذين عليهم ~~المعول؛ فبذلك يهون الصعب ويرتفع الظلم عن الشعب، فلما فهم الملك لويس قيام هذا الشعب ~~المذكور وما أبدوه من تلك الأمور أجابهم: وأيضا أنا أود عمار هذه المملكة وخيرها، وأطيع ~~لما تروه مناسبا لرفع ضرها وضيرها، فقالوا له: إن كنت كما زعمت اختم لنا الشروط التي ~~تلائم إصلاح هذه المملكة وقيام المشيخة، فقبل ذلك خوفا من الشعب وختم لهم الشروط التي ~~قدموها له. # ثم بعد أيام جهز الملك نفسه للهرب، وخرج ليلا من مدينة باريز، وصحبته أخوه وبعض أصحابه ~~قاصدا الإنبراطور ملك النمسا؛ لأنه كان نسيبه شقيق زوجته، وعندما بلغ مشايخ الشعب خروج ~~هذا الملك جدوا في طلبه، فوجدوه في إحدى اللوسطاريات التي في الطريق، فقبضوا عليه ورجعوا ~~به إلى المدينة ووضعوه في السجن مع امرأته وولده، وأما أخوه فإنه نجا منهم وسار إلى بلاد ~~النمسا. # وبدأ جميع الشعب يصيح صارخا: فليقتل الملك بموجب الشريعة؛ لأنه نكث في عهده مع شعبه، ~~وقد هرب لكي يلتجئ إلى ملك النمسا الذي هو أخو زوجته التي قد تسبب لنا هذا الخراب بسببها، ~~ثم إن بعدما سجنوا الملك أربعة أشهر، أحضروه أمام الشعب في يوم الإثنين في الحادي والعشرين ~~من كانون الثاني، وقد أبرزوا عليه الحكم بالموت، فطلب الملك لويس أن يخاطب عيلته، ~~والمتوكلون عليه أحضروا له امرأته وبنته وشقيقته، واستمروا معه في المكان الذي كان يأكل ~~فيه نحو ساعتين ونصف، وخاطب ابنته مريم أنطونينا قائلا لها: تعلمي من مصايب والدك ولا ~~تجزعي من موتي، وطلبت عيلته منه أن ينظروه عند الصباح فلم يجبهم إلى ذلك. # وفي الصباح أعلموا المتوكلون عليه أن الجمهور قد حكم عليه بالموت، فطلب الملك لويس ~~دقيقة لكي يتكلم مع معلم اعترافه فأذنوا له بذلك، ثم أعرض مغلفا على أحد المتوكلين ~~وتوسل إليه أن يرسله إلى مجمع الجمهور فأجابه: إنني لا أستطيع هذا الأمر؛ لكوني متفوض ~~أن أرافقك إلى منقع الدم، ثم أعطى ذاك المغلف إلى شخص آخر ms003 وأوعده أنه يوصله إلى الجميعة، ~~وكان بذلك المغلف وصيته: # وهذه هي وصيته: # باسم الثالوث الأقدس الأب والابن والروح القدس أنا لويس السادس عشر، باسم ملك ~~فرنسا، في اليوم الذي هو الخامس والعشرون من كانون الأول في سنة 1792؛ إذ كان لي ~~أربعة أشهر مسجونا في الحصن المسمى طمبل في باريز، ففعل هؤلاء الذي كانوا ~~خاضعين لي، وممنوعا عن كل اشتراك حتى مع عيلتي نفسها منذ أحد عشر من هذا الشهر، ~~ومشتغلا في فحص لا يمكن يعرف نهايته بسبب الآلام البشرية التي لا يوجد لها اعتذار ~~ولا مثال في شريعة من الشرايع، وإذ لم يكن شاهد آخر لأفكاري ولا من ألتجئ إليه سوى ~~الله - تعالى - وحده فأوضح لدى حضرته الإلهية إرادتي الأخيرة، وأني تارك نفسي لله ~~سيدي وخالقي، وأتوسل إليه بأن يقبلها برحمته، ولا يحاسبها حسب استحقاقها بل حسب ~~استحقاق سيدي يسوع المسيح؛ الذي قدم ذاته لأبيه السماوي لأجل خلاص كل البشر ~~الذي أنا أولهم، ولو كنت غير مستحق لذلك، بل إنني أموت بالاتحاد مع الكنيسة ~~الكاتوليكية الرسولية الرومانية التي اقتبلت سلطانتها بتسلسل متصل من القدس بطرس ~~الرسول، مستودعة له من السيد المسيح نفسه، وإنني أؤمن إيمانا ثابتا وأعترف ~~بكل ما هو متضمن في قانون الإيمان وفي وصايا الله وكنيسته وفي الأسرار كما تعلمه ~~الكنيسة الجامعة. # وإنني قد علمت دايما بأني لم أدع قد أصلا في أنني أقيم ذاتي قاضيا في أنواع ~~تفسير الاعتقادات المختلفة التي تمزق كنيسة السيد المسيح، بل إنني قد تصرفت ~~وسأتصرف دايما إن منحني الله الحياة مسلما للتحذيرات التي تعطى لي من رؤساء ~~الكنايس المتحدين مع الكنيسة الجامعة المقدسة الرسولية، والمتفقين معها من ~~إتيان سيدنا يسوع المسيح، وإني أندب من كل قلبي أوليك الذين يوجدون في الضلال، إنما ~~لا أدينهم بل أحبهم سوية بسيدي يسوع المسيح، كما ترشدني المحبة المسيحية، ~~وأتوسل لله - تعالى - أن يغفر لي كل خطاياي؛ لأنني قد اجتهدت بالفحص المدقق ~~عنها لكي أعرفها وأمقتها، وأتضرع أمام عزته - تعالى - بأن إذ لم يمكني أحصل ~~على كاهن ms004 كاتوليكي فأسأل الله أن يقبل اعترافي وندامتي الخالصة؛ لكوني وضعت اسمي ~~وكان ضد إرادتي في بعض قضايا مضادا الاعتقاد بالكنيسة الكاتوليكية وتهذيبها، ~~وإنما قد استمريت دايما متحدا معها بخلاصة قلبي، وأتوسل لله - تعالى - أن يقبل ~~قصدي الثابت أن أستخدم كاهنا كاتوليكيا حال ما يمكني إن منحني الحياة؛ لكي ~~أعترف بكل خطاياي، وأقبل من يده سر التوبة. # وإنني أتضرع لكل أوليك الذين قد أمكن أن أكون أغضبتهم بعدم الانتباه؛ إذ لم ~~يبكتني ضميري أنني سببت لأحد أدنى إهانة، والذين قد أمكن أن أكون قد أعطيتهم ~~مثلا رديا أو شكوكا فأتوسل إليهم أن يسامحوني بالشر الذي يظنون أنني سببته ~~لهم، وإنني أيضا أتوسل لكل أوليك المحبين أن يصنعوا تضرعاتهم مع تضرعاتي؛ لكي ~~أنال من الله مغفرة آثامي. # وإنني أغفر من كل قلبي لأوليك الذين قد أعلنوا ذواتهم أعداء لي من دون أن يسبق ~~لهم مني أدنى سبب يوجب ذلك، وأسأل الله أن يسامحهم ويغفر لهم، ولأوليك الذين قد ~~صنعوا معي شرا عظيما؛ إما من قبل غيرة كاذبة أم من قبل جهل. # وإنني أستودع لله امرأتي وبني وشقيقتي وإخوتي وعماتي وكل أوليك المرتبطين ~~معي بارتباط الدم أو بنوع آخر، وأتوسل لله أن ينعطف برحمته نحوهم وأن يقويهم ~~بنعمته على افتراض فقدهم إياي كل الزمان الذي يستمرونه في هذا وادي الدموع، ~~وإنني أستودع بني لامرأتي، ولا أرتاب أصلا بحنوها الشفوق نحوهم، وأوصيها ~~بالخصوص أن تهذبهم تهذيب المسيحيين الكاملين، وأن تصيرهم بأن يعتبروا عظمة هذا ~~العالم كخيرات خطرة قابلة الفقد والانقلاب، وأن يرفعوا ألحاظهم نحو المجد الثابت ~~الحقيقي، وإنني أتضرع إلى شقيقتي أن تستمر ملاحظة بني بحنوها المعتاد، وأن ~~تقوم مقام والدتهم إن حصلوا على فقدها من قبل التعس، وإنني أسأل امرأتي بأن تسامحني ~~بكل الشرور التي احتملتها بسببي، وبكل غيظ قد يمكن أن أكون سببته لها في مدة ~~اقتراننا، وليكن محققا عندها أنني لست بواجد عليها شيئا من الأشياء، وإنني ~~أوصي بني بكل حرارة أنهم من بعد أن يتقوا الله؛ إذ كان - تعالى - واجب ms005 أن ~~يتقدم إكرامه على كل شيء، ويكونوا متفقين دايما مع بعضهما بعض، وخاضعين ~~لوالدتهما وحافظين نحوها كل معروف، وأن يعتبروا شقيقتي كوالدة ثانية. # وإنني أوصي ابني على افتراض أنه إذا ما حصل على التعس أي أضحى سلطانا أن يفتكر ~~بأنه يلتزم أن يوجه كل اهتمامه نحو سعادة أهل بلاده، وأنه يلتزم أن ينسى كل بغض ~~وضرر خاصة لأوليك الذين سببوا إلي ما أنا محتمله الآن، وأنه لا يستطيع أن ~~يصير الشعوب سعداء إن لم يحكم حسب الشرايع، وإنني أوصي ولدي أن يهتم بكل ~~أوليك الأشخاص الذين كانوا متعلقين بي، وأن يفتكر بأني قد حصلت على التزام مقدس ~~نحو أولاد وأقرباء أوليك الذين ماتوا لأجلي، والذين قد حصلوا على التاعسة بسببي، ~~وإني عالم أنه كان يوجد أشخاص كثيرون من الذين كانوا متعلقين بي ولم يسلكوا معي ~~بحسب التزامهم بل أظهروا عدم المعروف معي، فأنا أسامحهم من كل قلبي، وأسأل ولدي أنه ~~إذا تقدمت له الفرصة لا يفتكر سوى بسعادتهم والخير لهم. # وإنني أود أن أظهر معروفي نحو أوليك الذين قد حفظوا تعلقا حقيقا نحوي من ~~دون نفعهم الخاص، كما أنني قد شعرت بألم من قلبي رداوة بعض أشخاص لم يظهر مني ~~نحوهم ونحو أولادهم وأصدقائهم إلا كل جودة وخير، وهكذا قد شعرت بتعزية بنظري ما قد ~~ظهر من تعلق حقيقي من كثيرين نحوي، ثم أسألهم أن يقبلوا شكري لأفضالهم؛ إذ كنت ~~في هذه الحال لا أستطيع أن أبدو في المعروف نحوهم، إنما أوصي ولدي أن يستقصي إلى ~~الفرصة الملائمة إلى مكافأتهم، وإنني أظن أني قللت اعتباري للطايفة الفرنساوية، ~~إن كنت لا أوصي صريحا ولدي بأوليك الذين انعطافهم الخاص نحوي قد جذبهم ~~لينحبسوا معي، ويطوحوا ذواتهم بخطر الموت لأجلي. # وأوصي ولدي بكلري الذي ليس لي سبيل عادل أن لا أمدح اهتمامه وخدمته نحوي منذ ~~وجد معي ولم يزل مستمرا الآن وإلى النهاية، وأسأل أسياد الجمهور أن يسلموه كتبي ~~وساعتي وكيس خرجيتي والأشياء المختصة بي، التي هي مودوعة عند مجمع الجمهور، وإنني ~~أسامح ms006 أوليك الذين كانوا يحرسوني ، وأصفح عن مقتلاتهم الردية والمضايقات التي ~~ضايقوني بها، وقد وجد بعض أنفس شفوقة فليتمتع هؤلاء بالراحة التي تحصل لهم، وأن ~~يقبلوا شكري لأفضالهم ورغبتي بالمعروف نحو كل سعيهم ومهماتهم التي فعلوها لأجلي، ~~وإنني أنهي وصيتي موضحا أمام الله؛ إذ كنت قريبا أمتثل بإزاء حضرته الإلهية أن ~~ضميري لا يبكتني على ذنب من الذنوب المنسوبة لي، وقد حررت هذه الوصية نسختين في ~~حصن الطمبل في خامس عشر كانون الأول سنة 1792. # المحرر اسمه لويس السادس عشر # من ملوك ~~فرنسا # الشاهد به بياد # أحد أصحاب ~~الوظايف # وفي الساعتين ونصف بعد نصف الليل صعد القايد العام نحو الملك لويس، وعرفه أنه يزمع أن ~~يذهب إلى الموت، فأجابه الملك: إنني مستعد لذلك، وإذ خرج من مكانه وصعد إلى الكروسي حيث ~~كان معلم اعترافه، وقد اصطفت العساكر في التبيعة حيث كان مكان الموت، وقد كان صمت ~~كلي، وأما الملك لويس بعدما قرأ صلاة المنازعين تعرى من ثيابه بشجاعة فريدة وقلب غير ~~مرتجف، وصرخ بصوت عال: أيها الفرنساويون إنني أموت بريا، وأغفر لكل أعدائي، وأرغب أن ~~موتي يكون مفيدا للشعب، ثم أمر القايد العام إلى الجلاد أن يتمم وظيفته، وفي الحال قطع ~~رأسه، وكان حزنا عظيما عند الذين كانوا من حزب الملك. # وأما الشعب فكان عنده سرور عظيم وصنعوا في مثل ذلك اليوم عيدا في كل سنة؛ تذكارا لقتل ~~الملك وانتصار الشعب، وكان ذلك في مبادي شهر أيلول في سنة 1793، وجعلوه بدو سنتهم ولقبوه ~~تاريخا للمشيخة، وغيروا الأشهر النصرانية ورتبوها أشهر جديدة، وسموها أسامي مختلفة، ~~وأبقوها ثلثين يوما على خلاف عدتها الأولى، وفي ذلك الوقت رفضوا الديانة، وأقفلوا ~~الكنايس والأديرة الرهبانية، وقتلوا الرهبان والراهبات وعدة من الأساقفة، وأرموا ~~الأيقونات، وكسروا الصلبان، وكان خراب عظيم في تلك المملكة وأهوال متلفة مهلكة، وحدث عدة ~~مواقع بينهم وبين حزب السلطان، ولا زالت تزداد وتنمو الأحقاد وتتجند الأجناد وتهلك العباد ~~حتى ضعف حزب السلطان وقويت شوكة المشيخة قوة عظيمة. # وبعد أن اعتدل ميزانها ووطدت أركانها، وأهلكوا أخصامها، ms007 فأنفذوا كتابات لساير الملوك ~~يعرفونهم عن تأييد مشيختهم، وهذا ما تضمنته كتاباتهم: # إن كل من يقر بمشيختنا فهو حبيب لنا، ومن لم يقر بمشيختنا فهو عدو لنا ~~ويستعد إلى محاربتنا؛ لأننا قد استعدينا أن نحارب المسكونة بأسرها. # ثم كتبوا مثل ذلك إلى الدولة العثمانية، وقد كانت هذه الدولة المذكورة من ~~قيامها متحدة مع الدولة الفرنساوية دايما، فقبلت كتابتهم وقرت بمشيختهم، وأما الملوك ~~الإفرنجية حين وصلتهم كتابة الفرنساوية نهضوا جميعا باتفاق على قدم وساق، وعزموا على حرب ~~ذلك الشعب الخارج عن الأسلوب ليلا تتشبه به بقية الشعوب، فأول من أشهر عليهم بالحروب ~~ملك النمسا الإنبراطور؛ لأنهم قد قتلوا شقيقته وزوجها ملكهم، ثم نهضت ضدهم دولة الإنكليز، ~~ثم سلطان إسبانيا، ثم سلطان إيطاليا، ثم البابا سلطان مدينة رومية العظيمة، وباقي سلاطين ~~بلاد أوروبا، ولكون أن شعب هذه المملكة هو أوفر عددا من ساير الشعوب، فاعتصبوا جميعهم عصبة ~~واحدة، واستعدوا لحرب جميع مضاديهم، وخرجوا من مدينة باريز إلى قتال أعدائهم الواردين ~~عليهم من كل ناحية، وابتدوا يحاصرون مدينة بعد مدينة ومملكة بعد مملكة، وهم في عساكر ~~كالبحار الزاخرة، بآلات الحرب الوافرة، والقوات القادرة، إلى أن اشتهر بأسهم واقتدارهم، ~~وانتشر تملكهم وانتصارهم، وتملكوا حصونا وقلعا وبلدانا وضيعا، واستولوا على ممالك ~~بلاد إيطاليا، وكانت حكم أحد عشر سلطانا، وامتلكوا عدة قلع من بلاد النمسا. # وكان ذلك الانتصار والتملك عن يد ذلك الليث الظاهر ~~والأسد الكاسر، الفرد الفريد والبطل الصنديد؛ أمير الجيوش بونابرته، وكان هذا من بعض كبار ~~المشيخة الفرنساوية، وكان قصير القامة رقيق الجسم أصفر اللون، باعه اليمين أطول من اليسار، ~~مملوا من الحكمة مشمولا بالسعد والنعمة، يبلغ من العمر ثمانية وعشرين سنة، وهو أطلياني ~~الأصل من جزيرة كورسيكا، وتربيته في مدينة باريز كرسي دولة الفرنساوية، وعندما اقتربت تلك ~~الجيوش الفرنساوية إلى كرسي مملكة الإنبراطور؛ أي ملك النمسا عقد أمير الجيوش بونابارته ~~صلحا مع الملك الإنبراطور على شروط مكتومة غير ظاهرة، ونهض من هناك سايرا إلى مملكة ~~البندقية ودخل دخولا عجيبا؛ لأن مدينة البندقية هي ms008 بكر الأبكار؛ لكون أنها من حين ما بنيت ~~وقامت مشيختها قط ما دخلها داخل ولا سطا عليها عدو، واستولى على جميع مدنها وجزايرها ~~وتملك على كنوزها وذخايرها، ثم إنه سلم مدينة البندقية إلى ملك النمسا، وأبقى جزيرة ~~كورفو له، ووضع بها ستة آلاف صلدات، ومن هناك سار بالجيوش إلى مدينة رومية ~~العظمى. # وبعد حروب شديدة وأيام عديدة مع عساكر البابا تملك رومية، وهزم البابا واستولى على ~~كنوزه وذخايره، وسلب أموال أهل الجزيرة، وخرب نظام تلك المدينة الجليلة، وأهان طغمة ~~الأكلريكين والرهبان، وازدرى بالذخاير والصلبان، وكان اضطهاد عظيم على المسيحيين، وكثير من ~~أهل رومية تبعوا رأي الفرنساوية، ومكث مدة في رومية وأتى إلى مدينة باريز. # وكان مدة حروبهم في البلاد الإفرنجية ستة سنوات، وطاعتهم غالب البلاد المذكورة، وقد كانت ~~الفرنساوية جهزت عمارة عظيمة في طولون، وكان عدتها أربعماية وخمسين مركبا، وعدة عساكرها ~~ستين ألفا، ورؤساء العساكر ستة وعشرون رجلا معروفين بالشجاعة والقوة والبراعة، وعدة ~~الصلدات الحربية ستة وثلاثون ألفا، وباقي العساكر فيسالية وأصحاب صنايع ونوتية، وحين تمت ~~العمارة ركب بها وصار طالبا جزيرة مالطة، وعندما وصل إليها حاصرها مدة قليلة، وافتتحها في ~~شهر أيار المطابق إلى شهر ذي القعدة سنة 1212 هجرية بعد قيام تلك المشيخة بخمسة سنين، وقيل ~~إن ذلك كان بولس الكوليرية الفرنساويين الذين كانوا موجودين بها، وبعد توليهم على مدينة ~~مالطة رفعوا منها الحكام الكوليرية الذين كانوا من قبل ساير الملوك الإفرنجية، وأطلقوا ~~المأسورين بها من الإسلام وأرسلوهم إلى بلدانهم بالسلام، ~~وأوعدوهم بأن ما عاد يسير استئسار على الإسلام من المالطية على الدوام، ثم أمرهم أن ~~يبشروا بذلك في جميع بلدان المسلمين، ويشكروا بذلك فضل الفرنساوية، وبعد ذلك وضع في مدينة ~~مالطة ستة آلاف مقاتل من الفرنساويين، وأخذ عوضها من المالطيين، وصار في تلك النية قاصدا ~~مدينة الإسكندرية، هذا ما كان من أمير الجيوش بونابارته. # وأما الإنكليز لما بلغهم خروج هذه العمارة العظيمة، وظنوا أنهم قاصدون بلدانهم فحصنوا ~~ثغورهم ومكاناتهم، ولما حققوا أنهم قصدوا الديار المصرية جهزوا أربعة ms009 عشر مركبا بكلك ~~كبار، وصاروا إلى محاربتهم؛ لأنه كان بين الإنكليز والفرنساوية عداوة عظيمة وحقود قديمة، ~~وقد تسلموا بعض بلدان في الهند كانت للفرنساويين، وبهذا السبب كان مسير الفرنساويين إلى ~~الديار المصرية مؤملين أنه بعد تملكهم الأمصار المصرية يستسيرون في بحر السويس إلى بلاد ~~الهند؛ لأن المسافة قريبة، وحين دخلت مراكب الإنكليز ثغر الإسكندرية أرسلوا قاربا يطلبون ~~حاكم المدينة، فتوجه إلى مقابلتهم كمركجي الإسكندرية السيد محمد كريم الذي كان متروسا ~~من قبل الأمير مراد بيك، وبعد وصوله للمراكب سألهم عن سبب قدومهم، فأخبروه أنهم طالبون ~~عمارة الفرنساوية؛ لكي يصدوها عن الدخول إلى ثغر الإسكندرية، فارتاب السيد محمد كريم، ~~وقال في نفسه: ما هذا إلا خداع عظيم، وأجابهم أن الفرنساوية غير ممكن أنهم يحضروا لبلادنا، ~~ولا لهم في أرضنا شغل، ولا بيننا وبينهم عداوة، ولا جلبنا عليهم رداوة، وهذا كلام غير ممكن ~~أن نصدقه، وإن حضروا - كما تزعمون - فنصدهم عن الدخول وليس لهم إلينا وصول، وأما أنتم ~~فليس لكم الإقامة بهذه الديار، وإنما إذا جئتم تأخذون شيئا من الماء والمأكل فلكم ~~الاختيار، فأجابوه الإنكليز: أنتم لستم في هذا الحين كفوا لصد الفرنساويين، ولكن سوف ~~تندمون على عدم قبولكم إيانا، وعلى ما يحل بكم تتحسرون، وفي الحال أقلعوا من مقابل ~~الإسكندرية، وكان ذلك في ثلاثة عشر من شهر محرم افتتاح سنة 1213. # فرجع السيد محمد كريم وهو حاير من ذلك البلاء العظيم، وفي الحال أعرض ذلك الأمر إلى ~~مراد بيك إلى مصر، وفي ثالث الأيام من بعد قيام مراكب الإنكليز من ثغر الإسكندرية عند العصر ~~نفد مركب عظيم في البحر، ولما قرب إلى البوغاظ أرسل قاربا إلى أسكلة الإسكندرية يطلب قنصل ~~الفرنساوية، ولما بلغ أهل المدينة خافوا خوفا عظيما، وعقدوا ديوانا واتفق رأيهم على عدم ~~توجه القنصل، وكان يوميذ مركب الريالة في البوغاظ وقبطانه في المدينة، فأمرهم أن يطلقوا ~~القنصل وقال لهم: وإن حصل سؤال عن ذلك فعلي الجواب، ~~وسار في القارب إلى المركب، ثم ما أغربت الشمس إلا وأقبلت العمارة العظيمة التي ms010 ليس لها ~~عدد، فسقط على أهل الإسكندرية خوف عظيم وهم جسيم حين نظروا وجه البحر تغطى من المراكب، ~~وحرر السيد محمد كريم يعلم مراد بيك عن قدوم تلك العمارة في هذه الألفاظ: سيدي إن العمارة ~~التي حضرت مراكب عديدة ما لها أول يعرف ولا آخر يوصف، لله ورسوله داركونا بالرجال. وفي ~~تلك الليلة أرسل ثلاثة عشر ساعيا بلا خلاف، وقد أيقنوا بالموت والتلاف. # وأما الفرنساوية بقوا تلك الليلة ينقلون العساكر من المراكب إلى البر بالقوارب إلى مكان ~~يقال له العجمي بعيدا من مدينة الإسكندرية مسافة ساعتين، وعند الصبح نظرت أهالي البلد إلى ~~العساكر في البر، ليس لهم عدد ولا لهم على حربهم جلد، فتأهبت الإسلام إلى الحصار، ~~ومحاربة تلك الكفار، وأطلقوا المناداة: اليوم يوم المغازاة، ولكن إذ كانت المدينة مؤامنة ~~من تلك الحوادث، وغير مستعدة لمثل هذه النواكس، فما وجد في قلع هذه المدينة إلا قليل من ~~البارود، وأكثره كالتراب من طولة الأيام، وعند طلوع الشمس هجمت عليهم تلك العساكر كالبحار ~~الزواخر والأسود الكواسر، فما مضى نحو ساعتين من النهار حتى تملكت الإفرنج الأسوار، ودخلت ~~المدينة قوة واقتدارا، وكان ذلك في 15 محرم سنة 1213، الموافق لشهر حزيران سنة 1798، ~~وطلبت الأمان الرعية من العساكر الفرنساوية، فأعطاهم أمير الجيوش الأمان وعدم المعارضة ~~والعدوان. # وكان قد قتل في ذلك النهار من المسلمين ماية قتيل، ومن الفرنساوية شيء قليل، وانجرح ~~جرحا كبيرا الجنرال كليبر، ثم حضرت قدام أمير الجيوش أعيان البلد فتوسلوا إليه، ~~فترحب بهم وأمنهم، واختار منهم سبعة أنفار من الأعيان الكبار، وهم الأستاذ الفاضل ~~والحاذق العاقل الشيخ محمد المسيري العالم العلامة والمشهور بالفضل والمكرمة، ثم السيد ~~محمد كريم عين الأعيان ورئيس الديوان، ومعهم خمسة أنفار من أهالي الإسكندرية الأخيار، ~~وقلدهم زمام الأحكام وما يحتاج إليه البلد من النظام، وأن كل يوم يعملوا ديوان مشهور، ~~ويحكموا بما بينهم من الأمور، وقال لهم: إنه على مقتضى الحرية يجب أن تتقلد الأحكام عقلاء ~~الرعية؛ لأن الخلق عند الله كل بالسوية، وليس يتفضل أحد على الآخر ms011 إلا بالعقل والنية، ~~وبعد ذلك أمر بإحضار المطابع التي أحضرها معه من مدينة رومية، وكانت تطبع في اللغة ~~الفرنساوية ولغة اللاتينية واليونانية والسريانية والعربية، وكتب فرمانات وطبعها في ~~العربية ووزعها على الديار المصرية، وهذه صورتها حرفا فحرفا: # بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله، لا ولد له ولا شريك بملكه # من طرف الجمهور الفرنساوي المبني على أساس الحرية، والسر عسكر الكبير بونابارته ~~أمير الجيوش الفرنساوية، نعرف أهالي مصر جميعهم أن من زمان مديد السناجق الذين ~~يتسلطون في البلاد المصرية، يعاملون بالذل والاحتقار في حق الملة الفرنساوية، ~~ويظلمون تجارها بأنواع البلص والتعدي، فحضرت الآن ساعة عقوبتهم، وحسرت من مدة ~~عصور طويلة هذه الزمرة المماليك المجلوبين من جبال الأباذا والكرجستان يفسدوا في ~~الأقاليم الإحسان ما يوجد في كرة الأرض كلها، فأما رب العالمين القادر على كل شيء ~~قد حتم في انقضاء دولتهم. # يا أيها المصريون قد يقولوا لكم: إنني ما نزلت في هذا الطرف إلا بقصد إزالة ~~دينكم، وذلك كذب صريح فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قدمت إليكم؛ إلا لكيما ~~أخلص حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله - سبحانه وتعالى - ~~وأحترم نبيه محمد والقرآن العظيم، وقولوا لهم أيضا: إن جميع الناس متساوين عند ~~الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم بعض فهو العقل والفضايل والعلوم فقط، وبين ~~المماليك ما العقل والفضل والمعرفة التي تميزهم عن الآخرين وتستوجب أن يتملكوا ~~وحدهم كل ما تحلو به حياة الدنيا، حيثما يوجد أرض مخصبة فهي للمماليك، والجوار ~~الجمال والحلل الحسان والمساكن الأشهى فهذه كلها لهم خاصة، فإن كانت الأرض المصرية ~~التزام للمماليك فليوردوا الحجة التي كتبها لهم الله رب العالمين، هو رءوف وعادل ~~على البشر، بعونه - تعالى - من اليوم وصاعدا لا يستثنى أحد من أهالي مصر عن الدخول ~~في المناصب السامية، وعن اكتساب المراتب العالية، فالعقلاء والفضلاء والعلماء بينهم ~~سيدبروا الأمور، وبذلك يصلح حال الأمة كلها، سابقا في الديار المصرية كانت المدن ~~العظيمة والخلجان الواسعة والمتجر المتكاثر، وما زال ذلك إلا ms012 لطمع وظلم ~~المماليك. # أيها القضاة والمشايخ والأيمة ويا أيها الشورباجية وأعيان البلد، قولوا ~~لأمتكم: إن الفرنساوية أيضا مسلمين خالصين، وإثباتا لذلك قد نزلوا في رومية ~~الكبرى وخربوا بها كرسي البابا الذي كان دايما يحث النصارى على محاربة ~~الإسلام، ثم قصدوا جزيرة مالطة وطردوا منها الكوليرية الذين كانوا يزعمون أن الله ~~يطلب منهم مقاتلة المسلمين، ومع ذلك الفرنساوية في كل وقت كانوا محبين الخاص ~~لحضرة السلطان العثماني وأعداء أعدائه أدام الله ملكه، وفي الخلاف المماليك امتنعوا ~~من طاعة السلطان، غير ممتثلين إلى أمره، فما طاعوا أصلا إلا لطمع نفوسهم، طوبى ~~ثم الطوبى إلى أهل مصر الذين يتفقون معنا بلا تأخير، وينصلح حالهم وتعلا مراتبهم، ~~طوبى أيضا للذين يقعدون في مساكنهم، غير مبالين لأحد من الفريقين المحاربين إن ~~يعرفونا بالأكثر يسرعون إلينا بكل قلب، لكن الويل ثم الويل للذين يتحدوا مع أوليك ~~المماليك، ويساعدوهم في الحرب علينا، فما يجدوا طريق الخلاص، ولا يبقى لهم آثار. # المادة الأولى: # جميع القرى القريبة ثلاث ساعات عن المواضع التي يمر بها العسكر ~~الفرنساوي ترسل للساري عسكر بعض وكلاء؛ لكيما يعرفوا المشار إليه ~~أنهم أطاعوا ونصبوا السنجق الفرنساوي، الذي هو أبيض وكحلي ~~وأحمر. # المادة الثانية: # كل قرية تقوم على العسكر الفرنساوي تحرق بالنار. # المادة الثالثة: # كل قرية تطيع العسكر الفرنساوي الواجب عليهم نصب السنجق ~~الفرنساوي، وأيضا نصب سنجق السلطان العثماني محبنا، أدام الله ~~بقاه. # المادة الرابعة: # المشايخ في كل بلد يختموا حالا جميع الأرزاق والبيوت والأملاك؛ ~~متاع المماليك، وعليهم الاجتهاد الزايد؛ لكي لا يضيع أدنى شيء ~~منها. # المادة الخامسة: # والأيمة أن يلازموا وظايفهم، وعلى كل من أهل البلد أن يبقى في ~~مسكنه مطمئنا، وكذلك تكون الصلاة قائمة في الجامع على العادة، ~~والمصريون بأجمعهم يشكروا فضل الله - سبحانه وتعالى - لانقراض دولة ~~المماليك قائلين بصوت عال: أدام الله - تعالى - إجلال السلطان ~~العثماني، أدام الله - تعالى - إجلال العسكر الفرنساوي، لعن الله ~~المماليك، وأصلح الله حال الأمة المصرية. # الواجب على المشايخ والقضاة تحريرا في عسكر إسكندرية، في ثلاثة عشر من شهر ms013 ~~مسيدور سنة ست من إقامة الجمهور الفرنساوي؛ أعني أواخر شهر محرم سنة 1213 ~~هجرية. # ثم إنه توجهت تلك الفرمانات إلى الديار المصرية، وفي ثاني الأيام أرسل أمير الجيوش ~~بونابارته العساكر من الإسكندرية إلى دمنهور وبندر رشيد، وعندما بلغ أهالي رشيد قدوم ~~الفرنساوية خرج إلى لقاهم علماء وأعيان البلد فسلموهم البندر خوفا من الضرر، وتسلم بندر ~~رشيد الجنرال منو حاكما به، وهذا الجنرال كان بطلا من الأبطال الكبار. # وكنا ذكرنا أن السيد محمد كريم قد أخبر مراد بيك بذلك البلاء العظيم والخطب الجسيم، ولما ~~وصلت النجابة إلى مصر، وأخبروا مراد بيك بقدوم الفرنساوية إلى مدينة الإسكندرية؛ طرح الكتاب ~~من يده، وصاح على عساكره وجنده، واحمرت عيناه واضطرمت النار في أحشائه، وأمر بإحضار الخيل ~~للركوب، وسار إلى منزل إبراهيم بيك على ذلك الأسلوب، وشاع الخبر واضطربت البشر، وهاجت تلك ~~الأمم على ساق وقدم، وحل في القوم الأسف والندم، واجتمعت الكشاف والأمراء والأشراف ~~لقصر إبراهيم بيك بلا خلاف، وحضر باكير باشا من القلعة السلطانية إلى المعنية، وحضروا جميع ~~السناجق والأعيان؛ مثل إبراهيم بيك الكبير، ومراد بيك الكبير، ومصطفى بيك الكبير، وأيوب بيك ~~الكبير، وإبراهيم بيك الصغير، ومراد بيك الصغير، وسليمان أبو دياب، وعثمان بيك الشرقاي، ~~ومحمد بيك الألفي، ومحمد بيك المنوفي، وعثمان بيك البرديسي، وعثمان بيك الطبجي، وقاسم بيك ~~المسكوبي، وقاسم بيك أبو سيف، وقاسم بيك أمين البحر، والأمير مرزوق بن إبراهيم بيك الكبير، ~~وعثمان بيك الطويل، وشروان بيك، وحضر من العلماء الشيخ محمد الساده، والشيخ عبد الله ~~الشرقاوي، والشيخ سليمان الفيومي، والشيخ مصطفى الصاوي، والشيخ محمد المهدي، والشيخ خليل ~~البكري، والسيد عمر نقيب الأشراف، والشيخ العربي، والشيخ محمد الجوهري، وأما العلماء الصغار ~~فلا نقدر نعدهم لكثرتهم. # فهؤلاء السناجق المذكورين مع العلماء المشهورين والوزير السلطاني باكير باشا العثماني ~~عقدوا الديوان، وحضرت السبع أوجاقات وعدة من الأغاوات، وجملة من العوام أرباب الصوت ~~والكلام، وبدوا يتداولون بأمر الفرنساوية ودخولهم إلى الإسكندرية، ويستغربون من هذا الخطب ~~المهول والأمر المجهول، فأمير اللواء مراد بيك بما أنه عارف ms014 أن خاطر الدولة العلية متغير ~~عليه؛ فالتفت إلى الوزير وقال له: إن هؤلاء الفرنساوية ما دخلوا على هذه الديار إلا بإذن ~~الدولة العثمانية؛ ولا بد الوزير عنده علم بتلك النية، ولكن القدرة تساعدنا عليكم ~~وعليهم، فأجابه الوزير: لا يجب عليك أيها الأمير أن تتكلم بهذا الكلام العظيم، ولا يمكن أن ~~دولة بني عثمان تسمح بدخول الفرنساوية على بلاد الإسلامية، فدعوا عنكم ذلك المقال وانهضوا ~~نهوض الأبطال، واستعدوا للحرب والقتال، ثم اتفق رأيهم أن يسجنوا القنصل والتجار الموجودين ~~من الفرنساوية في مصر القاهرة؛ خوفا من الخون والمخامرة، وسجنوهم جميعا في قلعة الجليلة، ~~وبعد ذلك اتفق الجميع الكبير منهم والوضيع على القتال والصدام، وأن مراد بيك يسير في ~~العساكر المصرية لملاقاة الفرنساوية عند دمنهور، وإبراهيم بيك الكبير وباكير باشا الوزير مع ~~بقية العساكر والقواد والدساكر يقيمون في المدينة، وكان قد هاج أكثر العلماء والأعيان ~~وقالوا: لا بد نقتل بالسيف جميع النصارى قبل أن نخرج لا حرب الكفار، وقال الوزير وشيخ ~~البلد إبراهيم بيك: غير ممكن أن نسلم إلى هذا الغرم والرأي؛ لأن هؤلاء رعية مولانا السلطان ~~صاحب النصر والشان، وأما النصارى فوقع عليهم وهم عظيم وخوف جسيم، وبدوا الإسلام ~~يتهددوهم بالقتل والسلب، ويقولوا لهم: اليوم يومكم قد حل قتلكم ونهبكم وسلبكم، وكانت ~~مدة مهولة مرعبة ونار ثايرة ملهبة، ولكن بالمراحم المولى - عز شانه - إذ إنه قد عطف ~~وحنن عليهم قلب الوزير وشيخ البلد، وكانوا في كل يوم يرسلوا إليهم سليم أغا أغة ~~الإنكشارية حالا؛ يطمنوهم على أرواحهم وأموالهم، ويطلق المناداة في كل البلد على حفظ ~~الرعايا وعدم المعارضة لهم. # فلنرجع إلى ما كنا في صدده؛ وهو أن مراد بيك جمع الفرسان والغز والعربان وأهل تلك ~~الأطراف، ما ينوف عن عشرين ألف مقاتل من كل فارس وراجل، وسار في العساكر كالبحور الزواخر ~~نهار الجمعة إلى أرض الرحمانية، وهي بلاد بالقرب من رشيد، وكان قد أرسل الجبخانات والذخاير ~~مع عسكر كريد في بحر النيل، وكان صحبتهم علي باشا الجزام، الذي كان مطرودا من جزاير ms015 ~~الغرب ومقيما في مدينة مصر، وناصيف باشا بن سعد الدين باشا العظم مطرودا من الدولة، ~~فهؤلاء كانوا ملتجيين إلى مراد بيك في ذلك الوقت، فأرسلهم مع الذخاير والجبخانات، وسار مراد ~~بيك مع العساكر على شاطئ النيل أمامهم، وعندما وصلوا إلى أراضي الرحمانية فقابلوا الجيوش ~~الفرنساوية قادمين كالسيل القاطر، وكانت غلايطهم سايرة تجاههم بحرا، وعندما نظروا الغلايط ~~إلى تلك المراكب التي بها الذخيرة، فتجاروا إليهم ووقع الكون بينهم، وأرموا بعضهم بالمدافع ~~والقنابر، فسقطت إحدى القنابر على المركب الذي كانت به الجبخانة فطار البارود، واحترق ~~المركب والذي بقربه من المراكب، وكانت الناس تتطاير بالجو كالطيور، ووصلت إلى الجبخانة التي ~~على البر فشعلت فيها، وانوعرت العساكر لما شاهدت تلك النار، واستفئلوا من الانكسار، وأيقنوا ~~بالعدم والدمار، وفي ذلك الوقت دهمتهم العساكر الفرنساوية، وأنزلت بهم البلية، فولت ~~العساكر المصرية مدبرين، وإلى النجاة طالبين، ولا زالوا راجعين وفي مسيرهم مجدين إلى أن ~~وصلوا إلى محل يقال له الجسر الأسود، وأقاموا هناك في غاية الذل والنكد، فهذا ما كان من ~~مراد بيك وذلك التدبير، وما أصابه عسكره من الذل والتدمير. # وأما ما كان من باكير باشا وإبراهيم بيك الكبير؛ فإنهم بعد مسير مراد بيك نزلوا إلى بولاق ~~ونصبوا الخيام والوطاق، وابتدوا يبنوا المتاريس على شاطئ النيل، وعندما أتتهم الأخبار بما ~~قد حصل بعساكر مراد بيك من الدمار والانكسار من الأعداء الكفار الفرنساوية الأشرار، ~~فتقطعت ظهورهم وحاروا في أمورهم، ووصلت الأخبار إلى مصر، فكان يوما مهولا، وقامت أهالي ~~البلد بالسلاح والعدد وتهددوا النصارى وصاحوا: اليوم قد حل قتلكم يا ملاعين، وصرتم ~~غنيمة للمسلمين، ثم أرسل إبراهيم بيك إلى مراد بيك أن يحضر إلى إمبابة تجاه بولاق، ويبنوا ~~المتاريس على شاطئ البحر، ويضعوا المدافع، ويبقى إبراهيم بيك وعسكره في بولاق، ومراد بيك ~~وعسكره في إمبابة تجاه بعضهما والبحر بين الجهتين؛ احتسابا بأن الفرنساوية إذا أتوا بحرا ~~يتلقاهم إبراهيم بيك، وإذا أتوا برا يتلقاهم مراد بيك. # وفي نهار الجمعة سادس عشر يوم من شهر صفر صعدت علماء مصر وعامة ms016 الناس إلى القلعة ~~السلطانية، وأحضروا البيراق النبوي بضجيج عظيم واحتفال جسيم، وأتوا به إلى مدينة بولاق، وهم ~~يموجون كالبحر الدفاق، وجميع تلك الأقاليم في الوجل العظيم، ويضجون بالدعا المستديم إلى ~~الرب الكريم، وقد صعدوا إلى المنابر، وفتحوا المصاحف وهم في غاية المخاوف، ونهار السبت سابع ~~عشر صفر أقبلت الجيوش الفرنساوية برا وبحرا، وتقدمت العساكر المصرية، واستعدوا لحرب ~~الفرنساوية، وقرعوا طبول الحرب ووطدوا نفوسهم على الطعن والضرب، وتقدم إلى المحاربة ~~الجبار العنيد والمعد في الحرب بألف صنديد الجنرال دبوي، فتلاطما العسكران وتصادما ~~الجيشان، وتهاجمت الشجعان وفر الجبان وبان القوي من الجبان، وجادت العربان وتقدموا ~~إلى الضرب والطعان، وتجارت الفرسان إلى حومة الميدان، وعجت بالمناداة: اليوم يوم ~~المغازاة، ثم انقضت السناجق كانقضاض البواشق بالسيوف البوارق والرماح الخوارق والخيول ~~السوابق، وأطلقوا المدافع كالصواعق، وثار العجاج وزاد الهياج. # وقد هجم في ذلك الوقت البطل المغوار والأسد الهدار أيوب بيك الدفتردار، وقحم بحصانه وسط ~~الغبار، وصاح في الأعداء: ويلكم يا لئام! ساقكم الغرور لفتح هذه الثغور، اليوم نملي منكم ~~القبور، ونجعله عليكم يوما مشهور، وفي مثل هذا الأوان تبان الشجعان وتبلغ المنازل العالية ~~الفرسان، وتكسب الحمد والثناء، فمن مات منا احتوى بالجنان، ومن عاش ربح من دون خسران، ~~وكان بدنياه سعيد، ومن مات راح بالله شهيد، ولما طال الحرب واشتد البلاء والكرب، ودام ~~الطعن والضرب، فعند ذلك الوقت قرعت الفرنساوية الطبول النحاسية، وهجم ذلك البطل الذي ذكره ~~تقدم الجنرال دبوي المعظم، ولا زالوا يلتقون الكلل في صدروهم، ويدوسون مجروحهم ومقتولهم، ~~حتى ملكوا المتاريس، وكان ذلك على الغز أنكيس، وبدوا يطلقون المدافع على الإسلام ويورثوهم ~~مواريث الإعدام، وجادت الإفرنج في القتال لما ملك دبوي المتاريس. # وكانت الإفرنج ثلاثين ألف مقاتل ما بين فارس وراجل، وكان كل من هؤلاء الصلدات في كل ~~دقيقة يطلق الرصاص سبع دفعات، فعند ذلك صاحت الغز: الفرار الفرار من حرب هؤلاء الكفار، ~~وولت العربان وانهزمت الشجعان، وإذ ضاق عليهم ذلك السبيل؛ ألقوا أرواحهم في بحر النيل، فما ~~سلم منهم إلا القليل، وكان ms017 قد سقط قتيل وداسته الخيل ذلك الجبار والأسد المغوار أيوب بيك ~~الدفتردار، ولم يبان له علائم ولا آثار، بعد أن قتل جمعا غفير وثبت قدام تلك ~~الجماهير. # وأما مراد بيك فر في رجاله وأبطاله، طالب النجاة لنفسه العزيزة ودخل إلى الجيزة، وقد ~~أحرق مركبه الكبير الذي كان أنشأه؛ خوفا ليلا تكسبه أعداؤه، ثم سار نحو الصعيد. # وكان باكير باشا وإبراهيم بيك حين انهزموا من بولاق، وقلوبهم بنار الاحتراق ودمعهم ينحدر ~~من الآماق، وقلوبهم مغترمات بالحسرات وهم يتأسفون على ما فات، ثم أخذوا أعيالهم ورجالهم ~~وخرجوا من المدينة من باب النصر قاصدين البرية والديار الشامية، وبقت بقية أهل القاهرة ~~تلك الليلة بمخاوف وافرة، وعند الصباح اجتمع القاضي والأعيان وقالوا: إن الحكام ولت ~~وأحوالهم اضمحلت، فالتسليم لنا أصلح، وحقن دماء الإسلام أوفق وأربح. # وقد كنا ذكرنا أن القنصل والتجار الفرنساوية تحت اليسق في قلعة الجبل، فأحضروهم وطلبوا ~~منهم أن يسيروا معهم إلى بولاق ويأخذوا لهم الأمان، فأشار عليهم القنصل أن يتوجه اثنان من ~~التجار ومحمد كتخدا إبراهيم بيك، وساروا إلى بر إمبابة، وفي وصولهم تقدموا إلى مقابلة ~~الجنرال دبوي، وترحب بهم، وسألهم عن أحوال مدينة، وما هو مراد أهلها، فقالوا له: إن الحكام ~~ولت والرعية ذلت، وقد أتينا من قبل علماء البلد والأعيان نطلب لهم الأمان، فأجابهم ~~الجنرال دبوي: من ألقى سلاحه حرم قتاله، فلهم مني الأمان ومن أمير الجيوش ومن كل من في ~~هذا المكان، وإنما يلزمكم في هذه الليلة ترسلوا المعادي والقوارب؛ لننقل بهم العساكر؛ لأن ~~مرادي في هذه الليلة أدخل البلد، ثم رجعوا محمد كتخدا والتجار وأعلموا العلماء بتلك ~~الأخبار، فأمرت العلماء والحكام البلد حالا بمسير القوارب والمعادي إلى بر إمبابة، ونزل ~~الجنرال دبوي بماية وخمسين صلدات إلى بولاق حيث كانت العلماء بذلك الاتفاق، وحين تقابلوا ~~أعطاهم الأمان، وساروا قدامه بالمشاعيل إلى أن دخلوا المدينة، والمنادية تنادي أمامه ~~بالأمان على الرعية والأعيان، وجلس الجنرال دبوي في منزل إبراهيم بيك الصغير، وأرسل بعض ~~الصلدات تسلمت قلعة السلطان، واتقدت تلك الليلة ms018 النار بمنزل مراد بيك، وكان ذلك من الذين ~~ينهبون وهم من أولاد البلد، فنهض الجنرال دبوي وأطفأ تلك النار. # وعند الصباح في تاسع صفر نهار الإثنين ابتدأت تنتقل العساكر من بر الجيزة وإمبابة إلى ~~مصر، فعندما قدم أمير الجيوش بونابارته فخرجت العلماء والأعيان والنصارى والإسلام لملتقاه، ~~وكان يترحب بهم ويلتقيهم بالبشاشة والإكرام، ويوعدهم بالخير والنظام، ثم أمر أن يفرشوا له ~~منزل بقرب النيل، ففرشوا له منزل محمد بيك الألفي الكاين على شاطئ بركة اليزبكية، ونزل كبير ~~الأقباط المتسلمين الأقاليم المصرية؛ وهو جرجس الجوهري، وباشر بفرش المنزل، وفي يوم الثلاثة ~~دخل أمير الجيوش ونزل بذلك المنزل، ودخلت جميع تلك العساكر التي ليس لها أول من آخر. # وأمر أمير الجيوش أن جميع أهالي مصر يضعوا على رءوسهم أم صدورهم علامة المشيخة وهذا ~~النشان، هو من الحرير الأبيض والكحلي والأحمر قدر زهرة الورد، وقد وضعتها جميع الناس من ~~الرجال والنساء وأطلق المناداة: أن كل من دخل من دون علامة يجب له القصاص، وحين دخلت ~~العساكر الفرنساوية كانوا ينهبون من بيوت الغز والمماليك، فأمر أمير الجيوش برفع النهب، ~~وكانت الغز قد دفنت أموالها تحت الأرض ولم يبق سوى الفرش والأمتعة، وقد نهبت أهالي ~~المدينة منهم شيء كثير، وفي 12 ارتفع النهب واطمأنت الناس في أماكنها، فهذا ما كان من دخول ~~الفرنساوية. # وأما إبراهيم بيك وباكير باشا؛ فإنهم بعد خروجهم من مصر ساروا إلى مدينة بلبيس وهم في ~~الذل والتعكيس، وأما مراد بيك فسار إلى أراضي الصعيد، وفارقت الغز الكنانة وبليوا بالذل ~~والإهانة، وقد وقعوا بالشتات والخبال، وانتهب أموالهم وسبيت أعيالهم، وناحوا على فراق مصر ~~وتفرقهم في كل قطر، وأرموا من رءوسهم القواوين الصفراء، ولم يبق القووق الأصفر في مملكة ~~مصر آثار، وذاقوا من الغربة أمر كاس وبقوا كعامة الناس. # وكان أمير الجيوش بونابارته بعد دخوله إلى أرض مصر أحضر تجار ديوان البهار المعروف بديوان ~~البن الوارد من الأقطار، وطلب منهم ألف وستماية كيس، وطلب من الأقباط المباشرين الدواوين ~~ألف وستماية كيس، ومن تجار النصارى ms019 ثمانماية كيس، وتسلم تلك الأربعة آلاف كيس في ستة أيام، ~~وأوعدهم بوفائها عندما يروق الحال ويتسع المجال. # وبعد ذلك ابتدأ في النظامات في مدينة مصر كما يأتي ذكره، فأحضر أولا خمسة أنفار من ~~العلماء الكبار؛ وهم الشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ خليل البكري، والشيخ مصطفى الضاوي، ~~والشيخ محمد المهدي، والشيخ سليمان الفيومي، وأحضر معهم اثنين من الأوجاقات وواحد من ~~التجار؛ وهم علي كتخدا باشي، ويوسف شاوش باشي، والسيد أحمد المحروقي، وأفرز إلى هؤلاء ~~محلا معينا، وعين لهم علايف شهرية، وأقامهم رؤساء في ديوان خصوصي، وكانوا في كل يوم ~~يجتمعون، وأقام معهم رجلا فرنساويا مترجما من اللغة الفرنساوية إلى اللغة ~~العربية. # ثم إن أمير الجيوش بونابارته رتب ديوانا ثانيا سبعة أنفار من التجار، ومعهم رجلا ~~فرنساويا مترجما؛ وذلك ليكون ديوان البحر، وأفرز لهم محلات معلومة لاستماع دعاوى ~~التجار والمتسببين، وأحضر أمير الجيوش محمد كتخدا المسلماني، فهذا كان أصله أرمنيا ~~وأسلم وترقى في زمان المماليك إلى أن صار كتخدا إبراهيم بيك الصغير الذي غرق في النيل يوم ~~الحرب، فجعل هذا الرجل أغة الإنكشارية، وأحضر أيضا رجلا من الأوجاقات وجعله على الاحتساب، ~~وأحضر أيضا رجلا يسمى علي أغا وجعله واليا على البلد، ثم أمر أمير الجيوش بأن تفرز ~~محلات معينة لأجل المطابع التي أحضرها معه من رومية، وهي تطبع بجميع اللغات كما قدمنا ذكره، ~~وجعل لذلك محلات على شاطئ اليزبكية. # ثم إن أمير الجيوش قسم البلد خطوطا، وجعل لكل خط حاكما فرنساويا، وكانت الولاة من ~~الفرنساوية واقفين على باب المدينة ليلا ونهارا، وخارجا إلى حدود بولاق وإلى حدود ~~الجيزة، وانقطعت جنس اللصوص والخطافين والعربان والسراقين، وكانت حكام الخطوط في كل سبة ~~يطلقون المنادات على الرعايا بكناسة الطرقات والشوارع ورش الماء لأجل النضافة ونظام ~~الطرقات، ورسموا أن على كل باب بيت أو باب وكالة يكون قنديلا شاعلا كل الليل، وكانت حكام ~~الخطوط تدور في الليل فكل باب لم يجدوا عليه قنديلا فكانوا يضربون عليه مسمارا، وفي الغد ~~يقع على صاحبه القصاص وكانت المدينة تضيء ms020 في الليل كالنهار. # ثم إن أمير الجيوش أحضر مصطفى أغا كتخدا باكير باشا وآمنه وألبسه فروا، وجعله أمير ~~الحاج، وأمره أن يباشر لوازم الحاج وما يحتاج إليه، وقال: لماذا الوزير فر هاربا مع ~~المماليك؟ ألم يعلم أننا متحدين مع الدولة العثماينة؟ ونحن ما حضرنا إلى هذه الأمصار إلا ~~بالإذن من السلطان سليم والاختيار، ثم أمر إلى مصطفى أغا أن يحرر إلى باكير باشا بأن يرجع ~~إلى القلعة، كما كان وله الكرامة والأمان، ورجع مصطفى آغا من أمامه وهو منشرح الصدر ~~مستغربا هذا الأمر. # ثم إن أمير الجيوش شغل الضربخانة في القلعة، كما كانت، وأمر أن يضع اسم السلطان سليم ~~حسب العادة، وأمر أيضا أمير الجيوش أن يفرزوا محلات للمرضى والمجروحين المعروف بالاسبستار، ~~وأفرزوا لذلك قصر المعنى الذي على شاطئ النيل بين القاهرة ومصر القديمة، فجعلوا أماكن لأجل ~~صنع الأدوية، وأقام هناك رئيسا للأطباء ورئيسا للجرايحية. # وبعد ذلك أمر أمير الجيوش بونابارته بتفريق الجنراليات على الأقاليم المصرية، فأقام ~~الجنرال ديزه على إقليم بلاد الصعيد، وكان هذا الجنرال برج مشيد وبطل عنيد، ثم أقام الجنرال ~~مورا وكان من الأبطال الشداد، وقلده أحكام إقليم القلوبية، وكان شابا بالسن بديعا ~~بالحسن، ثم أقام الجنرال لانوس الرجل الوديع المانوس، وكان خبيرا بالحروب ومقداما على ~~الشدايد والخطوب، وقلده إقليم المنوفية من الجهة الغربية، ثم أحضر الجنرال دكا الحسن ~~السورة صاحب الوقايع المشهورة، وقلده أحكام المنصورة، وهي بلد مشهورة، وإقليمها واسع وبرها ~~شاسع. # ثم أحضر الجنرال ويال وكان حميد الخصال وبطلا من الأبطال، وأرسله إلى مدينة دمياط، ~~وصحبته ثلاثماية نفر صلدات، وسار بسرعة ونشاط إلى أن دخل البلد، فالتقوه العلماء والأعيان ~~وأعطاهم الأمان، ثم نظم إقليم دمياط أحسن مما كان، أما ذاك البطل العنيد والليث الصنديد ~~صاحب العز والنصر المشيد، الذي كان بين تلك الجيوش فريد الجنرال دبوي؛ فإن أمير الجيوش ~~أقامه شيخ البلد مكانا إبراهيم بيك؛ لأن ذاك الانتصار وفتح تلك الأمصار كان عن يد هذا ~~الجبار، ثم إن أمير الجيوش أحضر أحد الكوميسارية الكبار المسمى ms021 بوسلنج، وقلده معاطاة ~~الأقلام الميرية وضبط مداخيل الأقاليم المصرية، وأقامه في بيت الشيخ البكري الكاين في بركة ~~اليزبكية، وكان المصريون يدعونه الوزير أي وزير المشيخة الفرنساوية، وارتقى هذا إلى رتبة ~~علية، وكان عالما بعلم الحسابات كاملا بجميع الصفات، ولفظة كوميسارية هم الذين لا ~~يتعلقون بأمور الحرب، بل في معاطاة الكتابة والحسابات والصنايع وما ماثل ذلك. # ثم إن بونابارته أقام خزندار إلى المشيخة أحد الكوميسارية المدعو استيفو، وهو كان عالما ~~بعلم الحسابات وجميع الأمور تصل إليه، ثم أمر أمير الجيوش أن العلماء الفرنساويين والفلاسفة ~~يسكنون في البيوت التي إلى قاسم بيك وحسن بيك وما حولهم من بيوت الكشاف، التي هي في باب ~~الناصرية النافذة إلى مصر العتيقة، ثم إن أمير الجيوش بونابارته أمر أن يفرزوا محلات معينة ~~خارجا من المدينة بحفظ الكرنتنا، وكذلك في مدينة الإسكندرية، ثم في مدينة رشيد، ثم لمدينة ~~مصر تكون الكرنتينا في بولاق، ثم لمدينة دمياط فتكون الكرتينا في مدينة القربة، وشرعوا في ~~بناية المحلات المعلومة؛ وذلك لمنع رايحة الطاعون المسمومة، كما جرت العادة في ~~بلادهم. # ثم إن أمير الجيوش من بعد ما رتب الترتيب المقدم ذكره، أخذ جانب من العساكر وسار بهم ~~قاصد مدينة بلبيس؛ لمحاربة الوزير باكير باشا وإبراهيم بيك، وخرج في شهر سفر، وحين قارب ~~مدينة بلبيس بلغه أن الباشا وإبراهيم بيك هربوا إلى الصالحية، فتبع أثرهم، وهناك التقت بهم ~~خيالة الإفرنج وهجمت عليهم في تلك المرج، وابتدأ الحرب واشتد البلاء والكرب، وإذ كانت ~~الفرنساوية على الخيل لا يستطيعون مقاومة الغز المصريين، فرجعوا عنهم مكسورين، فمات منهم ~~جملة مقتولين، ولما وصل الخبر إلى أمير الجيوش فسار في الحال، وحين بلغ الغز قدومه ~~فولوا منهزمين، ولم يزالوا سايرين إلى أن وصلوا لمدينة غزة، ورجعت العساكر الفرنساوية إلى ~~مصر وهم مايدين بالسعد والنصر. # وبعد ذلك ابتدأ إبراهيم بيك يحرر إلى الأقاليم المصرية، ويحثهم على القيام على ~~الفرنساوية، ويستخرج لهم البيورلديات من الجزار وباكير باشا، وكان جميع الغز يهيجون ~~العربان والفلاحين على العصاوة والقيام ضد الفرنساوية، فأحضر ms022 أمير الجيوش بونابارته أمراء ~~الديوان، وهم المقدم ذكرهم ، وشرح لهم السبب الداعي إلى حضورهم لتلك الديار، وأن ذلك باتفاق ~~مع الدولة العثمانية، وأن الدولة الفرنساوية مساعدة إلى الدولة العثمانية على قهر الدولة ~~المسكوبية وصدها عن مطلوبها المبين، واسترجاع ما تولوا عليه بالتغلب من بلاد المسلمين، ~~وكتب لهم صورة كتابات أن يطبعوها بالعربية، ويرسلوها إلى الأقاليم المصرية، ففعلوا ما أمرهم ~~به من المامورية، وهذه صورة كتابات من العلماء مصر والأعيان إلى الأقاليم وإلى البلدان: # نخبركم يا أهل المداين والأمصار، وسكان الرياف والعربان، كبارا وصغارا أن ~~إبراهيم بيك ومراد بيك وبقية دولة المماليك أرسلوا عدة مكاتبات ومخاطبات إلى ساير ~~الأقاليم المصرية؛ لأجل تحريك الفتن بين المخلوقات، ويدعوا أنها من حضرة مولانا ~~السلطان ومن بعض وزرائه، وذلك كله كذب وبهتان؛ وسبب ذلك أنه حصل لهم شدة الغم ~~والكرب والهم، واغتاظوا غيظا شديدا من علماء مصر ورعاياهم؛ حيث ما وافقوهم على ~~الخروج معهم وترك أعيالهم وأوطانهم، وأرادوا أن يوقعوا الفتن والشر بين الرعية ~~والفرنساوية لأجل خراب البلاد وهلاك كل الرعية والعباد؛ وذلك لشدة ما حصل لهم من ~~الكرب الزايد بذهاب دولتهم وحرمانهم من مملكة مصر المحمية، ولو كانوا في هذه ~~الأوراق صادقين وأنها من حضرة سلطان السلاطين لكان أرسلها جهارا مع أغاوات من ~~طرفه معينين. # ونخبركم أن الطايفة الفرنساوية بالخصوص عن بقية الطوايف الإفرنجية دايما يحبون ~~المسلمين وملتهم، ويبغضون المشركين وطبيعتهم، وهم أحباب لمولانا السلطان قايمين ~~بنصرته، وأصدقاء له ملازمين لمودته ومعونته، ويحبون من والاه ويبغضون من عاداه، ~~وكذلك بين الفرنساوية والمسكوب غاية العداوة الشديدة؛ لأجل عداوة المسكوب للإسلام ~~وأهل الموحدين، وأعلمهم أن المسكوب يتمنى الأخذ لإسلامبول المحروسة، ويعمل أنواع ~~الحيل والدسايس المعكوسة في أخذ ساير الممالك العثمانية الإسلامية، لكنه لا يحصل ~~على ذلك بسبب اتحاد الفرنساوية وحبهم وإعانتهم إلى الدولة العلية، ويريدون يستولون ~~على أياصوفية وبقية المساجد الإسلامية ويقلبوها كنايس للعبادة الفاسدة والديانة ~~القبيحة الردية، والطايفة الفرنساوية يعينون حضرة مولانا السلطان على أخذ بلادهم ~~إن شاء الله، ولا يبقون منهم بقية. # وننصحكم يا ms023 أيها سكان الأقاليم المصرية أنكم لا تحركوا الفتن ولا الشر بين ~~البرية، وإياكم تعارضوا العساكر الفرنساوية بشيء من أنواع الأذية؛ فيحصل لكم الضرر ~~والبلية، فإذن لا تسمعوا كلام المفسدين، ولا تطيعوا كلام المصرفين بالفساد في الأرض ~~الغير مصلحين؛ فتصبحون على ما فعلتم نادمين، وإنما عليكم دفع الخراج المطلوب منكم ~~لكل الملتزمين؛ لتكونوا في أوطانكم سالمين، وعلى أعيالكم وأموالكم آمنين؛ لأن حضرة ~~السرعسكر الكبير أمير الجيوش بونابارته اتفق معنا أنه لا ينازع أحدا على دين ~~الإسلام، ولا يعارضنا فيما شرع من الأحكام، ويرفع عن ساير الرعية الظلم، ويقتصر عن ~~أخذ الخراج، ويزيل ما أبدعته الظلمة من المغارم، ولا تعلقوا آمالكم بإبراهيم ~~ومراد، وارجعوا إلى مالك الممالك وخالق العباد، فقد قال نبيه ورسوله الأكرم: ~~«الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها بين الأمم.» عليه أفضل الصلاة والسلام. # الداعي لكم الفقير # السيد خليل البكري نقيب الأشراف عفي عنه # الداعي لكم الفقير # عبد الله الشرقاوي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # مصطفى الضاوي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # محمد المهدي الخفناوي الشافعي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # محمد الأمير مفتي المالكي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # أحمد العريشي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # سليمان الفيومي المالكي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # محمد الدواخلي الشافعي عفي عنه # الداعي لكم الفقير # موسى السرسي الشافعي عفي عنه # الداعي لكم السيد # مصطفى الدمنهوري عفا الله عنه # ثم إن أمير الجيوش بعد ما طرد إبراهيم بيك وباكير باشا في شهر سفر، ورجع إلى مصر، أحضر ~~القنصل كارلو وأمره أن يتوجه إلى مراد بيك في الصعيد، ويتكلم معه أن يقدم الطاعة إلى ~~أمير الجيوش، ويكون عضوا من أعضاء المشيخة، ويتقلد أحكام مدينة جرجة وأعمال الصعيد، ويكتسب ~~راحته وراحة البلاد والعباد، ويكون له الأمان، فسار القنصل إلى مراد بيك بذلك الخطاب، وفي ~~وصوله ترحب به مراد بيك غاية الترحيب، وقابله مقابلة الحبيب؛ لأن كان هذا القنصل له مدة ~~مستطيلة في مصر وكان محبوبا من ساير السناجق ولا سيما من مراد بيك، وكان له ms024 عنده مبلغ من ~~المال، ثم إن مراد بيك سأله مستخبرا عن أحوال مصر، فأخبره القنصل بكل ما دبره أمير الجيوش، ~~ثم قال له: إن بونابرته أرسلني إليك لأجل الاعتماد على إجراء الحب والوداد، وأن تحقن دما ~~العباد وتكتسب راحة البلاد، فقال مراد بيك إلى القنصل: ارجع وقل له يجمع عساكره ويرجع إلى ~~الإسكندرية، ويأخذ منها مصروف عسكره عشرة آلاف كيس، ويكسب دما أجناده ويريحنا من كفاحه ~~وجلاده، فرجع القنصل إلى مصر، وأخبر بونابرته بما سمعه من مراد بيك، فغضب أمير الجيوش من ~~ذلك، وفي الحال أمر الجنرال ديزه المعين على إقليم الصعيد بأن يسير بالعساكر إلى حرب مراد ~~بيك، فأخذ الجنرال أربعة آلاف مقاتل وسار بها إلى الصعيد. # فنرجع أن أمير الجيوش بونابرته في ابتداء قدومه أخرج العساكر من المراكب إلى البرية في ~~ثغر الإسكندرية، وأمر إلى سرعسكر البحر أنه يبقى مقيما في البوغاظ لحماية الحصون؛ لأنه قد ~~احتسب إن لم يتوفق له فتوح مصر، فيحتاجوا إلى العمارة، وأوصاه أن لا يلقي مراسيه في ~~المينا، بل دايما يطوف أمام إسكندرية وهو مشرع القلوع، ثم بعد أن أمير الجيوش فتح مصر، ~~أرسل إلى السرعسكر نجابا يأمره بالقيام، وقيل إن ذلك النجاب مات في الطريق، ثم أرسل له ~~نجابا ثانيا فلم يصله من العربان. # وكان السرعسكر أرمى مراسيه في مينة أبوقير واطمأن، وكانت مراكبه الكبار الحربية ثلاثة ~~وعشرين مركبا، ومنهم مركب عظيم وهو المدعو بنصف الدنيا، وكان محموله ماية وثمانون مدفعا، ~~وفيه ألف من العساكر، وكان فيه أموال جزيلة وذخاير ثمينة، أسلبوها من تلك الممالك التي ~~تملكوها كما قدمنا ذكرها، وعندما كانت تلك العمارة رابطة في البوغاظ وغافلة عن الإيقاظ، ~~فدهمتهم مراكب الإنكليز على بغتة، وبدوا يطلقون عليهم القنابر والمدافع، واشتد عليهم الحرب ~~يوما وليلة، فاحترق من تلك العمارة العظيمة أربع مراكب كبار، ومنهم تلك السفينة العظيمة ~~والقلعة الجسيمة المسماة بنصف الدنيا، واستمرت تتقد في البحر أربعة أيام، ومات من فيها من ~~العسكر وسرعسكرها الذي بسوء تدبيره قد هلك وأهلك معه نفوسا ms025 كثيرة، واحتوت الإنكليز على ~~أكثر تلك المراكب، واستأسرت من فيها من العساكر، وأكثرهم هلكوا من ضرب المدافع والقنابر، ~~ولما وصل ذلك الخبر المريع والخطب الشنيع إلى أمير الجيوش، فصار كالمدهوش، وصفق بكفه ~~ودب برجليه، واحمرت مقلتاه، وتسخط على ذلك الجنرال لعدم إطاعته والامتثال، وقال: ~~جزاه ما حل به من الوبال، وصاحت الفرنساوية: يا لها من بلية، لقد خابت الآمال وهلكت ~~الرجال، وذهب الحال والمال، لقد امتنع عنا الإمداد وخرمت علينا البلاد، وشمتت بنا الأعداء ~~والحساد، وطمعت بنا الإسلام وزاد علينا الخصام، وكان ذلك بدأ الإنكيس وأول التعكيس، وقد ~~أيقنت الفرنساوية بالتهلكة بعد كسب المملكة؛ لحجز الإمداد عنهم ونفور الإسلام منهم؛ لأن ~~الفرنساوية قد استعملت احتيالات كثيرة، وسلكوا مسالك غزيرة لأجل الضرورة، كاشتهارهم ~~بالإسلامية ونكرانهم النصرانية، وإظهارهم للحرية وإقرارهم بالاتحاد مع الدولة العثمانية، ~~وأنهم بإذنها دخلوا الديار المصرية، وأنهم مع الإسلام على أخلص طوية وأصلح نية، ويرغبون ~~راحتهم ويحبون ديانتهم. # وكان الفرنساوية مؤانستهم غريبة وطول أناتهم عجيبة، وكانوا أحسن سلوكا من ساير الجنوس، ~~واشهروا بالأمن وطولة البال، وطيبة النفوس، ونشروا العدل وحسن الأحكام، وقد احتووا ~~الشرايع الحقيقية على التمام، ومع كل ذلك قلوب الإسلام غير آمنة، والأحقاد في ضمايرهم ~~كامنة، ويشتهون لهم المهالك والوقوع في أضيق المسالك؛ فهذا ما ألجأ أمير الجيوش إلى ~~المخافة، فبدأ الاحتيال بحسن الرقة واللطافة؛ لجذب القلوب وتحصيل المطلوب، وكان هذا الأمير ~~المشتهر أسد من الأسود ونادرا في الوجود، رهط من الأرهاط العظام حكيما عليما بمكايد ~~الأيام. # | ذكر ما صنعه أمير الجيوش في جريان النيل # إنه من بعد دخول الفرنساوية إلى القاهرة بمدة قليلة جبر النيل السعيد، فأحضر أمير الجيوش ~~علماء الديوان وسألهم عن العوايد في جريان النيل والقوانين، وحررها عنده، ثم أمر بإخراج ~~العساكر من المدينة إلى خارج البلد، وأن يصطفوا صفوفا في مراتبها، وأحضر لديه أعيان ~~المدينة وعلماءها والحكام والتجار من النصارى والإسلام، وركب من منزله الكاين على البركة ~~اليزبكية، وركبوا جميعهم معه، وخرجت أهالي مدينة القاهرة من ساير الملل، وكان موكبا ~~عظيما ومحفلا جسيما ms026 يذكر جيلا فجيلا، وفرق مالا غزيرا، وضربت في ذلك النهار ~~مدافع كثيرة من ساير الأماكن ومن القلعة الكبيرة، وصنعت الفرنساوية في تلك الليلة حراقات ~~عظيمة، لم تكن صارت في المدن القديمة، وكان أمان شاملا لكل الناس وتخرج النساء والرجال من ~~دون باس، وصنع أمير الجيوش وليمة عظيمة لساير الأعيان والعلماء وأهل الديوان والجنرالية ~~والفيسالية وحكام الخطوط المصرية، وقد أعجبت أهل القاهرة تلك الأحوال الباهرة والأمور ~~الصايرة. # | ذكر ما صنعه أمير الجيوش في مولد النبي الواقع في 12 ربيع أول سنة 1213 # إن أمير الجيوش بعد تملكه القاهرة في اثني عشر ربيع أول كان مولد النبي محمد، فصنع في ذلك ~~الأوان مولدا عظيما على بركة اليزبكية، كعادة أهل القاهرة، وكانت ليلة عظيمة؛ لأنه صف ~~جميع العساكر الموجودة داخل القاهرة صفوفا بطبولهم والآلات الموسيقية، وأمر بحراقات عظيمة، ~~وضرب مدافع كثيرة، وكان احتفالا عظيما ومولدا فخيما، وحضر في الوليمة بمنزل الشيخ خليل ~~البكري؛ لأن هذا المولد مختص بالسادات البكرية، وذلك مع كامل الجنرالات والفيسالية ~~والعلماء والأعيان وأصحاب الديوان، ثم أولى الشيخ خليل البكري منصب النقابة عوضا عن السيد ~~عمر مكرم نقيب الأشراف؛ لأنه قد كان هرب مع الغز إلى الشام، وقد كان الشيخ خليل البكري ~~محبا لجمهور الفرنساوية؛ فلأجل ذلك بغضته الإسلام المصرية. # | ذكر العيد الذي صنعه أمير الجيوش للمشيخة في ربيع ثاني سنة 1213 # إنه حين دخل شهر ربيع الثاني صنعت الفرنساوية عيدا عظيما للمشيخة في البركة اليزبكية، ~~وذلك أنهم اصطنعوا عامودا طويلا مرصعا وغرسوه في البركة اليزبكية، وصوروا عليه صورة ~~سلطانهم وصورة زوجته اللذين قتلوهما في مدينة باريز، ثم جعلوا من العامود إلى البر أخشاب ~~مثلثة الألوان، وصوروا عليها صورة الموقعات التي حدثت في بر إمبابة وفتوح القاهرة، وصورة ~~الأشخاص المحاربين من الفريقين، وصورة أيوب بيك المقتول في هذه المعركة، ومن مات من الغز ~~وانهزامهم، وكل ما تم في هذه المعركة، وكانوا يقولون: إن هذه شجرة الحرية، وأما أهالي مصر ~~كانوا يقولون: إن هذه إشارة الخازوق الذي أدخلوه فينا واستيلايهم على ms027 مملكتنا، واستمر هذا ~~العامود نحو عشرة أشهر، وحينما رفعوه استبشرت أهل مصر وابتهجت بالفرح، وكانت الفرنساوية ~~تصنع هذا العيد أينما وجدوا بفرح عظيم في كل سنة. # | ذكر أمير الحج لما خرج في الحج قبل دخول الفرنساوية # إنه في سنة 1212 خرج الحج الشريف من مدينة مصر وكان صالح بيك أمير الحج، وبعد رجوعه من ~~الزيارة الشريفة في الطريق وصلت له الأخبار عن دخول الفرنساوية إلى الديار المصرية وخروج ~~الغز، فبكى صالح بيك على خراب أوطانه وتفرق خلانه وذهاب ماله وسبي أعياله، وغاص في ~~بحر الأفكار وخاف من رجوعه إلى تلك الديار، وصار حايرا من تلك المصايب وفرقة الحبايب، وقطع ~~رجاه والأمل ولم يعرف كيف العمل؟ وأخذ بالمشورة مع أصحابه وخلانه، فثبت رأيه أن يتوجه إلى ~~القدس الشريف صحبته المحمل المنيف، ولم يزل سايرا بعزم ضعيف إلى أن وصل إلى القدس الشريف، ~~فحينما شاهدوه أهالي المدينة بدوا يشتمون ويقولون: لعنكم الله يا ملاعين ويا أظلم الظالمين، ~~سلمتم مدينة الإسلام إلى الفرنساوية اللئام، وهربتم من وجه الكفار، وابتديتم تخربوا هذه ~~الديار، فلما سمع صالح بك تلك الشتايم المغمة والألفاظ المسمة، فاتقدت بقلبه النيران، ~~وغاص في البحران، ونزل في منزله وهو مثل النشوان، ومرض جملة أيام من قهره ثم توارى في قبره، ~~وهكذا جرى إلى إبراهيم بيك ولمن معه لما حضروا إلى أراضي الشام، فكانوا يسمعون من الناس ~~غليظ الكلام، وقد ذاقوا المشقة والأتعاب وقضوا الإهانة والعذاب في البراري والقفار من ~~الذل والأضرار، وكانوا أهالي الشام يعيرونهم في الكلام، ويلومونهم وهم لا يستحقون ~~الملام، وما كانوا يدرون ما قاست الغز في الحرب والصدام من الكفرة اللئام، وكانوا يظنون ~~أن الغز هربت من تلك البلدان من دون حرب ولا طعان، ولم يدروا ما جرى عليهم من أوليك ~~الشجعان، فهذا ما كان من الغز بأرض الشام. # وأما ما كان من أمير الجيوش؛ فإن بعد قيام الفرنساوية بمدة طويلة في مصر علموا أن عداوتهم ~~في سراير الإسلام مستكنة؛ فلذلك لم تكن قلوبهم مطمئنة، وكانوا يخشون تسليم ms028 كتاباتهم ~~للسعاة من أهل تلك البلاد، فأمر أمير الجيوش بإبطال السعاة من مصر إلى البنادر، وكانوا ~~يرسلون المكاتيب في المراكب، وكانوا يضعون فيها عدة من الصلدات؛ لأن المراكب كانت لأهل تلك ~~البلاد والنوتية منهم، ومن كون أن أهل تلك البلاد عازمين على ضرر الفرنساوية ومهمين على ~~تلك النية، فكانوا يضيعون كثيرا من الصلدات مع الذين يسافرون إلى البنادر، فالتزم أمير ~~جيوش أن يبطل ذلك، ورجع السعاة من أهل البلاد كالمعتاد. # وقد كنا ذكرنا أن أمير الجيوش حينما تسلم مدينة الإسكندرية قلد السيد محمد كريم لتدبير ~~أمور البلد، كعادة في أيام مراد بيك، ففي ذلك الزمان وقع منه مكاتبة إلى مراد بيك يحثه على ~~الحضور إلى الإسكندرية؛ لكي يسلمه البلد، فلما وصلت تلك المكاتيب إلى أمير الجيوش ~~ففسرهم وفهم ما فيهم، وفي الحال أرسل إلى الجنرال الحاكم في الإسكندرية بأن يقبض على ~~السيد محمد كريم ويرسله له، وحين حضر السيد محمد كريم قدام أمير الجيوش سأله عن تلك ~~الكتابات فأنكر ذلك، فأخرج له إياهم، وحين نظر كتاباته صار مذهولا ولم يعلم ماذا يقول، ~~فأمر أمير الجيوش بإرساله إلى شيخ البلد، وقد أتت العلماء والأعيان يترجونه بإطلاقه، ~~فأجابهم: أن قد عرض أمره على الشريعة وحكمت عليه بالموت، ودفعوا عنه خمسين كيس فلم يقبل ~~ذلك، وقال لهم: إن شريعتنا لا تقبل الرشوة، ولا يقدر أحد أن ينقذه من الموت، حتى ولا أمير ~~الجيوش؛ لأن الشريعة إذا حكمت على أحد بالموت فلا بد له من ذلك، ثم أعرض عليهم تلك ~~الكتابات، وأحضر السيد محمد كريم وقال له: هذا خطك، قال: نعم، ثم رجعه إلى السجن إلى أن ~~انصرفت العلماء، وأمر بأن يمضوا بالسيد محمد كريم إلى ساحة الرملة ويطلقوا عليه الرصاص، ~~وكان وهو ساير ينادي: يا أمة محمد اليوم بي وغدا بكم، وحين قتل كان حزن عظيم عند المصريين، ~~ومن ذلك الوقت تنافرت قلوبهم بالزيادة. # وقد كانت الإنكليز بعد تملكهم عمارة الفرنساوية، قد ربطت عليهم البواغيظ وحاصرتهم في ~~الديار المصرية، فأرسل سرعسكرهم وأعلم ملكهم ms029 بذلك الاقتدار، فهاجت المملكة واستبشرت ~~بالانتصار، وهيجوا معهم الدول الإفرنجية، واستنهضوا لمحاربة الفرنساوية، ومن حيث إن الجمهور ~~الفرنساوي قد قهر ساير الممالك الإفرنجية وظفر بهم وسلب أموالهم وتملك منهم مدنا ~~وقلعا حصنية، وذلك ببطش مقدمهم وناشر أعلامهم الفرد الظاهر والليث الظافر أمير جيوشهم ~~بونابرته، وقد ترك في ساير الأقاليم الإفرنجية مخافة قلبية، سيما بعد اطلاعهم على التملك ~~في الديار المصرية، ولكن حين بلغهم ما فعلت بهم الإنكليز، وأن قد ربطت عليهم البواغيظ، ~~فقويت قلوبهم وأملوا بنيل مطلوبهم، فصمموا النية على طرد العساكر الفرنساوية التي قد كان ~~تركها في الأقاليم الإفرنجية، وأشهر الحرب ملك النمسا، واستنهض معه ملك بروسا، ونهضت ممالك ~~إيطاليا مع رومية الكبرى، هذا ما كان، وسيأتي الكلام عنه في غير مكان. # وقد ذكرنا أن الفرنساوية حين تملكوا مالطة أبقوا بها ستة آلاف من العسكر وأصحبوا عوضها، ~~وفي هذه الأيام توجهت الإنكليز إلى تلك البواغيظ، وحاصرت مدينة مالطة أشد حصار إلى أن أضر ~~بهم الجوع وأيقنوا بالفجوع، فتسلموا الإنكليز المدينة بالأمان، وقويت شوكة الإنكليز، ~~فاشتد بأسهم في تملك مالطة؛ لأنها بالقرب من الإسكندرية. # | ذكر ما تم في ممالك الدولة العثمانية # إنه عندما شاعت الأخبار بأن الفرنساوية تملك الديار المصرية، هاجت جميع ممالك الإسلام ~~لمحاربة الفرنساوية اللئام، وصاحوا يا غيرة الدين وحماية المؤمنين، واستنهضت الدولة العلية ~~والسدة الملوكية لاستخلاص الديار المصرية، وأبرزت الأوامر والأحكام وساير الباشاوات ~~والحكام تستنهضهم للمغازاة عن دين الإسلام، وقد حضرت الأوامر الشريفة إلى أحمد باشا ~~الجزار بالمغازاة على هؤلاء الكفار، ويكون سردار العسكر، وكان أمير الجيوش بونابرته حين ~~بلغه استنهاض الإسلام إلى تلك الديار، فاستدرك الأمر بكتابات إلى الجزار، واستدعى بأحد ~~الكوميسارية وأرسله إلى دمياط؛ لكي يسير في مركب إلى عكا، وكتب كتابا إلى الجزار على هذه ~~الصورة بعد الترجمة: # إنه من المعلوم عندكم اتحاد الدولة الفرنساوية مع الدولة العثمانية بالحب ~~والصدوقية منذ أعوام عديدة، ثم لا خفاكم عداوتنا مع دولة الإنكليز، وسطاها على ~~بلداننا التي في أراضي الهند، فاضطرنا إلى الحضور إلى هذه الأقطار المصرية، ms030 وذلك ~~بإذن الدولة العثمانية وبإرادتها الكلية؛ أولا: لقطع شجرة المماليك العصاة على ~~الدولة العلية، ثانيا: لكي بعد قطع هؤلاء الظالمين وتمهيد المملكة وخلاصها من يد ~~القوم الفاجرين، فنسير إلى الأقطار الهندية؛ لتخليص بلادنا وأرضنا من الدولة ~~الإنكليزية، وها نحن مباشرين في قرض المماليك العصاة على السلطان، وما أتينا إلا ~~أننا نحامي عن المسلمين، ونرفع شرايع الدين، ونسير محمل الحج الشريف إلى المقام ~~المنيف، ونبقي السكة والخطبة باسم حضرة محبنا السلطان سليم دام بالعز والتنعيم؛ ~~فبنا على ذلك أصدرنا لكم هذا الكتاب؛ لتعلموا منا حقيقة السبب الداعي لهذا الإياب، ~~وتكونوا من قبلنا في حيز الأمان وغاية الاطمئنان، وتفتحوا البنادر، وتسيروا ~~المتاجر لعمار البلاد وراحة العباد والسلام. # ثم توجه ذلك الكوميسارية المدعو باظان من مصر إلى دمياط، ومن هناك توجه في ~~مركب أحمد باشا الجزار، الذي كان رابطا في الميناء، وأصحب معه ترجمانا واثنين من التجار، ~~ولما وصل إلى أسكلة عكا، فكتب الكوميسارية باظان إلى الجزار يعلمه عن قدومه من طرف أمير ~~الجيوش بونابرته، ونزل القبطان إلى عكا، وحينما دخل أمام الجزار فسأله عن مصر وعن أحوالها ~~وعن سبب خلاصه من مدينة دمياط، فأجابه القبطان: إن الفرنساوية أطلقوا سبيلي وحضر معي ~~كوميسارية من طرف سرعسكرهم بكتابة، وهو الآن معي في المركب، ثم أعطاه كتاب الكوميسارية ~~باظان، فلما فهم الجزار ذلك الخطاب اشتد به الغيظ والغضب، وقال للقبطان: وجه هذا الكافر ~~ودعه يسافر، وإن لم يرجع في الحال من هذه الديار أحرقته بالنار، ثم سأله من الذي أتى معه؟ ~~فقال له القبطان: ليس معه سوى ترجمانه واثنين من التجار، وهم نصارى من أبناء العرب، فقال ~~الجزار: أخرج التجار بأرزاقهم إلى البلد، ودع الكافر حالا يسافر، ورجع القبطان إلى المركب ~~وأعلم الكوميسارية بما سمع من الجزار، وفي الحال أحضر له مركبا صغيرا، ورجع إلى دمياط من ~~غير تأخير، وقبض الجزار على تلك التجار، وكان بين الجزار وبين الفرنساوية عداوة قديمة وبغضة ~~جسيمة من طرد قناصلهم من بلاده؛ فلهذا السبب ما كان يود منهم أمانا. ms031 # ثم إن الجزار ابتدأ يحرر إلى ساير الأقاليم المصرية، ويستنهضهم على القيام على ~~الفرنساوية، وكانوا الغز الذين حضروا إلى بر الشام تهيج الفلاحين والعربان لذلك المرام، ~~ويكتبوا لهم على النهوض والقيام، وقد تظاهرت المصريون في العصاوة والأسية على الطايفة ~~الفرنساوية، وقامت الأربع أقاليم المصرية؛ القبلية والبحرية والغربية والشرقية، وكان في كل ~~وقت يقع الخصام بينهم وبين الجنرالية من الأربع الجهات المصرية، وتحرق البلاد وتهلك ~~العباد، إلى أن هلك عربان كثيرة العدد ومن فلاحين البلد. # وأما ذلك الكوميسارية الذي رجع من عند الجزار فإنه وصل إلى دمياط، وفي الغد سار إلى مصر، ~~وأخبر أمير الجيوش بما تم له من الجزار، فاشتد بالغضب من ذلك السبب، وبدأ من ذلك الحين ~~يباشر بتجهيز السفر وما يحتاج إليه من الاستحضار. # وقد كنا ذكرنا أن في المنصورة أقام من الفرنساوية ما ينيف عن ماية وثلاثين صلدات، وفي ذلك ~~الوقت بدت أهالي البلد يتشاورون على قتلهم، وإذ كانت هذه البلدة بعيدة عن مدينة مصر، ~~وبرها متسع وعربانها كثيرة، وقد كان في كل جمعة نهار الخميس يصير السوق، ويجتمع فيه ~~كثير من الناس لأجل البيع والشرا، ففي أحد الأيام قامت أهالي المدينة، وكبسوا أوليك الصلدات ~~الفرنساوية، وانتشب الحرب بينهم، وإذ تضايقت الفرنساوية، وكاد يخلص ما عندهم من البارود، ~~فخرجوا إلى البر ونزلوا في إحدى المراكب، فتكاثرت عليهم أوليك العوالم المجتمعة في يوم ~~الخميس، وقد كان ذلك الوقت أيام جبر النيل، فلم تسير معهم المراكب، والتزموا بالرجوع إلى ~~البر، وقصدوا يسيروا برا إلى مصر، فلم تمكنهم أوليك الأمم، وأورثوهم مواريث العدم، ولم ~~يزالوا يكافحون وعن أرواحهم يدافعون، إلى أن قتلوا عن آخرهم، ولم يبق بقية من أوليك ~~الصلدات الفرنساوية، وحين وصلت الأخبار فاشتد بأمير الجيوش الغيظ والغضب، وأمر الجنرال دوكا ~~بأن يتوجه إلى المنصورة ويحرقها، ويقتل كل من بها، فسار الجنرال بثلاثة آلاف صلدات، وحينما ~~بلغ أهالي المنصورة قدومه، فهربوا منه ولم يبق إلا القليل، وحين وصوله رأى البلد خرابا، ~~وتقدم إليه أوليك الباقون، وابتدوا يعتذرون له بقولهم: ms032 إن أهالي المدينة ليس لهم ذنب بذلك ~~الصنيع، وإنما صدر ذلك من الفلاحين والعربان لكثرتهم في ذلك الميعاد من كل البلاد، وإن أهل ~~المدينة حيث تحققوا أن ليس لهم اقتدار عن منع أوليك الأقذار فروا هاربين خوفا من ~~الفرنساويين، فلما سمع الجنرال ذلك الكلام قبل اعتذارهم وعفا عن خراب ديارهم، وأمرهم في ~~الرجوع والطاعة والخضوع. # ثم إن الجنرال دوكا صنع ديوانا وقال لهم: إنني مأمور من أمير الجيوش بأن أحرق هذه ~~المدينة وأقتل كل من وجد بها، ولكنني قد قبلت عذركم وصفحت عن ذنبكم، ولكن من حيث أن قبل ~~ما تقع هذه الشرور ما أعرضتم عن ما أنتم مطلعين عليه من حقايق الأمور، مع أنكم تعرفون رداوة ~~أهل البلاد وما هم عليه من العناد؛ فيلزمكم أن تدفعوا جريمة قصاصكم أربعة آلاف كيس فدا ~~دماكم، فقبلت الرعية ذلك المقال، وفي مدة قليلة أوردوه المال، وبعد ذلك أرسل الجنرال دوكا ~~وأعرض على أمير الجيوش ما تدبر، فرجع له الجواب بأن يأمر أهل تلك الأقاليم أن يرفعوا ~~بيراق الفرنساوية على رءوس المآذن، وكل بلد لا ترفع ذلك السنجاق حالا تحرق. # وقد كنا ذكرنا أنه حين دخل أمير الجيوش إلى القاهرة ورتب أمورها وقلد الجنرالية الأحكام ~~في الديار المصرية، وأرسل الجنرال ويال إلى مدينة دمياط، فهذا الجنرال كان ذا مكر واحتيال ~~وبطل من الأبطال، فلما استقر في مدينة دمياط أحضر إليه سبعة أنفار من التجار الكبار، ~~وأقامهم لتدبير البلد وتلك الديار، ثم رتب أغا إنكشارية وأقام واليا للبلد ومحتسبا ~~للديوان، ورتب الترتيب القديم، وأحضر شيخ قرية الشعرا وهي بالقرب من مدينة دمياط وألبسه ~~فروا وقلده سيفا، وأحضر لديه شيخ إقليم المنزلة المعروف بالشيخ حسن طوبال وقلده سيفا ~~مذهبا. # وهذا الشيخ المذكور كانت أهالي تلك الأقاليم تمتثل رأيه وتقتدي به، وبعدما تقلد ذلك ~~الالتزام أتت إليه الكتابات من أحمد باشا الجزار ومن إبراهيم بيك، وبها يحثوه أن لا يقبل ~~الفرنساويين في أرضهم، وأن يستنهض أهالي الأقاليم ضدهم ويكون مجاهدا في حربهم، وكانوا في ~~كتاباتهم له ms033 يوعدوه بسرعة وصولهم إليه بالعساكر الوافرة، ومن ذلك السبب تشاهر هذا الشيخ ~~المذكور في خبث النية ضد الفرنساوية، وقد استنهض أهل تلك القرايا الذين حوله، وعمدوا رأيهم ~~أن يجتمعوا في قرية الشعرا بالقرب من دمياط ويكبسوا الفرنساوية ليلا، وأوصلوا العلم مع ~~أهالي دمياط، واتفقوا جميعا على ذلك الرباط، وفي شهر ربيع الثاني كبست الرجال البلد ليلا، ~~وقد كان مسكن الفرنساوية في الوكايل التي على البحر، وهجموا بضجيج عظيم وعجيج جسيم وهم ~~ينادون: اليوم يوم المغازاة من هؤلاء الكفار ومن يتبعهم من النصارى، اليوم ننصر الدين ونقتل ~~هؤلاء الملاعين، فانتبهت الفرنساوية من المنام، واستعدوا للحرب والصدام، والتقوا في تلك ~~الأمم وأورثوهم مورث العدم، واصطفوا صفوف وضربوهم بالرصاص والسيوف، ومنعوهم عن الدخول، ~~وكانت ليلة مرعبة ونار ملهبة، فلله درهم من الرجال! ما أشدهم بالحرب والقتال! لأن كانت ~~تلك الأمم قدرهم أضعاف فكسروهم بلا خلاف وأوردوهم موارد التلاف، وقبل أن يطلع النهار ~~أخرجوهم من البلد قوة واقتدارا إلى البر والقفار، ورجعوا إلى قرية الشعرا خاسرين وفي ~~أمورهم حايرين. # وكان قد وصلت الأخبار عند طلوع الشمس إلى أهالي الغربة، وهي قرية صغيرة عند بوغاظ البحر ~~المالح أن المسلمين كبست دمياط وقتلوا أوليك الكفار ولم يبقوا منهم آثار وقتلوا جميع نصارى ~~البلد ولم يبقوا منهم أحد، وكان في قرية الغربة خمسة أنفار من الإفرنج فهجموا عليهم ~~وقتلوهم، وقدم مركب فيه ثلاثة أنفار فقتلوهم، ثم هجموا على قلعة الغربة وكان بها عشرين من ~~الفرنساويين، فأغلقوا الأبواب وأرموهم بالرصاص فرجعوا عنهم خاسرين، وعند نصف النهار تحققت ~~الأخبار بأن الرجال المسلمين رجعوا منكسرين والفرنساوية في دمياط مقيمين، فندم أهل الغربة ~~على تلك الفعال، وخافوا على الحريم والعيال، وفي ساعة الحال جمعوا أموالهم وأخذوا عيالهم ~~وانحدروا في المراكب هاربين، وإلى نواحي عكا قاصدين، ووصل الخبر إلى دمياط بما صار في ~~الغربة من الاختباط، فركب الجنرال ويال إلى الغربة فلم يجد بها أحدا، فنهبوا ما وجدوه ~~وأحرقوها بالنار، ورجع إلى دمياط، وابتدأت الإفرنج تبني في الغربة حصونا للعساكر. # ثم بعد ms034 رجوع الجنرال ويال إلى دمياط بلغه إن لم تزل أهل تلك البلاد مجتمعين وفي قرية ~~الشعرا مقيمين، فعزم الجنرال ويال على المسير إليهم والقدوم عليهم، وأمر بأن المجاريح ~~والمرضى من الإفرنج ينزلوا إلى المراكب خوفا من مسلمين البلد ومما يتجدد، وحين شاهدت ~~النصارى أن الفرنساوية عازمين على تخلية البندر فساروا إلى ذلك السرعسكر وقالوا له: ما يحل ~~لك أيها الجنرال أن تذهب وتلقينا بأيدي هؤلاء الأشرار؛ لأننا قد سمعنا منهم أمرارا قايلين: ~~اقتلوا النصارى قبل الفرنساوية؛ لأنهم متحدين معهم سوية، فلما نظر الجنرال ويال ما حل ~~بالنصارى من الخوف والوبال انثنى عزمه عن القتال، وكتب إلى الجنرال دوكا حاكم مدينة ~~المنصورة يطلب منه الإسعاف، فوجه له ماية وخمسين صلدات، وحين حضروا سار بهم إلى قرية ~~الشعرا بعد ما ترك أجناده في دمياط، وحين وصل إلى الشعرا انهزمت منه تلك الجموع، فأحرق ~~البلد وقتل من وجد بها، ورجع إلى دمياط بقوة ونشاط، وصنع شنلك عظيم، ونشر البيارق علامة ~~الانتصار، ونكس البيراق العثماني الذي كان ناشره سابقا، حيث كان قد أمر أمير الجيوش أن في ~~كل مكان توجد الفرنساوية فلينشروا سنجاق الدولة العثمانية. # وبعد أيام يسيرة حضر الجنرال دوكا إلى دمياط، وعقد المشورة مع الجنرال ويال على أخذ ~~الجيزة وبلدة المنزلة، ثم رجع الجنرال دوكا إلى المنصورة، ومن هناك سار بالعساكر إلى البحر ~~الصغير قاصدا إقليم المنزلة، فخرجت له عربان ذلك البر في محلة يقال لها الجملة، والتقى في ~~جماعة وفية وفرسان قوية، فصادمهم هذا الشجاع والقرم المناع وشتت عسكرهم وأفنى أكثرهم، ~~وأحرق تلك البلدة، ثم سار إلى المنزلة فحين بلغ الشيخ حسن طوبال قدوم ذلك الأسد المغوار ~~فارتج رجة عظيمة، وطلب الهزيمة، وفر من ساعته إلى الأقطار الشامية، وعندما وصل الجنرال ~~دوكا إلى بلدة المنزلة التقته أهلها، وقدموا له الطاعة، وأخبروه بانهزام الشيخ حسن طوبال، ~~فأعطاهم الأمان، وأحضر أخا الشيخ حسن طوبال وأقامه شيخا على تلك الديار، وضبط القوارب التي ~~كانوا يسيرون بها من المنزلة إلى دمياط في البحيرة المالحة، وأرسل ms035 تلك القوارب إلى دمياط ~~وكانت كثيرة في العدد تنوف عن خمسة آلاف ، وقد أمنت الإفرنج في دمياط من نواحي إقليم ~~المنزلة؛ لأن قد كان حسن طوبال منتظرا قدوم عساكر الجزار ليركب بتلك القوارب ويأتي بها إلى ~~مدينة دمياط، وبعد أيام يسيرة رجع الجنرال دوكا إلى المنصورة من بعد ما حارب في طريقه ~~عربانا كثيرة، الذين كانوا يقصدون حربه ويقفون في دربه، واستمر إقليم المنزلة وبر دمياط ~~طايعا للفرنساوية، والعداوة في ضمايرهم مخفية. # وقدمنا الشرح في تحكم الجنرالات الفرنساوية في الأقاليم المصرية، فكان الجنرال ميراد قد ~~قلده أمير الجيوش أحكام إقليم القليوبية، وكان هذا الجنرال ذا شجاعة في القتال قوي البطش في ~~الحرب والجدال، وحين سار في العساكر القوية إلى إقليم القليوبية، وكان هذا إقليم أصعب ~~الأقاليم؛ لكثرة عربانه العتاة وقومه العصاة، وبراريه الواسعة ووديانه الشاسعة، فهذا ~~البطل الشجاع أطاعته آل تلك البقاع والأصقاع من بعد ما أذاقهم حروبا شديدة، وأحرق بلدانا ~~وأهلك عربان، وبحروب كثيرة أفنى قبايل غزيرة، وكان شيخ هذا الإقليم يدعى الشيخ الشواربي، ~~وكان يجمع خلقا وافرا، وبلده كان بعيد يوما عن القاهرة، وكان من القوم الجبابرة وعربان ~~إقليمه فاجرة، فالتزم أن ينكس هاما ويطيع قهرا وإرغاما، ثم إن هذا الجنرال من بعد ما ~~تملك هذا الإقليم جمع الأموال الميرية والترتيبات السلطانية، ورجع إلى مدينة مصر بكل عز ~~ونصر. # وأما الجنرال لانوس حاكم الإقليم المنوفية والجهات الغربية، فهذا الجنرال سار إلى مدينة ~~منوف ومكث بها وجمع الأموال منها ومن القرى والجبال، وفرق عساكره على بلدانها، وأطاعته جميع ~~سكانها، وهذا الإقليم كان ألين الأقاليم وأهونها وأجملها وأحسنها، ولم يحتاج هذا الجنرال ~~النبيل إلا لحرب قليل؛ لأن كان أغلب أهالي الأرض المصرية هابت شجاعة الفرنساوية، ورجعت ~~قلوبهم من شدة حروبهم؛ لأن الفرنساوية من بعد دخولهم إلى الديار المصرية وحريق عمارتهم على ~~بوغاظ الإسكندرية انقطع آمالهم من الإمداد مع ما شاهدوه من الكره من أهالي البلاد وما لهم ~~في قلوبهم من البغض والأحقاد، فكانوا يتنفسون الصعداء من صميم الفؤاد، ويهجمون ولا ms036 يهابون ~~كثرة العدد، ويحاربون بأمور حكمية وفنون علمية وقلوب صخرية، غير هايبين الموت ولا خاشيين ~~الفوت، ومكث هذا الجنرال في إقليم المنوفية مدة وفية، وجمع الأموال الميرية، ومهد ~~البلاد وطمن العباد، ورجع إلى مدينة مصر بعز ونصر، وقد ترك في مدينة منوف وكيلا عوضا ~~عنه. # وقد ذكرنا أيضا أن الجنرال ديزه تقلد من أمير الجيوش بونابرته إقليم الصعيد، وقد تعين ~~بالعساكر لحرب مراد بيك، وبعد ما فر مراد بيك إلى الصعيد، قد ذكرنا عن توجه القنصل لعنده ~~من أمير الجيوش في الخطاب وما كان من الجواب، فأمر أمير الجيوش الجنرال ديزه بالمسير ~~بالعساكر إليه، وكانت أربعة آلاف مقاتل، وكان مراد بيك قد تجمع عنده الجيوش من الهوارا ~~والفلاحين والعربان إلى المنية، وكانت مسافة ثلاثة أيام عن القاهرة، واجتمع إليه ما ينيف عن ~~عشرين ألفا، وكان في بر الصعيد عدة من المماليك الهاربين فحضروا لعنده، وحضر أيضا حسن بيك ~~الجرداوي، وعثمان بيك مماليك علي بيك الكبير، وهؤلاء كانوا مطرودين من الغز، وعندما ~~تقابلوا مع مراد بيك تصافحوا وأخلصوا الوداد وتركوا الأحقاد وغفروا السيئات وصفحوا عما فات، ~~وقرءوا الفواتح على المغازاة في سبيل الله، وصاحوا: يا غيرة الدين ونصرة المسلمين، الله ~~أكبر على هؤلاء الكافرين، واستعدوا غاية الاستعداد لملاقاة الأعداء والأضداد، وكانت الغز ~~أفرس الفرسان في ركوب الخيل والحرب والطعان. # وكان الجنرال ديزة ساير إليهم في العساكر وهو غير فاكر إلى أن وصل إليهم وكشف عليهم، ~~فوجدهم جيوش كثيرة وطموش غزيرة، فصف عسكره صفوف بالترتيب الموصوف، وقرع الطبول النحاسية ~~وتقدم بالعساكر الفرنساوية، وأطلق مدفعا واحدا للتنبيه، ثم أمر بإطلاق ثانية، فنهضت ~~الغز والعربان نهوض الأسود والشجعان بالسيوف الهندية والرماح السمهرية على ظهور الخيل ~~العربية، وانقضت انقضاض الغربان إلى حومة الميدان، وصرخوا: اليوم يوم المغازاة وترك ~~النفوس والمعاداة، وحملت العربان والغز والفرسان، واندفقت على الفرنساوية اندفاق البحور ~~العرمرمية، وتساقطت من الجبال سقوط الصواعق العلوية، حتى خيل للناظرين أن الجبال تزعزعت ~~والتلال تمزقت، وانتشب الحرب والقتال، وابتدأ ذلك الجنرال يروغ روغ المحتال حتى تملك ms037 في ~~المجال، ودهمهم بالقنابر والكلل والرصاص الغير المحتمل، وبدأ يريهم فنون الحرب الغريبة ~~وأنواع الأهوال العجيبة، التي لم تدركها العربان ولا تعرفها الغز والفرسان، وصاح بهم صيحة ~~الأسد الغضبان في تلك الجبال والوديان، حتى لم يعودوا يقدروا على الثبوت تجاه ذلك البهموت، ~~وزحمتهم أوليك الأسود، حتى ملكوا متاريسهم وأشهروا تنكيسهم وشتاتهم في الجبال والتلال بشدة ~~الحرب والقتال، وملكوا مدافعهم وأعلامهم ومضاربهم وخيامهم، وكسروا تلك الجماهير بقوة العزيز ~~القدير. # وذهب مراد بيك مع عزوته إلى أعلى الصعيد، وهو متحير من صلابة هؤلاء الصناديد وقوة قلبهم ~~الشديد، وفنونهم العجيبة وشجاعتهم الغريبة، ودخل الجنرال ديزه إلى مدينة المنية، وأقام بها ~~وحصن قلعها وأبراجها، وبدأ يسير ورا مراد بيك مرحلة بعد مرحلة إلى محل يقال له الأهون، ~~وهناك حدثت بينهم وقعة عظيمة، وكان قد تجمع مع مراد بيك جموع كثيرة وطموش غزيرة، فشتتهم ~~ذلك الجنرال في البراري والقفار، ولم يزل ذلك الجنرال يقاتل في إقليم الصعيد حتى أطاعه ~~الشيخ والوليد، وهابته الأسياد والعبيد، وهرب منه مراد بيك إلى مدينة أصوان، ثم إلى بريم، ~~ومن هناك رجع الجنرال ديزه إلى الصعيد، ودبر الإقليم المذكور برأيه السديد، وأمر في بنيان ~~الحصون الرفيعة في جميع تلك المدن المنيعة، ثم إنه جبى الأموال الميرية والمعاليم ~~السلطانية، ورتب الصعيد ومهد ذلك الإقليم غاية التمهيد، وكل مراد بيك من حروب ~~الفرنساويين من بعد حروب عديدة وأهوال شديدة. # وكان حينما بلغ أهالي الحجاز دخول الفرنساوية إلى الديار المصرية فارتجت سكان تلك الأرض ~~وماجت واضطربت وهاجت، فتحرك من الأشراف السيد محمد الجيلاني، وقد جمع سبعة آلاف أماجيد، ~~وحضر بهم إلى الصعيد، واجتمع إليه العربان من أهل تلك البلدان عشرة آلاف من غير خلاف، وظهر ~~أمره واشتهر خبره، فبلغ الجنرال ديزه قدوم ذلك العسكر، فما هابه ولا تفكر، بل إنه كبس ~~عليهم بالليل بكل قوة وشدة وحيل، فما سلم منهم غير القليل، والذي سلم تشتت في البراري ~~والقفار وبليوا بالذل والدمار، ومات في تلك الوقعة السيد محمد الجيلاني؛ إذ كان هو على نفسه ms038 ~~جاني؛ لأنه كان يزعم أنه يحذف الرمال والغبار في وجوه الكفار ويعمي منهم الأبصار ويقبض ~~عليهم باليد، فخاب منه الكد والجد، ثم بعد مدة تجمع الذين سلموا، ورجعوا يفسدون في البلاد ~~ويستنهضون بالعباد، فأرسل عليهم الجنرال ديزه شردمة من العسكر فهزموهم في البر الأقفر، وبعد ~~ذلك راق الصعيد من محاربين الفرنساوية، واطمأن حال الرعية، وأحبوا الجنرال ديزه محبة عظيمة؛ ~~لأجل سلوكه وأحكامه المستقيمة، وكان يحب العماير الملاح كريم بالعطاء والسماح، وكان رهطا ~~من الأرهاط العظام، ونظم إقليم الصعيد أحسن نظام. # وقد كان عنده من الأقباط المباشرين يعقوب الصعيدي، وهو رجل شديد البطش مشهورا بالفروسية ~~والهمة القوية، وهو الذي عند سليمان بيك، وكان الذين خدموا من النصارى أولهم الرجل السافرلي ~~المدعو باترو، وهذا الذي كان يدعونه أهل مصر فريد الزمان؛ لما عنده من العلوم والفصاحة ~~والقوة والشجاعة، وكان يعرف في جميع اللغات وفاق بالحسن عن حد الصفات، وكان قد خدم عند ~~الفرنساوية، وانقاد إليه جماعة من الغز المماليك واحتموا به، ثم الرجل الرومي المدعو نقولا ~~قبودان، فهذا المذكور كان خادما عند مراد بيك، ومتروسا على عدة عساكر ومراكب في بلدة ~~الجيزة، وكان شابا موصوفا بالشجاعة، وهذا المذكور كان متسلم المتاريس في عسكر الأروام ~~حين دخلت الفرنساوية إلى بر إمبابة وامتلكوا القاهرة، ولما امتلكت الإفرنج المتاريس ألقى ~~نفسه في بحر النيل وطلع إلى مصر، ثم خدم المشيخة، وأما الذين خدموا الفرنساوية من الإسلام ~~فهم كثيرون في العدد كالمقدمين والقواصة والمترجمين. # | ذكر ما حدث بمصر # إنه من بعد أن مكثت الفرنساوية في المملكة المصرية مقدار ثلاثة أشهر، فكان المسلمون يظنون ~~أن تورد لهم الأوامر من الدولة العثمانية بتقريرهم على المملكة حسبما كانوا يشيعون أنهم ~~حضروا إلى مصر بإرادة السلطان سليم، وكانوا يوعدونهم في وزير إلى القلعة السلطانية من طرف ~~الدولة العثمانية، وقد كان يخبر أمير الجيوش بقدوم عبد الله باشا العظم من الشام إلى مصر، ~~وأعد له منزلا لينزل به وأمر بتدبيره وفرشه، وإذ مضت المدة المعينة ولم يحضر أحد؛ ~~فتسبب من قبل ms039 ذلك أسباب كثيرة للنفور وإبداع الفتن والشرور؛ من قتل السيد محمد كريم لأنه ~~كان أحد الأشراف، ومن ورود المكاتيب من الأمراء المصريين بالاستنهاض إلى أهل تلك الأقاليم، ~~وكتابات أحمد باشا الجزار إلى البلدان المصرية واستنهاضهم على الفرنساوية، وأن قادم عليهم ~~العساكر العثمانية، ثم قيام أهالي بر دمياط، والحوادث التي بدتها العرب والفلاحين، وعفو ~~الفرنساوية عنهم وعدم القصاص لهم، وقد كان الفرنساوية يخرجون النساء والبنات المسلمات ~~مكشوفات الوجوه في الطرقات، ثم اشتهار شرب الخمر وبيعه إلى العسكر، ثم هدم جوامع ومنارات في ~~بركة اليزبكية؛ لأجل توسيع الطرقات لمشي العربانات. # وكان المسلمون يتنفسون الصعداء من صميم القلوب، ويستعظمون هذه الخطوب، وصاحوا: لقد آن ~~أوان القيام على هؤلاء الليام، فهذا وقت الانتصار إلى الإسلام، فشعر أمير الجيوش بما في ~~ضمايرهم وما أكتموه في سرايرهم، فأبرز أمرا لساير حكام الخطوط بأن كلا منهم يأمر بخلع ~~الأبواب المركبة في الشوارع، وفي يوم واحد خلعت تلك الأبواب العظام، وبعضها أحرقت ~~بالنيران، فركب أمير الجيوش، وأخذ معه المهندسين ومنهم الجنرال كفرال الملقب أبو خشبة؛ ~~لأن كانت رجله الواحدة مقطوعة من ساقه ومصطنع له رجل من ~~خشب، فهذا الجنرال كان أعظم المهندسين في مملكة الفرنساوية، وبدأ أمير الجيوش يجول بهذا ~~الجنرال على ساير الأماكين التي حول دايرة مصر، وغرس على رأس كل مكان بيرقا؛ إشارة لبناية ~~القلع. # فإذا شاهدت الإسلام هذا الاهتمام تحركت للقيام، ~~وبدوا ينادون متبادرين إلى الجامع الأكبر المعروف بجامع الأزهر، وهناك عقدوا المشورة، ~~وأبرزوا ما بالضماير المضمرة، وأرسلوا أحد الفقهاء في شوارع مصر ينبه المسلمين بالمبادرة ~~إلى الجامع الأزهر حيث اجتمع العسكر، وبدأ ذلك الشيخ المذكور يدور وينادي بالجمهور: كل من ~~كان موحدا يأتي لجامع الأزهر؛ لأن اليوم المغازاة بالكفار ونزيل عنا هذا العار ونأخذ منهم ~~الثار، فبادر المسلمون وأقفلت الحوانيت والوكايل لما سمعت صوت القايل، ووصلت الأخبار إلى ~~دبوي الجنرال بأن قامت أهالي البلد من الشيخ إلى الولد، وكان ذلك في عشرة جماد الأول نهار ~~الأحد، فنهض الجنرال المومى إليه والشرار تتطاير من عينيه، ms040 ظانا أن هذا القيام عليه، وأن ~~هذا القتال لأجل ما طلب منهم من المال، وسار بثمانية أنفار ليطمن أهل تلك الديار ويفرق ~~تلك الجماهير ويسكن روع الكبير والصغير، ولم يعرف أن ليس ذلك علة المال فقط، بل هي علل ~~كثيرة الشطط وغزيرة النمط، وأحقاد كامنة في جوارح القلوب، وعداوة لا يدركها سوى رب الغيوب، ~~وفيما هو ساير في سوق النحاسين، فبرز إليه أحد الأتراك وضربه بخشبة على خاصرته، فسقط عن ~~ظهر جواده مغشيا، فحملوه أصحابه ورجعوا به إلى جنينة الإفرنج القديمة، وفي وصوله مات هناك ~~وشرب كاس الهلاك. # وكانت العساكر الفرنساوية متفرقين في المدينة، ولعدم معرفتهم باللغة العربية ما يكونوا ~~يدرون ما هي الحادثة في المدينة، فهجمت عليهم تلك الجماهير من كل ناحية، وكانوا يقتلون كل ~~من وجدوه في طريقهم من الإفرنج الفرنساوية والملة النصرانية من المعلمين والرعية، وكان ~~يوما مهولا عظيما وخطبا جسيما، ثم هجمت جماهير الإسلام على طور سينا فقتلوا البعض من ~~الرجال، ونهبوا بيوت النصارى، وأخذوا ما أحبوا من الحاجات، وسبوا النساء والبنات، واحتموا ~~بقوة الرجال داخل دير الطور، وكان يوما مشهور، وكان أوليك الأمم هايجين هيجات وحشية، ~~فتهاربت الفرنساوية إلى البركة اليزبكية، وكان في ذلك الوقت أمير الجيوش في مدينة الجيزة، ~~فحضر لما بلغه تلك الهيجة، وفي دخوله التقى مع ذلك الجمهور فولوا من أمامه، ووصل إلى بركة ~~اليزبكية، وفرق العساكر حول البلد، وأمر أن تضرب من القلعة المدافع والقنابر، وكانت جماهير ~~الإسلام في باب النصر والنحاسية وخان الخليل وخط الأزهر والغورية والفحامين خط المغاربة، ~~وهذه المحلات داخل البلد، وكانت الإسلام قد بنت متاريس في تلك الأماكن المذكورة، فسقط خوف ~~عظيم على الفرنساوية، وذعرهم هذا القيام وداخلتهم الأوهام؛ لمعرفتهم بكثرة الخلايق التي في ~~مصر؛ لأنها كانت تجمع مليونا من الناس ولا لكثرتهم قياس، وضربت الفرنساوية أوليك الجيوش ~~الكثار بالقنابر والمدافع الكبار، فتضايقت الإسلام من كثرة الكلل والقنابر والرصاص ~~المتكاثر، واستقام الحرب ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع كبست الفرنساوية على جامع الأزهر، ~~فهربت الإسلام بالذل والتعكيس، وامتلكوا ms041 منهم المتاريس، وأبلوهم بالضرر وملكوا منهم الجامع ~~الأزهر، وسلبوا ما كان فيه من الودايع والذخاير، وابتدوا بعد ذلك يمتلكون مكانا بعد مكان، ~~إلى أن تملكوا أكثر المدينة، واختفت الإسلام في المنازل والجدران، وألقوا سلاحهم وصاحوا: ~~الأمان، وكانت الفرنساوية كل من يرونه بلا سلاح لا يعارضوه، والذي يكون متسلحا ~~يقتلوه. # وحينما نظرت علماء الإسلام أن جيوشهم انكسرت والفرنساوية انتصرت، فساروا إلى أمير الجيوش ~~بعقل مدهوش وقلب مرعوش، وأخذوا يتراموا عليه بقيام العسكر من الجامع ورفع الحرب من كل مكان ~~والمواضع، فبكتهم أمير الجيوش بذلك الفعل الذميم والخطب العظيم، وكانوا يقسمون له بالله ~~أن ليس عندهم من ذلك آثار ولا علم ولا أخبار، بل علة الحال طلب المال، وما قام إلا أوباش ~~الرجال، فأبى أمير الجيوش تصديقهم وأنكر تحقيقهم، ولم يسمح لهم بتخلية الجامع من العساكر، ~~وأحرف وجهه عنهم وهو متعكر الخاطر، فانصرفوا من أمامه وهم باكين وعلى أحوالهم نايحين، ~~وتأسفوا على جامع الكنانة وخراب الديانة، ثم في ذلك النهار أرسلوا له الشيخ محمد الجوهري، ~~وكان في كل حياته ما كان يقابل أحدا من الحكام ولا يعترض إلى أمور العوام، وفي دخوله قال ~~له: ما قابلت حاكما عادلا كان أم ظالما، والآن قد أتيت متوسلا إليك أن تأمر بإخراج ~~العسكر من الجامع الأزهر، وتغفر ذنب هؤلاء القوم الغجر، واتخذني مدى العمر داعيا لك ناشرا ~~فضلك. فانشرح أمير الجيوش من ذلك الخطاب وانعطف وجاب قائلا: إنني عفوت وصفحت عن أحبابك ~~لأجل خطابك، ثم أمر أمير الجيوش برفع العسكر من الجوامع وأطلق المناداة في المدينة بالأمان، ~~وعقد الفحص عن الذين كانوا مجتمعين في المشورة على قيام تلك الأمور المنكرة، فقبض على شيخ ~~العميان الشيخ سعيد، والشيخ الذي نادى في المدينة بجمع ذلك الجيش العديد، وعدة فقهاء وأناس ~~فلتية، وأخذوهم إلى القلعة وأذاقوهم كئوس المنية، وقد كان مات بهذه الوقعة ألفين صلدات، ومن ~~أهالي المدينة ما ينيف عن خمسة آلاف، وقد خسرت الإسلام ولم تربح بهذا القيام سوى الذل ~~والإهانة وافتضاح جامع الديانة. # وكان عندما ms042 استعدت أهالي مصر على القيام ضد الفرنساوية كتبوا إلى الشيخ الشواربي شيخ ~~الصعيد يستنجدوه إلى إعانتهم، وعينوا له زمانا ليحضر به بعشاير العربان، وقد أتى في ~~الميعاد إذ كانت الفرنساوية محيطة بالقاهرة، وحين نظروا العربان مقبلة ضربوهم بالمدافع ~~والرصاص، فولوا منهزمين؛ لأن الفلاحين والعربان لم يكونوا يستطيعوا على مقابلة النيران وحرب ~~أوليك الشجعان، ورجعوا بالذل والخسران، وحين سكنت تلك الفتن سار الجنرال ميراد إلى بلدة ~~قليوب، وقبض على ذلك الشيخ وحرق البلد، ثم أرسله إلى أمير الجيوش، فقتله وولى أخاه ~~مكانه. # ثم إننا قد ذكرنا عن الجنرال المهندس لأجل بناية القلع، وبعدما سكنت تلك المفاسد من أهل ~~مصر أمر أمير الجيوش في بناية أربع قلعات بالقاهرة على أربع جهات، فالواحدة في كوم العقارب ~~فوق الناصرية، وواحدة في كوم الليمون فوق اليزبكية، وواحدة في كوم الغريب فوق خط الأزهر، ~~وواحدة فوق جامع أبي برص خارجا من باب النصر، وفي أيام قليلة تمت الأربع قلع، ونقل إليها ~~جبخانة والمدافع والقنابر، وحصنها بالعساكر، وبنى في القلعة الكبيرة أبراجا، ونقل إليها ~~مدافع كثيرة، وأرسل إليها الزيت والمشاقة ليرى أهالي مصر أن إذا نهضوا مرة ثانية يتلف ~~المدينة بالحراقة، وهكذا خبر علماءهم أن يخبروا الرعية، ثم عين في بلد الجيزة من ~~الفرنساوية أصحاب الحرف والذين يسكبون المدافع والكلل، وأبنى في إمبابة أفرانا لأجل ~~البقسماط، وعمر طواحين في الهوافي الجيزة وفوق كوم الليمون، وكانوا يطحنون ما يكفيهم كل ~~يوم، وأمر بعمل البارود في مصر، مع أن قد كان معه الجبخانة تكفيهم عشر سنوات إذا كانوا ~~يحاربون كل يوم. # ثم إن بعد نهاية تلك الحركات التي قد حدثت وقتل الجنرال دبوي شيخ البلد أحضر أمير الجيوش ~~الجنرال دوسطين، وولاه شيخ البلد على مصر مكان الجنرال دبوي، وكان هذا عاقلا فاضلا، وفرحت ~~أهل البلد بموت الجنرال دبوي؛ لأنه كان صعب الأخلاق وبطل لا يطاق. # وكان حينما قامت الإسلام على الفرنساوية فهرب محمد أغة الإنكشارية، وكان ذلك الرجل ~~جبانا، وهذه الرتبة لا يوافقها ذلك؛ لأنه يلزم أن يكون أغة ms043 الإنكشارية بطلا شديدا في ~~الحرب والقراع صاحب مكر وخداع لأن؛ عليه ضبط البلد الليل والنهار، ولا يسأل عما يفعل، وبعد ~~هذه الفتنة أمر أمير الجيوش بعزله وأقام عوضه مصطفى أغا جربجي، وهو من مماليك عبد الرحمن ~~أغا الذي كان قديما أغة الإنكشارية في زمان علي بيك، وحين دخل مصطفى أغا على أمير الجيوش ~~لبسه فروا فاخرا وقلده سيفا، وولاه منصب الأغاوية على الإنكشارية وقال له: قد بلغني ~~عن سيدك أنه كان رئيسا في الأحكام خبيرا بالأيام متدبرا بالنظام ومتقنا وظيفته على ~~التمام، فأود أن تكون مثله وتقتفي أثره، فقبل يده وانصرف من قدامه مسرورا، وبالحقيقة ~~أن هذا المذكور أخلف سيده في أحواله وأفعاله، وكان صادقا في خدمته شديدا في همته، وقيل ~~إنه قتل مماليك كثيرة، كما كان يفعل سيده في حكمه، وكان ذلك الرجل يكره المماليك وزمرتهم؛ ~~كونهم قتلوا سيده، وكان حينما وجد مملوكا مستخفيا في المدينة يقتله سرا؛ لأنه كثيرا ~~كانت تدخل المماليك إلى مصر مستخفيين. # وبعد تلك الحوادث استكنت مصر، وكلت أهلها من الحروب مع الفرنساوية، وطاعتهم الطاعة ~~الرغمية؛ لما كابدوا من شدة بأسهم وقوة مراسهم، وقد كان الفرنساويون قد جربوا أكثر الناس ~~بحسن أحكامهم العادلة وعدم ميلهم للمشاكلة، وحسن سياستهم وعدم خيانتهم، وحبهم المفرط ~~للمسلمين ورفع المظالم عن الفلاحين، وضبط عساكرهم وتواضع أكابرهم، وصدق كلامهم وحسن زمامهم، ~~وانطلاق الحرية لساير الرعية، وإعطاء الأمان في كل مكان، والتفاتهم العجيب لنظم البلاد ~~وودهم الغريب لراحة العباد، وقد قطعوا آثار اللصوص والنهابين والعربان الخطافين، وأتقنوا ~~الأحكام بأحسن نظام، وتظاهروا بالكرم والسخا ورخص القوت والرخا. # وبدأ أمير الجيوش يجهز الركبة على الأقطار الشامية، وأرسل القومانية والمدافع والجبخانات ~~إلى مدينة بلبيس والصالحية، ونبه على العساكر بتحضير ما يحتاجون من آلات الأسفار، وقد ~~شاعت الأخبار بقدوم ذلك الجيش الجرار إلى أراضي عكا وتلك الديار، فأسرع أحمد باشا الجزار ~~بتدبير ما يحتاج إليه في الحصار خشية من هجوم الكفار واستيلايهم على تلك الأقطار، وحصن ~~مدينة عكا بالأبرجة والأسوار، ووضع عليها القنابر والمدافع الكبار، وحصن ms044 أيضا مدينة ~~حيفا وأرسل إلى يافا العساكر وحصنها بالمدافع والقنابر، وامتد إلى مدينة غزة بعساكره ~~وعشايره، ووصلت جيوشه إلى قلعة العريش وأقاموا بها، واتصل الإيراد إلى ساير البلاد، وتنبهت ~~الغز للجهاد، وفي شهر شعبان سنة 1213 خرجت العساكر الفرنساوية إلى مدينة بلبيس والصالحية، ~~وكتب إلى الجنرال كليبر أن يتوجه من دمياط في البر على طريق قطية ويكون قايد العساكر ~~الفرنساوية. # ثم إن أمير الجيوش بونابارته من بعد ما سير العساكر أحضر علماء الديوان ومصطفى كتخدا ~~الذي جعله أمير الحج والأغا والوالي والمحتسب وقال لهم: إن الغز المماليك الهاربين ~~من سيفي في الأقطار قد التجوا إلى أحمد باشا الجزار المتولي بتلك الديار، فجمع لهم ~~العساكر وحضروا إلى العريش وعازمين على الحضور إلى الديار المصرية لأجل خراب البلاد وقتل ~~العباد وهلاك الرعية؛ فلذلك أخذتني الغيرة، واستخرت الله وهو نعم الخيرة، وعزمت أنني أسير ~~إليهم بالعساكر، وأخرجهم من قلعة العريش بقوة سيفي الباتر، وأبذرهم بتلك البراري والقفار، ~~وأجعلهم عبرة للناظر وأقطع آثارهم من تلك الديار بعون الواحد القهار، وأريح منهم مصر وتلك ~~الديار، وها قد وليت نايبا عني وقايمقام في المدينة الجنرال دوكا، فكونوا له طايعين وإلى ~~كلامه سامعين، وشيخ البلد عليكم الجنرال ضوصطين، فعليكم أيها العلماء والحكام والأعيان ~~والتجار أن تنبهوا على أهل هذه الديار برفع الأذية والأضرار، وأن تكون الرعايا مطمئنين ~~وفي منازلهم آمنين، وإن كان يبدأ في غيابنا أدنى حركة من الحركات ضد العساكر والصلدات فقد ~~أمرت القايمقام وشيخ البلد وحاكم القلعة أن يهدموا البلد بالمدافع والقنابر، ويقتلوا أهلها ~~بحد السيف الباتر، فكونوا على حذر من القضاء والقدر. فأجابوه: إننا ضامنين وكافلين هدو ~~الجمهور وعدم حدوث أمر من الأمور، ثم أمر إلى مصطفى كتخدا وعلماء الديوان أن يأخذوا الأهبة ~~للمسير معه إلى العريش، فأجابوه بالسمع والطاعة. # وفي خامس يوم من شهر رمضان ركب أمير الجيوش بونابارته في العساكر، وصحبته مصطفى كتخدا ~~والعلماء قاصدا مدينة بلبيس بالأبطال الجبابرة والعساكر الوافرة، وحين وصل إلى الصالحية ~~هرب أمير الحاج محمد كتخدا الذي كان ms045 سابقا إلى مدينة غزة، ومن هناك سار إلى عكا، ~~وحين دخل على الجزار قال له: أنت الذي كنت أغة الإنكشارية؟ قال: نعم، ولكنني هربت منهم ~~وأتيت إليك، فقال له الجزار: ما أنت إلا جاسوس، ثم أمر بقتله. # وكان العلماء بعد وصولهم إلى الصالحية أعرضوا إلى أمير الجيوش أنهم لا يقدرون على الأسفار ~~في البراري والقفار، فأذن لهم بالرجوع، وسار أمير الجيوش بتلك الجموع، وكان قد أمر أمير ~~الجيوش إلى كبار الديوان؛ الشيخ عبد الله الشرقاوي، والشيخ محمد المهدي الباقيين في مدينة ~~مصر أن يرسلوا مكاتيب لساير الأقاليم، ويعرفوهم عن مسيره إلى الديار الشامية، فكتبوا كما ~~أمرهم، وطبعوها في المطبعة، ووزعوها على ساير الأقاليم، وهذه هي صورتها: # صورة الكتابة # في محفل ديوان مصر الخصوصي إلى جميع الأقاليم المصرية: نخبركم أن أمس تاريخه ~~خامس شهر رمضان المعظم توجه حضرة الدستور المكرم سرعسكر الكبير بونابارته أمير ~~الجيوش الفرنساوية مسافرا، يغيب مقدار ثلاثين يوما؛ لأجل محاربة إبراهيم بيك ~~الكبير وبقية المماليك المصرية حتى يحصل الراحة الكلية للأقاليم المصرية من هؤلاء ~~الأعداء الظالمين، الذين لا راحة فيهم ولا رحمة في دولتهم على أحد من ~~رعيتهم. # وقد وصل الآن مقدمة الجيوش الفرنساوية إلى العريش، وعن قريب يأتيكم خبر قطيعة ~~إبراهيم بيك ومن معه من المماليك نظير ما وقع في قطيعة أخيه مراد بيك ومن معه في ~~إقليم الصعيد، فيقطع دابرهم من بر الشام كما انقطع دابرهم من إقليم الصعيد بالتمام، ~~ويبطل القيل والقال وتذهب الكاذبة التي تسمعونها من أوباش الرجال. # ونخبركم أن حضرة السرعسكر المشار إليه يتجدد له كل يوم نية الخير والرحمة، ~~ويحدث في تصميم الشفقة والرأفة، هذه هي نيته لكم في كل آل الأقطار المصرية، ويحصل ~~لهم النجاح والصلاح، ويكمل في ساير أقطارها السرور والإصلاح، وتفرح أقاليمها على يد ~~سلطانها بونابارته بمشية الله الذي مكنه فيها ونصره على من ظلم فيها من المماليك ~~المفسدين، ولا يتم خلاصهم بالكلية وتتطهر من دولة المماليك الردية إلا ببذل همته ~~ورأيه السديد في تكميل نظامها بغنايهم لسيوفه الباترة، ms046 وتكمل زروعها الفاخرة وأنواع ~~تجارتها الباهرة، ويحدث فيها برأيه وحسن تدبيره التحف من أنواع الحرف والصنايع ~~النفيسة، ويجدد فيها ما اندثر من صنايع الحكماء الأولين، ويرتاح في دولته كل ~~الفقراء والمساكين. # فالتزموا يا أهل الأرياف والفلاحين بحسن المعاملة والأدب، واجتنبوا في غيبته ~~أنواع الكذب والقبايح حتى يراكم حين يقرب بعد هذا الشهر قد أحسنتم المعاملة ومشيتم ~~على الاستقامة، وينشرح صدره منكم ويرضى عليكم وينظر إليكم بعين الشفقة، وإن حصل ~~منكم في غيابه أدنى خلل ومخالفة حل بكم الوبال والدمار، ولا ينفعكم الندم ولا ~~يقر لكم قرار، واعلموا أن إذهاب دولة المماليك بقضاء الله وقدرته ونصرة سلطانكم ~~أمير الجيوش عليهم بتقدير الله وأمره، والعاقل يمتثل إلى أحكام الله ويرضى بمن ~~ولاه، والله يؤتي بملكه من يشاء. والسلام عليكم ورحمة الله. # الداعي لكم الفقير # عبد الله الشرقاوي ريس الديوان ~~الخصوصي # عفا الله عنه # الداعي لكم الفقير # السيد محمد المهدي الحنفاوي كاتم السر ~~وباش كاتب الديوان # عفا الله عنه # وقد كنا ذكرنا أن أمير الجيوش أرسل إلى الجنرال كليبر أنه يسير بالعسكر الذي عنده في ~~دمياط، ولما وصله ذلك الأمر سار من مدينة دمياط على طريق قطية، ومن هناك صار طالبا قلعة ~~العريش، فتاه في الطريق وسار ثلاثة أيام من غير زاد، وألجأهم الجوع حتى أكلوا لحم الخيل ~~والجمال، ثم اهتدوا على الطريق، وعند وصولهم للعريش كانت بعض عساكر الجزار واردين بقومانية ~~وذخيرة إلى القلعة، فعندما نظروا الفرنساوية مقبلين تركوا القومانية وهربوا، ووصلت ~~الفرنساوية وقد فرحت بتلك الذخيرة واكتفوا بها ثلاثة أيام، ثم حضر أمير الجيوش وباقي ~~العساكر ونصب الوطاق أمام القلعة. # وكان في قلعة العريش ثمانماية مقاتل، وكان بينهم أحمد كاشف الكبير تابع عثمان بيك الأشقر، ~~وإبراهيم بيك كاشف الحبشي، وفي ثاني الأيام أرسل إليهم أمير الجيوش أن يسلموا القلعة فلم ~~يرضوا بذلك، فأمر بضرب المدافع وبقي الحصار على القلعة ثمانية أيام، ثم فرغت مونتهم ~~وبارودهم، فأرسلوا يطلبون الأمان، فأعطاهم الأمان وأن يخرجوا من القلعة بغير سلاح ويحصل ~~الصلاح ويفوزوا بالنجاح، فلم ms047 يرضوا بذلك، وبعد يومين حضر قاسم بيك المسكوبي بجملة عسكر ~~وجبخانة، وبقي بعيد عن القلعة، وكان قصده أن في الليل يدخل بغتة، فبلغ أمير الجيوش وصوله، ~~وربطوا عليه الطريق، وكبسوه ليلا وذبحوا عساكره، ولم يسلم منهم غير القليل، وقتل قاسم بيك ~~وعدة من الكشاف والمماليك، وأخذوا كل ما كان معهم، وحينما بلغ ذلك الذين في القلعة حاروا ~~في أمرهم وأرسلوا يطلبون الأمان بحيث يخرجون بسلاحهم، فأمر لهم أمير الجيوش بذلك، وخرجوا ~~إلى قدامه فأطلق سبيلهم، وكل واحد منهم ذهب إلى بلاده، وأحمد كاشف وإبراهيم كاشف ~~وجماعتهما طلبوا من أمير الجيوش التوجه إلى مصر إلى منازلهم وأعيالهم فأذن لهم بذلك، ~~وأرسلهم مع بعض من الصلدات لأجل حمايتهم في الطريق، وساروا إلى القاهرة وأدخلوهم على ~~قايمقام الجنرال دوكا، وشاعت أخبارهم في مصر، وحضرت خلايق كثيرة لأجل الفرجة عليهم، ودخلوا ~~إلى دار الكنانة بكل ذل وإهانة راكبين الحمير بملابس رثة، ومن بعد مقابلة القايمقام وشيخ ~~البلاد توجهوا إلى بيوتهم، وبعد ثلاثة أيام مات أحمد كاشف من قهره وتوارى في قبره. # وأما أمير الجيوش بعد تسلمه قلعة العريش وضع بها جانب من العسكر، وقد أرسلوا إلى علماء ~~الديوان بأن يوزعوا الكتابات كما جرت لهم العادة. # صورة كتابة علماء الديوان للديار المصرية # لا إله إلا الله المالك الحق المبين، ومحمد رسول الله الصادق الواعد واليقين، ~~نعرف آل مصر وساير الأقاليم: أن توجهت الفرنساوية إلى الديار الشامية وحاصروا ~~قلعة العريش من عشرة في رمضان إلى سبع عشر، ووقعت مقاتلة عظيمة خارج القلعة، وكان ~~في القلعة نحو ألف وخمسماية نفر غير من قتل خارجها، فلما طال عليهم الحصار وتهدمت ~~أسوار القلعة من ضرب الفرنساوية بالمدافع عليها وتيقنوا بالهلاك، طلبوا الأمان من ~~حضرة السرعسكر الكبير فأعطاهم الأمان الكافي، وسافر منهم نحو ثمانماية من ناحية ~~الشول إلى بغداد، وأنعم عليهم حضرة السرعسكر بالحياة بعد أن تيقنوا بالهلاك، وهكذا ~~أصحاب المروات، هؤلاء أعتقهم وأطلق سبيلهم وبعض الكشاف والمماليك الذين كانوا ~~في القلعة نحو ستة وثلاثين جنديا طلبوا من حضرة السرعسكر ms048 أن ينعم عليهم برجوعهم ~~إلى مصر إلى أعيالهم وبيوتهم، فأحسن إليهم وأرسلهم إلينا وإلى وكيله، ودخلوا عليه ~~يوم الأحد في ستة وعشرين رمضان معزوزين مكرومين، وأرسل السرعسكر أن يوتي بإكرامهم ~~إن داموا على عهدهم الذي حلفوا به بالعريش، وإن خانوا وهانوا فيحصل لهم من يده ~~الانتقام، وأمر في الفرمان أن الجنرال دوكا يأمر التجار بالقوافل إلى بر الشام ~~لينتفعوا بالمكاسب أصحاب التجارة، وينتفعوا سكان بر الشام ببضايع مصر حسب العادة ~~السابقة؛ ليحصل الأمان بحلوله في تلك الأراضي. # وكتب إلى حضرة وزيره الجنرال إسكندر برتية فرمان يخبرنا ويخبر حضرة الوكيل ~~بالحالة التي وقعت إلى عساكر إبراهيم بيك وبعض من عسكر الجزار المساعدين له، وأن ~~الفرنساوية وجدوا في قلعة العريش مخازن رز وبقسماط وشعير، وثلاثماية رأس من الخيل ~~الجياد، وحمير كثيرة وجمال غزيرة، اكتسبته جميعه الفرنساوية، ومع ذلك عندهم الصفح ~~عن إخلاصهم عند قدرتهم عليهم، وهذا من صفات أصحاب المروة من الرجال الأبطال، فيا ~~إخواننا لا تعارضوا الملك المتعال، واتركوا أنفسكم من القيل والقال، واشتغلوا في ~~إصلاح دينكم والسعي في معاش دنياكم، وارجعوا إلى الله الذي خلقكم وسواكم. والسلام ~~عليكم ختام. # الفقير عبد الله الشرقاوي ريس الديوان حالا # عفا الله ~~عنه # الفقير محمد المهدي كاتم سر الديوان حالا # عفا الله ~~عنه # الفقير السيد خليل البكري نقيب السادات الأشراف # عفا الله ~~عنه # وأما أمير الجيوش في تسعة عشر رمضان نهض بالعساكر من قلعة العريش إلى خان يونس، وفي الغد ~~صارت مقدمات العساكر على مدينة غزة بنفوس معتزة، وأولهم الجنرال كليبر سرعسكر الجيش، ~~والجنرال ميراد، وكانت عساكر الجزار وعساكر الغز في مدينة غزة، فعندما شاهدوا عساكر ~~الفرنساوية مقبلين ولوا منهزمين، فدهمهم الجنرال ميراد بالرجال الشداد على الخيول الجياد، ~~وأطلق عليهم الرصاص، فما مكثوا أمامه برهة يسيرة حتى ولوا منهزمين وإلى النجاة ~~طالبين. # ولما كان الجنرال ميراد يحاربهم دخل الجنرال كليبر إلى البلد من غير قتال، وبات تلك ~~الليلة في غزة، وفي الغد سير العساكر على مدينة يافا، وكانوا وجدوا في غزة حواصل ذخيرة ~~من ms049 بقسماط وشعير، وأربعماية قنطار بارود، واثني عشر مدفعا، وحاصلا كبيرا من الخيام وكلل ~~وقنابر عظام، فحازوا على الجميع، ولم يزالوا سايرين حتى وصلوا إلى يافا، وبنوا المتاريس ~~أمام البلد ووضعوا المدافع عليها. # ومن بعد أربعة أيام من وصولهم وصل أمير الجيوش، واستخبر كم في البلد من العساكر؟ فقالوا ~~له: نحو ثمانية آلاف، فكتب لهم وزيره إسكندر ينصحهم أن يسلموا البلد لسلامة أنفسهم، فلم ~~يرضوا بالتسليم بل قبضوا على الرسول فتركوه مقتول، فبلغ أمير الجيوش ذلك فاغتاظ غيظا ~~شديدا، وأمر بضرب المدافع والقنابر على المدينة، وابتدأ الحرب من أول النهار إلى الساعة ~~التاسعة من ناحية حارة النصارى، ثم أمر أمير الجيوش بأن يهجموا على البلد هجمة واحدة، ~~ويشنوا الغارة الجامدة، ويظهر ما عندهم من المكافحة والمجالدة، فغارت أوليك الشجعان، وكان ~~ليلة عيد رمضان، فيا لها من ساعة كانت من ساعات القيامة! وتبا لها من ليلة لم يكن بها ~~سلامة! وهجمت الفرنساوية هجم الأسود، وإذ شاهدتهم عساكر الإسلام أيقنوا بالموت والعدم ~~والخلود، وبقوا نادمين وفي أمرهم حايرين، وإذ لم يجدوا لهم سبيلا للانهزام ولا منقذا ~~ينقذهم إلى بر السلام، فسلموا إلى قضاء الله والأحكام، وطرحوا سلاحهم وسلموا أرواحهم، فبدت ~~الفرنساوية يزجرونهم زجر الغنم. # ولم يزل هول الحرب في إمداد والكرب في اشتداد، وتتناتر الرءوس وتهلك النفوس، وتنهتك ~~الأحرار وتنكشف الأسرار والأستار، وتقتل الرجال والنساء والأطفال، وفاق صوت البكاء والعويل ~~على صوت البارود الجزيل، وكنت تنظر واحد يقتل واحد جذيل، وآخر دمه يسيل، والآخر بالأسر ~~ذليل، ولا من يقيل ولا من يزيل، ولم يزل الجيش الفرنساوي في قتل وفتك وسبي وهتك، ورن سلاح ~~وهز صفاح، وأخذ أرواح من أول الليل إلى آخر الصباح، وكان يوما أليما وحربا عظيما، ~~وسلبوا كل ما في المدينة من المال والأمتعة الغوال، ولم يزل يعمل الصارم البتار إلى آخر ~~النهار، وكان ذلك نهار العيد والخلق في حزن شديد، وحل الإنكيس في نهار ذلك الخميس. # وفي ذلك الحين مات من العساكر ما ينيف عن الخمسة آلاف ومن أهالي البلد ms050 ألفين، وقد هجمت ~~الفرنساوية على المراكب التي في المينا، وأخذوا منها بضاعة ثمينة ، وأصبحت مدينة يافا لم يجد ~~بها أحدا معافى، ولا بها مستتر وهي عبرة لمن اعتبر، وفي ثاني الأيام أحضر أمير الجيوش ~~الأسارى، وأطلق سبيل من كان من الأقطار الشامية، وميز المصريين وأكرمهم غاية الإكرام، وكان ~~منهم السيد عمر مكرم نقيب الأشراف، الذي كان هاربا وأعطاه الأمان، وأمره أن يرجع إلى ~~الأوطان، وأما الهوارا والأرناوط أمر بقتلهم جميعا؛ لأن كان البعض منهم في قلعة العريش، ~~وحين أطلقهم أمرهم أن يذهبوا إلى بلادهم سالمين فأتوا إلى مدينة يافا، وحاصروا بها فقتلهم ~~جميعا من دون بعض أنفار من الأغاوات الكبار، وأرسلهم أسرى مع هجانة إلى قايمقام يعرفه ~~بالأخبار عن هذا الانتصار، وأن يوزع من الديوان الكتابات كما جرت لهم عادات، ويخبر إلى ~~المصريين في انتصار الفرنساويين على مدينة يافا. # صور الكتابات من علماء الديوان بمصر يعلموا الأقاليم بأخذ يافا # بسم الله الرحمن الرحيم، سبحان مالك الملك يفعل في ملكه ما يريد، سبحان الحاكم ~~العادل الفاعل المختار ذو البطش الشديد، هذه صورة تمليك الله - سبحانه وتعالى - ~~جمهور الفرنساوية لبندر يافا من الأقطار الشامية. # نعرف أهالي مصر وأقاليمها من ساير البرية أن العساكر الفرنساوية انتقلوا من غزة ~~ثالث وعشرين شهر رمضان، ووصلوا إلى الرملة في خامس وعشرين منه في أمان واطمئنان، ~~فشاهدوا عسكر باشا الجزار هاربين بسرعة قايلين: الفرار الفرار، ثم إن الفرنساوية ~~وجدوا في الرملة ومدينة اللد مقدار كبير من مخازن البقسماط والشعير، ورأوا فيها ~~ألف وخمسماية قربة مجهزة قد جهزها الجزار ليسير بها إلى إقليم مصر مسكن الفقراء ~~والمساكين، ومراده يتوجه إليها بأشرار العربان من سفح الجبل، ولكن تقادير الله ~~تفسد الحيل، قاصدا سفك دماء الناس مثل عوايده السابقة، وتجبره وظلمه مشهور لأنه ~~من تربية المماليك الظلمة المصرية، ولم يعلم من خسافة عقله وسوء تدبيره أن الأمر ~~لله وكل شيء بقضايه وتدبيره. # وفي سادس وعشرين من شهر رمضان وصلت مقدمات الفرنساوية إلى بندر يافا من الأراضي ~~الشامية، وأحاطوا بها وحاصروها ms051 من الجهة الشرقية والغربية، وأرسلوا إلى حاكمها وكيل ~~الجزار أن يسلمهم القلعة قبل أن يحل بهم وبعسكرهم الدمار، فمن خساسة رأيه وسوء ~~تدبيره سعى في هلاكه وتدميره، ولم يرد لهم جواب وخالف قانون الحرب والصواب، وقتل ~~الرسول النحاب، وفي آخر ذلك اليوم السادس والعشرين تكاملت العساكر الفرنساوية على ~~محاصرة يافا، وصاروا كلهم مجتمعين وانقسموا ثلاثة طوابير، الطابور الأول توجه على ~~طريق عكا بعيد عن يافا أربع ساعات. # وفي السابع والعشرين من الشهر المذكور أمر حضرة السرعسكر الكبير بحفر خنادق حول ~~السور؛ لأجل أن يعملوا متاريس أمينة وحصارات متقنة حصينة؛ لأنه وجد سور يافا ~~ملانا بالمدافع الكبيرة ومشحونة بعساكر الجزار الغزيرة، وفي تاسع وعشرين من الشهر ~~المذكور لما قرب حفر الخندق إلى السور مقدار ~~ماية وخمسين خطوة أمر حضرة السرعسكر المشار إليه أن تنصب المدافع على المتاريس، وأن ~~يضعوا الهاون الكبير بإحكام وتأسيس، وأمر بنصب مدفع صيانة لعساكره الصاعدين ~~والمشتغلين بخرق السور، وأمر بنصب مدفع آخر بجانب البحر لمنع الخارجين إليهم من ~~مراكب المينا؛ لأنه وجد في المينا بعض مراكب أعدوهم عساكر الجزار إلى الهروب، ولا ~~ينفع الهرب من المقدر المكتوب، ولما رأت عساكر الجزار الكاينين بالقلعة أن عساكر ~~الفرنساوية قلايل فيرى ألفين للناظرين؛ لسبب اختفاء الفرنساوية في الخنادق وخلف ~~المتاريس، فغرهم الطمع وفتحوا مجالهم من القلعة مسرعين مهرولين، وظنوا أنهم ~~يغلبوا الفرنساوية، فهجمت عليهم الفرنساوية وقتلوا منهم جملة كثيرة في الوقعة، ~~وألزموهم وألجوهم للدخول ثانيا إلى القلعة. # وفي يوم الخميس غاية شهر رمضان حصلت عند السرعسكر شفقة قلبية على الرعية، وخاف ~~على أهل يافا من عسكره إذا دخلوها بالقهر والإكراه، فأرسل إليهم مكتوبا مع رسول، مضمونه: # لا إله إلا الله، وحده لا شريك له # بسم الله الرحمن الرحيم # من حضرة سرعسكر إسكندر كتخدا العسكر الفرنساوي إلى حضرة حاكم يافا: ~~نخبرك أن حضرة سرعسكر الكبير بونابارته أمرنا نعرفك في هذا الكتاب: أن ~~سبب حضوره إلى الطرف إخراج عسكر الجزار فقط من هذه البلد؛ لأنه تعدى ~~بإرسال عسكره للعريش ومرابطته فيها، والحال ms052 أنها من إقليم مصر التي أنعم ~~الله بها علينا، فلا يناسبه بالإقامة بالعريش ؛ لأنها ليست من أراضيه، فقد ~~تعدى على ملك غيره، ونعرفكم يا أهل يافا أن بندركم حاصرناه من جميع ~~أطرافه وجهاته، وربطناه بأنواع الحرب وآلات والمدافع الكثيرة والكلل ~~والقنابر الغزيرة، وفي مقدار ساعتين ليقلب سوركم وتبطل آلاتكم وحروبكم، ثم ~~نخبركم أن حضرة السرعسكر المشار إليه بونابارته لمزيد رحمته وغزير شفقته ~~خصوصا بالضعفاء من الرعية خاف عليكم من سطوة عسكره المحاربين، وإذا دخلوا ~~إليكم بالقهر فأهلكوكم أجمعين، فأمرنا أن نرسل إليكم هذا الخطاب أمانا ~~كافيا لأهل البلد والأغراب؛ ولأجل ذلك أخر ضرب المدافع والقنابر ساعة ~~واحدة، وإنني لكم من الناصحين القلبية. # والحال أنهم جعلوا الجواب قتل الرسول مخالفين للقوانين الحربية والشرعية المطهرة ~~المحمدية، وحالا في الوقت والساعة هاج السرعسكر واشتد غضبه على الجماعة، وأمر ~~بابتداء ضرب المدافع والقنابر الموجبة التدمير، وبعد مضي زمان يسير تعطلت مدافع ~~يافا المقابلة لمدافع المتاريس، وانقلب عسكر الجزار في وبال وتنكيس، وفي الظهر من ~~هذا اليوم انخرق سور يافا، وارتج له القوم ونقب من الجهة التي ضرب فيها المدافع ~~من شدة النار، ولا مرد لقضاء الله ولا مدافع، وفي الحال أمر حضرة السرعسكر بالهجوم ~~عليهم، وفي أقل من ساعة ملكت الفرنساوية البندر والأبراج، ودار السيف في المحاربين، ~~واشتد بحر الحرب وهاج، وحصل النهب فيها تلك الليلة. # وفي ثاني يوم الجمعة غرة شوال وقع الصفح الجميل من حضرة السرعسكر الجليل، ورق ~~قلبه على أهل مصر من غني وفقير ومتجبر وحقير، الذين كانوا في يافا وأعطاهم ~~الأمان، وأمرهم بالرجوع إلى الأوطان مكرومين، وكذلك أمر أهل دمشق برجوعهم إلى ~~أوطانهم سالمين؛ لأجل ما يعرفوا مقدار شفقته ومزيد رأفته ورحمته ويعفو عند المقدرة ~~ويصفح وقت المعذرة؛ لكثرة تمكنه ومزيد إتقانه وتحصنه. # وقتل أكثر من أربعة آلاف من عسكر الجزار في السيف والبندق لما وقع منهم من ~~الانحراف، وأما الفرنساوية لم يقتل منهم إلا القليل والمجاريح منهم ليس بكثير، وسبب ~~ذلك سلوكهم للقلعة من طريق أمينة خافية عن العيون، ms053 وأخذوا ذخاير كثيرة وأموال ~~غزيرة، ومسكوا المراكب التي في المينا، واكتسبوا أمتعة غالية ثمينة، ووجدوا في ~~القلعة أكثر من ثمانين مدفع، ولم يعلموا مع مقادير الله آلة الحرب لا تنفع؛ ~~فاستقيموا يا عباد الله وارضوا بقضاء الله، ولا تتعارضوا على أحكام الله، وعليكم ~~بتقوى الله، واعلموا أن الملك لله يؤتيه لمن يشاء. والسلام عليكم ورحمة ~~الله. # الفقير السيد: خليل البكري نقيب الأشراف بمصر حالا # عفا الله عنه # الفقير عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان بمصر حالا # عفا الله عنه # الفقير محمد المهدي كاتم سر الديوان بمصر حالا # عفا الله عنه # طبع في مطبعة الفرنساوية العربية بمصر المحروسة # ثم إن أمير الجيوش سار بالعسكر قاصدا مدينة عكا على طريق الجبال، ولما وصلوا إلى أراضي ~~قاقون فكانت عساكر الجزار والنوابلسية مكمنين في الوادي الذي هناك، وحينما بلغهم قدوم ~~الفرنساوية أخرجوا منهم من فم الوادي خمسماية مقاتل وبدوا يرمحون تجاه العسكر، وكان قصدهم ~~أن يجروهم إلى ذلك الوادي، فلما علم أمير الجيوش مرادهم قسم عساكره ثلاثة أقسام؛ فالقسم ~~الأول سيره إلى فم الوادي، والقسمان أطلعهما إلى الجبل، وحين اقتربوا إلى الوادي ضربوا ~~المدافع وأطلقوا الرصاص، فانحدرت إليهم الفرنساوية من أعلى الجبال، وانتشبت بينهم القتال ~~وكثر القيل والقال. # وقد قتل من عسكر الإسلام أربعماية قتيل على التمام وولوا الباقون منهزمين وإلى النجاة ~~طالبين، ومن هناك صارت الفرنساوية مطمئنين في تلك الديار، وباتوا تلك الليلة على العيون ~~الصغار، وفي الغد ساروا إلى أن وصلوا إلى وادي الملك، وقد كان بلغ الجزار قدوم وقرب ~~الفرنساوية إلى تلك الديار، فأرسل إلى حيفا أحضر الجبخانة والعسكر، وعندما وصلت الفرنساوية ~~إلى تجاه مدينة حيفا خرجت أهالي البلد إلى مقابلتهم، وسلموا أمير الجيوش مفاتيح البلد ~~والقلعة، فأكرمهم وأعطاهم الأمان، ودخلت الفرنساوية مدينة حيفا فوجدوا بها قاربا صغيرا ~~فيه جماعة من مراكب الإنكليز فأخذوهم أسارى. # وبعد ذلك أمير الجيوش انتقل بالعساكر إلى تجاه مدينة عكا، ونصبوا المضارب والخيام في ~~محل يقال له أبو عتبة، وبنوا المتاريس الحصينة ووضعوا فوقها المدافع المتينة، وشاعت ms054 ~~الأخبار في تلك الأقطار بقدوم البطل المغوار في ذلك العسكر الجرار، الذي هو كالبحر الزخار، ~~فخافت تلك الديار وعزموا جميعهم بالتصميم على الطاعة والتسليم لذلك البطل العظيم؛ لما بلغهم ~~من عظم سطوته وعلو همته وشدة صولته، وبقوا ينتظرون بما يحل بأحمد باشا الجزار بعد ذلك ~~الضيق والحصار من الهلاك والبوار، وقالت المسلمين أجمعين: إننا لله وإننا إليه راجعين من شر ~~هؤلاء الملاعين، وكان أمير الجيوش كتب إلى ساير مشايخ البلد ليحضروا إلى مقابلته ويحصلوا ~~على أمانه ورحمته، وبدت تأتي إليه أهل تلك البلاد ويأخذون منه الأمان، وسار الجنرال كليبر ~~والجنرال منو إلى مدينة الناصرة، وأرسل كومندا حاكما على شفا عمر. # ومن بعد إتمام بناية المتاريس ابتدا في الحرب على حكا خامس يوم من شهر شوال سنة 1213 ~~وقام الحرب أربعة وعشرين ساعة، وكان حربا شديدا مهولا لم يكن مثله قط؛ لأن كانت ~~الفرنساوية تضرب المدافع والقنابر، وفي المدينة كذلك المدافع والقنابر من الأبراج والقلاع ~~والحصون والأسوار، وكانت المراكب العثمانية والمراكب الإنكليزية تضرب كذلك المدافع ~~والقنابر، حتى خيل للناظرين والسامعين أن مدينة عكا لم يبق منها حجر على حجر واقفين، ~~وارتج الجزار من ذلك رجة عظيمة، وكاد أن يخلو المدينة، وأحضر مراكبه للسفر والركوب، ~~وهيأ نفسه للذهاب والهروب، فمنعه الجنرال سرعسكر الإنكليز الذي كان مقيما في عساكره على ~~البواغيظ وطمنه قايلا: إنني قد قطعت عزم أعدايك الفرنساوية؛ إذ قد أسرت منهم ثلاثة مراكب ~~جبخانية ومدافع قوية، فشجع فؤادك على محاربتهم؛ لأنني قد أضعفت قوتهم. # وكان الأمر كما ذكر؛ لأن أمير الجيوش إذ كان لم يقدر على نقل الجبخانة والمدافع الكبار في ~~البر فأمر أن يوسقوهم في ثلاثة مراكب ويرسلوها من دمياط، وحينما خرجت المراكب المذكورة ~~اصطادتها مراكب الإنكليز، وكان سرعسكر الإنكليز المسمى سند سميت لم يزل يطوف في مراكبه على ~~البواغيظ ليمنع الإمداد على الفرنساوية، وحين وقع الحصار على مدينة عكا حضر بمراكبه، وأخرج ~~منهم طبجية إلى القلع والأسوار، ثم من بعد ذلك الحرب الشديد قلت جبخانة الفرنساوية، وبلغ ~~أمير الجيوش ms055 أن الإنكليز استأسروا الثلاث مراكب التي أتت من دمياط في الجبخانة، فاشتعل فيه ~~الغضب وأرسل أحضر ما كان في يافا من الجبخانة، ثم حضر إلى الجزار مركبين من إسلامبول بهم ~~الجبخانة، ولما أقبلوا إلى أسكلة يافا وشاهدوهم الفرنساوية الذين كانوا باقيين هناك رفعوا ~~لهم البيراق العثماني، ودخلوا إلى الميناء بكل أمان ناشرين الأعلام لظنهم أن المدينة بيد ~~الإسلام، وبعد ما ألقوا المراسي نزلت القباطين إلى البلد، فقبضوا عليهم الفرنساوية وضبطوا ~~المراكب بكل ما فيها من المدافع والقنابر والجبخانة، وكان ستة وثلاثين ألف دينار مرسلة ~~إسعافا للجزار، فصار ذلك إسعافا للفرنساوية. # وكنا قد ذكرنا أن أمير الجيوش بعد حضوره إلى تجاه عكا أرسل كتب إلى مشايخ البلد الذين ~~بالقرب منه فحضر إليه الشيخ عباس بن ضاهر العمر وأعرض لديه أحواله، فترحب به وأعطاه ~~السلاح والكسوة وعشرة أكياس، وكتب له أن يكون متوليا بلاد أبيه، وحضر أيضا مشايخ بني ~~متوال فأعطاهم حكم بلادهم، وصاروا من عند أمير الجيوش إلى مدينة صور، وقدموا له الذخاير ~~من البلاد، وتسلموا القلعة التي كانت لآبائهم، ثم حضر أيضا رجل من جبل شيخا اسمه مصطفى ~~بشير فأكرمه أمير الجيوش، وأمره أن يجمع عسكر من أهل تلك البلاد ويتوجه إلى مدينة صفد، ~~فتوجه المذكور بخمسين نفر، ولما بلغ أهل البلد قدومه طردوا عسكر الجزار وسلموه البلد، وكان ~~ذلك الرجل أصله من صفد. # وقد ذكرنا عن توجه الجنرال كليبر والجنرال منو إلى الناصرة، وكان قد اجتمع من الشام عساكر ~~الإسلام من مغاربة وهوارا وعربان والغز الذين حضروا مع إبراهيم بيك، إلى أن بلغ جمعهم ~~ثلاثين ألف مقاتل ما بين راكب وراجل، وخرجت هذه العساكر العديدة بقوة شديدة، ووصلت إلى مرج ~~ابن عامر، فبلغ كليبر قدوم ذلك العسكر فسار إليهم بألف وخمسماية مقاتل، وحينما وصلوا ~~وشاهدتهم تلك الجموع انهزموا من قدامهم مكيدة منهم، ولم يزل الفرنساوية في أثرهم إلى أن ~~وصلوا إلى أطراف المرج، ومن هناك أحاطوا في الفرنساوية من كل جانب، ولما نظرهم الجنرال ~~كليبر قد أحاطوا بالعسكر، فقسم ms056 رجاله أربعة أقسام مع كل قسمة منهم مدفع، واتصل الحرب بينهم، ~~فعندما شاهدت أهالي الناصرة كثرة جيوش الشام وأن الفرنساويين قليلين جدا، فبادروا حالا ~~وأخبروا أمير الجيوش فأحضر حالا الجنرال تركو وأمره بتحضير ثلاثة آلاف صلدات. # ومن بعد ساعة واحدة جهز العسكر المذكور، وأخذوا معهم أربعة مدافع وأمر الجنرال ~~بونابارته أن يسيروا على وادي عبلين، ومن بعد مسيرهم بثلاث ساعات ركب أمير الجيوش وسار ~~وراهم طالبا أثرهم، وفي نصف الليل وصل بالعساكر إلى بير البدوية، وأرسل إلى امرأة قريبة ~~منهم اسمها سافورا وطلب ما احتاجه من الذخيرة تلك الليلة، وعند الصباح سار بالعسكر إلى أن ~~نفذ إلى مرج ابن عامر، وصعد إلى تل عال فكشف أرض المرج ونظر إلى الجنرال كليبر في وسط ~~البيدا وعساكر الإسلام محتاطة به، والهجمة من كل ناحية، وليس لهم عليه استطاعة، ثم نظر إلى ~~جبل بعيد وعليه المضارب والخيام، وكان هذا أوردي الغز، فنزل أمير الجيوش وأفرز خمسماية ~~مقاتل، وأمرهم أن يسيروا على الجبل ويكبسوا على الأوردي، وقسم العسكر الذي بقي معه ثلاثة ~~أقسام؛ قسمان منهم ألف والقسم الثالث خمسماية، فأخذ منهم قسما واحدا ومدفعا واحدا وتوجه ~~بذاته، والقسم الثاني تبعه من بعيد، والقسم الثالث الخمسماية ومعهم مدفعين أمرهم أن يسيروا ~~إلى الحرب من الطرف الثاني إلى أن تصير العساكر المحاربين في وسطهم محتاطين بهم، وحينما وصل ~~أمير الجيوش إلى عندهم ضرب مدفعا واحدا، ثم ضرب القسم الثاني ثم الثالث، وحينما سمعوا ~~العساكر المحاربين المدافع، ونظروا قدوم النجدة، وعلموا أنهم صاروا في وسطهم، فولوا ~~منهزمين وللنجاة طالبين، وصاروا يتراكضون في الجبال، وكانت الفرنساوية يضحكون عليهم. # وعندما انقطع أثرهم أتى أمير الجيوش إلى عند الجنرال كليبر وتصافحا مع بعضهما بعض وتعانقا ~~وفرحا بانهزام الأعداء، وحينما كانا واقفين وإذا بالخمسماية صلدات الذين صاروا إلى الجبل ~~راجعة بالغنايم الوافرة؛ لأنهم كبسوا على أوردي الغز، وكان فيه مقدار ماية مملوك فقط، ~~وأما باقي الغز فكانت تحارب في أرض المرج بعيدا عن أورديهم مقدار ساعتين، فعندما نظرت ~~المماليك أن الفرنساوية ms057 مقبلين عليهم تركوا الأوردي وولوا منهزمين، فكبسوا عليه الخمسماية ~~صلدات واغتنموه، وكان فيه خيرات كثيرة، وأخذوا الخيل والجمال والخيام والأمتعة والأسلحة ~~والملبوس، وبات أمير الجيوش تلك الليلة في أرض المرج، وحينما أصبح الصباح أرسل خمسماية ~~صلدات إلى قرية جنينين، وأمرهم أن ينهبوها ويحرقوها ففعلوا كما أمرهم، ثم إن أمير الجيوش ~~أحرق تلك القرايا التي في جبل نابلوس؛ لأنهم ما طلبوا منه الأمان، ثم رجع إلى الناصرة، ~~وبعده حضر بالعسكر إلى تجاه عكا. # وقد كنا ذكرنا أن أمير الجيوش كان قد أرسل مصطفى بشير الصفدي إلى صفد وملك قلعتها، وصاروا ~~الذين كانوا من قبل الجزار إلى الشام، وجمع ابن عقيل عسكر وحضر إلى صفد فنهبوها وحاصروا ~~القلعة، ولعلمهم بقلة الرجال بها هجموا بقوة شديدة، وكانوا الذين في القلعة يضربوا عليهم ~~بالرصاص، فهلك منهم عدة رجال، ثم إن رجل من القلعة سقط من شباك وهجم ورا عسكر الشام، وضرب ~~البيرقدار برصاص فقتله، وأخذ البيرق ورجع إلى القلعة، وحين بلغ أمير الجيوش قدوم عسكر الشام ~~إلى صفد أمر الجنرال ميراد أن يسير بخمسماية راكب، ولما بلغ عسكر الشام قدومه رحلوا إلى جسر ~~بنات يعقوب، وحين دخل الجنرال ميراد صفد بلغه هروب عسكر الشام فتبعهم، ولما وصل إلى الجسر ~~فما وجد أحدا وأعلموه أنهم ساروا إلى الشام. # وأما مصطفى بشير حضر إلى عند أمير الجيوش فترحب به وأكرمه، وقد أخبروه عن فعل ذلك الرجل ~~فأعطاه ماية وخمسين غرش، وأمر مصطفى بشير أن يعين عسكر من الفلاحين ولكل إنسان ثلاثين فضة ~~كل يوم، فتوجه المذكور وعين جماعة، وسار بهم إلى جسر بنات يعقوب لعند الجنرال ميراد، ~~فتركهم الجنرال على الجسر محافظين ورجع إلى عكا. # وأما الجنرال منو كان لم يزل مع الجنرال كليبر في الناصرة، فبلغه أن في مدينة طبرية عسكر ~~الجزار، فأخذ ثلاثماية راكب من الفرنساوية والشيخ صالح والشيخ عباس أولاد ضاهر العمر، ولما ~~قربوا من طبرية خرج عسكر الجزار إلى ملاقاتهم، وكانوا نحو ألفين مقاتل، وحين تقابل العسكران ~~وانتشبت بينهما الحرب انكسر عسكر ms058 الجزار وولوا منهزمين وللنجاة طالبين، ولحق هذا الشجاع ~~رجل من العسكر وضربه بحسامه وأرماه شطرين، وقتل منهم أوفر من مايتين، ورجع الجنرال ميراد ~~إلى طبرية، فوجد بها حواصل حنطة وشعير ودرا ما ينوف عن ألفين غرارة، فأرسل أعلم بها أمير ~~الجيوش، فرجع الجواب أن يطحنهم ويرسلهم إلى العسكر. # وفي شهر شوال الموافق لشهر آدار تباين الطاعون في العساكر الفرنساوية، وكانت عليهم أعظم ~~بلية ومات منهم خلق وافر، وكانت الحروب قايمة إلى مدينة عكا الليل والنهار، وهم يهجمون على ~~الأسوار والكلل والقنابر عليهم مثل سيل الأمطار، وقد أهلكوا من العساكر الإسلامية ~~والإنكليزية خلقا لا يحصى لما كانوا يخرجون إلى محاربتهم، وقد هدموا أبراج وأسوار عكا من ~~ضرب المدافع والقنابر وهيجان العسكر، ولما نظر الجزار هدم البروج والأسوار فبدا يقيم ~~حيطانها من الأزقة والشوارع، وخرق البيوت والمنازل إلى بعضها بعض وجعل لها منافذ خوفا من ~~هجوم الفرنساوية؛ لما شاهد من جسارتهم القوية، وكانت الفرنساوية لم تكل عن الهجمات على ~~الأسوار والوصول إلى الجدار، ولم يبالوا بذلك العمار، ولا يخشوا قصر الأعمار وهلاكهم في هذه ~~الديار، بل هامين إلى العز والانتصار وقهر أحمد باشا الجزار وتملكهم على هذه ~~الأقطار، وإذ كان أعداؤهم الإنكليز الذين قد أهلكوا عمارتهم على البواغيظ، وأسعف عليهم ذلك ~~العزيز، وألقاهم في تيار التغلب والتعجيز؛ فلذلك أظهرت الفرنساوية أنواع العجايب في هذه ~~المعامع والمواقع التي تذكر جيلا بعد جيل إذ لم يكن لها مثيل. # وقد مات في هذه المواقع الجنرال كفريل المهندس الكبير والعالم الخبير والشهم الشهير، لأن ~~هذا البطل المهول قد تقرر عنه القول: إنه كان برجل واحدة والأخرى كان ملبسها خشب، وكانت ~~أهل مصر تدعيه الجنرال أبو خشبة، فهذا المذكور أصابته كلة في كتفه، وأخذت الجرايحية ~~يداوونه فسألهم: هل الجرح يطول ليبرا؟ فأجابوه: أنه يحتاج إلى مدة طويلة، وأما إذا قطعت ~~اليد من الكتف فبرؤه قريب، فأجابهم: اقطعوا يدي ودعوني أنهض إلى تكميل خدمة المشيخة، ثم ~~قطعوا يده من كتفه، وإذ كان هذا الجنرال لا يمكنه الكنون والسكون ms059 حتى يختم جرحه طفق يدور ~~على المتاريس ليدبر الطبجية ويدلهم على الأماكن التي تضرب عليها المدافع والقنابر، فمن ~~الشمس والهوا ورم عليه جرحه ومات، وعدمت المشيخة مهندسا عظيما ومدبرا عليما، وفي هذه ~~المواقع مات الجنرال بون، فهذا البطل تعلق على السور وحدف البرنيطة إلى داخل البلد، وكان من ~~الشجعان الشداد، وقد ارتعشت عساكر عكا ذلك النهار من فعل ذلك البطل المغوار، وبقوا يضعون ~~اللحف بالزيت والقطران ويحدفوها على الأسوار بعدما يشعلوه بالنار، ويضربوهم بالقنابر ~~والمدافع الكبار، وهم لا ينكفوا عن طلوع الأسوار والرصاص عليهم مثل سيل الأمطار، ويرموهم ~~أيضا من الأسطحة بالحجار الكبار، وهذا الجنرال أصابته حجر في رأسه وهو متعلق على السور، ~~فسقط وحملوه العسكر، ومات وشرب شراب الآفات. # ثم بعد هجمات كثيرة وحروب خطيرة، وتعب شديد وهول مكيد عزم أمير الجيوش على القيام عن ~~مدينة عكا العسيرة لعلة خطيرة وأسباب كثيرة؛ وهو أنه أولا: أن ورد مركب صغير من بلاد ~~خرسان إلى الإسكندرية، وفيه رجل من مدينة باريس، ومعه مكاتيب إلى بونابرته من بعض رؤساء ~~المشيخة المحبين له يخبروه: أن رؤساء المشيخة أرفاقه الكبار مخامرين عليه، وقد منعوا عنه ~~الإمداد ليهلك في هذه البلاد، وأيضا أن الإنكليز قد أخذت منهم كل ما اكتسبوه من ~~الأقاليم، وهيجوا ملوك الإفرنج عليهم، وإن لم يحضر إليهم سريع وإلا يذهب تعبهم ويضيع، ~~فهذه المكاتيب التي حضرت من بعض رؤساء المشيخة، وأيضا أتتهم الأخبار أن العمارة العثمانية ~~العظيمة قد تجهزت، وقريبا تصل إلى الديار المصرية، وسرعسكرها مصطفى باشا كوسا، وأيضا ~~أتتهم الأخبار أن العمارة المسكوبية حاصرت جزيرة كورفو من أعمال البندقية، وقد خرجت منها ~~الفرنساوية. # ولما علم أمير الجيوش بتلك الأخبار وأن العالم كله نهض ضده، وأنه صار مضطرا أن يحارب ~~جميع المسكونة بهذا الجيش القليل، وقلب ذلك البطل الشديد أقوى من الحديد، فما أراعته ~~الأهوال ولا اعتراه الانذهال، ولا تغيرت منه الأحوال، ولا التوى عنانه ولا تزعزع جنانه، بل ~~أخفى الكمد وأظهر الجلد، ثم أرسل أحضر الجنرال كليبر من الناصرة وأمره أن ms060 يهجم الهجمة ~~الآخرة، فعند ذلك نهض هذا البطل المذكور، وأظهر حربه المشهور وقرع طبول الحرب، وتقدم إلى ~~الكون والضرب، وكان يوما أعظم الأيام وحرب يشيب منه رأس الغلام، وهاج ذلك الجنرال هيجان ~~الأسد الأذرع الذي لا يهاب الموت ولا منه يفزع، واندفقت عليهم الكلل والقنابر برا وبحرا، ~~على هؤلاء العساكر اندفاق البحور الزواخر، واتقدت عليهم النيران وأظلم الجو من الدخان، ~~واستدت المسامع من صوت المدافع، واشتدت المعامع، وقفزت الفرنساوية الأسوار، ودخلوا إلى ~~الجامع. # وكانت ساعة من ساعات القيامة، وحربا لم يكن فيه سلامة، ويوم غريب الأحوال شديد الأهوال ~~عظيم الوبال، تشيب من هوله الأطفال وترتعب من ذكره صناديد الرجال، وتبادرت العساكر الذين في ~~المدينة والمراكب التي في الميناء بالحراقة والنيران بالزيت والقطران، وجادوا بالكلل ~~والرصاص والقنابر والقواص، وبالضجيج العظيم والصراخ الذميم، وارتدت الفرنساوية بحمية عن ذلك ~~الشر والنكد بعدما كانوا دخلوا البلد المحمية، وخطفوا طاسات النحاس الأصفر من سبيل الجامع ~~المشتهر، وخرجوا من المدينة كاسبين، وبقي منهم في الجامع ماية وعشرين، وكانوا قد انشغلوا في ~~القتال إلى أن حالت عليهم الرجال، وبدوا يحاربون وعن أرواحهم يدافعون، فتراكمت عليهم ~~العساكر كالبحور الزواخر، وقد أيقنوا بالموت والاقتناص وفرغ بارودهم والرصاص، وعند ذلك بادر ~~إليهم الكومنضا سميت ساري عسكر الإنكليز، وطفق يكلمهم بالفرنساوية كلام حريز، وأن المشيخة ~~ما أرسلوا رئيسكم إلى هذه الممالك إلا ليرموه في بحر المهالك وها نحن رابطين عليكم ~~البواغيظ، ولا ندع أن يجيكم لا كثير ولا وجيز، وقد بقيتم مسجونين في هذه البلاد، وانقطع ~~عنكم الإسعاف والإمداد، وجميع الممالك ضدكم مجاهدين على عدمكم، فكفاكم تهلكون نفوسكم ~~وتطيعون هوى رئيسكم، فاطلبوا الإقالة من هذه الحروب والخلاص من هذه المصايب والخطوب، ونحن ~~نضمن لكم الوصول بالسلام والأمان إلى أرضكم والأوطان، ولما سمعوا ذلك الكلام سلموا له ~~وأخذهم بأمان. # وأما أمير الجيوش حين نظر أن ليس في ذلك الحرب محصول والدخول إلى عكا بعيد الوصول، وقد ~~فهم أن الصلدات صاروا ينفرون من الهجوم والمصادرة، ويطلبون الرجوع إلى القاهرة، وأن قد مات ~~ثلاثة ms061 آلاف وخمسماية صلدات على أسوار عكا، ومات في الطاعون وعلى الطرقات ما ينيف عن ألف ~~صلدات، ومع ذلك المخاوف التي قضوها والبلايا التي ذاقوها، وهم لم يزالوا في طاعة غريبة ~~ومحبة عجيبة إلى أمير الجيوش؛ إذ كان عندهم كإله يخضعون إلى أمره ويصبرون على مره وحره ~~ملازمين على حمده وشكره. # وفي أحد عشر يوم من ذي الحجة سنة 1213 أمر أمير الجيوش بالقيام بجميع المضارب والخيام، ~~وانتقل إلى مدينة حيفا، وكان فيها عدة حواصل قطن إلى الجزار، فأمر بحرق الجميع، ومن هناك ~~ساروا إلى مدينة يافا، فأخذوا ما كان لهم من الأمتعة والمدافع الكبار ودفنوها في الأرمال، ~~وقد كانوا آخذين من العساكر العثمانية أربعة آلاف بندقية، فأرموها في البحر، وأحرقوا ~~المراكب التي كانوا أخذوها من الإسلام، وأخذوا الذين فيها أسارى، وكانوا نحو ثلثماية نفر، ~~فأمر أمير الجيوش أن يصنعوا أخشابا كالنعوش، ويضعوا عليها المجرحين والمشوشين، وكل ~~أربع أنفار من هؤلاء المأسورين يحملوا على أكتافهم خشبة ويمشوا أمام العسكر، وقبضوا على ~~السيد يحيى مفتي مدينة يافا وأربعة أنفار من التجار، وأخذهم صحبته، ونهض من مدينة يافا إلى ~~غزة، وكان الجنرال القايم بها قبض على خمسة أنفار من التجار في البلد، وطلب منهم جانب من ~~المال، ثم سار أمير الجيوش إلى قلعة العريش، وهناك وضع المشوشين والمجروحين، وأمر الجنرال ~~كليبر أن يسري على قطية بعساكره إلى مدينة دمياط، وسار أمير الجيوش بباقي العسكر إلى مدينة ~~القاهرة، وأمامه أوليك الأسرى ماشيين، ووصل إلى العادلية بالقرب من مدينة بلبيس، وأرسل أخبر ~~القيمقام الجنرال دوكا بقدومه، فخرج المشار إليه مع شيخ البلد وساير الجنرالية والعساكر ~~وعلماء البلد والحكام والأعيان وأرباب الديوان والأوجاقات، وأقبلوا عليه وهنوه ~~بقدومه. # وبعد الجلوس قال لهم: لقد بلغني أن بعض المفسدين والأعداء الكاذبين قد أشاعوا عني الأخبار ~~أنني قد مت في تلك الديار، فأمعنوا النظر بي لتتحققوا الخبر، وانظروا هل أن بونابرته مات أم ~~بعده في الحياة، وقولوا للمفسدين: لا يتأملوا بهذا الأمل، بونابرته قد جاء سالما غانما ~~بإذن المالك العزيز، ms062 ولم يمت حتى يدوس جميع الممالك. فأجابوه: لا بأس على أمير الجيوش، لقد ~~كذب كل من قال، أطال الله لنا بقاك ولا شمت بك أعداءك وجعلنا من الدنيا فداك، وبالحقيقة ~~كانت شاعت عنه تلك الأخبار، وفرحت أهل تلك الديار، ثم دخل مصر بموكب شهير ورآه الكبير ~~والصغير، ومشت أمامه جميع العساكر الفرنساوية وحكام وأعيان وعلماء وأغاوات مدينة مصر ~~المحمية، ودخل من باب النصر بالعز والنصر نهار الجمعة عاشر يوم من شهر محرم الحرام افتتاح ~~سنة 1214 وكان يوما عظيما وموكبا جسيما، وحينما ولج بمنزله الكاين على بركة اليزبكية ~~كتب فرمانا باللغة الفرنساوية وأرسله إلى ديوان العلماء وأمرهم أن يترجموه إلى اللغة ~~العربية خطابا من علماء الديوان إلى ساير الأقاليم المصرية، ويطبعوه في اللغة العربية ~~ويعلقوه على شوارع القاهرة، ويفرقوه على جميع الأقاليم العامرة. # وهذه هي صورة ذلك الفرمان: # من محفل الديوان الخصوصي بمصر المحروسة خطابا إلى أقاليم مصر الشرقية والغربية ~~والمنوفية والقليوبية والجيزة والبحرية، النصيحة من الإيمان، قال الله تعالى في ~~محكم القرآن: # ولا تتبعوا خطوات ~~الشيطان ~~، وقال تعالى: # ولا تطيعوا أمر ~~المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا ~~يصلحون ~~، فعلى العاقل أن يدبر الأمور قبل وقوع المحذور، نخبركم ~~يا معشر المؤمنين: أنكم لا تسمعوا كلام الكذابين فتصبحوا على ما فعلتم ~~نادمين. # وقد حضر إلى محروسة مصر المحمية أمير الجيوش الفرنساوية؛ حضرة بونابرته محب ~~الملة المحمدية، ونزل بعسكر في العادلية سليما من العطب والأسقام شاكرا لله ~~موحدا للملك العلام، ودخل إلى مصر من باب النصر يوم الجمعة عاشر محرم سنة 1214 من ~~هجرته - عليه السلام - في موكب كبير عظيم بشنك جليل فخيم وعسكر كثير جسيم، وصحبته ~~العلماء الأزهرية، والسادات البكرية والعنانية والدامورشية والخضوية والأحمدية ~~والرفاعية والقادرية، والأوجاقات السبعية السلطانية، وأرباب الأقلام الديوانية، ~~وأعيان التجار المصرية، وكان يوما مشهورا عظيما لم يقع نظيره في المواكب السابقة ~~قديما، وخرجت سكان مصر جميعا لملاقاته فوجدوه هو الأمير الأول بونابرته بذاته ~~وصفاته، وأظهر لهم أن الناس يكذبون عليه وشرح الله صدره للإسلام، ونظر الله بعين ms063 ~~لطفه إليه، والذين أشاعوا عنه هذه الأخبار الكاذبة العربان الفاجرة والغز ~~الهاربة، ومرادهم بهذه الإشاعة هلاك الرعية ، وتدمير أهل الملة الإسلامية، وتعطيل ~~الأموال الديوانية، ولا يحبون راحة العباد، قد أزال الله دولتهم من شدة ~~ظلمهم. # وقد بلغنا أن الألفي توجه إلى الشرقية مع بعض المجرمين من العربان والقبايل ~~الفجرة المفسدين يسعون في الأرض بالفساد، وينهبون أموال المسلمين، إن ربك بالمرصاد، ~~ويزورون على الفلاحين مكاتيب كاذبة، ويدعون أن عساكر السلطان حاضرة، والحال ليس ~~لها تحضير، فلا أصل لهذا الخبر ولا صحة له ولا أثر، وإنما مرادهم وقوع الناس في ~~الهلاك والضرر، مثلما كان يفعل إبراهيم بيك في غزة حين كان يرسل فرمانات بالكذب ~~والبهتان ويدعي أنها من طرف السلطان، ويصدقوه أهل الأرياف خسفاء العقول، ولا ~~يعتبرون بالعواقب فيقعون في المصايب، وأهل الصعيد طردوا الغز من بلادهم خوفا على ~~أنفسهم وهلاك أعيالهم وأولادهم فإن المجرم يؤخذ من الجيران، وقد غضب الله على ~~الظلمة، ونعوذ بالله من غضب الديان، فكانوا أهل الصعيد أحسن عقولا من أهل البحري ~~بسبب هذا الرأي السديد. # ونخبركم أن أحمد باشا الجزار سموه بهذا الاسم لكثرة قتله الأنفس، ولا يفرق بين ~~الأخيار والأشرار، وقد جمع طموش كثيرة من عساكر العثمانية ومن الغز والعرب وأسافل ~~العريش، وكان مراده الاستيلاء على مصر وإقليمها، وأحبوا اجتماعهم عليه لأخذ أموالها ~~وهتك حريمها، ولكن لم تساعده الأقدار، والله يفعل ما يشاء ويختار، والطاقة خفية ~~والكلام على صفو النية، وقد كان أرسل بعض هذه العساكر إلى قلعة العريش، ومراده يصل ~~إلى قطية فتوجه ساري عسكر أمير الجيوش الفرنساوية بونابرته وكسر عساكر الجزار ~~الذين كانوا في العريش ونادوا الفرار الفرار بعد ما حل بأكثرهم القتل والدمار، ~~وكانوا نحو ثلاثين ألف وملك قلعة العريش، وأخذوا ما فيها من ذخاير الجزار بلا خلاف، ~~ثم توجه السرعسكر إلى غزة فهرب من كان فيها من عسكر الجزار وفروا منه كما يفر من ~~الهرة العصفور، ولما دخل قلعة غزة نادى في رعيتها بالأمان وأمر بإقامة الشعاير ~~الإسلامية وإكرام العلماء والتجار والأعيان، ms064 ثم انتقل إلى الرملة وأخذ ما فيها من ~~ذخاير الجزار من بقسماط ورز وشعير، وقرب أكثر من ألفين قربة عظام كبار كان ~~جهزها الجزار لذهابه إلى مصر، ولكن لم تساعده الأقدار. # ثم توجه إلى يافا وحاصرها ثلاثة أيام، ثم أخذها وأخذ ما فيها من ذخاير الجزار ~~بالتمام، ولنحوسة أهلها أنهم لم يرضوا بأمانه ولم يدخلوا تحت طاعته وسلطانه وشمول ~~إحسانه، فدور فيهم ضرب السيف من شدة غيظه وقوة سلطانه، وقتل منهم نحو أربعة آلاف ~~ويزيد، بعدما هدم سورها بفعل الله الذي يقول للشيء كن فيكون، وأكرم من كان فيها من ~~أهالي مصر وأطعمهم وكساهم وأنزلهم في المراكب، وغفرهم بعساكر خوفا من العربان ~~وأجزل عطاياه، وكان في يافا نحو خمسة آلاف من عسكر الجزار فهلكوا جميعا وبعضهم ما ~~غاطاهم إلا الفرار. # ثم توجه من يافا إلى جبل نابلوس فكسر من كان فيه من العساكر بمكان يقال له قاقون، ~~وحرق خمس قرايا من بلادها وما قدره سبحانه فيكون، ثم أخرب سور عكا وهدم قلعة ~~الجزار التي كانت حصينة، ولم يبق فيها حجر على حجر حتى إنه كان قد بنى حصاراتها ~~وشيد أسوارها في نحو عشرين سنة، وظلم في بنايها عباد الله، وكذا عاقبة الظالمين، ~~ولما توجهت إليه أهل بلاد الجزار من كل ناحية كسرهم كسرة شنيعة، فهل ترى لهم من ~~باقية، ونزل عليهم صاعقة من السماء، فإن قال أهل الشام كما قلنا. # ثم توجه راجعا إلى مصر المحروسة لأجل سببين؛ الأول: أنه أوعدنا برجوعه إلينا ~~بأربعة أشهر، والوعد عند الحر دين. والسبب الثاني: أنه بلغه أن بعض المفسدين من ~~الغز والعربان يحركون في غيابه الفتن والشرور في بعض الأقاليم والبلدان، فلما حضر ~~سكنت الفتنة وزالت الشرور مثل زوال الغيم عند شروق الشمس وسط النهار، فإن همته ~~العلية وأخلاقه المرضية متوجه في البكرة والعشية لإزالة الفجور والشرور من ~~الرعية، وجد لمصر وإقليمها شيء عجيب ورغبته في الخير لأهلها ونيلها وزرعها بفكره ~~وتدبيره العجيب، يحب الخير لأهل الخير والطاعة ويرغب أن يجعل فيها أحسن ms065 التحف ~~والصناعة، ولما حضر من الشام أحضر معه جملة أسارى من خاص وعام، وجملة مدافع ~~وبيارق اغتنمها في الحروب من الأعداء الأخصام. # فالويل ثم الويل لمن عاداه، والخير ثم الخير لمن والاه، فسلموا يا عباد الله ~~لقضاء الله، وارضوا بتقدير الله؛ فإن الأرض لله، واقتبلوا أحكام الله؛ فإن الملك ~~لله يؤتيه لمن يشاء من عباده، هذا هو الإيمان بالله، ولا تسعوا في سفك دماكم وهتك ~~أعيالكم، ولا تسببوا في قتل أولادكم ونهب أموالكم، ولا تقولوا إن في الفتنة إعلا ~~كلمة، حاشا لله! لم يكن فيها إلا الخذلان وقتل الأنفس وذل أمة النبي - عليه ~~السلام، والغز والعربان يطغوكم ويغروكم؛ لأجل أن ينهبوكم، إذا كانوا في بلد ~~وقدمت عليها الفرنساوية ففروا هاربين منهم كأنهم جنود إبليس. # ولما حضر الساري عسكر إلى مصر أخبر أهل الديوان من خاص وعام أنه يحب دين ~~الإسلام ويعظم النبي - عليه السلام - ويحترم القرآن، ويقرأ به كل يوم بإتقان، وأمر ~~بإقامة شعاير المساجد الإسلامية وإجراء خيرات الأوقاف السلطانية، وسلم عوايد ~~الأوجاقية وسعى في حصول أقوات الرعية، فانظروا هذه الألطاف والمزية ببركة نبينا ~~أشرف البرية، وأوعدنا بأمرين عظيمين في الإسلام أنه يبني لنا مسجدا عظيما بمصر لا ~~نظير له في الأقطار، وأنه يدخل في دين النبي المختار - عليه أفضل الصلاة والسلام. ~~ختام. # ثم وضعوا إمضاهم كما مذكور قبل وهم العلماء المصرية والأغاوات والأعيان ~~الأوجاقية. # وقد طبع هذا الفرمان ووزعه على الأقاليم المصرية، وكان ما ذكر في هذا الفرمان عنه قصده ~~لتهذيب أخلاقهم وتليين أعناقهم وترقيد الفتن والمشاجرات، وعدم المناكرات إذ كان عارفا ما ~~يورد عليهم من الحادثات، وأنه مضطر إلى الرحيل لما قد بلغه عن قيام الممالك، وأنه سيترك ~~الفرنساوية بمصر بكل ضيق وحصر؛ فلذلك كان يود المسلمين ويظهر لهم الحب اليقين، ويشهد ~~لهم بحسن الدين وأنه وإياهم على الحق المبين، وهم كانوا لهذا الكلام غير محققين، وأن كل ذلك ~~خداع ونفاق وابتداع فكانوا غير مطمئنين. # هذه وهو غير فاتر عن مسألتهم وجدب قلوبهم ومؤانستهم، وكان يباحثهم بأمور الدين ms066 ويريهم ~~أنهم على الحق اليقين، وكان مملوءا من الحكمة والعلوم، وقيل إنه كان يعلم بأمور القلم ~~الفلكي ؛ إذ إنه كان يتفوه بأمور تحدث في ميقاتها قبل أوقاتها، ويقول: هو المنصوص على ظهوره ~~فلا ينتظروا أحدا بعده، وهو الذي يملأ الأرض عدلا، وقد صدق كثيرون منهم أنه هو المهدي، ~~ولم تتغير عليهم سوى الملابيس الإفرنجية، فلو جاء بالفرجية لآمنت به الرعية. # وقد كنا ذكرنا كل ما جرى للفرنساوية في ابتداء دخول إلى الديار المصرية في نصف شهر محرم ~~افتتاح سنة 1214، وما قضوا من المكافحات والجهاد والشرور والفساد، وقد مات منهم جمع غفير، ~~وكابدوا تعبا كثيرا، وأعداؤهم الإنكليز رابطين عليهم البواغيظ، ونفور البلاد العربية وعدم ~~ميلهم عليهم، ووصول الأذية إليهم؛ لأن أهالي البلاد قتلوا منهم أناسا كثيرين بالانفراد، ~~وكانوا يدخلونهم إلى منازلهم بالأمان ويقتلونهم ويخفوهم، وكانت الفرنساوية قلوبهم مطمئنة من ~~قبل الإسلام، ولا ينقلون السلاح إلا في وقت الحرب والكفاح، وكانت نساء مصر وخوارجها كثيرة، ~~فكانوا يأخذون الفرنساوية إلى منازلهم إلزاما ويقتلونهم ويرمونهم في الأبيار ويخفون منهم ~~الآثار، وقد فقد منهم كثيرون بهذه الوسايط والأنكاد، ووقع كثير منهم في علة الجدام من ذلك ~~الفساد، وذلك المرض وجوده كثير في تلك البلاد، وقد مات من الفرنساوية من ابتداء دخولهم إلى ~~الديار المصرية إلى حين رجوعهم من الديار الشامية ما ينوف عن خمسة عشر ألفا، وقل عددهم، ~~ولكن لم يضعف جلدهم، وكانوا مع كل تلك الأحوال والبلاء والنكال ما ازدادوا إلا قوة وباس ~~وصعوبة ومراس وحسن الشيم والعطا والكرم، وكثر في زمانهم في تلك الأقاليم الرخص والخير ~~العميم، وعدم الظلم والعدوان وإظهار العدل والإيمان. # وكان بعد رجوع أمير الجيوش إلى مصر قد هرب القاضي وترك أعياله في البلد، فأمر أن يرفعوا ~~ولده إلى القلعة ويختموا على جميع أرزاقه، فاجتمعت العلماء وأرباب الديوان وكتبوا عرض حال ~~يترجوا أمير الجيوش بذلك الحال، وطلق ولده من القلعة ورفع الضبط عن المال والعيال، فقبل ~~سؤالهم وأرثى لحالهم وأطلق الولد بشرط أن لا يقيم في البلد، وصرفه في ماله ms067 وأعياله، ثم ~~إنه أحضر شيخ العريش وألبسه فروا فاخرا ثمينا وأقامه قاضيا أمينا. # وفي شهر محرم الحرام افتتاح سنة 1214 ظهر في أراضي البحيرة عند دمنهور رجل مغربي، ~~وقيل: إنه ابن سلطان الغرب، فجمع من المغاربة والهوارة والعربان والفلاحين جمعا عزيزا ~~وقطع الطرقات، فبلغ خبره إلى حاكم الإسكندرية، فأرسل إليه شردمة من عسكر الفرنساوية، وكبسوا ~~عليه وانتشر بينهم القتال فانهزم ذلك المغربي بعسكره في البراري والتلال، ولم تزل ~~الفرنساوية في آثارهم حتى أهلكوا أكثرهم، وكان هذا الرجل يدعي النبوة ويقول: إنه حينما ~~يلقي نظره على الكفار فيتلاشون كالغبار، فكان الأمر بضد ذلك الإقرار، وقد جرعوه كئوس ~~المهالك وتشتتت تلك الجموع، ورجعت الفرنساوية بالسكون والهجوع. # وفي اثني عشر صفر سنة 1214 هجرية حضر هجان من الإسكندرية بكتابة إلى أمير الجيوش يخبره أن ~~العمارة العثمانية ظهرت في ثغر الإسكندرية، وعدتها ثمانون مركبا كبارا وصغارا، وأنهم ~~إذ لم يقدروا يستقبلوا البوغاظ من الكلل والقنابر الكثير فتعمدوا إلى قلعة أبو قير، وكان ~~وصول ذلك الهجان عند الغروب، وهو على صفرة المأكول والمشروب، فنهض بالحال كالمرعوب، وأمر ~~بحضور الخيل للركوب وفرق الأوامر على الجنرالية، وأمرهم أن يتبعوه بالعساكر إلى ~~الرحمانية، وكتب إلى الجنرال كليبر أن يحضر من دمياط على طريق البر، ثم ركب من ذلك المحضر ~~بعسكره الخاص الذي يلبس الجوخ الأخضر، وسار على تلك النية حتى وصل إلى أراضي ~~الرحمانية، فأتاه الخبر من الإسكندرية أن المراكب العثمانية ملكت قلعة أبو قير وهربت منها ~~الفرنساوية، وأن العساكر جميعا خرجت إلى البرية وبنوا بمساعدة الإنكليز متاريس عظيمة في ~~تلك الأقطار، ووضعوا فوقها المدافع الكبار وفرقوا البيورلديات على جميع تلك الديار، ~~واستنهضوا للقيام الفلاحين والعربان وأهل تلك البلدان، ولبسوا من مصطفى باشا الأكراك، ~~وابتهجت الإسلام بورود عسكر الأتراك. # وخشي أمير الجيوش من قيام العامة من مصر وغيرها من البلدان، فكتب فرمان إلى علماء مصر ~~وأرباب الديوان يخبرهم بورود المراكب وخروج عساكرها إلى البر وأنهم مراكب النصارى، ولكن ~~ربما معهم بعض مسلمين، وتعريفه بذلك استنادا على الفرمان الذي ms068 ورد من الدولة العثمانية إلى ~~الجزار والأقطار الشامية، حيث يقول: قريبا تحضر لكم الضوننما الهمايونية مع ضوننما دولة ~~المسكوبية المتحدة مع دولتنا بالحب والصدوقية ويحضر لكم أيضا عشرين ألفا مقاتل في ~~البر من الدولة القوية غير العساكر البحرية؛ لأجل طرد الملة الفرنساوية. وهذا الفرمان ~~قد حضرت صورته إلى أمير الجيوش واطلع عليه العلماء والأعيان وأهل تلك البلدان؛ ولأجل ذلك ~~حرر أمير الجيوش لهم ذلك الفرمان؛ لأجل ترقيد الفتن والهرج وأن تلك المراكب من النصارى ~~الإفرنج. # وهذه صورة الفرمان نقلا عن المطبعة: # من حضرة ساري عسكر أمير الجيوش الكبير بونابرته خطابا إلى ديوان مصر المحروسة: ~~أوله: لا إله إلا الله، محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، نخبر محفل علماء الديوان بمصر ~~المنتخب من أحسنهم وأكملهم في العقل والتدبير عليهم سلام الله ورحمته وبركاته: بعد ~~مزيد السلام عليكم وكثرة الأشواق إليكم نخبركم يا أهل الديوان المكرمين: أننا ~~وضعنا جماعة من عسكرنا بجبل الطونا، وبعد ذلك سرنا إلى إقليم بحيرية لأجل ما نرد ~~راحة الرعايا المساكين وأقاصص أعداءنا المحاربين، وقد وصلنا في السلامة إلى ~~الرحمانية وعفونا عفوا عموميا عن كل أهل البحرية، حتى صار أهل الأقاليم في راحة ~~تامة ونعمة عامة وسكنت الفتنة واطمأنت. # ثم نخبركم: أنه وصل ثمانون مركبا صغارا وكبارا حتى ظهروا بثغر الإسكندرية، ~~وقصدوا أن يدخلوها فلم يمكنهم الدخول لكثرة كلل والمدافع النازلة عليهم، فرحلوا ~~عنها وتوجهوا إلى ناحية أبو قير، وابتدوا ينزلوا في بر أبو قير، وأنا الآن ~~تركتهم وقصدي أنهم يتكاملوا الجميع في البر، وأنزل عليهم وأقتل من لا يطيع، ~~وأخلي في الحياة الطايعين، وآتيكم بهم محبوسين؛ لأجل أن يكون في ذلك شأن عظيم في ~~مدينة مصر. # والسبب في مجي هذه العمارة إلى هذا الطرف العشم بالاجتماع على الممالك ~~والعربان؛ لأجل نهب البلاد وخراب الإقليم المصري، وفي هذه العمارة خلق كثير من ~~الموسكوب الإفرنج، الذين كراهتهم ظاهرة لكل من كان موحد الله، وعداوتهم واضحة ~~لمن كان يؤمن برسول الله، يكرهون الإسلام ولا يحترمون القرآن، وهم نظرا إلى ms069 كفرهم ~~في معتقدهم يجعلون الآلهة ثلاثة، وأن الله ثالث تلك الثلاثة، تعالى الله عن الشرك، ~~ولكن عن قريب يظهر لهم أن الثلاثة لا تعطي القوة، وأن كثرة الآلهة لا تنفع؛ لأنها ~~باطلة، بل إن الله الواحد هو الذي يعطي النصرة لمن يوحده، وهو الرحمن الرحيم ~~المساعد الأمين المعين المقوي للعادلين الموحدين، المبعث الماحق رأي الفاسدين ~~المشركين. # وقد سبق في علمه القديم وقضائه العظيم وتقديره المستقيم أنه أعطاني هذا الإقليم ~~العظيم، وقدر وحكم بحضوري إلى مصر؛ لأجل تغيير الأمور الفاسدة وأنواع الظلم ~~وتبديل ذلك بالعدل والراحة مع صلاح الحكم وبرهان قدرته العظيمة ووحدانية المستقيمة ~~أنه لم يقدر الذين يعتقدون أن الله ثلاثة قوة مثل قوتنا؛ لأنهم ما قدروا أن ~~يعملوا الذي عملناه، ونحن المعتقدون بوحدانية الله ونعرف أنه العزيز القادر القوي ~~القاهر المدبر الكاينات المحيط علمه بالسماويات والأرضيات، والقايم بأمور ~~المخلوقات، هذا ما في الآيات وبالكتب المنزلات. # ونخبركم بالمسلمين إن كانوا صحبتهم يكونوا من المغضوبين لمخالفتهم لوصية النبي ~~عليه أفضل السلام؛ بسبب اتفاقهم مع الخارجين الكفرة اللئام؛ لأن أعداء الإسلام لا ~~ينصرون الإسلام، ويا ويل لمن كانت نصرته في أعداء الله، يكون المنتصر كافر أو يكون ~~مسلم، فهؤلاء ساقهم التقدير إلى الهلاك والتدمير، وكيف المسلم أن ينزل في مركب تحت ~~بيراق الصليب، ويسمع في حق الله الواحد الأحد الفرد الصمد من الكفار كل يوم كلام ~~تجديف واحتقار، ولا شك أن هذا المسلم في هذا الحال أقبح من الكافر الأصلي في ~~الضلال. # نريد منكم يا أهل الديوان أن تخبروا بهذا الخبر جميع القرايا والبلدان؛ لأجل أن ~~يمتنع أهل الفساد من الفتنة بين الرعية في ساير الأقاليم المصرية؛ لأن البلد الذي ~~يحصل فيها الشر يحصل لهم الضرر والقصاص، وانصحوهم بحفظ أنفسهم من الهلاك خوفا ~~عليهم أن نفعل فيهم مثلما فعلنا في أهل دمنهور وغيره من البلاء والشرور؛ بسبب ~~سلوكهم مسالك القبيحة قاصصناهم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. # تحريرا في رحمانية يوم الأحد في 17 صفر سنة 1214 # طبع بمطبعة الفرنساوية العربية # ثم إن ms070 أمير الجيوش بعد أن تكامل عنده جيش الفرنساوية سار من الرحمانية طالب قلعة أبو قير ~~وحرب ذلك الجمع الغفير والجيش الكثير ، وحين فهم أن متاريسهم منيعة عالية أخذ يدبر كيفية ~~تملكها بحسن فطنته السامية، فأحضر الجنرال ميراد الذي كان من القوم الشداد وساري عسكر ~~الخيالة، وأمره أن يهجم أولا بالخيل حتى إذا أطلقت الأعداء مدافعها فتصيب الخيل وتسلم ~~الرجال، ثم تهجم طوابير المشاة من اليمين واليسار على المتاريس ويملكوها في الحال. # ثم اصطفت الصفوف ودقت البوقات والطبول للحرب، واستعدا الفريقان للطعن والضرب، وبرز ~~الجنرال ميراد بالخيل الشداد، وهجم على تلك العساكر بالفرسان الجواسر والليوث الكواسر، ~~فضربت عليهم المدافع من متاريس الأتراك، فصابت الخيل وتساقطت من على ظهرها الرجال، وأكثرهم ~~بلي بالموت والنكال، والذي سلم ما خطر له الموت على بال، بل تقدم للحرب والقتال، وهجمت ~~العساكر المشاة من اليمين والشمال، وعظمت الأهوال وكثر النكال، وذاقت الإسلام حربا لم يخطر ~~لهم على بال، وأخذهم الخوف والانذهال، وأيقنوا بالذل والوبال، وتملكت الفرنساوية ~~المتاريس وأبلوهم بالموت والتعكيس، وحاطوا بالإسلام من كل مكان، وأبهتوهم بالضرب والطعان ~~والقطيعة والخذلان. # وحين رأت الإسلام أن ليس نجاة وأيسوا من الحياة ألقوا السلاح طمعا بسلامة الأرواح، ~~وطلبوا الأمان، واختاروا الأسر والهوان، وصارت الفرنساوية تقبض عليهم باليد، وهم في عنا ~~وكد، ولم يخلص من تلك القبايل لا فارس ولا راجل، بل أخذتهم الفرنساوية عن آخرهم، فمنهم ~~قتل ومنهم أسر، ومنهم متخن بالجراح، وكثير أجساد بلا أرواح، والذي منهم كان هارب لم يقدر ~~يصل إلى المراكب، وهجم أحد الصلدات على صيوان الوزير مصطفى كوسا باشا، وقبض عليه، وأراد ~~قتله فعرفه بنفسه بعد أن كان ضربه بالسيف وجرحه بيده، فعفا عنه، وأحضره إلى قدام أمير ~~الجيوش، فترحب به وأخرج من جيبه منديل ثمين وربط يد مصطفى باشا فيه، وأجلسه بالقرب منه، ~~وأكرمه غاية الإكرام، ثم قبضوا أيضا على عثمان خواجا، هذا كان متسلم بزمان الغز على ~~مدينة رشيد، ولما حضروا الفرنساوية هرب إلى القسطنطينية، وحضر صحبة مصطفى باشا، وحين حضر ~~إلى ms071 قدام أمير الجيوش وفهم أمره أمر بحفظه. # وكان دخلت شردمة من عسكر العثماني إلى قلعة أبو قير، ومعهم ابن مصطفى باشا ، فأمر أمير ~~الجيوش أن يضربوا عليه الكلل والقنابر، وبعد أربعة أيام سلموا بالأمان، وقبضوا على ابن ~~مصطفى باشا، وأحضروه قدام أمير الجيوش، فأمر أن يأخذوه إلى خيمة أبوه بكل إكرام، وكان ~~أمر أمير الجيوش إلى المجروحين من تلك العساكر أن ينزلوا بثلاث مراكب، ويسافروا إلى بلادهم ~~ويخبروا بحالهم وما جرى عليهم وما نالهم، وأبقى الأسارى السالمين تحت الأسر المهين، وغنمت ~~الفرنساوية بهؤلاء العساكر إذ لم يخلص منهم أحد سوى الذين سافروا مجروحين في ~~المراكب. # وكانت هذه الوقعة في أربعة وعشرين شهر صفر سنة 1214 وجمعوا أوليك الأسرى وكانوا نحو ثلاثة ~~آلاف عدا عن تلك المجاريح الذين من عليهم أمير الجيوش بخلاصهم وسيرهم إلى أعيالهم، ~~وباقي تلك العساكر أفنتهم الفرنساوية بالسيف الباتر والرصاص المتواتر. # وكان قد انجرح الجنرال ميراد جرحا بليغا بحنكه من رصاص أصابه فاغتاظ لأجله أمير الجيوش ~~غيظا عظيما، وقتل الجنرال تركو مع مقدار ثلاثماية صلدات. # وحين وقعت النصرة على الإسلام أرسل أمير الجيوش يخبر القيمقام في الذي صار وما وقع من ~~الانتصار فعمل في مصر فرحة عظيمة ثلاثة أيام وكتب إلى علماء الديوان يخبرهم بهذه البشارة ~~الجليلة الشان. # صورة مكتوب الجنرال دوكا قيمقام أمير الجيوش # من حضرة ساري عسكر الجنرال دوكا قيمقام أمير الجيوش بمصر حالا إلى علماء الإسلام ~~وكافة أرباب الديوان: بعد السلام عليكم وكثرة الأشواق إليكم، لا يخفاكم أنه وصلني ~~خبر صحيح بأن العساكر الفرنساوية ملكت قلعة أبو قير في 14 شهر ترميدور الموافق إلى ~~شهر صفر سنة 1214 وأنهم استأسروا فيها ثلاثة آلاف نفر ومن الجملة مصطفى باشا، وغاية ~~ما وقع أن العمارة التي نزلت في أبو قير كانت بها عساكر خمسة عشر ألف لم يخلص منهم ~~أحد بل الكل تلاشوا وهلكوا. # ثم أخبركم عن لسان حضرة الساري عسكر الكبير بونابرته أنكم في الحال تظهرون هذا ~~الخبر بين الخاص والعام، وتشهروه في الأقاليم المصرية؛ ms072 فإنه خبر فيه سرور وفرح، ~~وألزمكم أنكم تعرفوني في الحال عن إشهار هذا الخبر الفاخر المعتبر، وأخبركم أن ~~حضرة الساري عسكر الكبير بونابرته يحضر إليكم عن قريب، والله تعالى يحفظكم. والسلام ~~ختام. # تحريرا في 22 شهر ترميدور سنة السابعة لمشيخة # الفرنساوية الموافقة إلى 2 ربيع الأول سنة 1214 # طبع بمطبعة الفرنساوية العربية بمصر حالا # وأما أمير الجيوش بونابرته نهض بالجيوش من أراضي أبو قير إلى الرحمانية وأرسل عثمان ~~خواجا إلى بندر رشيد وأمر بقتله هناك، وحين تواردت الأخبار إلى القاهرة بما جرى على العساكر ~~العثمانية، فنزل على مسلمين مصر البلية وخابت منهم تلك الأملية، وحزنوا حزنا عظيما؛ إذا ~~كان في أملهم أن تملك الإسلام تلك الأقاليم. # وفي خامس شهر ربيع أول حضر أمير الجيوش إلى مصر ودخل بالعز والنصر، وبليت أعداؤه ~~بالذل والقهر، وصحبته مصطفى باشا وولده مأسورين مع جملة الأسارى، وفي ثاني يوم من وصوله ~~حضرت لعنده جميع الحكام والعلماء والأعيان وأرباب الديوان وهنوه بقدومه وانتصاره، فنظر ~~إليهم بعين فراسته واعتباره وقد وجدهم في حزن عظيم وقد بلغه الهرج الذي حدث بغيابه، وعزمهم ~~عليه في انقلابه، والكتابات التى أتت إليهم من مصطفى باشا وعثمان خواجا حين حضروا إلى أبو ~~قير، فقال لهم: قد أخذني منكم العجب أيها العلماء والسادات إذ إنني أراكم تغتمون ~~وتحزنون من انتصاري، حتى الآن ما عرفتم مقداري، وقد خاطبتكم مرارا عديدة وأخبرتكم بأقوال ~~بأنني أنا مسلم موحد وأعظم النبي محمد، وأود المسلمين، وأنتم إلى الآن غير مصدقين، ~~وقد ظنتم أن خطابي هذا إليكم خشية منكم، مع أنكم شاهدتم بأعينكم وسمعتم بأذنكم قوة بطشي ~~واقتداري، وحققتم فتوحاتي وانتصاري، فقولي لكم: إني أحب النبي محمد؛ وذلك لأنه بطل ~~مثلي، وظهوره مثل ظهوري، بل وأنا أعظم منه؛ إذ إنني غزوت أكثر منه، وأما لي باقي غزوات ~~غزيرة وانتصارات كثيرة سوف تسمعونها بآذانكم وتشاهدونها بأعيانكم، فلو كنتم عرفتموني لكنتم ~~عبدتموني، وسوف يأتيكم زمان به تذلون وعلى ما فعلتم تندمون وعلى أيامنا تتحسرون ~~وتبكون، فأنا قد بغضت النصارى ولاشيت ديانتهم ms073 وهدمت معابدهم، وقتلت كهنتهم وكسرت صلبانهم، ~~ورفضت إيمانهم، ومع ذلك أراهم يفرحون لفرحي ويحزنون لحزني، فهل تريدون أن أرجع نصرانيا ~~ثانيا، فإذا رجعت فلا ترون في رجوعي فايدة، فدعوا عنكم هذه الأحوال واقتبلوا لأمر الله ~~المتعال، وكونوا فارحين مطمئنين ليحصل لكم النجاح والصلاح، وقد نبهتكم مرارا عديدة ونصحكتم ~~نصايح مفيدة، فإن كنتم تعرفوها وتذكروها فتربحوا وتنجحوا، وإن كنتم رفضتوها تخسرون وتندمون. ~~ثم انصرفت العلماء وهم منذهلين من هذا الخطاب، ومتعجبين كل الإعجاب، ولم يقدر أحد ~~يرد له جواب، وأسكن مصطفى باشا وولده وبعض أتباعه في مسكن عظيم، وعين لهم المصاريف التي ~~تلزم إليهم، وابتدا يكاتب الدولة العثمانية عن يد مصطفى باشا، ويذكرهم صداقة الفرنساويين ~~القديمة واتحادهم مع الدولة العثمانية من أعوام عديدة وأيام مديدة، ويحرصهم من باقي ~~الدول الإفرنجية، وأن الأوفق لهم إقامة الفرنساوية في مصر، وأنهم أنسب من الغز، ويعاهدوا ~~أن يكونوا طايعين وإلى أوامر الدولة سامعين، وتبقى الخطبة والسكة كما هي باسم الدولة ~~العثمانية، ويمشي الحج كعادته القديمة، ويدفعوا الأموال المعتادة للخزينة، وأرسل مصطفى باشا ~~هذا الخطاب مع أحد أتباعه، وابتدا أمير الجيوش يدبر له أمر النفوذ إلى مدينة باريز؛ لأن ~~التهب فواده من تملك الإنكليز. # وقد ذكرنا أن أمير الجيوش بونابرته قد أرسل عثمان خواجا إلى مدينة رشيد، وعندما وصل ألقوه ~~في السجن، وأرسل الجنرال الموجود في رشيد أحضر عدة شهود إسلام واستشهدهم قدام الديوان ~~الخصوصي، فشهدوا له قدام القاضي والمفتي أن عثمان خواجا في أيام مراد بيك كان رجل ظالم ~~وهو الآن مستوجب الموت، وأخرج فتوى من جميع الأعيان، وأمر أن يطوفوا به المدينة ويقتلوه، ~~وأرسل الفتوى إلى جميع الأقاليم المصرية؛ ليعلمهم بقتله. # وهذه هي صورة الفتوى حكم الشرع الشريف الذي صدر من محكمة رشيد دام جلالها على عثمان ~~خواجا، خطابا إلى حضرة الجنرال الحاكم في البلد المذكورة، مؤرخ بأربعة وعشرين من شهر ~~ترميدور سنة السبعة من إقامة الجمهور الفرنساوي؛ يعني في الثامن من ربيع الأول سنة 1214: # وصلنا مكاتيبكم بالأمر أننا نستخبر ونكشف عن جميع الأعمال ms074 التي حدثت من طرف عثمان ~~خواجا كرولي، وننظر إن كان حصل منه الشر أكثر من الخير، وبموجب هذا الأمر بحضور ~~حضرة سيدنا شيخ الإسلام العالم المتورع الشريف أحمد الخضاري مفتي حنفي، ونقيب ~~الأشراف المكرم المحترم الشريف بدوي، وقدوة الأعيان الحاج أحمد أغا السلحدار، ~~والمكرم علي شاوش كتخدا، وقدوة التجار أحمد شحال، والمكرم سليم أغا، ~~والمكرم إبراهيم الجمال، والشريف علي الجماني، والشيخ مصطفى ظاهر، والشريف ~~إبراهيم سعيد، والمكرم محمد القادم، والحاجي باشي سليمان، وبحضور جماعة المسلمين ~~خلاف المذكورين أعلاه، ثم حضر رمضان حمودي ومصطفى الجبار وأحمد شاوش وعبد الله ~~والحاج حسن أبو جودة والحاج بدوي المقرالي وعلي أبو زرازي وبدوي دياب وحسن عرب، ~~وثبت من إقرارهم ومن شهاداتهم أن عثمان الخواجا المذكور كان ظلمهم ظلما شديدا ~~بالضرب والحبس من دون حق ونهب أملاكهم. # وخلاف ذلك سئل من جماعة المسلمين الحاضرين في المجلس إن كان حصل من طرف عثمان ~~خواجا الشر أكثر من الخير؟ فكلهم قالوا بلسان واحد أن حصل من طرف عثمان خواجا ~~الشر أكثر من الخير؛ وبسبب ذلك انقطع رأس عثمان خواجا حاكم رشيد سابقا. # مطابق لأصله ومعناه باسم حاكم رشيد الآن # طبع بمطبعة الفرنساوية العربية بمصر المحروسة # ومن بعد حضور أمير الجيوش إلى مصر في 12 ربيع الأول صنع مولد النبي حسب السنة ~~الماضية، وعمل محفلا عظيما، وأحضر مصطفى باشا وجميع العلماء والأعيان، وصنع وليمة عظيمة ~~لها قدر وقيمة، وأحضر آلات الطرب والموسيقة، ثم بعد أربعة أيام ركب بعسكره الخاص وأظهر ~~أنه يريد يدور على الأقاليم المصرية لأجل تطمين الرعية، وأخذ معه الجنرال إسكندر وثلاثماية ~~من العسكر والجنرال ميراد وقصد مدينة منوف، ومن هناك انتقل إلى الإسكندرية، وبعد أيام ~~وجيزة دبر أمر السفر، وهيأ له ثلاثة مراكب، وأرسل لهم ليلا عدة صناديق مملوءة ~~الجواهر الثمينة، والأسلحة العظيمة، والأمتعة والقماش، والأمور التي كان اكتسبها، وعدة من ~~الممالك الصغار كان استخدمهم عنده وزخرف أطواقهم وكساءهم. # وبعد ذلك التدبير صنع وليمة عظيمة إلى الجنرال سميت سرعسكر الإنكليز، وكان حين ارتفع ~~الحصار عن ms075 الجزار توجه بمراكبه إلى تجاه الإسكندرية، ومن عادة الإفرنج أن في الأيام ~~التي لم يكن فيها حروب فليس فيه امتناع عن بعضهم بعض، وحين حضر الجنرال سميت ساري عسكر ~~الإنكليز قدم له أمير الجيوش غاية الإكرام، وأعطاه هدايا جزيلة الثمن، ثم طلب منه بأن ~~يأذن له أن يرسل ثلاثة مراكب صغار إلى بلاد فرنسا، فأذن له بذلك، وبعد رجوع ساري عسكر ~~الإنكليز إلى مراكبه في تلك الليلة نزل بونابرته في تلك المراكب بمن معه من الرجال، وخرج من ~~البوغاظ بريح عاصف، وفي ثاني الأيام بلغ خبر مسيره إلى الجنرال سميت، فعظم عليه ذلك ~~الأمر، وأقلع بمراكبه في طلبه فلم يجد له خبر ولا رأى له أثر، ونجا منهم بحسن خبرته ومزيد ~~فطنته وسمو حكمته، وقد استغنم الفرص وفر منهم كما يفر العصفور من القفص، وبقوة ~~المولى العزيز نجا من أعدائه الإنكليز، ووصل إلى مدينة باريز، وخلص حاله بتدبير ذلك الأمر، ~~وكان نفوذه من عجايب الدهر واستغرب أهل ذلك العصر، وقالت الناس: ما ذلك إلا من غرايب ~~الأمور ودليل على سعده المقدور. # وكانت إقامة في الديار المصرية أربعة عشر شهرا، وكان قبل نزوله في المراكب كتب إلى ~~الجنرال كليبر يعلمه بذلك التدبير، ويوعده أن يرسل له الإسعاف والإمداد بعد وصوله لتلك ~~البلاد، وأنه يكون قايم عوضه أمير الجيوش، وكان وقتيذ في مدينة دمياط، وكتب أيضا إلى ~~الجنرال دوكا القيمقام أنه يكون كما كان من ذلك الاهتمام، وأن يعلم أهل الديوان ليوزعوا ~~الأعلام على الرعية بكل البلدان، ويكونوا كما كانوا بأمان واطمئنان، وكتب أيضا إلى ~~جميع الجنرالية يعرفهم بذهابه وكيف يتدبرون بعد غيابه، ويوصيهم بحفظ البلاد والسلوك مع ~~العباد، ويوعدهم بالإسعاف والإمداد، وأنه قريبا يرجع إليهم بالعساكر الشداد والأبطال ~~الجياد، وجعل لهم إلى رجوعه ميعاد؛ وهي أربعة أشهر تمام، وإذا أبطأ عليهم بعد تلك الأيام ~~فلهم الإذن أن يسلموا المملكة للإسلام بالصلح، ويجعلوا الاتفاق عن يد الإنكليز، ويذهبوا ~~إلى مدينة باريز، وعندما شاعت الأخبار في تلك الديار والأقطار المصرية عن ذهاب أمير ms076 الجيوش ~~فرحت أهل مصر فحزنت الفرنساوية، وأما أمر الجنرال دوكا أصحاب الديوان أن يكتبوا إلى ساير ~~البلدان ويخبروهم بذلك الشان. # صورة الكتابات # من محفل الديوان الخصوصي خطابا إلى ساير الأقطار المصرية من الأقاليم جهة ~~القبلية والبحرية وكامل الرعايا وفقهم الله، نخبركم أنه حضر إلى الديوان مكتوب من ~~حضرة الجنرال دوكا القيمقام بأن ساري عسكر بونابرته الكبير أمير الجيوش الفرنساوية ~~توجه إلى البلاد الفرنساوية؛ لأجل حصول الراحة الكاملة إلى الأقطار المصرية، ~~وأنه كان حضر له استعجال من الجمهور في بلاده لطول غيابه، وأخبرنا الساري عسكر ~~دوكا بأن السر عسكر الكبير قبل غيابه أقام عوضه رجلا كاملا عاقلا فيه شفقة ورحمة ~~عامة على الرعية، جعله أميرا على الجيوش الفرنساوية، وأخبرنا القيمقام أننا ~~نكون في غاية الأمان والاطمئنان على ديننا وعرضنا ومتاجرنا وأموالنا وأسباب معاشنا، ~~كما كنا في زمان حضرة السرعسكر الكبير بونابرته؛ فننصحكم يا أيها الرعايا: لا ~~تطيعوا أهل الفساد، واتركوا الفتن والعناد، وامتثلوا أمر خالق العباد. والسلام ~~عليكم ختام. # الفقير السيد خليل البكري نقيب الأشراف # الفقير عبد الله الشرقاوي رئيس الديوان # الفقير محمد المهدي كاتم سر الديوان # الفقير مصطفى الصاوي الشافعي # الفقير سليمان الفيومي المالكي # الفقير السيد أحمد المحروقي # الفقير علي كتخدا مجرلي باش اختيار # الفقير يوسف باش شاوش تفنكجيان # الفقير لطف الله المصري # الفقير يوسف فرحات # الفقير جبران سكروج # الفقير لومار # الفقير بودوف # الفقير ذو الفقار كتخدا كوميسار الإسلام # نظر وعلم وكيل الفرنساوية جلوتيه # طبع بمطبعة الفرنساوية بمصر المحروسة # ثم حضر الجنرال كليبر من دمياط إلى بولاق، والتقاه القيمقام الجنرال دوكا وشيخ البلد ~~الجنرال دوسطين، ودخل إلى مصر بالعز والنصر، ونزل إلى منزل أمير الجيوش، وهو بيت محمد بيك ~~الألفي الكاين على بركة اليزبكية، وفي ثاني الأيام حضر إليه ساير الجنرالية والحكام ~~الفرنساوية والكوميسارية والفسيالية وهنوه بقدومه وإمرته، وحضر علماء الديوان والأغاوات ~~والوالي والمحتسب والتجار والأعيان وهنوه بقدومه، فالتقاهم بوجه باش وأمنهم ~~وطمنهم، وأمرهم يطمنوا الرعية، فشملهم الاندهاش من هيبته والانذهال من صولته؛ إذ كان ~~هذا المقدم أسدا درغام ذا ms077 قوام واعتدال، مهابا بالرجال، حسنا بالجمال، له صورة ترعش ~~الكبود وترعب الأسود، فنزلوا من أمامه وهم في خشية من كلامه، وبعد ذلك حضر مصطفى باشا وولده ~~وهنوه بقدومه ، فالتقاهم وأكرمهم. # وجلس أمير الجيوش كليبر على تخت القاهرة، وكان من القوم الجبابرة، وفحص الكتابات التي ~~أبقاها له بونابارته، واطلع على جميع الارتشاد الذي أرشده به، وفهم الكتابات التي توجهت ~~إلى الدولة العثمانية على يد مصطفى باشا، فابتدا أمير الجيوش كليبر يتداول مع مصطفى باشا ~~بأمر الصلح، وكان قد انتشر الخبر في خروج صدر الأعظم يوسف باشا ضيا المعدني من مدينة ~~قسطنطينية بالعساكر الهمايونية لاستخلاص المملكة المصرية من يد الفرنساوية، فوصلت الكتابات ~~للأمير كليبر من الصدر الأعظم عن يد مصطفى باشا كوسا، وكان خروج وزير الختام من القسطنطينية ~~في شهر ربيع الأول سنة 1214، وقد استكنت حركة مملكة مصر في تمليك هذا الأمير، وكان هو ~~يحب الهدوء والسكون وعدم مقاتلة الناس، ويميل إلى التنعم والتعظم، وكانت آلات ~~الموسيقة تضرب أمامه بكرة ومساء، وكان جولانه قليلا وسقطت رعبته في قلوب المملكة، وأبقى ~~هذا الأمير جميع ما كان نظمه بونابارته في الديار المصرية من دون تغيير ولا تبديل، وفي ~~أيام جبر النيل خرج أمير الجيوش بمحفل عظيم مع ساير الجنود وقطان القاهرة، وكانت أيام ~~ظاهرة وأفراح وافرة ومواكب فاخرة، وأمن عظيم وأنس جسيم، وضرب في تلك الوقت مدافع ليس لها ~~عدد. # وبعد حضور الأمير كليبر من دمياط أقام مقامه حاكما الجنرال ورديه، ففي هذه المدة حضر ~~نحو خمسين مركب من مراكب الدولة العثمانية إلى ثغر دمياط مشحونة بالعساكر وبعض مراكب من ~~مراكب الإنكليز المقيمين على البواغيظ، وكانت هذه المراكب المذكورة هي التي أتت إلى بوغاظ ~~الإسكندرية صحبة مصطفى باشا كوسا وعساكره، ولما طلعت العساكر إلى بر أبو قير وحصل لهم ~~ذلك الانكسار والتدمير، فأقلعت المراكب في البحر ورجعت جهزت جانب من العسكر، وحضرت إلى ~~بوغاظ دمياط، وعند وصولهم أخرجوا العساكر من المراكب ليلا إلى العزبة، فبلغ الجنرال ورديه ~~بأن عساكر المسلمين خرجت إلى البر وبنوا ms078 المتاريس، فنهض الجنرال المذكور وصار إلى العزبة ~~بخمسماية صلدات. # وقبل شروق الشمس أقبل عليهم وقسم عساكره ثلاثة أقسام، وهجم على عساكر الإسلام وتارت نيران ~~الحرب والقتال، وازدحمت الرجال والأبطال وحمي الضرب والطعان، وما مكثوا إلا برهة من ~~الزمان حتى ذاقوا الموت أشكالا وألوان، فأرموا سلاحهم وطلبوا الأمان، وأكثرهم ألقوا أنفسهم ~~في البحر خوفا من الموت والقهر والذل والأسر، فمنهم من صعد إلى المراكب ومنهم من مات ~~غريق، وكانوا ثلاثة آلاف فأسروا منهم ثمانماية بلا خلاف، ورجع الجنرال ورديه إلى دمياط ~~بالعز والنشاط، وصنع شنكا عظيما لأجل ذلك الانتصار وافتخر أعظم افتخار، وكان قد ~~قبضواعلى مقدم ذلك العسكر، وهو الزرناجي باشي وكان مجروحا جرحا بليغا، وأحضر له ~~الجنرال ورديه الحكماء وأمرهم بمداواته، وأخبر أمير الجيوش الأمير كليبر بذلك الانتصار على ~~ذلك العسكر، فلامه على عجلته عليهم بسرعة القدوم إليهم وأنه كان واجب إمهال إلى حين تخرج ~~الجميع من المراكب ويبليهم بالهلاك والمعاطب، ثم من بعد أربعة أيام مات الزرناجي باشي من ~~ذلك الجرح الأليم والقهر العظيم، فأمر الجنرال ورديه أن يصنعوا له ميتما عظيما واحتفالا ~~فخيما كعادة رؤساء العساكر، وأحضر علماء المدينة وساير الأعيان وقواد العساكر وأرباب ~~الديوان، وأمرهم يمشون قدام نعشه وبندقهم منكسة، وألبس الخيل الحلل السود، ودفنه بأكبر ~~الجوامع وأفخر المواضع. # وفي آخر شهر ربيع الأول سنة 1214 قدم الوزير الأعظم والدستور الأفخم إلى أراضي الشام ~~بالعز والإنعام، بالعساكر الكثيرة والجيوش الغزيرة، وارتجت لقدومه الأقطار وخشيت سطوته ~~الكبار والصغار، وكان وزيرا عادلا عاقلا فاضلا وعن أمور الشريعة مناضلا، يبغض الظلم ~~والعدوان ويحب العدل والأمان، فامتلأت الأرض من العساكر والعشاير والجيوش والدساكر، ~~وبادرت إلى حكمته الأمراء والحكام والخاص والعام، وأصحاب المقاطعات والأقاليم ~~بالتحية والتسليم، وقدموا له الهدايا الفخيمة والذخاير العظيمة، ثم انتقل إلى غزة ~~بالإكرام والعزة، وصحبته الجيوش العظام والباشاوات الفخام والغز المصريين الذين كانوا ~~من الإفرنج هاربين وعن ديارهم مطرودين، ونشر العدل والأمان في جميع القرايا والبلدان، ~~وطمن الرعية وأن يكونوا في غاية الحمية حسب الخطوط الشريفة العثمانية والهبات ms079 ~~السلطانية، وكان قد طلب الجزار إلى المسير إليه بعساكره القوية، فاعتذر عن الحضور ~~وتباين بالعصاوة والنفور، وامتنع عن تقديم الذخاير وإرسال العساكر، وخالف الأمر الشريف ~~الفاخر، وبعد وصول الصدر الأعظم إلى غزة ابتدأت المراسلات من أمير الجيوش الفرنساوية ~~بالصلح والاتفاق، ورفع الشر والنفاق وكان متعاطي تلك الأمور مصطفى باشا كوسا المأسور الذي ~~ذكره تقدم وسبق، وسنذكر إن شاء الله كل ما تم واتفق. # وكنا قد شرحنا أن أمير الجيوش الأمير كليبر قد تدبر حسب إرشاد سالفه بونابارته ~~بالمراسلات عن يد مصطفى باشا بإقامة الفرنساوية بمصر، حسبما قدمنا وأبت الدولة العثمانية ~~عن ذلك، وقدم الوزير الأعظم عقد الصلح بشروط حقيقية وعهودات ملوكية، وأن يسلم مملكة مصر ~~المحمية ويخرج بالعساكر الفرنساوية على حمية، وحين تحقق أمير الجيوش عدم قبول الدولة ~~العثمانية إلى إقامتهم بالديار المصرية أجاب إلى إذهابهم بشروط أمينة وعهود متينة، وأرسل ~~أحضر الجنرال ديزه من الصعيد وكان هذا ساميا في المقام صاحب عقل وتدبير ومقام خطير، وأحضر ~~غيره من الجنرالات الكبار وعقد ديوان وقص لهم الخبر، فنظر أن الأكثر لهم ميل إلى السفر ~~لعدم الإمداد وكثرة الأخصام والاضطهاد، وقد خلص لميعاد الذي وعد به بونابارته وحضر كتابات ~~من الوزير تهديد وتوعيد بالوبال والدمار إن لم يخرجوا من تلك الديار، ويدهمهم بالرجال ~~والأبطال كالرمال والسيل إذا سال بفرسان جبابرة وسيوف باترة، وأن يسلموا البلاد ويربحوا ~~دماهم ودما العباد، وإن لم يسمعوا نصيحته ولا يخشوا سطوته فيحل بهم العدم ويندموا حيث لا ~~ينفع الندم، فرد عليه الأمير كليبر الجواب: أما قولك: إن عساكرك مثل نجوم السماء؛ فهذا ~~حقيق معلوم، إلا أنها بعيدة عن طاعتك كبعد الأرض عن النجوم، وأما قولك: إنها كالرمال؛ هذا ~~ليس فيه محال فهم كثيرون في العدد قليلون على الصبر والجلد، وقلوبهم أصغر من حبة الرمل، ~~وقوتهم أضعف من قوة النمل، وأما عساكرنا الشداد فهي قليلة التعداد، ولكنها قوية البطش ~~في الجلاد، قريبة إلينا ودايما طوع لدينا، فإن دفعناها إلى الموت تندفع وإن ردنا رجوعها ~~ترتجع، وإن منعناها تمتنع، ms080 ونحن في كل دقيقة من الزمان مستعدين للحرب والطعان وقهر ~~الفرسان والشجعان وقبول ما يقدر علينا العزيز الرحمن. # واستمرت الأمور على هذا المنوال، والخوف منقسم بين الفريقين على كل حال؛ فلهذا جعل ~~كل من الفريقين وسايط إلى الصلح والاصطلاح وعدم النزاع والكفاح، وحقن دم العباد وعدم خراب ~~البلاد، وكان وسيط بذلك مصطفى باشا كوسا ما بين الأمير كليبر وبين الوزير، ثم تقدم إلى ~~التوسط الجنرال سميت سرعسكر الإنكليز القايم في البحر ورابط البواغيظ، وانعقد الاتفاق ~~على إرسال شخصين من طرف الوزير الأعظم وشخصين من طرف الأمير كليبر أن يتقابلا في حدود ~~العريش، وهناك تتواقع المفاوضات والمداولات، وتوضح الفرنساوية شروطاتها وربوطاتها، ثم ~~توجه من طرف الوزير الأعظم مصطفى أفندي الدفتردار ومصطفى أفندي رئيس الديوان، وتوجه من ~~طرف أمير الجيوش الأمير كليبر الجنرال ديزه والكوميسار بوسلنج، وتقابلا الفريقان بأراضي ~~العريش. # وابتدأت المداولة بين هؤلاء الأربعة أشخاص، وقدمت الفرنساوية شروطها، وقدمت العثمانلي ~~ربوطها، وكل من الفريقين يكتب ما يتوقع إلى والي أمره ويستنظر الجواب، والوزير في أرض ~~غزة، وكان حينما تم ذلك الإيراد وشاعت أخبار الصلح بين العباد تقدمت بعض عساكر ~~الإسلام إلى أراضي العريش ونصبوا الوطاق قريب من القلعة، وأما عساكر الفرنساوية الذين في ~~القلعة كانوا ثلثماية صلدات وسرعسكر الجنرال غزال، وبقي البعض من العساكر يتقدمون إلى ~~القلعة، ويخاطبون العساكر الصلدات ويعرفوهم في الصلح الذي توقع فيما بينهم، وصارت ~~الصلدات الفرنساوية تنزل من القلعة ويختلطون في عساكر الإسلام. # ووقع الوداد بين الجنرال غزال وبين مصطفى باشا أرناوط، فدعا الجنرال المذكور إلى مصطفى ~~باشا إلى القلعة وصنع له وليمة عظيمة، وحضر الباشا إلى القلعة بأناس قليلين العدد، وأرشد ~~عساكره أن بعد دخوله إلى القلعة يهجمون هجمة واحدة على الباب ويملكون القلعة ويقتلون من ~~بها، وكان داير القلعة خندق وأمام الباب جسر من خشب، وكانوا الفرنساوية يرفعوه ويضعوه في ~~الحبال، وكان من بعد دخول مصطفى باشا من باب القلعة هجمت أوليك العساكر بضجيج عظيم على ~~الباب، فلم يعد يمكن الفرنساوية أن يرفعوا الجسر عن ms081 الخندق، ودخلت العساكر إلى القلعة ودار ~~السيف بينهم، وعندما نظرت الفرنساوية هذه الخيانة سارع أحد الصلدات إلى جبخانة البارود ~~وألقى فيها النار، وطلعت الجبخانة والناس متزاحمة وطارت تلك العوالم ، ويا لها من ساعة كانت ~~مهولة! إذ قد احترق بها خلق ما له عدد من العساكر العثمانية والصلدات الفرنساوية، وسقط حيط ~~القلعة إلى ناحية الباب، ومات مصطفى باشا حريقا بالنار، ولم يبق من الفرنساوية سوى نحو ~~ماية نفر، فتراكمت العساكر وقبضوا عليهم، وحضرت الأخبار إلى أمير الجيوش كليبر فيما جرى على ~~الفرنساوية الذين في قلعة العريش، فأخذه العجب واشتد به الغضب، ونبه على العسكر بأخذ ~~الأهبة للسفر، وأحضر مصطفى باشا كوسا وأخبره بما جرى وتدبر على عسكره من الموت والضرر، ~~وشرح له غدر الإسلام وخيانتهم وعدم أمانتهم، فتصاعب الأمر عليه وكبر ذلك لديه وقال له: على ~~موجب هذا الأسلوب كيف تأمن منا القلوب؟ فبدأ مصطفى باشا يقدم له الاعتذار ويطرد من قلبه ~~النار، ويدعي جهل عساكرهم وعدم طاعتهم إلى أكابرهم، ويلطف له الحادثة، ويتمناه أن لا ~~يجعل الأمور ناكثة، وكان أمير الجيوش لم يزل مصرا على الركوب ومستعدا للحروب، وفي ~~مبادي شهر شعبان سنة 1214 ركب من مدينة مصر إلى مدينة بلبيس بالصالحية بعدة عساكر قوية، ~~وقبل خروجه من الكنانة أحضر العلماء وأرباب الديوان وباقي الحكام والأعيان، وأوصاهم على ~~الصيانة وعدم الخيانة، ورفع البلابل والقلاقل، وحفظ الديار من القوم الأشرار، ويوعدهم ~~بالدمار والدثار إن كانوا يذكرون عوايدهم السابقة ويتبعون الرأيات المنافقة والمشاقة، ~~فتضمنت له العلماء والأعيان بهدوء الرعايا وعدم الافتنان. # وسار من مدينة القاهرة وشرار الغضب في فواده ظاهرة وتنفسات الصعداء من أحشائه طايرة، ~~وعندما وصل إلى أرض الصالحية بدأ يختبر العساكر بفطنته الزكية فوجد قلوبهم منقسمة ووجوههم ~~غير مبتسمة، ونفوسهم قلقانة ومن النفور ملانة، وقلوبهم إلى السفر ظمآنة، ومتحسرين من نفور ~~أهل الكنانة وخاشين من الخيانة، وقد كان أخبره حاكم مدينة بلبيس أنه طلب الصلدات إلى المسير ~~فامتنعوا، ثم أخبروه أيضا أن الجنرال ورديه حاكم مدينة دمياط أنه دق طبول ms082 المسير إلى أراضي ~~قطية حسب أمر أمير الجيوش، فامتنعت الصلدات وأبدت التنكير وأبت عن المسير، فقلق الجنرال ~~قلقا عظيما؛ إذ كان ذلك ضد عوايد العساكر الفرنساوية، ثم بلغه أيضا من حاكم مدينة ~~الإسكندرية أن الصلدات الفرنساوية نهضوا على بعض الكوميسارية المسافرين بأمر أمير الجيوش ~~إلى البلاد الإفرنجية ومنعوهم عن السفر بالكلية، وقالوا لهم: نحن نظيركم بالسوية ~~وبالحرية، ومن المحال أن ندعكم تسيروا بهذه الأموال ونحن نقاسي الوبال والنكال، إما ~~أننا نسير سوية وإما نمكث سوية، ثم بلغه أيضا أن أحد الجنرالية وهو جايز في أراضي ~~طنطة؛ مقام السيد البدوي عليه أشرف السلام المشهور في أراضي مصر خرجت عليه شردمة من ~~العربان والفلاحين وكان صحبته ثلاثة آلاف صلدات فلم يرضوا يحاربوهم، وحينما تواردت الأخبار ~~إلى أمير الجيوش بذلك الديوان وعلم ذلك الشان، واتضح لديه بأن قلوب الفرنساوية غير ~~مستوية، فكتم ذلك بسره، وعمل على الصلح والتسليم. # هذا ما كان من الفرنساوية وأما ما كان من صدر الدولة العثمانية أنه كان باذل جهده ~~بإخراج الفرنساوية من المملكة المصرية من غير حرب ولا قتال، احتسابا مما يعلمه من بطشهم ~~في الجدال، وقوة بأسهم وشدة مراسهم وعدم اكتراثهم، ومخافة على خراب البلاد وهلاك ~~العباد وتلاف الأجناد؛ فلذلك ما سره أخذ قلعة العريش بالسيف مما حل بعسكره من الحيف ~~بذلك الحريق الفظيع والأمر المريع، فكان يريهم الحرب والمصادمة ويتهددهم بالأوامر الصارمة، ~~وأما قصده ومرامه بأن يخرجوا بالسلامة وتستخلص دار الكنانة، وكان هذا هو الصواب لأن ~~الفرنساوية من أصعب القوم الصعاب، وحربهم مر العذاب، وكانوا قد تمكنوا القلع المكينة ~~والحصون المتينة والأقاليم والمدينة، ويعلم بأن حروبهم كثيرة ومقاومتهم خطيرة؛ فلذلك كان ~~يرغب أمر الصلح، وقد كان كل من الفريقين مقصوده الأمن والنجاح والتقريب والإيلاف وتدبير ~~الأمور من غير خلاف، ورفع الخصام وبلوغ المرام، فولجت الوسايط بعقد الرباط، ورجعوا على ما ~~كانوا عليه من الارتباط وتوفيق الشروط وتمكين العقد المربوط. # وما زالوا يثبتوا أشياء وينكروا أشياء، ويقبلوا أشياء ويرفضوا أشياء، حتى تمت المواد ~~وحصل المراد، واتفقت الأمور ms083 على خروج العسكر الفرنساوي من مملكة مصر بالصلح والأمان، ~~وتسليم الديار المصرية لدولة آل عثمان، على شروط وثيقة وعقود حقيقية، وأمضى عليها الأمير ~~كليبر ووزيره الجنرال داماس، ثم الجنرال ديزه ، ثم بوسلنج مدبر الحدود، وأمضى عليها الوزير ~~الأعظم والدفتردار رشيد، ومصطفى أفندي رئيس الكتاب، وكل من الفريقين أخذ نسخة الشروط، ~~وأرسل الوزير الصورة إلى الدولة العلية، وأرسل أيضا الأمير كليبر الصورة إلى مدينة باريز ~~إلى المشيخة الفرنساوية، وهذه الصورة: # إن الجيش الفرنساوي بمصر عندما قصد أن يوضح ما في نفسه من الشوق لحقن الدماء، ~~ورأى نهاية الخصام المضر الذي حصل ما بين المشيخة الفرنساوية والباب الأعلى، ~~ارتضى أن يسلم الإقليم المصري بحسب هذه الشروط الآتي ذكرها، بأمل أن في هذا ~~التسليم يمكن أن يتجدد ذلك الصلح العام في بلاد الغرب قاطبة. # الشرط الأول: # أن الجيش الفرنساوي يلزمه أن يتنحى بالأسلحة والعزال والأمتعة ~~إلى الإسكندرية ورشيد وأبو قير؛ لأجل أنه يتوجه وينتقل بالمراكب ~~إلى فرنسا، إن كان ذلك في مراكبهم الخاص أم في تلك المراكب التي ~~يقتضي للباب العالي أن يقدمها لهم قدر الكفاية، ولأجل تجهيز ~~المراكب المذكورة بأقرب نوال، وقد وقع الاتفاق أن من بعد مضي شهر ~~واحد من تقرير هذه الشروط يتوجه إلى قلعة الإسكندرية واحد من ~~الباب العالي وصحبته خمسون نفرا. # الشرط الثاني: # لا بد عن المهلة وتوقيف الحرب بمدة ثلاثة أشهر بالأقاليم ~~المصرية، وذلك من عهد إمضاء شروط هذا الاتفاق، وإذا صادف الأمر ~~أن هذه المهلة قد تمت من قبل أن المراكب الواجب تجهيزها من قبل ~~الباب العالي تحضر مجهزة في المهلة المذكورة، فيقتضي مطاولتها ~~إلى أن ينجز الرحيل على التمام والكمال، ولمن الواضح أنه لا بد ~~عن إصراف الوسايط الممكنة من قبل الفريقين؛ لكيلا يحصل ما يمكن ~~وقوعه من السجس إذ كان ذلك إلى الجيش أم لأهل البلاد إذا كانت هذه ~~المهلة قد حصل الاتفاق بها لأجل الراحة. # الشرط الثالث: # فرحيل الجيش الفرنساوي يقتضي تدبيره بيد الوكلاء المنقامين لهذه ~~الغاية من الباب الأعلى وساري عسكر كليبر، ms084 وإذا حصل خصام ما بين ~~الوكلاء المذكورين بوقت الرحيل فمن هذا الصدر ينتخب من قبل حضرة ~~سميت ساري عسكر الإنكليز رجل ينهي المخاصمات المذكورة بحسب قواعد ~~السياسة البحرية السالكون عليها ببلاد الإنكليز. # الشرط الرابع: # فقطية والصالحية فلا بد عن خلوصهما من جيش الفرنساوية في ثامن ~~يوم وأعظم ما يكون في عاشر يوم من إمضاء الشروط والاتفاق، ومدينة ~~المنصورة يكون خلوها من بعد خمسة عشر يوم، وأما دمياط وبلبيس ~~من بعد عشرين يوم، وأما السويس فيكون خلوها بستة أيام قبل ~~مدينة مصر، وأما المحلة الكاينة في الجهة الشرقية من بحر النيل ~~فيكون خلوها في اليوم العاشر، والضليطة أي إقليم البحرية فيكون ~~خلوها بخمسة عشر يوم بعد خلو مصر، والجهة الغربية لا بد أنها ~~تستمر بيد الفرنساوية إلى أن يكون انحدر العسكر من جهة الصعيد، ~~فلهذا السبب جهة الغربية وتعلقاتها كما ذكر لا يتيسر خلوها ~~إلا من بعد انقضاء وقت المهلة المعينة إن لم يمكن قبل الميعاد، ~~والمحلات التي تترك من الجيش تسلم إلى الباب الأعلى كما هي حالها ~~الآن. # الشرط الخامس: # إن مدينة مصر إن أمكن ذلك يكون خلوها بأربعين يوما وأكثر ما ~~يكون مدة خمسة وأربعين يوما من إمضاء الشروط المذكورة. # الشرط السادس: # إنه لقد وقع الاتفاق صريحا على أن الباب الأعلى يصرف كل ~~اعتناه في أن الجيش الفرنساوي الموجود في الجهة الغربية من بحر ~~النيل عندما يقصد الذهاب بكامل ما له من السلاح والعزال نحو ~~معسكرهم لا تصير عليه مشقة ولا أحدا يشوش عليه، إن كان مما ~~يتعلق شخص كل واحد منهم أم بأمتعته أم بإكرامه، وذلك إما من ~~قبل أهل البلاد أم من جهة العسكر السلطاني العثماني. # الشرط السابع: # وحفظا لإتمام الشرط المذكور أعلاه وملاحظة لمنع ما يمكن وقوعه ~~من الخصام والمعاداة فلا بد من استعمال الوسايط في أن عسكر ~~الإسلام يكون دايما مبتعدا عن عسكر الفرنساوية. # الشرط الثامن: # من بعد تقرير وإمضاء هذه الشروط فكل من كان من الإسلام أم من ~~باقي الطوايف من رعايا الباب الأعلى ms085 بدون تمييز الأشخاص أوليك ~~الواقع عليهم الضبط أم الذين واقع عليهم الترسيم في بلاد فرنسا أم ~~تحت أمر الفرنساوية بمصر يعطى لهم الإطلاق والعتق، وبمثل ذلك كل ~~الفرنساويين في كامل البلدان والأساكل من مملكة العثمانية، وكل ~~كامل أوليك الأشخاص من أي طايفة كانت، أوليك الذين كانوا في ~~تعلق خدمة المراسلات والقناصل الفرنساوية لا بد عن ~~انعتاقهم. # الشرط التاسع: # فترجع الأموال والأملاك المتعلقة بسكان البلاد والرعايا من ~~الفريقين أم مبالغ أثمانها لأصحابها فيكون الشرع به حالا من بعد ~~خلوص مصر، والتدبير في ذلك يكون بيد الوكلاء في إسلامبول المقيمين ~~من الفريقين لهذا القصد. # الشرط العاشر: # فلا يحصل التشويش لأحد من سكان الأقاليم المصرية من أي ملة ~~كانت، وذلك في أشخاصهم ولا في أموالهم؛ نظرا إلى ما يمكن ما يكون ~~قد حصل من الاتحاد ما بينهم وبين الفرنساوية بزمان إقامتهم ~~بمصر. # الشرط الحادي عشر: # لا بد أنه يعطى للجيش الفرنساوي إن كان من قبل الباب الأعلى ~~أو من قبل المملكتين المرتبطتين معه؛ أعني به مملكة الإنكليز ~~والمملكة المسكوبية فرمانات الإذن وأوراق المحافظة بالطريق، ويمثل ~~ذلك السفن اللازمة لرجوع الجيش المذكور بالأمن والأمان إلى بلاد ~~فرنسا. # الشرط الثاني عشر: # عند نزول الجيش الفرنساوي الكاين بمصر الآن إن الباب الأعلى ~~وباقي الممالك المتحدة معه يعاهدون بأجمعهم أنه من وقت ينزلون ~~بالمراكب إلى حين وصولهم إلى أراضي فرنسا لا يحصل عليهم شيء قط من ~~الضرر، فحضرة الجنرال كليبر ساري عسكر العام يعاهد من قبله وصحبته ~~الجيش الفرنساوي الكاين بمصر بأنه لا يصدر منهم ما يؤول إلى ~~المعاداة على الإطلاق ما دامت المدة المذكورة، وذلك لا ضد ~~العمارة ولا ضد بلدة من بلدان الباب الأعلى وباقي الممالك ~~المرتبطة معه، وكذلك إن السفن التي يسافر بها الجيش المشار إليه ~~ليس لها أن ترسي في حد من الحدود إلا بتلك التي تختص بأراضي ~~فرنسا إذا لم يكن ذلك في حادث ضروري. # الشرط الثالث عشر: # ونتيجة ما توقع الاتفاق عليه من الإهمال المشروط أعلاه بما ~~يلاحظ خلو الأقاليم المصرية ms086 والجهة التي وقع عليها هذا الاشتراط ~~فقد اتفق على أنه إذا حضر في بحر هذه المدة المذكورة مركب من ~~بلاد فرنسا بدون معرفة غلايين الممالك المتحدة ودخل بميناء ~~الإسكندرية، فلازم عن سفر حالا، وذلك بعد أن يكون تحوج بالماء ~~والزوادة اللازمة، ويرجع إلى فرنسا وذلك بسندات وأوراق الإذن من ~~قبل الممالك المتحدة، وإذا صادف الأمر أن مركبا من هذه المراكب ~~يحتاج إلى الترقيع فهذا لا غير يباح له بالإقامة إلى أن ينتهي ~~إصلاحه، وفي الحال من ثم يتوجه إلى بلاد فرنسا نظير الذين قد تقدم ~~القول عنهم عند أول ريح يوافقه. # الشرط الرابع عشر: # وقد يستطيع حضرة الجنرال كليبر سرعسكر العام أن يرسل خبر إلى ~~أرباب الحكام الفرنساوية في الحال، ومن يصحب هذا الخبر لا بد أن ~~يوطي له أوراق الإذن بالانطلاق كما يعتني ليسهل بهذه الواسطة وصول ~~الخبر إلى الحاكم بفرنسا. # الشرط الخامس عشر: # وإذ قد اتضح أن الجيش الفرنساوي يحتاج إلى المعاش اليومي ما دامت ~~الثلاثة أشهر المعينة نحو الإقليم المصري، وكذلك لمعاش الثلاثة ~~الأشهر الأخيرة، التي يكون مبتداها من أول نزولهم بالمراكب، فقد ~~وقع الاتفاق على أنه يقدم له مقدار ما يلزم من القمح واللحم ~~والرز والشعير والتبن، وذلك بموجب القايمة التي تقدمت الآن من ~~وكلاء الجمهور الفرنساوي، إن كان ذلك مما يخص إقامتهم أو ما ~~يلاحظ سفرهم، والذي يكون قد أخذه الجيش المذكور مقدار ما كان، وذلك ~~من بعد إمضاء الشروط فينحسم مما قد ألزم ذاته بتقدمه الباب ~~الأعلى. # الشرط السادس عشر: # ثم إن الجيش الفرنساوي منذ ابتداء وقوع إمضاء هذه الشروط ~~المذكورة ليس له أن يفرض على البلاد فرضا من الفرايض قطعا ~~بالأقاليم المصرية، وبالعكس فإنه يخلي للباب الأعلى كامل فرض ~~المال وغيره مما يمكن توجيه قبضه وذلك إلى حين سفرهم، ومثل ذلك ~~الجمال والهجن والجبخانة والمدافع وغير ذلك مما يتعلق بهم ولا ~~يريدوا أن يحملوه معهم، ونظير ذلك شون الغلال الواردة لهم من تحت ~~المرى، وأخيرا مخازن الخرج فهذه كلها لا بد عن الفحص ms087 عنها ~~وتسعيرها من الناس وكلاء موجهين من قبل الباب الأعلى لهذه ~~الغاية، ومن الجنرال الإنكليز، وأيضا من الوكلاء المتصرفين بأمر ~~الجنرال كليبر ساري عسكر، وهذه الأمتعة لا بد عن قبولها من وكلاء ~~المتقدم ذكرهم بموجب ما وقع عليه الشرط إلى حد قدر مبلغ ثلاث ~~آلاف كيس، التي تقتضي إلى الجيش الفرنساوي المذكور لسهولة انتقاله ~~عاجلا ونزوله بالمراكب، وإن كانت الأسعار في هذه الأمتعة المذكورة ~~لا توازن المبلغ المرقوم أعلاه في الخسس والنقص في ذلك؛ لا بد عن ~~دفعه في التمام من قبل الباب الأعلى على جهة السالفة التي يلتزم ~~بوفايها أرباب الأحكام الفرنساوية بأوراق التمسكات المدفوعة من ~~الوكلاء المعينين من الجنرال كليبر سرعسكر العام لقبض واستيلاء ~~المبلغ المذكور. # الشرط السابع عشر: # ثم إنه إذ كان تقتضي الجيوش الفرنساوية ببعض المصاريف لخلوهم ~~مصر؛ فلا بد أن يقبض ذلك من بعد تقرير مسك الشروط المذكورة القدر ~~المحدود أعلاه بوجه الذي نذكره، أعني من بعد مضي خمسة عشر يوم ~~خمسماية كيس، وفي غلاقة ثلاثين يوم خمسماية كيس أخرى، وتمام ~~الأربعين يوم ثلاثماية كيس أخرى، وعندما كمال الخمسين يوم ثلاثماية ~~كيس أخرى، وفي الستين يوم ثلاثماية كيس أخرى، وفي السبعين يوم ~~ثلاثماية كيس أخرى، وفي الثمانين يوم ثلاثماية كيس أخرى، وعند ~~غلاقة التسعين يوم خمسماية كيس أخرى، وهذه كل الأكياس المذكورة ~~هي عن كل كيس خمسماية قرش عثمنلي، ويكون قبضها من يد الوكلاء ~~المعينين لهذه الغاية من قبل الباب الأعلى، ولكي يسهل إجراء ~~العمل بما وقع عليه الاعتماد فالباب الأعلى من بعد وضع الإمضاء ~~بالنسختين من الفريقين يوجه حالا الوكلاء إلى مدينة مصر وفي ~~بقية البلاد المستمرة بها الجيوش. # الشرط الثامن عشر: # ثم إن فرض المال الذي يكون قد قبضته الفرنساوية من بعد تاريخ ~~تحرير الشروط المذكورة، وقبل أن يكون قد اشتهر هذا الاتفاق في ~~الجهات المختلفة بالأقاليم المصرية فقد تنحسم من قدر الثلاثة آلاف ~~كيس المقدم القول عنها. # الشرط التاسع عشر: # ثم لكي يسهل خلو المحلات سريعا، فالنزول للمراكب الفرنساوية ~~المختصة بالحمولة الموجودة ms088 في المين والأقاليم المصرية مباح به ~~ما دامت الثلاثة أشهر المذكورة المعينة للمهلة، وذلك من دمياط ~~ورشيد حتى إلى الإسكندرية، ومن الإسكندرية حتى إلى رشيد ~~ودمياط. # الشرط العشرون: # فمن حيث إنه للاطمئنان الكلي في جهة البلاد الغربية يقتضي ~~الاحتراس الكلي لمنع الوبا والطاعون عن أنه يتصل هناك؛ فلا ~~يباح ولا لشخص من المرضى أو من أوليك الذين مشكوك بهم ريحة من هذا ~~الداء الطاعوني أن ينزل بالمراكب، بل إن المرضى بعلة الطاعون أو ~~بعلة اخرى أيتما كانت التي بسببها لا يقتضي أن يسمح بصرفه ~~بمدة خلو الأقاليم المصرية الواقع عليها الاتفاق، يستمرون ~~في بيمارستانات المرضى حيث هم تحت أمان جناب الوزير الأعظم، ~~ويعالجونهم الأطباء من الفرنساويين أوليك الذين يجاورونهم بالقرب ~~منهم إلى أن يتم شفاهم، يسمح لهم بالرحيل الشيء الذي لا بد منه ~~اقتضا الاستعجال به بأسرع ما يمكن، ويحصل لهم ويبدو نحوهم بما ذكر ~~في الشرطين الحادي عشر والثاني عشر في هذا الاتفاق نظير ما يجري ~~على باقي الجيش، ثم إن أمير الجيوش الفرنساوي يبذل جهده في إبراز ~~الأوامر بأشد صرامة لرؤساء العساكر النازلة بالمراكب بأن لا يسمحوا ~~لهم بالنزول بميناء خلاف المين التي تتعين لهم من رؤساء ~~الأطباء، تلك المين التي يتيسر لهم بها أن يقضوا أيام الكارنتينا ~~بأوفر سهولة من حيث إنها من مجرى العادة ولا بد عنها. # الشرط الحادي والعشرون: # وكل ما يمكن حدوثه من المشاكل التي تكون مجهولة ولم يمكن الاطلاع ~~عليها في هذه الشروط فلا بد عن نجازها بوجه الاستحباب ما بين ~~الوكلاء المعينين لهذا القصد من قبل جناب الوزير الأعظم وحضرة ~~الجنرال كليبر ساري عسكر العام بوجه يسهل ويحصل الإسراع ~~بالخلو. # الشرط الثاني والعشرون: # وهذه الشروط لا تعد صحيحة إلا من بعد إقرار الفريقين وتبديل ~~النسخ وذلك بمدة ثمانية أيام، ومن بعد حصول هذا القرار لا بد ~~من حفظ هذه الشروط وحفظ اليقين من الفريقين كليهما، ثم صح ~~وتقرر بختوماتنا الخاصية بنا بالمعسكر حيث وقعت المداولة بحد ~~العريش في شهر بلويوز سنة الثامنة ms089 من إقامة المشيخة الفرنساوية وفي ~~رابع وعشرين شهر كانون الثاني 1800 المسيحية الواقع في ثمانية ~~وعشرين من شهر شعبان هلالي سنة 1214 للهجرة. # وهذه أسماء الوكلاء الممضين: # مصطفى أفندي رئيس الكتاب # الجنرال ديزه المتفرقة # بوسلنج مدبر الحدود # الجنرال داماس # جناب مصطفى رشيد أفندي دفتردار # ممضي الجنرال كليبر # صح وجرى بمحل المعسكر العام بالصالحية # ثم إن الجنرال كليبر من بعد ما أمضى على الشروط المقدم ذكرها نهض من أرض الصالحية ورجع ~~إلى القاهرة، وأرسل صورة الشروط إلى المطبعة الفرنساوية وطبعها في العربية، وأرسلها إلى ~~الديوان الخصوصي بمصر، وهو ديوان العلماء، وشاع خبرها في ساير الأقاليم المصرية، وصار فرح ~~عظيم عند الملة الإسلامية باستنقاذ مصر من يد الفرنساوية ورجوعها إلى الدولة العثمانية، ~~وبدأ الأمير كليبر أمير الجيوش يجمع العساكر من الأقاليم ويرسلها إلى بندر رشيد وإلى ~~الإسكندرية، وفي هذه الفترة عزم على السفر الجنرال ديزه وبوسلنج مدبر الحدود وسافر أيضا ~~عدة جنرالية وكوميسارية والجنرال دوكا والجنرال ويال وغيرهم، وهؤلاء جميعهم اتفقوا يبيعوا ~~خيولهم وأثقالهم ويستحضرون لما يلزمهم في الطريق. # وأما ما كان من الوزير الأعظم فإنه من بعد مضي الشروط المقدم ذكرها أرسل فرمانا إلى ~~مصطفى باشا كوسا أنه يكون قيمقامه في القاهرة إلى أن يحل ركابه السعيد، ثم أرسل فرمان ~~للتاجر المعروف بمصر بأحمد المحروقي وأنه يكون مباشر مع مصطفى باشا أمور مدينة مصر ~~وأقطارها، ثم أرسل صورة الشروط إلى الباب الأعلى وطلب مراكب السفر للفرنساوية من الإسكندرية ~~حكم الشروط المحررة، وصار في مدينة القسطنطينية فرحا عظيما، وأمر السلطان سليم بزينة ~~عظيمة، وضربت المدافع الكثيرة، وبدت تتجهز المراكب وتوسق البضايع من القسطنطينية وغيرها ~~لمصر وإلى الإسكندرية، وسيأتي عنها النص، وشاع أخبار هذا الصلح في ساير الأقطار وكامل ~~الأمصار، وكان فرح عظيم وسرور جسيم، وانتشرت الأعلام في أراضي الشام وكان عند الإسلام الفرح ~~التام، وبدا الوزير الأعظم يتقدم بالجيوش والعساكر وكلما أخلت الفرنساوية محلا من ~~البلاد يرسل له العساكر والأجناد. # وما زال الوزير يتسلم من الفرنساوية القلع والحصون والبلدان العامرة، إلى أن ms090 صار بالقرب ~~من القاهرة، وحضر إليه الأمير مراد بيك الذي كان مقيم في أراضي الصعيد ومعه جملة من السناجق ~~والكشاف، وأكرمه الوزير وأعطاه ولمن معه، وكان قد تضايق من طول الغربة، وترادفت العساكر ~~العثمانية والجيوش السلطانية وامتدوا إلى مدينة بلبيس وإلى العادلية، وبقوا مسافة ثلاثة ~~ساعات عن القاهرة بالجيوش الوافرة والعساكر المتكاثرة، واجتمعت عليه العربان وسكان تلك ~~البلدان، وبقت العساكر تنوف عن ماية ألف، وخرجت أعيان مصر والعلماء والحكام وتجار وعوام ~~إلى مقابلة وزير الختام، واندهش السمع والبصر من رؤيا ذلك العسكر والجيش المفتخر، وكادت ~~القلوب أن تذوب من الفرح والسرور من تغيير تلك الأمور وخلاص بلاد المسلمين من يد ~~الكافرين. # وفي أفضل الشهور وأحسن السنين تنكست أعلام الفرنساويين وسافر أكثرهم إلى الإسكندرية، ~~وخليت منهم غالب أراضي المصرية وجعل الوزير الأعظم يرسل إلى مصطفى باشا أن يعلم الساري عسكر ~~الأمير كليبر أنه يعجل بالخروج من مصر ولو أنه قبل الميعاد ويقيم في بلدة الجيزة، وهناك ~~تكمل عدة الأيام المعلومة، وأخبر مصطفى باشا الأمير كليبر بذلك، فاغتاظ من ذلك الأمر ~~وأجابه: أن الوزير أسرع بقدومه إلى أرض مصر ولم يسر على حكم ما تقرر في الشروط؛ لأجل ذلك ~~نخشى وقوع الخلل بين العساكر؛ إذ إنني أرى عساكرهم مختلطين مع عساكرنا، وهذا ضد الشروط ~~التي أمضينا عليها، حتى إلى الآن لم أرى الذخاير تحضرت ولا المراكب تجهزت، وأنا فلا ~~يمكني الخروج إلى الجيزة قبل تمام الميعاد وتتميم المدة المعينة إلى آخر دقيقة، وأعرض ~~مصطفى باشا على الوزير جواب الأمير كليبر، فلم يقنع الوزير من ذلك السبب ولم يكل من الطلب ~~من هرج الجماهير والعصب وميل العساكر لبلوغ الأرب، إذ كان عجبهم من عجب ولا يسلم العجب من ~~العطب، فكانوا يلجون إلى الكنانة بقلوب من الأحقاد ملآنة وفي نفوسهم الغدر والخيانة، وهذا ~~وعسكر الفرنساوية لم تزل على حال واحد مستوية سايرين على ما بينهم مؤامنين من ~~مكرهم. # وفي بعض الأيام جاز أحد الصلدات في أحد الشوارع فنهضوا عليه خمسة من الإنكشارية، وضربه ~~أحدهم ms091 بالياتغان فقتله، وتراكضت الصلدات الفرنساوية وأخبرت أمير الجيوش، فأمر العساكر أن ~~تتجهز وتستعد للمصافقة، وصارت رجة عظيمة في المدينة، فبلغ مصطفى باشا كوسا فركب حالا ~~من منزله وحضر إلى بيت الساري عسكر فوجده في حالة الغضب مستعد للافتراس والعطب، وبدأ يعاتب ~~مصطفى باشا ويلوم الوزير على سرعة انتقاله وعدم ضبط رجاله، ويذكره ما تقرر في الشروط من ~~عدم اختلاط العساكر خشية من مثل هذه المشاكل والمخاطر، فأخذ مصطفى باشا يبرر ذاته ~~ويروق عكاره ويوعده بمنع العساكر عن الدخول وبقتل القاتلين الخمسة دية المقتول، ولم يزل ~~يرطبه بلين الخطاب حتى نزع ما بقلبه من الاضطراب، وأنعم له وأجاب، ثم نهض مصطفى باشا في ~~الحال، وأعرض على الوزير ما حدث من التكدير، وأنذره غاية التنذير وحذره غاية التحذير، أنه ~~يكون على حدق بصير، وينبه على الكبير والصغير، ويمنع عن الدخول إلى مصر القليل والكثير، ~~ولا يترك أحدا يدخل إلى مدينة القاهرة خشية من وقوع المخاصمة والمشاجرة، فلما فهم الوزير ~~الأعظم ما أعرضه مصطفى باشا غضب غضبا شديدا ما عليه مزيد، وأمر بامتناع العساكر عن الدخول ~~إلى القاهرة وبقتل الخمسة أنفار عوضا عن المقتول، وقبض على الخمسة المذكورين وأرسل خنقهم ~~قدام بيت الساري عسكر في بركة اليزبكية، ورقدت الفتنة واستكنت الفرنساوية. هذا والوزير ~~الأعظم لم يزل يطلب الدخول إلى القاهرة قبل تمام الميعاد المعين في الشروط من تقمقم ~~العساكر عليه، وأمير الجيوش لم يمكنه من ذلك حتى تتم الوعدة وتنقضي المدة، وكان ~~الأمير كليبر يجمع الجبخانة والعساكر من القلع والحصون ولم يبق سوى القلعة الكبيرة ~~فقط. # ولما انتهى الميعاد إلى التمام وفاض عليه خمسة أيام أرسل الأمير كليبر سرعسكر العام ~~إلى مصطفى باشا أن يتسلم القلعة الكبيرة، وكان ذلك نهار الأربعة الواقع في ثمانية من شهر ~~شوال ذي المعامع والأهوال فأبى مصطفى باشا أن يتسلم القلعة نهار الأربعة وذلك لما ~~يتعقدون به من النحوسات والتنكيس، وترك التسليم إلى الخميس وكان به الخطا والتعكيس، وقد كان ~~رحل أكثر الفرنساوية إلى بر الجيزة ولم يبق ms092 منهم سوى القليل والساري عسكر وشردمة وجيزة. ~~وفي تلك ليلة الخميس الذي كان بدو التعكيس إذ كانوا عزموا عند الصباح يتسلم مصطفى باشا ~~القلعة الكبيرة فحضر كتابة إلى الأمير كليبر من الجنرال سند سميت ساري عسكر الإنكليز وبه ~~يقول: إنه لقد حضرت لي كتابة جديدة من مملكة إنكليترا كرسي الدولة الإنكليزية أنني لا أسمح ~~لكم بالخروج من مملكة مصر إلا أسراء بيدنا من بعدما تسلمونا جميع أموالكم وكامل سلاحكم، ~~وتسيرون معنا إلى مملكة إنكليترا كرسي دولتنا، وأما عهودكم وشروطكم مع الدولة العثمانية على ~~التسليم والذهاب إلى مملكة باريز كرسي المشيخة الفرنساوية فهي صارت فاسدة وعلى غير قاعدة، ~~وإذ كنا نحن الوسيطين بذلك سابقا وواضعين شهادتنا بها فلزم أننا ننبه عليكم الآن ~~بانتقاضها من بروز الأوامر الجديدة، وذلك حكم القوانين الملوكية الدارجة بين الممالك ~~الإفرنجية؛ لكيلا يعود على دولتنا الغدر والخيانة، فاعتمدوا تنبيهنا عليكم قبل تسليم ~~الكنانة. فلما وصل ذلك الكتاب إلى أمير الجيوش الفرنساوية واطلع على تلك الألفاظ المنكية ~~فاتقدت به النار وانشب من أنفه الشرار، وأحضر حالا كامل الجنرالية وباقي رؤساء العساكر ~~وساير الفيسالية وعقد ديوانا في منزله على شاطئ بركة اليزبكية، وقرأ عليهم كتاب الجنرال ~~سميت سرعسكر الإنكليزية فشملهم حزن عظيم وغم جسيم، وتحركت الأحقاد في القلوب وكادت أن ~~تذوب منهم الكبود، وعظم عليهم ما في ذلك المكتوب، ونادوا جميعهم بصوت واحد وقلب جامد: ~~الدمار الدمار بهذه الديار ولا الوقوع بهذا الاستئسار، فطفق أمير الجيوش يعج عجيج الدهوش ~~بصوت أفظ من صوت الوحوش، ويذكرهم أفعالهم وتغيير أحوالهم، وعدم امتثالهم وحنيتهم إلى ~~الأوطان وترك الحرب والطعان، وأن لم يقبل إلى هذا الصلح والتسليم إلا من بعد أن شاهد ~~قلقهم العظيم ومللهم الجسيم، فأجابوه الجميع إننا لا نخرج إلا على موجب الشروط والوثاق ~~المربوط، وبدون ذلك لا تتهيأ لنا المسالك، فنبه على وزير الختام أن يرجع إلى أراضي الشام، ~~ويثبت لنا شروط، ويؤيد لنا خطوطه بكتابة من دولة الإنكليز، ويمضي عليها ملكهم لا من ~~المقيم على البواغيظ بإذهابنا إلى مملكة ms093 باريز بأمن حريز، وإن كان لم يرتجع عن دربه فيلزمنا ~~أن نتصدر لحربه، وتكون عهوده معنا غير صادقة، وقصده إخراجنا بالمخاتلة والمنافقة، ~~ليلقينا في يد أعدائنا ويكونوا الجميع مترابطين على سفك دمانا ، فعندما نظر أمير الجيوش ~~تمكن قلوبهم فأجابهم إلى مطلوبهم، وأوعدهم بصدهم وردهم إلى أن يبلغوا مرغوبهم، وانتهى ~~الديوان وانصرف أوليك الأعيان وبدأ أمير الجيوش يفرق الأعلام على العساكر ويعرفهم ~~بإبطال السفر، وشاع الخبر وانتشر وبدت العساكر ترجع إلى منازلها إذ كان خرج أكثرها إلى بر ~~الجيزة ولم يبق منها إلا شردمة وجيزة. # وأحضر حالا مصطفى باشا وأخبره بالكتاب الذي ورد من الجنرال سميت، وأن يخبر الوزير الأعظم ~~أن يرجع بعساكره إلى حدود العريش، ويقيم هناك بينما يخاطب دولة الإنكليز، ويستأذنهم بإخراج ~~الجمهور الفرنساوي من مملكة مصر وإذهابهم إلى بلادهم والأوطان حكم الاتفاق المقرر في ~~الشروط على موجب العقد المربوط، فغاص مصطفى باشا في تيار من الأفكار ليس له قرار وقال: ~~لعمري إن هذا الخطب خطير وأمر عسير فلا حول ولا قوة إلا بالله العزيز القدير، لأنه كان ~~ذايقا تلك الروعة وشاربا كأس اللوعة، فنزل من أمام السرعسكر كليبر وهو في هم وغم ~~كثير، وصار إلى منزله وأعرض على الوزير ما سمعه من الجنرال كليبر، فاغتاظ الوزير غيظا ~~عظيما وغضب غضبا جسيما، وابتدوا يتداولون كيف أنهم يحتالون على إخراج الفرنساوية من ~~المدينة بطريقة أمينة، وإن لم يرتضوا يخرجوهم بقوة متينة، وكتب الوزير إلى السرعسكر كليبر ~~يقول له: إنه لقد بلغنا فحوى الكتاب الذي ورد إليكم من الجنرال سميت ساري عسكر الإنكليز، ~~وأنه قد توعد لكم بالاستئسار بعد خروجكم من هذه الديار، فكونوا أمينين مطمئنين ومن هذا ~~القبيل غير خاشين؛ فالساري عسكر المذكور لا يستطيع أن يتعرض لكم من بعد إشهار خاطر الدولة ~~العلية عليكم، ونحن إن شاء الله نهيئ لكم كل ما يؤول إلى راحتكم، ولا ندع الإنكليز ~~يعارضكم، وتسيروا في مراكبنا إلى أرضكم ومواطنكم بكل أمان واطمينان بدون ثقلة ولا هوان، ~~وحاشا أن بعد الشفقة تبدأ نحوكم القساوة، ms094 فالمراد أن تسلموا المدينة واذهبوا إلى بلدة ~~الجيزة، وقيموا هناك بكرامة عزيزة لبينما تتجهز لكم الذخاير والمراكب، وتسيروا على حسب ~~الشروط المقررة والعهود المحررة فقد تم وانتهى ميعاد إقامتكم في مدينة مصر ولم نعد نسمح ~~لكم بالإقامة بها ولا يوما واحدا لأننا بالحصر وعساكرنا وافرة وجيوشنا متكاثرة وفرساننا ~~جبابرة، ولم نكن قادرين على حجزهم عن الهجوم على القاهرة ونخشى عليكم من التلاف والعدم ~~وتندمون حيث لا ينفعكم الندم، فقد نبهنا عليكم بالخروج، والسلام. وأرسل ذلك الفرمان ليد ~~مصطفى باشا، وأوصله المذكور إلى أمير الجيوش الأمير كليبر، ولما وصل إليه كتاب الوزير ~~الأعظم غضب وتقمقم، ورد جواب إلى الوزير، وهو: إن الشروط التي تعاهدنا عليها قد انتقضت ~~وفسدت؛ لأن ساري عسكر الإنكليز من بعد إقراره بسفرنا إلى مملكة باريز نكث بعهده وخفض بوعده، ~~وقصد لحجزنا وتهيأ لأسرنا امتثالا لأوامر دولته وتكميل وظيفته، وقد نبه علينا بذلك ~~وأعلمنا بساير المسالك وما مهيا لنا من المهالك حسب عوايد الممالك؛ فلأجل ذلك من المستحيل ~~أننا نخرج من هذه المملكة على شروط مشركة، أو نسير بطريق غير مسلكة، ونلقي نفوسنا بهذه ~~المهلكة، فينبغي أن ترجعوا بعساكركم أقل ما يكون إلى مدينة بلبيس وتقيموا هناك لحينما ~~تخرجوا لنا أوامر جديدة من دولة الإنكليز بسفرنا إلى مملكة باريز حكم الشروط والعقد ~~المربوط، وهذا جوابنا، والسلام. ولما وصل ذلك الجواب إلى وزير الختام اعتراه الهم ~~والاغتمام، وأخذه الاضطرام من ذلك الكلام، وتراكمت عليه الأوهام، وصعب عليه القيام بهذا ~~الجيش الملتأم، وقامت ضجة عظيمة بذلك العسكر وصاحت الإسلام: الله أكبر، وطلبوا الهجوم على ~~مصر والمضاربة، وكانت أمورهم غير صايبة. # وأما الوزير الأعظم كان من أعقل وزراء الدولة العثمانية مشهورا بالفطنة الزكية والأخلاق ~~المرضية وهو من الأرهاط المستوية فبقي حايرا في هذه الأمور الردية وحدوث تلك الحركة ~~القوية، وتاه فكره ما بين أمرين مذهلين ومشكلتين عظيمتين وخطرين جسيمين، وعظم الأمر عليه ~~كيف يرجع إلى الورا بعد أن كان عزم على دخول القاهرة بالمواكب واللواء الفاخرة، وهو الوالي ~~على البلاد وتحت ms095 أمره جميع العباد، وجيشه كثير الأعداد وقريب المراد، وممالك مصر بالحقيقة ~~كانوا ينوفوا عن عشر ملايين خليقة، فلم يسعه أن يرجع على هذا المنوال وبقي قلبه خايف من ~~الحرب والقتال خشية من الفشل وخيبة الأمل؛ لما يعلم في الفرنساوية من كامل الفروسية في ~~حربهم الشديد، وما عندهم من المراس وقوة الباس، وتملكهم للقلع والحصون وانصبابهم على ~~الموت والمنون، ولكن غلبت عليه قوة النفس وما أمكنه يجاوب إلا كجواب أمس، وفرق الأعلام ~~على القبايل والعشاير، وبدأ يضم لعنده الجيوش والعساكر. # وحينما وصل الجواب الثاني إلى أمير الجيوش الأمير كليبر ووجد النص كالأول وأن الوزير عن ~~أبواب مصر لا يتحول فجاوب هو أيضا بعدم الذهاب والخروج وبدأ يحصن القلع والبروج، وكتب ~~الى ساير العساكر الفرنساوية التي كانت سايرة إلى رشيد وإسكندرية أن يرجعوا إلى مصر، وبدأ ~~يضعهم خارجا عند باب النصر، ونصب المضارب والخيام على باب البلد من الجبل الجيوشي إلى ~~البحر، وتكامل عسكره على ثمانية عشر ألفا مقاتل من كل ليث مجادل وقرم مخاتل، واجتمعت ~~العساكر العثمانية مع الطموش المصرية على نحو ماية وستين ألف، وامتلأت منهم تلك البوادي من ~~كل وادي ونادي، والمخاطبات كالمجاوبات على نص واحد وزعم جامد وقلب متباعد، وكل منهم ~~بعيد التداني ولا يلين أحدهما إلى الثاني، واستقامت تلك المحاولات والمخاطبات على ذلك ~~المرام سبعة أيام، ثم طلب الوزير الأعظم واحدا من المتقدمين عند الأمير كليبر لأجل ~~المفاوضة بذلك الأمر العسير، فأرسل له الجنرال بوضوط مع ترجمانه الخاص فساروا إلى العسكر ~~العثماني، وعند دخولهم على الوزير تحرك بالغضب عليهما، ولعنهما وشتمهما، وأمر بالقبض على ~~الجنرال بوضوط، وطرد الترجمان وقال له: اذهب إلى مولاك الكافر وقل له: إن لم في الغد يسافر ~~وإلا دهمته بهذه العساكر، وأطلقت فيكم النار ولا أعفي على كافر من هؤلاء الكفار، ورجع ~~الترجمان وهو مرعوب فزعان ودمعه هتان على ما حل بصاحبه من الذل والهوان وأخبر الأمير ~~كليبر بما سمع من الوزير، وكيف أسر الجنرال بوضوط وتركه في القيود مربوط، وما توعد به ms096 من ~~الدمار والدثار إن لم يخرجوا من تلك الديار. # فلما سمع أمير الجيوش ذلك الخبر طارت من عينيه الشرار وكاد قلبه ينفطر، وقام وقعد وأرغى ~~وأزبد، وفي الحال أمر بخروج المدافع والجبخانة وأحضر مصطفى باشا كوسا الذي كان في مصر مقيم ~~ووضع عليه الترسيم، وأحضر القنصل النمساوي وقبض عليه؛ لأن كان ملكه متحد مع الدولة ~~العثمانية، وفي تلك البلاد يحارب الفرنساوية، وسجن الاثنين في منزله الكاين في بركة ~~اليزبكية، وكان ذلك نهار الخميس الواقع في ستة وعشرين شوال الذي به حال الارتحال وبان ~~تغيير الأحوال، ولاحت علامات الأهوال، وبات الساري عسكر تلك الليلة على نية الحرب والقتال ~~ومصادمة الأبطال، وأرسل الأخبار إلى رؤساء العساكر أن يكونوا على غاية الحذر، وأن المسير ~~قبل طلوع النهار، سبحان الله القهار القاهر الجبابرة الكبار وهو العزيز الجبار ذو ~~الجلالة والاقتدار. # ولما كان نصف ذلك الليل ركب أمير الجيوش بالخيل، وسارت قدامه تلك الأبطال والفرسان ~~كأنهم الجان أو عفاريت سيدنا سليمان، لا يهابون الموت ولا يخشون الفوت، فليس لهم عن الحرب ~~عايق، ولا يخشون حلول البوايق، بهمة أقوى من الجبال وقلوب قد تعودت على لقاء الأهوال، ~~وكان قد ترك في منزله الجنرال درانطون مع ستين نفر صلدات؛ لأجل حفظ المنزل من الآفات، وفي ~~القلاع قليل من الرجال وعندهم المرضى والمشوشين من الحروب معطلين والكتاب والنساء، ~~والذين لا يدخلون الحرب تركهم في الجيزة، وطلب بذلك الجميع الغفير قتال عسكر الوزير، ويكبس ~~على عسكر الإسلام في حندس الظلام والناس نيام ويبلغ منهم المرام، ومن قبل أن يصل إليهم ~~ويهجم عليهم أطلق مدفع التنبيه، ثم أطلق ثانية فانتبهت عساكر الغز المصريين؛ لأنهم من ذلك ~~معودين وذاقوا حرب الفرنساويين، وركب مراد بيك جواده وقد ارتعد فؤاده، وأرسل إلى ناصيف ~~باشا ابن وزير الأعظم يقول له: الفرنسيس اقتربوا إلينا والظاهر أنهم كابسين علينا؛ فانهض ~~بالعساكر ولا تكن غير فاكر، فأجابه ناصيف باشا بقلب فاتر: إن الفرنسيس الكافر لا يستطيع ~~الهجوم على هؤلاء العساكر، وفي تلك الساعة أطلق أمير الجيوش المدفع ms097 الثالث الكبير وهو مجد ~~بالمسير، فتحقق ناصيف باشا قدوم الكفار وبقي في رعب وافتكار وأيقن بالذل والاحتقار، ~~وكان هو في أول عسكر في الإنكشارية مع الغز المصرية، وانتبهت عساكر الاسلام، ~~واستعدوا للحرب والصدام ومشوا بضجة وهرج طالبين ملاقاة الإفرنج، هذا والفرنساويون ~~قادمون عليهم بقلب غير هايم وضرب البارود الدايم. # ولما تقاربا الفريقان وهجمت الإسلام بضجيج ارتعدت منه الجبال، ولكن بقلوب مرتاعة من لقاء ~~الأهوال، فرجعت إلى خلف الفرنساوية بمخاتلة ومكيدة حتى طمعت بهم تلك الجماهير المتشددة، ~~فانقسمت الفرنساوية قسمين وأطلقوا عليهم مدفعين، ثم أطلقوا عليهم نار البارود، ودهمتهم تلك ~~العساكر والجنود، فيا لها من ساعة يكل عن وصفها اللسان! وترتعد من ذكرها الأبدان! وترتعب ~~من سماعها الإنس والجان! وتصادمت تلك الجيشان العظام تحت غسق الظلام، وماجت جيوش الإسلام، ~~وأكثرهم طلب الهرب والانهزام، وصدمتهم الإفرنج أي الصدام، وأورثتهم مواريث الإعدام، وبدلت ~~فيهم الحسام تحت ستور الظلام، والتطمت العساكر كالبحور الزواخر، وأرمت الفرنساوية عليهم ~~الكلل والقنابر كالسيل القاطر، وجادوا عليهم بضرب السيوف البواتر، وكثر الصياح وزاد النواح ~~وزهقت الأرواح من ضرب السلاح، وطلبت الإسلام الهرب والرواح في تلك البوادي والبطاح، وصاحوا: ~~الفرار الفرار من وقوع الأقدار، وقد بليوا بالعدم والدمار والذل والانكسار، وتشتتت تلك ~~الجيوش في البراري والقفار، المحارم في أعناقهم إشارة الذل والهوان، ودخل إلى المدينة ~~وتسلم الحصون المتينة، ورجع في الحال إلى مصر بكل عز ونصر. # وأما ما كان من أمير الجيوش كليبر ذلك البطل الحضير، فإنه حين كسر عسكر الإسلام وفرقهم ~~في تلك الروابي والآكام، وهم في مسيره في طلب الوزير إلى أن أشرف على مدينة بلبيس، فبعدما ~~أبعد في تلك الأراضي تجمع البعض من عساكر الإسلام عند ضحى النهار؛ فمنهم الغز وناصيف ~~باشا العظيم، والبعض من الإنكشارية، والمصريين الذين في تلك الأراضي خبيرين، وأتوا إلى مصر ~~ودخلوا من باب النصر، وكتب ناصيف باشا إلى الوزير يعرفه أنه قد دخل القاهرة بعساكر وافرة، ~~وملكوا الكنانة؛ لأنه لم يكن بها أحد من الفرنساوية، وأرسل الكتاب مع هجان ولم يدر ما ms098 ~~حل ببقية عسكر الوزير من الذل. # وحين دخل ناصيف باشا والغز إلى مصر استبشرت أهلها بالعز والنصر، وكانوا خافوا من ~~الفرنساوية لترجع إليهم وتبذل سيوفها فيهم، فاستنهضوا مع الغز في الحال وعللوا أرواحهم ~~بالمحال، وهجموا على حارة الإفرنج التجار فنهبوا الأموال وقتلوا الرجال، وسبوا الحريم ~~وقتلوا الأطفال، وبدوا يتعصبون عصبا ويهجمون على دور النصارى، فينهبون ويسبون ويصنعون ~~القساوة والفساد شي ما له تعداد، وهجموا على حارة الأقباط وقفلوا في وجوههم الأبواب، وكان ~~بها ذلك القبطي الذي كان مع الجنرال ديزه في الصعيد، فردهم مع أصحابه في الحرب العنيد ~~والرصاص الشديد، وأتت الغز إلى حارة اليزبكية، وهجموا على بيت الساري عسكر، فضربتهم ~~الصلدات بالرصاص والنار، ومنعوهم عن دخول الدار، وكان لهم يوم يذكر جيلا بعد جيل؛ لما به ~~من الهول الجزيل والخوف العظيم والهم الجسيم والعذاب الأليم، وقد تيقنت النصارى بالهلاك ~~والدمار وهتك الحريم وخراب الديار، وقام عثمان بيك كتخدا الدولة العلية في ذو الفقار ومعه ~~الأمراء المصرية، وأتت إليه المشايخ والعلماء الإسلامية وجميع التجار مع التاجر المشهور ~~السيد أحمد المحروقي المعلوم عند الوزير بالمعرفة والتدبير، وناصيف باشا نزل عند بركة ~~اليزبكية بالإنكشارية، وأما مراد بيك لم يدخل البلد احتسابا مما يتجدد، وبقي يجول في ~~بر الجيزة في شردمة وجيزة بفطنته الحريزة. # وكان عثمان بيك كتخدا الدولة العلية ذو نفس عتية وأخلاق مرضية وفطنة ذكية، فأخذته ~~الشفقة والرحمة على الرعية، وأطلق المناداة برفع الأذاة عن النصارى والرعية، ومنع الإسلام ~~المنع التمام عن النهب والحرام، وقال لهم: لا يجوز في ساير الأديان الأذاة على رعية ~~السلطان، وغضب من ذلك الشان، وأمر أجناده أن تدور بالحارات وكل من بدا منه فساد يقطعوه ~~بالسيوف الحداد. ولم تزل النار تتور والشر يفور والخلايق قايمة والهيجات دايمة على حارات ~~الأقباط وبيت الساري عسكر ذلك النهار بتمامه والليل بظلامه، والخلايق تجتمع والجماهير ~~تندفع، وهم يهيجون هيج الجمال ويهجمون هجم الرجال، ويرجعون خايبين الآمال، وقد اندهشت ~~الأبصار وحارت الأفكار وتاه العقل وطار، وحار القايل ما يقول وخشي الناقل ms099 تكذيب المنقول في ~~صلابة أوليك الستين صلدات الأبطال وثبات قلوبهم على حمل هذه الأهوال؛ إذ كانت تهجم عليهم ~~الخلايق أفواج كالبحر العجاج، وتهجم عليهم الجيوش هجمات الوحوش ألوف ألوف تفوق العدد ~~والصفوف ما لها مدد، وهذا الجنرال الصنديد يتلقاهم بعزم شديد، وذلك الثبات بستين صلدات، ~~واستمروا على ذلك الشان يومان عظيمان، وهذه العوالم تندفع دفعة بعد دفعة وهي على بيت الساري ~~عسكر مجتمعة وعن حربهم غير مرتجعة، ولا زالوا يهجمون ويرجعون بلا منفعة حتى ولى ذلك ~~النهار القهار، وكان أوليك الصلدات تتلقى تلك الجموعات الهاجمة من كل الجهات، إذ كان ~~كل منهم يصادم ألوفا ويرغم أنوفا ويهزم صفوفا، فاجتمع رأيهم أن يتركوهم ويذهبوا إلى ~~الجيزة، وما كانوا يعلمون ما تم إلى العساكر الفرنساوية مع العساكر العثمانية في تلك ~~البرية، وحين رأوا أكثر تلك العساكر التي دخلت إلى مصر استبشروا بالعز والنصر. # وبينما هم سايرين إلى الجيزة فالتقاهم رجل راكب من عسكر العثمانية على جواد متين عليه ~~هيئة السفر، فسألوه ما الخبر؟ فأعلمهم أن جيش الوزير انكسر وأمير الجيوش انتصر، فانقطعت ~~ظهورهم وحاروا في أمورهم، وانثنوا على أوليك الصلدات، وزاد الحرب وكثر البلاء والكرب، وأظهر ~~ذلك الجنرال درانطون غرايب الفنون، وكان هذا الجنرل رأسه ممسوح من الشعر لكبر سنه فكانت ~~أهل مصر تدعوه الأقرع والليث الأدرع، واشتد الحصار وهاجت أهل المدينة وأظهروا الأحقاد ~~الكمينة، وهجموا على منزل مصطفى أغا وأتوا به إلى قدام ناصيف باشا، وقدموا عليه شهودات ~~بأنه كان يؤذي المسلمين ويود الفرنساوية فأمر الباشا بقتله ونهب منزله، وقبض أيضا على ~~أناس كثيرين من المسلمين الذين كانوا يخدمون الفرنساويين وأذاقوهم الموت المهين وأوردوهم ~~موارد التلاف، وقبضوا على الشيخ خليل البكري نقيب الأشراف، وأتوا به حافيا عريانا ذليلا ~~مهانا، وقدموه إلى عثمان بيك فأمر بإطلاقه بعدما قدموا عليه جملة شهادات، وكان في أكثر ~~الأوقات شرب في منزله مع الفرنساوية المنكرات. # هذا وتلك الهجمة متصلة على تلك الصلدات من جميع الجهات وعلى حارة الأقباط التي بها ~~يعقوب الصعيدي، وقد كافح هذا الرجل ms100 كفاحا عظيما وعارك عراكا جسيما، وفي سادس يوم من تلك ~~الأسباب والأمور الصعاب هجمت الإسلام على حارة الأقباط ونهبوا البيوت وأيقنوا النصارى في ~~الهلاك والارتباط، فهذا ما كان من أحوال مصر وذلك الاتفاق. # وأما ما كان من مدينة بولاق فإنهم حينما بلغهم دخول ناصيف باشا والغز إلى مصر بالعز ~~والنصر فظنوا أن عسكر الإسلام انتصر وجيش الفرنساوية انكسر، فقاموا على النصارى الرعية ~~فنهبوا أموالهم وسبوا أعيالهم وعصوا أهل بولاق عصاوة شديدة وبنوا متاريس جديدة، وبعد ثمانية ~~أيام وصل أمير الجيوش إلى دار الكنانة، فوجدها من الأخصام ملآنة، وقد أشهروا العداوة ~~وأظهروا العصاوة، وحدثهم عقلهم الزميم في الجهل العميم على عدم التسليم، واحتاط أمير ~~الجيوش بعساكره الوافرة حول دايرة القاهرة، وصلبت أعناقهم على المحاصرة ومنع الداخل ~~والخارج، وسدوا المسالك والمدارج، ونشب القتال بينهم نهارهم وليلهم، فطلبت خلو المدينة ~~العساكر والحكام، فما مكنتهم من ذلك الأعوام، وتصددت الأعيان ذوي البيوت وحثهم على ~~الإقامة والثبوت، ومنهم ذلك البهموت السيد أحمد المحروقي فهو يتصدر للجدال وصرف الأموال، ~~وحرض الرجال على الحرب والقتال، ولم يزالوا المصريون مصرين على غرورهم المتين في محاربة ~~الفرنساويين. # وكان أمير الجيوش قد تمكن بعساكره من القلع والأسوار بالكلل وقوة النار، وكتب إلى ~~مدينة الإسكندرية يسترجع الجبخانة والمدافع التي كان أرسلها حين عزم على التسليم، وأرسل إلى ~~الجيزة أحضر مصطفى باشا كوسا وأرسله إلى دمياط، وقد بلغ أمير الجيوش ما أبدوه أهالي بولاق ~~من العصاوة والنفاق، فأرسل إليهم ذلك الأسد الهدار والليث المغوار الجنرال بليار وأمره أن ~~يهجم عليهم بالنار ويهدم الحصون ويخرب الديار، فهجم عليهم ذلك البهموت فما قدروا على ~~الثبوت، وتركوا المتاريس والتجوا للبيوت، فهجمت عليهم تلك العساكر بالرصاص المتكاثر والسيوف ~~البواتر، وأحرقوا المنازل واشتدت الأهوال، وهربت الرجال وبكت النسوان والأطفال، وصاحت ~~الكبار والصغار: الأمان الأمان يا جنرال بليار، فلما سمع بكاهم حن إلى شكواهم، وأمر ~~الصلدات بحفظ الحياة ومنع الممات، وعفا عن قتل الرجال، وبدوا ينهبون النساء والبنات، ~~ويهتكون الحراير المخدرات. # واستمر هذا البلاء العام ثلاثة أيام، ففي ms101 تلك المدينة هدمت المنازل المتينة واحترقت ~~البضايع الثمينة، وراح على التجار من المال والبضايع عدة خزاين وافرة؛ إذ كانت بولاق ~~أسكلة القاهرة، فتجتمع بها البضايع والأموال، وهي محل للاستقبال والارتحال لقربها الى ~~البحر، وكانت خزينة مصر ودثرت هذه المدينة في تلك الفتوح المهول عن سوء تدبير أهلها ~~المخذول، ومن بعد هذا الخطب العظيم والخراب الجسيم أمر أمير الجيوش أن يؤخذ من أهلها أربعة ~~آلاف كيس تمام الإنكيس، وكانت عساكر الفرنساوية مقيمين حول دايرة القاهرة نهارا وليلا على ~~المحاصرة والمجادلة والمشاجرة، وعساكر المدينة لم تمتنع من الهجمات وراء المتاريس المتينة ~~في ساير شوارع المدينة في كل الجهات، وقد عز القوت وهدمت البيوت. # وكانت أيام شديدة الأهوال غريبة الأحوال تتزعزع من ذكرها الجبال وتشيب من أهوالها ~~الأطفال، وقد شدت الفرنساوية الحصار وصارت العساكر تهجم الليل والنهار، وترمي على المدينة ~~النفط والنار والكلل والقنابر الكبار، وبقت أهل البلد بضجيج وعجيج والخلايق في الاضطراب ~~ورجيج، والولولة من النساء والصياح والبكاء والعويل والنواح، وكانت الرجال والنساء والأولاد ~~يختبون تحت العقودات من تساقط الكلل والقنابر من القلعات. # ولم يكن في تلك الأيام رقاد ولا مكان مؤتمن، بل حرب مستطيل وكرب دايم جزيل ونوح وعويل، ~~فيا لها من ليلة ما أمرها وأشدها وأحرها! ليلة فتحت بها ميازيب السماء وهطلت وغم ~~وجه الأرض بالمياه، فاستنهزت الفرنساوية الفرصة وهجموا في تلك الحصة، وأثاروا حروب عظيمة ~~لم يكن مثلها في الوقايع القديمة، واتقدت النيران في أربع جهات القاهرة، واحترقت بيوت ~~كثيرة في تلك الليلة الماطرة مع الحرب المتصل والضرب الغير منفصل، وماتت خلايق لا تحصى من ~~الفريقين وزعق عليهم غراب البين، وكانت الكلل تتساقط عليهم من القلع كالبرد على وجه البقاع، ~~وإذ كانت الناس مستترة في البيوت الذين على رصيف الخشب الكاين في اليزبكية، فأوقدت بهم ~~النار الفرنساوية فكانت ساعة لا تعد بالساعات من تلك البلايا النازلات، وهجمت الفرنساوية ~~وطردهم من تلك الحارات، وأحرقوا منازل كثيرة بتلك الجهات، وإذ شاهدت العساكر المحاصرة داخل ~~القاهرة تلك النيران الوافرة وعدم النجاح بهذه ms102 المصادرة، فضجوا وقالوا: كفانا هذه ~~المخاطرة. # وكانت الفرنساوية قد أحرقوا حارات متسعة؛ كحارة الحزوبي العدوي لحد باب الشعرية، ~~ورصيف الخشب وما يليه من المنازل العلية، فاجتمع رأيهم أن يطلبوا الأمان، وعقدوا في بيت ~~ناصيف باشا ديوانا، وقد اجتمعت السناجق والكشاف وعثمان بيك كتخدا الدولة والعلماء ~~والأشراف، وأخذوا يتفاوضون في أمر التسليم والخلاص من هذا البلاء العظيم، وفيما هم في ~~الاجتماع وإذ قد سقطت عليهم بومبة من القنابر ففرق جمعهم وأيقنوا بالموت والنزاع وقالوا هذه ~~هي الأخيرة وقد استخرنا الله وهو نعم الخيرة، فالتسليم أسلم لنا عاقبة من هذه المجادلة ~~والمعاقبة، وانتخبوا اثنين من المشايخ وهم عبد الله الشرقاوي وسليمان الفيومي واثنين من ~~السناجق؛ عثمان بيك البرديسي وعثمان بيك الأشقر، وأخذوا بيراق أبيض معهم إشارة الأمان، ~~وساروا مشاة إلى البركة اليزبكية. # ولما قربوا من ذلك المكان ونظر إليهم أمير الجيوش من بعيد وعرف الإشارة، فأمر برفع ضرب ~~البارود، وأرسل إليهم وزيره داماس ومعه ترجمانه الخاص، فلما تقابلوا قال لهم الجنرال ~~داماس: ما مرامكم؟ فقالوا له: تسليم المدينة وخروج العساكر بطريقة أمينة، وسفرهم إلى أراضي ~~الشام من القاهرة من دون مشقة ومخاطرة، وفرمان الأمان إلى الرعايا والأعيان، فرجع الجنرال ~~وأخبر أمير الجيوش بذلك فرد الجواب: إن الباشا وكتخدا الدولة مع الغز والسناجق، وكامل ~~العسكر لهم الأمان، وأصدر لهم فرمان بل ينقلوا إلى قاطع الخليج ويقوموا هناك ثلاثة أيام، ~~بينما يتجهز لهم ما يحتاجون من لوازم الطريق لأرض الشام، ويخرجون بساير خيلهم وأثقالهم، ~~وعند السفر يسير معهم الجنرال رانيه بأربعة آلاف صلدات إلى الصالحية؛ ليلا يصير لهم ~~معارضة في الطريق من أهل البلاد ويكون سبيلا للفساد، وجميع ما يتركون من المجاريح وذوي ~~الأمراض فيكون لهم الأمان وعدم الاعتراض، ولأجل عدم وقوع الخلل منهم بعد إصدار هذا الأمان ~~لهم يكون عندنا منهم اثنان رهينة لحينما يخرجون من المدينة ويصلون إلى أرض غزة، ويرجع ~~الجنرال رانيه إلى مصر بسلام، فنطلق سبيل الرهاين بكل إكرام، وقد أصدرنا لهم هذا الأمر ~~الكافي والأمان الوافي. # وأما أهل المدينة ms103 فلا نمنحهم الأمان، وليس لهم أن يسألوا عنهم الآن؛ لأنهم رعاياي ~~وتدبيرهم مختص بي، فرجعوا السنجقان والشيخان وأعرضوا القول على الغز والباشا وكتخدا ~~الدولة فامتثلوا القول، وعقدوا الرأي على إرسال سنجقين رهينة وهما عثمان بيك البرديسي ~~وعثمان بيك الأشقر، وحضروا لعند أمير الجيوش، ونبهوا حالا على العساكر بالانتقال إلى الجهة ~~الثانية من الخليج، ودخلت العساكر الفرنساوية وأخذوا الجهة الواحدة من الخليج وتملكوا ~~المتاريس، ونصبت الغز والعساكر العثمانية أوطاقها خارجا عن باب النصر، وشرعوا يتأهبون ~~لأجل السفر من مدينة مصر، ونصب الجنرال رانيه مضاربه أمامهم، وكان حزنا عظيما عند ~~المصريين وسقط عليهم خوف جسيم وبدوا بالنوح والعويل والبكاء والتعداد المستطيل في جميع ~~منازل الإسلام الخاص والعام، وبدوا يسبون الغز ويشتمونهم وهم خارجين، ويقولون لهم: ~~قد أحرقتمونا بناركم من بغيكم وضلالكم، وأسأتم إلينا وطرحتم شركم علينا، وقتلتم رجالنا ~~ويتمتم أطفالنا، وفي الثلاثة أيام خرجت العساكر من مصر بالتمام وخرجت معهم عدة من ~~العوالم وساروا قاصدين غزة والأراضي الشامية، والجنرال رانيه ساير في أثرهم بمن معه من ~~الفرنساوية إلى أن أوصلهم للصالحية، واستراحوا يومين وأخدوا ما يحتاجون وتوجهوا لقطية، ~~وقد ساعدهم الجنرال بما يحتاجون إليه من المأكل ومن الخيل والجمال، وتعجبت الإسلام من ~~أمان هؤلاء الأنام وحفظهم للذمام إذ كانوا خاشين من خيانتهم بالطريق وغدرهم في تلك ~~البرية، ثم رجع الجنرال عنهم إلى القاهرة بعزة وافرة. # وأما أمير الجيوش فإنه بعدما سارت العساكر أمر بأن يعملوا فرحة عظيمة، وحضرت إليه الأعيان ~~والحكام والعلماء وأرباب الديوان وأقعد عن يمينه السنجقين بكل إكرام، ورجع الفرنساوية إلى ~~محلاتهم في المدينة، وبعد ثلاثة أيام عمل أمير الجيوش ديوانا ودعا إليه العلماء ~~والأعيان وقال لهم: إني كنت أظنكم أيها علماء الديوان أنكم من الناس العقلاء ذوي ~~الأذهان، والآن قد استبان لي أن عقولكم أخف من عقول الصبيان وأجهل من النسوان؛ لأن بعد ~~معرفتكم أني قد قهرت وزير السلطان وشتتت جيشه في البراري والوديان، فقبلتم شردمة يسيرة ~~وفرقة حقيرة هاربين من سيفي الباتر وقوة بطشي القاهر، وأدخلتموهم القاهرة وأخذتم ms104 تحاربوني ~~بعيون فاجرة، مع أنكم تعلمون لا تربحون إلا الذل والإهانة وخراب وطنكم الكنانة، وهلاك ~~الرجال وذهاب الأموال، وقد كنتم قادرين على طرد هؤلاء القوم الهاربين وعدم تمكنهم الغير ~~الأمين، وإني قد كنت قادرا بعد حضوري أن أحرق المدينة في الحال، ولكن أخذتني الشفقة على ~~النساء والأطفال الذين لا رضا لهم بهذا الوبال والنكال، والآن قد صفحت عن خطئكم ولكن يلزمكم ~~أن تدفعوا مليونين من الريال، مبلغها ستة عشر ألف كيس ثمن دماكم، وعشرين ألف بندقية، ~~وخمسة عشر ألف جوز طبنجات، وعشرة آلاف سيف، وأربعماية بغل، وماية حصان؛ وهذه يكون منها على ~~السيد أحمد المحروقي ماية وخمسين ألف ريال، وعلى شيخ مصطفى الصاوي خمسين ألف ريال، والشيخ ~~العناني ثلاثين ألف ريال، وبقية المال على أهالي البلد جميعها، وأما النصارى فليس لهم أن ~~يساعدوكم بدرهم واحد؛ فكفاهم ما جرى عليهم منكم من الوبال والهتيكة وسلب المال، وما ~~تكبدوه من الأضرار وسفك الدماء منكم يا أشرار، مع أننا أفهمناكم أمرار عديدة أننا نحن ~~لسنا من النصارى، بل نود الإسلام ونحترم القرآن بكل احترام وما سمحنا لهم بحمل السلاح ~~إلا ليحموا أنفسهم منكم يا قباح؛ إذ نظرنا هجومكم عليهم. ثم نهض من قدامهم وهو مملوء ~~من الغضب ولم يلتفت إليهم ثم استدعى يعقوب القبطي الذي ذكرنا أنهم حاصروه في حارة الأقباط، ~~وأمره أن يسترد منهم في الحال ما طلبه من المال، وأرسل قبض على السيد أحمد المحروقي وضبط ~~منزله وأرسله للقلعة، وسجن أيضا امرأته، فكان ذلك أمر عظيم عند المصريين وغم لا يوصف عند ~~المسلمين، وارتجت تلك الديار من سطوة هذا الأسد المغوار، وخافت منه الصغار والكبار، وقطعت ~~الإسلام الآمال من التغيير والابتدال، وخرجوا النساء خروجا شنيعا مع الفرنساويين، وبقت ~~مدينة مصر مثل باريز في شرب الخمر والمسكرات، والأشياء التي لا ترضي رب السموات، ورجعت ~~الولاة والحكام لما كانوا عليه أولا من الأحكام. # وأحضر أمير الجيوش السيد خليل البكري الذي قد كانوا الإسلام نهبوا بيته، وأنعم عليه بما ~~كان راح له وأرجعه إلى ms105 الديوان كما كان، وأحضر رجلا ونصبه عوض مصطفى أغا الذي قتلوه، ~~وأقامه على الإنكشارية، ثم يعقوب القبطي أنعم عليه بالجنرالية ووضع على كتفه شراديب الذهب ~~كعادة هذه المنصبية، وأمر أن يجمع عسكرا من الأقباط، ودعي من ذلك الحين الجنرال يعقوب، ~~وكان ذلك مكافأة له لما ظهر منه من الشجاعة والفروسية مع الصلدات الفرنساوية، وجمع ثمانماية ~~راجل من الأقباط ولبسهم لبس الصلدات، وكانت الفرنساوية تعلمهم فنون حرب الإفرنجية في كل ~~يوم بكرة وعشية، ثم أحضر نقولا قبطان الروم وأكرمه غاية الإكرام، وأعطاه الوظيفة ~~الجنرالية ووضع على كتفه الشراديب الذهبية؛ وذلك لما ظهر منه من الشجاعة والرجولية، وأقامه ~~جنرالا على العسكر الرومية، وألبس عسكره الملابس الإفرنجية، وأحضر أيضا برتولمي الساقزلي ~~وأنعم عليه الجنرالية، وبلغ عسكر الأروام ثلاثماية صلدات من الشجعان. # ثم إن أمير الجيوش ابتدأ ببناية أبراج جديدة حول مصر خشية من قيام أهاليها وعصاوتها على ~~الفرنساوية إن وردت الأخصام لمحاربتهم من البلاد العثمانية؛ لأنهم كانوا يخشون قيام أهالي ~~المدينة أكثر من القادمين عليهم من البرية، وهذه مرة ثانية التي قامت بها أهالي مصر ~~على الفرنساوية، وهذه المرتين أهلكوا من العسكر الفرنساوية ما ينوف عن الثلاثة آلاف، ما ~~عدا الذين أهلكوهم خفية في المنازل. # فشرعوا أولا في بناية القلعة التي في كوم الزيت بين القلعة الكبيرة وقلعة كوم الغريب، ~~ثم شرعوا أيضا في بناية قلعتين فوق الكومين الخارجين من باب النصر، ثم شرعوا أيضا في ~~بناية القلعة فوق باب النصر، وقلعة ثانية فوق باب الفتوح، وقلعة فوق باب العدوة، وقلعة فوق ~~باب الحديد، وشرعوا أيضا في بناية قلعة فوق باب الريش الخارج عن المدينة ما بين العدوة ~~والحسنية، وهذا الكوم كانت العساكر العثمانية تحارب عليه الفرنساوية في مدة الحصار وأخذته ~~منهم الفرنساوية قوة واقتدارا ليلة تلك الأمطار، ثم شرعوا أيضا في بناية قلعة فوق كوم ~~الذي بين اليزبكية وبولاق، وفي بناية قلعة في بولاق من جهة البحر فوق كوم السبيتة، ووجدوا ~~سورا قديما كاينا من باب النصر إلى باب الحديد قد تغطى ms106 من العمارات على مدى الزمان، ~~فأمر المهندسون بكشفه، وهذه القلعة بنوها مع السور المذكور، ثم شرع أيضا يعقوب القبطي ~~الجنرال بعمل سور وأبراج حول دور النصارى والأقباط لما قاساه في مدة الحصار ، الذي قد كان ~~آيلا لهتك الأستار وفضح الأحرار وقطع العمار والدمار والدثار، فهذا ألزم يعقوب الجنرال ~~لهذه العمار، ولكن لم يكمل عماره إلا في زمان الأمير منو، كما سيأتي ذكره فيما ~~بعد. # فقد قلنا سابقا إن مراد بيك لم يرد يدخل القاهرة مع ناصيف باشا وعثمان بيك كتخدا الدولة ~~وباقي الغز المصريين، بل بقي خارجا عنها جايلا في بر الجيزة مدة أربعة وثلاثين ~~يوما بشردمة وجيزة، وكانت نفسه في مسافة هذه المدة المذكورة تتوق إلى الصلح مع ~~الفرنساوية؛ لما شاف من ضعف العساكر العثمانية وقوة بطش الفرنساوية، وقد كان أمير الجيوش ~~يود انتظامه ويؤثر التئامه، فوجه له برطولمي الساقزلي الجنرال وهذا كان يتكلم بأربعة ~~ألسن؛ العربية التركية الرومية والطليانية، وكان متربيا في مدينة مصر وله الدالة في بيوت ~~السناجق والكشاف، فسار هذا لعند مراد بيك وأخبره أن أمير الجيوش يروم اتحاده لا إبعاده ~~ويرغب وداده لا جلاده ويرفع أحقاده، ويبطل جلاده ويأخذ من الصعيد بلاده ويريح فواده ويكسب ~~نفسه وأجناده. # فلما فهم مراد بيك هذا الخطاب انشرح صدره وأجاب إلى الصلح والاصطلاح وإبطال الحرب ~~والكفاح؛ صيانة للأجساد والأرواح ليلا يفتح العزيز الفتاح بابا غير هذا الباب للفرج ~~والنجاح، وقد كان عند مراد بيك رجلا من خدامه قايما بتدبير أمر المدافع يدعى حسين أغا ~~الزانطلي، وهو من مدينة زانطة، وأسلم في مصر مع إخوته الاثنين وكانوا جميعهم في خدمة مراد ~~بيك قايمين، وهذا المذكور أيضا كان يتكلم بأربعة ألسن فأرسله مراد بيك إلى الأمير كليبر ~~لأجل إتمام الصلح بينهما، وبواسطة هذين الشخصين تم الاتفاق وارتفع الانشقاق، وانعقدت ~~المشورة على أن مراد بيك يصنع وليمة للأمير كليبر في جزيرة الذهب القريبة من الجيزة ويدعوه ~~إليها وهناك يكون الاتفاق، فركب أمير الجيوش إلى الجيزة ومعه عثمان بيك البرديسي وعثمان ~~بيك الأشقر، ms107 وسار بنفر قليل إلى مقابلة مراد بيك فحين وصل وتقابلا تلاقاه مراد بيك بكل ~~بشاشة، وتصافحا مصافحة الإخوان وجلسا في ذلك الديوان بالسرور والأمان وجلس معهما داماس ~~الوزير ودميانوس الترجمان، ووقفت جميع السناجق والكشاف. # ثم بعد المخاطبة والكلام بالترحيب والإكرام أمر مراد بيك إلى الواقفين بالخروج وهناك عاهد ~~الأمير الجيوش إلى مراد بيك العهد التام وأنه يقيم في بلاد الصعيد بعيش رغيد مع ساير من ~~يروم إقامته من الغز والمماليك هناك، وصرفه بجميع ما له من الأملاك ويكون حاكما على ~~مدينة جرجة ويدفع للمشيخة مال ميريها المترتب عليها وأنه يرسل إلى إبراهيم بيك وبقية الغز ~~أن يكون لهم الأمان، ثم عاهده أيضا أنه إذا أخلت الفرنساوية الديار المصرية فلا يكون تسليم ~~هذه المملكة إلا له دون غيره من الدول، فانشرح مراد بيك بهذا الأمل. # وبعد إتمام الكلام وبلوغ المرام أهدى مراد بيك لأمير الجيوش سيفا ثمينا وخنجرا عظيما، ~~وإلى الوزير داماس سيفا من الهندوان، وإلى الترجمان خاتما ثمينا من ألماس، وبعد ذلك ~~قدم له صفرة الطعام وآنية المدام، كلها من المواكيل الفاخرة بالروايح العاطرة، فأكلوا ~~وشربوا ولذوا وطربوا، وطالت لهم الأوقات بالحب والمسرات، واتصل بينهم الوداد وتركوا ~~البغضة والعناد. # ثم إن مراد بيك طلب من أمير الجيوش حضور العساكر الفرنساوية من المشاة والخيال ليلعبوا ~~أمامه ويتفرج على ما يعملون في حربهم من الصناعة والفنون، فأمر أمير الجيوش بإحضار ~~خمسماية صلدات من الجيزة فحضروا بمدة وجيزة، وطفقوا يلعبون ويظهرون ما عندهم من الحرب ~~والفنون؛ صناعة تأخذ العقول وتدهش العيون، فانشرح مراد بيك من تلك الفرجة وأخذه الفرح ~~والبهجة، ثم ركبت الغز المماليك وبدوا يلعبون على الخيل ملاعيب الحرب القوية، فانشرح أمير ~~الجيوش وشهد لهم في الثبات والفروسية وقال لمراد بيك: إن فوارسكم أصنع في الطعن وأثبت في ~~الحرب على الخيل بالميدان. # وبعد انقضاء النهار نهض أمير الجيوش على أقدامه وقام مراد بيك لقيامه وودعوا بعضهم ~~بعضا بالأنس والسرور والغبطة والحبور، وخرج أمير الجيوش من ذلك المكان وبدا يرمي الذهب ~~الكبير على ms108 ساير الأنام ولم يزل على ذلك الشان إلى أن صار خارج الديوان، فقدم له مراد بيك ~~جوادا وإلى وزيره جوادا من الخيول الجياد بالعدد الكاملة، وسار أمير الجيوش إلى الجيزة ~~ومن هناك أرسل إلى مراد بيك فرمان التصريف مع حسين أغا الزانطلي، وأعطى للمذكور وظيفة ~~سنجاقية، وأقام كتخدا مراد بيك، وتوجه مراد بيك للصعيد وكان معه عثمان بيك البرديسي ~~وعثمان بيك الأشقر وسليمان بيك وأحمد بيك الكورجي وعثمان بيك الطوبجي، وقام في الصعيد بعيش ~~رغيد واجتمع عليه من السناجق والكشاف من تلك الأطراف والأرياف. # وقد تقدم القول إن الوزير الأعظم بعد إمضاء الشروط أرسل صورة الاتفاق إلى الدولة العلية ~~والمملكة العثمانية، وصار فرح عظيم بمدينة القسطنطينية وبساير الأقطار الإسلامية، وأشحنت ~~التجار أصناف البضايع في السفن البحرية السايرة إلى الإسكندرية لعلمهم أن الأقطار المصرية ~~تسلمتها الدولة العثمانية، وما توفق وصولهم إلا بعد فساد الصلح والنية، وعندما أقبلوا ~~على الإسكندرية ونظرت إليهم الفرنساوية فرفعوا لهم السناجق العثمانية فدخلت تلك المراكب إلى ~~البواغيظ من غير خوف ولا تحريز، وأرموا المراسي والحبال وهم بإغضاء بال ونزلت رؤساء المراكب ~~إلى البر وهم مؤامنين، فقبضت عليهم الفرنساوية وأرسلوا ضبطوا المراكب بما فيهم، وكانوا ~~نحو ثلاثين مركبا صغار وكبار وبهم من البضايع ما يحير الأنظار، وأرسلوا أعلموا أمير الجيوش ~~بتلك الأخبار، وذكروا له أن البحرية أكثرهم أروام وما فيهم إلا قليل إسلام، فأمر أمير ~~الجيوش أن تباع البضايع على التجار، وأمر إلى نقولا الجنرال أن يتوجه للإسكندرية ~~ويعين عنده الأروام النوتية، فسار المذكور كما أمر أمير الجيوش وعين عنده الأروام، ~~وألبسهم لبس الصلدات الفرنساوية. # وأما وزير الختام بعد كسره ورجوعه إلى غزة بالذل بعد العزة وقد تفرقت تلك الجيوش ~~والأمم في الصحاري والآكام وخرجت الغز من القاهرة بالقهر والإرغام، وشاعت أخبار هذا ~~الانكسار في ساير النواحي والأقطار لأنه من غرايب الأمور وعجايب ما يحدث في العصور والأزمنة ~~والدهور، أن فئة يسيرة تشتت عدة ملايين غزيرة وتقوى وتقتدر وتظفر وتعلو وتنتصر، فهذا ~~يحير الأفكار ويدهش الأسماع والأبصار، فالعزة ms109 لله القوي الجبار. # وقد ارتجت ممالك الإسلام رجة قوية ووقع عليهم الخبال من تلك الأحوال، وابتدت أصحاب ~~العقول في الافتكار وتدبير ما يزيل عنهم هذا العار ويبدد هؤلاء الكفار، وقد كان في ~~مدينة القدس المحمية أحد أغاوات الإنكجارية اسمه أحمد أغا من مدينة حلب القوية، فهذا يجول ~~بأفكاره على شخص مغوار، أو مغازي يغار، أو محتال غدار، أو خبيث مكار يحتال بالفطنة ~~والاختيار على قتل ذلك الرهط الجبار والبطل القهار سلطان أوليك الكفار، ويسقيه كاس ~~الدمار، وقد اجتهد في ذلك التدبير والأمر الصعب العسير الذي لا يقدم عليه إلا كل ليث ~~خطير، أو شجاع مغير يطلب المناداة والموت في المغازاة، أو طمعا في المكاسب وعلو ~~المراتب. # وبينما هو في ذلك الاهتمام لبلوغ المرام، وإذ تقدم عليه شاب قوي الجنان مملوء من الجهل ~~اسمه سليمان، وهو من مدينة حلب الشهبا، قد هزه جنون الصباء، وأوعده بقتل ذلك السلطان ~~حبا بالدين والإيمان، فأخذ يجسره ذلك الأغا المذكور، ويحثه على قضاء هذا الأمر ~~المأثور، ويوعده بما يناله من الإنعامات الوفية من الدولة العلية، وما يحصل له من السرور ~~ومن الاسم المشهور مد الأعوام والدهور، وكان ذلك الشاب ما بلغ من العمر أكثر من أربعة ~~وعشرين سنة، إلا أنه أسد درغام وليث هجام، فسار من القدس على هذا المرام ودخل إلى غزة ~~بنفس معتزة، وهناك اجتمع بأحد من أغاوات الإنكشارية اسمه ياسين أغا من الرجال الحلبية، ~~فحدثه الشاب بما في ضميره من النية من قتل السلطان الفرنساوية، فجسره ياسين أغا على تلك ~~النية، وأعطاه أربعين غرش أسدية، وسار المذكور إلى مدينة مصر الكنانة وفي قلبه الغدر ~~والخيانة، ودخلها في شهر ذي الحجة، ونفسه غير مرتجة، وقطن في جامع الأزهر، وهناك اجتمع ~~بأربعة أنفار من المجاورين وأخبرهم بما في باطنه من الكمين، وطفق يتبع أمير الجيوش من مكان ~~إلى مكان، ويترقب له فرصة من الزمان ليبلغ بها المرام، وحين آن الأوان وسمح العزيز ~~الرحمن، ودنت الآجال واتسع المجال، ركب أمير الجيوش ذات يوم من الجيزة ms110 إلى القاهرة، وكان ~~ذلك نهار الإثنين الواقع في 21 محرم سنة 1215 فمن بعد ما لبس الشيخ العريش على القضاوية ~~جال ذلك النهار في مصر مع عساكره القوية، ورجع إلى منزله في موكب عظيم ومحفل جسيم، ودارت ~~المناداة في شوارع القاهرة تنادي حسبما رسم السلطان كليبر سلطان مملكة مصر القاهرة وصاحب ~~الجيوش الظافرة، وكان قط لم ينادوا في شوارع مصر جهارا باسم السلطان إلا لذلك البطل ~~القهار. ثم بعد رجوعه إلى منزله قصد المسير لعند وزيره داماس إذ كان منفردا عن الناس، ~~وقد قدمنا الإيراد أنه كان يحب الانفراد، وعند آخر النهار خرج مع شيخ المهندسين، وقد ~~أجرته الأقدار إلى شرب كاس البوار، وبينما هو منفرد في الجنينة الكاينة بين منزله وبين منزل ~~وزيره داماس، فدخل عليه ذلك الشاب سليمان وكانت عليه ثياب باليات، ومد يده إليه ليستعطي ~~منه صدقة وأعطاه من يده ورقة، فأخذها كليبر من يده، وبينما هو يمعن في قراءتها فانقض عليه ~~ذلك الشاب وضربه بسكين كان محتفظا عليه تحت ثيابه، فجادت الضربة بخاصرته فسقط في الأرض، ~~وصرخ صوتا عظيما، وضربه ثانيا وثالثا ورابعا، وقد سمع صوته كل من كان بالقرب منه، ~~فبادر إليه المهندس وبيده عصاة، فضرب القاتل بها على همامه فجرحه، فهجم سليمان على المهندس ~~وضربه بتلك السكين فجرحه جرحا بليغا، ووقع على الأرض بين ميت وحي، وفر القاتل ~~هاربا. # وعندما سمع داماس الوزير صوت أمير الجيوش بادر مسرعا، فنظر أمير الجيوش ملقى على الأرض ~~طريحا، فحار وصرخ: من فعل بك يا مليح هذا القبيح؟ فرفع يده وأومى القاتل الهارب، وحضرت ~~الصلدات، وداروا حول الجنينة وطفقوا يفتشون، وأي من وجدوه عليه يقبضون، وإذ بامرأة من ~~شباك دلت على القاتل، وكان مختفيا في بعض الدهاليز، فقبضوا عليه ونظروا إلى ثيابه عليهم ~~آثار الدما والسكين معه، وأتوا به فرفعوا جسد أمير الجيوش إلى منزله، واجتمعت الجنرالية ~~والكوميسارية والأوفيسيالية والجرايحية، وبدوا بصب العلاجات، فما مكث غير برهة يسيرة ~~ومات، وصار حزن لا يوصف عند ساير الجيوش الفرنساوية، وبكوا ms111 بكاء مرا وعضوا البنان ~~تحسرا وقهرا، وأخذوا يقدحون شررا وينظرون ذكرا ليخرجوا الأحكام بتدوير الحسام في ~~النصارى والإسلام ويقتلوهم على التمام، ولولا تعطف الملك العلام وظهور ذلك الغلام ~~ويتضع النور من الظلام؛ لكان حل بأهالي مصر الويل والإهدام في هؤلاء القوم اللئام ~~الذين لا يعرفون الحلال من الحرام ولا يخشون رب الأنام. # وأما أهالي القاهرة فشملهم خوف عظيم من هؤلاء الجبابرة، واختفت الناس في المنازل والبيوت ~~وأخذتهم البهتة والسكوت، وبقي كل منهم مبهوت في قتل ذلك البهموت، وخافوا أن يكون ذلك ~~الفعل الذميم من سكان تلك الأقاليم، وأن هذا القاتل الشنيع يرمي الناس في هذا المهلك ~~الفظيع والخطب المريع. # وأما الفرنساوية حين وقعوا في هذه البلية أحضروا القاتل سليمان وعذبوه العذاب الشنيع، ~~فقر واعترف بما صنع وأتلف، ومن هو الذي أرسله لهذا الطرف وكيف مشى وتصرف، وقر عن ~~أوليك الأربعة أنفار المجاورين الذين عندهم حقيقة الخبر باليقين، فسارت الصلدات الفرنساوية ~~إليهم بالخفية؛ ليلا يعلموا ويهربوا فدخلوا الجامع وقبضوا على الثلاثة، وهرب الرابع، ~~وأحضروهم وبدوا يعذبونهم ويقررونهم أن معهم خبر هذا القاتل سليمان، وما هو معول عليه من ~~الحرام، وقد نصحوه فلم يسمع كلام، فحكم عليهم الشرع بالموت بعدم تخبيرهم وتحذيرهم، وبرز من ~~الشريعة الفرنساوية أن سليمان القاتل تحرق يده أولا بالنار، ثم يرفعوه على خازوق عال ~~أمام النظار، ثم يقطعوا رأس الثلاثة أنفار ويرفعوهم على مزاريق حول الخازوق. # ثم إن في ثاني الأيام عند الصباح صنعوا الفرنساوية ديوانا عموميا، واختاروا كبير ~~الجنرالية المدعو الجنرال منو، وأقاموه أمير الجيوش عوضا عن المقتول، وبعد ذلك صنعوا ~~ميتما عظيما ومحفلا جسيما، وصنعوا له تابوتا من الرصاص، ووضعوه فيه بعدما جوفوا جسده ~~وحنطوه، وأخذ داماس الوزير قلب الأمير كليبر ووضعه في زجاجة وسكب عليه أرواحا لحفظه من ~~البلاء والفساد، وقد حزن هذا الوزير حزنا مفرطا مع البكا والتعداد، ثم أمر منو أمير ~~الجيوش بنقل جسد سلفه، وحضرت كافة الجنرالية، وباقي حكام الفرنساوية، وجميع العلماء ~~والأعيان، وجم غفير من كل الملل والأديان، وأحضروا خيل الأمير ms112 كليبر ثم ألبسوهم الحلل ~~السواد، ووضعوا التابوت فوق عربانه وغطوه بحلة سوداء، ومشت جميع العساكر أمام التابوت ~~وهي منكسة البندق، وركب أمير الجيوش منو مع سواري العساكر، وسار من بركة اليزبكية إلى قصر ~~المعنية ، وجميع العساكر والعلماء والأعيان والحكام وأرباب الديوان ماشين قدام التابوت، ~~والفرنساويون في بكا شديد بحزن مفرط ما عليه من مزيد، وسحبوا القاتل ورفقاءه حفاة عراة ~~مكتوفين قدام التابوت. # وحينما وصلوا أمام القصر أصعدوا القاتل ورفقاءه إلى أعلى الكوم، وحذفوا رءوس أوليك ~~الثلاثة أنفار، ووضعوهم على ثلاثة مزاريق، وأحرقوا يد سليمان القاتل وهو بالحياة، ثم رفعوه ~~على خازوق عال، وركزوا الثلاثة مزاريق حوله، ثم أوقدوا نارا شديدة وأحرقوا بها أجساد ~~أوليك الثلاثة أنفار، ثم أدخلوا التابوت إلى وسط القصر، وعملوا له مصطبة عالية ووضعوه ~~فوقها، وغرسوا حولها أغصانا خضرا، وصعد أمير الجيوش إلى مكان عال، وأخذ يعظ موعظة ~~عظيمة تجعل القلوب كليمة والدموع سجيمة، تتضمن مراثي محزنة والثاهيات الموهنة على مثل هذا ~~البطل الهمام والأسد الباسل الدرغام، الذي قد نشر الأعلام وقهر الأنام وظفر في عسكر ~~الإسلام، وطرد وزير الختام وبدد ذلك الجيش الملتأم، وخلد ذكره مدى الدهور والأيام، ومن ~~بعد إتمام تلك المراثي الموجعة والتعديدات المتنوعة أطلقوا البندق الكثيرة حول التابوت، ~~وبكوا بكاء مرا على هذا البهموت، ثم أقاموا محافظا ليلا ونهارا وفي كل ثلاث ساعات ~~يتغير أحد الصلدات ويأتي غيره إكراما له وإجلالا لقدره. وبعد ذلك رجع أمير الجيوش إلى ~~منزله ببركة اليزبكية، وتفرقت لمنازلها عساكر الفرنساوية. # وكل منهم ملتهب بنيران مهولة بانهدام هذا الركن العظيم ذي الصولة، واستحوذ الحزن ~~والاكتياب على المختصين به من الأحزاب، وتفرقت من ذلك الوقت منهم القلوب بإذن عالم ~~الغيوب. # وأما أمير الجيوش منو فهذا كان من المتقدمين في بلاط ملك باريز السلطان لويس، وحين ~~قتلته المشيخة تبع هذا رأيهم، وحين حضروا للديار المصرية وحصلوا على ذلك التأييد أقامه ~~بونابارته حاكما على رشيد، فمكث هناك مدة وتزوج بامرأة مسلمة شريفة، وادعى ~~بالإسلامية وسمى ذاته عبد الله، وكان متقدما بالعمر ذا ms113 احتيال ومكر، ومن بعد تقدمه ~~على العساكر الفرنساوية وارتضوه الجميع شرع يغير في الأحكام والوظايف، وضم إليه حزبا من ~~الفرنساوية، وأضعف أحزاب سالفه القوية، واتكل على تدبيره وقوة بطشه، فتغيرت قلوبهم من ~~ذلك الوقت ، ووقع الاختلاف بين الفرنساوية. # وابتدا ذلك الأمير في التبديل والتغير، وأمر أولا في قفل جامع الأزهر وعقد لذلك ديوانا، ~~وادعى أن هذا المكان ليس هو محلا للدرس والتعليم للفرائض والسنن، بل هو محل لعقد ~~المشورة وإيقاظ الفتن، فأمر بطرد المجاورين وقفل أبوابه أجمعين، ثم أمر بتكميل بناء الأبراج ~~التي كان شرع في بنايها سلفه الأمير كليبر، ثم أمر بتوسيع الطرقات التي داخل القاهرة، وهدم ~~عدة بيوت وشرع بكشف السور الذي كانوا وجدوه من باب النصر لباب الحديد، وهدموا من أمامه ~~ومن ورايه بيوتا عديدة، وأكمل بناء هذا السور وجعل من فوقه ثلاثة أبراج، وهدم جامع الحاكم ~~بأمر الله المشهور في مصر القريب من باب النصر وجعله برجا عظيما، ثم حصن أوليك البروج ~~والأسوار بالمدافع والقنابر الكبار، وأمر الجنرال يعقوب بتكميل السور الذي كان شرع في بنايه ~~بأيام كليبر، وأمر على النصارى الشوام أن يدفعوا ثلاثماية كيس بالتمام، وأحدث على النصارى ~~خراج ثقيلا لم يمر بالأزمنة خراجا أثقل منه، وأفرض أيضا على الإسلام واليهود كذلك، ~~وكان كربا عظيما وظلما عميما، وذلك على الرعايا من جميع الملل، ولولا الرخاء العظيم ~~لكانت خربت من الظلم تلك الأقاليم. # هذا والفرنساوية لم تكل من تعمير الحصون بمدينة القاهرة وفي الإسكندرية، وأصرفوا على ~~ذلك خزاين عظيمة؛ إذ كانوا ناظرين قلة عددهم، وعدم إمدادهم، وكثرة أضدادهم فحصنوا تلك ~~الحصون المنيعة، وأمر أمير الجيوش بإطلاق السيد أحمد المسجون من سلفه الأمير كليبر. # وقد كنا ذكرنا أن حين قبض وزير الختام على الجنرال بوضوط قبض أمير الجيوش على مصطفى ~~باشا وأرسله إلى دمياط، وأقام هناك تحت الترسيم يكابد الهم العظيم، فمرض من قهره وتوارى ~~في قبره، وصنعوا له الفرنساوية بدمياط ميتما عظيما ومحفلا جسيما حسب عادة رؤساء ~~العساكر، فهذا ما كان من الفرنساوية في الديار ms114 المصرية. # وأما ما كان من أمير الجيوش بونابارته فإنه جاز البحار وداس الأخطار ووصل بالأمن الحريز ~~إلى مدينة باريز، وصنع أمور غريبة واحتيالات عجيبة، ودخل على رؤساء المشيخة فارتجوا ~~لدخوله واهتزوا لحلوله، وتعجبوا غاية العجب من خلاصه من بلاد العرب، ونهضوا بوجهه نهضة ~~الغضب وعزموا على هلاكه والعطب، فنشر لهم أساطير اللوم والعتب، وطفق يبكتهم على فعلهم ~~الذميم، وسيرهم الغير مستقيم، وخيانتهم الشنيعة، وتخطيهم حقايق الشريعة، وتركهم الخواص ~~رجال المملكة الفرنساوية في ممالك البربرية من دون عون ولا إسعاف، ورميهم في الهلاك ~~والتلاف، فنهض إليه بعض رؤساء المشيخة، فبدأ يبث له العذر فما قبل عذره وجزره، فلما جزره ~~ضربه بالشيش على هامه، فحين حس بونابارته بالألم وثب على ذلك الشيخ وثب الأسد الضيغم، ~~وأطلق في صدره الرصاص، فألقاه قتيل وفي دمه جديل، وهجم على بقية أرباب الديوان مع أصحابه ~~بالسيف والنيران، فقتل منهم اثنان وهما اللذان كانا له مبغضين وعلى هلاكه بالديار المصرية ~~متفقين. # وانتبهت أصحاب بونابارته وطفقوا يصيحون فليعش رئيس شعبنا الأمير الشهير الليث الخطير ~~بونابارته النحرير، وحنيما سمع شعب مدينة باريز اسم هذا العزيز طفقوا يتهللون وبالندا ~~يعلون: فليعش بونابارته مخلصنا وعظيم مشيختنا، ثم إن بعد انقضاء الهياج وهدوء ذلك العجاج ~~عقد بونابارته ديوانا مع عظماء الجمهور وذوي التدبير في الأمور، وأوعظهم أن يختاروا رئيسا ~~على شعب يكون خبيرا وبأمور الدهر عليما، فأجابوه جميعهم بصوت واحد: لا رئيس لمشيختنا سواك ~~ولا لنا مدبر إلا إياك، ودعوه القنصل الأول في الجمهور الفرنساويين، كما كانت هذه ~~العادة عند الرومانيين، وابتدأ من ذلك الوقت والحين بتجهيز العساكر الكثيرة والجيوش ~~الغزيرة، وفتح مدارس التعليم، وأرسل الجيوش إلى ممالك إيطاليا، وأخفض المقامات السامية، ~~ومهد الجبال العلية، وداس تلك الرقاع والبقاع، واسترجع المدن والقلاع، وملك الأقاليم ~~والبلاد، وخضعت له تلك العباد، ورحض عساكر الإنبراطور وأخلى منهم الدور، وانقادت له الملوك، ~~وسألوه الصلح فلم يأب بل سلك معهم غاية السلوك، وقررهم على الرضا والاتفاق مع العهود ~~الوثاق، ورجع بالجيوش إلى مدينة باريز بنصر عزيز، وارتجت ms115 جميع الممالك الإفرنجية من سطوته ~~القوية. # ومن بعد هذه الانتصارات الجزيلة التي تمت بأيام قليلة كتب القنصل الأول بونابارته ~~إلى البابا سلطان رومية كتابا بالصلح والسلام، ويرده لكرسيه بالعز والإكرام وفتح ~~الكنايس جميعها في ساير بلاد فرنسا، وأشهر إيمانه بالمسيح، واعترف جهارا أمام كل الشعوب ~~بهذا الدين الصحيح، وانتشر ذلك في كامل البلاد الإفرنجية. # وابتدا يجاهد ويفرغ جهده لكي يعين زمرة الفرنساويين الذين بالأقاليم مصر مقيمين، فلم ~~يمكنه عدوه الإنكليز من ذلك، وقد سدد عليه جميع الطرقات والمسالك، وكان قبض على مقدار ~~سبعة آلاف أسير من المسكوبين في حرب نمسا، وأرسل أعلم بهم دولة الإنكليز، وطلب منهم أن ~~يستفدي بهم ما عنده من أسير الفرنساوية، فأبى الإنكليز من ذلك، وحين تحقق بونابارته أنه ~~لا يقبل ذلك الاتفاق، فأحضر تلك الأسارى المسكوبين ومن عليهم بالإطلاق أجمعين، وكساهم ~~كسوة جديدة، وصنع لهم وليمة عظيمة، وحبا بهم أمر في زينة جسيمة، وأرسلهم إلى كرسي دولتهم ~~مع أحد الجنرالية من قبله، وحرر إلى سلطان باولو أنه قد كتبت إلى سلطان الإنكليز صديقكم ~~أن يستفدي بالأسارى المسكوبين بما عنده من أسراء الفرنساويين فأبى من ذلك ولم يرض، وحين ~~وصلت الأسارى أعلموا السلطان باولو بما فعل بونابرته من الإكرام بعد الأسر والإعدام، ففرح ~~فرحا شديدا ما عليه مزيد، وأمر بزينة حبا بالمشيخة الفرنساوية، وأجرى الصلح بينه وبين ~~القنصل الأول بونابارته على حرب الإنكليز والدولة العثمانية بواسطة اقتدارهما وانتشار ~~قوتهما، واستعد الملك باولو المشار إليه على مضادة الإنكليز والعثماني، وكتب السلطان ~~باولو للسلطان سليم أن يمنع الحرب عن الفرنساوية المتملكين الديار المصرية، لبينما يدبر ~~أمرا إلى الصلح، وإن لم يمتنع عن حرب الفرنساويين بينما أجرى صلحهم مع الإنكليز؛ وإلا ~~يقتضي الأمر أن ينادي في الحرب، فحين وقف على هذا السلطان سليم فخرج حالا الأمر من ~~الدولة العثمانية برفع الحرب عن الفرنساوية الذين هم بالديار المصرية. فهذا ما كان من ~~القنصل الأول بونابارته. # وأما ما كان من الإنكليز؛ فإنهم لم يرتضوا بأن يمتنعوا عن محاربة الفرنساويين، فأخذوا ~~يدبرون ms116 مكايد لهلاك السلطان باولو سلطان المسكوبيين، وبدوا يجمعون العساكر ليسيروهم إلى ~~مصر، فبلغ بونابارته ذلك ففي الحال أرسل مركبا صغيرا إلى مدينة الإسكندرية، وأخبر أمير ~~الجيوش أن حاضرة لمحاربتهم عساكر الإنكليزية بعشرين ألف مقاتل ، وأخبره بموت الجنرال ديزه في ~~حرب النمسا فكان حزن عظيم عند الفرنساوية، وأخبرهم أن يصنعوا ميتما كعادة على رؤساء ~~العساكر، وأن يتشدوا للحرب والجلاد، وأوعدهم بالإسعاف والإمداد، وأوصاهم بحفظ البلاد بقوة ~~الحرب والجهاد، وحين دخل ذلك المركب للإسكندرية وأوصل الكتابات إلى عبد الله منو من ~~بونابارته القنصل الأول، فعقد ديوانا في مصر وحضرت رؤساء العساكر والأوفيسيالية وفرحوا ~~فرحا عظيما لانتصاره والصلح مع الملوك وهدوء المملكة وسكون حركاتها، وتأملوا بالإمداد، ~~وانسروا بصلح البابا وركون البلاد، وحزنوا لفقد الجنرال ديزه وصنعوا له ميتما، واجتمعت ~~الفرنساوية إلى بركة اليزبكية مع العلماء والحكام وأرباب الديوان، وصنعوا له تابوت وخرجوا ~~به من باب النصر وهم منكسين البندق، وساروا إلى أرض القبة، وهناك عملوا المراثي والمناحة ~~وأوردوا شجاعته وفروسيته والانتصارات التي صارت عن يده، ثم أطلقوا البندق حول التابوت وبكوا ~~على فقد ذلك البهموت، ورجعوا إلى القاهرة بحسرة وافرة. # ثم نرجع لما كنا في إرادة من الوزير الأعظم، فإنه بعد رجوعه إلى أرض فلسطين بعد تلاشي ~~عسكره ذلك المتين ابتدأ يفرق الفرمانات على ساير الأقاليم والبلاد بطلب العساكر للجهاد، ~~وابتدت تتوارد عليه العساكر من ساير الأماكن فجدد عسكرا عظيما، وقد حدث بفلسطين وتلك ~~الأقطار غلاء جسيم، ومات من القحط أكثر أهل الديار من كثرة تلك العساكر المتبادرة والجيوش ~~المتقاطرة، وتضايقت تلك العساكر من عدم المآكل وماتت البهايم والدواب، ثم أعقب الغلا ~~الطاعون المريع والموت الفجيع، فمات منه الشريف والوضيع، وحاق التلاف بكل الأطراف بلا شك ~~ولا خلاف، وحل بهم الوبال والنكال، وماتت منهم خواص الرجال، ولم يبق من تلك العساكر إلا ~~الوجيز، ومات كل رهط وعزيز، وقد مات من السناجق أحسنهم وأفرسهم وأجملهم، وعدة وافرة من ~~الممالك الجبارة؛ وهم مصطفى بيك الكبير، وأيوب بيك الكبير، وعثمان بيك الشرقاوي، وعثمان بيك ~~الطاويل، وحسن ms117 بيك الجرداوي، وقاسم بيك أبو سيف، وقاسم بيك أمين البحر، والأمير شروان، وذلك ~~من غير الكشاف والسناجق الصغار. # وتقمقمت عساكر الإسلام على رب الأنام؛ إذ كانوا يقولون: ما يحل من الله العلي ~~العلام أن الكفار يتنعموا في خيرات مملكة الإسلام بتلك الديار ونحن نهلك بالبراري ~~والقفار، ونلتقي الجوع وبرد الليل وحر النهار، وقد كان بلغ الوزير الأعظم الاتفاق الذي ~~وقع بين مراد بيك والأمير كليبر، وأنه وعده إذا رحلت الفرنساوية يسلمه الديار المصرية، ثم ~~بلغه ما حل بالأمير كليبر من المنية ففرح فرحا شديد ما عليه من مزيد، وتأمل بتملك تلك ~~الأقطار بعد زوال ذلك الأسد المغوار، فدعا إبراهيم بيك وأمره يكتب إلى مراد بيك أن يطالب ~~عبد الله منو أمير الجيوش بوعد سلفه كليبر، وأن لا بد لهم من الخروج عن هذه المملكة لكون ~~لا قدرة لهم على الثبات حيث لا إسعاف لهم ولا إمداد، وقد بقوا قليلين العدد وكثيرين ~~الأضداد، وأخصامهم في ساير البلاد، ومن المستحيل أن يقتدروا على هذا الجلاد ومحاربة جميع ~~العباد والعساكر العثمانية، والمراكب الإنكليزية قايمة عليهم من كل الجهات، فخروجهم الآن ~~بالصلح والسلام أوفق لهم من خروجهم بالقهر والإرغام، وأوعد الوزير لإبراهيم بيك أن متى ~~عولوا على الامتثال وخرجوا على هذا المنوال يسلم المملكة إلى الغز المصريين كما وعدهم ~~كليبر ويرتحل هو للقسطنطينية بالعساكر الهمايونية، ويرسل وزيرا يكون بالقلعة السلطانية، ~~وذلك حكم الأيام السالفة بدون مناقضة ولا مخالفة، فكتب إبراهيم بيك ما أمره الوزير، وكتب ~~أيضا الوزير فرمان إلى مراد بيك بهذا الشان. # ولما وصلت إلى مراد بيك هذه الكتابات رأيها صواب، وفي الحال كتب إلى أمير الجيوش يعرفه ~~بتلك الأسباب، وأرسل بها عثمان بيك البرديسي وأمره أن يشرح إلى أمير الجيوش عبد الله منو ما ~~ذكره الوزير الأعظم ويعرض عليه ذلك الفرمان الذي أتاه، فتوجه عثمان بيك إلى مصر وأخبر ~~أمير الجيوش في تلك الكتابات وأعرض عليه الفرمان، فتغيرت منه الأحوال وأجابه: إننا نحن ~~لسنا عازمين الآن على الخروج من هذه المملكة، فمتى ms118 عزمنا وأردنا أن نتركها نبقى في ذلك ~~الوقت نقيم بوعدنا مع مراد بيك، ومع ذلك مراد بيك قاطن بمملكة مصر براحة كلية، وقد صار ~~عضوا من أعضاء المشيخة الفرنساوية، ولا يكن مهتما إلا بذاته ، فأجابه عثمان بيك ~~البرديسي أن مولاي مراد بيك أرسلني للتخبير لك بالصورة الواقعة والمكاتبة، لا على صورة ~~السؤال والمطالبة، ولا بد عن رفع الريب والشكوك عنه؛ لأن لا بد كان يبلغ حضرتك رسالة ~~الوزير الأعظم لمولاي فيحصل الشكوك والريب. # وقام وأرسل الجنرال المذكور، وأخبر أمير الجيوش بتحصين الإنكليز في أبو قير وقدوم عمارة ~~العثمانية، فارتجت الفرنساوية رجة قوية، وجهز أمير الجيوش العساكر وأرسلهم على طريق ~~رشيد، وقد خافت باقي الفرنساوية الذين بقوا بمصر، وبان عليهم إشارات الغلبة وبدوا، يخلون ~~المنازل القاطنين بها ويتحصنون في القلعة الكبيرة وفي الجيزة، وسقطت عليهم الأوهام ~~وتنكست منهم الأعلام، وتيقنوا بالزوال وعدم الدوام من كثرة الأخصام، ومبادرة الأعادي من ~~كل فج ووادي، وكانت العساكر الإنكليزية والعثمانية ينوفون عن الخمسة وثلاثون ألفا جنكية، ~~وذلك ما عدا عساكر الوزير الأعظم الوارد من الشام، وعسكر وارد من أرض الهند الشرقي على طريق ~~القصير، خلا عن سكان الأقاليم المصرية القايمة على قدم وساق مع العساكر القادمين ~~بالاتفاق، ومن هذا القبيل قد ارتجت قلوب الفرنساوية، وكانت قلوبهم منقسمة وغير محتزمة؛ ~~كرها منهم في أمير الجيوش؛ لأنه فرق قلوبهم لأن في جلوسه على تخت القاهرة كره رجال سلفه ~~كليبر. # وبالاختصار نقول إن الأمير عبد الله منو من بعد ثلاثة أيام سار بباقي العساكر على طريق ~~رشيد، وولى مكانه الجنرال بليار قيمقام، وهذا الجنرال من رجال الجنرال ديزه حاكم الصعيد ~~سابقا، وكان رئيسا في الأحكام شديد البأس في الحرب والصدام، وكانت الفرنساوية بدت تخلي ~~الأقاليم والبلاد، ويتجمعون في مدينة مصر، ثم قد أخلوا قطية وبلبيس والصالحية وجميع الوجه ~~الشرقي وأرض الصعيد ودمياط والمنصورة، وقد انحصروا في القاهرة والرحمانية وفي رشيد أمام ~~العساكر العثمانية والإنكليزية، وكانت عدة المحاربين من الفرنساوية ثلاثة عشر ألف مقاتل ~~فقط، ما عدا أرباب الصنايع ms119 والنساء والأولاد فكانوا مقدار سبعة آلاف، والبقية ماتوا بالحروب ~~والجلاد، والبعض توجهوا للبلاد، فهؤلاء جميعهم انحصروا في القاهرة والرحمانية ورشيد ~~والإسكندرية، وبقي في بوغاظ دمياط المعروفة بالعزبة مايتان صلدات، ومن بعد حضور حسين قبطان ~~باشا ساري عسكر العمارة العثمانية مع عمارة الإنكليزية وطلوعهم لأبو قير هجموا على رشيد، ~~وإذ لم يستطع الجنرال حاكم رشيد والعساكر الفرنساوية لمصادمة هؤلاء الجيوش فسلم المدينة ~~وخرج، وبنت العساكر الفرنساوية متاريسها في الرحمانية، وانتشب الحرب بين العسكرين، وكان ذلك ~~في ابتدا شهر ذي القعدة إلى ثمانية ذي الحجة ختام سنة 1215. وكان في تلك الأيام حدث ~~طاعون عظيم في مدينة مصر وأقطارها، ومات في الصعيد الأمير الشهير صاحب الكوكب المنير الأمير ~~مراد بيك، وكان حزنا عظيما عند الغز المصريين؛ لأنه طفى سراج زمرة المماليك الشجعين، ~~ومات سليمان بيك وعدة من الكشاف والمماليك، وعند موت مراد بيك جمع مماليكه وأقام عليهم ~~العساكر الجنرال رانيه والجنرال داماس وهم المكروهين منه أن يتقدما لمساعدة لانوس، ~~فتخلفا وأبيا عن التقدم، وقرعت طبول الكسرة والرجوع إلى ورا؛ نكاية في أمير الجيوش، ~~وارتدت العساكر الفرنساوية، وتظاهرت عليهم العساكر الإنكليزية لما علموا من الانفساخ الذي ~~ظهر فيما بينهم، فانتصروا عليهم نصرة عظيمة من بعد ما كانوا أيسوا من السلامة والغنيمة، ~~وارتدت الفرنساوية إلى متاريسها. # وظهر في هذه المعركة الجنرال نقولا الروم وعارك عراكا شديدا، فعندما نظر أمير الجيوش ~~انقسام قلوب العساكر أجمع رأيه أن يترك جانبا بالمتاريس بأرض الرحمانية نحو ثلاثة آلاف، ~~وسار بباقي العسكر إلى الإسكندرية، وبدأ يبني المتاريس في خارج المدينة، وقفل أبواب البلد، ~~فجاءت الإنكليزية وقطعت السري الذي بين بحر المالح وبين خليج النيل المؤدي إلى ~~الإسكندرية، وكان قصد الإنكليز قطع الطريق ما بين إسكندرية والقاهرة؛ لأجل شدة المحاصرة، ~~وكان إبراهيم باشا قد أحرق قطية وتسلم مدينة دمياط، وأما العساكر التي كان أبقاها أمير ~~الجيوش في المتاريس بالرحمانية؛ فإنهم عملوا حربا عظيما وتركوا المتاريس ليلا وتوجهوا ~~إلى مصر، وصارت العساكر الفرنساوية قسمان قسم بالإسكندرية مع أمير الجيوش وقسم في القاهرة ms120 ~~مع الجنرال بليار أعظم الجبابرة. # وتقدمت عساكر الوزير للحصار من كل فج وديار، وداروا حول مصر شرقا وغربا وبرا ~~وبحرا، ونهضت الغز المصريون عزوة مراد بيك من أراضي الصعيد، وأتوا إلى مدينة رشيد، ~~وقابلوا حسين باشا قبوطان، واختلطت العساكر العثمانية مع المصرية والإنكليزية حول مصر ~~الغربية، وقدم الوزير الأعظم بعساكره من الجهة الشرقية، وأبطا إيابه إبطاء زايدا وكان ~~السبب أنه حضر له أوامر من الباب العالي وإلى حسين باشا قبوطان أن يتوقفا في الحرب عن ~~الفرنساوية المقيمين في مصر، وكذلك كنا ذكرنا سببه سابقا وأن المكاتب التي أرسلها السلطان ~~باولو ملك روسيا، وفي غضون ذلك جدت الأعلام من الباب العالي بوفاة المشار إليه السلطان ~~باولو الذي كان مع الفرنساوية ضد الإنكليزية، فعند حقيقة تلك الأخبار رجعوا لما كانوا ~~عليه من الحصار وإخراج الفرنساوية من الديار المصرية، وكان ذلك في شهر محرم سنة ~~1216. # هذا والجنرل بليار لم يكن عنده افتتاح أخبار؛ وكل ذلك من انقطاع الطرق والمسالك، فأرسل ~~ماية هجانا على طريق البرية إلى مدينة الإسكندرية؛ لينظر الأخبار من تلك الديار وما ~~جد من الأمور من طرف الجمهور، وسارت الماية هجان وغابوا مدة طويلة نحو أربعين يوما ~~وما خبر منهم بان، وكان الجنرال بليار في اضطراب عظيم ووسوس جسيم من عدم إيابهم وطول ~~غيابهم، وبعد المدة المذكورة حضروا الهجانة عن طريق الجبل وجازوا ليلا على معسكر الإنكليز ~~المقيم أمام الجيزة غربي الكنانة ولم حسوا بهم حين مروا عليهم، ودخلوا الجيزة وحضروا ~~لدى الجنرال بليار، وأطلعوه على صحة الأخبار، وأتى له جواب من أمير الجيوش يعلمه أنه حضر ~~مركب صغير من مدينة باريز، وصحبته كتابات من القنصل الكبير يعلم بها أن السلطان باولو سلطان ~~المسكوبية اتحد معه على حرب الإنكليز وأرسل إلى الدولة العثمانية برفع الحرب عن ~~الفرنساوية الذين بالديار المصرية، ولم يكن داريا بوفاة السلطان باولو الذي كان قد أوقف ~~الحرب، وحضر كتاب إلى الجنرال يعقوب القبطي يمدحه على شجاعته وفروسيته ويوعده بسمو مرتبته ~~ويشدده على الحرب والجلاد ومصادمة الأضداد، وأن ms121 لا بد له من الإسعاف من المشيخة ~~والإمداد. # وعندما تحقق الجنرال بليار تلك الأخبار أخذ ألفين مقاتل وسار بهم ليلا إلى معسكر ~~الوزير، وكانت قد وصلت طلايع الوزير الأعظم إلى بلبيس مسافة يوم عن القاهرة، وهناك تلاطمت ~~العساكر العثمانية مع عساكر الفرنساوية، ومات عدة من الأرناوط ومن الغز، وحين نظر ~~الجنرال بليار أن جيوش الترك كثيرة وهم قاصدون الجلاد والغزو والجهاد، وليس الأمر كما زعم ~~أمير الجيوش بأن الحرب متوقف، فرجع إلى مصر في حمية وتمكن داخل الحصارات القوية، وابتدت ~~العساكر تتوارد إلى شهر صفر سنة 1216 إلى أن بلغوا لقرب القاهرة، وكان الوزير الأعظم قادما ~~من الشرق، وحسين باشا من الغرب مع عسكر الإنكليز، وضرب الوزير الرستاق في أرض شيرة والمكاس ~~في القرب من الكنانة، وحسين باشا ضرب الرستاق مع عسكر الإنكليزية أمام مدينة الجيزة غربي ~~مصر، وتكاثرت جيوشهم واجتمع عليهم طموش غفيرة وعربان كثيرة، هذا وذلك الجبار والأسد ~~المغوار الجنرال بليار قايما في الكنانة أمام ذلك الجم، وقلبه أشد من الصخر الأصم، ~~ووقعت هيبة عند ذلك الجمع الملتئم؛ لأن قد شاع ذكر هؤلاء الشجعان في ساير البلدان، واشتهرت ~~سطوتهم وانتشرت صولتهم، وقد كانوا هؤلاء العتاة لا يعرفون الموت من الحياة؛ فلذلك اجتهدت ~~الدولة العثمانية بإخراجهم من مملكة مصر بالسلامة والاطمأنية، وقد خافوا أيضا ليلا ~~يخرجونهم بالسلامة والسكون في البلد ويحرقوها، وكانوا قادرين على ذلك لما عندهم من ~~الاستعداد وقوة الجلد والجهاد؛ فلذلك استقامت تلك العساكر والممالك يتداولون في أن كيف ~~يحتالون؟ وكيف يخرجونهم بالسلامة والسكون. # وفي نصف صفر أرسل السرعسكر الإنكليز رسولا يطلب من الجنرال بليار أن يرسل أحدا من طرفه ~~لأجل المفاوضة بأمر الصلح، فأرسل له أحد الكوميسارية، ولما وصل إلى مقابلته أخبره أولا ~~بموت السلطان باولو، وكان قصده بهذا الخبر لأجل قطع آمالهم من إعانة المسكوب وانقطاع رجاهم، ~~ثم بدأ يتفاوض معه بأمر الصلح وتسليم المملكة إلى أصحابها وإذهابهم إلى أوطانهم بالأمان، ~~ويريه انقطاعهم في هذه البلاد وعدم إسعافهم والإمداد، وأن الخروج لا بد منه وكل ms122 محصور ~~مأخوذ، وبعد ذلك سيره أن يرد عليه الجواب فرجع الكوميسار إلى عند بليار وأعلمه بهذه ~~الأخبار وعن وفاة السلطان باولو وكلام سرعسكر الإنكليز. # فلما سمع الجنرال بليار هذه الأخبار صنع ديوانا وجمع ساير الجنرالية ورؤساء العساكر ~~الفرنساوية، وأخبرهم بمخاطبة سرعسكر الإنكليز وطلبه الصلح والتسليم، ثم استشارهم كيف يكون ~~الجواب؟ وما يقتضي رأيهم من الصواب؟ فمكثوا برهة يتداولون ويتشاورون، ثم إنه اجتمع رأيهم أن ~~التسليم أوفق وعدم الحرب أرفق؛ بحيث إن الخروج يكون سليم العاقبة على شروط مناسبة، وعلى ذلك ~~عقدوا الرأي وبدوا يسطرون شروطا وعهود لتسليم مملكة مصر، ومن بعد أن حرروا الشروط ~~قدموها إلى الجنرال بليار، وأرسلها إلى سر عسكر الإنكليز مع الكوميسار، ثم نصبوا خيمة في ~~بر الجيزة بين العسكرين، وهناك تصير المفاوضة بين الفريقين، فالذين انقاموا وكلاء لأمر ~~الصلح من طرف الفرنساوية الكوميسار ويوسف الترزي الأرمني، ومن طرف الإنكليز الجنرال سميت ~~ساري عسكر وأحد الكوميسارية، ومن طرف الوزير الأعظم عثمان بيك، ومن طرف حسين باشا قبطان ~~إسحق بيك. # واستمرت المداولات بأمر الصلح أربعة أيام، فحينما تمت تسجلت المواثيق والعهود ~~وانعقد الرأي على تسليم مصر وإعطاها إلى الدولة العثمانية وخروج العساكر وجميع الفرنساوية ~~منها على موجب الشروط الآتي ذكرها عن سيدنه سميت سرعسكر الدولة الإنكليزية، ثم حتمت ~~الفرنساوية بأن يكون التسليم عن يد حسين باشا قبطان بوسطة الإنكليز؛ وسببه كان هذا المشار ~~إليه يميل لطرف الفرنساوية ميلا عظيما، وذلك قبل دخولهم وأخذهم الأقطار المصرية، وقد تهمه ~~الوزير الأعظم أن دخولهم كان باطلاعه، وتقمقمت الفرنساوية على الوزير لدخوله في الجمعية، ~~وقالوا نحن لا نعقد معه شروطا ولا نقبل منه خطوطا؛ لأنه قد كان خان عهوده مع أمير جيوشنا ~~الأمير كليبر، وإذ لم يقدر على التغلب عليه أرسل قتله خفية، ثم ثبت التسليم عن يد حسين ~~باشا وسرعسكر الإنكليز، وتسطرت أسطر الشروط وانختمت من الثلاث دول. # وهذه صورة الشروط: # الشرط الأول: # أن بلوكات العساكر الفرنساوية برية وبحرية وبلوكات العساكر ~~المساعدة المتحدة معهم الذي أمرهم الجنرال بليار يسلموا مدينة مصر، ms123 ~~والقلعة الكبيرة، وكامل القلع الصغار ببولاق والجيزة، وكامل أطراف مصر ~~الموجودة بها الفرنساوية. # الشرط الثاني: # كامل البلوكات العساكر الفرنساوية والعساكر المتحدة معهم يتوجهوا ~~برا إلى بندر رشيد من طرف شمالي النيل بسلاحهم وعزالهم ومدافع البر ~~وصناديق الجبخانة؛ لأجل يوسقوهم من رشيد ويتوجهوا إلى أساكل بلاد ~~فرنسا الموجودة في بحر الأبيض، وكامل مصاريف ما ذكر تقوم بها الدولة ~~العلية المصالحة، وسفر العساكر المذكورين والمتحدين معهم ونزولهم في ~~المراكب يكون بأسرع وقت، وغاية ما يكون من العاقة خمسين يوما، أولها ~~من تاريخ هذه الشروط المحررة، ومن غير شك أن عساكر المذكورين ~~يؤخذوا بالمراكب إلى أي أسكلة كانت إلى الطريق الأعدل والأقرب ~~للفرنسا. # الشرط الثالث: # من ابتدا هذه الشروط تكون العداوة مرفوعة من الطرفين بالكلية، ~~ويتسلم إلى الدولتين المتحدين قلعة الظاهر، وباب مدينة الجيزة ~~المسمى الباب الهرامات، وعلى الوكلاء المشار إليهم أن يضبطوا الحدود، ~~وعدم التخطي والاحتراز من وقوع الخلل. # الشرط الرابع: # بعد اثنا عشر يوما من هذا التاريخ مدينة مصر وقلاعها والقلعة ~~الكبيرة والباقية ومدينة بولاق يخلون من العساكر الفرنساوية ومن ~~المتحدين معهم، ويتوجهون إلى قصر العيني والروضة وأتباعها والجيزة ~~وأطرافها، ومن هناك يسافرون في غاية جهدهم لمسافة خمسة أيام؛ لكي ~~يتوجهوا إلى محل المراكب التي يسافرون بها، وكامل حكام ~~الإنكليزية والعثمانية يلتزمون يقدمون مراكب، ويقيمون بمصارفهم ~~ولزومهم في بحر النيل؛ لأجل وسق عزالهم ومونتهم لحد البحر المالح، ~~وجميع هذه المراكب تكون محضرة بغاية السرعة والاهتمام وتتسلم عساكر ~~الفرنساوية بالجيزة. # الشرط الخامس: # مشي العساكر ومحطاتها يكون معين لها جنرالية وأهل مراتب من ~~الطرفين، وكذا الأيام المعينة للمشي من الواجب يكون المدبر فيها ~~الجنرالية الإنكليزية والعثمانية، وكذلك العساكر الفرنساوية المذكورون ~~والذين متحدون معهم يكونوا مصطحبين بطريقهم من كوميسارية الإنكليز ~~والعثمانية، فهم الذين يقومون بالمعاش الضروري في مسافة الطريق ~~ومحطاتهم. # الشرط السادس: # كامل العزال والجبخانات الذين يوسقونهم في مراكب بحر النيل يكونوا ~~مغفرين مع بعض عساكر فرنساوية ومراكب حربية من طرف الدولتين ~~المتحدتين. # الشرط السابع: # فيكون محضرا إلى العساكر الفرنساوية والمتحدين معهم وأتباعهم ~~والذين ms124 صحبتهم المونة المرتبة حسب قانونهم من يوم سفرهم من الجيزة ~~إلى يوم نزولهم في المراكب، ومن ذلك اليوم تكون المونة مرتبة حسب ~~قانون الإنكليز إلى يوم طلوعهم للبلاد فرنسا. # الشرط الثامن: # يحضر من طرف حكام الإنكليزية وحكام العثمانية في بر وبحر المراكب ~~الضرورية الطيبة لأجل سفر العساكر الفرنساوية، وكامل ما يلوذ بهم لأجل ~~وصولهم إلى أي أسكلة كانت من بلاد فرنسا الموجودة في بحر الأبيض، ولأجل ~~إتمام ذلك يجب أن يحضروا كوميسارية من قبل حضرة الجنرال بليار، ومن قبل ~~رؤساء عساكر الدولتين المتحدتين برا أم بحرا، ومن بعد تاريخه يجب ~~أن الكوميسارية المتعينين من الطرفين يتوجهون إلى رشيد وأبو قير لأجل ~~تحضير المراكب وكامل المطلوبات للسفر. # الشرط التاسع: # أن الدولتين المتحدين يجب يحضرون أربع مراكب أم أكثر إن أمكن لأجل ~~نقل الخيول واللوازم لهم لحين نزولهم. # الشرط العاشر: # يجب أن يتقدم إلى العساكر الفرنساوية وكل المتحدين معهم من الدولتين ~~المتحدتين مراكب حربية كفاية لأجل تغفيرهم ووصولهم سالمين إلى فرنسا، ~~والدولتين المتحدتين يضمنوا عدم وقوع الخلل والعداوة من طرف عساكرهم ~~إلى حين وصول عساكر الفرنساوية والذين معهم إلى فرنسا سالمين، وكذلك ~~الجنرال بليار يوعد ويتعاهد مع جميع العساكر التي تحت أمره أن لا يحصل ~~منهم أدنى خلل للعمارة ولا لبلاد حضرة الدولة الإنكليزية في هذه ~~المسافة، وكذا لا يحصل أدنى تعرض وخلل ببلاد الباب العالي، ولا ببلاد ~~الدول المتحدة معهما، فما لهم أن يتوقفوا في أسكلة من الأساكل في ~~مسيرهم، بل إنهم يقصدون بلاد فرنسا ما عدا الأمر الضروري، ثم رؤساء ~~عساكر فرنسا والإنكليز والعثماني يكون معهودا عندهم جميع ما ذكر أعلاه ~~ومحفوظا طالما عساكر الفرنساوية موجودة بمصر، ومن هذا التأريخ إلى ~~دخولهم للمراكب، وإن حضرة الجنرال بليار حاكم العساكر الفرنساوية ~~والمتحدين معهم يتعاهد عن حكام دولة فرنسا أن جميع المراكب المغفرة ~~والمراكب الموسوقة التي مسافرون بها فبعد وصولهم يخرجونهم جميعا ~~وترجع جميعا، ولا ينعاق منها ولا مركب، وأن القباطين بالمراكب ~~المذكورة يشترون بمالهم مونتهم الضرورية إلى رجعتهم، والجنرال بليار ~~يتضمن ms125 رجوع هذه المراكب إلى مواضعها بحيث إنها لم تتداخلوا بأمور حرب ~~بالكلية. # الشرط الحادي عشر: # جميع حكام السياسة وأرباب الحرف والصنايع وجميع الأشخاص المتعلقة ~~بالفرنساوية يحصل لهم سوية ما يحصل للعساكر الحربية، وإن حكام السياسة ~~وأرباب العلوم والصنايع يصحبون ويأخذون معهم جميع الأوراق والكتب ليس ~~التي تخصهم فقط بل كل ما يروه نافعا لهم. # الشرط الثاني عشر: # جميع سكان مصر من أي طايفة كانت من أراد منهم يتبع العساكر ~~الفرنساوية مسموح لهم ذلك ومن بعد سفرهم لا يحصل لأعيالهم ولأموالهم ~~أذية. # الشرط الثالث عشر: # جميع سكان مصر من أي مذهب كانوا لا يحصل لأحد منهم أذية لا في مالهم ~~ولا في أعيالهم ولا في أنفسهم بسبب رفقهم للفرنساوية. # الشرط الرابع عشر: # جميع المشوشين الذين ليس لهم طاقة على السفر يستقيمون في مصر في ~~بيمارستان، ويبقى عندهم حكماء وخدام يدارونهم لحين شفائهم، ثم ~~يرسلوا لفرنسا بالحفظ والصون، وأن حكام الدولتين يتعهدوا تحضير أمر ~~هؤلاء المشوشين من كامل النظام. # الشرط الخامس عشر: # في وقت فروغ مدة تسليم المدن والقلع كما ذكر قبله فيحضروا ~~الكوميسارية يتسلموا المدافع والجبخانات والحواصل وقوايم وأوراق ومحلات ~~وجناين وغير أشياء عمومية التي للفرنساوية إلى الدولتين ~~المتحدتين. # الشرط السادس عشر: # حاكم البحر لازم يحضر قبل بساعة مركب يسافر إلى فرنسا ويأخذ واحد ~~فسيال وكوميسار إلى طولون ويأخذ لهم صورة هذه الشروط إلى المشيخة ~~الفرنساوية. # الشرط السابع عشر: # الذين يخالفون هذه الشروطات يحصل قصاصهم عن يد الكوميسارية، وكذلك ~~إذا وقع اختلاف في الأمور يكون نظامه وإصلاحه بيد الكوميسارية. # الشرط الثامن عشر: # بحال إتمام هذه الشروط جميع أسراء الحرب من الإنكليز والعثماني ~~الموجودين عند الفرنساوية يحصل لهم الإطلاق والحرية وكذلك حكام ~~عساكر الدولتين المتحدتين يعتقون كامل أسراء الفرنساوية الموجودين ~~في عرضيهم. # الشرط التاسع عشر: # واحد من أكابر عسكر الإنكليز وواحد من أكابر عسكر الوزير الأعظم ~~وواحد من قبطان باشا يكونوا موجودين عند الفرنساوية رهينة، ويعطى بدلهم ~~ثلاثة من مقامهم من الفرنساوية، ولما ينتهي وصول الفرنساوية إلى بلادهم ~~يرجعون الرهاين المذكورين ويروحون ms126 الذين كانوا بدلهم وكل منهم إلى ~~محله. # الشرط العشرون: # هذه الشروط ترسل مع واحد فسيال إلى الجنرال منو للإسكندرية، وله مهلة ~~عشرة أيام من بعد وصولها ليده، إن كان يرضى على هذا الاتفاق بذاته ~~وعساكر الفرنساوية، ويحرر قبوله ورضاه بخط يده إلى سرعسكر الإنكليز ~~الذي مقيم قدام الإسكندرية لغاية عشرة أيام بعد تاريخ وصول هذه الشروط ~~ليده. # الشرط الحادي والعشرون: # صورة هذه الشروط يعلم عليها سواري عسكر العام من طرف الثلاثة دول، ~~ويرجع بعد أربعة وعشرين ساعة، وينتهي كل ذلك. # وقد تحرر أربعة نسخ مختومة في محل المسافة ما بين العرضين في تاريخ ~~مسيدور سنة التاسعة للمشيخة في نصف النهار الواقع في 27 حزيران سنة ~~1801 مسيحية الموافق 16 صفر سنة 1216. # وهذه هي الإمضاوات: # دنزلو جنرال ويرجاه # موران جنرال ويرجاه # تارار جنرال ويرجاه # حن هوب جنرال ويرجاه إنكليز # عثمان بيك وكيل يوسف باشا # إسحاق بيك وكيل قبطان باشا # قد أثبت ذلك هلى هو تجنسون ساري عسكر عام. # قد أثبت ذلك للورد كايط جام أستونسون قبطان مركب إنكليز. # نحن قد أثبتنا جميع الشروط الواقعة في هذا الاتفاق لأجل حلو مصر وتسليمها للباب العالي ~~المشيد يوسف باشا وزير الختام. # ونحن قد شهدنا وأثبتنا جميع هذا الاتفاق الواقع في هذه الشروط لأجل حلو مصر حسين قبطان ~~باشا. # لقد ثبت وتحقق هذه الشروط في مسيدور سنة 9 للمشيخة الجنرال فاريون بليار. # قد طبعت في مطبعة الفرنساوية بمصر. # ومن بعد تمام تلك الشروط شرع الجنرال بليار بتخلية مدينة مصر، وخروج العساكر منها إلى قصر ~~العيني وإلى الجيزة، وتهيأ للخروج معه الجنرال يعقوب وأتباعه، والجنرال برتولمي كومندان بني ~~الروم مع عساكر الأروام، والكومندان يوسف الحموي وأتباعه المعينون من شفا عمر وأرض عكا، ~~وعبد العالي أغة الإنكشارية، وجميعهم خشون الإقامة في الديار المصرية بعد خروج الفرنساوية، ~~وتهيأ معهم عدة أنفار من عام الناس، ونساء كثيرات من الإسلام كن متزوجات للفرنساوية، ~~واستعدوا للسفر معهم. # وقبل خروجهم الجنرال بليار أقام جسد كليبر من المحل الموضوع به بتابوت رصاص، فأمر ms127 بنقل ~~التابوت للجيزة باحتفال عظيم ومحفل جسيم، وضربوا مدافع كثيرة، وأمر بتنزيل جثة سليمان ~~القاتل مع الثلاثة رءوس أرفاقه لأنهم كانوا محنطين ومصبرين، فأنزلوهم بحقارة للجيزة ~~لأخذهم لفرنسا، ثم إن بعد الاثني عشر يوما المعينة لخروجهم من مصر إلى الجيزة بعد تجهيز ~~كامل ما يلزم للجمهور الفرنساوي نهض بليار في العساكر الفرنساوية من القاهرة إلى الجيزة في ~~28 صفر سنة 1216، وخليت مصر من الفرنساوية، ودخلت عساكر الوزير للمدينة، وكان فرح لا يوصف ~~عند الإسلام، وغم عظيم عند من كان من طرف الفرنساوية خاص وعام، وتخبت النصارى ~~واليهود في منازلهم، وكانت العساكر الإسلامية أي من وجدوه يعيروه بعدما يهينوه، وعندما بلغ ~~الصدر الأعظم أحوال العساكر، أرسل أغة الإنكشارية أطلق التنبيه بالمدينة على الأمان وعدم ~~معارضة الرعية، ورفع الظلم والعدوان، وفرق الظابتان على جميع الحارات وفي الشوارع ~~والمحلات. # هذا والعسكر الفرنساوي لم يزل مقيم في بر الجيزة لحينما تتجهز لهم المراكب لحمل أثقالهم ~~لأبو قير، ومن بعد أربعة أيام من دخولهم إلى الجيزة تحضرت لهم المراكب، فأشحنوا بها من ~~الأثقال والأمتعة والنساء والأولاد وجميع الذين لا يقدرون على المسير في البر، وساروا برا ~~وبحرا، وسارت أمامهم عساكر الإنكليز، ومن وراهم حسين باشا بعساكره وهم في وسط الفريقين، ~~وساروا أربعة عشر يوما من الجيزة إلى قرب رشيد، ومكثوا هناك بينما تتجهز لهم الذخاير ~~والمراكب فتجهزت، وسافروا من أبو قير في غاية ربيع الأول سنة 1216 طالبين فرنسا، وكانت ~~الإنكليز حينما خرجت الفرنساوية من مدينة الجيزة تسلموها وجعلوها محلا لعساكرهم، ومن بعد ~~سفر الفرنساوية بثمانية أيام مرض الجنرال يعقوب القبطي ومات. فهذا ما كان من بليار. # وأما أمير الجيوش منو والفرنساوية الذين بمدينة الإسكندرية؛ فأبوا الصلح والتسليم وأنهم ~~لا يخرجون منها إلا بعد حرب عظيم، وكان بعد خروج الفرنساوية من مصر ودخول عساكر الإسلام دخل ~~وزير الختام وحسين باشا قبطان بمحافل عظيمة، ودخل صحبتهم إبراهيم باشا المحصل والي حلب، ~~وإبراهيم باشا والي ديار بكر، ومحمد باشا أبو مرق، وطاهر باشا أرناوط، وأغاوات الإنكشارية، ~~ورجال ms128 من الدولة العلية، ومن أمراء مصر إبراهيم بيك الكبير، وولده مرزوق بيك، وعثمان بيك ~~الطنبورجي، وعثمان بيك البرديسي، والألفي، ومحمد بيك المنفوخ، ومراد بيك الصغير، وعثمان بيك ~~الأشقار، وسليم بيك أبو دياب، وعلي بيك، وأيوب بيك، وعدة كشاف. # وكان يوما عظيما ، وخرجت لمقابلتهم علماء مصر وأعيانها وكافة أعوامها وسكانها، وانتشرت ~~الأعلام وانسرت الأنام، وفرحت الإسلام بخروج الإفرنج الليام، وصاحت المسلمون: ما هذا إلا ~~نصرا من الله وفتحا، وهاجوا هياجا عظيما على النصارى، وقدموا عروضات إلى الوزير في ~~قتلهم ونهبهم وسلبهم، فلم يصغ ذلك العادل لبغيهم ووشيهم، ولم يلتفت لفسادهم ومكرهم، وأصدر ~~فرمان خطابا لساير الحكام والقضاة بأن لا يقبلوا دواعي التي حدثت بأيام الفرنساوية في ~~الإيالة المصرية جزئية كانت أم كلية، ولم يرتض هذا الصدر النبيل أن يلتفت إلى هذا القال ~~والقيل، بل سلك مع الرعايا سلوك الملوك العادلين والسلاطين الأقدمين، وترك الانتقام لله ~~الملك العلام، وكان يساقا ثانيا بالأمانة إلى مصر الكنانة، وابتهجت مصر بزمانه من شيمه ~~وعزيز أمانه، وكثر البيع والشرا وعمرت المدن والقرى، وربحت التجار وتوادرت من ساير الأقطار، ~~وفرحت الخلق طرا ونارت به مصر، وأنشدت بذلك شعرا وهو هذا: # أتى صدر الصدور لأرض مصر # بنصر أشرقت فيه الديانة # بعام قد كساه النور أرخ # به فتحت بيوسف الكنانة # وأما حسين باشا قبطان بعدما بات ليلة في مصر خرج إلى الجيزة وسار مع الفرنساوية كما ~~ذكرنا، وبعدما مهد الوزير مصر أعطى ولايتها إلى محمد باشا أبو مرق الذي كان عنده وكيل خرج، ~~وهذا كان أصله من مدينة غزة من عامة الناس، فأسعدته الأقدار بإذن الواحد القهار حتى ارتقى ~~إلى هذه المنازل العالية عند الصدر الأعظم بالتفاته إليه، وألقى نظره عليه، فتقمقمت الوزراء ~~الباقون؛ كونه ابن عرب قدمه على الآخرين، ومن المعلوم ابن العرب عند ابن الترك مقاماتهم ~~مخفوضة وراياتهم منقوضة، وقد كان الوزير الأعظم قبل تملك القاهرة أوعد لطاهر باشا الأرناوط ~~بولاية مصر إن فتحوها بالسيف، فحيث التفت الأمور وخرج بالصلح الجمهور، فبطل الوعد لطاهر ~~باشا، وكذلك لإرضاء ms129 رجال الدولة به؛ فلأجل ذلك عدل عن تولي طاهر باشا وولى محمد باشا أبو ~~مرق، وأرسل لدمياط أحمد باشا ميرمران، وأمره بإخراج الفرنساوية من العزبة بأمان فأرسل أحمد ~~باشا طمن الفرنساوية فلم يأمنوا، بل تركوا القلعة وساروا لرشيد ليلا وسلموا أنفسهم ~~للإنكليز. فهذا ما كان من الوزير وما دبر بالديار المصرية. # وأما ما كان من الإسكندرية فإن أمير الجيوش عبد الله منو حين حصلت له تلك الشروط فاعتمد ~~على المحاربة، وبدأ في بناء الحصون والمتاريس خارج البلاد وكان منتظر الإمداد من بونابارته ~~بما سبق من الأوعاد، وبعد سفر بليار ومن معه من العساكر سارت العساكر الإنكليزية والعثمانية ~~إلى الإسكندرية، ودارت بها برا وبحرا وانتشب بينهم الحرب والقتال بالمدافع والقنابر ~~الثقال، ولم تزل القنابر والمدافع تتساقط وتزداد وهم صابرون من تلك الحرب والجلاد، إلى أن ~~قل ما عندهم من الزاد، وصار قحط مريع وجوع فظيع، ومات كثير منهم من الجوع وبليوا بالويل ~~والفجوع، وكانوا يطحنون الرز ويأكلونه فيكون به أداء دون الغداء، وانقهر أمير الجيوش من ~~مخامرة الجنرالين رانيه وداماس، فعقد ديوانا وشرع يبرهن خيانة الجنرالين المذكورين والضرر ~~الذي حدث منهما ضد العسكر، فأثبتت الشريعة عليهما الحقوق وأمر أمير الجيوش بالترسيم عليهما ~~في منازلهما، وخلع الجنرالية عنهما، وضبط أموالهما وتعلقاتهما، هذا والحروب قايمة والنيران ~~دايمة والهجمات على متاريس الفرنساوية متصلة وملاحمة غير منفصلة. # وفي تلك الأيام حضر من بلاد الفرنساوية ستة آلاف صلدات في المراكب وقصدوا أسكلة درنة، ~~وهذه بلد على شط البحر المالح في بر الإسكندرية، فبلغوا الإنكليز قدومهم فساروا إليهم ~~مجدين، وحين شعروا بهم ولوا منهزمين. # وحضروا أيضا مراكب إنكليز إلى قصير وبهم عساكر من بلاد الهند ورؤساؤهم إنكليز ورجال ~~الهند بلون السودان، وهم مختلفون الأديان؛ فمنهم يعبدون النيران، ومنهم يعبدون الأوثان، ~~ولهم مذاهب متفرقة، ولغات متنوعة، ولا يلبسون سوى القمصان فقط، فهؤلاء القوم قد خرجوا من ~~مراكبهم إلى القصير، وأتوا إلى مدينة الجيزة حيث كان المعسكر هناك ونصبوا المضارب والخيام، ~~واستقروا بها أيام وقيل: إنه جاز في ذات ms130 يوم أحد العساكر المصريين في وطاق هؤلاء الهنديين ~~وأخذ نارا، فوثبوا عليه وكادوا يقتلونه وقدموه إلى ساري عسكرهم ليقضي عليه بالموت، وادعوا ~~أنه لمس إلاههم فخاف الرجل خوفا عظيما، وقال: إني لست أعلم ما ذنبي، فرحمه السرعسكر إذ هو ~~من الإنكليز وأمر لذلك المصري أن يدفع لهم ثمن الطعام الذي نجسه لما لمس النار. # وبعدما استقروا أياما وجيزة في مدينة الجيزة ساروا إلى مدينة الإسكندرية؛ لأجل محاربة ~~الفرنساوية، وكان في ذلك الوقت مشتد القتال والجدال، وازداد الحصار في البراري والبحار، ~~وزادت النار وقصرت الأعمار، وكل من الحرب كل قوم جبار، وبعد مضايقة كلية ومحاصرة قوية ~~ملت العساكر الفرنساوية، وعزمت على التسليم الإسكندرية، ومسيرهم في الأمان إلى منازلهم ~~والأوطان، فارتضت معهم الإسلام بأن يخرجوا بالسلام ويتركوا جبخاناتهم وأسبابهم، ويمضوا ~~بسلاحهم وذهابهم فقط، وخرجوا من الإسكندرية على هذا النمط، وبعد وقوع الصلح والاتفاق، صنع ~~أمير الجيوش عبد الله منو وليمة عظيمة للسرعسكر الإنكليز وإلى رجال الدولة العثمانية، وقدم ~~لهم الطعام وهو من لحوم الخيل والفار والقطاط والكلاب الوخام، وإذ تفرسوا بها سألوه عن ~~تلك اللحوم، ولم ينكر عنهم وأجابهم: أنه ليس يوجد عندي غير ذلك، ولم يوجد عند الفرنساوية ما ~~يسدوا به رمق الفؤاد؛ لما سلموكم البلاد، فرفعوا أياديهم عن الطعام وهم متعجبون من تلك ~~الكلام. # وخرجوا الفرنساوية من الإسكندرية، وتقاسما الدولتان الإنكليزية والعثمانية جميع ما تركوه ~~الفرنساوية؛ لأنهم خرجوا بسلاحهم فقط، وساروا في مراكب الإنكليز إلى بلاد باريز، وخلوا ~~مدافع وجبخانات، وأمتعة وذخاير وخيرات، وكان تسليم الجنرال بليار وخروجه أصلح شان من تسليم ~~منو في الذل والهوان، ولكن قد افتخر الجنرال منو على بليار أنه ما وقع التسليم إلا بعد ~~الحرب العظيم والجوع الجسيم، فهذا على مقتضى شرايع مشيختهم وأحكام دولتهم، وكانت مدة حصار ~~الإسكندرية ستين يوما، وكان خروجهم في أواخر ربيع الثاني سنة 1216. # وحضرت البشاير للصدر الأعظم، فأمر بشنلك عظيم وفرح فرحا جسيم، وضربت مدافع كثيرة وحراقات ~~غزيرة، وابتهجت الإسلام ورفعت الأعلام، وحمدوا رب الأنام، وقالوا: الحمد لله على تأييد ms131 ~~الدين، وهذا نصر من الله وفتح مبين. آمين. # وقد تمت أخبار الفرنساوية وما حدث من الوقايع في الديار المصرية، وكانت إقامتهم بتسعة ~~وثلاثين شهرا وكانوا من دخولهم إلى خروجهم ما استكنوا من الحرب والقتال والمنازعة والجدال، ~~وقد مات منهم خلق كثير ، وأهلكوا من الإسلام عالم لا يرام. والحمد لله على الدوام. ~~آمين. ms132