######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_000297
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: المحقق النراقي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1244
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: عوائد الأيام
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: فقه الشيعة من القرن الثامن
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_000297
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/297_عوائد-الأيام-المحقق-النراقي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: مركز الأبحاث والدراسات الإسلامية
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1417 - 1375 م
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله على ما أنعم، والشكر له على ما ألهم،
~~والصلاة على باعث إيجاد العالم، محمد سيد العرب والعجم، وعلى المعصومين من
~~أهل بيته سادات الأمم، صلى الله عليه وعليهم وسلم.
# وبعد، يقول الأذل الأحقر، أحمد بن محمد مهدي بن أبي ذر، سامحهم الله يوم
~~العرض الأكبر: هذا ما استطرفته من " عوائد الأيام " من مهمات أدلة الأحكام،
~~وكليات مسائل الحلال والحرام وما يتعلق بهذا المرام.
# جعلته تذكرة لنفسي، ولمن أراد أن يتذكر من إخواني، وما توفيقي إلا بالله.
~~PageV00P003
# عائدة (١) في بيان قوله تعالى:
# أوفوا بالعقود قال الله سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود﴾ (1).
# قد اشتهر عند الفقهاء الاستدلال بهذه الآية الكريمة، في تصحيح العقود، و
~~لزومها. وبه يجعلون الأصل في كل عقد عرفي، وكل إيجاب وقبول، اللزوم.
# واستشكل جماعة في دلالتها، فاللازم تحقيق مدلولها، حتى يعلم دلالتها، و
~~عدمها.
# ونذكر أولا: طائفة من كلام المفسرين، واللغويين في تفسير الآية، ومعنى
~~العقد والعهد.
# قال صاحب الكشاف في تفسيرها: يقال وفى بالعهد، وأوفى به، ومنه (والموفون
~~بعهدهم) (2) والعقد: العهد الموثق، شبه بعقد الحبل ونحوه، ومنه قول
~~الحطيئة:
# PageV00P005
# قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم * شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا (١) وهي:
~~عقود الله التي عقدها على عباده، وألزمها إياهم، من مواجب التكليف. وقيل:
~~هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات، ويتحالفون عليه، و يتماسحون من
~~المبايعات ونحوها.
# والظاهر أنها عقود الله عليهم في دينه، من تحليل حلاله، وتحريم حرامه، و
~~أنه كلام قدم مجملا، ثم عقب بالتفصيل، وهو قوله: ﴿أحلت لكم﴾ (2) (3).
# انتهى.
# أقول: الظاهر اتحاد ما جعله ظاهرا مع ما ذكره أولا، ويحتمل أن يكون مراده
~~من الأول: ما اختص بالواجبات من التكاليف، وما أوجب عليهم فعله. وما جعله
~~ظاهرا يكون أعم.
# ومراده من عقود الأمانات: عهودها من الودايع المالية وغيرها من أسرارهم
~~التي يأتمنون فيها بعضهم بعضا.
# والتخصيص بما يتحالفون عليه، لحصول الشد والاستيثاق المأخوذين في معنى
~~العقد.
# والمراد ms001 بالتماسح، المصافقة، حيث كانت ذلك في المبايعات (4) لشدها و
~~استيثاقها. فمراد القائل: العهود التي تكون للزوم عرفا.
# وقال الشيخ أبو على الطبرسي في مجمع البيان: يقال: وفى بعهده وفاء، و
~~أوفى إيفاء، بمعنى.
# PageV00P006
# ثم قال: والعقود: جمع عقد، بمعنى المعقود، وهو أوكد العهود. والفرق بين
~~العهد والعقد: أن العقد فيه معنى الاستيثاق والشد، ولا يكون إلا بين
~~متعاقدين، والعهد قد ينفرد به الواحد. إلى أن قال: (أوفوا بالعقود) أي
~~بالعهود، عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين. ثم اختلف في هذه العهود على
~~أقوال:
# أحدها: أن المراد بها: العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا
~~فيها على النصرة، والمؤازرة، والمظاهرة، على من حاول ظلمهم، أو بغاهم سوءا.
~~وذلك هو معنى الحلف، عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن أنس، وقتادة،
~~والضحاك، والسدي.
# وثانيها: أنها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده للإيمان به (١)،
~~وطاعته فيما أحل لهم أو حرم عليهم، عن ابن عباس [أيضا. و] (٢) في رواية
~~أخرى قال: هو ما أحل وحرم، وما فرض، وما حد في القرآن كله (أي: فلا تتعدوا
~~فيه ولا تنكثوا) (٣).
# ويؤيده قوله تعالى: (والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه) إلى قوله
~~تعالى: ﴿سوء الدار﴾ (4).
# وثالثها: أن المراد بها: العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، ويعقدها
~~المرء على نفسه، كعقد الأيمان، وعقد النكاح، وعقد العهد، وعقد البيع، وعقد
~~الحلف، عن ابن زيد، وزيد ابن أسلم.
# ورابعها: أن ذلك أمر من الله سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به
~~ميثاقهم بالعمل (5) بما في التورية والإنجيل في تصديق نبينا (صلى الله عليه
~~وآله وسلم)، وما جاء به من عند
# PageV00P007
# الله، عن ابن جريح، وأبي صالح.
# وأقوى هذه الأقوال قول ابن عباس: أن المراد بها عقود الله، التي أوجبها
~~على العباد في الحلال والحرام والفرائض والحدود.
# ويدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر، فيجب الوفاء بجميع ذلك إلا ما كان عقدا
~~في المعاونة على أمر قبيح، فإن ذلك محظور بلا خلاف (1). انتهى.
# ومثله قال الطريحي ms002 في مجمع البحرين (2).
# أقول: مراده من قول ابن عباس، الذي جعله أقوى، هو الذي نقله عنه منفردا،
~~وهو القول الثاني. ووجه دخول الرابع فيه ظاهر.
# وأما وجه دخول الأول: فلأنه العهد على النصرة على من حاول ظلمهم، و كانوا
~~يحلفون عليه، كما يدل عليه قوله: وهو الحلف.
# ولا شك أن النصرة على من ظلم وبغى سوء، مما أوجبه الله سبحانه، سيما مع
~~الحلف عليه، فإنه أمر راجح شرعا، بل واجب، فيجب بالحلف.
# ووجه دخول الثالث: أن المراد (3) ليس كل عقد يعقده المرء على نفسه و لو
~~اختراعا، بل العقود المجوزة شرعا، المرخص فيها بلسان الشرع، مثل البيع
~~والنذر، والنكاح، واليمين، كما يدل عليه تصريحه بدخوله في قول ابن عباس،
~~فإنه صرح بأن قول ابن عباس هو عقود الله التي أوجبها على العباد، ولا شك أن
~~ما يخترعه المرء ليس كذلك. ويشعر بذلك أيضا أمثلته التي ذكرها للثاني (4).
# PageV00P008
# وأما الاستثناء الذي ذكره بقوله: " إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر
~~قبيح " فهو غير مناف للتخصيص بالعقود المرخص فيها من الشرع، لأن فيها أيضا
~~ما يكون كذلك، كالبيع للظلمة، وبيع الخمر وآلات اللهو، والنذر في المعاصي
~~وأمثالها، فإن المراد حينئذ: المرخص نوعها في الشرع.
# فإن قلت: قوله سبحانه: ﴿والذين هم
~~لأماناتهم وعهدهم راعون﴾ (1) يدل على حسن الوفاء لكل عهد، وإن كان مما
~~يخترعه العباد، فهو أيضا يكون من عهود الله سبحانه.
# قلنا: المستفاد منه حسن الوفاء بكل عهد، الذي لا كلام فيه، فيكون عهد (2)
~~الله سبحانه حسن الوفاء، فيجب الوفاء بذلك العهد (3)، أي اعتقاد حسنه،
~~فيكون كعهده (4) في سائر المستحبات، فيدل المراد (5) على وجوب الوفاء بهذا
~~العهد من الله، ولازمه حسن الوفاء بكل عهد ولو كان مخترعا، لا وجوبه.
# ومن ذلك يظهر: أن ما جعله أقوى لا يدل على صحة كل عقد يخترعه العباد
~~بينهم أيضا، بل يدل على وجوب الوفاء بكل عقد عقده الله سبحانه، فلو كانت
~~صحة كل عقد اخترعوه أيضا ثابتة من ms003 الله بغير هذه الآية، تدل تلك الآية (6)
~~على وجوب الوفاء بمقتضاه (7)، لا أن هذه الآية تكون دالة على صحته.
# وقال البيضاوي: الوفاء: هو القيام بمقتضى العقد، وكذلك الايفاء.
# والعقد: العهد الموثق.
# PageV00P009
# ثم نقل شعر الحطيئة المتقدم، فقال: وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر
~~الانفصال. ولعل المراد بالعقود: ما يعم العقود التي عقدها الله سبحانه على
~~عباده، و ألزمها إياهم من التكاليف، وما يعقدون بينهم من عقود الأمانات،
~~والمعاملات، و نحوها مما يجب الوفاء به، أو يحسن، إن حملنا الأمر على
~~المشترك بين الوجوب والندب (1). انتهى.
# ويحتمل أن يكون مراده من " ما يعقدون بينهم " العقود المرخصة فيها شرعا.
# وقال الراغب على ما نقل عنه: العقود: باعتبار المعقود والعاقد ثلاثة
~~أضرب: عقد بين الله وبين عباده، وعقد بين الله ونفسه، وعقد بينه وبين غيره
~~من البشر. إلى أن قال: وظاهر الآية يقتضى كل عقد سوى ما كان تركه قربة أو
~~واجبا (2).
# وقال في الصافي بعد ذكر الآية: القمي عن الصادق (عليه السلام): أي
~~بالعهود (3).
# أقول: الإيفاء والوفاء بمعنى، والعقد: العهد الموثق، ويشمل ها هنا كل ما
~~عقد الله على عباده، وألزمه إياهم، من الإيمان به وملائكته (4) وكتبه ورسله
~~و أوصياء رسله، وتحليل حلاله، وتحريم حرامه، والإتيان بفرائضه وسننه، و
~~رعاية حدوده وأوامره ونواهيه، وكل ما يعقده المؤمنون على أنفسهم لله، وفيما
~~بينهم من عقود الأمانات والمعاملات الغير المحظورة.
# والقمي عن الجواد (عليه السلام): " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) عقد عليهم لعلى (عليه السلام) بالخلافة في عشرة مواطن، ثم أنزل الله
~~(يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) التي عقدت عليكم لأمير المؤمنين (عليه
~~السلام). (5) انتهى.
# PageV00P010
# وقال المحقق الأردبيلي في آيات الأحكام: " الوفاء والإيفاء: القيام
~~بمقتضى العقد والعهد، والعقد: العهد المشدد بين اثنين فكل عقد عهد، دون
~~العكس.
# لعدم لزوم الشدة والاثنينية.
# ثم قال بعد نقل كلام صاحب الكشاف: ويحتمل كون المراد: العقود الشرعية
~~الفقهية، ولعل المراد أعم من التكاليف والعقود التي بين الناس و غيرها
~~كالإيمان، فالإيفاء بالكل واجب، فالآية ms004 دليل وجوب الكل، فمنها يفهم أن
~~الأصل في العقود اللزوم (1). انتهى.
# وقال في القاموس في معنى العقد: عقد الحبل والبيع، والعهد، يعقده:
# شده وعنقه إليه لجأ، والحاسب حسب، والعقد: الضمان، والعهد، والجمل الموثق
~~الظهر.
# وقال في معنى العهد: العهد: الوصية، والتقدم إلى المرء في الشئ، والموثق،
~~واليمين، وقد عاهده، والذي يكتب للولاة، من عهد إليه أوصاه، والحفاظ،
~~ورعاية الحرمة، والأمان، والذمة، والالتقاء، والمعرفة، ومنه عهدي فيه بموضع
~~كذا (2). وقريب منه في الصحاح (3) وغيره (4).
# ومن جميع ما ذكرنا ظهر: أنه يلزم في العقد: الاستيثاق والشد، وأن للعهد
~~معاني متكثرة، وأن المعاني التي ذكروها للعقود في الآية هي ستة، بل ثمانية:
# الأول: مطلق العهود.
# والثاني: عهود أمير المؤمنين (عليه السلام).
# والثالث: عهود الجاهلية على النحو المتقدم.
# PageV00P011
# والرابع: العقود التي بين الله سبحانه وبين عباده، إما التكاليف
~~والواجبات خاصة، أو مطلق ما حده وشرعه لهم.
# والخامس: العقود التي بين الناس، والمراد منها يحتمل أن يكون: العقود
~~المتداولة بينهم، المقررة لهم من الشرع، أي: العقود الفقهية، وأن يكون
~~مطلقها ولو كان باختراعهم.
# والسادس: جميع ذلك.
# ثم إن فقهائنا الأخيار - رحمهم الله - في كتبهم الفقهية بين تارك
~~للاستدلال بتلك الآية، لزعم إجمالها.
# وبين حامل لها على المعنى الأعم، فيستدل بها على حلية كل ما كان عقدا لغة
~~أو عرفا، وترتب ثمرته التي أرادها واضعوه، إلا ما خرج بدليل، بل على لزوم
~~الوفاء بالجميع (1).
# وبين حامل لها على العقود المتداولة في الشريعة، من البيع، والنكاح،
~~والإجارة، والصلح، والهبة، والمزارعة، والمساقاة، والسبق، والرماية، وغيرها
~~مما ذكرها الفقهاء، فيستدل بها على إثبات هذه العقود، ويتمسك بها في تصحيح
~~هذه إذا شك في اشتراط شئ فيها، أو وجود مانع عن تأثيرها، ونحو ذلك، لا
~~تصحيح عقد برأسه (2).
# ومنهم من ضم مع العقود المتداولة، سائر ما عقده الله سبحانه على عباده
~~أيضا، فحمل الآية على كل ما عقده الله سبحانه، سواء كان من العقود
~~المتداولة أو غيرها، وهو كسابقه في محط الاستدلال.
# ويظهر من بعضهم أيضا احتمال حملها على العقود ms005 التي يتعاقد الناس بعضهم مع
~~بعض مطلقا، سواء كان من العقود المتداولة في الكتب الفقهية أم لا.
# PageV00P012
# ومحط الاستدلال حينئذ كالأول.
# ثم إن منهم من يفسر الأمر بالإيفاء على لزوم نفس العقد ووجوب الالتزام به
~~(1)، إلا إذا تحقق ما يرفع لزومه شرعا، فيكون منافيا لجواز العقد. (2)
~~ومنهم من يفسره بالعمل على مقتضى العقد ما دام باقيا، فلا ينافي كون بعض
~~العقود جائزا، كالشركة، والمضاربة، ونحوهما (3).
# ومنهم من يفسره بوجوب اعتقاد لزوم اللازم وجواز الجائز (4).
# ومنهم من حمله على الرخصة ونفى الحظر (5).
# وبعض هذه الوجوه في الإيفاء مختص ببعض محامل العقود.
# وتوضيح المقام: أن الآية الشريفة على ما هو نظر الفقهاء يحتمل وجوها:
# الأول: أن يكون المراد بالعقود العموم (6)، والأمر بالإيفاء لوجوب القيام
~~بالمعقود دائما حتى يرد المزيل الشرعي، فتدل الآية على وجوب العمل على
~~مقتضى كل عقد يعقدونه، مطابقا لحكم العقل بحسن الوفاء بالعهد (7)، فيكون
~~إيجابا للوفاء بكل عهد وشرط، إلا ما خرج بالدليل.
# فيكون معنى الآية: أنه يجب الوفاء بكل عهد موثق بينكم وبين الله، كالنذر
~~وأشباهه، أو من الله إليكم، كالإيمان به المعهود في عالم الذر و بعده،
~~وأداء أمانة التكليف التي حملها الإنسان، أو بين أنفسكم، بعضكم مع بعض،
~~كالبيع وأشباهه، أو بين أنفسكم مع أنفسكم، كالالتزامات
# PageV00P013
# على النفس من غير جهة النذر.
# فيكون الأصل وجوب الوفاء بكل عهد موثق، خرج ما خرج بالدليل، كالشركة،
~~والمضاربة، ومثلهما، فإنها وإن كانت صحيحة بسبب الإجماع، أو قوله تعالى: ﴿تجارة عن تراض﴾ (1) وداخلة تحت عموم
~~الآية، إلا أنها ليست بلازمة بالدليل الخارجي.
# وكالمغاوسة وشركة الوجوه والأبدان، فإنها محظورة رأسا من الخارج.
# فكل ما يندرج في تجارة عن تراض، يثبت صحته منه ولزومه بتلك الآية. و ما
~~لا يندرج فيه، يثبت صحته ولزومه معا بها، بل يثبت الصحة واللزوم في جميع
~~العقود بهذه الآية، خرج ما خرج من الصحة واللزوم، وبقى الباقي.
# وعلى هذا الاحتمال لا يجب تتبع أحوال العرف في كل عقد، في أن بنائهم ms006 فيه
~~على اللزوم أو الجواز. وتثمر الآية في العقد المجهول الحال بخصوصه شرعا أو
~~عرفا، ويثبت منها أصل الرخصة والإيجاب واللزوم، إلا أن يثبت المنع من
~~الخارج.
# الثاني: أن يكون المراد بالعقود: العموم، ويكون المراد بالإيفاء: وجوب
~~القيام بمقتضى العقد والعهد ما دام المتعاقد أو العاهد (2) - إذا كان واحدا
~~- باق على العهد، فما لم يرجعا أو أحدهما، يكون الوفاء واجبا. ومع رجوعهما
~~أو أحدهما وفسخ العهد، يرتفع الوجوب.
# وذلك كما في الشركة مثلا، فإن المرءين إذا اشتركا في رأس مال (3)، وشرطا
~~أن يكون الربح بينهما بالمناصفة، فإن أصل العقد وإن كان جائزا يجوز لكل
~~منهما الرجوع، إلا أنهما ما لم يرجعا يجب عليهما الوفاء بالشرط. وعلى هذا
~~فلا تفيد الآية لزوم العقد بالمعنى المتعارف وإن أفادت صحة كل عقد.
# PageV00P014
# الثالث: أن يكون المراد بالعقود: العموم، ويكون المراد بالإيفاء: وجوب
~~العمل بمقتضى العقد، بمعنى: اعتقاد لزوم اللازم، وجواز الجائز، وحلية
~~الحلال، وحرمة الحرام. وعلى هذا فيكون المراد: أن ما بينا لكم جوازه من
~~العقود، وميزنا (1) اللازمة منها من الجائزة، والراجحة من المرجوحة، فأوفوا
~~بها على مقتضاها، فاعتقدوا لزوم اللازمات، واعملوا بمقتضاها، وجواز
~~الجائزات، واعملوا بمقتضاها، وما لم يتبين لكم من العقود التي بينكم، فما
~~يقتضيه العرف من اللزوم والجواز، فاعملوا فيها كذلك. فيكون الأمر بالنسبة
~~إلى العقود المعلومة حالها شرعا من باب الإرشاد والأمر بالمعروف، وبالنسبة
~~إلى غيرها من باب التأسيس والتقرير، على ما هو مقتضى العقد عندهم، فيجب
~~حينئذ تتبع أحوال العرف، وأن أي عقد عندهم لازم، وأيا منه جائز.
# الرابع: أن يكون المراد بالعقود: العقود التي يتعاقدها الناس بينهم، سواء
~~كانت من العقود المنصوصة في الشرع، أو غيرها.
# ويكون المراد بالأمر بيان الصحة، وترتب الثمرة التي كانت منظورة
~~للمتعاقدين. يعنى، كل ما تتعاقدون عليه بينكم فقد أجزته، ورتبت عليه الثمرة
~~التي يريدونها منه، فصار شرعيا.
# فيكون الأمر من باب دفع الخطر، وإثبات محض الرخصة، وجواز ما يفعلون.
~~ويكون في العقود المجوزة شرعا بخصوصها من باب التأكيد، أو التناسي، وفي ms007
~~غيرها من باب التأسيس.
# ويلزمه أن يصير كل ما كان عندهم على وجه اللزوم لازما، وعلى وجه الجواز
~~جائزا. وهذا أيضا يحتاج إلى تتبع أحوال العرف في اللزوم والجواز فيما يعلم
~~حاله من الشرع.
# الخامس: أن يكون المراد بالعقود: العقود التي يتعاقدها الناس، غير العقود
# PageV00P015
# المتداولة الفقهية، ويكون المراد بالأمر ما ذكر في الرابع.
# السادس: أن يكون المراد: العقود الفقهية، والأمر للزوم (١)، ويكون
~~المعنى: أن ما جوزناه لكم، وحللناه، ورتبنا عليه الثمرة من العقود، يجب
~~عليكم الوفاء بمقتضاه، مثل أن عقد البيع صححه الشارع، وجوزه، ورتب عليه
~~الثمرة التي أرادها بقوله: ﴿أحل الله البيع﴾ (٢). ومثل عقد المضاربة الذي جوزه
~~بقوله: ﴿تجارة عن تراض منكم﴾
~~(3).
# ثم قال: أوفوا به، يعنى: يجب الوفاء على مقتضاه من الفعل، بمعنى استمرار
~~ملكية الطرفين لما ملكاه، فهذا يثبت اللزوم في جميع العقود المجوزة.
# السابع، والثامن، والتاسع: أن يكون المراد بالعقود: أحد الثلاثة الأخيرة،
~~و بالامر: العمل بمقتضى العقد ما كان باقيا، فلا يثبت اللزوم.
# العاشر: أن يكون المراد: العقود الفقهية، ويكون المراد بالوفاء: اعتقاد
~~اللزوم في اللازمات، والجواز في الجائزات.
# ومما ذكرنا تظهر احتمالات أخر أيضا.
# ثم لا يخفى: أن استدلال الفقهاء بتلك الآية، إما يكون لتصحيح عقد برأسه،
~~وجعله لازما، أي: ما كان عقدا ولم يبلغ من الشرع صحته ولزومه بخصوصه. وهذا
~~عند من يقول ببقاء العقود على العموم المطلق، أو بحمله على جميع ما يعقده
~~الناس بينهم مطلقا.
# أو يكون في تصحيح العقود الشرعية خاصة إذا شك في شرطية شرط، أو مانعية
~~مانع. أو يكون في إثبات أصالة اللزوم في العقود الشرعية خاصة. وهذان عند من
~~يخصص العقود بالشرعية.
# واستشكل الأول: باستلزامه خروج الأكثر، إذ أكثر ما يسمى عقدا مما
# PageV00P016
# لا يجب الوفاء به إجماعا، والباقي في جنب المخرج كالمعدوم.
# وأجيب عنه، بأن لزوم تخصيص الأكثر إنما هو لو سلمنا أكثرية العقود غير
~~المتداولة في الشرع، وإنما هو إذا أريد بعموم العقود العموم ms008 النوعي، وهو
~~خلاف التحقيق، بل المراد هو العموم الأفرادي، فإذا لوحظت الأفراد، فلا ريب
~~أن أفراد العقود المتداولة أكثر من أفراد غيرها، سيما في مثل البيع
~~والإجارة والنكاح.
# واستشكل الثاني: بأنه لو خصت العقود بتلك العقود المتداولة، فلا بد من أن
~~تكون هي العقود المتداولة في زمان الشارع، وكل ما انتفى فيه شئ محتمل
~~الشرطية، أو وجد فيه محتمل المانعية، لا يعلم كونه من العقود المتداولة في
~~ذلك الزمان، فلا يصح التمسك بالآية في موضع من المواضع، ولا في خصوص إثبات
~~لزوم بعض ما يعلم لزومه خارجا أيضا، وهذا مخالف لسيرة العلماء، وطريقتهم
~~المسلوكة بينهم، بلا خلاف يظهر بينهم في ذلك أصلا، من جهة استنادهم إليها
~~في محل النزاع والوفاق.
# وأجيب عنه: بأن الألف واللام للعهد، والإشارة إلى جنس العقود المتداولة
~~في ذلك الزمان، المعهودة المضبوطة الآن في كتب فقهائنا، كالبيع والإجارة و
~~نحو ذلك، لا خصوص أشخاص كل عقد عقد متداول فيه، مع كيفياتها المخصوصة
~~والمتداولة فيه. ولا ريب في أن مواضع استدلالاتهم بتلك الآية الشريفة داخلة
~~في جنس تلك العقود وفى أفرادها وإن جهل اشتراكها معها في الخصوصيات، وذلك
~~لا يقدح في دخولها في تلك العقود (1).
# نعم يرد على الثاني: أنه لم يثبت حقيقة شرعية في العقد، والأصل عدم
~~المخصص، فيجب إبقاؤه على المعنى اللغوي.
# ثم نقول: إن ما تقدم في معنى الأمر بالوفاء - سوى التزام (2) ما عقدوا، و
# PageV00P017
# عاهدوا عليه، ووجوب العمل بما تعاهدوه - لا يخلو عن تجوز في هيئة الأمر
~~أو مادته. فتعين حمله على وجوب العمل بما عهدوا إليه، الذي هو معنى لزوم
~~العقد. فيثبت بالآية أصالة لزوم كل ما يصدق عليه العهد والعقد لغة أو عرفا
~~إلا ما خرج، ويصح تصحيح العقد برأسه وجعله لازما بها. وكذا التمسك بصحة ما
~~شك في شرطه أو وجود مانعه ولزومه. وكذا التمسك بلزوم ما علم صحته شرعا وشك
~~في لزومه.
# فيقال: إنه يحكم بلزوم عقد المعاوضة مثلا لو لم نقل بدخوله في البيع، و
~~عقد الصلح الابتدائي ms009 لو خصصنا الصلح الوارد في الأخبار بما كان لرفع
~~التنازع، كما يدل عليه تعريفهم للصلح، وعقد إسقاط حق غير مالي، كحق الرجوع
~~في الطلاق مثلا بعوض شئ آخر، وعقد المبايعة بالفارسية أو المضارع لو لم نقل
~~بكونه بيعا عرفا، أي: لو لم نقل بثبوت معنى البيع (1) عرفا، واقتصرنا فيه
~~على موضع الإجماع.
# وكذا يحكم بلزوم ما كان من العقود المتداولة، ولكن شك في انتفاء شرطه، أو
~~وجود مانعه، كعقد البيع بالفارسية إذا قلنا بكونها بيعا عرفا.
# وكذا يحكم بأصالة لزوم جميع العقود المجوزة في الشرع، كالإجارة،
~~والمراهنة، والمزارعة، والشركة، والمضاربة، ما لم يعلم جوازه من الخارج.
# وهذا بخلاف ما لو خصت بالمتداولة، فإنه يمكن الاستدلال بالآية في الأخير
~~خاصة، أو مع الثاني بالتقريب المتقدم في دفع الإشكال الوارد على الطائفة
~~الثانية.
# هذا غاية ما يمكن أن يقال في تتميم الاستدلال بالآية الكريمة في لزوم
~~جميع العقود في المطالب الفقهية.
# ومع ذلك ففي صحة التمسك به كلام من وجوه:
# PageV00P018
# الأول: أنه وإن كان مقتضى الجمع المحلى باللام كونه مفيدا للعموم، ولكن
~~يخدشه في الآية أمران:
# أحدهما: أنا قد ذكرنا في كتبنا الأصولية (1): أن الثابت من أصالة الحقيقة
~~إنما هو إذا لم يقترن بالكلام - حين التكلم به - ما يوجب الظن بعدم إرادة
~~الحقيقة، أي لم يقترن به ما يظن كونه قرينة للصرف عن الحقيقة، بل لم يقترن
~~ما يصلح لكونه قرينة.
# ومما لا شك فيه: أن تقدم طلب بعض أفراد الماهية أو الجمع المحلى على
~~الطلب (2) باللفظ الدال على الماهية، أو بالجمع (3)، مما يظن معه إرادة
~~الأفراد المتقدمة، ولا أقل من صلاحية كونه قرينة لإرادتها، ألا ترى أنه إذا
~~قال مولى - في داره عشرون بيتا، وله عشرون ثوبا - لعبده: اكنس كل يوم البيت
~~الفلاني، والفلاني، والفلاني، إلى خمسة بيوت مثلا، واغسل كل يوم الثوب
~~الفلاني، والفلاني، إلى خمسة أثواب، ثم قال له في يوم: اكنس البيوت واغسل
~~الثياب، ثم اذهب إلى السوق، يظن، بل يفهم إرادة البيوت والثياب المعهودة،
~~دون العموم.
# وعلى ms010 هذا فنقول: إن تلك الآية في سورة المائدة، وهي على ما ذكره المفسرون
~~آخر السور المنزلة (4) في أواخر عهد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) (5)،
~~ولا شك أن قبل نزولها قد علم من الشارع وجوب الوفاء بطائفة جمة من العقود،
~~كالعقود التي بين الله سبحانه وبين عباده، من الإيمان به وبرسله وكتبه،
~~والإتيان بالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وغيرها، بل بعض العقود
~~التي بين الناس بعضهم مع
# PageV00P019
# بعض، كالبيع والنكاح والإجارة والرهن وأمثالها.
# وتقدم طلب الوفاء بتلك العقود يورث الظن بإرادتها من قوله: (أوفوا
~~بالعقود) خاصة، أو يصلح قرينة لإرادتها، فلا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة في
~~إرادة جميع الأفراد من الجمع المحلى. مضافا إلى أن قوله تعالى: ﴿وأحلت لكم بهيمة الأنعام﴾ (1) إلى
~~آخره، تفصيل لبعض العقود أيضا كما مر في كلام بعض المفسرين (2) وهذا أيضا
~~مما يضعف الحمل على العموم.
# وثانيهما: أنه إذا ورد أمر بطلب شئ لم يرد طلبه أولا، يكون هذا الأمر
~~الوارد للتأسيس وإذا أمر به أولا، ثم ثانيا، يكون الثاني للتأكيد. ولو ورد
~~أمر بطلب بعض أفراد عام أولا، ثم ورد أمر آخر بطلب ما ظاهره العموم، يجب أن
~~يحمل على التخصيص بما طلب أولا حتى يكون تأكيدا، أو بغيره حتى يكون تأسيسا.
# وأما حمله على العموم - فيكون تأسيسا وتأكيدا معا - فغير جائز، كما في
~~استعمال المشترك في معنييه، لأن كل ما يدل على عدم جوازه، يدل على عدم
~~جوازه أيضا. ولا شك أنه كان وجوب الوفاء بعقود كثيرة معلوما قبل نزول تلك
~~الآية، فلا يمكن حملها على العموم، إلا أن يحمل على باب التناسي، ولكنه وإن
~~كان جائزا، إلا أنه أيضا خلاف الأصل، كالتخصيص في العقود، فترجيح أحدهما
~~يحتاج إلى دليل، فتأمل.
# الثاني: أنه قد عرفت اتفاقهم على اشتراط الاستيثاق والشدة (3) في معنى
~~العقد، وأنه العهد الموثق، وهو المفهوم من لفظ العقد، فلو أبقينا العقود
~~على العموم أيضا، لما دل إلا على وجوب الوفاء بالعهود الموثقة، لا كل عهد،
~~ففي ms011 كل عهد يراد إثبات لزومه شرعا لا بد أولا من إثبات استحكامه واستيثاقه
~~وشدته،
# PageV00P020
# ولا يثبت ذلك إلا بعد ثبوت اللزوم الشرعي، لمنع كون غير ما ثبت لزومه
~~شرعا موثقا.
# فلا يمكن الاستدلال بالآية إلا في التمسك بنفي الاشتراط أو المانعية،
~~فيما كان فردا من العقود اللازمة، لا مطلقا، وهذا يكفي فيه أصالة الاشتراط
~~والمانعية، من غير حاجة إلى التمسك بالآية.
# ولو جوزنا حصول التوثيق بغير الشرع أيضا، وقلنا بكفاية التوثيق العرفي،
~~فلا يفيد فيما هم بصدده أصلا، لأنهم يريدون إثبات لزوم مثل قول المتعاقدين:
# عاوضت فرسي مع بقرك، من الموجب، وقبلت المعاوضة، من القابل، لو لم نقل
~~بكونه بيعا. ومثل إيجاب إسقاط حق الرجوع بعوض، أو صلحه لو لم ندرجه في عموم
~~الصلح، وأمثال ذلك. ونحن لا نسلم التوثيق في أمثال ذلك عرفا لولا اللزوم
~~الشرعي، بل هو نفس العهد وتوثيقه. وصيرورته عقدا إنما يكون باقتران أمر آخر
~~معه يوجب توثيقه شرعا أو عرفا، ومع ثبوت الشرعي لا احتياج إلى التمسك
~~بالآية.
# ولا يتوهم: أن بناء المتعاهدين (1) وقصدهم عدم الرجوع، وتكلمهم بلفظ
~~قاصدا منه البقاء على مقتضى العهد يكون توثيقا له.
# لأن ذلك هو العهد، إذ ما لا يقصد فيه الإتيان به البتة ليس عهدا، فحصول
~~التوثيق يحتاج إلى أمر آخر، وعلى المستدل إثبات التوثيق عرفا.
# الثالث: أن بعد ما علمت من اتفاقهم على كون العقد هو العهد الموثق، أقول:
# قد عرفت أن للعهد معاني متكثرة، كالوصية، والأمر، والضمان، واليمين، وغير
~~ذلك، وشئ منها لا يصدق على ما هم بصدد إثبات لزومه أو صحته في المباحث
~~الفقهية.
# PageV00P021
# ولو سلمنا أن للعهد معنى يلائم ذلك أيضا، فإرادة ذلك المعنى من العهد -
~~الذي هو معنى العقد في الآية - غير معلوم، بل لا سبيل إلى إثباته.
# فيمكن أن يكون المراد من العقود: الوصايا الإلهية الموثقة، أي المشددة في
~~ثبوتها، أي التكاليف اللازمة، فإنها وصايا منه سبحانه إلى عباده، كما ورد
~~في الآيات المتكثرة، كقوله سبحانه: ﴿ووصينا الإنسان ms012 بوالديه حسنا﴾ (١) و ﴿ما وصى به نوحا... وما وصينا به
~~إبراهيم وموسى وعيسى﴾ (2) إلى غير ذلك.
# ويمكن أن يكون المراد منها: مطلق الوصايا ويمكن أن يكون منها:
# الأوامر، والإيمان، والضمانات.
# وبالجملة: إثبات كون المراد من العهود المأخوذ في معنى العقود في الآية
~~معنى يصدق على مثل: عاوضت فرسي ببقرك، أمر مشكل جدا، وبدون ذلك لا يصح
~~الاستدلال بالآية فيما هم بصدده.
# الرابع: أنه قد عرفت أن معنى العقد لغة: الجمع بين الشيئين بحيث يعسر
~~الانفصال بينهما، وإذا كان ذلك معناه اللغوي حقيقة، فيكون المراد منه في
~~الآية الشريفة معناه المجازي، وإذا كان كذلك، فتتسع دائرة الكلام ومجال
~~الجدال في التمسك بالآية كما لا يخفى.
# ومن جميع ذلك ظهر ضعف التمسك بتلك الآية الشريفة في إثبات لزوم بعض ما
~~يعدونه عقدا في الكتب الفقهية. وحيث انحصر الدليل على أصالة لزوم كل عقد
~~بتلك الآية، فتكون تلك الأصالة غير ثابتة، بل الأصل عدم اللزوم، إلا أن
~~يثبت لزوم عقد بدليل خاص، كالبيع وأمثاله.
# وعلى الله التوكل والاعتصام، وعلى نبيه وآله الصلاة والسلام.
# PageV00P022
# عائدة (٢) في وجوب تعظيم شعائر الله قد تكرر في كتب الفقهاء، الحكم بوجوب
~~تعظيم شعائر الله، وبه يتمسكون في أحكام كثيرة من الوجوب والحرمة، كحرمة
~~بيع المصحف و كتب الحديث من الكفار، ودخول الضرائح المقدسة على غير طهر،
~~وأمثال ذلك.
# والأصل فيه: قوله تعالى وسبحانه في سورة الحج بعد ما ذكر طائفة من مناسك
~~الحج: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها
~~من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت
~~العتيق﴾ (1).
# ولا بد في تحقيق معناه من ذكر نبذة من كلام اللغويين والمفسرين في معنى
~~الشعائر وتفسير الآية: فنقول:
# قال في القاموس في مادة الشعر: وكسحاب: الشجر الملتف، وما كان من شجر في
~~لين من الأرض، يحله الناس، يستدفئون به شتاء، ويستظلون [به] (2) صيفا،
~~كالمشعر.
# PageV00P023
# وككتاب: جل الفرس، والعلامة في الحرب والسفر (1)، وما وقيت به الخمر،
~~والرعد ms013 (2)، والشجر، ويفتح. والموت، وما تحت الدثار من اللباس، وهو يلي شعر
~~الجسد، ويفتح. الجمع، أشعرة، وشعر.
# إلى أن قال: والشعيرة: البدنة المهداة، الجمع: شعائر.
# إلى أن قال: وشعار الحج: مناسكه وعلاماته. والشعيرة والشعارة والمشعر:
# معظمها (3). أو شعائره: معالمه التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها
~~(4). انتهى.
# وقال في الصحاح: والشعيرة: البدنة تهدى، والشعائر: أعمال الحج، و كل ما
~~جعل علما لطاعة الله. قال الأصمعي: الواحد شعيرة. قال: وقال بعضهم: شعارة.
~~والمشاعر: مواضع المناسك.
# إلى أن قال: والشعار: ما ولي الجسد من الثياب. وشعار القوم في الحرب:
# علامتهم ليعرف بعضهم بعضا. والشعار بالفتح: الشجر. يقال: أرض كثيرة
~~الشعار. وأشعر الهدي، إذا طعن في سنامه الأيمن حتى يسيل منه دم، ليعلم أنه
~~هدي (5). انتهى.
# وقال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر في الحديث ذكر الشعائر. وشعائر
~~الحج: آثاره وعلاماته. جمع: شعيرة.
# وقيل: هو كل ما كان من أعماله، كالوقوف، والطواف، والسعي، والرمي،
~~والذبح، وغير ذلك.
# وقال الأزهري: والشعائر: المعالم التي ندب الله إليها وأمر بالقيام
~~عليها.
# ومنه سمي المشعر الحرام لأنه معلم للعبادة وموضع.
# PageV00P024
# ومنه الحديث: أن جبرائيل قال له: " مر أمتك حتى يرفعوا أصواتهم بالتلبية،
~~فإنها من شعائر الحج " (1).
# ومنه الحديث: أن شعار أصحاب النبي كان في الغزو: يا منصور أمت (2).
# أي علامتهم التي كانوا يتعارفون بها (3). وقد تكرر ذكره في الحديث.
# ومنه إشعار البدن، وهو أن يشق أحد جنبي سنام البدنة حتى يسيل دمها، و
~~يجعل ذلك علامة تعرف بها أنها هدي (4). انتهى.
# وقال الطبرسي في مجمع البيان في بيان الشعائر: والشعائر علامات مناسك
~~الحج الذي يشعر بما جعلت له.
# وقال: (ومن يعظم شعائر الله) أي: معالم دين الله، والأعلام التي نصبها
~~لطاعته.
# ثم اختلف في ذلك فقيل: هي مناسك الحج كلها، عن ابن زيد.
# وقيل، هي البدن، وتعظيمها استسنامها (5)، عن مجاهد.
# وعن ابن عباس في رواية مقسم (6): والشعائر جمع شعيرة، وهي البدن إذا
~~أشعرت، أي أعلمت عليها، بأن يشق سنامها من الجانب الأيمن، ليعلم أنها هدي،
~~فالذي يهدي مندوب ms014 إلى طلب الأسمن والأعظم.
# وقيل: شعائر الله دين الله كله، وتعظيمها التزامها، عن الحسن (7).
# (فإنها) أي: فإن تعظيمها، لدلالة (يعظم) عليه، ثم حذف المضاف و
# PageV00P025
# أقام المضاف إليه مقامه، فقال: (فإنها من تقوى القلوب) أضاف التقوى إلى
~~القلوب، لأن حقيقة التقوى: تقوى القلوب.
# وقيل: أراد صدق النية.
# (لكم فيها) أي: في الشعائر (منافع)، فمن تأول أن الشعائر الهدي، قال: إن
~~منافعها ركوب ظهورها وشرب ألبانها إذا احتيج إليها، و هو المروي عن أبي
~~جعفر (عليه السلام) (1)، وهو قول عطاء ابن أبي رباح، ومذهب الشافعي (2).
# وعلى هذا فقوله: (إلى أجل مسمى) معناه: إلى أن ينحر.
# قيل: إن المنافع من رسلها ونسلها وركوب ظهرها وأصوافها و أوبارها. (إلى
~~أجل مسمى) أي: إلى أن يسمى هديا، فبعد ذلك تنقطع المنافع، عن مجاهد وقتادة
~~والضحاك (3).
# والقول الأول أصح، لأن قبل أن تسمى هديا لا تسمى شعائر.
# ومن قال: إن الشعائر مناسك الحج، قال: المراد بالمنافع التجارة إلى أجل
~~مسمى، إلى أن يعود من مكة.
# ومن قال: إن الشعائر: دين الله، قال: (لكم فيها منافع) أي: الأجر
~~والثواب. والأجل المسمى: القيامة (ثم محلها إلى البيت العتيق).
# ومن قال: إن شعائر الله: هي البدن، قال: معناه: أن محل الهدي والبدن:
~~الكعبة.
# وقيل (4): محلها الحرم كله.
# PageV00P026
# وقال أصحابنا: إن كان الهدي للحج، فمحله منى. وإن كان للعمرة المفردة،
~~فمحله مكة قبالة الكعبة بالجزورة، ومحلها حيث نحرها. (1) ومن قال: إن
~~الشعائر: مناسك الحج، قال: معناه ثم محل الحج والعمرة الطواف بالبيت
~~العتيق، وأن منتهاها إلى البيت العتيق، لأن التحلل يقع بالطواف، والطواف
~~يختص بالبيت.
# ومن قال: إن الشعائر: هي الدين كله، فيحتمل أن يكون معناه: أن محل ما
~~اختص منها بالإحرام هو البيت العتيق، وذلك الحج والعمرة في القصد له،
~~والصلاة في التوجه إليه.
# ويحتمل أن يكون معناه: أن أجرها على رب البيت العتيق (2). انتهى.
# وقال البيضاوي: (ذلك ومن يعظم شعائر الله) دين الله، أو فرائض الحج
~~ومواضع مناسكه، أو الهدايا، لأنها من معالم الحج، وهو أوفق بظاهر ms015 ما بعده.
# وتعظيمها أن تختار حسانا سمينا غالية الأثمان.
# وقال: (فإنها من تقوى القلوب) فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب.
# وقال: (ولكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق) أي:
# لكم فيها منافع، درها ونسلها وصوفها وظهرها إلى أن تنحر، ثم وقت نحرها
~~منتهية إلى البيت، أي: ما يليه من الحرم.
# إلى أن قال: والمراد على الأول: لكم فيها منافع دينية تنتفعون بها إلى
~~أجل مسمى، هو الموت، ثم محلها منتهية إلى البيت العتيق الذي ترفع إليه
~~الأعمال، أو يكون فيه ثوابها، وهو البيت المعمور أو الجنة.
# وعلى الثاني (لكم فيها منافع) التجارات في الأسواق إلى وقت
# PageV00P027
# المراجعة، ثم وقت الخروج منها منتهية إلى الكعبة بالإحلال بطواف الزيارة
~~(1).
# انتهى.
# وقال في الصافي: (ومن يعظم شعائر الله) أعلام دينه (فإنها من تقوى
~~القلوب) القمي قال: تعظيم البدن وجودتها (2).
# وفي الكافي: عن الصادق (عليه السلام): " إنما يكون الجزاء مضاعفا فيما
~~دون البدنة، فإذا بلغ البدنة فلا تضاعف، لأنه أعظم ما يكون، قال الله
~~تعالى: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) " (3).
# وعنه عليه السلام في قصة حجة الوداع: " وكان الهدي الذي جاء به رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) أربعة وستين أو ستة وستين، وجاء علي عليه السلام
~~بأربعة وثلاثين أو ستة وثلاثين " (4).
# (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى): في الكافي والفقيه عن الصادق (عليه
~~السلام) في هذه الآية قال: " إن احتاج إلى ظهرها ركبها من غير أن يعنف
~~عليها، وإن كان لها لبن حلبها حلابا لا ينهكها " (5).
# (ثم محلها إلى البيت العتيق) القمي قال (6): البدن يركبها المحرم من
~~موضعه الذي يحرم فيه، غير مضر بها، ولا معنف عليها، وإن كان لها لبن يشرب
~~من لبنها إلى يوم النحر (7). انتهى.
# أقول: رواية الكافي ما رواه بإسناده إلى الكناني، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام): في
# PageV00P028
# قول الله عز وجل: (لكم فيها منافع إلى أجل مسمى) قال: " إن احتاج " إلى
~~آخره، ورواية الفقيه مثلها أيضا، إلا أنه ms016 رواها عن أبي بصير. هذا.
# وسائر ما ذكره سائر المفسرين أيضا يقرب مما نقل، وفيه كفاية للمطلوب.
# ثم أقول: إن المستفاد من جميعها أن المراد ب (شعائر الله) يحتمل وجوها
~~أربعة:
# الأول: البدن خاصة.
# الثاني: مناسك الحج وأعماله كلها.
# الثالث: مواضع مناسكه ومعالمه.
# الرابع: علامات طاعة الله وأعلام دينه.
# والمعنى الصالح للتمسك بالآية في وجوب تعظيم شعائر الله على ما يستدل به
~~القوم هو الرابع، دون غيره من الثلاثة الأول، فالتمسك بها يتوقف على تعيين
~~ذلك المعنى، ولا دليل (1) على تعيينه إلا عموم اللفظ، من حيث كونه جمعا
~~مضافا.
# ومع ذلك يخدشه أمران:
# أحدهما: أنه إنما يفيد لو كان (الشعائر) جمعا للشعار بمعنى مطلق العلامة،
~~وهو غير ثابت، لاحتمال كونه جمعا للشعيرة التي هي البدنة.
# وثانيهما: أن عموم الجمع المضاف إنما هو في الأفراد المنسوبة إلى المضاف
~~إليه، والمضاف إليه هنا وإن كان هو الله، ولكنه لما لم يصح يحتاج إلى تقدير
~~لا يتعين أن يكون هو دين الله، أو طاعته، أو عبادته، أو أمثال ذلك، بل يمكن
~~أن يكون هو طاعته المخصوصة (2)، أي: الحج، فإن أدنى ملابسة كافية في
~~الإضافة.
# هذا مع أن ظاهر المقام لا يلائم التعميم، بل يناسب أحد الثلاثة - كما مر
~~في
# PageV00P029
# كلام البيضاوي - لكون المقام مقام بيان أعمال الحج.
# بل ما بعد هذه الآية وهو قوله: (لكم فيها منافع) إلى آخره، يعين إرادة
~~أحد هذه الثلاثة، إذ لا يوافق قوله تعالى: (لكم فيها منافع) إلى قوله
~~سبحانه: (إلى البيت العتيق) إرادة التعميم من شعائر الله إلا بارتكاب أمور
~~كثيرة مخالفة للأصل من تقدير وتخصيص، كما مر في كلام الطبرسي.
# بل في الروايتين اللتين مر ذكرهما في كلام الصافي عن الكافي والفقيه
~~تصريح بتفسير قوله تعالى: (لكم فيها منافع) إلى آخره، بما لا يوافق إلا أحد
~~الثلاثة.
# بل في بعض الأخبار: إشعار بإرادة البدن خاصة من الشعائر، وهو ما رواه في
~~الكافي باسناده عن ابن عمار، قال، قال أبو عبد الله (عليه السلام): " إذا
~~رميت الجمرة ms017 فاشتر هديك إن كان من البدن أو من البقر، وإلا فاجعله كبشا
~~سمينا فحلا، فإن لم تجد فموجوء من الضأن، فإن لم تجد فتيسا فحلا، فإن لم
~~تجد فيها تيسر عليك، وعظم شعائر الله، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ذبح من أمهات المؤمنين بقرة بقرة، ونحر بدنة " (١).
# هذا، ولكن الظاهر من قوله سبحانه بعد هذه الآيات: ﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ (2) عدم اختصاص
~~الشعائر بالبدن، حيث إن الظاهر من لفظة (من) هو التبعيض.
# وظهر بذلك ضعف ما يستفاد من كلام جمع من الفقهاء من حمل شعائر الله على
~~العموم.
# ثم لو سلمنا حمله على العموم وإرادة جميع أعلام دين الله، فلا دلالة في
~~الآية على وجوب تعظيمها، بل غاية ما يستفاد منها هو الرجحان وكونه من تقوى
~~القلوب، وأين هو من الوجوب؟!
# PageV00P030
# نعم ظاهر الأمر في رواية ابن عمار المتقدمة: هو الوجوب، فلو ثبت التعميم
~~لكانت حسنا في إثبات الوجوب.
# ولكن فمع ذلك كله، وتسليم العموم، وإفادة الوجوب، لا يثبت من الآية ولا
~~الرواية إلا وجوب التعظيم، وأما وجوب جميع أنواع التعظيم - وهو المفيد في
~~مواضع الاستدلالات - فلا، إذ الأمر بالمطلق لا يدل على وجوب جميع أفراده.
~~فيحصل الإجمال، أو وجوب نوع ما من التعظيم. ومن ذلك ظهر ضعف ذلك الاستدلال
~~رأسا.
# نعم: قد ثبت بالعقل والنقل حرمة الاستخفاف والإهانة بأعلام دين الله
~~مطلقا، وانعقد عليها الإجماع، بل الضرورة، بل يوجب في الأكثر الكفر.
# وترك التعظيم قد يكون بما يكون إهانة واستخفافا، وقد لا يكون كذلك، كما
~~أن ترك تعظيم شخص تارة يكون بضربه أو الإعراض عنه الموجب للاستخفاف، وأخرى
~~بعدم استقباله أو القيام له، فما كان من الأول يكون حراما لإيجابه الإهانة،
~~دون ما كان من الثاني.
# ثم الأمور الموجبة للإهانة أيضا على قسمين: قسم يكون إهانة مطلقا، كسب
~~شخص ونحوه. وقسم قد يكون إهانة وقد لا يكون، ويختلف بالقصد، والمناط هو
~~حصول الإهانة. هذا.
# ثم لا يخفى: أن مطلق ms018 التعظيم لشعائر الله، أي: جميع أفراده بجميع أفرادها
~~وإن لم يثبت وجوبه، ولكن استحبابه ورجحانه - لأجل أنه من شعائر الله،
~~ومنسوب إليه - مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، والظاهر انعقاد الإجماع
~~عليه. وقوله (عليه السلام): " لكل امرئ ما نوى " (1) يدل عليه. بل يستفاد
~~من تضاعيف أخبار كثيرة أخرى أيضا، وفحوى: رجحان تعظيم البدن أو مطلق مناسك
~~الحج يشعر به. والله هو الموفق.
# PageV00P031
# عائدة (3) في تقسيم الإذن ينقسم الإذن إلى: صريح، وفحوى، وشاهد حال.
# والمراد بالأول: ما دل عليه اللفظ بمعناه المطابقي، كقول القائل: صل في
~~داري، واشرب من مائي، وكل من مائدتي.
# وبالثاني: ما دل عليه اللفظ بمدلوله الالتزامي، من باب مفهوم الموافقة،
~~نحو: كن عندنا ضيفا في دارنا إلى الغد. فإن ذلك يدل بالالتزام على الرخصة
~~في صلوته في داره، والتوضؤ من مائه وأوانيه.
# وبالثالث: ما كانت هناك حالة تشهد بالإذن في أمر، كالمصادقة التامة بين
~~شخصين، الدالة على إذن كل منهما في أكل الآخر من بيته.
# والضابط فيه: أنه إذا لوحظت تلك الحالة يقطع بالإذن، وبأنه لو استأذن
~~المالك في ذلك، لأذن له فيه. كما أن الاتحاد في الدين، وعدم تصور الضرر،
~~وعدم المعاداة واللجاج، يشهد بالإذن لكل أحد في الشرب من ماء قناته والتوضؤ
~~منه.
# فالأولان إذن بلسان القال، إما مطابقة أو التزاما. والثالث إذن بلسان
~~الحال. والحال حالة للآذن، أو مرابطة (1) بينه وبين المأذون له، ناطقة
~~بلسان
# PageV00P033
# الحال من جانب صاحب المال بقولها: ادخل الدار، واشرب من الماء، واستند
~~إلى الحائط، وأمثال ذلك.
# وهذه الحالة: قد تكون أمرا عدميا، كعدم الضرر، والعداوة واللجاج، الدال
~~على الإذن في الاستناد إلى الحائط. وقد تكون وجوديا، كالسخاء التام المعلوم
~~من شخص.
# وقد تكون مرابطة خاصة، كالمرابطة الحاصلة بين صديقين متعارفين، يعرف كل
~~منهما صاحبه وصداقته، وإما عامة، كموادة أهل الإيمان بعضهم لبعض وإن لم
~~يتعارفوا.
# والإذن في كل من المتعارفين والمتناكرين فعلية، فإن الصديق الذي لا يعلم
~~الصديق صداقته، مأذون فعلا في دخول داره، من حيث دخوله في ms019 الأصدقاء، وفعلية
~~الإذن لهم.
# والحاصل: أن هذا الصديق الذي لا يعلم الصديق صداقته، مأذون بالفعل في نفس
~~الأمر، وإن كان يعلم - الآذن أو غيره أنه مندرج تحت المأذونين - بالقوة،
~~فلا يعتبر - في كون شخص مأذونا بشاهد الحال في تصرف في ملك غيره - علم
~~المالك ولا غيره بكونه من أهل الرابطة الموجبة للإذن، بل يكفي كونه منهم
~~واقعا، وعلم المأذون له به، ليصح التصرف شرعا.
# فلو كان شخص صديقا لآخر، ولم يعلم ذلك الآخر بصداقته له، ولكن علم أنه
~~راض بدخول كل صديق له في دخول داره، فنقول: ذلك الشخص مأذون بشاهد الحال في
~~دخول داره، لأن شاهد الحال ناطق (1) بالإذن لكل صديق، وهذا أيضا صديق.
# ولا يشترط فيه علم المالك بصداقته، بل نقول: إنا نعلم حينئذ قطعا أن ذلك
~~الشخص يقول بلسان الحال: لو كنت صديقا لي فادخل في
# PageV00P034
# داري، والمفروض أنه صديقه.
# نعم: لو فرض كون شهادة حالة مختصا بصورة علم المالك، لاختصت الإذن فيها
~~أيضا.
# وقد يحصل التعارض بين شهادة الحالين، كما إذا زعم زيد أن عمرا عدوه، وكان
~~هو في نفس الأمر من أصدق أصدقائه، فالحالة المعلومة تشهد بعدم الإذن له في
~~دخول داره، والحالة النفس الأمرية تشهد بالإذن له فيه، ولكن المعلوم
~~بالشهادة الأولى ليس إلا المنع من الدخول لو كان كذا واقعا، ولما لم يكن
~~كذا واقعا، تبقى الشهادة الثانية بلا معارض، فيعمل بها، بل يحصل هنا حالة
~~مركبة شاهدة بالإذن كما يأتي.
# وتحقيق المقام: أن الإذن الحاصلة في كل من الأقسام الثلاثة - الصريح،
~~والفحوى، وشاهد الحال - مؤثرة شرعا في ما تشترط فيه الإذن، ومقبولة و تترتب
~~عليها الآثار.
# أما الأول: فظاهر.
# وأما الثاني: فلكون المعاني المفهومة التزاما كالمفهومة مطابقة في
~~التأثير، لأن مناط الأحكام: على الفهم والعلم، دون الدلالات المطابقية.
# وأما الثالث: فلأن المفروض حصول العلم بالإذن بسبب شهادة تلك الحال، ولم
~~يثبت أنه يشترط في تأثير الإذن كونها معلومة بلفظ دال، فإنه ورد أنه:
# " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه " (1) ولم ms020 يقيد بأنه تجب أن تكون
~~معلومية طيب نفسه بلفظ، فالثلاثة معتبرة شرعا، مترتب عليها ما يترتب على
~~الإذن.
# ولكن قد يحصل المعارض (2) لكل من الثلاثة، ومعارضه أيضا إما يكون صريحا،
~~أو فحوى، أو شاهد الحال. وصورة التعارض المقصود ذكرها ستة:
# PageV00P035
# الأول: تعارض الإذن الصريحة مع مثلها، وذلك كما إذا قال عمرو: كل من كان
~~صديقي، فهو مأذون في دخول داري، وقال لزيد الصديق: لا تدخل داري.
# وهذا على أقسام: لأن عمرا: إما يعلم بصداقة زيد، أو لا يعلم.
# فعلى الأول: يخصص زيد من بين الأصدقاء، ولا يجوز له الدخول.
# وعلى الثاني: إما أن نعلم أن نهي زيد لأجل زعم عدم صداقته، أو لا نعلم
~~السبب.
# فعلى الأول: يقدم الإذن العام، لأنا نعلم أن علة النهي عدم الصداقة
~~بزعمه، وهو منتف واقعا، فكذا النهي، لانتفاء المعلول بانتفاء علته، بل
~~نقول:
# لم يتعلق النهي بزيد أصلا، لعدم تحقق علته فيه. وأيضا شاهد الحال هنا
~~يعاضد الإذن العام، ويوجب القطع بالإذن، ولا يعارض الظن القطع أبدا.
# وأيضا نقول: بعد العلم بعلية عدم الصداقة نعلم تقييد نهيه قطعا، فيكون
~~معناه: لا تدخل إن كنت كما زعمت. (1) وعلى الثاني (2): أيضا يقدم الإذن
~~العام، لأن نهيه لكونه أمرا حادثا، يكون معلولا لعلة قطعا، فهو إما عدم
~~الصداقة بزعمه، أو أمر آخر.
# فإن كان الأول: يكون النهى منتفيا في المورد - كما عرفت - قطعا.
# وإن كان الثاني: يكون متحققا.
# وليس استناده إلى أحدهما معلوما بدليل، ولا موافقا لأصل، فلا يعلم تحققه،
~~فلا مخصص للإذن العام.
# فإن قلت: تحقق النهي معلوم، فرفعه يحتاج إلى دليل.
# قلنا: المعلوم التلفظ بالنهي. وأما تعلقه بزيد، فغير معلوم، لأنه إن كان
# PageV00P036
# معلولا لعدم الصداقة، لم يتعلق في آن بزيد أصلا، حتى يحتاج رفعه إلى
~~دليل.
# مع أن إطلاق النهي أيضا غير معلوم، بل عدمه معلوم، لأن بعد زعم عدم
~~الصداقة لا يمكن الحكم بأن معناه لا تدخل داري سواء كنت صديقا أو لا.
# وأيضا زعم عدم الصداقة حال مقترنة مع اللفظ، صالحة لكونها ms021 قرينة على
~~التقييد، وقد أثبتنا في الأصول: أنه لا يحمل اللفظ على الحقيقة إذا كان
~~كذلك.
# وها هنا قسم آخر: وهو أن لا يعلم زيد أن عمرا يعلم صداقته أو لا يعلم، و
~~حكمه حكم ما لا يعلم (1)، لأصالة عدم العلم، ولا أقل من احتمال عدمه،
~~فتحتمل علية (2) زعم عدم الصداقة للنهي، لاستواء الأصل بالنسبة إلى العلل،
~~فلا يعلم تعلق النهي بزيد، ويبقى الإذن العام بلا معارض.
# وبعد الإحاطة بما ذكرنا يعلم حكم التعارض لو فرضنا المثال على عكس ما
~~ذكر، أي: جعلنا المنع (3) عاما والإذن خاصا.
# الصورة الثانية: تعارض الصريح مع الفحوى، مثل أن تقول: لا يصل غير صديقي
~~في داري، وقال لزيد: كن ضيفي في داري إلى الغد، وكان هو غير صديق له واقعا.
~~وهذا أيضا ينقسم إلى الأقسام السابقة، والتقديم للنهي الصريح العام في
~~الجميع، إلا في صورة علم عمرو بعدم صداقة زيد، فتقدم الفحوى، لكونها خاصة.
# الصورة الثالثة: تعارض الصريح مع شاهد الحال، مثل أن يعلم من حال زيد،
~~أنه راض بدخول كل صديق له في داره، وقال لزيد: لا تدخل. ومنه ما إذا قال
~~لزيد: ادخل داري، وعلمنا أنه لا يرضى بدخول غير الصديق في داره، وكان زيد
~~في المثال الأول صديقا، وفى الثاني عدوا. وهذا أيضا كسابقيه ينقسم إلى
~~الأقسام المتقدمة، وحكم كل قسم ما ذكر.
# PageV00P037
# وقد يكون حينئذ المنع الصريح عاما، ومدلول شاهد الحال خاصا، كما إذا قال
~~أحد: لا يدخل غير صديقي في داري، ويكون بينه وبين زيد حالات تشهد بأنه يرضى
~~بدخوله فيها، وكان في الواقع غير صديق.
# وحينئذ إن كانت شهادة الحال: أنه يرضى بالدخول لزعم الصداقة - أي:
# تشهد الحال بأنه زعمه صديقا له، وبتوسطه تشهد بالإذن بالدخول - فيقدم
~~المنع، إذ لم تثبت من الحال الإذن، مع كونه غير صديق في الواقع، أي ليست
~~(1) الحال بحيث تدل على أن زيدا لو استأذنه مع بيان حاله من عدم الصداقة
~~يأذن له، فلا تكون الإذن معلومة.
# وإن كانت الحال تشهد بأنه يرضى ms022 بالدخول، ولو لم يكن صديقا - كما قد يتفق
~~بين أهل النفاق - فتقدم شهادة الحال، لكونها خاصة.
# وإن كانت تشهد: بأنه يرضى بالدخول، ولكن لم يعلم أنه هل لزعم الصداقة حتى
~~لا يجوز له الدخول حيث إنه غير صديق، أو لا حتى يجوز، و حينئذ أيضا يقدم
~~المنع، إذ القدر المعلوم من شاهد الحال مع ملاحظة النهي المذكور ليس إلا
~~الإذن في الدخول لو كان صديقا.
# وأيضا حصل التعارض بين شاهد الحال والمنع الصريح، ولأجل تطرق الاحتمال في
~~شاهد الحال، لا تكون دلالته في خصوص المورد قطعية، فلولا ترجيح المنع
~~يتساقطان، ويبقى أصالة عدم الإذن بحالها.
# الصورة الرابعة: تعارض الفحوى مع الفحوى، وحكمه حكم تعارض المفهومين، ومع
~~عدم الترجيح تبقى أصالة عدم الإذن معمولا بها.
# ولهذه الصورة قسم آخر: وهو أن يكون هناك إذن أو منع صريح، وكانت هناك
~~حالة صالحة للمنع عن مقتضى الصريح، إذنا كان أو منعا، ولكن لم تعلم شهادته
~~بالمنع عن مقتضاه وإثباتها لخلافه.
# PageV00P038
# وذلك كما إذا قال لزيد: ادخل داري، وكان هو فاسقا أو أجنبيا له.
# فإن علم الإذن بالحال، فلا شك في العمل بمقتضى الصريح.
# وإن علم خلافه، كأن علمنا أنه يزعم أن زيدا عادل، أو من أقربائه، ولم يكن
~~كذلك واقعا، فلا يحكم حينئذ بمقتضى الصريح، فنمنع زيدا عن الدخول، لما مر
~~من أن الإذن أو المنع الصريح أمر حادث، وله علة في الواقع لا محالة، و يمكن
~~أن تكون العلة زعم العدالة، أو القرابة، وأن تكون غيرهما، فإن كان الأول
~~فهو منتف في المورد، فلا يعلم تعلق الحكم الصريح بالمورد.
# وأيضا لكونه مورد الحكم الصريح فرع كونه مطلقا، أي: ادخل سواء كنت فاسقا
~~أو عادلا، وهذا غير متصور في المورد، لزعم العدالة.
# وأيضا الإطلاق إنما يحكم به لأصالة الحقيقة، وهي غير جارية فيما نحن فيه
~~كما مر.
# وكذا إذا كان المنع صريحا أيضا، ولكن حينئذ وإن لم يحكم بالمنع لأجل
~~التصريح، ولكن المنع الأصلي يكون باقيا.
# ومن هذا القسم: ضمان المشترى المقبوض بالبيع ms023 الفاسد بإذن البائع (1)، إذا
~~كان البائع جاهلا بالفساد وزعم الصحة، حيث إن الفساد حالة صالحة لعدم
~~الإذن، والبائع زعم انتفائه.
# الصورة الخامسة: تعارض الفحوى مع شاهد الحال. ويظهر حاله مما مر في تعارض
~~الصريح مع شاهد الحال، إذ لا فرق بين الصريح والفحوى إلا في كون دلالة
~~أحدهما بالمنطوق، والآخر بالمفهوم، وهو غير موجب للاختلاف فيما نحن فيه.
# الصورة السادسة: تعارض الحالين في الشهادة، كأن يكون شخص صديقا لزيد،
~~وكان سارقا، فإن الأول يشهد بالإذن في الدخول، والثاني بالمنع.
# والتحقيق: أن المعتبر هو الحالة المركبة، أي: ملاحظة الصديق السارق،
# PageV00P039
# فيتبع ما تشهد به تلك الحالة، دون كل حالة بانفرادها.
# ومن هذه الصورة ما لو كان زيد صديقا لعمرو وزعم عداوته، أو كان عدوا وزعم
~~صداقته، فإن مقتضى الواقع في الأول الإذن، وفي الثاني المنع، ومقتضى الزعم
~~بالعكس.
# والتحقيق: ما مر من جعل الحالة مركبة، وفرض الاستئذان معها من عمرو، أو
~~من العرف (1)، فيقال: هل تأذن لمن تزعم عداوته، وكان صديقا واقعا؟ أو لمن
~~كان عدوا واقعا وتزعم صداقته (2)، فما يحكم به هذه الحالة (3) فهو المشهود
~~به.
# والحكم في الصورتين للواقع، دون الزعم بشهادة العرف والعادة، وحكم الحدس
~~والوجدان، والقطع بأن مناط الرضى وعدمه: الأمور الواقعية، دون الزعمية.
# تتمة:
# قد عرفت أن كلا من الأقسام الثلاثة للإذن - أي: الصريح، والفحوى، و شاهد
~~الحال - معتبر شرعا، مؤثر فيما يؤثر فيه مطلق الإذن. وأما ما لم يثبت تأثير
~~مطلقه فيه، بل كان أمرا مخالفا للأصل، لم يثبت تحققه إلا مع الإذن الصريح
~~مثلا، أو مع الفحوى، أو توقف مضافا إلى الإذن على أمر آخر أيضا، فلا يكفي
~~في ثبوته مجرد ثبوت الإذن بأحد الثلاثة أيها كان، بل يقتصر فيه على القدر
~~الثابت.
# مثلا: يثبت بالإجماع والأخبار جواز التصرف في مال الغير وأكله بمجرد رضاه
~~وإذنه، فكل ما علم ذلك يحكم بإباحة التصرف، سواء علم بالإذن الصريح أو
~~الفحوى أو شاهد الحال، بخلاف ما إذا علم رضى البايع يبيع ماله بثمن معين،
~~كما إذا ms024 كان له مال قيمته عشرون دينارا، وكان أراد بيعه في الأمس بهذه
# PageV00P040
# القيمة، ولم يكن راغب شراء، فباعه غيره بغير توكيل منه ولا إذن صريح
~~بمائة دينار، فلا يحكم بلزوم البيع ما لم يصرح بالإجازة على القول بصحة
~~الفضولي، ولا يترتب سائر آثار البيع عليه (1).
# وكذا: إذا شهد الحال بأن فلانا راض بطلاق زوجته، ولكن لا يطلقها لأجل
~~صداقها، فطلقها غيره في غيبته، وأدى الصداق من نفسه، فإنه لا يجوز للزوجة
~~التزويج بالغير بعد العدة.
# والسر: أنه لم يعلم ترتب هذه الآثار على الوقوع بمجرد الرضى.
# وعلى هذا فما يوجد في كلام بعضهم (2) في بحث الوقف، من تجويز بعض
~~التغييرات في الوقف، أو بيعه مع تعطله، استنادا إلى دلالة شاهد الحال على
~~رضى الواقف بذلك حين الوقف، لا وجه له، لاقتضاء الوقف عدم الجواز، ولأن
~~الوقف - بعد تحقق الوقف - ليس ملكا للواقف حتى يؤثر رضاه في جواز التصرف،
~~ولأن الرضى بالبيع من غير تصريح لا يؤثر في اللزوم. ولذا لو وقف على أكبر
~~أولاده، أو ذكور أولاده الذكور، وحصلت للأصغر أو ذكور أولاده الإناث حالة
~~نقطع بأن الواقف راض بأكله منه، لا نجوزه.
# وأغرب من ذلك، ما قيل: من جواز صرف منافع الوقف في غير الموقوف عليه، إذا
~~كان بحيث لو علم الواقف حاله لكان راضيا بصرفها فيه (3).
# ولو جاز أمثال ذلك، وأثرت دلالة شاهد الحال على الرضى فيها، لأثرت دلالته
~~على عدم الرضا أيضا، فلو كان الزوج سئ الخلق، مغلول اليد، مؤذيا للزوجة
~~غاية الإيذاء، لزم أن يحكم بفساد النكاح، لدلالة شاهد الحال على عدم رضاها
~~حال العقد بالنكاح لو علمت بالحال.
# والله الهادي إلى الرشاد في جميع الأحوال.
# PageV00P041
# عائدة (4) في نفي الضرر والضرار قد شاع استدلال الفقهاء في كثير من
~~المسائل الفقهية بنفي الضرر والضرار، وتحقيق المقام في ذلك يستدعى رسم
~~أبحاث:
# البحث الأول:
# في نقل الأخبار الواردة في ذلك المضمار.
# وهي كثيرة:
# الأول: ما رواه العلامة في التذكرة، وابن الأثير في نهايته، وهو قوله
~~عليه السلام: " لا ms025 ضرر ولا ضرار في الإسلام " (1).
# والثاني: صحيحة البزنطي، عن حماد، عن المعلى بن خنيس، عنه عليه السلام،
~~قال: " من أضر بطريق المسلمين شيئا فهو له ضامن " (2).
# والثالث: صحيحة الكناني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " من أضر
~~بشئ من
# PageV00P043
# طريق المسلمين فهو له ضامن ".
# ومعنى ذلك (2) الحديث وسابقه - والله سبحانه أعلم - أن من أضر في الطريق
~~على أحد بشئ فهو له ضامن، على أن تكون لفظتا (الباء (و (من) بمعنى (في)
~~ويكون المجرور متعلقا بقوله: (أضر) ويكون (الطريق) ظرفا للإضرار.
# ويحتمل أن يكون ظرفا للشئ، ويكون المجرور متعلقا بمحذوف، ويكون المعنى:
~~من أضر شيئا كائنا في طريق المسلمين، أو بشئ كائن فيه، فهو له ضامن، ومآل
~~المعينين واحد.
# ويمكن أن يكون المجرور بيانا للشئ، وتكون (الباء) في الحديث السابق أيضا
~~بمعنى (من) ويكون المعنى: من أضر بشئ من الطريق، بأن ينصب فيه ميزابا، أو
~~حفر فيه بئرا، أو وضع فيه حجرا، أو رش فيه ماءا، أو غير ذلك مما يوجب الضرر
~~على المسلمين، فهو ضامن لما يتلف بسبب ذلك الضرر.
# والفرق بين ذلك (3) المعنى وسابقيه: أن هذا أخص منهما، لاختصاصه بما كان
~~الضرر بسبب إحداث أمر في الطريق، وعمومهما.
# ويؤيد ذلك المعنى: ما رواه المشايخ الثلاثة بإسنادهم عن الحلبي، وفيه، "
~~كل شئ يضر بطريق المسلمين فصاحبه ضامن لما يصيبه " (4).
# ويمكن أن يكون المراد هو الأخير، ولكن يكون معنى قوله: " هو ضامن " أنه
~~ضامن لما أضر به من الطريق، لا لما تلف لأجل ذلك. ولكن ذلك بعيد، لعدم
~~استعمال الضمان في مثل ذلك، بل عدم صحة إطلاقه، ومخالف لما فهمه جميع
# PageV00P044
# الأصحاب من الحديثين.
# الرابع: رواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه السلام)، قال: " إن الجار
~~كالنفس غير مضار ولا آثم " (1).
# ولعل المراد منه: أن الرجل كما لا يضار نفسه، ولا يوقعها في الإثم، أو لا
~~يعد عليها الأمر إثما، كذلك ينبغي أن لا يضار جاره، ولا يوقعه في الإثم،
~~ولا يعد عليه الأمر إثما.
# الخامس: رواية عقبة بن خالد، ms026 عن الصادق (عليه السلام) قال: " قضى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن،
~~وقال (صلى الله عليه وآله وسلم): لا ضرر ولا ضرار (3) " (3).
# السادس: رواية هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في
~~رجل شهد بعيرا مريضا وهو يباع، فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء وأشرك فيه
~~رجلا بدرهمين، بالرأس والجلد، فقضي أن البعير برئ، فبلغ ثمنه دنانير، قال:
~~فقال:
# " لصاحب الدرهمين خمس ما بلغ، فإن قال: أريد الرأس والجلد فليس له ذلك،
~~هذا الضرر، وقد أعطي حقه إذا أعطي الخمس " (4).
# السابع: موثقة ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " إن
~~سمرة بن جندب كان له غدق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب
~~البستان، وكان يمر به إلى نخلته ولا يستأذن.
# فكلمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلما أبى جاء
# PageV00P045
# الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكا إليه، فأخبره (1)
~~الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وخبره بقول
~~الأنصاري وما شكاه، وقال، إذا أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبى، ساومه
~~حتى بلغ به من الثمن له ما شاء الله، فأبى أن يبيعه، فقال: لك بها غدق مذلل
~~في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار " (2).
# الثامن: رواية ابن مسكان عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) وهي أيضا
~~واردة في واقعة سمرة مع الأنصاري، وهي أن سمرة بن جندب كان له غدق، وكان
~~طريقه إليه في جوف منزل رجل من الأنصار، وكان يجئ ويدخل إلى عذقه بغير إذن
~~من الأنصاري، فقال الأنصاري: يا سمرة لا تزل تفجأنا على حال لا نحب أن
~~تفجأنا عليها، فإذا دخلت فاستأذن، فقال: لا أستأذن في طريقي، و هو طريقي
~~إلى عذقي. قال: فشكاه الأنصاري إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)،
~~فأرسل إليه رسول الله ms027 (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأتاه، فقال له: إن فلانا
~~قد شكاك، وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن
~~تدخل، فقال: يا رسول الله، أستأذن في طريقي إلى عذقي؟! فقال له رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله وسلم): خل عنه، ولك مكانه غدق في مكان كذا وكذا، فقال:
~~لا. قال: فلك اثنان، قال: لا أريد (فلم يزل يزيده) (3) حتى بلغ عشرة أعذاق،
~~فقال: لا. فقال: لك عشرة في مكان كذا وكذا، فأبى، فقال: خل عنه ولك مكانه
~~غدق في الجنة، فقال: لا أريد. فقال له:
# رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار
~~(4) على المؤمن.
# قال: ثم أمر بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقلعت، ثم رمي بها
~~إليه.
# وقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): انطلق،
# PageV00P046
# فاغرسها حيث شئت " (1).
# التاسع: رواية الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، وهي أيضا واردة في
~~واقعة سمرة وقريبة من سابقتيها، إلا أنه ليس فيها لفظا الضرر والضرار، بل
~~فيها: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: ما أراك يا سمرة إلا
~~مضارا، اذهب يا فلان، فاقطعها، و اضرب بها وجهه " (2).
# العاشر: مكاتبة محمد بن الحسين، عن أبي محمد (عليه السلام)، وفي آخرها:
# " فوقع (عليه السلام): يتقي الله عز وجل، ويعمل في ذلك بالمعروف، ولا
~~يضار بأخيه المؤمن " (3).
# الحادي عشر: رواية أخرى لعقبة بن خالد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)،
~~قال:
# " قضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بين أهل المدينة في مشارب النخل:
~~أنه لا يمنع بقع البئر، و قضى بين أهل البادية: أنه لا يمنع فضل ماء، ليمنع
~~به فضل كلاء، فقال: لا ضرر ولا ضرار " (4).
# واعلم: أن فخر المحققين قد ادعى تواتر الأخبار على نفى الضرر والضرار في
~~مبحث الرهن. (5) البحث الثاني:
# في بيان معنى الضرر والضرار.
# في القاموس: ضره، وبه، وأضره، وضاره مضارة وضرار (6).
# PageV00P047
# وفي الصحاح: الضر خلاف النفع، وقد ضره ms028 وضاره بمعنى، والاسم:
# الضرر. إلى أن قال: والضرار المضارة (1).
# وفي النهاية الأثيرية: وفيه: لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، الضر: ضد
~~النفع، ضره يضره ضرا وضرارا، وأضر به يضر إضرارا، فمعنى قوله: لا ضرر:
# أي لا يضر الرجل أخاه فينقصه شيئا من حقه. والضرار: فعال من الضر. أي:
# لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه. والضرر فعل الواحد، والضرار فعل
~~الاثنين. والضرر: ابتداء الفعل، والضرار: الجزاء عليه. وقيل: الضرر: ما تضر
~~به صاحبك، وتنتفع أنت به. والضرار: أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل: هما
~~بمعنى، والتكرار للتأكيد (2). انتهى.
# وفي المصباح: الضر: بفتح الضاد مصدر ضره يضره من باب قتل، إذا فعل به
~~مكروها. وأضر به يتعدى بنفسه ثلاثيا، وبالباء رباعيا. والاسم: الضرر. وقد
~~يطلق على نقص في الأعيان. وضاره مضارة وضرارا: بمعنى ضره (3). انتهى.
# وقيل: الضرر: هو الاسم. والضرار: هو المصدر، فيكون منهيا عن الفعل الذي
~~هو المصدر، وعن إيصال الضرر الذي هو الاسم.
# أقول: إن الوارد في الأحاديث ثلاثة ألفاظ: الضرر، والضرار، والإضرار.
# وتلك الألفاظ الثلاثة وإن كانت مختلفة بحسب المعنى اللغوي، على ما يستفاد
~~من أكثر كلماتهم، ولكنه ليس اختلافا يختلف به الحكم المعلق عليها، بل
~~الاختلاف في بعض الأوصاف للمعنى غير متعلق كثيرا بما يتعلق به الحكم. فإن
~~الضرر - سواء كان اسما أو مصدرا - يكون مآل المنفي بقوله: " لا ضرر "
~~متحدا، و يرجع إليه معنى الإضرار.
# PageV00P048
# وأما الضرار: فهو إن كان بمعنى الضرر كما قيل، فواضح. نعم يختلف في
~~الجملة لو لم يكن بمعناه، بل أخذت فيه المجازات، أو الاثنينية، ولكن الظاهر
~~من الرواية السادسة: عدم اعتبار شئ منهما فيه.
# وبالجملة: الأمر في ذلك سهل جدا، لظهور المعنى.
# ثم لا يخفى أن الضرر - كما مر - خلاف النفع، وهو بحكم العرف واللغة في
~~الأموال: تلف شئ من مال شخص، أو من مال نفسه، عينا كان أو منفعة، بلا منفعة
~~أو عوض له، وإن كان فعل الغير، فهو إتلاف شخص شيئا من مال شخص أو نفسه.
# وبعبارة أخرى، ms029 الضرر: هو إخراج ما في يد شخص من الأعيان أو المنافع بلا
~~عوض له. فكل ما كان صرفه وإتلافه لجلب نفع أو عوض حاصل لم يكن ضررا. والنفع
~~والعوض أعم من أن يكون دينيا أو دنيويا، في الآخرة أو الدنيا.
# والنفع في الأموال: هو حصول زيادة مالية عينية، أو منفعة، أو إيصال تلك
~~الزيادة، إذا كان النفع من فعل الغير.
# والحاصل: أن كل عمل أو حكم صدر من أحد في ماله أو في مال غيره. فإما لا
~~يحصل بسببه تبديل أو تغيير في ماله، أو يحصل، ولكن ما حصل بعوضه - من عين
~~أو نفع أخروي أو دنيوي - مما يساويه عرفا وعادة، فهو ليس مما فيه نفع ولا
~~ضرر.
# وأن كان ما حصل بإزائه مما يزيد على ما بإزائه بحسب المتعارف، فتلك
~~الزيادة تسمى نفعا.
# وإن نقص عنه، يسمى ذلك النقص ضررا، وكذا إن لم يحصل بإزائه شئ.
# وكذا كل عمل أو حكم يوجب نقص ما في يد شخص، من عين أو منفعة، فهو ضرر، أو
~~اضرار وإن لم يكن تصرفا في ماله. وكل عمل أو حكم يوجب حصول شئ عيني أو نفعي
~~له فهو نفع له وإن لم يكن بسبب تصرف في ماله. PageV00P049
# وعلى هذا، فلو كان لأحد متاع، قيمته عشرون دينارا، فباعه أو باعه غيره
~~بخمسة عشر دينارا فقد أضره. ولو باعه بخمسة وعشرين، فقد أوصل إليه النفع.
~~ولو باعه بعشرين، لم يضره ولم ينفعه، إلا إذا أراد المالك بيعه، فباعه
~~الغير بهذا المبلغ بلا أجرة، فإن نفس ذلك البيع منفعة حاصلة للمالك من
~~الغير.
# ولو منعه مانع عن بيع متاعه، فهو ليس إضرار، بل منع عن نفع.
# وكذا لو كان له ملك ليس له نفع كقناة بائرة، وأراد إصلاحها، ومنعه مانع،
~~فإنه مانع عن تحصيل النفع، لا أنه أضر به. بخلاف ما لو كان له قناة دائرة،
~~فأرسل إليها ماءا، وخربت لأجله، فإنه ضرر. وكذا لو منعه عن تنقية بئر منها
~~حتى خربت سائر الآبار.
# ولو صرف بعض ms030 ماله في سبيل الله بنية القربة، فهو غير ضار بنفسه، لأن ما
~~بإزائه من درجات الآخرة أضعاف ما صرف من المال. بخلاف ما لو أعطاه فقيرا،
~~لأجل الرياء وأمثاله، ولم ينفعه نفعا ودنيويا أيضا، فإنه قد أضر بنفسه.
~~وهكذا.
# البحث الثالث:
# قال البدخشي في بيان نفى الضرر والضرار: الضرر والمضارة ممنوعا منه شرعا.
# وتحقيق ذلك: أن النفي هاهنا بمعنى النهى، بقرينة أن أصل الضرر واقع (1).
~~انتهى.
# أقول: الحديث يحتمل معان ثلاثة: أحدها: ما ذكره من حمل النفي على النهي
~~ويكون المراد: تحريم الضرر والضرار.
# وثانيها: أن يكون النفي باقيا على حقيقته، ويكون المعنى: لا ضرر ولا ضرار
~~مجوزا ومشروعا في دين الإسلام. والحاصل أن الله تعالى لم يجوز لعباده ولم
~~يشرع لهم ضررا ولا ضرارا، ومآل ذلك أيضا إلى الأول، إذ
# PageV00P050
# مفاده تحريم الضرر.
# وثالثها: أن يكون النفي باقيا على حقيقته، ويكون المراد نفى ماهية الضرر
~~والضرار في دين الإسلام، ويكون المعنى: لا ضرر ولا ضرار موجودا، ومتحققا في
~~دين الإسلام، أي: ليس من أحكام دين الإسلام ما يوجب ضررا أو ضرارا، فكل ما
~~كان فيه ضرر، فليس منها.
# ومحصله: أن الله سبحانه لم يرض لعباده بضرر لا من جانبه ولا من جانب
~~بعضهم بعضا، فكل ما كان متضمنا لضرر، فهو ليس مما يرضى الله به، وليس من
~~أحكامه.
# ثم إنه لا شك في أن مقتضى أصالة الحقيقة: هو الحمل على المعنى الأخير،
~~لأن الأول يوجب حمل الأخبار على المعنى الإنشائي، والثاني حمل نفى الجنس
~~الذي هو حقيقة في نفي الحقيقة على نفي الوصف، وكل منهما خلاف الأصل مع أن
~~قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " في الإسلام " كما في الحديث الأول، لا
~~يتلائم مع المعنى الأول أصلا، فيكون المعنى الثالث متعينا.
# وأما الضرر الواقع: فهو لا يصلح قرينة للأول، لأن المراد من الضرر الواقع
~~إن كان مطلق الضرر فيكون كذلك، ولكن قرينة المقام، وهو كون النبي (صلى الله
~~عليه وسلم) في مقام بيان أحكام الدين والإسلام، بل خصوص الرواية ms031 الأولى تدل
~~على نفي الضرر والضرار في الإسلام من حيث هو إسلام، وليس مثل هذا الضرر
~~بواقع.
# وإن كان ما قيل من مثل القصاص والديات والتقاص وتضمين الغاصب و نحوها،
~~فمع منع كون مثلها ضررا، بل هي جائزة، للضرر الواقع على الغير، فجوازها
~~ينافي المعنيين الأولين أيضا. والتوجيه بالتخصص مشترك.
# هذا، مع أن المعنيين الأولين يختصان بضرر العباد بعضهم بعضا، مع أنا نرى
~~الفقهاء يستدلون بنفي الضرر على الأعم من ذلك، مثلا يقولون بعدم وجوب الحج
~~مع العلم بالضرر أو ظنه في الطريق، تمسكا بنفي الضرر، وأمثال ذلك.
# فظهر مما ذكر: أن الموافق للأصل والأوفق بكلمات القوم، هو المعنى
~~PageV00P051
# الثالث، أي: الحمل على نفي ماهية الضرر ووجوده في الإسلام، ويلزمه أن كل
~~حكم يتضمن ضررا أو ضرارا، لم يكن من أحكام الإسلام، وإلا تحقق الضرر في
~~الإسلام.
# والحكم: أعم من الوجوب، والحرمة، والاستحباب، والكراهة، والإباحة. فلا
~~يتحقق تحريم، ولا كراهة، ولا وجوب، ولا استحباب ولا إباحة، يستلزم ضرر شخص
~~من الأشخاص، فكل ما كان كذلك لا يكون حكما للشارع.
# بل يستفاد من تلك الأحاديث: أن عدم الضرر، وعدم كون الحكم المتضمن للضرر
~~حكما شرعيا، حكم شرعي يجب اتباعه والأخذ به.
# البحث الرابع:
# لما كان الضرر والضرار نكرتان منفيتان، فيفيدان العموم.
# فعلى المعنى الأول: يكون النهي عن جميع أفراد الضرر.
# وعلى الثاني: نفي لتجويز كل فرد منه.
# وعلى الثالث: يكون نفيا لوجوده (1) كذلك.
# ويكون المعنى: أنه لا ضرر ماليا بوجه من الوجوه، ولا بدنيا، ولا عرضيا،
~~ولا غير ذلك من المضار، متحققا في أحكام الشرع، فيدل نفي الضرر على أن كل
~~حكم يتضمن أو يستلزم ضررا أو ضرارا، فهو ليس من أحكام الشرع والإسلام، فلا
~~يجب اتباعه.
# ومن هذا تظهر كيفية الاستدلال في المسائل الفقيه بتلك الأخبار، فإنه
~~يستدل بها على نفي كون ما يوجب ضررا أو ضرارا حكما شرعيا، وأما تعيين أصل
~~الحكم فموقوف على دليل آخر.
# مثلا: إذا كانت المبايعة مما يوجب ضررا على البائع بسبب الغبن، فيحكم
# PageV00P052
# بتلك ms032 الأخبار على عدم كون لزوم تلك المبايعة من أحكام الشرع، وأما أن
~~الحكم هو خيار البائع، أو فساد المبايعة، أو ضمان المشتري للتفاوت، فهو
~~يحتاج إلى عناية أخرى.
# البحث الخامس:
# قد ظهر مما ذكر: أن نفي الضرر والضرار في الأحكام الشرعية، من الأصول
~~والقواعد الثابتة بالأخبار المستفيضة، المعتضدة بعمل الأصحاب، الموافقة
~~للاعتبار، المناسبة للملة السمحة السهلة، المعاضدة بنفي الحرج والعسر
~~والمشقة، كما ورد في الكتاب (1) والسنة (2)، فهذا أصل من الأصول كسائر
~~القواعد والأصول الممهدة، ودليل شرعي يستدل به في موارده.
# ن لم يكن له معارض، فالأمر واضح. وإن كان، بأن يدل دليل آخر على ثبوت حكم
~~شرعي يلزم منه ضرر، فيعمل فيهما بمقتضى التعارض والترجيح.
# وقد يعارض نفي الضرر نفسه، بأن يكون الأمر مرددا بين حكمين يستلزم كل
~~منهما ضررا على أحد، فالحكم الترجيح إن كان، وإلا فالتوقف، أو التخيير.
# ولا يخفى أن مرادنا من كون نفي الضرر والضرار من الأصول: أنه من الأدلة
~~الشرعية، لا أنه أصل كأصل البراءة والاستصحاب، وأصل الحقيقة، و أمثالها،
~~حتى لا يعارض دليلا أصلا.
# والتوضيح: أنهم قد يقولون: إن القاعدة الفلانية من قبيل الدليل، دون
~~الأصل، حتى لا يعارض دليلا (3).
# PageV00P053
# ومرادهم من الأصل هنا: كل ما يثبت، لولا الدليل على خلافه. وبعبارة أخرى:
~~ما يدل على ثبوت شئ لولا الدليل على خلافه، ومن الدليل: ما يدل على ثبوت شئ
~~مطلقا.
# والفرق: أن الأول لا يعارض دليلا أصلا، سواء كان موضوع الدليل أعم من
~~موضوعه مطلقا، أو من وجه، أو أخص. والثاني: يعارض مع الأدلة، ويعمل حين
~~التعارض بما يقتضيه التعادل والترجيح.
# مثلا قوله (عليه السلام): " كل ماء طاهر " دليل على طهارة الماء. فإذا
~~ورد: " كل شئ نجس " يتعارضان، والأول أخص مطلقا، فيخصص الثاني به.
# وإذا ورد: " كل شئ ملاق للنجاسة نجس " يتعارضان بالعموم من وجه، و محل
~~التعارض: الماء الملاقي للنجاسة، فيعمل فيه بمقتضى التراجيح.
# وإذا ورد: " كل ماء ملاق للنجاسة نجس " يكون أخص مطلقا من الأول، فتخصصه.
# وأما قوله (عليه السلام): " كل ماء ms033 لم يعلم نجاسته فهو طاهر: أو " كل ماء
~~طاهر حتى يعلم أنه نجس " فهو دليل على أصالة طهارة الماء، لا على طهارته،
~~فهو دليل على الأصل (1)، ولا يعارض شيئا من المذكورات، فإن كلا منها دليل
~~شرعي عام، شامل للماء مطلقا، أو الماء الملاقي للنجاسة، فهو يكون معلوم
~~النجاسة، فيكون خارجا عن مدلول كل ماء لم تعلم نجاسته، ويكون الماء معلوم
~~النجاسة حينئذ.
# ويعلم كون شئ من باب الدليل أو الأصل، بكونه مقيدا بعدم الدليل على خلافه
~~ومطلقا، فإن كان مقيدا، فهو من باب الأصل، كأصل البراءة والحقيقة و
~~أمثالهما، فإنه ليس هناك دليل دال على براءة ذمة كل أحد من التكاليف، ولا
~~على كون كل لفظ مستعملا في معناه الحقيقي، بل الثابت: هو براءة الذمة ما لم
~~يعلم الشغل، والاستعمال في الحقيقة ما لم يعلم التجوز، ولو كان هناك دليل
# PageV00P054
# على أن كل لفظ حقيقة مطلقا، لكان ذلك معارضا مع قرائن المجازية.
# وإن كان مطلقا فهو الدليل، نحو قوله: " لا ضرر ولا ضرار ".
# فإن قيل: هو أيضا مقيدة لا محالة بقيد لولا الدليل على خلافه.
# قلنا: نعم، ولكن كل ما يعارضه أيضا مقيد بذلك، فلا يمنع هذا القيد من
~~التعارض.
# البحث السادس:
# قد أشرنا فيما سبق إلى أن نفي الضرر والضرار إنما يصلح دليلا لنفي الحكم
~~إذا كان موجبا للضرر، وأما إثبات حكم وتعيينه فلا، بل التعيين محتاج إلى
~~دليل آخر.
# ومن هذا يظهر فساد ما ارتكبه بعضهم (1)، من الحكم بضمان الضار والمتلف
~~بحديث نفي الضرار، فإن عدم كون ما ارتكبه حكما شرعيا لا يدل على الضمان، بل
~~ولا على الجبران مطلقا، كما قيل (2).
# نعم لو قيل: إن معنى الحديث: لا ضرر بلا جبران، لدل على تحقق الجبران،
~~وهو أيضا لا يثبت ضمان الضار، لإمكان الجبران من بيت المال، أو في الآخرة،
~~أو في الدنيا من جانب الله سبحانه، بأن يفعل ما ينتفع من استضر به بقدر ما
~~استضر أو أزيد.
# نعم: إذا كان حكم بحيث يكون لولاه لحصل الضرر، ms034 أي كان عدمه موجبا للضرر
~~مطلقا، وانحصر انتفاء الضرر بثبوت الحكم الفلاني، يحكم بثبوته بدليل نفي
~~الضرر. ولكن الثبوت حينئذ أيضا ليس بنفي الضرر خاصة، بل به و بالانحصار
~~بذلك. وهذا موجب للتعيين في غير هذا المورد أيضا، كما إذا كان
# PageV00P055
# هناك احتمالات ثلاثة مثلا، وكان اثنان منها موجبا للضرر، يحكم بتعيين
~~الثالث لولا دليل آخر غير الأصل على انتفائه. وكذا إذا كان أحدها موجبا
~~للضرر، والآخر نافيا لدليل شرعي آخر غير الأصل، فيحكم بتعيين الثالث إذا لم
~~يكن على نفيه دليل غير الأصل.
# وأما الأصل: فهو غير صالح للنفي هناك، لأن بطلان غيره دليل على ثبوته.
# بقي هاهنا أمر آخر: وهو أن الضرر - كما مر - هو ما لم يكن بإزائه عوض،
~~والعوض - كما أشرنا إليه - يعم الأخروي أيضا، والعوض الدنيوي مما يمكن درك
~~وجوده أو انتفائه، بخلاف الأخروي، وعلى هذا فكيف يمكن فهم أن الضرر الذي
~~يتضمنه الحكم الفلاني لا عوض له، حتى يكون ضررا لا ودفعه: أن الضرر هو الذي
~~لم يكن بإزائه عوض معلوم أو مظنون، و احتمال العوض لا ينفي صدق الضرر، مع
~~أن العوض الأخروي معلوم الانتفاء بالأصل.
# فإن قيل: هذا ينفع إذا لم يكن الحكم المتضمن للضرر داخلا في عموم دليل
~~شرعي، وأما إذا كان داخلا فيه - سيما إذا كان من باب الأوامر وأمثاله -
~~يثبت العوض، ويلزمه عدم تعارض نفي الضرر مع عموم (1)، مع أنه مخالف لكلام
~~القوم.
# مثلا إذا ورد: إذا استطعتم حجوا، وإذا دخل الوقت صلوا، يدل بعمومه على
~~الأمر بالحج والصلاة في كل وقت حصلت الاستطاعة أو دخل الوقت وإن تضمن ضررا
~~كليا، والأمر يدل على العوض فلا يكون ضررا.
# قلنا: الأمر تعلق بالحج والصلاة، ولازمه تحقق الأجر المقابل لماهية الحج
~~والصلاة، المتحقق في حالة عدم الضرر أيضا، وأما حصول عوض في مقابل
# PageV00P056
# الضرر وأجر له، فلا دليل عليه.
# نعم لو كان نفس الضرر مما أمر به، يحكم بعدم التعارض، وعدم كونه ضررا،
~~كما في قوله: " إذا ملكتم النصاب فزكوا " وأمثاله. ms035
# البحث السابع:
# تحديد الضرر المنفي موكول إلى العرف، أي: ما يسمى ضررا عرفا، فما لا يكون
~~كذلك - وإن كان فيه نقص شئ كمثقال حنطة - لا يعد ضررا، وليس منفيا، ولا
~~يعارض نفيه أدلة ثبوت الأحكام، بل الضرر قد يختلف باختلاف الأشخاص و (١)
~~الأموال، والبلاد، والأزمنة، وفى الأحكام المتعارضة، مثلا:
# إذا كان أحد في الصلاة عند زرع كثير له، وأراد أحد أخذ سنبلة واحدة من
~~زرعه، فلا يقال: إنه ضرر منفي، فيعارض ﴿لا تبطلوا أعمالكم﴾ (2) بخلاف ما لو أخذ نصف ما ذرعه،
~~وأمثاله.
# وعلى الفقيه ملاحظة ذلك في الموارد. ولكن بعد صدق الضرر عرفا لا يتفاوت
~~قليله وكثيره في كونه منفيا، وكون نفيه معارضا لأدلة الأحكام.
# وأما ما قيل (3): من تعين أخف الضررين عند التعارض، فهو لا يستفاد من
~~حديث نفي الضرر، فإن كان تقديم أخفهما قاعدة ثابتة بدليل آخر، أو دل عليه
~~دليل في مورد خاص، فيتبع، وإلا فلا وجه له.
# البحث الثامن:
# من موارد تعارض نفي الضرر مع دليل آخر: ما لو استلزم تصرف أحد في ملكه
~~تضرر الغير، فإنه يعارض ما دل على جواز التصرف في المال، مثل قوله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم):
# PageV00P057
# " الناس مسلطون على أموالهم " (1) والتعارض بالعموم من وجه، فقد ترجح
~~أدلة نفي الضرر بما مر من المعاضدات، وقد يرجح الثاني.
# وقيل: لو استلزم التصرف في ملكه تضرر الغير، فهل هذا من الضرر المنفي أم
~~لا؟ مقتضى العمومات ذلك، وما ذكره الأصحاب مثل العلامة في التحرير، في كتاب
~~إحياء الموات، حيث قال: للرجل أن يتصرف في ملكه وإن استضر جاره (2)، إلى
~~آخر ما قال، فالظاهر: أنه لا ينافي ما ذكرنا، فإن المراد من نفي الضرر:
~~نفيه رأسا، فلا يكفي في نفيه انتفاؤه من الخارج (3) إذا تضرر المالك أيضا
~~بعدم التصرف، بل هو أولى بالمراعاة.
# نعم لو أمكن دفع الضرر عنهما جميعا، لزم العمل عليه، فترك إضرار الجار لم
~~يعلم وجوبه مع تضرر نفسه، فلاحظ الروايات الواردة في حكاية نخلة سمرة، ms036 فإن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد الجمع بين الحقين، بأن يستأذن
~~سمرة في الدخول، أو يبيع نخلته بأعلى القيم، أو نحو ذلك، ولم يرض، فحكم
~~بقلعها ورميها. فإن تصرف سمرة كان في ملكه، ولكن بحيث يتضرر الأنصاري.
# فظهر: أن التصرف في ملك نفسه إذا أوجب تضرر الجار مع إمكان رفعه بحيث لا
~~يحصل ضرر له، منفى حرام.
# نعم لو كان التصرف بقصد الإضرار، فهو حرام، وإن لم يمكنه رفعه عن جاره
~~بنحو آخر، فهو أحد محتملات حكاية سمرة (4). انتهى.
# أقول: وجه التردد في كون التصرف في ملكه، المستلزم لضرر الغير من الضرر
~~المنفي أم لا: أن النسبة بين دليل نفي الضرر، وعمومات جواز التصرف
# PageV00P058
# في المال عموم من وجه، فيكون أحدهما مخصصا قطعا، ولكنه لما لم يكن
~~معلوما، يحصل التردد في عموم كل منهما وشموله للمورد، ومقتضى عمومات نفي
~~الضرر وإن كان نفي ذلك أيضا، ولكن مقتضى عمومات جواز التصرف في المال،
~~خلافه.
# وكلام العلامة في التحرير أعم من أن يكون تصرف الرجل في ملكه لدفع الضرر
~~عن نفسه، أو لجلب النفع، فحمله على الأول والحكم بعدم المنافاة لكون هذا
~~الضرر أيضا منفيا، لا وجه له، بل يمكن أن يكون كلامه مبينا على ترجيح
~~عمومات التصرف، أو إسقاط المتعارضين والرجوع إلى أصالة جواز التصرف، أو غير
~~ذلك.
# وقوله: نعم لو أمكن دفع الضرر عنهما جميعا لزم العمل عليه، هذا صحيح إذا
~~لم يكن ما يرفع به الضرر عنهما مما كان مخالفا لدليل آخر غير الأصل على ما
~~مر، ومع ذلك إذا كان ما يرفع به الضرر متعددا، يلزم الحكم بالتخيير بين
~~جميع ما ينتفي به الضرر.
# وقوله: فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أراد الجمع بين الحقين،
~~الظاهر أنه تفريع على قوله: نعم لو أمكن دفع الضرر. وعلى هذا فكان اللازم
~~أن يأمره رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالاستيذان أو البيع، لأنه
~~مقتضى لزوم العمل بما يرفع الضرر عنهما دون القلع، لأنه ضرر ms037 على سمرة.
# وقوله: نعم لو كان التصرف بقصد الإضرار إلى آخره، فهو كذلك، والإجماع يدل
~~عليه، والأخبار والآيات الواردة في موارد مختلفة تثبته (1).
# ومنه يظهر: أن هذا التصرف - أي بقصد الإضرار - خارج عن عمومات جواز
~~التصرف في الملك، بل مطلق ما كان متعلقا بهذا القصد، وكان المقصود منه
~~الإضرار، يكون حراما.
# PageV00P059
# وهذا هو السبب في أمر النبي بقلع نخلة سمرة، حيث إنه (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) لما أمره بالاستئذان، أو البيع ولم يقبل، علم (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) أن قصده من بقاء ملكه هنا ليس إلا الإضرار، إذ لو كان القصد الانتفاع
~~به، لتحقق بالاستئذان أيضا، ولذا قال (صلى الله عليه وآله وسلم):
# " ما أراك إلا رجلا مضارا " أو " أنك رجل مضار " وهذا الإبقاء ليس واجبا،
~~فأمر بقلعه.
# وأما تضرر سمرة بالقلع، فيمكن أن يكون هذا بخصوصه خارجا عن الضرر المنفى
~~بالعموم، لوجه خاص فيه، فإن العمومات تخصص بتخصيص الرسول (صلى الله عليه
~~وآله وسلم)، سيما مع ما ظهر من سمرة من عدم قبول نخيلات الجنة بعوض هذا
~~النخل، المنبئ عن نفاقه، أو عدم اعتقاده، فتأمل.
# البحث التاسع:
# قيل في تحقيق (نفي العسر والحرج) و (نفي الضرر) ما عبارته ذلك بعد
~~التلخيص وحذف بعض الزوائد: إن معنى نفي العسر والحرج والضرر في كلام الله
~~ورسوله وخلفائه، أما في الأولين: فهو أنه تعالى لا يرضى للعباد بالعسر
~~والحرج، ولا يجعل عليهم ما يوجبها. وأما في الضرر: فهو أنه تعالى أيضا لا
~~يفعل ما يضر العباد به، أو لا يرضى بإضرار بعض عباده بعضا، فيجوز لمن يتضرر
~~دفع الضرر عن نفسه، ولا يجب تحمله عن الضار، ويحرم على الضار إيصال الضرر.
~~ويمكن إجراء المعنيين في العسر والحرج أيضا.
# وقد تداول الاستدلال في جميع تلك الموارد: أما في عدم إضرار الله تعالى
~~بعباده، كما في وضع المؤن في الزكاة، وأما في عدم جواز إضرار العباد بعضهم
~~بعضا فكثير. وكذلك العسر والحرج.
# أما المنفي عن فعله تعالى: كما في القعود في الصلاة ms038 والإفطار في الصوم
~~للمريض. وأما عن فعل الغير: فكما في تكليف الوالدين ما يوجب الحرج على
~~الولد. PageV00P060
# ثم إن تلك المذكورات، إما ترد على التكليف الثابت نوعها، أو على نفس
~~التكليف، فتنفيه رأسا.
# ثم الإشكال في هذا المقام من وجهين:
# الأول: أن نفي المذكورات بعنوان العموم كيف يجامع ما نشاهد من التكليف
~~بالجهاد، والحج، والصيام في الأيام الحارة، والجهاد الأكبر، وأمثالها؟
# والثاني: أنا نرى الشارع لم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقة، كما
~~نشاهد في أبواب التيمم. ونرى عدم السقوط في كثير منها بأكثر من ذلك.
# وكذلك الكلام في الضرر المنفي، فإنا نرى التكليف بالخمس، والزكاة، و صرف
~~المال في الحج، وفي إنفاق الوالدين، وغيرهما، مع ما فيه من الضرر، و كذا
~~نرى عدم الرضى بالضرر فيما هو أقل من ذلك.
# والذي يقتضيه النظر بعد القطع بأن التكاليف الشاقة والمضار الكثيرة واردة
~~في الشريعة: أن المراد بنفي العسر والحرج والضرر: نفي ما هو زائد على ما هو
~~لازم لطبائع التكاليف الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس المبرئين عن
~~المرض والعذر، الذي هو معيار مطلقات (1) التكاليف. بل هي منفية من الأصل
~~إلا فيما ثبت، وبقدر ما ثبت.
# والحاصل أنا نقول: إن المراد أن الله تعالى لا يريد بعباده العسر،
~~والحرج، والضرر، إلا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف (2)
~~الأوساط، وهم الأغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت أصله أصلا، أو ثبت،
~~ولكن على نهج لا يستلزم هذه الزيادة.
# ثم إن ذلك النفي: إما من جهة تنصيص الشارع، كما في كثير من أبواب الفقه
~~من العبادات، وغيرها، كالقصر في السفر والخوف في الصلاة، والإفطار في
~~الصوم، ونحو ذلك. وإما من جهة التعميم، كجواز العمل بالاجتهاد للغير
# PageV00P061
# المقصر في الجزئيات، كالوقت، والقبلة ونحوها، أو الكليات، كالأحكام
~~الشرعية للعلماء (١). انتهى.
# أقول: لا كلام لنا هنا فيما ذكره لتحقيق نفي العسر والحرج، وإنما هو يأتي
~~في عائدة أخرى.
# وإنما الكلام هنا معه فيما ذكره لدفع الإشكال عن نفي الضرر، فإن الكلام
~~فيه: في أصل ms039 الإشكال، وفي دفعه معا.
# أما الأول: فلما ذكرنا سابقا، من أن صدق الضرر عرفا إنما هو إذا كان
~~النقصان مما لم يثبت بإزائه عوض مقصود للعقلاء يساويه مطلقا. وأما مع ثبوت
~~ذلك بإزائه، فلا يصدق والضرر أصلا، سيما إذا كان ما بإزائه أضعافا كثيرة
~~له، و خيرا منه بكثير.
# ولا شك أن كل ما أمر به من التكاليف الموجبة لنقص في المال، من الخمس،
~~والزكاة، والحج، والصدقة، والإنفاق العيال، و أمثالها، مما يثبت بإزائها
~~أضعاف كثيرة في الآخرة، و ﴿من ذا الذي يقرض
~~الله قرضا حسنا فيضاعفه﴾ (٢) و (لا ينفقون نفقه صغيرة ولا كبيرة) (٢)
~~الآية و ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم
~~في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف
~~لمن يشاء﴾ (4). بل في كثير منها وعد العوض في الدنيا أيضا، وكيف يكون
~~مثل ذلك ضررا إلا عند من لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر.
# ولو قال رجل يظن صدق وعده: إن من أعطى عبدي شيئا أعوضه ضعفه، فأعطى رجل
~~عبده، لا يقال: إنه أضر بنفسه، فكيف في حق من لا خلف لوعده،
# PageV00P062
# ولا كذب في قوله؟!
# نعم إنما يصح الاستشكال: فيما لم يكن بإزائه ثواب دنيوي أو أخروي، ولم
~~يكن لجبر نقص آخر، كالقصاص ودية الجنايات و أمثالها لو وجد مثله في
~~الشريعة، كضرب الدية على العاقلة على ما يتوهم.
# فإن وجد مثله، فلا إشكال أيضا، لأنه يكون من باب التخصيص، فإنه كما لا
~~إشكال في تخصيص سائر العمومات، حتى قيل: ما من عام إلا وقد خص، فكذا هنا.
# وهذا وإن كان جاريا في جميع التكاليف، مثل الزكاة والخمس والإنفاق و
~~أمثالها لو قلنا بكونها ضررا، ولكن هذا التخصيص الكثير من هذا التأكيد في
~~نفي الضرر والضرار، بعيد غاية البعد.
# وأما الثاني، فلأنه على ما ذكره في دفع الإشكال: تكون قاعدة نفي الضرر من
~~باب أصل البراءة، دون الدليل، فلا تعارض دليلا أصلا، ms040 إذ يكون نفي الضرر
~~مقيدا بغير التكاليف الثابتة، ويكون موضوع الضرر المنفي: ما هو زائد عن أصل
~~طبايع التكاليف، فكل تكليف ثبت بالخصوص، أو العموم، أو الإطلاق، أو
~~التقييد، يكون خارجا عنه، فكل ما كان عليه دليل عام، أو خاص، لا تعارضه
~~قاعدة نفي الضرر.
# وهذا مناف لاستدلالات الفقهاء، بل لما صرح به هذا القائل.
# إلا أن يقال: إن مراده ليس أن نفي الضرر مقيد في نفسه بهذا القيد العام،
~~حتى يكون من قبيل كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي، و لا تكليف إلا بعد البيان،
~~بل مراده: أنه بعد ملاحظة عمومات التكاليف و خصوصاتها، وملاحظة معارضاتها
~~(1) مع قاعدة نفي الضرر، وإعمال القواعد الترجيحية، وإخراج ما ثبت ترجيحه
~~من التكاليف الضارة، يقيد حديث نفي
# PageV00P063
# الضرر والضرار بغير هذه المخرجات، فافهم.
# البحث العاشر:
# ما يكون جبرا لضرر واقع من شخص على غيره من الإلزامات، فهل هو ضرر أم لا؟
~~ويظهر الفائدة عند التعارض، كما إذا أتلف شخص مال غيره، فلو لم نقل بكون
~~إلزام المثل أو القيمة ضررا، يحكم بلزوم المثل أو القيمة على المتلف بلا
~~معارض. ولو قلنا بكونه أيضا ضررا، يحصل التعارض بين الضررين.
# والتحقيق: أن الإلزامات على قسمين:
# أحدهما: ما هو موجب لزوال الضرر المتحقق أولا، كإعطاء المثل، أو القيمة،
~~فإن معه لا يكون ضرر على من تلف ماله.
# وثانيهما: ما ليس كذلك، كقصاص الجنايات وأمثالهما، فإنه عقوبة على المضر،
~~لا جبر لضرر من حصل عليه الضرر.
# فما كان من الأول لا يعد ضررا، لأن بإلزامه يندفع الضرر عن صاحب المال،
~~فيخرج المتلف ببذله عن كونه مضرا، وهو نفع عظيم، لأن الإضرار فعل محرم موجب
~~للعقاب، وقد وقع النهي عنه في الأخبار، ومثل ذلك ليس ضررا، بل دفع ضرر عظيم
~~عن نفسه بأمر يسير.
# وما كان من الثاني يكون ضررا، لأنه لا يدفع الضرر الأول، فلا يحكم بثبوته
~~بمحض الإضرار، بل لابد من دليل آخر.
# البحث الحادي عشر:
# لا فرق في نفي الضرر، والضرار، ونفي كونهما من ms041 الأحكام الشرعية: بين ما
~~إذا أذن به من يحصل عليه الضرر أم لا، رضي أم لم يرض، لعموم الأخبار.
# فلا يفيد إذن صاحب المال مثلا في إتلافه في إباحة الإتلاف، ولا في نفي
~~PageV00P064
# الإلزام بالمثل أو القيمة فيما أوجبه الضرر، لصدق الضرر إلا فيما يحصل
~~بسببه نفع دنيوي أو أخروي، كالضيافة وأمثالها، فإنه ليس ضررا حقيقة.
# نعم لو دل دليل من إجماع أو نص، على عدم الإلزام بالمثل أو القيمة، أو
~~تجويز الضرر مع الإذن في موضع خاص أو مطلقا، يكون ذلك خارجا بالدليل.
~~PageV00P065
# عائدة (٥) في بيان معنى لفظ " البأس " في الأخبار قد كثر ذكر لفظ " البأس
~~" في الأخبار، كقولهم: لا بأس بكذا، و كقولهم: إن كان كذا فلا بأس فيه، وهو
~~يدل بالمفهوم على أنه إن لم يكن كذا، ففيه بأس، فهل يثبت به الحرمة، أو
~~الأعم منها ومن الكراهة؟
# وكذا الثابت من المنطوق: هل هو الإباحة، أو الجواز الشامل للكراهة أيضا؟
# الظاهر في الأول: الأول، وفى الثاني: الثاني، لأن الباس: هو العذاب،
~~والشدة، والخوف، وشئ منها لا يكون إلا في الحرام. قال الله سبحانه: ﴿فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها
~~يركضون﴾ (1).
# قال أبو علي في مجمع البيان: أي: فلما أدركوا بحواسهم بأسنا أي:
# عذابنا (2).
# وقال البيضاوي: فلما أدركوا شدة عذابنا (3). وكذا في الصافي (4).
# PageV00P067
# وقال (١) في شرح قوله سبحانه: ﴿ولا يأتون البأس إلا قليلا﴾ (٢): البأس:
# الحرب، وأصله: الشدة.
# وفي الصافي في تفسير قوله سبحانه: ﴿وحين البأس﴾ (3) عند شدة القتال (4).
# وقال الجوهري: البأس: العذاب، والبأس: الشدة في الحرب (5).
# وقال في النهاية الأثيرية: بؤس يبؤس - بالضم فيهما - بأسا: إذ اشتد حزنه
~~قال: ومنه حديث علي: " كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) " يريد الخوف، ولا يكون إلا مع الشدة (6).
# وقال في القاموس: البأس: العذاب والشدة في الحرب. إلى أن قال:
# والبأساء والأبؤس: الداهية، ومنه عسى الغوير أبؤسا، أي: داهية. والبئيس،
~~كفعيل: ms042 الشديد (7).
# وقال الطريحي في مجمع البحرين: البأس: الشدة في الحرب، والبأس:
# العذاب. ومنه قوله تعالى: (لما رأوا بأسنا) (8) أي: عذابنا. وقال أيضا:
# البأس: الخضوع والخوف. وقال: وقد تكرر في الحديث: لا بأس بذلك، و معناه:
~~الإباحة والجواز (9). انتهى.
# وعطفه الجواز على الإباحة لا يخلو عن شئ، ويمكن أن يكون مراده: أنه
~~يستعمل نفي البأس في الموضعين، حيث إن العذاب منفي في
# PageV00P068
# المباح والجائز معا. فقولهم: لا بأس بذلك، يستعمل في المباح، ويستعمل في
~~الجائز.
# والمراد من استعماله في المباح، ليس أن المراد من نفي البأس: الإباحة، بل
~~المراد: أنه استعمل في المورد المباح، فالمراد في الموضعين نفي العذاب،
~~وأما تساوي الطرفين فيعلم من الخارج.
# ومما يؤيد أن المراد من نفيه نفي الحرمة، ومن إثباته إثباتها: نفي (1)
~~البأس في الأخبار عما يكره قطعا، كما في الاستحطاط بعد الصيغة، فإنه مكروه
~~نصا و إجماعا، ومع ذلك، نفى عنه البأس في الأخبار، كما في رواية معلى بن
~~خنيس: الرجل يشتري المتاع ثم يستوضع، قال: لا " بأس " (2).
# ورواية يونس بن يعقوب: الرجل يشتري من الرجل المبيع (3) فيستوهبه بعد
~~الشراء من غير أن يحمله على الكره، قال: " لا بأس به " (4).
# وفي الذبح في الليل، فإنه مكروه بصريح الروايات (5)، ونفى عنه البأس في
~~صحيحة البزنطي، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن طروق الطير بالليل في
~~وكرها، فقال: " لا بأس بذلك " (6). ومثلها صحيحة صفوان (7).
# وفى الصلاة في بيت الحمام إذا كان طاهرا، مع تحقق الكراهة فيه) كما في
~~مرسلة الفقيه، عن عي ى بن جعفر، أنه سأل أخاه عن الصلاة في بيت الحمام،
# PageV00P069
# قال: " إذا كان الموضع نظيفا، فلا بأس " (1) إلى غير ذلك. وهذا هو
~~المستفاد من كلام (2) الفقهاء أيضا.
# قال ابن إدريس في السرائر: ولا بأس يبيع الخشب ممن يتخذه ملاهي، و كذلك
~~بيع العنب ممن يجعله خمرا، فإنه مكروه، وليس بحرام (3)، وغير ذلك.
# ثم إن هذا مقتضى معناه الحقيقي، وقد يستعمل في غيره بضرب من المجاز، كما
~~في المكروه، فإنه قد ورد في بعض الأحاديث: ms043 إثبات البأس للمكروه، فيكون
~~مجازا، ولا يصار إليه إلا مع قرينة دالة عليه.
# PageV00P070
# عائدة (6) في مقدمة الحرام مقدمة الحرام إن كانت سببا له، فهو حرام
~~ومعصية، كما ثبت في الأصول، كوضع النار على يد زيد، بعد النهي عن إحراقها،
~~فلا يجوز له وضعها عليها مطلقا.
# وإن كانت شرطا له، فإن لم يكن قصده من فعله التوصل إلى المحرم، فلا شك في
~~عدم حرمته، وعدم كونه معصية، كما إذا أوقد نارا في المثال، أو اشترى فحما
~~أو حطبا، أو سافر إلى بلدة فيها من نهي من قتله، أو فيها فاحشة، أو خمر
~~(1)، إلى غير ذلك، من غير أن يريد بهذه الأمور (2) التوصل إلى الحرام.
# وإن قصد من فعله التوصل إلى المحرم، كأن يسافر إلى البلدة المذكورة لأجل
~~قتل الرجل، أو شرب الخمر، ونحوهما، فالظاهر كون هذا الفعل معصية و حراما.
# فلو سافر بهذا القصد، وحصل له مانع عن فعل أصل الحرام، ولم يفعله، يكون
~~آثما بأصل السفر، عاصيا به، مستحقا للعقاب لأجله، بل لو فعل المحرم،
# PageV00P071
# يكون (١) العقاب والإثم لأجلهما.
# ويتفرع عليه أيضا: حرمة المعاونة على هذه المقدمة إذا فعلت بقصد التوصل
~~وإن لم يعلم أنه يحصل له التوصل، ويتم ما قصده وأراده.
# وممن صرح بالحرمة الشهيد في قواعده، قال: إذا تطيبت المرأة لغير الزوج،
~~فعلت حراما فاحشا، وكذا إذا أخرجت متطيبة للتعرض للفجور، أو مقدماته، أو
~~قصد الرجل بذينك التودد إلى النساء المحرمات (٢). انتهى، بل الظاهر أنه لا
~~خلاف لأحد في ذلك.
# ومما يدل على كون الفعل بهذا القصد حراما موجبا للإثم: أن فاعله حين
~~فعله، يعد عاصيا لأجله في العرف، وكل عصيان حرام آثم فاعله، بالإجماع
~~والنصوص.
# ويدل عليه أيضا: أنه لا شك أن فعل مقدمة الحرام بقصد التوصل إليه
~~والإتيان به إطاعة للشيطان، واتباع للهوى، وهما محرمان، أما الأولى: فظاهرة
~~جدا، وأما الثانية: فبالإجماع، والكتاب، والسنة المتواترة.
# قال الله سبحانه: ﴿ولا تتبع
~~الهوى﴾ (٣) وقال أيضا: ﴿ولا ms044 تتبعوا الهوى﴾ (4).
# قال (صلى الله عليه وآله وسلم): " ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع،
~~وإعجاب المرء بنفسه " (5). وفى رواية إسماعيل بن جابر، المروية في روضة
~~الكافي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في رسالة طويلة كتبها إلى أصحابه،
~~وأمرهم بمدارستها والعمل بها: " وإياكم أن تشره نفسكم إلى شئ مما حرم الله
~~عليكم، فإن من انتهك ما حرم الله عليه هاهنا في الدنيا، حال الله بينه وبين
~~الجنة ونعيمها " إلى أن قال: " و
# PageV00P072
# لا تتبعوا أهواءكم ورأيكم فتضلوا " (1).
# وفى رواية أبى محمد الوابشي - الصحيحة - عن السراد الذي أجمعوا على تصحيح
~~ما يصح عنه، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " احذروا أهواءكم
~~كما تحذرون أعدائكم، فليس شئ أعدى للرجل من اتباع الهوى " (2).
# وفي رواية يحيى بن عقيل: " إني أخاف عليكم اثنين: اتباع الهوى، و طول
~~الأمل " (3).
# ويدل على حرمته أيضا قوله سبحانه: " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم
~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " (4) فإن قصد المحرم من كسب القلوب.
# ويدل عليه أيضا: الأخبار المستفيضة المصرحة بأن " لكل امرئ ما نوى " (5)
~~وأن " العمل بالنيات " (6).
# وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " إنما يحشر الناس على نياتهم
~~" (7).
# وقال (عليه السلام): " إنما خلد أهل النار في النار، لأن نياتهم كانت في
~~الدنيا، أن لو خلدوا فيها لعصوا الله تعالى أبدا " (8).
# ولا شك أن فاعل المقدمة بقصد التوصل، يقصد فعل الحرام و ينويه، فيكون
~~حراما.
# PageV00P073
# وقال (عليه السلام): " لو تزوج امرأة على صداق، وهو لا ينوي أداءه، فهو
~~زان (١) " و " من استدان دينا، وهو لا ينوى قضاءه، فهو سارق " (٢).
# وأصرح من الكل ما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: " إذا
~~التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل والمقتول في النار " قيل: يا رسول الله،
~~هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال:
# " لأنه أراد قتل صاحبه " (٣).
# ثم بعض هذه الأدلة وإن دلت على ترتب الإثم والعقاب والمؤاخذة على مجرد
~~القصد وإن لم يؤثر في الخارج أثرا، ولم يقارنه فعل، إلا أن المستفيضة من
~~الأخبار، بل ms045 الإجماع، خص ذلك، فيبقى الباقي.
# ويدل عليه أيضا: ما ورد في ذم فاعل بعض مقدمات الحرام، وإثبات الإثم له،
~~كلعن غارس الخمر، وحارسها، وعاصرها (٤).
# ومثل ما ورد: في أن من ذهب إلى باب الظلمة أو السعاية بالمسلم، كان عليه
~~لكل خطوة عقاب كذا وكذا (٥).
# ويمكن الاستدلال عليه أيضا بقوله سبحانه: ﴿ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن﴾ (6) فإن
~~فعل مقدمة الفواحش بقصد التوصل إليها، قرب منها لا محالة، فيكون حراما.
# PageV00P074
# عائدة (٧) في حرمة المعاونة على الإثم قال الله سبحانه في سورة المائدة:
~~﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾
~~(1)، و هذه الآية الكريمة تدل على حرمة المعاونة على كل ما كان إثما
~~وعدوانا.
# واستفاضت على تحريمها الروايات، وانعقد عليها إجماع العلماء كافة، و
~~استدل بها (2) الفقهاء في موارد كثيرة على أحكام عديدة، ولا كلام في ثبوت
~~تحريمها والنهي عنها.
# وإنما الكلام في تعيين ما يكون مساعدة ومعاونة على الإثم والعدوان.
# وتحقيقه: أنه لا شك ولا خفاء في أنه يشترط في تحقق الإعانة والمساعدة على
~~الشئ، صدور عمل وفعل من المعاون، له مدخلية في تحقق المعاون عليه وحصوله،
~~أو في كماله وتماميته، ونحو ذلك.
# وإنما الخفاء في اشتراط القصد إلى تحقق المعاون عليه من ذلك العمل، وكونه
~~مقصود ومطلوبا منه انفرادا، أو مع اشتراك شئ آخر، (3) وفى اشتراط تحقق
~~المعاون عليه وعدمه، أي ترتبه على فعله، وفى اشتراط
# PageV00P075
# العلم بتحقق المعاون عليه أو الظن أم لا، وفي اشتراط العلم بمدخلية فعله
~~في تحققه.
# أما الأول: فالظاهر اشتراطه، ومعناه: أن يكون مقصود المعاون من فعله ترتب
~~المعاون عليه وحصوله في الخارج، ويكون ذلك منظوره (1) من فعله (سواء كان
~~على سبيل الانفراد، أم على الاشتراك، أي كان هو المقصود والمنظور مع غيره
~~أيضا) (2) سواء كانا مستقلين في المقصودية (3) والعلية أو لا، لأن المتبادر
~~من المعاونة والمساعدة ذلك عرفا، فإنه لو قيل: أعان زيد عمروا في الأمر
~~الفلاني بجميع أدواته وآلاته، يفهم منه أن مقصود ms046 زيد من جمع الأسباب
~~والآلات كان حصول ذلك الأمر.
# ولصحة السلب عرفا، فإنا نعلم أنه لو لم يعط زيد ثوبه إلى الخياط ليخيطه،
~~لا يخيطه الخياط، ولا تتحقق منه خياطة، مع أنه إذا أعطاه إياه وخاطه، لا
~~يقال: إنه أعانه على صدور الخياطة، لأن غرضه كان صيرورة الثوب مخيطا، لا
~~صدور الخياطة منه، إلا إذا كان مقصوده صدور هذه الخياطة منه، كما إذا كان
~~ثوبا لشخص، وأراد ثلاثة من الخياطين خياطته (4)، فسعى شخص في إعطائه إلى
~~واحد معين منهم، لتصدر الخياطة منه، فيقال: إنه أعانه على ذلك.
# ولذا ترى أنه لا يقال للدافعين أثوابهم إلى الخياط: أنهم أعانوه على صنعة
~~الخياطة وتعلمها، مع أنه لولا دفع أحد ثوبه إليه لم يتعلم صنعة الخياطة.
# ولو دفع أحد ثيابا متعددة إلى شخص ليخيطها، وكان غرضه ترغيبه في
# PageV00P076
# تعلمها وتحسينها (1) وشوقه إليها، حتى صار ذلك سببا لتعلمها، يقال عرفا:
~~إنه أعانه عليها.
# وكذا التاجر لا يتجر إذا علم أن أحدا لا يشترى منه شيئا أو لا يبيعه،
~~فللبيع والشراء منه مدخلية في تحقق التجارة منه، ولا يقال للبائعين
~~والمشترين منه: إنهم معاونوه على التجارة، بخلاف ما لو باع أحد منه، واشترى
~~منه، لترغيبه في التجارة، وتعلمه لها، فيقال: إنه أعانه عليها. وكذا سائر
~~الحرف والصناعات.
# وكذا نرى أنه إذا صارت جماعة أضيافا على زيد، واشترى زيد لهم طعاما من
~~شخص، لولاهم لما اشتراه، لا يقال: إنهم أعانوه على بيعه، بخلاف ما إذا كان
~~مقصودهم من صيرورتهم أضيافا: رواج طعامه، واشتراء زيد منه، فيقال: إنهم
~~أعانوه، وهكذا.
# وقد صرح بذلك الفاضل الأردبيلي في آيات الأحكام، قال في كتاب الحج منه
~~عند بيان هذه الآية: والظاهر أن المراد الإعانة على المعاصي مع القصد، أو
~~على الوجه الذي يقال عرفا: إنه كذلك.
# مثل أن يطلب الظالم العصا من شخص لضرب مظلوم، فيعطيه إياها. أو يطلب منه
~~القلم لكتابة ظلم، فيعطيه إياه، ونحو ذلك مما يعد معاونة عرفا.
# فلا يصدق على التاجر الذي يتجر ليحصل غرضه، أنه ms047 معاون للظالم العاشر في
~~أخذ العشور (2)، ولا على الحاج الذي يؤخذ منه بعض المال في طريقه ظلما،
~~وغير ذلك مما لا يحصى.
# فلا يعلم صدقها على شراء من لم يحرم عليه شراء السلعة من الذي يحرم
# PageV00P077
# عليه البيع، ولا على بيع العنب ممن يعمل خمرا، أو الخشب ممن يعمل صنما، و
~~لهذا ورد في الروايات الكثيرة الصحيحة جوازه (1)، وعليه الأكثر (2)، ونحو
~~ذلك مما لا يحصى (3). انتهى كلامه رفع مقامه. وهو جيد في غاية الجودة.
# ويظهر ذلك أيضا من المحقق الثاني في حاشيته على الإرشاد (4)، وكذا من
~~صاحب الكفاية (5).
# وأما الثاني: فالظاهر أيضا اشتراطه، فإذا فعل أحد عملا قد يترتب عليه
~~أمر، ويكون له مدخلية في تحقق ذلك الأمر، ولم يترتب عليه ذلك الأمر، فلا
~~يقال: إنه أعانه على ذلك الأمر، وإن كان مقصوده منه إعانة شخص آخر في تحقق
~~ذلك الأمر وحصوله.
# نعم لو قصد به الإعانة، يصدق أنه أعانه على مقدماته، أو في السعي فيه،
~~ولكن (6) حينئذ إذا كان ذلك الأمر الذي يريد المعاونة عليه إثما ومحرما،
~~يكون ذلك الفعل الذي صدر من المعاون أيضا إثما وحراما، لما علم في العائدة
~~السابقة، كما لو قلنا بكونه معاونة على الإثم، غاية الأمر: اختلاف جهة
~~الحرمة.
# وإذا قلنا: بكون ذلك أيضا معاونة على المحرم، يحرم بالاعتبارين.
# PageV00P078
# وعلى هذا فإذا غرس أحد كرما بقصد عصر الخمر منه للخمارين، فهو عاص في هذا
~~الغرس آثم مطلقا، لما مر في العائدة المتقدمة، فلو أثمر، وحصل منه الخمر،
~~وشرب، يكون معاونة على الإثم أيضا، ويكون حراما من هذه الجهة أيضا، ولو لم
~~يتفق ذلك فيه حتى قلع، لا يكون معاونة على إثم، ولكن يكون حراما لأجل قصده.
# وأما الثالث: وهو العلم بتحقق المعاون عليه وبترتبه على عمله، فهو لا
~~يشترط، فإنه لو غرس كرما بقصد أنه لو أراد أحد شرب الخمر كان حاضرا، فأثمر،
~~وأخذ منه الخمر، وشرب، يكون عمله معاونة على الإثم. وإن لم يؤخذ منه الخمر،
~~لا يكون معاونة وإن أثم في غرسه ms048 بهذا القصد.
# فالمناط في الإثم والحرمة مطلقا: هو العمل مع القصد، سواء ترتب عليه ما
~~قصد ترتبه عليه أم لا، وسواء علم أنه تتحقق النية، أو فعله يقصده أنه لعله
~~يتحقق.
# والمناط في المعاونة على الإثم: هو القصد وتحقق المعاون عليه معا، فإذا
~~تحقق، يأثم بالاعتبارين، فلو لم يعلم أنه يتحقق، فإن فعل بقصد تحققه وتحقق،
~~يكون معاونة على الإثم. وإن فعل بقصده ولم يتحقق، يكون فاعلا لقصد المعاونة
~~على الإثم، ولذلك يكون آثما. وإن فعل لا بقصده، لا يكون آثما، سواء تحقق أم
~~لا.
# ومن هذا يظهر حال الرابع أيضا، أي اشتراط العلم بمدخلية عمله في تحقق
~~المعاون عليه أم لا.
# وذلك كما إذا علم أن زيدا الظالم يقتل اليوم عمرا ظلما، فأرسل إليه سيفا
~~لذلك، مع عدم علمه بأنه هل يحتاج إلى هذا السيف في قتله، وله مدخلية في
~~تحقق القتل أم لا؟ فإنه يكون آثما في الإرسال قطعا، فإن اتفق احتياجه إليه،
~~و ترتب القتل عليه، يكون معاونا على الإثم أيضا، وإلا فلا.
# وفرق ذلك مع سابقه: أن في السابق يعلم التوقف، ولكن لا يعلم تحقق
~~PageV00P079
# التوقف، كما إذا علم أنه لو قتل زيدا لاحتاج إلى هذا السيف، ولكن لم يعلم
~~تحقق القتل، وفي ذلك قد يعلم التحقق، ولكن لا يعلم التوقف.
# ثم إذا أحطت بما ذكرنا تعلم ما ذهب إليه الأكثر: من جواز بيع العنب ممن
~~يعلم أنه يجعله خمرا ما لم يتفق عليه، وحرمته مع الاتفاق عليه.
# أما الأول: فلأن المقصود من البيع، وغرض البايع منه، ليس جعل ذلك خمرا،
~~فلا يكون إعانة على الإثم وإن علم أنه يجعله كذلك.
# وذلك مثل حمل التاجر المتاع إلى بلد للتجارة، مع علمه بأن العاشر يأخذ
~~منه العشور، أو بناء شخص دارا لزيد، مع علمه بأنه يشرب فيه الخمر.
# وأما الثاني: فلأنه مع الاتفاق عليه أو شرطه، يكون البائع بايعا بقصد
~~الحرام، فيكون آثما وإن لم يكن لأجل المعاونة على الإثم إن لم يتحقق جعله
~~خمرا.
# ومن هذا ms049 أيضا يظهر: عدم الحاجة إلى التأويلات البعيدة في الروايات
~~المصرحة بجواز بيع العنب لم يعلم أنه يجعله خمرا (1)، أو الخشب لمن يجعله
~~بربطا (2)، وإجارة السفينة لمن يحمل الخمر والخنزير (3)، بل تبقى على
~~ظاهرها، و لا ضير فيه، لعدم كون ذلك إعانة على الإثم، ولا محرما ما لم يقصد
~~البائع ببيعه ذلك.
# غاية الأمر: أن المشتري يفعل حراما وهو عاقل، عالم، مكلف، فعليه ترك ذلك
~~الفعل، ولا إثم على البائع ما لم يقصد إثما بفعله.
# ومن ذلك أيضا يظهر: سر ما ورد في روايات كثيرة من جواز بيع المتنجس
# PageV00P080
# من الذمي (1)، والميتة لمستحل الميتة (2)، مع كون الكفار مكلفين بالفروع،
~~فإنه لا ضير في ذلك، لأن البائع لم يفعل حراما.
# ويظهر من ذلك أيضا: عدم حرمة بيع الحرير للرجال، وإن علم أنهم يلبسونه،
~~إلا إذا كان مقصوده من بيعه منهم لبسهم، فإن المشتري مأمور بعدم اللبس، فإن
~~لبسه يكون عاصيا، ولا إثم على البائع.
# وكذلك من يصنع أواني الذهب والفضة، أو يبيعها لمن يعلم أنه يستعملها.
# وكذلك من يعطي الأجرة على صنعتها، إلا إذا قصد به الاستعمال، فيكون آثما
~~لأجل هذا القصد.
# نعم إذا كان صنعها حراما، فإعطاء الأجرة لصنعها يكون معاونة على الإثم،
~~ويكون حراما، لأن المقصود من إعطاء الأجرة هو الصنع المحرم. ولكن لم تثبت
~~حرمة صنع أواني الذهب والفضة.
# وأما مثل عمل الصور المجسمة الذي ثبتت حرمته، فيكون إعطاء الأجرة لعملها
~~حراما، لكونه معاونة على الإثم.
# وكذا كل عمل يكون أصل العمل حراما، يكون الاستئجار له معاونة على الإثم
~~ومحرما. والله العالم.
# PageV00P081
# عائدة (8) في البيع الغرري قد تكرر في كلمات الفقهاء الاستدلال على فساد
~~البيع: بكونه غررا أو استلزامه للغرور، وتداول تمسكهم به في مظان عديدة.
~~ولا بد في تحقيقه من بيان أمرين:
# الأول: مأخذ فساد بيع الغرري.
# والثاني: معنى الغرر، ومعنى بيع الغرر.
# أما الأول، فمأخذه أمران:
# الأول: الإجماع، فإن المتتبع لكلمات الفقهاء يراهم بأسرهم مصرحين بذلك في
~~غير موضع واحد، بحيث يحصل العلم للفقيه بأنه حكم الإمام ms050 المعصوم، بل هو
~~المتفق عليه بين الفريقين، وسيأتي شطر من كلماتهم، بل في استدلالهم به
~~مطلقا إشعار بكونه قاعدة مقبولة مسلمة بين الجميع، وصرح بعضهم بالإجماع
~~أيضا.
# قال بعض مشايخنا في الإجازة في بطلان ما لو اشترى بحكم أحد المتبايعين:
~~للغرر والجهالة المنهي عنها بالإجماع، والرواية المتفق عليها بين العلماء
~~كافة (1).
# PageV00P083
# وربما يشعر كلام جمع، منهم الشهيد في موضعين من شرح الإرشاد، كونه
~~ضروريا.
# قال في شرح قول المصنف: " والأثمان تتعين بالتعيين ": قالوا: تعيينها
~~غرر، فيكون منهيا عنه، أما الصغرى فلجواز عدمها أو ظهورها مستحقة لفسخ
~~البيع، و أما الكبرى فظاهرة. ونحوه في مسألة اشتراط بدو الصلاح (1).
# والثاني: الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): أنه نهى عن
~~بيع الغرر. ذكره السيد في الانتصار، وابن إدريس في السرائر، والعلامة في
~~نهج الحق، ومواضع عديدة من التذكرة، وولده في شرح القواعد، والشيخ المقداد
~~في التنقيح، والشهيد في قواعده، وبعض المتأخرين في شرحه على المفاتيح،
~~والطريحي في مجمع البحرين، والجوهري في صحاحه، وابن الأثير في نهايته،
~~والحاجبي في مختصره (2).
# ونقل القاضي نور الله في إحقاق الحق، عن ابن جزم أنه قال، والبرهان على
~~(بطلان) (3) بيع ما لم يعرف برؤية ولا صفة حجة: نهي رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر، وهذا عين الغرر، لأنه لا يدري ما اشترى أو
~~باع (4).
# وقد مر في كلام بعض مشايخنا: أن هذه الرواية متفق عليها بين العلماء
~~كافة، وعلى هذا فتكون الرواية منجبرة بالشهرة العظيمة، بل الإجماع القطعي،
~~أو
# PageV00P084
# الضرورة، فهي مما لا ريب في حجيتها، وكونها كالخبر الصحيح، بل أقوى منه.
# وأما الثاني: أي معنى الغرر، فنبينه بعد ذكر مقامين:
# المقام الأول: في نقل طائفة من كلام أهل اللغة وغيرهم في معنى تلك
~~المادة:
# قال الجوهري في الصحاح، ما عبارته بعد حذف الزوائد: الغرور: مكاسر الجلد.
~~الواحد: غر بالفتح. ومنه قولهم: طويت الثوب على غره أي: على كسره الأول.
# والغرة بالضم: بياض في جبهة الفرس فوق الدرهم.
# ورجل أغر: أي ms051 شريف.
# وفلان غرة قومه: أي سيدهم. وغرة كل شئ: أوله وأكرمه.
# والغرر: ثلاث ليال من أول الشهر. والغرة: العبد والأمة.
# ورجل غر بالكسر وغرير: أي غير مجرب. وقد غر يغر بالكسر غرارة.
# والاسم: الغرة.
# وعيش غرير إذا كان لا يفزع أهله.
# والغرة: الغفلة. والغار: الغافل. واغتره: أي أتاه على غرة منه.
# واغتر بالشئ: أي خدع به.
# والغرر: الخطر، ونهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر،
~~وهو مثل بيع السمك في الماء والطير في الهواء.
# ابن السكيت: الغرور: الشيطان. ومنه قوله تعالى: ﴿ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ (1). والغرور أيضا: ما
~~يتغرغر به من الأدوية. قال: والغرور، بالضم:
# ما اغتر به من متاع الدنيا.
# والغرار، بالكسر: النوم القليل. ولبث فلان غرار شهر: أي مكث مقداد شهر.
~~والغرار: نقصان لبن الناقة.
# PageV00P085
# ثم ذكر معاني كثيرة للغرار بكسر المعجمة، فقال: وغره يغره غرورا:
# خدعه. يقال: ما غرك بفلان؟ أي كيف اجترأت عليه. وغر الطاير أيضا فرخه،
~~يغره غرارا: أي زقه.
# والتغرير: حمل النفس على الغرر. وقد غرر بنفسه تغريرا وتغرة، كما يقال:
~~حلل تحليلا وتحلة. ويقال أيضا: غررت ثنيتا الغلام: أي طلعت أول ما تطلع.
# الأصمعي يقال: غارت الناقة تغار غرارا: قل لبنها.
# أبو زيد: غارت السوق تغارت غرارا: كسدت. والغرغرة: تردد الروح في الحلق
~~(1). انتهى.
# وقال صاحب القاموس، ما ملخصه: غره غرا وغرورا وغرة بالكسر، فهو مغرور
~~وغرير: خدعه وأطمعه بالباطل، فاغتر هو. والغرور الدنيا، وما يتغرغر به من
~~الأدوية، وما غرك، أو يخص بالشيطان. وبالضم: الأباطيل جمع غار.
# وأنا غريرك منه: أي أحذركه.
# وغرر بنفسه تغريرا وتغرة: عرضها للهلكة. والاسم: الغرر محركة.
# والغرة والغرغرة بضمها: بياض في الجبهة.
# إلى أن قال: غز وجهه يغر بالفتح غررا محركة، وغرة بالضم. وغرارة بالفتح:
~~صار ذا غرة وابيض.
# والغرة بالضم: العبد والأمة، ومن الشهر ليلة استهلال القمر.
# إلى أن قال: والغار: الغافل. واغتر: غفل. والاسم: الغرة بالكسر (2).
# انتهى.
# وقال ابن الأثير في النهاية: فيه " أنه جعل في ms052 الجنين غره عبدا أو أمة "
~~ثم ذكر
# PageV00P086
# أحاديث كثيرة ذكر فيها: الغرة، والغر بالضم، والغر بالكسر، والأغر،
~~والغرار، والغرير، والاغترار. وفسر الغرة بالكسر: بالغفلة. والاغترار: بطلب
~~الغفلة. فقال: وفيه " أنه نهى عن بيع الغرر "، وهو ما كان له ظاهر يغر
~~المشتري، وباطن مجهول.
# وقال الأزهري: بيع الغرر: ما كان على غير عهدة ولا ثقة، وتدخل فيه البيوع
~~التي لا يحيط بكنهها المتبايعان، من كل مجهول. وقد تكرر في الحديث.
# ومنه حديث مطرف: إن لي نفسا واحدة، وإني أكره أن أغرر بها " أي أحملها
~~على غير ثقة. وبه سمي الشيطان غرورا، لأنه يحمل الإنسان على حجابة محابه،
~~ووراء ذلك ما يسوء.
# ومنه حديث الدعاء: " وتعاطى ما نهيت عنه تغريرا " (١) أي: مخاطرة وغفلة
~~عن عاقبة أمره.
# ومنه الحديث: " لأن أغتر بهذه الآية ولا أقاتل، أحب إلي من أن أغتر بهذه
~~الآية " (٢) يريد قوله تعالى: ﴿فقاتلوا التي تبغي﴾ (٣) وقوله: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا﴾ (4) المعنى: أن أخاطر بتركي
~~مقتضى الأمر بالأولى أحب إي من أن أخاطر بالدخول تحت الآية الأخرى.
# ومنه حديث عمر: أيما رجل بايع آخر، فإنه لا يؤمر واحد منهما تغرة أن
~~يقتلا. التغرة: مصدر غررته، إذا ألقيته في الغرر، وهي من التغرير، كالتعلة
~~من التعليل، وفي الكلام مضاف محذوف، تقديره: خوف تغرة أن يقتلا: أي
# PageV00P087
# خوف وقوعهما في القتل (1). انتهى.
# وفى مجمع البحرين: وغره غرا وغرورا وغرة بالكسر، فهو مغرور:
# أخدعه وأطمعه بالباطل، فاغتر هو.
# إلى أن قال: وفي الخير: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع
~~الغرر، وفسر بما يكون له ظاهر يغر المشتري، وباطن مجهول، مثل بيع السمك
~~بالماء والطير في الهواء.
# إلى أن قال: والتغرير: حمل النفس على الغرور، وهو أن يعرض له الرجل نفسه
~~للمهلكة. ومنه الحديث: " لا يغرر الرجل بنفسه " (2). انتهى.
# وفي مجمع البيان: (ما غرك) يجوز أن يكون من الغرر الغرارة، فيكون معناه
~~ما أجهلك وأغفلك عما يراد بك. ويجوز أن يكون ms053 من الغرور على غير القياس.
~~وفيه أيضا: والغرور: ظهور أمر يتوهم به جهلا الأمان من المحذور.
# يقال: غره غرورا، وأغره اغترارا (3).
# وفيه: (إن الكافرون إلا في غرور) وقيل: معناه ما هم إلا في أمر لا حقيقة
~~له (4).
# وفي الصافي: (إن الكافرون إلا في غرور) لا معتمد لهم (5). انتهى.
# أقول: وإن ظهر من كلماتهم أن الموضوع من تلك المادة ألفاظ عديدة من
~~المصادر المجردة كالغرة، والغرارة، والغرار، والغرور و (الغرغرة) (6) وغير
~~المجردة: كالتغرير، والمغارة، والتغرة، والاغترار.
# ومن الأسماء، كالغرة بالكسر، والغرة بالضم، والغر، والغرار والغرور
~~بالفتح، والغرور بالضم، والغرر محركة، وغير ذلك.
# PageV00P088
# ولكن كلها متطابقة على أن الغرر: هو الاسم من التغرير الذي معناه التعريض
~~للتهلكة، وأن معنى الغرر: هو الخطر.
# والخطر المصدري: الإشراف على الهلاك. والمخاطرة: ارتكاب ما فيه خطر و
~~هلاك، أي فيه احتمال راجح أو مساو في التلف والهلاكة، فيكون هو معنى الغرر
~~بتصريح اللغويين من غير معارض، ولا يكون مشتركا.
# ووضع (1) ألفاظ أخر متحدة مادة مع هذا اللفظ لمعان أخر لا يوجب اشتراك
~~هذا اللفظ بعد اختلاف الهيئة وعدم الاشتقاق.
# ثم معنى بيع الغرر: بيع يكون أحد العوضين فيه في الخطر، أي في شرف الهلاك
~~ومعرض التلف.
# المقام الثاني: في ذكر طائفة من كلام الفقهاء في موارد استعمالاتهم لفظ
~~الغرر.
# قال الصدوق - رحمه الله - في معاني الأخبار بعد ذكر بيع المنابذة
~~والملامسة وبيع الحصاة: وتفسير الأول بأن يقول الرجل لصاحبه: انبذ إلي
~~الثوب أو غيره، أو أنبذه إليك، فقد وجب البيع، أو يقول: إذا نبذت الحصاة
~~فقد وجب البيع، وأنه معنى بيع الحصاة.
# والثاني بأن يقول: إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك، فقد وجب البيع، أو أن
~~تلمس المتاع من وراء الثوب ولا تنظر إليه، فيقع البيع على ذلك. و هذه بيوع
~~كان أهل الجاهلية يتبايعونها، فنهى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)
~~عنها، لأنها غرر كلها.
# وقال أيضا: ونهى (عليه السلام) عن بيع حبل الحبلة، ومعناه ولد ذلك الجنين
~~الذي
# PageV00P089
# في بطن الناقة. وقال غيره: ms054 وهو نتاج النتاج، وذلك غرر (1). انتهى.
# وقال السيد في الانتصار: ومما انفردت به الإمامية: القول بجواز شراء
~~العبد الآبق مع غيره، وخالف باقي الفقهاء في ذلك، وذهبوا إلى أنه لا يجوز
~~بيع الآبق على كل حال.
# إلى أن قال: وتعويل مخالفينا في منع بيعه على أنه بيع غرر، وأن نبينا
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الغرر.
# إلى أن قال: وهذا ليس بصحيح: لأن هذا البيع يخرجه من أن يكون غررا،
~~لانضمام غيره إليه (2).
# وقال الشيخ في الخلاف: إذا قال: اشتريت منك أحد هذين العبدين بكذا، أو
~~أحد هؤلاء العبيد الثلاثة بكذا، لم يصح.
# إلى أن قال: دليلنا: أن هذا بيع مجهول فيجب أن لا يصح. ولأنه بيع غرر
~~لاختلاف قيمتي العبدين (3).
# وقال ابن إدريس في السرائر بعد ذكر حلب بعض اللبن وبيعه مع ما في الضروع،
~~أو يجعل عوض اللبن شيئا من العروض: والأقوى عندي المنع من ذلك كله، لأنه
~~غرر، وبيع مجهول، والرسول نهى عن بيع الغرر (4).
# وقال العلامة في التذكرة، في ذكر شرائط البيع: القدرة على التسليم، وهو
~~إجماع في صحة البيع، ليخرج البيع عن أن يكون بيع غرر (5).
# وقال فيها أيضا: لا يصح بيع الطير في الهواء، سواء كان مملوكا أو غيره
~~إجماعا، لأنه في المملوك غرر، وقد نهى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عن
~~الغرر (6).
# PageV00P090
# وفيها أيضا: يجب العلم بالقدر، فالجهل به فيما في الذمة، ثمنا كان أو
~~مثمنا مبطل، إلى أن قال: وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، للغرر (1).
# ويظهر من التحرير: جعل بيع ما ليس عنده أيضا من بيع الغرر (2).
# وبه صرح أيضا في التذكرة، قال: وقد نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) عن بيع الغرر، كبيع عسيب الفحل، وبيع ما ليس عنده، وبيع الحمل في بطن
~~أمه، لنهيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، و لأنه غرر، لعدم العلم بسلامته
~~وصفته، وقد يخرج حيا أو ميتا ولا يقدر على تسليمه عقيب العقد (3).
# وفيها أيضا: ومن الغرر: بيع الملاقيح والمضامين ms055 (4).
# وفيها أيضا: ومن الغرر جهالة الثمن (5).
# قال ولده في الإيضاح: المبيع إذا كان المقصود منه المطعوم والمشروب إذا
~~لم يكن اختباره مؤديا إلى إفساده، هل يصح بيعه من غير اختبار، إلى أن قال:
# اختلف الأصحاب، فقال أبو الصلاح وسلار: لا يصح. وقال المصنف: يصح.
# إلى أن قال: احتج الأولون: بأنه بيع غرر، وقد نهى النبي (صلى الله عليه
~~وآله وسلم) عن بيع الغرر (6).
# وقال الشهيد في قواعده: يشترط كون المبيع معلوم العين والقدر والصفة، فلو
~~قال: بعتك عبدا من عبدين، بطل، لأنه غرر (7).
# وقال في شرح الإرشاد، في مسألة تعين الأثمان بالتعيين: قالوا: تعيينها
~~غرر فيكون منهيا عنه، أما الصغرى فلجواز عدمها أو ظهورها مستحقة فينفسخ
~~البيع، وأما الكبرى: فظاهرة.
# PageV00P091
# إلى أن قال: قلت: نمنع الصغرى، فإن الغرر احتمال مجتنب عنه في العرف،
~~بحيث لو تركه وبخ عليه، وما ذكره لا يخطر ببال، فضلا عن اللوم عليه (1).
# وقال في بحث سلم الدروس في سلم الرقيق: ولو قدره بالأشبار، كالخمسة أو
~~الستة، احتمل المنع، لإفضائه إلى الغرة (2).
# وقال في بيان شرط القدرة على التسليم عند الأجل: فإن كان وجوده نادرا
~~بطل، وإن أمكن تحصيله لكن بعد مشقة، فالوجه الجواز، لإلزامه به مع إمكانه،
~~ويحتمل المنع لأنه غرر (3).
# وقال الشهيد الثاني في المسالك، بعد حكمه بعدم لحوق البعير الشارد والفرس
~~الغائر بالآبق في البيع مع الضميمة: وعلى هذا يبطل البيع للغرر (4).
# وقال صاحب التنقيح بعد نقل عدم صحة بيع ما يراد طعمه وريحه من غير اختبار
~~عن أبي الصلاح والقاضي و سلار: " لأنه مجهول، فهو بيع غرر. وقد نهى النبي
~~(صلى الله عليه وآله وسلم) عن بيع الغرر (5).
# وقال المحقق الشيخ علي في شرح القواعد، في بيان صحة بيع الصاع من الصبرة
~~المجهولة الصيعان: وذلك لأن المبيع أمر كلي والأجزاء متساوية، فلا غرر،
~~بخلاف ما لو باع النصف، فإنه مع الجهالة لا يعلم قدره،
# PageV00P092
# فيلزم الغرر (1).
# وقال أيضا في بيان تجويز بيع العسل ونحوه: اعتمادا على مقتضى طبعه، إذ
~~ليس المراد بالغرر ms056 مطلق الجهالة، وإلا لم يجز بيع الصبرة المرئي بعضها، ولا
~~المبيع بالوصف، بل على وجه مخصوص، ونمنع حصوله هنا. واعلم أنه ربما فهم من
~~العبارة: أنه لا يشترط مشاهدته أيضا، والظاهر أنه لا بد من المشاهدة، لئلا
~~يلزم الغرر (2).
# إلى غير ذلك من كلمات الفقهاء، من المتقدمين والمتأخرين، الواردة في
~~موارد مختلفة، وقد ذكرنا شطرا منها ليعلم كون الاستدلال بالغرر من القواعد
~~المسلمة (بل) (3) المجمع عليها، وليظهر موارد الغرر عندهم.
# وقد ظهر: أن موارده عندهم هو الموافق لمعناه الذي ذكره اللغويون، وهوما
~~كان المبيع أو الثمن في موضع الخطر، أي: موضع كان محتمل التلف احتمالا
~~ملتفتا إليه عرفا وعادة، فيكون الخطر له (4) أو لعوضه، حيث يعطى عوضا عما
~~لا يوثق به، فيذهب من اليد من غير وصول معوضه.
# ومعظم تلك الموارد في مواضع ثلاثة: أحدها: أن يكون الخطر باعتبار عدم
~~الوثوق بإمكان التسليم، بأن يكون أحد العوضين غير مقدور التسليم، فيكون هو
~~في الخطر، أي: معرض عدم الوصول. أو يكون عوضه الآخر في الخطر، حيث يذهب بلا
~~عوض، فيكون تالفا.
# ومنه: ما ذكروه من بطلان بيع الآبق، والطير في الهواء، والسمك في الماء،
~~والمغصوب، وأمثال ذلك.
# PageV00P093
# وثانيها: الخطر باعتبار عدم الوثوق بتحقق وجوده، بأن يكون أحدهما غير
~~موثوق بتحققه وخروجه إلى فضاء الوجود على ما هو المقصود من المبايعة، فيكون
~~هو في معرض التلف، أو يكون عوضه كذلك.
# ومنه: ما ذكروه من بطلان بيع عسيب الفحل، والحمل، وحبل الحبلة، و
~~أمثالها.
# وثالثها: أن يكون الخطر باعتبار الجهل بقدر أحد العوضين، أو جنسه، أو
~~وصفه، فإنه إذا لم يعلم المشتري ذلك يجعل الثمن في موضع الخطر، لجواز أن لا
~~يكون المثمن على نحو يقابل ذلك الثمن، فجعل ثمنه في موضع الخطر، وإن لم
~~يعلم البائع بجعل المثمن في محل الخطر، لجواز أن يكون على نحو لا يقابله
~~الثمن المأخوذ.
# ولكن يشترط في ذلك أن يكون الاختلاف المحتمل بحيث لا يتسامح فيه عرفا،
~~ولذا لم يلتفتوا إلى ما يتعارف من فضول (1) الكيل، ms057 واختلاف الوصف بما لا
~~يختلف به القيمة عرفا.
# ولذا صرح الشيخ علي - رحمه الله - وعلى ما مر: بأنه ليس المراد بالغرر
~~مطلق الجهالة، بل على وجه مخصوص. ومراده ما ذكرنا من كون الاحتمال احتمالا
~~ملتفتا إليه عرفا، والاختلاف اختلافا غير متسامح به كذلك.
# وكذا (2) قال الشهيد: إن الغرر احتمال مجتنب عنه عرفا، بحيث أو تركه وبخ
~~عليه (3). وعلى هذا: فالجهل الذي ليس كذلك لا يسمى غررا، فبطلان بيع أحد
~~العبدين إذا فرض تساويهما قيمة ليس لأجل الغرر، ولذا ترى الشيخ - كما مر -
~~استدل على بطلانه بالغرر، لأجل اختلاف قيمتي العبدين، فلولا ذلك (4) يكون
# PageV00P094
# البطلان لنفس الجهل - كما يأتي - لا للغرر.
# وكذا إذا كانا مختلفي القيمة، ولكن اشتراه بقيمة الأدون، وكان البائع
~~عالما، أو بالقيمة الأعلى، وكان المشتري عالما بالواقع، لم يكن هناك غرر.
# وبالجملة: المستفاد من كلام أهل اللغة واستعمالات الفقهاء: أن بيع الغرر
~~ما يدخل لأجله أحد العوضين في محل الخطر، بأن لا يوثق بوصول العوض أو
~~بوجوده، أو بكونه مما يقابل العوض الآخر.
# وضابطه: ما ذكره الشهيد - طاب ثراه - في شرح الإرشاد: من تحقق احتمال
~~مجتنب عنه عرفا، بحيث لو لم يلتفت إليه وتركه بحاله، صار محلا للتوبيخ
~~واللوم في العرف من جهة تضييع المال (١).
# وللشهيد في قواعده كلام يوهم بظاهره مخالفته (٢) في بعض ما ذكر من معنى
~~الغرر (٣)، وقال: الغرر ما له طاهر محبوب، وباطن مكروه، قاله بعضهم (٤)، و
~~منه قوله تعالى: ﴿متاع الغرور﴾ (5).
# وشرعا هو جهل الحصول، وأما المجهول فمعلوم الحصول، مجهول الصفة، وبينهما
~~عموم وخصوص من وجه، لوجود الغرر بدون الجهل في العبد الآبق، إذا كان معلوم
~~الصفة من قبل، أو بالوصف الآن، ووجود الجهل بدون الغرر، كما في المكيل
~~والموزون والمعدود إذا لم يعتبر. وقد يتوغل في الجهالة، كحجر لا يدرى أذهب
~~أم فضة أم نحاس أم صخر (6). ويوجدان معا في العبد الآبق المجهول صفته.
# ويتعلق الغرر والجهل: تارة بالوجود، كالعبد الآبق، وتارة
# PageV00P095
# بالخصول، كالعبد الآبق المعلوم وجوده، ms058 والطير في الهواء، وبالجنس بحيث لا
~~يدرى ما هو، وكسلعة من سلع مختلفة، وبالنوع. كعبد من عبيد، و بالقدر،
~~كالكيل الذي لا يعرف قدره، والبيع إلى مبلغ السهم، والتعيين، كثوب من ثوبين
~~مختلفين، وفي البقاء، كبيع الثمرة قبل بدو الصلاح عند بعض الأصحاب (1).
# ولو شرط في العقد أن يبدو الصلاح، لا محالة كان غررا عند الكل، كما لو
~~شرط صيرورة الزرع سنبلا.
# والغرر قد يكون بما له مدخل ظاهرا في العوضين، وهو ممتنع إجماعا. وقد
~~يكون بما يتسامح به لقلته، كأس الجدار وقطن الحبة، وهو معفو عنه إجماعا، و
~~كذا اشتراط الحمل.
# وقد يكون بينهما، وهو محل الخلاف، كالجزاف في مال الإجارة والمضاربة،
~~والثمرة قبل بدو الصلاح، والآبق بضميمة (2). انتهى.
# أقول: ما ذكره من العموم من وجه بين الغرر والجهل، فهو كذلك، لتحقق الأول
~~خاصة في الآبق المعلوم الصفة، والثاني خاصة في بيع أحد العبدين المتساويين
~~قيمة وغرضا، (3) واجتماعهما في الآبق المجهول الصفة.
# وكذا ما ذكره من أن الغرر يتحقق مع الجهل بالحصول، ولكن ما ذكره من
~~اختصاصه به، ومن كونه معناه شرعا، فغير صحيح.
# وأما الثاني (4): فلعدم ثبوت حقيقة شرعية فيه.
# PageV00P096
# وأما الأول (1): فلأنه مخالف لكلمات جميع الأصحاب، فارجع إلى ما قدمنا
~~ذكره من موارد استعمالاتهم الغرر واستدلالاتهم به، حتى ما نقلناه من الشهيد
~~نفسه، حتى من قواعده في موضع آخر (2).
# وإذا كان كذلك، ولم يفهم الاختصاص من معناه اللغوي أيضا، بل كان مقتضاه
~~التعميم على ما تقدم، فلا وجه للتخصيص، بل ذكره لا يوافق ما ذكره في هذا
~~الكلام أخيرا أيضا، من جعله الجزاف في مال الإجارة والمضاربة من الغرر، و
~~كذا أس الحائط وقطن الحبة.
# ويمكن توجيه كلامه بأن يقال: إن مراده من الجهل بالحصول: عدم الوثوق
~~بحصول ما يقابل الثمن في يده، وعلى هذا، فما علم وجوده ولم يعلم وصفه
~~الموجب لاختلاف القيمة، لم يوثق بحصول ما يقابل الثمن، وهو المتصف بالوصف
~~الأحسن، فيكون غررا.
# وإن كان ذلك جهلا من حيث عدم تعيين الوصف أيضا، فكل ms059 جهل بالصفة التي
~~تختلف باختلافها القيمة، يكون جهلا من جهة عدم التعيين، وغررا من حيث لا
~~يوثق بحصول ما يقابل الثمن.
# فمجهول الصفة وإن كان فيه الغرر أيضا، إلا أنه من جهة عدم الوثوق بحصول
~~ما على الوصف الأحسن.
# وعلى هذا: فما كان مجهول الصفة عند المشتري خاصة، ولكن كانت القيمة التي
~~اشتراه بها مما يقابل الوصف الأدون، لا يكون فيه غرر، بل يكون جهلا خاصة،
~~وهو كذلك، هذا.
# ولا يخفى: أنه لا يؤثر علم البائع، أو المشتري بكونه في محل الخطر ورضاه
~~به، لأن نهى الشارع عام شامل الصورة العلم، ولا عجب أن ينهى الشارع عن
~~الرضا بجعل المال في معرض الخطر، أو شراء ما في معرض الخطر مع العلم به،
# PageV00P097
# كما في الإسراف، وإتلاف المال عبثا.
# نعم لو لم يكن خطرا، بل علم الواقع واشتراه بالقيمة الأعلى، أو باعه
~~كذلك، كان صحيحا، لعدم كونه غررا لغة وعرفا.
# ومنع عموم (1) الغرر في الرواية - كما يظهر من الشهيد في شرح الإرشاد (2)
~~- مبني على الخلاف في أن عموم لفظ الحكاية من الراوي (3) هل يكفي في إثبات
~~العموم أم لا؟ والحق كفايته في مثل ذلك الموضع، كما بيناه في الأصول (4).
# وكذا لا يؤثر عدم التلف في الواقع، فلو ظهر (5) بعد المبايعة تساوي الثمن
~~والمثمن، أو القدرة على التسليم لم يفد، لتحقق الغرر، وهو احتمال التلف
~~احتمالا مجتنبا عنه في العرف حال البيع، فيشمله النهي.
# قال الشهيد في قواعده: أما لو باع صبرة بصبرة، فظهر تماثلهما في القدر،
~~متجانسين أو متخالفين، أو تخالفهما متخالفين، ولم يتمانعا، قال الشيخ -
~~رحمه الله - بجوازه، والأقرب منعه، للغرر الظاهر حال العقد (6).
# ثم إذا كان في المبايعة مصلحة أخرى توجب انتفاء اللوم عرفا، وإن كان أحد
~~العوضين في محل الخطر، فهل ينتفي الغرر أم لا؟
# الظاهر: الثاني، لأن بيع الغرر المنهي عنه ما دخل لأجله المال في معرض
~~الخطر، ووجود مصلحة أخرى لا يخرجه عن كونه غرر أو خطرا، فيشمله النهي، إلا
~~إذا كانت تلك المصلحة مما يوجب ms060 عدم تلف ذلك
# PageV00P098
# المال، كما في شراء العبد الآبق لمن كان عليه كفارة وأراد عتقه، فإنه لا
~~يعد غررا.
# فلولا النهي الصريح المطلق في الأخبار من شراء العبد الآبق بلا ضميمة،
~~لما حكمنا ببطلانه في مثل ذلك الموضع.
# ثم إن خطر كل شئ بحسبه، فلا تفاوت في شراء عصفور في الهواء بنصف درهم، أو
~~شراء عبد تركي آبق بألف دينار لأن خطر كل شئ بحسبه.
# هذا، وهل ينتفي الغرر مع ظن عدم التلف، أو يلزم في انتفائه العلم بعدمه
~~ولو عاديا؟.
# الظاهر: أن الظن إن كان من أمارة معتبرة عرفا، يكفي في انتفائه، إذ معه
~~لا يسمى خطرا أو إشرافا على الهلاك عرفا، ولا يلام على تركه في العرف.
# والحاصل: أن الغرر يتحقق احتمال مع التلف احتمالا يلتفت إليه عادة، فإذا
~~كان الظن بحيث يعتبره أهل العرف، ولا يلتفتون إلى احتمال خلافه، يكون
~~كافيا.
# وكذا ينتفى الغرر باشتراط الخيار لولا الوصف الرافع للغرر فيه، لعدم صدق
~~الغرر عرفا، فهو إنما يكون في البيع اللازم، أو ما شرط فيه الخيار من غير
~~هذه الجهة.
# واعلم أن ما ذكر من بطلان بيع الغرر، قاعدة كلية ثابتة من الشارع، وهي
~~كسائر القواعد تقبل التخصيص، فلو ثبت من الشارع تجويزه في موضع خاص، يحكم
~~بالجواز، وعلى الفقيه الأخذ بالقاعدة، والتفحص من جزئيات المسائل.
# هذا، وقد يدخل كل بيع فيه احتمال عدم تحقق المبايعة، أو تحقق النزاع بين
~~المتبايعين في بيع الغرر. وكذا بيع كان فيه جهالة وإن ثبت من الشرع جوازه،
~~أو وقع الخلاف فيه. ولذا ذكر العلامة في التذكرة: بيع الفضولي، والغاصب،
~~وبيع PageV00P099
# الشاة المذبوحة، وأمثالها في باب بيع الغرر (1). وفي التحرير ذكر في هذا
~~الباب أيضا: بيع المكره (2). وفى دخول بعضها في بيع الغرر خفاء.
# وأنت بعد ما ذكرناه من معنى الغرر وموارده، تقدر على معرفة مواضعه، و ما
~~يبطل بسببه وما لا يبطل. والله الموفق.
# PageV00P100
# عائدة (9) في معنى الملكية والمملوكية الملكية والمملوكية (1): صفتان،
~~رابطتان، وجوديتان، نفس الأمريتان، فلا يمكن ثبوتهما إلا ms061 لموضع متحقق.
# فإن ثبتا واقعا، يكفي ثبوت الموضوع في الواقع، ولا يلزم فيه الوجود
~~الخارجي، كما إذا قال الشارع: الخمر نجس، ولم يكن حين التكلم خمر موجودا في
~~الخارج، أو العنب حلال، ولم يكن العنب موجودا حينئذ.
# فإن المراد: إثبات الحلية والحرمة واقعا لهاتين الماهيتين الواقعيتين،
~~ومرجعه إلى الحكم: بأنه لو وجد هذا الموضوع في الخارج، لوجدت فيه تلك
~~الصفة.
# فالمتحقق قبل وجود الموضوع في الخارج هو هذا الحكم الشرطي، و محل هذا
~~الحكم هو الموجود الذهني، فحكم عليه بأنه لو وجد في الخارج، لوجدت معه هذه
~~الصفة فيه خارجا.
# وبعد وجوده توجد فيه الصفة، لأجل جعل الشارع إيجاد هذا الحكم الشرطي لهذا
~~الموجود الذهني على النحو المقرر والشرائط المعلومة، علة و سببا لتحقق هذا
~~الحكم الخارجي بعد وجود الموضوع فيه.
# PageV00P101
# وهذا هو المراد من الثبوت الواقعي للحكم، بل موضوعه، وليس مبنيا على ثبوت
~~المعدومات.
# وإن وجدت الصفة في الخارج، فلا بد من وجود الموضوع خارجا أيضا، لامتناع
~~قيام الموجود بالمعدوم.
# ويجب على التقديرين تعيين الموضوع، وامتيازه من غيره، لامتناع قيام الصفة
~~المعينة الواقعية أو الخارجية بغير المعين، إذ غير المعين لا ثبوت له و لا
~~وجود، لا خارجا ولا ذهنا.
# وأما ما ترى: من ثبوت المطلوبة لأحد الشيئين أو الأشياء في الواجب
~~التخييري، فهي ثابتة لكل منهما أو منها معينا، لأن هذه المطلوبية: هي
~~المطلوبية التخييرية، وهي ثابتة لكل واحد معين منها، لأن معناها: مطلوبية
~~هذا الفرد بخصوصه إن لم يأت بالآخر، ومطلوبية الآخر إن لم يأت بالأول، وهذه
~~الصفة ثابتة لكل منهما عينا.
# وكذا ما ترى: من ثبوت مطلوبية هذا بشرط كذا، أو ذاك بشرط كذا في الواجب
~~المشروط، فإنها ثابتة لكل منهما معينا، لأن هذه (المطلوبية هي) (1)
~~المطلوبية المشروطة، وهي ثابتة لكل واحد منهما معينا.
# وأما المملوكية: فلم يثبت لها في الشريعة هذان القسمان، أي التخييرية و
~~المشروطة، بل الثابت منها ليس إلا العينية المنجزة.
# ولازم ذلك: عدم جواز الترديد فيها، لامتناع تعلقها بغير المعين في الواقع ms062
~~و نفس الأمر، بل يلزم كون ما يتعلق به صفة الملكية معينا في الواقع ونفس
~~الأمر.
# ولكن لا يجب كون تعيينه بالجزئية الحقيقية، بل يلزم فيه التعيين، سواء
~~كان موجودا خارجا متعينا، أي جزئيا حقيقيا، أو ماهية كلية معينة ممتازة عن
~~غيرها بفصولها المميزة.
# PageV00P102
# وعلى هذا: فلما كان البيع إثبات ملكية شئ للمشتري، فإن تعلق بالموجود
~~الخارجي حال البيع، يجب تعيينه خارجا كهذا الشئ المعين، وإن تعلق بالماهية
~~والنوع، يجب تعيينها في نفسها، فلا يصح بيع أحد هذين الشيئين، أو أحد هذين
~~النوعين.
# نعم لما كان البائع مأمورا بالإقباض والتسليم، وهو لا يمكن في الماهيات
~~إلا بتسليم الفرد، فيكون تسليم الفرد واجبا عليه في الثاني من باب المقدمة
~~وجوبا تخييريا.
# ولا يتوهم: أنه إذا باع أحد هذين من الفردين، أو أحد هذين النوعين، يكون
~~موضوع البيع ومحل الملكية أمرا كليا معينا، وهو القدر المشترك بينهما،
~~فيكون البيع صحيحا.
# لأن المراد بهذا القدر المشترك الذي صار موضوعا للبيع والملكية، إن كان
~~هو مفهوم أحدهما، فهو أمر جعلي اعتباري، وليس له وجود، لا في الخارج ولا في
~~الواقع، فلا يمكن كونه موضوعا لهذه الصفة الواقعية النفس الأمرية، و لا
~~يمكن للبائع جعله محلا لهذه الصفة.
# وإن كان المراد هو الكلي الذي يجمعهما، وهما من الأفراد الواقعية له،
~~فيلزم عدم لزوم تسليم أحد هذين الفردين، بل جاز تسليم فرد آخر من أفراد هذا
~~الكلي على فرض وجوده، كما هو شأن بيع الأنواع والأجناس، وهو خلاف مقصود
~~المتبايعين، فتعين كون البيع فاسدا.
# والتوضيح: أنه كما عرفت لا بد للملكية من موضوع، وهو لا بد وأن يكون أمرا
~~واقعيا يمكن تحققه في الخارج. وكما أن الأعيان الخارجية والجزئيات الحقيقية
~~أمور موجودة متأصلة متحققة، فكذا الكليات، لا بمعنى أنها موجودة خارجا بوصف
~~الكلية، بل على نحو وجود الكليات، كما بيناه في شرح تجريد الأصول وغيره
~~(1).
# PageV00P103
# فإن كل أحد من العوام والخواص، يعلم أن بين أفراد الإنسان مميزات تميز
~~بعضها عن بعض، وقدرا مشتركا بينها ليس بين ms063 فرد منها وبين أفراد البقر
~~والفرس، وصار ذلك الجامع سببا لحكم كل أحد بمناسبه، وتطابقا وتوافقا بين
~~تلك الأفراد. ليس بينها وبين أفراد سائر الحيوانات.
# ولا شك: أن هذا القدر المشترك أمر موجود، إذ يعلم كل أحد أن بين تلك
~~الأفراد أمرا وجوديا مميزا كلا منها عن فرد نوع آخر. ويعلم أنه مركب من هذا
~~القدر والمشترك، ومن المميز، ولا يتركب الموجود من الموجود والمعدوم.
# ولكن ليس كل لفظ يشبه لفظ الكليات كليا متحققا، بل لا بد من الوجود
~~الخارجي لولا اعتبار معتبر وانتزاع منتزع (1)، ولا شك أن أحد هذين ليس شيئا
~~متحققا بينهما، يتركب كل منهما منه ومن أمر آخر، ويكون مميزا لكل منهما عن
~~سائر الأشياء، بل هو محض جعل واعتبار.
# وقد صرح بذلك المحقق الشيخ علي في شرح القواعد.
# قال رحمه الله: قوله: ولو قال، بعثك صاعا من هذه الصيعان، مما تماثل
~~أجزاؤها، صح، ولو فرق الصيعان وقال: بعتك أحدها، لم يصح.
# والفرق بين الصورتين: أن المبيع في الثانية واحد من الصيعان المتميزة
~~المتشخصة غير معين، فيكون بيعه مشتملا على الغرر، وفي الأولى المبيع أمر
~~كلي غيره متشخص، ولا يتميز بنفسه، ويتقوم بكل واحد من صيعان الصبرة، و يؤخذ
~~به.
# ومثله: ما لو قسم الأرباع، وباع ربعا فيها من غير تعيين، ولو باع ربعا
~~قبل القسمة، صح، ونزل على واحد منها مشاعا، لأنه حينئذ أمر كلي.
# فإن قلت: المبيع في الأولى أيضا أمر كلي.
# قلنا: ليس كذلك، بل هو واحد من تلك الصيعان المتشخصة منهم، فهو
# PageV00P104
# بحسب صورة العبارة يشبه الأمر الكلي، وبحسب الواقع جزئي غير مت عين و لا
~~معلوم.
# والمقتضي لهذا المعنى: هو تفريق الصيعان، وجعل كل واحد برأسه، فصار إطلاق
~~أحدها منزلا على شخص منها غير معلوم، فصار كبيع أحد الشياة، وأحد العبيد.
~~ولو أنه قال: بعتك صاعا من هذه شائعا في جملتها، لحكمنا بالصحة (1).
# انتهى كلامه رفع مقامه.
# هذا كله إذا قلنا بوجود الكلي الطبيعي، كما هو الحق المقطوع به، كما
~~أشرنا إليه. ms064
# وإن أبيت عنه، وقلت بعدم ثبوت وجوده، فلك أن تقول: إنا نقطع بعدم ثبوت
~~الملكية لغير ما يمكن تحققه، فلا يحكم بتحققها إلا للجزئيات الحقيقية.
# نعم، لما ثبت بالإجماع والأخبار في باب السلم، وبيع الصبرة، والغصب، و
~~أمثالها ثبوتها في ما يقال: إنه كلي، فيقتصر في هذا الحكم على المتيقن. ولم
~~يعلم جواز تعلقها بمثل: أحد هذين الشيئين.
# ولا يتوهم: أن إثبات الكلية في الأمر الكلي يتوقف على وضع الألفاظ الكلية
~~للكلي أيضا، لأن تحقق الكلي واقعا، وإرادته من لفظ لا يتوقف على الوضع
~~الحقيقي له.
# وظهر مما ذكرنا: أن بيع الكليات وجعلها أثمانا لا يوجب جهالة، لإمكان
~~إثبات الأحكام لها، ولتعينها واقعا وظاهرا.
# نعم إذا كان بين أفراد كلي تفاوتا بينا، يجب تعيين الصنف فرارا عن الغرر،
~~دون الجهالة (2).
# وهنا موضع اشتباه كثير لكثير من الفقهاء، فيستدلون على فساد بيع شئ بعبد
~~بجهالة العبد، مع أنه أمر كلي لا جهالة فيه، كبيعه بدينار مثلا، فإنه كما
~~أنه
# PageV00P105
# لا جهالة في الدينار، كذلك لا جهالة في العبد، فإن كلا منهما أمر كلي
~~واقعي.
# نعم لما كان بين أفراد العبد تفاوتا كثيرا موجبا لحصول الغرر، أوجب فساد
~~البيع، بخلاف الدينار.
# ويظهر الفائدة في العقود التي لم يثبت فيها الفساد بالغرر، فإنه لا يحكم
~~فيها بالبطلان إذا وقعت على الكليات مطلقا، إلا بدليل.
# ولذا ورد في الأخبار صحة صداق عبد، وخادم، وبيت، وأنه يرجع فيها إلى
~~الوسط (1). وغلط من رد الحديث: بأنه موجب للجهالة (2). فإنه لا جهالة فيه،
~~بل فيه الغرر، ولم يثبت فساده في الصداق.
# مع أنه على فرض ثبوت فساد الغرر في الصداق أيضا لا يوجب رد الحديث، لأن
~~إيجاب الغرر للفساد ليس عقليا كالجهل، بحيث لا يمكن التخلف عنه، فيكون ذلك
~~من باب التخصيص.
# بل لو كان عقليا أيضا كما في الجهل، يمكن التوجيه أيضا، فنقول: فيما إذا
~~فرض ورود حديث على صحة بيع أحد العبيد، وأنه يرجع إلى أسنهم أو أصغرهم
~~مثلا، فإن هذا موجب لرفع الجهالة، ويثبت ms065 منه أن بيع أحد العبيد بيع أسنهم
~~أو أصغرهم بالشرع، فلا جهالة ولا غرر.
# نعم يشكل فيما لو ورد حديث في أنه يصح بيع أحد الأشياء من دون تعيين
~~المرجع في الحديث، واللازم حينئذ الحكم بصحة البيع التخييري أيضا كالوجوب
~~التخييري.
# فيقال: البيع على قسمين: معين ومخير، والبيع المخير: هو ما تعلق البيع
~~بكل منهما على سبيل التخيير، كما في الواجب التخييري.
# PageV00P106
# ولكن لما لم يثبت ذلك في البيع، وهو وأمثاله أمور توقيفية، وما ثبت جوازه
~~لا معنى لتعلقه بغير المعين عقلا، فيحكم بفساد بيع المجهول، ولذا قد يحكم
~~بالصحة في بعض العقود، كما يقولون في الإجارة إذا آجره: أنه إن خاط كذا فله
~~كذا، وإن خاط كذا فله كذا، ومرجعه إلى الإجارة التخييرية، فالمناط أولا هو
~~الأصل المتوقف رفعه على التوقيف.
# فيقال في البيع مثلا: إن الثابت من البيع هو البيع التعييني الذي هو
~~المتبادر منه وحقيقته، فإنه ليس بيع الشئ تخييرا بيعا في الحقيقة، كما أن
~~الواجب التخييري ليس بواجب حقيقة، وهو لا يمكن تعلقه بالمجهول، وما يمكن
~~تعلقه به في الجملة وهو البيع التخييري، لم يثبت من الشرع.
# ثم بما ذكرنا ظهر: سر ما ذكره الفقهاء من فساد البيع بجهالة أحد العوضين،
~~ولكن ذلك مختص بما كان غير معين في الواقع وعند المتبايعين، كأحد هذين
~~الشيئين. وأما ما كان معينا في الواقع، مجهولا عند أحدهما أو كليهما، فلا
~~يثبت فساده بذلك، بل بدليل آخر.
# وتوضيحه: أن الجهالة الداخلة في البيع إما تكون في الثمن أو المثمن، وعلى
~~التقديرين إما تكون واقعا، أي: لا يكون المبيع أو الثمن معينا في الواقع
~~أيضا، نحو: أحد هذين الشيئين، حيث إن تعين كونه مبيعا يتوقف على قصد
~~المتبايعين، ولا يمكن تعيينه من هذه الحيثية إلا به، ولا قصد لهما على
~~التعيين.
# أو يكون ظاهرا، أي: لا يكون معلوما بخصوصه عند المتبايعين أو أحدهما و إن
~~تعين في الواقع، نحو: بعت ما في هذا الصندوق.
# وعلى التقادير الأربعة: إما يكون الجهل في ms066 المقدار، أو الجنس أو الوصف.
# وعلى التقادير: إما يوجب الجهل به الغرر أم لا. PageV00P107
# فهذه أربع وعشرون صورة (1).
# ويبطل البيع فيما يتضمن الغرر فيها بالنهي عن بيع الغرر كما مر (2)، وهو
~~في اثنتي عشر صورة.
# وفيما كان الجهل بحسب الواقع مطلقا، لما سبق من توقف بثبوت الملكية على
~~التعيين في الواقع، وهو في ست صور من الصور الباقية.
# ويبطل أيضا فيما كان بحسب القدر إن كان مما يعلم قدره بالكيل أو الوزن أو
~~العد - إلا بما يتسامح به عادة - بالأخبار (3)، وأكثرها وإن كان واردا في
~~المثمن، إلا أنه يتم في الثمن بعدم القول بالفصل بين الثمن والمثمن بين
~~جميع أصحابنا قطعا.
# وبه صرح العلامة في التذكرة أيضا، قال: لا فرق بين الثمن والمثمن في
~~الفساد بالجزاف عندنا (4).
# ويمكن شمول بعض الأخبار لهما أيضا كما رواه العلامة في التذكرة: من أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نهى عن بيع الطعام مجازفة (5).
# وما في مجمع البحرين: من قولهم عليهم السلام: " لا تشتر لي شيئا
# PageV00P108
# من مجازف " (1).
# وضعف سندهما بعد الشهرة العظيمة غير ضائر، كتخصيص الأول بالطعام، لعدم
~~الفصل.
# وفى رواية حماد بن ميسر، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: " أنه كره أن
~~يشتري الثوب بدينار غير درهم، لأنه لا يدري كم الدينار من الدرهم " (2).
# بقيت صورتان أخريان: وهما ما كان الجهل في الجنس أو الوصف عند المتبايعين
~~أو أحدهما، ولم يكن فيه غرر، وهو في صحة البيع غير مضر.
# وقد تلخص مما ذكرنا: أن الجهل الداخل في البيع إنما يفسده إذا كان بأحد
~~الوجوه الثلاثة:
# الأول: أن يكون بسبب عدم تعين المبيع أو الثمن في الواقع.
# والثاني: أن يكون موجبا للغرر.
# والثالث: أن يكون أحد العوضين مكيلا أو موزونا أو معدودا ولم يتعين قدره.
# وأما ما سوى ذلك من أقسام الجهل المذكورة، فلا دليل على كونه مبطلا، سواء
~~كان في الجنس أو الوصف، وسواء كان الجنس المجهول حاضرا مشاهدا عند البيع،
~~كبيع جنس حاضر، مردد عند المتبايعين أو أحدهما بين أنه ms067 هل هو الهليلج مثلا
~~أو الأملج (3)، مع فرض تساوي قيمتهما، وكون المشترى طالبا لهما.
# PageV00P109
# أو كان مشاهدا قبل البيع، مثل أن يكون لشخص هليلج وأملج ورآهما أحد، وتلف
~~واحد منهما، ولم يعلم المشتري أو مع البايع أيضا التالف بعينه، فيشتري
~~الموجود من غير حضوره.
# أو لم يكن مشاهدا أصلا، بل كان معلوما بالوصف، مثل أن يكون هليلج و أملج
~~لزيد، وذكرهما بالوصف لعمرو، وتلف أحدهما ولم يعلم التالف بعينه، وأريد بيع
~~الموجود، فالبيع في الكل صحيح ما لم يكن فيه غرر.
# وما قاله العلامة في التذكرة: من أنه لا بد من ذكر جنس المبيع أو مشاهدته
~~عند علمائنا أجمع (1). فهو - مع كونه ظاهرا فيما يستلزم الغرر، حيث يستدلون
~~عليه بأنه لولاه لزم الغرر - لا يدل على أزيد من مشاهدته، أو ذكره لوصفه
~~ولو كان معه غيره أيضا، وفى كل من الصور الثلاثة يصدق ذكر الجنس المبيع أو
~~مشاهدته. هذا مع ما في الإجماع المنقول من الوهن وعدم الحجية.
# وقد صرح نفسه فيه: بأنه لو رأى ثوبين متحدين قدرا ووصفا وقيمة، ثم سرق
~~أحدهما، ولم يعلم المسروق بعينه، يجوز بيع الباقي وإن لم ير ثانيا (2).
# ثم إن هذا الذي ذكرناه هو القاعدة الكلية. وقد يستفاد من الأخبار في
~~الموارد الجزئية: حكم آخر من الصحة، أو الفساد، فيتتبع حينئذ. هذا حكم عقد
~~البيع.
# وأما سائر العقود المملكة، كالإجارة، والصلح، والهبة، وأمثالها، فهي أيضا
~~كالبيع في البطلان بالجهل إذا كان بحسب الواقع، أي: كان متعلق العقد مجهولا
~~واقعا، كالصلح على أحد هذين الشيئين.
# وأما في غير تلك الصورة، فليس حكم سائر العقود حكم البيع كليا، بل قد
~~يختلف، كما في الصلح، وتحقيقه في جزئيات الفروع.
# PageV00P110
# عائدة (10) في تعلق المعاملة بالمعدوم المعدوم: إما يمتنع وجوده وتحققه
~~في الخارج، إما بعينه أو بوصفه، فيمتنع بيعه. ومنه: بيع أحد هذين الشيئين
~~غير معين، لامتناع وجود غير المعين مع وصف عدم التعيين.
# أو يمكن تحققه ووجوده، فإن كان يوجب الغرر، فالأصل عدم صحة بيعه على ما
~~مر، ms068 وإن لم يوجبه، فالأصل فيه أيضا عدم الصحة بمقتضى الأخبار الصريحة
~~الدالة على اشتراط المملوكية حال البيع في المبيع (1). وما لا وجود له بعد
~~ليس ملكا حينئذ.
# وقد يخرج عن هذا الأصل بدليل، كما في بيع السلم، وبيع المعدوم مع الضميمة
~~في بعض الموارد.
# فإن قلت، كيف يمكن بيع المعدوم، مع أن البيع نقل الملك، ولا ملك إلا في
~~الموجود؟
# قلت: اللازم في البيع تحقق النقل حال البيع، لا تحقق الملك حينئذ، لجواز
~~نقل الملك المتحقق غدا أو بعد شهر، اليوم، كما في نقل المنفعة في الإجارة،
# PageV00P111
# سيما إذا لم يكن مبدؤها متصلا بالعقد.
# والحاصل: أن البيع نقل الملك إلى الغير بالفعل، سواء كان الملك أيضا ملكا
~~فعليا، أو قويا مترقب الحصول.
# فيكون معنى بعتك حينئذ: أنى نقلت الآن الملك الذي يحصل لي بعد مدة كذا
~~إليك بعوض كذا.
# ثم بعد تحقق البيع يلزم عليه التحصيل من باب مقدمة التسليم الواجب عليه
~~حين حلول الأجل.
# ومن هذا يصح بيع ما في الذمة حالا أيضا وإن كان موجودا في الخارج، لكن لا
~~في ملك البائع، كبيع قفيز حنطة إذا لم يملكه البائع، فإنه أيضا نقل ملك
~~مترقب الحصول أو مقطوع الحصول بقصد البائع.
# وهذا أيضا أمر مخالف لأصل اشتراط الملكية الحالية، خرج عنه بالأخبار و
~~الإجماع. PageV00P112
# عائدة (11) في معنى الملكية والمالية وما يرادفهما معنى الملكية والمالية
~~وما يرادفهما من الألفاظ: معنى إضافي، لا يتحقق إلا مع وجود مالك ومتمول.
# وهذا المعنى الإضافي بحكم العرف والتبادر: عبارة عن اختصاص خاص و ربط
~~مخصوص، معهود بين المالك والمملوك، والمتمول والمال، موجب للاستبداد به،
~~والاقتدار على التصرف فيه منفردا، وما له ذلك الاختصاص المعهود بالنسبة إلى
~~شخص هو: الملك والمال.
# فمعنى الملكية والمالية، والملك والمال: معنى عرفي أو لغوي لا تتوقف
~~معرفته على توقيف (1) من الشرع، ولا على دليل شرعي، بل يجب فيها الرجوع إلى
~~العرف واللغة، كما هو الشأن في سائر الألفاظ التي لم تثبت لها حقائق شرعية.
# ولكن ثبوت ذلك (2) الاختصاص والربط ms069 لشئ بالنسبة إلى شخص، حتى يصدق عليه
~~عرفا أنه ملكه وماله لكونه أمرا حادثا متجددا، يتوقف على دليل.
# PageV00P113
# وذلك: كما أن امرأة زيد - مثلا - هي في العرف من ثبت أحقية بضعها لزيد
~~وله وطؤها، ولكن لا يكفي العرف في ثبوت هذه الأحقية والجواز، بل لا بد من
~~دليل عليه، فمعنى امرأة زيد، معنى عرفي أو لغوي، ولكن تحقق ذلك المعنى
~~العرفي أو اللغوي يحتاج إلى دليل.
# وكذلك وجوب شئ له معنى لغوي وعرفي غير محتاج في معرفة هذا المعنى إلى
~~توقيف من الشرع، ولكن تحقق الوجوب بالنسبة إلى شخص محتاج إلى التوقيف،
~~وكذلك غيره من الأحكام الشرعية والوضعية.
# والحاصل: أن الملكية من الأحكام الوضعية التي لا يحكم بها إلا بعد ثبوت
~~الوضع بدليل معتبر.
# ومن هذا ظهر: أن الأصل في الأشياء عدم الملكية، وأن كون شئ ملكا و مالا
~~مطلقا أو لأحد أمر مخالف للأصل، محتاج إلى الدليل المثبت له، لا بمعنى أن
~~حدوث ملكية هذا لذلك الشخص بعد كونه ملكا لغيره أمر مخالف للأصل، فإنه وإن
~~كان كذلك، بل كان مقطوعا به، بل ضروريا، ولكنه غير مقصود لنا هنا، بل هو
~~ليس حدوث الملكية، بل هو حدوث انتقال الملك (1)، بل بمعنى أن حدوث ملكية
~~هذا المال بعد عدم كونه ملكا، وثبوت اختصاصه بشخص بعد خلوه عن قيد الاختصاص
~~مطلقا مخالف للأصل، مسبوق بالعدم، فالمراد:
# أصالة عدم كونه ملكا. وهذا أيضا أمر ظاهر جدا لا خفاء فيه.
# مع أنه لو قطع النظر عن ذلك، فنقول: المفيد في الفقهيات هو أن إثبات
~~ملكية آحاد المكلفين، وإثبات الملكية لكل أحد أمر حادث مخالف للأصل.
# وبالجملة: أصالة عدم الملكية بهذا المعنى أمر ظاهر، وعليه بناء الفقهاء،
~~كما يظهر من مباحث: إحياء الموات والحيازة والاسترقاق وأمثالها، حيث لا
~~يحكمون بتملك شئ من المباحات إلا بعد وجود دليل عليه.
# PageV00P114
# قال بعض المتأخرين: الأصل عدم تملك شئ من المباحات إلا بعد وجود سبب
~~التملك، فإذا وجد السبب يتحقق الملك، وإلا فلا، لأصالة بقاء إباحته إلى أن ms070
~~يوجد سببه (1). انتهى.
# وهذا الأصل: تارة يكون مع عدم العلم بحكم الشارع بتملك هذا الشئ أصلا،
~~فيقال: الأصل عدم تملكه، وعدم حكم الشارع بكونه ملكا لأحد.
# وأخرى: يكون مع العلم بحكم الشارع بأنه يصير ملكا في الجملة، وشك في
~~سببه: إما بأن يعلم لتملكه سبب، وشك في شئ آخر أنه أيضا هل هو سبب لتملكه
~~أم لا؟ أو لم يعلم سبب بعينه، وعلى التقديرين: يحكم بأصالة عدم السببية بلا
~~خلاف (2).
# فليكن هذا الأصل نصب عينيك في كل مقام يحتاج فيه ثبوت حكم على ملكية شئ
~~لأحد، أو عدمها.
# والحاصل: أن الأصل في جميع الأشياء عدم كونه ملكا، وفي كل أمر عدم كونه
~~سببا للتملك، إلا إذا دل دليل على تملك شئ معين بسبب خاص، أو حصول التملك
~~في نوع من الأشياء بنوع من الأسباب.
# كما أنه ثبت من الشارع: تملك كل شئ فيه انتفاع من الأشياء المباحة التي
~~يجوز لكل أحد التصرف فيها، وليس عليها يد، بالأخذ والتصرف، دل عليه الإجماع
~~والأخبار، كصحيحة ابن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: " من أصاب
~~مالا أو بعيرا في فلاة من الأرض قد كلت وقامت وسيبها صاحبها مما لم يتبعه،
~~فأخذها غيره، فأقام عليها وأنفق نفقة حتى أحياها من الكلال ومن الممات، فهي
~~له، ولا سبيل له عليها، وإنما هي مثل الشئ المباح " (3).
# ورواية أبي بصير عن، أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " من وجد شيئا فهو له،
# PageV00P115
# فليتمتع به حتى يأتيه طالبه، فإذا جاء طالبه رده إليه " (1).
# ويؤيده رواية السكوني، عن أبي جعفر (عليه السلام) (2)، عن أبيه (عليه
~~السلام)، عن آبائه: " أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال في رجل أبصر
~~طائرا، فتبعه حتى سقط على شجرة، فجاءه رجل آخر فأخذه، فقال أمير المؤمنين
~~(عليه السلام): للعين ما رأت ولليد ما أخذت " (3).
# وإنما جعلناها مؤيدة، لعدم ثبوت عمومها، حيث إن لفظة " ما " يحتمل
~~المصدرية والموصولية المحضة، وهما لا يفيدان العموم.
# وتملك الطيور المباحة خاصة بالأخذ، بالمستفيضة من الأخبار، كصحيحة
~~البزنطي، عن أبي ms071 الحسن الرضا (عليه السلام)، وفيها، فقلت له: فإن هو صاد ما
~~هو مالك لجناحيه، لا يعرف له طالبا؟ قال: " هو له " (4).
# ومرسلة ابن بكير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " إذا ملك الطائر
~~جناحيه، فهو لمن أخذه " (5).
# ورواية إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها بعد
~~السؤال عن الطائر يقع على الدار فيؤخذ: " المستوي جناحاه، المالك جناحيه
~~يذهب حيث يشاء " قال: " هو لمن أخذه حلال " (6).
# ورواية السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " قال أمير
~~المؤمنين (عليه السلام): " إن
# PageV00P116
# الطير إذا ملك جناحيه فهو صيد وهو حلال لمن أخذه " (1).
# ورواية إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه [عليهما السلام] " أن عليا (عليه
~~السلام) كان يقول: لا بأس بصيد الطير إذا ملك جناحيه " (2) إلى غير ذلك.
# وكما (3) في تحقق السببية بالإحياء في الأراضي الميتة، وبالإحراز في
~~المياه المباحة، وبالاسترقاق في الرقاب بشرائطه، وبالحيازة في المعادن،
~~وبالغوص و الإخراج في بعض ما يخرج من البحر، وبالزراعة للنماء، إلى غير ذلك
~~من الموارد المتكثرة المتفرقة في كتب الأحاديث والفقه.
# ومما يمكن أن يتأيد به ورود الملكية وعروضها لجميع الأشياء إلا ما خرج
~~بالأدلة المستفيضة المصرحة بأن الدنيا وما فيها وما عليها لرسول الله (صلى
~~الله عليه وآله وسلم) والأئمة، بضميمة المصرحة بأن ما للأئمة فهو لشيعتهم
~~أو حلال لهم، إما مطلقا، أو بعد وضع اليد عليه.
# أما الأولى أي: المصرحة بأنها للرسول والأئمة عليهم السلام: فكرواية عمر
~~ابن يزيد، وفيها: " أو ما لنا من الأرض وما أخرج الله منها إلا الخمس يا
~~أبا سيار! إن الأرض كلها لنا، فما أخرج الله منها من شئ فهو لنا " (4)
~~الحديث.
# ورواية جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: " قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): خلق الله آدم وأقطعه الدنيا قطيعة، فما كان لآدم فلرسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، وما كان لرسول الله فهو للأئمة من آل محمد
~~" (5).
# ورواية محمد بن الريان، عن العسكري (عليه السلام): جعلت فداك ms072 روي لنا: أن
~~ليس لرسول الله من الدنيا إلا الخمس، فجاء الجواب: " إن الدنيا وما عليها
~~لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " (6).
# PageV00P117
# ومرسلة محمد بن عبد الله، قال: " الدنيا وما فيها لله ولرسوله ولنا، فمن
~~غلب على شئ منها فليتق الله، وليؤد حق الله، وليبر إخوانه " (1) الحديث.
# ورواية أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: " أما علمت أن
~~الدنيا و الآخرة للإمام؟ يضعها حيث يشاء، ويدفعها إلى من يشاء، جائز له ذلك
~~من الله " (2) الحديث، إلى غير ذلك.
# وأما الثانية: فكرواية يونس أو المعلى، عن أبي عبد الله (عليه السلام)،
~~وفيها: " وما كان لنا فهو لشيعتنا، وليس لعدونا منه شئ إلا ما غصب عليه "
~~(3) الحديث.
# ورواية داود الرقي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: "
~~الناس كلهم يعيشون في فضل مظلمتنا، إلا أنا أحللنا شيعتنا من ذلك " (4).
# ورواية حارث بن المغيرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، وفيها: " وكل من
~~وإلى آبائي، فهم في حل مما في أيديهم من حقنا، فليبلغ الشاهد الغائب " (5).
# ورواية معاذ بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: " موسع على
~~شيعتنا أن ينفقوا مما في أيديهم بالمعروف " (6) الحديث.
# وإنما جعلناها مؤيدة، لعدم تعين إرادة التملك المعهود من اللام في تلك
~~الأخبار، وعدم دلالة التحليل عليه أيضا.
# ومما يؤيده أيضا بل يثبته بعد ضميمة الانجبار بالشهرة: ما نقله الشيخ
~~الحر في الفصول المهمة، عن الصادق (عليه السلام): " وكل شئ يكون لهم - أي
~~للعباد - فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كله حلال بيعه وشراؤه وإمساكه
~~واستعماله
# PageV00P118
# وهبته وعاريته " (1).
# ولا شك أن تلك الأمور لا تتحقق إلا بعد التملك، فثبت منه ملكية كل ما فيه
~~جهة من جهات الصلاح.
# ثم إن ما ثبت فيه التملك بالتصرف في المباحات الأصلية، بل في جميع
~~الموارد الأخر أيضا إنما هو ما كان له جهة انتفاع مقصود عند العقلاء، وأما
~~غيره فلا، لظاهر الإجماع المنعقد على أن ما لا نفع فيه ليس ملكا لأحد. بل ms073
~~لاختصاص ما هو الحجة من أدلة التملك بما ينتفع به.
# أما الإجماع فظاهر.
# وأما صحيحة ابن سنان (2)، فلأن معنى المباح: الحلال، ولا بد في الحلية من
~~جهة انتفاع، فيكون حلالا، إذ المراد حلية نوع انتفاع منه.
# وسميت المباحات الأصلية مباحة (3) لأجل إباحتها لكل أحد (حيث إنه لا يد
~~لشخص مخصوص عليها، حتى يحرم لأجله التصرف والانتفاع على غيره، فتكون مباحة
~~لكل أحد) (4) ولولا ثبوت ذلك، فلا أقل من عدم ثبوت إطلاق المباح على غيره
~~وهو كاف.
# وأما رواية أبي بصير (5)، فلمكان قوله: فليتمتع به.
# وأما سائر المؤيدات، فهي وإن لم ينفع عمومها أو إطلاقها، ولكنها أيضا إما
~~مخصوصة باعتبار ذكر الحلية ونحوها، أو ظاهرة فيما ينتفع به.
# وأما المنقول عن الفصول المهمة (6)، فواضح.
# PageV00P119
# عائدة (12) في حكم ورود عام وخاصين إذا ورد عام مطلق، وخاصان مطلقان،
~~أحدهما يوافق العام في الحكم، و الآخر يخالف، وكانت النسبة بين الخاصين
~~عموما من وجه، ولم يكن مرجح، فالعمل في محل التعارض على العام المطلق.
# نحو: أكرم العلماء، وأكرم الفقهاء، ولا تكرم العالم الفاسق، فيتعارض
~~الأخيران في الفقيه الفاسق ولا مرجح، فيبقى عموم الأول خاليا عن المعارض،
~~لعدم العلم بشمول الأخير لمحل التعارض حتى يخصص به الأول.
# وأصالة بقاء الثالث على عمومه، حيث لا يعلم تخصيصه، فيخصص به الأول،
~~معارضة بأصالة بقاء الثاني أيضا على عمومه، فيمنع عن تخصيص الأول.
# وأيضا تخصيص العام بالخاص، حتى في مقام يكون دليل معارض للخاص لم يثبت.
~~وأصالة عدم تخصيصه خالية عن المعارض.
# ولا تعارضها أصالة عدم تخصيص الخاص في مقام المعارضة (1) مع الخاص الآخر،
~~لمنع جريان هذا الأصل مع وجود المعارض.
# PageV00P121
# عائدة (13) في حكم ورود لفظ يحتمل أمرين إذا ورد في حديث أو كلام آخر لفظ
~~احتمل كونه أمرا حتى يكون حقيقة، أو ماضيا بمعنى الإنشاء حتى يكون مجازا،
~~نحو: عد من الصلاة. أو احتمل كونه نهيا أو مضارعا بمعناه، نحو: لا يتكلم في
~~الكنيف. فهل يكون مجملا، أو يحمل على الأمر والنهى لأصالة الحقيقة؟
# الصواب: هو الأول، ms074 لأن معنى أصالة الحقيقة: أنه إذا كان لفظ له معنيان:
# حقيقي ومجازي، يحمل على الأول، وهاهنا هيئة كتبية (1) تحتمل لفظين، لو
~~كان أحدهما يكون حقيقة، ولو كان الآخر يكون مجازا، ولم يثبت أن الأصل في
~~تلك الهيئة ما هو بمعناه الحقيقي (2)، ولم يثبت هذا القدر من أصالة الحقيقة
~~(3).
# وتظهر الفائدة: على القول بكون الإخبار في مقام الإنشاء غير مفيد للوجوب،
~~بل لا يفيد إلا مطلق الطلب كما هو الحق.
# PageV00P123
# عائدة (14) في ورود لفظين مشترك وما له حقيقة ومجاز إذا ورد كلام فيه
~~لفظان: أحدهما مشترك بين معنيين، وللآخر (1) حقيقة و مجاز، ولم يجتمع أحد
~~معنيي الأول مع حقيقة الآخر، فهل يحمل على المعنى الآخر أم لا؟.
# نعم، لأن الأصل في الآخر الحقيقة، وبعد حمله عليها يكون قرينة معينة لما
~~يجتمع معه من معاني المشترك، ولولا ذلك لم تتحقق قرينة لفظية على تجوز،
~~لاحتمال إرادة مجاز مع القرينة يجامع حقيقة اللفظ (2).
# وكذا لو كانت هيئة اللفظ محتملة لوجهين لم يجتمع أحدهما مع المعنى
~~الحقيقي للفظ الآخر، كما فيما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): "
~~أنه نهى عن بيع الغرر " (3)
# PageV00P125
# فإنه يحتمل أن يكون الغرر: جمع غرة بمعنى العبيد والإماء، ولكن يكون
~~النهي حينئذ تجوزا، لعدم حرمة بيعهم. وأن يكون المراد به: الجهالة والخدعة،
~~ويكون النهي حقيقة حينئذ، فتعين الثاني، لأن الأصل في النهي الحقيقة.
~~PageV00P126
# عائدة (15) في حكم الشرط في ضمن العقد اعلم أن من مهمات مسائل الفقه:
~~مسألة الشرط في ضمن العقد. وقد تداول ذكره في كتب الفقهاء وألسنة العلماء،
~~ويترتبون عليه أحكاما كثيرة:
# كثبوت الخيار بالشرط، وسقوطه به فيما ثبت شرعا، وإلزام المكلفين ببعض
~~الأمور المباحة، باشتراطه في ضمن العقد اللازم، ونحو ذلك.
# فلا بد من تحقيقها وتنقيحها، وذلك يكون برسم مباحث:
# الأول: في معنى الشرط.
# الثاني: في بيان لزومه وعدمه، وفي حكم العقد إذا لم يف المشروط عليه
~~بالشرط، أو تعذر الوفاء.
# الثالث: في بيان المراد من الشرط المخالف للكتاب والسنة، والمغاير لمقتضى
~~العقد، الذي حكموا بعدم ms075 لزومه.
# الرابع: في بيان حكم العقد إذا فسد الشرط.
# المبحث الأول: في بيان معنى الشرط في هذا المقام.
# اعلم: أن للشرط إطلاقات ثلاثة:
# أحدها: الشرط النحوي، وهو ما يدخله أحد أدواته. PageV00P127
# والثاني: الشرط الأصولي، وهو ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من
~~وجوده وجوده، وهو يكون مضافا إلى شئ لا محالة، كشرط الصلاة، و شرط اللزوم،
~~وشرط الوجوب، وغيرها.
# والثالث: الشرط اللغوي، وهو ما يلزم به الغير ويلتزم به، ومصدره: بمعنى
~~الإلزام والالتزام.
# قال في القاموس: الشرط إلزام الشئ والتزامه في البيع ونحوه كالشريطة (1).
~~الجمع: شروط.
# والمعنى الأول اصطلاح خاص (2) لا دخل له في المقام.
# وأما الثانيان: فكلاهما من المعاني العرفية، فيقال: شرط إكرام زيد مجيؤه،
~~وشرطت عليه أن لا يفعل كذا وشرطي عليه أن يفعل كذا.
# ويمكن أن يكون استعمال لفظ الشرط في (شرط ضمن العقد) باعتبار المعنى
~~الثاني، بناء على ما هو المشهور والمعروف منهم في مسائل البيع من أن بقاء
~~استمرار العقد ولزومه موقوف على أن يسلم الشرط لمشترطه، فإن لم يسلم له،
~~يفيد التخيير بين فسخ العقد المشروط فيه وإمضائه، سواء شرط ذلك في ضمن
~~العقد أيضا أم لا، فيكون الشرط مما ينتفي العقد بانتفائه.
# وهذا وإن لم يكن مجمعا عليه، بل ولا مشهورا في جميع العقود، ولكن يمكن أن
~~يكون الإطلاق بالاعتبار المذكور، وأطلق فيما لا ينتفي استمرار العقد
~~بانتفاء الشرط، أو أطلقه من لا يرى الخيار بعدم سلامة الشرط لمشترطه تطفلا
~~من باب التجوز.
# ويمكن أن يكون استعماله باعتبار المعنى الثالث، حيث إن كل ما يشترط في
~~ضمن العقد، فهو مما التزمه المتعاقدان، أو أحدهما في ضمن العقد، فيكون
# PageV00P128
# الشرط ملتزما به، سواء قدر بين المتعاقدين صيرورة ذلك الملتزم شرطا
~~بالمعنى الأول: أو لا.
# وظاهر كلام الأكثر - حيث قالوا بخيار الفسخ مع عدم سلامة الشرط (1) - وإن
~~كان إرادة المعنى الأول، ولكن استدلالهم في هذا المقام، بمثل قوله (عليه
~~السلام):
# " المؤمنون عند شروطهم " (2) في جميع موارد هذه المسألة يوافق إرادة
~~الثاني، لئلا يلزم ms076 استعمال المشترك في معنييه، أو حمل اللفظ على معنييه:
~~الحقيقي و المجازي، إلا أنه يمكن أن يكون نظر المستدلين إلى جواز هذين
~~الاستعمالين، هذا.
# وإنما جعلنا الشرط بناءا على المعنى الأول شرطا لاستمرار العقد دون أصله،
~~حتى يكون شرطا لتحققه، لأنه يكون تعليقا للعقد، ويرجع إلى أن حصول مدلول
~~الإيجاب والقبول معلق على حصول الشرط، وهذا غير جائز إجماعا، كما ثبت في
~~محله (3).
# المبحث الثاني: في حكم الشرط في ضمن العقد.
# ولا بد أولا من ذكر الأخبار المناسبة للمسألة، وما يستفاد منها، وهي
~~كثيرة:
# منها: صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:
~~سمعته يقول:
# " من اشترط شرطا مخالفا لكتاب الله عز وجل، فلا يجوز له، ولا يجوز على
~~الذي اشترط عليه، والمسلمون عند شروطهم فيما وافق كتاب الله جل وعز " (4).
# ومنها: صحيحته الأخرى عنه (عليه السلام)، قال: " المسلمون عند شروطهم،
~~إلا
# PageV00P129
# كل شرط خالف كتاب الله عز وجل، فلا يجوز " (1).
# ومنها: حسنة الحلبي عنه (عليه السلام)، قال: سألته عن الشرط في الإماء أن
~~لا تباع و لا توهب، قال: " يجوز ذلك غير الميراث، فإنها تورث، وكل شرط خالف
~~كتاب الله عز وجل فهو رد " (2).
# ومنها: مرسلة جميل، عن أحدهما عليهما السلام: في رجل اشترى جارية وشرط
~~لأهلها أن لا يبيع ولا يهب: قال: " يفي بذلك إذا شرط لهم " (3).
# ومنها: مرسلة أخرى عنه (عليه السلام): في الرجل يشتري الجارية، ويشترط
~~لأهلها أن لا يبيع ولا يهب ولا يورث، قال: " يفي بذلك إذا شرط لهم إلا
~~الميراث " (4).
# ومنها: موثقة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: " أن عليا
~~(عليه السلام) كان يقول: من شرط لامرأته شرطا، فليف لها به، فإن المسلمين
~~عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (5).
# ومنها: موثقة منصور بن يونس (6)، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام)
~~وأنا قائم: جعلني الله فداك، إن شريكا لي كانت تحته امرأة، فطلقها، فبانت
~~عنه، فأراد مراجعتها، فقالت المرأة: لا والله لا أتزوجك أبدا ms077 حتى تجعل الله
~~لي عليك أن لا تطلقني ولا تتزوج علي، قال: " وقد فعل؟! " قلت: نعم جعلني
~~الله فداك، قال: " بئس ما صنع، وما كان يدريه ما يقع في قلبه في جوف الليل
~~و
# PageV00P130
# النهار " ثم قال له: " أما الآن فقل له: فليتم للمرأة شرطها، فإن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: المسلمون عند شروطهم " (1) الحديث
~~(2).
# ومنها: صحيحة أبي العباس، عن الصادق (عليه السلام): في رجل يتزوج المرأة
~~ويشترط لها أن لا يخرجها من بلدها، قال: " يفي لها بذلك، أو قال، يلزمه ذلك
~~" (3).
# ومنها: رواية عمار بن مروان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال قلت:
~~جاء رجل إلى امرأة فسألها أن تزوجه نفسها، فقالت: أزوجك نفسي على أن تلتمس
~~مني ما شئت من نظر أو التماس، وتنال مني ما ينال الرجل من أهله، إلا أنك لا
~~تدخل فرجك في فرجي، وتتلذذ بما شئت، فأني أخاف الفضيحة، قال: " لا بأس، ليس
~~له ألا ما شرط " (4).
# ومنها: صحيحة محمد، عن أحدهما عليهما السلام: في الرجل يقول لعبده: أعتقك
~~على أن أزوجك ابنتي، فإن تزوجت أو تسريت عليها فعليك مائة دينار، فأعتقه
~~على ذلك، وتسرى أو تزوج، قال: " عليه شرطه " (5).
# ومنها: رواية (6) ابن أبي عمير، قال: قلت لجميل بن دراج: رجل تزوج امرأة
~~وشرط لها المقام بها في أهلها، أو بلد معلوم، قال: فقد روى أصحابنا عنهم
~~عليهم السلام: أن ذلك لها، وأنه لا يخرجها إذا شرط ذلك لها " (7).
# PageV00P131
# ومنها: حسنة هشام بن سالم، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "
~~عدة المؤمن أخاه نذر لا كفارة له، فمن أخلف فبخلف الله أبدا، ولمقته تعرض،
~~وذلك قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لم
~~تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون﴾ (1) "
~~(2).
# ومنها: حسنة شعيب بن يعقوب، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله وسلم): " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليف
~~إذا ms078 وعد " (3).
# ومنها: ما ورد من أن ثلاث خصال من خصال المنافقين: " إذا قال كذب، و إذا
~~وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " (4).
# ومنها: ما روته العامة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) من قوله:
~~" المؤمنون عند شروطهم إلا كل شرط خالف كتاب الله " (5) ومن قوله (صلى الله
~~عليه وآله وسلم): " المؤمنون عند شروطهم إلا من عصى الله " (6).
# ومنها: الروايات المستفيضة المصرحة بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) " قضى بأن من باع نخلا قد أبر، فثمرته للذي باع إلا أن يشترط المبتاع
~~" (7) إلى غير ذلك.
# وسنذكر بعض أخبار أخر مناسبة للمسألة في طي المباحث الآتية.
# ثم المستفاد من الصحيحة الأولى والثانية، وموثقتي إسحاق ومنصور، المتضمنة
~~لقوله (عليه السلام): " المسلمون عند شروطهم " وكذا المرويان من العامة:
# PageV00P132
# وجوب الوفاء بكل ما التزم به المسلم، إلا ما استثني.
# أما دلالتها على الوجوب، فلاستدلال الإمام به على وجوب الوفاء في موثقة
~~إسحاق - المتقدمة - فإنها تدل على أن قول رسول الله (صلى الله عليه وآله
~~وسلم) ذلك إنشاء للحكم، ومعناه: أن المسلمين يجب أن يكونوا ثابتين عند
~~شروطهم، لعدم صحة الاستدلال بدون ذلك، ولأنه المتبادر من استدلاله.
# ويدل على كونه جملة حكمية - أي: إنشائية لا خبرية وصفية - الاستثناء (1)
~~المذكور في أكثرها، فإن المؤمن لا ينبغي أن يشترط ما يخالف كتاب الله، حتى
~~يكون من صفته عدم الوفاء به. ومقتضى الوصفية أنه يشترط المخالف للكتاب،
~~لكنه (2) لا يفي به، وهو كما ترى.
# وأما إذا أريد منه الحكم، فلا حزازة فيه أصلا، مع أن المسلمين ليسوا كذلك
~~جميعا، بل هذا صفة القليل منهم، فلو كان خبرا، لزم الكذب أو خروج الأكثر.
# مضافا إلى أن قوله: " إلا من عصى الله " على تقدير إرادة الوصف: مستثنى
~~متصل من المؤمنين، ومقتضاه لزوم العصيان بمخالفة الشرط، وبه يثبت الحكم
~~المطلوب. وكذلك لو أريد به الحكم وجعل مستثنى منقطعا.
# وإن أريد به: إلا من عصى الله في الشرط، بأن شرط ما خالف الشرع، فهو أيضا
~~لا يناسب الوصف.
# وبهذا وإن ms079 ثبت كون الجملة إنشائية، إلا أنه بمجرده غير كاف في إثبات
~~الوجوب، كما قيل، بل لا بد من ضم ما ذكرنا من استشهاد الإمام، مع أن فهم
~~العلماء عصرا بعد عصر، في جميع أبواب الفقه، واستدلالهم بذلك على وجوب
~~الوفاء، أعظم شاهد على ذلك، ولم نعثر على من قدح في ذلك.
# وأما أن المراد بشروطهم: ما التزموه، فلأن ذلك معنى الشرط لغة، ولم يعرف
~~له معنى في اللغة إلا ذلك، والأصل عدمه.
# PageV00P133
# وأما ما ينتفي المشروط بانتفائه، فهو مما يستعمل فيه في العرف. فلو سلمنا
~~كونه حقيقة فيه، فهو حقيقة عرفية يقتضى الأصل تأخرها. مع أن كل ما ينتفي
~~المشروط بانتفائه فهو ملتزم في تحقق المشروط، فيمكن أن يكون المستعمل فيه
~~حين إرادته أيضا معنى الالتزام.
# هذا، مضافا إلى أن ما استشهد له به ليس إلا مجرد الالتزام، ولم يعلم
~~انتفاء المشروط الذي هو العقد بانتفائه، بل المعلوم عدم انتفائه في مقام
~~الاستشهاد. و كذا أكثر الأخبار المستعملة فيها لفظ الشرط.
# فإن قيل: المراد بالالتزام: ما جعله لازما على نفسه بوجه شرعي، فلا يفيد
~~فيما أنت بصدده من جعل ذلك سببا للزوم الشرعي.
# قلنا: المتبادر من الالتزام هو التعهد بذلك، مع أن استثناء ما خالف كتاب
~~الله لا يصلح لذلك أصلا، لأن ما كان كذلك لا يقبل اللزوم الشرعي، و كذا شرط
~~عدم الميراث في بعض الروايات ونحوه، فدلالة هذا الكلام على وجوب الوفاء
~~بالتزام شئ في ضمن العقد - الذي هو مقصودنا - مما لا إشكال فيه أصلا.
# ويدل عليه أيضا الأخبار الثلاثة الموجبة للوفاء بالوعد، فإن كل ما يلتزم
~~به أحد المتعاقدين في ضمن العقد وعد للآخر، فيجب الوفاء به.
# وكذا رواية عمار، وصحيحة محمد، والرواية الأخيرة، حيث دلت على أن مع
~~الشرط تكون الثمرة للمبتاع، وبضميمة عدم القول بالفصل يتم المطلوب في سائر
~~العقود وباقي الشروط.
# ومن ذلك يظهر إمكان الاستدلال بأخبار أخر وردت في موارد خاصة مذكورة في
~~مظانها.
# فإن قيل: لو تم ما ذكرت، لاقتضى وجوب الوفاء ms080 بكل ما يوعد ويلتزم به ولو
~~لم يكن في ضمن عقد، أو كان في ضمن العقد الجائز، والظاهر أنه لم يقل به
~~أحد. PageV00P134
# قلنا: نعم نحن نقول بوجوب الوفاء بكل وعد، وقد صرح به جماعة) 1). نعم لما
~~لم يكن وظيفة كتاب المكاسب إلا الشرط في ضمن العقد، فخصوا الكلام به.
# وأما الشرط في ضمن عقد الجائز: فهو ليس التزاما مطلقا، بل التزام على
~~تقدير بقاء مقتضى العقد، فكأنه التزام بالشرط، وهو لا يجب الوفاء به بدون
~~الشرط إجماعا، لأنه ليس التزاما حقيقة.
# والشرط في ضمن العقد اللازم وإن كان أيضا كذلك، إلا أنه لما لزم العقد،
~~فشرط الإلزام متحقق قطعا.
# ومما يدل على وجوب الوفاء بالشرط في ضمن العقد: أنه يصير جزءا من أحد
~~العوضين، فيصير لازما كسائر أجزائهما.
# أما أنه يصير جزءا من أحدهما، فلأنه ليس المراد بالعوض إلا ما وقع (2)
~~بإزاء معوضه، فإذا لم يرض أحد المتعاقدين بما يعطى عوضا عن متاعه إلا مع
~~هذا الشرط، فهو أيضا يكون جزءا مما هو بإزاء متاعه (3)، فيكون جزءا عن
~~عوضه.
# وأي فرق بين ما إذا باع فرسه مثلا بغنم وحمار، أو بغنم بشرط أن يعطيه
~~حمارا أيضا، أو بشرط أن يفعل له كذا؟
# وكونه منفعة غير ضائر (4)، لأن القدر الثابت أنه لا يجوز أن تكون المنفعة
~~في البيع ثمنا أو مثمنا إذا لم يكن بطريق الشرط، وأما معه، فلا دليل على
~~عدم جوازه، هذا.
# واعلم: أنه قد يستدل بهذه الأخبار على أصالة لزوم العقود أيضا (5)، وهو
~~محل نظر، لأن كل عقد وإن تضمن نوع التزام، ألا أن صدق الشرط لغة أو عرفا
~~على مثله غير معلوم.
# PageV00P135
# على أن غاية ما يسلم تضمنه من الالتزام له هو ما لم يفسخ العقد،
~~فالالتزام الذي يتضمنه، هو التزام لوازم العقد على تقدير عدم إرادة الفسخ،
~~وأما مطلقا، فلا. بل هو موقوف على ثبوت لزم العقد، بخلاف غيره من الشروط
~~المصرح بها، فإن الأصل عدم تقييدها بشرط وغاية.
# ومن هذا يظهر السر في الحكم ms081 بعد لزوم الوفاء بالشرط في ضمن العقد إذا بطل
~~العقد، أو انفسخ بالتقايل ونحوه.
# والحاصل: أن القدر الثابت المعلوم حصول الالتزام والشرط مع بقاء العقد،
~~وأما بدونه، فذلك غير معلوم. وعدم تقييد الشرط بذلك غير مفيد، لأن وقوعه في
~~هذا لتركيب كاف في احتمال التقييد، بل يصلح هو قرينة عليه.
# وإذ قد عرفت ذلك، فاعلم: أن الأصحاب اختلفوا في الشرط في ضمن العقد
~~اللازم على أقوال خمسة:
# الأول: وجوب الوفاء به على المشروط عليه، فإن امتنع المشروط عليه من
~~الشرط، أجبر عليه. وإن لم يمكن إجباره عليه، رفع أمره إلى الحاكم ليجبره
~~عليه، إن كان مذهبه ذلك، وليس لأحدهما بدون تعذر الشرط، الفسخ، إلا مع رضاء
~~الآخر، فإن تعذر ذلك، فحكمه حكم تعذر تحصيل الشرط، وهو ثبوت خيار الفسخ
~~للمشروط له.
# وذهب إليه جماعة، منهم شيخنا الشهيد الثاني في المسالك، وصاحب الكفاية
~~(1)، بل في السرائر والغنية: الإجماع عليه (2).
# الثاني: وجوب الوفاء به على المشروط عليه، وللمشروط له إلزامه وإجباره
~~أيضا إذا امتنع ولو بالترافع، وله الفسخ أيضا، وأما تعين الإجبار عليه،
~~وعدم جواز الفسخ بدون رضى المشروط عليه فلا (3).
# PageV00P136
# الثالث: وجوب الوفاء به على المشروط عليه، فإن امتنع، فللمشروط له الفسخ
~~دون الإجبار.
# وهو الظاهر من الدروس، قال: يجوز اشتراط سائغ في عقد البيع، فيلزم الشرط
~~من طرف المشروط عليه، فإن أخل به، فللمشترط له الفسخ. وهل يملك إجباره
~~عليه؟ فيه نظر (1). انتهى.
# الرابع: عدم وجوب الوفاء به على واحد منهما، وإنما قائدة الشرط: جعل
~~العقد عرضة للزوال عند فقد الشرط، ولزومه عند الإتيان به (2).
# الخامس: التفصيل المنسوب إلى الشهيد - رحمه الله - وهو أن الشرط الواقع
~~في العقد اللازم، إن كان العقد كافيا في تحققه، ولا يحتاج بعده إلى صيغة،
~~فهو لازم لا يجوز الإخلال به، كشرط الوكالة في عقد الرهن ونحوه.
# وإن احتاج بعده إلى أمر آخر وراء ذكره في العقد - كشرط العتق - فليس
~~بلازم، بل يقلب العقد اللازم جائزا (3).
# والحق هو الأول، أما وجوب وفاء المشروط عليه بالشرط، ms082 فلما مر من أدلة
~~وجوب الوفاء بالشرط.
# وأما عدم جواز الفسخ من أحدهما، فلكون العقد لازما على ما هو المفروض.
# فإن قيل: الأصل عدم انتقال كل من العوضين عن صاحبه إلى الآخر إلى أن يثبت
~~الانتقال، ولم يثبت الانتقال إلا في صورة تحقق الشرط، ولما امتنع المشروط
~~عليه، فيرجع المشروط له إلى ما له إن أراد.
# قلت: المفروض ثبوت إيجاب العقد للانتقال وثبوت لزومه. ولو كان عقد لم
~~يثبت كونه بنفسه مؤثرا، واحتمل اشتراط تأثيره، أو لزومه بأمر خارجي أيضا -
# PageV00P137
# كتحقق شرط، أو تسليم أحد العوضين - فهو خارج عن المفروض، ويسلم فيه ذلك.
# ومما ذكرنا ظهر دليل القولين: الثاني، والثالث، وجوابه.
# وأما الرابع، فحجته: الأصل، وضعف النصوص عن إفادة الوجوب.
# وجوابه مما مر ظاهر.
# واستدل الخامس: بأن اشتراط ما العقد كاف في تحققه - كجزء من الإيجاب
~~والقبول - فهو تابع لهما في اللزوم والجواز، واشتراط ما سيوجد أمر منفصل عن
~~العقد، وقد علق عليه العقد، والمعلق على الممكن ممكن.
# وأنت خبير بأن ذلك أيضا مخالف للعمومات، وأدلة اللزوم تشملهما جميعا.
# هذا كله إذا لم يتعذر الشرط، وأما إذا تعذر - كما إذا شرط تسليم الثمن في
~~يوم معين، ولم يؤده في ذلك اليوم - فظاهرهم في مسائل البيع: تخيير المشروط
~~له بين فسخ العقد وإمضائه، وذلك الذي سموه في جملة الخيارات: بخيار
~~الاشتراط، بل لم يعلم خلاف في ذلك.
# ولكن لم نقف على تصريح بذلك في مسائل النكاح، إلا في بعض صور التدليس.
# نعم صرحوا بانتفاء خيار الشرط فيه، وهو الخيار الحاصل بسبب شرط الخيار،
~~وهو غير الاشتراط الحاصل بسبب تعذر الشرط.
# ثم إنهم استدلوا على ثبوت الخيار: بأن ذلك هو مقتضى الشرط، وهو منظور
~~فيه، لأن هذا إنما يتم إذا كان مراد المتعاقدين من الشرط، الشرط الأصولي،
~~أي ما (1) ينتفي المشروط بانتفائه. وأما إذا أراد منه مجرد الإلزام و
~~الالتزام فلا.
# PageV00P138
# مع أن هذا لو تم للزم بطلان العقد، لأنه المشروط: لا خيار الفسخ. وجعل
~~المشروط: اللزوم لا وجه له.
# وقد يستدل ms083 على ثبوت الخيار أيضا: بأن التراضي في العقد على سبيل اللزوم
~~والاستمرار إنما وقع بهذا الشرط، ولم يعلم من الطرفين إخراج مالهما من
~~ملكهما على سبيل اللزوم إلا مع تحقق الشرط، فمع انتفائه لهما الرجوع إلى
~~مالهما.
# وفيه: أن الظاهر من العقد الرضى بالانتقال مع التزام الشرط، وقد تحقق
~~الالتزام، إذ لا يشتمل على غير ذلك. وأما الالتفات إلى عدم تحقق الشرط وعدم
~~الرضى معه، فالأصل عدمه، ولا يعتبر ذلك الاحتمال في شئ من العقود إجماعا.
# ولذا إذا اشترى أحد شيئا وقبضه، فتلف بعد ثلاثة أيام مثلا، لا يحصل له
~~خيار، ولا يقال: إنه لم يعلم إخراج ماله عن ملكه على سبيل اللزوم، إلا مع
~~عدم التلف في هذه المدة، مع أنه لو التفت إلى هذا الاحتمال، أو علمه حين
~~العقد، لم يرض بالشراء.
# والحاصل: أن الملتفت إليه في العقود من القصود إنما هو ما يستفاد من
~~اللفظ، فإذا دل لفظ على التراضي بالنقل مع التزام شئ، يحكم بالرضى مع ذلك
~~الالتزام، وأما أنه لو لم يتحقق ما التزم به، فهو أمر خارجي لا دخل له
~~بالعقد.
# وأي فرق بين هذا الشرط وبين ما إذا باع شيئا بشئ آخر، يسلمه المشتري بعد
~~مدة، ونقص قيمة ذلك الثمن عند التسليم نقصانا كثيرا، أو باعه بثمن إلى مدة،
~~ومات المشتري في تلك المدة، ونقل المبيع إلى غيره، ولم يخلف شيئا؟.
# وأما أصالة عدم التراضي إلا مع سلامة الشرط، فهي مدفوعة بما هو الظاهر من
~~اللفظ، وهو الرضى مع التزام الشرط، وقد تحقق. وهذا الظهور معتبر بالإجماع
~~القطعي، وإلا لم يسلم عقد لأحد.
# بل لو منع ظهور ذلك أيضا، نقول: يكفي الإجماع المقطوع به في ذلك.
~~PageV00P139
# وظهر من ذلك: أن مقتضى القاعدة، أصالة عدم الخيار مع تعذر الشرط أيضا.
~~وأنه لا إجماع عليه في جميع موارد الشرط وإن احتمل تحققه في بعض الموارد،
~~ولكنه خارج عن مطلوبنا هنا، فإنه إذا دل دليل من إجماع أو غيره على ثبوته
~~في بعض الموارد، يتبع ذلك. ms084
# والمقصود هنا: بيان الأصل، وأما ذكر حكم الجزئيات فبيانه في مطاوي الكتب
~~الفقهية.
# ثم إن ما ذكرناه إنما هو إذا لم يكن الشرط من باب التعليق، وأما إذا كان
~~منه - أي شرط تعليق اللزوم على أمر حين العقد - بأن يكون مقصود المتعاقدين
~~كون العقد متزلزلا موقوفا على إتيان المشروط عليه بالشرط باختياره، كأن
~~يقول: بعتك هذا بمائة درهم تعطيها في رأس الشهر، بشرط خيار الفسخ مع عدم
~~العطاء فيه، فلا كلام فيه وهو يرجع إلى شرط الخيار، ويجب الحكم به بمقتضى
~~العمومات، وليس من الخيار الناشئ من الاشتراط.
# فإن قيل تلك العمومات تعارض دليل لزوم العقد الذي يتضمن الشرط بالعموم من
~~وجه.
# قلنا: إذ لا ترجيح، فالأصل عدم اللزوم. فيثبت الخيار من هذه الجهة. هذا.
# ثم إن سأل سائل: أنه قد ذكرت أن الشرط في العرف يطلق على الإلزام
~~والالتزام، وعلى ما ينتفى المشروط بانتفائه، وعلى هذا، فإذا قال البائع
~~مثلا:
# بعتك هذا بدرهم بشرط أن تؤديه رأس الشهر، أو شرطت ذلك عليك، فيمكن أن
~~يكون المعنى: ألزمته، وأن يكون: جعلته مما ينتفى استمرار العقد بانتفائه،
~~فعلى أيهما يحمل؟
# قلنا: وإن كان كل منهما محتملا، إلا أن العقد يكون باقيا على لزومه إذ
~~إرادة كل من المعنيين بالنسبة إلى الأصل متساوية، وأصالة عدم وجوب الوفاء -
~~كما هو مقتضى الأول - معارضة مع أصالة عدم ثبوت الخيار، كما هو مقتضى
~~الثاني، فتبقى أصالة لزوم البيع باقية بحالها. PageV00P140
# مع أن الثاني لا يخلو عن وجوب وفاء أيضا، وهو وجوب الوفاء بمقتضى (1) شرط
~~الخيار. مضافا إلى أنه محتاج إلى تقدير الشروط، وهو أيضا خلاف الأصل.
# والحاصل أن مقتضي أدلة لزوم البيع، لزومه مطلقا خرج ما علم شرط الخيار
~~فيه بالدليل، فيبقى الباقي على اللزوم.
# تتمة قال الشهيد في قواعده: كل شرط تقدم العقد أو تأخر فلا اثر له، وقد
~~يظهر أثره في مواضع (2). وعد مواضع قليلة أقول مراده: أن الشرط الذي يعتد
~~به، هو الذي يذكر بين الايجاب والقبول، بحيث يكون جزء منهما.
# وقد ms085 يقال: إن المشهور ذلك، بل قيل: الظاهر عدم الخلاف في ذلك. (3) نعم،
~~يظهر من الشيخ في النهاية: الاكتفاء بما ذكر بعد العقد (4). وأوله السيد
~~محمد في شرح النافع على ما ذكر بعد الايجاب. (5) وهو بعيد غاية البعد،
~~وإبقائه على ظاهره لا ضير فيه.
# ويمكن أن يكون التخصيص بما بعد العقد، لأجل أن العقد الخالي عن الشرط،
~~المتأخر عن الشرط ظاهر في ندامتهما عن الشرط فلا يجب الوفاء به إجماعا.
# PageV00P141
# أو يكون ذلك مخصوصا بالنكاح، وقد دلت الاخبار على أن الشروط التي قبل
~~النكاح يهدمها النكاح (1)، فهي خارجة عن مقتضى الوفاء بالشرط بالدليل.
# ثم أقول ان مقتضى العمومات المتقدمة وجوب الوفاء بالشرط مطلقا، سواء كان
~~قبل العقد أو بعده بل لو لم يكن عقد أيضا، إلا فيما كان شرطا للخيار
~~المستلزم للعقد مقارنا للشرط (2) أو قبله أو بعده وقد خرج من ذلك ما كان
~~قبل النكاح بالإجماع، وأما غيره فلا دليل على خروجه، بل الأخبار الكثيرة
~~مصرحة بنفوذ الشرط بعد النكاح والتزويج.
# وتأويله إلى ما بعد الايجاب (3) تأويل بلا دليل. والاجماع على عدم تأثير
~~الشرط المتقدم أو المتأخر، أو المتقدم خاصة، كما قيل (4)، وغير ثابت، كيف
~~والشيخ مخالف في المتأخر! ويظهر من بعض آخر، التردد فيه أيضا (5).
# وقد وقع في كلام بعضهم لزوم الوفاء بالشرط، بما يشترط من غير تقييد
~~بالمقارن (6).
# وقد صرح جماعة بوجوب الوفاء بالوعد مطلقا (7)، وجعلوا الخلف معصية.
# ولا شك أن كل ما يلتزم به وعد.
# مع أنه لو ثبت إجماع على عدم (8) تأثير المتقدم أو المتأخر، فيمكن أن
~~يكون في جعل العقد متزلزلا عند الامتناع من الشرط أو تعذره، حيث إنهم
~~يستدلون عليه بصيرورته جزء العوض، أو بأنه موجب للشك في التراضي مطلقا،
~~وأمثال
# PageV00P142
# ذلك وهو كذلك.
# وبالجملة: مقتضى العمومات وجوب الوفاء بكل ما يلتزمه انسان لغيره ويعده،
~~ولم يظهر إجماع على خلافه، فيجب اتباعه، وإن كان لما وقع في ضمن العقد
~~لوازم ليس لغيره، كالتأثير في تزلزل العقد على وجه عند جماعة، وإيجابه
~~إبطال العقد في ms086 بعض الصور.
# المبحث الثالث: في بيان ما يجوز من الشرط وما لا يجوز وجملة ما ذكروا عدم
~~جوازه ووقع التعبير ب (غير الجائز) في عباراتهم أربعة الشرط المخالف
~~للكتاب والسنة.
# والشرط الذي أحل حراما، أو حرم حلالا.
# والشرط المنافى لمقتضى العقد.
# والشرط المؤدى إلى جهالة أحد العوضين أما الأول: فعدم الاعتداد به مجمع
~~عليه، وفى المستفيضة تصريح به (1) أما الأخبار الدالة على عدم الاعتداد
~~بشرط خالف كتاب الله، فقد مرت (2) وأما الدالة على عدم الاعتداد بما خالف
~~السنة:
# فمنها مرسلة ابن فضال، عن أبي عبد الله عليه السلام: في امرأة نكحها رجل،
~~فأصدقته المرأة واشترطت عليه أن بيدها الجماع والطلاق، فقال: " خالف السنة،
~~وولى الحق من ليس أهله " وقضى أن على الرجل الصداق، وأن بيده الجماع
# PageV00P143
# والطلاق، وتلك السنة (1) ومنها: رواية محمد ابن قيس، عن أبي جعفر عليه
~~السلام، وهي قريبة من سابقتها أيضا (2).
# ومنها: مرسلة مروان بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له:
~~ما تقول في رجل جعل أمر امرأته بيدها؟ قال، فقال: " ولى الامر من ليس أهله
~~وخالف السنة ولم يجز النكاح " (3).
# ثم المراد بشرط خالف الكتاب أو السنة: أن يشترط أي؟ يلتزم - أمرا مخالفا
~~لما ثبت من الكتاب والسنة عموما أو خصوصا، مناقضا له.
# والحاصل أن يثبت حكم في الكتاب (4) أو السنة، وهو يشترط ضد ذلك الحكم
~~وخلافه أي: يكون المشروط أمرا مخالفا لما ثبت في أحدهما سواء كان من
~~الأحكام الطلبية أو الوضعية وذلك كما أنه ثبت من الكتاب والسنة: أن أمر
~~المرأة ليس بيدها، فيشترط أن يكون أمرها بيدها، وثبت أن الطلاق بيد الزوج،
~~فيشترط أن لا يكون الطلاق بيده. وثبت أن الناس مسلطون على أموالهم فيشترط
~~أن لا يكون مسلطا على أمواله، أو على مال معين منه وثبت أن الخمر حرام
~~فيشترط أن يكون حلالا، وثبت ان المال المشتبه حلال فيشترط أن يكون مال
~~مشتبه حراما، وثبت أن النظر إلى زوجته حلال، فيشترط أن (لا يكون حلالا) (5)
~~وثبت أن المبيع ms087 للمشتري أو الثمن للبائع، فيشترطان لا يكون له، إلى غير
~~ذلك.
# وأما اشتراط أن لا يتصرف المشتري في المبيع مدة معلومة، فهو ليس مخالفا
# PageV00P144
# للكتاب أو السنة. إذ لم يثبت فيهما تصرفه، حتى يكون شرط عدم تصرفه شرطا
~~مخالفا لأحدهما، بل إنما ثبت جواز تصرفه، والمخالف له عدم جواز تصرفه، فإذا
~~اشترطه يكون باطلا.
# وأما اشتراط عدم التصرف، فهو ليس مخالفا للكتاب والسنة.
# فإن قلت: ثبت من الكتاب والسنة جواز التصرف فيما يشتريه، والشرط يستلزم
~~عدم جوازه، فهو أيضا مخالفا للكتاب والسنة.
# قلت: لا نسلم أن الشرط يستلزم عدم جواز التصرف، لأن المشروط هو عدم
~~التصرف دون جوازه.
# نعم: إيجاب الشارع للعمل بالشرط يستلزم عدم جواز التصرف، وليس المستثنى
~~في الأخبار شرط خالف إيجابه أو وجوبه كتاب الله والسنة، بل شرط خالف الشرط
~~الكتاب والسنة، والشرط هو عدم التصرف فإن قلت: هذا يصح إذا كان الشرط في
~~المستثنى بمعنى المشروط، وأما إذا كان بالمعنى المصدري حتى يكون المعنى:
~~(التزاما خالف كتاب الله والسنة) (1) فيكون شرط عدم التصرف أيضا كذلك، لأن
~~التزامه يخالف جواز التصرف الثابت من الكتاب والسنة.
# قلنا: لا نسلم أن التزام عدم التصرف يخالف جواز التصرف ما لم يثبت (وجوب)
~~(2) ما يلتزم به، هذا.
# وأما شرط فعل شئ ثبتت حرمته من الكتاب والسنة، أو ترك شئ ثبت وجوبه أو
~~جوازه منهما، فهو ليس شرطا مخالفا للكتاب والسنة، إذ لم يثبت من الكتاب
~~والسنة فعله أو تركه، بل حرمة فعله أو تركه. ولكن يحصل التعارض حينئذ بين
~~ما دل على حرمة الفعل أو الترك، وبين أدلة وجوب الوفاء بالشرط،
# PageV00P145
# فيجب العمل بمقتضى التعارض كما تأتي الإشارة إليه.
# وأما الثاني: أي الشرط الذي أحل حراما، أو حرم حلالا، فعدم الاعتداد به
~~أيضا منصوص عليه في موثقة إسحاق بن عمار المتقدمة (1)، فلا إشكال في عدم
~~الاعتداد به.
# إنما الإشكال في فهم المراد منه، حيث إن كل شرط يوجب تحريم حلال أو تحليل
~~حرام، فإن اشتراط عدم الفسخ يوجب تحريم الفسخ الحلال، ms088 وكذا اشتراط عدم
~~إخراج الزوجة من بلدها، واشتراط خيار الفسخ يوجب تحليل الحرام، فإن الفسخ
~~لولا الشرط كان حراما، وهكذا.
# ولذا ترى أنه قد وقع كثير من الأصحاب في حيص وبيص من تفسيره، فمنهم من
~~حكم بإجماله (2). ومنهم من فسر تحريم الحلال وتحليل الحرام: بالتحريم
~~الظاهري للحلال الواقعي، والتحليل الظاهري للحرام الواقعي (3).
# وقيل: المراد بالحلال والحرام في المستثنى ما هو كذلك بأصل الشرع من دون
~~توسط العقد.
# واستشهد لذلك: باتفاقهم على صحة شرائط خاصة يكون منافية لمقتضى العقد،
~~كاشتراط عدم الانتفاع مدة معينة، وسقوط خيار المجلس والحيوان، وما شاكله،
~~ولا ريب أن قبل الشرط - بمقتضى العقد - يحل الانتفاع مطلقا، والرد في زمان
~~الخيار، ويحرم بعده، فقد حرمت الشروط ما كان حلالا بتوسط العقد قبله.
# وعلى هذا: فالضابط في الشروط التي لم تحرم الحلال بأصل الشرع و بالعكس:
~~هو الجواز، إلا أن يمنع عنه مانع من نص أو اجماع (4).
# PageV00P146
# ولا يخفى: أن في التفسيرين تخصيصا بلا دليل، وتقييدا بلا مقيد ظاهر.
# مع ما في الثاني من مخالفة الواقع، فإنه يوجب التفرقة بين اشتراط سكنى
~~البائع في دار باعها في مدة معينة، وبين اشتراط سكناه في دار أخرى للمشتري
~~غير تلك الدار في تلك المدة، وجواز الأول، وعدم جواز الثاني، وهو ليس كذلك.
# وكذا الفرق بين اشتراط عدم الانتفاع بالمبيع مدة، وبين عدم الانتفاع
~~بغيره مما هو من مال البائع أو المشترى، ولا وجه له.
# وأبعد منهما وأظهر فسادا ما قيل: من أن الظاهر من تحليل الحرام وتحريم
~~الحلال هو تأسيس القاعدة.
# قال: وهو تعلق الحكم بالحل أو الحرمة - مثلا - بفعل من الأفعال على سبيل
~~العموم، من دون النظر إلى خصوصية فرد، فتحريم الخمر معناه منع المكلف عن
~~شرب جميع ما يصدق عليه هذا الكلى. وهكذا حلية البيع، فالتزوج والتسري مثلا
~~أمر كلي حلال، والتزام تركه مستلزم لتحريمه. بل وكذلك جميع أحكام الشرع من
~~الطلبية والوضعية وغيرها، وإنما يتعلق الحكم بالجزئيات باعتبار تحقق الكلي
~~فيها.
# فالمراد من تحليل الحرام وتحريم الحلال المنهي ms089 عنه: هو أن تحدث قاعدة
~~كلية، ويبدع حكما جديدا.
# فقد أجيز في الشرع البناء على الشروط، إلا شرطا أوجب إبداع حكم كلي جديد،
~~مثل تحريم التزويج والتسري وإن كان بالنسبة إلى نفسه فقط، وقد قال الله
~~تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من
~~النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ (1) و جعل الخيرة في الجماع والطلاق بيد
~~الزوجة، وقد قال الله تعالى: (الرجال
# PageV00P147
# قوامون على النساء). (1) وفيما إذا شرطت عليه: أن لا يتزوج عليها فلانة،
~~أو لا يتسرى بفلانة خاصة، إشكال (2). انتهى.
# فإن الفرق بين الكلي والجزئي مما لا شاهد عليه ولا دليل، فإن التزام عدم
~~ارتكاب مباح يستلزم حرمته على ما ذكره، كما يشير إليه قوله: " والتزام تركه
~~يستلزم تحريمه " سواء كان أمرا كليا أم أمرا جزئيا، فتخصيص المراد من تحليل
~~الحرام وعكسه بالأول مما لا وجه له أصلا.
# وكل هؤلاء أخطأوا الطريق في فهم الحديث، مع أنه ظاهر - على فهمي القاصر -
~~غاية الظهور، كما يظهر مما ذكرنا في بيان مخالف الكتاب والسنة.
# والحاصل: أن عبارة الإمام (عليه السلام) هكذا: " إن المسلمين عند شروطهم
~~إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما " (3) وفاعل حرم وأحل: هو الشرط،
~~فالمستثنى شرط حرم ذلك الشرط الحلال أو أحل الحرام.
# وهذا إنما يتحقق مع اشتراط حرمة حلال أو حلية حرام، لا مع اشتراط عدم فعل
~~حلال، فإنه لو قال: بعتك هذا وشرطت عدم جواز التصرف في المبيع أو حرمته، أو
~~حلية النظر إلى وجه زوجتك، يكون الشرط حرم الحلال أو أحل الحرام، بخلاف ما
~~لو قال: وشرطت عدم التصرف في المبيع، فإن الشرط لم يحرم التصرف.
# نعم: لو أجاز الشارع ذلك الشرط فإجازته وإيجاب الشارع الوفاء به حرم
~~الحلال، ولم يقل إلا شرط حرم إيجابه حلالا.
# والتفصيل: أن معنى قوله: " المسلمون عند شروطهم، إلا شرطا حرم حلالا أو
~~أحل حراما " إما أنه: إلا شرط حرم وجوب الوفاء به شرعا الحلال، و
# PageV00P148
# بالعكس، أو شرطا حرم نفس ذلك الشرط، الحلال، وبالعكس.
# والأول: مخالف لظاهر ms090 العبارة، لاحتياجه إلى التقدير، مع إيجابه لمناقضة
~~ذلك مع ما استشهد به الإمام (عليه السلام) في موثقة منصور (1) (لعدم حلية)
~~(2) الطلاق و التزويج.
# بل يلزم كون الكل (3) لغوا، أو ينحصر مورد قوله: " المسلمون عند شروطهم "
~~باشتراط الإتيان بالواجبات واجتناب المحرمات. والحكم بوجوب ذلك، بل تعليقه
~~بالوصف المشعر بالعلية لغو جدا.
# فيبقى الثاني، وهو الموافق لظاهر الكلام، فيكون المعنى: إلا شرطا حرم ذلك
~~الشرط، الحلال، وذلك بأن يكون المشروط هو حرمة الحلال.
# فإن قيل: إذا شرط عليه عدم فعله فلا يرضى بفعله، فيجعله حراما عليه.
# قلنا: لا نريد أن معنى الحرمة في قوله: " إلا شرطا حرم " طلب الترك ولو
~~من المشترط، بل جعله حراما واقعيا، أي: مطلوب الترك شرعا، حتى يكون الشروط
~~هو كون الفعل حراما عليه في نفس الأمر، ولا شك أن شرط عدم فعل، بل نهي شخص
~~آخر عن فعل لا يجعله حراما كذلك، أي: شرعا.
# فإن قيل: الشرط بنفسه مع قطع النظر عن إيجاب الشارع الوفاء به، لا يوجب
~~تحليلا ولا تحريما شرعا، فلا يحرم ولا يحلل (4).
# قلنا: إن أريد أنه لا يوجب تحليلا ولا تحريما شرعيين واقعا، فهو كذلك.
~~وإن أريد أنه لا يوجب تحليلا ولا تحريما شرعيا بحكم الشرط، فهو ليس كذلك،
~~بل حكم الشرط ذلك، وهذا معنى تحريم الشرط وتحليله.
# وعلى هذا، فلا إجمال في الحديث ولا تخصيص، ويكون الشرط في ذلك
# PageV00P149
# كالنذر والعهد واليمين، فإنه إذا نذر أحدا، أو عاهد، أو حلف أن يكون
~~المال المشتبه عليه حراما شرعا، أو يحرم ذلك على نفسه شرعا، لم ينعقد.
# ثم إنك لو تتبعت الأخبار الواردة في الشروط المجوزة والممنوعة، تجدها
~~بأسرها منطبقة على هذا المعنى الذي ذكرناه لهذا الحديث، ولمخالفة الشرط
~~للكتاب أو السنة.
# ثم الشرط المحرم للحلال أو عكسه أخص مطلقا من مخالف الكتاب والسنة، لصدق
~~الأخير على مخالف الأحكام الوضعية أيضا، كنفي كون الجارية ميراثا، و لذا
~~أبطل الإمام (عليه السلام) شرطهم.
# وقد صرح (عليه السلام) بعدم جواز شرط يخالف الحكم الوضعي في رواية ms091 محمد
~~بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام): في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج
~~عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق، فقضى في ذلك: " أن شرط
~~الله قبل شرطكم " (١) الحديث، يعني أن الحكم الذي وضعه الله سبحانه قبل
~~حكمكم، وهو أن الطلاق بيد الزوج.
# وفى رواية إبراهيم بن محرز: قال: سأل أبا جعفر (عليه السلام) رجل وأنا
~~عنده، فقال: رجل قال لامرأته: أمرك بيدك، قال: " أنى يكون هذا!! والله
~~يقول:
# ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ (٢) ليس
~~هذا بشئ " (٣).
# وأما شرط عدم التزويج على المرأة والتسري مطلقا، فهو ليس مخالفا للكتاب
~~والسنة، بل شرط عدم إباحته أو استحبابه مخالف لذلك، لدلالة قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى
~~وثلاث ورباع﴾ (4) على الرخصة.
# PageV00P150
# وكذا شرط فعل مرجوح أو ترك مستحب ليس مخالفا لهما، و لا مما حرم حلالا أو
~~أحل حراما، سواء كان على سبيل الاستمرار أو مرة أو أكثر.
# نعم: لو شرط إباحة المكروه أو المستحب، أو عدم كراهته أو استحبابه، لكان
~~ذلك مخالفا للكتاب أو السنة.
# نعم: لو شرط فعل ما ثبتت مرجوحيته بالكتاب أو السنة تحريما أو كراهة، أو
~~ترك ما ثبت رجحانه بهما وجوبا أو استحبابا، يحصل التعارض بين ما دل على ذلك
~~من الكتاب أو السنة، وبين دليل وجوب الوفاء بالشرط، واللازم فيه:
# الرجوع إلى مقتضى التعارض والترجيح.
# ومن ذلك: شرط شرب الخمر، وأكل الميتة، فإن الشرب والأكل ليس مخالفا
~~للكتاب والسنة، بل حليتهما مخالفة لهما، ولكن يحصل التعارض بين ما دل على
~~حرمتهما، وبين دليل وجوب الوفاء بالشرط، والإجماع رجح جانب الحرمة، وما لم
~~يكن فيه مرجح يعمل بما تقتضيه القواعد والأصول.
# ثم لو جعل هذا الشرط أيضا من أقسام المخالف للكتاب والسنة، كما يطلق عليه
~~عرفا أيضا، لم يكن بعيدا، ولا يتفاوت لأجله.
# واعلم: أن مما ذكرنا في معنى الشرط المحرم للحلال وعكسه، يظهر معنى
~~الحديث المشهور: " كل ms092 صلح جائز إلا ما حرم حلالا أو أحل حراما " (1) أيضا و
~~يرتفع عنه الإجمال.
# وأما الثالث: وهو الشرط المنافي لمقتضى العقد، فتحقيقه يحتاج إلى بيان
~~مقتضى العقد، فنقول: إن مقتضى العقد: إما مقتضى ذاته من حيث هو من غير
~~احتياج إلى جعل الشارع ذلك مترتبا عليه، وهو كل أمر لا يتحقق العقد بدونه،
~~بحيث لو انتفى ذلك المقتضى لانتفى العقد لغة أو عرفا أو شرعا.
# PageV00P151
# وذلك كما أن البيع عرفا نقل الملك إلى الغير بعوض، فلو لم ينقل (1) البيع
~~إلى المشتري، ولا الثمن إلى البائع، لا يكون بيعا عرفا، وكذلك لو انتفى
~~أحدهما، لأن نفي الجزء يستلزم انتفاء الكل.
# أو ليس من مقتضى ذاته، بل رتبه الشارع على ذلك العقد من حيث هو، وجعله من
~~مقتضياته. وهو كل أمر رتبه الشارع على ذلك العقد من حيث هو، و جعله مقتضيا
~~- بالكسر - له وإن أمكن تحققه بدونه، كترتيب الشارع خيار المجلس والحيوان
~~على البيع، ووجوب النفقة على النكاح الدائم، وعدم اللزوم قبل التصرف على
~~الهبة والوقف.
# وأما الأمور الخارجية اللاحقة بالعقد شرعا من غير كونها متولدة منه
~~ومترتبة عليه من حيث هو، فليس من مقتضيات العقد، كجواز التزويج على المرأة
~~و التسري عليها.
# ثم كل من قسمي المقتضى (3) - بصيغة المفعول - على نوعين: لأنه إما أن
~~يكون مقتضيا بلا واسطة كما مر، أو بواسطة، أو وسائط، كالتسلط على المبيع،
~~الذي هو من مقتضيات انتقال المبيع، الذي هو من مقتضيات البيع، وكالانفساخ
~~بسبب الفسخ، الذي هو مقتضى خيار المجلس، الذي هو مقتضى البيع، وكتسلط
~~الزوجة على أخذ النفقة، الذي هو من مقتضيات وجوب الإنفاق، الذي هو مقتضى
~~النكاح، وهكذا.
# وإذ قد عرفت ذلك: تعلم الشروط المنافية للعقد، ووجه عدم الاعتداد بها.
# أما فيما كان من القسم الأول، فظاهر، لأن الاعتداد به مستلزم لتخلف مقتضى
~~العقد، الذي هو معنى عدم ترتب الأثر عليه، الذي هو معنى الفساد، و هو
~~يستلزم عدم الاعتداد بالشرط، لما مرت الإشارة إليه من أن الثابت من وجوب
# PageV00P152
# الوفاء بالشرط ms093 في ضمن العقد، إنما هو إذا كان العقد صحيحا باقيا.
# مع أنه يحصل التعارض حينئذ بين عمومات الوفاء بالشرط، وأدلة صحة هذا
~~العقد، فيرجع إلى أصالة فساد العقد وعدم لزوم الوفاء بالشرط.
# بل يكون هذا الشرط مخالفا لما دل من الكتاب والسنة على ترتب هذا الأثر
~~على هذا العقد، فيكون الشرط مخالفا للكتاب أو السنة، فيكون لغوا.
# وأما فيما كان من القسم الثاني: فلمعارضة عمومات الوفاء مع ما دل على
~~ثبوت هذا المقتضى للعقد، أو لأحد مقتضياته، فيحصل التعارض ويرجع إلى الأصل.
# بل يكون الشرط مخالفا لما دل على الثبوت على ما مر، فيكون مخالفا للكتاب
~~أو للسنة فيبطل.
# إلا أن هذا إنما هو فيما إذا كان هناك دليل عام أو مطلق على سببية هذا
~~العقد لذلك المقتضى وتولده منه، أما إذا لم يكن كذلك، بل احتمل اختصاص
~~الاقتضاء بالعقد الخالي عن الشرط، فيحكم بصحة الشرط.
# مثال ذلك، أنه ثبت خيار المجلس للمتبايعين بقوله: " المتبايعان بالخيار
~~ما لم يفترقا " (1) فصار عقد البيع مقتضيا لهذا الخيار، ولإطلاق الخبر يكون
~~ثبوته مطلقا، سواء اشترط عدمه أم لا، فشرط عدمه مناف لهذا الخبر بإطلاقه،
~~بخلاف ما إذا كان دليل الخيار الإجماع مثلا، وشك في حال الاشتراط في سقوطه
~~وعدمه، فإن القدر الثابت ترتب الخيار على البيع الخالي من شرط سقوطه، وأما
~~معه فلا يعلم، بل يعمل بعمومات الوفاء.
# ثم إن القسم الثاني من منافيات مقتضى العقد ما يقال: إنه من منافيات
# PageV00P153
# مكملاته، وقد ظهر لك أن ما لا اعتداد به من جهة كونه من منافيات مقتضى
~~العقد إنما هو القسم الأول الذي يقال: إنه من منافيات مقتضى ركن العقد.
# وأما الثاني: فعدم الاعتداد به، لكونه مخالفا للكتاب والسنة (أو كون) (1)
~~دليل الاعتداد به معارضا لما دل على عدم الاعتداد به، فهو قد يعتد به لدليل
~~آخر، كما سنشير إليه إن شاء الله تعالى.
# وأما الرابع: وهو الشرط المؤدي إلى جهالة أحد العوضين، فعدم الاعتداد به،
~~لإيجابه بطلان العقد الموجب لبطلان الشرط، كما مر، ms094 ويجب تخصيصه بعقد كان
~~الجهل مبطلا له.
# ولا يخفى: أنه يشترط في تأثير هذا الشرط كونه وموجبا لجهالة العوض من حيث
~~هو عوض، فلو لم يوجبه لم يؤثر وإن حصل الجهل من وجه آخر، و يحصل الاشتباه
~~في ذلك الموضع كثيرا.
# فلو قال: بعتك هذا بمائة دينار إلى سنة بشرط أنه إن حدث كذا في خلال
~~المدة، كان الثمن خمسين دينارا، حصل الجهل في العوض من حيث هو عوض.
# أما لو قال: بعتك بمائة دينار إلى سنة بشرط أنه إن حدث كذا في خلال السنة
~~وهبت لي خمسين دينارا منها أو أسقطتها، لم يوجب الجهل في العوض، لأن العوض
~~هو المائة، والشرط هبة بعضها أو إسقاطه، وذلك لا يوجب جهل العوض.
# ولو قال: بعتك بمائة مؤجلا إلى سنة، وشرطت أنه إن حدث كذا كان الثمن
~~معجلا عنده، جاء الجهل في العوض.
# ولو قال: بعتك بمائة مؤجلا إلى سنة بشرط أنه إن حدث كذا أعطيتك الثمن
~~عنده، لم يدخل الجهل في العوض، مع أن شرط كون الثمن خمسين دينارا، أو كونه
~~معجلا، مناف لمقتضى العقد أيضا.
# PageV00P154
# ولو منع كون العقد المتضمن لذلك الشرط مقتضيا لكون الثمن مائة أو مؤجلا
~~يصير الجهل به واضحا. ومن ذلك يظهر فساد هذا الشرط.
# ولو قلنا بأن الثمن هو الأول، والشرط الثاني وإن أوجب التغيير فيه، و
~~لكنه من جهة الشرط، والثمن الذي هو حقيقة في المعين، لم يحصل التغيير فيه.
# ومن أمثلة جهل الشرط الموجب لجهل العوض: بعتك بمائة تومان مؤجلا إلى سنة،
~~وشرطت كون التومان رائج (1) وقت الأداء.
# ثم لا يخفى: أن ما ذكرناه من عدم الاعتداد بالشروط المذكورة ووجوب الوفاء
~~بغيرها إنما هو من باب تأصيل الأصل وتأسيس القاعدة، فيجب بناء العمل عليه
~~حتى يدل دليل على خلافه في الموارد الجزئية.
# فقد يدل دليل على وجوب الوفاء بشرط، مع كونه - مخالفا لبعض - (2) مما
~~ينافي عموم كتاب أو سنة، أو إطلاقه، وحينئذ يكون هذا الدليل مخصصا لعموم "
~~إلا شرطا خالف الكتاب أو السنة " بل ms095 بعد وجود الدليل على الاعتداد بهذا
~~الشرط، لا يكون مخالفا للكتاب والسنة، ويكون هذا الدليل مختصا لعموم الكتاب
~~والسنة المنافي لذلك الشرط.
# مثلا دل عموم " البيعان بالخيار ما لم يفترقا " على ثبوت الخيار لكل
~~بيعين، فشرط عدم الخيار مناف لعمومه، وإذا دل دليل على سقوط الخيار باشتراط
~~سقوطه، يدل ذلك الدليل على اختصاص البيعين بغير المشترطين، فلا يكون الشرط
~~مخالف للسنة.
# وقد يدل دليل على عدم وجوب الوفاء بشرط لا يخالف كتابا ولا سنة، و حينئذ
~~يكون هذا الدليل مخصصا لعموم " المؤمنون عند شروطهم " (3).
# PageV00P155
# تتمة اعلم: أن ما مر من عدم الاعتداد بشرط خالف الشرع إنما هو فيما إذا
~~كان مخالفا لعموم كتاب أو سنة أو إجماع أو نحوها، أما إذا لم يثبت العموم
~~بحيث يشمل مورد الشرط (1)، فلا يحكم بالمخالفة، بل يعمل بعمومات الوفاء،
~~كما مرت الإشارة إليه.
# وقد يقال: إنه مع وجود العموم أو الإطلاق أيضا لا تعلم المخالفة، لحصول
~~التعارض بينه وبين عمومات الوفاء.
# وفيه: أن عمومات الوفاء مقيدة بقوله: " إلا ما خالف الكتاب أو السنة "
~~فمفاده: أن الشرط الغير المخالف يجب الوفاء به، فلا يشمل المورد.
# قيل: مع أنه لو سلم التعارض، فيرجع إلى الأصل، وهو مع عدم تأثير الشرط،
~~لكونه من الأحكام الوضعية التوقيفية.
# وهذا يتم فيما إذا لم يكن ما ينافيه أيضا كذلك، وإلا فيرجع إلى أصل آخر،
~~وذلك: كما إذا قلنا: إن الأصل عدم تأثير اشتراط سقوط الخيار، ولكن الأصل
~~عدم ثبوت الخيار أيضا (2)، ويرجع إلى أصالة لزوم البيع.
# ويجب على الفقيه تدقيق النظر، لئلا يقع في الخطأ.
# المبحث الرابع: في بيان حكم العقد إذا فسد الشرط.
# وتحقيقه: أنه لا ريب حينئذ في بطلان الشرط وعدم الاعتداد به.
# وأما العقد، ففيه قولان: البطلان، والصحة.
# PageV00P156
# والحق هو الأول، وفاقا للأكثر (1)، كما صرح به في كتاب النكاح من المسالك
~~(2)، لأن العقود تابعة للقصود، والمقصود هو الأمر المركب من الشرط و غيره،
~~فإذا بطل الشرط بطل المقصود، لانتفاء الكل بانتفاء جزئه.
# والتفصيل: أنه سيأتي في العائدة ms096 الآتية: أن ترتب الأثر على كل عقد، يتوقف
~~على قصد إنشاء هذا الأثر بسببه، وإيجاده منه، فما لم يقصد ذلك لم يترتب
~~عليه ذلك الأثر، وأن كل أثر فاسد قصد من العقد لا يترتب عليه، ويقع العقد
~~فاسدا.
# وعلى هذا: فالعقد المتضمن للشرط الفاسد إذا صدر من شخص، فالظاهر:
# أن الأثر الذي قصد إنشاؤه منه: هو المركب من التزام هذا الشرط الفاسد،
~~فيفسد بفساد جزئه.
# وقصد الجزء الصحيح في ضمنه غير كاف، لأن قصد الكل لا يكفي في قصد الجزء.
~~فإذا لم يكن الجزء مقصودا منفردا، لم يترتب عليه حكم.
# ولولا ظهوره (3)، فغيره أيضا - أي: إنشاء الأثر المجرد عن هذا الالتزام -
~~غير ظاهر، والأصل يقتضي عدم ترتب الأثر.
# فقصد إنشاء الأثر الصحيح، الذي هو المتوقف عليه في الصحة، غير معلوم،
~~وظهور الهيئة التركيبية للصيغة - وهي المتضمنة للشرط - في قصد الأثر الصحيح
~~- وهو المجرد من التزام هذا الشرط - غير ظاهر إن لم يكن في خلافه ظاهرا.
# فتحقق السبب لحصول الأثر غير ثابت، فيكون العقد فاسدا، لأصالة عدم ترتب
~~الأثر.
# PageV00P157
# بل لا يبعد الحكم بالفساد وإن علم قصد إنشاء الأثر المجرد من التزام هذا
~~الشرط، لأن تلك الهيئة ظاهرة في قصد إنشاء المركب، وكون مثلها مؤثرة في
~~حصول جزء المركب بمجرد قصده غير معلوم، كما يأتي الإشارة إليه في العائدة
~~الآتية إن شاء الله.
# ثم إن هذا الذي ذكرناه هو الأصل والقاعدة، وقد يتخلف من جهة الدليل
~~الخارجي، فهو يجعل ذلك العقد المتضمن للشرط الفاسد سببا للأثر الصحيح، من
~~غير اعتناء إلى لزوم قصد ذلك الأثر والله سبحانه هو العالم بحقائق أحكامه و
~~شرائعه. PageV00P158
# عائدة (16) في بيان قولهم: العقود تابعة للقصود من القواعد المتداولة في
~~ألسنة الفقهاء قولهم: العقود تابعة للقصود.
# وتحقيق الكلام فيها: أنه لاشك أن الأصل عدم جميع الأحكام الشرعية حتى
~~يثبت من الشارع، طلبية كانت، أو تخييرية، أو وضعية.
# ولا ريب أيضا: أن ترتب كل أثر على أي عقد كان مخالف للأصل، لا يحكم به
~~إلا مع الثبوت من ms097 الشارع.
# وهناك عقود وإيقاعات: لازمة وجائزة، لفظية وفعلية - كالمعاطات في البيع
~~على القول بلزومها - ثبت بالأدلة الشرعية ترتب آثار وأحكام عليها.
# ولكن تلك الآثار (أحكام إنشائية) (1) لا تترتب عليها إلا مع قصد الإنشاء
~~منها.
# وهذا القصد معتبر في تلك العقود والإيقاعات إجماعا، وبمقتضى الأصل، إذ لم
~~يثبت ترتب أثر عليها بدون ذلك القصد، والأصل عدم الترتب.
# فلو صدرت بلا قصد أو مع قصد الإخبار أو قصد آخر لا يترتب عليها أثر قطعا.
# PageV00P159
# والمراد من قصد الإنشاء: قصد إنشاء الأثر المطلوب، فترتب الأثر على تلك
~~العقود والإيقاعات موقوف على قصد إنشاء الأثر منها، ولا بد في ترتب الأثر
~~من قصد إنشاء الأثر الذي رتبه الشارع عليها.
# فلو قصد إنشاء أثر آخر - كنقل الملك من عقد النكاح أو الطلاق - منه، لا
~~يثمر ثمرا بالأصل المتقدم والإجماع، فقصد إنشاء الأثر المترتب عليه شرعا
~~مما لا بد منه في ترتب الأثر.
# مضافا إلى قصد مورد الأثر: من الزوجة المعينة والزوج المعين في النكاح،
~~والمشتري والبائع، والثمن والمثمن في البيع، وهكذا.
# ثم إن كل أثر يترتب على عقد أو إيقاع يتصور له أنواع مختلفة، وشؤون
~~متشتتة، واعتبارات مختلفة، كما أن نقل الملك، الذي هو أثر البيع يكون لازما
~~و متزلزلا، منجزا ومعلقا على شرط، بلا عوض وبإزاء عوض، مطلقا ومقيدا بمدة،
~~نقل ملك شئ بلا انضمامه مع غيره ومع ضم نقل الغير أيضا، إلى غير ذلك.
# ثم لكل نوع وجوه، كما أن المتزلزل يكون من الطرفين، أو من طرف، و بإزاء
~~عوض، يكون بإزاء هذا العوض وهذا العوض، وهكذا. وكذا النكاح يتصور فيه جميع
~~هذه الأقسام وغيرها.
# ولما كان الأصل عدم ترتب شئ من الآثار على عقد أو إيقاع إلا مع دليل،
~~فاللازم الاقتصار في أنواع الآثار ووجوهها على ما ثبت ترتبه شرعا، وما لم
~~يثبت، فيحكم بعدم ترتبه.
# مثلا: لم يثبت جواز البيع المقيد بمدة معينة، فيحكم بعدم ترتب نقل الملك
~~إلى مدة خاصة على عقد البيع، فلو قصده يكون البيع باطلا، وكذا البيع ms098 بلا
~~عوض، أو النكاح الدائم بعوض، وكذا الأثر المعلق.
# نعم: قد يكون الأثر المترتب عليه شرعا متعددا: نوعا وشأنا ووجها وفردا،
~~كما أن نقل الملك يكون متزلزلا وباتا، وبإزاء هذا العوض وبإزاء ذلك،
~~PageV00P160
# والمتزلزل من الطرفين ومن الطرف الواحد، ولازما في مدة مع تزلزله بعده، و
~~هكذا.
# وكل هذه الوجوه اثار مترتبة على عقد البيع، أي على البدل.
# وحينئذ لابد في ترتب أحد تلك الآثار عليه من قصده، فلو قصد واحدا منها،
~~يترتب عليه ذلك خاصة، ولا يترتب عليه غيره، لما عرفت من اقتضاء الأصل
~~والاجماع لزوم قصد كل أثر في ترتبه على العقد وتظهر الفائدة: فيما إذا ظهر
~~عدم تحقق بعض شرائط المقصود، فيبطل العقد. وهذا هو مرادهم من قولهم: العقود
~~تابعة للقصود. أي: يترتب على العقود - من الآثار الممكن ترتبها عليها
~~الصالحة لاستتباعها - ما هو المقصود للمتعاقدين، دون غيره.
# ثم لا يخفى: أن العقد الذي تترتب عليه أنواع أو أفراد من الآثار على
~~التبادل لا يخلو إما أن ينصرف مطلقه إلى بعض أنواعه خاصة عرفا أو شرعا، ولا
~~يفهم منه غيره إلا بضم ضميمة، أو لا ينصرف إلى بعض خاص فالأول: كعقد البيع
~~المنصرف حين خلوه عن شرط الخيار إلى اللازم، و قوله: بعتك قفيزا من بر
~~بدرهم، حيث ينصرف إلى القفيز والدرهم المصطلحين 2.
# والثاني: كقوله: أنكحت بنتي فاطمة ابنك محمدا، إذا كانت له بنتان مسميتان
~~بفاطمة، وله ابنان مسميان بمحمد.
# فان كان الأول: فان ذكر العقد مطلقا وقصد ما ينصرف إليه، أو مقيدا و قصد
~~المقيد، فلا إشكال. وإن أطلق وقصد المقيد، أو قيد وقصد المطلق، فيحصل
~~الاشكال.
# PageV00P161
# كما إذا قال: بعتك قفيزا من بر بدرهم، وقصد قفيزا خاصا من بر خاص بدرهم
~~معين من غير اصطلاح على تسمية ذلك المعين بهذا الاسم، حتى يصير من باب مهر
~~السر والعلانية، أو قصد مع ذلك الخيار إلى مدة أيضا، والموافق للأصل بطلان
~~العقد، لعدم ثبوت ترتب الأثر المقصود على هذا اللفظ بضم القصد. وإن ثبت في
~~موضع بدليل ms099 صحته، فهو المخرج عن الأصل.
# وإن كان الثاني: فان أطلق في العقد، وقصد أحد الفردين فهو، وإلا فيبطل
~~العقد أيضا، لعدم إمكان ترتب الاثرين، وبطلان الترجيح بلا مرجح.
# ثم اعلم: أن المعتبر - كما عرفت - وان كان هو القصد، ويتعذر الاطلاع
~~العلمي عليه غالبا، إلا أن الشارع أقام الألفاظ الظاهرة فيه الدالة عليه
~~بالظهور قائمة مقام العلم، بالاجماع القطعي، بل الضرورة الدينية.
# وعلى هذا: وإن كان الأصل عدم ترتب الأثر إلا مع العلم بقصد ذلك الأثر،
~~الا أنه يكتفى بما هو ظاهر فيه من الألفاظ اجماعا قطعيا.
# فإذا قال: بعتك هذا بدرهم، وادعى قصد نقل الملك في مدة خاصة إبطالا
~~للبيع، لم تسمع دعواه بمجردها وان كان الأصل عدم الانتقال، الا أن تكون
~~هناك قرينة حالية أو مقالية مصدقة لدعواه، فيبطل البيع، لعدم الاجماع على
~~الحكم بالصحة وقصد الصحيح حينئذ.
# وذلك كما إذا قال: بعتك هذا بدرهم على أن تكريني دابتك هذه يوما، فظهرت
~~الدابة ملكا لغير المشترى فيحكم ببطلان البيع، لان هذا الكلام ظاهر في أن
~~الأثر المقصود من البيع هو نقل المبيع بالدرهم منضما مع الاكراء لا مطلقا،
~~ولا أقل من تساوى الاحتمالين، فان مثل هذا التركيب لم يعلم منه قصد البيع
~~بالدرهم منفردا.
# وإلى هذا يشير كلام من قال: إن المعتبر من ذلك القصد هو ما اطلع عليه
~~المتعاقدان، ولا يكفي في ذلك قصد أحدهما من دون اطلاع الاخر.
# فما يحتمل وجوها كثيرة، ولم يذكر في طي العقد وجه منها ولم يعين،
~~PageV00P162
# فحكمه حكم المطلق، فان كان المطلق منصرفا إلى وجه خاص، تعين، وإلا،
~~فيبطل.
# والمعتبر: هو الاطلاع على قصد ذلك من العقد. أي: قصد منه هذا النوع من
~~الانشاء، وألقى به لانشاء ذلك النوع. ولا يكفي في ذلك كون المطلوب ذلك، أو
~~كون هذا القصد باعثا وسببا للعقد من غير أن يكون التلقي بالعقد أيضا لانشاء
~~ذلك، بحيث يكون هذا أيضا من أثر العقد.
# ومن هنا حصل الوهم لبعضهم في كثير من المقامات: كما إذا اتفقا على ms100 أن
~~يبيع أحدهما داره للآخر ويبيع الاخر بستانه للأول أيضا، فباع الأول وامتنع
~~الاخر بعد انقضاء خيار المجلس، أو باع الاخر أيضا، وظهر بستانه مستحقا
~~للغير، أو فسخ ثانيا بغبن ونحوه، حيث توهم أن هذا الاتفاق قرينة حالية على
~~أن المقصود هو بيع الدار بالمبلغ المعين وبيع البستان.
# وفيه: أن ذلك لا يصلح قرينة لإرادة ذلك من قوله: بعتك داري بمائة، وإنما
~~هو قرينة على عقد القلب بذلك وتخميره في القلب، لا على أن المراد من:
# بعتك داري بمائة ذلك، حتى يكون ذلك جزء من الثمن أيضا، ويقع بيع الدار
~~على المائة وبيع البستان، بل المقصود منه ليس إلا بيع الدار بمائة، والمخمر
~~عنده والمعقود قلبه على أنه أيضا يبيع بستانه، وهذا التخمير والعقد سبب
~~لبيع الدار، وتأثير ذلك التخمير في بطلان عقد بيع الدار، أو خيار الفسخ لا
~~وجه له مع كون الأصل في البيع: اللزوم، وعدم ثبوت اشتراط غير قصد انشاء
~~الأثر المطلوب من اللفظ وقد حصل.
# وتوهم أنه قد يتضرر بائع الدار كثيرا، مدفوع: بأنه ضرر أقدم بنفسه عليه،
~~ووقع فيه بتقصيره في فقه الاحكام، حيث لم يفهم أنه لا يلزم على المشتري بيع
~~بستانه، وقد يبيع ويفسخ بخيار، أو يظهر مستحقا للغير، فكان يجب عليه علاج
~~ذلك أولا.
# وقد أغمض الفقهاء عن مثل الضرر الواقع بتقصير المتضرر في فقه المسألة
~~PageV00P163
# في كثير من المواضع.
# ومن هذا القبيل: ما إذا لم يعرف أحد المتعاقدين بعض الأحكام المترتبة على
~~العقد، وإلا لما رضي به، كما إذا رضيت المرأة بعقد التمتع، مع ظن أن لها
~~قسمة ونفقة، ولكنها لم تذكر ذلك، سيما إذا كان التمتع بشئ قليل في مدة
~~طويلة.
# فيستشكل: بأن العقود تابعة للقصود، وما قصدته هو تزوجها له حال كونها
~~مستحقة للنفقة وغيرها، ولم تقصد غير ذلك، فلا يصح العقد، لأنه غير مقصود.
# ودفعه: ما ذكرنا: من أنه لم يقصد ذلك من العقد، ولم ترد من قولها:
# (زوجتك) أن أوجبت عليك النفقة، وإن أرادت ذلك، فالعقد باطل. ms101 وإنما قارن
~~قصد ايجاد التمتع اعتقادا غير مطابق للواقع.
# وهذا مراد من دفع هذا الاشكال: بان الذي يفيده الدليل هو أن العقد إذا
~~أمكن حصوله على شؤون مختلفة - من الاطلاق والتقييدات المختلفة الحاصلة
~~بالشروط والخيارات وغيرها - فالعقد تابع للقصد، أعني: أن الماهية المطلقة
~~يحكم بحصولها في ضمن ما قصد من افرادها وأقسامها، لا أن كل ما يترتب على
~~العقود من الآثار والثمرات الخارجية، والاحكام اللاحقة لابد ان يعلمها و
~~يعتقدها ويقصدها في العقد، ومع اعتقاد خلافها وعدم القصد إليها لا يصح
~~العقد، وإلا فيلزم بطلان أكثر العقود.
# فنقول بمثل ذلك في العقد الدائم، فان الغالب - سيما أهل الرساتيق 1 -
~~أنهم يعتقدون أن الزوجة يجب عليها خدمة الزوج بل التكسب، ولو علم أنه لا
~~يستحق ذلك لم يرض بتزويجها أبدا، وكذلك الزوجات.
# بل وكذلك الامر في المعايب التي لا توجب الفسخ شرعا، إلى غير ذلك مما
~~يظهر لهما بعد العقد، بحيث لو كان ظهر له قبله لم يرض.
# PageV00P164
# ولم يتأمل في شئ من ذلك أحد من العلماء، ولم يقل: إن العقد تابع للقصد.
# والحاصل: أن اعتقاد ترتب بعض الأحكام والآثار على شئ من الأسباب الشرعية
~~مما لم يرد من الشريعة، أو قصد بعض الأحكام لا من خصوص العقد، أو اعتقاد أن
~~أحد المتعاقدين أو غيره يفعل أمرا اخر ولم يفعله، لا يوجب خروج أصل ذلك
~~السبب من السببية، فان أصل السبب ثابت من الشرع، وذلك الاعتقاد لا يوجب
~~تغييرا في ماهية السبب وجعله شيئا اخر.
# ثم لا يخفى: أن ما ذكروه من أن العقود تابعة للقصود إنما هو على سبيل
~~الأصل والقاعدة على ما عرفت، ويمكن أن يتخلف في بعض المواضع لدليل خارجي،
~~كأن يحكم الشارع: بصحة عقد مع فساد شرطه، فيقال: إن ذلك خارج عن القاعدة
~~بالدليل.
# ويحكم بان سبب الأثر هو هذا العقد مع قصد الانشاء، وهو علامة لتحقق هذا
~~الأثر، ولا يشترط فيه قصد الأثر الخاص، فلا تغفل. PageV00P165
# عائدة (17) في بيان بعض مباحث المشتق إذا كان لفظ مشتقا ms102 من مبدأ، ك
~~(اضرب) من الضرب، ولم يعلم أنه هل هو موضوع لطلب الضرب مطلقا أو من المذكر،
~~فهل يحمل على الاطلاق أو يخص؟.
# الحق: التوقف، لان المبدأ وإن كان عاما، إلا أن الهيئة موضوعة قطعا.
# والموضوع له كما يحتمل ان يكون طلب الضرب عاما مطلقا، يحتمل ان يكون طلب
~~ضرب خاص، ونسبة الأصل إليهما على السواء، فيتوقف ويرجع في الاحكام إلى ما
~~هو مقتضى الأصل.
# وكذا: إذا شك في أنه هل هو موضوع لطلب مطلق الضرب، أو نوع خاص منه كالضرب
~~بالسيف؟ لتحقق الماهية التي هي المعنى الحقيقي للمبدأ في ضمن النوع الخاص
~~أيضا، غاية الامر فهم الخصوصية من الهيئة الاشتقاقية.
# نعم: إذا شك في أنه هل هو موضوع لطلب الضرب الحقيقي أو المجازي كالقتل،
~~فالظاهر إرادة الحقيقة بعد ثبوت الاشتقاق.
# والتفصيل: أن ما يشتق من مبدأ يشتمل على المعنى المبدئي، وعلى أمر زائد
~~فيه، فالتشكيك إما في تغيير في ذلك المعنى المبدئي، أو في ذلك الشئ الزائد.
# فالأول: كما إذا شك في أن معنى (اضرب) هل هو طلب الضرب، أو PageV00P167
# القتل مجازا.
# والثاني: كما إذا شك في أن معناه هل هو طلب الضرب المطلق من المذكر، أو
~~الأعم.
# فان كان الأول: فمقتضى قضية الاشتقاق عدم التغيير، والا لم يكن مشتقا من
~~ذلك المبدأ، وهو خلاف المفروض.
# وان كان الثاني: فلما لم يكن ذلك الامر الذي زيد في المشتق معلوما، ولم
~~يتحقق فيه أصل، فيجب فيه التوقف.
# ومن هذا القبيل: لفظ (الميتة) حيث إنها اسم لذات ثبت لها الموت، فإذا شك
~~في أنها هل هو مطلق الحيوان الذي ثبت له الموت، أو غير الانسان كذلك، يحكم
~~بثبوت كل حكم علق عليها لغير الانسان، لكونه يقينيا، وينفى في الانسان
~~بالأصل.
# ومنه: لفظ (القطعة) فإنها اسم لجزء قطع من الكل، فإذا شك في أنها هل هي
~~كل جزء قطع منه، أو جزء كبير منه يصدق عليه القطعة عرفا، يحكم بثبوت الحكم
~~المعلق عليها لما علم صدقها عليه. PageV00P168
# عائدة (18) في أن الأصل ms103 في القضية الحملية الحمل الحقيقي الحمل: إما
~~حقيقي، أو مجازي.
# والمراد بالحمل الحقيقي: الحكم باتحاد الموضوع والمحمول في الوجود
~~الخارجي حقيقة، سواء انحصر اتحاد المحمول فيه مع هذا الموضوع، نحو:
# الانسان حيوان ناطق أو لم ينحصر، نحو: زيد انسان.
# والمراد بالحمل المجازي: اتحادهما فيه مجازا، نحو: زيد أسد.
# ثم القضية الحملية: حقيقة في الحمل الحقيقي، لأنه المتبادر ومنها (عند
~~الاطلاق) وهل هو حقيقة في الحمل الانحصاري الذي هو حمل المساوي على
~~المساوي، أم لا، بل يشمل حمل الأعم على الأخص أيضا؟
# الظاهر: هو الثاني، لعدم صحة السلب، فلا يصح أن يقال: زيد ليس بانسان.
~~هذا معنى الهيئة.
# وأما الموضوع والمحمول: فمقتضى الأصل فيهما: إرادة المعنى الحقيقي من
# PageV00P169
# كل منهما، فمعنى: زيد انسان، أن ما هو المعنى الحقيقي لزيد متحد في
~~الوجود الخارجي حقيقة مع ما هو المعنى الحقيقي للانسان.
# وعلى هذا فيكون قولك: ضرب فعل، مجازا في الموضوع، لإرادة اللفظ منه، وهو
~~غير معناه الحقيقي. وقولك: زيد أسد، مجازا في المحمول إذا أريد من الأسد
~~الرجل الشجاع، ومجازا في الهيئة إذا أريد منه الحيوان المفترس.
# وكذا تكون القضية الحملية في بيان معاني اللغات مجازية الموضوع، لان
~~المراد من قولك: الصعيد هو التراب، أن لفظ الصعيد موضوع للتراب، فالمحمول
~~هو الموضوع المقدور، وأريد من الموضوع في الكلام لفظه، وهو ليس معنى حقيقيا
~~له.
# ولا يتوهم: أنه لو كان المعنى: أن المعنى الحقيقي للصعيد هو المعنى
~~الحقيقي للتراب، يكون المراد من كل من الموضوع والمحمول معناه الحقيقي، لان
~~معنى قولك: المعنى الحقيقي للصعيد، أن المعنى الحقيقي للفظه، فيوجب تقدير
~~المعنى الحقيقي في كل من الموضوع والمحمول، مع إرادة اللفظ الذي هو أيضا
~~مجاز من كل منهما.
# إذا عرفت ذلك فاعلم: انه إذا وردت قضية حملية في كلام الشارع، فمقتضى
~~أصالة الحقيقة: أن يراد من كل من الموضوع المحمول والهيئة:
# الحقيقة، الا إذا كان هناك دليل على التجوز في شئ منها، ويلزم من
~~اتحادهما حقيقة، ثبوت جميع احكام المحمول للموضوع إلا مع دليل ms104 التجوز.
# فإذا صدرت من الشارع قضية حملية، فيتصور على وجوه:
# الأول: أن يعلم أن المراد بالموضوع والمحمول معنياهما الحقيقيان، وأن
~~المراد بالحمل الحكم باتحادهما خارجا، وكون الموضوع عين المحمول، أو مساويا
~~له، نحو: الصلاة واجبة، حيث إن معناها: الحكم بكون الأركان المخصوصة
~~مصداقا، لذات ثبت لها الوجوب ومتحدة معها، والحكم حينئذ ظاهر، فيحكم بثبوت
~~كل حكم للواجب من حيث هو واجب للصلاة.
# والثاني: أن يعلم أنه ليس المراد من الجميع الحقيقة، نحو: (الطواف بالبيت
~~PageV00P170
# صلاة) 1 حيث نعلم عدم اتحاد معنييهما حقيقة، بل المراد بالصلاة والطواف
~~إما حكمهما على سبيل التجوز، أو الحذف، أو المراد بالحمل الحمل المجازي. و
~~نحوه: (المذي نخامة) 2 وحينئذ فيتردد فيما هما يتحدان فيه، وهو الذي يعبرون
~~عنه ب (الشركة المبهمة).
# فان كان هناك مجاز شائع، فينصرف إليه، والا فقيل: بالانصراف إلى الجميع،
~~لعدم المرجح، وبطلان اللغو والاغراء 3.
# وقيل: بالتوقف، لعدم دليل على التعيين 4. ولزوم الاغراء إنما يكون لو
~~أريد من هذا الكلام الافهام تفصيلا، وهو ممنوع، لجواز ان يريد منه نوع
~~إجمال، وكان التفصيل موكولا إلى غيره.
# ومن هذا القبيل: جميع العمومات والمطلقات المخصصة والمقيدة بالقرائن
~~المنفصلة، والمجازات كذلك، ولولا جواز مثل ذلك الاجمال في الكلام، لبطل
~~أكثر العمومات والمطلقات والمجازات.
# فان قلت: هذا إنما يتم فيما إذا كانت هناك قرينة - ولو منفصلة - على
~~التعيين أو الترجيح، وإلا لزم المحذور.
# قلت: قلما يوجد مثل ذلك في كلام الشارع مما لم يعلم من الخارج اتحاد
~~الموضوع والمحمول في حكم من الأحكام الشرعية، فيكون هو دليلا وقرينة على
~~التعيين والترجيح، مع أن وجود المجمل في كلمات الشارع غير عزيز، وفى القران
~~محكم ومتشابه، وفي أخبارهم محكم كمحكم القران ومتشابه كمتشابهه، فالمحذور
~~انما يلزم لو علم أن الغرض من هذا الكلام افهام التفصيل، ومن أين يعلم ذلك
~~مع أن الإحاطة بمقاصد الكلام غير ممكنة، وقصد الاجمال ممكن؟!
# PageV00P171
# والثالث: أن لا يعلم شئ منهما، وله أقسام: أحدها: أن يعلم للمحمول معنى،
~~وعلم عدم صحة الحمل الحقيقي في ذلك ms105 المعنى، وشك في أنه هل وضع الشارع هذا
~~اللفظ لمعنى يصح حمله على الموضوع ولذا حمله عليه، بل قد يحتمل أن يكون ذلك
~~الحمل إخبارا عن الوضع، أو أريد بالمحمول معنى مجازي يصح الحمل عليه، أو
~~تجوز في الحمل، نحو: الفقاع خمر، إذا علمنا أن الخمر في اللغة أو العرف
~~مخصوص بما يؤخذ من العنب.
# والحكم حينئذ: التوقف كسابقه، وعدم إثبات حكم منه 1، الا مع شيوع تجوز أو
~~حكم ينصرف حينئذ إليه، لان كلا من الوضع والتجوز في المحمول أو الحمل مخالف
~~للأصل، لا يصار إليه إلا بدليل، ولا دليل على تعيين شئ منهما.
# وأما كون ذلك إخبارا بالوضع: فمع كونه خلاف وظيفة الشارع كما قيل 2، ومع
~~احتياجه إلى التجوز، بأن يراد من الخمر لا لفظه، محتاج إلى التقدير، كما
~~مر.
# وثانيها: أن لا يعلم للمحمول معنى معينا، ولكن تردد بين معنيين أو أكثر،
~~يصح الحمل الحقيقي في أحدها دون غيره، نحو: الشهيد ميتة، حيث لا يعلم أن
~~الميتة هل هي موضوعة لمطلق ما خرج روحه، أو تختص بغير الانسان، ولما كان
~~الأصل في الاستعمال الحقيقة، فيجب أن يقال:
# إن الحمل والمحمول هنا مستعملان في معنييهما الحقيقيين، ولازم ذلك:
# كون معنى الميتة هو المطلق.
# وثالثها: أن لا يعلم للمحمول معنى أصلا، ومقتضى الأصول حينئذ أن يكون
~~الموضوع عين المحمول الحقيقي، أو مصداقا له، فيحكم بثبوت كل حكم ثبت
~~للمحمول للموضوع.
# PageV00P172
# عائدة (19) في بيان قاعدة نفي العسر والحرج والمشقة قد شاع وذاع بين
~~الفقهاء: استدلالهم بنفي الحرج، والعسر، والمشقة. و تحقيق ذلك من الأمور
~~المهمة، ولنحققه في أبحاث:
# البحث الأول: في بيان الأدلة الدالة على نفي هذه الثلاثة، ونقل شطر من
~~الأخبار الواردة في المقام فنقول: من الأدلة عليه: دليل العقل، وهو: قبح
~~تحميل ما فيه هذه الأمور، ولكنه مختص ببعض أفرادها، وهو ما كان متضمنا
~~لتحميل 1 ما هو خارج عن الوسع والطاقة، أعني: كان تكليفا بما لا يطاق، ولا
~~يمكنه الاتيان به.
# وأما ما سوى ذلك، فلا قبح فيه ms106 إذا كان بإزائه عوض وأجر، أو دفع مضرة و
~~نقصان، ولذا ترى العقلاء يحملون أولادهم وعبيدهم مشاق كثيرة، فيحجمونهم،
~~ويأمرونهم بشرب الأشربة الكريهة، بل قد يقطعون أعضاءهم.
# ولو كان تحميل كل ما كان فيه مشقة قبيحا، لبطل كثير من التكاليف،
~~لاشتمالها على المشقة، بل إن معنى التكليف: هو حمل ما فيه كلفة ومشقة.
# PageV00P173
# ومنها: الاجماع، وهو أيضا كالأول مخصوص بما لا يمكن تحمله، وأماما أمكن
~~ولو بالمشقة الشديدة، فلم يثبت اجماع على نفيه بعمومه، وإن وقع الاجماع في
~~بعض المواقع الخاصة.
# ومنها: الآيات:
# قال الله سبحانه: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) 1.
# وقال تبارك وتعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من
~~قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) 2 الآية.
# وقال عز شأنه: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) 3.
# وقال عز شأنه: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) 4.
# وقال سبحانه: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) 5.
# ومنها: الاخبار، وهي كثيرة جدا، وهنا نذكر شطرا منها ومما يناسب المقام:
# الأول ما رواه في قرب الاسناد عن الصادق عليه السلام، عن أبيه (ع)، عن
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (أعطى الله أمتي وفضلهم به على سائر
~~الأمم، أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلا الأنبياء، وذلك أن الله تعالى كان
~~إذا بعث نبيا قال له: اجتهد في دينك ولا حرج عليك، وإن الله تعالى أعطى
~~أمتي ذلك حيث يقول: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) يقول: من ضيق) 6
~~الحديث.
# الثاني: صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام - وهي طويلة - وفيها: (فلما
~~وضع الوضوء عمن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا، لأنه قال:
# PageV00P174
# (بوجوهكم) 1 ثم وصل بها: (وأيديكم) ثم قال (منه) أي من ذلك التيمم لأنه
~~علم أن ذلك لم يجز على الوجه، لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف، ولا يعلق
~~ببعضها، ثم قال: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج) والحرج:
# الضيق). 2 الثالث: صحيحة الفضيل ms107 بن يسار، عن أبي عبد الله (ع) قال في
~~الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الاناء، فقال: (لا بأس (ما جعل عليكم
~~في الدين من حرج)) 3.
# الرابع: صحيحة أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن
~~الجنب يجعل الركوة أو التور 4، فيدخل إصبعه فيه، قال: (إن كانت يده قذرة
~~فليهرقه، وان كان لم يصبها قذر فليغتسل منه، هذا مما قال الله تعالى: (ما
~~جعل عليكم في الدين من حرج) 5.
# الخامس: موثقة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنا نسافر
~~فربما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فتكون فيه العذرة،
~~ويبول فيه الصبي، وتبول فيه الدابة وتروث، فقال: (إن عرض في قلبك منه شئ
~~فقل هكذا - يعنى افرج الماء بيدك - ثم توضأ، فان الدين ليس بمضيق، فان الله
~~عز وجل يقول:
# (ما جعل عليكم في الدين من حرج) 6.
# PageV00P175
# السادس: رواية عبد الاعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد الله عليه
~~السلام:
# عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟
# فقال: (يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله، قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في
~~الدين من حرج) فامسح عليه) 1 السابع: حسنة محمد بن الميسر، قال: سألت أبا
~~عبد الله عليه السلام عن الرجل الجنب ينتهى إلى الماء القليل في الطريق
~~ويريد أن يغتسل منه، وليس معه إناء يغرف به ويداه قذرتان، قال: (يضع يده
~~ويتوضأ، ثم يغتسل، هذا مما قال الله تعالى: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)
~~2 الثامن: صحيحة البزنطي، قال مسألته عن الرجل يأتي السوق فيشتري جبة قراء،
~~لا يدري أذكية هي أم غير ذكية، أيصلي فيها؟ قال: (نعم، ليس عليكم المسألة،
~~إن أبا جعفر عليه السلام كان يقول: إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم،
~~وإن الدين أوسع من ذلك) 3 التاسع: رواية المعلى بن خنيس، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام، أنه قال: (إنا والله لا ندخلكم الا فيما يسعكم) 4 العاشر:
~~رواية حمزة ms108 بن الطيار، عن أبي عبد الله عليه السلام - والحديث طويل - و
~~فيها بعد ذكر قضاء الصلاة إذا نام عنها، والصيام للمريض بعد الصحة، قال: (و
~~كذلك إذا نظرت في جميع الأشياء، لم تجد أحدا في ضيق) إلى أن قال: (وما
~~أمروا إلا بدون سعتهم، وكل شئ امر الناس به فهم يسعون له، وكل شئ
# PageV00P176
# لا يسعون له فهو موضوع عنهم) 1 الحادي عشر: صحيحة هشام بن سالم، عن أبي
~~عبد الله (ع)، قال: (الله أكرم من أن يكلف الناس ما لا يطيقون) 2 الثاني
~~عشر: رواية حمزة بن حمران، عن أبي عبد الله عليه السلام وفيها، قلت:
# أصلحك الله، إني أقول: ان الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا
~~يستطيعون، ولم يكلفهم الا ما يطيقون، إلى أن قال: قال: (هذا دين الله الذي
~~أنا عليه و آبائي) 3 الثالث عشر: ما رواه في قرب الاسناد باسناده إلى
~~الصادق عليه السلام، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: (لا غلظ على
~~مسلم في شئ) 4 الرابع عشر: المروي في الكافي وتوحيد الصدوق، والخصال،
~~وغيرها بطرق متعددة، مع قليل تفاوت في الألفاظ أنه قال رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم: (رفع عن أمتي تسعة: الخطأ، والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما
~~لا يعلمون، وما لا يطيقون، وما اضطروا إليه) 5 الخامس عشر: ما رواه في
~~العقائد، عن الصادق (ع)، أنه قال: (والله ما كلف العباد إلا دون ما يطيقون)
~~6 الحديث.
# والروايات بهذا المضمون كثيرة جدا، وكذلك الروايات التي استشهد فيها
~~الامام بنفي الحرج.
# السادس عشر: ما رواه العياشي في تفسيره، عن أحدهما عليهما السلام،
# PageV00P177
# في آخر البقرة، قال: (لما دعوا أجيبوا) ويشير به إلى قوله: (ربنا ولا
~~تحمل علينا إصرا) 1 - 2 إلى اخره.
# السابع عشر: ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره، عن الصادق عليه السلام،
~~في تفسير قوله سبحانه: (ربنا لا تؤاخذنا) الآية: (إن هذه الآية مشافهة الله
~~لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم لما أسرى به إلى ms109 السماء، قال النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم: انتهيت إلى سدرة المنتهى) إلى أن قال:
# (فناداني ربي تبارك وتعالى: آمن الرسول بما انزل إليه من ربه، 3 فقلت أنا
~~مجيبه عني وعن أمتي: والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) 4 إلى
~~أن قال: (فقلت: ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا، فقال الله: لا أؤاخذك،
~~فقلت ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، فقال الله:
~~لا أحملك. فقلت: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) إلى أن قال: (فقال
~~الله تبارك و تعالى: قد أعطيتك، ذلك لك ولأمتك) فقال الصادق عليه السلام:
~~(ما وفد إلى الله تبارك وتعالى أحد أكرم من رسول الله (ص) حين سأل لامته
~~هذه الخصال) 5 وروى العياشي ما في معناه في حديث بدون قوله: فقال الصادق
~~عليه السلام إلى اخر الحديث 6.
# الثامن عشر: ما رواه الطبرسي في الاحتجاج عن الكاظم (ع)، عن آبائه، عن
~~أمير المؤمنين عليهم السلام: في حديث يذكر فيه مناقب رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم، قال:
# إنه أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسيرة شهر، وعرج به في
~~ملكوت السماوات مسيرة خمسين الف عام، في أقل من ثلث ليلة، حتى انتهى
# PageV00P178
# إلى ساق العرش) إلى أن قال: (قال سبحانه: لا يكلف الله نفسا الا وسعها
~~لها ما كسبت من خير، وعليها ما اكتسبت من شر.
# فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع ذلك: أما إذا فعلت ذلك بي
~~وبأمتي فزدني، قال:
# سل، قال: ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. قال الله عزو جل: لست
~~أؤاخذ أمتك بالنسيان والخطأ، لكرامتك علي، وكانت الأمة السالفة إذا نسوا ما
~~ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد رفعت ذلك عن أمتك، وكانت الأمم
~~السالفة إذا أخطأوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت ذلك عن أمتك،
~~لكرامتك علي.
# فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إذا أعطيتني ذلك فزدني، فقال
~~الله تعالى:
# سل، ms110 قال: ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، يعني
~~بالإصر:
# الشدائد التي كانت على من كان قبلنا.
# فاجابه الله إلى ذلك، فقال تبارك اسمه: قد رفعت عن أمتك الآصار التي كانت
~~على الأمم السالفة، كنت لا أقبل صلاتهم إلا في بقاع من الأرض معلومة
~~اخترتها لهم وإن بعدت، وقد جعلت الأرض كلها لأمتك مسجدا وطهورا، فهذه من
~~الآصار التي كانت على الأمم قبلك فرفعتها عن أمتك.
# وكانت الأمم السالفة إذا أصابهم أذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت
~~الماء لأمتك طهورا، فهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك.
# وكانت الأمم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى البيت المقدس، فمن
~~قبلت ذلك منه أرسلت إليه نارا فأكلته فرجع مسرورا، ومن لم أقبل ذلك منه رجع
~~مبتورا. وقد جعلت قربان أمتك في بطون فقرائها ومساكينها، فمن قبلت ذلك منه
~~أضعفت له أضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت منه عقوبات الدنيا، وقد
~~رفعت ذلك عن أمتك، وهي من الآصار التي كانت على الأمم السالفة قبلك.
~~PageV00P179
# وكانت الأمم السالفة صلاتها مفروضة عليها في ظلم الليل وأنصاف النهار،
~~وهي من الشدائد التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وفرضت عليهم صلاتهم في
~~أطراف الليل والنهار وفي أوقات نشاطهم.
# وكانت الأمم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا، و هي من
~~الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي
~~إحدى وخمسون ركعة، وجعلت لهم أجر خمسين صلاة.
# وكانت الأمم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة، وهي من الآصار التي
~~كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وجعلت الحسنة بعشر، والسيئة بواحدة.
# وكانت الأمم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة ثم لم يعملها لم تكتب له، وان
~~عملها كتبت له حسنة، وان أمتك إذا هم أحدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة،
~~وان عملها كتبت له عشرا، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك.
# وكانت الأمم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها ms111 لم تكتب عليه، وإن
~~عملها كتبت عليه سيئة، وأن أمتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له
~~حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم، فرفعت ذلك عن أمتك.
# وكانت الأمم السالفة إذا أذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم
~~من الذنوب أن حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن
~~أمتك، وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت
~~توبتهم بلا عقوبة، ولا أعاقبهم بان أحرم عليهم أحب الطعام إليهم.
# وكانت الأمم السالفة يتوب أحدهم من الذنب الواحد مائة سنة أو ثمانين سنة
~~أو خمسين سنة، ثم لا أقبل توبته، دون أن أعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من
~~الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن أمتك، وأن الرجل من أمتك ليذنب عشرين
~~سنة أو ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو مائة ثم يتوب ويندم طرفة عين، فاغفر له
~~ذلك كله. PageV00P180
# فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم إذا أعطيتني ذلك كله فزدني،
~~قال: سل، قال: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
# قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بك وبأمتك، وقد رفعت عنهم عظيم بلايا الأمم،
~~وذلك حكمي في جميع الأمم أن لا أكلف خلقا فوق طاقتهم) 1 الحديث، إلى غير
~~ذلك من الاخبار.
# ويؤكد ذلك المعنى قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (بعثت بالحنيفية السهلة
~~السمحة) 2.
# البحث الثاني: قد ورد في تلك الآيات والاخبار ألفاظ: الطاقة، والسعة،
~~والضيق، والاستطاعة، والإصر، والحرج، والعسر.
# فالطاقة: هي بمعنى القدرة والقوة.
# قال الجوهري: وهو في طوقي، أي وسعي، وطوقني الله أداء حقك، أي قواني 3
~~وفي القاموس: طوقني الله أداء حقه، قواني عليه 4 وفي النهاية لابن الأثير:
~~وددت أني طوقت ذلك، أي: ليته جعل داخلا في طاقتي وقدرتي. وقال أيضا: كل
~~امرئ مجاهد بطوقه، أي أقصى غايته، وهو اسم لمقدار ما يمكن أن يفعل بمشقة
~~منه 5.
# وفي مجمع البحرين: وقد أطقت بالشئ إطاقة: قدرت عليه، ومنه إن أمتك لا
~~تطيق، أي لا تقدر عليه ms112 6 والسعة: تطلق على معنيين:
# PageV00P181
# أحدهما: الجدة والطاقة: والثاني: خلاف الضيق.
# قال الجوهري: الوسع والسعة: الجدة والطاقة. وقال أيضا: والتوسيع:
# خلاف التضييق 1 وفي القاموس: وما أسع ذلك: ما أطيقه، والواسع: ضد الضيق،
~~كالوسيع 2.
# وفي المجمع: السعة بالتحريك: الجدة والطاقة، والسعة: عدم الضيق.
# والتوسيع: خلاف التضييق 3 ومن ذلك علم معنى الضيق أيضا، وفسر بالمشقة
~~أيضا في قولهم: وضاق بالامر ذرعا أي: شق عليه 4 والاستطاعة أيضا بمعنى:
~~الطاقة والقدرة.
# ففي الصحاح: الاستطاعة: الإطاقة 5 وفي النهاية الأثيرية: الاستطاعة:
~~القدرة على الشئ 6 وفي المجمع: من استطاع إليه سبيلا أي قدر على ذلك، و (لن
~~تستطيع معي صبرا) أي لن تقدر على ما أفعل 7 وأما الإصر:
# ففي الصحاح: أصره: حبسه، وأصرت الشئ أصرا: كسرته. إلى أن قال: والإصر:
~~العهد، والإصر: الذنب والثقل 8.
# PageV00P182
# في القاموس: الإصر: الكسر، والعطف، والحبس، وبالكسر: العهد والذنب 1.
# وفي النهاية: الإصر: الاثم والعقوبة، وأصله من الضيق والحبس، يقال:
# أصره يا صره إذا حبسه وضيق عليه 2.
# وفي مجمع البحرين: (ولا تحمل علينا إصرا) أي ذنبا يشق علينا. وقيل: عهدا
~~نعجز عن القيام به، وقيل: أصل الإصر: الذنب الضيق والحبس. يقال: أصره
~~يأصره: إذا ضيق عليه وحبسه، و يقال: للثقل إصرا 3.
# وفسره في حديث الاحتجاج: بالشدائد كما مر 4.
# والحرج: الضيق.
# في الصحاح: مكان حرج، أي ضيق. وفسره بالإثم أيضا 5 وقريب منه في القاموس
~~6 وفى النهاية: الحرج في الأصل: الضيق، ويقع على الاثم والحرام. و قيل:
~~الحرج أضيق الضيق 7 وفي المجمع: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: ما
~~ضيق، بأن يكلفكم ما لا طاقة لكم به، وما تعجزون عنه 8 وفي كلام الشيخ علي
~~بن إبراهيم: الحرج: الذي لا مدخل له، والضيق: ما
# PageV00P183
# يكون له مدخل 1. وقد فسر في الأحاديث المتقدمة 2 بالضيق أيضا.
# والعسر: واضح المعنى، وهو نقيض اليسر.
# قال في النهاية: العسر: ضد اليسر، وهو الضيق والشدة والصعوبة 3.
# وفي المجمع: عسر، أي صعب شديد، وأعسر الرجل: أضاق 4.
# ثم ظهر مما ذكر: أن ms113 الاستطاعة والطاقة بمعنى واحد، هو القدرة. والسعة
~~أيضا إما راجعة إليهما، أو إلى عدم الضيق، وان الحرج أيضا: هو الضيق.
# والعسر يحتمل أن يكون مع الضيق بمعنى واحد، بان يكون معنى العسر: ما فيه
~~صعوبة شديدة، وأصله حد الضيق، أو يكون معنى الضيق: ما فيه صعوبة مطلقا.
# وأن يكون أعم منه، بان يصدق على كل صعب وشديد، ولا يصدق الضيق إلا على ما
~~كان في غاية الصعوبة والشدة والظاهر من العرف هو الأخير، فان أهل العرف
~~يطلقون العسر على كل شديد صعب، ولا يطلقون الضيق عليه، ولم يثبت من اللغة
~~خلاف ذلك أيضا.
# وأما الإصر: فهو أيضا كما عرفت لا يخرج عن العسر والضيق، بل إما بمعنى
~~الأول، أو الثاني، أو بمعنى بعض مراتب أحدهما.
# وكيف كان فاللازم مما ذكر: أن الثابت من الآيات والاخبار انتفاء التكليف
~~بأمور ثلاثة: مالا يطاق، وما فيه الضيق، وما فيه العسر.
# وأما ما في الخامس عشر: من نفي التكليف بقدر الطاقة أيضا، بل لابد وأن
~~يكون أدون منه، فهو ليس نفي أمر وراء الضيق والعسر، لصدقهما على ما
# PageV00P184
# يساوي القدرة والطاقة، مع أن الرواية في نفسها ضعيفة غير صالحة لاثبات
~~أصل بدون مساعدة غيرها إياها. وكذا الرواية الثالثة عشر.
# البحث الثالث اعلم أن مراتب التكاليف المتصورة عقلا أربعة:
# ما دون العسر، ويطلق عليه السعة، والسهولة، واليسر.
# والعسر الغير البالغ حد الضيق والضيق الغير البالغ حد ما لا يطاق، وهو
~~الحرج وما لا يطاق، وقد يطلق الحرج على ما يعم ذلك أيضا.
# وأما ما يستفاد من كلام الشيخ الحر في الفصول المهمة: من أن جميع
~~التكاليف فيها العسر، بل الحرج 1، فليس كذلك، لان المرجع في تحقق مصاديق
~~تلك الألفاظ إنما هو العرف، فالعسر: هو ما يعد في العرف شاقا صعبا، ويقال:
~~إنه يشق تحمله، أو يصعب على فاعله.
# ومما لا شك فيه، ولا شبهة تعتريه: أنه إذا كان لمولى عبد هيأ له معاشه و
~~يرزقه ويحسن إليه، إذا أمره باشتراء يسير من اللحم والخبز لعيال ms114 المولى كل
~~يوم من السوق، لا يقال: إنه صعب عليه، أو حمله أمرا عسرا أو شاقا، بل وكذا
~~لو ضم معه كنس بيته، وسقي دابته وعلفها، بل ولو ضم مع الجميع بسط فراشه،
~~وطيه، وإغلاق بابه، وفتحه، ونحو ذلك، بل لابد في تحقق العسر من كون الخدمة
~~مما تشق عرفا، ويصعب عليه تحمله.
# وأمثال ذلك في التكاليف الشرعية خارجة عن حد الاحصاء، فان رد السلام
~~تكليف مع عدم كونه صعبا، بل وكذا الوضوء وركعات من الصلاة، سيما مع عدم
~~مزاحمته لشغل مهم، وعدم كونه في برد شديد، وكذا الصوم، سيما في الأيام
~~الباردة القصيرة.
# PageV00P185
# ومما يدل على ذلك: قوله سبحانه: (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من
~~أيام أخر، يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) 1 فان التعليل دل على
~~أن الصوم مع المرض وفي السفر عسر، وأنه في أيام اخر خالية عن المرض والسفر
~~يسر.
# ثم إن المرتبة الثانية - وهو العسر كما أشرنا إليه - أعم مطلقا من الضيق،
~~فان كل ضيق عسر، ولا عكس، فان من حمل عبده بشرب دواء كريه في يوم مثلا
~~يقال: أنه يعسر عليه، ولا يقال: انه في ضيق، أو ضيق عليه مولاه.
# وكذا من يكوم منتهى طاقته حمل مائة رطل، إذا امر بحمل تسعين مثلا، و نقله
~~إلى فرسخ يقال: إنه يعسر عليه، ولكن لا يقال: إنه في الضيق. نعم لو امر
~~بحمله ونقله كل يوم، يقال: إنه ضيق عليه.
# وكذا يصح أن يقال: إن التوضؤ بالماء البارد في اليوم الشديد البرد مما
~~يعسر، ولكن لا يقال: إن المكلف في ضيق من ذلك.
# والنسبة بين هذه المرتبة والمرتبة الرابعة التباين، إذ لا يطلق العسر إلا
~~على ما يمكن فعله، فما لا يمكن لا يقال: إنه يعسر.
# والمرتبة الثالثة أعم مطلقا من الرابعة، إذ كل ما لا يقدر عليه ضيق، و لا
~~عكس ثم إنه لا كلام لنا في هذا المقام في المرتبتين: الأولى والأخيرة، فان
~~الأولى مما ريب في جواز ms115 التكليف بها وتحققه، ولا شئ هنا يعارض جوازه.
# كما أن التكليف بالأخيرة منتف عندنا عقلا وشرعا، بل انتفاؤه يعم الشرائع
~~كلها، وليس انتفاؤه من باب الأصل، حتى يجوز الخروج عنه بدليل، بل تحققه
~~مطلقا غير جائز.
# وإنما الكلام في المرتبتين: الثانية والثالثة.
# PageV00P186
# البحث الرابع: قد عرفت أنه تكاثرت الآيات، واستفاضت الاخبار على نفي
~~العسر والحرج - أعني الضيق - في الدين والتكاليف، ومقتضى تلك الظواهر:
~~انتفاؤهما رأسا، ولولا غير هذه الظواهر، لم يكن هناك كلام وبحث، بل كان
~~اللازم العمل بعموماتها، ويرجع في تعيين معنى العسر والضيق إلى العرف،
~~فيحكم بانتفاء كل ما يعد في العرف عسرا وضيقا.
# ولكن هناك أمران أوجبا الاشكال في المقام:
# أحدهما: أن نفيهما بعنوان العموم كيف يجتمع مع ما يشاهد من التكاليف
~~الشاقة والاحكام الصعبة التي لا يشك العرف في كونها عسرا أو صعبة 1، بل
~~حرجا وضيقا؟! كالتكليف بالصيام في الأيام الحارة الطويلة، وبالحج، والجهاد،
~~ومقارعة السيف والسنان، والامر بالقرار في مقابلة الشجعان، والنهي عن
~~الفرار من الميدان، وعدم المبالاة بلوم اللوام في اجراء الاحكام، والتوضؤ
~~بالمياه الباردة في ليالي الشتاء، سيما في الاسفار.
# وأشد منها الجهاد الأكبر مع أحزاب الشيطان، والمهاجرة عن الأوطان لتحصيل
~~ما وجب من مسائل الحلال والحرام، وترك الرسوم والعادات المتداولة بين
~~الأنام، المخالفة لما يرضى به الملك العلام، إلى غير ذلك.
# وثانيهما: أنا نرى الشارع ولم يرض لنا في بعض التكاليف بأدنى مشقة، كما
~~يشاهد في أبواب التيمم وغيره، ويلاحظ في الأخبار الواردة عن الأئمة عليهم
~~السلام - التي ذكرنا بعضها - من نفيهم بعض المشاق الجزئية، مستدلين بنفي
~~العسر والحرج، وكذا في كلام الفقهاء.
# ونرى مع ذلك: عدم سقوط التكليف في كثير منها بأكثر وأشد من ذلك.
# ولم أعثر على من تعرض لذلك المقال اجمالا أو تفصيلا، إلا طائفة من
# PageV00P187
# المتأخرين، فإنه قد يوجد في كلماتهم تعرض ما لهذا المضمار.
# فمنها: ما ذكره شيخنا الحر في كتابه المسمى بالفصول المهمة، قال بعد نقل
~~طائفة من الاخبار النافية للحرج: أقول: نفي الحرج مجمل لا ms116 يمكن الجزم به
~~فيما عدا التكليف بما لا يطاق، والا لزم رفع جميع التكاليف 1. انتهى.
# وذلك مبني على تحقق العسر والحرج في جميع التكاليف، وقد عرفت فساده.
~~وإجمال نفي الحرج يقتضي رفع اليد عنه في أبواب الفقه، وهو خلاف سيرة
~~الفقهاء وطريقتهم، بل الكل يتمسكون به في موارد كثيرة، كما لا يخفى على
~~المتتبع ومنها: ما ذكره بعض سادة مشايخنا - طاب ثراه - في فوائده، قال -
~~قدس سره - بعد بيان نفي الحرج: وأما ما ورد في هذه الشريعة من التكاليف
~~الشديدة - كالحج، والجهاد، والزكاة بالنسبة إلى بعض الناس، والدية على
~~العاقلة، و نحوها، فليس شئ منها من الحرج، فان العادة قاضية بوقوع مثلها،
~~والناس يرتكبون مثل ذلك من دون تكليف ومن دون عوض، كالمحارب للحمية، أو
~~بعوض يسير، كما إذا أعطي على ذلك اجرة، فانا نرى أن كثيرا يفعلون ذلك بشئ
~~يسير.
# وبالجملة: فما جرت العادة بالاتيان بمثله والمسامحة وإن كان عظيما في
~~نفسه، كبذل النفس والمال، فليس ذلك من الحرج في شئ.
# نعم تعذيب 2 النفس، وتحريم المباحات، والمنع عن جميع المشتبهات، أو نوع
~~منها على الدوام حرج وضيق، ومثله منتف في الشرع. 3 انتهى.
# أقول: هذا في طرف النقيض من الأول، وكما كان الأول إفراطا، فهذا تفريط،
~~فإنه لو سلم انتفاء الحرج عن بعض التكاليف، حيث إنه يعتبر فيه عسر و
# PageV00P188
# دوام - كما يشير إليه قوله: على الدوام - فلا شك في وجود أمور تشق على
~~الناس وتعسر عليهم، والعسر أيضا منفي كما عرفت.
# بل فيها ما يعد ضيقا عرفا، وهو المراد من الحرج، كما عرفت، فان رفع
~~الأخلاق المذمومة، والمجاهدة مع النفس - سيما بالنسبة إلى بعض الاشخاص -
~~مما لا يخلو من ضيق وحرج.
# ومن لاحظ كلمات الفقهاء، بل الاخبار المستدل فيها بنفي الحرج، يرى أنهم
~~نفوا أمور النفي الحرج هي أسهل بكثير من كثير من التكاليف الثابتة.
# وأما ما ذكره من ارتكاب الناس لمثلها من دون عوض أو بعوض يسير، فهو غير
~~مسلم في مثل الحج، والخمس، والجهاد، والصيام ms117 في الأيام الحارة، و نحوها.
# وأما المحاربة للحمية: فهي لا تدل على عدم عسرها وصعوبتها، بل قد يرتكب
~~للحمية أمور واضحة المشقة، ظاهرة الشدة، وجريان العادة بالاتيان بأمثال ذلك
~~إنما هو ليس مجانا، أو بعوض يسير، كما لا يخفى.
# ومنها: ما ذكره بعض الفضلاء المعاصرين - وقد مر ذكره في عائدة نفي الضرر
~~- قال - سلمه الله تعالى - بعد ذكر الاشكالين: والذي يقتضيه النظر بعد
~~القطع بأن التكاليف الشاقة والمضار الكثيرة واردة في الشريعة: أن المراد
~~بنفي العسر والحرج والضرر: نفي ما هو زائد على ما هو لازم لطبائع التكليفات
~~الثابتة بالنسبة إلى طاقة أوساط الناس المبرئين عن المرض، والقدر الذي هو
~~معيار التكاليف، بل هي منفية من الأصل الا فيما يثبت، وبقدر ما ثبت.
# والحاصل أنا نقول: إن المراد أن الله سبحانه لا يريد بعباده العسر والحرج
~~و الضرر، إلا من جهة التكاليف الثابتة بحسب أحوال متعارف الأوساط، وهم
~~الأغلبون، فالباقي منفي، سواء لم يثبت أصله أصلا أو ثبت ولكن على نهج لا
~~يستلزم هذه الزيادة.
# ثم إن ذلك النفي إما من جهة تنصيص الشارع، كما في كثير من أبواب الفقه
~~PageV00P189
# من العبادات وغيرها، كالقصر في السفر، والخوف في الصلاة، والافطار في
~~الصوم، ونحو ذلك، وإما من جهة التعميم، كجواز العمل بالاجتهاد لغير المقصر
~~في الجزئيات، كالوقت والقبلة ونحوهما، أو الكليات، كالأحكام الشرعية
~~للعلماء 1. انتهى.
# أقول: قد مر في العائدة المذكورة 2 ما تظهر به حقيقة الحال في هذا
~~المقال.
# والحاصل: أن المستفاد مما ذكره أن قاعدة نفي العسر والحرج من باب أصل
~~البراءة دون الدليل أو يكون مقيدا بغير التكاليف الثابتة، ويكون موضع العسر
~~والحرج المنفيين: ما هو زائد عن أصل طبائع التكاليف، وتكون قاعدة نفي العسر
~~والحرج من قبيل: كل شئ مطلق حتى يرد فيه أمر أو نهي، ونحوه.
# فكل تكليف ثبت بالخصوص أو العموم أو التقييد أو الاطلاق، يكون خارجا عنه.
~~فكل ما كان عليه دليل عام أو خاص، لا تعارضه قاعدة نفي الضرر وهذا مناف
~~لطريقة الفقهاء ms118 في استدلالاتهم بقاعدة نفي العسر وا لحرج، بل منهم من صرح:
~~أن قاعدة نفي الحرج ليست من باب الأصل الذي جاز الخروج عنه بدليل، كسائر
~~العمومات، بل لا يعارضها دليل أصلا، كما يأتي 3.
# نعم: لو كان مراده أنه بعد ملاحظة عمومات التكاليف وخصوصاتها، و ملاحظة
~~التعارض بينها وبين أدلة نفي العسر والحرج، وإعمال القواعد الترجيحية،
~~وإخراج ما ثبت ترجيحه من التكاليف الصعبة العسرة، تقيد أدلة نفيهما بغير
~~هذه المخرجات، لكان صحيحا كما سنذكره.
# ومنها: أن العسر والحرج في الأمور إنما يختلف باختلاف العوارض الخارجية،
~~فقد يكون شئ عسرا وحرجا، يصير باعتبار أمر خارجي سهلا و سعة.
# PageV00P190
# ومن الأمور الموجبة لسهولة كل عسير، وسعة كل ضيق: مقابلته بالعوض الكثير،
~~والاجر الجزيل.
# ولا شك أن كل ما كلف به الله سبحانه يقابله ما لا يحصى من الاجر (من جاء
~~بالحسنة فله عشر أمثالها) 1 وعلى هذا: فلا يكون شئ من التكاليف عسرا أو
~~حرجا.
# وما لم يرض الله سبحانه فيه بأدنى مشقة، يكون من الأمور التي لا يقابلها
~~أجر، ولا يستحق فاعلها عوض وثواب.
# وما كلف به من الأمور الشاقة ظاهرا، فقد ارتفعت مشقتها بما وعد لها من
~~الاجر الجميل والثواب الجزيل.
# ولا يخفى أن اللازم من ذلك أيضا كسابقه: عدم معارضة قاعدة نفي العسر
~~والحرج بشئ من الأدلة، بل عدم ترتب فائدة في التمسك بها، إذ كل ما ثبت فيه
~~التكليف عموما أو خصوصا، فلا تكون القاعدة فيه جارية، وكذا كل ما كان
~~التكليف به مشكوكا فيه، وما لم يكن كذلك، فالتكليف فيه منفي من غير حاجة
~~إلى أمر اخر.
# هذا، مضافا إلى أن انتفاء العسر والحرج من كل فعل باعتبار مقابلته بالعوض
~~الكثير في حيز المنع، فإنه لا شك أن أنفس الأعواض هي الحياة ولا ريب أن من
~~توقفت حياته على قطع عضو منه كالرجل أو اليد التي عرضتها الشقاقلوس 2، يعد
~~قطع عضوه عسرا وصعبا.
# والتحقيق أن الأمور الصعبة على قسمين:
# قسم ترد صعوبته ومشقته على القلب والخاطر من غير ms119 صعوبة فيه على البدن
~~والجسم، كالتضرر المالي مثلا، وهذا يرتفع صعوبته إذا
# PageV00P191
# قابله أمر اخر أهم في القلب منه.
# وقسم ترد صعوبته على البدن، كحمل الشئ الثقيل، وقطع العضو و أمثال ذلك،
~~وهذا لا ترتفع صعوبته وإن قابله من الاجر ما قابله.
# نعم، لما كان للقلب أيضا صعوبة في تحمل الصعاب البدنية، فإذا قابله الأهم
~~منه، يسهل تحمل الصعوبة معه، أي ترتفع صعوبته القلبية، فلا يخرج من العسر
~~والحرج.
# هذا ما عثرت عليه مما ذكروه في هذا المقام والتحقيق: أنه لا حاجة إلى
~~ارتكاب أمثال هذه التأويلات والتوجيهات، بل الامر في قاعدة نفي العسر
~~والحرج كما في سائر العمومات المخصصة الواردة في الكتاب الكريم، والأخبار
~~الواردة في الشرع القويم، فان أدلة نفي العسر والحرج تدلان على انتفائهما
~~كلية، لأنهما لفظان مطلقان واقعان موقع النفي، فيفيدان العموم.
# وقد ورد في الشرع: التكليف ببعض الأمور الشاقة والتكاليف الصعبة أيضا،
~~ولا يلزم من وروده إشكال في المقام، كما لا يرد بعد قوله سبحانه: (و أحل
~~لكم ما وراء ذلكم) 1 إشكال في تحريم كثير مما وراءه، ولابعد قوله: (قل لا
~~أجد فيما أوحي إلي محرما) 2 إلى اخره: تحريم أشياء كثيرة، بل يخصص بأدلة
~~تحريم غيره عموم ذلك. فكذا هاهنا، فان تخصيص العمومات بمخصصات كثيرة ليس
~~بعزيز، بل هو أمر في أدلة الاحكام شائع، وعليه استمرت طريقة الفقهاء.
# فغاية الامر: كون أدلة نفي العسر والحرج عمومات يجب العمل بها فيما لم
~~يظهر لها مخصص، وبعد ظهوره يعمل بقاعدة التخصيص، فلا يرد
# PageV00P192
# شئ من الاشكالين.
# ولعل لذلك لم يتعرض الأكثر لذكر إشكال في ذلك، إذ لا إشكال في تخصيص
~~العمومات بالمخصصات.
# ولا يلزم هناك تخصيص الأكثر أيضا 1، فان الأمور العسرة الصعبة غير
~~متناهية، والتكاليف الواردة في الشريعة محصورة متناهية، ومع ذلك أكثرها مما
~~ليس فيه صعوبة ولا مشقة كما بيناه 2.
# وأما عدم رضى الله سبحانه بأدنى مشقة في بعض الأمور، ورضاه بما هو أصعب
~~منه كثيرا في بعض، فلا يعلم أن عدم رضاه بالأول ms120 لكونه صعبا وعسرا، بل لعله
~~لأمر اخر، ولو علم أنه لذلك، فلا منافاة بين عدم رضاه بمشقة، ورضاه بمشقة
~~أخرى، لمصلحة خفية عنا.
# وأما احتجاج الأئمة الأطياب لنفي التكليف في بعض الأمور: بانتفاء العسر
~~والحرج، فهو كاحتجاجهم لحلية بعض الأشياء بقوله سبحانه: (قل لا أجد فيما
~~أوحي إلي) إلى اخره، ومرجعه إلى الاحتجاج بعموم نفيه سبحانه الحرج، و عدم
~~وجود ما يخصص ذلك.
# ومن هذا يرتفع الاشكال من بعض الأحاديث الذي نفى الامام فيه الحكم، محتجا
~~بكونه حرجا، مع وجود ما هو أشق منه في الاحكام، فان غرضه عليه السلام ليس
~~أنه منفي لكونه حرجا، ولا يمكن تحقق الحرج في الحكم، بل المراد أنه حرج،
~~فيكون داخلا تحت عموم قوله سبحانه: (ما جعل عليكم في الدين من حرج) فلا
~~يحكم بخلافه، إلا أن توجد له مخصص، ولا مخصص لهذا الحكم.
# PageV00P193
# وأكثر تلك الاحتجاجات عنهم إنما وقع في مقام الرد على العامة العمياء.
# ومن ذلك يظهر أيضا الوجه في احتجاج الفقهاء بانتفاء بعض الأحكام الجزئية
~~بنفي العسر والحرج، ولا يلتفتون إليه في أحكام اخر أصعب منه وأشد.
# البحث الخامس: وإذ عرفت ما ذكرنا لك في المقام، فاعلم: أن وظيفتك في
~~الاحكام بالنسبة إلى أدلة نفي العسر والحرج، مثل وظيفتك في سائر العمومات.
# فتعين أولا معنى العسر والحرج، وتحكم بانتفائهما في الاحكام عموما إلا ما
~~ظهر له مخصص، وتتفحص عن مخصصات أدلة نفي الحرج والعسر، فان ظهر لها معارض
~~أخص منها مطلقا، تخصصها به، وان كان أخص من وجه أو مساويا لها، فتعمل فيهما
~~بالقواعد الترجيحية، ومع انتفاء الترجيح ترجع إلى ما هو المرجع عند اليأس
~~عن التراجيح.
# ثم وظيفتك في تعيين معنى العسر والحرج ما هو وظيفتك في تعيين معاني سائر
~~الألفاظ.
# فبعد ما عرفت في اللغة والعرف، ومن التفاسير الواردة في الأحاديث، أن
~~العسر: هو الصعب الشاق، والحرج: هو الضيق، فترجع في تعيينهما، إلى العرف
~~والعادة، فكل ما يعد في العادة شاقا وصعبا، أو ضيقا، يكون عسرا أو حرجا،
~~وما ms121 لم يحصل لك فيه القطع بدخوله تحتهما، تعمل فيه بمقتضى الأصل، لا أصالة
~~عدم كونه عسرا أو حرجا، إذ لا أصل، بل أصالة عدم خروجه عن تحت العام
~~التكليفي، الذي يدل على ورود التكليف عليه.
# ويلزم في تعيين معناهما ملاحظة الأوقات والحالات، فإنه قد يكون شئ مشقة
~~في وقت أو حال، بل بالنسبة إلى شخص دون اخر.
# واللازم فيه أن يعد في العرف مشقة وعسرا إن كان الفعل صعبا على فاعله عند
~~أكثر الناس وان لم يكن صعبا على الأكثر من جهة اختلاف حال PageV00P194
# فاعله مع حال الأكثر.
# ولا يكفي كونه صعبا عليه عنده أو عند شخص، إذ بمجرد ذلك لا يتحقق العسر
~~العرفي، بل اللازم كونه صعبا عليه عند عامة الناس ثم إذا تحققت المشقة
~~والعسرية في فعل عرفا، يلزم الحكم بدخوله تحت عمومات نفي العسر والحرج،
~~سواء كان من أدنى مراتب العسر والحرج، أو أعلاها، أو المتوسط بينهما.
# والحاصل: أنه بمجرد صدق العسر عادة يحكم بذلك، فلا يرد ما قد يستشكل: من
~~عدم انضباط قدر الحرج المنفي.
# ثم يرجع إلى دليل التكليف، فان لم يعارضها منه شئ أصلا، يحكم بانتفائه
~~قطعا، وان عارضها وكان أخص منها، تخص به، وان كان بينهما عموم من وجه أو
~~تساو، يرجع إلى القواعد.
# وقد يرجح جانب التكليف باجماع ونحوه، ولكن اللازم الاقتصاد على القدر
~~الذي ثبت فيه الاجماع، فإنه قد يثبت بالاجماع التكليف في شئ مع مرتبة من
~~المشقة، ولا يثبت الاجماع في مرتبة فوقها، فعليك بالاجتهاد التام.
# ومما ذكرنا يظهر سر ما يرى في كلمات الفقهاء من أنهم قد يستدلون بانتفاء
~~حكم فيه أدنى مشقة: بانتفاء العسر والحرج، ولا يستدلون فيما هو أشد من ذلك
~~بكثير به.
# البحث السادس: قد ظهر مما ذكرنا: أن قاعدة نفي العسر والحرج من قبيل سائر
~~العمومات، يجوز تخصيصها بالمخصصات، وأنها أصل لا يخرج عنه إلا مع دليل.
# وقد ذكرنا أن بعضهم قال: إنه ليس كذلك، وهو بعض سادة مشايخنا طاب ثراه،
~~قال قدس سره: وليس ms122 المراد أن الأصل نفي الحرج، وأن الخروج عنه جائز، كما في
~~سائر العمومات الواردة في الشريعة. PageV00P195
# أما على تقدير اختصاص رفع الحرج بهذه الشريعة فظاهر، وإلا لزم أن تكون
~~مساوية لغيرها في الاشتمال على الحرج والضرر. والفرق بالقلة والكثرة تعسف
~~شديد.
# وأما على العموم: فلاجماع المسلمين على أن الحرج منفي في هذا الدين، و
~~لان التكليف بما يفضي إلى الحرج مخالف لما عليه أصحابنا من وجوب اللطف على
~~الله، فان الغالب أن صعوبة التكليف المفضية إلى حد الحرج تبعد عن الطاعة،
~~وتقرب عن المعصية بكثرة المخالفة، ولأن الله تعالى أرحم بعباده، و أرأف من
~~أن يكلفهم ما لا يتحملونه من الأمور الشاقة، وقد قال الله سبحانه:
# (ولا يكلف الله نفسا الا وسعها) 1. انتهى.
# أقول: بل التحقيق ما ذكرنا 2 من كون نفي الحرج والعسر أصلا يخرج عنه
~~بدليل، ولا يلزم منه مساواة هذه الشريعة لغيرها في الاشتمال على الحرج، لان
~~الحرج له مراتب كثيرة، منها ما يقرب إلى العجز وعدم الطاقة، فيمكن أن يكون
~~المنفي وجوده في هذه الشريعة بعض مراتبه، كما نذكره في البحث السابع.
# فان قلت: على ما ذكرت يجوز تخصيص هذه المرتبة أيضا من تلك العمومات.
# قلت: نعم، ولكن الجواز غير الوقوع. والفرق إنما هو في الوقوع وعدمه، لا
~~في الجواز وعدمه.
# وأما ما ذكره من اجماع المسلمين على نفي الحرج في هذا الدين، فالمسلم منه
~~ما كان تكليفا بما لا يطاق، أو ما يقرب منه، ويوجب ضيقا شديدا في غاية
~~الشدة، وأما ما دونه، فلا، كيف وقد عرفت تصريح بعضهم بكون جميع التكاليف
~~الواقعة حرجا، وبعضهم بوقوع التكاليف الشديدة في الدين!؟ وما أجمع عليه
~~المسلمون وهو ورود نفي الحرج في الشرع على سبيل العموم، لا أنه لا مخصص له.
# PageV00P196
# وأما ما ذكره من مخالفته لما يجب على الله سبحانه من اللطف، فبعد إغماض
~~النظر عن مطالبته بمعنى اللطف والمراد منه، وأنه هل هو ما كان لطفا عندنا،
~~أو في الواقع وان لم ندرك وجه لطفه، أو ms123 نظن عدم كونه لطفا، وعن أن الواجب
~~عليه هل هو اللطف في الجملة، أو كل لطف؟
# نقول: إنه قد يترتب على أمر صعب وضيق، سهولة وسعة كثيرة دائمية أعلى
~~وأرفع من هذا الصعب، ومقتضى اللطف حينئذ: التكليف بالصعب الأدنى للوصول إلى
~~السعة الاعلى، كما أن الأب الرؤوف يضيق على ولده بحبسه في المكتب ومنعه عن
~~الأغذية المرغوبة له لراحته عند الكبر، بل يحتجمه ويقطع أعضاءه لدفع
~~الأمراض.
# وأما إيجاب ذلك كثرة المخالفة، فهو غير مناف للطف، فإنه نقص من جانب
~~المكلف. ولو أوجب ذلك عدم التكليف، لزم أن يكون مقتضى اللطف عدم التكليف،
~~لايجابه المخالفة، ولا فرق فيها بين الكثرة والقلة، مع أنا نرى كثرة
~~المخالفة بحيث تجاوزت عن الحد، ولم يوجبها إلا أصل التكليف.
# وأما قوله سبحانه: (لا يكلف الله نفسا الا وسعها) 1 فالمراد بالوسع:
# الطاقة كما عرفت، مع أنه لو أريد منه مقابل الضيق، فهو أيضا كواحد من
~~العمومات الصالحة للتخصيص.
# البحث السابع: قال السيد السند المذكور - قدس الله نفسه الزكية - بعد ما
~~ذكر انتفاء التكليف بما فوق الطاقة في جميع الأديان، وثبوته بالسعة في
~~الجميع:
# أما التكليف بقدر الطاقة - والمراد به ما فوق السعة ما لم يصل إلى
~~الامتناع العقلي أو العادي - فلم يقع التكليف به في شرعنا، لقوله تعالى:
~~(ما جعل عليكم في
# PageV00P197
# الدين من حرج) 1 وقوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)
~~2 و قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (دين محمد حنيف) 3 وقوله صلى الله عليه
~~وآله وسلم: (بعثت بالحنيفية السهلة السمحة) 4.
# وقد وقع في الشرائع السابقة، لقوله تعالى: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما
~~حملته على الذين من قبلنا) 5 وقوله سبحانه: (والاغلال التي كانت عليهم) 6
~~وما ورد في الاخبار في بيان التكليفات الشاقة التي كانت على بني إسرائيل.
# وهل كان التكليف بالقياس إليهم حرجا وإصرا، أو هي بالنسبة إلينا كذلك؟
# والظاهر الأول. وحديث المعراج 7 وقول موسى لنبينا صلى الله عليه وآله
~~وسلم: (أمتك لا ms124 تطيق ذلك) 8 يؤيد الثاني. وما في السير من بيان بسطة
~~الأولين في الأعمار والأجسام وشدتهم وطاقتهم على تحمل شدائد الأمور يعاضده.
# وعلى هذا، فالحرج منفي في جميع الملل، وانما يختلف الحال بحسب اختلاف
~~أهلها، فما هو حرج بالقياس إلينا لم يكن حرجا حيث شرع، ولكن الامتنان ينفي
~~الحرج في هذا الدين كما هو الظاهر من الآية، ورفع الأغلال والآصار يمنع ذلك
~~9. انتهى.
# قوله قدس سره: أما التكليف ما فوق السعة ما لم يصل إلى الامتناع العقلي،
~~فلم يقع التكليف به في شرعنا، إن أراد بعض مراتبه، وهو ما كان في غاية
~~الشدة
# PageV00P198
# وله استمرار ودوام، فله وجه. وإن أراد مطلقا فهو ممنوع، وما استدل به
~~عمومات للتخصيص قابلة.
# قوله: وقد وقعت في الشرائع السابقة، وهو كذلك. والفرق بين سائر الشرائع
~~وبين شرعنا على القول بوقوع بعض مراتبه في شرعنا أيضا، إما باعتبار المراتب
~~أو باعتبار بعض الآصار الخاصة، فالمراد بقوله تعالى: (ولا تحمل علينا إصرا
~~كما حملته على الذين من قبلنا) أي: إصرا حملته أو حملت مثله عليهم، لا مطلق
~~الإصر. وكذا في الأغلال، أي: خصوص الأغلال التي كانت عليهم أو ما يشابهها
~~البحث الثامن: يمكن اختلاف العسر والحرج بالنسبة إلى الأعصار والأمصار، كما
~~يمكن اختلافهما بالنسبة إلى الاشخاص والأحوال، فكما أنه يكون شئ عسرا أو
~~حرجا بالنسبة إلى شخص دون اخر كالقوي والضعيف، أو بالنسبة إلى حال دون حال
~~كالشباب والهرم أو الصحيح والمريض، كذا قد يكون شئ عسرا أو حرجا في زمان
~~دون زمان، أو بلد دون اخر باعتبار التعارف والتداول، و حصول الملامة وعدمه.
# البحث التاسع: اعلم أن المستفاد من أدلة نفي العسر والمشقة: أنهما موجبان
~~للتخفيف، وذلك يستعمل في موردين:
# أحدهما: أنهما يوجبان لحكمنا بالتخفيف من الله سبحانه، وبعدم 1 كون ما
~~فيه المشقة تكليفا لنا، لعموم أدلة نفيها. وهذا يكون في كل مورد لم يتحقق
~~دليل معارض لتلك العمومات، وأما ما تحقق فيه الدليل المعارض، فيحكم فيه
~~بمقتضى التعارض
# PageV00P199
# وإن شئت قلت: إنهما يوجبان ms125 التخفيف من الله سبحانه، يعني: أن العسر
~~والمشقة يوجبان في الواقع أن يخفف الله سبحانه الحكم بحيث ينتفي عنه
~~المشقة، كما هو المستفاد من قوله سبحانه: (لا يريد بكم العسر) 1 (وما جعل
~~عليكم في الدين من حرج) 2 ومن رأفة الله سبحانه بالنسبة إلى عباده، ومن عدم
~~الاحتياج له حتى يحمل عباده المشقة، بل كل ما يكلفهم فإنما هو لمصلحتهم.
# ولازم ذلك: أن يكون التخفيف في كل مورد لم يستعقب المشقة مرتبة عظيمة
~~يسهل معها تحمل تلك المشقة، وأما إذا كان كذلك، فمقتضى اللطف والرأفة:
~~التحميل، ولهذا خصصت العمومات، ووقعت التكاليف الشاقة في الشريعة المقدسة.
# وثانيهما: أنهما أوجبا وقوع التخفيفات السابقة من الشريعة المطهرة، و
~~انتفاؤهما سبب للرخص الواردة في الملة الشريفة.
# والذي يفيد للفقيه في الفروع ووظيفته التكلم فيه، هو إيجاب نفي العسر
~~والمشقة للتخفيف بالاستعمال الأول، وأما الثاني: فلا يترتب عليه للفقيه
~~كثير فائدة إذ بعد ثبوت الحكم من الله جل شانه، لا جدوى كثيرا في درك أنه
~~للتخفيف ودفع المشقة.
# وقد ذكر شيخنا الشهيد - قدس الله سره - في قواعده كثيرا من جزئيات قاعدة
~~نفي المشقة وايجابه لليسر، ولكنه إنما ذكرها على الاستعمال الثاني، أعني:
~~أنه ذكر أحكاما كثيرة ثابتة من الشرع، مناسبة لا ن يكون تشريعها للتخفيف
~~والرحمة، وذكر أن بناء تلك الأحكام وشرعها إنما هو للتخفيف والرخصة.
# وهذه وان لم يكن في ذكرها كثير فائدة، الا التكلم في فروعاتها التي هي من
~~شان الكتب الفقهية. ولكنا نذكر ملخص ما ذكره تبركا بكلامه وتكثيرا للفائدة.
# PageV00P200
# قال - طاب ثراه - ما ملخصه: المشقة موجبة لليسر، وهذه القاعدة يعود إليها
~~جميع رخص الشرع، كأكل الميتة في المخمصة، ومخالفة الحق للتقية عند الخوف
~~على النفس أو البضع أو المال أو القريب أو بعض المؤمنين، بل يجوز إظهار
~~كلمة الكفر عند التقية.
# ومن القاعدة: شرعية التيمم عند خوف التلف من استعمال الماء أو الشين أو
~~تلف حيوانه أو ماله.
# ومنها: إبدال القيام عند التعذر في الفريضة، ومطلقا في النافلة وصلاة
~~الاحتياط ms126 غالبا.
# ومنها: قصر الصلاة والصوم.
# ومنها: المسح على الرأس والرجلين بأقل مسماه، ومن ثم أبيح الفطر جميع
~~الليل بعد أن كان حراما بعد النوم.
# ومن الرخص ما يختص، كرخص السفر والمرض والاكراه والتقية. ومنها ما يعم،
~~كالقعود في النافلة، وإباحة الميتة عند المخمصة تعم عندنا في السفر والحضر.
# ومن رخص السفر: ترك الجمعة، وسقوط القسم بين الزوجات لو تركهن، بمعنى عدم
~~القضاء بعد عوده، وسقوط القضاء للمتخلفات لو استصحب بعضهن.
# ومن الرخص: إباحة كثير من محظورات الاحرام مع الفدية، وإباحة الفطر
~~للحامل والمرضع والشيخ والشيخة وذي العطاش، والتداوي بالنجاسات المحرمات
~~عند الاضطرار، وشرب الخمر لإساغة اللقمة، وإباحة الفطر عند الاكراه عليه مع
~~عدم القضاء. ولو أكره على الكلام في الصلاة فوجهان.
# ومنه الاستنابة في الحج للمعضوب، والمريض المأيوس من برئه، و خائف العدو،
~~والجمع بين الصلاتين في السفر والمرض والمطر والوحل والاعذار بغير كراهية.
~~PageV00P201
# ومنه: إباحة نظر المخطوبة المجيبة، وإباحة أكل مال الغير مع بذل القيمة
~~مع الامكان، ولا معها مع عدمه عند الاشراف على الهلاك.
# ومنه: العفو عما لا تتم الصلاة فيه منفردا مع نجاسته، وعن دم القروح
~~والجروح التي لا يرقى.
# ثم التخفيف قد يكون لا إلى بدل، كقصر الصلاة، وترك الجمعة، وصلاة المريض،
~~وقد يكون إلى بدل، كفدية الصائم، وبعض الناسكين في بعض المناسك.
# والرخصة قد تجب، كتناول الميتة عند خوف الهلاك وقصر الصلاة والصيام، أو
~~تستحب، كنظر المخطوبة، وقد تباح، كالقصر في الأماكن الأربعة.
# والمشقة الموجبة للتخفيف: هي ما تنفك عنه العبادة غالبا، أما ما لا تنفك
~~عنه فلا، كمشقة الوضوء والغسل في البرد وإقامة الصلاة في الظهيرات، والصوم
~~في شدة الحر وطول النهار، وسفر الحج، ومباشرة الجهاد، إذ مبنى التكليف على
~~المشقة. ومنه: المشاق التي تكون على جهة العقوبة على الجرم و إن أدت إلى
~~تلف النفس، كالقصاص والحدود بالنسبة إلى المحل والفاعل وان كان قريبا يعظم
~~عليه استيفاء 1 ذلك من قريبه.
# والضابط في المشقة: ما قدره الشرع، وقد أباح الشرع حلق المحرم للقمل، ms127 كما
~~في قضية كعب ابن عجرة 2، وأقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمرا على
~~التيمم لخوف البرد 3،
# PageV00P202
# فليقاربها المشاق في باقي محظورات الاحرام، وباقي مسوغات التيمم، وليس
~~مضبوطا ذلك بالعجز الكلي، بل بما فيه تضييق على النفس.
# ومن ثم قصرت الصلاة وأبيح الفطر في السفر، ولا كثير مشقة فيه ولا عجز
~~غالبا، فحينئذ يجوز الجلوس في الصلاة مع مشقة القيام وان أمكن تحمله على
~~عسر شديد، وكذا باقي مراتبه.
# ويقع التخفيف في العقود، كما يقع في العبادات. ومراتب الغرر فيها ثلاث:
# إحداها: ما يسهل اجتنابه، كبيع الملاقيح، وهذا لا تخفيف فيه.
# وثانيها: ما يعسر اجتنابه وان أمكن تحمله بمشقة، كبيع البيض في قشره، و
~~بيع الجدار وفيه الاس، وهذا يعفى عنه تخفيفا.
# وثالثها: ما بتوسط بينهما، كبيع الجوز واللوز في القشر الاعلى، والأعيان
~~الغائبة بالوصف.
# ومنه: الاكتفاء بظاهر الصبرة المتماثلة. ومن التخفيف: شرعية خيار المجلس.
~~ومنه: شرعية المزارعة، والمساقاة، والقراض وان كانت معاملة على معدوم.
# ومنه: إجارة الأعيان، فان المنافع معدومة حال العقد.
# ومنه: جواز تزويج المرأة من غير نظر ووصف، دفعا للمشقة اللاحقة للأقارب.
# ومن ذلك: شرعية الطلاق والخلع، دفعا لمشقة المقام على الشقاق وسوء
~~الأخلاق، وشرعية الرجعة في العدة غالبا ليتروى، ولم تشرع في الزيادة على
~~المرتين دفعا للمشقة عن الزوجات.
# ومنه: شرعية الكفارة في الظهار، والحنث.
# ومنه: التخفيف عن الرقيق بسقوط كثير من العبادات.
# ومنه: شرعية الدية بدلا عن القصاص مع التراضي، كما قال الله تعالى:
~~PageV00P203
# (ذلك تخفيف من ربكم ورحمة) 1 - 2. انتهى ما أردنا نقله من كلامه ملخصا، و
~~هو كما ترى في التخفيفات الثابتة من الشرع، وبعد ثبوتها منه لا فائدة كثيرة
~~في بيان كونها تخفيفا أولا.
# PageV00P204
# عائدة (20) في معنى قولهم: الاحكام تابعة للأسماء قد اشتهر بين الأصحاب:
~~أن الاحكام تابعة للأسماء.
# قيل: معناه أنه ينتفي الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم، وليس المراد:
# انتفاء الحكم بانتفائه مطلقا ولو بدليل اخر، فان التخصيص بالذكر لا يقتضي
~~التخصيص بالحكم إلا بمفهوم اللقب، وهو ليس بحجة، ms128 ولازم ذلك إمكان إثبات
~~الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب.
# قال: فكما لو كان دليل لتسوية الحالين في الحكم آية أو رواية أو إجماعا
~~كان حجة، ولم يكن منافيا لتبعية الحكم للاسم، فكذا إذا كان استصحابا، فإنه
~~دليل شرعي يجب الحكم بمقتضاه، وهو التسوية بين الحالين في الحكم.
# فان قلت: لو كان الاستصحاب حجة مع زوال الاسم، كان الحكم ثابتا مع
~~التسمية وبدونها، فأي فائدة في التبعية التي ذكروها؟.
# قلت: فائدة التبعية تظهر في الحالة السابقة على مورد النص، كالحصرم
~~بالنسبة إلى العنب، وفي الحالة اللاحقة مع تبدل الحقيقة.
# وبالجملة: لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم، لعموم المقتضي وانتفاء ما
~~يصلح دليلا للاشتراط، ولذا ترى الفقهاء يستصحبون حكم الحنطة بعد صيرورتها
~~دقيقا، والدقيق بعد صيرورته عجينا، والعجين بعد صيرورته خبزا. و
~~PageV00P205
# هكذا حكم القطن بعد أن يصير غزلا، والغزل بعد أن يصير ثوبا.
# وكذا حكم الطين بعد صيرورته لبنا، واللبن بعد صيرورته خزفا واجرا، والاسم
~~في ذلك كله ليس باقيا قطعا.
# وأيضا لو تنجس العنب ثم صار زبيبا، فإنه يبقى على نجاسته، ولا يطهر بزوال
~~التسمية وارتفاع وصف العنبية، وليس إلا لاستصحاب حكم النجاسة، و عدم اشتراط
~~بقاء الاسم في حجية الاستصحاب 1.
# أقول: وما ذكره في مرادهم من تبعية الحكم للأسماء صحيح، فإنه ليس المراد
~~منه: أنه يدل على انتفاء الحكم بانتفاء الاسم، حتى يكون معارضا لدليل اخر
~~دل على ثبوته حال انتفاء الاسم أيضا، بل المراد: أن لحكم الثابت بواسطة هذا
~~الاسم و من جهة هذا الاسم ينتفي بانتفائه، وذلك لا ينافي ثبوته بدليل اخر
~~أصلا.
# وأما ما ذكره من إمكان إثبات الحكم بعد زوال الاسم بالاستصحاب، فليس
~~بصحيح، لان من شرائط الاستصحاب المجمع عليها: عدم تغير موضوع الحكم، فإذا
~~كان الشارع جعل موضوع الحكم شيئا مسمى باسم، فإذا انتفى الاسم ينتفي
~~الموضوع، فكيف يمكن الاستصحاب؟! ولذا تراهم لا يستصحبون نجاسة الكلب بعد
~~صيرورته ملحا، أو العذرة دودا أو ترابا، أو النطفة حيوانا.
# والسر: أن من شرط جريان الاستصحاب: عدم ms129 كون الحكم مقيدا بشئ غير متحقق في
~~الحالة اللاحقة، فإذا علق الشارع حكما على اسم، يكون مقيدا به، فكيف يمكن
~~استصحابه بعد انتفائه؟!
# ويستفاد ذلك من موثقة عبيد بن زرارة، عن الصادق عليه السلام: في الرجل
~~باع عصيرا، فحبسه السلطان حتى صار خمرا، فجعله صاحبه خلا، فقال: (إذا تحول
~~عن اسم الخمر، فلا بأس به) 2.
# PageV00P206
# فان قلت: تعليق الشارع الحكم على الاسم ليس من جهة الاسم نفسه، بل من جهة
~~الحقيقة التي يدل الاسم عليها، ولازم ذلك انتفاء الحكم بانتفاء الحقيقة لا
~~بانتفاء الاسم، وعلى هذا، فإذا انتفت الحقيقة مع الاسم أيضا، لا يستصحب،
~~كما في مثال الكلب والعذرة، وان لم تنتف الحقيقة، يستصحب، كما في مثال
~~الحنطة والقطن.
# قلنا: لا نفهم المراد من انتفاء الحقيقة، فان أريد منه انتفاء الآثار
~~والخواص التي لها - كما قيل في دفع إشكال استصحاب نجاسة الحنطة التي صارت
~~دقيقا، و عدم استصحابها إذا صارت رمادا - فيلزم عدم استصحاب نجاسة اللبن
~~إذا تبدل بالجبن أو الاقط 1 أو الماست 2، وعدم استصحاب نجاسة العرضية
~~الحاصلة للعصير بوقوع النجاسة فيه إذا صار دبسا، وعدم استصحاب نجاسة الحصرم
~~إذا صار عنبا، لتبدل الحقيقة بهذا المعنى، مع أن الكل متفقون على صحة
~~الاستصحاب في هذه المواضع.
# وكذا ان أريد تبدل الحقيقة العرفية، فان حقيقة الحصرم غير حقيقة العنب
~~عرفا، وحقيقة اللبن غير حقيقة الاقط عرفا وان أريد بانتفاء الحقيقة: انتفاء
~~التسمية، فهو قد تحقق في الجميع.
# وإن أريد أمر اخر فليبينه حتى ننظر فيه.
# فما ذكره: من أن فائدة التبعية إنما تظهر في الحالة اللاحقة بعد تبدل
~~الحقيقة، لا يتحقق له قدر مضبوط مطرد.
# ومن هذا يظهر ما في قوله: لا يشترط في الاستصحاب بقاء الاسم، ولذا تراهم
~~يستصحبون حكم الحنطة، فإنه لو لم يكن شرطا لم لا يستصحبون حكم العذرة؟
# PageV00P207
# فان أجاب: بعدم تبدل الحقيقة في الأول وتبدلها في الثاني.
# قلت: فلم تستصحب نجاسة اللبن للجبن، والحصرم للعنب؟.
# والتحقيق: أن تعليق الشارع الحكم على هذه الأسماء في نص ms130 أو دليل اخر يدل
~~على اختصاص الحكم الثابت منه بالمسمى بهذا الاسم، بمعنى: أنه المحكوم عليه
~~بهذا الدليل فقط، لا بمعنى دلالته على انتفائه من غير المسمى، فلا يعارض ما
~~يدل على ثبوته بعد انتفاء التسمية أيضا.
# ولكن الاستصحاب لا يدل على ثبوته بعد انتفائها مطلقا، يعني لا يجري
~~الاستصحاب، لان تعليق الشارع الحكم على اسم يجعله مقيدا به، فيتغير الموضوع
~~بعد انتفاء الاسم، ولذا لا تستصحب نجاسة الكلب والعذرة بعد صيرورتهما ملحا
~~وترابا.
# وأما استصحاب نجاسة الحنطة والقطن والحصرم، فلانه لم يعلق الشارع الحكم
~~على اسم الحنطة والقطن أصلا، وليس هنا حكم معلق على ذلك، بل يثبت أمر عام،
~~أحد أفراده ذلك، وليس موضوع النجاسة الثابتة من الشرع الحنطة من حيث هي
~~حنطة، ولذا لو قال: لا تدخل البيت ما دام فيه حنطة، يجوز دخوله إذا تبدلت
~~بالخبز، ولذا لو نذر أحد أن يصوم ما دام في بيته القطن، لا يستصحب وجوبه
~~بعد صيرورته غزلا، وهكذا.
# والحاصل: أن في مثال الحنطة وأمثالها لم يعلق حكم شرعي على اسم الحنطة،
~~وهو السر في صحة الاستصحاب، لا عدم تبدل الحقيقة، ولا عدم اشتراط الاستصحاب
~~ببقاء الاسم.
# ومما ذكرنا يظهر سر ما ذكره جماعة - وهو الحق الموافق للتحقيق - من
~~التفرقة بين الأعيان النجسة وبين المتنجسة في صحة استصحاب النجاسة بعد
~~الاستحالة في الثانية وعدمها في الأولى 1.
# PageV00P208
# وهؤلاء في فسحة من الاستشكال في وجه الفرق 1 بين الخطة النجسة إذا صارت
~~دقيقا، وبينها إذا صارت رمادا، وبين اللبن النجس إذا صار أقطا، وبينه إذا
~~شربه حيوان مأكول اللحم وصار بولا له أو لحما، فإنهم يقولون بصحة الاستصحاب
~~في جميع تلك المواضع، ويحكمون بالنجاسة الا ما دل دليل اخر من إجماع أو
~~نحوه على الطهارة، لعدم كون الحكم الشرعي فيها معلقا على الاسم.
# ولعدم صحة الاستصحاب في كل ما كان الحكم معلقا على الاسم - كالكلب إذا
~~صار ملحا ونحوه - يحكمون بالطهارة الا ما دل دليل آخر على النجاسة.
# وأما من لم يتفطن لذلك، ولم ms131 يفرق بين النجس والمتنجس في ذلك المقام، فقد
~~وقع في حيص وبيص، فتراه يحكم بطهارة الخشب بصيرورته فحما، و بطهارة الحنطة
~~بصيرورتها رمادا، ولا يحكم بها بصيرورتها خبزا، ويعتذر بتبدل الحقيقة في
~~الأول دون الثاني، ويقول: إن المراد بتبدل الحقيقة تبدل الآثار والخواص.
# ويلزمه الحكم بطهارة الحصرم إذا صار عنبا، أو اللبن إذا صار أقطا، مع أنه
~~لا يقول به.
# ولو قال: بعدم تبدل الحقيقة هنا.
# قلنا: لا نفهم الحقيقة المتحدة في الحصرم والعنب، وفي اللبن والماست،
~~والمختلفة في الخشب والفحم 2.
# PageV00P209
# عائدة (21) في احتياج بقاء بعض الأحكام إلى مقتض ثان اعلم: أن من الأمور
~~الموجودة في الخارج ما يمكن أن يكون المقتضي لوجوده في زمان أو حال مقتضيا
~~بعينه لعدمه في الزمان الثاني أو الحالة الثانية، من غير حاجة إلى مقتض
~~اخر، ومنها ما ليس كذلك قطعا، بل إذا وجد يحتاج عدمه و زواله إلى علة واردة
~~عليه مزيلة إياه.
# وإن شئت قلت: من الأمور ما لا يكفي وجوده في زمان أو حال لوجوده في زمان
~~آخر أو حالة أخرى لولا المانع والرافع، بل يحتاج وجوده ثانيا إلى مقتض
~~ثانوي، ومنها ما يكفي وجوده أو لا لوجوده ثانيا لولا المانع.
# فالأول: كالاذن والتوكيل ونحوهما، فإنه يمكن أن يكون المقتضي لوجوده في
~~زمان أوحال مقيدا بذلك الحال أو الزمان، مشروطا به، فينتفي بانقضاء 1
~~الحالة أو الزمان، ولا يكفي وجوده في الأول لوجوده في الثاني ولو لم يحدث
~~مانع ورافع ومزيل له أيضا، بل يمكن أن يوجد أولا محدودا.
# والثاني: كالسواد، والعلم، والجهل، واليبوسة، والرطوبة، والجلوس و
# PageV00P211
# أمثال ذلك، فإنها لا يمكن أن توجد أولا محدودة، بأن يتفق 1 سواد محدود
~~إلى زمان أو حال، أو علم كذلك، ويرتفع بعد انقضاء الزمان أو الحال، ولو لم
~~يطرأ عليه مزيل أو رافع، أو يتحقق الجلوس الكذائي.
# وأما قول الآمر: اجلس ساعة، فهو مقتض لتحقق وجوب الجلوس المحدود، دون نفس
~~الجلوس، والوجوب من قبيل الأول.
# وكذا الحال في الأمور الشرعية (من الأحكام الشرعية) ms132 2 والوضعية، فان
~~منها: ما لا يقتضي وجوده في زمان بقاءه في اخر لولا المزيل.
# ومنها: ما يقتضيه، فلا يرتفع الا برافع فالأول: كالوجوب، والتحريم،
~~ونحوهما.
# والثاني: كالطهارة، والنجاسة، والحدث، والملكية، والرقية، وأمثالها.
# فان وجوب شئ في زمان أو حال أو حرمته لا يقتضي بقاء الوجوب أو الحرمة في
~~زمان اخر أو حال اخر وان لم يطرأ مزيل ورافع، بل يمكن أن يكون المتحقق أولا
~~هو الوجوب المقيد، بخلاف الطهارة وأمثالها، فان وجودها في زمان كاف في
~~ايجاب بقائها في زمان بعده لولا ورود الرافع عليها، ولا يمكن أن تتحقق أولا
~~محدودا بحد.
# لا أقول: إنها مثل العلم والسواد ونحوهما، أي: لا يجوز أن يكون كذلك، ولا
~~يحتمل وقوعها محدودا عقلا.
# بل نقول: انه وإن جاز ذلك في تلك الأمور الشرعية عقلا، ولكن حصل بالتتبع
~~والاستقراء في أدلة الاحكام، وأخبار سادات الأنام، وكلمات العلماء الاعلام،
~~ومن ملاحظة طريقتهم وسيرتهم، أن هذه الأمور كذلك مطلقا.
# PageV00P212
# فانا نعلم الاجماع على أن الحدث إذا تحقق في زمان، يكون باقيا بعده ما لم
~~تحدث علة رافعة له 1، وحدوثه في الزمان الأول مقتض لبقائه في الثاني لولا
~~حدوث الرافع، وكذا النجاسة والملكية ونحوهما، وهذا العلم حاصل من تتبع
~~الأدلة والفتاوي واستقراء جزئيات الموارد.
# ثم إنه يظهر الفرق بين هذين القسمين في الاستصحاب، فان ما كان من الثاني
~~يمكن استصحابه مطلقا، وبعد وجوده لا يعارضه استصحاب حال عقل 2.
# بخلاف ما كان من الأول، فإنه إما يعلم: أن المقتضي لوجوده في الأول
~~اقتضاه مقيدا بوقت أو حال، نحو: أنت مأذون ساعة، أو يجب عليك كذا مرة.
# أو بالدوام، نحو: أنت مأذون دائما، أو يجب عليك أبدا. أو اقتضاه مطلقا،
~~نحو: أنت مأذون، أو يجب عليك كذا.
# ففي الأول: لا يمكن الاستصحاب.
# وفي الثاني: يمكن وإن حصل الشك لمعارض، ولا يعارضه استصحاب حال عقل.
# وفى الثالث: يمكن الاستصحاب وله المعارض أيضا.
# ويلزم ذلك أنه لو لم يعلم حال المقتضي، وأن اقتضاءه بأي نحو من الأنحاء
~~الثلاثة، يرجع إلى ms133 أن الأصل في وجود شئ في زمان أو حال: وجوده بشرط الوصف
~~حتى لا يصح استصحابه، أو ما دام الوصف حتى يصح، وتحقيقه في الأصول.
# وأما ما كان من القسم الثاني فلا يتصور فيه هذه الأقسام، بل يستصحب دائما
~~إلى أن يقطع بوجود المزيل والرافع له، من غير معارضة استصحاب حال عقل له
~~أيضا.
# PageV00P213
# عائدة (22) في ما اشتهر من أن الاستصحاب لا يعارض دليلا قد اشتهر بينهم:
~~أن الاستصحاب لا يعارض دليلا أصلا، لا خاصا ولا عاما، ولا مطلقا ولا مقيدا،
~~ولا منطوقا ولا مفهوما.
# وقيل: استصحاب الحكم المخالف للأصل في شئ، دليل شرعي رافع للحكم الأصلي،
~~ومخصص للعمومات.
# وتحقيق المقام: أن العمومات المعارضة للاستصحاب على ثلاثة أقسام:
# أحدها: العمومات الدالة على المزيلية والرافعية، نحو: (ما يراه ماء المطر
~~فقد طهر) 1 و (ما أشرقت الشمس عليه فقد طهر) 2 فإنه معارض لاستصحاب
~~النجاسة. ولا شك ولا خلاف في عدم معارضة الاستصحاب لها وزواله بها، و في
~~أنه يترك الاستصحاب بها، وتخصص عمومات عدم نقض اليقين بالشك بهذه العمومات،
~~وتقدم عليها إجماعا.
# PageV00P215
# بل لو قلنا: بان المعارض للعمومات، الاستصحابات الجزئية الخاصة، دون
~~عمومات عدم نقض اليقين بالشك، تقدم العمومات مع عمومها على الاستصحاب مع
~~خصوصه بالاجماع، لان الاستصحاب وان كان خاصا، ولكن بإزاء هذا العموم في كل
~~مورد استصحاب خاص معارض له، فلو قدم الجميع لغى العموم بالمرة، والخاص في
~~مثل ذلك ليس مقدما على العام بالاطلاق، بل المرجع هي المرجحات الخارجية.
# كما إذا قال أحد: كل ما في البيت لعمرو، فإنه يخصص بقوله: هذا الشئ مما
~~في البيت لزيد، أما لو قيل: هذا لزيد وهذا لبكر، وهذا لخالد، إلى اخر ما في
~~البيت، لا يخصص العام الأول بكل خاص، لاستلزامه لغويته، بل يرجع إلى
~~المرجحات.
# وثانيها: العمومات المقيدة بحال عدم العلم ونحوه، مثل: (كل ماء طاهر حتى
~~تعلم أنه قذر) 1 و (وكل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام) 2 ونحو ذلك، في معارضة
~~النجاسة أو الحرمة الاستصحابية، ولا ms134 خلاف أيضا في عدم معارضتها للاستصحاب،
~~ويقدم الاستصحاب عليها، لان الحكم فيها بالطهارة أو الحلية مقيدة بعدم
~~العلم، والمفروض أنه قد حصل العلم، وخرج عن الموضوع، فلا تشمله العمومات.
# والحاصل: أن المستفاد منها: الطهارة في وقت ما هو قبل حصول العلم، فلا
~~يفيد إذا حصل العلم وان انقضى هذا، مع أن بالاستصحاب علمت القذارة.
# وثالثها: العمومات المطلقة نحو: (الماء طاهر) 3 أو (كل شئ طاهر) 4 و
# PageV00P216
# نحو ذلك، فقيل: بتقديم الاستصحاب عليها، معللا بان الاستصحاب خاص، والخاص
~~وإن كان استصحابا مقدم على العام وان كان حديثا أو كتابا.
# قال: فان قيل: مرجع الاستصحاب إلى ما ورد في النصوص من عدم جواز نقض
~~اليقين بالشك، فهذا عام لا خاص.
# قلنا: الاستصحاب في كل شئ ليس الا إبقاء الحكم الثابت له، وهذا المعنى
~~خاص بذلك الشئ، ولا يتعداه إلى غيره.
# وعدم نقض اليقين بالشك وان كان عاما إلا أنه وارد في طريق الاستصحاب،
~~وليس نفس الاستصحاب المستدل به، والعبرة في العموم والخصوص بنفس الأدلة، لا
~~بأدلة الأدلة، وإلا يلزم أن لا يوجد في الأدلة الشرعية دليل خاص أصلا، إذ
~~كل دليل فهو ينتهي إلى أدلة عامة هي دليل حجيته.
# وليس عموم قولهم: (لا ينقض اليقين بالشك) 1 بالقياس إلى أفراد الاستصحاب
~~وجزئياته الا كعموم قوله تعالى: (إن جاءكم فاسق بنبأ) 2 بالقياس إلى آحاد
~~الاخبار المروية، فكما أن ذلك لا ينافي كون الخبر خاصا إذا اختص مورده بشئ
~~معين، فكذا هذا.
# ولذا ترى الفقهاء يستدلون باستصحاب النجاسة والحرمة في مقابلة الأصول
~~والعمومات الدالة على طهارة الأشياء وحليتها. وكذا باستصحاب شغل الذمة في
~~مقابلة ما دل على براءة الذمة من الأصل والعمومات 3. انتهى.
# أقول: مراده أن النجاسة الاستصحابية في مورد خاص مدلول لعدم نقض هذا
~~اليقين بالشك، لأنه يوجب النجاسة ويدل عليها، ودليل عدم النقض أدلة حجية
~~الاستصحاب، فان عدم النقض بنفسه لا يثبت النجاسة ما لم تثبت حجيته
# PageV00P217
# من الشارع، فأفراد عدم نقض اليقين بمنزلة أفراد الاخبار، وما يثبت منها
~~من ms135 الحكم المستصحب بمنزلة مدلول الاخبار، (ولا ينقض اليقين بالشك) الذي
~~معناه حجية عدم نقض اليقين بمنزلة اية النبأ، التي مفادها كل خبر عدل حجة.
# فما ذكره من أن أخبار الاستصحاب دليل حجية طلق الاستصحاب، الذي يندرج
~~تحته 1 الاستصحابات الجزئية، صحيح، ولكن ما ذكره من أن العبرة في العموم
~~والخصوص بنفس الأدلة لا بأدلة الأدلة، غير صحيح، لان التعارض بين الشيئين
~~عبارة عن التنافي بين مدلوليهما: إما بين خصوص المدلولين، أو بين عموم
~~أحدهما وخصوص الاخر، أو بين عمومهما، سواء كان أحدهما دليلا لشئ معارض مع
~~الاخر أم لا.
# ونحن نرى أن قول الشارع: (لا ينقض اليقين بالشك) معناه عدم جواز نقض شئ
~~من أفراد اليقين - التي منها نجاسة الماء مثلا - بالشك، ولازمه الحكم
~~بنجاسته، وعموم هذا مناف بالبديهة لعموم (كل ماء طاهر) لعدم جواز العمل
~~بالعمومين قطعا، فيتعارضان، ولابد فيهما من الرجوع إلى قواعد التعارض.
# وكون الأول دليل حجية الاستصحابات الخاصة، لا يوجب رفع التعارض أو إغماض
~~النظر عن تعارضهما.
# فان قلت: هذا كذلك، ولكن لكون استصحاب نجاسة هذا الفرد من الماء الذي هو
~~مدلول أدلة الاستصحاب أخص من قوله: (كل ماء طاهر) وهو موجب لتخصيصه، فيختص
~~(كل ماء طاهر) بغير ذلك الماء، فلا يكون معارضا لدليل هذا الاستصحاب أيضا.
# قلنا: صلاحية تخصيص هذا الاستصحاب الخاص لذلك العموم إنما هي بعد ثبوت
~~حجيته، وإلا فلا شك أنه لا يوجب تخصيصا، وحجيته فرع شمول دليل حجية
~~الاستصحاب له، وشموله له بعد علاج التعارض بين هذا الدليل وبين
# PageV00P218
# عموم (كل ماء طاهر) وترجيح ذلك، وهو لم يتحقق بعد، فلا يعلم الشمول، فلا
~~يصلح للتخصيص، فان أخبار عدم نقض اليقين مع هذا العموم في مرتبة واحدة من
~~الحجية، ثابتة حجيتهما بطريق واحد، فلابد من رفع التنافي بينهما، حتى يعلم
~~ما يندرج تحت كل منهما.
# ولا يرد مثل ذلك في دليل حجية الاخبار، لان المعارض للخبر الخاص إن كان
~~خبرا اخر، فنسبتهما إلى دليل حجية الاخبار واحدة، وكل منهما يقتضي تخصيص
~~الدليل بالآخر، ms136 وهو موجب لطرحهما معا، وهذا بعينه حكم تعارضهما بنفسهما،
~~وكذا إذا كان تعارضهما بالعموم والخصوص مطلقا، أو من وجه.
# وان كان المعارض له شئ اخر، كإجماع منقول أو شهرة، فكما يعارض ذلك الشئ
~~دليل حجية الخبر، كذلك يعارض ذلك الخبر دليل حجية هذا الشئ، وبعد علاج
~~تعارضهما يكون الحاصل بعينه ما يحصل من علاج تعارض الخبرين بلا تفاوت.
# وهذا هو السر في عدم التفاتهم إلى تعارض معارضات الخبر مع أدلة حجيته،
~~بخلاف تعارض العمومات مع أدلة الاستصحاب.
# هذا كله على فرض تسليم منافاة الاستصحاب مع قوله: (كل ماء طاهر) و إلا
~~فالظاهر عدم المنافاة أيضا، لان مقتضى الاستصحاب الخاص، وكذا مقتضى أدلة
~~حجية عدم نقض اليقين بمجرد الشك، فمعناه أن في كل مورد كانت نجاسة يقينية
~~وشككت في بقائها، فلا تنقض اليقين بمجرد هذا الشك. وحكمه عليه السلام
~~بطهارة كل ماء مشكوك الطهارة ليس مستندا إلى الشك، بل إلى أمر قطعي هو
~~يعلمه 1. وكذا حكمنا، لأنه مستند إلى هذا القول من الإمام (ع)، لا إلى
~~الشك.
# فان قلت: لازم ذلك طرح الاستصحاب في أمثال ذلك المقام.
# PageV00P219
# أما على عدم التعارض فظاهر.
# وأما عليه: فلان تعارض العمومات مع أدلة الاستصحاب بالعموم من وجه،
~~ولازمه طرحهما والرجوع إلى الأصل.
# ومقتضاه: أنه إذا تنجس التراب مثلا، لا تستصحب نجاسته، لعموم (جعلت لي
~~الأرض مسجدا وترابها طهورا) 1 وإذا تنجس بول ما يؤكل لحمه، لم تستصحب
~~نجاسته، لعمومات طهارة بول ما يؤكل لحمه، ونحو ذلك، مع أنه ليس كذلك.
# قلنا: نعم كان كذلك لو لم يكن مرجح للاستصحاب، وما ذكرنا في العائدة
~~السابقة: من القطع بان النجاسة متى حصلت في شئ لا يحكم بانتفائها إلا مع
~~حصول العلم بطرو المطهر، مرجح لاستصحاب النجاسة، وكذا في كل أمر كان من
~~قبيل النجاسة.
# وأما ما لم يكن كذلك، فلا نسلم ترجيح الاستصحاب فيه، فلو قال: صم، وقلنا
~~بان الامر لطلب الماهية المطلقة، فمقتضاه استصحاب وجوبه بعد صوم يوم أيضا،
~~ولو ورد: لا يجب صوم، تعارض ذلك ms137 مع الاستصحاب المذكور، ولا نقول بتقديم
~~الاستصحاب.
# ثم لا يتوهم مما ذكرنا: أنه يجب الحكم بنجاسة الأعيان النجسة ذاتا بعد
~~الاستحالة 2 أيضا، لعدم ورود ما علم كونه مطهرا، لان النجاسة كما ترتفع
~~بورود المطهر كذا ترتفع بانتفاء موضوعها عن الخارج، وها هنا كذلك
# PageV00P220
# عائدة (23) في بيان قاعدة حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة من
~~القواعد المشهورة بين كثير من الفقهاء: حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على
~~الصحة والصدق. وتحقيق المقام من المهمات، ولا بد أولا من بيان المأخذ فيها.
# واعلم أولا: أنه لا شك في وجوب حمل فعل المسلم في الجملة - وقوله كذلك -
~~على الصحة والصدق، بمعنى أن الامر في بعض الموارد الكلية كذلك.
# وقد وردت الاخبار في جملة من المواضع بذلك.
# ومنها ما انعقد عليه الاجماع أيضا، كما قالوا في قبول قول ذي اليد في
~~الطهارة والنجاسة والتذكية ونحو ذلك.
# وكما في قاعدة كل ذي عمل مؤتمن في عمله.
# وكما في قبول رواية الثقة الخالية عن المعارض في الاحكام، وقبول الشهادة
~~في الجملة في مواردها، وقبول إقرار العقلاء على أنفسهم، وتصديق المرأة فيما
~~يتعلق بنفسها، والبناء فيما يوجد في أسواق المسلمين من اللحوم والجلود على
~~المذكى، والأشياء الموجودة في أيديهم على الطهارة، وأمثال ذلك، وهي كثيرة
~~جدا.
# ولا كلام لنا في تلك الجزئيات في ذلك المقام، فإنها أمور جزئية يتكلم في
~~كل PageV00P221
# منها في موضعه من الفقه استدلالا وردا.
# ولا يجب أن يكون بناء تلك الجزئيات على هذه القاعدة الكلية في حمل
~~أفعالهم وأقوالهم على الصحة والصدق كما يأتي.
# وإنما المقصود هنا النظر في أنه هل تثبت تلك القاعدة على سبيل الكلية،
~~حتى تكون أصلا ومرجعا في جميع تلك الجزئيات، ولا يخرج عنه إلا بدليل، فكل
~~موضع لم يكن فيه رادع عن الأصل تتبع فيه هذه القاعدة، أم لا حتى نحتاج في
~~كل مورد جزئي إلى دليل اخر؟ وعلى هذا فلا يصح لنا التمسك في إثبات هذه
~~القاعدة بالاخبار والأدلة المختصة بتلك الموارد الجزئية، بل لابد من الدليل
~~العام، ms138 فلأجل ذلك لا يذكر في مقام الاستدلال الأدلة التي لها جهة اختصاص
~~بمورد خاص، نعم في مقام التمسك بالاستقراء تظهر الفائدة لهذه الأدلة الخاصة
~~ويأتي الكلام فيها.
# إذا عرفت ذلك فنقول: إن المتمسكين بهذه القاعدة يستندون فيها إلى الاجماع
~~والكتاب والسنة.
# أما الاجماع: فلانا نرى العلماء على ذلك متفقين في كل الأعصار والأمصار،
~~وهذه قاعدة مسلمة مشهورة بينهم، يبنون عليها كثيرا من الاحكام.
# وأما الكتاب: فقوله عز شأنه: (اجتنبوا كثيرا من الظن ان بعض الظن إثم) 1.
# وأما الاخبار: فكثيرة جدا من الصحاح وغيرها المنجبرة بالعمل.
# منها: المرسلة عن الحسين بن المختار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
~~(قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلام له: ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى
~~يأتيك ما يغلبك منه، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوء ا وأنت تجد لها في
~~الخير محملا) 2.
# PageV00P222
# ومنها: رواية معلى ابن خنيس، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قلت له:
~~ما حق المسلم على المسلم؟ قال: (له سبع حقوق واجبات، ما منهن حق إلا وهو
~~عليه واجب، ان ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته، ولم يكن لله فيه من
~~نصيب) إلى أن قال: (السابع: أن يبر قسمه، ويجيب دعوته، ويعود مريضه، و يشهد
~~جنازته) 1.
# ومنها: رواية اليماني، عن أبي عبد الله (ع)، قال: (حق المسلم على المسلم
~~أن لا يشبع ويجوع) إلى أن قال: (فإذا اتهمه انماث الايمان في قلبه كما
~~ينماث الملح في الماء) 2 ومنها: رواية أبى المأمون الحارثي، قال، قلت لأبي
~~عبد الله (ع): ما حق المؤمن على المؤمن؟ قال: (من حق المؤمن على المؤمن
~~المودة له) إلى أن قال: و أن لا يكذبه) إلى أن قال: (وإذا اتهمه انماث
~~الايمان في قلبه كما ينماث الملح في الماء) 3.
# ومنها: رواية أخرى لليماني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا اتهم
~~المؤمن أخاه انماث الايمان من قلبه كما ينماث الملح في الماء) 4.
# ومنها: المرسلة عن عمر بن يزيد، قال: سمعت أبا ms139 عبد الله عليه السلام
~~يقول: (من أتهم أخاه فلا حرمة بينهما، ومن عامل أخاه بمثل ما عامل به الناس
~~فهو برئ مما ينتحل) 5.
# ومنها: رواية أبى حمزة، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول، إلى أن
~~قال:
# PageV00P223
# (وليقبل الله تعالى من مؤمن عملا وهو مضمر على أخيه المؤمن من سوءا) 1
~~ومنها: ما ورد من قولهم عليهم السلام: (المؤمن وحده حجة) 2 إلى غير ذلك من
~~الاخبار التي لعله نذكر بعضها في طي ما يأتي.
# ومما يمكن أن يستدل به على القاعدة المذكورة أيضا: الاستقراء، فان تتبع
~~أحكام جزئيات الافعال من عبادات الناس ومعاملاتهم وأعمالهم وأقوالهم و
~~طهاراتهم ومناكحاتهم ومواريثهم وشهاداتهم يعطي أن الحمل على الصدق والصحة
~~قاعدة كلية من الشارع ثابتة.
# واللازم في تحقيق المقام أن ينظر فيما يتحصل من تلك الأخبار وسائر
~~الأخبار الواردة في تلك المضمار مما يوافق تلك الأخبار أو يعارضها، ومن
~~الآية والاجماع والاستقراء، حتى يتضح حق المقال.
# فهاهنا مقامان:
# المقام الأول: فيما يتحصل من الاخبار.
# فنقول: المتحصل من الأخبار المتقدمة مما يتعلق بالمقام أمور سبعة:
# الأول: وجوب وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، أي ما يمنعك
~~عن حمل فعله على الأحسن.
# ومعنى غلبته: أن يكون بحيث لا يمكنك معه الحمل على الأحسن، و مرجعه إلى
~~أن يعلم غير الأحسن.
# وفي شمول ما يغلبك لما يرجح خلاف الأحسن، أي يوجب الظن به وان لم يبلغ حد
~~العلم احتمال قوي.
# والثاني: وجوب قبول قسم المسلم.
# والثالث: وجوب عدم اتهام المسلم والمؤمن.
# PageV00P224
# والرابع: أن المؤمن وحده حجة، يجب العمل بمقتضى أقواله.
# الخامس: وجوب عدم إضمار السوء على الأخ، ولازمه عدم تجويز الكذب عليه
~~فيما يخبر عنه، وعدم تجويز الفساد والبطلان عليه فيما يفعله 1.
# والسادس: وجوب عدم ظن السوء بكلمة تكلم بها أخوك.
# والسابع: عدم تكذيب المؤمن.
# والمراد بعدم إضمار السوء: عدم العمل بمقتضاه، والا فقد يخرج الاضمار من
~~تحت الاختيار، وكذلك الاتهام وعدم ظن السوء.
# ثم الأخيران لا يفيدان شيئا في المقام، ms140 لان عدم ظن السوء وعدم التكذيب
~~أعم من ظن الخير - بل الحمل عليه - ومن التصديق.
# فبقيت خمسة أخرى: وفيها - مع إغماض النظر عن ضعف جميع الأخبار الدالة
~~عليها أو بعضها، وعدم ثبوت جابر لها من العمل والشهرة، كما يأتي - أن بعد
~~حمل الأخ فيها على الأخ في الاسلام أو الايمان، وحمل الايمان على مطلق
~~التشيع وان دلت الأخبار الدالة عليها على لزوم حمل فعل المسلم أو المؤمن
~~مطلقا - كما هو موضوع تلك القاعدة - على الصحة والصدق، الا أن بإزاء تلك
~~الأخبار أحبارا اخر موجبة للتقييد في الموضوع 2، وأنه ليس باقيا على
~~اطلاقه، فلا يجب حمل فعل كل مسلم أو مؤمن أو قوله على الصحة والصدق.
# كموثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال، قال: (من عامل الناس فلم
~~يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، كان ممن حرمت
# PageV00P225
# غيبته، وكملت مروته، وظهر عدله، ووجبت اخوته) 1.
# قال صاحب الوافي: يستفاد من هذا الحديث من جهة المفهوم: ان من لم يكن
~~بهذه الصفات لم تجب اخوته، ولا أداء حقوق الاخوة معه، ويؤيده حديث الاختبار
~~بصدق الحديث وأداء الأمانة، وعليه العمل، وبه يندفع الحرج ويسهل المخرج 2.
~~انتهى.
# وكصحيحة ابن أبي يعفور، قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام: بم تعرف
~~عدالة الرجل من المسلمين حتى يقبل شهادته لهم وعليهم؟ إلى أن قال: (والدال
~~على ذلك كله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه، حتى يحرم على المسلمين تفتيش وراء
~~ذلك من عثراته وعيوبه، ويجب عليهم تزكيته واظهار عدالته في الناس، و يكون
~~منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن وحفظ مواقيتهن بحضور جماعة من
~~المسلمين، وان لا يتخلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة) 3.
# دلت بمفهوم الغاية - الذي هو أقوى المفاهيم - على أن الرجل من المسلمين
~~إذا لم يكن ساترا لجميع عيوبه، ولم يكن منه التعاهد للصلوات الخمس، وحفظ
~~مواقيتهن، وحضور جماعة المسلمين، لا يحرم تفتيش أموره وعيوبه وعثراته في
~~أفعاله وأقواله. وظاهر 4 ذلك مناف لحمل أفعاله وأقواله على الصحة والصدق.
# ورواية ms141 الثمالي عن سيد العابدين علي بن الحسين عليهما السلام، والحديث
~~طويل يذكر فيه تفاصيل الحقوق وفيها: (وحق الناصح: أن تلين له جناحك، و تصغي
~~إليه بسمعك، فان أتى بالصواب حمدت الله تعالى، وان لم يوافق رحمته
# PageV00P226
# ولم تتهمه وعلمت أنه أخطأ ولم يؤاخذه بذلك الا ان يكون مستحقا للتهمة،
~~فلا تعبأ بشئ من أمره على حال) 1 دلت على عدم الاعتماد في حال من الحالات
~~بشئ من أمور من كان مستحقا للتهمة.
# والظاهر أن المراد بالمستحق للتهمة ليس من علمت منه خلاف الحق، لأنه لا
~~يكون اتهاما، بل الظاهر من المستحق للتهمة أن يكون المظنون في حقه ذلك، بل
~~المستفاد من الأخبار المستفيضة بل المتواترة معنى: أن كل فاسق مستحق
~~للتهمة، وجعل في الاخبار محلا للتهمة أيضا.
# ففي المرسلة، عن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه، قال:
# (قال لي أبى علي بن الحسين عليهما السلام: يا بني انظر خمسة فلا تصاحبهم،
~~ولا تحادثهم، ولا ترافقهم في طريق) 2 ثم إنه عليه السلام عد الخمسة:
~~الكذاب، والفاسق، والبخيل، والأحمق، وقاطع الرحم.
# ولا شك أن النهي عن مصاحبة هؤلاء ومحادثتهم ومرافقتهم ليس الا لكونهم
~~مستحقين للتهمة.
# وفي مرسلة الكندي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان أمير المؤمنين
~~عليه السلام إذا صعد المنبر قال: ينبغي للمسلم أن يجتنب مؤاخاة ثلاثة:
~~الماجن الفاجر، والأحمق، والكذاب، فاما الماجن الفاجر، فيزين لك فعله، ويحب
~~أنك مثله، ولا يعينك على أمر دينك ومعادك، ومقاربته جفاء وقسوة، ومدخله
~~ومخرجه عار عليك) 3 الحديث.
# بل المستفاد من ذلك الخبر ونحوه: أن مؤاخاة الفاجر منهي عنها، ومع ذلك
# PageV00P227
# فكيف يجب أداء حقوق الاخوة، التي منها ما ذكره بقوله: (وضع أمر أخيك) 1
~~بالنسبة 2 إليه، بل في الاخبار نفي الاخوة بين البر والفاجر.
# ففي مرسلة إبراهيم بن أبي البلاد: (كما ليس بين الذئب والكبش خلة، كذلك
~~ليس بين البار والفاجر خلة) 3.
# وفي موثقة ميسر، عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا ينبغي للمسلم أن ms142 يؤاخي
~~الفاجر، ولا الأحمق، ولا الكذاب) 4 وفي رواية عبد الاعلى، عن أبي عبد الله
~~عليه السلام: (لا ينبغي للمرء المسلم أن يؤاخي الفاجر) 5 وأما الاخبار
~~الدلة على: (أن المؤمنين إخوة بنو أب وأم) كما في رواية المفضل بن عمر،
~~ورواية أبى حمزة 6 أو (أن المؤمن أخ المؤمن) كما في موثقة أبي بصير، وصحيحة
~~علي بن عقبة 7.
# أو (أن المسلم أخ المسلم) كما في صحيحة الفضيل بن يسار، ورواية الحارث بن
~~مغيرة 8، وغير ذلك، فلابد من تخصيصها بتلك الأخبار، ولو لم يخصص بها فليخصص
~~وجوب أداء حقوق الاخوة وعدم الاتهام بمن مر في الأحاديث المتقدمة، مع أن في
~~المراد من المسلم المؤمن في هذه الأحاديث أيضا كلاما.
# كيف وفي رواية علي بن جعفر، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول: (ليس
# PageV00P228
# كل من قال بولايتنا مؤمنا، ولكن جعلوا انسا للمؤمنين) 1.
# وفي رواية جابر، عن أبي جعفر عليه السلام قال، قال لي: (يا جابر أيكتفي
~~من انتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟ فوالله ما شيعتنا الا من اتقى
~~الله و أطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر الا بالتواضع والتخشع والأمانة
~~وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبر بالوالدين، والتعهد للجيران من
~~الفقراء وأهل المسكنة) إلى أن قال: (من كان لله مطيعا، فهو لنا ولي، ومن
~~كان لله عاصيا، فهو لنا عدو) 2 وفي رواية أبى إسماعيل، قال: قلت لأبي جعفر
~~عليه السلام: جعلت فداك الشيعة عندنا كثير، فقال: (هل يعطف الغني على
~~الفقير، ويتجاوز المحسن عن المسئ، ويتواسون؟) قلت: لا، فقال (ليس هؤلاء
~~شيعة، الشيعة من يفعل هذا) 3.
# وفي صحيحة 4 سليمان بن خالد، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: (يا سليمان
~~أتدري من المسلم؟) قلت: جعلت فداك أنت أعلم، قال: (المسلم من سلم المسلمون
~~من يده ولسانه) ثم قال: (وتدري من المؤمن؟) قال، قلت: أنت أعلم، قال:
~~(المؤمن من ائتمنه المسلمون على أموالهم وأنفسهم) 5.
# وفي رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قال رسول الله
~~صلى ms143 الله عليه وآله وسلم: من أصبح لا يهتم 6 بأمور المسلمين فليس بمسلم) 7.
# ولكن الظاهر المستفاد من بعض الاخبار الاخر أيضا: أن المراد بالمؤمن
# PageV00P229
# والمسلم المنفي عن المذكورين في تلك الأخبار، هو الكامل في الايمان
~~والاسلام.
# فالمناط ما ذكرنا من تخصيص الاخوة ووجوب أداء حقوقها وسائر ما ذكر
~~بالاخبار المتقدمة.
# فالثابت من ملاحظة تلك الأخبار والاخبار المقيدة لحمل فعل المسلم أو
~~المؤمن أو الأخ وقوله على الصحة والصدق، ومقتضى الجمع بينهما:
# اختصاص تلك الأخبار بالمؤمن العدل الثقة، لا كل من صدق عليه عنوان
~~الاسلام والايمان.
# ويدل عليه أخبار أخر أيضا واردة في موارد جزئية سنذكر بعضها.
# هذا مقتضى الجمع بين أخبار الحمل على الصحة والصدق، والأخبار المتقدمة
~~وما بمعناها مما لم يذكر، والا فلأخبار الحمل على الصحة والصدق معاوضات اخر
~~أيضا موجبة لانتفاء العمل بها رأسا.
# كرواية عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (لا تثقن
~~بأخيك كل الثقة، فان سرعة 1 الاسترسال لا تستقال) 2 فان هذه الرواية تنهى
~~عن تمام الوثوق بالأخ، فتخصص الأخبار المتقدمة. وللاجمال في بعض الوثوق
~~الباقي 3 تخرج الأخبار المتقدمة عن الحجية والاستناد.
# ورواية محمد بن هارون الجلاب، قال: سمعت أبا الحسن عليه السلام يقول:
~~(إذا كان الجور أغلب من الحق لا يحل لاحد أن يظن بأحد خيرا حتى
# PageV00P230
# يعرف ذلك منه) 1.
# ومما لا شك فيه، ودلت عليه الاخبار والآثار: أن بعد انقضاء زمان الرسول
~~المختار، أو مع زمان ظهور الأئمة الأطهار، صار الجور وأهله أغلب من الحق،
~~بل الغالب في تمام هذه الأزمنة أهل الجور والعصيان، فلا يكون ظن الخير بأحد
~~حلالا، ويكون هذا أصلا، حتى يخصص منه بعض أفراده بمخصص، كما هو المظنون في
~~حق أكثر أهل هذه الاعصار.
# وقد ظهر من ذلك: أنه لا يثبت من الاخبار في حمل فعل المسلم وقوله على
~~الصحة والصدق قاعدة كلية يتم الاستناد إليها.
# المقام الثاني: فيما يتحصل من الآية والاجماع والاستقراء.
# أما الآية: فهي وان أمرت بالاجتناب عن كثير من ms144 الظن، وأفادت أن بعض الظن
~~إثم، ولازم ذلك عند بعض: الاجتناب عن جميع الظنون، لاستدعاء الشغل اليقيني
~~للبراءة اليقينية، إلا أن المنهي عنه فيها هو الظن، وهو غير مفيد لما نحن
~~بصدده كما أشرنا إليه.
# وأما الاجماع: فهو وإن أمكن ادعاؤه، بل القول بثبوته في موارد جزئية يأتي
~~الإشارة إلى بعضها، ولكنه على سبيل الكلية - كما صرح به الفاضل المولى محمد
~~باقر الخراساني في الكفاية 2 وغيره - غير ثابت كيف! وإنا لم نقف من غير
~~بعضهم التصريح بكلية حمل جميع أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة والصدق،
~~وكلام الأكثرين - غير طائفة من المتأخرين - خال عن ذكر هذه القاعدة، وان
~~حملوا في بعض المواضع على ذلك للدليل الخاص به، وهو غير ثبوت الأصل الكلي.
# ويكفيك في عدم ثبوت الاجماع ما ترى من الأكثر في الموارد الخاصة،
# PageV00P231
# كباب الشهادات، والروايات، والاخبار والأقوال من ذوي الأيدي، وذوي،
~~الأعمال في الطهارات والنجاسات، والدعاوي والمنازعات، والمطاعم والمشارب
~~وغير ذلك، أنهم يختلفون في قبول الأقوال وتصحيح الافعال، ويطلبون في
~~الموارد الجزئية أدلة خاصة، ويتكلمون فيها، فان لم يجدوا، يرجعون إلى
~~الأصل، ولا يتمسكون بهذه القاعدة الا أقل قليل.
# وبالجملة: ثبوت الاجماع إما يكون بتصريح جماعة يحصل من اتفاقهم العلم
~~بدخول المعصوم بهذه القاعدة الكلية، ونحن لم نعثر على المصرح بها بحيث يوجب
~~اشتهارها أيضا.
# أو يكون بعمل الجميع في جميع الموارد الخاصة بمقتضاها بحيث يحصل العلم
~~بالاجماع بسببه، ولا شك أن العمل في بعض الموارد لأدلة خاصة لا يفيد إجماعا
~~على الكلية.
# نعم قد يوجد في كلام بعض المتأخرين ما يستفاد منه كون هذه القاعدة الكلية
~~1 مسلمة متلقاة بالقبول 2، والاكتفاء في الاستناد إليها بمجرد ذلك ليس الا
~~مجرد التقليد.
# وأما الاستقراء: فالمراد منه إما استقراء الاحكام الواردة في الاخبار عن
~~الأئمة الأطهار عليهم السلام، أو في كلمات العلماء الأبرار، وشئ منها لا
~~يفيد في المقام، لان تامه لم يتحقق، وناقصه لو سلمنا كونه مفيدا، فإنما
~~يفيد لو لم يعارضه خلافه في موارد خاصة أخرى أزيد مما ms145 يوافقه.
# ومن علم ذلك علم: أن المناط فيه هو حمل فعل المسلم أو قوله على الصحة
~~والصدق، دون شئ اخر، والأمران منتفيان في هذا المقام، فان الأخبار الواردة
~~في هذا المضمار مختلفة، فالحكم في بعضها موافق لمقتضى تلك القاعدة، وفي
~~بعضها مخالف لكليتها وان وافق في الجملة، وفي بعضها لا يوافقه أصلا، كما
# PageV00P232
# لا يخفى على المتتبع في موارد النجاسات، والشهادات والمنازعات، والدعاوي
~~ونحوها ففي صحيحة الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن رجل
~~جمال استكري منه إبل، وبعث معه زيت إلى أرض، فزعم أن بعض الزقاق انخرق
~~فاهراق ما فيه، فقال عليه السلام: (إنه إن شاء أخذ الزيت) وقال: (إنه
~~انخرق، ولكنه لا يصدق إلا ببينة عادلة) 1 يعني: أن الجمال يمكن أن يأخذ
~~الزيت، ويقول انخرق الزق، فلا يصدق قوله الا مع البينة، وهذا صريح في عدم
~~حمل قوله على الصدق.
# وفي موثقة سماعة، قال: سألته عن رجل تزوج أمة، أو تمتع بها، فحدثه ثقة أو
~~غير ثقة، فقال: أن هذه امرأتي وليست له بينة، قال: (إن كان ثقة فلا يقربها،
~~وإن كان غير ثقة فلا يقبل منه) 2 وهذا مخالف لكلية القاعدة وكذا موثقة عمار
~~بن موسى، عن أبي عبد الله عليه السلام، إنه سأل عن الرجل يأتي بالشراب،
~~فيقول: هذا مطبوخ على الثلث، فقال: (إن كان مسلما ورعا مأمونا فلا بأس ان
~~يشرب) 3 إلى غير ذلك.
# ويكفيك في عدم الكلية ما ترى من اشتراطهم في الشهادة: العدالة والتعدد
~~وانضمام الحلف، والاكتفاء في سقوط الدعوى عن ورثة الميت بيمين نفي العلم،
~~والحكم بسقوطها مع عدم دعوى العلم على الوارث، وبلزوم الحلف فيما يدعيه أحد
~~مما هو موقوف على قصده، ونحو ذلك.
# ولا يعلم في الموارد التي يكون الحكم فيها موافقا للقاعدة، أنه لأجل ما
~~يقتضيه تلك القاعدة، بل لعلة إنما هو لخصوص المورد، أو علة أخرى، كما هو
# PageV00P233
# الظاهر من التخصيص بالخمسة في مرسلة يونس، عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال:
# (خمسة ms146 أشياء يجب على الناس أن يأخذوا فيها بظاهر الحال. الولايات،
~~والتناكح، والمواريث، والذبائح، والشهادات، فإذا كان ظاهره ظاهرا مأمونا
~~جازت شهادته، ولا يسأل عن باطنه) 1.
# قال صاحب الوافي في بيانه: يعني أن المتولي لأمور غيره إذا ادعى نيابته
~~أو وصايته، والمباشر لامرأة إذا ادعى زواجها، والمتصرف في تركة الميت إذا
~~ادعى نسبه، وبائع اللحم إذا ادعى تذكيته، والشاهد على أمر إذا ادعى العلم
~~به، ولا معارض لاحد من هؤلاء، تقبل أقوالهم بشرط أن يكون مأمونا بحسب
~~الظاهر 2. انتهى.
# ولذا تراهم لا يقتصرون في بعض الموارد على المسلم الذي هو موضوع القاعدة،
~~كما في ذي اليد أو ذي العمل، فيسوون في البناء على الصحة والصدق بين المسلم
~~وغيره من اليهود والنصارى والمجوس وبالجملة: لا يعلم من مطابقة حكم الاخبار
~~أو فتوى العلماء الأخيار في بعض الموارد لهذه القاعدة، أنه لأجلها، ولا
~~يثبت منها شئ ينفع في ثبوت القاعدة.
# وقد ظهر مما ذكرنا: أنه لا دليل على وجوب حمل أفعال المسلم - بل ولا
~~الثقة منه - وأقواله على الصحة والصدق على سبيل الكلية، بحيث يصير أصلا
~~مأخوذا به لا يتخلف عن مقتضاه الا بدليل وان كان كذلك في بعض الموارد بأدلة
~~خاصة به، من إجماع أو كتاب أو سنة، كما في باب الذبائح (والتذكية) 3 وقبول
~~قول ذي اليد، وفي عبادة كل شخص ومعاملته بالنسبة إليه، وأمثال ذلك،
# PageV00P234
# فاللازم في كل مورد، التفحص عن دليل خاص به أو عام يشمله.
# ولنختم الكلام هنا بذكر فوائد:
# الفائدة الأولى: قيل: على القول بتنزيل أفعال المسلمين على الصحة تنزل
~~على الصحة عند الفاعل، لا مطلقا، ولا عند المنزل.
# والتوضيح: أن الصحة والفساد في كل شئ قد يختلف باختلاف الفاعل من جهة
~~اختلاف حالات المكلف، ومن جهة اختلاف آراء المجتهدين.
# فالأول: كما أن الصلاة للمعذور مثلا تصح بالتيمم، ولا تصح لفاقد العذر.
# والثاني: كما أن التذكية على نحو قد تكون صحيحة عند مجتهد دون اخر.
# والقدر الثابت هو: تنزيل فعل كل مسلم على ما هو الصحيح في ms147 حقه لا الصحيح
~~مطلقا.
# أقول: هذا الكلام يجري في الموارد الخاصة التي يحمل فيها الفعل على
~~الصحة، ويقبل قول المسلم فيه أيضا وإن لم نقل بكلية حمل أفعال المسلمين و
~~أقوالهم على الصحة والصدق ثم أقول: ومن حالات الفاعل التي يختلف لأجلها
~~الصحة والفساد: الجهل الساذج، والخطأ، والنسيان.
# فلو تم هذا الكلام، لا تكون هذه القاعدة موجبة لنفي مقتضى الجهل أو الخطأ
~~أو النسيان عنه، ويرجع حاصل القاعدة إلى نفي التعمد في الاتيان بغير
~~المشروع عنده.
# وعلى هذا فتظهر ثمرة القاعدة في لزوم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر،
~~وكذا تظهر فيما يكفي في ترتب الاحكام في حقنا صحته في حق الفاعل، كأكثر
~~معاملاته، فان صحتها في حقه كافية في ترتب الاحكام عليه في حقنا، كما أن من
~~تزوج امرأة بعقد تكفي الصحة في حقه في ترتيب أحكام زوجيته المتعلقة بغيره
~~عليه، فتحرم على ابنه، ويجوز له النظر إليها وإن لم يكن العقد مما يكون
~~PageV00P235
# صحيحا في حق الابن، كما إذا زوجها الأب بغير ولي، لصحته على اجتهاده، ولم
~~يجوزه الابن.
# وأما في غير ذلك، فلا تترتب عليه الثمرة، كما إذا غسل ثوبا، وكان رأيه أو
~~رأي مجتهده كفاية المرة، فلا يجوز لمن يوجب المرتين الحمل عليها، وعلى هذا
~~فلا يكون طاهرا له، وكذا في التذكية ونحوها.
# وكذا يكون اللازم في الأقوال: الحمل على عدم تعمد الكذب، فلا يلزم
~~المطابقة للواقع فيها، وينتفي، أكثر الفوائد التي رتبوها على حمل أقوال
~~المسلم على الصدق.
# والتحقيق: أن اللازم في تحقيق ذلك، الرجوع إلى دليل الحمل على الصحة
~~والصدق، سواء قلنا به كليا أو في الموارد الخاصة، وينظر إلى ما هو مقتضى
~~الدليل، وما يثبت منه.
# كما أنه كان الدليل هو الاجماع، يحكم بالقدر والمجمع عليه، لا مطلقا.
# وإن كان قوله عليه السلام: (من اتهم أخاه) يحكم بما يوجب انتفاء الاتهام،
~~فينفي الاتيان بالفاسد والكذب عمدا، دون الخطأ والاشتباه.
# وإن كان قوله: (ضع أمر أخيك على أحسنه) يحكم بانتفاء الخطأ والاشتباه
~~والنسيان أيضا، لأنه ms148 غير أحسن.
# وإذ قد عرفت: عدم تمامية الدليل على الكلية، فلا يفيد تحقيق ذلك فيها.
# وأما الموارد الجزئية: فهي أيضا كذلك، يعني أن الواجب الرجوع إلى الدليل
~~الخاص به، واتباع مقتضاه.
# ولكن الثابت في أكثر تلك الموارد: هو الصحة عند الكل، والموافقة للواقع
~~ونفس الامر، كما أنه ثبت بناء عمل المسلم في التذكية على الصحة، والثابت من
~~أدلة ثبوت التذكية في حق كل أحد، ولذا لا يلزم عليه الفحص عن كيفية التذكية
~~أنها هل هي موافقة لرأي مجتهد المذكي خاصة أو لا، وهل أخطأ فيه أم لا. ولو
~~كان اللازم الحمل على الصحة في حق الفاعل خاصة، لم يفد بالنسبة PageV00P236
# لسائر الناس شيئا.
# وكذا في تطهير كل أحد ثوبه وبدنه، فيجوز لغيره ملاقاته وان احتمل أن يكون
~~تطهيره بنحو لا يعلمه مطهرا، وهكذا.
# وأما ما ورد في بعض الاخبار من إلقاء سيد الساجدين عليه السلام الفرو
~~العراقي عند الصلاة، معللا باستحلال أهل الكوفة جلد الميتة بالدباغ 1، ومن
~~عدم جواز بيع الجلد على أنه مذكى إذا أخبر بائعه بتذكيته، بل ينبغي أن
~~يقال: إن بائعه شرط التذكية، معللا بما ذكر 2، فلا ينافي ذلك إذ لا دلالة
~~فيهما على الحكم بعدم التذكية، ولذا لبسه سيد الساجدين عليه السلام في غير
~~الصلاة في الأول ورخص 3 البيع في الثاني.
# الفائدة الثانية: قال الشهيد - رحمه الله - في قواعده بعد بيان قبول خبر
~~المسلم في أمور: إنه يشترط في بعض الأمور هنا ذكر السبب عند اختلاف
~~الأسباب، كما لو أخبر بنجاسة الماء، فإنه يمكن أن يتوهم ما ليس بسبب سببا،
~~وإن كانا عدلين، اللهم إلا أن يكون المخبر فقيها يوافق اعتقاده اعتقاد
~~المخبر.
# ومنه: عدم قبول شهادة الشاهد باستحقاق الشفعة، أو بأن بينهما رضاعا
~~محرما، لتحقق الخلاف في ذلك، أو بأولية شهر، أو بإرث زيد من عمرو، أو بكفر،
~~والصور كثيرة.
# ويشكل منها ما لو شهدا بانتقال الملك عن زيد إلى عمرو، ولم يبينا سبب
~~الانتقال، أو بان حاكما جائز الحكم حكم بهذا ولم يبيناه، ms149 أو شهدا على من
~~باع عبدا من زيد أنه عاد إليه من زيد، ولم يبينا إقالة أو بيعا مثلا.
# وبالجملة: لا ينبغي للشاهد أن يرتب الاحكام على أسبابها، بل وظيفته أن
# PageV00P237
# ينقل ما سمعه منها من إقرار أو عقد بيع أو غيره، أو ينقل ما رآه، وإنما
~~ترتيب المسببات وظيفة الحاكم، فالشاهد سفير والحاكم متصرف 1. انتهى.
# أقول: الامر كما ذكره قدس سره، والوجه المبين للضابط فيه: أن الدليل
~~الدال على قبول قول المسلم كليا أو في مورد لا يدل الا على وجوب بناء قوله
~~على الحق والصواب والمطابقة لنفس الامر، ولا شك أن المراد منه البناء على
~~الحق المطابق 2 لنفس الامر بناءا على معتقده وزعمه.
# وعلى هذا: فان كان الامر مما يتفاوت الحق والمطابق لنفس الامر بتفاوت
~~المعتقدات، فقد يكون حقا عند شخص دون اخر، وبذلك يختلف حكمهما، فلابد من
~~بيان السبب فيه حتى تتضح جلية الحال.
# وان كان الامر غير متفاوت بتفاوت المعتقدات عادة - كالمحسوسات - فليس
~~كذلك ومن هذا يظهر عدم قبول شهادة الشاهد بالعلم بأني أعلم أنه كذا، لان
~~اللازم من قبول قوله هو تصديقه في أنه عالم بكذا، وعلمه ليس حجة على غيره.
# لا يقال: إنه إذا قال: سمعت كذا، أو رأيت كذا، فهو أيضا راجع إلى إخباره
~~بالرؤية والسماع، ولازمه تصديقه في ذلك، وكيف يكون سماعه أو رؤيته حجة؟
# قلنا: الحجة هي الواقع، دون علمه أو رؤيته أو سماعه، وهذه الأمور كاشفة
~~عن الواقع، ولكن الأول مما يستخلف الواقع عنه عادة كثيرا فلا حجية فيه،
~~بخلاف الأخيرين، فان تخلف الواقع عنهما خلاف العادة، فلذا يكشفان عنه.
# PageV00P238
# الفائدة الثالثة: قيل في مسألة قبول قول ذي اليد في النجاسة: وأما قبول
~~قول ذي اليد فهو أيضا مما لم يظهر عليه حجة.
# وتنزيل أقوال المسلمين وأفعالهم على الصحة والصدق لا يكفي، فان المراد من
~~ذلك: حمل قوله على الصحة، يعني مظنون الصدق، ولا يلزم من ذلك أن يكون حجة
~~على غير في إثبات حكم أو تكليف أو رفع ms150 شئ ثابت موافق لأصل البراءة.
# والحاصل: أن أفعالهم صحيحة، وأقوالهم صادقة يعمل بمقتضاها، الا أن تكون
~~معارضة بمثلها، أو موجبه لتكليف، أو مستلزمة لضرر على الغير. وكذلك تراهم
~~لا يتعرضون لمن في يده شئ، أو تحته زوجة، أو غيرهما إلى أن يدعي عليه اخر،
~~وحينئذ يحتاج إلى قواعد اخر في طي الدعوى.
# ولعل من يحكم بالنجاسة غفل عن ذلك، لما رأى أن قوله ينزل على الصدق، وكذا
~~فعله، بالنسبة إلى نفسه، فإذا اجتنب عن إنائه وقال: إنه نجس، ليس لأحد أن
~~يردعه، ويقال: إن اجتنابه صحيح وقوله صادق، فحسب أن ذلك يثبت النجاسة
~~الواقعية، حتى يلزم على غيره أيضا الاجتناب، وانفكاك الاحكام المتلازمة في
~~نظر الظاهر في غاية الكثرة، ولا ضير فيه 1. انتهى.
# وهو كلام مختل النظام، فان قوله: يعني مظنون الصدق، إن أراد أنه ليس على
~~تنزيل أفعالهم وأقوالهم على الصحة والصدق حجة شرعية، وما يقولون من التنزيل
~~يعنون: أنه مظنون الصدق، فهو نفي للتنزيل، ومناف لقوله بعد ذلك: أفعالهم
~~صحيحة وأقوالهم صادقة يعمل بمقتضاها) إن لم يكن ذلك الظن حجة، ومناف لقوله:
~~ولا يلزم من ذلك إلى اخر، إن كان حجة.
# PageV00P239
# وإن أراد أن مراد الشارع من حكمه بالتنزيل المذكور أنه مظنون الصحة
~~والصدق، ففساده أظهر من أن يخفى، مع أنه إن قال ذلك ولم يحكم بحجية ذلك
~~الظن، فهو أيضا نفي للتنزيل. وإن حكم بحجيته، فلا وجه لعدم دفع الأصل به.
# وإن أراد أنه وان حكم الشارع بذلك التنزيل، ولكن لكون أدلة الشرع ظنية،
~~يظن حكم الشارع بذلك، فلا يدفع به الأصل. ففيه: أنه على هذا يكون كسائر ما
~~يثبت من الشرع بالأدلة 1 الظنية التي يدفع بها الأصول ويثبت بها التكاليف.
~~ومما ذكرنا يظهر سائر ما في تتمة كلامه أيضا.
# PageV00P240
# عائدة (24) في بيان معنى لفظ (يصلح) و (لا يصلح) في الاخبار قد تكرر في
~~أخبار الأطهار وأحاديث الأئمة الأبرار عليهم السلام لفظ (لا يصلح) في أبواب
~~العبادات والمعاملات وغيرها.
# وقد اختلف الأصحاب في أن مفاده: هل ms151 هو الكراهة، أو الفساد، أو التحريم؟
# فصرح بعضهم بالأول، قال صاحب المدارك في رد قول من استدل بالحرمة في
~~مسألة بحديث متضمن للفظ (لا يصلح): إنه ظاهر في الكراهة 1.
# وصرح بعض اخر بالثاني، وقال بعض مشايخنا المحققين في شرحه على المفاتيح
~~في رد قول صاحب المدارك في تلك المسألة: وما قال من ظهور لفظ (لا يصلح) في
~~الكراهة محل نظر، فان الصلاح في مقابل الفساد، والفقهاء يبنون على ظهور
~~الحرمة، سيما القدماء كما لا يخفى 2. انتهى.
# وما ذكره هو الصحيح لوجهين:
# الأول: التبادر، فإنه إذا قال الطبيب لمريض: لا يصلح لك الغذاء الفلاني،
# PageV00P241
# يفهم منه منعه عن تناوله، وأن فيه المفسدة، ويذمه كل أحد شاهد تناوله
~~إياه.
# وكذا تراهم في مقام الاستخارة، إذا طلب أحد من عالم الاستخارة لأمر، فإذا
~~قال بعد الاستخارة: لا يصلح، يفهم منه أنه ممنوع.
# وكفاك في إثبات ذلك: بناء كثير من الفقهاء على ذلك، وحكمهم بالحرمة بمجرد
~~ورود ذلك اللفظ هذا المحقق الشيخ أبو القاسم، استدل في المعتبر 1 على عدم
~~جواز الاستنجاء بالعظم والروث: برواية ليث المرادي، عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قال: سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود، قال: (أما
~~العظم والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم، فقال: لا يصلح بشئ من ذلك) وكذا العلامة الحلي في المنتهى،
~~استدل بذلك ورد من ناقش في الرواية بضعف السند: بان الأصحاب تلقوها بالقبول
~~3 وهو يدل على إثبات الأصحاب جميعا الحرمة به، وهو بمنزلة دعوى الاجماع
~~عليه. وكذا المحقق الثاني الشيخ على - رحمه الله - في شرح القواعد، جعل ذلك
~~نهيا عن الاستنجاء بالعظم والروث 4.
# وأيضا رد العلامة في المنتهى 5 قول الشيخ بجواز الوضوء باناء وقع فيه ما
~~لا يستبين من الدم 6: بصحيحة على بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال:
~~سألته عن رجل رعف وهو يتوضأ فيقطر قطرة في انائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال:
# (لا) 7.
# PageV00P242
# انظر إلى هؤلاء الاعلام الذين ms152 هم من العارفين بعرف العرب، كيف فهموا منه
~~الحرمة، ثم بضميمة أصالة عدم النقل يثبت تمام المطلوب بل يظهر من الاخبار
~~تحقق ذلك التبادر في عهد المعصوم أيضا، كما في رواية البجلي: أني أدخل سوق
~~المسلمين، أعني هذا الخلق الذين يدعون الاسلام، فاشتري منهم الفراء للتجارة
~~فأقول لصاحبها: أليس هي ذكية؟ فيقول بلى. هل يصلح لي أن أبيعها على أنها
~~ذكية؟ فقال: (لا، ولكن لا بأس أن تبيعها وتقول:
# قد شرط لي الذي اشتريتها منه أنها ذكية) قلت: وما أفسد ذلك؟ قال:
# (استحلال أهل العراق الميتة) 1 الحديث.
# انظر كيف فهم الراوي من قوله: (لا يصلح) أنه فاسد، واستفسر من سببه،
~~وقال: وما أفسد ذلك؟ واحتمال وجود قرينة منفي بالأصل والثاني: تصريح أهل
~~اللغة بان الصلاح خلاف الفساد ونقيضه، فنفيه إثبات الفساد قال الجوهري في
~~الصحاح: الصلاح ضد الفساد. وقال: والاصلاح نقيض الافساد، والاستصلاح نقيض
~~الاستفساد. وقال أيضا في مادة فسد: الاستفساد خلاف الاستصلاح، والمفسدة
~~خلاف المصلحة 2.
# وقال في القاموس: الصلاح ضد الفساد، كالصلوح، إلى أن قال: و أصلحه: ضد
~~أفسده، إلى أن قال: واستصلح نقيض استفسد. وقال في مادة فسد: فسد كنصر وعقد
~~وكرم فسادا وفسودا، ضد صلح، إلى اخر ما قال 3.
# وقال الطريحي في مجمع البحرين: يقال: صلح الشئ من باب قعد، وصلح بالضم
~~لغة: خلاف فسد. وقال في مادة فسد: والمفسدة
# PageV00P243
# خلاف المصلحة 1. ويؤيده أيضا شيوع استعمال لفظ (لا يصلح) فيما هو
~~كالمعدوم، كما في قول الفقهاء في رد الأدلة: هذا لا يصلح للحجية، أو لا
~~يصلح للمانعية، أولا يصلح للمعارضة، والفاسق لا يصلح للإمامة، وهكذا.
# ويؤيده أيضا: شيوع استعماله في الاخبار في ذلك المعنى بدون القرينة، منها
~~روايتا ليث وعلي المتقدمتان 2.
# ومنها موثقة سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (لا يصلح لباس
~~الحرير والديباح، وأما بيعه فلا بأس به) 3.
# ويؤكده أيضا، بل يدل عليه: أن النفي حقيقة في نفي ما يدل عليه المثبت،
~~والظاهر أن مثبته - أي يصلح - بمعنى يجوز، فمعنى نفيه: أنه لا ms153 يجوز، وإنما
~~قلنا: إن (يصلح) بمعنى يجوز، لاستعماله فيه في الاخبار، والأصل في
~~الاستعمال الحقيقة إذا لم يعلم الاستعمال في غير المعنى الواحد، كما فيما
~~نحن فيه.
# وأما استعماله فيه في الاخبار فكثير جدا.
# كصحيحة علي بن جعفر، عن أخيه موسى عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يصلح
~~له أن يصيب الماء من فيه، يغسل به الشئ يكون في ثوبه؟ قال:
# (لا بأس) 4.
# وروايته عنه أيضا، قال: سألته عن بئر ماء، وقع فيه زنبيل من عذرة رطبة أو
~~يابسة، أو زنبيل من سرقين، أيصلح الوضوء منها؟ قال: (لا بأس) 5.
# PageV00P244
# وموثقة عمار، قال: سألته عن الدن يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه
~~الخل أو كامخ 1 أو زيتون؟ قال: (إذا غسل لا بأس) وعن الإبريق يكون فيه خمر،
~~أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: (إذا غسل فلا بأس) 2 ورواية على بن جعفر عليه
~~السلام أيضا، قال: سألته عن الرجل، هل يصلح له أن يصلي على الرف المعلق بين
~~نخلتين؟ وفيها: وسألته عن فراش حرير، ومثله من الديباج، هل يصلح للرجال
~~النوم عليه 3؟ إلى غير ذلك.
# ومما يفسد كونه للكراهة: ما ذكرنا من أن النفي حقيقة في نفي المثبت،
~~والمثبت بأي معنى كان من المعاني المحتملة لا يثبت من نفيه الكراهة.
# وتوهم الوضع الطارئ للمنفي، يدفعه الأصل، مضافا إلى أنه وقع النفي كثيرا
~~في جواب السؤال عن الاثبات، فقال السائل: هل يصلح ذلك؟ فأجاب بقوله: لا.
~~وليس هناك إلا نفي المعنى الثابت للمثبت.
# ثم إنه لا ينافي ما ذكرناه: استعمال لفظ (لا يصلح) في الاخبار في ما يكره
~~كثيرا، لان الاستعمال أعم من الحقيقة، واستعمال الموضوع للوجوب والحرمة -
~~كالأمر والنهي - في الندب والكراهة في الاخبار خارج عن حد الاحصاء.
# وهذا أيضا من المؤيدات للمطلوب، فان استعمال اللفظ الموضوع للوجوب
~~والحرمة في الندب والكراهة تجوزا شائع ذائع في الاخبار، بخلاف عكسه، فإنه
~~إما منتف، أو نادر جدا.
# PageV00P245
# عائدة (25) في بيان حكم الخاطئ والجاهل في الحكم والموضوع.
# الآتي بعبادة بأجزائها وشرائطها ms154 إما يأتي بها مع العلم أو الظن المعتبر
~~مطابقا للواقع ولم يظهر خلافه، أولا. ولا كلام في الأول.
# وأما الثاني: فاما يأتي بغير المطابق متعمدا، فلا كلام فيه أيضا وفي فساد
~~عبادته، للنهي المقتضي للفساد.
# بل وكذا إن اتفق مصادفته للواقع مع تعمده عدم المطابقة، لما ذكر.
# وفي حكمه: الخاطئ، أو الجاهل المقصر، الذي منه الشاك.
# وأما غير من ذكر، فاما خاطئ غير مقصر، أو جاهل كذا، أو غافل، أو ناس.
# ثم الخطأ، أو الجهل، أو الغفلة، أو النسيان اما يتعلق بأصل العبادة، أو
~~بجزئها، أو بشرطها.
# وعلى التقادير: إما يتعلق بأحكامها الشرعية، أو بموضوعاتها. وحاصل
~~الأقسام: أربعة وعشرون.
# ولعدم فرق بين الجهل والغفلة والنسيان، وكون مرجع الثلاثة أمرا واحدا هو
~~الجهل. وكذا يتحد حكم الجزء والشرط، لكون الجزء في الحكم كالشرط، ترجع
~~الأقسام إلى ثمانية. PageV00P247
# ثم الكلام في تلك الأقسام: أما في المؤاخذة والعذاب على تقدير وجوب
~~العبادة، أوفي الصحة والبطلان، أو في القضاء خارج الوقت، أو في الفعل
~~والإعادة في الوقت.
# أما الأولان: فاستوفي الكلام فيهما في الأصول، وما بسطناه في شرح تجريد
~~الأصول، وكتاب مناهج الاحكام، وأن الحق عدم العقاب والصحة 1.
# وإنما الكلام فيها في الأخيرين، ولا كلام فيهما أيضا من جهة الدليل
~~الخارجي، بمعنى أنه لا مانع من أن يوجد في بعض الموارد دليل خارجي على وجوب
~~القضاء، أو الفعل والإعادة في الوقت مع الخطأ أو الجهل، واللازم حينئذ
~~اتباع ذلك الدليل وإن صح ما فعله أولا.
# وإنما الكلام في مقتضى الأصل، ومع قطع النظر عن الدليل، ولبيان ذلك نقول:
# أما القضاء: فلما ثبت في الأصول أنه بأمر جديد، وليس تابعا للأداء،
~~فالأصل فيه عدم الوجوب مطلقا، وذلك ظاهر.
# وأما الإعادة والفعل في الوقت، فهو قد يختلف باختلاف الأقسام المذكورة
~~فنقول:
# أما القسم الأول: وهو الخاطئ في الحكم الشرعي لأصل العبادة، كمسافر خائف،
~~ظن بدليل شرعي مثلا عدم وجوب صلاة الظهر على المسافر الخائف و ظهر خطأه مع
~~بقاء الوقت. وكذا من نذر بالصيغة الفارسية صلاة ms155 ركعتين في يوم معين، وظن
~~عدم لزومه، ثم ظهر خطأه مع بقاء ذلك اليوم بعد، وأدى اجتهاده إلى لزوم
~~النذر بالفارسية، فلا شك حينئذ في وجوب الفعل عليه، وهو إجماعي.
# ويدل عليه: توجه الامر إليه مع بقاء وقته، أما بقاء الوقت فظاهر. وأما
# PageV00P248
# توجه الامر إليه، فلدخوله في الموضوع، فإنه إذا رأى أن صلاة الظهر واجبة
~~على كل مسافر ولو كان خائفا، فيصدق ذلك الموضوع عليه، ويتوجه الامر إليه.
# وكذا إذا اجتهد أن كل من نذر بالفارسية يجب عليه الوفاء، يصدق ذلك عليه،
~~ووقته باق، فيجب عليه الامتثال.
# وأما القسم الثاني: وهو الجاهل بالحكم الشرعي لأصل العبادة، كمن لم يعلم
~~وجوب صلاة الظهر، أو غفل عنه، أو نسي، أو لم يعلم وجوب الوفاء بالنذر، وظهر
~~له الحال والوقت باق، فهذا أيضا مما لا شك فيه، ولا ريب في وجوب الاتيان
~~بالفعل.
# وأما القسم الثالث: وهو الخاطئ في الحكم الشرعي للجزء أو الشرط، كمن ظن
~~عدم وجوب السورة في الصلاة، أو عدم وجوب الاستقبال، أو ستر العورة فيها،
~~وصلى بدون السورة، أو غير مستقبل القبلة، أو مكشوف العورة، ثم تبين له
~~خلافه مع بقاء الوقت، فالأصل 1 فيه وجوب الفعل ثانيا مع الشرط أو الجزء
~~المتروك أولا، لأنه بتبين الخلاف حصل له أمر، وهو أن كل مكلف يجب عليه
~~الفعل مع هذا الجزء أو الشرط في الوقت الفلاني، والمفروض بقاء الوقت، فيكون
~~داخلا في الموضوع، فيجب عليه الفعل.
# ولا ينافي ذلك صحة ما فعله أولا، حيث إنه المأمور به له حينئذ، لأنه
~~المأمور به له حين 2 يعلم أنه المأمور به. لا ينافي ذلك كون شئ اخر مأمورا
~~به له في وقت اخر.
# والحاصل أن هاهنا أمرين: مطلق ومقيد، وكان الأول واجبا عليه في الوقت
~~الأول، والثاني في الثاني.
# PageV00P249
# والتفصيل 1 في الموارد بان يقال: أنه إن كان في المورد 2 أمر بالمقيد
~~شامل لمثل ذلك الشخص مع هذه الحالة، ولأجله تغير اجتهاده، فيجب عليه الفعل
~~ثانيا. و إن لم يكن ms156 كذلك، بل عثر على القيد، فلا، لان مقتضاه وجوب القيد
~~على من وجب عليه المقيد، والأصل عدم وجوبه على مثل ذلك الشخص.
# فالأول: كما أن ظن أولا وجوب الصلاة مطلقا، فصلى قبل الزوال، أولا إلى
~~القبلة، أو غير ساتر للعورة، أو بدون السورة، ثم عثر على قوله: (أقم الصلاة
~~لدلوك الشمس) أو (صل إلى القبلة) أو (صل ساترا للعورة) أو (صل مع السورة)
~~والوقت باق، فيجب عليه الفعل ثانيا، لشمول هذه الأوامر لمثل ذلك الشخص
~~باطلاقها، وعدم دليل على القيد بغير من صلى أولا.
# والاجزاء عن الامر الأول لا ينافي وجوب الإعادة، لان هناك أمرين: مطلق
~~ومقيد، والاجماع على اتحادهما إنما هو مسلم في حق غير مثل ذلك الشخص.
# الثاني: كما أن صلى قبل الزوال على أحد الأنحاء المذكورة، ثم عثر على
~~دليل القيد أيضا من غير تحقق أمر بالمقيد، مثل قوله: الوقت شرط في الصلاة،
~~أو القبلة واجبة مراعاتها فيها، أو ستر العورة في الصلاة واجب، أو السورة
~~واجبة فيها، ونحو ذلك، فان معناها وجوب هذه الأمور على من تجب عليه الصلاة،
~~و وجوبها على مثل ذلك الشخص غير معلوم.
# ولا يتوهم: أنه تصير المطلقات - على هذا التقدير - مقيدة، فيظهر أن معنى
~~قوله: صل، الموجب للصلاة عليه أولا، صل كذا وكذا، فهذا الامر شامل باطلاقه
~~لمثل ذلك الشخص.
# لأنا نمنع صيرورة المطلقات مقيدة بحسب المعنى، بل القدر الثابت وجوب
~~القيد، أما أن معنى الصلاة والمراد منها ذلك، فلا، كما حققناه في بحث
~~المطلق والمقيد من الأصول.
# PageV00P250
# فالمراد من المطلق الامر بالماهية وقد امتثله، ويظهر من دليل التقييد
~~وجوب القيد أيضا، ولكن لا مطلقا، بل على من وجبت عليه الماهية، ووجوبها على
~~مثل هذا الشخص في حيز المنع.
# فان قلت: إنه يفهم من دليل القيد وجوب الماهية مع القيد، فإذا انضم ذلك
~~الفهم مع الامر بالمطلق، يصير أمرا آخر وراء الامر الأول، ويكون في قوة
~~قولك: صل ساترا للعورة، وذلك شامل لمثل ذلك الشخص.
# قلنا: لا نسلم ذلك، بل المفهوم ms157 من دليل القيد مجرد وجوبه حين وجوب
~~الماهية، ويكون المجموع في قوة قولك: صل واستر عورتك مثلا في الصلاة التي
~~تجب عليك.
# والحاصل: أن حصول تغيير في الامر المطلق ممنوع، وإنما يجب أمر زائد على
~~المطلق على من وجب عليه المطلق لا مطلقا.
# والأظهر في عدم وجوب الإعادة: ما إذا كان دليل وجوب هذا الجزء أو الشرط
~~أو جزئيته أو شرطيته أو دليل وجوب الأصل: الاجماع، فإنه واضح حينئذ عدم
~~وجوب الفعل ثانيا، لأنه على ذلك التقدير يكون وجوب هذا الفعل مع ذلك الجزء
~~أو الشرط بسبب الاجماع، ولم يثبت الاجماع في حق مثل ذلك الشخص في هذا
~~الوقت.
# أقول: هذا التفصيل إنما يتم في الأمر الزائد عن الماهية، وما يتوقف عليه
~~صحتها، وأما فيها، فلا، لان الامر بالماهية أمر بها مجتمعة الاجزاء
~~والشرائط، فإذا علمنا مثلا أن السورة جزء للصلاة أو ستر العورة شرط لصحتها،
~~نعلم أن معنى قوله: صل: إفعل الأركان المخصوصة مع السورة ساترا للعورة بأي
~~نحو أدي وجوب السورة والستر، فيكون الامر بالصلاة أمرا بالاجزاء المنضمة مع
~~السورة المقارنة مع الستر، وذلك الامر يشمل مثل هذا الشخص الذي كلامنا فيه
~~أيضا، فيجب عليه الإعادة من غير فرق بين أن يكون دليل الوجوب الاجماع أو
~~غيره. PageV00P251
# نعم: لو كان دليل الجزئية أو الشرطية: الاجماع، واختلف في حال الجهل،
~~فإنه لا يتم حينئذ.
# والحاصل: أن الحكم بالإعادة إنما هو في الجهل بما فرضت شرطيته أو جزئيته
~~قطعا أو إطلاقا، لا فيما شك في شرطيته أو جزئيته.
# وأما القسم الرابع: وهو الحاصل بالحكم الشرعي للجزء أو الشرط، كمن لم
~~يعلم وجوب السورة أو القبلة في الصلاة، وصلى بدونهما، ثم ظهر له الحال مع
~~بقاء الوقت، فهو أيضا كالقسم السابق، ووجهه مما مر ظاهر.
# ثم في هذه الأقسام الأربعة لو انعكس حال الخطأ أو الجهل، بأن ظن الوجوب،
~~وأتى به، ثم ظهر عدمه، فلا إشكال في عدم وجوب شئ ثانيا، إلا إذا كان الجزء
~~أو الشرط الزائد مما تبطل به ms158 العبادة.
# وأما القسم الخامس: وهو الخاطئ في موضوع أصل العبادة، مع تبين الحال في
~~الوقت، كمن نذر شيئا وظن بدليل أنه الصدقة، وأتى بها، ثم تبين له أنه أربع
~~ركعات في يوم الجمعة والوقت باق أو من ظن أن صلاة الظهر أمر اخر وراء هذه
~~الهيئات المخصوصة بدليل، وأتى بها، وظهر له الحال مع بقاء الوقت.
# ولا شك في وجوب الفعل ثانيا في الوقت، لان الظاهر في ثاني الحال: أن نفس
~~المأمور به هو ذلك الشئ الاخر، وأن معنى قوله: صل، يعني: تجب عليك تلك
~~الهيئات المخصوصة، وأن الواجب بالنذر هو الصلاة، وهو باطلاقه شامل لمثل ذلك
~~الشخص، ويمكن له الامتثال، فيجب عليه الفعل، إلا أن يكون دليل وجوب الفعل
~~الاجماع، كما لا يخفى.
# فان قلت: لا شك أن كل أحد متعبد بظنه، فالامر بصلاة الظهر مثلا أمر
~~بالاتيان بما ظن أنه صلاة الظهر، فإذا ظنها أمرا اخر وراء الهيئات وأتى
~~بها، فقد أتى بما امر به، والآتيان بالمأمور به يقتضي الاجزاء.
# قلت: نعم يقتضي الاجزاء عن المأمور به بذلك الامر، وأما إذا تبين له أنها
~~PageV00P252
# الهيئات المخصوصة، فالمتحصل له بعد ذلك الفهم أمر آخر والوقت باق، فيجب
~~عليه الاتيان به.
# والحاصل: أنه يفهم في الوقت أن الشارع قال: افعل هذه الهيئات المخصوصة،
~~وهو باطلاقه شامل لمثل ذلك الشخص، ولم يفعله بعد، ويمكن له الفعل، فيجب
~~عليه 1.
# فان قلت: لما كانت متعلقات التكاليف: هي الأمور المعلومة، فمعنى:
# صل: افعل ما علمت أنه صلاة، سواء كان المعلوم هذه الهيئات المخصوصة، أو
~~غيرها، وقد أتى بما علم، ولا تكرار في الامر، فلا يجب عليه شئ اخر.
# قلت: لا نسلم أن المعنى ذلك، بل المعنى: افعل الهيئات المخصوصة إن علمت
~~أنها صلاة، وافعل غيرها إن علمته صلاة، وهكذا.
# والحاصل: أنه ليس هنا لفظ مطلق يوجب الاتيان بفرد منه الامتثال، بل القدر
~~المعلوم باعتبار اشتراط التكليف هو ما ذكرناه، فإذا علم أن الصلاة هي
~~الهيئات المخصوصة، يجب فعلها ثانيا.
# فان قلت: نعلم أنه ليس ms159 المطلوب هناك إلا أمرا واحدا.
# قلنا: معلومية ذلك ممنوعة، وإنما هي لغير مثل ذلك الشخص، بل هنا أمران
~~كما ذكرنا 2 وأما القسم السادس: وهو الجاهل بموضوع أصل العبادة، كمن أتى
~~بشئ مكان صلاة الظهر غفلة أو نسيانا، ثم تبين في الوقت خطأه، ووجوب الإعادة
~~عليه ودليله واضح مما سبق.
# وأما القسم السابع: وهو الخاطئ في موضوع الجزء أو الشرط،
# PageV00P253
# فهو على قسمين: أحدهما: أن يخطأ في مفهوم الجزء أو الشرط، كمن ظن أن
~~المراد بالمغرب غروب الشمس، فصلى ثم تبين له مع بقاء الوقت أن مفهومه زوال
~~الحمرة، أو ظن أن القبلة ما بين المشرق والمغرب، فصلى في العراق إلى حوالي
~~المشرق، ثم ظهر له أن ذلك قبلة المتحير، وقبلته تنحرف عن الجنوب إلى المغرب
~~كثيرا.
# أو ظن أن ستر العورة يتحقق مع اللباس الحاكي أيضا، ثم ظهر له أنه ليس
~~بساتر.
# أو ظن أن السورة الواجبة في الصلاة صادقة على آية من السورة أيضا، ثم ظهر
~~له خطأه.
# وثانيهما: أن يخطأ في مصداقه، كمن علم أن المراد بالمغرب زوال الحمرة،
~~وظن حصوله قبل حصوله، وصلى، ثم تبين خطأه، أو علم أن القبلة الجهة المخصوصة
~~للكعبة، وظنها في سمت، وصلى إليه، ثم ظهر خطأه. وهكذا.
# فان كان من القسم الأول: فالظاهر وجوب الفعل ثانيا مع بقاء الوقت، و
~~دليله يظهر مما مر في القسم الخامس، فان قول الشارع: صل حين المغرب، عام
~~لكل أحد، فإذا صلى أولا قبل زوال الحمرة بظن أنه المغرب، وتبين خلافه مع
~~بقاء الوقت، يعلم أن معناه: صل حين زوال الحمرة.
# وإن شئت قلت، معناه: صل حين زوال الحمرة إذا علمت أنه المغرب، والوقت
~~باق، والدليل عام، ولم يمتثله بذلك المعنى، فيجب امتثاله. والمناقشة بكون
~~كل أحد متعبدا بظنه، ظهر دفعها مما سبق في الخامس.
# وإن كان من القسم الثاني: فالظاهر في بادئ النظر أن الأصل عدم وجوب الفعل
~~ثانيا، إذ ليس هناك إلا أمر واحد هو الصلاة حين علمه بزوال الحمرة، وقد أتى
~~بها ms160 امتثلها وإن أخطأ في ذلك العلم، وليس هو سببا لتعلق أمر اخر.
# والحاصل: أن معنى (صل حين المغرب أو حين زوال الحمرة) أنه صل هذا الحين
~~إذا علمته هذا الحين، وقد علمه وصلى، فامتثل. PageV00P254
# ولم يتبدل عنده شئ في الخطاب أو الأمر حتى يتحصل دليلان، وهذا هو فرق ذلك
~~مع سابقه، فان في السابق تغير علمه في فهم الخطاب، وفى كل حال مكلف بمقتضى
~~فهمه، بخلاف ذلك.
# والتحقيق: وجوب الإعادة فيه أيضا، لان مقتضى (صل في زوال الحمرة الواقعية
~~إن علمته) الاتيان بهذا الامر مع بقاء وقته، والوقت باق، والمفروض أنه يعلم
~~حينئذ أنه لم يأت بذلك المأمور به وإن أتى بالصلاة في زوال الحمرة
~~المعلومة، ولكنه امتثال لأمر اخر معلوم بلسان العقل، وهو أن كل ما علم فهو
~~تكليفه، وأما ذلك الامر الصادر من الشارع فمقتضاه ليس الا الاتيان بالصلاة
~~في زوال الحمرة الواقعية بشرط العلم بها، والمعلوم له حينئذ أنه ما أتى
~~بذلك الامر، وإن أتى بالامر المعلوم بلسان العقل، فيجب الاتيان به.
# وأما القسم الثامن: وهو الجاهل بموضوع الجزء أو الشرط: كمن صلى حين سقوط
~~القرص مع جهله بأنه الوقت، أو بعد زوال الحمرة غير ملتفت إلى الخلاف، أو مع
~~جهله بزوال الحمرة وعدمه مع علمه بان المغرب إنما هو زوال الحمرة، غير
~~ملتفت إلى احتمال العدم، بل كان غافلا، أو مع النسيان لذلك، فالأصل في
~~الجميع: وجوب الاتيان بالفعل بعد تبين الحال 1 لتعلق الامر به، و إمكان
~~امتثاله.
# وأما صحة ما أتى به، فهو لا يقتضي الاجزاء عن ذلك الامر، لأنه أمر اخر
~~تعلق به بلسان العقل الحاكم بعدم التكليف فوق الطاقة، وبأن كل من قطع بتعلق
~~تكليف به، يتعلق به، وهذا أمر صادر بلسان الشرع غير ممتثل، فيجب الاتيان
~~به.
# ثم إن بعد الإحاطة بما ذكرنا يظهر لك قوة القول بوجوب الإعادة مطلقا، كما
~~يظهر من ابن إدريس في السرائر: مستدلا بان حكم الامر باق في ذمته، وما فعله
# PageV00P255
# غير مأمور به لا يسقط ms161 عنه الفرض، فيجب أن يفعل ثانيا ما دام الوقت باقيا،
~~لقدرته عليه 1.
# كما يظهر ضعف القول بعدم الوجوب مطلقا مستدلا بأنه متعبد بظنه 2، و تعلم
~~جواب الاستدلالين 3.
# فوائد:
# الأولى: لو صادفت عبادة بعض هؤلاء الواقع اتفاقا، كالغافل، والناسي،
~~والجاهل بالحكم، وأمثالهم، إذا فعل الفعل مع الغفلة أو النسيان أو الجهل
~~بالحكم، فصادف الواقع، فهل يجب عليه الإعادة في الأقسام التي كانت فيها
~~الإعادة؟ الظاهر لا، لأصالة عدم اشتراط العلم بالمصادفة أيضا، إلا أن يكون
~~ذلك مع خطأ أو جهل مقارن مع التقصير الموجب للنهي المفسد للعبادة.
# الثانية: لا فرق فيما ذكرنا في الخاطئ المتبين خطأه في الوقت من وجوب
~~الإعادة 4 بين ما إذا تبين خطأه بالعلم بالواقع، أو بالاجتهاد الذي هو حجة
~~في حقه، لجريان الدليل المذكور فيه في الموضعين.
# وقال المحقق الثاني الشيخ على في بحث القبلة من شرح القواعد بعدم لزوم
~~الإعادة في صورة تبين الخطأ بالاجتهاد مطلقا، قال: لان الخطأ - هو عدم
~~مطابقة الواقع - لم يظهر بمخالفة الاجتهاد الثاني للأول، لامكان كون الخطأ
~~هو الثاني. و وجوب العمل به ظاهرا لتعبده باجتهاده لا يقضي صحته في نفس
~~الامر 5. انتهى وهو ضعيف غايته، إذ دليل وجوب الإعادة فيما تجب لم يكن ظهور
~~كون
# PageV00P256
# الفعل الثاني مطابقا للواقع، بل كان هو: تعبده باجتهاده، وصيرورته حكمه
~~في حقه ظاهرا.
# الثالثة: لا فرق في وجوب الا عادة فيما إذا كان المعلوم في الوقت خطأه أو
~~جهله مخالفا لمقتضى اعتقاده، أو لمقتضى الاستصحاب، إذ مقتضى الاستصحاب ليس
~~بأقوى من مقتضى العلم.
# ولا يتوهم: أن الشارع أقام المستصحب مقام الواقع.
# إذ ليس كذلك، بل أقامه مقام العلم، فقال: (لا تنقض اليقين بالشك).
# وعلى هذا: يكون معنى قوله: (صل قبل غروب الشمس) أنه صل حينئذ إن علمته
~~حينئذ، أو استصحبته، وبعد ظهور الخطأ، يعلم أنه لم يصل حينئذ، بل صلى بعد
~~الغروب باستصحاب عدمه، فيبقى في الذمة. PageV00P257
# عائدة (26) في أن مورد الاجماع المدعى هو مراد الناقل من اللفظ إذا نقل
~~عدل إجماعا على ms162 أمر، فمورد الاجماع المدعى: هو مراد الناقل من اللفظ، فيجب
~~الفحص عن مراده منه، لا عن مراد الشارع من هذا اللفظ إذا أطلقه.
# كما إذا قال فقيه: يجب ستر العورة في الصلاة إجماعا، فاللازم على من يقول
~~بحجية الاجماع المنقول، الفحص عن مراد ذلك الفقيه من العورة، دون مراد
~~الشارع منه إذا أطلقها.
# فلو علم أن الراجح عند ذلك الفقيه، هو أن العورة هو القبل والدبر، فيقول:
~~ذلك مورد دعوى الاجماع دون غيره وإن اقتضى الترجيح عندنا كون العورة في
~~اللغة أو في عرف الشارع من السرة إلى الركبة، إذ لا تدل دعواه على حصول
~~الكشف المدلول عليه بلفظ الاجماع على صدور هذا اللفظ من الشارع.
# فلا وجه لاجراء القواعد اللفظية فيه بالنسبة إلى الشارع، إلا مع ثبوت
~~اتحاد عرف الامام والناقل، فان الاجماع المنقول - على فرض حجيته - لا يثبت
~~إلا الكشف عن رأي الامام بالحكم الذي ذكره الناقل، فاللازم إجراء القواعد
~~اللفظية في كلامه، لا في كلام الامام.
# وكذا الكلام في لفظ الستر إذا كان الراجح في نظرنا أن معناه ما يستر
~~الحجم PageV00P259
# أيضا، ولكن كان الراجح في نظر الناقل أنه ما يستر البشرة، فمورد دعوى
~~الاجماع هو الأخير، دون الأول.
# ومن هذا القبيل إذا ادعى الاجماع على وجوب الغسل، وكان الراجح في نظر
~~المدعي عدم اعتبار العصر في معنى الغسل، فمورد دعوى الاجماع هو ذلك المعنى،
~~دون ما يتضمن العصر أيضا، وكذا الكلام إذا علم الاختلاف في مصداق اللفظ بين
~~الفقهاء وإن لم يعلم خصوص الراجح في نظر الناقل.
# نعم قد يوجد في المقام قرينة على أن مراد الناقل تحقق الاجماع على صدور
~~هذا اللفظ من الشارع، وحينئذ يجب إجراء القواعد اللفظية بالنسبة إلى الشارع
~~1.
# ومجرد وقوع الاختلاف بين الفقهاء في معنى اللفظ، لا يصلح قرينة لإرادة
~~صدور هذا اللفظ، لتكثر نقل الاجماع في مقامات يكثر فيها الاختلاف حتى من
~~الناقل أيضا.
# PageV00P260
# عائدة (27) في بيان قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) مما يستدل به بعض
~~الفقهاء في مقام إثبات ms163 الحكم للجزء، بعد تعسر الكل أو تعذره: قوله صلى الله
~~عليه وآله وسلم: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم) 1.
# وقوله عليه السلام: (الميسور لا يسقط بالمعسور) 2.
# وقوله: (ما لا يدرك كله لا يترك كله) 3 والأول مروي عن النبي صلى الله
~~عليه وآله وسلم، والثانيان عن علي عليه السلام، نقل الثلاثة في عوالي
~~اللآلي.
# والكلام فيها: إما في حجيتها، أو دلالتها.
# أما الأول، فنقول: لا شك في عدم اعتبار تلك الأخبار من حيث السند، ولا من
~~حيث وجودها في أصل معتبر، ولكن تصدى بعضهم لاثبات حجيتها، ببيان اشتهارها،
~~وانجبارها بالعمل.
# فقال: إنه ذكرها الفقهاء في كتبهم الاستدلالية على وجه القبول، وعدم
~~الطعن في السند أصلا، ومع ذلك مشهورة في ألسنة جميع المسلمين يذكرونها و
# PageV00P261
# يتمسكون بها في محاوراتهم ومعاملاتهم من غير نكير، فهي بالعمل مجبورة و
~~بالشهرة معتضدة، فتكون حجة 1.
# ويرد عليه: أنه إن أريد بانجبارها بالشهرة: الشهرة المتنية، فهي ليست
~~مشهورة، إلا في ألسنة المتأخرين، وهي غير كافية.
# بل اشتهارها عندهم أيضا ليس إلا بنقل بعضهم عن بعض في مقام الاحتجاج
~~ورده، وهذا ليس من الشهرة الجابرة، فإنه لو ذكر واحد حديثا ضعيفا، ثم ذكره
~~الجميع ناقلا عنه ورادا للاستدلال به، لا يحصل له الشهرة المتنية الجابرة،
~~وحال تلك الثلاثة من ذلك القبيل، كما ترى أنه استدل نادوا بالأول في مقام
~~إثبات كون الامر للندب، وذكره الباقون نقلا منه، مردوا عليه، وكذلك
~~الثانيان.
# وإن أريد الشهرة المدلولية، فهي ممنوعة وإن كان الفتوى في بعض جزئيات
~~مدلولها مشهورة، وهي غير اشتهار المدلول.
# فالظاهر عدم حجية تلك الأخبار، وعدم صلاحيتها لاثبات الاحكام المخالفة
~~للأصل، إلا أن يكتفى في انجبار الخبر الضعيف بالشهرة المحكية أيضا، كما هو
~~المحتمل، بل الأظهر.
# فإنه يمكن القول بحجية تلك الأخبار، حيث إنه نسب بعضهم القول بوجوب
~~الاتيان مما يتمكن منه من الاجزاء إلى الأكثر وأما الثاني، فنقول: أما
~~الحديث الأول فيحتمل وجوها أربعة:
# أحدها: أن تكون لفظة (من) في قوله: (منه) للتبعيض، ويكون (منه) مفعولا ms164
~~لقوله: (فأتوا) ويكون قوله: (ما استطعتم) بدلا لبعضه، ويكون المعنى: فأتوا
~~بعضه، البعض الذي استطعتم والثاني: أن تكون (من) تبعيضية أيضا، ويكون
~~المفعول قوله: (ما استطعتم) ويكون المعنى: فأتوا ما استطعتم حال كونه بعضه.
# PageV00P262
# والثالث: أن تكون لفظة (من) مرادفة للباء، فإنه من معانيها المشهورة، وقد
~~ذكره الجوهري وابن هشام 1 وغيرهما 2، وتكون لفظة (ما) مصدرية زمانية، كما
~~قالوا في قوله سبحانه: (فاتقوا الله ما استطعتم) 3 ويكون المعنى: فأتوا به
~~ما دامت استطاعتكم.
# والرابع: أن تكون لفظة (من) بيانية، إما بيانا للمأتي، كما قاله ابن هشام
~~في قوله سبحانه: (يحلون فيها من أساور) 4 حيث جعل لفظة (من) بيانية لما
~~يحلى به 5، وتكون (ما) مصدرية زمانية أيضا، أو بيانا للموصول، ويكون
~~المعنى:
# فأتوا ما استطعتم منه بعضا أو كلا.
# ودلالته على مطلوبهم إنما هو إذا كان معنى الحديث أحد الاحتمالين
~~الأولين، أو الشق الثاني من الأخير، وهو غير معلوم فان قلت: المعنى الثالث
~~يوجب جعل (من) بمعنى الباء، وهو مجاز خلاف الأصل، وجعل (ما) مصدرية، وهو
~~أيضا خلاف الأصل، لان الأصل في (ما) أن تكون غير مصدرية، وأيضا تأويل الفعل
~~بالمصدر خلاف الأصل.
# وأيضا على الثالث بل الرابع يكون مقتضى الحديث: وجوب الاتيان بالمأمور
~~به، وعدم جواز تركه، وهذا ليس إلا تأكيدا للايجاب الثابت من الامر،
~~والتأسيس أولى من التأكيد.
# قلنا: لو سلمنا تجوز لفظة (من) في مرادفة الباء، ولفظة (ما) في المصدرية،
~~وكون (من) حقيقة في التبعيض أيضا، فنقول: المجاز لازم على الأولين أيضا، إذ
~~يجب أن يكون المعنى: إذا أمرتكم بشئ ولم يتيسر الاتيان بالكل، فأتوا بعضه
# PageV00P263
# الذي استطعتم، أو ما استطعتم منه حال كونه بعضه.
# وأيضا يحتاج إلى التقييد في لفظ (الشئ) بجعله شيئا له أبعاض، أي الشئ
~~المركب.
# وأيضا يجب ارتكاب تقييد اخر أيضا، فإنه ليس كل مركب يجب الاتيان بما
~~يستطاع من أجزائه، كالصلاة والصوم.
# والأخيران لازمان في الشق الثاني من الرابع أيضا، مضافا إلى استلزامه
~~تقديم المتعلق على المتعلق، وهو أيضا خلاف الأصل. ms165
# وأيضا يلزم خلاف أصل اخر على هذه التقادير الثلاثة، بل على الشق الأول من
~~الرابع أيضا، وهو إضمار لفظة الباء في قوله: (ما استطعتم) لان الاتيان
~~بمعنى الامتثال - كما صرح به بعضهم 1 - لا يتعدى الا بالباء، فلا بد من
~~إضمار لفظة الباء مزيدة على لفظة (ما).
# وجميع تلك الأمور مخالفة للأصل، فلو لم يجب ترجيح الفاقد لها على المتضمن
~~لها، فلا أقل من التوقف المسقط للاستدلال.
# وأما جعل المفاد على التقديرين الأخيرين تأكيدا، فهو غير صحيح، بل يكون
~~الغرض حينئذ بيان اشتراط التكليف بالقدرة والاستطاعة، وهو حكم شرعي، وليس
~~فيه تأكيد لمدلول الصيغة أصلا.
# وتوهم كونه تأكيدا لما علم من الأدلة النقلية الاخر، النافية للتكليف بما
~~لا يطاق، فاسد جدا، إذا لم يعلم تقدم سائر الأدلة على ذلك، حتى يكون ذلك
~~تأكيدا لها، مع أن المكلفين غير محصورين عددا، فيمكن أن يكون كل في مقام
~~بيان الحكم لبعضهم.
# وأما لزوم كونه تأكيدا لما علم بالعقل، حيث إنه يحكم بقبح تكليف ما لا
~~يطاق، ففيه: أنه إنما هو إذا كان ذلك العقليات البديهية التي يحكم بها عقل
# PageV00P264
# كل أحد.
# ومما ذكرنا ظهر: عدم دلالة ذلك الحديث على ما استدلوا له، بل وكذلك
~~الثاني والثالث أيضا.
# أما الثاني: فظاهر، لان لفظة الباء في قوله: (بالمعسور) سببية، ومعنى
~~الحديث: أن الحكم الثابت للميسور لا يسقط بسبب سقوط المعسور، ولا كلام في
~~ذلك، فإنه لا شك في أن سقوط حكم الشئ لا يوجب بنفسه سقوط الحكم الثابت
~~لاخر، فهذا الحديث لا يدل الا على عدم سقوط الحكم الثابت، لا على ثبوت حكم
~~للميسور.
# فاللازم في كل ميسور أن يتكلم في ثبوت الحكم له، مع قطع النظر عن ذلك
~~الحديث، فان كان ثابتا يحكم بثبوته له، وإلا فلا، فيلزمه أن الميسور الذي
~~هو مأمور به بنفسه لا يسقط بالمأمور به الذي هو معسور، وهو كذلك.
# وأما أجزاء الواجب المركب فليست واجبة إلا حال كونها أجزاءا، وبعد تعسر
~~الكل تصير الاجزاء من هذه الحيثية أيضا ms166 متعسرة. وأما مع قطع النظر عن
~~الحيثية، فلا يثبت لها الوجوب أصلا، حتى لا يسقط بمعسورية الكل.
# وأما الثالث: فلان قوله: (لا يترك) إخبار مستعمل في مقام الانشاء تجوزا،
~~ومثله لا يثبت الزائد عن المرجوحية، دون الحرمة التي هي مقصود المستدلين.
# مع أنه لو قلنا بدلالته على الحرمة أيضا، لزم إما حمله على مطلق مرجوحية
~~الترك، أو تخصيص الموصول بالواجبات، ضرورة عدم حرمة ترك الباقي في
~~المستحبات، ولا يتعين أحدهما، فيسقط الاستدلال.
# وأولوية التخصيص من المجاز ممنوعة، كما بينا في محله ولزوم التخصيص بغير
~~المباحات على التقديرين غير مفيد للتخصيص بالواجبات أيضا.
# مع أن لنا منع كونه إنشاءا أيضا، بل يمكن أن يكون إخبارا منه عليه السلام
~~عن PageV00P265
# طريقة الناس بأنهم إذا لم يدركوا جميع شئ لا يتركون الجميع، بل هذا مقتضى
~~أصالة الحقيقة.
# والقول بعدم ترتب فائدة على ذلك الاخبار، فاسد، إذ لعله كان في مقام
~~تترتب عليه فوائد كثيرة، كما ترى أنه يحتاج المتكلم في أثناء تكلمه إلى
~~الاخبار عن أحوال الناس كثيرا، وتترتب عليه فوائد عديدة هذا، مع أن كون لفظ
~~(الكل) حقيقة في الكل المجموعي خاصة، أو مشتركا معنويا بينه وبين الافرادي،
~~غير معلوم، بل يحتمل كونه مشتركا لفظيا، أو حقيقة في الثاني خاصة، والمفيد
~~للمستدل هو الأول، إذ لا كلام في أن العام أو المطلق المتعذر الاتيان بجميع
~~أفراده يجب الاتيان بالباقي، وإنما الكلام في المركب، و تمامية الاستدلال
~~موقوفة على القطع بكون المراد بالكل هو المركب أي الكل المجموعي، وهو غير
~~معلوم.
# فالاستدلال بشئ من تلك الأخبار الثلاثة على أصالة وجوب ما تيسر من أجزاء
~~المركب الواجب، أو استحباب ما تيسر من المستحب بعد سقوط الكل، غير تام.
# ومنه يظهر عدم تمامية هذا الأصل، ولذا ذهب جماعة منهم صاحب المدارك
~~والمحقق الخوانساري 1 إلى سقوط التكليف بما بقي من الاجزاء، لان وجوب
~~الاتيان بالاجزاء الممكنة أو استحبابه خلاف الأصل، والامر بالكل لا يستلزم
~~الامر بالاجزاء إلا تبعا، وإذا انتفى المتبوع انتفى التابع 1.
# وخالف فيه ms167 جمع آخر، بل نسب إلى الأكثر 2، فقالوا: بوجوب الاتيان في
~~الواجب، واستحبابه في المستحب، واستدلوا عليه بالاخبار المتقدمة، وقد عرفت
~~عدم دلالتها.
# PageV00P266
# وقد يستدل أيضا بالاستصحاب، كما أشار إليه الفاضلان 1 والشهيدان 2
~~وغيرهما 3 في مسألة وضوء الأقطع، قالوا: غسل الجميع واجب، بتقدير وجوده،
~~وذلك يستلزم وجوب غسل كل عضو، فلا يسقط بعضه بفقدان البعض.
# وقد يستدل أيضا بالاستقراء في موارد الأحكام الشرعية، فإنه يكشف عن
~~اعتناء الشارع بالاتيان بما يتمكن من الاجزاء، وعدم رضاه بسقوط التكليف به
~~بمجرد سقوط التكليف بالمجموع.
# ويضعف الأول أولا: بأنه موقوف على تحقق التكليف السابق بالكل، و هو
~~ممنوع، لعلم الامر بتعذره، وانتفاء شرطه، وهو مانع عن التكليف، كما حقق في
~~محله، فلا تكليف بالكل. وإذا لم يكلف بالكل، لم يتحقق لباقي الاجزاء أيضا
~~تكليف حتى يستصحب.
# وثانيا: بأنه لو سلم التكليف بالكل، وارتفاعه بالتعذر، ولكن التكليف
~~بالاجزاء لم يكن تكليفا مستقلا حتى يصح استصحابه، بل تكليف تابع للتكليف
~~بالكل، فإذا ارتفع المتبوع امتنع بقاء التابع، فان المكلف به هو الجزء بشرط
~~الجزئية، وهذا غير ممكن البقاء، فلا يستصحب.
# والى هذا أشار المحقق الخوانساري، في مسألة الأقطع، حيث قال: الاستصحاب
~~في مثل هذا الموضوع، مما لا يمكن إجراؤه، لان الحكم السابق هو الامر بغسل
~~المجموع من حيث هو مجموع، وهو أمر واحد، وليس أوامر متعددة
# PageV00P267
# لكل جزء منه، ولما لم يبق متعلقه ها هنا سقط التكليف به، فلابد في غسل
~~الجزء الباقي من تكليف على حدة 1. انتهى.
# ويضعف الثاني: بمنع كشف الاستقراء عن ذلك، فان ثبوت أمر الشارع بالاتيان
~~بالاجزاء ليس الا في موارد قليلة لا يثبت منها شئ سلمنا، ولكن الحاصل منه
~~ليس غير الظن الذي ليس بحجة، فهذا الأصل مما لا أصل له، ولا يحكم بثبوت
~~الحكم الثابت للكل للجزء بعد تعذر الكل، إلا في موضع دل دليل خارجي على
~~الثبوت، أو ظهر من حال الامر - بالقرينة - إرادة ذلك.
# وبالجملة، إن علم ثبوت الحكم للجزء بنفسه أيضا مع قطع النظر عن ms168 كونه
~~جزءا، كوجوب ستر العورة عن الناظر، فإنه علم حرمة نظره إلى كل جزء منها،
~~ووجوب ستره منه، فلو تعذر ستر بعض جسد المرأة عن الناظر دون بعض، وجب،
~~لحرمة النظر إلى كل جزء منه بخصوصه.
# بل يمكن أن يقال: إنه تصدق العورة على كل جزء منها وعلى الكل، فهي مطلقة
~~بالنسبة إلى الجميع، والكل من أفرادها، وان كان المجموع أيضا فردا - كالماء
~~2 - فكل حكم متعلق بالعورة يتعلق بكل فرد مستقلا، ولا يسقط 3 بسقوط الحكم
~~عن الجميع.
# ومنه يظهر وجوب ستر ما أمكن من العورة في الصلاة أيضا، بخلاف غسل بعض
~~أعضاء الوضوء إذا لم يتمكن من غسل الجميع، أو الاستنشاق بأحد المنخرين إذا
~~لم يتمكن بهما إن قلنا: إنه جذب الماء من المنخرين، أو إحياء بعض ليلة امر
~~باحياء جميعها، أو قراءة بعض من الدعاء الذي وردت قراءته.
# ومثل ذلك صوم أيام من كل شهر، وأيام البيض، وعمل أم داود، وتسبيح
# PageV00P268
# الزهراء عليها السلام: واللعن والسلام في العاشوراء، والذكر عند طلوع
~~الشمس وغروبها، وقراءة خمسين اية في كل يوم، وقراءة القدر سبعا على القبر،
~~والاستغفار، وقول: (العفو) في الوتر، وقراءة (انا أنزلناه) ألف مرة ليلة
~~القدر، وغير ذلك نعم لو أمر بمطلق، أو عام بالعموم الافرادي، وتعذر الاتيان
~~بالجميع، يجب الاتيان بما أمكن إجماعا. والسر فيه: كون كل واحد واحد من
~~الافراد مناطا للحكم، ومتعلقا للاثبات والنفي بنفسه، من غير كونه كذلك
~~تبعا، وان كان فهم ذلك بالدلالة الالتزامية التبعية، ولكنه غير تعلق الحكم
~~تبعا، الذي هو المانع من جريان الاستصحاب.
# وكذا الكلام فيما إذا ورد استحباب أمور عديدة، أو وجوبها في فعل واحد
~~كاستحباب كل من (الاستغفار) و (العفو) و (الدعاء للاخوان) في الوتر، و لا
~~يسقط أحدها بسقوط الباقين، لان كلا منها مستحب مستقبل، ولم يثبت ارتباط
~~البعض بالبعض.
# ومن هذا القبيل: ما لو أمر بأشياء بالعطف، كقوله: أعط زيدا وعمرا و بكرا،
~~فان الأصل عدم توقف البعض على البعض، بخلاف الامر ب (العفو) ثلاثمائة ms169 مرة،
~~فإنه لم يعلم استحباب المائة منفردة، وكذا ثمان ركعات نوافل الظهر، وأربع
~~المغرب، وثمان التهجد، فالأصل في الكل: عدم مشروعية البعض إذا تعذر الجميع،
~~الا مع الدليل.
# ومن يقول بثبوت الحكم للاجزاء حينئذ، يقول بمشروعيته مطلقا.
# بل منهم 1 من تعدى إلى الاجزاء العقلية أيضا، فلو أمر باعطاء الفرس و
~~تعذر، يجب حيوان اخر، لامتثال الامر بالجنس.
# PageV00P269
# وهو ضعيف جدا، لان الاجزاء العقلية متحدة في الخارج، وليست من الاجزاء
~~عرفا، والتعدد إنما هو في ظرف تحليل العقل، بل قد يتوهم التعدي إلى الأوصاف
~~والأمكنة والأزمنة أيضا، فلو امر بصلاة ركعتين في المسجد، و تعذرت الصلاة،
~~يجب دخول المسجد، وهو أضعف. PageV00P270
# عائدة (28) في حكم الاكراه على أحد المحرمين.
# لا شك أن الاكراه ينفي تحريم المحرمات في الجملة، ولا غرض لنا هنا بتحقيق
~~قدر الاكراه، وموارد نفيه التحريم، بل المقصود أنه إذا أكره على أحد
~~المحرمين، فلا ريب في تحريم ارتكابهما معا، فهل يعصي بارتكاب أحدهما معينا،
~~أيا منهما كان، لكون ارتكابه بخصوصه بالاختيار، أم لا؟
# التحقيق: هو الثاني، لان الاحتمالات المتصورة أربعة: تحريمهما معا و وجوب
~~تركهما، وعدم تحريمهما كذلك، تحريم واحد معين من حيث هو دون الاخر، وتحريم
~~واحد لا على التعيين وذلك: لأنه إما يجوز فعلهما معا، أولا، وعلى الثاني
~~إما يجوز فعل واحد، أولا، وعلى الأول، إما يجوز فعل واحد معين، أو لا على
~~التعيين.
# الأول هو الثاني، والثاني هو الثالث، والثالث هو الرابع، والرابع هو
~~الأول.
# الأول باطل، لان ما يدل على انتفاء التحريم مع الاكراه على واحد معين، من
~~انتفاء الضرر والضرار وغيره، يجرى فيهما أيضا.
# وكذا الثاني لعدم دليل على انتفاء تحريمهما.
# والثالث مستلزم للترجيح بلا مرجح. PageV00P271
# فلم يبق إلا الرابع، وهو المطلوب هذا إذا لم يكن لأحدهما مرجح، والا
~~فيتعين هو.
# ومن هذا القبيل: ما لو كان أحدهما مقدما على الاخر في الوجود، كان يكره
~~على إفطار اليوم أو غدا، فيتعين الغد، لأنه لا إكراه اليوم، فلا موجب
~~للافطار. PageV00P272
# عائدة (29) في امتناع اجتماع ms170 الأمر والنهي.
# من القواعد المتفق عليها بين الامامية والعدلية: امتناع اجتماع الأمر
~~والنهي، ويرتبون عليه بطلان كثير من العبادات والمعاملات، بناءا على اقتضاء
~~النهي للفساد، وقد يشتبه مقام البطلان وعدمه، وبيانه من الأمور المهمة
~~فنقول ومن الله التوفيق: إن الأمر والنهي المجتمعين في مادة، لا يخلو: إما
~~أن يكون المأمور به مطلقا، أو عاما، أو خاصا، وعلى التقادير، إما أن يكون
~~المنهي عنه عاما، أو خاصا، فهذه ستة أقسام.
# وأما المنهي عنه المطلق، فهو أيضا عام، لان النهي عن الماهية نهي عن جميع
~~أفرادها.
# فان كان الامر مطلقا والنهي عاما، نحو صل ولا تغصب، فالحكم بطلان الصلاة،
~~لان الامر بالمطلق أمر بالماهية، وأثبات الوجوب التخييري الموجب للصحة لكل
~~فرد منها إنما هو بواسطة أصالة عدم اشتراط كونها في ضمن فرد خاص، وهذا
~~الأصل لا يبقى مع النهي العام عن جميع أفراد الغصب، لأنه يزول به، لامتناع
~~اجتماع الأمر والنهي، فيكون المأمور به مشروطا بكونه في ضمن غير المغصوب 1،
# PageV00P273
# فلا يكون المتحقق في ضمن المغصوب مأمورا به، فيكون باطلا.
# ويدل عليه أيضا: فهم العرف من ذلك اختصاص المأمور به بغير المنهي عنه.
# وإن كانا عامين نحو: يجب عليك جميع أفراد الصلاة، ولا تغصب، أو أكرم
~~العلماء، ولا تكرم البصريين، فلما كانت دلالة الامر على جميع الافراد
~~بالدلالة العمومية اللفظية، كدلالة النهي فلا مرجح لزوال أحدهما بالآخر، و
~~لا يفهم عرفا تخصيص أحدهما معينا، بل يحصل التعارض في مورد الاجتماع، ولما
~~كان الحكم عند التعارض وعدم المرجح التخيير، فالحكم هو التخيير، و صحة
~~المأمور به لو اختار الامر، إلا أن يكون لأحدهما مرجح من المرجحات التي
~~يرجع إليها عند التعارض، فيتعين، أو ينتفي التخيير بدليل اخر كاجماع، فيرجع
~~إلى الأصل فيهما، لعدم مناص 1 اخر، ولازمه بطلان المأمور به، لأنه مقتضى
~~الأصل.
# وكذا الحكم عند من لا يقول بالتخيير عند التعارض، بل يتوقف، أو يحكم
~~بالتساقط، والرجوع إلى الأصل وان كان المأمور به مطلقا والمنهي عنه خاصا،
~~نحو: أكرم العالم، ولا تكرم ms171 هذا العالم، أو هذا البصري، وكان عالما، ونحو:
~~صل، ولا تكن في هذا المكان المغصوب، فالحكم البطلان لو امتثل في ضمن المنهي
~~عنه، لمثل ما مر في الأول بعينه.
# ولو كان المأمور به عاما، والمنهي عنه خاصا، نحو: أكرم العلماء، ولا تكرم
~~هذا البصري، وكان عالما، فالحكم البطلان أيضا، لوجوب تقديم الخاص على
~~العام.
# ولو كان المأمور به خاصا، والمنهي عنه عاما، نحو: أكرم هذا العالم، و 2
~~كان بصريا، ولا تكرم العلماء، أو لا تكرم البصريين، أو صل في هذا المكان، و
# PageV00P274
# لا تغصب، فالحكم الصحة، لما مر من وجوب تقديم الخاص.
# ولو كانا خاصين، فحكمهما كالثاني بلا تفاوت ثم خصوصية المأمور به تارة
~~تكون باللفظ، كما مر، وأخرى من جهة خارجية وان لم يكن اللفظ خاصا، كما إذا
~~قال: أكرم العالم، ولا تكرم البصري، وانحصر العالم في البصري وهذا على
~~قسمين، لان الامر إما يعلم الانحصار أولا، فان علم، فحكمه حكم الخاص
~~اللفظي، والا فحكمه حكم المأمور به العام أو المطلق، ومثله خارج عما نحن
~~فيه، لان الكلام في أوامر الله سبحانه.
# ولكن كون الخاص بواسطة الانحصار مثل الخاص اللفظي إنما هو إذا كان
~~المأمور شخصا واحدا في وقت معين واحد، أو كان الانحصار متحققا في جميع
~~أوقات الامر لجميع المأمورين.
# أما لو كان للمأمور به إطلاقا من حيث الوقت أو الشخص أو هما، فحكمه حكم
~~التقدير الأول.
# ولو كان للمأمور به عموما من حيث الوقت، نحو: أكرم العالم في كل أول شهر،
~~واتفق الانحصار في أول شهر واحد في البصري. أو من حيث المأمورين، نحو:
~~أكرموا العالم، خطابا لجماعة، واتفق الانحصار لبعضهم. أو من الحيثيتين معا،
~~فاتفق الانحصار للجميع في بعض الأوقات، أو في جميع الأوقات لبعضهم، أو في
~~البعض للبعض، فليس كذلك، بل هو من قبيل تعارض العامين، وحكمه كالثاني
~~بعينه.
# ومن هذا القبيل قوله: صل، ولا تغصب - مع انحصار المكان لشخص في المكان
~~المغصوب - لعموم المكلفين والأوقات.
# نعم لو كان دليل العموم في الوقت أو ms172 الشخص غير العموم اللفظي، ولم يكن
~~شاملا لمحل الانحصار، كما إذا كان دليل العموم الاجماع، ولم يتحقق في محل
~~الانحصار، مثل أن يقول بعضهم بسقوط الصلاة حينئذ، فالحكم البطلان،
~~PageV00P275
# لعدم دليل على كون هذه الصلاة مأمورا بها، فتكون باطلة، سواء في ذلك أن
~~يكون دليل النهي أيضا الاجماع أم لا، لأن الأصل أيضا مع البطلان ثم إنه لا
~~فرق في جميع ما ذكر من التقادير بين أن يكون متعلق النهى عين المأمور به،
~~أو جزءه، أو شرطه وأما لو تعلق النهي بالمقدمة، فلا يخلو: إما أن يكون لها
~~أفراد يمكن التوصل بكل منها إلى ذي المقدمة، أو ينحصر ما يمكن به التوصل
~~إليه بفرد، فان تعددت أفرادها، فان كان متعلق النهي عموما أو خصوصا بعض
~~أفرادها، فلا يبطل ذو المقدمة ولو بالتوصل إليه بالمقدمة المحرمة، لان حرمة
~~بعض أفراد المقدمة لا تنافي كون ذي المقدمة مأمورا به بوجه، لامكان التوصل
~~إليه بالمقدمة المباحة، وكذا التوصل إليه بالمحرمة، لان وجوبها توصلي تبعي،
~~وهو وجوب شرطي، أي واجب حال التوقف، فإذا توصل بالمقدمة المحرمة - التي هي
~~غير مقدمة الواجبة - وإن لم يأت بالمقدمة الواجبة، ولكن حصل التوصل، فلا
~~تجب عليه حينئذ مقدمة أخرى، كما بيناه مفصلا في مناهج الاحكام 1 نعم لو
~~كانت المقدمة عبادة فاسدة بالنهي، وكانت صحة ذي المقدمة موقوفة على صحتها،
~~كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة، يبطل ذو المقدمة أيضا بالتوصل بالمقدمة
~~المنهي عنها.
# وان كان متعلق النهي جميع أفرادها، فهي كصورة انحصار المقدمة في المنهي
~~عنها.
# وان انحصرت المقدمة التي يمكن التوصل بها إلى ذي المقدمة في فرد مع علم
~~الامر بالانحصار، فاما أن يكون الانحصار مطلقا، أي دائميا لكل شخص، أو يكون
~~اتفاقيا في بعض الأوقات لبعض الاشخاص.
# فان كان دائميا، فتجري فيه التقادير الستة المتقدمة: من اطلاق المأمور به
~~و
# PageV00P276
# عمومه وخصوصه، مع عموم المنهي عنه وخصوصه، بجميع شقوقه، وحكمها حكمها
~~بعينه، بعد ملاحظة ما بينا في الأصول من امتناع اجتماع النهي مع الوجوب ولو
~~كان ms173 توصليا، وإيجاب ارتفاع وجوب المقدمة لارتفاع وجوب ذي المقدمة، فتعلق
~~النهي بالمقدمة كتعلقه بذي المقدمة، فبعد حذف المقدمة من البين، يرجع إلى
~~التقادير المتقدمة.
# ومنه يعلم أن حكم ما إذا كان الانحصار اتفاقيا كحكم انحصار المأمور به في
~~المنهي عنه بعينه، بحذف المقدمة من البين.
# وهذه عائدة نافعة في الفروع كثيرا، سيما في باب الصلاة في المكان
~~المغصوب، والوضوء والغسل والتيمم فيه، وفي انية الذهب والفضة، وغير ذلك،
~~فعليك بتطبيق الكل، واستنباط الفروع من الأصول. PageV00P277
# عائدة (30) في بيان تكليف الكفار بالفروع قد ذكر علماؤنا الاعلام - شكر
~~الله مساعيهم الجميلة - مسألة تكليف الكفار بالفروع في الأصول، وقد ذكرناها
~~أيضا في كتبنا الأصولية. الا أني لما عثرت على كلام فيها لبعض مشايخ والدي
~~- قدس سرهما - وهو الشيخ المحدث الجليل الشيخ يوسف بن أحمد البحراني، صريح
~~في مخالفة القوم 1، فجددت الكلام فيها فأقول: قد صرح أصحابنا بكون الكفار
~~مكلفين بالفروع، مخاطبين بها 2.
# ويظهر من العلامة في المنتهى في بحث غسل الجنابة: عدم مخالف فيه من
~~أصحابنا، حيث نسب الخلاف فيه إلى بعض العامة 3.
# وصرح جماعة، منهم صاحب الذخيرة 4 ووالدي العلامة 5:
# PageV00P279
# بكونه إجماعيا.
# ويدل عليه بعد الاجماع وجوه من الأدلة:
# الأول: وجود المقتضي له، وانتفاء المانع أما الأول: فلعموم كثير من
~~الخطابات التكليفية نحو قوله سبحانه: (ولله على الناس حج البيت) 1.
# وقوله: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) 2.
# وقوله: (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات
~~الشيطان) 3.
# وقوله جل جلاله: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب
~~مما ترك الوالدان والأقربون) 4.
# وقوله: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) 5.
# وقوله عز شأنه: (ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا
~~يره) 6 وقوله تعالى: (ويل للمطففين) 7 الآية.
# وقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله
~~عليه ولعنه) 8.
# PageV00P280
# ومثل قوله عليه السلام: (إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل) 1 إلى غير
~~ذلك والاخبار المصرحة بان الله فرض على العباد كذا وكذا، ويسري الحكم ms174 منها
~~إلى جميع الأحكام بالاجماع المركب القطعي، أو تنقيح المناط كذلك.
# وأما الثاني: فللأصل، ولعدم مانع اخر سوى الكفر بالاجماع، وهو للمنع غير
~~صالح، إذ لا يتصور وجه لمانعيته، سوى كونه شرطا للصحة في بعض التكاليف دون
~~الجميع، مثل المنهيات 2، وهو غير صالح للممانعة، لأنه شرط مقدور للمكلف،
~~واجب عليه تحصيله، وإلا لزم عدم تكليف المحدث بالحدث الأكبر أو الأصغر
~~بالصلاة والحج، ويلزم منه عدم كونه مكلفا بالغسل والوضوء أيضا، لان وجوبهما
~~غيري، لا يجبان الا بعد وجود ذلك الغير.
# الثاني: أنه مما لاشك فيه أن كل كافر في كل ان مكلف بأن يؤمن، ثم يأتي
~~بسائر أحكام الايمان، لا أنه مكلف بالايمان فقط، ثم بعده يصير مكلفا بسائر
~~أحكامه، فيجب عليه الايمان ثم الصلاة مثلا في كل ان.
# وان شئت قلت: الصلاة المسبوقة بالايمان.
# ولا نريد من تكليفه بالفروع الا ذلك، ولا نريد أنه مكلف بالصلاة ولو
~~مجردة عن الايمان.
# وذلك كما نقول: إن المحدث مكلف بالطهارة ثم الصلاة، أو الصلاة المسبوقة
~~بالطهارة، لا أنه مكلف بالطهارة فقط، ثم يصير مكلفا بالصلاة، و لا نقول:
~~إنه مكلف بالصلاة ولو مجردة عن الطهارة.
# والتحقيق: أن التكليف بشئ عبارة عن طلبه مع شرائطه المقدورة إن كان
# PageV00P281
# مشروطا بشئ، لا طلبه خاصة، فبعد تعلق التكليف في أن بالاتيان بشرطه ثم
~~به، يكون مكلفا به، فان التكليف بشئ ليس الا طلبه، سواء كان طلب إيجاده على
~~ترتيب خاص - بان يوجد أولا شيئا ثم ذلك - أو لم يكن له ترتيب.
# ومن البديهيات التي لا تقبل التشكيك: أن الله سبحانه يريد في كل ان من
~~أوقات الصلاة أو الزكاة مثلا من الكافر أن يؤمن ويصلي ويزكي، ويطلب منه
~~ذلك، كما يريد من المؤمن المحدث أن يتطهر ويصلي، لا أن يكون المطلوب هو
~~الايمان فقط، ثم بعد إيمانه يتعلق الطلب بالصلاة، ولا نريد من التكليف الا
~~ذلك.
# الثالث: أنه لو لم يكلف الكفار بالفروع، يلزم أن تكون معصية الكافر الذي
~~يصدر منه جميع المعاصي - كظلم المؤمنين، ms175 وقتلهم، وسبي ذراريهم، بل تخريب
~~الكعبة التي جعلها الله قبلة للناس، وتحريق القران، ومنع المؤمنين عن إقامة
~~أركان الايمان - مساوية مع من 1 لم يصدر عنه شئ من ذلك، بل أعان المؤمنين
~~وآواهم ونصرهم، وشيد أركانهم.
# فتكون معصية (چنگيز المغل) الذي قتل الناس من شرق العالم إلى غربه، و خرب
~~بلاد المؤمنين طرا، وسبى نساءهم وعيالهم، ونهب أموالهم، مساوية مع من 2
~~أعانهم، وأحسن إليهم، بل تكون معصية كافر قتل نبيا وأولاده، كمعصية من
~~أعانه، وتكون معصية أبي جهل، وأبي لهب، من جرح جبهة النبي المقدسة، وكسر
~~رباعيته المباركة واذاه، كمعصية كافر أعانه على نشر الاسلام، و يكون
~~عذابهما واحدا، وبطلان ذلك من البديهيات التي لا ينكرها جاهل 3.
# فان قلت: إن أمثال هذه الأمور محرمة عند الكافر أيضا، فهو عصى على مذهبه،
~~فيكثر إثمه وعقابه لذلك.
# PageV00P282
# قلنا أولا: نفرض الكلام في كافر لا شرع له، كچنگيز، بل أبي جهل وأبي لهب
~~أيضا.
# وثانيا: إنه لا شك في عدم كون الكفار مكلفين بفروع مذهبهم بعد ظهور
~~الاسلام، وإلا لم يكن الاسلام ناسخا لجميع الأديان، ولم تكن نبوة سائر
~~الأنبياء منتهية ببعث خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم، فلو لم
~~يكونوا مكلفين بفروعنا، لم يكن لهم تكليف بالفروع أصلا.
# ويلزم من ذلك أيضا: أن لا يكونوا مكلفين إلا بتكليف واحد هو الاسلام، فلا
~~يكون لشئ من جوارحهم تكليف أصلا، ويكونون مطلقي العنان في جميع سائر
~~الأفعال والصفات، ولعل ذلك أيضا مما تشهد البديهة بل الضرورة ببطلانه.
# ويلزمه أيضا: أن لا يجوز الزامهم في الدعاوي والمنازعات، بل في سائر
~~الأفعال على أمر أصلا، إلا على ما يلزمهم أخذا بقولهم، وهذا أيضا ظاهر
~~البطلان.
# الرابع: أنه لا شك في تكليف الكفار بالاسلام والايمان، وفي الاخبار دلالة
~~على أنهما ليسا محض التصديق، بل العمل جزء منهما أيضا، فيكونون مكلفين به.
# ففي صحيحة الكناني، عن أبي جعفر عليه السلام: (قيل لأمير المؤمنين عليه
~~السلام: (من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ms176 كان مؤمنا؟ قال:
~~فأين فرائض الله؟!) قال: وسمعته يقول: (كان علي عليه السلام يقول: لو كان
~~الايمان كلاما، لم ينزل فيه صوم ولا صلاة، ولا حلال ولاحرام) 1 الحديث.
# ورواية سفيان بن السمط، عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها: (الاسلام هو
~~الظاهر الذي عليه الناس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم، و
# PageV00P283
# إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصيام شهر رمضان، فهذا الاسلام)
~~1 إلى غير ذلك.
# الخامس: خصوص ما دل على تكليفهم بالفروع، نحو قوله سبحانه: (لم نك من
~~المصلين) 2 وقوله: (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) 3 ذمهم على الجميع،
~~وقوله: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) 4 إلى غير ذلك.
# وقد خالف في ذلك بعض العامة، فقالوا بعدم تكليفهم بالفروع 5، و احتجوا:
~~بأنه لو وجبت الصلاة مثلا على الكافر، لكان إما حال الكفر أو بعده، والأول
~~باطل، لامتناعه.
# والثاني باطل بالاجماع على سقوط القضاء لما فاته حال الكفر، وبأنه لو كان
~~واجبا لوجب القضاء كالمسلم، والجامع تدارك المصلحة المتعلقة بتلك العبادات.
# والجواب عن الأول: أنه إن أريد بكونه مكلفا حال الكفر: كونه مكلفا في
~~زمانه، فنختار تكليفه فيه، بان يترك الكفر ويصلي، كتكليف المحدث في زمان
~~الحدث بالصلاة، ولا امتناع فيه أصلا.
# وإن أريد كونه مكلفا مع الكفر وبشرطه، فنختار أنه مكلف به بعده، بمعنى أن
~~يتركه ويصلي.
# ولا يلزم منه القضاء لو لم يفعل، لأنه بأمر جديد. سلمنا اقتضاءه وجوب
~~القضاء، ولكنه إذا لم يكن دليل على سقوطه، والاجماع أسقطه.
# ومنه يظهر الجواب عن الثاني أيضا، مع أن قياسهم فيه منتقض بالجمعة، و
# PageV00P284
# أيضا الفرق واقع، لان في حق الكافر لو امر بالقضاء حصل التنفر له عن
~~الاسلام.
# وقد ذهب إلى هذا القول من أصحابنا المتأخرين: المحدث الكاشاني في الوافي
~~في كتاب الحجة منه 1، والمولى محمد أمين الاسترآبادي في القوائد المدنية 2،
~~والشيخ يوسف المتقدم في الحدائق، قال في بحث غسل الجنابة منه في مسألة ms177 وجوب
~~الغسل على الكافر، بعد نسبته إلى المشهور بين أصحابنا، و تعليله من جانبهم
~~بكون الكفار مخاطبين بالفروع، ما خلاصته: إن ما ذكروه منظور فيه عندي من
~~وجوه:
# الأول: عدم الدليل على التكليف المذكور، وهو دليل العدم.
# الثاني: الأخبار الدالة على توقف التكليف على الاقرار والتصديق
~~بالشهادتين.
# منها: ما رواه ثقة الاسلام في الكافي - في الصحيح - عن زرارة قال، قلت
~~لأبي جعفر عليه السلام: أخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق؟
~~فقال:
# (إن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وآله وسلم إلى الناس أجمعين
~~رسولا، وحجة الله على خلقه في أرضه، فمن امن بالله وبمحمد صلى الله عليه
~~وآله وسلم رسول الله، واتبعه وصدقه، فان معرفة الامام منا واجبة عليه، ومن
~~لم يؤمن بالله ورسوله، ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما، فكيف يجب عليه
~~معرفة الامام وهو لا يؤمن بالله و رسوله ويعرف حقهما) 3 الحديث.
# وهو - كما ترى - صريح الدلالة على خلاف ما ذكروه، فإنه متى لم تجب معرفة
~~الامام قبل الايمان بالله ورسوله، فبطريق الأولى معرفة سائر الفروع التي هي
~~متلقاة من الامام. والحديث صحيح السند باصطلاحهم، صريح الدلالة،
# PageV00P285
# فلا وجه لرده وطرحه.
# وما رواه الثقة الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج، عن
~~أمير المؤمنين عليه السلام: في حديث الزنديق الذي جاء إليه مستدلا باي من
~~القران قد اشتبهت عليه، حيث قال عليه السلام: (فكان أول ما قيدهم به
~~الاقرار بالوحدانية والربوبية، والشهادة أن لا إله إلا الله، فلما أقروا
~~بذلك، تلاه بالاقرار لنبيه بالنبوة، والشهادة بالرسالة، فلما انقادوا لذلك،
~~فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج) 1 الحديث.
# ومنها: ما رواه الثقة الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسيره، عن الصادق
~~عليه السلام: في تفسير قوله تعالى: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة و
~~هم بالآخرة هم كافرون) 2 حيث قال: (أترى أن الله عز وجل طلب من المشركين
~~زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون ms178
~~الزكاة)؟! إنما دعى الله للايمان به، فإذا امنوا بالله ورسوله افترض عليهم
~~الفرض) 3 وما ورد عن الباقر عليه السلام: في تفسير قوله تعالى: (أطيعوا
~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) 4 حيث قال: (كيف يأمر بطاعتهم،
~~ويرخص في منازعتهم، إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: أطيعوا الله
~~وأطيعوا الرسول) 5.
# الثالث: لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصورا و
~~تصديقا عين تكليف ما لا يطاق.
# PageV00P286
# الرابع: الأخبار الدالة على وجوب طلب العلم، كقولهم عليه السلام:
# (طلب العلم فريضة على كل مسلم) 1 فان موردها المسلم، دون مجرد البالغ
~~العاقل الخامس: أنه كما لم يعلم أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أحدا ممن
~~دخل في الاسلام بقضاء صلاته، كذلك لم يعلم منه أنه أمر أحدا منهم بالغسل من
~~الجنابة بعد الاسلام، مع أنه قلما ينفك أحد منهم من الجنابة في تلك الأزمنة
~~المتطاولة، ولو أمر بذلك لنقل وصار معلوما.
# وأما ما رواه في المنتهى، عن قيس بن عاصم وأسد بن حضير، مما يدل على أمر
~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالغسل لمن أراد الدخول في الاسلام 2، فخبر
~~عامي لا ينهض حجة.
# السادس: اختصاص الخطاب القرآني بالذين امنوا، وورود (يا أيها الناس) في
~~بعض - وهو الأقل - يحمل على المؤمنين بحمل المطلق على المقيد، والعام على
~~الخاص، كما هو القاعدة المسلمة بينهم.
# احتج العلامة في المنتهى، على أن الكفار مخاطبون بالفروع بوجوه:
# منها: قوله سبحانه: (ولله على الناس حج البيت) 3 و (يا أيها الناس اعبدوا
~~ربكم) 4.
# ومنها: أن الكفر لا يصلح للمانعية، حيث إن الكافر متمكن من الاتيان
~~بالايمان أولا حتى يصير متمكنا من الفروع.
# ومنها: قوله تعالى: (لم نك من المصلين) 5 وقوله تعالى: (فلا صدق و
# PageV00P287
# لا صلى) 1 وقوله سبحانه: (وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة) 2
~~والجواب عن الأول: بما عرفته من الأخبار الدالة على عدم التكليف إلا بعد
~~معرفة المكلف والمبلغ، وبما ذكر في الوجه الثالث والسادس.
# وعن ms179 الثاني: أنه مصادرة.
# وعن الثالث: فبحمل الأولى على المخالفين المقرين بالاسلام، إذ لا تصريح
~~فيها بالكفار.
# ويدل عليه ما ورد في تفسير علي بن إبراهيم من تفسيرها باتباع الأئمة، أي
~~لم نك من أتباع الأئمة 3.
# وهو مروي عن الصادق عليه السلام، وفسر المصلي في الآية بمعنى الذي يلي
~~السابق في الحلبة، قال: فذلك الذي عنى، حيث قال: (لم نك من المصلين) أي: لم
~~نك من أتباع السابقين 4.
# وعن الكاظم عليه السلام (يعني: إنا لم نقل بوصي محمد صلى الله عليه وآله
~~وسلم والأوصياء من بعدهم، ولم نصل عليهم) 5 وأما الآية الأخرى: فبجواز حمل
~~الصلاة فيها على ما دلت عليه الأخبار في الآية الأولى، فان اللفظ من
~~الألفاظ المجملة المتشابهة، المحتاج في تعيين المراد منها إلى التوقيف.
# وأما الآية الثالثة: فيما عرفت في الوجه الأول من الخبر الوارد بتفسيرها
~~6 انتهى ملخص كلامه.
# PageV00P288
# أقول: الجواب، أما عن دليله الأول: فبوجود الدليل على التكليف المذكور،
~~وهي الأدلة التي قدمنا ذكرها 1.
# وأما عن الثاني، فأولا: بعدم حجية شئ من تلك الأخبار لو دلت على ما رامه،
~~لمخالفتها لعمل العلماء الأخيار، وشهرة القدماء، وآيات الكتاب العزيز، و
~~عمومات الأخبار المتواترة.
# وثانيا: بعدم دلالتها على مطلوبه أصلا، وذلك: لان مرادنا بكون الكفار
~~مكلفين بالفروع: أن الله سبحانه طلب منهم أن يؤمنوا ثم يصلوا مثلا، فهم حال
~~كفرهم مكلفون بالاتيان بذلك الترتيب، أي: الايمان أولا ثم الصلاة، حتى لو
~~تركوهما معا، يترتب على تركهم الصلاة ما يترتب على ترك المؤمن إياها من
~~العقاب والقضاء لولا الدليل على سقوطه، وغير ذلك.
# ولم نرد أن الله طلب منهم أن يصلوا ولو مع الكفر، وإنما ذلك شأن المطلوب
~~منهم بلا ترتيب ولا شك أن المولى إذا أمر عبده بأشياء مرتبا، فيقول له حين
~~كونهما في البصرة: اذهب إلى بغداد، فإذا دخلتها ابن لي فيها بيتا، فإذا
~~بنيته فافرشه، وإذا فرشته اكنس فرشه، وإن تركت واحدا منها، أضربك عشرة
~~أسواط، يكون العبد مكلفا بالذهاب إلى بغداد، وبناء البيت فيه، ms180 وفرشه، وكنس
~~فرشه، ويقال عرفا: إنه مكلف بجميع هذه الأمور، ولا يقال في شئ منها: إنه
~~تكليف بما لا يطاق.
# ولو ترك الجميع يستحق بترك كل منها ضرب عشرة أسواط، ومع ذلك يصح أن يقال:
~~إنه لم يكلفه ببناء البيت وهو في البصرة، ولا بالافتراش وهو لم يبن البيت
~~بعد، وأنه ما لم يدخل بغداد كيف يجب عليه بناء البيت؟.
# ومعناه: أن هذا التكليف ترتيبي، لم يطلب المتأخر الا بعد المتقدم، يعني
~~أنه
# PageV00P289
# طلب أن يكون فعل المتأخر بعد المتقدم، وهذا الطلب تحقق قبل تحقق المتقدم،
~~لا أنه يطلبه بعد فعل المتقدم، وأن الطلب سيتحقق بعده فمعنى الأحاديث: أن
~~الله لم يطلب معرفة الامام وهو لم يعرف الله، أي حال عدم معرفته، أو الزكاة
~~حال الشرك، بل طلبه بالترتيب، أي طلب الترتيب، الا ترى أن الله سبحانه طلب
~~الصلاة من المؤمنين مطلقا، ومع ذلك يصح أن يقال: إن الله سبحانه أمر العباد
~~بعد دخول الوقت بالطهارة، ثم الصلاة، ثم ندبهم إلى التعقيب.
# وأن يقال: ومن لم يتطهر من الحدث، فكيف تجب عليه الصلاة وهو محدث؟! نظير
~~قوله 1: فكيف يجب عليه معرفة الامام وهو لا يؤمن بالله؟
# وأن يقال: أترى أن الله عز وجل طلب من المحدثين الصلاة وهم محدثون؟!
# نظير قوله 2: أترى أنه طلب من المشركين زكاة أموالهم، وهم يشركون به؟!
# وأن يقال: أول ما كلفهم به بعد دخول الوقت الطهارة، فلما تطهروا تلاه
~~بالصلاة، فما صلوا تلاه بالتعقيب، نظير ما ذكر في الحديث الزنديق.
# والحاصل: أنه حمل تلك الأخبار على الترتيب في تحقق الطلب، وليس كذلك، بل
~~المراد بيان ترتيب الاتيان بالمطلوب، ولذا قيد في الحديث الأول والثاني
~~بقوله: (وهو لا يؤمن بالله) وقوله: (وهم يشركون) الصريحين في الحالية، أي:
~~لم يطلب منهم معرفة الامام والزكاة في هاتين الحالتين، وهو كذلك، كما لم
~~يطلب الصلاة والمرء محدث، أي: مع هذا القيد، فإنه لو كان مطلوبا والحال هذه
~~لصح 3، إذ ليست الصحة إلا موافقته المطلوب، وهذا ظاهر غاية الظهور.
# PageV00P290
# وأما ms181 الحديث الأخير: فلا دلالة له أصلا.
# وأما عن الثالث: فبأنه إنما يتم في حق الكافر الذي لم يسمع بمجئ النبي، و
~~أن له شرائع وأحكاما، ولم يخطر بباله، والحق في مثله عدم التكليف ببعض
~~الأصول أيضا.
# والكلام في من سمع دعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وتصور إجمالا أنه
~~بين أحكاما، و تكليف ذلك ليس تكليفا بما لا يطاق، وإلا لكان تكليف العامي
~~الذي سمع دعوة المجتهد، وتصور بالاجمال أنه يبين أحكاما للمكلفين، تكليفا
~~بما لا يطاق.
# وأما عن الرابع: فبأن إيجاب طلب العلم عن المسلم لا يقتضي عدمه على غيره،
~~وكان للتخصيص نكتة كما يأتي وأما عن الخامس: فبكفاية عمومات الغسل عن الامر
~~بغسلهم 1 كسائر التكاليف، بل لأجل ورود تلك العمومات لا حاجة إلى النقل لو
~~أمروا بالغسل، مع أنه، نقل أمر قيس بالغسل حتى أسلم، وقال أسيد وسعد لمصعب
~~وأسعد:
# كيف تصنعون إذا دخلتم هذا الامر؟ قالا: نغتسل، ونشهد شهادة الحق 2. و ذلك
~~يشعر بكون ذلك معروفا بينهم، متداولا عندهم.
# وأما عن السادس: فبان اختصاص بعض الخطابات لا يدل على اختصاص البواقي،
~~وليس ذلك من مقام حمل المطلق والعام على المقيد والخاص أصلا.
# ولعل النكتة في التخصيص: أشرفية المؤمنين، أو لأجل 3 أنهم كانوا يطيعون
~~الأوامر، ويتبعونها، ويتفحصون عنها، دون الكفار، مع أنه قد يخص الحكم
~~الشامل للكفار أيضا بالمؤمنين كقوله سبحانه:
# PageV00P291
# (يا أيها الذين امنوا امنوا) 1.
# ثم بما ذكرنا يظهر ما في بعض أجوبته عن احتجاجات المنتهى.
# وأما ما ذكره جوابا عن الثاني من أنه مصادرة، ففاسد جدا، لان بعد عموم
~~الخطاب ووجود المقتضي يكفي عدم ثبوت المانع، فعلى مدعيه الاثبات، و ادعاؤه
~~كون شئ مانعا من المصادرات وكذا ما ذكره في الجواب عن الثالث: من الحمل على
~~المخالفين المقرين بالاسلام، وأنه لا تصريح فيها بالكفار، فإنهم يقولون بعد
~~ذلك: (وكنا نكذب بيوم الدين) 2 وهذا تصريح بأنهم هم الكفار، فان المخالفين
~~لا يكذبون بيوم الدين.
# وأما ما ورد في تفسير الآية - فمع ضعفه، وعدم ms182 انتهاضه حجة لذلك، بل لا
~~يصلح للاحتجاج لو كانت من الأخبار الصحيحة أيضا، إذا لم يثبت حجية أخبار
~~الآحاد في ما عدا التكاليف، والمورد ليس منها - فيه: أنه يمكن أن يكون من
~~البطون التي لا تمانع العمل بظواهرها، ولا تزاحمه، واللفظ ليس من الألفاظ
~~المجملة المتشابهة أصلا.
# PageV00P292
# عائدة (31) في أصالة عدم تداخل الأسباب.
# صرح جماعة من الأصحاب بأصالة عدم تداخل الأسباب، وبنوا عليها مسائل في
~~كثير من الأبواب 1 وأنكرها جمع من المتأخرين، وقالوا: إنها أصل غير أصيل 2،
~~بل صرح المحقق الخوانساري في شرح الدروس: بأنه كلام خال عن التحصيل 3 ونحن
~~نبين أولا معنى ذلك الأصل، ثم تنكشف عن ثبوته وعدمه بقول فصل فنقول: معنى
~~عدم تداخل الأسباب: عدم تداخلها من حيث هي أسباب، أو 4 عدم تداخلها في
~~السببية، بمعنى تواردها على مسبب واحد، والمقصود لازم
# PageV00P293
# المعنى، وهو عدم تداخل المسببات، يعني عدم مسببية أمر واحد بسببين
~~مستقلين.
# ولعل عدولهم عنه، للتنبيه على وجه الحكم، فان عدم تداخل الأسباب هو السبب
~~في عدم تداخل المسببات.
# ثم الأسباب على قسمين:
# أحدهما: الأسباب الواقعية والعلل النفس الامرية التي هي المؤثرات
~~الحقيقية في وجود المسببات.
# وثانيهما: المعرفات والامارات للعلل الواقعية الكاشفة عن وجود المؤثر، و
~~منها الأسباب الشرعية التي جعلها الشارع مناطا للأحكام الشرعية، ورتب عليها
~~ثبوت الاحكام، فإنها كاشفة عن المصالح الواقعية التي هي العلل الحقيقية.
# فما كان من الأول: فلا شك أن التداخل فيه محال، لامتناع اجتماع علتين
~~مستقلتين على معلول واحد، أعم من أن يراد من الاجتماع اجتماعهما في إيجاد
~~معلول واحد في الخارج فعلا، لامتناع إيجاد الموجود لو كان كل منهما مؤثرا
~~مستقلا، وعدم العلية التامة لو كان التأثير منهما معا.
# أو يراد اجتماع أمرين صالحين لايجاد المعلول الواحد في الخارج وان كان
~~وجود المعلول الواحد مستندا إلى واحد منهما، إذ لو اجتمعا في الخارج، فذلك
~~المعلول الواحد الموجود إن كان مستند إلى أحدهما، فتخلف عن الاخر، وهو
~~محال، وان كان مستند إليهما، تخلف عنهما، وهو أيضا ms183 محال، فلابد من تأثير كل
~~منهما في معلول على حدة، فلابد من تعدده مطلقا.
# وعلى هذا، فلا يراد من الأسباب في قولهم: الأصل عدم تداخل الأسباب، هذا
~~القسم منها، لان الأصل إنما يستعمل في مكان جاز التخلف عنه بدليل، بل
~~يصرحون بان الأصل عدم التداخل، إلا فيما ثبت فيه التداخل.
# وكذا لا كلام في جواز التداخل فيما كان من الثاني، إذ المعرف علة للوجود
~~الذهني، ومعلولية موجود واحد ذهني لمتعدد جائزة، ولذا يستدل على مطلوب
~~PageV00P294
# واحد بأدلة كثيرة.
# ويصح أن يستند وجود ذلك الموجود الذهني إلى كل منها، ولذا لا يرتفع ذلك
~~الموجود الذهني بظهور بطلان واحد من الأدلة، بل يكون باقيا بحاله بعينه كما
~~كان.
# فان قيل: حصول المعرفة ووجود ذلك الموجود الذهني إن كان مستندا إلى واحد،
~~يلزم عدم كون الاخر معرفا، بل تخلف المعلول عن العلة التامة، لان كلا منهما
~~علة تامة للتعريف وإيجاد الموجود الذهني، وإن كان مستندا إلى كل منهما،
~~يلزم تعريف المعرف وإيجاد الموجود، وان كان مستندا إليهما، يلزم كون المعرف
~~كليهما معا، فلا تعدد في المعرف.
# قلنا: فرق بين الموجود الخارجي والذهني، حيث إنه لا يمكن صيرورة الشيئين
~~في الخارج شيئا واحدا، بخلاف الموجود الذهني، فإنه يصير ألف موجود ذهني
~~موجودا واحدا، بمعنى مطابقة موجود واحد في الذهن لألف موجود خارجي، فينتزع
~~من كل من ألف موجود صورة ذهنية كلها منطبقة على موجود ذهني واحد، كالسواد
~~المنتزع من جميع أفراده.
# ولذا ترى أنه يبطل دليل واحد مما استدل عليه بأدلة كثيرة، ولا يبطل
~~المدلول، بل هو بعينه باق على ما كان فيستفاد من كل معرف موجود ذهني،
~~ويتطابق جميع تلك الموجودات و تتحد في الذهن، وهذا هو المراد من اجتماع
~~المعرفات على أمر واحد، وظاهر أن هذا أمر جائز، ولا كلام في ذلك الجواز
~~وإنما الكلام في أن الأصل فيه التداخل أو عدمه، وهذا الكلام أيضا مختص
~~بالأسباب الشرعية التي هي محط كلام الفقيه ومجرى الأصل دون غيرها.
# فالمراد: أن الأصل في الأسباب ms184 الشرعية - وهي التي يلزم من وجودها وجود
~~أمر شرعي، مقابل الشرط الذي يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود
~~- هل هو التداخل أو لا؟ PageV00P295
# ثم اعلم أن الأسباب الشرعية بكثرتها على قسمين، لأنها إما نفس قول
~~الشارع، من دون توقفه على حصول أمر اخر أصلا، أو السبب أمر اخر رتب الشارع
~~المسبب عليه.
# والقسم الأول على نوعين، لان أقوال الشارع المتعددة التي هي أسباب، إما
~~لا اختلاف فيها أصلا، أو فيها اختلاف بحسب انضمام الأوصاف.
# فالأول: نحو قوله لزيد: صم يوما، ثم يقول أيضا: صم يوما.
# الثاني: على صنفين، لان الأوصاف المنضمة إما أوصاف متناقضة يمتنع
~~اجتماعها في شئ واحد شخصي، أو ليس كذلك فالأول: نحو: يجب صوم يوم، ثم قال:
~~يستحب صوم يوم، أو: صم يوما وجوبا، وصم يوما ندبا، بأن يكون الوصفان قيدين
~~للفعل دون الامر. ونحوه:
# صل ركعتين أداءا، وصل ركعتين قضاءا، بأن يكون الوصفان قيدين للركعتين.
# والثاني: نحو قوله: صل ركعتين تحية للمسجد، وصل ركعتين للزيارة، أو اغتسل
~~للتوبة أو اغتسل للزيارة واغتسل للجنابة، سواء كان الأمران متفقين في
~~الوجوب والاستحباب، أو مختلفين.
# والقسم الثاني أيضا على نوعين: لان الشارع إما رتب المسبب على أمر واحد،
~~ولكن حصل التعدد بفعل المكلف، نحو قوله: من وطأ حائضا فليتصدق بدينار، فوطأ
~~المكلف مرتين، ونحو: من بال فليتوضأ، فبال مرتين أو رتبه على أمرين
~~متغايرين نحو: من وطأ حائضا فليتصدق بدينار، ومن نظر إلى أجنبية فليتصدق
~~بدينار، أو: من بال فليتوضأ، ومن نام فليتوضأ، أو:
# من أجتنب فليغتسل، ومن مس ميتا فليغتسل.
# والظاهر: أنه لا خلاف في عدم تعدد المسببات فيما كان من النوع الأول من
~~القسم الأول، والعرف أيضا لا يفهم منه الا التأكيد.
# وكذا لا ينبغي الريب في التعدد فيما كان من الصنف الأول من النوع الثاني،
~~سواء كان الوصفان المتناقضان وصفين للامر، أو قيدين للفعل، الواجب
~~PageV00P296
# قصدهما في النية، لفهم العرف في الأول، وامتناع اجتماع النقيضين في شئ
~~واحد في الثاني.
# وإنما الكلام في ms185 سائر الأنواع والأقسام، فنقول: لا ينبغي الريب في أن
~~الأصل الأولي فيه التداخل، كما صرح به والدي - طاب ثراه - في بحث الوضوء من
~~كتاب لوامع الاحكام 1، وذلك لأنه لولاه لتعدد المسبب، وهو خلاف الأصل 2.
# وأيضا لا يتعدد المسبب إلا بتعدد السبب الحقيقي، إذ لولاه لوجب تعدد
~~المسبب قبل تعدد المعرف أيضا، والأصل عدم حدوث سبب حقيقي اخر.
# ومن هذا تظهر أصالة التداخل أولا - أيضا - في السبب الذي لم يعلم أنه هل
~~هو المؤثر الحقيقي والمقتضي بنفسه، أو معرف عن العلة الحقيقية وكاشف عن
~~المؤثر الحقيقي؟
# ويتكشف منه: أن الأصل الأولي في جميع الأسباب الشرعية التداخل إلا ما شذ
~~وندر وإن جوزنا كون بعضها مؤثرات حقيقية، ومقتضيات بأنفسها، إذ لا يمكن
~~العلم بالعلة الحقيقية غالبا.
# فاختص الكلام بالأسباب الشرعية بالنسبة إلى الأصل الثانوي، بمعنى أنه هل
~~يثبت من الأدلة أن الحكم فيها عدم التداخل حتى يثبت خلافه، أم لا؟
# هذا تحقيق معنى ذلك الأصل وتوضيحه موافقا لما ذكره القوم.
# وأقول: هاهنا تحقيق اخر، وهو أنه لا شك أن الأسباب الشرعية علل للأحكام
~~المتعلقة بأفعال المكلف لا لنفس أفعاله، فوطء الحائض علة لوجوب التصدق،
~~والبول علة لوجوب الوضوء، لا للتصدق والوضوء، وتعدد الأسباب الشرعية لو
~~اقتضى تعدد مسبباتها، لاقتضى تعلق وجوبين بتصدق الدينار و
# PageV00P297
# بالوضوء، والكلام إنما هو في وجوب تعدد التصدق والوضوء، لا تعدد وجوبه،
~~ولا تلازم بينهما، لامكان تعلق فردين من حكم بفعل واحد من جهتين متغايرتين،
~~كوطء الأجنبية الحائض، وشرب الخمر أو الزنا في نهار رمضان، و وجوب قتل زيد
~~المرتد القاتل لغيره عمدا، وهكذا.
# وعلى هذا، فأصالة تداخل الأسباب على ما ذكروه وإن استلزم أصالة تداخلها
~~بالمعنى الذي كلامنا فيه هنا، ولكن أصالة عدم تداخلها لو ثبتت لا تستلزم
~~أصالة عدمه بالمعنى المراد، بل الأصل هو التداخل: أي عدم لزوم تعدد الفعل
~~الصادر من المكلف بتعدد أسباب الحكم المتعلق به وإن قلنا باقتضاء الأسباب
~~المتعددة لتعدد الحكم، لان تعدده لا يوجب لزوم تعدد الفعل.
# والحاصل: أن الكلام في ms186 وجوب تعدد الفعل، وهو غير تعدد المسبب الذي هو
~~الحكم المتعلق به، وان كان عدم تعدد المسبب مستلزما لعدم تعدد الفعل ومنه
~~يظهر أن إثبات أصالة عدم تداخل الأسباب - بالمعنى الذي ذكروه - لا يكفي في
~~إثبات أصالة لزوم الفعل الذي هو المطلوب.
# نعم إثبات أصالة التداخل يكفي في إثبات أصالة عدم لزوم التعدد ولما عرفت
~~أن الأصل الأولي التداخل بالمعنى الذي ذكروه، تعرف أن الأصل الأولي عدم
~~لزوم التعدد، بل لولا أصالة التداخل بالمعنى المذكور أيضا، لكان الأصل
~~الأولي عدم لزوم التعدد، وهو ظاهر.
# وظهر من ذلك أيضا: أنه على أي تقدير لا يمكن الريب في أن الأصل الأولي
~~التداخل، وعدم لزوم التعدد، ويختص محل الكلام بالأصل الثانوي.
# وإلى هذا ينظر كلام بعض سادة مشايخنا، حيث قال: إن هذا الأصل بمعنى
~~القاعدة المستفادة من أدلة الأسباب 1 فالظاهر من جماعة من المتأخرين، منهم
~~المحقق الخوانساري 2، ووالدي
# PageV00P298
# العلامة في اللوامع والمعتمد 1 - وإن اختار في كتبه الأصولية غيره 2 -
~~عدم ثبوت هذا الأصل 3.
# وصرحت طائفة بثبوته، وقالوا: إن الأصل عدم التداخل، فلا يجزئ الفعل
~~الواحد عن السبب المتعدد، الا إذا ثبت التداخل بدليل من عقل أو نقل 4 حجة
~~الأولين واضحة، فان تأصيل الأصل الطارئ يتوقف على الدليل، فما لم يقم لا
~~يحكم بثبوته، بل يحكم بأصالة خلافه.
# ويزيد الدليل 5 في النوع الأول من القسم الثاني إذا كان هناك خطاب مطلق
~~أو عام: أن مقتضى إطلاق قول الشرع: ترتب السبب الواحد على هذا الفعل، سواء
~~كان الفعل واحدا أو متعددا، فمقتضى إطلاق قوله: أن من وطأ حائضا - مطلقا
~~سواء كان وطئا واحدا أو متعددا - يجب عليه تصدق دينار، ومن بال مرة أو أكثر
~~تجب عليه ماهية الوضوء وإلى هذا يشير قول من استدل على عدم تكرر الكفارة
~~بتكرار الوطء، بان الوطء يصدق على القليل والكثير.
# حجة القائلين بثبوت هذا الأصل وجوه:
# الأول: أن السببين إذا تعاقبا، فلا ريب في ثبوت المسبب السبب الأول، فإذا
~~وجد الثاني، فإما يجب به شئ ms187 أولا، والثاني باطل، لان السببين متساويان
# PageV00P299
# في دليل السببية والاقتضاء، فالحكم بثبوت المسبب بأحدهما دون الاخر تحكم.
~~و لأنه لو تقدم يثبت به المسبب قطعا، فكذا لو تأخر، لان ما دل على سببيته
~~يتناول الصورتين من غير فرق، فتعين الأول، وهو ثبوته بالثاني.
# وحينئذ، فاما أن يكون الثابت به عين ما يثبت بالأول أو غيره، والأول
~~باطل، لان المسبب يترتب على السبب فلا يكون متقدما عليه، فوجب أن يكون
~~الثابت به أمرا مغايرا للأول، فيتعدد المسبب بتعدد السبب، وهو المطلوب.
# وبتقرير اخر: الثاني من السببين المتعاقبين يثبت به المسبب، لعموم ما دل
~~على سببيته، والثابت به غير الأول، لان الظاهر من ترتب طلبه على حصول
~~سببيته تأخره عنه، فيكون مغايرا للمطلوب بالأول، ويلزمه التعدد وبتقرير
~~ثالث: يجري في غير المتعاقبين أيضا السببان إذا وجدا، فاما لا يثبت بهما
~~مسبب، أو يثبت بهما مسبب واحد، أو مسببان.
# الأول باطل، لأنه ترك للدليل المقتضي لسببيتهما بلا موجب، وهو فاسد.
# وكذا الثاني، لان المسبب الواحد إما مسبب لواحد منهما معين، أو غير معين،
~~أولهما معا، والأول تحكم بحت، وطرح دليل سببية الاخر بلا وجه، والثاني موجب
~~لترك دليل سببية أحدهما لا على التعيين من غير جهة، والثالث لترك دليل
~~سببية كل منهما والقول بسببية المركب، والكل مخالف للأصل، فبقي الثالث، وهو
~~المطلوب أقول: يرد على هذا الدليل: أن إرادة المسبب المغاير للمسبب الأول
~~عند تعدد الأسباب توجب استعمال ألفاظ المسببات في حقيقته ومجازه، أو في
~~حقيقتيه في استعمال واحد، ضرورة إرادة الماهية أو مطلق الفرد - على اختلاف
~~القولين - عند عدم تعددها، وذلك غير جائز، فإذا قال الشارع: البول موجب
~~للوضوء، والنوم موجب للوضوء، فالمراد بالوضوء عند انفراد كل من السببين إما
~~الماهية أو مطلق الفرد، فلو أريد منه عند اجتماعهما الفرد المغاير لما وجب
~~بالأول، لكان لفظ الوضوء مستعملا في معنيين، وهو غير جائز، مع أنه على
~~القول PageV00P300
# المشهور من وضع الألفاظ المطلقة للماهية، يكون عند التعدد مستعملا في
~~الفرد قطعا، ضرورة عدم ms188 التعدد في الماهية، وهو مجاز معارض لتخصيص عموم
~~السبب، والتخصيص إما مقدم على المجاز كما هو المشهور أو مكافئ له، كما هو
~~الحق، وعلى التقديرين لا يعلم عموم ما دل على السببية بحيث يشمل المورد
~~أيضا، فلا رافع قطعيا لأصل التداخل الأولي.
# هذا، مع أنه لو تم ذلك الدليل، لم يجر في مثل قوله: من بال فيتوضأ، و من
~~نام فليتوضأ، لان ورود الأوامر المتعددة على شئ واحد جائز، كورود أزيد من
~~ألف أمر بالصلاة والزكاة ونحوهما، بل يكون مختصا بما دل دليل السببية على
~~تجدد المسبب وحدوثه بحدوث السبب، كقوله: البول يوجب الوضوء، والنوم يوجب
~~الوضوء، وانتزاع هذا المعنى من الأول وكونه في قوته - لو سلم - لا يوجب
~~الاتحاد في جميع الأحكام اللفظية أيضا، مع أنه لو سلمنا تعدد المسبب،
~~فغايته تعدد الحكم الذي هو المسبب كالايجاب، وقد عرف أن بتعدده لا يلزم
~~لزوم تعدد الفعل، فغايته وجوب وضوء واحد لكل من البول والنوم - مثلا - -
~~وأين هو من التعدد المطلوب؟
# الثاني: أن المتبادر اختصاص كل سبب بالمسبب، وهو مقتض للمتعدد، فان
~~المفهوم من قوله: (إذا تكلمت في الصلاة ناسيا فاسجد سجدتي السهو) وجوب
~~السجود لخصوص التكلم، ومن قوله: (إذا شككت بين الأربع والخمس فاسجد) وجوب
~~سجود اخر للشك غير الأول، وكذا نحو: (من تعمد الاكل في نهار رمضان فليكفر،
~~ومن تعمد الجماع فليكفر) فان المتبادر منه وجوب كفارتين: كفارة للاكل،
~~وكفارة أخرى للوطء، من غير تفاوت في الأول بين وقوع السهو والشك في صلاة
~~واحدة أو متعددة، ولا في الثاني بين وقوع الاكل والوطء في اليوم والأيام،
~~مع تخلل الكفارة وبدونه، ولا بين هذه الأمثلة و نحوها من مواضع الخلاف
~~وغيرها مما أجمعوا فيه على التعدد، أو الاتحاد، فان المتبادر في جميع ذلك
~~اختصاص كل سبب بمسببه بلا اختلاف يعود إلى دلالة PageV00P301
# اللفظ، فيكون المطلوب في الجميع متعددا، إلا ما صرف عنه الدليل كما في
~~أسباب الوضوء.
# ومن ثم ترى الفقهاء يعللون التداخل فيما يقولون به بالغاء الخصوصية، أو ms189
~~وجود الظن المعتبر، وأما إذا انتفى الدليل على ذلك فيه، فإنهم لا يرتابون
~~في الاختصاص، أخذا بظاهر اللفظ من غير معارض، وكفى بذلك شاهدا على التبادر،
~~مع حكم الوجدان وشهادة العرف.
# وإن شئت فاستوضح ذلك بمثل ما إذا قيل: إن جاءك زيد فأعطه درهما، وإن سعى
~~لك في حاجة فأعطه درهما، فجاء وسعى في حاجته، فإنك لا تشك في أنه يستحق
~~درهمين: درهما لزيارته ودرهما لسعيه، وتجد الفرق بين ذلك وبين زيارته
~~المجردة عن السعي، وسعيه المجرد عن الزيارة وكذا إن قيل: إن جاءك طبيب
~~فأعطه دينارا، وان جاءك أديب فأعطه دينارا، فأتى زيد وهو طبيب وأديب، فإنك
~~تحكم بأنه يستحق دينارين، وتفرق بين مجيئه ومجئ طبيب غير أديب، وأديب غير
~~طبيب.
# ونحو ذلك سائر الأمثلة من الخطابات الشرعية والمحاورات العرفية، فان
~~المستفاد من جملتها اعتبار الأسباب، واستقلالها في اقتضاء المسببات من غير
~~تداخل 1 أول: إن كان المراد أن المتبادر أن كل سبب يقتضي أن يختص مسببه به،
~~بحيث تكون الخصوصية أيضا داخلة في المسبب، بمعنى أن يكون قصد أنه مسبب لذلك
~~السبب، وأن الاتيان به لأجله جزء من المأمور به، ولازم ذلك تعدد المسبب عند
~~تعدد السبب، فهو يرجع إلى الدليل الآتي، ويأتي ما فيه.
# وإن كان المراد أن المتبادر هو التعدد عند تعدد المسبب، وأن ذلك التعدد
~~هو مقتضى دلالة اللفظ، ففيه - مضافا إلى منع التبادر - أن هذا إنما يتمشى
~~إذا كان
# PageV00P302
# هناك لفظ، مع أن الحكم قد يثبت بالاجماع أو غيره من الأدلة الغير
~~اللفظية، بل الألفاظ الدالة على سببية الأسباب غير محصورة.
# ودعوى: تبادر ذلك من كل لفظ، فاسدة جدا، ضرورة اختلاف الألفاظ فيما يفهم
~~منها ويتبادر، بل منها ما يمكن دعوى تبادر عدم التعدد منه، مثل ما إذا قال:
~~إذا أمرك زيد بأمر فأت به، فقال زيد لك: صل غدا، ثم قال بعد ساعة:
# صل غدا، لا يفهم منه إلا إرادة صلاة واحدة، فاثبات الأصل الكلي بذلك باطل
~~قطعا.
# الثالث: ما مرت الإشارة إليه ms190 من أن كل سبب يقتضي اختصاص مسببه به، بمعنى
~~أن يؤتى بمسببه لأجل أنه مسبب من ذلك السبب، بل هو مقتضى وجوب الامتثال،
~~فان صدق الامتثال عرفا بأن يقصد تعيين ما يأتي به، فإنه لا يحصل امتثال
~~الامر بغسل الجنابة الا مع قصد أنه غسل الجنابة، أي مسبب من الجنابة، فلو
~~لم يقصدها أو قصد غيرها لم يعد ممتثلا، وكذا غسل الجمعة، ومقتضى ذلك وجوب
~~الاتيان بكل مسبب بقصد أنه مسبب من السبب الفلاني، فلازم ذلك أصالة عدم
~~التداخل.
# أقول: القدر المسلم الذي يتوقف عليه صدق الامتثال: أنه يجب الاتيان بكل
~~مأمور به بقصد أنه امر به، وأما إنه لأجل أنه امر به لذلك السبب أو هذا
~~فلا، وهذا بعينه معنى القربة اللازمة في امتثال كل أمر ولو تعدينا عن ذلك،
~~نقول بلزوم قصد أنه مأمور به بذلك الامر وهذا إلى اخر جميع الأوامر، وكيفما
~~كان لا يستلزم عدم التداخل لجواز قصد امتثال أوامر متعددة بفعل واحد إذا
~~طابق جميعها.
# وتوضيح ذلك: ان للتداخل صورا أربع: لأنه إما يكون بان يقصد بالامر الواحد
~~امتثال الأوامر المتعددة، فيكون تداخلا اختياريا حاصلا بالقصد والنية.
# أو يقصد به البعض ويدخل فيه الباقي تبعا، فيكون تداخلا قهريا حاصلا
~~PageV00P303
# بغير إرادة واختيار.
# أو يقصد البعض ويسقط معه طلب غيره لحصول الغرض بفعله، فيكون في قوة
~~التداخل فيه.
# أولا يقصد شيئا منها، بل يأتي بصورة الفعل المشترك بين الجميع، و يغني عن
~~الكل، لان المقصود حصول أصل الفعل كيفما اتفق.
# فلو وجب في صدق الامتثال قصد خصوص الامر، يلزم عدم التداخل بأحد المعاني
~~الثلاثة الأخيرة، وأما بالمعنى الأول فلا، لتحقق قصد امتثال الجميع، و توقف
~~الامتثال على تعدد الفعل ممنوع.
# بل نقول بمثل ذلك لو وجب قصد خصوص السبب أيضا، فيقصد بفعل واحد إيجاد
~~مسبب هذا السبب وذلك، فيغتسل مثلا غسلا واحدا للجنابة والحيض والجمعة.
# هذا، مع أن جميع المسببات الواردة في الشريعة ليست من العبادات المتوقفة
~~على قصد الامتثال والتعيين.
# الرابع: ما ذكره بعض سادة ms191 مشايخنا في بعض فوائده، من اتفاق الفقهاء - عدا
~~من شذ - عليه، فإنهم قطعوا به، واستندوا إليه في جميع أبواب الفقه، وأرسلوه
~~إرسال المسلمات، وسلكوا به سبيل المعلومات، ولم يخرجوا عنه الا بدليل واضح
~~أو اعتبار لائح، وربما تركوا الظواهر بسببه، وطرحوا النصوص لأجله، كما صنعه
~~جماعة في تداخل الأغسال وغيره، ولم يعهد منهم طلب الدليل على عدم التداخل
~~في شئ من المسائل، فلو ذهب أحد إلى التداخل في شئ طالبوه بالدليل، وليس ذلك
~~الا لكونه من الأصول المسلمة والقواعد المعلومة، وإلا لكان الامر بعكس ما
~~صنعوه وخلاف ما قرروه، لان الأصل فيما دار بين الاتحاد وعدمه هو الاتحاد،
~~وما يتفق لبعضهم من الاستناد إلى الأصل فيما قالوا فيه بالتداخل، فالوجه
~~فيه عدم ظهور التعدد في تلك الموارد، ولا شك في أن PageV00P304
# الأصل فيه هو الاتحاد 1 أقول: قد أشرنا إلى أن الألفاظ المشتملة على
~~الأسباب والمسببات مختلفة غاية الاختلاف، وليست محصورة في نوع واحد.
# فمنها: ما يظهر منه التعدد وعدم التداخل.
# ومنها: ما يفهم منه الاتحاد وعدم التعدد.
# ومنها: ما لا يفهم منه شئ من الامرين.
# ومع ذلك، فالدليل الخارجي من الاجماع والنصوص في كثير من الموارد الجزئية
~~على التداخل أو عدمه متحقق.
# وعلى هذا، فان أريد اتفاق جماعة من الفقهاء أو جميعهم على عدم التداخل في
~~بعض الموارد، وجعله أصلا فيه فهو كذلك، ولكن لا يثبت منه أصالة عدمه مطلقا،
~~كما هو المطلوب، لجواز استنادها في تلك الموارد إلى دلالة لفظ أو دليل
~~خارجي وإن أريد اتفاقهم عليه مطلقا، وجعله بنفسه أصلا، فهو ممنوع جدا، بل
~~إن هو الأمحل النزاع، وكلام الأكثر بل جميع القدماء خال عن ذكر ذلك الأصل
~~وإن عملوا بمقتضاه في بعض الموارد لاجماع أو دليل اخر وكفى بذلك شاهدا: ما
~~ادعاه من ترك الظواهر، وطرح النصوص الدالة على التداخل في بعض الموارد،
~~فإنه لو كان المعول فيه هو مجرد الأصل، لم يترك الظاهر والنص لأجله قطعا،
~~إذ الأصل لا يعارض الظاهر فيكف النص.
# وبالجملة: ما ms192 ذكره من اتفاقهم على ذلك الأصل من حيث هو، وكونه عندهم من
~~القواعد المسلمة، ممنوع جدا.
# الخامس: ما ذكره أيضا، وهو: استقراء الشرعيات في أبواب العبادات
~~والمعاملات.
# PageV00P305
# قال رحمه الله: فان المدار فيها من الطهارات إلى الديات على تعدد
~~المسببات إذا تعددت أسبابها، عدا النزر القليل، المستند إلى ما جاء فيه من
~~الدليل، على اختلاف في أكثره، وشك في أغلبه، وإنك متى تجاوزت ذلك، وارتقيت
~~في الأسباب، وجدتها على ما وصفناه من غير شك ولا ارتياب ولذا ترى أن أسباب
~~الصلاة والزكاة والصوم والحج والايمان والنذور والديات والحدود وغيرها على
~~كثرتها، كثيرا ما تجتمع مع توافق مسبباتها في الجنس والكيفية والوقت، وهي
~~مع هذا متعددة متغايرة، كالصلاة المتوافقة من فائتة وحاضرة، والفوائت
~~المتعددة من الفرائض والنوافل، الراتبة وغير الراتبة، الموافقة وغيرها،
~~وكصلاة الفجر مع الطواف، والزلزلة مع الكسوف، والعيد مع الاستسقاء، وكذا
~~أنواع الصيام من القضاء والكفارة وأفرادهما المتكثرة، و أقسام الزكاة، مثل
~~زكاة المال والفطرة وأفرادهما الكثيرة، والديون المستقرة في الذمة بأسباب
~~مختلفة، كالبيع والصلح والإجارة، وغير ذلك من صور اجتماع الأسباب مع توافق
~~المسببات مما لا يمكن حصره، فان البناء في جميعها على التعدد، بحيث لا
~~يحتمل فيها التداخل، والاكتفاء بالواحد عن المتعدد، كصلاة واحدة من ألف
~~صلاة، وصوم يوم عن ألف يوم، أو دفع دينار بدلا عن قنطار، ولو أن أحدا حاول
~~ذلك، لكان مخالفا لقانون الشريعة، خارجا عن الدين والملة.
# ولا ندعي أن الأسباب كلها بهذه المثابة، فإنها تختلف جلاءا أو خفاءا،
~~ولكن الفحص والاستقراء وتتبع الجزئيات التي لا تحصى يكشف عن استناد الامر
~~في ذلك كله على شئ جامع مطرد في الجميع، وليس الا أصل عدم التداخل.
# وهذا من قبيل الاستدلال بالنصوص المتفرقة الواردة في جزئيات المسائل على
~~ثبوت ما اجتمعت عليه من المطالب الكلية، وذلك ليس من الظن والقياس في شئ 1
# PageV00P306
# أقول: يرد عليه - بعد المعارضة بثبوت التداخل، وبنائهم عليه في كثير من
~~الأبواب، بحيث يمكن دعوى مساواتها لما بني فيه على العدم، ms193 كأبواب الوضوء
~~والغسل والتطهير من الأخباث، والنذور والايمان، كمن حلف ألف مرة على فعل
~~واحد، أو ترك أمر واحد، أو نذره، والحدود، كمن شرب قبل الحد مرات، أو قذف
~~كذلك أو زنى، فظاهر أنه لا يفيد الاستقراء في مثل ذلك شيئا - أنه على فرض
~~التسليم لا يكون ذلك إلا من باب الحاق الشئ بالأعم الأغلب، وهو ليس إلا من
~~الظن الغير ثابتة حجيته.
# ألا ترى أنه بعد ثبوت أصل الطهارة الأولي للأشياء، لو حكم الشارع بنجاسة
~~أكثر الأشياء، بحيث لم يبق محل للشك الا قليل، لا يحكم بنجاسته.
# وبالجملة ليس ذلك - لو سلمت الغلبة - الا من الظنون التي لم تثبت حجيتها،
~~وهذا ظاهر جدا.
# السادس: ما ذكره أيضا، وهو أن اختلاف المسببات إما أن يكون بالذات،
~~كالصوم والصلاة، وصلاة الفجر والظهر أو بالاعتبار، كصلاة الفجر أداءا و
~~قضاءا.
# والاختلاف في الثاني ليس الا اختلاف النسبة والإضافة إلى السبب، فان صلاة
~~ركعتين بعد الفجر ممن عليه صبح فائتة، صالحة لها وللحاضرة، وانما تختلف
~~وتتعدد باعتبار نسبتها إلى دخول الوقت وخروجه، فان أضيفت إلى الأول كانت
~~أداءا وإلا قضاءا، ومثل ذلك الاختلاف يتحقق في كل ما ينفى فيه التداخل، لأن
~~المفروض فيه اختلاف الأسباب التي تختلف معها النسبة.
# ثم إنه متى كان هذا الاختلاف في النسبة مقتضيا للتعدد في مورد واحد، كان
~~مقتضيا له في غيره، لان المعنى المقتضي للتعدد يتحقق في الجميع، قائم في
~~الكل من غير فرق، فيكون الأصل تعدد المسببات بتعدد الأسباب، ولا يلزم منه
~~امتناع التداخل، لأنه إنما يلزم لو كان اختلاف النسبة سببا تاما للتعدد،
~~وليس كذلك، فإنه مقتض له، والتخلف عن المقتضي جائز مع وجود المانع، وهو
~~PageV00P307
# موجود في كل ما يثبت فيه التداخل، فانا لا نقول به إلا على تقدير وجوده.
# وتحقيق ذلك: أن الأسباب الشرعية كاشفة عن المصالح الواقعية، و اختلافها
~~كاشف عن اختلاف تلك المصالح، بمعنى: أنه ظاهر فيه، فإذا دل الدليل على
~~التداخل، علم أن المصلحة في الجميع واحدة، وأن الإضافة غير ms194 مؤثرة 1 أقول:
~~هذا إنما يتم لو علم المعنى المقتضي للتعدد فيما علم فيه التعدد، والعلم به
~~ممنوع، ومجرد اختلاف النسبة لا يدل على أنه هو المقتضي، بل لعله شئ اخر لا
~~نعلمه، وليس ذلك إلا من باب إثبات العلية بالمناسبة، الذي هو من أضعف 2
~~أفراد القياس، هذا.
# ثم إنه قد يستشهد لأصالة عدم التداخل: بفحوى الأخبار الواردة في تداخل
~~بعض الأسباب، حيث تضمنت الجواز والاجزاء الظاهرين في الرخصة في الجمع، وأن
~~الأصل فيها التعدد وفى حديث زرارة في الأغسال: (إذا اجتمعت لله عليك حقوق
~~أجزأك عنها غسل واحد) 3 قيل: وفيه تنبيه لطيف على أن ذلك مخصوص بالغسل،
~~وإلا لقال: حق واحد، فإنه أعم وأعود، وأدخل في اللطف والامتنان وإرادة
~~اليسر والتوسعة، فعلم أن سائر الحقوق ليست كذلك.
# بل قيل: إن في ورود النقل بالتداخل شهادة بأن المحتاج إلى التذكر هو
~~التداخل 4 أقول: لا دلالة للجواز والاجزاء على ما رامه، إذ القائل بالتداخل
~~لا يريد
# PageV00P308
# زائدا عليهما، ويقول بجواز التعدد أيضا، بل قد يقول بأفضليته في بعض
~~الموارد، ولا دلالة لهما على أن الأصل فيها التعدد أصلا، بل يدلان على جواز
~~التعدد أيضا.
# ألا ترى قوله عليه السلام: (يجزيك غسل ثوبك مرة) 1 فإنه لا دلالة فيه على
~~أصالة المرتين أصلا، وهو ظاهر جدا.
# وأما حديث زرارة، فلا تنبيه فيه أصلا، فان ما ذكره في وجه التنبيه إنما
~~كان صحيحا لو قلنا بتحقق التداخل في كل مورد، ونحن لا نقول به، بل نقول: إن
~~الأصل ذلك، وكم من مورد لم تتداخل فيها الأسباب في الشرعيات، فيكف جاز أن
~~يقول: حق واحد؟!
# وأما ورود النقل بالتداخل، فإنما هو لأجل سؤال الراوي، مع أنه خلط في
~~النزاع، إذ لا نزاع في حصول الامتثال بالتعدد، ولا خفاء لاحد فيه حتى يحتاج
~~إلى السؤال، وإنما الخفاء في الواحد، فهو المحتاج إلى البيان، وأين ذلك من
~~الأصل؟!
# فوائد:
# الأولى: إجزاء الواحد وأصالة التداخل إنما هو مع عدم مسبوقية السبب
~~الثاني بالمسبب الأول، ms195 كما لو بال ونام قبل التوضؤ للبول، ووطأ في الحيض
~~مرة ثانية قبل التكفير للأول، وغسل يوم الجمعة للتوبة قبل غسله للجمعة، و
~~هكذا.
# وأما مع المسبوقية، فلا شك في أصالة عدم التداخل، إذ امتثال الامر الثاني
~~لا يحصل إلا بذلك، وكذا تأثير السبب الثاني في السببية، وهذا ظاهر جدا، فلو
# PageV00P309
# بال وتوضأ ثم نام، يتوضأ ثانيا، وكذا لو وطأ وكفر ثم وطأ، كفر ثانيا.
# ويظهر من كلام بعضهم في مسألة الوطء في الحيض: عدم التكرر مع المسبوقية
~~أيضا 1، وهو فاسد.
# الثانية: لا شك في تعدد المسببات بتعدد الأسباب مع اختلاف المسببات نوعا،
~~كقوله: من بال فليتوضأ، ومن جامع فليغسل.
# نعم قد يكون اختلافهما بالجزئية والكلية، نحو: من أفطر في نهار رمضان
~~فليطعم ستين مسكينا، ومن أفطر في قضائه فليطعم عشرة مساكين.
# ومثله قوله عليه السلام: (من وطأ في أول الحيض فليتصدق بدينار، ومن وطأ
~~في وسطه فليتصدق بنصف دينار، ومن وطأ في اخره فليتصدق بربع دينار) 2 فوطأ
~~في الأزمنة الثلاثة، فهل تتداخل المسببات حينئذ أم لا؟ يحتمل الأمران، و
~~الأظهر من ملاحظة فهم العرف هنا عدم التداخل.
# الثالثة: هل يتوقف كفاية الواحد عن المتعدد فيما يلزمه القصد والنية على
~~قصد المتعدد ونيته، أو على عدم قصد عدم التداخل ولو مع الغفلة عن البعض أو
~~الذهول، أو يتداخل ولو قصد عدمه؟ الظاهر هو الثالث إذا قصد بالفعل امتثال
~~أمر الشارع، الا فيما ثبت فيه اشتراط قصد السبب أو وصف لا يتحقق الا
~~بالقصد، فيتوقف التداخل حينئذ على قصد المتعدد.
# أما الأول: فلعدم توقف صدور الفعل، ولا حصول الامتثال على قصد خصوص الامر
~~إذا قصد إطاعة الامر ولو بأمر اخر، كما صرح به المحقق الخوانساري في بحث
~~تداخل الأغسال من شرح الدروس 3، وبيناه أيضا في
# PageV00P310
# بحث نية الوضوء من كتاب مستند الشيعة 1.
# وأما الثاني: فوجهه ظاهر، وظهر من ذلك أن التداخل في الأغلب قهري.
# الرابعة: ما ذكرناه من أصالة التداخل إنما هو الموافق للأصل، وإلا فقد
~~يوجد القرينة في نفس ms196 الخطاب أو من الخارج على لزوم التعدد، فيجب اتباعه
~~حينئذ.
# ومن الأول ما مرت الإشارة إليه من قول الشارع: تجب ركعتان، ثم قوله:
# تستحب ركعتان، فان المتبادر منهما بل مقتضى امتناع اجتماع الوصفين إرادة
~~التعدد.
# هذا إذا تعلق الوجوب والاستحباب بنفس الفعل مطلقا، أما لو لم يكن كذلك
~~فلا، نحو: يجب على المصلي كونه مع الوضوء، ويستحب لقارئ القران كونه مع
~~الوضوء، فإنه لا دلالة لهما على تعدد الوضوء.
# وكذا إذا قال: يجب الوضوء للصلاة، ويستحب لقراءة القران، أو من أراد
~~الصلاة يجب عليه التوضؤ، ومن أراد التلاوة يستحب له التوضؤ، فإنه لما كانا
~~شاملين لصورة اجتماع الإرادتين أيضا، ولا يمكن إرادة وجوب الماهية و
~~استحبابها حينئذ لامتناع اجتماعهما، فاما يخصص أحدهما بصورة عدم الاجتماع،
~~أو يراد من أحدهما الفرد المغاير لما يأتي به للأول، ولا ترجيح، فيرجع إلى
~~أصالة عدم التعدد، مع أن الترجيح للأول متعين، لاستلزام الثاني استعمال
~~اللفظ في الحقيقة والمجاز، وهو غير جائز.
# PageV00P311
# عائدة (32) في الشبهة المحصورة والدوران بين الأقل والأكثر قد ذكرنا في
~~كتبنا الأصولية كا (المناهج) و (شرح تجريد الأصول) و غيرهما 1: أنه إذا
~~تردد المكلف به بين أمور معلومة محصورة، ولاحرج في فعل الجميع، فالعمل على
~~أصل الاشتغال إن لم يكن بين هذه الأمور قدر مشترك، و على أصل البراءة إن
~~كان.
# والسر: أن سبب العمل بأصل الاشتغال إذا كان المكلف به مرددا بين الامرين
~~مثلا، إنما هو استصحاب عدم الامتثال، وعدم الاتيان بالمأمور به، الخاليين
~~عن المزيل ما لم يعمل بالجميع.
# وعدم معارض لهما، إذ لا يتصور له معارض، سوى أصالة عدم وجوب الاخر مثلا
~~بعد الاتيان بواحد، وهذا الأصل غير ممكن الجريان، لأنه لو جرى لاستلزم وجوب
~~الأول، والأصل جار فيه أيضا، وهو أيضا مستلزم لوجوب الاخر، فاجراء الأصل في
~~كل واحد يستلزم عدم إجرائه في الاخر، ومثل ذلك باطل
# PageV00P313
# بخلاف ما إذا كان بينهما قدر مشترك، فإنه لما كان الاشتغال به معلوما غير
~~جار فيه الأصل، يبقى أصل عدم الاشتغال ms197 بالزائد خاليا عن المعارض، فيتعارض
~~الاستصحابان المذكوران 1، لان مرجع أصل العدم أيضا إلى استصحاب حال العقل،
~~فالتعارض بين الاستصحابين.
# والحاصل: أن في صورة وجود القدر المشترك يمكن استصحاب عدم وجوب الزوائد،
~~فيعارض ذلك استصحاب عدم الامتثال المثبت لوجوبه، بخلاف صورة عدمه، لعدم
~~إمكان استصحاب عدم وجوب كل من الامرين، لمعارضته مع استصحاب عدم وجوب
~~الاخر.
# ثم بذلك يظهر: أنه لا فرق في عدم إمكان إجراء أصل الاشتغال بين ما كان
~~القدر المشترك من الاجزاء، كالسورة لو تردد أن الصلاة هل هي مركبة من
~~السورة أيضا أم لا، أو من اللوازم، كما إذا أمر بشئ وشك في أن المراد به هل
~~هو الايجاع أو الضرب، فان وجوب الايجاع يقيني حينئذ، لأنه لازم الضرب أيضا،
~~فاللازم حينئذ يكون واجبا قطعا، فيبقى عدم وجوب ملزومه الأعم خاليا عن
~~المعارض.
# نعم يشترط أن يكون ثبوت الوجوب للقدر والمشترك بهذا الامر، أما لو كان
~~ثابتا بغيره فلا يفيد ويجري أصل الاشتغال، لامكان إجراء أصالة عدم وجوبه
~~بذلك الامر.
# وكذا ظهر مما مر جريان أصل البراءة فيما إذا تردد الامر بين وجوب المطلق
~~أو الفرد، مع عدم وجود لفظ مطلق، كما سيأتي بيانه في العائدة المذكورة
~~لبيان الماهية، ومعنى تعلق الطلب بها.
# PageV00P314
# عائدة (33) في معنى قوله (ع): على اليد ما أخذت حتى تؤدي قد اشتهر في كتب
~~الفقهاء الاستدلال بحديث (على اليد ما أخذت حتى تؤدي) 1 على ضمان ما أخذ من
~~مال الغير بالمثل والقيمة بعد تلفه 2، وعلى وجوب أدائه بعينه مع بقائه.
# فلابد في النظر فيه أنه يتم أو لا، والنظر إما في حجيته أو دلالته.
# والأولى وإن لم يمكن إثباتها من حيث السند، لكون الرواية ضعيفة بالارسال،
~~فإنها مروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرسلا، إلا أن اشتهارها بين
~~الأصحاب، و تداولها في كتبهم، وتلقيهم لها بالقبول، واستدلالهم بها في
~~موارد عديدة، يجبر ضعفها، ويكفي عن مؤنة البحث عن سندها.
# وأما الثاني، فنقول: إن ظاهر هذا الكلام - على الطريق المتعارف في ms198
# PageV00P315
# المحاورات - أن يقدر (ثابت) أو (كائن) أو نحوهما من أفعال العموم، على أن
~~يكون خبرا مقدما للموصول، أو جعله مبتدأ مؤخرا، وتكون الجملة خبرية: أي ما
~~أخذت اليد ثابت عليها كائن فيها، ككون الأعيان على محالها، نحو: زيد كائن
~~على السطح.
# ولكن لا شك أن المطلوب ليس إخبارا، وأن المراد باليد ليس نفسها، ولا بما
~~أخذت عينه، بل المراد باليد هو ذو اليد من باب تسمية الكل باسم جزئه، بل
~~أظهر أجزائه وأدخلها في المقام، حيث إن الاخذ يكون باليد، كتسمية الجاسوس
~~بالعين، والترجمان باللسان.
# والمراد بالموصول واحد من متعلقاته، كرده أو حفظه أو ضمانه أو نحوها.
# والمراد بالجملة إنشاء الحكم الشرعي أو الوضعي، فلابد في الكلام من تجوز
~~في اليد، وتقديرين، أحدهما: تقدير متعلق الظرف. والثاني: تقدير مضاف
~~الموصول.
# فان جعل المضاف من الأمور الوضعية ك (ضمان) ونحوه، يكفي تقدير (الثبوت)
~~في الأول، فيكون المعنى: ضمان ما أخذت اليد ثابت على ذي اليد.
# وان جعل غيره نحو: (الرد) أو (الحفظ) فلما لم يكن لثبوت الحفظ أو الرد
~~على ذي اليد معنى محصلا، فلابد إما من جعل متعلق الظرف الوجوب، ليكون
~~المعنى: واجب على ذي اليد رد ما أخذت أو حفظه، أو تقدير مضاف اخر للمضاف 1،
~~ليكون المعنى: ثابت على ذي اليد وجوب رد ما أخذت أو حفظه، أو غيرهما مما لا
~~تنتقل أذهاننا إليه الحال.
# وإذا عرفت ذلك، نقول: الاستدلال بالحديث على ضمان المثل أو القيمة بعد
~~التلف إنما هو على فرض تقدير الضمان الشامل لرد العين مع البقاء، والمثل أو
~~القيمة مع التلف، ولا دليل على تعيينه أصلا.
# PageV00P316
# فان قيل: استدلال الفقهاء واحتجاجهم على الضمان خلفا بعد سلف و فهمهم ذلك
~~دليل على أنه كان لهم قرينة على تقديره وإن خفيت علينا.
# قلنا: مع أنه لم يعلم ذلك من جميع الفقهاء، ولا أكثرهم وإن علم من كثير
~~منهم، وليس ذلك من الأحكام الشرعية التي يحكم فيها بالاتفاق بضميمة الحدس
~~والوجدان، ولا يصلح عمل جماعة دليلا لشئ، لا يدل ms199 على أنه لقرينة تقدير
~~الضمان، بل لعله لاجتهادهم تقدير جميع المحتملات عند عدم تعيين المقدر، أو
~~لمظنة شيوع تقديره، أو لدليل اجتهادي اخر.
# فان قيل: المتبادر من هذا التركيب إثبات الضمان.
# قلنا: ممنوع جدا، ولو راجعت إلى أمثال هذا التركيب التي ليس الذهن فيها
~~مسبوقا بالشبهة، تعلم عدم التبادر، مع أنه على فرض التسليم لا يفيد، لأصالة
~~تأخر حدوث التبادر، حيث إن ذلك ليس من مقتضى الوضع اللغوي لهذا التركيب.
# فان قيل: ليس هنا شئ اخر يصلح أن تكون غايته الأداء الا الضمان، لعدم
~~إمكان غيره عند التلف، فيجب تقدير الضمان، الذي يمكن ثبوته في صورتي بقاء
~~العين وتلفها، فمع البقاء يؤدي العين، ومع التلف المثل أو القيمة.
# قلنا: أداء المثل أو القيمة ليس أداء ما أخذت، بل أداء شئ آخر، فلا يكون
~~(حتى تؤدي) غاية للضمان في صورة التلف أيضا، فان مقتضى تقدير المفعول أن
~~يكون مفعول (تؤدي) أو نائب فاعله على تقدير كونه بصيغة المجهول، ما يرجع
~~إلى الموصول، أي ما أخذت، ومعنى أداء ما أخذت: أداء عينه، دون المثل أو
~~القيمة، بل إطلاق الأداء على الغير غير صحيح، فلا يتحقق أداؤه في صورة
~~التلف أصلا.
# وعلى هذا تكون الرواية لبيان حكم صورة البقاء، ولا يعلم منها حكم صورة
~~التلف. ولا يلزم أن يستفاد من كل حديث حكم جميع صور الواقعة، ولما لم يكن
~~لتقدير الرد أو الأداء معنى سلسا، إذ ليس قولك: يجب أداء ما أخذ، أو رده
~~PageV00P317
# حتى يؤدي أو رده، بسلس، فالأظهر تقدير الحفظ من الضياع والتلف أو نحوه.
# وعلى فرض عدم تعين تقدير ما أخذت للمفعول، فلا شك في إجماله، و معه
~~فالحكم بتقدير الضمان غير موجه قطعا.
# فلا دلالة في الرواية على ثبوت ضمان المثل أو القيمة، بل في دلالته على
~~وجوب أداء العين مع البقاء نظر، لأن الاستدلال له بها إما لأجل تقدير
~~الأداء و الرد، وهو غير معلوم، لجواز تقدير الحفظ ونحوه، فيكون معنى
~~الحديث:
# يجب على ذي اليد حفظ ما ms200 أخذت إلى زمان أدائه.
# أو لأجل قوله: (حتى تؤدي) ولا دلالة له أيضا، لان وجوب الحفظ مثلا إلى
~~زمان الأداء لا يدل على وجوب الأداء، كما إذا قال الشارع: عليك بقصر الصلاة
~~في السفر حتى تدخل الوطن، فإنه لا يدل على وجوب دخول الوطن أصلا.
# ومنه يظهر عدم تمامية الاحتجاج بها على وجوب رد العين أيضا وان كان ذلك
~~ثابتا بأدلة أخرى.
# مع أن في الرواية إجمالا من وجهين آخرين، يشكل التمسك بها في بعض الموارد
~~التي تمسكوا بها على فرض تعين تقدير الرد أو الضمان:
# أحدهما: باعتبار الاخذ، فإنهم يتمسكون بها في كل موضع حصل فيه التصرف في
~~مال الغير ولو لم يصدق عليه الاخذ أيضا، وإثباته من الرواية مشكل وثانيهما:
~~باعتبار المؤدى إليه، الذي يجب تقديره أيضا، فهل هو المالك، أو من باب
~~منابه من الوكيل والمولى، أو من اخذ منه، ولو كان غاصبا؟ ويشكل من هذه
~~الجهة أيضا التمسك بها في بعض الموارد، والتمسك في جميع الموارد بالله
~~الواحد. PageV00P318
# عائدة (34) في بيان معنى البدعة والتشريع وحرمتهما ترى الفقهاء كثيرا ما
~~يحكمون في بعض الأفعال أنه بدعة وتشريع، ولأجل ذلك يحرمونه.
# ولابد في تحقيق ذلك من بيان البدعة والتشريع وبيان حرمتهما.
# فنقول وبالله التوفيق: إنه لا شك في حرمة البدعة في الدين، و إدخال ما
~~ليس من الشرع فيه، وعليه إجماع الأمة، بل هو ضروري الدين و الملة.
# روى ثقة الاسلام في جامعه الكافي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
~~قال: كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) 1 وروى فيه أيضا، عن أمير
~~المؤمنين عليه السلام، أنه قال: (إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتبع، وأحكام
~~تبتدع، يخالف فيها كتاب الله، يتولى فيها رجال رجالا) 2 الحديث.
# وفيه أيضا، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا ظهرت البدع في أمتي
~~فليظهر العالم علمه،
# PageV00P319
# فمن لم يفعل فعليه لعنة الله) 1.
# وفيه أيضا: (من أتى ذا بدعة فعظمه، فإنما يسعى في هدم الاسلام) 2 وفيه
~~أيضا، عنه ms201 (ص): (إذا رأيتم أهل البدع والريب من بعدي فأظهروا البراءة منهم)
~~3 الحديث وفيه أيضا، عنه صلى الله عليه وآله وسلم: (أبى الله لصاحب البدعة
~~بالتوبة) قيل: يا رسول الله، وكيف ذلك؟ قال: أنه قد أسرب قلبه من حبها) 4
~~وفيه أيضا: أنه قيل للكاظم عليه السلام: بما أوخذ الله؟ قال: (لا تكونن
~~مبتدعا، من نظر برأيه هلك، ومن ترك أهل بيت نبيه ضل، ومن ترك كتاب الله
~~وقول نبيه كفر) 5.
# والمهم تحقيق معنى (البدعة) ومصداقها.
# فاني أراه مشتبها على كثير من الاعلام، فإنهم يقولون: إن الفعل الفلاني
~~لم يثبت من الشرع، فلو فعل لا بقصد العبادة والثبوت من الشارع وإطاعته، فهو
~~لغو لا ثواب عليه ولا عقاب، وإن فعله أحد بقصد العبادة والإطاعة وباعتقاد
~~ذلك، يكون حراما موجبا للعقاب، لأنه يكون بدعة وتشريعا ومقتضى ذلك: أن
~~البدعة هي كل فعل يفعل بقصد العبادة والمشروعية و إطاعة الشارع مع عدم
~~ثبوته من الشرع.
# ولا معنى محصل لذلك، لان ذلك الفاعل بهذا القصد إما دله دليل على مشروعية
~~هذا الفعل وكونه عبادة والآتيان به طاعة، أم لا.
# PageV00P320
# فعلى الأول فلا بحث عليه إجماعا بل ضرورة، ولا عقاب وان لم يثبت هذا
~~الدليل عند غيره، لان كلا مكلف مما أدى إليه نظره، ومن هذا القبيل اجتهادات
~~جميع المجتهدين، مع أنهم يؤجرون عليه ويثابون.
# وعلى الثاني: فلا معنى لقصد العبادة والطاعة، إذ القصد ليس أمرا
~~اختياريا، والاختياري هو الاخطار بالبال والتصور، ومجرد ذلك بدون التصديق
~~بذلك لا يثمر ثمرا، بل يكون معتقدا لعدم شرعيته، فكيف يمكن اعتقاد
~~الشرعية؟!
# مع أنه مع عدم اعتقاد الشرعية وعدم التصديق به لم يكن مجرد تصور ذلك و
~~إخطاره بالبال محرما.
# وبالجملة: الفعل الذي لم يدل دليل فاعله إلى شرعيته إما يفعله من غير
~~اعتقاد شرعيته، فلا دليل على حرمته ولو تصور أو خطر بباله الشرعية، أو
~~يفعله باعتقادها، ولا يمكن أن يكون ذلك إلا بدليل.
# وببعض ذلك صرح المحقق (الخوانساري) في شرحه على (الروضة البهية) في مسألة ms202
~~استيعاب جميع الرأس بالمسح، حيث قال في الأصل (نعم يكره الاستيعاب، إلا أن
~~يعتقد شرعيته) قال: أي وجوبه أو استحبابه، فيحرم فعله بهذه النية، لحرمة كل
~~عبادة لم تكن متلقاة من الشارع، أو يحرم ذلك الاعتقاد، و فيهما تأمل.
# أما في الثاني: فلان الاعتقاد لابد أن يكون ناشئا من اجتهاد أو تقليد،
~~وإذا كان كذلك فلا وجه لحرمته، غاية الامر أن يكون خطأ، والا إثم على الخطأ
~~عندهم، إلا أن يجعل هذا الحكم من قبيل الضروريات.
# وفيه - مع أنه ليس كذلك - أنه يلزم حينئذ الحكم بكفر معتقده، لا بتأثيمه
~~فقط، مع أن الظاهر أنه لا يقول به أحد.
# وأما في الأول: فلعدم ظهور حرمة العبادة الغير المتلقاة، مع اعتقاد
~~شرعيتها باجتهاد أو تقليد إن فسد الاعتقاد، الا أن يعلم خلافه ضرورة من
~~الدين، والا لاشكل الحكم في كثير من الاجتهادات PageV00P321
# ويمكن أن يقال: إن اعتقاد شرعية امتثال 1 هذه الأمور إن كان بناؤه على
~~فساد أصل الدين، والابتناء على الطريقة الفاسدة فيه، كما إذا اعتقدها
~~العامة، فكما يحرم عليه ما اعتقده من أصل الدين، لظهور تقصيره فيه، فيجوز
~~حرمة اعتقاد ما يتفرع عليه من الفروع وفعله أيضا، فتقصيره في الأصل وإن كان
~~مع صحة أصل الدين، كما إذا اعتقدها الامامي، فهي من ظهور الفساد على
~~طريقته، بحيث لا يعتقدها إلا من قصر حق التقصير في التأمل والاجتهاد، وإذا
~~كان كذلك، فلابد في الحكم بحرمة اعتقادها، وفعلها عبادة وحكمهم بعدم الاثم
~~على الخطأ إنما هو إذا لم يكن بهذه المرتبة بالفساد، و هذا تجويز لحكمهم
~~بالحرمة، ودفع للاشكال عنهم.
# وأما مستندهم فيه: فيمكن أن يكون ما ورد من الاخبار في باب البدع 2، و أن
~~(كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار) 3 إذ الظاهر شمول البدعة لاعتقاد
~~شرعية مثل هذه الأمور، وكذا فعلها عبادة، سواء كان مع فساد أصل الدين أو
~~بدونه، فتأمل 4. انتهى كلامه رفع قدره ومقامه.
# أقول: تقرير ما ذكره في التوجيه: أنه إذا اعتقد الشرعية يعلم أنه قصر ms203 في
~~السعي والاجتهاد، وإلا لما خفي عنه، لوضوح المأخذ، وإذا كان مقصرا، يكون
~~اعتقاده وعمله محرما. ولذا تراهم يذكرون ذلك في مقام لا دليل على الشرعية
~~مطلقا ولا خلاف، وأما ما كان فيه دليل ولو كان ضعيفا في نظر الاخر، أو خلاف
~~لا يقولون بمثل ذلك.
# وفيه بعد الاغماض عن منع اختصاص ذلك بما علم فيه التقصير، فان منهم
# PageV00P322
# من ذكره في غسل الوجه في الوضوء مرتين 1، وفي ذكر تكبير الركوع و السجود
~~في حال الهوي 2، مع أن فيهما خلافا وعليهما دليلا. أولا: أنه لاشك أن
~~الاعتقاد ليس بأمر اختياري، وله مراتب مختلفة في الضعف والشدة، فان بملاحظة
~~دليل من دون فحص قد يحصل نوع اعتقاد، ثم إذا فحص - ولو لم يكن غاية ما يمكن
~~- يزيد الاعتقاد، وإذا فحص غايته يصير أشد، وليس شئ منها بالاختيار.
# فمن قصر في السعي واعتقد شيئا بقليل فحص يكون هو نتيجة فحصه، فلا معنى
~~لحرمة هذا الاعتقاد.
# نعم يمكن أن يقال: إنه مؤاخذ في الاقتصار على الفحص، وهو أمر اخر غير
~~الاعتقاد.
# بل لاوجه لحرمة الفعل أيضا، إذ لا حرمة في الفعل نفسه من حيث هو، ولذا لا
~~يحرم مع عدم اعتقاد الشرعية، ولا مع عدم اعتقادها الحاصل بالفحص، و لا في
~~هذا الاعتقاد، لأنه أمر لازم حاصل من ملاحظة الدليل، فلم يكون حراما؟ 3 مع
~~أنه لا يقارن الفعل حينئذ من الاعتقاد أزيد مما اقتضاه فحصه وسعيه؟
# نعم قد يعرض للفعل جهة محرمة لولا ثبوت الشرعية من غير جهة الاعتقاد، وهو
~~أمر اخر، فيحرم الفعل سواء اعتقد الشرعية أم لا، كقول: (امين ) في الصلاة
~~إن لم يكن دعاءا، وكالتكلم بالفارسية في القنوت، حيث إن الأصل حرمة التكلم
~~في الصلاة بغير ما ثبت جوازه، بخلاف ما إذا لم يكن الفعل في نفسه كذلك،
~~كترك قراءة الشعر في الصوم، فإنه لا يحرم مع عدم اعتقاد الشرعية قطعا، فكذا
~~لو اعتقده نوع اعتقاد ولو لأجل ذلك الاعتقاد.
# PageV00P323
# وثانيا: أن المكلف إما يلتفت إلى أنه مقصر، ويخطر ms204 ذلك بباله، أولا، فعلى
~~الأول: لا يحصل له الاعتقاد. وعلى الثاني: لاوجه للحرمة.
# فان قيل: الفعل في نفسه وإن لم يكن حراما، ولا ذلك الاعتقاد، ولا الفعل
~~المقارن لهذا الاعتقاد، ولكن يحرم الفعل لأجل هذا الاعتقاد، حيث إن منشأ
~~الاعتقاد ليس دليلا شرعيا، فجعله دليلا والآتيان بالفعل لأجله محرم.
# قلت: إن أردت بجعله دليلا، التلفظ بأنه دليل، فهو ليس بأمر محرم، وإن
~~أردت اعتقاد كونه دليلا، فحصول الأزيد مما يقتضيه هذا الدليل محال، كما أن
~~تخلف ما يقتضيه أيضا كذلك.
# فان قلت: يدخل حينئذ في التشريع والبدعة.
# قلنا: لا نسلم، ومن أين علم صدق البدعة المحرمة على مثل ذلك؟ مع أنه لا
~~يزيد اعتقاده عما يقتضيه دليله.
# فإنه إذا أتى أحد بالقنوت في الركعة الأولى، لا من جهة قول الشارع
~~بخصوصه، بل من جهة كونه دعاءا، وجواز الدعاء في الصلاة مطلقا، يكون جائزا
~~قطعا. وكذا إذا أتى به لأجل حديث دل عليه، ولم يجد له معارضا مقاوما بزعمه
~~بعد الفحص.
# ولو وجد حديثا، واحتمل له معارضا ولم يفحص عنه، فإنه لا يقنت في الأولى
~~حينئذ الا باعتقاد وروده من الشرع ورودا مجوزا له المعارض، ومحتملا عنده
~~عدم تماميته، فلم يكون ذلك حراما؟ وسببية 1 هذا الحديث لا يمكن أن تكون
~~تامة عنده قطعا.
# هذا كله، مع أن الأنظار متفاوتة جدا، فحكم المجتهد بان كل من أفتى بذلك
~~مع اعتقاد شرعيته فهو مقصر لا وجه له، إذ قد يكون المأخذ واضحا عند واحد،
~~خفيا عند اخر، بل كثيرا ما ترى المسألة مجمعا عليه بل ضرورية عند واحد، و
# PageV00P324
# على خلاف ذلك عند اخر.
# والتحقيق: أن كل فعل لم يثبت من الشرع لا يمكن الاتيان به باعتقاد أنه من
~~الشرع، ولكن يمكن فعله بإزاء أنه من الشرع، أو جعله شرعا للغير، وهو تشريع
~~وإدخال في الدين وإن لم يعتقده المتشرع، وهذه هي (البدعة) ولذا تطلق
~~(البدعة) على ما ابتدعه خلفاء الجور، كالاذان الثالث يوم الجمعة، وغسل
~~الرجلين، وتثليث غسل الوجه في الوضوء، ms205 وصلاة الضحى، والجماعة في النوافل،
~~ونحو ذلك، مع أنهم ما كانوا يعتقدون ثبوته من الشارع، وإنما أدخلوه في
~~الدين إدخالا، بل وان اعتقدوه أيضا.
# وبالجملة: المناط في الابتداع والتشريع والادخال في الدين: وضع شئ شرعا
~~للغير، وجعله من أحكام الشارع له لا لنفسه، لأنه غير ممكن.
# فالبدعة فعل قرره غير الشارع شرعا لغيره من غير دليل شرعي، ولا شك في كون
~~ذلك (بدعة) كما ترى إطلاقها عليه في جميع ما ابتدعه العامة، مع أنه تدليس
~~وإغراء وكذب وافتراء، فيكون محرما قطعا وأما ما لم يكن كذلك، فاطلاق البدعة
~~عليه غير معلوم، ولم يثبت كونه بدعة وتشريعا.
# قال (الصدوق) - رحمه الله - في من لا يحضره الفقيه، في باب حد الوضوء:
~~والوضوء مرة مرة، ومن توضأ مرتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثا فقد أبدع 1.
~~انتهى.
# ففرق بين ما لم يثبت من الشرع وبين البدعة، وجعل المرتين مما لم يثبت من
~~الشرع، ولذا نفى الاجر عنهما.
# بل صرح في موضع اخر من أبواب الوضوء: أن من توضأ مرتين مرتين، فقد تعدى
~~حدود الله، وقال: (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) 2 وجعل ثلاث
# PageV00P325
# مرات من البدعة، لأنها مما ابتدعه العامة، فقال: ومن توضأ ثلاثا فقد فعل
~~البدعة 1 وهذا صريح في أن كل ما لم يثبت من الشرع ليس ببدعة، ومقتضى إطلاقه
~~عدم اشتراط الابتداع بقصد المشروعية واعتقادها، بل إذا وضعها لغيره كذلك
~~يكون بدعة، ومن أتى به فيكون اتيا بالبدعة.
# ولكن يشترط في إبداع الغير فعله لأجل أنه مشروع، لا مطلقا، فمن غسل وجهه
~~ثلاثا لا بنية الوضوء، لا يكون مبتدعا، هذا وأما الفعل الذي لم يثبت من
~~الشرع، ويفعله أحد من غير إرائة شرعيته للغير، فلا يحرم من هذه الجهة أصلا
~~ولو قارنه شئ من الاعتقاد بالشرعية. نعم قد يكون محرما فعله إذا لم يثبت من
~~الشرع من جهة أخرى، ولا كلام فيه.
# PageV00P326
# عائدة (35) في بيان معنى قولهم (ع): يجزيك كذا.
# قد ورد في الأحاديث قولهم عليهم السلام: (يجزيك كذا) ms206 أو (يجزي كذا) أو
~~(أجزأه كذا) 1 ولا شك في كفاية ما حكموا باجزائه عن المأمور به، واجبا أو
~~مستحبا، وإنما الكلام في أنه هل يدل على عدم كفاية الأقل منه وأنه أقل ما
~~يجزئ، أم لا؟
# ظاهر جماعة من المتأخرين الأول 2، فيستدلون به على عدم كفاية الأقل، و
~~يعارضون به ما دل على جواز الاجتزاء بالأقل قال في (المدارك) في مسألة
~~مقدار الجبهة للسجود: والاجزاء إنما يستعمل في أقل الواجب 3 وقال بعضهم
~~بعدم الدلالة 4.
# وهو الصحيح، إذ لا دلالة على ذلك بوجه من الوجوه، فان الاجزاء بمعنى
# PageV00P327
# الكفاية والاغناء، يقال: يجزيك ذلك 1، أي: يكفيك. قال في القاموس: و جزى
~~الشئ يجزي مجزي كفى، وعنه قضاه، وأجزى كذا عن كذا: قام مقامه 2.
# وقال في الصحاح: جزى عني هذا الأمر أي قضى، وفي حديث أبي بردة بن نيار:
~~(تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك) 3 أي تقضي 4.
# وقال في مادة جزء: وجزأت بالشئ جزءا أي اكتفيت به، إلى أن قال: و أجزأت
~~عنك شاة لغة في جزت، أي قضت، واجتزأت بالشئ، وتجزأت به، بمعنى: إذا اكتفيت
~~به، وأجزأت عنك مجزا فلان أي أغنيت عنك معناه 5.
# وفي مجمع البحرين: سميت - أي الجزية - بذلك، لأنها قضاء منهم لما عليهم.
~~وقيل: لأنها تجتزأ بها ويكتفى بها منهم. يقال: أجزأني الشئ كفاني، من جزأ
~~بمعنى كفى، إلى أن قال: ويجزيه التيمم ما لم يحدث، يقرأ بضم المثناة من
~~الاجزاء وبفتحها بمعنى كفى، ومثله يجزيه المسح ببعض الرأس 6. انتهى ولا شك
~~أن كون الشئ كافيا أو مغنيا لا يدل على عدم كفاية الأقل منه، ولذا يصح
~~استعماله مع الأقل والأكثر، بل هو شائع كثيرا، سيما الأول قال في السرائر:
~~وأقل ما يجزيه من الركوع أن ينحني إلى موضع يمكنه 7.
# وقال في دعائم الاسلام: وأكمل ما يجزي أن تصيب الأرض من جبهتك
# PageV00P328
# مقدار درهم 1.
# إلا أن يقال: إن الإضافة في الأول بيانية، أي أقل شئ هو ما يجزيه، و
~~المراد في الثاني أقل ما يجزي ms207 في تحصيل الأكمل، فتأمل وأما ما ادعاه في
~~المدارك من استعمال الاجزاء في أقل الواجب، فلو سلم لم يفد، إذ الاستعمال
~~أعم من الحقيقة، وإن أراد أن الاستعمال حقيقة منحصر فيه، فهو ممنوع.
# وقد يتوهم بل يدعى التبادر، فإنه إذا قال الطبيب: يكفيك أو يجزيك مثقال
~~من هذا الدواء، لا يكتفي بالأقل قطعا، وكذا إذا قيل لاحد: يكفيك لمؤونة
~~سفرك هذا مائة دينار، فلا يكتفي بالأقل، ويستصحب المائة البتة، ولذا يصح أن
~~يقال: قدر الكفاية من المال كذا، وقدر السعة كذا، وأن يقال: يكفيك مائة
~~دينار، بل يزيد فلولا اختصاص الكفاية بمالا يشتمل على الزيادة، لما جاز ذلك
~~وفيه: منع التبادر، وأما عدم الاكتفاء بالأقل فيما استشهد به، فليس لأجل
~~دلالة ما قاله الطبيب أو المخبر بعدم كفاية الأقل، بل لأجل عدم العلم
~~بكفاية الأقل، فلا يطمئن بالبرء أو حصول المؤونة في الأقل، فلذا لا يكتفي
~~به.
# وأما قولهم: (قدر الكفاية وقدر السعة)، أو (يكفيك فلان بل يزيد) فلو سلمت
~~دلالته، فلأجل القرينة، فان الذيلين قرينتان على ذلك، مع أنهما يعارضان
~~بمثل قولك لمن قال: يكفي مائة دينار مؤونة هذا السفر: صدق، بل يكفي ثمانون
~~أيضا وبالجملة: معنى يكفيك ويجزيك أنه حسبك، كما صرح به في كتب اللغة،
~~وصراحته في عدم الحاجة إلى الزائد واضحة وأما عدم كفاية الأقل، فاما عدم
~~دلالته عليه معلوم، أو لم تعلم دلالته عليه، وهو أيضا في حكم العلم بعدم
~~الدلالة
# PageV00P329
# ثم إن هذا هو الكلام في دلالة اللفظ، وقد يكون عدم كفاية الأقل معلوما من
~~دليل اخر، أو من الأصل، فان استعمال الاجزاء في الاخبار على وجوه:
# فورد تارة مثل قوله: (يجزي غسل الجمعة عن الجنابة) 1 فاستعمل مع (عن).
# وأخرى (يجزي في الركوع سبحان الله مرة) 2 فاستعمل مع (في).
# وثالثة: (يجزيك كذا) 3 فالأصل في الأول عدم كفاية الأقل، لان الأصل عدم
~~قيام فعل مقام اخر، و في الأخيرين يختلف الأصل بحسب اختلاف المقامات، فتارة
~~يكون مع كفاية الأقل، وأخرى مع عدمها، ms208 وعلى الفقيه ملاحظة المقامات.
# هذا هو البحث في دلالته على عدم كفاية الأقل، وعدم دلالته وهاهنا بحث
~~اخر: وهو أنه على فرض الدلالة، فهل يدل على أنه أقل الواجب - كما وقع في
~~كلام صاحب (المدارك) - حتى إذا ورد: (أنه يجزيك في الركوع سبحان الله
~~ثلاثا) 4 يكون هذا أقل الواجب، أم لا؟
# الحق أنه لا دلالة لهذا الكلام بنفسه على ذلك أصلا، فان الاجزاء والكفاية
~~كما يكون عن الامر الواجب، كذلك يكون عن المستحب أيضا، فان كان المجزى عنه
~~مذكورا، فالامر واضح، وإن لم يكن مذكورا، فيحتمل الامرين، فالحمل على
~~أحدهما لاوجه له.
# فإذا قال الشارع: (يجزيك مائة تسبيحة بعد الصلاة) يحتمل إجزاء الامر
# PageV00P330
# الواجبي والمندوبي، فلا يحكم بالوجوب.
# نعم إذا ورد في موضع علم فيه وجوب شئ، ولم يعلم تحقق الامر الاستحبابي،
~~فيحمل على الوجوبي، لأصالة عدم استحباب شئ، فإذا قال:
# (يكفي ثلاث تسبيحات في الركعتين الأخيرتين) يحمل على الواجب، لأصالة عدم
~~استحباب شئ فيهما بخلاف ما إذا علم ذلك أيضا، فيكون مرددا، كما في الركوع
~~والسجود، حيث علم فيه استحباب الزائد عن القدر الواجب، فلو قال: يكفيك ثلاث
~~تسبيحات فيه، يحتمل الامرين، والله أعلم. PageV00P331
# عائدة (36) في إثبات الماهية وبيان المراد منها يذكر فيها إثبات الماهية،
~~والمراد منها، ومعنى كليتها ووحدتها ووجودها، ومعنى المفهوم والمصداق،
~~وكيفية تعلق الطلب بها، على سبيل الايجاز و الاختصار، على النحو اللائق في
~~هذا الفن.
# فنقول ومن الله التوفيق: لاشك في وجود الماهية للأشياء، فان كل أحد يعلم
~~قطعا أن للأفراد الانسانية - مثلا - امتيازا عن غيرها واشتراكا لأنفسها،
~~وأن الجميع مشترك من حيث الوجود الخارجي، والكون الواقعي في أمر، وبه تمتاز
~~عن غيرها.
# وهذا أمر بديهي لا يمكن الارتياب فيه، ولذا يعرف كل أحد أن هذا إنسان،
~~وهذا ليس بإنسان، ولولا ما به الامتياز الواقعي، وما به الاشتراك الواقعي،
~~لم يمكن ذلك.
# وهذا هو بعينه مرادنا من الماهية، ولذا يعبر عنها بالقدر المشترك.
# ولا شك في وجود ذلك في الخارج، وإلا لم تشترك الافراد ms209 فيها، ولا تمتاز عن
~~غيرها، ولكن وجودها بوجود الافراد، لان الشئ ما لم يتشخص لم يوجد، كما ثبت
~~في الحكمة المتعالية.
# ومعنى وجودها في الخارج بوجود الافراد: أنها مع وجودها متحققة قطعا،
~~PageV00P333
# ولا يمكن تحققها بدونها، ولا تميزها خارجا عنها، بل لا تنفك في الخارج عن
~~الفرد، ولا الفرد عنها، ولا يتميز بحسب الخارج عنها.
# نعم يميزها العقل، بمعنى أن العقل يحكم صريحا بأن لزيد جزءا موجودا لعمرو
~~أيضا، وليس للفرس.
# وهذا هو المراد بقولهم: وجودها عقلي، يعنى أن العقل يحكم بوجودها في
~~الخارج، ولا يدخل في حكم الحس والإشارة الحسية والحاصل: أنه وإن لم يكن أن
~~يتحقق في الخارج أمر مشترك بين الجميع، خال عن المشخصات 1، ولكن العقل يحكم
~~صريحا: أنه لو جمع أفراد الانسان كلا أو بعضا، وأسقط عنها المميزات جميعا،
~~إسقاطا بعد إسقاط، يبقى بالآخرة جزء متحد في الجميع، لا بمعنى أنه أمر واحد
~~يشترك فيه الجميع، لاستحالة ذلك، وإيجابه وحدة المتعدد، واتصال الجميع
~~بواسطة اتحادها في هذا الجزء، بل بمعنى أن الصورة الذهنية لهذا الجزء
~~بعينها هي الصورة الذهنية لهذه، ومنطبقة معها بلا اختلاف.
# وهذا معنى وحدة الماهية الخارجية، أي في لحاظ العقل لكل فرد جزء متحد
~~باعتبار الصورة الذهنية لجزء فرد اخر، وينطبق عليه، فالماهية الخارجية
~~متعددة بعدد الافراد الخارجية، أي: لكل فرد في لحاظ العقل جزء، هو بعينه
~~الجزء الذي للفرد الاخر، أي مطابق معه، وهذه الاجزاء المتعددة بعدد
~~الماهيات، هي المعبر عنها بحصص الماهيات، وهذا التطابق أيضا هو معنى كلية
~~الماهية الخارجية.
# وتوضيحه: أن للماهية وجودا ذهنيا باعتباره يسمى بالمفهوم، ووجودا خارجيا
~~باعتباره تسمى مصداقا.
# والأول: أمر واحد لا تعدد فيه، وكلي يشترك فيه الكثيرون، بمعنى أنه ينطبق
~~على الأمور المتكثرة الخارجية، ويصدق عليها، وهي الاجزاء المذكورة الموجودة
# PageV00P334
# في الخارج بحكم العقل والثاني: أمور متعددة بتعدد الافراد وكلي، لا بمعنى
~~أنه بالفعل كلي صادق على الكثيرين، لاستحالته، بل بمعنى أن كل حصة وجزء
~~بحيث لو دخل في الذهن ينطبق على صورة الجزء الاخر، ms210 ويكون هو بعينه.
# فمعنى كليته: أنه لو دخل في الذهن ينطبق على صورة الكثيرين، وتتحد
~~وجوداتها الذهنية، كما صرح بذلك الشيخ الرئيس في خامسة إلهيات الشفاء 1
~~والفاضل اللاهيجي في أمور عامة الشوارق 2 ثم لا شك أن متعلق الطلب لا يكون
~~مفهوما، ولا الموجود الذهني، بل متعلقه أنما هو المصداق والموجود الخارجي
~~وإذا عرفت تعدد الموجود الخارجي، وتكثره بتكثر الافراد، وعدم اختلاف فيما
~~بينها أصلا، فإذا تعلق الطلب بماهية، كقوله: (أعتق الرقبة) أو (جئني
~~بالانسان) فالمطلوب الحقيقي هو ذلك الجزء المحلل كل فرد إليه في الحاظ
~~العقل، والموجود معه بحكمه، المعبر عنه بالمصداق والحصة.
# ولا شك أنه ليس المطلوب عند الاطلاق حصة معينة ومصداقا معينا، ولا كل جزء
~~جزء، أي كل حصة من تلك الحصص - وبعبارة أخرى: جميع المصاديق - حتى يفيد
~~الاستغراق، ولا كل حصة على البدل، حتى يفيد التخيير، لخروج كل ذلك عن معنى
~~الماهية، وبعده عن ساحتها.
# بل المطلوب هو هذا المصداق وهذا الجزء، مسقطا عنه قيد الوحدة والتعدد،
~~والاستغراق والتخيير، وغير ذلك، بل المطلوب هو ذلك المصداق.
# نعم لأصالة عدم التعدد والتعيين تثبت مطلوبية الواحد، والتخيير بواسطة
~~حكم العقل، لا لأجل طلب الماهية ودلالته عليه.
# ويتفرع على ذلك في الفروع والأصول فروع كثيرة:
# PageV00P335
# منها: عدم لزوم التجوز في المطلق عند حمل المطلق على المقيد.
# ومنها: جريان أصل البراءة إذا تردد الامر بين الماهية والفرد المعين إذا
~~لم يكن هناك لفظ مطلق، بل يثبت الحكم بالاجماع أو بلفظ مجمل يحتمل المطلق
~~والمعين - على ما اخترناه في كتبنا الأصولية، من جريانها إذا كان هناك قدر
~~مشترك 1، فإنه إذا حصل هذا التردد، يكون تعلق الحكم بالماهية بالمعنى الذي
~~ذكرنا مقطوعا به بشرط إمكان الاتيان بالفرد أيضا، وينفى الزائد بالأصل ولذا
~~تمسك المحقق الأردبيلي - قدس سره - بأصالة عدم وجوب التسبيح، و كفاية مطلق
~~الذكر في الركوع 2 وليس مقام جريان أصل الاشتغال، لثبوت الطلب لهذا الجزء
~~من الفرد، و هو قدر مشترك بين طلب الماهية والفرد وكان الحكم بالتخيير أو ms211
~~الوحدة - عند اختيار المطلوب 3 - بالأصل، لا من جهة طلب المطلق، حتى لا
~~يكون المطلوب 4 قدرا مشتركا، ولا يكون حينئذ فرق بينه وبين الاجزاء
~~الخارجية الحسية، كقراءة الفاتحة، والصلاة، وغسل المخرج مرة ومرتين.
# وإنما قيدنا قطعية تعلق الحكم بالماهية بامكان الاتيان بالفرد، لأنه
~~لولاه لكان الأصل عدم تعلق الحكم بشئ منهما، فيجري أصل البراءة في المجموع.
# كما إذا علم وجوب أمر، ولم يعلم أنه الذهاب مطلقا، أو الذهاب راكبا، و لم
~~يمكن الركوب، بل كان ممتنعا، فلا قطع حينئذ بوجوب الماهية، إذ لو كان
~~الواجب الفرد لسقط 5 وجوبه قطعا، وبسقوط وجوبه يسقط وجوب ما في
# PageV00P336
# ضمنه أيضا، لكونه تبعيا، فلا يعلم وجوب قدر مشترك أصلا.
# أما إذا كان التخيير باعتبار اللفظ، فلا يجري الأصل، بل هو مقام جريان
~~أصل الاشتغال. أي: إذا تردد بين التخيير بين شيئين شرعا أو تعيين أحدهما،
~~فإنه لا يجري أصل البراءة حينئذ، لان الواجب في المخير وان كان أحد الشيئين
~~لا بعينه، وهو متحقق في ضمن الواحد بعينه أيضا، إلا أن الحكم بالتخيير
~~الشرعي فرع ملاحظة الشيئين معا، وهو أمر مخالف للأصل 1، وبه تعارض مخالفة
~~خصوصية الاخر للأصل أيضا 2.
# ففي كل موضع تردد الامر بين الماهية والفرد، يتحقق القدر المشترك، بخلاف
~~ما إذا تردد بين الماهية وشئ اخر والفرد، إلى غير ذلك من الفروع.
# PageV00P337
# عائدة (37) في إجراء الأصل في ماهيات العبادات والمعاملات قد بينا في
~~كتبنا الأصولية 1 بجواز إجراء الأصل في ماهيات العبادات والمعاملات، سواء
~~قلنا بأن الألفاظ أسام للأعم أو الصحيح، والمراد أصل عدم الجزئية أو
~~الشرطية، لا بمعنى أن الأصل عدمهما بأنفسهما، لان نسبة الأصل إلى الوضع
~~للمركب من هذا الجزء والمشروط بهذا الشرط وغير المركب والمشروط واحدة، بل
~~بمعنى أن الأصل عدم تعلق حكم الجزء والشرط من الوجوب وغيره به، وبتبعيته
~~تنفى الجزئية والشرطية نعم فيما احتمل كون المستعمل فيه من العبادات أو
~~المعاملات هو المعنى اللغوي تجري أصالة نفي الجزئية والشرطية بنفسهما من
~~غير حاجة إلى الاستتباع، ولا ms212 فرق في ذلك على القول بكونها أسامي للصحيحة أو
~~الأعم.
# نعم يعارض ذلك الأصل بأصل الاشتغال على القول بالصحيح، و لا يعارضه على
~~القول بالأعم، لعدم وجوب الزائد على القدر المشترك بين الاجزاء، ولذا فرق
~~بعض مشايخنا في إجراء الأصل في ماهية العبادات بين
# PageV00P339
# القولين، ولكن الحق عدم الفرق كما بينا في الأصول 1.
# ثم إنه قد يظن أنه لما كان نفي الجزئية أو الشرطية بتبعية نفي الوجوب،
~~فإذا ثبت وجوب شئ بدليل من خارج - كالتسليم وترك التكفير في الصلاة - لم
~~تجر أصالة عدم 2 الجزئية والشرطية.
# ويدفعه: أنه قد يكون للاجزاء والشرائط أحكام اخر مخالفة للأصل تنفى
~~الجزئية والشرطية بتبعيتها.
# مع أن أصالة عدم تعلق الامر به بتبعية الامر المتعلق بما يشك في كونه
~~جزءا أو شرطا له - أي عدم تعلق هذا الامر به، أو عدم ملاحظة التوقف
~~واعتباره - تنفي الجزئية والشرطية مطلقا.
# PageV00P340
# عائدة (38) في بيان أصالة الركنية.
# لا شك في أن الأصل في كل جزء من الاجزاء الواجبة للمأمور به الركنية،
~~بمعنى بطلان المأمور به بتركه عمدا أو سهوا أو جهلا، لا يجاب تركه مطلقا
~~عدم الاتيان به ومخالفته الموجبة لعدم تحقق الامتثال، وإن لم يكن المكلف
~~مقصرا في بعض الصور، فان عدم التقصير لا يستلزم الامتثال جزما، غاية الامر
~~عدم المؤاخذة في نسيانه.
# وأما الركنية بمعنى البطلان بزيادتها عمدا أو سهوا، فاثباتها بالأصل -
~~كما ذكره بعضهم وأصر عليه 1 - غير صحيح، لان زيادة شئ لا يوجب عدم موافقة
~~ما أتى به للمأمور به، والأصل عدم شرطية عدم الزيادة نعم تثبت أصالتها بهذا
~~المعنى في جميع أجزاء الصلاة بدليل اخر، كما نذكره في العائدة الآتية.
# PageV00P341
# عائدة (39) في أن الأصل بطلان الصلاة بزيادة جزء عمدا أو سهوا لأصل في
~~جميع أجزاء الصلاة بطلان الصلاة بزيادتها عمدا أو سهوا، لما رواه الشيخان
~~الجليلان (الكليني والطوسي) بإسناديهما المتصلين إلى أبي بصير قال، قال أبو
~~عبد الله عليه السلام: (من زاد في صلاته فعليه الإعادة) 1.
# وما روياه أيضا باسناديهما المتصل الصحيح إلى زرارة ms213 وبكير قالا، قال أبو
~~جعفر عليه السلام: (إذا استيقن أنه زاد في صلاته المكتوبة لم يعتد بها،
~~واستقبل صلاته استقبالا إذا كان قد استيقن يقينا) 2 ولابد في تحقيق الزيادة
~~المبطلة من بيان معنى قوله: (من زاد في صلاته) و هو يحتمل معنيين:
# أحدهما: أن من زاد صلاته، بمعنى أن يصلي صلاة زائدة عما يجب عليه، كما
~~يقال: زاد في الدار، إذا اشترى دارا أخرى أيضا.
# PageV00P343
# وثانيهما: أن من زاد فيها شيئا.
# والأول يحتاج إلى كون لفظة (في) زائدة، أو إرادة الركعة ومثلها عن
~~(الصلاة) إذ لا تبطل الصلاة بزيادة صلاة أخرى قطعا وكلاهما خلاف الأصل،
~~فالمعنى زاد فيها غيرها ولا يتوهم أنه يقتضي تقدير المفعول لقوله: (زاد)
~~وهو غير معين، لاحتمال الركن أو الركعة أو غيرهما، فيسقط الاستدلال، إذ
~~المبطل هو ماهية الزيادة من غير احتياج إلى التقدير، نحو: من أكل اليوم أو
~~قتل فعليه كذا، فان الشرط مطلق الاكل أو القتل، فالمبطل هو الزيادة، ويكون
~~المفعول 1 نسيا منسيا، كقولهم:
# فلان يمنع ويعطي، فالمبطل الزيادة في الصلاة لا المزيد.
# وقد يستدل للمطلوب - في الجملة - بما في بعض الصحاح: (لا يعيد الصلاة من
~~سجدة ويعيدها من ركعة) 2 ومقابلة الركعة فيها بالسجدة قرينة على أن المراد
~~منها الركوع.
# وفيه: أنه يحتمل الزيادة والنقصان، فلا يتم الاستدلال بها، كما لا يضر
~~حكمها بعدم الإعادة بالسجدة لذلك أيضا.
# والتأمل في الخبرين الأولين باعتبار استلزامهما خروج الأكثر باطل، وان
~~كان عمومهما لغويا أيضا، لمنع خروج الأكثر، لشمولهما العمد والجهل والسهو،
~~و لم يخرج من الأولين شئ مما يصدق عليه الزيادة على ما ذكرنا، ولا من
~~الثاني أكثر الافعال وان خرج أكثر الجزئيات، ولكن المقصود كليات الافعال،
~~ويشترط أن يكون المزيد من أجزائها، لأنه معنى هذا التركيب، فإنه لا يقال
~~لمن أمر ببناء معين على نحو معين، كوضع خمس لبنات وتطيينه إلى ذراعين: إنه
~~زاد في البناء، إلا إذا زاد في اللبنة أو الجص ونحوهما، ولا يقال: إنه زاد
~~فيه لو قرأ حين ms214 البناء شعرا أو فعل فعلا اخر، فيلزم أن يكون المزيد مما يعد
~~من أجزائه، كأن
# PageV00P344
# يزيد في الصلاة قراءة أو تكبيرة أو تشهدا أو ركوعا أو تسليما أو سجودا أو
~~نحوها، وبالجملة: ما يعد من أجزاء الصلاة لو زادها.
# ثم إن ما يزاد فيه شئ: أما ما يعرف ما منه وما ليس منه عرفا، فالمناط ما
~~كان منه عرفا، كالبناء، فلو دخل فيه خشبا يكون قد زاد فيه.
# وأما ما تتوقف معرفة ما منه وما ليس منه على التوقيف الشرعي، فلابد من
~~معرفة كون الزائد من الصلاة أو ليس منها إلى الشرع، وهي إنما تتحقق
~~بالتطبيق على الاجزاء المعلومة، فإنها من الصلاة قطعا، فزيادة مثلها يكون
~~زيادة في الصلاة، وما ليس منها لا يكون زيادة فيها، فلو حرك، يده في الصلاة
~~مثلا لم يكن زيادة في الصلاة.
# وقد يتوهم أنه يكون زيادة إذا اعتقد جزئيتها للصلاة، وهو سهو، لان
~~الاعتقاد لا يكون الا عن دليل، فما لم يدل دليل له على الجزئية لا يمكن له
~~الاعتقاد، إذا دل دليل عليها لا يكون زيادة، بل يكون جزءا من صلاته، إذ
~~معنى صلاته صلاة المكلف بها عنده، وبعد دلالة الدليل تكون هي صلاته.
# نعم يشترط في صدق الزيادة في الصلاة أن يكون الزائد مما يعد جزءا من
~~الصلاة عرفا، فلو كان فعل يتحقق في الصلاة وفي غيرها، لا بد من قصد كونه من
~~الصلاة أو انضمام خصوصية أخرى تختص بالصلاة، كالانحناء، فإنه يتحقق في ركوع
~~الصلاة وفي غيره أيضا، فلا يكون زيادة الا بقصد جعله من ركوع الصلاة أو
~~انضمام الخصوصيات الواردة في الصلاة، كالانحناء بالحد الخاص مع الطمأنينة
~~والذكر، فان مثل ذلك من أجزاء الصلاة.
# وبالجملة: لابد من ضم شئ يصرفه ويطبقه على أجزاء الصلاة لا غيرها.
# ومنه يظهر بطلان الصلاة بالتكفير ونحوه ولا يخفى أيضا أن الزيادة في
~~الاجزاء إنما تتحقق إذا زاد شئ منها على PageV00P345
# القدر المعين شرعا عدده كالركعة والركوع والسجود، أو محله 1 من حيث هو
~~صلاة، ms215 فيزيد إذا أتى به في غير محله أيضا من حيث إنه للصلاة وان لم يعين
~~عدده، كالقراءة بعد الركوع، والتشهد في الركعة الأولى إذا قرأ قبله أيضا، و
~~تشهد بعدها، أما لو اقتصر على غير المحل، فلا يعد زيادة عرفا، بل هو إخلال
~~بالترتيب.
# فلا زيادة ما لم يتعين عدده شرعا وإن تعين قدره الواجب عقلا، مثلا لو أمر
~~بكتابة عشر صفحات، في كل صفحة عشرة أسطر، وشرط عدم الزيادة في الكتابة،
~~فيزيد لو زاد السطر عن العشرة أو الصفحة عنها، بخلاف ما لو كتب في السطر
~~عشر كلمات وإن تأدى الواجب بخمس كلمات مثلا، لصدق السطر، إذ هو مما لم
~~يعينه الامر.
# وعلى هذا فكلما عين الشارع في الصلاة كمية، يكون الزائد عليها زيادة،
~~بخلاف ما لم يعينه الشارع وان عينه الأصل، فلا تصدق الزيادة بتكرار الآيات،
~~ولا السورة، ولا القراءة مطلقا، لولا النهي عن قران السورتين، لان المأمور
~~به مطلق الفاتحة والسورة. فافهم وتتحقق الزيادة بما لم يتعين عدده ولكن عين
~~الشارع محله إذا أتى به في غير محله وفى محله، ولو أتى في غير المحل خاصة
~~لم يكن زيادة.
# ولو أتى أولا بغير المحل، فان قصد الاتيان في المحل أيضا فهو زيادة، وإن
~~لم يقصده، فهو إخلال بالترتيب.
# ولو أتى به سهوا لا تتحقق الزيادة الا بعد أن يفعله في المحل أيضا، فهو
~~سبب تحقق الزيادة، وإن كان الزائد ما وقع في غير المحل.
# وهل الزيادة في أجزاء الفاتحة والسورة - بأن يقرأ جزءا منها في غير محله
~~سهوا، ثم قرأه بعد ذلك - زيادة في الصلاة أم لا؟ فيه نظر، فان الظاهر أن
# PageV00P346
# المصداق: هو زيادة الاجزاء المقررة للصلاة المرتبة، لا جزء الجزء.
# لا يقال: قد ورد في الاخبار أنه (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة: الطهور،
~~والوقت، والقبلة، والركوع، والسجود) 1 وهو يعارض الخبرين المتقدمين.
# لأنا نقول: التعارض بالعموم المطلق، فإنه أعم مطلقا منهما، فيجب التخصيص،
~~وذلك لأنه لا شك أن الإعادة من خمسة تحتاج إلى تقدير ms216 من نقص أو زيادة، إذ
~~لا معنى للإعادة من الخمسة نفسها، ولا شك أن المقدر للوقت والقبلة بل
~~الطهور: النقص والخلل، دون الزيادة، فهو مقدر قطعا، ولا يعلم تقدير شئ اخر،
~~فالمعنى: لا تعاد الصلاة من غير نقصان الخمسة مطلقا، ولا شك أنه أعم مطلقا
~~من الزيادة. والله يعلم.
# PageV00P347
# عائدة (40) في حكم العام والخاص المطلقين والعامين من وجه اعلم أنه قد
~~حقق في الأصول أنه إذا تعارض العام والخاص المطلقين، يخصص العام بالخاص.
# وإذا تعارض العامان من وجه، يرجع إلى الترجيح إن كان، والا فيحكم
~~بالتخيير إن أمكن، والا فيرجع إلى الأصل السابق عليهما.
# وهذا كله ظاهر إذا كان التعارض بين عام وخاص مطلقين أو من وجه، و كثيرا
~~ما يتعدد أحدهما أو كلاهما، لا بمعنى أن يتعدد دليل أحد الحكمين، بأن يتحد
~~موضع المتعددين، لأنه في حكم الواحد، بل مع تعدد الموضوع العام أو الخاص
~~المطلق أو من وجه كما إذا قال: أكرم العلماء، وأكرم الفقهاء، ولا تكرم
~~العالم الفاسق، فهناك عام مطلق، وخاص مطلق متخالفين، وخاص مطلق من العام،
~~ومن وجه من الخاص، والتعارض في الفقيه الفاسق أو قال: أكرم العلماء، وأكرم
~~الخياطين، ولا تكرم الفاسق، فهناك ثلاثة عامات من وجه، والتعارض بين
~~الثلاثة في العالم الخياط الفاسق، وفي العالم الفاسق والخياط الفاسق بين كل
~~اثنين. PageV00P349
# ومن هذا القبيل: ما ورد في الالتفات عن القبلة حيث ورد حديث: (أن
~~الالتفات يقطع الصلاة) 1 واخر: (أن الالتفات لا يقطع) 2 وثالث: (أن
~~الالتفات بكل البدن يقطع) 3 ورابع: (أن الالتفات بالاستدبار يقطع) 4 وخامس
~~بأن (الالتفات الموجب لرؤية الخلف يقطع) 5 ولو لوحظت المفاهيم أيضا، تزداد
~~المعارضات، ففي سادس: (الالتفات بغير الفاحش لا يقطع) 6، وفي سابع:
~~(الالتفات لا بكل البدن لا يقطع) 7، وفي ثامن: (الالتفات الغير الموجب
~~لرؤية الخلف لا يقطع) 8.
# ثم إجراء ما قرر في الأصول من أحكام المتعارضين بين كل متعارضين من هذه
~~الأمور المتعددة في صورة التعدد، يحتمل أحد الوجوه الثلاثة:
# الأول: إجزاؤه بين كل اثنين ms217 من المتعارضين، مع قطع النظر عن جميع
~~المعارضات لكل منهما من هذه الأمور، فيلقى التعارض بين كل متعارضين منها مع
~~قطع النظر عن البواقي، ويحكم بمقتضاه، ثم تجمع المقتضيات، ويعمل فيه مثل
~~ذلك.
# كما يقال في المثال الأول: يعارض لا تكرم العالم الفاسق، مع أكرم
~~العلماء، بالعموم المطلق، فيخصص الثاني، ثم يعارض الأول مع أكرم الفقهاء
~~بالعموم من وجه، فلا يحكم في الفقيه الفاسق بشئ، أو يحكم بالتخيير، ولا
~~تعارض بين الثاني والثالث.
# PageV00P350
# وإذا قال: لا تكرم العلماء، وأكرم الفقهاء، وأكرم العدول، لا تعارض بين
~~الثانيين، ويعارض كل منهما مع الأول بالعموم المطلق، فيخصص الأول بغير
~~العدول، وغير الفقهاء، ويختص عدم الاكرام بالفساق من غير الفقهاء.
# الثاني: إجراؤه بين كل اثنين منها بعد إلقاء التعارض بين كل منهما وبين
~~سائر معارضاته، والحكم بمقتضاه، فيؤخذ كل خير مع كل من معارضاته، و يعمل
~~فيه بمقتضى التعارض، ثم يعارض مع معارض اخر.
# ففي المثال السابق يخصص لا تكرم العلماء أولا بأكرم الفقهاء، لكونه أخص
~~منه مطلقا، ثم يعارض مع أكرم العدول، ويكون التعارض حينئذ بالعموم من وجه.
# والثالث: أن يعارض كل عام أو خاص مع واحد من معارضاته، مع ملاحظة ماله من
~~سائر المعارضات، فيعمل فيه بمقتضى ما يقتضيه التعارض، بمعنى أن يلاحظه كونه
~~ذا معارض كذائي من غير أن يعمل بمقتضى تعارضهما أولا.
# ومحصل الوجوه الثلاثة: أنه إما يجرى القاعدة المقررة للمتعارضين بين كل
~~اثنين من هذه الأمور من غير ملاحظة وجود سائر المعارضات لكل منهما، ومن دون
~~إجراء القواعد المقررة بينه وبين كل منهما، وهو الوجه الأول أو تجرى
~~القاعدة بين كل اثنين منها بعد ملاحظة وجود سائر المعارضات لكل منهما،
~~وإجراء القواعد المقررة بينه وبين كل منها، وهو الوجه الثاني.
# أو تجرى القاعدة بين كل اثنين، مع ملاحظة وجود سائر المعارضات لكل من دون
~~إجراء حكمه.
# فيقال: هذا الخبر مع وجود هذا المعارض يخصص ذلك أولا يخصصه.
# ثم نقول: أنه لا شك أن الأول باطل، لان بعد وجود المعارض ms218 واحتمال اختلاف
~~الحكم معه، لا وجه للاغماض وقطع النظر عنه.
# وكذا الثاني، تقديم إجراء قواعد بعض المعارضات تحكم بحث فاسد، لان الكل
~~قد ورد علينا دفعة واحدة، بمعنى أن المجموع في حكم كلام واحد PageV00P351
# بالنسبة إلينا، فيجب العمل فيه بمقتضى الجميع، وإجراء الكل يؤدي غالبا
~~إلى الدور الباطل، أو التسلسل.
# فتعين الثالث، وهو الموافق للتحقيق، كما لا يخفى على المحقق الدقيق.
# ثم توضيح ذلك بالمثال: أنه إذا ورد خبر: أن الالتفات عن القبلة يقطع
~~الصلاة، واخر: أن الالتفات لا يقطعها، وثالث: أن الالتفات بكل البدن
~~يقطعها، ورابع: أن الالتفات إلى غير الخلف لا يقطعها.
# فالأول يعارض الثاني بالتباين، والرابع بالعموم المطلق، ولا يعارض
~~الثالث، والثاني يعارض الثالث بالعموم المطلق، ولا يعارض الرابع، والثالث
~~يعارض الرابع بالعموم من وجه، والمفروض الاجماع على انتفاء التخيير في
~~المسألة.
# فعلى الوجه الأول: يحكم لتعارض الأولين بالرجوع إلى الأصل، وهو عدم
~~القطع، ثم يحكم لتعارض الأول والرابع بعدم القطع في غير الخلف، ثم لتعارض
~~الثاني والثالث بالقطع مع الالتفات بالكل، ثم لتعارض الثالث والرابع
~~بالرجوع إلى الأصل في الالتفات بالكل إلى غير الخلف، وبعدم القطع في
~~الالتفات بغير الكل إلى غير الخلف، وبالقطع في الالتفات بالكل إلى الخلف.
# وبهذا يتم إجراء القواعد في هذه الأربعة، ومع ذلك يبقى حاصل تعارض الأول
~~والرابع معارضا لحاصل تعارض الثاني والثالث بالعموم من وجه، وذلك أيضا
~~يحتاج إلى أعمال القواعد، ومحصله بعينه محصل تعارض الثالث والرابع، فيحكم
~~بالقطع في الالتفات بالكل إلى الخلف، وبعدمه في الالتفات بغير الكل إلى غير
~~الخلف ويرجع في البواقي إلى الأصل وعلى الوجه الثاني: لابد من تخصيص الأول
~~بالرابع أولا، ثم معارضته مع الثاني بعد تخصيص الثاني بالثالث أيضا، وكل
~~ذلك بعد ملاحظة تعارض الثالث والرابع، وإجراء القاعدة فيهما، ولابد من
~~إجراء القاعدة فيهما أيضا، بعد ملاحظة تعارض كل منهما (مع الأولين بشرط أن
~~يكون ملاحظة تعارض الأولين PageV00P352
# أيضا بعد ملاحظة تعارض كل منهما معه) 1 وهكذا، بل لا يقف على حد.
# وعلى الوجه ms219 الثالث: يقال إن الرابع أخص مطلقا من الأول، ولكنه معارض مع
~~الثالث، فيخصص الأول بالرابع في غير موضع تعارضهما، إذ لم يثبت من أدلة
~~تخصيص العام بالخاص أنه يخصصه مع وجود المعارض أيضا.
# ولا يخفى أن الأكثر عدم تفاوت المحصل على أي وجه كان العمل.
# نعم يتفاوت في بعض الصور، كما إذا كان هناك عامان مطلقان متخالفان، و
~~خاصان منهما متوافقان، كقوله عليه السلام: الالتفات يقطع، والالتفات لا
~~يقطع، و بالكل يقطع، والى الخلف يقطع، فعلى الوجه الثالث يخصص العام الثاني
~~بالخاصين، لكونهما أخصين مطلقا منه، وعلى الأولين الاختصاص الثاني بأحد
~~الأخيرين، يكون تعارضه مع الاخر بالعموم من وجه، فيتفاوت الحكم.
# ولا يخفى أيضا: أنه لا يتفاوت الحال فيما إذا كان أحد المتعارضين قطعيا
~~كالاجماع، والاخر غير قطعي بعد ثبوت حجيته، لان بعد ثبوت الحجية يكون حكمه
~~حكم القطعي، فإنه لو كان بدل قوله: وإلى الخلف يقطع، الاجماع على القطع،
~~حينئذ نقول: أنه كما أن الاجماع يخصص العام المطلق، كذلك الخبر الخاص، لأنه
~~أيضا حجة كالاجماع، فافهم واضبط، فإنه من المسائل المهمة المشكلة.
# PageV00P353
# عائدة (41) في بيان بطلان حجية مطلق الظن.
# قد بينا في كتبنا الأصولية - كالمناهج 1، وأساس الاحكام، وشرح تجريد
~~الأصول، ومفتاح الاحكام - فساد ما ظهر بين الطلبة في زماننا، بل برز عن بعض
~~علمائنا وأعياننا - رفع الله أقدارهم - من أصالة حجية الظن في أحكام الله
~~سبحانه في زمان الغيبة، حتى لم يقتصر بعضهم على ظن المجتهد، وتعدى إلى ظن
~~العوام، وبنى تقليدهم للعلماء عليه 2.
# وذكرنا أن هذا مخالف لاجماع الشيعة، بل بطلانه ضروري من مذهب الإمامية ،
~~وهذه المسألة هي الفارقة بين الفرقتين، العامة والخاصة بعد مسألة الإمامة،
~~ولذا ترى أحاديثنا متفقة على النهي عن العمل بالظنون 3، وعلماءنا مجتمعين
~~على دعوى الاجماع على أصالة عدم حجيتها.
# وأن ما قد يوجد في كتبهم من الاستدلالات الظنية التي هي غير الظنون
~~المخصوصة، فإنما هي في مقام الرد على العامة، كاستدلالهم بروايات أضراب
# PageV00P355
# عائشة وأبي هريرة، التي امتلأت من الاستدلال بها كتب أعيان ms220 الطائفة،
~~كالانتصار، والمبسوط، والمعتبر، والمنتهى، والتذكرة.
# ولذا تراهم يردون ما استدلوا به في مقام اخر.
# كما أن المحقق والعلامة تراهما يقولان: الاستصحاب حجة الظن البقاء 1، و
~~يقولان: خبر مجهول الحال ليس بحجة، لأنه لا يفيد غير الظن، وهو ليس بحجة 2،
~~إلى غير ذلك ثم إن بعض الأجلة في هذه الأيام قد سألني في ضمن مراسلة فارسية
~~أن أكشف له ما خفي عليه من فساد عمدة ما يستدلون به على هذه الأصالة من
~~الأدلة الثلاثة التي عليها تعويلهم، فبينته على وجه تقر به أعين الناظرين،
~~وتسر به قلوب الكاملين، ولما كان ذلك طباقا لسؤاله بالفارسية، التمس مني
~~بعض من أعتني بشأنه أن أذكرها بالعربية، وأجعلها عائدة من عوائد هذا
~~الكتاب، فقابلت التماسه بالقبول والإجابة، فأقول سائلا من الله سبحانه
~~التوفيق والدراية:
# لا خلاف بين علماء الفرقة المحقة في أن الأصل الابتدائي: عدم حجية الظن
~~مطلقا، ولا يجوز التمسك بظن ما لم يكن برهان قطعي ودليل علمي على حجيته.
# إنما الخلاف في أنه هل يوجد مزيل لذلك الأصل أم لا؟ وعلى فرض الوجود هل
~~يخرج بعض الظنون أو مطلقه إلا ما منع منه الدليل؟ أي صارت حجيته أصلا
~~ثانويا.
# فذهب جمع من الأخباريين إلى أنه لم يخرج ظن من تحت ذلك الأصل مطلقا، وليس
~~الظن حجة أصلا، ولا يجوز العمل الا بالأدلة القطعية، وهؤلاء يدعون قطعية
~~الاخبار.
# ولما رأى جمع اخر من متأخري الأخباريين ظهور فساد هذه الدعوى، قالوا:
# PageV00P356
# إن المراد من قطعية الاخبار قطعية حجيتها 1. وذلك عين القول بحجية الظن
~~الخبري بواسطة الدليل القطعي.
# وذهب جمع من قدماء المجتهدين أيضا إلى عدم حجية الظن، وانحصار الحجة في
~~العلم 2 ومذهب أكثر المجتهدين، بل جميع المتأخرين منهم: وجود المخرج عن
~~الأصل الابتدائي، وعدم انحصار الحجة في العلم نعم الكلام الذي بينهم هو أن
~~الخارج هل هو الظن في الجملة - وبعبارة أخرى بعض الظنون، وبثالثة ظنون
~~مخصوصة - أو مطلق الظن إلا ما منع منه الدليل؟ حتى يكون الأصل الثانوي حجية
~~الظن.
# فمعظم المجتهدين ms221 من الشيعة، بل قاطبتهم، بل إجماع الفرقة المحقة على أنه
~~لم يخرج مطلق الظن، بل الخارج ظنون مخصوصة 3.
# وقال بعض علماء عصرنا بخروج مطلق الظن، وأصالة حجيته 4، وظني أنه مما لم
~~يقل به أحد من علمائنا السابقين، وسلفنا الصالحين.
# وأما ما قد يوجد في بعض عباراتهم مما يستشم منه رائحة حجية الظن باطلاقه،
~~أو يستلزمها، مع تصريحاتهم بخلافه، فقد بينا السر فيه في كتبنا على وجه شاف
~~كاف 5 وأما ما يوجد في بعض كلماتهم من اطلاق حجية ظن المجتهد 6، فمع أن هذا
~~الاطلاق إنما هو في مقابل السلب الكلي، والغرض منه الرد عليه لا للاثبات
~~الكلي، لا دلالة له على أصالة حجية الظن، لأنه كما أنهم يصرحون به، ينبئ
# PageV00P357
# تعليق شئ على وصف عن عليته، فالمراد أن ظن المجتهد من حيث إنه مجتهد، أي
~~ظنه المستند إلى اجتهاده حجة.
# ويعرفون الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع في تحصيل الظن من الأدلة الشرعية،
~~والدليل الشرعي عبارة عما ثبت شرعا كونه دليلا، فمعنى حجية ظن المجتهد:
# حجية ظن حاصل من دليل ثبت حجيته شرعا، وذلك غير حجية مطلق الظن، أو أصالة
~~حجيته، فمرادهم هو حجية الظنون المخصوصة وملخص ما ذكر: أن في حجية المظنة
~~وعدمها خلافين بين علماء الشيعة:
# أحدهما: أنه هل يكون ظن حجة أم لا، بل تنحصر الحجة في العلم؟
# وثانيهما: أنه على فرض الحجية، فهل الحجة مطلق الظن، والأصل حجيته أم لا،
~~بل الحجة بعض من الظنون؟
# أما الخلاف الأول: الذي هو بين الأخباريين، ومعظم المجتهدين، فالحق مع
~~المجتهدين، بمعنى الايجاب الجزئي في مقابل السلب الكلي، كما ذكرنا وجهه في
~~موضعه، وليس هو أيضا محط سؤال جناب السائل سلمه الله.
# وأما في الخلاف الثاني: الذي هو بين معظم المجتهدين بين شاذ من متأخري
~~متأخريهم، فالحق فيه أنه ليس مطلق الظن حجة، وليس الأصل حجيته، إذ ليست
~~الحجية إلا وجوب المتابعة، ومن القواعد المسلمة بين جميع أرباب المعقول
~~والمنقول والمدلول عليه بالحجج العقلية والنقلية: أن الأصل عدم وجوب شئ حتى
~~يثبت ms222 وجوبه بدليل قاطع، وبرهان واضح.
# مضافا إلى أنه قد عرفت: أن الأصل الابتدائي باجماع الجميع، هو عدم حجية
~~الظن، فالخروج منه يحتاج إلى دليل، ولم أجد على أصالة حجية الظن دليلا، مع
~~أنه اجتهدت في تحصيله أعواما، وتفحصت عنه تفحصا بليغا ليالي كثيرة وأياما.
~~PageV00P358
# وبعض الأدلة - الذي ذكره بعض فضلائنا 1 - ليس إلا كسراب بقيعة يحسبه
~~الظمآن ماءا، ولو نظر فيه المحقق بنظر التحقيق، يجده أنه لا يسمن ولا يغني
~~من جوع.
# ونحن قد ذكرنا تلك الأدلة مع ما يتعلق بها في كتبنا الأصولية 2، ونذكر
~~هنا كلمات قليلة يكون لك أنموذجا، وهو أن أقوى أدلتهم ثلاثة:
# الدليل الأول: دليل انسداد باب العلم.
# وتقريره مع تحرير مني: أن هذا الزمان وما شابهه زمان بقاء التكاليف، و
~~انسداد باب العلم بها، وكلما كان الزمان زمان بقاء التكاليف وانسداد باب
~~العلم بها، يجب العمل فيه بالظن من حيث هو هو، ففي هذا الزمان يجب العمل
~~بالظن من حيث هو هو ولا يخفى أن تتميم ذلك الدليل يتوقف على تمامية صغراه
~~وكبرا، وتمامية الصغرى تتوقف على ثبوت أمرين لم يثبت شئ منهما، وتمامية
~~الكبرى تتوقف على تمامية أمور ستة يثبت شئ منها أو أكثرها.
# أما الأمران اللذان يتوقف الصغرى عليهما، فأولها: بقاء التكاليف زائدا
~~على القدر المعلوم، وثانيهما: انسداد باب العلم في تلك الأزمان.
# أما الأول: فلا مضايقة لنا في القول به بعد إثبات حجية الاستصحاب والكتاب
~~والخبر ونحوها 3، ولكن لا فائدة له في ذلك المقام، إذ لو فرضنا ثبوت
~~حجيتها، لم يبق حاجة لنا في تلك الأحكام إلى التمسك بالظن من حيث هو، بل
~~يكون دليل هذه الأحكام هو الاستصحاب أو الكتاب أو السنة مثلا.
# فالذي يفيد للمستدل في ذلك المقام: هو الدليل العلمي القطعي على بقاء
# PageV00P359
# تكاليف وأحكام زائدة على القدر المعلوم، لا الدليل الظني، ولو تمسك له
~~بدليل ظني، يمنع الخصم حجيته، إذ لم يثبت بعد حجية مطلق الظن أو الظن
~~المخصوص، وإلا لم يكن محتاجا إلى هذا القيل والقال.
# فالحكم ms223 ببقاء أحكام اخر غير المعلومات في هذا المقام يحتاج إلى دليل
~~علمي، ولا مستند علمي له أصلا من الشرع، ولا من العقل أما من الشرع: فلان
~~الدليل القطعي الشرعي في هذه الأزمان لا يكون إلا اية محكمة من الكتاب، أو
~~خبر متواتر، أو محفوف بالقرينة المفيدة للقطع، أو الاجماع القطعي، ولا
~~دلالة لشئ منها على ذلك المطلب.
# أما الكتاب: فمعلوم، بل تدل مواضع عديدة منه على خلاف ذلك، مثل قوله
~~سبحانه (لا يكلف الله نفسا الا ما آتاها) 1 والآيتان حقيقة في اليقين، إذ
~~لا يعلم في غير اليقيني أنه مما قال الله سبحانه: وأتى به وقوله تعالى:
~~(فجعلتم منه حراما وحلالا قل أألله أذن لكم أم على الله تفترون) 2 قصر
~~سبحانه مستند الحكم بالحلية والحرمة على الاذن والافتراء على الله، فما لم
~~يوجد فيه الاذن - الذي هو العلم بالرخصة - لا يكون حكما لله سبحانه، بل
~~يكون محض الافتراء عليه وقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) 3 وقوله
~~عز شأنه: (وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) 4 إلى غير ذلك وأما الاخبار:
~~فمن الأمور الواضحة أنه ليس في هذه الأزمان خبر متواتر، أو محفوف بالقرينة
~~العلمية على مطلب، والآحاد منها كما ذكر لا تفيد في المقام، مع أن الآحاد
~~منها دالة على خلاف مطلوبهم.
# PageV00P360
# بل لنا أن نقول: أن الأخبار الدالة على عدم بقاء حكم في غير المعلومات
~~بلغت حد التواتر المعنوي، مثل قولهم عليهم السلام: لا تكليف إلا بعد
~~البيان) 1 و (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) 2 و (وضع عن أمتي ما لا يعلمون) 3
~~و (ما حجب الله علمه عن العباد، فهو موضوع عنهم) 4 و (كل أمر مشكل يرد حكمه
~~إلى الله ورسوله) 5 ومن لم يعرف شيئا هل عليه شئ؟ قال: (لا) والاخبار
~~المتجاوزة عن حد الاحصاء، الناهية عن العمل بغير العلم، والامرة بالتوقف
~~فيما لا يعلم 7، وغيرها.
# فان قيل: قد ورد في الأخبار الكثيرة: أن لكل شئ حكما ms224 بينه رسول الله صلى
~~الله عليه وآله وسلم حتى أرش الخدش، وأحكام الخلاء، والجلدة، ونصف الجلدة
~~8.
# قلنا أولا: إنها أخبار آحاد لا تفيد شيئا غير الظن.
# وثانيا: إنه ليس مدلول تلك الأخبار الا أن كلما كان له حكم، فقد بينه
~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، لا أن لكل شئ حكما وبينه الرسول، وشتان ما
~~بينهما.
# وثالثا: إن المقدمة المأخوذة في الصغرى لم تكن وجود أحكام غير المعلومات،
~~بل بقاء أحكام غير معلومة، والكلام إنما هو في أنه هل باق للذين سد عنهم
~~باب العلم أحكام غير معلومة، أم لا؟
# PageV00P361
# وبون بعيد بين حكم الرسول بحكم، وبين بقائه للجاهل الغير المتمكن من
~~الوصول إليه.
# الا ترى أن جمعا من العلماء حكموا بمعذورية الجاهل الساذج بالمرة، و
~~وضعوا عنه الحكم، وأجمعوا على وضع الحكم عن الجاهل في بعض الموارد، و ما
~~الضرر في أن الرسول يحكم لشئ بحكم، وكان هو لمن وصل إليه هذا الحكم بالطريق
~~العلمي، أو الظن الثابتة حجيته؟ بل الامر كذلك لا محالة، ولا حكم لمن لم
~~يصل إليه، وعبارة (رفع عن أمتي) و (وضع) صريحة فيه.
# وقد أجمع جميع العلماء بل صار ضروريا من دين سيد الأنبياء صلى الله عليه
~~وآله وسلم: أن المستضعفين والذين لا خبر لهم عن حكم أصلا معذورون، ولا
~~يتعلق بهم الحكم.
# بل لنا ها هنا كلام اخر، وهو أنه ما أراد بأحكام الله التي أتى بها النبي
~~(ص) في كل واقعة بمدلول تلك الأخبار، ويحكم ببقائها إلى هذا الزمان؟
# فإنه إما يراد: أن لله سبحانه في كل واقعة في حق جميع المكلفين حكما
~~واقعيا واحدا معينا غير متبدل، هو حكم لجميع المكلفين، حكم به وقرره، وهو
~~باق لنا ولغيرنا، يجب على الكل العمل بهذا الحكم الواحد، والآتيان به، و
~~يعاقب تاركه، والمنحرف عنه أو يراد: أن لله سبحانه في كل واقعة لكل أحد
~~حكما يجب عليه العمل به و إن لم يكن ذلك الحكم معينا، بل تعيينه منوط بنظر
~~المكلف وسعيه واجتهاده؟ ms225
# فان كان المراد الأول: فلا يتفرع عليه وجوب العمل بالظن أصلا، بل يناقضه،
~~لأنه إذا وجب العمل بشئ معين، والآتيان به البتة، فالمظنون يمكن أن يكون
~~هو، وأن يكون غيره، فالاتيان بالمظنون لا يعلم أنه الاتيان بما فرض وجوب
~~الاتيان به البتة، ومع ذلك هو مخالف لاجماع جميع المسلمين، إذ معنى وجوب
~~العمل بشئ معين واحد أنه يعاقب بتركه والانحراف عنه، فلو كان الله سبحانه
~~في كل واقعة، أو في الجملة لجميع المكلفين حكما معينا واحدا غير ساقط عنهم
~~- PageV00P362
# كما هو معنى البقاء - لزم عقاب غير واحد من المجتهدين ومقلديه طرا،
~~الاتحاد الحكم المعين وتفاوت الأعمال واختلافها جدا، فان غير الواحد غير آت
~~بذلك المعين قطعا، فان المعين لا يختلف فان قلت: إن عدم عقابهم لأجل أنهم
~~مكلفون بمقتضى فهمهم ذلك الحكم المعين قلنا: مع أن فهمهم ليس إلا بطريق
~~الظن الجائز الخطأ، الذي يوجب التعبد به عدم بقاء ذلك المعين: إن التكليف
~~بمقتضى الفهم المختلف قطعا عين القول بعدم بقاء ذلك المعين، واختلافه
~~باختلاف الافهام، وإذا جاز سقوطه وعدم بقائه باختلاف الفهم، فلم لا يجوز
~~عدم البقاء باختلاف انسداد باب العلم به و انفتاحه؟
# وبالجملة: لو كان المراد من الحكم ذلك، لكان الحكم ببقائه ووجوب العمل به
~~باطلا ضرورة.
# وان كان المراد الثاني: فمع أنه لا يوافق مذهب المخطئة، بل مخالف لاجماع
~~الشيعة، لا ربط لتفريع وجوب العمل بالظن عليه، إلا بعد ثبوت أن ذلك الحكم
~~هو الذي ظنه المكلف أنه حكم الله في حقه.
# وبالجملة: لا معنى محصل للحكم ببقاء الاحكام قبل إثبات وجود العلم أو ظن
~~دل على اعتباره دليل علمي، بل يمكن إجراء هذا الكلام في أصل المقدمة التي
~~تمسكوا بها، وهي قولهم: التكليف باق في هذه الأزمان.
# فان قلت: فكيف الحال في ذلك المجال؟
# قلنا: القدر المعلوم الثابت - كما ذكرناه في محله - أن لله أحكاما في
~~وقائع، أو حكما في كل واقعة يحسب العمل به على من عنه فحص، وإليه وصل علما
~~أو ظنا دل ms226 على اعتباره قاطع، وهو أيضا علم، والفحص عنه واجب شرعا وعقلا،
~~فاللازم أولا هو الفحص، فان فحص ووجد إليه سبيلا من العمل أو ظن ثابت
~~الحجية، فيحكم ببقائه ووجوب العمل به، وإلا فليس باقيا، بل هو ساقط
~~PageV00P363
# مرتفع، والمرجع بعد رفعه وسقوطه إلى عدم الحكم، أو الحكم بالإباحة
~~العقلية.
# وأما الاجماع القطعي على بقاء أحكام من الله غير المعلومات، فادعاؤه ليس
~~إلا شططا من الكلام، وأي سبيل إلى ثبوت ذلك الاجماع!؟ مع أن الاجماع لا
~~يثبت الا بتصريح تمام العلماء، أو إلا من شذ منهم وفتواهم، ولم يصرح أحد من
~~العلماء المتقدمين والمتأخرين الذين يعتنى بأقوالهم، ويصير فتاواهم مصدرا
~~للحكم بالاجماع بذلك، بل ذكر جمع منهم خلافه، وقالوا: يثبت بقاء حكم غير
~~المعلومات، كالفاضل المحقق جمال الدين الخوانساري في حواشي شرح العضدي،
~~شيخنا بهاء الدين العاملي في أربعينه، ومولانا خليل القزويني، وجمع من
~~الأخباريين 1 وما قد يجري على ألسنة بعض طلبة عصرنا من أن بقاء الحكم في كل
~~واقعة إجماعي، ليس إلا من باب التقليد وقلة التتبع وقد يتوهم ثبوت الاجماع
~~من عدم اقتصار أحد من العلماء على المعلومات، بل قيل: كون كل مكلف من بدو
~~البعثة إلى قيام القيمة مكلفا في كل واقعة ببناء العمل على واحد من الأحكام
~~الخمسة ولو على الإباحة العقلية مما انعقد عليه إجماع الأمة.
# ألا ترى إلى فرق المسلمين أنهم لا يحصرون تكاليفهم في معلوماتهم، ولا
~~يتسامحون فيما يترددون في حكمه معتذرين بعدم ثبوت وجوب البناء على حكم 2،
~~بل يتفحصون عن مدارك الواقعة، فان وجدوا لها دليلا خاصا، أخذوا
# PageV00P364
# بمقتضاه، وإلا رجعوا إلى العمومات مع وجودها، والا فإلى حكم ما لا نص
~~فيه.
# فلزوم الفحص عن الحكم في كل واقعة، والبناء على مقتضى الدليل مما انعقد
~~عليه الاجماع، مع أن مقتضى العقل والنقل: عدم تحقق واقعة إلا ولها حكم،
~~وأيضا تعلقت الاحكام بكثير من الكليات والجملات، وتفاصيل هذه غير معلومة،
~~فثبوت التكليف بها مما لا يمكن منعه، وتتم الكلية بعدم الفصل.
# ولا يخفى ms227 أن ذلك ليس الا من عدم التأمل، والبعد عن مراحل التحقيق.
# ولبيان ذلك نقدم أولا مقدمة ذكرناها في بعض كتبنا، وهي أن الاجماع على
~~حكم هو الاتفاق الكاشف عن حكم المعصوم بذلك الحكم، وهو إما قولي أو فعلي
~~والمراد بالأول: ما علم الاجماع بفتاوي المجمعين وأقوالهم، كتصريحهم بأنه
~~يجب كذا مثلا، أو تصريحهم بأن خبر الواحد حجة.
# وبالثاني: ما علم بأفعالهم وأعمالهم، كغسل الجميع - مثلا - ثوبهم من
~~ملاقاة بول ما لا يؤكل، وكعملهم بالآحاد، واستدلالهم بها.
# وكما يشترط في إثبات الحكم المطلق بالأول إطلاق حكمهم وفتاواهم، و في
~~إثبات الحكم به لنا وفى حجيته في حقنا، اندراجنا تحت اطلاق قولهم أو عمومه،
~~فلا يمكن إثبات الحكم المطلق، ولا يثبت الاجماع عليه أو على ما يشملنا إلا
~~بالعلم باطلاق الفتاوى أو شمولها لنا كلا، ولا يثبت الاجماع على المطلق، أو
~~على ما يشملنا إذا كانت الفتاوى - ولو بعضها الذي له مدخلية في ثبوت الكشف
~~- مقيدا، بل ولو محتمل التقييد، فكذلك يشترط في إثبات الحكم المطلق في حقنا
~~بالثاني: العلم بمساواة الجميع للعاملين، أو مساواتنا لهم في جميع الحالات
~~التي يحتمل مدخليتها في تعلق ذلك العمل بهم، وانتفاء الفارق بينهم وبين
~~الباقين من جهة ما يمكن أن يكون له مدخلية في ذلك العمل، وسببا له، وموجبا
~~إياه.
# فلو رأينا ولاحظنا جماعة من العلماء الذين يكشف اتفاقهم على أمر عن رأي
~~المعصوم أو عمله، أنهم أفطروا يوم شك وجوبا مثلا، ولكن كان الجميع مسافرين
~~PageV00P365
# أو جوزنا كونهم كذلك، لا يثبت منه إجماع على وجوب الافطار في ذلك اليوم
~~مطلقا، أو في حقنا ولو لم نكن مسافرين.
# ألا ترى أنه لو علمنا قطعا: أن جميع العلماء الامامية، بل علماء الأمة،
~~بل جميع الأمة شربوا دواءا خاصا، أو كل منهم دواءا وجوبا شرعيا، ولكن شربت
~~طائفة لصداعه، وأخرى لوجع عينه، وثالثة لوجع أذنه، ورابعة لوجع ضرسه، و
~~خامسة لوجع بطنه، وسادسة لسلسه، وسابعة لورم رجله، وهكذا، أو جاز كون شرب
~~كل طائفة لمرض، لا يحكم ms228 بوجوب الشرب المطلق، أو علينا مع خلونا عن الأمراض،
~~وافتراقنا عنهم به، وذلك ظاهر جدا وإذا عرفت هذه المقدمة، نقول: هل زعمك أن
~~هذه الطوائف الغير المحصورة من فرق المسلمين الذين بنوا عملهم في كل واقعة
~~على حكم من الأحكام الخمسة ، ولم يقتصروا في تكاليفهم على المعلومة، كان
~~بناؤهم هذا بعد أن جعلوا دليلا ظنيا حجة لأنفسهم، وأثبتوا بالبرهان القطعي
~~حجيته لهم، وعلموا شرعا كونه دليلا لهم، أم لا؟
# فان قلت: لا، وكان عملهم بالدليل الظني، واستخراجهم الحكم منه، و
~~استنباطهم التكاليف الغير المعلومة قبل إثبات حجيته، فلا تستحق جوابا غير
~~السكوت والضحك.
# وإن قلت: كان بعد إثبات حجية دليل ظني كالخبر أو الشهرة، أو مطلق الظن،
~~فأي نسبة بينهم وبيننا في هذا الحال التي لم يثبت علينا حجية ظن بعد؟ و أي
~~مشابهة ولأي جهة أخذنا ذيلهم ونعد وقفاهم؟ مع أن الفرق بينهم وبيننا من
~~الأرض إلى السماء، ونحن أيضا لو فهمنا حجية دليل ظني وأثبتناها، نكون مثلهم
~~البتة، ونعمل في غير المعلومات كما يعملون هل كان رجوعهم إلى الدليل الخاص،
~~ومع فقده إلى العمومات، ومع انتفائها إلى حكم ما لا نص فيه بعد ثبوت حجية
~~ذلك الدليل الخاص، وتلك العمومات، وعلم حكم ما لا نص فيه، أو قبله؟ ظاهر
~~أنه كان بعده PageV00P366
# فان ثبت لك أيضا حجية هذه وعلمتها، فلم لصقت بذنب الظن وتجره، بل اعمل
~~بها، وارفع يدك عن الظن الضعيف السقيم وان لم يثبت، فأين أنت وأين هذه
~~الطوائف؟
# وقد غفل ذلك المسكين عن أنه لو ثبت الاجماع بهذا الطريق، يصير عدم حجية
~~الظن إجماعيا قطعيا باعترافهم، فإنهم معترفون بان في زمان حضور أصحاب
~~الإمام - الذين كان اتفاقهم كاشفا عن قول المعصوم قطعا، لتمكنهم من العلم -
~~ما كانوا يعملون بالظن، ويحرمون العمل به، ويحملون الأخبار المتواترة
~~الناهية عن العمل بالظن عليهم، فلو ثبت إجماعهم على عدم حجية الظن، فأنت لم
~~لا ترفع اليد عنه، وأخذت برجله وتجره؟
# فان قلت: فرق بيننا وبينهم، فإنهم لا يعملون به ms229 لانفتاح باب العلم عليهم،
~~ولولاه لعملوا به.
# قلنا: هذا الفرق بعينه بيننا في هذا الوقت وبين العلماء المتقدمين متحقق،
~~لأجل ثبوت حجية بعض الأدلة الظنية لهم، وعدمه بالنسبة إلينا بعد، ولولا
~~ثبوت حجية الدليل الظني لهم، لم يتجاوزوا من المعلومات قط، كما أنك أيضا
~~متجاوز عنها بعد ثبوت حجية مطلق الظن، أو ظن مخصوص وأما الاجماع على الفحص
~~الذي ادعاه، فهو مسلم، بل هو مدلول عليه بالدليل القطعي العقلي والنقلي،
~~كما بيناه في موضعه، ولا كلام حينئذ في وجوب الفحص عن الحكم.
# إنما الكلام في أن بعد الفحص، هل يكون لنا حكم وتكليف سوى المعلومات؟
# وأما ادعاء أن مقتضى العقل والنقل عدم تحقق واقعة لا حكم لها، فان أراد
~~النقل الظني، فلو سلم وجوده، فما الفائدة فيه؟ وإن أراد القطعي فأين هو؟
# وأما العقلي فستعلم كيفيته، على أنه لا أدري لم نسي الاخبار المتكثرة
~~PageV00P367
# المصرحة بقوله: (اسكتوا عما سكت الله) 1 و (رفع عن أمتي) 2 و (وضع) 3
~~وأمثالها التي هي صريحة في أن بعض الوقائع مسكوت عنه، وأحكام البعض موضوع
~~ومرفوع وأما ادعاء أن بعض الأحكام متعلق بالكليات والمجلات التي لا يعلم
~~تفاصيلها، فالتكليف يكون ثابتا في التفاصيل الغير المعلومة، فيجب الرجوع
~~إلى الظن، فكلام سطحي واه، إذ بعد ثبوت التكليف بالكلي أو المجمل، لأي جهة
~~يثبت التكليف بالجزئي أو التفصيل؟
# قال الشارع: أعتق رقبة مؤمنة مثلا، وهو كلي أو مجمل، ولم يبين أن الرقبة
~~رومية أو حبشية، بيضاء أو سوداء، قصيرة أم طويلة، جميلة أم كريهة، شابة أم
~~شائبة، صغيرة أم كبيرة، مهزولة أم سمينة، بليدة أم فطنة، إلى غير ذلك،
~~فنقول: لا تكليف في هذه الخصوصيات وكذا قال: تجب القراءة في الصلاة، فلو لم
~~يبين أنها جهرية أم إخفاتية، تكون بالنسبة إليهما كلية أم مجملة، ولا يكون
~~بالنسبة إليهما تكليف وحكم، بل المكلف مختار في الاتيان بأي منها شاء.
# لا يقال: التخيير أيضا حكم من الاحكام لان التخيير على قسمين، أحدهما:
# ما ثبت لأجل حكم الشارع ms230 بالتخيير. وثانيهما: ما كان بحكم العقل، لا بمعنى
~~أن يحكم العقل بأن الشارع حكم بالتخيير، بل لما لم يحكم الشارع فيه بحكم،
~~يكون المكلف فيه مطلق العنان، وهذا غير الحكم الشرعي.
# والملخص: أن تخيير المكلف ناشئ تارة عن حكم الشارع بالإباحة، وهو من
~~الأحكام الشرعية، وأخرى من عدم الحكم وفقدانه، وهذا حكم العقل دون الشرع،
~~وهذا أحد معنيي الإباحة العقلية، ومعناه الاخر: حكمه بالاختيار شرعا، وهذا
~~حكم شرعي ثابت بالعقل
# PageV00P368
# ألا ترى لو سألك المجنون أو الطفل - الذي ليس محلا للتكليف ومتعلقا لحكم
~~من الأحكام الخمسة باتفاق العقلاء والضرورة الدينية - إني هل أفعل الفعل
~~الفلاني أم لا؟ تقول لا محالة: أنت مختار، إن شئت افعل، وإن شئت لا تفعل بل
~~لو سئلت أن الحمار بعد أكل الشعير هل يقوم أو ينام؟ تقول: كل ما يريد.
# وهذه الاختيارات أو مطلق العنانية إنما هي لأجل عدم الحكم، لا لأجل تعلق
~~الحكم الشرعي بل لو سئلت عن عمل شخص في زمان قبل البعثة الذي لا حكم ولا
~~تكليف فيه باعتراف الخصم، وتخصيص زمان التكليف بأول البعثة إلى يوم الحشر،
~~تقول: إنه مختار، ومطلق العنان.
# وقد ظهر مما ذكرنا: أنه لا دليل نقليا قطعيا أصلا على ثبوت التكليف
~~وبقائه في غير المعلومات.
# وأما الدليل العقلي:
# فليت شعري أي جهة عقلية تدل على وجود حكم و تكليف في كل واقعة، أو ثبوت
~~حكم وتكليف وبقائه غير المعلومات؟! وما الضرر في أن الله سبحانه بين الحكم
~~وقرره لبعض الافعال ولم يقرره لبعض اخر، كما أن الحديث المشهور (اسكتوا عما
~~سكت الله) 1 وحديث (وسكت) عن أشياء) 2 مصرح به؟
# والحاصل: أنه يمكن عقلا أن يكلف الله سبحانه عبدا أو جميع عباده بأمور،
~~وقرر له أو لهم أحكاما معينة في أمور، وسكت عن الباقي، فلا يكون لهم في
~~الباقي تكليف ولا حكم أصلا فان قلت: لا يخلو إما أن يعاقبه على فعل الباقي،
~~أو لا، فعلى الأول يكون حراما، وعلى الثاني: إما أن يوجره بالفعل، أو
~~الترك، ms231 أولا، فعلى الأول يكون مستحبا أو مكروها، وعلى الثاني مباحا.
# PageV00P369
# قلنا: لا يعاقبه ولا يؤجره، ولا تلزم منه إباحته، لان المسلم أن كل مباح
~~لا عقاب عليه ولا ثواب له، لا أن كل ما لا عقاب عليه ولا ثواب له فهو مباح،
~~فان ما لا حكم له أيضا كذلك فان سلطانا تسلط علينا الا يعاقبنا على أفعالنا
~~السابقة على تسلطه علينا، ولا يؤاخذنا بها 1، وليس ذلك لأجل أنه جعلها
~~مباحة لنا، بل لأجل عدم الحكم ولذا لا عقاب ولا ثواب على حركات الأطفال،
~~والمجانين، والحيوانات العجم، وأهل زمان قبل البعثة، مع أنها لا توصف
~~بالإباحة.
# والتحقيق: أن كل فعل من كل أحد بالنسبة إلى كل حاكم ينقسم أولا إلى
~~قسمين: إما لا حكم له فيه، أوله فيه حكم.
# والثاني: ينقسم إلى الأحكام الخمسة، ويشارك الأول الإباحة في عدم استحقاق
~~ثواب ولا عقاب عليه، لأنه كما هو شأن الإباحة، كذلك هو شأن عدم الحكم أيضا.
# فان قلت: لاشك في أن الله سبحانه محيط بجميع الأمور، لا تجوز عليه
~~الغفلة، ففي كل من الافعال إما يرضى لنا بفعله، أولا، وعلى الأول: إما يرضى
~~بالترك، أولا، والأول مباح، والثاني واجب، وهكذا إلى اخر الاحكام قلنا: لا
~~نسلم أن الأول مباح، والثاني واجب، إلى اخره وبيان ذلك بعد مقدمة: هي أن
~~الأحكام الشرعية خمسة: الايجاب، وهو عبارة عن طلب الفعل حتما، والندب، وهو
~~عبارة عن طلبه من غير حتم، والتحريم، وهو عبارة عن طلب الترك حتما،
~~والكراهة، وهي عبارة عن طلب الترك لا على سبيل الحتم، والإباحة، وهي عبارة
~~عن جعل الطرفين متساويين، أي الحكم بتساوي الطرفين.
# ثم الوجوب والحرمة وأحوالهما اللازمة الانفعالية مترتبة على الايجاب
# PageV00P370
# والتحريم وأحوالهما المتعدية الفعلية، فيقال: أوجب فوجب، وحرم فحرم، و
~~هكذا، فلا وجوب ما لم يتحقق إيجاب، ولا حرمة ما لم يتحقق تحريم، وهكذا
~~البواقي.
# ثم طلب الشئ عبارة عن إظهار محبوبيته، فما لم يتحقق الاظهار بنحو من
~~الأنحاء - ولو بالعقل أو العادة أو غيرهما - لم يتحقق الطلب، ms232 وما لم يتحقق
~~الطلب، لم يتحقق الوجوب والحرمة وأخواتهما وان كان الفعل في الواقع محبوبا
~~فعله أو تركه، مع مبغوضية النقيض أو عدمها.
# فان المولى إذا اشترى عبدا، ولم يأمره بعد بشئ، ولم يحكم له بحكم، ليس شئ
~~واجبا عليه ولا حراما، إلى اخر الاحكام، إلا ما كانت محبوبيته أو مبغوضيته
~~أو تساويه معلوما للعبد بالعقل أو العادة، فإنهما أيضا لسانان للمولى.
# فلما كان كذلك، فلو كان الجلوس في بيت معين محبوبا للمولى واقعا، مبغوضا
~~تركه، ولكن لم يبينه بعد للعبد، لا يقول أحد: إنه أوجبه عليه، أو واجب
~~عليه.
# وهذا ظاهر جدا، ويكفيك في ذلك كون تلك الأحكام أحكاما وهو من مقولة
~~الافعال، حيث إن الحكم عبارة عن التصديق، فلا يتحقق الحكم إلا بفعل من
~~الحاكم وبعد تلك المقدمة، يظهر لك: أن الواجب والمباح وأخواتهما هو ما بين
~~الله سبحانه وجوبه أو إباحته - مثلا - وقرره لنا، وأما مجرد الرضى بالفعل
~~وعدم السخط عليه من دون بيان ذلك أصلا، فليس حكما ولا تكليفا.
# ألا ترى أن الله سبحانه محيط بجميع أفعال الحيوانات والأطفال والمجانين،
~~و من لم يسمع بشريعة أصلا، وبأفعال الناس قبل البعثة، بل بسكنات الجمادات،
~~ولا يخلو: إما راض بها أو لا - إلى اخر ما قيل 1 - مع أنهم ليسوا بمكلفين،
# PageV00P371
# ولا محكومين، فما الضرر عقلا في أن نكون في بعض أفعالنا مثلهم؟
# فان قلت: ذلك لأجل أنهم ليسوا بمكلفين ولا محكومين، ونحن مكلفون و
~~محكومون.
# قلت: لا أفهم معنى ذلك: إن أردت أن أفعالهم ليس معرضا للرضي و عدمه، فقد
~~اعترفت بامكانه، فلم لا يكون بعض أفعالنا كذلك؟ وان أردت أن هذا ليس تكليفا
~~وحكما لهم، فلم لا نكون كذلك في بعض أفعالنا؟
# وإن قلت: إنه ليس من شأنهم التكليف والحكم قلنا: إذا كان التكليف والحكم
~~مجرد الرضى وعدمه، وهو يتحقق في حقهم، فلم ليس من شأنهم؟
# والتحقيق: أن معنى عدم كونهم مكلفين: أنه سبحانه لم يجعل لأفعالهم حكما
~~أصلا، ولم يقرره لهم. ومعنى كوننا مكلفين: أنه ms233 حمل علينا بعض الأمور، وقرر
~~لنا بعض الأحكام، وأما أنه جعل لنا في جميع أفعالنا حكما، فلا دليل عقليا
~~عليه أصلا.
# وبالجملة: قبل حجية مطلق الظن أو بعض الظنون لا دليل قطعيا أصلا على بقاء
~~الحكم في كل فعل من الافعال، ولا على بقاء أحكام غير المعلومات فان قلت:
~~الاقتصار على المعلومات ورفع اليد عن غيرها يستلزم الخروج عن دين سيد
~~المرسلين.
# قلت: إن كنت من أهل التأمل أو كان لك قليل تحقيق، لم يصدر عنك مثل ذلك
~~الكلام أما أولا: فلأني أقول: لم يظهر لي بعد أن سيد المرسلين أتى لي حال
~~كوني بهذه الحالة غير المعلومات حكما، فكيف تقول: إن في رفع اليد عن غير
~~المعلومات خروجا عن دينه، أثبت لي أولا حكما ودينا غير المعلومات، ثم قل
~~هذا الكلام وأما ثانيا: فلانه ليت شعري هل كان حكم سيد المرسلين في كل
~~واقعة غير PageV00P372
# محصور، لا يعدد ولا يحصى! وكل ما قاله كل مجتهد في كل واقعة أتى به
~~بخصوصه، أو كان حكمه واحدا؟
# فان كان كل هذه الأقوال المختلفة في كل واقعة يقينا حكمه ودينه بخصوصه،
~~فلا يكون غير معلوم، وكان الكل حكمه، فخذ بكل ما تريد منها، ولا ضرورة
~~للعمل بالمظنة.
# وإن كان حكمه في الواقع واحدا، ففي كل واقعة خرج غير واحد من المجتهدين
~~عن دينه، بل جميع المجتهدين إلا واحدا منهم، يكون خارجا عن دينه، وإذا خرج
~~كل هؤلاء، ولم يلزم نقض، فقسنا عليهم أيضا، بل يحتمل خروج الجميع، بل مظنون
~~كل مجتهد أن الكل خارج غير نفسه، ولا يلزم من ذلك نقص.
# وأما ثالثا: فلان من يقتصر على المعلومات، فالأغلب أن في غير المعلومات
~~أيضا يعمل بأحد الأقوال المختلفة، من باب الاتفاق مثلا، غاية الامر أنه لا
~~يجتنب من بول الرضيع، وهذا يوافق قول من يقول بطهارته، ويتوضأ من بالماء
~~الغصبي، وهو يطابق قول من يجوز الوضوء، ويرتمس في الماء في الصوم الواجب،
~~وهو يوافق قول من لا يحرمه، وهكذا.
# فالأغلب يطابق عمله ms234 مع عمل مجتهد، فلم يخرج من الدين.
# نعم غاية الامر أن هذا المجتهد عمل به من جهة ظن أنه حكم الله، وهذا
~~المقتصر 1 من باب الاتفاق وعدم الحكم، ومجرد ذلك لا يوجب الخروج عن الدين
~~والدخول فيه، والا لزم خروج جميع المجتهدين من الدين، لأنهم أتوا به من جهة
~~الظن بحكم الله، وأصحاب الأئمة (ع) أتوا به من جهة العلم به.
# وأما رابعا: فلأن أس الدين وما به قوامه، ويشيد عظامه، فهو معلوم، و ليت
~~شعري لم يخرج من الدين من اقتصر على المعلومات.
# PageV00P373
# انظر إلى أنه لو صام أحد شهر رمضان واقتصر فيه على المعلومات، فأمسك من
~~طلوع الفجر إلى استتار القرص، من الأكل والشرب بالطريق المتعارف، والانزال
~~والجماع عمدا، والبقاء على الجنابة إلى غير ذلك. مما أجمع عليه، ولم يعتن
~~مما اختلف فيه، فهل يخرج في كيفية الصوم عن الشريعة؟
# وكذا في الصلاة لو طهر ثوبه الساتر للعورة المجمع عليها، والبدن عن
~~النجاسة المجمع على نجاستها، وستر عورته القطعية، وتوجه إلى القبلة بعد
~~الوضوء المشتمل على الغسلتين والمسحتين، والتكبير، والقراءة، والركوع،
~~والسجود، والتشهد، والتسليم، والطمأنينة، والذكر الواجب، لم يكون خارجا عن
~~الدين لأجل الصلاة لو لم يقرر حكما لبعض ما اختلف فيه لأجل عدم ثبوت حكم
~~فيه.
# فان قيل: المراد الخروج عن سيرة العلماء وطريقة الفقهاء.
# قلنا: هل المراد العلماء الذين كان لهم باب العلم مفتوحا زائدا عما فتح
~~لنا، أو ثبت لهم حجية ظن مخصوص، أو الذين لم يكونوا كذلك؟
# فان كان المراد الأول، فما الضرر في خروج من لم يفتح له ذلك الباب، ولم
~~يثبت له حجية ظن؟ كما أن العامل بالظن خرج عن سيرة أصحاب الأئمة لسد باب
~~العلم، وتقول لا ضرر فيه وإن كان الثاني: فلا نسلم لزوم الخروج عن سيرتهم.
# مضافا إلى أني لا أدري أنه من أين علم وجه فساد خروج شخص عن سيرة طائفة
~~يختلف حاله مع حالهم؟
# ألا ترى أن الشيخ في العدة والسيد في الذريعة وابن إدريس وابن ms235 زهرة 1 و
~~غيرهم 2 صرحوا بأنه لو اختلف العلماء في مسألة أو مسائل على أقوال، ولم
~~يعلم الحق منها، ولم يكن دليل على التعيين، يجب الحكم بالتخيير، مع أنه
# PageV00P374
# خارج عن سيرة الجميع لا محالة.
# وبالجملة: لا دليل مطلقا على بقاء التكليف غير المعلومات لمن لم يثبت بعد
~~عنده حجية ظن بل تحقيق المقام: أنه بعد بلوغ الانسان حد البلوغ والتكليف،
~~واطلاعه على مجئ رسول، وإتيانه بأحكام، والعلم بتكاليف وأحكام، يجب عليه
~~بحكم العقل الصريح، الفحص والتفتيش عن هذه الأحكام، فما حصل له العلم به
~~امتثله وعمل به وإن علم أو ظن، بل ولو جوز أن للرسول أحكاما غير ما علمه،
~~فان تمكن من الوصول إلى خدمة الشارع، يجب عليه السؤال منه، والا فيتفحص،
~~ويبذل جهده في التفتيش عما يوصله إلى أحكامه، وامر باتباعه في الاحكام.
# فان علم أن الامر الفلاني المفيد للظن يجب اتباعه، وأمر الشارع بأخذ
~~الاحكام منه يتبعه، والا فيقتصر على معلوماته.
# وأما الدليل على وجوب ذلك الفحص والتفتيش، فهو العقل الصريح، والاجماع
~~القطعي من الأمة، مع اتحاد الحال، بل من أهل جميع الملل والأديان، والآيات
~~المتكاثرة (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) 1 و (فلو لا نفر من كل
~~فرقة منهم طائفة) 2 (طلب العلم فريضة) 3 (اطلبوا العلم) 4 إلى غير ذلك فان
~~قيل: صرح العلماء، ويحكم الوجدان أيضا بأن من تكثر الأخبار الآحاد في
~~واقعة، وان لم يكن الجميع بمضمون واحد، يحصل العلم الاجمالي بالواقعة، أي
~~يعلم القدر المشترك.
# ولا شك أن كل من نظر في هذه الأخبار المضبوطة في الكتب، وأقوال
# PageV00P375
# العلماء، يقطع بأن للشارع أحكاما غير المعلومات، وليست أحكامه مقصورة على
~~المعلومات قلنا: نعم كذلك، وهذا صحيح مطابق للواقع، وانظر أن 1 ما كنا
~~نمنعه هو صدور الحكم في كل واقعة أو بقاؤه، أما أنه يعلم من ملاحظة الاخبار
~~وأقوال العلماء صدور أحكام من الشارع غير ما علم ضرورة أو إجماعا، فلا شك
~~فيه ولكن الكلام في بقائها للذين لا ms236 علم لهم بخصوصياتها، يعني أن هذه
~~الأحكام هل كانت لكل أحد، أو كان فيها تخصيص؟
# والتحقيق: أنه إذا قال الشارع: بول الحمار نجس، ويجب الاجتناب عنه، فهل
~~المراد أن هذا الاجتناب واجب على كل أحد، سواء اطلع بعد الفحص على هذا
~~الكلام أم لا، أم يختص بمن اطلع عليه ولو بشرط الفحص؟
# فان قلت: إنه عام، فقد ارتكبت التكليف بما لا يعلم وما لا يطلق، وخالفت
~~الآيات والاخبار المتكثرة، بل الاجماع القطعي، بل الضرورة الدينية، إذ
~~بديهي أنه ليس كذلك، وظاهر أن الحكم لم يكن غير واحد، ومع ذلك فكل مجتهد
~~مكلف بفهمه، وإن فهم مجتهد عدم نجاسته، لا يجب عليه الاجتناب، فيعلم أن
~~الحكم لا عموم له، بل هو مختص بالعالم بذلك الحكم، فلا يكون باقيا لغير
~~العالم بعد الفحص فان قلت: المسلم خروج غير العالم وغير الظان، وأنه ليس
~~حكما لهما، و أما الظان، فخروجه غير معلوم، فالمسلم أنه قال: يجب الاجتناب
~~عن بول الحمار على كل أحد، سوى من لم يعلم أو من لم يظن بعد الفحص بهذا
~~الحكم قلنا: نعم، هذا إنما يفيد إذا سلم في صورة ظنك بنجاسة بول الحمار أن
~~الشارع قال: يجب الاجتناب عن بول الحمار، حتى يشتمل الظان أيضا، ونحن نقول:
~~ما الدليل على أن الشارع قال ذلك، حتى خرج عنه غير العالم وغير
# PageV00P376
# الظان، وبقي هذان؟ لعله لم يقل: إن بول الحمار نجس، فلم يجب اجتناب الظان
~~وأما الامر الثاني من الامرين اللذين تتوقف تمامية الصغرى عليهما، فهو
~~انسداد باب العلم بالأحكام، فان تلك المقدمة عندنا محل بحث ونظر، فإنه إن
~~أراد بانسداد باب العلم انسداد باب مطلقه حتى الحاصل بواسطة الظن المعلوم
~~حجيته، فهو ممنوع.
# والتفصيل: أنه لا شك أن الظن، بل مطلق الامارة المنتهي إلى العلم، علم
~~أيضا، فإنه كما أنه إذا قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: حكم الواقعة
~~الفلانية كذا، يحصل لك العلم به، فكذا إذا قال: حكمها ما دل عليه الخبر
~~الواحد واعمل فيها بما ms237 دل عليه، يحصل لك العلم أيضا بحكمها في حقك أيضا بعد
~~دلالة الخبر.
# فبعد وجود ظن أو أمارة ثابتة حجيته، بل مع احتماله وتجويزه، دعوى انسداد
~~باب العلم غلط، ونحن لا نسلم فقد الظن الكذائي أو الامارة الكذائية، بل
~~نقطع بحجية الظنون الكتابية والخبرية، كما بيناه في كتبنا، كشرح تجريد
~~الأصول، ومناهج الاحكام 1، ومفتاح الاحكام، وأساس الاحكام وغيرها، و من ذلك
~~ظهر عدم تمامية صغرى هذا الدليل.
# ثم نقول على كبراه:
# أما أولا: فعلى سبيل الاجمال، ونقول: تماميتها موقوفة على تفرع وجوب
~~العمل بمطلق الظن على بقاء التكليف وسد باب العلم، وهو ممنوع. وما الدليل
~~على أنه عند بقاء التكليف وسد باب العلم يجب العمل بمطلق الظن؟
# ألا ترى أن القاضي مكلف بالحكم بين المترافعين عنده، ولا سبيل له إلى
~~العلم بالواقع، ولم يكلف بالعمل بمطلق الظن، بل امر بالرجوع إلى العدلين، و
~~في بعض المواضع إلى أربعة عدول، وفي اخر إلى اليمين، وهكذا.
# PageV00P377
# ألا ترى أنه لم يكلف بالعمل بالظن بموت مفقود بالخبر ألا ترى أن جمعا من
~~العلماء يقولون في زمان الغيبة بوجوب العمل بأخبار الآحاد تعبدا.
# ألا ترى أن جمعا غفيرا منهم يرجعون إلى الاحتياط عند عدم الدليل، و هكذا.
# على أني أسألك، وأقول لك: أيها العالم العامل بالظن، ما تقول في حق مجتهد
~~اتفق في موضع لم يتيسر له كتاب، ولا سبيل له إلى تحصيل ظن مطلقا، أو في
~~الأغلب، وبقي في ذلك الموضع مدة مديدة، أو في تمام عمره، فهل يسقط تكليفه
~~عن غير المعلومات أم لا؟
# فان قلت بالسقوط، قلنا: أي مفسدة تترتب على السقوط في حق المتمكن من الظن
~~ولا تترتب في حق ذلك؟ وما الباعث على عدم السقوط عنه قبل علمه بحجية الظن
~~وسقط عن ذلك؟
# وإن قلت بعدم السقوط، بل يجب عليه العمل بالتخيير أو الاحتياط أو الأصل
~~أو غيرها.
# قلنا: لم لا يكون هذا الشخص المتمكن من المظنة كذلك أيضا؟ وما المفسدة
~~التي تترتب في حق هذا ولا تترتب في ms238 حق ذلك؟
# لا أقول يعمل بواحد من هذه الطرق البتة، حتى تقول: ما الدليل على وجوب
~~عمله به؟ بل أقول: لم يجب عليه العمل بالظن دون أحد هذه الأمور؟ و ما الضرر
~~في العمل به؟ مع أن هذه الأمور مع الظن في احتمال جواز العمل في مرتبة
~~واحدة، بل يجري الكلام في حق جميع المجتهدين، فإنه لا يلزم حصول الظن في كل
~~واقعة البتة.
# فنقول: ما تقول في مسألة سد فيها باب الظن أيضا، والمجتهد مكلف فيه بأي
~~شئ؟ لم لا يجوز أن يكون هو تكليفه في صورة انفتاح باب الظن أيضا؟
# وأما ثانيا: فعلى سبيل التفصيل، ونقول: إذا كانت الاحكام باقية وسد
~~PageV00P378
# باب العلم، فتفرع وجوب العمل بمطلق الظن عليه، يتوقف على انتفاء احتمال
~~اخر، مع أن هاهنا احتمالات اخر أيضا، لا يتفرع وجوب العمل بمطلق الظن ما لم
~~يبطل جميع هذه الاحتمالات الأول: العمل بالأصل الثاني: بالاحتياط الثالث:
~~بالتخيير الرابع: بالتوقف الخامس: بأمارة تعبدا من غير ملاحظة إفادتها الظن
~~أم لا، كما في أحكام القضاة ونحوها السادس: العمل بالظن المخصوص وقد يظهر
~~من فحاوي عبارات بعض مشايخنا - طاب ثراه - في كتابه الذي صنفه في الأصول،
~~وكان من القائلين بالعمل بالظن، تفطنه لبعض هذه الاحتمالات، وكونه في مقام
~~إبطاله، وأنا أذكره مع كل ما يحتمل أن يقال في إبطال البواقي، وأبين الحال
~~فيه فيقال لابطال الأول وهو بناء العمل على الأصل في غير المعلومات: إنه لا
~~دليل قطعي على اعتبار الأصل مطلقا فيما كان الظن على خلاف الأصل، مع أنه
~~غير ممكن في كثير من الوقائع، لثبوت التكليف وكلية المكلف به، أو احتمال
~~كليته، مع أنه خلاف المقطوع به من سيرة العلماء، بل لا يجوزونه لو كان
~~الحكم مظنونا بالظنون الخاصة، على أن الاقتصار عليه يوجب الخروج عن الدين،
~~والانحراف عن طريقة الكل، وتأليف دين اخر.
# الجواب: أما أولا، فكأنك زعمت انحصار الدليل القطعي في الشرعيات، وعزلت
~~العقل القاطع عن المحاكمة، ونسيت القبح والحسن العقليين، وغفلت عن أنه إذا ms239
~~كان كذلك، فمن أين يثبت بقاء التكاليف، وعدم جواز التكليف بما لا يطاق،
~~وعدم جواز الترجيح بلا مرجح - الذي هو أحد مقدمات هذا الدليل كما
~~PageV00P379
# يأتي - ووجوب العمل بالظن بعد سد باب العلم ونحو ذلك؟!
# وإن لم تعزل العقل بالمرة، فكيف تقول: لا دليل قطعي على اعتبار الأصل و
~~لو كان الظن على خلافه فيما إذا لم يكن دليل قطعي على حجية الظن؟
# وهل يكون دليل قطعي أتم وأحسن من أنا لو فرضنا أنفسنا واقفة عند الله
~~سبحانه في يوم الحشر ويسأل عنا: أنكم لم عملتم بأصل البراءة، وما حكمتم
~~باشتغال الذمة؟ فنجيب بأنا بذلنا جهدنا، وسعينا غاية السعي، ولم يحصل لنا
~~العلم باشتغال ذمتنا، وإن حصل لنا ظن، سعينا وبذلنا جهدنا، فلم يحصل لنا
~~العلم بوجوب العمل بهذا الظن، وكونه دليلا وحجة لنا، وكنا عالمين في حقك
~~أنك لا تكلف بما لا يعلم، ولا بشئ لم تنصب عليه دليلا، ومنه العمل
~~بالمظنون.
# هذا، مضافا إلى ما وصل إلينا من كتابك الكريم، والاخبار المنسوبة إلى
~~حججك من ذم العمل بالظن، والنهي عن التدين بما لا يعلم، وعدم اشتغال الذمة
~~في صورة عدم العلم، فلهذا عملنا بالأصل.
# فما يقول الله سبحانه لنا؟ وهل يجوز عليه مؤاخذتنا وعذابنا لأجل ذلك؟
# حاشا وكلا وأما لو قال لك: أيها الرجل لم اتبعت ظنك، وجعلت ديني تابعا
~~لظنك، بل جعلت ظنك لك نبيا وإماما من دون حجة وبرهان؟ مع أني لم أكلف
~~بمتابعة نبي (أو إمام) 1 إلا مع معجزة أو كرامة وبراهين ساطعة، وأنت اتبعت
~~ظنك بلا حجة وسبب، مع احتمال كونه مخالفا لديني، ومع كثرة الإشارات في
~~كلامي على ذمه، فما جوابك عنه سبحانه؟
# فان قلت: أجيب بأني أتيت، وعملت بكل ما ظننت أنه مطلوبك، و تركت كل ما
~~ظننت أنه مبغوضك، وهذا كان ديني، ولا شك أنه تقبح المؤاخذة حينئذ.
# PageV00P380
# قلنا: فان قال لك: كيف لم يحصل لك من الآيات الكثيرة في كتابي، والاخبار
~~المتعددة المتجاوزة عن المائة في كلام حججي، ومن ms240 تصريح جماعة بالاجماع على
~~حرمة العمل بالظن أو بغير العلم، ظن بعدم جواز متابعة الظن؟ وحصل لك الظن
~~بحكمي من الحاق الشئ بالأغلب، أو كون التأسيس أولى من التأكيد، أو فتوى
~~واحد مع عدم ظهور خلاف، أو إجماع منقول واحد من الذي يدعي الاجماع على
~~المتضادين كثيرا؟! لا أدري ما يكون جوابك؟
# سلمنا أنه يقبل عذرك ولا يؤاخذك، ولكن تكون مساويا في ذلك مع العامل
~~بالأصل كما مر. وعدم المؤاخذة ليس دليلا على تعيين العمل ووجوب الانحصار.
~~وكذلك لو عمل أحد بالاحتياط لا يؤاخذ به.
# ولو كان عدم المؤاخذة دليلا على التعيين، لزم وجوب العمل بالظن قبل
~~البعثة أيضا، وهو خلاف الضرورة.
# ثم نرجع إلى ابتداء الكلام، ونقول: سلمنا أن العقل معزول، وحكمه غير
~~مقبول، فهل ليست هذه الآيات والاخبار الغير المحصورة المشتملة على براءة
~~ذمة من لم يعلم الشغل بعد الفحص، مفيدة لحجية الأصل بعد الفحص؟
# وإن لم يفد جميع هذه، القطع بالقدر المشترك، فأي واقعة تكون متواترة
~~معنوية؟
# تأمل في نفسك؟ وعد وقائع حاتم ورستم التي تعلمها، وعد الآيات والاخبار
~~المصرحة ببراءة ذمة غير العالم بعد الفحص، وانظر أيهما أكثر؟ فانظر هل يوجد
~~لها معارض دال على أن مع الظن بالخلاف يحصل الشغل؟!
# سلمنا عدم حصول العلم من جميع ذلك، فهل لا يكفي الاجماع القطعي؟
# ولا شك أن العمل بالأصل عند عدم الدليل مجمع عليه فان قلت: لا نسلم
~~الاجماع في صورة الظن بالخلاف.
# قلنا: مع ثبوت حجية هذا الظن على العامل أو مطلقا؟ إن أردت الأول،
~~PageV00P381
# فهو كذلك، ولكن المفروض عدم ثبوت حجية ظن بعد، وإن أردت الثاني، ففساده
~~ظاهر، إذ لا شك أنه لو وجد في مقام ظن لم يثبت حجيته لا يعتني به أحد من
~~العلماء، ويعمل بالأصل.
# ألا ترى أن من لا يقول 1 بحجية الاجماع المنقول أو الشهرة، لو وجد أحدهما
~~في مورد يعمل بالأصل، فالعمل بالأصل - ولو مع وجود الظن على خلافه لمن لم
~~يثبت عنده حجية هذا الظن - إجماعي.
# وأما ثانيا: ms241 فهو أنا سلمنا أنه لا دليل قطعي على اعتبار الأصل، ولكنك كنت
~~في مقام إبطال العمل به، وهو يستدعي الدليل القطعي على عدم اعتباره، وعدم
~~الدليل على الاعتبار لك غير مفيد، والخصم يقول بجواز العمل بالأصل، ويكفيه
~~الاحتمال، وعليك إثبات عدم الجواز ولو لم يكن على الأصل دليل قطعي يكون
~~كالظن، إذ بعد بقاء التكليف و سد باب العلم، يكون هناك سبيلان: الأصل
~~والظن، وكلاهما متساويان في عدم الدليل، فلم يرجح الظن، وما الدليل على
~~تعيين الظن أو فساد الأصل؟
# وأما ما ذكره من عدم إمكان العلم بالأصل في كثير من الوقائع، لثبوت
~~التكليف كلية، أو إجمال المكلف به ففيه: أنه ليت شعري، لم لا يمكن العمل
~~بالأصل في الخصوصيات في مقام ثبوت الكلية؟ وما الضرر فيه؟
# وأما في مقام الاجمال، فالخلاف في أنه بعد إجمال المكلف به هل يسقط
~~التكليف أم لا معروف، والدليل على البقاء ليس إلا ظنيا، فلا وجه للحكم
~~القطعي بثبوت التكليف فيه، مع أن عدم إمكان العمل مع ثبوت التكليف فيه
~~ممنوع، إذ لو كان له قدر مشترك يعلم في الزائد عنه بالأصل، وإلا فيعمل في
~~غير الواحد، كما في الأواني المشتبهة.
# PageV00P382
# وأما ما ذكره من أن في العمل بالأصل خروجا عن طريقة الكل، وانحرافا عن
~~سيرة العلماء، فقد مر جوابه وملخصه: أن هؤلاء العلماء قد أثبتوا حجية ظنون
~~مخصوصة، فحالهم غير حالنا، ومع ذلك فالفساد في اتحاد السيرة دون اختلافها.
# وليت شعري لم لا يضر خروج العامل بالظن عن سيرة أصحاب الأئمة، التي هي
~~سيرة الامام قطعا، لأجل اختلاف الحال من انفتاح باب العلم و انسداده، ويضر
~~الخروج عن سيرة العلماء، لأجل اختلاف الحال من ثبوت حجية الظن المخصوص
~~وعدمه، مع أن العمل بالأصل في غير المعلومات قبل ثبوت حجية الظن عين سيرة
~~العلماء، فان طريقة السيد وتابعيه جميعا العمل بالأصل في غير المعلومات وإن
~~اختلف معلوماتهم مع معلوماتنا في الزيادة والنقصان وهذا لا يوجب الفساد، إذ
~~لا شك أن عمل المجتهدين جميعا بالأصل ms242 ليس على السواء، فان كثيرا من الأدلة
~~يكون حجة لطائفة دون أخرى، وعمل الاخر في موارده بالأصل.
# وأما غير السيد، فالكل متفقون قطعا على أن في كل مورد لم يكن علم أو لم
~~تثبت حجية ظن فيه على شخص، يلزم عليه العمل فيه بالأصل، فقبل إثبات حجية
~~الظن يكون ترك الأصل خروجا عن سيرة العلماء، مع أنه - كما أشرنا إليه -
~~العمل بمطلق الظن خروج عن سيرتهم وأما ما ذكره من أن في العمل بالأصل خروجا
~~عن الدين، فقد عرفت جوابه أيضا، مع أنه يحتمل أن يكون الحكم في غير
~~المعلومات مطابقا لحكم الدين، كمظنوناتك، إذ لاشك أنها أيضا محتملة لان
~~تكون مخالفة لحكم الدين، وإلا فتكون مقطوعات، فما يفعله العامل بالأصل
~~يساوي ما يفعله العامل بالظن في احتمال المطابقة والمخالفة، فكيف يكون
~~أحدهما خروجا عن الدين، والاخر دخولا فيه؟
# نعم الفرق الذي بينهما، هو أن العامل بالظن يظن المطابقة. PageV00P383
# ولا أدري لم صار مجرد ظن هذا المسكين سببا لخروج من يفعل غيره عن الدين؟!
# فان قيل: إن العمل بالأصل في كل مورد مورد وإن لم يكن خروجا عن الدين،
~~ولكن الجميع غير ما قرره الشارع يقينا.
# قلنا: لا نسلم ذلك في حق مثل ذلك الشخص الذي لا دليل له، على أن مثله يرد
~~على العامل بالظن أيضا، إذ في كل مورد مورد وإن احتملت المطابقة، ولكنه
~~نعلم يقينا: أنه ليس جميع مظنونات هذا الواحد مطابقا لقول الامام، ولم تجر
~~العادة عليها، سيما أنه كثيرا ما يتبدل رأيه في مسائل كثيرة، ولم يكن كل
~~ظنونه في وقت مطابقا، ولا يرد عليه نقض ثم إنه يقال لابطال الثاني، أي
~~الاحتياط: إنه لا دليل قطعيا على وجوبه، بل ما يدل عليه لا يفيد سوى الظن،
~~وهو في المقام غير مفيد.
# مع أنه لا يمكن في الأغلب، كما إذا دار الأمر بين الوجوب والحرمة، أو بين
~~شرطية شئ وشرطية عدمه، بل في دوران الامر بين الاستحباب وعدمه لأجل تفاوت
~~النية مع منافاته لما اشتهر ms243 من وجوب الاجتهاد أو التقليد.
# مع أن الاحتياط إنما يتحقق إذا أتى بما يحصل به القطع بالواقع من جميع
~~الجهات، ولا ريب أنه في العبادات المركبة لا يحصل إلا إذا أتى بجميع
~~المحتملات، ولا شك أنه يستلزم العسر والحرج، والقول بوجوبه إلى أن يؤدي
~~إليهما وعدمه بعده يصفح في الأمور التدريجية، وأما ما شأن المجتهد فيه
~~الاجتهاد والعمل، فليس من هذا القبيل، لاجتماع جملة منها في آن، بل لا يمكن
~~خلو المكلف في أن من تكاليف كثيرة، لا أنه في الان الأول مكلف بشئ، وفي
~~الثاني باخر، حتى يحتاط إلى أن يؤدي إلى العسر، مع أن حد العسر والحرج، ليس
~~مما يعلمه كل أحد، حتى يصح الحوالة عليه في جميع الأحكام وإن صح في قليل من
~~الوقائع PageV00P384
# وبالجملة: إيجاب الله سبحانه الاحتياط إما تكليف بالمحال، أو إيقاع في
~~العسر والحرج، نعم لا إشكال في حسنه وإمكانه بقدر الامكان.
# هذا كله، مضافا إلى إجماع العلماء على عدم تعين الاحتياط فيما يحصل الظن
~~به.
# أقول الجواب: أما عن أن الاحتياط لا دليل قطعيا له، فبأنه مسلم، ولكن
~~الخصم يحتاج إلى دليل قطعي، بل يكفيه الاحتمال، ولا أدري أن أي دليل قطعي
~~على العمل بالظن مع أنه سلم واعترف بوجود الدليل الظني عليه 1، وهو كاف
~~للخصم، لأنه يقول بعد بقاء التكليف، وانسداد باب العلم: إما يجب العمل
~~بالظن، أو الاحتياط، وعلى التقديرين، يثبت المطلوب، أما على الثاني:
# فواضح، وأما على الأول: فلظنية وجوب الاحتياط، فيكون وجوب الاحتياط على
~~ذلك قطعيا.
# وأما عن قوله: بأن الاحتياط غير ممكن غالبا، فمع أن قيد الغالب غلط، إذ
~~الموارد الغير الممكن فيها الاحتياط نادرة جدا: فبأنه لا أدري ما ضرر عدم
~~الامكان في بعض الموارد؟ فان العمل بالظن أيضا لا يتيسر في كثير من
~~الموارد، إما لأجل عدم حصول ظن، أو لحصول ظن لا يجوز العمل به إجماعا، كظن
~~القياسي و نحوه، فما تفعله أنت في مثل تلك الموارد؟ للخصم أن يقول: إني
~~أفعله في موارد عدم ms244 إمكان الاحتياط.
# والملخص: أنه كما أن بناءك في العمل بالظن مقيد بحال الوجود والامكان،
~~كذلك بناء خصمك في العمل بالاحتياط وأما عما قال: من أنه مناف لما اشتهر من
~~وجوب الاجتهاد أو التقليد: فبأنه مناقض مع ما صرح به أخيرا من قطعية
~~استحباب الاحتياط بقدر الامكان، مع أن ما قال: إنه مشهور، ليس كذلك، بل
~~المشهور أن الناس ثلاثة أصناف: مجتهد، و
# PageV00P385
# مقلد، ومحتاط.
# وأما عن سائر ما ذكره من لزوم العسر والحرج:
# أما أولا: فبأنه قد اعترف باستحباب الاحتياط، ورجحانه بقدر الامكان،
~~والاجماع منعقد بوجوب كل راجح بالنذر وشبهه، فلو نذر أحد الاحتياط، فما
~~تقول في حقه؟ فنحن أيضا نقول بمثله في حق المجتهد.
# فان قلت: لا ينعقد ذلك النذر، خالفت الاجماع، وان قلت: ينعقد، و يجب
~~الاحتياط، ولا ضرر فيه، فقل مثله في حق المجتهد.
# وإن أوجبته عليه إلى موضع معين، فأوجبه أيضا في حق المجتهد، ويعمل في
~~الباقي بمثل موارد عدم إمكان الاحتياط هذا، مع أن جمعا كثيرا من العلماء
~~أوجبوا الاحتياط فيما لا نص فيه، ولا يرد عليهم نقض، فافرض مثله ما لا يعلم
~~حكمه.
# وأما ثانيا: فبأن العسر والحرج إن بلغا حد التكليف بمالا يطاق، فلا شك في
~~سقوط التكليف معه، كما أن العمل بالظن أيضا كذلك، ومثل ذلك المورد معين لكل
~~أحد وإذا بلغ حد عدم الامكان، يسقط العمل بالاحتياط.
# وإن لم يبلغا هذا الحد، لا دليل على انتفائهما إلا بعض العمومات الظنية
~~المخصصة بألف تخصيص، فغايته لزومها، وما الضرر فيه؟ فكما أنك تخصص عمومات
~~النهي عن العمل بالظن بصورة انفتاح باب العلم، فخصص هذه العمومات بها، وما
~~الذي يجوز التخصيص الأول، دون ذلك؟
# وضع رأسك على ركبتيك ساعة، ولاحظ عمومات نفي العسر والحرج، ثم العمومات
~~الناهية عن العمل بالظن، وانظر أيهما أكثر وأصرح؟ فكيف توجب الأولى رفع
~~الاحتياط، ولا توجب الثانية رفع العمل بالظن، ولم يجوز تخصيص الثانية دون
~~الأولى؟
# فان قلت: انتفاء العسر والحرج إجماعي. PageV00P386
# قلنا: لا نسلم حتى في صورة بقاء ms245 شغل الذمة، وانسداد طريق التعيين، مع أن
~~في تعيين معنى العسر والحرج وقدرهما ألف كلام، ومنهم من خصصهما بما لا
~~يطاق، ومنهم من خصصهما بغير التكليفات، ومنهم من قال باجمالهما و سقوط
~~الاستدلال بهما، والتمسك بمثل ذلك في المقام من الغرائب والعجائب 1 وأما
~~ثالثا: فبأن من الأمور المقطوع بها بالاجماع - وباعتراف الخصم - استحباب
~~الاحتياط، فهذا الذي يقول الكل باستحبابه، لم لا يمكن أن يكون واجبا؟ وما
~~الضرر فيه؟ وليت شعري ما السبب في أن استحبابه جائز، بل واقع، ووجوبه
~~ممتنع؟!
# فان قلت: لزوم العسر والحرج إنما هو على الوجوب دون الاستحباب قلنا: لا
~~شك أن بعض الأمور في نفسه معسور، سواء كان واجبا أو مستحبا أو مباحا، كتحمل
~~الوجع الشديد، والصعود على الجبل الرفيع، والثابت من الأدلة أن الله لا
~~يريد العسر، ولا شك أن المستحب مراده سبحانه، فلو ندب المعسور لإرادة.
# والملخص: أن ما ينفي العسر والحرج ينفيه في الواجبات والمستحبات، فما
~~يجاب في المجمع عليه، والمدلول عليه بالعقل والنقل من حسن الاحتياط و
~~رجحانه مطلقا، يجاب به بعينه في القول بتعينه ووجوبه بقدر الامكان وأما
~~رابعا: فلأنا نقول: إن أمثال هذه الاشكالات لو وردت فإنما ترد لو أوجبنا
~~على المجتهد تحصيل قاعدة كلية جارية في جميع الموارد أولا، وليت شعري ما
~~الضرورة في ذلك؟! بل نقول: إن كل مسألة مسألة ترد على المجتهد يجب عليه
~~الفحص فيها، فان وجد دليلا علميا فهو، والا فان أمكن فيه الاحتياط مطلقا،
~~أو بدون عسر، يعمل به، وإلا فيعمل بالظن مثلا.
# PageV00P387
# أو نقول: إن لم يوجد دليل علمي، فان أمكن الاحتياط ولم يوجد ظني، يعمل
~~بالاحتياط، وإن كان الامر بالعكس يعمل بالظن مثلا، وإن وجد الأمران يجوز
~~وجوب العمل بكل منهما، وأي دليل على تعين الظن فإذا وردت عليه مسألة غسل
~~مخرج البول، ولا دليل علميا فيها، يفتي بوجوب المرتين، أعني: لم لا يفتي
~~بذلك ويجب الافتاء بمقتضى ظنه مثلا؟ و هكذا في جميع المسائل، وما الضرر
~~فيه، وما الدليل على ms246 فساده؟ بل ولم يجب إبداء القاعدة أولا؟
# بل نقول: لو عرض على المنصف أنه: وردت علي مسألة، وأنا مردد فيها بين
~~الحكم بالاحتياط الذي قال جمع بوجوبه، والباقون برجحانه، والاخبار متطابقة
~~على رجحانه، وبين الحكم بالمظنون الذي قال غير نادر بحرمته، والآيات
~~والاخبار متطابقة على النهي عنه، ولابد من العمل بأحدهما، يحكم بتعين
~~الاحتياط وأما قوله: مضافا إلى إجماع العلماء، فهو ممنوع غايته، ومن أين
~~علم ذلك الاجماع مع استدلال كثير من القدماء - كالسيد والشيخ وأضرابهما -
~~بوجوب بعض الأمور أو حرمته بالاحتياط؟!
# ويقال لابطال الثالث، وهو التخيير في كل ما يحتمل أن يكون حكم الله
~~سبحانه، من الأقوال المختلف فيها في غير المعلومات من الوقائع: إن التخيير
~~في جميع المسائل أو أكثرها مما انعقد الاجماع على بطلانه، وذهب الكل إلي
~~تعين المدرك وإن اختلفوا فيه، والتخيير الذي قالوا به إنما هو في تعارض
~~الامارتين، بل هو موجب للهرج والمرج.
# ولو لم يسلم ذلك الاجماع، لم يثبت إجماع في مسألة فروعية أصلا.
# الجواب: لا أفهم المراد من انعقاد الاجماع على بطلان التخيير في الوقائع
~~التي لا يعلم حكمها، وحجية الدليل الظني لم تثبت بعد.
# فان كان مرادك: أن الفقهاء صرحوا ببطلان التخيير، وهبتك قول كل
~~PageV00P388
# الفقهاء، عين لي فقيها يعتبر قوله، وأرني عبارة فقيه يقول: التخيير في
~~المسائل الغير العلمية وغير المظنونة بظن غير ثابت الحجية باطل، مع أن
~~الأكثر صرحوا بثبوت التخيير في هذه الصورة.
# وإن كان مرادك: أن الفقهاء لم يقولوا بالتخيير، بل كل أحد اختار قولا
~~معينا، فان أردت في جميع المسائل حتى المسائل التي ليس لهم فيها مرجح علمي
~~أو ظني ثابت الحجية لاحد الأقوال، فهو غلط واضح، ورب مسائل كثيرة قالوا
~~فيها بالتخيير، لعدم الترجيح.
# وإن أردت أكثر المسائل، فهو مسلم، ولكنه لوجود دليل ثابت الحجية لهم،
~~فليس حال من ليس له هذا الدليل كحالهم، فعدم قولهم بالتخيير لا يكون إجماعا
~~على عدم جواز القول بالتخيير لغيرهم.
# والملخص: أنه إن أردت الاجماع على بطلان التخيير في ms247 حقهم، فهو مسلم، وإن
~~أردت في حقنا، فهو ممنوع. وعدم قول أحد منهم بالتخيير غير ضائر لنا.
# ألا ترى أن الإمام عليه السلام حكم بالتخيير في حق من تعارضت له الأدلة،
~~مع أن حكم المعصوم للمشافهين كان واحدا من المدلولات.
# وألا ترى السيد في الذريعة، والشيخ في العدة 1، وجمع آخر 2 صرحوا بأنه لو
~~أجمعت الأمة في مسألة على قولين أو أكثر، ولا يعلم أن الحق أي منهما يجب أن
~~يحكم بالتخيير، مع أنه لا شك أن قول جميع الأمة في هذه المسألة غير
~~التخيير.
# بل لنا أن ندعي الاجماع على أنه: إن علمنا ثبوت التكليف في مسألة، ولم
~~نعلم حكمها، ولا نظن بظن ثابت الحجية، فحكمه إما العمل بالأصل أو التخيير.
# PageV00P389
# ومن عجائب الأحوال أنك تقول: إنه ليست حجية الاجماع إلا لكشفه عن قول
~~المعصوم، وتعلم قطعا عند تعارض الامارتين الشرعيتين: أن قول المعصوم ليس
~~إلا واحد منهما معينا، دون التخيير، ومع ذلك حكم المعصوم في حق من لا يترجح
~~أحدهما عنده بالتخيير.
# فلم لم يجز 1 التخيير في سائر الوقائع التي لا يفهم حكمها؟ وإن لم يقل به
~~فيها غيره من العلماء وأعجب منه وأغرب، أنه يقول: إن القول بالتخيير موجب
~~للهرج والمرج أيها المسكين لو كان في عصر مجتهدون ومتعددون، اختار كل منهم
~~في هذه الوقائع قولا، أليس العوام مخيرين في اختيار كل من هذه الأقوال؟
# بل على القول بجواز تقليد الأموات أليس الكل في كل هذه الوقائع مخيرين في
~~الاخذ بما أرادوا من هذه الأقوال المختلفة، لا سيما على القول بجواز الرجوع
~~عن التقليد، فكيف لا يلزم حينئذ هرج ومرج، ولو قلنا بهذا التخيير بعينه
~~لعدم ثبوت حجية دليل بعينه، يلزم الهرج والمرج؟! مع أنه لا ضرر في أن يكون
~~التخيير لهذا المجتهد خاصة، وما اختاره من الاحتمالات يفتي به لسائر الناس
~~وأعجب من ذلك أيضا وأغرب، أنه قال: لو لم يثبت ذلك الاجماع، لم يثبت إجماع
~~في مسألة، فإنه لا كلام لاحد هنا في ثبوت ms248 الاجماع، ولكن نقول إنه يثبت تارة
~~بالاجماع أن الامام حكم بهذا الحكم المعين، ويكون الاجماع حينئذ دليلا على
~~هذا الحكم المعين، وأخرى أن الامام حكم بأحد هذين الحكمين معينا، ولكن لا
~~يعلم بعينه، وفائدة الاجماع حينئذ أنه لا يمكن التجاوز عن هذين الحكمين،
~~ويحدث قولا ثالثا، ولكن لا يلزم أن يؤخذ بأحد الحكمين معينا البتة، و لذا
~~ترى بناء الفقهاء في مثل هذه الموارد على التخيير، بل قال الامام بنفسه:
~~إنك في مثل ذلك مخير، مع أنه كان حكمي معينا.
# PageV00P390
# فان قلت: إن لازم تعين حكم الامام عدم التخيير، فهو إجماع على حكم معين،
~~هو عدم التخيير قلنا: لو كان كذلك يلزم تناقض حكم الامام بالتخيير عند
~~تعارض الامارتين و اختلاف الحديثين، لأنه قال بأحدهما معينا، ولازمه الحكم
~~بعدم التخيير، وهو يناقض التخيير، فيلزم بطلان التخيير مطلقا، إلا فيما كان
~~الامام فيه مخيرا أيضا، وهو خلاف المجمع عليه وحله: أن لازم تعيين الحكم
~~عند شخص عدم التخيير له لا مطلقا، فلازم تعين الحكم عند الامام عدم تخييره،
~~لا عدم تخيير من لم يتعين له الحكم.
# ويقال لابطال الرابع، وهو التوقف: إنه إما أن يكون في العمل أو في
~~الافتاء.
# أما الأول: فلا معنى له من حيث هو، لعدم خلو المكلف من حيث الفعل أو
~~الترك، ولا ريب في بطلانه من حيث إنه مقرر من الشارع، لان كل مكلف لابد له
~~من بناء عمله في كل واقعة على حكم وأما الثاني: فلا مفر منه في الافتاء
~~بالحكم العلمي الواقعي، ولا شك في بطلانه في الحكم الظني الواقعي والعلمي
~~الظاهري، لان مرجعه إلى نفي وجوب الافتاء، وهو باطل، لاستلزامه الهرج
~~والمرج، ومخالف للاجماع، و لذا قيل بوجوبه عينا عند الانحصار، وكفاية عند
~~التعدد.
# فان قلت: توقف الأصحاب في كثير من المسائل قلنا: توقفهم إنما هو في الحكم
~~الواقعي، بمعنى عدم العلم به أو الظن، والعمل والافتاء فيه إنما هو على حسب
~~الأصول الكلية.
# الجواب: أما أولا: فبمنع بطلان التوقف في العمل من ms249 حيث إن العمل مقرر من
~~الشارع. وكون كل أحد مكلف ببناء عمله في كل واقعة على حكم، كلام سخيف لغو،
~~لا أدري أن في جميع الأمور المرددة بين المستحب والمباح، لو لم يرجع أحد
~~إلى دليله، ولم يبن عمله على أحد الطرفين، وكان متوقفا في حكم PageV00P391
# الشارع، فأي إثم عليه، وأي مؤاخذة عليه؟ ومن قال: إنه مكلف البتة أن يبني
~~عمله على أحد الطرفين؟
# وكذلك جميع الأمور المرددة بين والمباح والمستحب والمكروه، بل في جميع
~~الأمور المرددة بين الحرام وواحد من هذه الأحكام، لو توقف في الحكم، ولكن
~~تركه لا من جهة أنه حكم الشارع، بل للرجحان العقلي، أي ذنب صدر منه؟ و لم
~~يجب عليه البناء على الحكم المعين؟
# ولو كلف كل أحد بذلك، لزم فسق جميع الفقهاء الأطياب، وكونهم تاركين
~~للواجب، إذ ليس أحد منهم لم يتوقف في مسائل عديدة.
# والعذر الذي ذكره لتوقفهم، والمعنى الذي فسره، لا معنى له كما يأتي.
# وأما ثانيا: فبمنع بطلان التوقف في الافتاء في الحكم الظني الواقعي
~~والعلمي الظاهري، وبطلان نفي وجوب الافتاء ممنوع، وما الدليل على وجوب
~~الافتاء في كل واقعة على كل مجتهد؟ ومن أين ثبت الاجماع عليه؟ وما ترى من
~~عدم توقفهم فإنما هو لثبوت حجية دليل ظني لهم، أو وجود دليل علمي.
# وما يقولون من أن الاجتهاد واجب أما عينا أو كفاية، فهو أمر اخر لا دخل
~~له بتلك المقدمة، إذ لا شك من لزوم وجود مجتهد يميز بين المعلومات النظرية،
~~وغير المعلومات، ويفتي في المعلومات، ويتفحص ويبذل جهده في غيرها في أنه هل
~~يوجد ظن مخصوص، أو مطلق الظن، أو أمارة ثابتة الحجية أولا، فان كان، فيفتي
~~بمقتضاه، فان لزوم الافتاء في المعلومات ولزوم الفحص في غيرها من
~~البديهيات، وتلك المرحلة غير وجوب وجود شخص يفتي في جميع الوقائع.
# وأما ما قال: من أنه لولا مثل ذلك الشخص، لزم الهرج والمرج، ليت شعري أنه
~~لو لم يفت أحد في المستحبات، والمكروهات، وكثير من العبادات و متعلقاتها،
~~وتوقفوا ms250 فيها كيف يلزم ذلك؟
# إن قلت: يفرض الكلام في الأمور الواجبة، ويتم المطلوب بعدم الفصل.
# قلنا: الالتجاء بالاجماع المركب في أمثال هذه المقامات، كتشبث الغريق
~~PageV00P392
# بلحيته، ليس ذلك مقام يثبت فيه قول المعصوم بأمثال تلك المزخرفات، مع أن
~~خصمك لا يرد دليلك بالاحتمالات (المقررة) 1 خاصة، بل يجوز (الترك) 2 لها
~~أيضا، وعليك إبطاله.
# فنقول 3: بعد انسداد باب العلم، ما الضرر في التوقف في مقام لم يثبت فيه
~~وجوب الافتاء والعمل بالظن أو التخيير 4 أو غيرهما في مقام ثبت فيه؟ فلا
~~يثبت وجوب العمل بالظن على الاطلاق.
# وأما ما حمل عليه توقف الأصحاب في كثير من المسائل، فكلام لا محصل له، إذ
~~من لم يعلم الواقع بخصوصة، ولم يظنه، فمع تلك الحال: أما قرر الشارع له
~~حكما واقعيا أم لا، فان لم يقرر، فهو اعتراف بانتفاء الحكم، والعمل
~~والافتاء فيه بحسب الأصول الكلية غلط وان قرر، وهو الذي يستنبط من الأصول
~~الكلية، فلا يكون ذلك الشخص متوقفا في حكمه، فلم يقول: أنا متوقف؟
# إن قلت: إن مرادهم انتفاء العلم والظن بخصوص واقع المورد.
# قلنا: فيلزم أن يتلقى بالتوقف في جميع الموارد التي تعارضت فيها الأدلة،
~~ولا مرجح، إذ ليس له ظن بواقعة مخصوصة 5، ويحكمون بالتخيير من باب القواعد
~~الكلية للجاهل بالواقع، مع أنهم ينسبون التوقف في هذا المقام إلى الاخباري،
~~ويردون عليه، وكذلك كثير من مواضع جريان الأصل من المواضع التي لا علم
~~بواقعها ولا الظن، ويحكمون بالأصل، ولا يظهرون التوقف ويقال لابطال الخامس،
~~أي العمل بالظن المخصوص: إنه إن أريد من
# PageV00P393
# خصوصيته: كونه 1 هذا الفرد من الظن 2 وإن لم يكن دليل على حجيته، فهو
~~ترجيح بلا مرجح، وبطلانه بديهي وإن أريد منها: خصوصيته من حيث ثبوت الحجية،
~~والمفروض انتفاء ظن كذائي، أي معلوم الحجية، والا لم يكن باب العلم منسدا
~~ودعوى معلومية حجية بعض أفراد الأدلة الشرعية مجازفة، ولو ثبت، فلا يثبت
~~حجية شئ يفي بجميع الاحكام المعلوم بقاؤها الجواب: بعد مقدمة، هي أنه لا شك ms251
~~في أن العلم في نفسه حجة، ولا حاجة في حجيته إلى دليل، ولذلك لا فرق بين
~~أنواع العلوم في الحجية، ولا مخالف في حجية علم.
# بخلاف الظن، فإنه بنفسه ليس بحجة، وحجيته موقوفة على وجود دليل عليه،
~~وكثير من الظنون ليس بحجة، كالظن القياسي والفالي، وظن القاضي الحاصل من
~~شاهد واحد، أو من مجرد قول المدعي، أو من بعض القرائن، و لذلك يحتاج
~~المستدل في هذا المقام إلى الدليل، وتفرع حجية الظن على بقاء الاحكام،
~~وانسداد باب العلم، وإبطال الاحتمالات، فعلى المحقق أن ينظر في أن المتفرع
~~والثابت منها بعد التسليم: حجية مطلق الظن، أو حجية ظن من الظنون، أي الظن
~~في الجملة.
# لا شك أن مدلولها ليس حجية كل ظن، أو الظن من حيث هو، إذ ليس ملازمة
~~عقلية أو شرعية أو عادية بين هذه المقدمات، وبين العمل بكل ظن، أو الظن من
~~حيث هو ولأجل ذلك لو فرضنا أن أحدا يتشرف بخدمة امام الزمان (عليه السلام)،
~~ويقول له:
# إن الاحكام باقية في زمان غيبتك، وينسد باب العلم إليها، وكل احتمال غير
~~الظن باطل، فما الحجة لنا؟ وأجاب هو عليه السلام: أن اعمل بالظن الفلاني،
~~كالخبري
# PageV00P394
# أو الشهرة، لا يلزم منه فساد.
# فالثابت من هذه المقدمات على فرض التسليم ليس الا حجية ظن من الظنون، أي
~~الظن في الجملة.
# وإذ علمت هذه المقدمة، نقول في جواب ما قال:
# أولا: إنه ليس مراد خصمك أنه يجب أن تعمل بظن مخصوص، حتى تعترض بأن
~~الخصوصية من حيث فردية الظن أو ثبوت الحجية، بل مراده أن دليلك إنما يتم لو
~~أبطلت احتمال العمل ببعض الظنون دون بعض، وأثبت وجوب العمل بكل ظن.
# والملخص: أن مفاد دليلك ليس الا حجية ظن، فلم أنت تعمل بكل ظن؟
# فان قلت: حجية الظن في الجملة من دون تعيين البعض أو الكل لا يترتب عليها
~~فائدة، إذ لا يمكن العمل بشئ غير معين.
# قلنا: غرض خصمك أيضا أن ذلك الدليل لا يترتب عليه فائدة، ولا يثبت منه ms252
~~إلا حجية الظن في الجملة، وأنت محتاج في تعيين ذلك الظن إلى دليل اخر، و لم
~~ينزل وحي في أنه يجب ترتب الفائدة على ما ثبت من ذلك الدليل.
# ألا ترى أنه لو ثبت من الاجماع وجوب العمل بظن، ولم يعلم تعيين المجمع
~~عليه، لا يعمل بشئ منها.
# وثانيا: إنا نقول: إن للخصم أن يختار شقا ثالثا، وهو العمل بالظن المظنون
~~الحجية، أي يختار أن خصوصية هذا الظن من جهة الظن بالحجية، ويعلم بالظن
~~المظنون الحجية، فيختار أن خصوصية الظن من جهة الظن بالحجية، ولا شك أنه لا
~~يلزم حينئذ الترجيح بلا مرجح.
# قيل: المراد من الترجيح هنا هو: التعيين والتلبس باعتبار أن المتلبس به
~~هو لازم الاتباع دون غيره، ولا شك أن الترجيح بهذا المعنى عين الاستدلال،
~~فيكون الترجيح بواسطة الظن بالحجية استدلالا بالظن على تعيين هذا الظن
~~المظنون الحجية للعمل دون غيره، ولا شك أن هذا لا يتم إلا على ثبوت حجية
~~خصوص PageV00P395
# هذا الظن، أو القول بحجية الظن، والأول لم يثبت، فتعين الثاني، فلا يتم
~~هذا الجواب الا على القول بأصالة حجية كل ظن ولا يخفى أن هذا القائل خلط
~~بين ترجيح الشئ وتعيينه، ولم يفهم الفرق بينهما.
# ونحن لبيان المطلب نقدم أولا مقدمة، ثم نجيب عن كلامه.
# وهي: أنه لا ريب في بطلان الترجيح بلا مرجح، فإنه مما يحكم بقبحه العقل
~~والعرف والعادة، بل يقولون بامتناعه الذاتي كالترجيح وبلا مرجح والمراد
~~بالترجيح بلا مرجح، هو: الكون مع أحد الطرفين، والميل إليه، والاخذ به من
~~غير مرجح وإن لم يحكم بتعيينه وجوبا، وأما الحكم بذلك فهو أمر اخر وراء ذلك
~~ولنوضح ذلك بأمثلة، فنقول: إذا أرسل سلطان مثلا عبدا إلى بلد، وقرر له
~~أحكاما وطلبها منه، ولم يعلم ذلك العبد تلك الأحكام، ولكن أخبره عادل بأنه
~~طلب منه إكرام زيد وعمرو وبكر وخالد، من غير نفي أحكام اخر، واخر، بأنه طلب
~~منه بناء دار ومسجد وقنطرة ورباط من دون نفي الغير وثالث، بأنه طلب منه
~~كتابة مصحف ms253 وكتاب وديوان كذلك، ولم يكن له بد من العمل بأقوال هؤلاء وكلا
~~أو بعضا، ولكن لم يعلم أن أحكامه هل هي ما أخبر به الجميع أو واحد أو
~~اثنين، فان كان الجميع متساوين من جميع الوجوه، فلو عمل بقول واحد معين
~~منهم من حيث هو قوله كان ترجيحا بلا مرجح، وموردا للقبح ولكن لو كان الظن
~~الحاصل من قول أحدهم أقوى، أو ضم معه مكتوب متضمن للاخذ بقوله من السلطان
~~أو الوزير من غير أن يفيد العلم، ولا أن يكون دليل على حجية ذلك المكتوب،
~~فلو اخذ بقوله وعمل به، لم يلزم ترجيح بلا مرجح، ولا قبح فيه عقلا ولا
~~عرفا، نعم لا يجوز له الحكم بأن الواجب أخذه عليه هو ذلك الا مع حجة عليه.
# ومن هذا القبيل: لو حضر طعامان عند أحد، أحدهما ألذ من الاخر، فلو
~~PageV00P396
# أكل هذا الشخص الألذ، لم يرتكب ترجيحا بلا مرجح، وإن لم يلزم أكل الألذ،
~~ولكن لو حكم بلزوم أكله، لابد من تحقق دليل عليه، ولا يكفي مجرد الألذية،
~~نعم لو كان أحدهما مضرا، يصح له الحكم باللزوم.
# ومن ذلك القبيل أيضا من أراد السفر إلى بلد كان له طريقان متساويان من
~~جميع الوجوه، ولكن سافر بعض أحبابه من أحدهما، فلو اختار هو أيضا السفر من
~~ذلك الطريق، لم يرتكب ترجيحا بلا مرجح، ولكن لو حكم بتعيين هذا الطريق
~~للسلوك احتاج إلى دليل.
# وبالجملة جميع الموارد كذلك، والحكم بلا دليل غير الترجيح بلا مرجح، و
~~شتان ما بينهما، فالمرجح غير الدليل، والأول يكون في مقام الميل والعمل،
~~والثاني في مقام التصديق والحكم.
# وإذ عرفت تلك المقدمة، نقول: ليس مراد المورد أنه يجب العمل بالظن
~~المظنون حجيته 1، وأنه الظن الذي يجب العمل به بعد سد باب العلم، بل غرضه
~~أن بعد ما يلزم على المكلف - ببقاء التكاليف وانسداد باب العلم - العمل بظن
~~2 في الجملة، ولا يعلم أنه أي ظن لو عمل بالظن المظنون حجيته - كما أن
~~المسافر يسلك السبيل الذي سلكه رفقاؤه ms254 - ما الضرر فيه، وأي نقص يلزم عليه؟
# فان قلت: هو ترجيح بلا مرجح، فغلطت غلطا ظاهرا وان كان غيره فبينه حتى
~~ننظر وثالثا: نقول: إنه يجب العمل بالظن المظنون الحجية، لأنه كما أنك تقول
~~يجب علينا في كل واقعة البناء على حكم، ولعدم كونه معلوما يجب في تعيينه
~~العمل بالظن، ولا يلزم ترجيح بلا مرجح، مع أن تعيينك ليس الا بالظن، فكذا
~~نقول: إنه بعد ما وجب علينا العمل بظن، ولم نعلم تعيينه، يجب علينا في
~~تعيين هذا الظن العمل بالظن، وكيف لا يلزم في الأول ترجيح بلا مرجح، و
# PageV00P397
# يصح الترجيح بالظن، ويلزم في الثاني، ولا يصح؟! ولعمري إن هذا الشئ
~~عجاب!!
# وبتقرير اخر: إن تقول: إن سد باب العلم وبقاء الاحكام، وبطلان سائر
~~الاحتمالات المذكورة بنفسها موجبة للعمل بكل ظن، وأصالة حجيته، فبين لنا
~~الملازمة حتى نستفيد منك وان تقل: إنها موجبة للعمل بالظن في الجملة، ولكنه
~~غير معين لنا بالطريق العلمي، فان لم يكن سد باب العلم مستلزما للعمل بالظن
~~1، فلم أخذته في أصل دليلك؟ وإن كان، ففي هذا المقام أيضا كلفنا بالعمل بظن
~~من الظنون، وباب العلم به منسد فاعمل فيه أيضا بالظن، واحكم بحجية كل ظن
~~كان دليل ظني على حجيته، وهو الأخبار الواردة في الكتب المعتبرة من
~~أصحابنا، التي دلت الشهرة والاجماع المنقول ومفهوم الكتاب ومنطوق الأحاديث
~~الغير المحصورة والقرائن المتكثرة على حجيتها، كما بيناه مفصلا في شرح
~~تجريد الأصول، والمناهج 2، وأساس الاحكام، ومفتاح الاحكام فان قلت: الدليل
~~الظني على حجية الاخبار لا ينفي حجية ظن آخر قلنا: نعم، ولكن لا يكون حينئذ
~~دليل على حجية ظن اخر، إذ بعد ثبوت وجوب العمل بظن مظنون الحجية ينفتح باب
~~الاحكام، ولا يجري دليلك في ظن اخر، ويبقى تحت أصالة عدم الحجية.
# ورابعا: أنه لو فرضنا عدم المرجح، فاللازم منه التخيير بين الظنون، لا
~~العمل بكل ظن فان قلت: لم يقل أحد بالتخيير بين الظنون
# PageV00P398
# قلنا: لم ينسد باب العلم أو حجية الظن المخصوص لأحد أيضا ms255 1، فيتفاوت
~~حالنا مع حال الغير، ورب مسألة رجح فيها غيرنا أحد الطرفين، وسد طريق
~~الترجيح للاحق له، وقال فيها بالتخيير.
# بل نسألك: أنه لو تعارض عندك دليلان في حكم، ولم يتم عندك الترجيح الذي
~~رجح به غيرك، فما عملك فيها؟ فهل تتوقف مع أنك قلت بوجوب الافتاء في كل
~~مسألة، أو تعمل فيها بأصل لم يعمل به فيها غيرك، أو تعمل فيها بالتخيير،
~~كما هو مختار المجتهدين عند التعارض؟ فكذا فيما نحن فيه فان قلت: العمل
~~بالتخيير بين الظنون يوجب الهرج والمرج.
# قلت: ليت شعري لماذا يلزم ذلك؟ فان المراد من التخيير بين الظنون أن كل
~~مجتهد يختار للعمل أي ظن شاء، كالظن الحاصل من الخبر، أو الشهرة، أو
~~غيرهما، وكيف إذا اختار كل واحد ظنا لأجل دليل لا يلزم الهرج والمرج، وإذا
~~اختاره لأجل التخيير يلزم ذلك! مع أنه لا فرق الا في باعث الاختيار وتتمة
~~تفصيل الكلام في ذلك الاحتمال، تطلب من كتبنا الأصولية المبسوطة.
# ويقال لابطال السادس: أي العمل بامارة مخصوصة من غير ملاحظة إفادتها الظن
~~وعدمها: ما قيل في إبطال خامس الاحتمالات، من أنه إن أريد من خصوصيتها
~~كونها هذه الامارة، فهو ترجيح بلا مرجح، وان أريد من حيث ثبوت الحجية،
~~فالمفروض انتفاؤه الجواب: نظير ما مر في الظن المخصوص، فنقول: المراد من
~~خصوصية كونه مظنون الحجية إلى اخر الكلام، ولما أحطت بما ذكرنا، تعلم عدم
~~بطلان هذه الاحتمالات، ومع ذلك لا تكون الكبرى تامة، كما أن الصغرى أيضا
~~كانت غير تامة، وحال الدليل الذي لا تتم كبراه ولا صغراه معلومة.
# PageV00P399
# ويرد عليه اعتراضات كثيرة ذكرنا أكثرها في سائر كتبنا لا يهم ذكرها حيث
~~إن ما ذكرناه يكفي لطالب الحق إلا أن ها هنا اعتراضا اخر يجب ذكره، وهو أنه
~~لو أغمضنا النظر عن فساد مقدمات ذلك الدليل نصول على نتيجته التي هي قولك:
~~فيجب العمل بالظن، و نقول: هل مرادك والمستنتج من مقدماتك وجوب العمل وحجية
~~كل ظن، سواء دل دليل قطعي على المنع من ms256 العمل به أولا، أو المراد وجوب
~~العمل بكل ظن لم يكن على المنع عنه دليل قطعي، سواء دل دليل ظني على المنع
~~من العمل به، أولا، أو المراد وجوب العمل بكل ظن لم يكن دليل قطعي ولا ظني
~~من العمل به؟
# ظاهر أن المراد ليس الأول، بل أحد الأخيرين، فان كان المراد الاحتمال
~~الثاني، أي وجوب العمل بكل ظن ليس دليل قطعي على المنع عن العمل به وان كان
~~دليل ظني عليه، يرد عليه مفاسد:
# المفسدة الأولى: أنه على هذا لو دل دليل ظني على المنع من العمل بظن،
~~كآية النبأ الدالة على القول بحجية مفهوم الوصف على المنع من العمل بخبر
~~الفاسق، بل غير العادل على المشهور من أصالة الفسق، وكالاخبار الواردة في
~~المنع عن العمل بالاخبار العامية، وعن العمل بالروايات المخالفة لعموم
~~الكتاب.
# وكالشهرة على المنع عن العمل بالشهرة، وغير ذلك، فيجب عليك أن تعمل بالظن
~~الممنوع منه، ولا تلتفت إلى دليل المنع، مع أنك لا تعمل كذلك بل لو قلت
~~بتمامية دلالة آية النبأ ترد خبر الفاسق، وكذا الروايات العامية وإن كابرت
~~أو جهلت أو تجاهلت، وقلت: أعمل بهذا الظن الممنوع منه ظنا، ولا أعتني بدليل
~~المنع.
# قلنا: دليل المنع أيضا كان ظنيا، وأنت قلت: إن كل ظن ليس دليل قطعي على
~~بطلانه أعمل به، فما الدليل القطعي على بطلان هذا الدليل الظني؟
# فان قلت: الدليل العام على حجية كل ظن لا دليل قطعيا على بطلانه دليل
~~قطعي على بطلان هذا الدليل الظني، كآية النبأ مثلا، إذ الدليل العام يدل
~~على PageV00P400
# وجوب قبول خبر الفاسق الظني، والآية على منعه، والدليل العام قطعي معارض
~~مع الآية، فهو دليل قطعي على المنع من العمل بالآية قلنا: دلالة الدليل
~~العام على حجية خبر الفاسق والآية على السواء، ونسبته إليهما واحدة، فلم لا
~~تقول: إن خبر الفاسق ممنوع من العمل به بالدليل القطعي الذي هو آية النبأ،
~~حيث إنها صارت بواسطة الدليل العام قطعية العمل؟ ولو اخترت ذلك وقلت به،
~~يرد ms257 الاعتراض من الطرف الآخر والملخص: أنه ان كان المراد أنه يجب العمل بكل
~~ظن لم يكن دليل قطعي على المنع منه وان منع عنه دليل ظني، يلزم عليك أن
~~تترك الدليل الظني الذي لا دليل قطعيا على بطلانه، إذ لو دل دليل ظني على
~~بطلان ظن لا تأخذ به، مع أنه لا دليل على بطلانه أصلا، ونسبة الدليل العام
~~إلى المانع والممنوع منه على السواء.
# المفسدة الثانية: أنه لو تمت دلالة مثل آية النبأ على المنع من قبول خبر
~~الفاسق الظني، أو الاخبار على المنع من قبول الروايات العامية ولو أفادت
~~الظن، أو الموافقة للعامة، هل تدعي القطع بوجوب قبول خير الفاسق والروايات
~~العامية، أو لا، بل تظن ذلك؟
# فان ادعيت القطع فأنت كاذب، ونفسك بكذبك عالم، وان ادعيت الظن، فلا أدري
~~كيف تثبت حجية الظن بالظن!؟
# المفسدة الثالثة: أن تفريعك وجوب العمل بالظن على بقاء الحكم، وسد باب
~~العلم، هل هو لسبب ومنشأ، أو لا، بل لا دليل عليه؟ فان كان الثاني، فأصل
~~تفريعك فاسد باطل.
# وإن كان له سبب، فلاحظ أنه هل يجري في الظن الذي دل دليل ظني على بطلانه
~~أيضا أم لا؟
# والسبب الذي يتصور ادعاؤه أمران: أحدهما الاجماع، وثانيهما: حكم العقل
~~وجريان العادة. PageV00P401
# أما الاجماع: فعدم ثبوته في صورة وجود الدليل الظني على المنع واضح.
# وأما حكم العقل: فتجعل عقلك حاكما، ونسألك: لو أن مولى طلب من عبد له في
~~بلدة بعيدة أمورا، ونسيها، ولم يمكن تحصيل العلم، وكان طلب المولى باقيا،
~~ولكن وصل كتاب من المولى مفيد للظن أن المطلوب هي الأمور الفلانية، وأخبر
~~زيد أن المطلوب أمور اخر، وهي هذه، وحصل الظن من كل منهما، ولكن وصل كتاب
~~اخر من المولى، أو أخبر عادل من قبل المولى: أنك لا تعمل بالخبر الخالي عن
~~الكتاب، فهل يحكم عقلك حينئذ أيضا بوجوب العمل بخبر زيد؟
# فان قلت: يحكم، فأنت مكابر صرف المفسدة الرابعة: أن في المنازعات
~~والمرافعات والوقائع الحادثة لو رجعوا إلى مجتهد، فهل يلزم ms258 عليه الافتاء أم
~~لا؟ تحكم باللزوم ألبتة، فإنه أول دعواك 1 ثم نقول: إنه لو علم الحاكم
~~بالواقع، فعلى المشهور بل المجمع عليه بين الامامية، يحكم بمقتضى الواقع
~~ولو انسد باب علمه بالواقع، فبمقتضى استدلالك واختيارك يجب عليه العمل بظنه
~~بالواقع، إلا ظن دل دليل قطعي على المنع منه، ويلزم منه أنه لو حصل الظن من
~~قول المدعي، أو الشاهد الواحد مع يمين المدعي، أو الشاهدين في ما يلزم فيه
~~الأربعة، أو شهادة الفاسقين، أو من بعض القرائن، تحكم بمقتضاه، ولو دل دليل
~~ظني - كخبر صحيح أو أخبار صحيحة أو إجماعات منقولة أو شهرة عظيمة - أن في
~~الموضع الفلاني يلزم العدلان، أو أربعة عدول، أو لا يكفي اليمين مع شهادة
~~النساء، أو لا تسمع شهادة الفساق، وكذا في تعيين العادل وكيفية شهادة
~~الشهود، ومسائل اليمين، وتأخذ ظنك بالواقع إلا فيما كان فيه إجماع قطعي 2.
# PageV00P402
# فلو وقع الخلاف في أن في الامر الفلاني هل يكفي الرجل الواحد والمرأة؟ و
~~دلت أخبار صحيحة بل مشهورة على عدم الكفاية، يلزم عليك أن لا تلتفت إلى تلك
~~الأخبار، وتأخذ بقولهما المفيد للظن بالواقع، إذ لا ترفع يدك عن ظنك بواسطة
~~الدليل الظني، مع أنك لا تفعل كذلك، ولو فعلت، يلزمك أن لا تعمل بالأدلة
~~الظنية في أكثر المسائل الخلافية من المحاكمات، بل في غير المحاكمات أيضا
~~مثلا لو علمنا بوصول النجاسة إلى الثوب، يحكم فيه بوجوب غسله، ولو سد باب
~~العلم بالنجاسة والطهارة في موضع، وحصل الظن بوصول البول إليه بقول عادل أو
~~فاسق أو أمارة، فمقتضى هذا الاستدلال وجوب العمل بهذا الظن ولو دل
~~الاستصحاب أو الخبر الصحيح على عدم قبوله، وكذلك في كثير من أبواب النجاسات
~~والطهارات وغيرها.
# فان قلت: هذه الظنون ليست ظنا بالحكم الشرعي، والكلام ومقتضى الدليل إنما
~~هو في الظن بالحكم الشرعي قلنا: لو علمت 1 بالواقع تكون عالما بالحكم
~~الشرعي، فالظن بالواقع بعينه هو الظن بالحكم الشرعي، كما أن علمك بما جاء
~~به النبي (ص) علم بحكمك الشرعي، ms259 وفي الظن به تدعي الظن بحكمك الشرعي فان
~~قلت: الظن بالواقع هنا لا يستلزم الظن بالحكم الشرعي قلنا: بل هو عين الظن
~~به، مع أنه يجري ذلك بعينه في الظن بما جاء به النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم، إذ الظن به لا يستلزم الظن بحكمك، وسيأتي نوع بيان لذلك.
# فان قلت: لما لم يعمل أحد من العلماء في هذه المواضع بظنه في الواقع مع
~~وجود الدليل الظني على المنع منه، فلذلك لا نعمل أيضا.
# قلنا: فطرح الظن الذي منع عنه الدليل الظني إجماعي، فكيف قلت أعمل
# PageV00P403
# بظن لا دليل قطعيا على المنع منه؟
# فان قلت: لما أثبتنا حجية تلك الظنون، فإنها تكون أدلة قطعية.
# قلنا: كان كلامنا أولا معك في ذلك أيضا، وكنت تقول: لما أثبتنا حجية الظن
~~بالواقع، فلا نأخذ بهذا الظن، فلم صارت القضية بالعكس حينئذ؟ وأيضا أنت
~~أثبت حجية الظن بالواقع قطعا، فلم تتركه؟ وأيضا أنت أثبت حجية كل ظن، فكيف
~~تأخذ بدليل ظني ظن المنع منه؟
# فان قلت: لو دل دليل ظني على المنع من العمل بظن، لا يبقى الظنان معا، بل
~~يتعارضان، ويبقى الأقوى منهما قلنا: ذلك من غرائب الأقوال، فإنه لو شهد
~~عندك ثلاثة عدول من العلماء الصلحاء بأن رأينا زيدا يزني بهند، وشاهدناه
~~كالميل في المكحلة، فلا يحصل لك الظن بزناء زيد، من جهة أن الشارع نهى عن
~~العمل بشهادة ثلاثة شهود في الزنا؟
# ولو كان كذلك، فما معنى اللوث في القسامة؟ وكذا ما معنى ما يقوله الفقهاء
~~في كثير من المواضع: إنه يشترط فيه العلم، ولا يعتبر الظن، فإنه يرتفع
~~الظن؟
# ويلزمك أنك إذا قلت باشتراط مضي العمر الطبيعي في الحكم بموت الغائب، لا
~~يحصل لك الظن بموته أبدا، بل كنت أبدا إما عالما بحياته أو بموته. و إذا
~~لاحظت آية النبأ لم يحصل لك الظن من خبر الفاسق أبدا، ومن لا يقول بحجية
~~الشهرة لا يحصل له منها الظن، وفساد ذلك أظهر من الشمس وأبين من الأمس.
# وإن كان المراد ms260 الاحتمال الثالث، أي حجية كل ظن لم يكن على المنع منه
~~دليل مطلقا، لا قطعي ولا ظني، يلزم منه عدم حجية ظن لم يكن على حجيته
~~بخصوصه دليل، إذ الآيات الكثيرة، والأخبار العديدة، والاجماعات المنقولة
~~صريحة في عدم حجية الظن، كما ذكرناها في كتبنا المبسوطة، وهذه أدلة ظنية
~~على عدم حجية كل ظن، خرج من تحتها ما خرج بالدليل العلمي، فيبقى الباقي.
~~PageV00P404
# فان قلت: لا يحصل منها الظن.
# قلنا: كيف يحصل لك في غير ذلك الموضع - من إجماع منقول واحد، أو شهرة، أو
~~آية واحدة، أو خبر واحد، أقول من يقول: التأسيس أولى من التأكيد - الظن،
~~وتحكم بمقتضاه، ولا يحصل من جميع هذه الآيات والاخبار والاجماعات المنقولة
~~والشهرة العظيمة، مع عدم مانع لها؟ إن هذا لشئ عجاب!!
# فان قيل: المانع منها موجود، وهو دليل حجية كل ظن قلنا: أنت اعترفت بان
~~الثابت منه حجية ظن لم يكن دليل ظني أيضا على المنع منه، وهي أدلة ظنية على
~~المنع، فلا تعارض بينها وبين ذلك الدليل الا ترى أنه لا يعارض قوله عليه
~~السلام: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر) مع دليل نجاسة شئ مطلقا، ولو قال:
~~(كل شئ طاهر) كان يعارض مع كل دليل نجاسة، فلو كان مقتضى دليلك أن كل ظن
~~حجة، كان معارضا، ولكنك قلت:
# إن مقتضاه أن كل ظن حجة حتى يدل دليل علمي أو ظني على عدم حجيته.
# فان قيل: الدليل القطعي على عدم حجية تلك الآيات، والاخبار، والاجماعات
~~موجود، وهو أنه يلزم من حجيتها عدم حجيتها، لأنها أيضا لا تفيد أزيد من
~~الظن.
# قلنا أولا: إن الظاهر والمتبادر من أمثال ذلك الكلام إرادة غيره، ألا ترى
~~أنه لو قال مولى لعبده: أن لا تعمل بشئ مما امرك به اليوم، يفهم منه كل أحد
~~(إرادة) غير ذلك الكلام، وكذلك العبد، ولا يعمل بأمر اخر.
# وثانيا: إنا سلمنا شمولها لأنفسها أيضا، ولكن نقول: إنه إذا كان هناك عام
~~دل دليل قطعي على بطلان عمومه، تتركه بالمرة، أو ms261 تقتصر على ما أخرجه
~~الدليل؟.
# فان قلت: نتركه بالمرة، فأنت كاذب قطعا، لان العام المخصص حجة عندك، وإلا
~~لم يكن لك حجة من كتاب أو سنة، إذ ما من عام إلا وقد خص وإن قلت: أقتصر على
~~قدر أخرجه الدليل. PageV00P405
# فنقول: لا شك أنه لو خصت تلك الآيات والاخبار بغير أنفسها، كانت صحيحة،
~~ولا يلزم عليها نقض، ولو شملت أنفسها يلزم من جواز العمل بها عدمه، فالعمل
~~بعمومها غير ممكن قطعا، ولكن أي مانع في العمل بها في غير أنفسها، وما
~~الدليل القطعي أو الظني على بطلانها فيه؟ وذلك بين جدا.
# ولما كان أصل ذلك الاعتراض مما ذكرته في كتبي المبسوطة، تصدى بعض الطلبة
~~لذكر جواب له فقال:
# إن مقتضى هذا الدليل - أي دليل الانسداد -: حجية الظن الذي لم يقم على
~~عدم حجيته دليل قطعي، ولا ظني قائم مقامه، ولا ظني أقوى منه أو مساو له من
~~حيث الاندراج تحت هذا الدليل، لا من حيث قوة الظن، فان مقتضى الدليل ذلك،
~~لان بطلان الترجيح بلا مرجح من مقدماته، ومقتضاه تساوي الظنون - في نظرنا -
~~من حيث تجويز الشارع العمل بها، والمنع منها، ولو كان ظن مانعا عن ظن، فلو
~~علم المنع من الشارع في خصوص ظن، أو ظن ذلك بظن قائم مقام العلم، فلا ريب
~~في عدم التساوي، ولو ظن بظن غير مخصوص، أي غير قائم مقام العلم بدليل
~~مخصوص، فكذلك، لحصول التعارض والحاصل: أن دليل حجية الظن خاص بالظن الذي لم
~~يقم على عدم حجيته دليل علمي أو ظني مخصوص، أو مندرج تحت دليل حجية الظن،
~~والآيات والأخبار الدالة على عدم حجية مطلق الظن غير مفيدة للعلم، وليست
~~ظنونا مخصوصة ثابتة حجيتها بخصوصها بالقياس إلى حرمة العمل في زمان
~~الانسداد على القول بخصوصيتها، فضلا على القول بعدم المخصوصية مطلقا، وليس
~~دليل الانسداد أيضا مقتضيا لحجيتها بالنسبة إلى الظن بالأحكام الشرعية،
~~لعدم شمول المقدمات لها.
# أقول: محصلة أنا نختار حجية كل ظن لم يكن على المنع من العمل به حجة
~~قطعية، ms262 أو ظنية ثابتة الحجية بالخصوص، أو بدليل الانسداد، وشئ من الآيات
~~والأخبار الناهية عن العمل بالظن لا يفيد القطع، وليس ثابت الحجية
~~PageV00P406
# بالخصوص، ولا بدليل الانسداد، إذ لا تشملها مقدماته.
# وفساده في غاية الظهور، أما أولا: فلان ذلك الجواب لم يفد لرفع المفسدة
~~الرابعة، بل جعلها مستحكمة، لأنه لو حصل من قول عادل واحد ظن باشتغال ذمة
~~زيد لعمرو، ودل خبر صحيح على المنع من العمل بشهادة الواحد، فعلى قولك يجب
~~عليك تركهما معا لحصول التعارض، لاندراجهما معا تحت دليل الانسداد، لان
~~كليهما ظن بالحكم الشرعي، فان الظن بالاشتغال ظن بوجوب تحصيل البراءة، وهذا
~~حكم شرعي، والظن بحصول الطلاق ظن بحرمة الوطء، والظن بصدور الجرح ظن بتعليق
~~الدية، وهكذا.
# وأما ثانيا: فلانه ما السبب في عدم اقتضاء دليل الانسداد حجية الآيات،
~~والأخبار الناهية عن العمل بالظن بالنسبة إلى الأحكام الشرعية؟ بل ليست
~~مسألة جواز العمل بخبر الواحد أو الشهرة أو الاجماع المنقول مثلا أو عدمه
~~واقعة من الوقائع، ولله سبحانه فيها حكم أم لا؟
# إن قلت: لا، فخالفت قولك بأن لله في كل شئ حكما يجب الافتاء به.
# ولو سألك سائل: إن الله سبحانه، هل أوجب العمل بالخبر الواحد، أو مطلق
~~الظن في الأحكام الشرعية؟ تجيب بأنه ليس لله سبحانه في ذلك حكم ولو لم يكن
~~له فيه حكم فما تريد إثباته من دليل الانسداد.
# وإن قلت: إن له فيها حكما، نقول: هل حكمه فيها معلوم مع قطع النظر عن
~~دليل الانسداد أم لا؟
# إن قلت: إنه معلوم، فاعترفت بانفتاح باب العلم، ويفسد أصل دليلك، فان
~~الظن المنتهي إلى العلم علم، مع أنا نطالبك وجه العلم، بل يكون حينئذ من
~~باب نعم الوفاق، فإنا نقول: بمعلومية حجية الاخبار، ومعلومية عدم حجية مثل
~~الشهرة، والاجماع المنقول وإن قلت: ليس بمعلوم، فيجب عليك فيها العمل
~~بالظن، بمقتضى دليل الانسداد. PageV00P407
# وبين لي أن أي فرق بين أن يدل خبر أو أخبار على أن الاستصحاب حجة في
~~الأحكام الشرعية أو الأصل في مقام عدم ms263 الدليل، أو أن الخبر الموافق للعامة
~~ليس حجة، أو تدل الآيات والاخبار على أن الظن في الأحكام الشرعية حجة، أم
~~لا، أو يدل عمومها على أن الاخبار، أو الشهرة، أو الاجماع المنقول، ليس
~~بحجة؟
# بل أي فرق بين أن تدل اية أو خبر أو إجماع منقول على عدم جواز عمل المكلف
~~بمثل الشهرة، أو الخبر، أو مطلق الظن في إثبات الاحكام، أو يدل على عدم
~~جواز عمله به في إثبات حقوق الناس، وأحكام المرافعات، وأبواب الطهارات
~~والنجاسات؟
# وكيف يندرج بعضها تحت دليل الانسداد، ولا يندرج بعض اخر؟ وأي مقدمة من
~~مقدمات دليل الانسداد يجري في أحدهما دون الاخر؟
# ولا يخفى أن أصل ذلك الاعتراض لا يختص وروده على دليل الانسداد، بل يرد
~~على كل دليل يقام على حجية مطلق الظن، بل أصله دليل محكم على عدم إمكان
~~حجية مطلق الظن، كما لا يخفى على الفطن الخبير.
# ثم نختم الكلام في هذا الدليل باعتراض اخر واضح السبيل، وهو أن من
~~البديهيات أن بقاء التكاليف والاحكام موقوف على فتح باب العلم بها، أو ثبوت
~~وجوب الاخذ بأمارة أو ظن: أي فتح باب ثبوت دليلها.
# أي يجب إما أن يعلم نفس تلك الأحكام، أو يثبت لنا مأخذ ودليل لها، ولما
~~فرض سد باب العلم، فبقاؤها موقوف على حجية دليل لنا، إذ من الضروريات أن
~~التكليف بأحكام غير معلومة بنفسها، ولا ثبوت حجية دليل عليها تكليف بما لا
~~يطاق، ولذا اتفقوا على سقوط الاحكام عمن لم يتمكن من تحصيلها، كمن وقع في
~~بادية، أو في قرية في أقصى العالم.
# وبالجملة: توقف ثبوت بقاء التكاليف بعد سد باب العلم على ثبوت حجية دليل
~~عليها من بديهيات العقل، ولا شك أن ثبوت حجية الظن بهذا الدليل موقوف على
~~ثبوت بقاء التكليف أيضا، إذ لولاه لما ثبت، وهذا دور واضح، PageV00P408
# لا شك فيه الدليل الثاني: من أدلة القائلين بحجية كل ظن: أنه لو لم يجب
~~العمل بالظن، لزم ترجيح المرجوح على الراجح وهو قبيح، فيجب ترجيح الراجح، ms264
~~الذي هو المظنون، وهو المطلوب 1.
# ويرد عليه وجوه كثيره من الاعتراضات ذكرناها في كتبنا 2، ونقتصر هنا على
~~وجهين يكفيان لطالب الحق.
# الوجه الأول: أن أي ضرورة في الترجيح حتى يلزم ترجيح المرجوح؟
# وتوضيحه: أنه لو وجب ترجيح أحد الطرفين، ويلزم ترجيح ألبتة، فلا يجوز
~~ترجيح المرجوح، وأما لو لم يجب ذلك، ولم يرتكب الترجيح، فلا يلزم ترجيح
~~مرجوح.
# فان قلت: الترجيح لازم بوجوب الافتاء في كل مسألة.
# قلنا: لم؟ ولماذا يلزم الافتاء؟ وما الدليل عليه؟ وقد مر تفصيله.
# الوجه الثاني: أن وجوب ترجيح الراجح، وقبح ترجيح المرجوح عند وجوب
~~الترجيح، يستند عندك إلى دليل شرعي، والى حكم الشارع، أو لأجل حكم العقل
~~بذلك؟
# فان كان مستندك فيه الدليل الشرعي، فوجوده ممنوع، وليت شعري أي دليل شرعي
~~يدل عليه؟!
# وإن كان الدليل العقلي، كما هو كذلك، فيجب أن يكون التخلف عنه محالا، مع
~~أنا نشاهد أن كثيرا من علمائنا الاعلام نفى حجية بعض الظنون، كظن الشهرة،
~~أو الحاصل من الاجماع المنقول، أو من الاستقراء، لأجل عدم دليل
# PageV00P409
# على حجيته، ولم يصر موردا للقبح والمذمة أصلا، ولم يقبحه أحد، فمن أين لو
~~تركت مظنونك تصير للقبح موردا؟!
# بل نقول: هذا كيف قبيح عقلي وقد أمر الشارع الحكيم بارتكابه في موارد
~~عديدة؟! منها الظن الحاصل من القياس، فأمر بتركه، ومنع عن العمل بالراجح.
# وتصدى بعض الطلبة في ذلك المقام لرد كلامي هذا بعدما رآه كلاما عجيبا،
~~قال: نمنع حصول الظن من القياس ونحوه بكون مقتضاه حكم الله بالنسبة إلى من
~~دل الدليل القطعي على حرمة عمله به، وان كان الحكم الواقعي مظنونا بواسطته،
~~فمثل القياس والأدلة المانعة من العمل به، كمثل قول الطبيب العالم الرؤوف
~~العادل، إذا قال: إن المقدار الكذائي من هذا السم مقتض لهلاك شاربه، مع
~~قوله لشخص: اشربه، فكما أن من قوله الأول يحصل الظن بهلاك هذا المأمور
~~بشربه، ومن قوله الثاني يرتفع ذلك الظن، ويكشف أمره بالشرب بضميمة عدم
~~إرادة إهلاكه عن كون مزاجه غير سائر الأمزجة، أو إخباره ms265 برفع أذيته عنه،
~~لقدرته على ذلك، فكذلك القياس، والأدلة المانعة 1 أقول أولا: إنه إن كان
~~غرضك أن من القياس - مع قطع النظر عن منع الشارع - لا يحصل الظن بحكم الله،
~~فأي ضرورة في ذلك الطول والتفصيل؟ بل يكفيه أن يقول: لم يكن يحصل الظن من
~~القياس أبدا، وظاهر أن ذلك مما لا يقول به أحد، وحصول الظن بالواقع من كثير
~~من أفراد القياس بديهي.
# وإن كان غرضه أن مع ملاحظة منع الشارع لا يحصل الظن منه، فلا مضايقة فيه،
~~ولكنا لم نقل: لم لا تعمل بالقياس، حتى تجيب بذلك، بل قلنا: إنه لو كان ترك
~~المظنون قبيحا، لم أمر الشارع به في القياس، ومنع عن العمل بالراجح؟ و
~~كلامنا على منع الشارع لا على عدم علمك.
# PageV00P410
# والملخص: أن معنى نهي الشارع عن العمل بالظن القياسي: أن لا تأخذ بالراجح
~~عندك من هذه الجهة، واتركه وخذ بمرجوحه، فان كان عدم الاخذ بالراجح قبيحا
~~عقليا، فكيف أمر الشارع بمثله في بدو الأمر؟!
# وثانيا: نقول: إن المثال الذي ذكره موجب للضحك لأهل الفطانة، وذلك لأنا
~~نفهم من ملاحظة القولين المذكورين من الطبيب المذكور: أن قوله الأول لم يكن
~~عاما، ولم يكن السم مهلكا لكل شارب، فان كنت تفهم من ملاحظة الأدلة المانعة
~~عن العمل بالقياس أن أخذ كل راجح عند المكلف ليس بواجب، وترك كل مرجوح ليس
~~بلازم، وعكسهما ليس بقبيح.
# بل إن كان له عموم يجوز تخصيصه، فهذا قبح عقلي عجيب، ووجوب عقلي غريب،
~~يقبل التخصيص، والقبيح العقلي الكذائي من أعجب العجائب.
# فان قلت: الراجح الذي يصاحبه المنع من الاخذ لا يؤخذ.
# قلنا: قد ذكرنا أن كلامنا ليس في عملك، بل في المنع عن الاخذ، حيث إن
~~للشارع أن يخصص العام، وليس له مخالفة حكم العقل.
# وثالثا: إنك قلت: حكم الله الواقعي مظنون من جهة القياس، فهل يحصل من ظن
~~الشهرة أو الاجماع المنقول مثلا غير الظن بالحكم الواقعي، فما الباعث على
~~قبح ترك ذلك ووجوب ترك هذا؟
# فان قلت: لأجل ms266 أمر الشارع بالترك قلنا: إن لم يكن أمره، فهل كان تركه
~~قبيحا أم لا؟
# فان قلت: لا، فأبطلت دعواك.
# وإن قلت: نعم، قلنا: فأمر الشارع بالقبيح إذ قبل أمره كان ذلك الترك
~~قبيحا، وأمر الشارع به، وإن صح ذلك، فأنه يجري في جميع القبائح العقلية من
~~الكذب، والظلم، والتكليف بما لا يطاق وغيرها، فكل ما كان من ظواهر الشرع
~~مطابقا لواحد منها يجب إبقاؤه على حاله، ويقال: لولا قول الشارع لكان
~~PageV00P411
# قبيحا، ولما وجد قوله ارتفع القبح.
# ورابعا: نقول: سلمنا لك ما قلته في القياس، ولكن لنا معك كلاما اخر، و هو
~~أنه لو أخبرك شخص - كان عندك في غاية الوثوق والاعتماد، والعلم والفضل - عن
~~مشاهدة موت زيد، بحيث يحصل لك الظن بموته، وطلبت زوجته منك التزويج بالغير،
~~فهل تجوزه أو تمنع منه؟
# وكذا إن ادعى فاسق متقلب - رأيت التقلب منه مرارا - على مثل الشخص
~~المذكور درهما أقرضه إياه، وأجاب هو بالرد بالأمس، وأقام عدلا واحدا عليه
~~شاهدا أيضا، وأنت حكمت للشاهد الاخر باليمين، فقال ذلك العالم: لا أحلف
~~بالله لدرهم واحد، فلا شك أن المظنون صدق ذلك الشخص العادل المتقي، و ذلك
~~بديهي، بل مشاهد فنقول: حينئذ إنه لا يجوز لك ترك الحكم، لأنك تقول بوجوب
~~الافتاء في كل واقعة، سيما في مثل تلك الواقعة التي حكمها واضح ظاهر، فهل
~~تأخذ بما هو مظنون وراجح عندك، أو تأخذ بالموهوم وتترك الراجح؟
# فان قلت: آخذ بمظنوني، فأنت كاذب.
# وإن قلت: أترك الراجح، واخذ بالموهوم، فعلى زعمك ارتكبت القبيح، وهو عندك
~~غير جائز.
# وإن قلت: أترك الراجح عندي بأمر الشارع.
# قلت: هل يجوز الشارع ترك الراجح ولا يقول بقبحه، أو لا يجوزه و يقبحه؟
# إن قلت: إنه لا يقول بقبحه، فلم أنت تقول بقبحه؟ وإن يقول بقبحه، فلم
~~ارتكبت بنفسه؟.
# وخامسا: نقول هل القران كلام الله أم لا؟ لا شك أنك تقول: نعم.
# ثم نقول: هل الآيات الناهية عن العمل بالمظنون عموما أو خصوصا صريحا أو
~~فحوى من القران أم لا؟ ms267 لا محالة تقول: نعم. PageV00P412
# فنقول: هل المظنون راجح أم لا؟ لا ريب أنك تقول: نعم فالله سبحانه نهى عن
~~العمل بالراجح، وأمر بتركه.
# ثم نقول: هل تعتقد قبح ترك الراجح عقلا أم لا؟ إن قلت: لا، يثبت المطلوب،
~~وإن قلت: نعم، فتقول: إن الله سبحانه ارتكب القبيح، وهو كفر!!
# وبعبارة أخرى: أيها القائل بأن الظن هو الراجح، وأنه يقبح ترك الراجح، ما
~~تقول في قوله عز شأنه: (ولا تقف ما ليس لك به علم) 1 و (إن هم إلا يظنون) 2
~~و (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) 3 وقول أمير المؤمنين عليه السلام في نهج
~~البلاغة: (وا عجباه، ومالي لا أعجب من خطأ هذه الفرق) إلى أن قال: (تروى
~~ظنونهم بعرى وثيقات وأسباب محكمات) 4 وقوله عليه السلام: (من عمي نفى الذكر
~~واتبع الظن) 5.
# وقول الصادق عليه السلام: (من شك أو ظن، فأقام على أحدهما، فقد حبط عمله)
~~6 فهل أمروا بترك الراجح أم لا؟.
# إن قلت: لا، فقد كذبت وإن قلت: نعم، قلنا: فهل يقبح الامر بترك الراجح أم
~~لا؟ فان قلت: لا، فقد خالفت قولك، وكذبت نفسك. وإن قلت: نعم، فقد كفرت.
# فان قلت: العقل يحكم بقبح ترك كل مظنون لم يأمر الشارع بتركه.
# PageV00P413
# قلنا: أولا: إن الشارع أمر بترك كل مظنون - كما عرفت - فلا يحكم العقل
~~بقبح ترك مظنون أصلا وثانيا: إن قبل نزول هذه الآيات، وصدور تلك الروايات
~~لم يكن أمر من الشارع، فهل كان العقل يحكم بقبح ترك المظنون أم لا؟ إن قلت:
~~لا، كذبت نفسك، وإن قلت: نعم، فكيف أمر الشارع به؟ (انظر كيف نبين لهم
~~الآيات ثم انظر أنى يؤفكون) 1 الدليل الثالث: من أدلة القائلين بحجية الظن
~~مطلقا: أن في مخالفة ما ظنه المجتهد حكم الله مظنة الضرر، ودفع الضرر
~~والمظنون واجب أما المقدمة الأولى: فلأنه لو حصل الظن بوجوب شئ، يحصل الظن
~~باستحقاق تاركه العقاب، إذ هو معنى الوجوب، وإذا حصل الظن بالحرمة يحصل
~~الظن باستحقاق فاعله العقاب، ولأجل ms268 أنه معنى الحرمة.
# وإذا حصل الظن باستحقاق العقاب، يحصل الظن بترتبه، لان المظنون أن بعد
~~وجود المقتضي، وعدم الظن بالمانع، يترتب عليه مقتضاه لأجل الظن بعدم
~~المانع، للأصل، بل آيات الوعيد وأخباره، مثل قوله سبحانه: (ومن يعص الله
~~ورسوله فان له نار جهنم) 2 يدل على ترتب العقاب على العصيان، ومقتضاها الظن
~~بترتب العقاب فعلى هذا لو خالف مجتهد مظنونه، يظن المؤاخذة على المخالفة،
~~وكذلك على ترك الافتاء بمقتضاه، للاجماع على اتحاد حكم المقلد والمجتهد.
# وذلك وان اختص بالواجبات والمحرمات، ولكن يجري في غيرهما بعدم القول
~~بالفصل.
# وأما المقدمة الثانية: فبحكم العقل، بل قال بعض بوجوب دفع الضرر
# PageV00P414
# المحتمل، بل الموهوم 1، كما هو في الأمور المعاشية مشاهد محسوس.
# ويرد على هذا الدليل اعتراضات كثيرة ذكرناها في كتبنا، وذكرها هنا يفضي
~~إلى الاطناب، ونكتفي هنا بذكر بحثين واضحين كافيين لطالب الحق:
# الاعتراض الأول: أن في مخالفة المجتهد لمظنونه لا مظنة للضرر أصلا، وما
~~السبب في حصول تلك المظنة؟
# وأما ما ذكره من أن في ظن الوجوب ظنا باستحقاق العقاب، لأنه معنى الوجوب،
~~فهو كلام واه فاسد ناشئ عن الاشتباه، وعدم الفرق بين تعريف الشئ بحده،
~~وتعريفه بلازمه.
# ومعنى الايجاب - كما صرحوا به - معنى يعبر عنه بالطلب الحتمي للفعل و
~~إلزامه، ألا ترى أنهم يقولون: الايجاب هو طلب الفعل مع المنع من النقيض، و
~~ألا ترى أنهم يقولون: الامر الذي هو طلب الفعل للوجوب وبالجملة من
~~المعلومات: أن معنى الايجاب هو طلب الفعل الحتمي:
# والالزام والوجوب: مطلوبية فعل الشئ حتما.
# نعم لما رأى بعضهم أن استحقاق العقاب على الترك أو خوف العقاب عليه لازم
~~وجوب الشئ، فعرفه بلازمه، فاستحقاق العقاب أو ترتبه من لوازم الوجوب أو
~~الايجاب، لا عين معناه.
# وإذ عرفت أنهما من لوازمه، فتأمل حينئذ في نفسك، وانظر في أنهما هل من
~~لوازم نفس الوجوب، أو لوازم العلم أو الظن به؟
# فان قلت: من لوازم نفس الوجوب نقول: بأي لزوم؟ فهل اللزوم عقلي أو شرعي
~~أو عادي؟ وأي منها يحكم ms269 بأنه لو أوجب الشارع أو المولى أمرا على رعيته أو
~~عبده، ولم يصل إليه الامر بعد، يستحق العقاب على تركه؟ مع أنه لا يقول أحد
~~بذلك، ولا دليل على تلك
# PageV00P415
# الملازمة أصلا، بل تراهم صرحوا بأن العذاب على ما لم يعلم قبيح، وإن قلت:
# إنه من لوازم فهم الوجوب علما أو ظنا، نمنعه أيضا، وما لم يثبت حجية الظن
~~لا يحكم عقل ولا شرع ولا عرف ولا عادة بترتب استحقاق العقاب على ترك واجب،
~~بل الامر على العكس، والعقل والعادة يحكمان بلزوم عدم الاستحقاق ألا ترى
~~أنه لو سألك الله عز شأنه في يوم القيامة: أنك لم ما امتثلت الامر الفلاني؟
~~واعتذرت أنت بقولك: إني ما كنت عالما بوجوبه، وكلما تفحصت لم أجد دليلا على
~~وجوب متابعة ظني، لم يجز له أن يعاقبك فان قلت: أما ترى أنهم قالوا في
~~التعريف باللازم: إن الواجب ما يستحق تاركه العقاب، ولم يقيدوه بقيد ظن،
~~ولا علم.
# قلنا أولا: إنه لم يعرف بذلك الا شرذمة قليلة، والآخرون أوردوا 1 عليه
~~بأبحاث غير محصورة.
# وثانيا: إنك إن ترى ذلك، فانظر إلى كلام اخر منهم، حيث يقولون: إن مؤاخذة
~~جاهل الحكم الغير المقصر قبيحة، فيعلم أن مرادهم إنما هو ما يستحق تاركه مع
~~العلم أو التقصير، والمؤاخذة في صورة التقصير أيضا إنما هي على التقصير
~~خاصة وثالثا: إن كثيرا منهم صرحوا بأن معنى الواجب هو: ما طلب حتما، و
~~يقولون: إن المطلوبية من شخص لا تتحقق إلا مع علمه، فالواجب على شخص يكن ما
~~حصل له العلم بطلبه، ويكون العلم معتبرا في حقيقة الواجب، و يحتمل أن يكون
~~نظر الشرذمة الأولى على ذلك أيضا.
# ولو سلمنا جميع ذلك، نقول: غاية الامر حصول الظن باستحقاق الضرر، ولا شك
~~أنه غير ظن الضرر، وأما ظن الضرر والعقاب فلأي وجه؟
# PageV00P416
# وما ذكره: من أن بعد الظن باستحقاق ضرر يحصل الظن بترتبه لأن بعد وجود
~~المقتضي، وعدم ظن المانع يترتب عليه مقتضاه من جهة أصالة عدم المانع، فمن
~~غرائب ms270 الأقوال; لأن بعد قوله سبحانه: * (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) *
~~(1) وأخبار (لا تكليف إلا بعد البيان)) (2) و (رفع عن أمتي ما لا يعلمون)
~~(3) و (وضع عنهم ما لا يعلمون) (4) وغير ذلك، يكون إجراء الأصل من الطرائف
~~والعجائب.
# وأما آيات الوعيد وأخباره: فلا دلالة لها أصلا; إذ العصيان والمخالفة و
~~أمثالهما لا تتحقق إلا بعد العلم بالحكم، وما سمعنا إلى الآن أن من لا علم
~~له بطلب شئ وتركه يعدونه عاصيا مخالفا، أفلا تعقلون.
# الاعتراض الثاني: أن الآيات والأخبار الناهية عن العمل بغير العلم، وعن
~~العمل بالظن، نحو قوله سبحانه: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (5) و *
~~(إن هم إلا يظنون) * (6).
# وقول أبي عبد الله عليه السلام: (من شك أو ظن، فأقام على أحدهما، فقد حبط
~~عمله) (7).
# وقول السجاد عليه السلام: (إن الشكوك والظنون لواقح الفتن) (8).
# وقول الأمير عليه السلام في نهج البلاغة (9) كما مر، وأمثالها مما يستدعي
~~جمعها
# PageV00P417
# كتابا برأسه، هل يفيد الظن بحرمة العمل بالظن أم لا؟
# فإن قلت بالأول، يكون في عملك بالظن مظنة الضرر، ودفع الضرر المظنون
~~واجب.
# وإن قلت بالثاني، قلت: لا أدري أنه ما الباعث على أن جميع تلك الآيات
~~والأخبار لا يفيد الظن، وتقول في المسائل الاخر: إن خبرا ضعيفا، بل قول
~~فقيه يورثه؟!
# وقد تصدى بعضهم لرد ذلك البحث، فبعد ما قال: والجواب أما عن أدلة تحريم
~~العمل بغير العلم، ففلان وفلان، فقعد وقام وهرب من هذا الطرف إلى هذا
~~الطرف، ورأى أنه لا مفر له، قال: إنك قد عرفت أن هذا الدليل ونحوه ليس
~~دليلا تاما إلا أن يعتبر فيه مقدمات اخر من ثبوت التكليف، ولزوم الخروج من
~~الدين، والعسر والحرج.
# أقول: وقد عرفت فساد تلك المقدمات.
# ثم إنه يرد على هذا الدليل والدليل السابق عليه: الاعتراض الأخير الذي
~~ذكرناه على الدليل الأول، كما أشرنا إليه.
# وبالجملة فساد ذلك الدليل أيضا كسابقيه في غاية الظهور.
# والإنصاف: أن أمثال هذه الأدلة مما يتمسك به العامة في موارد كثيرة، و
~~موافقة ms271 لمذاقهم، ومناسبة لطريقتهم، ولا يليق بالشيعي أن يلوث ذيل تشيعه
~~بأمثالها.
# ومما تلوناه عليك ظهر أنه لا دليل تاما على حجية مطلق الظن أصلا، بل
~~الأدلة على عدم حجيته متعددة، وقد ذكرناها في كتبنا.
# ومما يدل عليه أيضا ما ذكرناه اعتراضا على نتيجة الدليل الأول كما سبق،
~~ونذكر هنا أيضا وجهين آخرين: أحدهما حدسي وجداني والآخر إلزامي.
# أما الأول: فهو أنه لو كانت الأحكام كما يقولون، وكان لكل واقعة حكم،
~~PageV00P418
# فلا شك في كون باب العلم بها منسدا في زمان الغيبة، بل لأكثر الموجودين
~~في زمان الحضور، المنتشرين في البلاد والقرى والبوادي، ولا شك في أنه لا
~~دليل منقولا من الشارع على حجية الظن من حيث هو، ولا يدعيه القائل بها
~~أيضا.
# فنقول: أنصف أيها العاقل أنه إذا كانت الحجة التي تثبت بها التكاليف -
~~معظمها للمكلفين - هو الظن من حيث هو، ويكون هو مرجع المسائل كلها، و وجب
~~الأخذ به واتباعه في تمام زمان الغيبة الذي أخبر به النبي صلى الله عليه
~~وآله وخلفاؤه، و عن طوله وامتداده، بل في زمان الحضور لغير قليل، وعلم
~~النبي صلى الله عليه وآله وأوصياؤه أن عقول المكلفين في إدراك ذلك مختلفة
~~غاية الاختلاف وأشده، بل يحكم الأكثر بعدم كونه المدرك، فهل لا ينبه عليه
~~الرسول الرؤف، الذي ارسل من الرب الرحيم جل شأنه لتبليغ الأحكام إلى
~~العباد، ولبيان مأخذها؟ ولا يبين طريق الوصول إلى أحكامه، بل يبين الأحكام
~~لشرذمة قليلة هم المتمكنون من الوصول إلى خدمته، ولا يبين أن المأخذ
~~والمتبع لغير تلك الشرذمة هو الظن، سيما مع أنه امتلأ الكتاب الذي أرسل
~~إليه بالنهي عن اتباعه، والذم عليه، وتواترت الأخبار في ذلك، وكان الأصل
~~أيضا عدم حجيته.
# وهل يجوز لهم عدم بيان ذلك، والاتكال في فهمه وتخصيص العمومات الناهية
~~على مجرد عقل طائفة قليلة، يوجد فيما بعد مضي أزيد من ألف سنة، مع تواتر
~~ذمهم العامة على عملهم بالظن، مع انسداد باب العلم لهم أيضا على ما زعموا؟
# ومع أن في أخبار ms272 كثيرة: أن السائل سأل عما يعمل به، فأمر بالأخذ بالكتاب
~~والسنة، ثم سأل عما ليس فيه كتاب أو سنة، فأمر بالاحتياط أو التوقف أو
~~التخيير (1)، ولم يأمر في واحد بالعمل بالظن، بل سئل في بعضها عن العمل
# PageV00P419
# بالظن، فنهي عنه ومنع (1).
# بل في التوقيع عن صاحب الزمان عليه السلام: السؤال عن الحوادث الواقعة في
~~زمان غيبته، فأجاب بما أجاب (2)، ولم يأمر بالظن أصلا.
# سيما مع أنه بين جميع الأحكام المقررة، وتواترت الأخبار: بأنه لم يبق شئ
~~تحتاج إليه الأمة إلا وبينه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأودعه عند
~~خلفائه، وهم بينوه لأصحابهم الثقات حتى وصلت الجزئيات الغير العامة البلوى
~~المخالفة للتقية إلينا، فكيف بمثل ذلك الأمر العظيم الذي ليس بعد مسألة
~~الإمامة أمر أهم منه؟! وهل يجوز مثل ذلك على شخص عامي له أحكام جزئية في
~~أهل بيته من بعده؟
# والعجب كل العجب أنكم تنقضون على العامة بأن النبي الذي بين أرش كل خدش،
~~وأحكام بيت الخلاء، هل يهمل أمر الخلافة العظمى؟ مع أن مثله يرد عليكم على
~~السواء.
# ألا ترى أنه إذا أرسل سلطان معتمدا إلى مملكة عظيمة من ممالكه البعيدة
~~لإبلاغ الأحكام إليهم، وبيان مداركها لهم، وكان مدرك الأحكام لمن يلاقيه من
~~أهل تلك المملكة الأخذ من قوله، وكان مأخذ غير الملاقين له غير ذلك، ولم
~~يلاقه إلا أشخاص قليلون، وهو لم يبين المأخذ للباقين، ولم يذكره، وكان
~~المأخذ شيئا نهى عنه في مجالس عديدة، وهل يقبل ذلك عقل عاقل فضلا عن فاضل؟
# واشهد الله عز جاره: أن حكم العقل والعادة على امتناع ذلك وقبحه ليس
~~بأدنى من حكمهما بترتب وجوب العمل بالظن على سد باب العلم، وترتب وجوب
~~العمل بالكل على انتفاء العلم بالخصوص، بل ليس أدنى من حكم العقل بقبح
~~ترجيح المرجوح أو تكليف ما لا يطاق.
# PageV00P420
# والحاصل: أن الظن لو كان هو الحجة في الأحكام، لوجب أن يوجد في كلام
~~الحجج من الأمر بالأخذ به عين أو أثر.
# فإن قيل: لا شك في أن ms273 كل مجتهد مكلف بمقتضى عقله، فإذا أداه الدليل
~~العقلي إلى حجية كل ظن، يكون مكلفا بالعمل به قطعا.
# قلنا: ليس مرادنا نفي حجية العقل، بل المراد نفي حكمه بذلك - بعد ملاحظة
~~ما ذكرناه - ضرورة.
# وأما الجواب عن قول الخصم هنا بأنه: فما الذي بينه لنا وأودعه عندنا،
~~فهو: أنه كتاب الله سبحانه، والأخبار المدونة والروايات المنسوبة إليهم.
# فإن قيل: لو كانا حجتين، لوجب عليهم بيان ذلك، ونصب دليل عليه.
# قلنا: أما كتاب الله فلا تحتاج حجيته وبيان ذلك إلى دليل، ولو كان هو
~~محتاجا إلى دليل، لكان قول المعصوم أيضا كذلك، فإن قول الله سبحانه حجة.
# وأما الأخبار: فيكفي في بيان حجيتها وصولها إلينا منهم خلفا عن سلف، ويدا
~~عن يد من الامناء الفضلاء الثقات، الذين هم متكفلي أيتام الأئمة، وحججهم
~~على الرعية، وهذا دليل واضح ومنار لائح على أنهم جعلوها أدلة لنا، ومسالك
~~لأجلنا.
# وثانيا: إنك هل تزعم أنهم مما بينوا وجوب اتباعها لنا، ولزوم الأخذ بها؟
~~فما هذه الروايات المتواترة معنى، المملوءة منها كتب أصحابنا، الدالة على
~~الحث على الرواية، وحفظها ونشرها، والآمرة بأخذها، والناهية عن ردها،
~~والمادحة للعاملين بها ولرواتها، والمتضمنة لعلاج التعارض فيها؟
# وما هذا التطابق من العلماء الأقدمين، والفضلاء اللاحقين في التمسك بها،
~~والأخذ بمضامينها، وضبط معانيها، وفقد رجالها، ووضع علم الدراية للعلم
~~بأوصافها، وعلم الرجال لمعرفة رواتها، والإجازة التي لا يخلو عالم منها، مع
~~توفر الدواعي على كتمانها، واشتداد التقية في نشرها، والعمل بها، سيما في
~~العصر الأول، والصدر الأقدم؟ PageV00P421
# وكيف يمكن - مع طول تلك المدة، وشدة التقية، ووجود بواعث الإخفاء، وتحقق
~~موجبات الاختلاف - بيانها بأكثر من ذلك، بحيث لا يشك فيها الأذهان المعتادة
~~للتشكيك؟
# فهل كنت تريد منهم أن يلازموا تلك الأخبار، ويتلاحقوا في الأعصار
~~والأمصار، ويظهرون أنفسهم المقدسة، ويجعلون جميعها متواترة، مع عدم تمكنهم
~~غالبا من إظهار مسألة على رؤوس الأشهاد؟
# ولقد أراد بعض من لاحظ ذلك المقال مني أن يجيب عنه، فقال: قد بينت (1)
~~عذر عدم وصول الدليل على حجية الظن ms274 في آخر كلامك، وهو ابتلاؤهم بالتقية،
~~وتوفر دواعي الكتمان والإخفاء.
# ولعمري إنه جواب عجيب! كيف وحجية الظن واتباعه شعار أهل السنة و مدارهم،
~~ودارت عليه ديارهم، وبنيت عليه أحكامهم، وجرت عليه حكامهم.
# وكيف يكون مثل ذلك محلا للتقية؟ ولو كانت تقية، لكانت في إظهار الإمامة
~~أشد وأكثر، ويجب على هذا أن لا يكون عندنا منها عين ولا أثر.
# وبالجملة: الأمر أوضح من أن يحتاج إلى هذا التطويل، والله عز شأنه يهدي
~~من يشاء إلى سواء السبيل.
# وأما الوجه الثاني الإلزامي; فهو على سبيل الاختصار: إنا نتشبث بثلاث
~~مقدمات من مقدمات الخصم:
# الأولى: ما قال: من أن في التوقف في غير المعلومات، أو العمل بالأصل أو
~~الاحتياط، أو الاقتصار على المعلومات، خروجا عن طريقة العلماء والفقهاء، و
~~يلزم منه ترك سيرة الأصحاب، وهو غير جائز.
# والثانية: ما ذكر من أنه لما ثبت بدليل الانسداد وجوب العمل بالظن، و لم
~~يعلم بعينه، ولا يكفي الظن في التعيين، يجب العمل بكل الظنون إلا ما
# PageV00P422
# أخرجه الدليل.
# والثالثة: ما قال من أن سبب العمل بكل ظن عدم وجود دليل علمي أو ظني
~~مقطوع الحجية.
# ثم نقول: يلزم من تلك المقدمات الثلاث عدم حجية الظن.
# ولبيان ذلك نقول: لاحظ وانظر أنا لو رفعنا اليد اليوم عن الأخبار بالمرة،
~~و تركنا كتب الأحاديث طرا، وفرضناها كأن لم تكن، ولم نعمل بحديث من
~~الأحاديث، ولم نلتفت إلى تلك الأحاديث، التي في أيدينا، فهل نكون على طريقة
~~الأصحاب، وتكون سيرتنا مطابقة لسيرتهم أم لا؟
# لا شك أنه لا يكون كذلك; إذ ليس أحد من العلماء لم يعمل في المسائل
~~الفروعية بتلك الأحاديث المروية على اختلاف درجاتهم وشؤونهم وإن كان عمل
~~بعضهم من جهة حجية خبر الواحد في نفسه، وعمل بعض آخر من جهة إفادته العلم،
~~وعمل ثالث لأجل إفادته الظن، وهكذا.
# وانظر هل يوجد كتاب فقيه أو رسالة مشتملة على مسائل لم يتضمن الاحتجاج
~~ببعض تلك الأخبار؟ وهذا أمر واضح جدا.
# ولذا قال بعض المحدثين من المتأخرين: الواجب ms275 إما الأخذ بهذه الأخبار، كما
~~عليه متقدمو علمائنا الأبرار; أو تحصيل دين غير هذا الدين، والتمسك بشريعة
~~غير هذه الشريعة (1). انتهى.
# ولا أظن أحدا ينكر ذلك المطلب، ولو أنكره أحد، لم يكن للمكالمة والجواب
~~صالحا أبدا، فإنه لو ترك أحد هذه الأحاديث بالمرة، فانظر أنه يكون موافقا
~~لأي فقيه؟
# وليس مرادنا العمل بالأخبار الآحاد، بل بهذه الأخبار التي في أيدينا،
~~التي احتج بكثير منها السيد المرتضى وابن إدريس - طاب ثراهما - و
# PageV00P423
# أتباعهما أيضا في كتبهم.
# فبمقتضى المقدمة الأولى يكون العمل بهذه الأخبار في الجملة اليوم واجبا،
~~ولما لم يكن معلوما لنا أن الواجب العمل بأي طائفة من الأخبار، فبمقتضى
~~المقدمة الثانية يجب العمل بكل الأخبار قطعا، إلا ما أخرجه الدليل، ويكون
~~ذلك دليلا قطعيا، كما كان دليل الظن المبتنى على هاتين المقدمتين كذلك،
~~فيكون الخبر ظنا مقطوع الحجية، فبمقتضى المقدمة الثالثة لا يكون العمل
~~بالظن جائزا; إذ لا يكون باب العلم حينئذ منسدا، وقد ذكرت هذا الكلام في
~~بعض مؤلفاتي.
# وقد يتصدى لدفعه، فيقال: لم لا يعلم أن أي طائفة من الأخبار مما يجب
~~العمل بها، بل يجب العمل بالخبر الصحيح قطعا، فإنه متفق عليه.
# ولا أدرى أنه ما أراد من الصحيح، هل أراد الصحيح عند القدماء، أو
~~المتأخرين؟
# فإن أراد الأول، فالمراد منه الذي يعلم حجيته قطعا، وأي حديث هو؟
# وإن كان المراد الثاني، فهل مراده من الصحيح المتفق عليه هو الذي كانت
~~جميع رواته معدلين بعدلين، أو يكفي الواحد؟
# فإن كان مراده الثاني، فظاهر عدم كونه متفقا عليه، كيف؟ وقد خالف في
~~حجيته كثير من المتأخرين.
# ثم لو قلت: إن المراد ما يعدل جميع رواته بعدلين، نقول: هل يعدلانه بذكر
~~السبب، أو الأعم؟ فإنه وقع الخلاف في كفاية التعديل على الإطلاق. ثم لو
~~عينت أحد الشقين، فهل هو ما لا يعارض تعديل أحد رواته جرحا أو الأعم؟
# وعلى التقديرين هل هو ما كان تعديل رواته بلفظ عدل، أو يكفي مثل ثقة؟
# وعلى التقادير: هل يشترط العلم بمذهب المعدل، ms276 أم لا؟
# وعلى التقادير: هل اللازم العلم بتعدد المعدل، أو يكفي مثل هذه التعديلات
~~المتعددة التي صرح جماعة بأن بعضهم أخذ من بعض حيث يقولون:
# إن تعديل العلامة وابن داود بل الشيخ - قدس سرهم - على ما هو ببالي مأخوذ
~~PageV00P424
# طرا من النجاشي أو الكشي؟
# على التقادير: فلأن مرجع القول بلزوم التعدد إلى كون التعديل من باب
~~الشهادة، فهل تقبل شهادة فرع الفرع، مع أنا نعلم قطعا أن أكثر التعديلات بل
~~جميعها بالنسبة إلى أوائل الرواة من هذا الباب؟
# وعلى التقادير: هل يعمل في قبول الشهادة بالكتابة أم لا؟
# وعلى التقادير: هل يكتفى في عدم سقوطه واسطة بتلك الظنون الرجالية أم لا؟
# هذا كله بالنسبة إلى السند، ثم ندخل متنه، فنقول: هل ذلك الصحيح المتفق
~~عليه ما كان خاصا أو يعمل بالعام أيضا؟
# وعلى التقديرين: هل يعمل فيه بظن أصالة عدم النقل، وعدم التجوز، و عدم
~~القرينة وأمثالها أم لا؟
# وعلى التقادير: هل هو منقول بالمعنى أو باللفظ؟ إلى غير ذلك.
# ثم نتكلم في الأمور الخارجية، فنقول: هل تجب موافقته لعمل الأصحاب كلا أو
~~جلا أم لا؟
# وعلى التقديرين: هل يجب خلوه عن المعارض مطلقا أم المعارض المساوي، أم
~~لا؟
# وهل يجب أن لا يكون فيه تخصيص، سيما تخصيص كثير، مع أنه ما من عام إلا
~~وقد خص، ومع أن في العام المخصص ألف كلام، أم لا؟ إلى غير ذلك.
# وبعد تحقق بعض تلك التقادير، وأخذ المتفق عليه، فيجب أن ينظر في أنه:
# هل يوجد مثل ذلك الصحيح في تلك الأخبار التي يقطع بحجية طائفة منها؟
# وعلى تقدير الوجود، فيجب أن ينظر هل أنه يوجد بقدر لو ترك العمل بغيره،
~~لم يلزم خلاف سيرة الفقهاء وطريقتهم؟
# ثم إن جميع ما ذكرنا إنما هو الكلام في الأمر الكلي الذي هو غير مقيد،
~~فإذا طلبنا منك مثل ذلك الصحيح من بين تلك الأخبار، وعينت واحدا منها متصفا
~~PageV00P425
# بجميع الأوصاف، فنقول: من أين علم أنه كان صحيحا عند القدماء؟ ومن أين
~~يحصل العلم بعدم ms277 وجود جارح لبعض رواته، أو معارض له عند بعضهم، أو عند
~~جميعهم؟ ومن أين يعلم عملهم جميعا بمثل هذا الصحيح؟
# وإن دفعت بعض هذه الاحتمالات بالأصل نقول: هل يصلح إثبات الإجماع، بل
~~العلم والقطع بالأصل.
# وبالجملة: إثبات الإجماع على العمل بخبر واحد معين من الآمال التي لا تصل
~~إليها أيدي العاملين.
# فإن قلت: نحن لا نثبت الإجماع على خبر معين، بل نقول: الإجماع على العمل
~~بهذا النوع لكل أحد تحقق له فرد من ذلك النوع منعقد.
# قلنا: لو سلم فأين التحقق؟ مع أن الإجماع عليه أيضا ممنوع جدا إن أردت
~~بالصحيح ما هو مصطلح المتأخرين، وكيف نسلم إجماع القدماء على ذلك؟
# وكذا إن أردت ما هو متعارف القدماء فإنه كيف يعلم إجماع المتأخرين عليه؟
# وإن أردت الجامع للوصفين، فأي حديث علمنا جمعه لهما؟
# فإن قلت: الصحيح باصطلاح المتأخرين صحيح عند القدماء.
# قلنا: ليس كذلك مطلقا، بل يشترط أن لا يكون فيه قدح من جهة أخرى، و من
~~أين يعلم ذلك؟
# وبالجملة: الأمر أوضح من أن يحتاج إلى أمثال هذه التطويلات، والله سبحانه
~~ولي الحسنات. PageV00P426
# عائدة (42) في الاستدلال بقوله سبحانه:
# لا تبطلوا أعمالكم قد شاع بين الفقهاء الاحتجاج بقوله: * (لا تبطلوا
~~أعمالكم) * (1) في كثير من الموارد من الصلاة وغيرها (2).
# وقد تأمل في الاستدلال به المحقق الأردبيلي - رحمة الله - في شرح الإرشاد
~~بعد نقل الاستدلال به على حرمة قطع الصلاة (3).
# وقال صاحب الحدائق الناضرة من مشايخنا المتأخرين بعد نقل الاحتجاج به على
~~ما ذكر: والآية لا تخلوا عن الإجمال المانع عن الاستدلال. (4) أقول: يمكن
~~أن يكون وجه تأمل الأول، وسبب الإجمال الذي ذكره الثاني: أحد الأمور:
# الأول: التأمل في إفادة النهي للحرمة، كما ذكره بعضهم (5).
# PageV00P427
# والثاني: عدم بقاء الأعمال على العموم قطعا; لوجوب القطع في بعض الأحيان
~~في الصلاة، وجوازه مطلقا في بعض الأعمال، كالوضوء والغسل والصوم المستحب،
~~فيتعارض التخصيص مع التجوز، ولا ترجيح سيما إذا كان المخصص غير اللفظ بل
~~الإجماع، كما في الوضوء والغسل، فيمكن حمل النهي على التنزيه.
# والقول ms278 بعدم كراهة قطع مثل الوضوء والغسل مردود: بعدم ثبوت الإجماع على
~~انتفائها، فيحتمل وجودها فيه والثالث: باعتبار الإجمال في الإبطال، فإن
~~إبطال، العمل يتحقق على أحد الوجوه الثلاثة: إما بالإتيان به باطلا،
~~كالصلاة بقصد الرياء، والصدقة مع المن والأذى.
# أو بإبطاله بعد تمامه، بمعنى إفساده أجره وثوابه، كما ورد في خصوص هذه
~~الآية.
# روى في ثواب الأعمال عن الباقر عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى
~~الله عليه وآله من قال: سبحان الله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن
~~قال:
# الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا الله;
~~غرس الله له بها شجرة في الجنة، فقال: رجل من قريش: يا رسول الله، إن شجرنا
~~في الجنة لكثير! قال: نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا إليها نيرانا فتحرقوها،
~~وذلك إن الله عز وجل يقول: * (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا
~~الرسول ولا تبطلوا أعمالكم (1) *) (2).
# وبهذا المعنى فسر بعضهم قوله سبحانه: * (ولا تبطلوا صدقاتكم) * (3) فقال:
# أي لا تحبطوا أجره (4).
# PageV00P428
# أو بقطع العمل، وجعل ما تقدم منه لاغيا، كما في قطع الصلاة.
# ولا شك في صدق الإبطال، ولغوية العمل على الأولين، وأما في الثالث، فمحل
~~تأمل; لأن العمل المبطل: أما هو الكل، كالصلاة فإنه لاشك في عدم إبطاله;
~~لأنه فرع تحققه، وإنما المصلي يقطعها ثم يستأنفها.
# أو هو الجزء الذي أتى به وفعله، فإن أريد ببطلانه ووقوعه لغوا، وعدم ترتب
~~أجر عليه، فهو ممنوع، لأنه فعل فعلا بقصد القربة أولا، وعرض له عدم الإتمام
~~ثانيا، ولم تثبت حرمة عدم إتمامه بعد أيضا، فمن أين يعلم عدم ترتب أجر و
~~ثواب عليه؟
# وإن أريد به عدم وقوعه جزءا للفعل المطلوب الذي قصده أولا، ففي صدق
~~البطلان عليه - سيما حين نزول الآية - تأمل. PageV00P429
# عائدة (43) في احتياج المعاملات إلى الصيغة اعلم أن الفقهاء في باب
~~المعاملات قد يختلفون في أنه هل تحتاج المعاملة الفلانية إلى صيغة أم لا؟
# وعلى الاشتراط يختلفون في كيفية الصيغة من العربية وغيرها، ms279 والألفاظ
~~المتحققة بها الصيغة وشرائط الصيغة، ويستدلون بأدلة لا يعلم غير الماهر
~~مأخذها.
# ولتحقيق المقال في ذلك المجال، نقول: إن المعاملات مما جعل الشارع لها
~~آثارا وأحكاما ولوازم، ورتب أحكاما على المعاملة وعلى متعلقاتها، كما أنه
~~قرر آثارا للبيع، وجعل له أحكاما، وكذا للبائع والمبيع، وقرر آثارا للتزويج
~~والنكاح، وأحكاما للزوجة والزوج، والناكح والمنكوحة وهكذا غيرها من
~~المعاملات.
# ولا محالة يكون لكل معاملة لفظ، ولمتعلقاتها ألفاظ رتب الشارع الأحكام
~~على معاني هذه الألفاظ، فقال:
# * (أحل الله البيع) * (1) و (البيعان بالخيار) (2) و (النكاح لا يحل إلا
# PageV00P431
# بالطلاق) (1) و (يجب الإنفاق على الزوجة) (2)، وهكذا.
# فلا يخلو إما يكون هناك نص أو إجماع دال على أن المعاملة الفلانية كالبيع
~~مثلا، أوما يتحقق به هذه المعاملة ما هو، أو لا.
# فإن كان، فيجب الحكم بمقتضاه، فإن دل على أنه ما كان بالصيغة العربية
~~مثلا فيحكم به وهكذا وإن لم يكن - كما هو الأكثر - فلا يخلو: إما أن يكون
~~معنى هذه الألفاظ لغة أو عرفا أو شرعا معلومة بحيث يصح إرادته في هذه
~~الاستعمالات المثبتة لتلك الآثار والأحكام، أو لا.
# فإن علم له معنى تصح إرادته على وفق القواعد المقررة في استخراج المعاني
~~من الألفاظ، فإما ثبت، شرعا بإجماع أو غيره شرط لتحقق تلك المعاملة أو لا.
# فإن ثبت، فيقتصر في تحقق المعاملة شرعا على ما هو واجد للشرط.
# وإن لم يثبت، فيجب الحكم بترتب الأثر وثبوت الأحكام لجميع ما تتحقق به
~~المعاملة لغة أو عرفا أو شرعا إن ثبت له حقيقة شرعية.
# وإن لم يعلم له معنى يصح إرادته، فيلزم علينا الاقتصار في الحكم بترتب
~~الأحكام بما انعقد الإجماع على تحقق المعاملة به.
# وملخص القاعدة: أن الأصل عدم ترتب الأثر إلا على ما علم ترتبه عليه شرعا،
~~ولا يعلم ذلك إلا بجعل الشارع، ولا يحصل جعله إلا بنحو قوله: البيع كذا،
~~والنكاح كذا، والبائع كذا، والمنكوحة كذا، وهكذا.
# فإن دل نص أو إجماع على أن البيع أو النكاح ما هو، أو بماذا يتحقق، فيحكم ms280
~~به.
# وإن لم يكن ذلك، فإن علم معنى البيع، والنكاح، ولم يثبت دليل على
# PageV00P432
# اشتراطه شرعا بشئ، فيجب الحكم بتحققه بمجرد تحقق ذلك المعنى، سواء كان
~~تحققه بالصيغة أو بدونه.
# وإن علم معناه، وعلم شرط له أيضا، كما أنه علم لزوم التنجيز ولا يصح
~~التعليق، فيحكم بتحقق هذه المعاملة بتحقق هذا المعنى مع ذلك الشرط.
# وإن لم يعلم له معنى، فيحكم بعدم ترتب الأثر، كما هو مقتضى الأصل إلا
~~فيما علم تحقق المعاملة يقينا، وهو محل الإجماع.
# مثال ذلك: عقد البيع وحصول الاختلاف فيه، فمن ظن عدم ظهور معنى لغوي أو
~~عرفي للبيع اضطر إلى الاقتصار على موضع الإجماع، وهذا محط قول جماعة بتخصيص
~~البيع شرعا بما كان مع الصيغة المخصوصة الجامعة لجميع الشرائط المختلف
~~فيها.
# ومن ظن ظهوره، ولكن زعم الإجماع على اشتراط الصيغة في تحقق البيع، لزمه
~~القول به. ولكن يقتصر في الشرط على ما هو محل الإجماع يعني ما ثبت الإجماع
~~بزعمه على اشتراطه، وهذا مناط قول من يقول باشتراط الصيغة في تحقق البيع،
~~ولكن توسع فيها.
# ومن لم يظهر ذلك الإجماع له، ولم يعثر على دليل آخر أيضا على الاشتراط،
~~توسع في تحقق البيع بما يتحقق به لغة أو عرفا، وإلى هذا ينظر من اكتفى
~~بمطلق اللفظ أو بالمعاطاة أيضا، وهكذا غيره من العقود.
# وبما ذكرنا يحصل المناط والقاعدة الكلية لاستنباط الحق، واستخراج الحكم
~~في مقام الاختلاف في اشتراط المعاملات بالصيغة وعدمه، وفي الاختلافات
~~الواقعة في صيغ المعاملات وكيفيتها، فافهم. PageV00P433
# عائدة (44) في بيان العلم الذي هو حجة في الشرعيات اعلم: أن العلم الذي
~~هو الحجة في الشرعيات من غير احتياج إلى دليل و برهان، هو العلم العادي،
~~وهو الذي لا يلتفت أهل العرف ومعظم الناس إلى احتمال خلافه، ولا يعتبرونه
~~في مطالبهم، ولا يعتنون به في مقاصدهم.
# والحاصل: أن لا يحتمل خلافه بحسب متعارف الناس وعاداتهم، لا ما لا يحتمل
~~خلافه أصلا، أو لا يجوز العقل خلافه، أو عد خلافه محالا عقليا; وذلك لأن
~~مطلوب الشارع ms281 ومراد الله سبحانه وحججه الوسائط عليهم السلام من العباد: هو
~~الإطاعة والتسليم والانقياد، والتجنب عن المخالفة والعصيان.
# وهذا هو المناط في امتثال الأحكام، وإتيان الأوامر، والاجتناب عن
~~النواهي، والثواب والعقاب، والمدح والذم.
# والحاصل: أن مناط امتثال الأوامر والانتهاء عن النواهي، هو الإطاعة
~~والعصيان. والمراد بهما ما يعد مرتكبه عند العقلاء وأهل العرف مطيعا
~~ومسلما، أو عاصيا ومخالفا.
# ومن البديهيات: أن المناط في ذلك هو العلم العادي، بمعنى أنه إذا علم أمر
~~من يجب إطاعته بشئ أو نهيه عن شئ بالعلم العادي، أي كان بحيث لا يلتفت أهل
~~العرف إلى احتمال خلافه ويستبعدونه ويستهجنونه، فممتثله يعد مطيعا، وتاركه
~~عاصيا. PageV00P435
# ألا ترى أن السلطان إذا كتب فرمانا (1) إلى بعض عبيده، وضم معه رسولا
~~ثقة، وأمن التزوير بحسب العادة أيضا، وإن احتمله احتمالا بعيدا غير ملتفت
~~إليه في المتعارف، فترك العبد امتثاله ولم يمتثله، يستحق اللوم والعقاب.
# وكذا لو ارتكب عبد ما يحكم العرف والعادة ومتعارف الناس بعدم رضى مولاه
~~به وجرت عادتهم على تركه يذمونه، يحكمون باستحقاقه المؤاخذة.
# وألا ترى أن بناء الناس من بدو العالم إلى ذلك الزمان على اعتبار الحقائق
~~في الألفاظ، والجريان على طريقة تكلم الناس، ويعدونه من المعلومات، ويذمون
~~مخالفه، مع أنه ليس الحاصل منه إلا العلم العادي.
# وأيضا المستعمل فيه العلم عند الناس، والمتبادر منه عند إطلاقاتهم، هو
~~ذلك المعنى، أي مالا يعتنى إلى احتمال خلافه، ويعد وقوعه خلاف عادة الناس
~~ويستهجنون من يلتفت إليه، فيكون حقيقة فيه، فيجب إرادة ذلك المعنى كلما
~~استعمل.
# والحاصل: أن العلم والظن في الأحكام الشرعية: هو العلم والظن المتعارف
~~(2) إطلاق اللفظ عليهما عند العرف.
# فإن كان طرفا الحكم متساويين، يسمونه ترديدا أو شكا.
# وإن كان أحد الطرفين أقوى، ولكن لا بحيث يستهجن تجويز خلافه، ولا يعتنى
~~عندهم بخلافه، ولا يلتفتون إليه في مقاصدهم، كان ذلك ظنا، وطرف خلافه وهما.
# وإن كان أحدهما بحيث يستقبح تجويز خلافه، ولا يعتنى به عند متعارفهم وإن
~~كان محتملا عقلا، يسمونه علما، وعليه بناؤهم في الامتثالات ms282 والمخالفات.
# PageV00P436
# ومن هذا القبيل العلم الحاصل من المتواتر غالبا، ومن الأخبار المحفوفة
~~بالقرائن. ألا ترى يمثلون للخبر المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم بأمثلة لا
~~يأبى العقل عن خلافه، ولكن لا يلتفت إليه أهل العرف والعادة. PageV00P437
# عائدة (45) في حجية الأخبار الآحاد اعلم أنه قد بينا في كتبنا الأصولية -
~~كشرح تجريد الأصول، ومناهج الأحكام، وأساس الأحكام، ومفتاح الأحكام - أصالة
~~حجية الأخبار الآحاد، المروية عن أئمتنا الأطهار، والمدونة في المعتبرة من
~~كتب علمائنا الأخيار، بالطرق التي ألهمني الله سبحانه ببركة التوسل بالعترة
~~الطيبة وخدمة الشريعة المقدسة (1).
# وقد ظهر لي بعض الفوائد الاخر بمرور الأيام في ذلك المرام. وبيان هذا
~~المطلب بتقرير آخر غير ما ذكرته في سائر الكتب، فأردت أن أودعه في هذا
~~الكتاب من غير تطويل وإطناب، ولأتعرض لأكثر ما (2) أوردته في سائر الكتب من
~~هذا الباب، ليكون تذكرة لنفسي وذكرى الأولي الألباب.
# وقد عقدت لذلك المطلب عائدة، ثم أردفتها بعائدة أخرى، أبين فيها أن
~~العامل بتلك الأخبار الآحاد ناج ألبتة في يوم المعاد، معذور عند رب العباد.
# وهذا المطلب وإن كان نازلا عن منزلة الحجية، وثابتا بعد ثبوت الحجية، إلا
~~أنه لما كان كافيا لطالبي النجاة، وكان دليله أشد وضوحا ذكرته على حدة
~~أيضا.
# PageV00P439
# ولنقدم أمام المقصود مقدمات نافعة:
# الأولى: حكم العقل بجواز كل من الفعل والترك في كل أمر لا قبح فيه بحسب
~~عقولنا قبل ورود الشرع به بديهي، إذ المفروض عدم حكم العقل بقبح في أحد
~~الطرفين، وعدم حكم من الشرع فيه أيضا، فلا يكون منع عقلي ولا شرعي في شئ من
~~طرفيه، وليس معنى الجواز العقلي إلا ذلك.
# بل يحكم العقل بجوازه الشرعي أيضا، إما لأجل أن الجائز الشرعي مالا حرج
~~في فعله ولا تركه، ولا منع على أحدهما، وهذا كذلك. أو لأن العقل يحكم صريحا
~~بأن الشارع لا يعاقب على فعل أو ترك لم ينه عنه، ولم يحكم فيه بقبح.
# وليعلم أيضا: أن من الأمور البديهية أنا لو لم نعلم بوجوب شئ أو حرمته،
~~ولم نظنه، ولم نعثر ms283 على دليل علمي ولا ظني، ولا أمارة تدل على الوجوب أو
~~الحرمة، يجوز لنا فعله وتركه، ويمتنع من الشارع عقابنا على أحدهما; لأنه
~~مما يستقبحه العقل، ويذم عليه العقلاء، سيما إذا كان في مقابل احتمال
~~الوجوب احتمال الحرمة أيضا، أو بالعكس. وقد ثبت ذلك بالأدلة القطعية
~~النقلية أيضا من الكتاب والسنة المتواترة والإجماع القطعي.
# الثانية: من الأمور البديهية عقلا وشرعا أنه لا يمكن كون شئ مناطا لنا
~~ومأخذا لأحكامنا الشرعية وكوننا مأمورين بأخذ الحكم منه من دون كونه مفيدا
~~للعلم أو الظن، أو من غير العلم بحجيته ومناطيته، أو الظن بذلك.
# وبالجملة: لا معنى لكوننا مأمورين بالعمل بشئ معين في جميع الوقائع أو
~~واقعة خاصة من غير جهة ومرجح عقلي أو شرعي لتعينه، وهذا بديهي جدا.
# الثالثة: اعلم أنه كما أن طرق حصول العلم بالأحكام الشرعية محصورة، وهي:
~~العقل، والحس - كالسماع من المعصوم - والعادة، والخبر المتواتر، أو المحفوف
~~بالقرينة، أو الإجماع القطعي، كذلك طرف تحصيل الظن بالأحكام الشرعية، أو
~~الأمارة التي احتمل كونها مناطا لتحصيلها، التي أمكن كونها مناطا،
~~PageV00P440
# واحتمل جعل الشارع إياها مأخذا لنا في ذلك الزمان، محصورة غالبا; إذ ليس
~~هو إلا ظواهر الكتاب، والأخبار، والشهرة بين الأصحاب، والإجماعات المنقولة،
~~والأصل، وعدم ظهور المخالف على قول.
# وأما الظنون الحاصلة من مظنة العلة والحكمة، أو الحمل على الأفراد الاخر
~~ونحوها، فهي من باب استنباط العلة، ومن شعب القياس الممنوع منه في مذهبنا.
# الرابعة: الاحتياط وإن أمكن أن يكون مكلفا به مع بقاء التكاليف وسد باب
~~العلم بها، إلا أنه إنما هو فيما أمكن فيه الاحتياط، بأن يمكن الجمع بين
~~المحتملات، أو يكون فيه قدر مشترك يقيني.
# وأما ما ليس كذلك، كما [إذا] (1) دار الحكم فيه بين الوجوب والحرمة، أو
~~الاستحباب والكراهة، فالاحتياط فيه غير ممكن، فإمكان وجوبه فيه منفي عقلا
~~وشرعا، بديهة وضرورة.
# الخامسة: اعلم أن مطلوبنا في تلك العائدة بيان الدليل العلمي على حجية
~~تلك الأخبار، وإثبات كونها معلومة الحجية.
# وأما الظن بحجيتها وكونها مظنونة الحجية، فهو أمر ms284 في غاية الظهور، كالنور
~~على الطور، كيف والأدلة الظنية على وجوب العمل بها وحجيتها قائمة،
~~والأمارات المفيدة للظن عليه متراكمة، فإنه قد دلت الأخبار على حجيتها
~~ووجوب العمل بجميعها، وانعقدت الشهرة العظيمة عليها، واستفاضت حكاية
~~الإجماع فيها، بل أشار في الكتاب الكريم إليها.
# أما الأخبار، فسيجئ تعدادها، ولو لم يكن غير ما رواه الشيخ في العدة عن
~~مولانا الصادق عليه السلام - المنجبر بالشهرة العظيمة والإجماعات المنقولة
~~- لكفى.
# قال: (إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا، فانظروا إلى
# PageV00P441
# ما رووه عن علي عليه السلام) (1). وهو يدل على وجوب اتباع كل ما روي عنهم
~~إذا وجد الحكم فيه، بل اتباع كل ما روته العامة عن علي عليه السلام عند فقد
~~ما روي عنهم.
# ويدل الجزء الأخير على وجوب اتباع كما روته الخاصة عن علي عليه السلام
~~بالطريق الأولى، وإذا ضم معه الإجماع المركب يدل هذا الجزء على تمام
~~المطلوب أيضا.
# وكذا ما رواه الصدوق في كمال الدين، والشيخ في كتاب الغيبة، والطبرسي في
~~الاحتجاج، والكشي في رجاله بالسند الصحيح العالي، قال: سألت محمد بن عثمان
~~العمري رضوان الله عليه أن يوصل لي كتابا قد سألت فيه عن مسائل أشكلت علي،
~~فورد في التوقيع بخط مولانا صاحب الزمان عليه السلام: (أما ما سألت عنه
~~أرشدك الله ووفقك) إلى أن قال: (وأما الحوادث الواقعة، فارجعوا فيها إلى
~~رواة حديثنا، فإنهم حجتي عليكم، وأنا حجة الله عليهم) (2).
# والمتبادر منه: الرجوع إلى رواياتهم، كما إذا قيل: ارجعوا في الدواء إلى
~~الطبيب، أي إلى طبابته، إلى غير ذلك من الأخبار الآتية.
# وأما الشهرة فلأن معظم أصحابنا صرحوا بحجية الآحاد (3)، ومرادهم:
# حجية كل خبر لم يدل على عدم حجيته دليل، أي: أصالة حجية الخبر، كما يدل
~~عليه نفي اشتراط بعض الشروط - كالعدد والبصر والعربية ونحوها - في الحجية
~~بعد إثباتهم الحجية بالأصل.
# وكذا استدلالهم على اشتراط بعض الشروط - من العدالة وغيرها - ببعض
# PageV00P442
# الأدلة، ونفيهم اشتراط ما لا يتم دليله.
# مع أنه لو لاه (1) لكان مرادهم: إما ms285 حجية طائفة خاصة من الأخبار، أو في
~~الجملة.
# ليس الأول قطعا; لعموم كثير من أدلتهم، وعدم انطباقه على الخاص، وعدم
~~تخصيص في عناوينهم وإن أخرجوا بعضي الأخبار بعد ذكر الشرايط. بل لو كان
~~مرادهم أولا الخصوصية، لم يكن معنى لذكر بعض الشرايط.
# ولا الثاني; لما مر، ولأنه لا يفيد شيئا في الأحكام، ولا يتفرع عليه حجية
~~ما يتمسكون به من الآحاد في الفروع.
# وقد ادعى جماعة - منهم العلامة - الشهرة عليه أيضا (2).
# بل لنا دعوى الإجماع على أصالة حجية تلك الأخبار، بضميمة ما ثبت من أن
~~السيد ومتابعيه أيضا يعملون بأخبارنا، غاية الأمر أنهم يدعون القطع بصحتها.
# وأما الإجماع المنقول، فهو مستفيض.
# قال الشيخ في العدة - بعد اختياره حجية تلك الأخبار -: والذي يدل على ذلك
~~إجماع الفرقة، فإني وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في
~~تصانيفهم، ودونوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك، ولا يتدافعونه، حتى أن
~~واحدا منهم إذا أفتى بشئ لا يعرفونه، سألوه من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم
~~على كتاب معروف، أو أصل مشهور، وكان راويه ثقة لا ينكر حديثه، سكتوا وسلموا
~~الأمر في ذلك، وقبلوا قوله. هذه عادتهم وسجيتهم من عهد النبي ومن بعده من
~~الأئمة، ومن زمان الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام الذي انتشر العلم عنه
~~وكثرت الرواية من جهته، فلولا أن العمل بهذه الأخبار كان جائزا، لما أجمعوا
~~على ذلك، ولأنكروه; لأن إجماعهم فيه معصوم لا يجوز عليه الغلط
# PageV00P443
# والسهو (1).
# وقال بعض المتأخرين في فوائده الغروية: ومن المعلوم على متتبع الأخبار،
~~ومن له ربط بطريقة عمل أصحاب الأئمة الأخيار، أن مدارهم كان على العمل
~~بمضمون آية محكمة، أو رواية معتبرة وإن كانت غير متواترة، ولا مصرحة بأنها
~~من الأئمة الطاهرة (2).
# ويظهر دعوى الإجماع من المحقق أيضا (3).
# ولا ينافي ذلك ما ذكره السيد من دعوى الإجماع على عدم حجية الآحاد، حيث
~~قال في المسائل الموصليات: إن أصحابنا كلهم، سلفهم وخلفهم، متقدمهم
~~ومتأخرهم، يمنعون من العمل بأخبار الآحاد، ومن العمل بالقياس في الشريعة،
~~ويعيبون أشد ms286 عيب، الذاهب إليهما، والمتعلق في الشريعة بهما، حتى صار هذا
~~المذهب - لظهوره وانتشاره - ضرورة منهم، وغير مشكوك فيه من أقوالهم (4).
# وقال في المسألة التي أفردها في البحث عن العمل بخبر الواحد: إنه تبين في
~~جواب المسائل التبانيات أن العلم الضروري حاصل لكل مخالف للإمامية أو
~~موافق، بأنهم لا يعملون في الشريعة بخبر لا يوجب العلم، وأن ذلك صار شعارا
~~لهم يعرفون به (5). انتهى.
# ووجه عدم التنافي: أن محل الدعويين مختلف، فإن مراد السيد نفي حجية الخبر
~~الواحد من حيث إنه خبر واحد، أي حجية كل خبر. ومراد الشيخ حجية
# PageV00P444
# تلك الأخبار المروية بطرق أصحابنا، المدونة في كتبهم، التي صرح السيد في
~~المسائل التبانيات بأنها معلومة، مقطوع على صحتها، إما بالتواتر، أو بأمارة
~~وعلامة دلت على صحتها وصدق رواتها. وقال: فهي موجبة للعلم مقتضية للقطع،
~~وإن وجدناها مودعة في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد (1).
# فلا خلاف بينهما في حجية تلك الأخبار، كما لا خلاف بينهما في عدم حجية
~~الخبر الواحد من حيث هو، كما صرح به المحقق في المعارج، قال: وذهب شيخنا
~~أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة أصحابنا، لكن لفظه وإن كان مطلقا،
~~فعند التحقيق يتبين أنه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل بهذه الأخبار التي رويت
~~عن الأئمة، ودونها الأصحاب، لا أن كل خبر يرويه إمامي يجب العمل به (2).
~~انتهى.
# وكيف يقبل من له أدنى شعور، ادعاء مثل ذينك الجليلين ضرورة الشيعة، وعلم
~~كل موافق ومخالف، على أمرين متناقضين؟.
# وأما ظاهر الكتاب، فهو قوله سبحانه: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) *
~~(3) فإنه يدل بمفهوم الوصف على حجية خبر كل من لم يعلم فسقه، وهذا المفهوم
~~وإن لم يكن حجة عندنا، إلا أنه لاشك في كونه مفيدا للظن.
# إذا عرفت تلك المقدمات، فاعلم أن كلامنا تارة في جواز العمل بالأخبار
~~المدونة في كتب أصحابنا إلا ما أخرجه الدليل وإباحته، أو في وجوبه وحجتيها.
# وعلى التقديرين، فالكلام: إما في الخبر في الجملة، وبعبارة أخرى: الخبر
~~المطلق منها، أو في جميع ms287 تلك الأخبار إلا ما أخرجه الدليل، وبعبارة أخرى في
~~مطلق هذه الأخبار.
# PageV00P445
# فهنا أربع مقامات:
# المقام الأول:
# في إثبات جواز العمل بالأخبار في الجملة، أي بقول مجمل من غير تفصيل لما
~~يجوز العمل به أنه الجميع أو البعض.
# والدليل عليه من وجوه ثلاثة:
# أحدها: أنه مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه: أن الأخذ بتلك الأخبار والعمل
~~بها، أو ردها، أمر من الأمور وواقعة من الوقائع، فلا يخلو: إما يكون لنا في
~~هذه الواقعة المعينة حكم باق من الشارع، يجب علينا امتثاله ولا يجوز لنا
~~تركه - كما هو مقتضى قول من يقول بأن لنا في كل واقعة حكما، ومقتضى قول من
~~يقول ببقاء التكاليف (1) - أم لا، بل لا حكم في هذه الواقعة لنا، وهي في
~~حقنا مسكوت عنها مهملة.
# فإن كان الثاني، فيجوز لنا العمل به قطعا، كما يجوز تركه بحكم ما مر في
~~المقدمة الأولى.
# وإن كان الأول، فيجب علينا تحصيل الحكم فيها وامتثاله لا محالة; فلا
~~يخلو: إما أن تسلم أن ما نقيمه على حجيتها ووجوب العمل بها من الأدلة
~~الآتية مفيدة للعلم به - كما هو مقتضى الإنصاف - أم لا.
# فإن سلمت، فقد ثبت المطلوب.
# وإن لم تسلمه، فلا شك أنه لا دليل قطعيا على حرمة العمل بها، بل لا يمكن
~~وجوده مع ما ثبت في المقدمة الخامسة من ضرورة الظن بحجيتها لا أقل، فيكون
~~باب العلم بحكمنا الباقي في هذه الواقعة - أي العمل بالأخبار - منسدا، وبعد
~~انسداد باب العلم بالحكم فيها، وبقاء التكليف فيها، فلا مناص لنا من العمل
# PageV00P446
# في هذه الواقعة بشئ آخر غير العلم; وليس هو الاحتياط بحكم المقدمة
~~الرابعة، لدوران الحكم فيها بين الوجوب والحرمة بإجماع الأمة.
# فهو إما مطلق الظن به كما يقتضيه قول العاملين بالظن من أنه بعد سد باب
~~العلم وبقاء التكليف يجب العمل بالظن، أو ظن مخصوص، أو أمارة خاصة ثبتت
~~خصوصيتها أو التخيير، أو الأصل ليس إلا، إذ لا يوجد شئ آخر يمكن استنباط
~~حكم هذه الواقعة منه أو ms288 يستند إليه فيها.
# وعلى جميع التقادير ثبت جواز العمل بالأخبار.
# أما على التخيير، أو العمل بالأصل في هذه الواقعة، فظاهر.
# وأما على العمل بالظن مطلقا، أو الظنون الخاصة، فبحكم المقدمة الخامسة.
# أما الظن المطلق فظاهر.
# وأما الخاص فلأنه ليس ظن خاص يصلح لاستنباط حكم الخبر منه إلا الأخبار،
~~أو، الاشتهار أو الإجماع المنقول. ومقتضى الكل حجية الخبر.
# بل وكذا الكتاب، لأن آية النبأ تدل عليها بمفهوم الوصف، الذي هو مفيد
~~للظن، وإن اختلفوا في حجيته.
# فإن قلت: ادعى السيد الإجماع على عدم حجيته (1).
# قلنا - مع أنه ليس إلا على نفي حجية الخبر الواحد من حيث إنه خبر واحد،
~~أي مطلق الخبر، لا الخبر المطلق، كما هو مقصودنا -: إن غاية الأمر معارضته
~~مع الإجماعات المنقولة على الحجية، فيتعارضان، ولا يحصل الظن بواسطة
~~الإجماع المنقول، فترفع اليد عنه، ويرجع إلى سائر طرق الظن.
# فإن قيل: الآيات المانعة عن العمل بما ليس بعلم، وبالظن، تدل على حرمة
# PageV00P447
# العمل بالأخبار، والكتاب معلوم الحجية، فيكون حكم الخبر معلوما لنا، وهو
~~حرمة العمل.
# قلنا: لا دلالة لشئ من الآيات على ذلك أصلا; لأن ما يتوهم دلالته منحصر
~~في قوله سبحانه: * (ولا تقف ما ليس لك به علم) *، (1) وقوله تعالى: * (إن
~~يتبعون إلا الظن) * (2)، وقوله عز شأنه: * (وما يتبع أكثرهم إلا ظنا) *
~~(3)، وقوله عز جاره: * (إن الظن لا يغني من الحق شيئا) * (4).
# والآية الأولى خطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا دخل لها بنا،
~~سيما مع تفاوت حالنا، فإن باب العلم له صلى الله عليه وآله - بالوحي
~~والإلهام - في الأحكام مفتوح، ولنا مسدود، مع أن المعلوم حجيته لنا من
~~الكتاب ما كان خطابا لنا أو لمن يشملنا أيضا (5).
# والثانية لا تدل على الحرمة إلا باعتبار تضمنها المذمة، والمذمة إنما
~~وقعت على عدم اتباعهم غير الظن، لا على اتباعهم الظن.
# وكذا الثالثة والرابعة لا تدل إلا على أن الظن غير مغن عن الحق، ولا
~~دلالة على حرمة العمل، فإن قولك: الهدية لا تسقط الدين، لا يدل ms289 على حرمة
~~الهدية.
# نعم لو كنا في مقام الاستدلال بالخبر أو الظن على شئ، أو كنا نقول: إن
~~التكليف بأحكام باق لنا ولا بد من استخراجها بالخبر أو الظن، ترده الآية
~~بأن الظن لا يغنى من الحق شيئا. وأما مطلوبنا، فهو جواز الأخذ بالخبر،
~~والعمل بما يفيد، هذا
# PageV00P448
# مع أنه لو سلمنا دلالة الآيات الثلاث على الحرمة، لدلت على حرمة اتباع
~~الظن، وهو الحالة النفسانية المسماة برجحان أحد الطرفين، وحرمة اتباعه لا
~~تدل على حرمة اتباع الخبر الذي هو قول أصلا، وشتان ما بينهما.
# ألا ترى أنه يصح أن يقال: لا يجوز للقاضي اتباع ظنه في المرافعات، ويجب
~~عليه العمل بقول الشاهد، فإن الظن أمر والخبر أمر آخر.
# نعم قد يحصل منه الظن، وحينئذ يكون هو سببا لحصوله.
# نعم لو كان ينهى عن اتباع مطلق ما يفيد الظن أو كل ما يفيده، لجاز أن
~~يقال بشموله للخبر، ولكن النهي إنما هو عن اتباع الظن، فيمكن أن يكون اتباع
~~بعض ما يفيده حجة لخصوصيته، أو خصوصية بانضمام إفادته الظن، أي يتبع
~~الأمران، فيمكن أن لا يجوز اتباع الظن، ويجوز اتباع القول، أو اتباع الظن
~~والقول معا، لا من حيث إنه ظن، بل من حيث إنه خبر مثلا، أو خبر وظن معا.
# فإن قيل: الكتاب وإن لم يدل على حرمة العمل بالخبر، إلا أن الأخبار
~~المانعة عن العمل بما ليس بعلم تدل على حرمة العمل بالخبر. وهي وإن لم يثبت
~~حجيتها بعد، إلا أنه يمكن جعل الاستدلال بها قطعيا، بأن يقال: لو جاز العمل
~~بالخبر لجاز العمل بهذه الأخبار، ولو جاز العمل بها لم يجز العمل بخبر،
~~كلما كان كذلك فهو باطل قطعا، نظير ما قلناه في نفي حجية مطلق الظن.
# قلنا أولا: إن هذا إنما يتم لو كان المراد هنا (1) جواز العمل بكل خبر،
~~وليس كذلك، بل المراد جواز العمل بالخبر في الجملة، ولا شك أنه لا يلزم من
~~جواز العمل بالخبر في الجملة جواز العمل بهذه الأخبار المانعة.
# وثانيا: إنا ms290 سلمنا أن المراد إثبات جواز العمل بكل خبر، ولكن المراد
~~العمل بكل خبر لم يكن مانع من العمل به.
# ومن الموانع المعارض ضرورة امتناع العمل بالمتعارضين، وامتناع ترجيح
# PageV00P449
# أحدهما، والمانع للعمل بهذه الأخبار موجود، وهو الأخبار المتقدمة والآتية
~~الدالة على حجية الخبر، سيما مع أنها أخص مطلقا من الأخبار المانعة، ومعه
~~لا يعمل بالعام في مورد الخاص إجماعا وقطعا، ولم يقل أحد بحجيته فيه فإن
~~قيل: لعل ذلك الشئ الآخر (1) الذي يتبع في تعيين حكم الخبر هو (2) الاحتياط
~~في مدلوله، فإن كان مدلوله موافقا للاحتياط يجوز الأخذ به أو يجب، وما كان
~~مخالفا له يجب تركه، وما كان نسبة مدلوله وخلافه إلى الاحتياط متساوية
~~يتخير فيه.
# قلنا: من البديهيات بطلان الترجيح بلا مرجح، والتعيين بلا معين، فيبطل
~~احتمال وجوب الأخذ باحتياط (3) دون آخر.
# وعلى هذا فنقول: لا شك في أن من يعمل بالخبر لا يمنع من الاحتياط، فإن
~~ورد خبر أن الشئ الفلاني طاهر، لا يمنع من الاجتناب عنه، وإنما يمنع من رد
~~الخبر والحكم بأن هذا الشئ نجس، أو الحكم بفساد البيع الذي ورد عليه إذا
~~ترافع المتبايعان (4)، ونحو ذلك.
# فالمراد من رد الخبر المخالف مدلوله للاحتياط إن كان محض الاجتناب عن
~~مدلوله، فهو غير رد الخبر (5).
# وإن أريد الحكم بموافق الاحتياط في مدلوله، فهو رد الخبر، وهو أيضا خلاف
~~الاحتياط، لاحتمال وجوب قبوله، وترجيح الأول لا وجه له وترجيح بلا مرجح.
# فإذا ورد أن الثوب الملاقي للفأرة طاهر، فلا بحث لأحد من القائلين بحجية
# PageV00P450
# الخبر وغيرهم في جواز نزعه عند الصلاة احتياطا، ولكن ليس الكلام فيه، بل
~~نقول: هذا الذي لا يصلى فيه هل يحكم بنجاسته، أو نقول: لم يثبت الحكم
~~بنجاسته، أو نقول طاهر؟ وأي منها كان (1)، يكون خلاف الاحتياط، لاحتمال
~~وجوب قبول الخبر، واحتمال وجوب رده، وكل من الأمور الثلاثة مخالف لأحدهما.
# وكذا إذا صلى أحد مع مثل ذلك الثوب، فهل يقال بوجوب الإعادة، أو لا يقال؟
~~والكل خلاف الاحتياط.
# الدليل الثاني: أنه لا يخلو إما ms291 لم يصدر من الشارع حكم في خصوص العمل
~~بالأخبار، أو صدر.
# فعلى الأول، فجواز العمل بها ظاهر.
# وعلى الثاني، لا يخلو - كما هو الظاهر بل المتيقن للإطباق على أن للعمل
~~بالأخبار حكما، ولدلالة الأخبار المتواترة عليه - فإما لا يكون هذا الحكم
~~باقيا لنا، أو يكون باقيا.
# فعلى الأول: لا يكون لنا فيه حكم، فلنا أن نعمل ما نشاء أيضا.
# وإن كان الحكم - وهو إما وجوب العمل بها، أو حرمته، أو جوازه - باقيا
~~لنا، فإما أن يكون الحكم أحد الأحكام لا على التعيين، أو يكون حكما معينا.
# فعلى الأول: يكون الحكم التخيير، وجواز العمل عليه ظاهر.
# وإن كان حكمنا معينا، فإما لم يعينه لنا ولم يجعل لنا سبيلا إلى التعيين،
~~أو عين وجعل لنا سبيلا إليه.
# والأول باطل; لكونه تكليفا بما لا يطاق.
# فإن قيل: إنما هو إذا كان الحكم الوجوب أو الحرمة، وأما الجواز فليس
~~تكليفا.
# PageV00P451
# قلنا: إن كان الحكم الجواز فثبت المطلوب.
# فإن قلت: يلزم التكليف بما لا يطاق إذا لم يمكن الاحتياط.
# قلنا: هو هنا غير ممكن; لدوران الأمر بين الوجوب والتحريم، سلمنا
~~الإمكان، لكن نقول: هل يجوز ترك الاحتياط أو لا؟ فإن لم يجز، فهو السبيل
~~المعين، ويأتي فساده. وإن جاز، فنقول: فما حكم من لم يرد الاحتياط؟
# وعلى الثاني، فالمعين - بالكسر - إما هو العلم، أو غير العلم. الأول
~~باطل; لأنه ليس بمعلوم، فتعين الثاني. وغير العلم الذي يمكن تعيين حكم
~~الخبر به، ويصلح معينا له منحصر بالأصل، والأخبار، والظن، والاحتياط.
~~والثلاثة الأولى مثبتة لجواز العمل أو وجوبه، والرابع غير ممكن كما مر.
# فإن قيل: لعل المعين هو الاحتياط في المدلول والمورد، فيجب الأخذ بكل خبر
~~كان مدلوله موافقا للاحتياط، ويحرم الأخذ بما لا يكون كذلك.
# قلنا: لا يفيد (ليت ولعل) في التعيين، فلعله لا يحرم الأخذ بما لا يكون
~~كذلك، فلم يتعين.
# فإن أردت أنه تتعين حرمة الأخذ والعمل بما لا يكون موافقا للاحتياط، فإن
~~كان ذلك بلا معين فهو تحكم بحت، وإن كان لأجل معين، ms292 فأين هو؟ وما هو؟
# وأما مجرد الاحتمال فلا يكفي في التعيين، وإلا يحتمل وجوب الأخذ أيضا،
~~فلا يمكن أن يكون الاحتياط هو المعين، مع أنه يتعارض الاحتياطان حينئذ لو
~~حكم بوجوب ترك المخالف للاحتياط، إذ يمكن أن يكون قبول الخبر فيما كان
~~مورده خلاف الاحتياط والحكم بمقتضى الخبر واجبا.
# بل نقول: ليس مورد من الموارد التي يخالف الاحتياط فيها مدلول الخبر إلا
~~و (1) يحصل التعارض في الاحتياط، كما إذا ورد: أن الشئ الفلاني طاهر، ثم
~~ورد عليه البيع أو لاقى ثوبا، وصلي فيه.
# PageV00P452
# فإن حكمت بفساد المبايعة والصلاة للاحتياط في المدلول، خالفت الاحتياط.
# وإن حكمت بصحته، حكمت بقبول الخبر، لأن مثل ذلك محل الكلام.
# وإلا فجواز الاحتياط في كل مورد، فهو مما لا يقبل المنع، فلا يمكن أن
~~يكون الحكم فيه الاحتياط مطلقا.
# الدليل الثالث: أنه إن لم يكن لنا في الخبر حكم باق، فلا بحث على العامل
~~(1) به كما مر.
# وإن كان، فيجب علينا تعيين مأخذه، وتحصيل المتبع في ذلك الحكم ولا شك في
~~انسداد باب العلم بالمتبع فيه، فينحصر طريق تعيينه بالخبر، أو الظن، أو
~~التخيير، أو الأصل، أو الاحتياط.
# والأخير غير ممكن; لأنه مردد بين الوجوب والحرمة، والبواقي تثبت المطلوب،
~~فالعمل بالأخبار وقبولها جائز قطعا.
# الدليل الرابع: أنا لو لم نقل بقيام الدليل العلمي على وجوب العمل
~~بالخبر، ولا الدليل الظني، فمن البديهيات الواضحة أنه لا دليل علميا أو
~~ظنيا على حرمته، فبحكم ما مر في آخر المقدمة الأولى (2) يمتنع (3) كونه
~~حراما علينا، فيكون جائزا، وهو المطلوب.
# المقام الثاني:
# في إثبات جواز العمل بكل خبر من الأخبار، الذي لم يعلم بطلانه، ولم يقم
~~دليل علمي ولا ظني على عدم حجيته، والحاصل كل خبر غير مظنون البطلان.
# PageV00P453
# والدليل عليه هو الدليلان المتقدمان في إثبات جواز العمل بالخبر في
~~الجملة بعينهما.
# وتقرير الثاني منهما واضح.
# وتقرير الأول: أنه يقال في كل خبر خبر من تلك الأخبار: إنه لا شك في أن
~~العمل بذلك الخبر أو رده واقعة من الوقائع، ms293 وأمر من الأمور. فإما يكون لنا
~~فيه حكم باق من الشارع، أو لا.
# فعلى الثاني يثبت المطلوب، كما مر.
# وعلى الأول يجب علينا تحصيل حكمه، وباب العلم به منسد، كما هو المفروض
~~عند الخصم، فلابد من العمل بشئ آخر غير العلم في استخراج حكم العمل بهذا
~~الخبر وعدمه، وليس هو إلا الظن المطلق، أو الخاص، أو الأمارة المخصوصة.
# وليس شئ من هذه الأمور دالا على عدم حجيته وحرمة العمل به; لأنه المفروض،
~~ولا يمكن العمل بالاحتياط - كما مر - فإما يعمل بالتخيير، أو الأصل، وهو مع
~~الجواز، أو يعمل بالأدلة الظنية الدالة على حجيته، كالأخبار المتقدمة
~~والآتية، ومقتضاها جواز العمل أيضا.
# ولو فرض عدم دليل ظني على حجيته أيضا، وليس (1) على حرمة العمل به أيضا،
~~فيكون المرجع الأصل أو التخيير بديهة، كما مر في المقدمات.
# فإن قيل: يعمل بالأخبار الناهية عن العمل بغير العلم.
# قلنا: قد عرفت جوابه.
# فإن قيل: إن آية النبأ تدل على رد خبر الفاسق، ومقتضاها: عدم حجية الخبر
~~الذي يتكلم فيه إن كان راويه فاسقا واقعا، أو شرعا، أي بواسطة الأصل.
# PageV00P454
# قلنا: لا دلالة لها أصلا، كما يأتي في بعض العوائد الآتية (1) إن شاء
~~الله.
# المقام الثالث:
# في إثبات حجية الخبر المطلق، أي الخبر في الجملة على الوجه الذي لا يبقى
~~فيه للمنصف الماهر شك وريبة، والمتعسف المكابر لا يجديه ألف دليل وحجة.
# ولنا على ذلك المطلب الواضح السبيل وجوه من الأدلة:
# الدليل الأول: أنه قد ثبت لك في العائدة السابقة: أن مجرى عادة الله
~~سبحانه وحججه الطاهرين صلوات الله عليهم أجمعين، في بيان تكليف العباد،
~~وشرح الأحكام لهم، على طريقة متعارفهم ومعتادهم.
# وأن كل ما جرت عليه عادة الناس في الإطاعة والعصيان، وعليه مدارهم
~~وبناؤهم، فهو مبنى الإطاعة والعصيان في أحكام الله سبحانه - ولذا يسلكون
~~معهم في استخراج المعاني من الألفاظ المسلك المتعارف في المحاورات - ويعد
~~غيره عاصيا.
# وبالجملة: الحجة لنا هو العلم العادي، أي ما علم اعتباره في عادة الناس.
# ومما جرت عليه عادة الناس ms294 طرا من بدو العالم إلى هذا الزمان: أن كل مطاع
~~في قوم له أحكام بالنسبة إليهم - بل كل شخص له أشغال وأمور مع جماعة - لا
~~يطلب منهم في كل واقعة واقعة العلم، بل بناؤهم على قبول أخبار الثقات، سيما
~~مع انضمام بعض القرائن المؤكدة للظن، سيما إذا كثرت الأحكام وتشعبت، وتعدد
~~المحكومون وانتشروا.
# هؤلاء السلاطين والامراء والحكام ينفذون الرسل إلى البلاد، ويكتبون
~~المكاتيب التي هي أيضا أخبار كتبية إلى الناس، ويريدون العمل بها وبأقوال
~~الرسل، ويحضرون الناس بإرسال شخص واحد لإحضاره، ويريدون إجابته،
# PageV00P455
# ومن لم يقبل يستحق العقاب والمؤاخذة إلا مع ضم ما يفيد ظن التزوير، أو
~~الفحص عن تحصيل العلم مع إمكانه. ويعد في العرف ممتثلها مطيعا، والراد لها
~~عاصيا مخالفا.
# وهؤلاء التجار بناؤهم وعادتهم في المعاشرات والمعاملات على الأخبار
~~القولية والكتبية، وهكذا الأصدقاء والأحباب، بل على ذلك جرت عادة أهل كل
~~علم وعمل.
# هذه كتب المنجمين مشحونة بالإخبار عما استنبطه واحد بواسطة الإرصاد أو
~~التجارب; وتلك كتب الأطباء مملوءة من الإخبار عن الطبائع والتجربيات; وتلك
~~كتب اللغة مشتملة على الإخبار عن الأوضاع اللغوية; وكذا كتب علوم الأدب
~~متضمنة للإخبار عن القواعد الأدبية.
# وبالجملة: هذه طريقة مستمرة وعادة مستقرة بين الناس، عليها بناء الإطاعة
~~والعصيان، بحيث يعلمها كل أحد.
# انظر إلى أنه لو جاء ثقة إلى عبد من مولاه بأمر أمره به، فلم يلتفت إليه
~~ولم ينهض إما للامتثال أو لتحصيل العلم، يذمه العقلاء، ويحكمون باستحقاقه
~~العقاب، سيما إذا انضم معه ثقة آخر، أو كتاب من المولى.
# بل يعلم قطعا: أن جميع الأنبياء المبعوثين إلى العباد، كانوا جارين على
~~ذلك المنوال، فيأمرون أممهم بواسطة المخبرين الثقات، وكذا أوصياؤهم، كما
~~عليه جرت عادة الحكام وأولوا الأحكام. وليست عادتهم في ذلك بأدون من عادتهم
~~في استخراج المعاني من الألفاظ بأصل الحقيقة، وأصل عدم القرينة، وعدم
~~النقل، ونحو ذلك.
# بل ليس علمنا بجريان عادتهم على ذلك بأدون من علمنا بكثير من البلاد
~~النائية والقرون الخالية، ومن كوننا مكلفين بأحكام غير ما علم ms295 ضرورة من
~~الشريعة، بل التشكيك في ذلك كالتشكيك في مقابلة البديهة.
# فإن قيل: نحن نسلم ذلك، ولكن المعلوم لنا من عادة الناس وطريقتهم:
~~PageV00P456
# عملهم مطلقا أو عند سد باب العلم أو عند تكثر الأحكام وتعدد المحكومين
~~بالظن مطلقا، لا خصوص الخبر.
# وبالجملة: نعلم أن بناء الناس في الإطاعة والعصيان، والأوامر والنواهي،
~~لا ينحصر بالمعلومات القطعية، بل يعملون بالظنون القوية، إما مطلقا، أو مع
~~انسداد باب العلم، أو تعسر العلم.
# قلنا - مع أن المشاهد من أحوالهم، والمعاين من عاداتهم، هو الرجوع إلى
~~الأخبار القولية والكتبية -: إنه لو سلمنا ذلك يثبت المطلوب أيضا.
# أما أولا: فلأن مقصودنا - كما يأتي أيضا - هو الأخبار المفيدة للظن، لا
~~كل خبر وإن لم يفد الظن، فبعد حجية الظن يثبت حجية الخبر الظني أيضا.
# وأما ثانيا: فلأن كل من يقول بحجية الظن يقول بحجية الخبر المفيد للظن
~~أيضا، ولا عكس، فبعد تسليم حجية الظن يثبت حجية الخبر المفيد للظن.
# وأما ثالثا: فلأن حجية الظن تستلزم حجية الخبر; لما عرفت من كونه المظنون
~~(1) الحجية، وحصول الظن بحجيته.
# الدليل الثاني: تقرير المعصوم لنا بضميمة الحدس والوجدان.
# فإنا نعلم قطعا أن جميع المكلفين من الرجال والنسوان والصبيان في أوائل
~~البلوغ - سيما بعد انتشار الإسلام في البلاد النائية والقرى والبوادي، حتى
~~بلاد العجم والترك - كانوا يعملون في أحكامهم ومسائل حلالهم وحرامهم بأخبار
~~الثقات، ورواياتهم، وكتبهم، ورسائلهم، ومكاتيبهم. فالصبيان كانوا يقبلون
~~أخبار آبائهم، والنسوان أقوال رجالهم، والعوام روايات علمائهم، وإن كانوا
~~يتفحصون عن أحوالهم.
# ونعلم قطعا أنهم لم يكونوا مقتصرين على المعلومات، فإن طرق العلم محصورة،
~~وأكثرها للأكثر في الأكثر قطعا منتفية. فإن الشئ يعلم إما (2) بالعقل،
# PageV00P457
# أو العادة، أو الحس، أو الإجماع، أو الخبر المتواتر، أو المحفوف
~~بالقرينة.
# ولا سبيل للأولين إلى (1) الأحكام الإلهية والآداب الشرعية غالبا.
# والثالث غير ميسر إلا للمتمكنين من التشرف بشرف السماع من الحجج
~~المعصومين.
# والرابع لم يكن متحققا إلا في مسائل قليلة، مع أن العلم به للنسوان في
~~البيوت وأهل القرى والبوادي والبلاد البعيدة - سيما في ms296 زمن الأئمة، التي لم
~~ينتشر فيها علماء الشيعة، وكان فيها مانع التقية - متعسر، بل متعذر، وكذا
~~الأخيرين.
# ولم يكن في الأحكام في الأغلب باعث ظن في تلك الأزمان سوى الأخبار
~~القولية أو الكتبية، وكانوا يعملون بها، ويعلم أئمتهم ذلك، ويقرونهم عليه،
~~بل يعلم المتتبع أنهم يرغبونهم عليه، ويأمرونهم به.
# واحتمال أن يكون عملهم بها لأجل حصول العلم لهم باعتبار عدم الالتفات إلى
~~احتمال الخلاف وإن أمكن في حق قليل من عوامهم الغير الفطنين (2)، ولكنه
~~معلوم الانتفاء في حق الأكثر، سيما مع وجود الاختلافات الكثيرة في الأخبار.
# الدليل الثالث: الإجماع القطعي.
# فإن حجية تلك الأخبار في الجملة ووجوب العمل بها، مما لا يصلح محلا
~~للنزاع أصلا، بل صار هو ضروري المذهب والدين، وليس علمنا بوجوب العمل بتلك
~~الأخبار في الجملة أضعف من علمنا بكوننا مكلفين كذلك.
# ونعلم قطعا أنه لو تركت الأحاديث رأسا لخرب الدين والمذهب، والتارك لها
~~يؤاخذ ويعاقب (3)، وتبطل أحكام شرع الرسول، ويصبح الدين غير ما أتى به، كما
# PageV00P458
# صرح به شيخنا الأقدم الشيخ المفيد، ناقلا عن بعض مشايخه (1).
# وطريق علمنا بذلك طريق علمنا ببقاء التكاليف، والخروج من الدين، والعدول
~~عن سيرة العلماء الراسخين، برفع اليد عنها.
# ويبينه: أنا نرى أصحاب أئمتنا ومن يليهم من علمائنا المتقدمين وفقهائنا
~~المتأخرين ورواة الأخبار وحكاة الآثار من عهد أول الحجج إلى زماننا هذا،
~~يعملون بالأخبار الآحاد من تلك الأخبار المدونة في كتب الأصحاب، ويجعلونها
~~أدلة للأحكام الشرعية، من الموجودين في زمان المعصومين واللاحقين لهم في
~~زمان الغيبتين إلى زماننا هذا.
# حتى أن قديم الأصحاب وحديثهم إذا طولبوا بصحة ما أفتوا به، عولوا على تلك
~~الأخبار المنقولة في أصولهم المعتمدة، ويسلم لهم خصمهم.
# وكذا ترى أنه وقع الاختلاف بينهم بحسب اختلاف الأحاديث، وهذا شاهد صدق
~~على أن عملهم كان بتلك الأخبار.
# ونراهم شديد الاهتمام بضبط الأحاديث وتدوينها، حتى سطروا الأساطير،
~~وملأوا الطوامير، ودونوا فيها كتبا وأصولا، واستعملوا في تقسيمها أبوابا
~~وفصولا.
# وقل من مشاهير أصحاب الأئمة وعدولهم من لم يكن له أصل أو ms297 كتاب جمع فيه
~~أحاديث الأطهار، حتى أن أربعمائة من أصحاب الصادقين عليهما السلام جمعوا
~~أربعمائة أصل، اشتهر ذكرها في الأقطار.
# ولم يوجد من علماء الأمة وفحولهم من لم يصرف برهة من عمره في تأليف كتاب
~~جمع فيها متفرقات الأخبار وقد بذلوا سعيهم في نشره وترويجه، حتى أنه ما سمع
~~أحد منهم حديثا إلا أسمعه غيره، ونقله له قولا أو كتابة، قراءة أو إجازة،
~~حيث إن أكثرها
# PageV00P459
# وصلت إلينا مع بعد العهد وطول الزمان، وتوفر الدواعي على الإخفاء
~~والكتمان.
# وصرفوا عمرهم في تصحيحه من حيث اللفظ تارة ومن حيث المعنى أخرى، حتى
~~وضعوا كتبا في بيان معاني الأخبار، ووضعوا مؤلفات في توضيح أحاديث الأئمة
~~الأطهار. ومن حيث الإسناد ثالثة، حتى اجتهدوا في ضبط أسانيدها، وبحثوا عن
~~حال رواتها، وميزوا العدل من المجروح والثقة من الضعيف، وصنفوا كتبا -
~~مختصرة ومطولة - في بيان أحوال الرجال وصفاتهم.
# وأيضا ما وجدنا كتاب فقيه أو رسالة منه يشتمل على مسألة من الفروع من
~~الصدر الأول إلى هذا الزمان، إلا وقد استدل فيه بخبر أو أخبار. وما رأينا
~~مصنفا من مصنفات عالم في الأحكام من أول الأمر إلى يومنا هذا، إلا تمسك فيه
~~بهذه الروايات. ولم يختص ذلك بوقت دون وقت، ولم ينحصر في زمان دون زمان،
~~ولم يقتصروا في ذلك على باب مخصوص من أبواب الفقه، ولا مسألة مخصوصة من
~~مسائله.
# ولا يتوهم أن المانعين من العمل بالآحاد - كالسيد ومن اقتفى أثره - لا
~~يعملون بها، فإن منعهم إنما هو من العمل بالآحاد من حيث هي آحاد، أي إذا لم
~~ينضم معها قرينة، ويدعون أن أكثر أخبارنا مضمومة مع قرائن مفيدة للعلم.
# ألا ترى كتبهم مشحونة بالاستدلال بالأخبار، فهم مانعون من العمل بالأخبار
~~الغير المعلومة صحتها، لا (1) بتلك الأخبار المدونة في كتب أصحابنا، بل
~~يعملون بها، ويرون حجيتها، قائلين بكونها مقطوعة.
# ألا ترى أنه قال السيد في جواب المسائل التباينات: إن أكثر أخبارنا
~~المروية في كتبنا مقطوع على صحتها، إما بالتواتر، أو بأمارة وعلامة دلت على
~~صدق ms298 رواتها وصحتها، فهي موجبة للعلم، مقتضية للقطع وإن وجدناها مودعة
# PageV00P460
# في الكتب بسند مخصوص من طريق الآحاد (1). انتهى.
# وبالجملة: ليس غرضنا إثبات حجية الآحاد من حيث هي آحاد، بل حجية هذه
~~الأخبار المودعة في المعتبرة من كتب أصحابنا الواصلة إلينا بطريق الآحاد.
# وليس من علمائنا من منع من العمل بها، بل هم - مع كثرتهم وانتشارهم - بين
~~قائل بوجوب العمل بها لأجل كونها مقطوعة الصحة، وقائل بوجوبه لإفادتها
~~الظن، وقائل بوجوبه تعبدا. فيكون حجية تلك الأخبار في الجملة ووجوب العمل
~~بها إجماعيا.
# ويكشف النقاب عن ذلك: ادعاء كثير من أجلة الأصحاب الإجماع عليه من
~~المتقدمين والمتأخرين، منهم الشيخ الطوسي، والمحقق، والعلامة، وشيخنا
~~البهائي (2). وقال بعض الأجلة بعد ذكر أمارات وشواهد على العمل بالآحاد:
~~فحصل من جميع ما ذكرنا أن إطباقهم على هذه الطريقة من غير نكير منهم، إجماع
~~منهم على الجواز، فيدل عليه الإجماع وتقرير المعصوم عليه السلام (3).
~~انتهى.
# فمن ملاحظة تلك الأمور يحصل العلم باتفاقهم على العمل بتلك الأخبار في
~~الجملة، واتفاقهم كاشف عن قول الحجة، فيكون الخبر الواحد حجة في الجملة
~~قطعا في زمان الغيبة لغير المتمكن من تحصيل العلم، فإنه الثابت من الإجماع.
# فإنه لو كان الاتفاق من علماء عصر واحد والمجتمعين على حالة واحدة، لأمكن
~~التخصيص بذلك الزمان وهذه الحالة. ولكنا وجدناهم من زمان
# PageV00P461
# المعصومين عليه السلام إلى زماننا هذا به عاملين، وبه محتجين، جيلا بعد
~~جيل، وطبقة عقيب طبقة، من غير تخصيص بزمان أو حالة، بل يمكن ادعاء الضرورة
~~على ذلك.
# لا يقال: إن السيد ومتابعيه قد عملوا بتلك الأخبار لأجل انضمام القرائن
~~إليها، وهي الموجبة لحجيتها، فاللازم حجيتها لمن وجدت له القرينة.
# قلنا أولا: إنا لا نحتاج في إثبات الإجماع إلى موافقة السيد وتابعيه، بل
~~العلم بالإجماع حاصل من غير جهته ومع قطع النظر عنه، لانقطاع عصرهم وحكم
~~الحدس به لولاهم أيضا.
# وثانيا: إنا نعلم علما قطعيا أنه لم ينضم إلى تلك الأخبار في عصر السيد
~~وموافقيه قرائن مفيدة للعلم القطعي بصحة تلك الأخبار، لفقدانها ms299 في زمن
~~المعصومين أيضا، بل المراد ما يحصل به الاطمئنان للنفس، من القرائن التي
~~توجد لنا أيضا من وجود الخبر في أصل معتبر، أو كون رواته من العدول الثقات،
~~أو الموافقة لعمل جمع من الأصحاب، إلى غير ذلك.
# بل يمكن أن يكون المراد بالصحة - التي صرح السيد بأن هذه الأخبار مقطوعة
~~على صحتها - هو ذلك المعنى، وقد صرح بذلك بعض مشايخنا المحققين، قال في
~~رسالته في الاجتهاد والأخبار، بعد نقل عبارة السيد المتقدمة: الظاهر أن
~~فحوى الكتاب وأمثاله عند السيد من جملة تلك الأمارات، بل لا تأمل فيه - كما
~~لا يخفى على المطلع المتأمل - ولا خفاء في كونها ظنية (1). انتهى.
# وثالثا: إن كل ما ذكرنا ونذكره - بطوله وتفصيله - أيضا قرائن لنا، منضمة
~~مع تلك الأخبار، موجبة للقطع بحجيتها ولو في الجملة. فإنا قد ذكرنا لك: أن
~~مقصودنا ليس حجية الخبر الواحد من حيث هو خبر واحد، بل الغرض حجية تلك
~~الأخبار التي في كتبنا المعتبرة.
# PageV00P462
# الدليل الرابع: الأخبار المحفوفة بالقرائن، المفيدة للقطع بحجية الأخبار
~~الآحاد، بل المتواترة معنى.
# وبيان ذلك: أنه قد وردت أخبار كثيرة من الصحاح وغيرها، دالة على وجوب
~~العمل بالأخبار المروية عن أئمتنا الأخيار عليهم السلام، وانضمت معها قرائن
~~مفيدة للعلم بصحة مضامينها، وهي كثيرة جدا، وكثير منها واضح الدلالة.
# وفي دلالة بعضها وإن أمكن نوع من المناقشات، إلا أن من ضم بعضها مع بعض
~~يحصل القطع بالحجية.
# أما الأخبار فكثيرة:
# الأول، والثاني: رواية العدة (1)، والتوقيع الرفيع (2)، المتقدمين في
~~المقدمة الخامسة.
# الثالث: الحديث المدعى تواتره بين الفريقين، وهو قوله صلى الله عليه وآله
~~وسلم: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا بعثه الله يوم القيامة فقيها) (3)،
~~ولا شك أن الحفظ عليهم بدون حجيته لا فائدة فيه.
# الرابع: صحيحة أبي البختري عن الصادق عليه السلام، قال: (إن العلماء ورثة
~~الأنبياء، وذلك أنهم لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأنما أورثوا أحاديث من
~~أحاديثهم، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظا وافرا) (4).
# الخامس: رواية يزيد بن عبد الملك: تزاوروا، فإن زيارتكم ms300 إحياء لقلوبكم
# PageV00P463
# وذكر لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض، فإن أخذتم بها رشدتم
~~ونجوتم، وإن تركتموها ضللتم وهلكتم، فخذوا بها وأنا بنجاتكم زعيم) (1).
# السادس: صحيحة معاذ الهراء (2)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني
~~أجلس في المسجد، فيأتيني الرجل، فإذا عرفت أنه يخالفكم أخبرته بقول غيركم،
~~وإذا كان ممن لا أدري، أخبرته بقولكم، وقول غيركم فيختار لنفسه، وإذا كان
~~ممن يقول بقولكم أخبرته بقولكم، فقال: (رحمك الله، هكذا فاصنع) (3).
# فقرر عليه السلام معاذا، بل أمره بإخباره بقوله، مع علمه بعمل المخبرين
~~بقوله، مع كونه واحدا.
# السابع: رواية معلى بن خنيس، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إذا
~~جاء حديث من أولكم وحديث من آخركم، بأيهما نأخذ؟ قال: خذوا (به حتى يبلغكم
~~من الحي، فإن بلغكم من الحي فخذوا بقوله). (4) حيث أمر بالأخذ بقول الأول
~~مع المخالف، ومعلوم أن الأخذ به بدونه أولى، وأيضا أمر بالأخذ بما بلغ من
~~الحي.
# ويستفاد من ذلك الخبر: أن الأخذ بالأخبار كان مسلما بين الأصحاب، وإن لم
~~يعلموا الحكم عند الاختلاف.
# الثامن: مرفوعة الكناسي عن الصادق عليه السلام: في قوله تعالى: * (ومن
~~يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب) * (5) قال: (هؤلاء قوم من
~~شيعتنا ضعفاء، وليس عند هم ما يتحملون به إلينا فيسمعون حديثنا ويقتبسون من
~~علمنا،
# PageV00P464
# فيرحل قوم فوقهم وينفقون أموالهم ويتعبون أبدانهم حتى يدخلوا علينا،
~~فيسمعوا حديثنا فينقلونه إليهم، فيعيه أولئك ويضيعه هؤلاء، فأولئك الذين
~~يجعل الله تعالى لهم مخرجا، ويرزقهم من حيث لا يحتسبون) (1).
# مدح هؤلاء العاملين بهذه الأخبار المنقولة بوساطة هؤلاء الأشخاص الغير
~~العاملين بمضامينها والتاركين لها.
# التاسع: ما رواه في المحاسن عن الباقر عليه السلام، قال: (والله لحديث
~~تصيبه من صادق في حلال وحرام خير لك مما طلعت عليه الشمس حتى تغرب). (2)
~~العاشر: ما روي في الجامع عن الباقر عليه السلام أيضا، قال: (لحديث واحد
~~تأخذه من صادق خير لك من الدنيا والآخرة) (3)، والصادق في العرف واللغة: من
~~له ملكة الصدق، أو من لم يظهر ms301 منه خلافه إلا نادرا.
# الحادي عشر: ما رواه الصدوق عن النبي صلى الله عليه وآله: (المؤمن وحده
~~حجة) (4).
# الثاني عشر: ما رواه الكشي في العالي السند الصحيح: أنه ورد توقيع - يعني
~~من المهدي عليه السلام - على القاسم بن العلاء، وفيه: (إنه لا عذر لأحد من
~~موالينا في التشكيك فيما يرويه (5) عنا ثقاتنا) (6).
# وهو يدل على وجوب العمل بكل ما يرويه الفقهاء رواة الأحاديث; لأنهم
~~ثقاتهم، لأنه عليه السلام جعلهم حكاما على الناس وحجة عليهم، وروايتهم عنهم
~~أعم من أن تكون بالواسطة أو بدونها، ثقة كانت الواسطة أم لا.
# PageV00P465
# الثالث عشر: ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة بسند عال صحيح، عن أبي جعفر
~~الثاني عليه السلام في بني فضال، أنه قال: (خذوا بما رووا ودعوا ما رأوا)
~~(1).
# دل بالإجماع المركب على وجوب الأخذ بقول كل من كان ثقة وإن لم يكن
~~إماميا.
# الرابع عشر: ما رواه الإمام في تفسيره عن آبائه عليهم السلام، أنه قال:
~~(أتدرون من المتمسك به، أي بالقرآن؟ قال: هو الذي أخذ القرآن وتأويله عنا
~~أهل البيت من وسائطنا السفراء عنا إلى شيعتنا) (2).
# الخامس عشر: ما روي في الروايات المتكثرة من الصحاح وغيرها من قولهم:
# (ما خالف أخبارهم فخذوه)، وقولهم: (خذوا بما خالف القوم) (3).
# السادس عشر: ما روي في الروايات الكثيرة أيضا من قولهم: (خذ بما اشتهر
~~بين أصحابك) (4).
# فإنه إذا وجب الأخذ بما خالف العامة، أوما اشتهر بين أصحابك مع وجود
~~المعارض، فيجب الأخذ به مع عدمه بطريق أولى، وإذا ضم معه الإجماع المركب،
~~يدل على حجية جميع الأخبار.
# السابع عشر: قولهم في روايات متكثرة صحيحة وغيرها: (بأيهما أخذت من باب
~~التسليم وسعك) (5).
# الثامن عشر: ما رواه الكشي مسندا، عن مسلم بن أبي حية، قال: كنت عند أبي
~~عبد الله عليه السلام في خدمته، فلما أردت أن أفارقه ودعته وقلت: أحب
# PageV00P466
# أن تزودني، قال: (ائت أبان بن تغلب، فإنه قد سمع مني حديثا كثيرا، فما
~~روى لك عني فاروه عني) (1).
# حيث أمر بأخذ مسلم عن أبان، وأمره ms302 بالرواية، ولا شك أنها ليست إلا للعمل.
# ثم التشكيك في دلالة بعض تلك الأخبار المتضمنة لمثل: (بأحاديثهم) و
~~(أحاديثنا) و (جاء حديث من أولكم) باعتبار احتمال ما كان مقطوعا به عنهم،
~~ليس بصحيح; لأن المراد بهذه الألفاظ: الحديث المنسوب إليهم، المروي عنهم،
~~لا المقطوع بكونه منهم; لأن الحديث على ما عرفوه جميعا: هو ما يحكي قول
~~المعصوم عليه السلام أو فعله، أو تقريره، وذلك صادق على كل ما روي عنهم ولو
~~بوسائط.
# ومعنى حدث عن فلان: أي أخبر عنه، وحديث الشخص: ما يحكى عنه.
# وأيضا إطلاق هذه الألفاظ على ما يروى عنهم شائع، بل الظاهر المتبادر من
~~هذه الألفاظ مجرد الانتساب، فحديث الشخص حقيقة فيما يروى عنه، وعدم صحة
~~السلب يؤكده.
# وقد أطلق في الأحاديث الكثيرة على ما لا يقطع بكونه منهم أيضا، كما في
~~مقبولة ابن حنظلة، وفيها: وكلاهما اختلفا في حديثكم، قال: (الحكم ما حكم به
~~أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث) (2). وفي رواية زرارة: يأتي عنكم
~~الحديثان والخبران المتعارضان، إلى أن قال:
# (خذ بما يقول أعدلهما عندك، وأوثقهما في نفسك) (3)، فإن مع العلم بصدور
~~الحديث لا معنى لاعتبار الأصدق.
# PageV00P467
# وفي صحيحة هشام: (ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلت، وما جاءكم
~~يخالف كتاب الله فلم أقله) (1).
# مع أن في التوقيع الأول: (إن رواة حديثنا حجتي عليكم وارجعوا إليهم) (2)،
~~ومن أين يحصل للمأمورين بالرجوع إليهم أن الأحاديث التي يروونها مقطوعة؟
# ولو علموا فلا حاجة لهم إلى رواة الأحاديث أصلا.
# وكذا ما في صحيحة البختري من قوله: (فمن أخذ بشئ منها) (3)، فإن الظاهر
~~من التفريع: أن من أخذ بشئ من الأحاديث عن العلماء، غاية الأمر أن العلماء
~~علموا صحة الحديث، وأما الآخذون فمن أين يحصل لهم ذلك العلم؟
# وقوله في رواية ابن عبد الملك: (وأنا بنجاتكم زعيم) (4) دليل على أن
~~المراد ليس ما قطع بكونه من الإمام، إذ حصول النجاة من الأخذ بالمقطوعات
~~يقيني.
# وفي مرفوعة الكناسي (5) تصريح بعدم القطعية، أو تعميم; لأن المدح للذين
~~أخذوا من هذه الوسائط، ms303 لا الذين أخذوا الحديث من المعصوم عليه السلام.
# وأما القرائن المنضمة إليها، فغير محصورة جدا:
# الأولى: الروايات الكثيرة الآمرة بأخذ الأحكام من روايات أشخاص معينين،
~~نحو: أحمد بن إدريس (6)، ومحمد بن مسلم (7)، وأبان
# PageV00P468
# ابن تغلب (1)، وزرارة (2)، ومحمد ابن عثمان العمري (3)، وأبي بصير الأسدي
~~(4) - رضوان الله تعالى عليهم - وغيرهم (5).
# الثانية: الروايات الغير المحصورة الواردة في الترغيب على الرواية، والحث
~~عليها من الصحاح والموثقات والحسان وغيرها (6).
# الثالثة: الروايات المتوافرة الآمرة بحفظ الرواية وإبلاغها (7).
# الرابعة: الروايات الواردة في كيفية الرواية، من النقل بالمعنى، والإسناد
~~إلى صاحبها (8).
# الخامسة: الروايات المقبولة، المتواترة معنى في كيفية الجمع بين الأخبار
~~المختلفة (9).
# السادسة: الروايات المستفيضة المتضمنة: لأن من سمع شيئا من الثواب
# PageV00P469
# فعمل به كان له أجره (1).
# السابعة: الروايات المشهورة القائلة بأنه: (قد كثرت علي الكذابة) (2)، و
~~(أنه قد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله) (3) وما تواتر عن أهل البيت
~~من: (أنا أهل البيت الصادقون لا نخلو عن كذاب يكذب علينا) (4)، فإنه لولا
~~حجية الأخبار لما كان للكذب عليهم وجه.
# الثامنة: الروايات الواردة في أنه: (اعرفوا منازل الرجال على قدر
~~رواياتهم عنا) (5).
# التاسعة: الأحاديث الواردة في الأمر بحفظ كتب الأحاديث وكتابتها ونشرها
~~وبثها (6)، والأخبار بهذه المضامين التسعة قد بلغت حدا يتعسر إحصاؤها
~~وجمعها في كتاب.
# العاشرة: استدلال أصحابنا قديما وحديثا بهذه الأخبار المروية في كتب
~~أصحابنا.
# الحادية عشر: كون الاختلاف بين العلماء بحسب اختلاف الأخبار، مثل:
# اختلافهم في العدد، والرؤية في الصوم، وفي وقوع التطليقات الثلاث بلفظ
~~واحد، وفي قدر الكر، وفي استئناف الماء لمسح الرأس، وفي أقصى مدة النفاس،
~~وفي ولاية الأب على البكر الرشيد، وغير ذلك.
# الثانية عشر: اهتمام العلماء في جمعها وتدوينها على ما مضى بيانه (7).
# PageV00P470
# الثالثة عشر: سعيهم واجتهادهم في ضبط الرواة والاسناد، وبيان كيفية أحوال
~~الرجال وتعديلهم وجرحهم، حتى وضعوا لبيان أحوالهم علما، وصنفوا فيه كتبا.
# الرابعة عشر: جدهم في تبيين معاني الأخبار وتفاسيرها، حتى أن أصحاب
~~المنقولات بينوها بظواهرها، وأرباب المعقولات أولوها ببواطنها.
# الخامسة عشر: إرسال الرسول والولي الرسل إلى ms304 القبائل والعشائر،
~~والاعتراضات المذكورة لذلك إنما تضر إذا أريد الاستدلال به وحده.
# السادسة عشر: عمل الصحابة والتابعين المذكور في السير والتواريخ وكتب
~~الأحاديث بأخبار آحاد في موارد متكثرة.
# السابعة عشر: عمل أصحاب الأئمة بمكاتيبهم الشريفة، التي هي أيضا أخبار
~~كتبية وإن كان بخط الإمام، وهي بلغت حد الكثرة ما يحصل به العلم.
# الثامنة عشر: قول الرسول صلى الله عليه وآله والأئمة في موارد كثيرة:
~~(فليبلغ الشاهد الغائب) (1)، ولولا حجية خبر الشاهد لم تترتب فائدة على
~~تبليغه.
# التاسعة عشر: ما يعلم قطعا من عمل الموجودين في زمن الأئمة عليهم السلام
~~في تلك المدة الطويلة، سيما في البلاد البعيدة بالأخبار المروية.
# العشرون: الإجماعات المنقولة كما مر (2).
# الحادية والعشرون: ظاهر الآية الشريفة (3)، فإنه وإن دل عليه بمفهوم
~~الوصف، ولكنه يصلح مؤيدا وقرينة، وكذا ظاهر قوله سبحانه: * (فلو لا نفر من
~~كل فرقة) * (4)، وقوله عز شأنه: * (والذين يكتمون ما أنزلنا) * (5).
# PageV00P471
# الثانية والعشرون: ملاحظة العرف والعادة كما مر، إلى غير ذلك من القرائن
~~المنضمة، التي يعثر عليها المتتبع، وقد ذكرنا بعضا آخر أيضا في كتاب أساس
~~الأحكام.
# ومن البديهيات أن كل من راجع وجدانه يعلم أن تلك الأخبار الواردة في
~~العمل بالروايات - المتعاضدة بعضها ببعض، الواردة في موارد مختلفة، المؤيدة
~~بعمل الأصحاب من العلماء، المقرونة بقبول جمهور الفقهاء، المؤكدة بسعيهم في
~~العمل بمضمونها ومعناها، واجتهادهم في الأخذ بمنطوقها وفحواها، المعتضدة
~~بسائر ما ذكرنا من القرائن المتكثرة والأمارات والشواهد المتعددة - ليست
~~خالية عن الصدق والواقعية، ولا عارية عن الصواب ونفس الأمرية.
# المقام الرابع:
# في إثبات حجية كل خبر حصل الظن بصدقه - إما من جهة الراوي، أو من جهة
~~أخرى خارجية - إلا إذا كان دليل على عدم حجيته، والدليل عليه - مضافا إلى
~~أن كل ما يدل على حجية الخبر في الجملة من طريقة العرف، والعادة، والإجماع،
~~والخبر المحفوف بالقرينة، يدل على حجية كل خبر مظنون الصدق لم يدل على عدم
~~حجية دليل آخر، إذ على ذلك جرت طريقة عادة الناس، وعلى ذلك انعقد الإجماع،
~~إذ القدماء منا ms305 يعملون بالخبر الصحيح، والصحيح عندهم ما يقترن بقرينة مفيدة
~~للظن بصدقه. والمتأخرون المنوعون للأحاديث إلى الأقسام الأربعة، نوعوها
~~إليها لتمييز المفيد للظن من غيره (1)، ولذا ترى يعملون بالضعيف المظنون
~~صدقه بانجباره بالشهرة، أو (نحوه من) (2) الأخبار المحفوفة بالقرائن،
~~وقرائنها واردة على الأخبار المظنون الصدق أيضا أنه قد ثبت
# PageV00P472
# مما ذكر: حجية الخبر الغير المعلوم صدقه في الجملة، وأنه حكم الشارع
~~بحجيته، وصدر حكمه المطاع بها.
# فنقول: إن الذي حكم الشارع بحجيته ووجوب قبوله، إما مطلق الأخبار المروية
~~عنهم، أو نوع خاص منها.
# فإن كان الأول ثبت المطلوب.
# وإن كان الثاني، فتلك الخصوصية ليست من الأمور الراجعة إلى متنها أو
~~مدلولها، ولا من الأمور الخارجية التي لا مدخلية لها في مظنة صدق الخبر;
~~لعدم مدخلية تلك الخصوصيات في حكم الشارع بالحجية وعدمه قطعا وإجماعا قطعيا
~~بسيطا ومركبا; بل هذه الخصوصيات مما لا يصلح لكونها مناطا لحكم الشارع
~~بالحجية.
# بل الأدلة القطعية المتقدمة على حجية الخبر في الجملة تنفي مدخلية هذه
~~الخصوصيات; لدلالتها على حجية الفاقد لما فرض من هذه الخصوصيات دخيلا في
~~الحجية، كما يظهر بعد فرضها.
# مثلا إن قلت: إنه يمكن أن يكون ذلك النوع الخاص هو الخبر المقرر أي
~~الموافق للأصل، أو الناقل أي المخالف له.
# نقول: انظر إلى أن طريقة العرف والعادة هو الاقتصار على أحد القسمين، أو
~~أحد من العلماء الذين ثبت بعملهم الإجماع اقتصر على واحد منهما; أو الأخبار
~~المحفوفة أو قرائنها كانت خاصة بأحدهما. وكذا إن قلت: إنه الخبر الموافق
~~للاحتياط، أو المخالف له.
# وبالجملة هذا أمر بديهي في غاية البداهة، فإن كان الحجة من الأخبار نوعا
~~خاصا تكون خصوصيته راجعة إلى ما يتعلق بصدق الخبر من الأمور المتعلقة
~~بالإسناد أو القرائن الخارجية، لا يمكن أن يكون تلك الخصوصية العلم بصدق
~~الخبر; لأن المفروض كلامنا فيه، والثابت حجيته، وحكم الشارع بقبوله في
~~الجملة: هو الخبر الغير المتواتر، ولا المحفوف بالقرائن المفيدة للعلم
~~بالصدق. PageV00P473
# ولا خصوصية العلم بحجيته; لأن هذه الخصوصية لا تختص بالخبر، بل مقتضى ms306
~~انتفاء التكليف فوق العلم، حجية كل ما علم حجيته، مع أن امتيازا من هذه
~~الجهة للخبر ثابت قطعا، ووقع الإجماع على حجيته، وتواترت الأخبار عليها،
~~وجرت العادة فيها.
# فإن قيل: لعله لأجل تحقق الخبر المعلوم حجيته، ولذا حكم الإمام عليه
~~السلام بحجيته.
# قلنا: نعلم أن الأخبار في نفسها - مع قطع النظر عن جهة العلم بالحجية
~~وخصوصيته - حجة واجبة القبول، وإلا لم يقرر الإمام عليه السلام عليه; لوجوب
~~الردع عليه عما علم به ولم يكن مطابقا للواقع، وإلا لزم سد باب إرشاد
~~الإمام عليه السلام لمن علم خلاف الواقع; لأنه مكلف بمقتضى علمه (1) حين
~~العلم قطعا.
# وأيضا معنى الحكم بالحجية ليس إلا حكم الإمام بوجوب الأخذ به، فلو لم يكن
~~هذا الحكم مطابقا للواقع - مع قطع النظر عن جهة العلم به - لزم إغراؤه
~~بالجهل، فيعلم أنه مطابق للواقع مع قطع النظر عن العلم به.
# والملخص: أنه إن كان حكم المعصوم الثابت بالإجماع والأخبار المحفوفة
~~وطريقة العلم لأجل أن كل ما علم حجيته فهو حجة، فلا يختص ذلك بالخبر.
# وإن كان لأجل وقوع معلومية حجيته وتحققه كثيرا، لا مجرد الفرض والكلية،
~~فذلك يوجب حجيته في الواقع أيضا.
# فانحصرت الخصوصية بالظن بالصدق، فكل خبر مظنون الصدق يكون حجة.
# فإن قيل: لعل تلك الخصوصية الظن بالصدق بطريق خاص.
# قلنا أولا: إنه خلاف مقتضى أدلة حجية الخبر في الجملة، إذ كل خصوصية من
~~خصوصيات الظن فرضت ترى أعمية الأدلة منها.
# PageV00P474
# وثانيا: إنه خلاف الإجماع، إذ نرى الكل غير مكتفين بظن خاص، فإن العامل
~~بالصحيح - مثلا - يعمل بالموثق والحسن ومثل مراسيل ابن أبي عمير وأخبار من
~~أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه ومن لا يروي إلا عن ثقة والمنجبرة
~~بالشهرة، ونحو ذلك.
# وثالثا: إنا سلمنا احتمال ذلك، ولكن يوجد في الأخبار المتقدمة الدالة على
~~حجية الخبر كل نوع من أنواع الأخبار المظنونة الصدق، التي يحتمل أن يكون
~~ذلك النوع محط الحجية - كوثاقة الراوي وصحة الرواية والانجبار بالشهرة و
~~غير ذلك - فبهذه الأخبار تثبت حجية كل ms307 خبر مظنون الصدق.
# على أن الخصوصية التي يحتمل أن يكون لها مدخلية في ذلك - وقال به بعضهم
~~(1) - هي عدالة الراوي أو وثاقته، وليس هو إلا باعتبار دلالة آية النبأ على
~~اعتبارها، وسنبين إن شاء الله في بعض العوائد الآتية (2) عدم دلالة الآية
~~المذكورة على اعتبارها أصلا.
# فإن قيل: لعل تلك الخصوصية موافقة مدلوله للاحتياط.
# قلنا: قد عرفت أنه لا يمكن مدخلية تلك الخصوصية، سلمنا احتمالها، ولكن
~~نقول: إن الأخبار الدالة على حجية الخبر موافقة للاحتياط; لما عرفت في
~~المقامين الأولين من ثبوت جواز العمل بكل خبر قطعا، فالأمر فيه دائر بين
~~الوجوب والجواز، فالاحتياط يكون في العمل به.
# المقام الخامس:
# في بيان أصالة حجية الأخبار المروية عن أئمتنا الأطهار عليهم السلام إلا
~~ما أخرجه الدليل.
# PageV00P475
# وفائدة ذلك المقام بعد المقام السابق - مع أنا أثبتنا في كتبنا الأصولية
~~أن جميع الأخبار المروية في كتب الأحاديث المعتبرة مظنون الصدق (1) - تظهر
~~في مثل الخبر الضعيف، أو الموجود في بعض الكتب الغير الثابت اعتباره،
~~المنجبر مدلوله بالشهرة المحققة أو المحكية، أو بالإجماع المنقول، أو
~~باشتماله على واحد ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، ونحو ذلك مما
~~لم يثبت الإجماع على عدم حجيته ويمكن الخدش في حصول الظن بصدقه، فإنه تطلب
~~حجيته من ذلك المقام.
# والدليل على ذلك الأصل: هو الأخبار المتقدمة، الدالة على حجية الأخبار
~~مطلقا، كلا أو بعضا، فإنها مظنونة الصدق قطعا، كلا أو بعضا، بوجوه مختلفة:
# من الوجود في الكتب المعتبرة، والصحة، ووثاقة الراوي، والانجبار بالشهرة
~~المحققة، وبالإجماعات المنقولة، وبتعاضد بعضها مع بعض، وغير ذلك.
# فثبت منها عموما أو إطلاقا حجية جميع الأخبار التي جاءت عن أئمتنا، ورويت
~~عنهم عليهم السلام. خرج منها ما خرج بالدليل. ومنها ما لم يكن مظنون الصدق،
~~ولا موافقا ولا منجبرا بمثل أحد الأمور المذكورة، فيبقى الباقي، وهو
~~المطلوب.
# PageV00P476
# عائدة (46) في بيان جواز العمل بالأخبار وإجزائه اعلم أنه لو قطعنا النظر
~~عن ثبوت حجية الأخبار الآحاد، وأغمضنا عنه وعن أنه يجب قبولها، ولا عذر في ms308
~~تركها، نقول: إن العامل بها معذور عند الله سبحانه.
# والحاصل: أن من قطع النظر عن إلزام الخصم على العمل، وأراد تحصيل النجاة
~~والخلاص من العقاب بواسطة التكاليف والأحكام، نقول: إنه يحصل بالعمل بهذه
~~الأخبار المروية، والعامل بها والآخذ بمدلولها ناج معذور وإن لم نقل بوجوب
~~الأخذ بها أيضا، كما أن العامل بالاحتياط في الأحكام معذور ناج عند الكل
~~وإن لم يكن واجبا.
# والدليل على ذلك وجهان:
# الأول: أنه لا يخلو; إما لا يكون تكليف لنا وحكم باقيا غير المعلومات، أو
~~لنا تكليفات اخر غيرها.
# فعلى الأول: يجوز لنا العمل بالخبر والأخذ بمدلولاته; لعدم حكم من الشارع
~~لنا في موارد مدلولاته، فكل ما نفعل (1) فيها لا يكون علينا عقاب، بل
~~الظاهر كونه مستحسنا; لإنه أحد طرق متابعة السيد والمولى.
# PageV00P477
# وإن كان لنا تكليفات باقية، ولم يسمع منا (1) العذر في تركها، فلا بد وأن
~~نعمل بشئ في فهم تلك التكليفات، واستخراجها وتعيينها; إذ من البديهيات أنه
~~إذا قرر أحد لغيره أحكاما، وكان باب العلم به منسدا، فلا محالة يطلب منه
~~تعيينها بمعين، ويجعل له مأخذا لفهمها، ويقرر له متبعا.
# فنقول: ما يمكن أن يكون مأخذا للأحكام الغير المعلومة، والمتبع فيها
~~ينحصر بأمور خاصة هي: الأخبار، ومطلق الظن، والظنون المخصوصة غير الخبر،
~~والاحتياط، والتخيير - بمعنى أن له أن يختار كل حكم يريد في الوقائع الغير
~~المعلوم حكمها - والأصل، أي أصل الجواز والإباحة.
# ليس الأخير قطعا، ولم يقل أحد ممن قال بوجود حكم غير المعلومات: إنه
~~منحصر بالإباحة. ومنه يعلم أنه ليس منحصرا بالتخيير أيضا، بل بالاحتياط
~~والظنون المخصوصة التي غير الظن الخبري، إذ كل من قال بوجود حكم غير
~~المعلومات لم ينحصر الأحكام بمدلولات هذه الأمور، ولم يقل أحد منهم بأن
~~الحكم منحصر بمقتضى أحد تلك الأمور.
# فانحصر المتبع في الأخبار، أو مطلق الظن. فإن كان الأول ثبت المطلوب،
~~وكذا إن كان الثاني، فإن المطلوب الخبر المظنون صدقه.
# وبتقرير آخر: كل من قال ببقاء أحكام غير المعلومات يقول: إما بحجية
~~الأخبار، أو مطلق ms309 الظن، وأي منهما كان ثبت المطلوب.
# أو نقول - بعد فرض بقاء التكاليف وأحكام غير المعلومات، وحصر المأخذ في
~~الأمور الستة المذكورة -: إن أيا منهما كان ثبت المطلوب.
# أما الخبر والظن المطلق فظاهر، كما مر.
# وأما الظنون المخصوصة غير الخبر، فليست هي وما يصلح أن يكون مأخذ الأحكام
~~إلا الشهرة أو الإجماع المنقول، وهما يدلان على حجية الخبر أيضا.
# PageV00P478
# وإن كان أحد الثلاثة الأخيرة، فثبت منه جواز العمل بالخبر أيضا.
# أما الاحتياط، فلأنه قد عرفت في بعض المقامات العائدة السابقة (1) قطعية
~~جواز العمل بالخبر، فالأمر في العمل فيه مردد بين الوجوب والإباحة،
~~فالاحتياط فيه العمل بالخبر.
# وأما التخيير أو الأصل، فلأن أحدهما إذا كان المأخذ للأحكام في الوقائع،
~~فيكون مأخذا في هذه الواقعة أيضا، أي قبول الخبر والعمل به ورده، ضرورة
~~بطلان الترجيح بلا مرجح، فيكون لك اختيار العمل به، ويكون الأصل إباحة
~~العمل به.
# فإن قلت: العمل بالأصل أو التخيير أو الاحتياط، بل أو الشهرة أو الإجماع
~~المنقول في العمل بالخبر إنما يجوز لو لم يعارضه أحد هذه الأمور في مورده و
~~مدلوله. ولا مضايقة حينئذ في العمل بالخبر فيما كان الخبر موافقا للشهرة في
~~الحكم، أو الإجماع المنقول، أو الاحتياط فيه، أو التخيير أو الأصل فيه.
~~ولكن كيف يعمل بأحد هذه الأمور في نفس العمل بالخبر مع معارضته بمثله في
~~مورده و مدلوله.؟!
# قلنا: كما أن الأصل أو التخيير أو الاحتياط أو غيرهما في المورد والمدلول
~~يعارض مثله في نفس الخبر، فكذلك العكس أيضا، أي العمل بالأصل أو الاحتياط
~~مثلا في المورد والمدلول يعارضه مثله في نفس العمل بالخبر، فإن لم يكن
~~العمل به في نفس الخبر لا يمكن أيضا في مدلوله. وترجيح الأخير ترجيح بلا
~~مرجح، فلا يمكن العمل بهذه الأمور في كل مورد يخالفه الخبر.
# وحينئذ فنقول: إن في كل مورد يوافق فيه الأخبار مع هذه الأمور يجوز العمل
~~بالخبر قطعا، ويكون العامل به ناجيا. وفي كل مورد يخالف أحد هذه الأمور،
~~فلا يمكن العمل فيه بواحد ms310 من هذه الأمور للتعارض المذكور.
# PageV00P479
# مثلا: إن ورد خبر صحيح في حكم يخالف المشهور، فإن أخذنا بالشهرة في
~~الحكم، تركنا الشهرة في وجوب العمل بالخبر الصحيح، وإن أخذناه في نفس
~~الخبر، تركناه في الحكم، وهكذا الاحتياط وأخواه.
# فنقول: إما لا حكم ولا تكليف لنا باقيا في مثل تلك الموارد، أو يكون
~~باقيا.
# فعلى الأول فلا خوف في العمل بالخبر أصلا، وعلى الثاني فلا يمكن أن يكون
~~مأخذه غير الظن المطلق أو الخبر; للانحصار فيه حينئذ، وأيهما كان يثبت
~~المطلوب.
# فإن قيل: لعل المتبع هو ظواهر الكتاب.
# قلنا: نفرض الكلام فيما لا حكم له فيها، فنقول: هل لنا حكم فيه أم لا؟
~~إلى آخر ما ذكر.
# الثاني: أنه إذا كان لنا تكاليف غير المعلومات، وكانت باقية لنا، غير
~~مسموع عذرنا في تركها، فإما لم يقرر الشارع لنا فيها مأخذا ومتبعا ولم
~~يأمرنا بمتابعة مأخذ فيها، أو قرر لنا فيها متبعا وأمرنا بأخذ أحكامنا منه.
# الأول باطل قطعا; للقطع بأنه لو سألنا الإمام عليه السلام: أن باب العمل
~~بهذه التكاليف والأحكام الواجبة علينا امتثالها منسد، فمن أي شئ نفهمها
~~ونأخذها، وما متبعنا فيها؟ لا يقول: لا أدري، ولا يقول: لا يجب عليك فهمها
~~و استخراجها، وما أمرتك باتباع شئ فيها، بل يجيب بأن المتبع الأمر الفلاني،
~~ويجب عليك الأخذ به والفهم منه.
# فإن قلت: نعم لو كان الإمام موجودا وسألته لأجاب بتعيين متبع، ولكن
~~الكلام في هذا الزمان الذي ليس فيه مسؤول، فلا متبع معينا.
# قلنا: فما تفعل مع تلك الأحكام الباقية؟
# فإن قلت: أعمل بالاحتياط، لا بمعنى أنه متبعك، بل لما لم يعلم المتبع،
~~فالعمل عليه.
# قلنا: إن قلت: إنه واجب، فهو المتبع، وإن قلت: إنه ليس بواجب ويجوز
~~PageV00P480
# تركه، قلت: أنا أتركه، فهل تسقط عني الأحكام المذكورة؟
# فإن قلت: نعم، فهو خلاف المفروض، وإن قلت: لا، قلت: فما حيلتي في الإتيان
~~بها، وما الواجب علي؟
# فإن قلت: لا يجب عليك شئ، ارتكبت خلاف المفروض، وإن قلت:
# يجب عليك الاحتياط، عينت ms311 المتبع، وإن قلت: يجب عليك الاحتياط من باب
~~المقدمة، فيكون أيضا واجبا.
# وبالجملة: الحكم ببقاء التكاليف لنا غير المعلومات، وعدم وجوب أخذنا
~~إياها من مأخذ، مما لا يتصور له معنى سوى سقوط التكاليف، وهو خلف، فيجب
~~علينا أخذها من متبع ومأخذ لا محالة. والأخذ من متبع غير معين غير ممكن،
~~فيجب علينا تعيين ذلك المتبع والمأخذ لا محالة.
# وما يمكن أن يكون متبعا ومأخذا للأحكام الفرعية الغير المعلومة في هذا
~~الزمان منحصر بأمور محصورة - كما مر في العائدة السابقة، وفي هذه العائدة -
~~في أمور خاصة هي الأخبار، أو الظن مطلقا، أو ظنون مخصوصة غير الأخبار، أو
~~الاحتياط، أو التخيير، أو الأصل. فيجب علينا تعيين المتبع من بين هذه
~~الأمور لا محالة.
# وباب العمل بتعيينه منسد، وإلا لكانت التكاليف معلومة، فتعيينه أيضا لا
~~بد وأن يكون بأحد تلك الأمور، إذ ليس شئ آخر يدل على تعيين المتبع ويتكفل
~~بيانه، ويمكن استنباط التعيين منه، وكل منها كان المناط في تعيين المتبع
~~يثبت منه جواز العمل بالخبر.
# أما الخبر فظاهر.
# وأما الظن المطلق، فلما عرفت من مظنونية حجية الأخبار. وكذا الشهرة
~~والاجماع المنقول.
# وأما الاحتياط، فلما عرفت من أن جواز العمل بالأخبار يقيني، فيكون
~~الاحتياط في العمل به، مع أنه لو كان الاحتياط هو مأخذ التعيين يجب الأخذ
~~PageV00P481
# بالجميع.
# وأما إن كان التخيير والأصل، فيثبت أيضا جواز العمل بالخبر.
# وأما الاحتياط في الأحكام، فلا يفيد في الاحتياط في تعيين المتبع.
# فإن قيل: فلعل الكتاب هو المتبع في تعيين المتبع.
# قلنا: لا يمكن فهمه منه، وإلا لكان الأمر سهلا. PageV00P482
# عائدة (47) في بيان احتجاج الأصوليين بآية النبأ في موارد كثيرة قد اشتهر
~~احتجاج الأصوليين والفقهاء بآية النباء في موارد عديدة وهي قوله سبحانه: *
~~(إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم
~~نادمين) * (1).
# واستدلالهم بها تارة: لقبول خبر العادل في الرواية، أو الشهادة، أو
~~الإخبار. وهو إما بمفهوم الوصف، أو بمفهوم الشرط.
# وقد بينا الحال في ذلك في كتبنا الأصولية (2)، وذكرنا: ms312 أن مفهومها الشرطي
~~غير دال، إذ مقتضاه عدم التبين في خبر الفاسق ان لم يجئ الفاسق بنبأ وإن
~~جاء العادل به، وأين ذلك من قبول خبر العادل؟
# ومفهومه الوصفي وإن كان دالا، ولكنه ليس بحجة عند المحققين.
# وأخرى: لعدم قبول خبر الفاسق، ومانعية الفسق لقبول الخبر من الروايات،
~~والشهادات، وسائر الأخبار، فيقولون: إن الآية تدل على وجوب التبين عند مجئ
~~الفاسق بالنبأ، فلا يكون مقبولا.
# وقد يستدلون به على رد خبر مجهول الحال من الأخبار المروية عن الأئمة
# PageV00P483
# الأطهار أيضا.
# أقول: في الاستدلال بها على المطلبين - أي مانعية الفسق عن قبول مطلق
~~الخبر، وعدم حجية خبر مجهول الحال بل الفاسق من الأخبار المروية لنا - نظر.
# أما الأول: فلأن مدلول الآية الشريفة ليس إلا وجوب التبين عند مجئ الفاسق
~~بالنبأ; ومعنى التبين: طلب ظهور الحال. فالمعنى: أنه إن جاءكم فاسق بنبأ
~~فتفحصوا عن حقيقة الحال، واطلبوا ظهوره وحقيقته.
# وأما أن بعد الطلب والتفحص فما وظيفتكم، وما اللازم عليكم؟ فلا يظهر من
~~الآية.
# وتوضيحه: أن بعد الطلب والفحص، فلا يخلو الحال من خمسة: إما يظهر كذب
~~النبأ، أو يظن، أو يتساوى الأمران ولا تظهر الحقيقة، أو يظن الصدق، أو
~~يعلم.
# ولا شك في وجوب الرد على الأول، ووجوب القبول على الأخير، لا بمعنى أنه
~~يظهر من الآية، بل الحكمان معلومان عن الخارج بالإجماع وغيره.
# وأما الوظيفة في الصور الثلاث الاخر، فلا تستفاد من الآية أصلا، ولا
~~دلالة لها عليها بوجه من الوجوه، فلا يثبت منها شئ. بل غاية ما يستفاد: عدم
~~جواز قبول خبر الفاسق بلا رؤية وطلب بيان، وأما بعد التروي وطلب الحال، فلا
~~يعلم الحكم منها.
# وقد يتوهم استفادة الحكم من التعليل بقوله سبحانه: * (أن تصيبوا قوما
~~بجهالة) *.
# وفيه أولا: أنه ليس كل نبأ وخبر مما يجري فيه العلة; لأنها إنما تكون في
~~مقام يتضمن إصابة قوم والإغارة عليهم، وهو لا يكون إلا في نادر من الوقائع
~~المماثلة لمورد نزول الآية الكريمة، مع أنه مع عدم ظهور الحال لا تحصل ms313
~~الندامة.
# وأما الثاني: فلما ذكر أيضا; ولأن من البديهيات أن الأمر بشئ وطلبه إنما
~~يكون PageV00P484
# مع إمكانه واحتمال حصوله (1). ومنه يعلم أن الأمر بالتبين وطلب ظهور
~~حقيقة الحال إنما يكون إذا أمكن الظهور واحتمل حصوله، وجوزنا تحققه.
# وأما فيما علمنا عدم إمكانه، فلا يكون التبين مأمورا به، فإذا جاء فاسق
~~بنبأ لم يكن طلب ظهور حقيقة الحال فيه، لا يجب فيه التبين ضرورة. وأما أنه
~~يجب القبول بدونه أو الرد كذلك، فلا دلالة للآية عليه أصلا ولا شك أن هذه
~~الأخبار التي في أيدينا اليوم مما لا يمكن ظهور الحال لنا فيها، ولا سبيل
~~لنا إلى طلب ظهوره فيها أصلا، فلا يجب التبين فيها، وتكون هذه الأخبار
~~خارجة عن مورد الآية الكريمة.
# ولا يقال: إن الظهور العلمي وإن لم يكن ممكنا فيها، ولكن قد يمكن ظهور
~~الحال ظنا بملاحظة حال الرواة، أو فتاوى الأصحاب، أو حال المعارضات.
# قلنا: البيان والظهور حقيقتان في العلمي; لأنه البيان والوضوح، وأما
~~الظني فليس بيانا ولا ظهورا، وقيام الظن مقام العمل هنا عند تعذره مما لا
~~دليل عليه ولا شاهد، والأصل يقتضي العدم.
# PageV00P485
# عائدة (48) نفوذ إقرار العاقل على نفسه أجمعت الخاصة والعامة على نفوذ
~~إقرار كل عاقل على نفسه، بل هو ضروري جميع الأديان والملل، ودلت عليه
~~الأخبار المستفيضة الواردة في موارد خاصة جزئية متضمنة للأقارير، وصدور
~~الحكم بمقتضاها (1).
# وورد في الحديث النبوي أيضا أنه صلى الله عليه وآله قال: (إقرار العقلاء
~~على أنفسهم جائز) (2).
# وقد يستدل أيضا بقوله: (قولوا الحق ولو على أنفسكم) (3)، وبقوله سبحانه:
# PageV00P487
# * (كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم) * (1).
# ولكن في دلالة الأخيرين على إلزام كل أحد بمقتضى إقراره على نفسه نظرا،
~~فبقيت الثلاثة الأولى، وهي كافية في المقام.
# ولكن ظاهر أن الأول - وهو الإجماع والضرورة - لا يفيد في كل مقام وقع فيه
~~الخلاف في أن مثل ذلك الإقرار هل هو مسموع أم لا؟
# وكذا الثاني; لكون الأخبار واردة في موارد خاصة، كالإقرار بالولد والنسب،
~~وكون النساء مصدقات في أنفسهن، ms314 ونحو ذلك; فلا تفيد في غيرها من مواضع
~~الاختلاف.
# فبقي ما يؤسس به الأصل، ويستخرج منه الفروع في المقامات المختلفة في
~~الثالث، وهو النبوي، ولا يضر ضعفه سندا; لكونه متلقى بالقبول، مشهورا في
~~كتب الخاصة والعامة، منجبرا متنه باستدلال الفقهاء كلا به، فهو الحجة
~~العامة.
# ومعنى الإقرار: الإثبات، يعني إثبات العقلاء شيئا على أنفسهم جائز.
# والمراد بالجواز: النفوذ، لا ما لا حرج في فعله، أو المباح، إذ لا يختص
~~ذلك بالعقلاء ولا بما كان على النفس، بل يجري فيما كان لها أيضا; بل
~~المعنى: أنه يثبت على أنفسهم بإثباتهم.
# ولا يشترط أن يكون ذلك باللفظ، ولا بالمدلول المطابقي، بل كل ما يقال في
~~العرف إنه إقرار وإثبات.
# ويختص نفوذه بما كان على النفس، فلا ينفذ ما كان للنفس أو على الغير. ولا
~~خفاء في شئ من ذلك ولا إشكال، وإنما الخفاء والإشكال في مواضع:
# أحدها: فيما كان المقر به أمرا واحدا لا يمكن تحققه إلا بين اثنين، فأقر
~~به أحدهما.
# PageV00P488
# وثانيها: فيما كان للمقر به لوازم، بعضها متعلق بالمقر وبعضها بشخص آخر.
# وثالثها: فيما كان تحقق المقر به وثبوته متوقفا على تعلق حكم بشخص آخر.
# فإنك ترى الفقهاء يحكمون في الأول بثبوت ذلك الشئ الواحد في حق المقر دون
~~الآخر، وبثبوت ما تعلق بالمقر من اللوازم دون غيرها، وبثبوت المقر به دون
~~ما يتوقف عليه، كما في مسألة ادعاء الشخص زوجية امرأة.
# وكل ذلك من المشكلات، ونحن نبين وجه الإشكال في هذه المواضع وحله.
# والتحقيق في المقام في ثلاثة مقامات:
# المقام الأول:
# في بيان وجه الإشكال في هذه المواضع.
# ويتبين ذلك ببيان أمور:
# الأول: أن الإثبات والإقرار على الضرر إما في حق الغير محضا، كأن يقول:
~~زيد سرق مال عمرو، أو في حق نفسه كذلك، كأن يقول: هذا ليس مالي، أو علي
~~درهم في سبيل الله، أو يكون في حقه وحق الغير معا.
# وحكم الأولين واضح.
# وأما الثالث فعلى قسمين; لأنه إما أن يكون إقرارا مركبا من أمرين يمكن
~~انفكاك ms315 أحدهما عن الآخر، يقر بأحدهما لنفسه وبالآخر للآخر، فيقول: بعت أنا
~~وشريكي تمام الدار.
# أو يكون إقرارا بأمر واحد لا يمكن تحققه إلا بين اثنين.
# وبعبارة أخرى: يكون اعترافا بأمرين يمتنع انفكاك أحدهما عن الآخر، كأن
~~يقر بمبايعة أو مصالحة أو مؤاجرة أو زوجية أو تطليق، أو يقر بأخوته لهند و
~~أختيتها له، أو ببنوته لعمرو وأبوته له، ونحو ذلك. PageV00P489
# فما كان من الأول فالحكم فيه واضح، فينفذ في حق نفسه لا في حق الآخر.
# وما كان من الثاني، فيشكل الحكم بنفوذ الإقرار فيه، بل لا يمكن الحكم به
~~لا في حق المقر ولا في حق الغير.
# أما في حق الغير فظاهر.
# وأما في حقه; فلعدم إمكان تحققه بدون الثبوت في حق الغير.
# وبعبارة أخرى: إما يحكم بنفوذه في حقهما، فيلزم نفوذ الإقرار في حق الغير
~~وهو باطل شرعا، أو بنفوذه في حقه خاصة دون حق الآخر، وهو باطل عقلا;
~~لاستلزامه انفكاك ما يمتنع انفكاكه عن الشئ.
# مع أنه لو حكم بعدم النفوذ أيضا لا يكون مخالفة فيه; لعموم النبوي، إذ
~~الثابت منه نفوذ الإقرار في حق النفس، وهذا إقرار بشئ واحد في حق النفس
~~والغير، فلا يشمله الخبر، بل ليس ذلك متبادرا من الإقرار على النفس.
# وقد يقال في دفعه: إنه لا يحكم أحد بثبوت هذا الشئ أصلا لا في حقه ولا في
~~حق الغير، فلا يقال: قد تحقق البيع أو الزوجية أو الاخوة، ولم يتحقق الشراء
~~أو زوجية الزوجة أو الأختية. ولكن لكل من هذه الأمور آثارا ولوازم و أحكاما
~~خاصة بكل من الاثنين، فيحكم بثبوت الآثار المختصة بالمقر خاصة. فهذا مراد
~~من قال بالثبوت في حق المقر دون الطرف الآخر، وهذا محل الإشكال كما يأتي.
# الثاني: لابد وأن يشترط في نفوذ إقرار العاقل على نفسه عدم معارضته
~~بإقرار عاقل آخر على نفسه، فلو عارضه لم يعمل بشئ منهما; لعدم إمكان نفوذ
~~الإقرارين، للتعارض; ولا أحدهما، للزوم الترجيح بلا مرجح.
# وذلك كما إذا قال أحد: إني سرقت درهم ms316 زيد، والآخر: إني سرقته، إذا لم يكن
~~هناك إلا درهم واحد وسارق واحد.
# ومن هذا القبيل لو قال أحد: أنا زوج هذه المرأة، والآخر: أنا زوجها، لو
~~سمعنا لوازم الإقرار من ثبوت المهر ونحوه; لعدم إمكان ثبوت مهرين له.
~~PageV00P490
# أو قال هذا: أنا أبو هذا الصغير، والآخر: أنا أبوه، بالنسبة إلى النفقة
~~الواجبة على الأب.
# ومن هذا القبيل: لو أقر زيد باشتغال ذمته لعمرو بمبلغ، وأنكره عمرو، فإن
~~إنكاره أيضا اعتراف في حق نفسه، ويلزمه أن يسقط الإقراران، مع أنهم قالوا:
# إنه يثبت اشتغال ذمة زيد، ولكن ليس لعمرو مطالبته.
# وهذا مشكل; لأن الأول كما يثبت الاشتغال يثبت الثاني عدم الاشتغال،
~~فترجيح الأول والاكتفاء في الثاني بعدم المطالبة لا وجه له.
# والحاصل: أن الاشتغال بحق الغير أمر لا يمكن تحققه إلا بعد تحقق الطرفين.
~~وتحققه إنما هو إذا لم يصادفه إنكار الطرف الآخر، الذي هو أيضا اعتراف في
~~حق نفسه، ويلزمه الحكم بعدم ثبوت الاشتغال; لعدم الدليل عليه.
# وأيضا الاشتغال يستلزم وجوب الأداء، وهو يتوقف على جواز الأخذ والمطالبة،
~~وإذا لم يجز ذلك، يلزم وجود الشئ بدون وجود ما يتوقف عليه، وهو محال. ولذا
~~لو قال أحد لزيد: أعط عمروا درهما، وقال لعمرو: لا تأخذه، يعد ذلك تناقضا.
# الثالث: الإقرار على النفس يكون تارة بالشئ نفسه، وحكمه واضح.
# وأخرى يكون بما يتضمنه، وهو على قسمين: لأن المقر به الضمني إما يكون مما
~~يمكن تحققه في الخارج بدون الجزء الآخر أو ما يقوم مقامه، وله قوام بدونه;
~~أو ليس كذلك.
# فالأول نحو: لفلان على مورثي (1) دينار، والثاني نحو: علي لفلان فرس،
~~فعلم من الخارج أو باعتراف المقر له أنه ليس عليه خصوص الحيوان الصاهل.
# فعلى الأول يحكم بنفوذه في مدلوله التضمني، الذي هو قدر حصته; لأنه يصدق
~~أنه أقر به.
# PageV00P491
# وعلى الثاني يلغوا الإقرار، ولا يثبت في مطلق الحيوان.
# وثالثة بما يستلزمه، وهو أيضا على قسمين: لأن لزوم المدلول الالتزامي إما
~~يكون في مجرد المدلولية من غير تلازم بين الأمرين واقعا، ms317 فيمكن تحقق اللازم
~~بدون الملزوم، أو يكون لأجل التلازم بين المدلولين.
# فالأول كقوله: رددت عليك الدراهم، في جواب من ادعى عليه دراهم، فإنه
~~يستلزم الإقرار بالأخذ قطعا، ولكن ليس الأخذ من لوازم الرد. فإن كان من
~~الأول يثبت الإقرار باللازم; لأنه ليس تابعا للمدلول المطابقي.
# وإن كان من الثاني، فالإقرار إنما يكون بملزومه، ويجب أن يكون ثبوت
~~الإقرار باللازم حينئذ تابعا لثبوته في الملزوم، فإن ثبت ثبت، وإلا فلا;
~~لأن ثبوته إنما كان لثبوت ملزومه الذي لا يمكن انفكاكه عن اللازم، فإذا
~~انتفى الملزوم انتفى اللازم.
# مثاله: هذا عبدي، فإن الإقرار بعبديته له يستلزم الإقرار بوجوب نفقته
~~عليه، فإذا أثبت شخص آخر أنه عبد له لا للأول، كيف يحكم بوجوب الإنفاق
~~عليه؟
# وكذا لو أنكر العبد عبديته له.
# ومن ذلك القبيل: ما لو ادعى شخص زوجية امرأة، فإنها تستلزم المهر و وجوب
~~الإنفاق، وحرمة أمها وبنتها وأختها، وتحريم الخامسة عليه، وهكذا.
# فإن حكمنا بثبوت الزوجية ببينة أو اعتراف المرأة، يحكم بثبوت اللوازم
~~قطعا، و إلا فيشكل الحكم بشئ منها; لأن ثبوتها إنما كان لأجل ثبوت ملزومها،
~~وإذا لم يثبت الملزوم فلا وجه لثبوت اللازم.
# مع أنه قد وقع التصريح في كلام كثير من فقهائنا - قدس الله أسرارهم
~~الزكية - بثبوت الإقرار في هذه اللوازم; لأنه إقرار في حق نفسه (1).
# PageV00P492
# ووجه الإشكال: أنهم إن أرادوا أنه أقر على نفسه بهذه اللوازم من حيث هي،
~~بمعنى أنه تعلق إقراره بها أصالة، ولذلك تثبت في حقه، يعني: أن الإقرار
~~تعلق بها بنفسها، وتثبت بواسطة الإقرار بها، فهو ممنوع. كيف؟ ويمكن أن يكون
~~المقر غير متصور لهذه اللوازم أصلا، أو تصورها ولم يتعلق قصده بإقرارها
~~وثبوتها.
# وإن أرادوا أنه أقر بما يستلزمها، ولأجل ثبوت الملزوم يثبت اللوازم، فهو
~~فرع ثبوت الملزوم. وقد عرفت الإشكال فيه في الأمر الأول.
# وتوهم ثبوت الملزوم في حقه دون حق الطرف الآخر باطل بديهة، إذ يمتنع
~~الزوج بلا زوجة، بأن يكون هذا زوجا لها ولم تكن هي زوجته.
# مع أن ms318 هاهنا كلاما آخر، هو أنا لو سلمنا ثبوت الزوجية في حقه، فلا نسلم
~~كونها ملزومة لهذه اللوازم، بل المسلم كون وجوب الإنفاق أو المهر لازما
~~لزوجية زوج ثبتت زوجيته بزوجة (1) لا مطلقا.
# بل لا يثبت الإقرار باللازم ولو كان لازما بينا بالمعنى الأخص، إذ غايته
~~التصور، وهو غير مستلزم للإقرار، ولو كان ذلك إقرارا باللوازم، يلزم تسلط
~~مطالبة وارث الزوجة بالمهر; لأنهم لم ينكروا الزوجية أصلا.
# والحاصل: أنهم إن أرادوا ثبوت اللازم لأجل الإقرار به، فلم يقر به أصلا،
~~وإن أرادوا ثبوته لأجل ثبوت ملزومه، فأنت لا تسلم ثبوته.
# الرابع: معنى الإقرار على النفس: هو ما كان ضررا عليها، كما هو مقتضى
~~لفظة (على)، فلا يقبل الإقرار النافع إجماعا.
# ولو أقر بشئ له جهتان: ضارة ونافعة، فإن كانت الجهتان منفكتين عن الأخرى،
~~فيقوم كل بنفسه ولم يكن فرعا لثبوت الآخر، وأقر بكل منهما على حدة، ينفذ
~~الإقرار على الضرر دون النفع.
# نحو: له علي ألف بإزاء قيمة الفرس الذي باعة مني، في جواب من ادعى
# PageV00P493
# الألف عليه مطلقا، فيقبل اشتغال ذمته بالألف ولا يحكم له بالفرس; لأن أول
~~كلامه إقرار بالألف عليه وآخره ادعاء له، فيقبل الأول دون الثاني.
# وإن لم يقر بكل منهما على حدة، بل أقر بأمر واحد يستلزمهما، أو بالنافع
~~المستلزم للضار، يلزم أن لا يثبت شئ منهما; لما عرفت.
# وإذ عرفت هذه الأمور الأربعة، تعلم وجه الإشكال فيما حكم به الفقهاء في
~~موارد عديدة: من ثبوت بعض الأمور التي لا يمكن تحققها إلا بين اثنين في حق
~~واحد دون الآخر، ومن ثبوت بعض اللوازم بشئ دون بعض، ومن حكمهم بالاشتغال
~~ووجوب الأداء على شخص وعدم جواز المطالبة لشخص آخر.
# المقام الثاني:
# في بيان حله.
# وهو بعد بيان مقدمتين:
# إحداهما: أن كل أحد مكلف بمقتضى علمه، وأنه لا تكليف فوق العلم، بل جميع
~~التكاليف متعلقة بالمعلومات دون نفس الأمر، مع قطع النظر عن العلم.
# فكل من علم حرمة شئ عليه واعتقدها يحرم عليه، ومن اعتقد وجوبه عليه ms319 يجب
~~عليه، كما بين في موضعه.
# بل كذلك جميع الأحكام، فالحكم بتحريم أم الزوجة متعلق بمن علم زوجيتها،
~~لا الزوجة الواقعية.
# ولذا يحرم على من اعتقد زوجية امرأة له، نكاح أختها، ولو كان في الواقع
~~بينهما رضاع واقعا ولم يعلماه، ولا يحرم نكاح أخت من كانت زوجة له واقعا و
~~لم يعلماه، كالصغيرين اللذين زوجهما أبوهما، ولم يذكره الأبوان حتى ماتا.
# وثانيتهما: أنه كما رتب الشارع آثارا وأحكاما على أمور وقرر لها لوازم،
~~يمكن أن يرتب على نفس الإقرار بشئ آثارا ولوازم، وإن لم يثبت المقر به
~~أيضا، ويكون هذا الأثر أثر الإقرار ولازمه، لا المقر به، كما إذا قال: من
~~أقر بزوجية PageV00P494
# زوجة يجب عليه كذا وكذا، ويكون اللازم حينئذ لازم الإقرار، ولا يلتفت إلى
~~ثبوت المقر به وعدمه أصلا.
# إذا عرفت هاتين المقدمتين فنقول: إن كل ما مر في بيان وجه الإشكال في
~~المواضع الثلاثة صحيح لا غبار عليه، ولكن لازمه عدم ثبوت ما حكموا بثبوته
~~بالإقرار من الجهات التي استشكل فيها، ولا ينافي ذلك ثبوته من جهة أخرى.
# والتوضيح: أنه يلزم الإشكال لو قلنا: إن الزوجية الواقعية تثبت في حق
~~الزوج دون الزوجة، والأبوة الواقعية تثبت دون البنوة. أو قلنا: إن تحريم
~~أخت من ادعى زوجيتها يثبت لأجل ثبوت الزوجية.
# وليس الأمر كذلك، بل كل ما يحكم بثبوته من أمثال هذه المواضع، فإما
~~لدلالة دليل شرعي على أن الإقرار مستلزم لذلك الحكم، فيكون المحكوم بثبوته
~~من لوازم نفس الإقرار بشئ، ولو لم يثبت ذلك الشئ في الطرف الآخر أو في
~~الواقع، كما دلت الأخبار على ثبوت التوارث بالإقرار بالنسب (1)، ووجوب الحد
~~بالإقرار بالزنا (2).
# أو لأن الإقرار بالشئ كاشف عن علم المقر بذلك الشئ واعتقاده تحققه، فيحكم
~~بوجود الطرفين بحسب علمه لا بحسب الواقع، فيحكم أن المقر زوج باعتقاده
~~والمرأة زوجته أيضا باعتقاده، ولكن كما أن للزوجية الواقعية أحكاما و لوازم
~~تترتب عليها في حق الطرفين، فكذلك للزوجية المعلومة أيضا أحكاما
# PageV00P495
# بالنسبة إلى العالم فقط، حيث إنه مكلف ms320 بحسب علمه، ولا تكليف على غيره
~~لأجل اعتقاده، فإذا اعترف بالزوجية فقال: إني عالم بها، والعلم بها يستلزم
~~العلم بحرمة أمها مثلا، فتكون محرمة عليه; لأجل أنه مكلف بمقتضى علمه.
# أو نقول: إن قول الشارع: حرمت عليكم أمهات أزواجكم (1)، معناه حرمت أمهات
~~من علمتم أنها أزواجكم; لتقييد التكاليف بالعلم، وهذه معلومة الزوجية
~~للمقر، فتحرم عليه أمها.
# والحاصل: أنها أحكام وآثار مترتبة على علم المقر واعتقاده الكاشف عنه
~~إقراره واعترافه، والمراد بمثل الزوجية الثابتة بالإقرار: الزوجية العلمية.
~~ويمكن أن يكون أحد زوجا لامرأة وهي زوجته باعتقاد شخص كالمقر، وانتفى
~~الأمران باعتقاد آخر كالزوجة، فيترتب الأحكام في حق الأول لا لأجل الثبوت
~~الواقعي; بل للثبوت العلمي، لا في حق الثاني; لانتفاء الثبوتين معا.
# نعم يكون الإشكال في الموضع الثالث - وهو فيما يتوقف تحقق المقر به على
~~أمر حكموا بانتفائه - باقيا.
# والتحقيق: عدم ثبوت المقر به، فلو قال: علي ألف لزيد، وقال زيد: ليس عليه
~~شئ لي، نقول: لا يثبت الألف على المقر.
# ولو قال: اشتريته من زيد بكذا درهم، وقال زيد: ما بعته، لا يجب عليه
~~إعطاء الثمن; وذلك لأجل أن كلا منهما أقر على نفسه بإقرار، وكما أن لازم
~~الأول وجوب الأداء، كذلك لازم الثاني حرمة الأخذ والمطالبة، ولا يمكن
~~الأداء بدون الأخذ، فالحكم بمقتضى أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح، والحكم
~~بمقتضاهما محال، ولذلك يعد قول القائل لعمرو: أعط زيدا درهما، ولزيد:
# لا تأخذ الدرهم، تكليفا بالمحال.
# فالحق عدم ثبوت شئ بمثل ذلك الإقرار، ويلزم منه عدم تسلط وارث المقر
# PageV00P496
# له على المطالبة أيضا; لأنه لم يثبت شئ بإقرار الأول.
# نعم لو ادعى الورثة كذب مورثهم في إقراره بأنه ليس على فلان شئ له، أو
~~خطأه، يكون هذا دعوى على حدة وتحتاج إلى مرافعة جديدة، ولا ينفع إقرار
~~الطرف الأول أولا حينئذ، بل يسأل عنه ويحكم بمقتضى الترافع الجديد (1)
~~بينهما، وأيضا يلزمه الحكم بثبوت المقر به ما لم تعلم معارضة (2) المقر له
~~بالإنكار; لعدم وجود المعارض.
# PageV00P497
# عائدة (49) في بيان إمكان ms321 الاحتياط في العبادات وعدمه قد اشتهر في ألسنة
~~الطلبة: عدم إمكان الاحتياط في العبادات التي شك في توقيفها لتعارض الأدلة
~~أو اختلاف العلماء أو نحوه; مستندا إلى أنه بعد التعارض أو التشكيك لا تكون
~~موقفة، وكل ما كان كذلك يكون بدعة وحراما، إما مطلقا كما قالت طائفة (1)،
~~أو إذا أدخله في الدين وقصد به العبادة كما قالت به أخرى (2). أو إذا أظهر
~~للناس التعبد به كما هو التحقيق، ففعلها محتمل للحرمة أيضا فلا يتأتى فيها
~~الاحتياط.
# مثالها: كصلاة الجمعة عند النافين لمطلق وجوبها، أي العيني والتخييري،
~~فإنه على هذا القول لا يجوز فعلها بدلا عن الظهر بديهة.
# والظاهر منهم عدم جوازها بدون ذلك أيضا، بأن تصلى هي والظهر معا احتياطا،
~~إذ عدم جوازها بدلا ليس إلا لعدم ثبوت توقيفها وتشريعها بدون الشرط الذي هو
~~وجود الإمام المعصوم أو نائبه الخاص، فإن الجمعة الموقفة هي التي
# PageV00P499
# تكون بدلا عن الظهر، فتنتفي بانتفاء البدلية قطعا. والعبادة إذا لم يكن
~~موقفة مشروعة كانت محرمة; لكونها تشريعا وإدخالا في الدين ما ليس منه.
# أقول: من الأمور الضرورية الثابتة بالأخبار المتواترة المعضدة بالإجماع
~~والاعتبار: مشروعية الاحتياط وثبوته ندبا من الشارع، وتعلق التوقيف به، و
~~يلزمه كون كل ما كان من أفراد الاحتياط مشروعا ندبا موقفا، ولا شك أن
~~الإتيان بالجمعة مع الظهر من أفراد الاحتياط; لكونها مبرئة للذمة قطعا،
~~وليس الاحتياط إلا ذلك، فثبت مشروعيتها ندبا من الاحتياط، فيكون الإتيان
~~بها بهذا القصد جائزا مستحبا.
# فإن قيل: فعلها أيضا يحتمل التشريع فيكون حراما، فلا يكون موافقا
~~للاحتياط.
# قلنا: التشريع فعل شئ لم يثبت من الشرع، وفعلها مع الظهر بهذا القصد ثابت
~~بأدلة الاحتياط، فلا يكون تشريعا، كما في سائر موارد الاحتياط، فإنها أيضا
~~غير ثابتة من الشرع بخصوصها وإلا لم يكن احتياطا، وثبوتها واستحبابها إنما
~~هو بمجرد أدلة الاحتياط.
# والتوضيح: أن العبادة التي لم تثبت بخصوصها لا يمكن أن تفعل بقصد أنها
~~عبادة ثابتة بخصوصها; لأن القصد ليس أمرا اختياريا، فما لم تثبت لا يمكن ms322
~~ذلك القصد فإذا فعلت، فإما يؤتى بصورتها لا بقصد عبادة ولا بأن يظهر للناس
~~أنها عبادة ثابتة بخصوصها، كالحمية في يوم الفطر بقصد الإمساك، ولا حرمة
~~فيه قطعا و إجماعا; للأصل وعدم الدليل.
# أو يؤتى لا بها بقصد أنها عبادة ثابتة بخصوصها، ولكن يظهر للناس أنها
~~عبادة ثابتة بخصوصها، وهذا هو التشريع المحرم.
# أو يؤتى بها لاحتمال أن تكون موقفة واجبة فيما يتأتى فيه ذلك الاحتمال،
~~كما في مسألة صلاة الجمعة، فيقصد بها الخروج عن احتمال ترك الواجب،
~~PageV00P500
# ولا يظهر للناس إلا أن فعله لذلك. وهذا مما ليس دليل على حرمته أصلا بل
~~لا يحتملها، بل مقتضى أدلة الاحتياط، وقوله: (لكل امرئ ما نوى) (1) حسنه و
~~استحبابه، وترتب الثواب عليه.
# وعلى هذا فيكون فعل الجمعة بهذا القصد مستحبا، ويكون مع الجماعة، إذ لا
~~جمعة بدونها، وهكذا في جميع الموارد التي من ذلك القبيل.
# نعم يشترط أن لا يكون ذلك الفعل مما يعارض دليل وجوبه دليل حرمته بخصوصه
~~أيضا. وأما لو عارض احتمال وجوبه احتمال حرمته بخصوصه، فلا يجري فيه ذلك.
# والحاصل: أن الاحتياط في مثل ذلك الفعل إنما يكون لو كان احتمال حرمته
~~لأجل عدم التوقيف، فيرد ذلك بحصول التوقيف بأدلة الاحتياط، ولا معارض لها
~~أصلا، وبه تنتفي دلالة عدم التوقيف على الحرمة، فيكون مستحبا من باب
~~الاحتياط.
# بخلاف ما لو عارض دليل وجوبه دليل حرمته بخصوصه أيضا، فإن أدلة الاحتياط
~~حينئذ بالنسبة إلى دليلي الوجوب والحرمة على السواء، ولا ترد أدلته دليل
~~الحرمة، فيكون احتمالا الوجوب والحرمة متساويين، فلا يجري فيه الاحتياط،
~~وذلك كما إذا شك في وجوب قتل شخص أو ضربه قصاصا، ونحو ذلك.
# PageV00P501
# عائدة (50) في أنه لا يعتبر تعلق المضاف بجميع المضاف إليه تحقيقا مما لا
~~ريب فيه أنه لا يعتبر في نحو: أجير يوم، ونزح يوم، وسائمة حول، و مسافرة
~~شهر، وضرب عمرو، وتقبيل زيد، ورؤية بكر، ودخول بغداد، ونحو ذلك، تعلق
~~المضاف بجميع المضاف إليه تحقيقا، بل يكفي التقريب، بل يتحقق الضرب
~~والتقبيل والدخول ونحوها ms323 بجزء يسير منه (1). ويوجه ذلك بالصدق العرفي لو
~~نقصت دقيقة أو دقائق من اليوم، أو اليوم من الحول، أو الساعة من الشهر.
~~وكذا بوقوع الضرب أو التقبيل أو الرؤية على جزء.
# وكثيرا ما يستشكل بأن الصدق العرفي لا يفيد لحمل كلام الشارع عليه;
~~لأصالة تأخر الحادث، فإن مقتضى اللغة انطباق المضاف على جميع المضاف إليه;
~~لأن المضاف إليه حقيقة لغة في المجموع، فيجب انطباق العمل على جميع اليوم،
~~والضرب على جميع الشخص، حتى يتحقق المعنى الحقيقي اللغوي.
# نعم يصح ذلك على القول بتقديم العرفية على اللغوية مطلقا، وليس
# PageV00P503
# كذلك، كما صرح به صاحب المدارك (أيضا في حاشية على المدارك، كتبها) (1)
~~في مسألة زكاة السلت والعلس.
# وقد يذب عنه: بأن الوضع التركيبي غير الوضع الإفرادي، فإن مقتضى الوضع
~~الإفرادي وإن كان ما ذكر، إلا أن هذا مقتضى الوضع التركيبي، و لم يعلم في
~~اللغة لمثل هذه التراكيب معنى غير المعنى العرفي، فالعمل فيها على أصالة
~~عدم النقل لا تأخر الحادث.
# وقد يورد عليه: أن هذا إنما يصح فيما لم يعلم للتركيب في اللغة معنى غير
~~ذلك المعنى، ومعنى التركيب الإضافي مثلا في اللغة معلوم، وهو نسبة المضاف
~~الحقيقي إلى المضاف إليه الحقيقي، كما في: غلام زيد، ودار عمرو، فإن
~~معناهما: الغلام الحقيقي لزيد الحقيقي، والدار الحقيقية لعمرو الحقيقي; و
~~لم توضع الهيئة التركيبية إلا لمجرد النسبة، فكل ما يزيد عن ذلك أو ينقص
~~فهو تغيير في المعنى الحقيقي للتركيب، فيعمل فيه بأصالة تأخر الحادث.
# ودفع ذلك: أنه قد ثبت في الأصول أن الألفاظ موضوعة للمعاني العرفية، سواء
~~في ذلك الوضع اللغوي أو الشرعي أو العرفي; فإن الماء لغة موضوع لما هو
~~الجسم المعهود عرفا، فيصدق على حوض من الماء الخالص، وعلى حوض صب فيه قطرات
~~دم أو نحوها أو مزج بيسير تراب; لكون الكل حقيقة واحدة عرفا وهو المعنى
~~المعهود، وإن اختلف في الحقيقة العقلية. وماء الورد بهذا المعنى المعهود
~~عرفا، أي ما كان المعنى المعهود في العرف، وهكذا.
# وعلى هذا ms324 فنقول: إن هذه القاعدة جارية في وضع الجزء الصوري للتراكيب
~~أيضا، فكما أن لفظ النزح موضوع لعمل مخصوص معلوم في العرف، واليوم لمدة
~~مخصوصة معلومة في العرف، كذلك هيئة تركيبهما بالإضافة - التي هي الجزء
~~الصوري للمركب، وموضوعة لربط خاص بينهما، هو في التركيب
# PageV00P504
# الإضافي: نسبة المضاف إلى المضاف إليه - موضوعة لما هو هذه النسبة الخاصة
~~عرفا، أي النسبة العرفية لا غير، فكل ما يعد في العرف هذه النسبة فهو
~~المراد بالإضافة، من غير تغيير في حقيقة المضاف والمضاف إليه، فإن الموضوع
~~له الهيئة الإضافية: النسبة العرفية الحاصلة بين هاتين الحقيقتين، فلا
~~تغيير في حقيقة المضاف ولا حقيقة المضاف إليه، بل هذا التقريب مقتضى معنى
~~النسبة.
# فإن التقبيل الحقيقي لزيد الحقيقي يحصل بتعلقه بجزء منه عرفا، لا بمعنى
~~أن زيدا الواقع في هذا التركيب يراد منه جزؤه عرفا، بل بمعنى أن النسبة
~~العرفية التي هي معنى الجزء الصوري تحصل بذلك. ولم يعلم للجزء الصوري معنى
~~غير ذلك لغة، فلا يجري فيها أصالة تأخر الحادث أصلا; إذ لم يعلم للهيئة
~~معنى آخر سوى المصداق العرفي.
# ولا يختص ذلك بالتركيب الإضافي، بل كذلك الإسنادي والتوصيفي، نحو: زيد
~~مضروب، وهذا الثور أسود إذا كان فيه نقطة بيضاء، والقصيدة العجمية، إذا
~~كانت فيه ألفاظ عربية.
# وهذا تحقيق دقيق يندفع به الإشكال في أكثر التراكيب، ويخرج الفقيه عن حيص
~~وبيص، لم يسبقني إليه أحد، والحمد لله. PageV00P505
# عائدة (51) في بيان أن الألفاظ في مقام التكاليف تقيد بالعلم قد تحقق في
~~موضعه أن الألفاظ وإن كانت موضوعة للمعاني النفس الأمرية إلا أنها في مقام
~~التكاليف والأحكام مقيدة بالعلم.
# ولا إشكال في ذلك إذا كان التكليف أو الحكم مما يتعلق بشخص واحد، فإن
~~المناط حينئذ يكون علمه، كما في: صل في الثوب الطاهر، ولا تصل في النجس،
~~ونحوها.
# وقد يكون هناك أمر واحد، ويتعلق به حكم له تعلق بأشخاص عديدة و يدور
~~بينهم، فاستشكل حينئذ فيمن يكون علمه المناط ويقيد اللفظ بعلمه، كعدالة
~~الشاهدين في الطلاق، فهل المعتبر العدالة ms325 عند الزوج، أو الزوجة، أو هما، أو
~~الوكيل إذا وكل الزوج غيره في الطلاق، أو الثلاثة، أو الحاكم؟ وقد يريد أحد
~~تزويج المطلقة، فهل يعتبر علم من يريد التزويج أيضا أم لا؟
# ومن هذا الباب العدالة المعتبرة في الوصي، على قول مشهور قوي، فقد يدور
~~الأمر بين الموصي والصغار الذين وصي عليهم بعد كبرهم، وسائر الورثة في بعض
~~الأحيان، وكذا من عنده مال من الموصي ويطالب به الوصي.
# ومن ذلك القبيل ما إذا تزوج رجل بامرأة مدعية للخلو عن المانع، وتزوج
~~PageV00P507
# بها شخص، وعلم ابنه مثلا بأن لها زوجا آخر، ولم يكن الابن مقبول الشهادة،
~~إلى غير ذلك.
# والتحقيق: أن مقتضى وضع الألفاظ للمعاني الواقعية كون الحكم منوطا
~~بالواقع، ولما كان التكليف والحكم بمقتضى الواقع من غير اعتبار العلم
~~تكليفا بما لا يطاق، قيد بالعلم، ومقتضاه كون كل أحد محكوما له وعليه
~~بمقتضى علمه.
# فلو كان الأمر مما ليس له تعلق بغير واحد، يكون المعتبر علمه، وإذا كان
~~له تعلق بمتعدد، يعتبر علم كل أحد منهم في الحكم الذي يتعلق به دون ما
~~يتعلق بالآخر فيتعلق الحكم بكل بمقتضى علمه; لأن الحكم منوط بالواقع،
~~والواقع بالنسبة إلى كل شخص هو معلومه، لأنه يعلمه واقعا، أي إنه الواقع،
~~فيجب عليه الحكم بمقتضاه.
# والحاصل: أنه إذا كان أمر واحد له أحكام كثيرة متعلقة بأشخاص عديدة،
~~يعتبر علم كل أحد بذلك الأمر في الحكم المتعلق به خاصة دون حكم الآخر; إذ
~~الحكم متعلق به بنفس الأمر بحسب العلم، ولكل حكم، ونفس الأمر عنده هو
~~معلومه، فحكمه تابع له، بخلاف الحكم الآخر.
# فعدالة شهود الطلاق أمر له أحكام بالنسبة إلى أشخاص: كالزوج، والزوجة،
~~ومريد الزواج، والورثة لو مات الزوج المطلق، والوكيل لو وكل في الطلاق،
~~والحاكم لو وقع الترافع إليه، والزوجة الخامسة لو أراد المطلق تزوجها بعد
~~تطليق إحدى الأربع، إلى غير ذلك.
# فنقول: إنه لو كانت الشهود عدولا عند الزوج، تبين عنه الزوجة، ولا يرث
~~منها لو ماتت، ولا تجب نفقتها عليه.
# ولو ms326 علمت الزوجة بفسق الشهود، لا يجوز لها الزواج بزوج آخر، ولها مطالبته
~~بالإرث لو مات الزوج.
# ولو علم شخص آخر بفسق الشهود، لا يجوز له تزوج هذه الزوجة.
# ولو كانت الشهود عدولا باعتقاد الوكيل يكون الطلاق صحيحا عنده; و
~~PageV00P508
# لو علم الزوج فسقهم لا تبين الزوجة عنه.
# ولو تزوج رجل امرأة مدعية للخلو عن المانع، وعلم أبوه بوجود المانع لها،
~~لا يجوز للأب النظر إليها ولا تكون محرما له; لأن قوله سبحانه: * (وحلائل
~~أبنائكم) * (1) لا يصدق عليها عند الأب وإن صدق عند الابن.
# ولو آل الأمر إلى الترافع عند الحاكم، يجب عليه الحكم بمقتضى علمه، و
~~حكمه يجري على الجميع بعد الترافع، وعلمه يقوم حينئذ مقام علم الجميع; لأنه
~~مقتضى نفوذ حكمه، كما هو المجمع عليه.
# ولو لم يترافع إليه، ليس له مزاحمة واحد منهم، إلا فيما كان من الأمور
~~الحسبية الواجبة عليه من باب النهي عن المنكر أو الإرشاد، فيزاحم مع اجتماع
~~الشروط، هذا مقتضى القاعدة.
# ولو ثبت في موضع بدليل خارجي أن المعتبر في ذلك الأمر علم شخص معين، فيجب
~~إناطة حكم الجميع بعلم ذلك الشخص فقط، كما إذا قال الشارع:
# الطلاق ما كان بحضور عدلين عند الزوج مثلا.
# وذلك كما في لباس المصلي المشروط إباحته أو عدم غصبيته أو عدم نجاسته،
~~فإنا نعلم قطعا أن المناط علم المصلي خاصة في الإباحة وعدم الغصبية وعدم
~~النجاسة، من غير اعتبار علم شخص آخر. فتصح صلاة الأجير مع الثوب الذي يعلم
~~إباحته، وإن علم المستأجر غصبيته; ويصح اقتداء من يعلم غصبية ثوب الإمام
~~وهو لا يعلم، إذ الثابت ليس إلا مانعية علم المصلي بالغصب أو النجاسة عن
~~الصلاة فيه، فإذا لم يعلم يرتفع ما علم مانعيته.
# نعم لو كان هناك قول من الشارع: إنه لا صلاة مع الثوب الغصبي، ولم يعلم
~~من الخارج أن المراد الثوب المعلوم غصبيته للمصلي. لكنا نقول بعدم جواز
~~اقتداء من يعلم غصبيته مطلقا، وهذه فائدة جليلة، والله يعلم.
# PageV00P509
# عائدة (52) في بيان أصالة عدم جواز جعل ms327 الثمن ما في الذمة قد ذكرنا في
~~العوائد المتقدمة في أوائل الكتاب: أصالة عدم صحة ملك المعدوم، وأصالة عدم
~~الملكية، إلا ما خرج منهما بدليل (1).
# ويثبت منهما: أصالة عدم جواز جعل الثمن ما في الذمة; لأن الثمن يصير
~~بالبيع ملكا للبائع، لأن البيع نقل ملك بعوض ملك آخر، فلا بد أن يكون مما
~~ثبت جواز تملكه شرعا، ولم يثبت في ما في الذمة على سبيل الكلية بنحو يشمل
~~جميع أفراده وشقوقه وصوره، فاللازم فيه الاقتصار على موضع الثبوت.
# وتتفرع عليه: أصالة عدم صحة البيع بالثمن الذمي المجهول ولو لم يكن فيه
~~غرر; إذ لا دليل على صحة جعل مثل ذلك ثمنا.
# ومنه: ما لو دخله الجهل في قيده أو وصفه أو زمان أدائه ولو بقدر قليل.
# واحتفظ بذلك الأصل، وأجره في موارد مدة النسيئة (2)، وشرط الخيار، و
~~نحوهما، فإن الفقيه ربما ينظر في كلمات الفقهاء في تلك المباحث، ويرى
# PageV00P511
# تصانيفهم في اختلاف مدة النسيئة (1)، والخيار، والشرط ونحوها، واستدلالهم
~~لها بالغرر والجهل، ويرى عدم لزوم الغرر في جميع الموارد، ولا يعلم وجه ضرر
~~أمثال تلك الجهالات.
# PageV00P512
# عائدة (53) في بيان معنى السفيه والمجنون اعلم أنه قد تعلقت أحكام كثيرة
~~(1) في الكتاب والسنة وكلمات علماء الأمة بالمجنون والسفيه، كنفي الحرج،
~~والحجر، وثبوت الولاية، وانتفاء التكاليف، و عدم قبول الأقارير، ونحو ذلك.
~~والناظر في كتب القوم يرى عدم انضباط مصاديق العنوانين، كما سيظهر لك في
~~الجملة.
# وتحقيق الحال فيهما من الأمور المهمة، فنقول وبالله التوفيق:
# المجنون: من ابتلي بمرض الجنون.
# والسفيه: من كانت به السفاهة.
# ثم الجنون - على ما يظهر من كتب الأطباء وكلماتهم - ليس علما لمرض شخصي
~~معين، بل هو اسم لجميع الأمراض الدماغية الباعثة لاختلال العقل و فساده،
~~ويعبرون عنها بفساد العقل.
# والمراد بفساد العقل: أعم من أن يكون الفساد في نفس القوة العاقلة، أو في
~~قواها الخادمة لها، كالمفكرة والمخيلة وغيرهما (2).
# ولها أنواع مختلفة، وآثار متشتتة متفاوتة، ومن هنا قيل: الجنون فنون.
# PageV00P513
# وبما ذكرنا من كون الجنون هو فساد العقل صرح ms328 في كتب الفقهاء أيضا.
# قال في المسالك: وهو - أي الجنون - يتناول بإطلاقه لجميع أقسامه، فإن
~~الجنون فنون، والجامع بينها فساد العقل كيف اتفق (1).
# وقال في الروضة البهية: الجنون فنون، والجامع لها فساد العقل على أي وجه
~~يكون (2).
# وقال العلامة في التحرير: الجنون: هو فساد العقل (3).
# وقال بعض مشايخنا في شرحه على النافع: الجنون: وهو فساد العقل المستقر،
~~الغير المستند إلى السهو السريع الزوال والإغماء العارض مع غلبة المرة (4).
~~وصرح بذلك غيرهم أيضا (5).
# وأما السفاهة: فهي عبارة عن خفة العقل ونقصانه، وعدم كماله بالنسبة إلى
~~عامة أهل المعاش والمحاورات، أي بالنسبة إلى العقل المحتاج إليه في طريقة
~~المعاش والمعاملات، والمصاحبة مع أهل المحاورات أو العادات، كما يشهد به
~~العرف. و صرح به اللغويون والمفسرون.
# قال في النهاية الأثيرية: السفه في الأصل: الخفة (6).
# وقال الهروي في تفسير قوله سبحانه: * (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) *
~~(7) أي: خفيف العقل (8).
# PageV00P514
# وفي القاموس: السفه محركة، وكسحاب وسحابة: خفة الحلم و نقصه (1). وفيه
~~أيضا: الحلم بكسر: العقل (2).
# وقال في الصحاح: السفه ضد الحلم، وأصله الخفة والحركة (3).
# وقال البيضاوي في قوله تعالى: * (أنؤمن كما آمن السفهاء) * (4): السفه:
# خفة وسخافة رأي يقتضيهما نقصان العقل، والحلم يقابله (5).
# وقال في قوله سبحانه * (سيقول السفهاء من الناس) * (6): أي الذين خفت
~~أحلامهم (7).
# وقال بعض آخر أيضا: السفهاء في هذه الآية بمعنى خفاف العقول (8).
# وبالجملة: كلمات اللغويين والفقهاء متطابقة في تفسير هذين اللفظين بما
~~ذكر من أن الجنون هو فساد العقل وضياعه وخلله واختلاله، والسفاهة: خفة
~~العقل ورداءته ونقصانه وسخافته.
# والعرف أيضا يساعد ذلك ويدل عليه; فإن كل من فسد عقله واختل يحكم أهل
~~العرف بكونه مجنونا، وكل من خف عقله وردء يحكمون بكونه سفيها، ويحكمون بأنه
~~ليس فاسد العقل ولكنه خفيف العقل.
# وقد صرح المحقق الشيخ علي في مسألة عدم إجبار السفيه على النكاح: بأنه
~~بالغ عاقل (9).
# PageV00P515
# وإن أردت معرفة التفرقة بين فساد العقل وخفته ونقصه، فقسه بالأمور
~~المحسوسة وإطلاق الفساد والنقص فيها. فإن اللؤلؤة إذا خرجت من الصدف، فتارة
~~تكون فاسدة ms329 ضائعة، إما لأجل كونها مسودة، أو بحيث تتفتت أجزاؤها إذا فركت
~~باليد; وأخرى تكون غير حسنة، نحو أن قل صفاؤها، ونحو ذلك.
# وانظر إلى البطيخة، فإنها إذا كانت بحيث خرجت عن طبيعتها الأصلية، وحدث
~~فيها أمر مفسد لها، كالمرارة، أو الديدان، أو العوار، يقال: إنها فاسدة.
# وإذا لم يكن كذلك ولكن كانت أنقص من أمثالها من البطيخ، إما لقلة حلاوتها
~~أو قلة لطافتها، يقال: إنها ناقصة أو رديئة، سواء كان ذلك النقص لأجل عدم
~~بلوغه، أو أن الكمال في أوائل نموه، أو لأجل كون ذاته كذلك، كالبطايخ الغير
~~الحلوة.
# وما كان من القسم الأول يطرح ولا يكون لها طالب، إلا إذا كان فساده قليلا
~~بحيث لا يعبأ به أو يكون بعض أجزائها غير فاسد.
# وما كان من القسم الثاني يحفظونه ويطلبونه وإن نقصت قيمته عن الحلو
~~اللطيف وقل طالبه بالنسبة إليه.
# وبالجملة: فساد العقل بأقسامه هو الجنون، والمتصف به هو المجنون، إلا إذا
~~كان فساده قليلا لا يدرك أو لا يلتفت إليه أهل العرف. وخفته بالنسبة إلى
~~عقول غالب الناس هي السفاهة، إلا إذا كانت الخفة قليلة لا يلتفت إليها في
~~العرف، سواء كانت الخفة لأجل عدم بلوغه حد الكمال كالصبيان، أو لقصور فيه
~~بالذات كالأبله والأحمق.
# وكما أن للجنون فنونا وأقساما ومراتب متفاوتة، كذلك للسفاهة أنواعا و
~~مراحل مختلفة.
# ومن أفراد خفيف العقل الذي هو السفيه - هو مصطلح الفقهاء كما يأتي - و هو
~~الذي ليس له ملكة إصلاح المال في طريق حفظه، إذ المراد منه فاقد الملكة
~~PageV00P516
# لا غير المصلح (1) ولو مع علمه بأنه غير صالح لأجل غرض، ولا شك أن مثل
~~ذلك لا يخلو عن خفة عقل أيضا وإن لم يكن فاسد العقل.
# وفسر السفيه بذلك الامام أيضا، كما يأتي.
# وهذا الاصطلاح أيضا مأخوذ من اللغة; لأجل أن كل من كان كذلك هو خفيف
~~العقل لا محالة.
# وقد يتوهم أن السفاهة أيضا من أقسام فساد العقل، ونظره إلى ما ارتكبه شاذ
~~من المتأخرين في بحث النكاح (2) من جعلهم ms330 السفيه قسيما للمجنون، و إدخالهما
~~تحت فساد العقل، وغفل عما فعله أكثر منهم، وأتقن (3) من جعله قسيما لفساد
~~العقل، أو التصريح بكون السفيه بالغا عاقلا، كما في الروضة و شرح القواعد
~~للمحقق الشيخ علي (4).
# وإن كان نظره إلى أن خفة العقل لا تنفك عن فساد العقل، فهو خطأ، فإنا نرى
~~أن أهل العرف واللغة طرا يطلقون خفيف العقل على أبناء التسع والعشر، ولا
~~يطلقون فاسد العقل إلا على من كان في عقله نوع اختلال وفساد، ومن البديهيات
~~أنهما غير الخفة والنقصان.
# وإن كان نظره إلى عرف عوام (5) أهل هذا الزمان، حيث لا يطلقون السفيه على
~~من لم ينقص عقله عن غالب أقرانه وأبناء سنه وإن خف بالنسبة إلى الرجال، فهو
~~غير محقق جدا; لان ذلك إنما هو في بادئ النظر، وأما عند تدقيقه فيعلم أن
~~الامر ليس كذلك; لأنهم تراهم طرا ينفون الرشد - الذي هو مقابل السفه - قطعا
~~عن الشخص المذكور.
# PageV00P517
# وأيضا هذا الاطلاق إنما هو عند عوام العجم، الذي لا عبرة بهم في أمثال
~~المقام، بل المعتبر ترجمته بالعجمية عندهم، لا نفس اللفظ العربي.
# ثم إن فساد العقل بجميع فنونه يترتب عليه رفع قلم التكليف الشرعي البدني
~~والمالي، وعدم صحة الأقارير والعقود والايقاعات بالاجماع، والضرورة،
~~والكتاب، والسنة; فإن هذه الأمور متعلقة بالعقلاء، والفاسد من الشئ ليس ذلك
~~الشئ، ففاسد العقل ليس بعاقل.
# وقد ورد في الأخبار المستفيضة الصحيحة: (أن الله سبحانه لما خلق العقل
~~قال له: إياك آمر، وإياك أنهى، وإياك أعاقب، وإياك أثيب، وبك آخذ، وبك
~~أعطي)) (1).
# والمناط في معرفته صدق المجنون عرفا، وهو إنما يكون إذا لم يكن الفساد
~~قليلا جدا بحيث لا يظهر لأهل العرف ولا يلتفتون إليه، فإذا كان بحيث يظهر
~~لأهل العرف، يطلق عليه المجنون وتجري عليه أحكامه.
# وإن شك في فرد منه هل هو مجنون عرفا أم لا؟ حيث يقع التشكيك كثيرا في
~~المصاديق العرفية، يرجع إلى العمومات، مثل قوله تعالى: * (ولله على الناس
~~حج البيت) * (2) و * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * (3)، ونحو ms331 ذلك.
# وليس ذلك من باب الاجمال في المخصص، إذ لا إجمال في ذلك، نعم قد يخفى على
~~أهل العرف صدقه على فرد.
# ويشترط في صدق المجنون كون أفعاله الرديئة ناشئة عن اختلال العقل، بأن لا
~~يدرك قبحها، وقد تصدر من أحد أفعال رديئة ولكنه يدرك قبحها ويرتكبها; إما
~~لأجل مصلحة، أو بدون اختيار لمرض، كمن يبكي طول ليله ونهاره ويعلم أنه مرض
~~عرض له.
# PageV00P518
# وأما السفاهة بأقسامها، فلا تمنع شيئا من الأحكام الشرعية، ولم يترتب
~~عليها في الشريعة المقدسة حكم سوى أمر واحد، وهو الحجر والمنع عن التصرفات
~~المالية في بعض أقسامها، إذ ليس في الشريعة في حق (1) المجنون والسفيه
~~بمعنى المفسد للمال دليل يثبت له حكما أو ينفيه، وكذا السفيه المفسد لا
~~دليل فيه يمنع غير تصرفاته المالية.
# بيان ذلك: أن للعقل مراتب غير محصورة، فإن أصل العقل أمر، وكماله أمر،
~~وكمال كماله أمر، إلى أن ينتهي إلى أكمل العقول وهو عقل خاتم الأنبياء صلى
~~الله عليه وآله وسلم، كما ورد في الحديث المروي في محاسن البرقي: (إن الله
~~سبحانه قسم العقل مائة جزء، فأعطى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم تسعة
~~وتسعين جزء، ثم قسم بين العباد جزءا واحدا) (2).
# فعقله المقدس أكمل العقول، ثم يتنزل إلى أن ينتهى إلى عقول غالب الناس
~~المتوجهين في الدنيا بأمور المعاش، أو مع المعاد.
# فمن مراتبه: ما ورد في الخبر بعد السؤال عن العقل، قال: (ما عبد به
~~الرحمان واكتسب به الجنان) قال: قلت: فالذي كان في معاوية؟ فقال: (تلك
~~النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل) (3)، يعني العقل
~~الذي له نوع من الكمال.
# ولذا قال أبو جعفر عليه السلام في رواية أبي الجارود (إنما يداق الله
~~العباد في الحساب يوم القيمة على قدر ما آتاهم من العقول في الدنيا) (4).
# وقال أبو عبد الله عليه السلام في رواية سليمان الديلمي: (إن الثواب على
~~قدر
# PageV00P519
# العقل) (1)، يعني: أنه لما كانت العقول متفاوتة كمالا ونقصانا، فتقع
~~الدقة في الحساب والتكاليف والثواب على مراتب ms332 العقول، فالأقوى عقلا أشد
~~تكليفا و أكثر ثوابا.
# وإلى بعض مراتبه أشير في رواية الحسن بن الجهم، عن أبي الحسن الرضا عليه
~~السلام، قال: ذكر عنده أصحابنا وذكر العقل، قال: فقال: (لا يعبأ بأهل الدين
~~ممن لا عقل له) (2).
# وهذه المراتب وإن أوجبت الاختلاف في الدقة في الحساب وفي الثواب، ولكن لا
~~تختلف باختلافها التكاليف العامة والأحكام الشرعية المتعلقة بعامة الناس،
~~بل المناط فيها هو أصل العقل الخالي عن الخلل والضياع والفساد وإن كان
~~خفيفا ناقصا بالنسبة إلى بعض، وكل ناقص بالنسبة إلى ما فوقه سفيه، كما ورد
~~في شارب الخمر أنه سفيه (3)، وفي العامل المنهمك في الدنيا أنه سفيه (4)،
~~وغير ذلك (5).
# ولكن السفيه المطلق عرفا ولغة لا يطلق إلا على من خف عقله بالنسبة إلى
~~غالب الناس، البالغة عقولهم إلى كمالها بحسبهم (6) من أهل المعاش والعادات;
~~فمن نقص عقله عنهم يسمى سفيها مطلقا، سواء كان النقص لأجل عدم البلوغ حد
~~الكمال، كما في أوائل البلوغ، وهو كالبطيخة التي كانت في بدء نشؤها و
~~حلاوتها ولم تبلغ بعد حد كمالها.
# أو كان لأجل نقص وخفة في نفس عقله
# PageV00P520
# بحيث يستمر على ذلك، وهو كالبطيخة التي لا حلاوة لها ولا لطافة، فميزان
~~السفاهة المطلقة وعدمها هو عقل غالب أهل المعاملات والمحاورات والعادات من
~~حيث إنهم أهل لذلك.
# وتوهم متوهم: أن الميزان في كل صنف هو أغلب النفوس في ذلك الصنف، فالسفيه
~~من الذكور الذي أكمل خمس عشرة سنة هو الذي خف عقله بالإضافة إلى أغلب أفراد
~~هذا الصنف، والسفيهة من الأنثى ممن أكملت تسع سنين هي التي قلت عقلها
~~بالنسبة إلى أغلب أفراد هذا الصنف.
# فيقال: إن البالغة تسع سنين على قسمين: قسم يكون على ما فيه أغلب أفراد
~~هذا الصنف من العقل والفطانة، والآخر قل عقله بالإضافة إلى أغلب أفراده.
~~والأول لا يقال لها إنها سفيهة، فلا ولاية للحاكم في تزويجها، بل هي
~~مستقلة، بخلاف الثاني، فإن له ولاية عليها. وهذا المعنى الثاني هو الذي
~~أريد من السفيه المدخول تحت ms333 فاسد العقل (1).
# أقول: لا يخفى أن للعقل المحتاج إليه في الرسوم والعادات والمعاش
~~والمحاورات حدا إذا نقص عنه يقال: إنه خفيف العقل، أو قليل العقل، أو ناقص
~~العقل على سبيل الاطلاق; فإنه يقال للذكور والإناث المذكورين: فلان طفل
~~خفيف العقل، أو قليل العقل، أو ناقص العقل، أو مضيع للمال وإذا كان كذلك
~~يكون سفيها; لان السفاهة لغة وشرعا لم تفسر بغير هذين المعنيين، ولا يفيد
~~أغلب أفراد هذا الصنف إذا كان جميع أهل الصنف أو غالبهم أخفاء العقول.
# ولولا ذلك لما صح صدق خفيف العقل أو قليله على ابن ست سنين إذا لم يكن
~~أقل عقلا من أبناء سنة. وفساده ظاهر، ونحن نرى أهل العرف يقولون للأطفال
~~الذين في بادئ بلوغهم: لم يكمل بعد عقلهم، أو بعد
# PageV00P521
# قليل العقل.
# وإذا قيل له ذلك وكانت السفاهة هي خفة العقل وقلته، فلم لا يكون سفيها؟
~~بل نرى جميع أهل العرف يقولون: فلان ليس برشيد، أو لم يبلغ رشده، والرشد ضد
~~السفاهة إجماعا.
# نعم لما تداول في هذه الأزمنة عند العوام إطلاق كل من السفهاء والمجانين
~~مرادفا للآخر، قد يتأمل الغافل في ذلك.
# ولو صح ما ذكره لزم جواز تزويج بنت تسع سنين المساوية لأقرانها في العقل
~~بدون الولي; ولو بلغت عشرين سنة وكانت على هذا القدر من العقل، بل ولو
~~أكثر، إذا لم تكن مساوية لأقرانها من بنات عشرين سنة، احتاجت في التزويج
~~إلى الولي; وفساده ظاهر.
# ثم لهذا النقص أيضا مراتب غير محصورة وأنواع متكثرة: فمن ضعفاء العقول من
~~يضحك كثيرا في غير موقعه، ومنهم من يتكلم بكلمات مستهجنة، ومنهم من ينظر
~~بأنظار غير مرغوبة، وهكذا، ومنهم من يصرف المال في مصارف غير لائقة بحاله
~~من غير درك عدم لياقته وفساده، وليست له ملكة إصلاح المال وحفظه، بل له
~~ملكة التضييع والافساد; ومنهم من ليس له ملكة إصلاح العيال، ومنهم من ليس
~~له ملكة إصلاح الأولاد، وهكذا. وكل ذلك لا يخلو عن خفة عقل ونقصان فيه وإن
~~اختلفت آثاره.
# وقد يكون ms334 له مرتبة من السفاهة ولكن يصلح المال أشد إصلاح، ويحفظه آكد
~~حفظ، ويشعر به ما ورد في رواية عبد الله بن سليمان، قال: سمعت أبا عبد الله
~~عليه السلام يقول: (إن الله سبحانه، جل وعز، وسع في أرزاق الحمقى ليعتبر
~~العقلاء ويعلموا أن الدنيا ليس ينال ما فيها بعمل ولا حيلة) (1).
# وجميع هؤلاء الأصناف داخلون تحت التكاليف الشرعية، ومتساوون مع
# PageV00P522
# غيرهم في الاحكام الفرعية من الشرعية والوضعية، إلا خفيف العقل الذي ليست
~~له ملكة إصلاح المال أو له ملكة إفساده، فإنه محجور عليه شرعا من التصرفات
~~المالية، ولا تجوز له العقود والايقاعات المتعلقة بالمال بدون إذن الولي،
~~ولا تسمع منه الأقارير المالية (1) أو المستلزمة لصرف المال، بالاجماع
~~والاخبار والآية، فهذا النوع من السفيه مخصوص بهذا الحكم.
# فالسفيه المحجور عليه في التصرفات المالية: هو الذي يصرف الأموال في غير
~~الاغراض الصحيحة عند العقلاء غالبا بالنسبة إلى حاله، بحيث يعاب على ذلك
~~عرفا وغالبا، ولذا فسر الفقهاء جميعا السفيه المذكور في كتاب الحجر بهذا
~~المعنى.
# قال العلامة في القواعد: وأما الرشد فهو كيفية نفسانية تمنع من إفساد
~~المال وصرفه في غير الوجوه اللائقة بأفعال العقلاء (2).
# وقال أيضا: وأما السفيه فهو الذي يصرف أمواله في غير الوجه الملائم
~~لافعال العقلاء (3).
# وقال في الشرائع: أما السفيه فهو الذي يصرف أمواله في غير الاغراض
~~الصحيحة (4).
# وقال في الخلاف: والمبذر سفيه (5).
# وفي التنقيح: لا شك أن المفهوم من الرشد عرفا هو إصلاح المال وعدم
~~الانخداع في المعاملات (6).
# وفي التحرير: الرشد هو الصلاح في المال (7).
# PageV00P523
# وقال في النافع: السفيه هو الذي يصرف أمواله في غير الاغراض الصحيحة، فلو
~~باع والحال هذه لم يمض بيعه، ويصح طلاقه وظهاره وإقراره بما لا يوجب مالا
~~(1).
# وقال في الكفاية: وأما السفيه فهو الذي يضيع المال، أو لا يصلحه، أو
~~يصرفه في غير الاغراض الصحيحة اللائقة بحاله، على وجه يكون شئ من ذلك عن
~~ملكة راسخة.
# إلى أن قال: ولو باع السفيه لم يمض بيعه وهبته وإقراره بالمال، ويصح
~~طلاقه وخلعه، وإقراره ms335 بالنسب إذا لم يوجب النفقة، وبالقصاص (2).
# إلى غير ذلك من كلمات الفقهاء، بل هي متطابقة على ذلك (3).
# وقد فسر السفيه بهذا المعنى في بعض الروايات أيضا.
# ففي موثقة عبد الله بن سنان: (وجاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا)،
~~فقال: وما السفيه؟ فقال: (الذي يشتري الدرهم بأضعافه)، قال: وما الضعيف؟
# قال: (الأبله) (3).
# وفي صحيحة عيص، قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟ قال:
# (إذا علمت أنها لا تفسد ولا تضيع) (4).
# وفي مرسلة الفقيه عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن قول الله عز وجل: *
~~(فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (5)، قال: (إيناس الرشد حفظ
~~المال) (6).
# ثم هذا التفسير من الفقهاء وفي الاخبار للسفيه وغير الرشيد، يمكن أن
# PageV00P524
# يكون مرادهم منه: السفيه المحجور عليه في التصرفات المالية، المراد في
~~قوله سبحانه: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * (1)، وفي قوله: * (فان آنستم
~~منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (2)، فيكون ما ذكروه بيانا للسفيه
~~المخصوص لا مطلق السفيه، ويكون عرفهم في السفيه متطابقا مع عرف اللغويين من
~~كونه هو خفيف العقل.
# ويمكن أن يكون هذا اصطلاحا وعرفا منهم خاصة، حيث إن السفيه المختلف في
~~بعض الأحكام لغيره هو هذا النوع، فكثرة استعمال السفيه فيه أوجبت حصول
~~حقيقة عرفية خاصة لهم فيه.
# والملخص: أنه لا شك في أن معنى السفيه في اللغة هو خفيف العقل و ناقصه،
~~ولا في أن السفيه الذي حكم الفقهاء بحجره هو مفسد المال ومضيعه، فإما يكون
~~معنى السفيه واحدا، وهذا التعريف المصطلح يكون للسفيه المحجور عليه في
~~المال، أو يكون له إطلاقان: أحدهما اللغوي، والآخر العرفية الخاصة
~~للمتشرعة، والأمر في ذلك هين جدا.
# وملخص الكل: أن المجنون هو فاسد العقل وضائعه. والسفيه: هو خفيف العقل
~~وناقصه، أو ذلك مع من له ملكة إفساد المال، أو من ليس له ملكة إصلاحه.
# والأول محط رفع التكاليف وعدم تعلق الأحكام الشرعية أو الوضعية.
# والثاني ليس له أثر في الأحكام الشرعية أو الوضعية إلا بعض أصنافه الذي
~~هو من ليس له ملكة إصلاح ms336 المال، فيتعلق به الحجر في التصرفات المالية.
# ومن لم يتحقق الحال في المقام قد يحصل له الخلط في الاحكام، أو في
~~التعبير.
# هذا الفاضل الهندي في شرح القواعد في شرح قول المصنف: (ولاية الحاكم تختص
~~في النكاح على البالغ فاسد العقل) قال: بجنون أو سفه (3). فإنه
# PageV00P525
# جعل فساد العقل على قسمين: جنون، وسفه.
# ومثله بعض مشايخنا في شرحه على النافع في شرح قول المصنف: (وتثبت
~~ولايتهما - أي الأب والجد على البالغ مع فساد عقله) قال: السفه أو الجنون
~~(1).
# وعلى هذا يكون للسفه إطلاقان أو ثلاثة: فاسد العقل من غير جنون، و خفيف
~~العقل، أو هو مع المبذر أيضا.
# ولكن ذلك ينافي ما صرح به جماعة - كما مر - من أن الجنون أقسام يجمعها
~~فساد العقل (2). وما ذكره في الروضة، حيث زاد (أو سفيها) بعد قوله: من بلغ
~~فاسد العقل (3).
# ويرده أيضا عدم ورود تفسير السفاهة بذلك المعنى في كلام لغوي، ولا فقيه،
~~ولا في خبر.
# مع أنه مع قطع النظر عن ذلك نقول: الفاسد العقل الذي ليس بمجنون، ما
~~الدليل على ثبوت الولاية عليه، مع أنه ليس للسفيه بهذا المعنى، ولا لهذا
~~المعنى بنفسه - لو لم يكن جنونا - في الأخبار ولا سائر الأدلة الشرعية عين
~~أو أثر؟
# إلا أن يكونا حملا فساد العقل على المعنى الأعم من الجنون وخفة العقل
~~الموجبة لعدم إصلاح المال أيضا، وظنا ولاية الحاكم في النكاح على ذلك
~~السفيه أيضا.
# أو يكون مرادهما من الولاية أعم من اختيار التزويج وإيقاع النكاح مستقلا،
~~ومن توقف نكاح المرأة على إذنه - كما هو كذلك في السفيه بمعنى المبذر - كما
~~هو الظاهر من كلام صاحب الكفاية في كتاب النكاح، حيث قال أولا: وثبتت
~~ولايتهما - أي الأب والجد - على البالغ المجنون إذا اتصل جنونه بالصغر عند
~~الأصحاب. ولو طرأ الجنون بعد البلوغ والرشد، ففي ثبوت الولاية لهما أو
# PageV00P526
# للحاكم قولان.
# ثم قال بعد كلام: وفي ثبوت الولاية للأب والجد وللحاكم في السفه المتصل
~~بالصغر قولان، أما في الطارئ بعد البلوغ والرشد، فالمشهور ms337 أنها للحاكم.
# ثم قال بعد كلام: والمحجور عليه للتبذير لا يجوز له أن يتزوج إلا مع
~~الاضطرار، فلو أوقع كان العقد فاسدا، وإن اضطر إلى التزويج، جاز للولي أن
~~يأذن له مقيدا بمراعاة المصلحة، سواء عين الزوجة أم لا.
# إلى أن قال: وهل يجوز له المبادرة إلى النكاح بدون إذن الولي مع إمكانه؟
# فيه وجهان. ولو تعذر إذن الحاكم جاز له التزويج بدونه، مقتصرا على ما
~~يليق به بمهر المثل فما دونه (1). انتهى.
# بل صرح بذلك الشهيد الأول في نكت الإرشاد في مسألة ثبوت الولاية في
~~النكاح للوصي على السفيه، حيث قال: والحق ثبوتها في البالغ فاسد العقل أو
~~سفيها، لا بمعنى إجبار السفيه، بل بمعنى توقفه على إذن الوصي (2).
# وكذا الفاضل الهندي في شرح القواعد، حيث قال في شرح قول المصنف:
# (لا ولاية للوصي إلا على من بلغ فاسد العقل) قال: بجنون أو سفه مع
~~الحاجة، للضرورة.
# إلى أن قال: ولذا ثبتت الولاية عليه للحاكم مع عدم ثبوتها على الصغير،
~~إلا أن الولاية على السفيه بمعنى وجوب استئذانه، ويمكن إرادة الولاية
~~الاجبارية، فيراد بفاسد العقل المجنون خاصة (3). انتهى.
# وفي شرح قول المصنف: (لا ولاية في النكاح إلا على ناقص، بصغر أو جنون أو
~~سفه أو رق) قال: إلا أن الولاية على السفيه إنما هي بمعنى توقف نكاحه
# PageV00P527
# على الإذن بخلاف الباقين (1).
# وفذلكة المقام: أن هاهنا أمرين موجبين للآثار الشرعية، أحدهما: الجنون،
~~وثانيهما: السفيه بمعنى التبذير وإفساد المال.
# والأول رافع للتكاليف، والثاني مانع من التصرفات المالية.
# وأما الواسطة بينهما فلا حكم له في الشرع، ولا دليل على كونه مؤثرا في
~~إثبات أو نفي، سواء سميته سفيها أو فساد عقل أو غير ذلك.
# فمن ذكر السفه قسيما (2) للجنون في أقسام فساد العقل، فإن جعل فساد العقل
~~أعم من الخفة، فلا مشاحة في الاصطلاح وإن كان في ثبوت حكم الجنون له نظر.
# وإن جعل فساد العقل غير الخفة والسفه بمعنى التبذير، وجعله قسمين:
# الجنون والسفه، فنطالبه بالدليل على ثبوت ما أثبته له، ms338 وكونه موردا للحكم
~~الشرعي نفيا أو إثباتا. وحمل لفظ السفيه في بعض الأخبار على ذلك بمجرد
~~الاحتمال، لا يصلح دليلا لإثبات الحكم لها.
# ومن جعل السفه قسيما للجنون في إثبات الولاية عليه من غير إدخاله في فساد
~~العقل، فإن أراد غير الخفة والتبذير، يرد عليه ما ذكر أيضا; وإن أراد هذا
~~المعنى، فإن أراد بثبوت الولاية في النكاح عليه توقف صحته على إذنه، لا أن
~~يكون له الولاية في الإيقاع استقلالا، فهو كذلك، وإن أراد الاستقلال، فعليه
~~الاستدلال، والله المسدد في كل حال.
# PageV00P528
# عائدة (54) في بيان ولاية الحاكم وما له فيه الولاية اعلم أن الولاية من
~~جانب الله سبحانه على عباده ثابتة لرسوله وأوصيائه المعصومين عليهم السلام،
~~وهم سلاطين الأنام، وهم الملوك والولاة والحكام، و بيدهم أزمة الأمور،
~~وسائر الناس رعاياهم والمولى عليهم.
# وأما غير الرسول وأوصيائه، فلا شك أن الأصل عدم ثبوت ولاية أحد على أحد
~~إلا من ولاه الله سبحانه، أو رسوله، أو أحد من أوصيائه، على أحد في أمر. و
~~حينئذ فيكون هو وليا على من ولاه فيما ولاه فيه.
# والأولياء كثيرون، كالفقهاء العدول، والآباء، والأجداد، والأوصياء،
~~والأزواج، والموالي، والوكلاء، فإنهم الأولياء على العوام، والأولاد،
~~والموصى له، والزوجات، والمماليك، والموكلين، ولكن ولايتهم مقصورة على أمور
~~خاصة على ما ثبت من ولاة الأمر.
# ولا كلام لنا هنا في غير الفقهاء، فإن أحكام كل من الباقين مذكورة في
~~موارد مخصوصة من كتب الفروع.
# والمقصود لنا هنا بيان ولاية الفقهاء الذين هم الحكام في زمان الغيبة،
~~والنواب عن الأئمة، وأن ولايتهم هل هي عامة فيما كانت الولاية فيه ثابتة
~~لإمام PageV00P529
# الأصل، أم لا؟ وبالجملة في أن ولايتهم فيما هي؟
# فإني قد رأيت المصنفين يحيلون كثيرا من الأمور إلى الحاكم في زمن الغيبة
~~و يولونه فيها، ولا يذكرون عليه دليلا، ورأيت بعضهم يذكرون أدلة غير تامة،
~~و مع ذلك كان ذلك أمرا مهما غير منضبط في مورد خاص.
# وكذا نرى كثيرا من غير المحتاطين من أفاضل العصر وطلاب الزمان إذا وجدوا ms339
~~في أنفسهم قوة الترجيح والاقتدار على التفريع، يجلسون مجلس الحكومة ويتولون
~~أمور الرعية، فيفتون لهم في مسائل الحلال والحرام، و يحكمون بأحكام لم يثبت
~~لهم وجوب القبول عنهم، كثبوت الهلال ونحوه، و يجلسون مجلس القضاء
~~والمرافعات، ويجرون الحدود والتعزيرات، و يتصرفون في أموال اليتامى
~~والمجانين والسفهاء والغياب، ويتولون أنكحتهم، و يعزلون الأوصياء، وينصبون
~~القوام، ويقسمون الأخماس، ويتصرفون في المال المجهول مالكه، ويؤجرون
~~الأوقاف العامة إلى غير ذلك من لوازم الرئاسة الكبرى.
# ونراهم ليس بيدهم فيما يفعلون دليل، ولم يهتدوا في أعمالهم إلى سبيل، بل
~~اكتفوا بما رأوا وسمعوا من العلماء الأطياب، فيفعلون تقليدا بلا اطلاع لهم
~~على محط فتاويهم، فيهلكون ويهلكون، أأذن الله لهم أم على الله يفترون؟!.
# فرأيت أن أذكر في هذه العائدة الجليلة وظيفة الفقهاء، وما فيه ولايتهم، و
~~من عليه ولايتهم على سبيل الأصل والكلية.
# ولنقدم أولا شطرا من الأخبار الواردة في حق العلماء الأبرار، المعينة (1)
~~لمناصبهم ومراتبهم، ثم نستتبعه بما يستفاد منها كلية، ثم نذكر بعد ذلك بعض
~~موارد هذه الكلية.
# PageV00P530
# فهاهنا مقامان:
# المقام الأول:
# في ذكر الأخبار اللائقة بالمقام:
# فنقول: إن الأخبار في ذلك كثيرة جدا، إلا أنا نذكر شطرا منها.
# الأولى: ما ورد في الأحاديث المستفيضة، منها صحيحة أبي البختري، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام أنه قال: (العلماء ورثة الأنبياء) (1).
# الثانية: رواية إسماعيل بن جابر، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال:
~~(العلماء امناء) (2).
# الثالثة: مرسلة الفقيه، قال أمير المؤمنين عليه السلام: (قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم: اللهم ارحم خلفائي، قيل: يا رسول الله ومن
~~خلفاؤك؟ قال: الذين يأتون بعدي و يروون حديثي وسنتي) (3)، ورواه في معاني
~~الأخبار وغيره أيضا.
# الرابعة: رواية علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام،
~~و فيها: (لأن المؤمنين الفقهاء حصون الإسلام كحصن سور المدينة لها) (4).
# الخامسة: رواية السكوني، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (قال رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم:
# الفقهاء امناء الرسل ما لم يدخلوا ms340 في الدنيا، قيل: يا رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم وما دخولهم في الدنيا؟ قال: اتباع السلطان، فإذا فعلوا ذلك
~~فاحذروهم على دينكم) (5).
# PageV00P531
# السادسة: ما رواه في جامع الأخبار، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه
~~قال: (أفتخر يوم القيامة بعلماء أمتي فأقول علماء أمتي كسائر الأنبياء
~~قبلي) (1).
# السابعة: المروي في الفقه الرضوي أنه قال: (منزلة الفقيه في هذا الوقت
~~كمنزلة الأنبياء في بني إسرائيل) (2).
# الثامنة: المروي في الاحتجاج في حديث طويل، قيل لأمير المؤمنين عليه
~~السلام: من خير خلق الله بعد أئمة الهدى ومصابيح الدجى؟ قال: (العلماء إذا
~~صلحوا) (3).
# التاسعة: المروي في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
~~(فضل العالم على الناس كفضلي على أدناهم) (4).
# العاشرة: المروي في المنية أنه تعالى قال لعيسى: (عظم العلماء واعرف
~~فضلهم، فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين، كفضل الشمس على
~~الكواكب، وكفضل الآخرة على الدنيا، وكفضلي على كل شئ) (5).
# الحادية عشر: المروي في كنز الكراجكي عن مولانا الصادق عليه السلام أنه
~~قال:
# (الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك) (6).
# الثانية عشر: التوقيع الرفيع المروي في كتاب إكمال الدين بإسناده المتصل،
~~والشيخ في كتاب الغيبة، والطبرسي في الاحتجاج، وفيها: (وأما الحوادث
~~الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا، فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله
~~عليهم) (7).
# PageV00P532
# الثالثة عشر: ما رواه الامام في تفسيره عليه السلام عن آبائه، عن النبي
~~صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال:
# (أشد من يتم اليتيم يتيم انقطع عن إمامه، لا يقدر على الوصول إليه ولا
~~يدري كيف حكمه فيما يبتلى به من شرائع دينه، فمن كان من شيعتنا عالما
~~بعلومنا فهدى الجاهل بشريعتنا المنقطع عن مشاهدتنا، كان معنا في الرفيق
~~الاعلى).
# قال: (وقال علي عليه السلام: من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا فأخرج
~~ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيمة
~~وعلى رأسه تاج من نور يضئ لأهل تلك العرصات).
# إلى أن قال: (وقال الحسين بن ms341 علي عليه السلام: من كفل لنا يتيما قطعته
~~عنا محنتنا باستتارنا، فواساه من علومنا التي سقطت إليه حتى أرشده وهداه،
~~قال الله سبحانه: أيها العبد الكريم المواسي أنا أولى منك بهذا الكرم،
~~اجعلوا له يا ملائكتي في الجنان بعدد كل حرف حرف علمه ألف ألف قصر).
# إلى أن قال: (وقال موسى بن جعفر عليه السلام: فقيه واحد يتفقد يتيما من
~~أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا والتعلم من علومنا، أشد على إبليس من ألف
~~عابد.) إلى أن قال: (ويقال للفقيه: أيها الكافل لأيتام آل محمد - صلى الله
~~عليه وآله أجمعين - الهادي لضعفاء محبيه ومواليه، قف حتى تشفع في كل من أخذ
~~عنك أو تعلم منك).
# إلى أن قال: (وقال علي بن محمد عليه السلام: لولا من يبقى بعد غيبة
~~قائمنا من العلماء الداعين إليه والدالين عليه)، إلى أن قال: (لما بقي أحد
~~إلا ارتد عن دين الله، أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل) (1).
# الرابعة عشر: رواية أبي خديجة، قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام:
~~(انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته
~~قاضيا،
# PageV00P533
# فتحاكموا إليه) (1).
# الخامسة عشر: رواية أخرى له: (إجعلوا بينكم رجلا ممن قد عرف حلالنا و
~~حرامنا، فإني قد جعلته قاضيا) (2).
# السادسة عشر: مقبولة عمر بن حنظلة، وفيها: (ينظران إلى من كان منكم قد
~~روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكما، فإني
~~قد جعلته عليكم حاكما، فإذا حكم بحكمنا، فلم يقبله منه، فإنما استخف بحكم
~~الله، وعلينا رد، والراد علينا الراد على الله، وهو على حد الشرك بالله)
~~(3).
# السابعة عشر: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كتب الخاصة
~~والعامة أنه قال:
# (السلطان ولي من لا ولي له) (4).
# الثامنة عشر: ما رواه الشيخ الجليل (أبو) محمد الحسن بن علي بن شعبة في
~~كتابه المسمى بتحف العقول، عن سيد الشهداء الحسين بن علي عليهما السلام،
~~والرواية طويلة ذكرها صاحب الوافي في كتاب الامر بالمعروف والنهي عن ms342
~~المنكر، وفيها: (وذلك بأن مجاري الأمور والاحكام على أيدي العلماء بالله،
~~الامناء على حلاله وحرامه) (5) الحديث.
# التاسعة عشر: ما رواه في العلل بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن أبي الحسن
~~الرضا عليه السلام، في حديث قال فيه: (فإن قال: فلم وجب عليهم معرفة
# PageV00P534
# الرسل، والإقرار بهم، والإذعان لهم بالطاعة؟
# قيل له: لأنه لما لم يكن في خلقهم وقواهم ما يكملون به مصالحهم، وكان
~~الصانع متعاليا عن أن يرى، وكان ضعفهم وعجزهم عن إدراكه ظاهرا، لم يكن بد
~~من رسول بينه وبينهم معصوم، يؤدي إليهم أمره ونهيه وأدبه، ويوقفهم على ما
~~يكون به إحراز منافعهم ودفع مضارهم، إذ لم يكن في خلقهم ما يعرفون به ما
~~يحتاجون إليه من منافعهم ومضارهم، فلو لم يجب عليهم معرفته وطاعته، لم يكن
~~في مجئ الرسول منفعة ولا سد حاجة، ولكان إتيانه عبثا بغير منفعة ولا صلاح،
~~وليس هذا من صفة الحكيم الذي أتقن كل شئ.
# فإن قال: فلم جعل اولي الأمر وأمر بطاعتهم؟
# قيل: لعلل كثيرة: منها: أن الخلق لما وقفوا على حد محدود، وأمروا أن لا
~~يتعدوا ذلك الحد لما فيه من فسادهم، لم يكن يثبت ذلك ولا يقوم إلا بأن يجعل
~~عليهم فيه أمينا يمنعهم من التعدي والدخول فيما حظر عليهم; لأنه إن لم يكن
~~ذلك كذلك، لكان أحد لا يترك لذته ومنفعته لفساد غيره، فجعل عليهم قيما
~~يمنعهم من الفساد ويقيم فيهم الحدود والاحكام.
# ومنها: أنا لا نجد فرقة من الفرق ولا ملة من الملل بقوا وعاشوا إلا بقيم
~~و رئيس لما لابد لهم من أمر الدين والدنيا، فلم يجز في حكمة الحكم أن يترك
~~الخلق مما يعلم أنه لابد لهم منه، ولا قوام لهم إلا به، فيقاتلون به عدوهم،
~~ويقسمون به فيئهم، ويقيم لهم جمعهم وجماعتهم، ويمنع ظالمهم عن مظلومهم.
# ومنها: أنه لو لم يجعل لهم إماما قيما أمينا حافظا مستودعا، لدرست الملة،
~~وذهب الدين، وغيرت السنة والاحكام، ولزاد فيه المبتدعون، ونقص منه
~~الملحدون، وشبهوا ذلك على المسلمين; لأنا قد ms343 وجدنا الخلق منقوصين، محتاجين،
~~غير كاملين، مع اختلافهم واختلاف أهوائهم، و تشتت أنحائهم، فلو لم يجعل لهم
~~قيما حافظا لما جاء به الرسول، لفسدوا على نحو ما بيناه وغيرت الشرائع
~~والسنن والاحكام والايمان، وكان في PageV00P535
# ذلك فساد الخلق أجمعين) (1).
# المقام الثاني:
# في بيان وظيفة العلماء الأبرار والفقهاء الأخيار في أمور الناس، وما لهم
~~فيه الولاية على سبيل الكلية، فنقول وبالله التوفيق:
# إن كلية ما للفقيه العادل توليه وله الولاية فيه أمران:
# أحدهما: كل ما كان للنبي والامام - الذين هم سلاطين الأنام وحصون الاسلام
~~- فيه الولاية وكان لهم، فللفقيه أيضا ذلك، إلا ما أخرجه الدليل من إجماع
~~أو نص أو غيرهما.
# وثانيهما: أن كل فعل متعلق بأمور العباد في دينهم أو دنياهم ولابد من،
~~الاتيان به ولا مفر منه، إما عقلا أو عادة من جهة توقف أمور المعاد أو
~~المعاش لواحد أو جماعة عليه، وإناطة انتظام أمور الدين أو الدنيا به.
# أو شرعا من جهة ورود أمر به أو إجماع، أو نفي ضرر أو إضرار، أو عسر أو
~~حرج، أو فساد على مسلم، أو دليل آخر.
# أو ورود الاذن فيه (2) من الشارع ولم يجعل وظيفته لمعين واحد أو جماعة
~~ولا لغير معين - أي واحد لا بعينه - بل علم لا بدية الاتيان به أو الاذن
~~فيه، ولم يعلم المأمور به ولا المأذون فيه، فهو وظيفة الفقيه، وله التصرف
~~فيه، والآتيان به.
# أما الأول: فالدليل عليه بعد ظاهر الاجماع - حيث نص به كثير من الأصحاب
~~(3)، بحيث يطهر منهم كونه من المسلمات - ما صرحت به الاخبار
# PageV00P536
# المتقدمة من كونه وارث الأنبياء، وأمين الرسل، وخليفة الرسول، و حصن
~~الاسلام، ومثل الأنبياء وبمنزلهم، والحاكم والقاضي والحجة من قبلهم، وأنه
~~المرجع في جميع الحوادث، وأن على يده مجاري الأمور والاحكام، وأنه الكافل
~~لأيتامهم الذين يراد بهم الرعية.
# فإن من البديهيات التي يفهمها كل عامي وعالم ويحكم بها: أنه إذا قال نبي
~~لاحد عند مسافرته أو وفاته: فلان وارثي، ومثلي، وبمنزلتي، وخليفتي، و
~~أميني، وحجتي، والحاكم من قبلي ms344 عليكم، والمرجع لكم في جميع حوادثكم، وبيده
~~مجاري أموركم وأحكامكم، وهو الكافل لرعيتي، أن له كل ما كان لذلك النبي في
~~أمور الرعية وما يتعلق بأمته، بحيث لا يشك فيه أحد، ويتبادر منه ذلك.
# كيف لا؟ مع أن أكثر النصوص الواردة في حق الأوصياء المعصومين، المستدل
~~بها في مقامات إثبات الولاية والإمامة المتضمنين لولاية جميع ما للنبي فيه
~~الولاية، ليس متضمنا لأكثر من ذلك، سيما بعد انضمام ما ورد في حقهم:
# أنهم خير خلق الله بعد الأئمة، وأفضل الناس بعد النبيين، وفضلهم على
~~الناس كفضل الله على كل شئ، وكفضل الرسول على أدنى الرعية (1).
# وإن أردت توضيح ذلك: فانظر إلى أنه لو كان حاكم أو سلطان في ناحية و أراد
~~المسافرة إلى ناحية أخرى، وقال في حق شخص بعض ما ذكر فضلا عن جميعه، فقال:
~~فلان خليفتي، وبمنزلتي، ومثلي، وأميني، والكافل لرعيتي، والحاكم من جانبي،
~~وحجتي عليكم، والمرجع في جميع الحوادث لكم، وعلى يده مجاري أموركم
~~وأحكامكم.
# فهل يبقى لاحد شك في أن له فعل كل ما كان للسلطان في أمور رعية تلك
~~الناحية؟ إلا ما استثناه، وما أظن أحدا يبقى له ريب في ذلك، ولا شك ولا
~~شبهة.
# PageV00P537
# ولا يضر ضعف تلك الأخبار بعد الانجبار بعمل الأصحاب، وانضمام بعضها ببعض،
~~وورود أكثرها في الكتب المعتبرة.
# وأما الثاني: فيدل عليه بعد الاجماع أيضا أمران:
# أحدهما: أنه مما لا شك فيه أن كل أمر كان كذلك لابد وأن ينصب الشارع
~~الرؤف الحكيم عليه واليا وقيما ومتوليا، والمفروض عدم دليل على نصب معين،
~~أو واحد لا بعينه، أو جماعة غير الفقيه.
# وأما الفقيه، فقد ورد في حقه ما ورد من الأوصاف الجميلة والمزايا
~~الجليلة، وهي كافية في دلالتها على كونه منصوبا منه.
# وثانيهما: أن بعد ثبوت جواز التولي له، وعدم إمكان القول بأنه يمكن أن لا
~~يكون لهذا الامر من يقوم له، ولا متول له، نقول:
# إن كل من يمكن أن يكون وليا ومتوليا لذلك الامر ويحتمل ثبوت الولاية له،
~~يدخل فيه ms345 الفقيه قطعا من المسلمين أو العدول أو الثقات، ولا عكس، وأيضا كل
~~من يجوز أن يقال بولايته يتضمن الفقيه.
# وليس القول بثبوت الولاية للفقيه متضمنا لثبوت ولاية الغير، سيما بعد
~~كونه خير خلق الله بعد النبيين، وأفضلهم، والأمين، والخليفة، والمرجع،
~~وبيده الأمور، فيكون جواز توليه وثبوت ولايته يقينيا، والباقون مشكوك فيهم،
~~تنفى ولايتهم وجواز تصرفهم النافذ بالأصل المقطوع به، وكذا الوجوب الكفائي
~~فيما يثبت الامر به ووجوبه.
# فان قلت: هذا يتم فيما يثبت فيه الاذن والجواز، وأما فيما يجب كفاية
~~فالأصل عدم الوجوب على الفقهاء.
# قلنا: الوجوب الكفائي عليهم أيضا مقطوع به، غاية الامر أنه يشك في دخول
~~غيرهم أيضا تحت الامر الكفائي وعدمه، والأصل ينفيه.
# فإن قيل: الأصل عدم ملاحظة خصوصيتهم.
# قلنا: الأصل عدم ملاحظة جهة العموم أيضا، مع أن إثبات الجواز كاف لنا
~~PageV00P538
# ولا معارض له، ثم يثبت له الوجوب فيما يجب بالاجماع المركب.
# ولتكن هاتان الكليتان نصب عينيك وبين يديك، تجريهما في جميع المقامات
~~الفرعية والموارد الجزئية، ويندرج تحتهما جميع ما ذكره الفقهاء في المسائل
~~الشخصية، ولا حاجة إلى ذكر الأنواع والأصناف من تلك الأمور بعد الإحاطة بما
~~ذكر.
# إلا أنا نذكر بعض أنواع هاتين الكليتين، لما فيها من الأدلة الخاصة، أو
~~الفروع اللازمة بيانها، أو لبيان ورود الاذن والامر من الشارع فيه.
# وقد ذكر بعض تلك الأمور الشهيد في قواعده، قال ما خلاصته: قاعدة في ضبط
~~ما يحتاج إلى الحاكم: كل قضية وقع النزاع فيها في إثبات شئ أو نفيه أو
~~كيفيته، وكل أمر فيه اختلاف بين العلماء، كثبوت الشفعة مع الكثرة، أو احتيج
~~فيه إلى التقويم، كالأرش وتقدير النفقات، أو إلى ضرب المدة، كالايلاء
~~والظهار، أو إلى الالقاء، كاللعان، ومما يحتاج إليه القصاص نفسا أو طرفا،
~~والحدود والتعزيرات، وحفظ مال الغياب، كالودائع واللقطات (1).
# إنتهى.
# ثم نقول: إن الأمور التي هي وظيفة الفقهاء ومنصبهم ولهم الولاية فيه
~~كثيرة، يعلم مواردها مما ذكر، ونذكر هنا بعضها:
# فمنها: الافتاء.
# فلهم ولايته، وعلى الرعية وجوب اتباعهم في فتاويهم، وتقليدهم ms346 في أحكامهم،
~~وهي ثابتة بكل من الامرين الكليين المذكورين.
# ويدل عليه أيضا من الأخبار المتقدمة بخصوصه المروي عن تفسير الإمام عليه
~~السلام (2)، ومقبولة عمر بن حنظلة (3).
# أما الأولى: فلدلالتها على ترغيب العالمين بعلومهم إلى هداية الجهال
# PageV00P539
# بالشريعة، وحثهم على إخراجهم من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي أعطوه،
~~وعلى مواساتهم مع أيتام الأئمة، الذين هم الجهال بالشريعة، من علومهم التي
~~سقطت إليهم، وعلى تفقدهم الجهال وتعليمهم من علومهم، وعلى تكفلهم لأيتام آل
~~محمد صلوات الله عليهم أجمعين، وهدايتهم الضعفاء، ودعوتهم إلى العلوم،
~~ودلالتهم عليها.
# وبثبوت الجواز بل الرجحان يثبت الوجوب الكفائي بالاجماع، بل الضرورة، كما
~~يثبت بذلك أيضا وجوب اتباع الناس لهم فيما دعوهم، و هدوهم، وواسوهم،
~~ودلوهم.
# فإن قيل: المصرح به في تلك الرواية الترغيب في تعليم علومهم، ومن أين
~~يعلم أنه ما استنبطه هؤلاء العلماء هو علوم الأئمة؟.
# قلنا: لا شك أن المراد أن علومهم بحسب علم العالم، أي ما يعلمه أنه من
~~علومهم، إذ إرادة غير ذلك تكليف بما لا يعلم بل بما لا يطاق، فيكون المعنى:
~~من علومنا بحسب علمه، ولا شك أن علوم العلماء علوم الأئمة عليه السلام بزعم
~~العلماء و بحسب علمهم.
# فإن قيل: لا نسلم أن ما يعلمونه إنما هو من العلوم، فإن مستنبطاتهم ليست
~~علما، وإنما هي ظنون يجب العمل بها لأجل المخمصة.
# قلنا: الظن المنتهي إلى العلم علم، فإنه إذا ظن وجوب السورة لأجل خبر
~~واحد، وعلم حجية الخبر بالدليل القطعي، يعلم وجوب السورة; وأما الظن الغير
~~المنتهي إلى العلم، فهو ليس مما يتكلم فيه.
# فإن قيل: هو حجة في حقه وحق مقلديه بعد ثبوت وجوب تقليده عليهم، فهو
~~معلوم وعلم في حقه دون حق الغير.
# قلنا: هذا تخليط واشتباه، كيف مع أن المظنون من الخبر الواحد هو وجوب
~~السورة مطلقا دون وجوبها عليه خاصة، والمعلوم من الأدلة العلمية هو حجية
~~الخبر الواحد، إما مطلقا أو لكل من كان مثله، لا لهذا الشخص بخصوصه، فإنه
~~PageV00P540
# لا دليل على حجيته مخصوصا بهذا ms347 الشخص.
# وعلى هذا فيعلم هذا: أن خبر الواحد واجب العمل مطلقا، ويظن من الخبر أن
~~السورة واجبة كذلك، فيعلم وجوب السورة كذلك.
# نعم لما لم يكن علم غير المعصوم حجة على غيره فيحتاج جواز اتباع علمه
~~للغير أو وجوبه إلى دليل، وهذا الخبر وما يؤدي مؤداه من أدلة جواز التقليد
~~أو وجوبه دليل على حجية علمه لمن يقلده أيضا.
# ومحط دلالة الثانية: عموم قوله: (فإذا حكم بحكمنا)، فإنه لا يمكن أن يكون
~~المعنى إذا حكم بما هو معلوم عند سامعه أنه حكمنا، إذ لا يكون حينئذ حاجة
~~إلى قبول قول الغير والرجوع إليه، بل تتمة الحديث - الدالة على اختلاف
~~الخبر - صريحة في جهل السامع بالحكم، فيكون المعنى: إذا حكم بحكم ينسبه
~~إلينا، أو ما هو حكمنا باعتقاده، يجب القبول. وليس المراد بالحكم خصوص ما
~~يكون بعد الترافع، لأعميته لغة وعرفا، وعدم ثبوت الحقيقة الشرعية فيه.
# ومنه يظهر إمكان الاستدلال بروايتي أبي خديجة; لان القضاء أيضا بمعنى
~~الحكم.
# ويدل على المطلوب أيضا أخبار أخر كثيرة: كالمروي في الأمالي بإسناده عن
~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يرفع الله - أي بالعلم -
~~أقواما، فيجعلهم في الخير قادة، تقتبس آثارهم، ويهتدى بفعالهم، وينتهي إلى
~~آرائهم) (1).
# والمروي في عوالي اللآلي عن بعض الصادقين عليه السلام: (إن الناس أربعة:
~~رجل يعلم، وهو يعلم أنه يعلم، فذاك مرشد حاكم فاتبعوه) (2).
# ورواية محمد بن مسلم، المروية في الكافي، وفيها: (فتعلموا العلم من حملة
~~العلم) (3).
# PageV00P541
# والمروي في الاحتجاج عن مولانا الكاظم عليه السلام أنه قال: (فقيه واحد
~~ينقذ يتيما من أيتامنا المنقطعين عن مشاهدتنا بتعليم ما هو محتاج إليه أشد
~~على إبليس من ألف عابد) (1).
# وفيه أيضا عن أبي محمد العسكري عليه السلام: (فأما من كان من الفقهاء
~~صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن
~~يقلدوه) (2).
# ويدل عليه أيضا: مفاهيم الأخبار المستفيضة الناهية عن الافتاء بغير علم،
~~و من غير العلم بالناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والمبينة لصفات
~~المفتي، و أمر الأئمة ms348 بعض أصحابهم بالافتاء، وأمر الناس بالرجوع إليهم.
# والاخبار المتكثرة المتضمنة: لان الله سبحانه لا يدع الأرض خالية من عالم
~~يعرف الناس حلالهم وحرامهم، ولئلا تلتبس عليهم أمورهم، كما في رواية عبد
~~الله العامري عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: ما زالت الأرض إلا ولله
~~فيها الحجة يعرف الحلال والحرام ويدعو إلى سبيل الله (3).
# والمروي في إكمال الدين عنه عليه السلام أيضا، قال: (إن الله تبارك
~~وتعالى لم يدع الأرض إلا وفيها عالم يعلم الزيادة والنقصان، ولولا ذلك
~~لالتبست على المؤمنين أمورهم) (4).
# والحجة والعالم فيهما لا يحملان على الامام المعصوم الغائب; لأنه لا يعرف
~~الناس مسائلهم، ولا يدعوهم إلى سبيل الله، ولا يبين لهم أمورهم.
# ويدل على المطلوب أيضا: الاجماع القطعي، بل الضرورة، الدينية، بل ضرورة
~~جميع الأديان، فإن الكل قد أجمعوا على إفتاء العلماء للعوام، وعلى
# PageV00P542
# ترك الانكار في تقليد غير العلماء لهم من غير مانع لهم من الانكار، بل
~~ترغيبهم عليه وذمهم على تركه.
# بل هذا أمر واضح لكل عامي حتى النسوان والصبيان; لأنهم يرجعون فيما لا
~~يعلمون إلى العلماء. وليس علم كل عامي بأن ما لا يعلمه من أحكام الله يجب
~~أخذه من العالم، أضعف من علمه بوجوب الصلاة وكونها مثلا أربع ركعات.
# ويدل عليه أيضا: أنه لا شك أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبعوث إلى
~~العالم والعامي، و ليس بعثه مقصورا على العلماء، وأن أحكامه مقررة للفريقين
~~من غير تفرقة بينهما.
# ولا شك أيضا أنه لم يقرر هذه الأحكام لكل أحد حتى من لم يتمكن من الوصول
~~إليها وتحصيلها بعد السعي والاجتهاد، ولم يخصصها أيضا بمن وصلت إليه هذه
~~الأحكام من دون سعي وفحص.
# بل أتى بها وأمر بالفحص عنها فحصا تاما، بمعنى أنا أمرنا بالفحص عن أحكام
~~الرسول; بل وجوب هذا الفحص مما يحكم به العقل القاطع، فمن وصل إليه بعد
~~الفحص فهو حكمه، وإلا فهو معذور، فكل من العلماء والعوام بالفحص مأمور، وفي
~~تركه غير معذور.
# ثم إن الفحص تارة يكون بالفحص ms349 عن مأخذها ومداركها واستنباطها منها بعد
~~فهم المراد منها، وعلاج معارضتها، ورفع اختلالاتها، ورفع شبهاتها، و نحو
~~ذلك.
# وأخرى بالفحص عمن فعل ذلك.
# ومن البديهيات القطعية: أن أمر غير العلماء في زمان من الأزمنة بالفحص
~~بالطريق الأول يوجب العسر الشديد والحرج العظيم واختلال أمر المعاش و تعطيل
~~أكثر الأمور، سيما بعد مرور الدهور.
# فغير العلماء الذين يسهل لهم الاجتهاد ينحصر طريق فحصهم - المكلفين به في
~~جميع الأزمنة - بالسؤال عمن فحص بالطريق الأول، فيكون واجبا عليه.
~~PageV00P543
# وقد يتوهم: أن المرجع في التقليد إلى إفادته الظن.
# وقد بينا فساده في كتاب مناهج الاحكام (1).
# فوائد:
# الأولى:
# اعلم أن هاهنا مسألتين:
# إحداهما: ثبوت ولاية الافتاء للفقيه ووجوب الافتاء عليه كفاية.
# والثانية: وجوب التقليد على العامي.
# وكلتاهما متلازمتان، وجميع الأدلة المذكورة تثبت المسألتين وأدلة لهما.
# والمسألة الأولى متضمنة لحكم الفقيه، فيجب عليه الاجتهاد فيه.
# والثانية لحكم العامي، وحيث لا يجوز له التقليد له في هذه المسألة
~~لاستلزامه الدور، يجب عليه فيها الاجتهاد بنفسه أيضا، وعمله في تلك المسألة
~~باجتهاده.
# وقد يتكلم فيها الفقهاء لأجل تحصيلهم العلم بحكم العامي، ولتقرير حال
~~الاجماع فيها; بل قد يحتاج الفقيه إليها أيضا، حيث يضطر إلى التقليد لضيق
~~الوقت عن الاجتهاد ونحوه.
# ومن ثم أن مستند الفقيه في المسألتين هو الأدلة المذكورة بأجمعها.
# وأما مستند المقلد، ففي الغالب هما الدليلان الأخيران، أي: دليل الاجماع،
~~ودليل بقاء التكليف; وأما غيرهما، فليس من شأن غالب المقلدين الاستناد
~~إليه; لتوقفه على إثبات حجية الآحاد، وعلاج المعارضات، والاجتهاد في وجوه
~~الدلالات ونحوها.
# الثانية:
# كما يجب على العامي الاجتهاد في هذه المسألة، يجب عليه الاجتهاد في
# PageV00P544
# تعيين الفقيه الذي يقلده من بين أصناف الفقهاء من الأصولي والأخباري،
~~والحي والميت، والأعلم وغيره، والمتجزئ والمطلق. وطريق اجتهاده فيه سهل، لا
~~صعوبة فيه، ذكرناه في منهاج تقليد الأموات من كتاب مناهج الاحكام (1)، ولم
~~نذكره هنا; لخروجه عما نحن بصدده.
# الثالثة:
# مورد وجوب الافتاء والتقليد هو الذي يفهمه الفقيه من قول الشارع وينسبه
~~إليه، ويستنبط إرادته من الأمور المتعلقة ms350 بالدين الفرعي، سواء كان حكما
~~شرعيا، أو وضعيا، أو موضوعا، أو محمولا، أو متعلقا له، استنباطيا أو غير
~~استنباطي من حيث هو موضوع أو محمول أو متعلق للحكم الديني، لا مطلقا و
~~بالجملة كل ما يخبره من الأمور الفرعية الدينية.
# مثلا: إذا استنبط الفقيه أن الخمر نجسة، وأن هذه الخمر هي العصير العنبي،
~~وأن نجاستها عبارة عن كونها واجب الاجتناب في الصلاة، فيجب إفتاؤه بذلك،
~~ويجب على مقلده تقليده في ذلك. فيقلده في تعيين الموضوع وهو الاختصاص
~~بالعصير العنبي، وفي معنى المحمول وهو كونه واجب الاجتناب في الصلاة، و في
~~الحكم وهو ثبوت المحمول للموضوع.
# ولا يجوز للمفتي حوالة المقلد في فهم الخمر والنجاسة إلى العرف أو اللغة
~~ولو كانا مخالفين لما فهمه، بعد فهمه أن مراد الشارع من الخمر النجس هو
~~العصير العنبي، ومن النجاسة ما ذكر، إلا إذا استنبط أن مراد الشارع أيضا هو
~~المعنى العرفي، فيفتي بأن الخمر العرفي نجسة عرفا.
# ولو فهم المقلد من الخمر معنا عرفيا، لا يفيده في هذا المقام; إذ لعل
~~للفقيه دليلا على التجوز، أو اختلاف العرفين، أو غير ذلك.
# وإن علم المقلد أنه ليس للفقيه قرينة ولا دليل على هذا التعيين، وأن معه
# PageV00P545
# يجب الرجوع إلى العرف، يكون هو بنفسه مجتهدا في هذه المسألة.
# نعم لو لم يكن الخمر متعلقة لحكم من الشارع، يعمل المقلد فيه بما فهم.
# وكذا إذا حكم الفقيه بأن إناء الذهب غير جائز الاستعمال، وفسر الاناء بما
~~يشتمل المكحلة وظرف المرآة; والاستعمال، بما يشمل رؤية الوجه في المرآة
~~أيضا، فإنه يجب على المقلد قبول الحرمة فيما فسره به، ولا يجوز له أن يقول:
~~لا تقليد في الموضوع; لشمول جميع الأدلة لهذا الاستنباط أيضا، لأنه إخبار
~~عن قول الشارع.
# نعم لو قال الفقيه: إن مراد الشارع الاناء والاستعمال العرفيين، يجب على
~~المقلد قبوله.
# ولو اختلفا حينئذ في فهم المعنى العرفي، لا يجب فيه التقليد; لأنه ليس
~~إخبارا عن قول الإمام، بل قال: إن الامام حرم الاناء العرفي، ولكني ms351 أفهم أن
~~العرف يحكم بكون ذلك إناء، فهذا اختلاف فيما نسب إلى العرف.
# ولو قال المقلد: إني أعلم أن مراد الشارع الاناء العرفي، فهو نفسه يكون
~~مجتهدا في هذه المسألة.
# وبالجملة: الثابت من الأدلة هو وجوب الافتاء والتقليد في جميع ما يحكيه
~~عن الشارع وينسبه إليه من الأمور الشرعية الفرعية من حيث هو هو.
# وأما غير ذلك فلا يجب على الفقيه فيه الافتاء ولا على المقلد القبول ما
~~لم يكن حكما في مقام التخاصم والتنازع، فلا يقبل قوله في غير مقام المرافعة
~~في رؤية الهلال، ووقوع النجاسة في هذا الاناء، ووقوع التذكية على ذلك
~~الجلد، ونحو ذلك مما ليس فيه إخبار عن قول الشارع; لعدم دليل عليه. فإن
~~الاخبار إنما هي واردة في أحكام الأئمة وعلومهم، وقضاياهم ونحو ذلك، ولا
~~يشمل شئ منها مثل رؤية الهلال.
# وبالجملة: جميع الأخبار الآمرة بالرجوع إلى الفقهاء وحكمهم واردة فيما
~~يتعلق بالدعاوي والقضاء بين الخصوم، والفتوى في الأحكام الشرعية.
~~PageV00P546
# ولا يتوهم شمول قوله: (حكمنا) في المقبولة له; لان كون مثل ذلك من
~~أحكامهم ممنوع جدا.
# وأما قوله في التوقيع: (وأما الحوادث الواقعة) إلى آخره، ففيه أن الثابت
~~منه وجوب الرجوع إليهم، وهو مسلم، والكلام فيما يحكم به الفقيه حينئذ، فإنه
~~لا شك في أنه إذا ثبت عند الفقيه الهلال مثلا، وأفتى بوجوب قبول قوله فيه
~~أيضا لكون فتواه كذلك، يجب القبول، وإنما الكلام فيما يفتي به.
# ولا يدل الرجوع إليهم أنهم إذا قالوا: ثبت عندنا الهلال، يجب الصوم أو
~~الفطر، بل هذا أيضا واقعة حادثة، فيجب الرجوع فيها، بأن يسئل عنه أنه إذا
~~ثبت ذلك عندك فما حكمنا؟
# والاجماع والضرورة أيضا غير متحقق فيه، والدليل العقلي المتقدم أيضا لا
~~يجري في غيره; إذ مأخذ هذه الأمور ليس منحصرا بالأدلة الشرعية، الموجب وجوب
~~التفحص عنها العسر والحرج أو التقليد.
# إلا أن ما ذكرنا في القسم الثاني إنما هو من باب الأصل، ويمكن أن يوجد في
~~مورد جزئي دليل على وجوب قبول قول الفقيه، كما استدل ms352 له في مسألة رؤية
~~الهلال بصحيحة محمد بن قيس (1)، ولكنها غير تامة كما ذكرناه في موضعه.
# الرابعة:
# اعلم أن أهل زمان الغيبة بين مجتهد، وغير مجتهد.
# ومرادنا من المجتهد: من كانت له ملكة الترجيح، وقوة الاستنباط من مظان
~~الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية.
# ولا شك في جواز التقليد للثاني، بل وجوبه فيما لم يحتط فيه، بل في أصل
~~الاحتياط أيضا.
# وأما الأول: فإما اجتهد في المسألة فعلا، أو لا.
# PageV00P547
# فعلى الأول: لا يجوز له التقليد إجماعا، ولا يدخل تحت شئ من أدلته أيضا،
~~كما سيظهر وجهه.
# وعلى الثاني: فإما لا يتمكن من الاجتهاد لمانع، من ضيق وقت أو فقد شرط
~~ونحوه، أو يتمكن.
# فعلى الأول: فالظاهر جواز التقليد، بل وجوبه له، لكثير من الأخبار
~~المذكورة ، بل للاجماع والدليل العقلي.
# وعلى الثاني: لا يجوز له التقليد، بل يجب عليه الاجتهاد أو الاحتياط بعد
~~اجتهاده فيه، وكأنه إجماعي أيضا، لأصالة عدم حجية قول الغير، وعدم كونه
~~حكما (1) في حق الغير، وعدم ثبوت الاجماع فيه وعدم جريان الدليل العقلي،
~~لامكان الرجوع إلى الأدلة الشرعية له.
# ولا يتوهم شمول بعض الاخبار لمثل ذلك أيضا; لأنها بين ما لا عموم فيه ولا
~~إطلاق يشمل مثل ذلك، وبين ضعيف غير منجبر في المقام، أو متضمن للعوام، أو
~~الضعفاء، أو الجاهل، أو نحو ذلك مما لا يصدق على مثل ذلك الشخص، أو غير
~~معلوم صدقه، أو مشتمل على أمر دال على الوجوب، المنتفي في حق مثل ذلك قطعا،
~~فيرجع إلى التخصيص.
# وتوهم إمكان إجراء الاستصحاب في حقه ضعيف; لتغير الموضوع، و معارضته مع
~~استصحاب حال العقل.
# ولمسألة الافتاء والتقليد فروع اخر مذكورة في كتب الأصول.
# الخامسة:
# لابد للفقيه المفتي أن يعلم ما يجب فيه الافتاء عليه وما لا يجب.
# فنقول: الفقيه الجامع لشرائط الافتاء في بلد المستفتي أو في مكان لا
~~يتعسر الوصول إليه، إما واحد، أو متعدد.
# PageV00P548
# فإن كان واحدا، فإما يكون وقت السؤال وقت الحاجة إلى السؤال - إما من جهة
~~كونه وقت العمل، أو من ms353 جهة عدم إمكان السؤال وقته مع العلم بأنه يحتاج إليه
~~في وقت - أو لا يكون.
# فعلى الثاني لا يجب على المفتي الجواب; للأصل.
# وعلى الأول: يجب الافتاء إن اجتهد فيه، والاجتهاد ثم الافتاء إن لم
~~يجتهد، إذا اتسع الوقت للاجتهاد، إن كان السؤال مما يجب على المستفتي علمه
~~أو يتضرر بجهله. وبالجملة: إذا كان السؤال عن واجباته ومحرماته، أو عما
~~يدفع ضرر الحاصل به عن نفسه، كما إذا سئل عن خيار الغبن بعد البيع بما فيه
~~غبن.
# ويستحب الجواب إن كان من المستحبات، بل سائر الفتاوى أيضا; لكونه تعليما
~~لمسلم وجوابا عن سؤاله.
# ولا يجب الافتاء في غير ما ذكر من أنواع المعاملات والايقاعات مما لا يجب
~~تعلمه، فلا يجب الجواب عن سؤال من يسأل عن مسقطات خيار الغبن إذا أراد
~~إيقاع المعاملة بوجه يسقطه مثلا، ونحو ذلك.
# وإن كان متعددا - أي باعتقاد المستفتي - فإن علم المفتي إصابته في ذلك
~~الاعتقاد، لا يجب عليه الافتاء عينا أيضا، بل يجب كفاية وإن قال المستفتي
~~أنا أريد تقليدك، إلا فيما إذا تعين له تقليده.
# وكذلك إن علم خطأه مع عدم تقصيره، وإن كان له تنبيهه على خطئه من باب
~~الارشاد والهداية.
# وإن كان لأجل تقصيره في السعي، يجب عليه الافتاء; لأنه يكون الجواب عليه
~~واجبا عينيا.
# وإن لم يعلم خطأه أو إصابته واحتمل كونه مصيبا، لا يجب عليه الافتاء
~~أيضا.
# وإن تعدد المفتون ولم يعرفهم المستفتي، بل اعتقد الانحصار، يجب عليه
~~PageV00P549
# أحد الامرين: من الافتاء، أو الارشاد إلى غيره إن قلنا بالاكتفاء في
~~معرفة المجتهد بإخبار مجتهد آخر.
# وخلاصة المقال: أنه كل ما يجب فيه على المستفتي السؤال يجب على المفتي
~~الجواب، فإن وجب على الأول السؤال من ذلك عينا، يجب عليه الجواب كذلك، وما
~~يجب فيه عليه من أحد الفقيهين، يجب عليه الجواب كفاية.
# وكذا ما يتضرر المستفتي بجهله يجب عليه الجواب إما عينا أو كفاية، ولا
~~يجب في غير ذلك.
# ودليل الكل الاجماع، مضافا في الأولين إلى قوله سبحانه: * (إن ms354 الذين
~~يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك
~~يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) * (1).
# والمروي في الصافي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (من سئل عن علم
~~يعلمه فكتمه، الجم يوم القيامة بلجام من نار) (2).
# ورواه في إحقاق الحق أيضا هكذا: (من علم علما وكتمه، ألجمه الله يوم
~~القيامة بلجام من النار) (3).
# وما رواه في الكافي بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (قرأت
~~في كتاب علي عليه السلام: إن الله لم يأخذ على الجهال عهدا بطلب العلم حتى
~~أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال) (4).
# والأخيرة مخصوصة بالواجبات; لأنها التي أخذ العهد على الجهال بطلبها.
# وأما ما تقدمها وإن كانت عامة، إلا أن صدق الكتمان في الآية الشريفة على
# PageV00P550
# سكوت فقيه عن رأيه في مستحب، أو مباح، أو معاملة، غير معلوم، سيما بعد
~~انتشار الجميع في كتب الأحاديث والفقه، من العربية والفارسية، فإن المنهي
~~عنه: الكتمان المطلق دون الكتمان عن شخص خاص.
# والروايتان اللاحقتان ضعيفتان غير معلوم انجبارهما بعمومهما.
# ومع ذلك روى في الكافي بإسناده عن أبي الحسن موسى عليه السلام، قال: (دخل
~~رسول الله المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل، قال: ما هذا؟ فقيل: علامة،
~~فقال: وما العلامة؟ قالوا: أعلم الناس بأنساب العرب، ووقائعها، وأيام
~~الجاهلية، والاشعار العربية.
# قال: فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ذلك علم لا يضر من جهله ولا
~~ينفع من علمه.
# ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إنما العلم ثلاثة: آية محكمة، أو
~~فريضة عادلة، أو سنة قائمة) (1).
# وفسرت الآية المحكمة: بأصول العقائد التي براهينها الآيات المحكمات،
~~والفريضة العادلة: بفضائل الأخلاق، وعدالتها كناية عن توسطها، والسنة
~~القائمة: بشرايع الاحكام ومسائل الحلال والحرام.
# وروي أيضا بإسناده عن أبي عبد الله عليه السلام يقول: (وجدت علم الناس
~~كله في أربع: أولها أن تعرف ربك، والثاني أن تعرف ما صنع بك، والثالث أن
~~تعرف ما أراد منك، والرابع أن تعرف ما يخرجك عن دينك) (2).
# والمراد ms355 عن الأول واضح، ومن الثاني: علم النفس الانسانية وصفاتها، وما
~~يعود إليه من النشأة الأخروية، وما يوجب شكر المنعم. ومن الثالث:
# الفضائل النفسانية، والأوامر الشرعية. ومن الرابع: الرذائل والنواهي.
# ويخرج من هاتين الروايتين كثير مما تعمه الروايتان المرسلتان المتقدمتان،
~~بل
# PageV00P551
# يمكن أن يقال بعدم خلو المعاني الثلاثة المذكورة في الرواية الأولى عن
~~إجمال، ولأجله يدخل الاجمال في العمومات أيضا، فتأمل.
# ومنها: القضاء.
# فلهم ولاية القضاء والمرافعات، وعلى الرعية الترافع إليهم وقبول أحكامهم.
# ويدل على ثبوتها لهم - مع الاجماع القطعي، بل الضرورة، والقاعدتان
~~الكليتان المتقدمتان - المروي عن كنز الكراجكي، والتوقيع الرفيع، ومقبولة
~~ابن حنظلة، وروايتا أبي خديجة، المتقدمة جميعا في صدر العائدة (1)، والمروي
~~عن العوالي، المتقدم في الافتاء (2).
# ورواية داود بن الحصين عن أبي عبد الله عليه السلام، في رجلين اتفقا على
~~عدلين، جعلاهما بينهما في حكم وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف
~~العدلان بينهما، عن قول أيهما يقضي الحكم؟ فقال: (ينظر إلى أفقههما
~~وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما، فينفذ حكمه ولا يلتفت إلى الآخر) (3).
# ورواية النميري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن رجل يكون بينه
~~وبين أخ له منازعة في حق، فيتفقان على رجلين، إلى أن قال: (ينظر إلى
~~أعدلهما و أفقههما في دين الله فيمضي حكمه) (4).
# والظاهر وجوب القضاء على الفقيه; للاجماع، فإن اتحد في البلد فعينا، و
~~إلا فكفاية، على التفصيل المتقدم في التقليد.
# ولا يصير باختيار المدعي أحد المجتهدين واجبا عينيا عليه وإن كان
~~الاختيار مع المدعي، للأصل، إلا أن يكون بحيث لا يجوز له الرجوع إلى الاخر.
# PageV00P552
# ومنها: الحدود والتعزيرات.
# واختلفوا في ثبوت ولايتها للفقيه في زمن الغيبة.
# فذهب الشيخان (1) إلى ثبوتها له، واختاره الديلمي (2)، والفاضل في كتبه
~~(3)، والشهيدان (4)، وصاحب المهذب (5)، وصاحب الكفاية (6)، والشيخ الحر
~~(7)، بل أكثر المتأخرين (8).
# ونسب إلى المشهور، بل ادعى بعضهم عليه الاجماع في مسألة عمل الحاكم بعلمه
~~في حقوق الله (9).
# ونقل عن الحلي منعها (10).
# وظاهر الشرائع والنافع التردد (11).
# والأول: هو الحق; للقاعدتين المتقدمتين، مضافتين إلى رواية حفص بن غياث،
~~المنجبر ms356 ضعفها - لو كان - بالشهرة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام: من
~~يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟ فقال: (إقامة الحدود إلى من إليه الحكم)
~~(12).
# PageV00P553
# وتؤيده رواية أبي مريم، قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام: أن ما
~~أخطأت القضاة في دم أو قطع، فعلى بيت مال المسلمين) (1).
# ورواية أبي عقبة، الواردة في حكاية أبي عبد الله عليه السلام مع غيلان
~~قاضي ابن هبيرة، وفيها: (يا غيلان ما أظن ابن هبيرة وضع على قضائه إلا
~~فقيها)، قال:
# أجل قال: (يا غيلان تجمع بين المرء وزوجه؟) قال: نعم، قال: (وتفرق بين
~~المرء وزوجه؟) قال: نعم، قال: ((وتقتل؟) قال نعم، قال: (وتضرب الحدود؟)
~~قال: نعم، قال: (وتحكم في أموال اليتامى؟) قال: نعم (2). الحديث.
# وقد يستدل أيضا بالاطلاقات، مثل قوله سبحانه: * (فاقطعوا) * (3) وقوله عز
~~شأنه: * (فاجلدوا) * (4) ونحوهما.
# ويمكن الخدش فيه بعدم معلومية شمول تلك الخطابات لمثل الفقهاء.
# وهل ذلك لهم على سبيل الوجوب أو الجواز؟
# الظاهر من القائلين بثبوت الولاية لهم الأول، حيث استدلوا بإطلاقات
~~الأوامر، وبإفضاء ترك إجراء الحدود إلى المفاسد، وصرحوا بوجوب مساعدة الناس
~~لهم، وهو كذلك; لظاهر الاجماع المركب.
# وقول أمير المؤمنين عليه السلام في رواية ميثم - الطويلة - التي رواها
~~المشايخ الثلاثة، الواردة في حد الزنا: (وإنك قد قلت لنبيك صلى الله عليه
~~وآله فيما أخبرته به من دينك:
# يا محمد صلى الله عليه وآله من عطل حدا من حدودي فقد عائدني وطلب بذلك
~~مضادتي، اللهم وإني غير معطل حدودك، ولا طالب مضادتك، ولا مضيع أحكامك) (5)
~~الحديث.
# PageV00P554
# ويمكن الاستدلال بعموم هذه الرواية على نفس ثبوت هذه الولاية أيضا
~~للفقهاء.
# ثم ما ذكر وإن اختص بالحدود ولكن يتعدى إلى التعزيرات بالاجماع المركب،
~~مضافا إلى أن الظاهر دخول التعزيرات في الحدود أيضا.
# ومنها: أموال اليتامى.
# وثبوت ولايتها للفقهاء الجامعين لشرائط الحكم والفتوى إجماعي، بل ضروري،
~~وحكاية الاجماع وعدم الخلاف فيه مستفيضة، بل متواترة.
# ويدل عليه أولا: الاجماع القطعي.
# وثانيا: الآية الشريفة، وهي قوله سبحانه: * (ولا تقربوا مال اليتيم إلا
~~بالتي هي أحسن) * (1) دلت على ms357 جواز قرب ماله بالتي هي أحسن لكل أحد من
~~الناس، ومنهم الفقهاء، فيجوز لهم قطعا.
# وكذا يجوز قرب غيرهم مع إذن الفقيه أيضا كذلك، وأما بدونه فجوازه من
~~الآية غير معلوم; لجواز أن يكون الأحسن كونه مع إذن الفقيه الذي بيده مجاري
~~الأمور، والمرجع في الحوادث، والحجة والحاكم والقاضي من جانب الامام، و
~~أمين الرسول، وكافل الأيتام، وحصن الاسلام، ووارث الأنبياء وبمنزلتهم، و
~~أعلم بوجوه التصرف، بل يظهر منه عدم جواز قرب الغير بدون إذنه.
# وثالثا: القاعدة الثانية من القاعدتين المتقدمتين.
# وبيانها: أنه لا شك ولا ريب في أن الصغير ممنوع عن التصرف في ماله شرعا،
~~إجماعا ونصا، كتابا وسنة.
# فإما لم ينصب من جانب الله سبحانه أحد لحفظ أمواله وإصلاحه والتصرف فيه
~~فيما يصلحه، أو نصب.
# والأول غير جائز على الحكيم المتقن عقلا، كما صرح به في رواية العلل
# PageV00P555
# المتقدمة أيضا، ويدل عليه استفاضة الأخبار بأن الشارع لم يدع شيئا مما
~~تحتاج إليه الأمة إلا بينه (1) لهم، ولا شك أن هذا أشد ما يحتاجون إليه، بل
~~يبطله في الأكثر نفي الضرر والضرار.
# فتعين الثاني، وهذا المنصوب لا يخلو: إما يكون معينا، أو لا على التعيين،
~~أي كل من كان. وعلى التعيين، إما يكون هو الفقيه، أو الثقة العدل; لعدم
~~القول بتعيين آخر.
# وعلى التقادير الثلاث يكون الفقيه منصوبا، فهو المتيقن والباقي مشكوك
~~فيه، مع أن المرجحات المتقدمة لتعين الفقيه موجودة أيضا.
# ورابعا: الأخبار الكثيرة، كصحيحة ابن بزيع، قال: مات رجل من أصحابنا ولم
~~يوص، فرفع أمره إلى قاضي الكوفة، فصير عبد الحميد القيم بماله، وكان الرجل
~~خلف ورثة صغارا، ومتاعا، وجواري، فباع عبد الحميد المتاع، فلما أراد بيع
~~الجواري ضعف قلبه عن بيعهن، إذ لم يكن الميت صير إليه وصيته، وكان قيامه
~~بهذا بأمر القاضي; لأنهن فروج.
# فذكرت ذلك لأبي جعفر عليه السلام، فقلت له: يموت الرجل من أصحابنا، و لم
~~يوص إلى أحد، وخلف الجواري، فيقيم القاضي رجلا منا لبيعهن، أو قال:
# يقوم بذلك رجل منا، فيضعف قلبه ms358 لأنهن فروج، فما ترى في ذلك القيم؟ قال،
~~فقال: (إذا كان القيم به مثلك أو مثل عبد الحميد فلا بأس) (2).
# وجه الدلالة: أن مثل عبد الحميد إما يراد به في الفقاهة والعدالة، أو
~~العدالة خاصة؟ وعلى التقديرين يجوز التصرف للفقيه. ولا شك أن نصب قاضي
~~الكوفة لا مدخلية في ذلك أيضا.
# وصحيحة ابن رئاب، قال: سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن رجل بيني
~~وبينه
# PageV00P556
# قرابة مات، وترك أولادا صغارا، وترك مماليك، غلمانا وجواري، ولم يوص، فما
~~ترى فيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ وما ترى في بيعهم؟ قال:
# فقال: (إن كان لهم ولي يقوم بأمرهم، باع عليهم، ونظر لهم، وكان مأجورا
~~فيهم).
# قلت: فما ترى فيمن يشتري منهم الجارية يتخذها أم ولد؟ قال: (لا بأس بذلك
~~إذا باع عليهم القيم الناظر لهم فيما يصلحهم، فليس لهم أن يرجعوا فيما صنع
~~القيم لهم الناظر لهم فيما يصلحهم) (1).
# وجه الدلالة: أنها تدل على ثبوت الولاية لغير الأب والجد والوصي، حيث
~~انتفت هذه الثلاثة في المورد، أما الأب والوصي فظاهر، وأما الجد; فلانه
~~أيضا لو كان لكان هو المتولي لأمرهم، لذكره. وبعد ثبوت الولاية لغير
~~الثلاثة تثبت للفقيه بالاجماع.
# وصحيحة إسماعيل بن سعد، عن الرجل يموت بغير وصية وله ورثة، صغار وكبار،
~~أيحل شراء خدمه ومتاعه من غير أن يتولى القاضي بيع ذلك؟ فإن تولاه قاض قد
~~تراضوا به ولم يستعمله الخليفة، أيطيب الشراء منه أم لا؟ قال:
# (إذا كان الأكابر من ولده معه في البيع، فلا بأس به إذا رضي الورثة
~~بالبيع وقام عدل في ذلك) (2).
# وموثقة سماعة، قال سألت أبا عبد الله عليه السلام: عن رجل مات وله بنون و
~~بنات، صغار وكبار، من غير وصية، وله خدم ومماليك وعقد، كيف يصنع الورثة
~~بقسمة ذلك الميراث؟ قال: (إن قام رجل ثقة قاسمهم ذلك كله فلا بأس) (3).
# PageV00P557
# وجه دلالة هاتين الروايتين: أنهما دلتا على جواز بيع العدل وقسمة الثقة،
~~ولا شك في صدقهما على الفقيه الجامع للشرائط.
# والمروي في الفقه ms359 الرضوي أنه قال: (لأيسر القبيلة - وهو فقيهها وعالمها -
~~أن يتصرف لليتيم في ماله فيما يراه حظا وصلاحا، وليس عليه خسران ولا له
~~الربح، والربح والخسران لليتيم وعليه) (1).
# وقد ثبت من هذه الأدلة برمتها ثبوت الولاية للفقيه على الأيتام في
~~أموالهم، بمعنى جواز تصرفه فيها، ونفوذ بيعه وشرائه ومعاملاته، وبها يخرج
~~عن أصل عدم جواز التصرف في مال الغير وعدم نفوذ التصرفات.
# وهاهنا فوائد:
# الأولى: هل هذه الولاية ثابتة مطلقا، أو بعد انتفاء الأب والجد والوصي؟
# الظاهر عدم الخلاف في الترتيب، وأنها مخصوصة بصورة انتفاء هؤلاء، و لم
~~يثبت من الأدلة أزيد من ذلك أيضا.
# أما الاجماع فظاهر.
# وأما الآية; فلعدم معلومية كون قرب الفقيه مع وجود أحد الثلاثة بدون إذنه
~~أحسن.
# وأما الدليل العقلي; فلعدم جريانه مع أحد هؤلاء.
# وأما الرويات، فكلها واردة في صورة فقد الأب، وغير الرضوي في صورة فقد
~~الوصي أيضا; وأما هو وإن شمل بظاهره لصورة وجوده أيضا، إلا أن ضعفه المانع
~~عن العمل به في غير صورة الانجبار يمنع من العمل بعمومه.
# وأما الجد، وإن شملت الروايات بإطلاقها صورة وجوده أيضا، إلا أن أدلة
~~ثبوت الولاية للجد، المذكورة في مظانها، خصصتها بصورة انتفائه، مضافا إلى
# PageV00P558
# كون ذلك الاطلاق مخالفا لعمل الأصحاب شاذا، فلا يكون معمولا به.
# ثم أدلة ثبوت ولاية هذه الثلاثة فذكرها ليس من وظيفة هذا المقام.
# الثانية: الظاهر من صحيحة إسماعيل وموثقة سعد وإن كان جواز التصرف في
~~أموال اليتامى لكل واحد من عدول المسلمين وثقاتهم، وثبوت الولاية له - و
~~مال إليه المحقق الأردبيلي قدس سره في شرح الإرشاد أيضا لهاتين الروايتين
~~(1) - إلا أنه مخالف لعمل الأصحاب الثابت بالتتبع، وحكايات الاجماع على
~~اختصاص جواز التصرف من العدول أو العدل بصورة فقد الفقيه، فلا يكون معمولا
~~به.
# مضافا إلى عدم كون تصرفه أحسن في صورة إمكان الوصول إلى الفقيه، وإلى
~~إشعار الرضوي بل ظهوره في الاختصاص بالفقيه.
# وكذا يشعر به رواية تحف العقول، المتقدمة في صدر العائدة، المصرحة بأن
~~مجاري الأمور بيد العلماء، فالحق ms360 اختصاص الولاية بعد الثلاثة المذكورين
~~بالفقهاء مع وجودهم وعدم تعسر الوصول إليهم.
# الثالثة: بعد ما عرفت من اختصاص الولاية الثابتة - بمعنى جواز التصرف و
~~نفوذ تصرفاته - في الفقيه، تعرف عدم جواز تصرف غيره; لأصالة عدم جواز
~~التصرف في مال الغير بدون وجه مجوز إجماعا ونصا.
# ففي النبوي: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادا ولا لاعبا) (2).
# وفي المروي عن صاحب الزمان عليه السلام: (لا يحل لأحد أن يتصرف في مال
~~الغير بغير إذنه) (3).
# وللنهي في الآية الشريفة عن قرب مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، ولم يعلم
~~كون تصرف غير الفقيه بدون إذنه أحسن، فيكون حراما.
# PageV00P559
# مضافا - في عدم نفوذ معاملات غير الفقيه - إلى الأصل، ومفهوم الشرط في
~~صحيحتي ابن بزيع وابن رئاب، وبعد عدم جواز تصرف الغير ثبت وجوب منع الفقيه
~~له عن التصرف نهيا للمنكر.
# الرابعة: وإذ ثبت عدم جواز تصرف الغير بدون إذن الحاكم ووجوب نهيه إياه
~~عنه، فهل يجب على الحاكم التصرف بنفسه أو الإذن فيه، أم لا؟.
# التحقيق أنه إن كان في معرض التلف وخوف الضرر على الصغير بدونه، يجب
~~للإجماع، وإلا فلا يجب من غير جهة النهي عن المنكر، فلو كان لصغير مال
~~مدفون في موضع مأمون أو محفوظ في بيت، لا يجب على الفقيه التصرف فيه; أو في
~~ذمة شخص مأمون، ونحو ذلك.
# الخامسة: تصرف الفقيه في أموال اليتامى تارة يكون بمجرد الحفظ من التلف،
~~وحكمه ظاهر، وأخرى بنحو الإقراض، والتجارة، والبيع، والشراء، والصلح،
~~ونحوها.
# ولا كلام في الأول.
# وأما الثاني، فلا شك في جوازه، والأخبار المتقدمة تدل عليه، ولكنه مخصوص
~~بصورة انتفاء المفسدة فيه، وإلا فلا يجوز; للإجماع، وقوله سبحانه: * (ولا
~~تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) * (1).
# وهل يكفي عدم المفسدة، أو يشترط وجود المصلحة؟ الظاهر الثاني; للآية
~~الشريفة، فإن المراد بالأحسن: إما الأحسن من جميع الوجوه، أو من تركه - كما
~~قيل (2) - ومع عدم المصلحة لا يكون أحسن بشئ من المعنيين.
# وكذلك يدل عليه قوله: (ونظر لهم) في صحيحة ابن رئاب المتقدمة، ms361 فإن معنى
~~النظر لهم: ملاحظة نفعهم ومصلحتهم، بل مفهوم الشرط في قوله: (إذا
# PageV00P560
# باع) إلى الآخر، يدل على ثبوت البأس الذي هو العذاب إذا لم يكن البيع ما
~~يصلح لهم.
# فإن قيل: هذا إذا كان (ما يصلحهم) متعلقا بقوله (باع أو صنع)، ولو تعلق
~~بالناظر، لم يفد ذلك المعنى.
# قلنا: يكفي الاحتمال الأول، إذ معه يحصل الإجمال، وبهذا المجمل يخصص
~~مطلقات جواز بيع الحاكم، فلا يكون حجة في موضع الإجمال، فلا يكون دليل على
~~جواز البيع في موضع عدم المصلحة.
# وهل يكفي تحقق المصلحة، أو يجب مراعاة الأصلح مهما أمكن وتيسر؟
# فلو كانت مصلحة في بيع ملكه، وكانت قيمته مائة، وله من يشتريه بهذه
~~القيمة، ويشتريه غيره بمائة وعشرين، هل يجوز بيعه بالمائة، أم لا؟ الظاهر
~~الثاني; لعدم معلومية كون البيع بالمائة حينئذ مصلحة عرفا. سلمنا، ولكن لا
~~شك أنه ليس بأحسن.
# فإن قيل: فلعل المعنى: الأحسن من الترك لا من جميع الوجوه.
# قلنا: المخصص بالمجمل المتصل حجة في غير ما علم خروجه وتخصيصه، و لم يعلم
~~خروج الأحسن من الترك خاصة، فيكون منهيا عنه.
# فإن قيل: إطلاق صحيحة ابن رئاب وسائر المطلقات المتقدمة يكفي في إثبات
~~جواز البيع بالصالح ولو لم يكن أصلح.
# قلنا: الآية لها مخصصة، مع أنه قد عرفت الإجمال في الآية، والمخصص
~~بالمنفصل ليس بحجة في مقام الإجمال، فلا يكون المطلقات حجة في مقامه.
# ولا يخفي أن ذلك إنما هو فيما إذا تصرف بأحد الأمرين مجددا، وأما لو لم
~~يتصرف أصلا تصرفا جديدا، فلا يجب ملاحظة الأصلحية; لعدم دلالة الآية.
# فلو ضبط المال في مكان محفوظ، أو في يد أمين، وأراد أحد الاتجار به، لا
~~يجب دفعه إليه ولو مع المصلحة، إذ لا يقرب حينئذ حتى يجب مراعاة الأصلح.
# نعم، لو دفعه حينئذ إلى أحد الشخصين يجب مراعاة الأصلح، وكذا PageV00P561
# لو اشترى أحد ملكه بأضعاف قيمته، وكانت فيه المصلحة لم يجب. نعم لو باعه
~~تجب مراعاة الأصلح.
# وهل يجب على الفقيه إجارة ضياعه ونحوها مما له ms362 غلة ونفع؟. الظاهر نعم
~~فيما يعد تركه ضررا، وهو ما ثبتت اجرة مثله على متصرفه إذا كان له راغب
~~إجارة; لأن تركه إتلاف وإضرار عرفا.
# ومنها: أموال المجانين والسفهاء فإن ولاية أموالهم مع الحاكم إذا لم يكن
~~لهم ولي آخر.
# بيان ذلك: أن المجنون بجميع فنونه، والسفيه ببعض أقسامه - أي من ليس له
~~ملكة إصلاح المال، أو له ملكة إفساده - ممنوعان من التصرف فيه بالإجماع
~~القطعي المحقق والمحكي متواترا.
# ويدل عليه مع الاجماع: الكتاب والسنة.
# قال الله سبحانه: * (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) * (1)، وقال سبحانه: *
~~(فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) * (2).
# وفي موثقة ابن سنان: (وجاز أمره، إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا)، فقال:
# وما السفيه؟ فقال: (الذي يشتري الدرهم بأضعافه)، قال: وما الضعيف؟ قال:
# (الأبله) (3).
# وفي صحيحة عيص قال: سألته عن اليتيمة متى تدفع إليها مالها؟ قال: (إذا
~~علمت أنها لا تفسد ولا تضيع) (4).
# وفي صحيحة هشام بن سالم: (وإن احتلم ولم يؤنس منه رشد، وكان
# PageV00P562
# سفيها أو ضعيفا، فليمسك عنه وليه ماله) (1).
# وفي رواية أبي بصير: (فإن احتلم ولم يكن له عقل، لم يدفع إليه شيئا أبدا)
~~(2). إلى غير ذلك.
# ثم وليهما ومن له التصرف في أموالهما - حيث لم يكن ولي آخر من أب أو جد
~~أو وصي - وفيما لهم الولاية - كما حقق في كتب الفروع - الحاكم، بدليل
~~الاجماع المقطوع به، وللقاعدة الثانية من القاعدتين المتقدمتين.
# بيانه: أن بعد حجر الشارع عليهما ومنعهما من التصرف في أموالهما، لا بد
~~وأن يقيم مقامهما قيما ووليا لهما، يحفظ أموالهما بحكم العقل والشرع، كما
~~تشعر به رواية العلل المتقدمة (3)، ونفي الضرر (4)، والعلة المعلومة من
~~منعهما عن التصرف (5)، والمستفاد من قوله في صحيحة هشام المتقدمة: (فليمسك
~~عنه وليه ماله).
# وثبوت الولاية للحاكم، حيث لا دليل على ولاية غيره، متيقن، إذ كل من
~~يحتمل كونه وليا يدخل فيه الحاكم ولا عكس.
# وأيضا صرح في رواية التحف المتقدمة (6) (إن على يده مجاري الأمور) التي
~~منها ذلك الامر.
# وصرح في النبوي (بأن السلطان ولي من ms363 لا ولي له) (7).
# PageV00P563
# والحاكم: إما سلطان إن أريد منه من له السلطنة الشرعية من الله.
# أو خليفته ووارثه وبمنزلته وحجته وأمينه - كما مر في الأخبار المتقدمة -
~~إن حمل على النبي والامام، فيكون هو وليهما وقيمهما في أموالهما على أن بعد
~~ثبوت ولاية السلطان تثبت ولايته بحكم القاعدة الأولى.
# وهل تنحصر ولايته في الحفظ والاصلاح، أو يجوز له التصرف فيها على نحو
~~التصرف في أموال الأيتام من البيع والشراء والتجارة والتبديل، وسائر أنواع
~~التصرفات على الوجه الأصلح؟
# ظاهر الأصحاب الثاني، بل الظاهر أن عليه الاجماع البسيط والمركب من
~~وجهين:
# أحدهما: عدم الفصل بين الحفظ وسائر التصرفات المصلحة.
# وثانيهما: عدم الفصل بين أموالهما وأموال اليتامى.
# ومنها: أموال الغيب.
# والتحقيق: أن الغياب على ثلاثة أقسام:
# الأول: الغائب عن بلده، المعلوم خبره وناحيته، والمتوقع رجوعه عادة و
~~عرفا، والمظنون إيابه ولو باستصحاب البقاء، والمتمكن من رجوعه أو توكيله
~~ولو بالكتابة ونحوها، كالمسافرين للتجارة والزيارة والحج ونحوها (1).
# الثاني: الأول إلا أنه غير متمكن من استخبار أحواله، والتصرف في أمواله،
~~ولو لبعد مسافة، وامتداد مدة، أو حبس، ونحوه.
# الثالث: الغائب المفقود خبره.
# وللحاكم القضاء على كل من الأنواع الثلاثة، وبيع ماله لقضاء دينه المعجل
~~بعد مطالبة الدائن إن لم يمكنه التخلص بوجه آخر بلا عسر وحرج، كما حقق في
# PageV00P564
# كتاب القضاء من الفروع.
# ويدل عليه: مرسلة جميل عنهما عليهما السلام قالا: (الغائب يقضى عليه إذا
~~قامت عليه البينة، ويباع ماله ويقضى دينه، وهو غائب) (1) الحديث.
# وإن أمكنه التخلص بوجه آخر من غير عسر، فالظاهر التخيير; لإطلاق المرسلة.
# وأما الولاية في أموالهم على الإطلاق، فإن كان الغائب من القسمين
~~الأولين، فلا ولاية للحاكم من حيث هو حاكم على ماله من حيث هو غائب; للأصل
~~والاجماع. فليس له استيفاء حقوقه ومطالبته بما حل أجله من مطالباته و إجارة
~~ضياعه، ونحو ذلك.
# نعم، لو كان مال منه في معرض الهلاك ومشرفا على التلف، ومنه منافع ضياعه
~~وعقاره، يجوز حفظه إجماعا; ولقوله سبحانه: * (وما على المحسنين من سبيل) *
~~(2); وللإذن الحاصل ms364 بشاهد الحال، بل قد يجب كفاية على كل من اطلع عليه.
~~وليس ذلك من باب الولاية، لعدم ثبوت الولاية عليهما، بل لحفظ حقوق الاخوة،
~~وإعانة البر.
# وإن كان من القسم الثالث، فظاهر سيرة العلماء وطريقتهم، والمصرح به في
~~كلام جماعة، ثبوت ولاية الحاكم في أمواله، بل الظاهر أنه إجماعي، فهو
~~الدليل عليه، مضافا إلى القاعدة الثانية من القاعدتين.
# وهل ولايته فيها منحصرة بالحفظ، أو له أنواع التصرفات من جهة المحافظة
~~ومراعاة المصلحة فيها ولو بالبيع والتبديل; أو له التصرفات النافعة، كالبيع
~~مع المصلحة بدون مفسدة في الترك؟ الظاهر الأول; للأصل، فتأمل.
# PageV00P565
# ومنها: الأنكحة.
# فإن للحاكم ولاية فيها في الجملة إجماعا، وإن اختلفوا في مواردها.
# وتحقيق الكلام في المقام: أنه لا خلاف في عدم ثبوت ولاية له في النكاح
~~على غير الصغيرين والمجنونين والسفيهين، وإنما الكلام في هذه الثلاثة.
# ونذكرها في مسائل ثلاث:
# الأولى: في الصغيرين الخاليين عن الأب والجد، والمشهور عدم ثبوت ولاية
~~النكاح عليهما للحاكم (1)، ونسبه في الحدائق إلى الأصحاب، مؤذنا بدعوى
~~الاجماع (2)، واحتمل الاجماع جماعة (3).
# وقال صاحب المدارك في شرح النافع: إنه المعروف من مذهب الأصحاب (4).
~~انتهى.
# وتنظر في ذلك صاحب المسالك (5)، وبعض آخر ممن تأخر عنه (6).
# والحق هو الأول; للأصل، ومفهوم الشرط في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر
~~(عليه السلام): في الصبي يتزوج الصبية يتوارثان؟ قال: (إذا كان أبواهما
~~اللذان زوجاهما فنعم) (7).
# والأخرى: عن الصبي يزوج الصبية؟ قال: (إن كان أبواهما اللذان زوجاهما
~~فنعم جائز) (8).
# PageV00P566
# واشتمال ذيل الأخيرة على إثبات الخيار غير ضائر; لأن خروج جزء من الخبر
~~عن الحجية لا يضر في الباقي.
# ورواية داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها: (واليتيمة في
~~حجر الرجل لا تزوج إلا برضاها) (1).
# والاستدلال بالأخيرة، بناءا على أن يحمل على أنه: إلا برضاها في زمان
~~يعتبر رضاها، أي بعد البلوغ. ولو حملت اليتيمة على البالغة - كما في قوله
~~سبحانه: * (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا) *
~~(2) - مجازا، لخرجت عن المسألة.
# وما يمكن ms365 أن يستدل به للثبوت - ولأجله تنظر فيه من تنظر -: النبوي
~~المشهور:
# (السلطان ولي من لا ولي له) (3) بضميمة عموم النيابة المتقدم ثبوته; و
~~صحيحة ابن سنان: (الذي بيده عقدة النكاح هو ولي أمرها) (4)، ولا شك أن
~~الحاكم ولي أمر الصغيرين. وسائر الأخبار الواردة في بيان من بيده عقدة
~~النكاح وعد ولي الأمر منه.
# ورواية زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: (إذا كانت المرأة مالكة
~~أمرها، تبيع وتشتري وتعتق وتشهد وتعطي مالها ما شاءت، فإن أمرها جائز، تزوج
~~إن شاءت بغير إذن وليها، وإن لم تكن كذلك، فلا يجوز تزويجها إلا بأمر
~~وليها) (5).
# PageV00P567
# وصحيحة الفضلاء عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (المرأة التي ملكت نفسها
~~غير السفيهة ولا المولى عليها، إن تزويجها بغير ولي جائز) (1).
# وصحيحة ابن يقطين أتزوج الجارية، وهي بنت ثلاث سنين، أو يزوج الغلام، وهو
~~ابن ثلاث سنين؟ وما أدنى حد ذلك الذي يزوجان فيه؟ فإذا بلغت الجارية فلم
~~ترض فيما حالها؟ قال: (لا بأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليها) (2).
# ويرد على الأول بقبول ولاية السلطان والحاكم، وإنما الكلام في جواز عقد
~~كل ولي ونكاحه، وما الدليل عليه.
# والصحيحة بمعارضته مع المفهومين بالعموم والخصوص من وجه، حيث إن
~~المفهومين واردان في غير الأب، وليا كان أو لا والصحيحة واردة في الولي،
~~أبا كان أو غيره فيرجع إلى الأصل لولا ترجيح المفهومين بالشهرة، بل مخالفة
~~العامة.
# بل المفهومان أخص مطلقا من الصحيحة; لاختصاصهما بالصغيرين، و عموم
~~الصحيحة، فيجب تقديم الخاص مضافا إلى ما سيأتي في رد الاستدلال بالصحيحة في
~~المسألتين الآتيتين.
# وبمثله يرد الاستدلال بسائر الأخبار الواردة في بيان من بيده عقدة
~~النكاح، مضافا إلى ورودها جميعا في المرأة، فيخرج عن المسألة.
# وهو الجواب عن رواية زرارة وصحيحة الفضلاء، مضافا إلى ما يأتي في رد
~~الاستدلال بهما في المسألتين الآتيتين.
# والصحيحة الأخيرة بالشذوذ الموجب للخروج عن الحجية، مضافا إلى معارضتها
~~مع موثقة أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن غلام وجارية
# PageV00P568
# زوجهما وليان لهما، ms366 وهما غير مدركين، فقال: (النكاح جائز، وأيهما أدرك
~~كان له الخيار، وإن ماتا قبل أن يدركا، فلا ميراث بينهما ولا مهر، إلا أن
~~يكونا قد أدركا ورضيا). إلى أن قال: قلت: فإن كان أبوهما هو الذي زوجها قبل
~~أن تدرك، قال: (يجوز عليها تزويج الأب، ويجوز على الغلام، والمهر على الأب
~~للجارية) (1).
# دلت على عدم نفوذ نكاح غير الأب من أولياء الصغيرة، فتعارض الصحيحة
~~المتقدمة، وكذا تعارضها رواية داود المتقدمة، ويرجع إلى الأصل المتقدم.
# الثانية: في المجنونين البالغين، وثبوت ولاية النكاح عليهما للحاكم فيما
~~إذا لم تثبت ولاية الغير - من أب أو جد أو وصي - مصرح به في كلام أكثر
~~المتأخرين، كالشرائع، والنافع (2)، والقواعد، والتذكرة، والتلخيص،
~~والتبصرة، والارشاد، والتحرير (3)، وشرح القواعد للمحقق الثاني (4)،
~~واللمعة والروضة (5)، و كنز العرفان (6)، والكفاية (7)، والمفاتيح وشرحه
~~(8)، والحدائق (9)، وغيرها، بل الظاهر أنه متفق عليه بين المتأخرين.
# وفي كلام كثير منهم دعوى الشهرة عليه (10)، وفي كلام بعضهم نفي
# PageV00P569
# الخلاف (1)، وفي آخر دعوى الاجماع (2)، ولكن الكل يشترطونه بالصلاح.
# وجماعة كالمبسوط، والارشاد، والتحرير، والمحقق الشيخ علي، والفاضل الهندي
~~وشارح المفاتيح، يشترطونه بالحاجة والضرورة، بل يظهر من الشيخ علي ادعاء
~~الاجماع على اشتراطه (3).
# وكلمات أكثر القدماء خالية عن ذكر ولاية الحاكم على النكاح، بل يظهر من
~~كثير من مصنفاتهم انتفاؤها، كالفقيه، والخلاف، والمبسوط، والنهاية،
~~والتبيان، والجامع، والوسيلة، والغنية، وغيرها (4).
# والحق ثبوت ولايته في النكاح عليهما فيما لم يثبت ولاية غيره، بشرط مسيس
~~الحاجة، ودعاء الضرورة، وعدمه ما لم يكن كذلك.
# أما الأول; فللقاعدة الثانية من القاعدتين الكليتين المذكورتين، المؤيدة
~~بمظنة الاجماع.
# وأما الثاني; فللأصل السالم عن المعارض، إذ ليس شئ هنا يوهم الولاية، سوى
~~النبوي المصرح بأن: (السلطان ولي من لا ولي له)، وقد عرفت ما فيه. (5).
# وأخبار (من بيده عقدة النكاح) (6)، وسيأتي ما يرد عليها (7).
# PageV00P570
# ورواية زرارة السابقة (1)، حيث دلت بمفهوم الاستثناء على جواز تزويج من
~~لم تكن كذلك بأمر وليها.
# وفيه: أنه إنما يتم لو كان لفظ التزويج فيها مضافا إلى المفعول، أي يكون
~~الضمير الراجع إلى المرأة ms367 مفعولا به (2)، وأما لو كان فاعلا، كما هو
~~المحتمل بل الأظهر سيما على نسخة (تتزوج) مكان (تزوج)، والأنسب بقوله: (فإن
~~أمرها جائز)، فلا يتم، إذ لابد من تخصيص الرواية حينئذ بالسفيهة دون
~~المجنونة، إذ المجنونة لا اعتبار بفعلها (3)، ولا يجوز لها تزويج نفسها، لا
~~بأمر الولي ولا بدونه، ولا يعبأ بقولها.
# الثالثة: في السفيهين بمعنى خفيفي العقل، الشامل لمن ليس له أهلية إصلاح
~~المال أيضا.
# وقد وقع الخلاف في ثبوت ولاية الحاكم في النكاح لها مع عدم ولي آخر،
~~وعدمه، في كلمات المتأخرين.
# وأما القدماء، فكلام من عثرت على كلامه خال عن ذكر ولاية الفقيه على
~~السفيهة والسفيه بالمرة، كالصدوق، والمفيد، والشيخ، وأبناء زهرة وحمزة و
~~إدريس، والحلبي، والديلمي، ويحيى بن سعيد. بل ظاهر بعضهم كالصدوق في
~~الفقيه: العدم (4). بل ظاهر الخلاف، والتبيان: ادعاء الاجماع على اختصاص
~~ولاية النكاح بالأب والجد (5).
# وأما المتأخرون، فقد اختلفوا فيه، فذهب المحقق في الشرائع، والفاضل في
# PageV00P571
# القواعد والتحرير والارشاد إلى عدم ثبوت الولاية أصلا، وصحة عقده بنفسه
~~لو أوقعه بدون إذن الولي، كما صرحوا به جميعا في مسألة نكاح المحجور عليه
~~(1)، و إن كان لهم كلام في المهر.
# وذهب جمع آخر - كما في التذكرة، ونكت الارشاد، والمسالك، و شرح القواعد
~~للمحقق الشيخ علي (2) - إلى ثبوت الولاية، لا بمعنى استقلال الحاكم في
~~تزويجهما، بل بمعنى عدم استقلالهما، وتوقف صحة نكاحهما على إذن الحاكم، وإن
~~لم يجز للحاكم تزويجهما بنفسه أيضا.
# وأما بمعنى استقلال الحاكم، فلم أر مصرحا به، وربما ينسب إلى المحقق
~~الشيخ علي في كتاب الحجر من شرح القواعد، وليس كذلك، بل كلامه فيه أعم من
~~الولاية الاستقلالية وغيرها (3).
# وصرح في موضع آخر بعدم الاستقلال، قال: لا ريب أن السفيه لا يجبر على
~~النكاح; لأنه بالغ عاقل، ولا يجوز له الاستقلال; لأنه لسفهه وتبذيره محجور
~~عليه شرعا، ممنوع من التصرفات المالية (4).
# انتهى.
# والحق هو الثاني، أي ثبوت الولاية بمعنى توقف صحة العقد على إذن الحاكم،
~~ولا يستقل الحاكم في الولاية على النكاح، أي ليس ms368 وليا إجباريا (5).
# أما عدم استقلال الحاكم وتوقف النكاح على إذن السفيه أو السفيهة أيضا،
~~فللأصل السالم عن المعارض، بل ظاهر الاجماع، وإطلاق قوله سبحانه: * (فإذا
~~بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف) * (6)، وقوله
# PageV00P572
# سبحانه: * (حتى تنكح زوجا غيره) * (1).
# والنصوص المستفيضة، كصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: (تستأمر البكر وغيرها، ولا تنكح إلا بأمرها) (2).
# وصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام: (لا تستأمر الجارية إذا
~~كانت بين أبويها، ليس لها مع الأب أمر)، وقال: (يستأمرها كل أحد ما عدا
~~الأب) (3).
# ورواية إبراهيم بن ميمون عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها: (وإذا كانت
~~قد تزوجت، لم يزوجها إلا برضى منها) (4).
# وموثقة البقباق، عن أبي عبد الله عليه السلام: (وأما الثيب فإنها تستأذن
~~وإن كانت بين أبويها، إذا أرادا أن يزوجاها) (5).
# ومرسلة الكافي: عن رجل يريد أن يزوج أخته: (قال يؤامرها فإن سكتت فهو
~~إقرارها وإن أبت لا يزوجها)، ورواه في الفقيه بطريق صحيح، وزاد في آخرها:
~~(فان قالت: زوجني فلانا فليزوجها ممن ترضى) (6).
# وموثقة الحذاء المتقدمة (7)، حيث دلت على كفاية رضى غير المدركين بعد
~~الادراك مطلقا، مضافا إلى أن الغالب في أوائل الادراك السفاهة.
# ورواية داود بن سرحان المتقدمة (8)، فإنها بكلا احتماليها تدل على
~~المطلوب.
# PageV00P573
# ورواية يزيد الكناسي، وفيها: (فإذا بلغت تسع سنين جاز لها القول في نفسها
~~بالرضى والتأني، وجاز عليها بعد ذلك) (1).
# ورواية محمد بن هاشم عن أبي الحسن عليه السلام، قال: (إذا تزوجت البكر
~~بنت تسع سنين فليست مخدوعة)) (2).
# وصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام: أنه قال في المرأة الثيب
~~تخطب إلى نفسها، قال: (هي أملك بنفسها، تولي أمرها من شاءت) (3).
# وصحيحة البزنطي، قال: قال أبو الحسن عليه السلام: (والثيب أمرها إليها)
~~(4)، إلى غير ذلك.
# وصحيحة زرارة، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام قال: (لا ينقض النكاح إلا
~~الأب) (5).
# ومثلها موثقة محمد بن محمد (6).
# وجه الدلالة: أنه لو تزوجت البالغة حد التسع، الفاقدة للأب والجد، بدون
~~إذن ms369 الحاكم، لم يكن للحاكم نقضه; لحصرهم عليهم السلام جواز النقض بالأب،
~~فإذا لم يكن نقضه جائزا كان صحيحا. إلى غير ذلك من الاخبار.
# وأما الثاني: أي توقف صحة تزويج السفيهين على إذن الولي فلصحيحة الفضلاء
~~المتقدمة (7) الدالة بالمفهوم على عدم جواز تزويج السفيهة بغير ولي. و
# PageV00P574
# رواية زرارة المتقدمة (1)، المصرحة بأنه لا يجوز تزويجها إلا بأمر وليها.
# ومقتضى الجمع بينهما وبين الأخبار المتقدمة، إيقاع النكاح بإذن المولى
~~عليه والولي معا.
# ولا تنافي بين هاتين الروايتين وبين الأخبار المتقدمة، سوى صحيحة الحلبي
~~وما بعدها.
# وأما صحاح الحلبي والبزنظي وزرارة، وإن تعارض تلك الروايتين، إلا أنهما
~~أخص مطلقا من الثلاثة; لاختصاصهما بالسفيهة. وشمولها للبكر لا يوجب جهة
~~عموم; لأنها غير ملحوظة فيهما قطعا. وكذا تختص بالولي، و صحيحة زرارة تعم
~~غير الأب مطلقا.
# احتج النافي للولاية مطلقا الأصل، وأنه ليس في نفسه من التصرفات المالية،
~~فإن المهر غير لازم في العقد بنفسه، والنفقة تابعة كتبعية الضمان للإتلاف.
# وجوابه: أن الأصل مندفع بما مر، والدليل الآخر اجتهاد في مقابلة الحديث.
# ودليل الولاية الاستقلالية - لو كان به قائل - يمكن أن يكون أمورا:
# أحدها: التلازم بين ولاية المال وولاية النكاح.
# وجوابه: منع التلازم كما في المفلس والمفقود والصغيرين.
# وثانيها: مسيس الحاجة إلى ولايته عليهما.
# وفيه: أنه فرع ثبوت حجرهما ومنعهما عن النكاح مطلقا، وعدم جواز تزويجهما
~~نفسهما عند الحاجة، ولم يثبت.
# وثالثها: النبوي: (السلطان ولي من لا ولي له) (2).
# PageV00P575
# وجوابه: أن معناه أنه ولي من لا ولي له ويحتاج إلى الولي، لا أنه ولي من
~~لا ولي له سواء كان محتاجا إلى الولي أم لا.
# ورابعها: أنه تصرف مالي، أما من جهة الرجل فظاهر، وأما من جهة المرأة;
~~فلأنها تجعل البضع في مقابل الصداق، وهو ملحق بالأشياء المتقومة.
# وجوابه: منع كونه ماليا من جهة الزوجة، وإنما هو اكتساب، وهو ليس ممنوعا
~~منه، ولو كان كذلك لزم عدم صحة خلع السفيه وأخذ مال الخلع، وهو خلاف
~~الاجماع المصرح به.
# وخامسها: صحيحة الفضلاء المتقدمة (1).
# وجوابه: عدم الدلالة ms370 بوجه من الوجوه، غايته عدم جواز تزويج السفيهة بغير
~~ولي، وهو أعم من الولاية الاستقلالية.
# وسادسها: رواية زرارة السابقة (2)، دلت بالمفهوم على جواز تزويجها بأمر
~~الولي سواء أذنت السفيهة أم لا.
# وجوابه: أنه إنما يتم لو كان إضافة التزويج إلى الضمير المؤنث إضافة إلى
~~المفعول، ولو كان من باب الإضافة إلى الفاعل - كما هو الأظهر - لم يدل على
~~المطلوب، بل يدل على ثبوت الولاية الاشتراكية.
# مضافا إلى أنه لا عموم ولا إطلاق في مفهوم الاستثناء، أي الحكم الايجابي;
~~لان المقصود من الجملة الاستثنائية هو الحكم السلبي، أما الايجابي فمقصود
~~في الجملة، فيكون من باب المطلق الوارد في مقام حكم آخر، كما هو المتبادر
~~عرفا.
# وعلى هذا فيكون مفاد المفهوم: جواز التزويج مع إذن الولي في الجملة،
~~فيمكن أن يكون هو فيما إذا أذنت السفيهة أيضا، كما هو قول جمع كثير من
~~الفقهاء.
# PageV00P576
# مع أنه على فرض الدلالة معارض مع الأخبار المتقدمة الدالة على استئمار
~~البالغة بالعموم من وجه، الموجب للرجوع إلى الأصل.
# وسابعها: صحيحة ابن سنان، السالفة (1).
# وجوابه أولا: بالمعارضة المذكورة الموجبة للرجوع إلى الأصل، حيث إن
~~الصحيحة وإن اختصت بالولي إلا أنها شاملة للصغيرة والمجنونة وغيرهما.
# والأخبار المتقدمة وإن اختصت بالبالغة العاقلة إلا أنها شاملة للولي
~~وغيره.
# وثانيا: أنه كما يمكن أن يكون المراد تعريف من بيده عقدة النكاح، يمكن أن
~~تكون واردة في بيان تعريف ولي الأمر، وادي بلفظ (من بيده عقدة النكاح)
~~اقتباسا من كلام الله سبحانه، بل هو الظاهر والأصل بمقتضى القواعد الأدبية
~~في القضايا الحملية، فإن الأصل والظاهر فيها إثبات المحمولات المجهولة
~~للموضوعات المعلومة، لا إثبات الموضوعات المجهولة للمحمولات المعلومة.
# وعلى هذا فيكون المعنى: كل من كان بيده عقدة النكاح كان بيده ولاية
~~المال، دون العكس. ومطلوبهم إنما يثبت على الثاني دون الأول، وليس في كلام
~~الراوي سؤال حتى يقال بتعيين العكس بقرينة السؤال.
# فإن قيل: يدل حينئذ على أنه ليس عقدة النكاح بيد غير الولي ومنه السفيهة
~~بنفسها، فإذا لم تكن العقدة بيدها، تكون ms371 بيد وليها لا محالة.
# قلت: هذا كلام سخيف، إذ الصغيرة الخالية عن الأب والجد ليست بيدها عقدة
~~النكاح ولا بيد ولي أمرها.
# وأيضا الاشتراك غير كون النكاح بيده، فيمكن أن تكون السفيهة شريكة مع
~~الولي. ولو كانت الشركة أيضا موجبة لصدق أن النكاح بيده، لجرى ذلك في الولي
~~أيضا.
# مع أنه لو كان المراد بيان من بيده عقدة النكاح، لكان هو الولي الذي بيده
# PageV00P577
# العفو عن الصداق لا مطلقا، كما يستفاد من الآية الشريفة (1)، وصرحت به
~~الأخبار المستفيضة، كصحيحة رفاعة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن
~~الذي بيده عقدة النكاح، فقال: (الولي الذي يأخذ بعضا ويدع بعضا، وليس له أن
~~يدع كله) (2) وغيرها.
# وعليه الإجماع في كلام الفاضل الهندي (3)، وصاحب الكفاية (4)، ونقله
~~الأول عن الخلاف والمبسوط (5).
# وقال في التبيان، ومجمع البيان، وروض الجنان للشيخ أبي الفتوح، وفقه
~~القرآن للراوندي: إنه المذهب (6).
# والذي بيده العفو هو الأب والجد، أو مع الوصي والوكيل للرشيدة لا غير،
~~كما في مجمع البيان; مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و كنز العرفان ناسبا له إلى
~~أصحابنا (7)، وفي التحرير والقواعد وشرحه (8) والروضة والشرائع المسالك
~~(9)، وغيرها. ويدل عليه الأخبار المستفيضة أيضا (10).
# وثامنها: مفاهيم الأخبار المصرحة بأنها إذا كانت مالكة أمرها تزوجت
# PageV00P578
# من شاءت (1).
# وفيه أولا: المعارضة المذكورة.
# وثانيا: أن غايتها أن مع عدم مالكية الامر لا تتزوج من شاءت، لا أن الولي
~~يزوجها من شاء; لجواز أن لا يكون تزويجها بيد أحد، أو يكون موقوفا بإذنها و
~~إذن الولي.
# ومنه يظهر الجواب عن الاستدلال بالعامي المتضمن لقوله: (لا نكاح إلا
~~بولي)) (2)، وما بمعناه.
# ويؤيد المطلوب أيضا: تصريح جماعة من الأصحاب باختصاص الولاية الإجبارية -
~~أي الاستقلالية - في النكاح بالأب والجد، بحيث تظهر منه مسلمية القاعدة.
# قال المحقق الشيخ علي: وغير الأب والجد لا يملك الاجبار. وقال في موضع
~~آخر: وولاية الاجبار لا تثبت لغير الأب والجد (3).
# وقال الفاضل الهندي: إلا أنه لا يكفي في إثبات الولاية للحاكم، فإنه لا
~~يملك الاجبار (4).
# ويؤيده أيضا: اكتفاء العلماء طرا في شرائط ms372 المتزوجين بالبلوغ والعقل
~~والحرية في باب النكاح، وتفريعهم عليه عدم صحة عقد الصبي والصبية والمجنون
~~والمجنونة والسكران فقط، من غير تعرض لذكر السفيه أصلا; وتفريعهم عدم صحة
~~التصرفات المالية من السفيه في باب المعاملات على اشتراط الرشد.
# PageV00P579
# ومنها: ولاية الأيتام والسفهاء في إجارتهم واستيفاء منافع أبدانهم مع
~~ملاحظة المصالح.
# للإجماع، ولأن في انتفائها ضررا عليهم، وهو منفي في الشريعة. وفي عموم
~~بعض الأخبار المتقدمة في أمور الأيتام شمول لذلك أيضا، كالرضوي (1)، و
~~صحيحة ابن رئاب (2).
# ومنها: استيفاء حقوقهم المالية وغيرها.
# كحق الشفعة، والفسخ بالخيار، ودعوى الغبن، والإحلاف، ورد الحلف، وحق
~~القصاص في الدم، والجنايات، وإقامة البينة، وجرح الشهود، وأمثالها.
# وقد ادعى بعض معاصرينا الفضلاء الشهرة عليه في حق القصاص، و قواه (3).
# وفي كل ذلك، الولاية للحاكم مع المصلحة; لصحيحة ابن رئاب والرضوي
~~المنجبرين.
# بل قد تجب إذا كانت في تركه مفسدة من ضرر ونحوه، كما أنه لا يجوز التصرف
~~إذا كانت المصلحة في الترك.
# ولو تساوى الطرفان، فهل يجوز له التصرف والاستيفاء، وينفذ ويمضي، أم لا؟
# الظاهر الثاني، للأصل الخالي عن الدافع.
# ومنها: التصرف في أموال الإمام.
# من نصف الخمس، والمال المجهول مالكه، ومال من لا وارث له، ونحو ذلك.
# PageV00P580
# وقد يستدل (1) لثبوت ولايته فيها بأنها أموال الغائب، والتصرف فيها
~~للحاكم.
# وضعفه ظاهر، إذ لا دليل على ولايته في أموال مطلق الغائب حتى الإمام، مع
~~أن الولاية في أموال الغيب إنما هي بالحفظ لهم، لا التفريق بين الناس.
# وقد يستدل أيضا بعموم الولاية، وهو أيضا ضعيف; لان مقتضاه ثبوت الولاية
~~فيما يتعلق بأمر الرعية، لا ما يتعلق بنفس الإمام وأمواله.
# والصواب: الاستدلال فيه بالقاعدة الثانية، فإنه بعد ثبوت لزوم التصرف في
~~هذه الأموال والتفريق، لا بد له من مباشر، وليس أولى من الحاكم، بل هو
~~المتيقن وغيره مشكوك فيه.
# وأيضا تفريق هذه الأموال إنما هو بإذن شاهد الحال، وهو إنما هو إذا كان
~~المباشر له الفقيه العادل، كما بيناه في كتاب مستند الشيعة (2).
# ومنها: جميع ما ثبت مباشرة الإمام له ms373 من أمور الرعية.
# كبيع مال المفلس، وطلاق المفقود زوجها بعد الفحص، ونحو ذلك; للقاعدة
~~الأولى من القاعدتين المتقدمتين، وللإجماع.
# وعلى الفقيه في كل مورد مورد أن يفتش عن عمل السلطان والإمام، فإن ثبت
~~فيحكم به للفقيه أيضا.
# ومنها: كل فعل لا بد من ايقاعه لدليل عقلي أو شرعي.
# كالتصرف في الأوقاف العامة، والإتيان بالوصايا التي لا وصي لها ابتداءا
~~أو بعد ممات الوصي، وعزل الأوصياء، ونصب العوام، وغير ذلك; للقاعدة الثانية
~~من القاعدتين المذكورتين.
# ويلزم أن تكون القاعدتان ملحوظتين عندك في كل مقام يرد عليك من أعمال
# PageV00P581
# الحكام والفقهاء ووظائفهم، وتحكم بمقتضاهما، ولا تحكمن بشئ ما لم يثبت من
~~القاعدة أو من دليل آخر.
# فمن الموارد التي لا أرى عليه دليلا: ما تداول في هذه الأعصار في
~~المبايعات الشرطية التي فيها خيار الفسخ للبائع بشرط رد الثمن إلى المشتري
~~في زمان معين، فإذا لم يحضر المشتري في الزمان المعين، يجيئون بالثمن إلى
~~الفقيه و يفسخون المبايعة.
# ولا أرى لذلك وجها، فإن شرط الخيار هو رد الثمن إلى المشتري، فإذا لم
~~يتحقق الشرط، كيف يتحقق الفسخ؟ وكون الفقيه قائما مقامه حتى في ذلك مما لا
~~دليل عليه أصلا.
# وتوهم أن ذلك لدفع الضرر والضرار فاسد، إذ هذا الضرر مما أقدم البائع
~~نفسه عليه، مع أن الفسخ لا عند المشتري متضمن لضرر المشتري.
# سلمنا الضرر المنفي، فلم يجبر برد الثمن إلى الفقيه والفسخ عنده؟ إذ بعد
~~ما جاز للحاكم التجاوز عن مقتضى الشرط لدفع الضرر، فيمكن دفعه بزيادة مدة
~~الخيار، أو بالزام المشتري على ما يجبر به الضرر، أو بغير ذلك من
~~الاحتمالات.
# ومن تلك الموارد ما ذكروه في باب النسيئة: أنه إذا لم يقبل البائع الثمن
~~في الأجل، يؤديه إلى الحاكم ويبرأ بذلك، ويكون التلف من البائع حينئذ.
# وهو أيضا مما لا دليل عليه، وحديث الضرر يعلم ما فيه مما مر، إلى غير ذلك
~~من الموارد.
# فإن قيل: لا بد في أمثال تلك الموارد من الرجوع إلى الحاكم.
# قلت: نعم لا ms374 شك في ذلك، وهو المرجع في جميع الحوادث، وله منصب المرجعية
~~في جميع ما يتعلق بالشريعة، ولكن الكلام في وظيفة الحاكم بعد الرجوع إليه
~~أنها ما هي؟ والله العالم بحقائق أحكامه. PageV00P582
# عائدة (55) في اشتراط عدم تغير الموضوع في الاستصحاب من القواعد المسلمة
~~بين الأصوليين والفقهاء: اشتراط عدم تغير الموضوع في العمل بالاستصحاب، وقد
~~ذكرنا بعض ما يتعلق بهذه القاعدة في بعض العوائد السالفة.
# والمقصود هنا بيان المراد من الموضوع الذي ذكروه هنا، ووجه اشتراط عدم
~~تغير الموضوع.
# فنقول لبيان الأول: إنه لا شك أن المستصحب لا بد وأن يكون متيقنا في
~~الحالة الأولى، مشكوكا فيه في الثانية; ومتعلق اليقين والشك لا بد وأن يكون
~~أمرا حكميا - إثباتا أو نفيا - مضافا إلى محل بنوع من الإضافات والنسب، إذ
~~لا يتعلق اليقين والشك بالذوات الخارجية الخالية عن الحكم إلا بملاحظة حكم
~~أيضا، كبقائه أو وجوده أو نحوه، فذلك المحل الذي يثبت له هذا الأمر المتيقن
~~أولا المشكوك فيه ثانيا، هو المراد من الموضوع.
# وبتقرير آخر: لا بد في الاستصحاب من الحكم بأنه كان كذا أولا فيكون كذا
~~ثانيا، ومعنى (كذا) هو المستصحب، والمستتر في (كان ويكون) والبارز في لفظ
~~(إنه) هو الموضوع. PageV00P583
# ثم الموضوع قد يكون واحدا، كالكلب في الحكم بنجاسة الكلب، والثوب في
~~الحكم برطوبته، وزيد في الحكم بحياته.
# وقد يتعدد الموضوع في الحكم الواحد، لأجل تعدد المضاف إليه وما نسب إليه
~~الحكم، كما في وجوب صوم اليوم على زيد، فإن صوم اليوم موضوع للوجوب على
~~المكلف، والمكلف موضوع لوجوب الصوم عليه.
# ومنه ولاية الأب العاقل على الصغير، فإن الأب العاقل موضوع لكونه وليا
~~على الصغير، والصغير لكونه مولى عليه، فإذا أردت استصحاب كونه وليا، يكون
~~الموضوع هو الأب، وإذا أريد استصحاب كونه مولى عليه، يكون الموضوع هو
~~الصغير، فلو تغير الصغير وصار كبيرا، يصح رد الاستصحاب الثاني لتغير
~~الموضوع، ولا يصح رد الاستصحاب الأول لذلك، ولو جن الأب انعكس الأمر.
# وأما وجه اشتراط عدم تغير الموضوع في حجية الاستصحاب، بل ms375 جريانه و صحته،
~~فلبيانه نقول: لا شك أن الاستصحاب هو إبقاء الحكم الثابت أولا في الزمان
~~الثاني من حيث ثبوته في الأول، ولأجل ذلك فلو أبقي في الزمان الثاني لجهة
~~أخرى، لا يكون ذلك استصحابا أصلا، فإنه لو قال الشارع: يجب عليك صوم يوم
~~الخميس، وشك في يوم الجمعة هل أراد صومه أم لا، فسئل عنه فأجاب بوجوبه
~~أيضا، لا يكون ذلك استصحابا. وكذا لو شك في بقاء رطوبة ثوب في زمان، فصب
~~عليه الماء ثانيا وحكم برطوبته، لا يكون ذلك استصحابا.
# والحاصل: أن الاستصحاب لا يتحقق باتحاد حكم الموضوع في الحالتين كيف ما
~~كان، بل باتحاده من جهة ثبوته للأول، أي من جهة أنه كان ثابتا في الأول ولم
~~يعلم انتفاؤه في الثاني، وكل ما كان كذلك حكم الشارع بإبقائه. ولازم ذلك
~~أنه إذا علم انتفاء الحكم في الثاني لم يصح الاستصحاب، كما هو مجمع عليه
~~ومصرح به في الاخبار بقوله: (ولكنه ينقضه بيقين آخر)، بل هو معنى قوله:
# (لا ينقض بالشك).
# ثم انتفاء الحكم في الثاني: تارة يكون بالحكم بخلاف الأول فيه، وأخرى
~~PageV00P584
# بالحكم بعدم ثبوت الحكم الأول فيه وإن لم يحكم بخلافه أيضا، وثالثة بثبوت
~~عدم مطلق الحكم فيه.
# فإنه لو قال الشارع: يباح لك الجلوس في بيت زيد يوما، وأما بعده فلا أحكم
~~حينئذ بالإباحة ولا بنفيها، بل أبين حكمه بعد ذلك، لا يمكن استصحاب إباحة
~~ما بعد اليوم; للعلم بانتفاء الحكم الأول، لا بسبب الحكم بالحرمة أو الحكم
~~بعدم الإباحة، بل بسبب عدم الحكم وانتفائه من أصله، فإن ثبوت عدم الحكم
~~أيضا انتفاء للحكم، ولذا لا يستصحب الحكم السابق فيما لو فرض تصريح الشارع
~~بأنه لا حكم لي في الزمان السابق.
# ثم انتفاء أصل الحكم الأول في الثاني: تارة يكون بتصريح الحاكم
~~بالانتفاء، كأن يقول: لا حكم لي بعد ذلك، وأخرى يكون بتخصيصه الحكم بالأول،
~~فإنه أيضا موجب لانتفاء الحكم في الثاني، لا بمعنى أنه موجب للحكم بعدم ما
~~حكم به للأول في الثاني، وثبوت ms376 انتفاء المحكوم به في الأول في الثاني، حتى
~~يعارض ما دل على ثبوت الحكم في الثاني، بل لا حكم في الثاني في الأول،
~~ويعلم انتفاء نفس الحكم الأول في الثاني.
# وإذا عرفت ذلك فنقول: إذا علق الشارع حكما على موضوع خاص، يكون هذا الحكم
~~- أي نفس الحكم - خاصا بذلك الموضوع، فلا يكون حكم لغير ذلك الموضوع بهذا
~~الحكم الأولي، وتكون ماهية الحكم منتفية فيه، فيعلم انتفاؤه فيه، فلا
~~يستصحب، إذ لا يحتمل ثبوت الحكم الأول فيه، بل علم عدم ثبوته، وإن جوزنا
~~ثبوته بحكم آخر، ولكن لو ثبت حكم بدليل آخر، لا يكون ذلك استصحابا.
# ولا يتوهم: أنه وإن لم يثبت ما حكم به بالحكم الأول له بالحكم الأول ولا
~~بدليل آخر، ولكن يثبت له بالاستصحاب; لأن الاستصحاب إبقاء الحكم الأول من
~~جهة ثبوته في الأول، ومعنى جهة ثبوته في الأول كونه ثابتا فيه، محتملا بقاء
~~الحكم الأول أو شموله لهذا الزمان. PageV00P585
# وهذا غير محتمل; لليقين باختصاص الحكم الأول بالموضوع الأول، فما علم
~~أولا - وهو حكم الشارع بالوجوب مثلا في الزمان الأول - منتف في الثاني، فلا
~~يمكن استصحابه.
# وإن شئت توضيح ذلك فنقول: إذا قال الشارع: الولاية ثابتة على الصغير،
~~نقول: إن الابن الصغير لزيد مولى عليه; لان الشارع قال: الولاية ثابتة على
~~الصغير، وهذا من أفراده، ثم إذا صار كبيرا نقول: لا يمكن الاستصحاب; لأنا
~~نعلم أن حكم الشارع منتف في حق الكبير، وهذا من أفراده، وما علم انتفاء
~~حكمه فيه لا يجري فيه الاستصحاب; لأنه في موضع الشك في الحكم وعدمه.
# لا يقال: لا يعلم انتفاء حكم الشارع في حق الكبير، بل يعلم ثبوته، لحكمه
~~بالاستصحاب.
# قلنا: الكلام بعد في صحة الاستصحاب وعدمه، ونحن نقول: لا يصح الاستصحاب;
~~لأنه قال: (بل ينقضه يقين آخر)، ولنا هنا يقين آخر، وهو عدم الحكم في حق
~~الكبير، فكيف يحكم بثبوت الحكم فيه؟! وأي فرق بين قوله:
# لا حكم للكبير فيه، وبين قوله: الولاية على الصغير، في العلم بانتفاء
~~الحكم في الكبير؟ ms377 أي انتفاء أصل الحكم لا انتفاء خصوص الولاية. وهذا مراد
~~من استدل لاشتراط عدم تغير الموضوع: بأن المتبادر من إثبات حكم لموضوع خاص
~~شرطية ذلك الموضوع في ثبوته ولازمه انتفاء المشروط بانتفاء الشرط.
# وغرضه أن المتبادر شرطية الموضوع في أصل الحكم، فمع انتفائه لا حكم، لا
~~بما حكم فيه في الأول ولا بخلافه، لا أن المتبادر شرطية الموضوع في ثبوت ما
~~حكم به في الأول حتى يدل على انتفائه، فيعارض دليل ثبوت الحكم في الثاني.
# فالمتبادر من قوله: (الولاية ثابتة على الصغير: أن الصغر شرط في كونه
~~محكوما بحكم، فإذا انتفى الصغر انتفى حكم الشارع بهذا الحكم الذي إبقاؤه هو
~~الاستصحاب; لا أنه شرط في ثبوت الولاية، فإذا انتفى الصغر انتفت الولاية،
~~ولو كان مراده هذا المعنى لم يصح إلا على حجيته مفهوم اللقب. PageV00P586
# وقد يستدل أيضا بوجوه اخر:
# منها: دلالة التعليق على موضوع خاص، على كونه جزءا للحكم وقيدا له،
~~وحينئذ يستحيل إبقاؤه مع تغير الموضوع، فيكون الحكم في المثال المذكور:
# الولاية على الصغير لا مطلق الولاية، وهي لا تتحقق في حق الكبير; وفي
~~مثال الكلب: النجاسة الكلبية، وهي ممتنعة التحقق مع صيرورته ملحا. وهذا
~~قابل للخدش.
# ومنها: أن ذلك لأجل تعارض استصحاب حال العقل مع استصحاب حال الشرع، فإن
~~الشارع لم يحكم أولا بنجاسة الكلب الباقي كلبيته، ولا بنجاسة الكلب
~~المستحيل ملحا، وعلم بعد الحكم بنجاسة الأول ثبوت النجاسة فيه، و بقي
~~الثاني تحت أصل عدم الحكم. ولهذا الدليل وجه أيضا.
# ومنها: أنه لأجل تعارضه مع أدلة ثبوت خلافه لما حصل بعد التغير، كأدلة
~~طهارة الملح.
# وهو فاسد جدا; لأنه إن أريد به مثل قوله: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر)
~~(1)، فهو لا يعارض الاستصحاب، كما بيناه في موضع آخر (2).
# وإن أريد به مثل قوله: الملح طاهر، فهو غير متحقق في الأكثر، فيلزم
~~اختصاص اشتراط عدم تغير الموضوع بمواضع خاصة.
# مع أنه قد يكون حكم ما حصل بعد التغير موافقا لحكم ما قبله كما إذا صار
~~الكلب ms378 عذرة، فيلزم جواز استصحاب النجاسة الكلبية.
# ومع ذلك فلو سلم التعارض، فلم يكون الحكم للدليل المعارض دون الاستصحاب،
~~مع أن الحكم عند التعارض مع فقد المرجح التخيير، لا طرح الاستصحاب؟.
# PageV00P587
# وإن قلت بالتساقط والرجوع إلى الأصل، فقد يقتضي الأصل حكم الاستصحاب، كما
~~إذا انقلب الخل خمرا، والماء بولا، ونحو ذلك.
# ولا يخفى أنه وقع الاشتباه لكثير في مسألة اشتراط عدم تغير الموضوع في
~~وجوه كثيرة، ووقعوا لأجله في اشتباهات عديدة، فمنهم من اشتبه الامر عليه في
~~سبب اشتراطه، ومنهم من أخطأ في فهم المراد من تغير الموضوع، كما مر في بعض
~~العوائد المتقدمة (1)، ومنهم من اشتبه الامر عليه في معرفة الموضوع.
# ومن ذلك: ما ذكره بعضهم في مسألة الماء المتغير بالنجاسة إذا زال تغيره،
~~فيقول: لا يمكن استصحاب النجاسة لتغير الموضوع; لأنه هو الماء المتغير، وقد
~~انتفى التغير (2).
# وهذا خطأ لان هذا إنما كان يصح إذا قال الشارع: الماء المتغير بالنجاسة
~~نجس، فيكون الحكم النجاسة، والموضوع الماء المتغير، ولكن ليس كذلك، بل قال:
~~الماء إذا تغير ينجس، فالحكم قبول النجاسة بالتغير (3)، والموضوع الماء،
~~وأما أنه نجس مطلقا فمأخوذ من حكمه بأن كل ما صار نجسا فيكون نجسا حتى يرد
~~عليه التطهير، وهذا الحكم ثابت لكل شئ لا للماء المتغير خاصة.
# والحاصل: الفرق بين قوله: الماء المتغير نجس، وقوله: الماء ينجس بالتغير،
~~فإن الموضوع في الأول الماء المتغير والحكم النجاسة، وفي الثاني الموضوع
~~الماء والحكم النجاسة بسبب التغير.
# PageV00P588
# عائدة (56) في بيان أصالة اتحاد العرفين أو أصالة عدم النقل والاشتراك قد
~~دارت على ألسنتهم أصالة اتحاد العرفين، وموضع استعمالهم ذلك الأصل إنما هو
~~فيما إذا لم يعلم للفظ معنى آخر غير ما يعلم له، مشتركا بينهما، أو منقولا
~~عن أحدهما إلى الآخر.
# ودليله حينئذ أصالة عدم الاشتراك، وعدم النقل، وعدم تعدد المعنى.
# وربما يسمع إجرائه فيما علم فيه أحد التعددين أيضا.
# والظاهر أن مراد من يقول ذلك ليس مطلق العرفين، إذ لا وجه يتصور لأصالة
~~اتحاد (1) كل عرفين مع العلم بتعدد المعنى ms379 نقلا أو اشتراكا، أصلا، بل مراده
~~خصوص عرفي المتشرعة والشارع، أو عرف متشرعة زمان مع عرف متشرعة زمان آخر.
# وربما يستدل له تارة ببعد تغير العرفين في ذلك الزمان القليل.
# وأخرى بالغلبة، أي: الغالب في الألفاظ الجارية على ألسنته المتشرعة اتحاد
~~معناها المتبادر حينئذ مع معناها المتبادر في زمان الشارع.
# PageV00P589
# وثالثة بكون ذلك طريقة العلماء وسيرة الفقهاء، بل كل أحد، فإنا نراهم
~~يحملون ألفاظ الكتب المصنفة في أزمنة قبل هذا الزمان إلى زمان الشارع، على
~~ما يفهمون منها في هذا الزمان، ويتبادر منها عندهم من غير تشكيك ولا تأمل،
~~ولو علم كون اللفظ ذا معنى آخر منقولا عنه أو مشتركا بين ما يفهم منه في
~~عرفهم وبين معنى آخر، إلا أن يعلموا اختلاف عرفهم.
# وفساد الوجه الأول ظاهر جدا، لأنا نشاهد تغير العرف بزمان أقل من ذلك
~~الزمان بكثير، بل في ظرف سنتين أو ثلاث سنين، فإنه إذا استعمل لفظ له معنى
~~في آخر بقدر تلك المدة، يهجر المعنى الأول ويترك، فكيف بأزيد من ألف سنة!
# كيف؟ وتراهم يحكمون بثبوت الحقيقة الشرعية في زمان الصادقين عليهما
~~السلام للفظ استعمل في معنى من زمان الرسول صلى الله عليه وآله إلى
~~زمانهما.
# وأيضا نرى تغير العرف في كثير من الألفاظ، كالمن، والمثقال، والكراهة،
~~وغير ذلك، بل لو استعمل في معنى غير معنى زمان الشارع إلى هذا الزمان يتغير
~~العرف قطعا. فالذي يفيد له عدم الاستعمال، وأنى يثبت ذلك؟ إذ يستبعد مع
~~مرور دهور كثيرة وقرون عديدة.
# وأما لبيان فساد الثاني، فنقول بعد قطع النظر والاغماض عما في التمسك
~~بالغلبة من المجازفة والمماثلة لطريقة العامة العمياء:
# إن الألفاظ على صنفين: أحدهما ما لم يعلم تعدد معناه أصلا، والآخر ما علم
~~فيه.
# والأخير أيضا على قسمين: أحدهما ما يكون أحد معنييه من المعاني المستحدثة
~~من الشارع ذاتا أو وصفا أو قيدا، أو يكون مما تعم به البلوى ويستعمل كثيرا،
~~وثانيهما ما لا يكون كذلك.
# فإن أريد غلبة الاتحاد في الصنف الأول، فهو لا يفيد; ms380 لان الغالب في كل
~~صنف أو قسم يلحق النادر من ذلك الصنف أو القسم به، فهو لا يفيد لغير ذلك
~~الصنف، ولا نزاع في ذلك الصنف. وكذا إن أريد غلبته في القسم الأول من
~~PageV00P590
# الصنف الثاني.
# وإن أريد القسم الأخير - الذي هو محل الكلام وتظهر الفائدة فيه - فالغلبة
~~فيه، بل تحقق غير نادر فيه، ممنوع.
# وأيضا للمتشرعة عرفان:
# أحدهما: عرفهم من حيث الفقاهة، أي العرف الحاصل من مزاولة علم الفقه
~~والحديث، والرجوع إلى الكتب المؤلفة في سوالف الأزمنة في هذا الفن الشريف،
~~وهو نظير عرف أهل هذا الزمان مثلا، من حيث هو نحوي أو حسابي.
# وثانيهما: عرفه من حيث بلده أو زمانه.
# ويتمسك هؤلاء بأصل الاتحاد بالنسبة إلى العرفين، مع أنه لو أمكن ادعاء
~~الغلبة، فإنما هو بالنسبة إلى الأول.
# وأما الثاني، فهو غير ممكن; لتوقفه على الاطلاع على عرف جميع طوائف العرب
~~في ذلك الزمان في هذه الألفاظ، حتى يعلم اتحاد عرف الغالب منها مع عرف زمان
~~الشارع، وهو غير ممكن الاطلاع سيما لأمثالنا، بل الغالب فيها عدم بقاء أصل
~~الألفاظ عندهم في هذا الزمان، فكيف بمعانيها.
# وأما لبيان فساد الثالث فنقول: إنا نمنع كون ما ذكره طريقة العلماء وسيرة
~~الفقهاء.
# وأما ما ترى من حملهم ألفاظ الكتب المؤلفة في سوابق الأزمان على ما
~~يحملون، فهو ليس من باب حملهم على عرف أنفسهم وعهدهم وزمانهم، و على
~~متفاهمهم والمتبادر عندهم، بل نسبتهم إلى ما في هذه الكتب من الألفاظ و
~~استعمالاتها كنسبة أهل علم النحو من هذا الزمان إلى مصطلحات النجاة، و نسبة
~~أهل علم الحساب إلى مصطلحات الحسابيين، وهكذا، فإن لهم بالنسبة إلى ألفاظ
~~تلك الكتب اصطلاحا وراء اصطلاح أهل زمانهم وعهدهم.
# بيان ذلك، أن العلماء والفقهاء بل أهل كل علم بالنسبة إلى ألفاظ الكتب،
~~PageV00P591
# لهم اصطلاح وراء اصطلاح أهل زمانهم، بل هم من بدو أمرهم ومبدأ تعلمهم
~~دخلوا تلك الكتب، وتعلموا اصطلاحاتها ومعاني ألفاظها من معلميهم و
~~أساتيذهم، الذين هم أيضا أخذوها من أساتيذهم، وهكذا، وحصل لهم ms381 اصطلاح وراء
~~اصطلاح أهل عصرهم، بل هو حقيقة اصطلاح أهل زمان التأليف الواصل إليهم يدا
~~بيد، فهم بعينهم أهل زمان المؤلفين.
# وذلك ظاهر جدا، فإن غير العرب من هؤلاء العلماء لا اصطلاح لهم في هذه
~~الألفاظ، ولا يعرفون معانيها، ولم يأخذوها من العرب باصطلاح زمانه، بل
~~أخذوها ممن أخذ خلفا عن سلف. وأما القريب منهم، فأيضا كذلك; لان ألفاظ
~~العرب في هذا الزمان لا تشابه تلك الألفاظ، فكيف بالمعاني.
# والغافل عن حقيقة الامر، الغير المتأمل، يزعم أن بناء فهم العلماء
~~واستخراجهم المعاني من الكتب، من جهة اصطلاح زمانه، وهو خطأ; لان من لم
~~يأخذ معانيها من الأستاذ لا يفهم منه شيئا، بل لو قرأ أكثر تلك الكتب لغير
~~المتعلم عند الأستاذ المطلع على اصطلاحات الكتب كالعوام من العرب أو العجم،
~~لا يفهمون شيئا منها غالبا، حتى أن العجمي لا يفهم كتب علماء العجم المدونة
~~بالفارسية غالبا إلا بقرائن منضمة. PageV00P592
# عائدة (57) في بيان معنى قولهم:
# (له كتاب وله أصل) في الرجال كثيرا ما يستعمل لفظ الكتاب والأصل والنوادر
~~في كتب الرجال، فيقال:
# فلان له كتاب، وفلان له أصل، وله نوادر.
# وقد يسأل عن الفرق بين الكتاب والأصل، والفرق بينهما على ما صرح به بعض
~~سادات مشايخنا المحققين في بعض رسائله: إن الأصل في اصطلاح المحدثين من
~~أصحابنا بمعنى الكتاب المعتمد، الذي لم ينتزع من كتاب آخر.
# قال: وليس بمعنى مطلق الكتاب، فإنه قد يجعل مقابلا له فيقال: له كتاب و
~~له أصل.
# قال: وقد ذكر ابن شهرآشوب في معالم العلماء نقلا عن المفيد - طاب ثراه -:
~~إن الامامية صنفت من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى عهد أبي محمد الحسن
~~بن علي العسكري عليهم السلام أربعمائة كتاب، تسمى (الأصول)، وهذا معنى
~~قولهم (له أصل) (1). ومعلوم أن مصنفات الامامية في تلك المدة تزيد على ذلك
~~بكثير، كما يشهد به تتبع كتب الرجال، فالأصل إذن أخص من
# PageV00P593
# الكتاب (1). انتهى.
# ويظهر من كلامه - رحمه الله - أنه يشترط في صدق الأصل عدم الانتزاع و
~~وجود الاعتماد، ms382 بل يصرح به بعد ذلك، قال: ولا يكفي فيه مجرد عدم انتزاعه من
~~كتاب آخر وإن لم يكن معتمدا، فإنه يوجد في كلام الأصحاب مدحا لصاحبه و وجها
~~للاعتماد على ما تضمنه.
# إلى أن قال: والوصف به في قولهم (له أصل معتمد) للايضاح والبيان، أو
~~لبيان الزيادة على مطلق الاعتماد المشترك فيما بين الأصول (2).
# والمراد بعدم الانتزاع: أن تكون الأحاديث المجموعة فيه مأخوذة عن
~~المعصوم، أو عن الراوي:
# وأما الكتاب: فتكون أحاديثه مأخوذة من الأصل. فالفرق بين الأصل والكتاب
~~على ما ذكره السيد المذكور: أن الأصل هو مجمع الأحاديث الغير المنتزع من
~~غيره مع كونه معتمدا، والكتاب أعم.
# وعلى ما ذكره المفيد يكون الأصل اسما لكل من الأصول الأربعمائة.
# وذكر بعض مشايخ والدي (3): أن الفرق هو مجرد عدم الانتزاع. ولم يذكر
~~الاعتماد.
# وقيل: إن الكتاب ما كان مبوبا مفصلا، والأصل مجمع أخبار وآثار.
# ورده بعض مشايخ الوالد بأن كثيرا من الأصول مبوبة (4).
# وقيل: إن الأصل ما كان مجرد كلام المعصوم، والكتاب ما كان فيه كلام مصنفه
~~أيضا (5).
# PageV00P594
# وأما النوادر: فهو ما اجتمع فيه أحاديث متفرقة لا تنضبط في باب، لعله لا
~~يمكن جمعها في باب واحد، بأن يكون واحدا أو متعددا لكن يكون قليلا جدا. ومن
~~هذا قولهم في الكتب المتداولة: نوادر الصلاة، ونوادر الزكاة، و أمثال ذلك.
# هذا إذا أطلقت النوادر على المؤلف، وإلا فالحديث النادر له إطلاقات اخر
~~أيضا. PageV00P595
# عائدة (58) في بيان الموضوع في مثل:
# العصير إذا غلى يحرم هل الموضوع للحكم في نحو قوله عليه السلام: العصير
~~إذا غلى حرم حتى يذهب ثلثاه، أو: العصير الذي غلى حرم (1)، ونحوهما من
~~القيود، هو العصير، أو غيره؟
# وتظهر الفائدة في تغير الموضوع وعدمه عند الاستصحابات، مثلا إذا صار
~~العصير بعد الغليان وقبل ذهاب الثلثين دبسا أو خلا، فإن قلنا بأن الموضوع
~~هو العصير لم يصح الاستصحاب، لتغير الموضوع; لعدم تسمية الدبس أو الخل
~~عصيرا، وإن قلنا إنه غيره، فقد يصح.
# وبيانه: أن هاهنا حكمين.
# أحدهما: أنه يحرم إذا غلى، ms383 وكون الموضوع فيه عصيرا مما لا خفاء فيه، فلو
~~انقلب قبل الغليان خلا ثم غلى، لم يحرم; لعدم صدق العصير.
# والآخر: الحرمة، والخفاء إنما هو في موضوعها.
# PageV00P597
# والتحقيق: أنه مركب من المقيد والقيد، فيشترط فيه تحقق الامرين، أي كونه
~~عصيرا ومغليا، فبانتفاء أحدهما ينتفي الموضوع، فإنه لا شك أنه ليس الدبس
~~حين الدبسية عصيرا مغليا إلا بالتجوز باسم ما كان.
# والتوهم إنما ينشأ من أمرين:
# أحدهما: صحة قوله: العصير إذا غلى - سواء بقي على العصيرية أم صار دبسا -
~~فهو حرام، فيتوهم أن قوله: العصير إذا غلى، مطلق أو عام يشمل الامرين.
# وثانيهما: نحو قوله: الكلب إذا صار ملحا فهو طاهر، فإنه لم تبق الكلبية
~~مع صحة الكلام وبقاء الحكم الذي هو الطهارة.
# ويظهر فساد الأول: بأن المفروض أن الدبس ليس عصيرا، فكيف يكون فردا من
~~العصير؟ ولو قلت: إنه أيضا عصير لغة، يخرج عن المفروض.
# وأما صحة التصريح بالتعميم، فإنما هو باعتبار حصول تجوز في الكلام بقرينة
~~ذلك التصريح، وذلك مثل قوله: الكلب الذي صار ملحا فهو طاهر، فإنه لا شك أنه
~~بعد الصيرورة ليس كلبا، والتسمية تجوز باعتبار ما كان، والقرينة عليه قوله:
# صار ملحا، فكذا في قوله: والعصير إذا غلى، سواء بقي على العصيرية أم لا،
~~فالتعميم قرينة عموم المجاز.
# وفساد الثاني: بأن قوله: الكلب إذا صار ملحا فهو طاهر، معناه أنه بعد
~~صيرورته ملحا يطهر، فليس الحكم الطهارة الفعلية حال التكلم، فإن قوله: إذا
~~صار، بتأويل المستقبل، فالحكم ليس الطهارة.
# نعم إذا قال: الكلب الذي صار ملحا فهو طاهر، فالحكم الطهارة الفعلية،
~~والموضوع الكلب المجازي دون الحقيقي قطعا; لامتناع بقاء الكلبية بعد
~~الصيرورة ملحا. PageV00P598
# عائدة (59) في بيان أصالة عدم التذكية من الأصول المتكررة على ألسنة
~~الفقهاء: أصالة عدم التذكية في الحيوانات، ولها ثلاثة معان نبينها في هذا
~~المقام.
# ولنقدم لبيان تحقيق المقام فائدتين:
# الأولى: اعلم أن الأصل الابتدائي في كل حيوان مأكول اللحم حلية أكل لحمه
~~ما لم يدل دليل على حرمته، حيا كان أو غير حي. ms384 وكذا الأصل في كل حيوان طاهر
~~العين غير مأكول اللحم طهارته ما لم يدل دليل على عروض النجاسة له، حيا كان
~~أو غير حي; لأصالة الحل الثابت للأشياء قبل الشرع و بعده، وإطلاقات ما دل
~~على حلية الحيوان الفلاني، ولأصالة الطهارة الثابتة كذلك واستصحابها.
# ولكن ثبت بالاجماع القطعي والأخبار المتكثرة حرمة الاجزاء المبانة من
~~الحي في غير السمك والجراد، وكذا نجاستها من ذوات النفوس، كما بين في
~~موضعه.
# وكذا ثبت بالاجماع، بل الضرورة، وبالكتاب والسنة المتواترة حرمة الميتة
~~من جميع الحيوانات، ونجاستها من ذوات النفوس السائلة، كما بين في موضعه.
~~وهذا أصل طارئ على الأصل الأول، ثابت بالاجماع والكتاب والسنة. PageV00P599
# ولكن الكلام في معنى الميتة، فإنه يحتمل معاني ثلاثة:
# الأول: ما خرجت روحه حتف أنفه خاصة، فتكون الميتة مقابل الحي والمقتول،
~~كما هو الظاهر من كلام بعض المتأخرين في شرحه على المفاتيح (1)، مستدلا بما
~~في تفسير الإمام عليه السلام، قال الله تعالى: * (إنما حرم عليكم الميتة) *
~~(2) أي التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث أذن الله (3). وعلى هذا فيكون
~~غير ما مات حتف أنفه باقيا على أصل الحلية والطهارة ولو لم يكن مذكى شرعا،
~~و يحتاج في إثبات حرمة مطلق غير المذكى ونجاسته إلى دليل آخر.
# والثاني: ما خرجت روحه مطلقا وإن كان بالتذكية، فتكون الميتة مقابل الحي،
~~ويكون الأصل الطارئ في كل غير حي حرمته ونجاسته، إلا أن يدل دليل على خلافه
~~كما في المذكى.
# وعليه بناء بعض مشايخنا قدس سره، حيث استدل في شرحه على النافع (4) على
~~حرمة الحيوانات البحرية ولو بعد الذبح بشرائطه، بعمومات ما دل على حرمة
~~الميتة، واستدل له بأنها مشتقة من الموت الذي هو زهوق الروح، واستعمل الموت
~~فيما خرجت روحه ولو بالقتل والذبح في الأخبار كثيرا.
# والثالث: ما خرجت روحه بدون التذكية الشرعية، فتكون الميتة مقابل المذكى،
~~وهو الظاهر من كلام الأكثر والمستفاد من تتبع كلمات الفقهاء.
# وتظهر فائدة ذلك الاختلاف في مواضع غير محصورة: فإنه على الأول - كما مر
~~- يكون الأصل ms385 في كل ما لم يمت حتف أنفه الحلية والطهارة، فتظهر الفائدة
~~فيما شك في اشتراطه في التذكية من الشرائط، وفيما شك في ورود التذكية عليه،
~~وفيما شك كونه تذكية شرعية، بل يكون الأصل في كل ما
# PageV00P600
# أخرج الحيوان عن الموت حتف أنفه أن يكون تذكية، والأصل في كل حيوان ورود
~~التذكية عليه. والأصل في كل شرط اختلف فيه في التذكية عدم اعتباره، و هكذا.
# وعلى الثاني يكون الأمر بالعكس في الكل.
# وعلى الثالث، تكون نسبة الأصل في هذه الأمور من جهة كون المورد ميتة أو
~~مذكى على السواء، إلا أن تثبت موافقة أحد الأمرين من الميتة والمذكى للأصل،
~~كما يأتي تحقيقه.
# ثم إن المعنى الأول لا ريب في كونه من الميتة; لأنه القدر المشترك بين
~~المعاني الثلاثة، فلا شك في صدق الميتة عليه.
# وإنما الكلام في أنه هل هو مختص به، أم يصدق على أحد الأخيرين؟
# فنقول: لا ينبغي الريب في سقوط الاحتمال الثاني; لعدم تبادر المذكى من
~~الميتة، بل تبادر غيره كما هو واضح جدا.
# ولصحة السلب عن المذكى، بل وقع السلب في كلام الإمام، كما في موثقة أبي
~~مريم، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: السخلة التي مر بها رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم وهي ميتة، قال: (ما ضر أهلها لو انتفعوا بإهابها)،
~~قال: فقال أبو عبد الله عليه السلام:
# (لم تكن ميتة يا أبا مريم، ولكنها كانت مهزولة، فذبحها أهلها فرموا بها،
~~قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما كان على أهلها لو انتفعوا
~~بإهابها) (1).
# ولاستعماله فيما يقابل المذكى وما ليس مذكى في العرف والكتاب والسنة، كما
~~في الأخبار الكثيرة المتضمنة لاختلاط الميتة والمذكى، المشتملة على قوله:
~~لم يدر ذكي هو أم ميت (2).
# وفي رواية عبد الله بن سليمان عن أبي عبد الله عليه السلام: (ما أخذت
~~الحبالة فانقطع
# PageV00P601
# منه شئ أو مات فهو ميتة) (1).
# وفي مرسلة النضر بن سويد، الواردة في الظبي وحمار الوحش يعترضان بالسيف
~~فيقدان، قال: (لا بأس بأكلها ms386 ما لم يتحرك أحد النصفين، فإن تحرك أحدهما لا
~~يؤكل الآخر; لأنه ميتة) (2). إلى غير ذلك من الأخبار الغير المعدودة.
# فالأصل في الاستعمال مع وحدة المستعمل فيه الحقيقة، كما في المورد، إذ لم
~~يعلم استعماله في المذكي أبدا.
# وتوهم اشتقاق الميتة والميت من الموت، الصادق على مطلق زهوق الروح، فيكون
~~المشتق أيضا كذلك، فاسد، إذ لو سلمنا ذلك في الموت، لا نسلمه في مطلق
~~المشتق منه; لأن للهيئة الاشتقاقية حظا من المعنى، كما مر بيانه في بعض
~~العوائد المتقدمة (3).
# ويدل على عدم صدقه على مطلق ما زهق روحه أخبار كثيرة أخرى: كموثقة سماعة،
~~عن جلود السباع ينتفع بها؟ قال: (إذا رميت وسميت فانتفع بجلده، و أما
~~الميتة فلا) (4).
# وفي موثقة سماعة الواردة في الفراء والكيمخت يصلى فيها؟ قال: (لا بأس ما
~~لم يعلم أنه ميتة) (5).
# وفي رواية علي بن أبي حمزة: عن الرجل يتقلد السيف، إلى أن قال: (وما
~~الكيمخت؟)) قال: جلود دواب منه ما يكون ذكيا ومنه ما يكون ميتة (6). إلى
~~غير ذلك.
# وظهر مما ذكر سقوط الاحتمال الأول أيضا; لعدم صحة السلب عن غير ما
# PageV00P602
# مات حتف أنفه إذا لم يكن مذكى شرعا، بل استعماله في غيره كثيرا، كما في
~~روايات مأخوذ الحبالة، ورواية عبد الله بن سليمان المتقدمة، والروايات
~~العديدة الواردة في قطع أليات الضأن والحكم بحرمتها لأنها ميت أو ميتة،
~~كصحيحة الوشاء (1)، ورواية أبي بصير (2)، ومرسلة الكاهلي (3).
# ولا يدل قول الإمام في تفسيره - المتقدم ذكره (4) - على الاختصاص;
~~لاحتمال كون القيد احترازيا، بل هو الأصل فيه. وتخصيصه بالذكر، لأن العلة
~~المذكورة لعلها مخصوصة به، فالحق أن الميتة هي مقابل المذكى.
# الثانية: اعلم أن الأصل الثانوي في كل حيوان مأكول اللحم الخارجة روحه
~~بغير التذكية حرمته، وفي كل ذي دم كذلك نجاسته; لما عرفت من كونه ميتة، و
~~كل ميتة حرام، ومن ذوي النفوس السائلة نجسة.
# ويدل أيضا على حرمة غير المذكى قوله سبحانه: * (إلا ما ذكيتم) * (5).
# والمتكثرة من الأخبار، كمرسلة الفقيه، وفيها: (إذا أرسلت كلبك على صيد ms387
~~وشاركه كلب آخر، فلا تأكل منه، إلا أن تدرك ذكاته) (6).
# ورواية الحضرمي، عن صيد البزاة، والصقور، والكلب، والفهد:
# (لا تأكل صيد شئ من هذه إلا ما ذكيتموه، إلا الكلب المكلب) (7).
# وفي رواية زرارة: (فما كان خلاف الكلب، فليس صيده مما يؤكل، إلا أن
# PageV00P603
# تدرك ذكاته) (1).
# وفي صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، في البزاة والصقور: (لا
~~يحل صيدها أن تدرك ذكاته) (2).
# وفي صحيحة الحذاء عن أبي عبد الله عليه السلام، في البازي والصقر،
~~والعقاب، فقال: (إن أدركت ذكاته فكل، وإن لم تدرك ذكاته فلا تأكل) (3).
# وفي موثقة سماعة، عن صيد البزاة، والصقور، والطير الذي يصيد، فقال:
# (ليس هذا في القرآن، إلا أن تدركه حيا فتذكيه، وإن قتل فلا تأكل حتى
~~تذكيه) (4).
# وفي خبر ليث المرادي، عن الصقور والبزاة، وعن صيدها، قال: (كل ما لم
~~يقتلن إذا أدركت ذكاته)) (5).
# وفي موثقة أخرى لسماعة، في صيد الفهد المعلم: (وإن أدركته حيا فذكه و
~~كله) (6).
# وفي رواية الحضرمي عن أبي عبد الله عليه السلام: (لا يؤكل ما لم يذبح
~~بحديدة)) (7).
# إلى غير ذلك (8).
# PageV00P604
# وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، الواردة في البعير
~~الممتنع المضروب بالسيف أو الرمح بعد التسمية: (فكل إلا أن تدركه ولم يمت
~~بعد، فذكه)) (1).
# وتدل عليه الأخبار الناهية عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه (2)، أو ما
~~لم يوجه إلى القبلة (3)، أو لم يذبح من المذبح (4).
# والأخبار الآمرة بالتذكية بعد إدراك طرف العين، أو حركة الرجل، أو الذنب
~~(5)، إذ ظاهر أن الوجوب فيه شرطي، والمشروط الحلية والطهارة.
# والاختصاص بالصيود أو بعض الحيوانات لم يضر; للإجماع المركب.
# إذا عرفت هاتين الفائدتين، وأن الأصل حرمة كل حيوان خرجت روحه غير مذكى،
~~ونجاسته إذا كان ذا دم فاعلم أن الأصل عدم التذكية بثلاثة معان:
# الأول: أن كل عمل لم يعلم أنه يحصل به التذكية، فالأصل عدم حصولها به،
~~يعني أن الأصل في كل فعل عدم كونه تذكية، إلا أن يثبت بدليل.
# الثاني: أن الأصل في كل ms388 حيوان لم يعلم أنه هل وقع عليه التذكية الثابت
~~كونها تذكية، عدم وقوع التذكية عليه.
# الثالث: أن الأصل الأولي في كل حيوان عدم قبوله التذكية، إلا ما ثبت
~~بدليل شرعي.
# PageV00P605
# أما الأصل بالمعنى الأول، فيدل على ثبوته: أنه أمر توقيفي يحتاج ثبوته
~~إلى دليل من الشرع، وكل أمر توقيفي فتوقيفه خلاف الأصل في كل مورد حتى يثبت
~~التوقيف.
# أما كونه توقيفيا; فللإجماع القطعي، فإن الناظر في كلمات الفقهاء يراهم
~~مطبقين على عدم الحكم بكون عمل تذكية إلا بعد ورود دليل شرعي عليه.
# ويدل عليه أيضا قوله عليه السلام في موثقة سماعة المتقدمة: (ليس هذا في
~~القرآن) (1)، حيث استدل على عدم حصول التذكية بصيد طيور الصيد بعدم كونه في
~~القرآن.
# ويدل عليه تتبع الأخبار المشتملة على توقيفات التذكية، وبيانها، و
~~شرائطها، وأسئلة الأصحاب وأجوبة الأطياب.
# ولكن يحصل من قوله سبحانه: * (ما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه)
~~* (2)، وقوله: * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * (3)، أصل ثانوي، هو: حلية
~~كل ما ذكر اسم الله عليه، فيكون ذلك تذكية.
# نعم يضم معه ما علم اشتراطه من صيد أو ذبح أو نحوهما.
# وبالجملة: يكون ذلك أصلا مع بعض الأمور المتيقن انضمامه معه، ويعمل في
~~البواقي بمقتضى أصالة عدم مدخليته في التذكية، وعدم جعل الشارع إياه من
~~المؤثرات في التذكية.
# وأما الأصل بالمعنى الثاني، أي أصالة عدم وقوع التذكية التي ثبت كونها
~~تذكية على المورد - وهذا هو المعنى المشهور من أصالة عدم التذكية - فالدليل
~~عليه ظاهر، فإنها موقوفة على أمور وجودية حادثة بعد عدمها، والأصل عدم تحقق
~~كل
# PageV00P606
# منها، وبه يعلم الحرمة والنجاسة. فلا تجري في المورد عمومات الحلية
~~والطهارة، ولا يجدي تعارض ذلك مع أصالة الحلية والطهارة الذي هو منشأ توهم
~~جماعة وعدم تمسكهم بأصالة عدم التذكية; لأن الأصل الأول وهو عدم التذكية
~~الثابت بالأصل، والاستصحاب الذي هو مستند شرعي، مزيل لاستصحاب الحلية
~~والطهارة وأصالتهما، ولا عكس.
# فإن الحلية - مثلا - غير مزيلة للأعدام الثابتة لكل فعل من أفعال
~~التذكية، كما يعلم تحقيقه ms389 مما ذكرناه في بيان حال تعارض الاستصحابين، وبيان
~~الاستصحاب المزيل وغير المزيل في هذا الكتاب، وغيره (1).
# ويدل على ذلك الأصل أيضا: الأخبار المعتبرة المستفيضة، بل المتواترة
~~معنى، كصحيحة سليمان بن خالد، عن الرمية يجدها صاحبها أيأكلها؟ قال: (إن
~~كان يعلم أن رميته هي التي قتلته، فليأكل من ذلك إن كان قد سمى) (2).
# وموثقة سماعة، وفيها: (إن علم أنه أصابه وأن سهمه هو الذي قتله، فليأكل
~~منه، وإلا فلا يأكل منه) (3).
# وفي رواية أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته عن قوم
~~أرسلوا كلابهم، إلى أن قال: (لا تأكل منه; لأنك لا تدري أخذه معلم أم لا)
~~(4).
# وفي صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام، قال: (قال أمير المؤمنين
~~عليه السلام في صيد وجد فيه سهم وهو ميت لا يدرى من قتله، قال:
# لا تطعمه) (5).
# وفي رواية زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا رميت فوجدته
~~وليس به
# PageV00P607
# أثر غير السهم، وقد ترى أنه لم يقتله غير سهمك فكل (1). إلى غير ذلك من
~~الأخبار المتكثرة.
# ويدل عليه الأخبار الناهية عن أكل صيد وقع في الماء أو من الجبل فمات
~~(2).
# ولا ينافي ذلك الأصل رواية السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن
~~أمير المؤمنين عليه السلام سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة، كثير لحمها
~~وخبزها وبيضها و جبنها، وفيها سكين، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: يقوم
~~ما فيها ويؤكل; لأنه يفسد و ليس له بقاء، فإن جاء طالبها غرم له الثمن،
~~قيل: يا أمير المؤمنين عليه السلام لا يدري سفرة مسلم أو سفرة مجوسي، فقال:
~~هم في سعة حتى يعلموا) (3); لأن السفرة المذكورة في حكم اليد، ويد المسلم
~~أو يد مجهول الحال في أرض المسلمين أو أرض غالب أهلها المسلمون كمشاهدة
~~التذكية، كما ثبت في موضعه.
# وأما الأصل بالمعنى الثالث، أي أن الأصل في كل حيوان عدم قبوله التذكية،
~~وعدم تأثير التذكية فيه إلا ما علم تأثيرها فيه وقبوله لها، فلتحقيق الحال
~~فيه ms390 نقول:
# إن الحيوانات على قسمين: مأكول اللحم، وغيره.
# وغير مأكول اللحم على قسمين: نجس العين، وغيره.
# وغير نجس العين على قسمين: آدمي، وغيره.
# وغير الآدمي على قسمين: ما لا نفس سائلة له، وما له نفس.
# والأخير باعتبار الخلاف في قبول التذكية وعدمه على أربعة أقسام: السباع،
~~والمسوخات، والحشرات، وغيرها.
# ثم المراد بالتذكية فمأكول اللحم الذي لا نفس له: ما يصير به جائز الأكل
~~بعد عدم جوازه.
# PageV00P608
# وفي المأكول الذي له نفس: ما يصير به جائز الأكل، ويبقى على طهارته
~~الحاصلة له في الحياة.
# وفي غير المأكول الذي له نفس: ما يبقى معه على طهارته.
# وفيما لا نفس له منه، لا يظهر لها أثر فيه; لأنه طاهر ذكي أم لم يذك.
# ثم الأصل في القسم الأول - وهو مأكول اللحم - وإن كان ابتداءا العدم،
~~لحرمة أكل أجزائه حيا فيستصحب، ولما يأتي من توقف قبول التذكية على اعتبار
~~الشارع وملاحظته، إلا أن الأصل الثابت من الشرع وقوع التذكية عليه; لأنه
~~مقتضى كونه مأكول اللحم، وللإجماع، ولقوله سبحانه: * (إلا ما ذكيتم) * (1)،
~~وقوله: * (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) * (2)، ولإطلاقات الأخبار الواردة
~~في الصيود والذبائح، وهي غير محصورة جدا.
# والقسم الأول من القسم الثاني - وهو نجس العين - لا يقبل الذكاة إجماعا،
~~فهو الأصل فيه أولا وثانيا، ويدل عليه - مع الأصل الأولي - الإجماع،
~~واستصحاب النجاسة.
# وكذا القسم الأول من القسم الثالث - أي الآدمي - فإن عدم وقوع التذكية
~~عليه إجماعي بل ضروري.
# وأما القسم الأول من الرابع - وهو ما لا نفس له من غير المأكول - فقد
~~عرفت أنه لا معنى ولا أثر للتذكية فيه.
# فيبقى الكلام في الأربعة الأخيرة من جهة الأصل، فنقول: قد يتراءى في بادي
~~النظر أن الأصل في الجميع قبول التذكية، إذ عرفت أن التذكية إنما هي ما
~~تبقى معه الطهارة، ومقتضى الأصل والاستصحاب كونها باقية إلا فيما علم فيه
~~ارتفاعها، وليس هو إلا ما لم يقع عليه التذكية، أي الصيد أو الذبح مع
~~شرائطهما
# PageV00P609
# المقررة، فكل حيوان مما ذكر - صيد أو ذبح - كذلك ms391 يكون بمقتضى الاستصحاب
~~المذكور طاهرا فيكون مذكى، وهو المراد بقبول التذكية.
# والحاصل: أنا لا نقول: إن الطهارة هنا أمر حصوله يتوقف على تذكية جعلية
~~من الشارع، بل يقال: إن الطهارة الحاصلة أمر محكوم ببقائها إلا إذا علم
~~المزيل، ولم يعلم إلا مع الموت حتف أنفه، أو الموت بدون الصيد أو الذبح
~~المقرونين بآدابهما وشروطهما المعهودة، ومع أحد الأمرين لا يعلم ارتفاع
~~الطهارة، فيحكم ببقائها من غير حاجة إلى جعل من الشارع وتأثير من ذلك
~~الجعل.
# والحاصل: أن مع تلك الأفعال المقطوع حصولها ليس دليل على ارتفاع الطهارة.
# ولكن الإنصاف: أنه لا يخلو عن جدل واعتساف; لأن الظاهر أنه انعقد الإجماع
~~القطعي على أن التذكية المبقية للطهارة، المانعة عن حصول النجاسة، المخرجة
~~للمذكى عن مصداق الميتة، هي التي اعتبرها الشارع ورتب عليها تلك الآثار،
~~وأن إبقائها ومنعها موقوف على اعتبار الشارع إياها آثارا، أو أجزاءا،
~~وشرائطا، وموردا، ومحلا، خصوصا أو عموما أو إطلاقا، وما لم يتحقق فيه
~~اعتباره وملاحظته، فوجوده كعدمه، ومع عدمه يكون المورد ميتة، ومعها يكون
~~نجسا.
# ويظهر من ذلك: أن الأصل بذلك المعنى في جميع الموارد عدم قبول التذكية
~~إلا بدليل شرعي عام أو خاص، كما في مأكول اللحم والسباع. PageV00P610
# عائدة (60) في بيان رموز الكتب التي في البحار قد ذكر صاحب كتاب بحار
~~الأنوار - نور الله مضجعه - رموزا للكتب والأصول التي نقل منها الأحاديث،
~~وكثيرا ما يحتاج ناقل الحديث إلى معرفتها، وقد ذكرها هو نفسه في بعض
~~مجلداته (1)، فنقلناها هاهنا تسهيلا.
# فنقول: الرموز هكذا: (كا) للكافي، (يب) للتهذيب، (صا) للاستبصار، (ية)
~~لمن لا يحضره الفقيه، (ن) لعيون أخبار الرضا عليه السلام، (ع) لعلل
~~الشرائع، (ك) لكمال الدين، (يد) لتوحيد الصدوق، (ل) للخصال، (لي) لأمالي
~~الصدوق، (ثو) لثواب الأعمال، (مع) لمعاني الأخبار، (هد) للهداية، (عد)
~~لعقائد الصدوق (2)، (ب) لقرب الإسناد، (ير) لبصائر الدرجات، (ما) لأمالي
~~الشيخ، (غط) لغيبة الشيخ الطوسي، (مصبا) للمصباحين، (شا) لإرشاد
# PageV00P611
# الديلمي، (جا) لمجالس المفيد، (ختص) لكتاب الاختصاص (1)، ((مل) لكامل
~~الزيارة، (سن) للمحاسن، (فس) لتفسير علي ms392 بن إبراهيم، (شي) لتفسير العياشي،
~~(م) لتفسير الإمام، (ضه) لروضة الواعظين، (عم) لإعلام الورى، (مكا) لمكارم
~~الأخلاق، (ج) للاحتجاج، (قب) لمناقب ابن شهرآشوب ، (كشف) لكشف الغمة، (ف)
~~لتحف العقول، (مد) للعمدة، (نص) لكفاية النصوص، (نبه) لتنبيه الخاطر، (نهج)
~~لنهج البلاغة، (طب) لطب الأئمة، (صح) لصحيفة الرضا، (يج) للخرائج، (ص) لقصص
~~الأنبياء، (ضو) لضوء الشهاب، (طا) لأمان الأخطار، (شف) لكشف اليقين، (يف)
~~للطرائف، (قيه) للدروع الواقية، (فتح) لفتح الأبواب، (نجم) لكتاب النجوم،
~~(جم) لجمال الأسبوع، (قل) لإقبال الأعمال، (تم) لفلاح السائل; لكونه من
~~متممات المصباح، (مهج) لمهج الدعوات، (صبا) لمصباح الزائر، (حة) لفرحة
~~الغري، (كنز) لكنز جامع الفوائد، وتأويل الآيات الظاهرة (2)، (غو) لغوالي
~~اللآلي (3)، (جع) لجامع الأخبار، (ني) لغيبة النعماني، (فض) لكتاب الروضة;
~~لكونه في الفضائل، (مص) لمصباح الشريعة، (قبس) لقبس المصباح، (ط) للصراط
~~المستقيم، (خص) لمنتخب البصائر، (سر) للسرائر، (ق) للكتاب العتيق الغروي،
~~(كش) لرجال الكشي، (جش) لفهرست النجاشي، (بشا) لبشارة المصطفى، (ين) لكتابي
~~حسين بن سعيد، أو لكتابه والنوادر، (عين) للعيون والمحاسن، (غر) للغرر
~~والدرر، (كف) لمصباح الكفعمي، (لد) للبلد الأمين، (قضا) لقضاء الحقوق،
~~(محص) للتمحيص، (عدة) للعدة، (جنة) للجنة، (منها)
# PageV00P612
# للمنهاج، (د) للعدد، (يل)) للفضائل، (فر) لتفسير فرات بن إبراهيم، (عا)
~~لدعائم الإسلام (1).
# PageV00P613
# عائدة (61) في تحقيق معنى الإسراف وبيان تحريمه وموارده قد تكرر ذكر
~~الإسراف في الكتاب العزيز والأخبار وكلمات العلماء الأخيار، حاكمين بحرمته
~~وكونه من الأمور المحرمة، ولم أعثر في كلماتهم على من بين موارده تفصيلا
~~بحيث تمتاز موارده كلية عن غيره، وذكروه مجملا.
# مع أن بيانه من الأمور المهمة اللازمة، فأردت بيانه في هذه العائدة.
# والكلام فيه إما في حرمته، أو في حقيقته ومعناه.
# فهاهنا بحثان:
# البحث الأول: في تحريمه.
# وهو مما لا كلام فيه، ويدل عليه الإجماع القطعي، بل الضرورة الدينية،
~~والآيات الكثيرة، والأخبار المتعددة.
# قال الله سبحانه - عز جاره - في سورة الأعراف: * (كلوا واشربوا ولا
~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) * (1).
# PageV00P615
# وقال في سورة الأنعام: * (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب
~~المسرفين) ms393 * (1).
# وقال في سورة النساء: * (ولا تأكلوها إسرافا وبذارا) * (2).
# وقال في سورة الفرقان: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان
~~بين ذلك قواما) * (3).
# وقال في سورة بني إسرائيل: * (ولا تبذر تبذيرا إن المبذرين كانوا إخوان
~~الشياطين) * (4).
# وقال في سورة الشعراء: * (ولا تطيعوا أمر المسرفين) * (5).
# وفي سورة يونس في وصف فرعون: * (وإنه لمن المسرفين) * (6)، وفيها أيضا:
# * (كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون) * (7).
# وقال الله سبحانه: * (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط
~~فتقعد ملوما محسورا) * (8).
# وقال الله سبحانه في سورة المؤمن: * (وأن المسرفين هم أصحاب النار) *
~~(9).
# وأما الأخبار، فمنها:
# رواية داود الرقي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن القصد أمر يحبه
~~الله، وإن
# PageV00P616
# السرف أمر يبغضه الله، حتى طرحك النواة، فإنها تصلح لشئ، وحتى صبك فضل
~~شرابك) (1).
# ومرفوعة علي بن محمد، قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: (القصد مثراة،
~~والسرف متواة) (2).
# والمثراة، والمتواة - بكسر الميم - اسما آلة من الثروة، والتوى بالمثناة
~~الفوقانية، بمعنى الهلاك والتلف (3).
# ورواية مسعدة بن صدقة، المتضمنة لدخول الصوفية على أبي عبد الله عليه
~~السلام، و هي طويلة جدا سيأتي شطر منها في بحث بيان الإسراف، وفيها: (وفي
~~غير آية من كتاب الله يقول: * (إنه لا يحب المسرفين) *، فنهاهم عن الإسراف،
~~ونهاهم عن التقتير).
# إلى أن قال - في حق رجل رزقه الله عز وجل مالا كثيرا فأنفقه ثم يدعو -:
# (فيقول الله عز وجل: ألم أرزقك رزقا واسعا؟، فهلا اقتصدت فيه كما أمرتك،
~~و لم تسرف وقد نهيتك عن الإسراف؟) (4).
# ورواية عامر بن جذاعة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال لرجل: (اتق
~~الله ولا تسرف ولا تقتر، ولكن بين ذلك قواما، إن التبذير من الإسراف، قال
~~الله تعالى:
# * (ولا تبذر تبذيرا) * (5) (6).
# وفي رواية ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال:
# ما من نفقة أحب إلى الله عز وجل من نفقة قصد، ويبغض الإسراف، إلا في
# PageV00P617
# الحج والعمرة) (1).
# وفي رسالة مولانا ms394 الرضا عليه السلام إلى المأمون، المروية في عيون أخبار
~~الرضا، في بيان الكبائر: (هي قتل النفس التي حرم الله تعالى، والزنا،
~~والسرقة) إلى أن قال:
# (والإسراف، والتبذير) (2).
# وروى في تفسير الصافي أنه عليه السلام دعا برطب، فأقبل بعضهم يرمي
~~بالنوى، فقال عليه السلام: (لا تفعل إن هذا من التبذير، وإن الله لا يحب
~~الفساد) (3).
# وفي رواية عبيد، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (إن السرف يورث
~~الفقر، وإن القصد يورث الغنى) (4).
# وفي رواية عبد الله بن سنان، قال: سألت أبا الحسن الأول عليه السلام عن
~~النفقة على العيال؟ فقال: (ما بين المكروهين الإسراف والتقتير) (5).
# وفي رواية الثمالي عن علي بن الحسين عليه السلام، قال: (قال رسول الله
~~صلى الله عليه وآله وسلم:
# ثلاث منجيات، فذكر الثالث: القصد في الغنى والفقر) (6).
# وفي رواية ابن أبي يعفور، ويوسف بن عمارة، قالا: قال أبو عبد الله عليه
~~السلام:
# (إن مع الإسراف قلة البركة) (7).
# وفي رواية عمار أبي عاصم، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: (أربعة لا
~~يستجاب
# PageV00P618
# لهم، أحدهم من كان له مال فأفسده فيقول: يا رب ارزقني، فيقول الله عز
~~وجل:
# ألم آمرك بالاقتصاد) (1).
# وفي أخبار العامة عن عبد الله بن عمر: مر رسول الله صلى الله عليه وآله
~~وسلم بسعد، وهو يتوضأ، فقال: (لا تسرف، ما هذا السرف يا سعد) قال: أفي
~~الوضوء سرف؟! قال: (نعم وإن كنت على نهر جار) (2).
# ومثله مروي عن أمير المؤمنين أيضا (3).
# وفي رواية حريز، المروية في الكافي، عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن
~~لله ملكا يكتب سرف الوضوء، كما يكتب عدوانه) (4). إلى غير ذلك من الأخبار.
# وبعض هذه الأخبار وإن لم يفد أزيد من المذمة، أو المرجوحية، أو حسن تركه،
~~إلا أن النهي الصريح الوارد في الآيات العديدة وفي بعض الأخبار، والتصريح
~~ببغضه سبحانه له في بعض آخر، وبكونه آلة الهلاك في ثالث، و عده من الكبائر
~~في رابع، كما عده بعض علمائنا أيضا، (يدل على الحرمة) (5).
# قال ابن خاتون العاملي في ms395 شرحه الفارسي على أربعين شيخنا البهائي بعد عد
~~الكبائر ما ترجمته: وزاد بعضهم أربعة عشر ذنبا وعدها من الكبائر، إلى أن
~~قال: العاشر: الإسراف في مال نفسه، أي صرفه زائدا على القدر الذي ينبغي
~~(6).
# انتهى.
# والظاهر أن الإجماع على حرمته بعد الآيات المذكورة كفانا مؤنة الاشتغال
~~ببيان ذلك.
# PageV00P619
# البحث الثاني: في بيان ما هو إسراف، وتعيين موارده ومصاديقه.
# قال الجوهري في الصحاح: السرف ضد القصد، والسرف الإغفال والخطل، وقد سرفت
~~الشئ - بالكسر - إذا أغفلته وجهلته. إلى أن قال:
# والإسراف في النفقة: التبذير (1).
# وقال الفيروز آبادي في القاموس: السرف - محركة - ضد القصد، والإغفال
~~والخطأ إلى أن قال: والإسراف: التبذير، وما أنفق في غير طاعة (2).
# وقال ابن الأثير في نهايته: وفي حديث عائشة: (إن للحم سرفا كسرف الخمر)
~~(3) أي ضراوة كضراوتها، وشدة كشدتها; لأن من اعتاده ضري بأكله فأسرف فيه،
~~(مثل) (4) مدمن الخمر في ضراوته بها وقلة صبره عنها.
# وقيل: أراد بالسرف الغفلة، يقال: رجل سرف الفؤاد، أي غافل، وسرف العقل:
~~أي قليله.
# و [قيل:] (5) هو من الإسراف والتبذير في النفقة لغير حاجة، أو في غير
~~طاعة الله، شبهت ما يخرج في الإكثار من اللحم بما يخرج في الخمر.
# وقد تكرر ذكر الإسراف في الحديث، والغالب على ذكره الإكثار من الذنوب
~~والخطايا، واحتقاب الأوزار والآثام (6).
# PageV00P620
# وقال الطريحي في مجمع البحرين: قوله تعالى * (ولا تسرفوا) * الإسراف:
# أكل ما لا يحل. وقيل: مجاوزة القصد في الأكل مما أحل الله. وقيل: ما أنفق
~~في غير طاعة الله تعالى.
# وفي حديث الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام: (للمسرف ثلاث
~~علامات: يأكل ما ليس له، ويشتري ما ليس له، ويلبس ما ليس له) (1)، كأن
~~المعنى: يأكل ما لا يليق بحاله أكله، ويشتري ما لا يليق بحاله شراؤه، ويلبس
~~ما لا يليق بحاله لبسه (2).
# وقال ابن مسكويه في كتاب أدب الدنيا والدين: السرف: هو الجهل بمقادير
~~الحقوق. والتبذير: هو الجهل بمواقع الحقوق (3).
# وأما المفسرون:
# فقال الشيخ الجليل علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله سبحانه: * (والذين ms396
~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) * (4) إلى آخرها: والإسراف: الإنفاق في
~~المعصية من غير حق، * (ولم يقتروا) * لم يبخلوا عن حق الله. والقوام: العدل
~~والإنفاق في ما أمر الله) (5).
# وقال الشيخ أبو علي الطبرسي في مجمع البيان في تفسير قوله سبحانه:
# * (كلوا واشربوا ولا تسرفوا) * (6): أي لا تجاوزوا الحلال إلى الحرام.
# PageV00P621
# قال مجاهد: لو أنفقت مثل أحد في طاعة الله لم تك مسرفا، ولو أنفقت درهما
~~أو مدا في معصية الله لكان إسرافا. وقيل: معناه لا تخرجوا عن حد الاستواء
~~في زيادة المقدار . إلى أن قال: وقيل: معناه لا تأكلوا محرما ولا باطلا على
~~وجه لا يحل، وأكل الحرام وإن قل إسراف ومجاوزة للحد، وما استقبحه العقلاء
~~وعاد بالضرر عليكم فهو أيضا إسراف لا يحل كمن يطبخ القدر بماء الورد ويطرح
~~فيه المسك، وكمن لا يملك إلا دينارا، فاشترى به طيبا فتطيب به وترك عياله
~~محتاجين. * (إنه لا يحب المسرفين) * أي يبغضهم; لأنه سبحانه قد ذمهم به;
~~ولو كان بمعنى لا يحبهم ولا يبغضهم، لم يكن ذما لهم ولا مدحا (1).
# وقال في جوامع الجامع في تفسير قوله تعالى: * (إنكم لتأتون الرجال) * إلى
~~قوله: * (بل أنتم قوم مسرفون) * (2): متجاوزون الحد في الفساد، حتى تجاوزتم
~~المعتاد إلى غير المعتاد (3).
# وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله عز شأنه: * (إذا أنفقوا لم يسرفوا
~~ولم يقتروا) * (4) الآية: القتر والإقتار والتقتير: التضييق الذي هو نقيض
~~الإسراف. والإسراف: مجاوزة الحد في النفقة ووصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو
~~والتقصير، وبمثله امر رسول الله صلى الله عليه وآله * (ولا تجعل يدك...) *
~~(5) الآية.
# وقيل: الإسراف إنما هو الإنفاق في المعاصي، وأما في القرب فلا إسراف،
~~وسمع رجل رجلا يقول: لا خير في الاسراف، فقال: لا إسراف في
# PageV00P622
# الخير. إلى أن قال: عن عمر أنه قال: كفى سرفا أن لا يشتهي رجل شيئا
~~فاشتراه فأكله (1).
# وقال المقدس الأردبيلي - رحمة الله - في آيات الأحكام في تفسير قوله
~~تعالى: * (ولا تبذر تبذيرا) * (2): التبذير: تفريق المال فيما لا ينبغي،
~~وإنفاقه على وجه ms397 الإسراف، وكانت الجاهلية تنحر إبلها وتتياسر عليها، وتبذر
~~أموالها في الفخر والسمعة، وتذكر ذلك [في أشعارها] (3)، فأمر الله بالنفقة
~~في وجوهها مما يقرب منه ويزلف.
# وعن عبد الله: هو إنفاق المال في غير حقه، وعن مجاهد: لو أنفق مدا في
~~باطل كان تبذيرا (4).
# وقال أيضا في قوله تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا) *
~~(5) قيل: الإسراف هو النفقة في المعاصي، والإقتار الإمساك عن حق الله، عن
~~ابن عباس وقتادة. وقيل السرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار التقصير عما
~~لا بد منه، عن إبراهيم النخعي (6).
# قال أيضا بعد تفسير السفيه وذكر الاختلاف في معناه: فلو صرف ماله فيما لا
~~ينبغي عقلا أو شرعا وإن كان له فائدة دينية أو دنيوية، فإنه مضيع لذلك
~~المال شرعا، ومبذر وسفيه (7). إلى غير ذلك.
# والمستفاد من كلمات هؤلاء اللغويين والمفسرين: أن الإسراف يستعمل في معان
~~كثيرة: كالإغفال، والجهل، والخطأ، والخطل، والتبذير، وضد القصد، و
# PageV00P623
# مجاوزة الحد، وعن حد الاستواء، والإنفاق لغير حاجة، وفي غير حقه، وفي غير
~~طاعة الله، وفي المعصية، والإكثار من الذنوب، وما استقبحه العقلاء، والجهل
~~الخاص الذي هو الجهل بمقادير الحقوق، وهذه خمسة عشر معنى.
# والظاهر: اتحاد الإغفال والجهل; وكون الجهل بمقادير الحقوق أيضا فردا من
~~مطلق الجهل لا معنى برأسه; واتحاد الخطأ والخطل، فيعود إلى اثني عشر.
# وكذا الظاهر: أن ضد القصد هو مجاوزة الحد، والمراد بالحد أيضا هو حد
~~الاستواء; وأن الإنفاق في غير الحاجة هو الإنفاق في غير حقه، والإنفاق لغير
~~حاجة أيضا فرد من مجاوزة الحد، فإذا كان في المال يقال: الإنفاق بغير حاجة،
~~و إذا كان في الأفعال يقال: مجاوزة الحد. وأن الإكثار من الذنوب أيضا فرد
~~من هذا التجاوز لا معنى آخر. وأن التبذير الذي هو تفريق المال فيما لا
~~ينبغي أيضا فرد من الإنفاق في غير حاجة. وأن المراد من (في غير طاعة الله)
~~هو في المعصية، و إلا فالإنفاق بالمباح ليس إسرافا.
# فيعود مجموع المعاني إلى خمسة:
# الجهل، وإن شئت قلت: الإغفال، والخطأ، ms398 ومجاوزة الحد، وإن شئت قلت: ضد
~~القصد، والإنفاق في معصية الله، وما استقبحه العقلاء.
# ولما لم يكون إرادة المعنيين الأولين - أي الجهل والخطأ - من الإسراف في
~~المال - الذي كلامنا فيه وغرضنا بيانه - إلا بنوع إرجاع إلى أحد الثلاثة
~~الأخيرة، فالمعنى الذي يمكن إرادته من الإسراف في المال هو أحد هذه
~~الثلاثة.
# بل لما كان كل مجاوزة من الحد في المال مستقبحا للعقلاء، وكل مستقبح فيه
~~مجاوزة عن الحد، تعود المعاني الممكنة إرادتها من هذه المعاني إلى أحد
~~المعنيين: الإنفاق في المعصية، ومجاوزة الحد.
# وإن شئت عبرت عن الأخير بالإنفاق المستقبح عند العقلاء، أو الإنفاق في
~~غير حاجة، أو فيما لا ينبغي، أوفي غير حقه، أو خلاف الاقتصاد; فإن مآل الكل
~~ومرجعه واحد. PageV00P624
# فعلى هذا يكون المراد من الإسراف في المال والإنفاق أحد المعنيين: إما
~~الإنفاق في المعصية، أو التجاوز عن الحد في الإنفاق.
# الحد في الإنفاق.
# ويمكن أن يكون المعنى الأول أيضا فردا من الثاني، فإن الإنفاق في المعصية
~~أيضا تجاوز عن الحد.
# وقد ظهر من ذلك: أن مقتضى كلام اللغويين والمفسرين أن الإسراف في المال
~~والإنفاق إما مجاوزة الحد مطلقا، أو المجاوزة الخاصة، أي الإنفاق في
~~المعصية.
# وظهر أيضا: أنه لا شك في كون الثاني إسرافا، إما (1) لخصوصيته، أو لكونه
~~فردا منه.
# وادعى العلامة في التذكرة: الإجماع على كونه من الإسراف (2)، وظاهره
~~إجماع الأمة.
# وإنما الكلام في أنه هل هو مخصوص به - كما يظهر من بعض العبارات المتقدمة
~~- أو عام في كل إنفاق تجاوز عن الحد ولا يليق بالحال؟
# ويظهر من بعضهم: أنه مجاوزة الحد في غير وجوه الخير، وهذا أعم من الأول
~~وأخص من الثاني.
# ومنه يظهر أن الاحتمالات في معنى الإسراف ثلاثة:
# الأول: صرف المال متجاوزا عن الحد مطلقا، وهو ظاهر كل من يقول بوجود
~~الإسراف في وجوه الخير أيضا، منهم العلامة في التذكرة، حيث صرح بكون صرف
~~المال في وجوه الخير زائدا على اللائق بحاله إسرافا (3).
# ونفى عنه البعد في الكفاية (4)، وهو الظاهر من صاحب الوافي، ms399 حيث قال
# PageV00P625
# بعد نقل مرسلة الفقيه (قال علي بن الحسين عليه السلام: إن الرجل لينفق
~~ماله في حق، و إنه لمسرف) (1): بيان: يعني أنه يزيد في الإنفاق في الحق على
~~قدر الضرورة (2).
# وكذا هو الظاهر من ابن أخيه (3) في شرح المفاتيح، حيث نفى الفرق بين
~~الإسراف والتبذير، والتبذير هو صرف المال فيما لا ينبغي (4).
# ومن مؤلف كتاب نزهة القلوب، حيث قال - على ما حكى عنه ابن خاتون العاملي
~~في شرحه على الأربعين ما ترجمته -: إن الأكل في كل يوم مرتين إسراف (5).
~~وهو قول إبراهيم النخعي (6).
# والثاني: أنه صرف المال زائدا عن اللائق بحاله في غير وجوه الخير. ذكره
~~بعضهم، ونسبه في المسالك إلى المشهور (7)، وهو قول مجاهد (8).
# والثالث: أنه صرف المال في المعاصي خاصة. وهو المحكي عن ابن عباس و قتادة
~~(9). وهذا أخص من المعنيين الأولين، والثاني من الأول.
# ولا ريب في سقوط الأخير عن درجة الاعتبار; لمخالفته للعرف، والكتاب،
~~والمستفيضة من الاخبار.
# PageV00P626
# أما العرف: فلأن المتبادر من الإسراف فيه أعم من الصرف في المعاصي خاصة
~~قطعا.
# وأما الكتاب: فما مر من قوله سبحانه: * (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا)
~~* (1)، وقوله * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا) * (2)، دالا على أن التجاوز
~~عن الحد في إيتاء الحق، والإنفاق في سبيل الله أيضا إسراف، سيما بضميمة
~~الأخبار الواردة في بيان الآيتين، والاحتجاج بهما كما يأتي بعضها.
# وأما الأخبار: فمنها الروايات المتقدمة، كرواية داود الرقي، المصرحة بأن
~~طرح النواة إسراف، ونحوها المروي في الصافي، ورواية ابن أبي يعفور،
~~المتضمنة لتحقق الاسراف في الحج والعمرة، ورواية حريز والعامي، الدالين على
~~تحقق الاسراف في الوضوء، ومرسلة الفقيه، المصرحة بأن في إنفاق المال في
~~الحق يكون الاسراف.
# ومنها روايات اخر غير ما مر، كرواية حماد اللحام عن أبي عبد الله عليه
~~السلام قال:
# (لو أن رجلا أنفق ما في يده في سبيل من سبل الله ما كان أحسن، ولا وفق
~~للخير، أليس يقول الله تبارك وتعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة
~~وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) * (3) يعني ms400 المقتصدين) (4).
# دل بالتعليل على أن إنفاق ما في اليد في سبيل الله خلاف الاقتصاد، وهو
~~الاسراف.
# ورواية عبد الملك بن عمرو الأحول، قال: تلا أبو عبد الله عليه السلام هذه
~~الآية:
# * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * (5)
~~قال: فأخذ
# PageV00P627
# قبضة من حصى وقبضها بيده، فقال: (هذا الإقتار الذي ذكره الله تعالى في
~~كتابه)، ثم أخذ قبضة أخرى فأرخى [كفه كلها] (1) فقال: (هذا الإسراف)، ثم
~~أخذ قبضة أخرى فأرخى بعضها وأمسك بعضها، وقال: (هذا القوام) (2).
# فإنها صريحة في أن الزيادة في الإنفاق إسراف.
# وصحيحة عبد الله بن سنان عليه السلام، في قوله: * (إذا أنفقوا لم يسرفوا
~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * فبسط كفه وفرق أصابعه وحناها شيئا (3).
~~الحديث.
# ورواية هشام بن المثنى - الصحيحة (4) - عن ابن أبي عمير، قال: سأل رجل
~~أبا عبد الله عليه السلام عن قول الله تعالى: * (وآتوا حقه يوم حصاده ولا
~~تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) *، فقال: (كان فلان بن فلان الأنصاري - سماه -
~~وكان له حرث، فكان إذا أخذ يتصدق به ويبقى هو وعياله بغير شئ، فجعل [الله
~~عز وجل] ذلك سرفا) (5).
# وما رواه ثقة الاسلام، في صحيحة البزنطي، عن أبي الحسن عليه السلام، قال:
~~(كان أبي يقول: من الإسراف في الحصاد والجذاذ أن يصدق [الرجل] (6) بكفيه
~~جميعا، وكان أبي إذا حضر شيئا من هذا فرأى أحدا من غلمانه يتصدق بكفيه، صاح
~~به: أعط بيد واحدة القبضة بعد القبضة، الضغث بعد الضغث من السنبل) (7).
# والمروي في الصافي في قوله تعالى: * (ولا تجعل يدك مغلولة) * (8) الآية،
# PageV00P628
# قال: (نزلت لما سأله رجل فلم يحضره شئ، فأعطاه قميصه، قال: فأدبه الله
~~على القصد).
# أقول: هذه إشارة إلى رواية بكر بن عجلان المتضمنة لذلك المضمون (١). و
~~قال: وفي رواية: (فنهاه الله أن يبخل ويسرف ويقعد محسورا من الثياب (٢)
~~(٣).
# وموثقة سماعة عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها: (وليعد بما بقي من
~~الزكاة على عياله، وليشتر بذلك إدامهم وما يصلح من طعامهم من غير إسراف)
~~(٤).
# دلت على ms401 تحقق الاسراف في نفقة العيال من الوجه الحلال أيضا، إلى غير ذلك.
~~وسيأتي بعض ما يؤيد ما ذكر أيضا.
# ثم بما ذكرنا جميعا يظهر سقوط القول الثاني أيضا، من تخصيص الإسراف بغير
~~ما في وجوه الخير، فإن أكثر إنما هو وارد في وجوه الخير.
# وغاية ما يمكن أن يعارض به ذلك مدح الله سبحانه جماعة بقوله عز شأنه:
# ﴿ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
~~خصاصة﴾ (5) ورواية معاذ، قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،
~~فقال: " من أعطى في غير حق فقد أسرف، ومن منع من غير حق فقد " (6)، فخص
~~الإسراف بالإعطاء في غير الحق، وسبيل الخير حق.
# ويجاب عن الأول بما أجاب به أبو عبد الله عليه السلام الصوفية، كما في
~~رواية مسعدة بن صدقة، الطويلة، الواردة في ورود الصوفية عليه، واحتجاجهم
~~بالآية المذكورة على ما يدعون الناس إليه من الزهد والتقشف (7)، وقوله عليه
~~السلام لهم: (ألكم
# PageV00P629
# علم بناسخ القرآن ومنسوخه؟).
# إلى أن قال: (فأما ما ذكرتم من إخبار الله عز وجل إيانا في كتابه عن
~~القوم الذين أخبر عنهم بحسن فعالهم، فقد كان مباحا جائزا ولم يكونوا نهوا
~~عنه، و ثوابهم منه على الله عز وجل، وذلك أن الله - جل وتقدس - أمر بخلاف
~~ما عملوا به، فصار أمره ناسخا لفعلهم، وكان نهي الله تعالى رحمة منه
~~للمؤمنين).
# إلى أن قال: (ثم هذا ما نطق به الكتاب ردا لقولكم ونهيا عنه، مفروضا من
~~الله العزيز الحكيم، قال: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان
~~بين ذلك قواما) * (1)، أفلا ترون أن الله تبارك وتعالى قال غير ما أراكم
~~تدعون الناس إليه من الأثرة على أنفسهم، وسمى من فعل ما تدعون الناس إليه
~~مسرفا، وفي غير آية من كتاب الله يقول: * (إنه لا يحب المسرفين) * (2)
~~فنهاهم عن الإسراف ونهاهم عن التقتير، ولكن أمر بين أمرين) (3). الحديث.
# ويجاب عن الثاني: بظهور عدم صلاحيته لمعارضة الآيات والأخبار الغير
~~العديدة (4)، مع أنه لا دلالة له على عدم ms402 تحقق الإسراف في الحق إلا بمفهوم
~~اللقلب الذي ليس بحجة أصلا، بل لا يدل عليه بذلك المفهوم أيضا; لعدم
~~معلومية كون الزائد عن الحد في سبيل الله حقا.
# فظهر من جميع ما ذكر: أن معنى الإسراف في صرف المال المنهي عنه هو المعنى
~~الأول، أي مجاوزة الحد، وهذا ظاهر جدا، بل كأنه إجماعي أيضا.
# ولكن بقي الكلام في ذلك الحد الذي يتحقق الإسراف بالتجاوز عنه، وبيان ذلك
~~التجاوز.
# PageV00P630
# فنقول: المراد بالحد: حد الاستواء والوسط، أي بين التقتير الذي هو
~~التضييق وبين الإسراف، وهو الذي يسمى بالقصد والاقتصاد; لأنه بمعنى التوسط
~~والاعتدال في الأمور.
# وهو الذي أشار إليه سبحانه بقوله: * (لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك
~~قواما) * فإن القوام: العدل، الذي هو الوسط، كما صرح به الشيخ علي بن
~~إبراهيم كما مر (1).
# بل فسره به في مرسلة الفقيه: (قال الله تعالى: * (يسألونك ماذا ينفقون قل
~~العفو) * (2) والعفو: الوسط. وقال تعالى: * (والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا
~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) * والقوام: الوسط) (3).
# وما يدل على أن الحد، الوسط أيضا قوله سبحانه: * (ولا تجعل يدك مغلولة
~~إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط) * (4)، فنهى عن الطرفين وبقي الوسط.
# ويشير إليه: جعل الإسراف قسيما ومقابلا للقصد في مرفوعة علي بن محمد وله
~~وللتقتير في رواية مسعدة، وكذا في رواية عامر، وجعله فيها أحد طرفي القوام
~~الذي هو الوسط، وفي رواية ابن أبي يعفور، ورواية عبيد، وصرح به في رواية
~~عبد الله بن سنان، المتقدمة جميعا في صدر العائدة.
# وكذا يدل عليه ما فسر العفو المأمور بإنفاقه بالوسط، كمرسلة الفقيه
~~المتقدمة.
# ومرسلة ابن أبي عمير عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله تعالى: *
~~(ماذا ينفقون قل العفو) * (5) قال: (العفو: الوسط) (6).
# PageV00P631
# والمروي في الصافي في أنه التبذير، سئل عليه السلام عن هذه الآية، فقال:
~~(من أنفق شيئا في غير طاعة الله فهو مبذر، ومن أنفق في سبيل الله فهو
~~مقتصد) (1).
# ثم المراد بالوسط الذي يكون التجاوز عنه إسرافا: هو ما يسمى وسطا ms403 عرفا;
~~لان المرجع في معرفة حقائق اللغوية هي المصاديق العرفية، فالمرجع في معرفة
~~الوسط هو العرف، والوسط في العرف: هو صرف المال في القدر المحتاج إليه، أو
~~اللائق بحال الشخص; فكل صرف مال وإنفاق لم يكن كذلك فهو يكون إسرافا، سواء
~~لم يكن صرفا وإنفاقا بل كان تضييعا وإتلافا، أو كان صرفا ولم يكن لائقا
~~بحاله أو كان مما لا يحتاج إليه.
# وإلى الأول أشار عليه السلام في رواية داود الرقي المتقدمة، من جعل طرح
~~النواة و صب فضل الشراب إسرافا (2).
# وإلى الثاني أشار عليه السلام في رواية إسحاق بن عمار، قال: قلت لأبي عبد
~~الله عليه السلام: يكون للمؤمن عشرة أقمصة؟ قال: (نعم)، قلت: عشرون؟
# قال: (نعم)، قلت: ثلاثون؟ قال: (نعم ليس هذا من السرف، إنما السرف أن
~~تجعل ثوب صونك ثوب بذلتك) (3)، حيث إن هذا ليس إتلافا للمال، بل هو تجاوز
~~عن اللائق بالحال.
# وكذا إليه أشار أمير المؤمنين عليه السلام في رواية الأصبغ بن نباته،
~~المروية في الفقيه: (للمسرف ثلاث علامات: يأكل ما ليس له، ويشتري ما ليس
~~له، و يلبس ما ليس له) (4)، يعني ما لا يليق بحاله، كما مر بيانه عن مجمع
~~البحرين (5).
# PageV00P632
# وإليهما معا أشار عليه السلام في رواية سليمان بن صالح، قال: قلت لأبي
~~عبد الله عليه السلام: أدنى ما يجئ من حد الإسراف، قال: (ابتذالك ثوب صونك
~~و إهراقك فضل إنائك، وأكلك التمر ورميك النواة هاهنا وهاهنا) (1).
# وبمعناها مرسلة الفقيه عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام
~~(2)، ورواية أخرى لإسحاق (3).
# وإلى الثالث أشار عليه السلام في الأخبار المتقدمة (4) الناهية عن إنفاق
~~ما في اليد في سبيل الله، والجاعلة لإرخاء القبضة والتصدق بالكفين إسرافا;
~~لأن فيه تجاوزا عن القدر المحتاج إليه في عدم رد السائل، وامتثال أمر
~~الإتيان بالحق يوم الحصاد.
# وأشار إليه أيضا في ذيل مرسلة إسحاق بن عبد العزيز عن أبي عبد الله عليه
~~السلام، قلت: فما الإقتار؟ فقال: (أكل الخبز والملح وأنت تقدر على غيره)،
~~قلت: فما ms404 القصد؟ قال: (الخبز واللحم واللبن والسمن، مرة هذا ومرة هذا) (5)،
~~فإنه قيد بالمرة والمرة ليخرج عن الزائد عن القدر المحتاج إليه في الإدام،
~~الموجب للدخول في الإسراف.
# وظهر مما ذكر: أن الإسراف هو تضييع المال، أو صرفه فيما لا يليق بحاله،
~~أو فيما لا يحتاج إليه.
# أما التضييع فمصداقه واضح، وهو إتلافه، كإهراق الماء، وطرح النواة، و
~~إهراق اللبن والدبس، ونحو ذلك مما لا يعد خرجا وصرفا للمال أيضا; بل يقال:
# إنه جعله بلا مصرف، أو صرفه على وجه لا تترتب عليه فائدة أصلا، لا دينية
~~ولا دنيوية.
# PageV00P633
# والمراد بالفائدة: ما يكون مقصودا للعقلاء، ويعده العقلاء والذين بناؤهم
~~على تحكيم العقل فائدة، لا ما يكون فائدة عند سفهاء أهل الدنيا، والمنهمكين
~~في الملاعب، والعوام (1).
# كما حكي أن بعض المسرفين كان يضيف الناس، فيأمر غلمانه بكسر الأواني
~~النفيسة المملؤة من الأطعمة والأشربة عند إتيان الطعام، وصب ما فيها في
~~الظرف، حتى يصفه الأضياف بسعة الصدر وكثرة المال.
# وكما أن بعضهم يضعون الأثياب النفيسة والأقمشة العالية في المشاعل، ليكون
~~ضوؤها ذا ألوان.
# ومن ذلك ما يفعلونه في هذه الأزمنة من اللعب بالنار، ويقال له بالفارسية:
# آتشبازي.
# ومنه إضاءة السراج في النهار، ونحو ذلك.
# وأما الصرف فيما لا يليق بحاله: فهو أن يصرفه فيما تترتب عليه فائدة
~~دينية أو دنيوية ولو مجرد الزينة التي أباحها الله تعالى لعباده، ويعدها
~~العقلاء فائدة، ولكنها كانت غير لائقة بحاله عند أهل العرف، متجاوزة عن حده
~~وشأنه، كصرف السوقي الذي ليس له كل يوم درهمان مالا في تزويق بيته بالذهب
~~واللاجورد (2).
# وكاشتراء من لا يحتاج في سنة ولا سنتين مرة إلى الركوب، وليس له ضياع ولا
~~عقار ولا مداخل غير ما يقوت به عياله، فرسا بمائة دينار، وربطه، و صرف
~~المال في نفقته، ونحو ذلك.
# ومنه ما ذكره الإمام عليه السلام: من جعل ثوب الصون ثوب الابتذال.
# وإلى هذا أشار الإمام أبو عبد الله عليه السلام في موثقة سماعة بقوله:
~~(فإنه رب فقير
# PageV00P634
# أسرف من غني)، فقلت: ms405 كيف يكون الفقير أسرف من الغني؟! فقال: (إن الغني
~~ينفق مما أوتي، والفقير ينفق من غير ما أوتي) (1).
# وأما الصرف في غير حاجة: فهو أن يصرفه فيما له فائدة لائقة بحاله ولكن لا
~~يكون محتاجا إلى تلك الفائدة، كأن يبني من له عيال أو عيالان ويكفيه بيتان
~~أو ثلاثة أو أربعة، عشرة بيوت أو عشرين ويتركها. ويمكن إدخال ذلك في الثاني
~~أيضا.
# ويجمع الثلاثة ما تقدم في كلام صاحب المجمع والأردبيلي، من صرف المال
~~فيما يستقبحه العقلاء أو فيما لا ينبغي (2).
# وظهر مما ذكر أن شرط صدق الإسراف: الإتلاف، أو صرف المال وإنفاقه و خرجه،
~~فلو لم يكن شئ منهما لا يكون إسرافا، كجمع ما لا حاجة له إليه و حبسه، أو
~~ما لا يليق بحاله، ولو بتبديل بعض المال ببعض آخر، كأن يجمع ذهبا كثيرا ولا
~~يصرفه في مصرف، أو يبدله بأقمشة وأمتعة كثيرة.
# ولهذا ورد في أخبار كثيرة: أنه ليس من الإسراف أن يكون لأحد عشرة أقمصة
~~أو عشرون أو ثلاثون (3)، مع أن في تعدد الثياب فائدة أخرى، هي صون بعضها
~~ببعض.
# ويظهر أيضا مما ذكر: أن الاقتصاد هو صرف المال فيما يحتاج إليه، أو فيما
~~يترتب عليه فائدة مقصودة للعقلاء بقدر يليق بحاله.
# ومن الفوائد المقصودة: التجمل والزينة المندوب إليهما شرعا، بشرط أن لا
~~يتجاوز القدر اللائق.
# ومنها: استيفاء اللذات الجسمية أو النفسانية مما يعده العقلاء لذة،
~~ويطلبها
# PageV00P635
# العقلاء، لا مثل كسر الأواني للالتذاذ بصوت الكسر.
# ومن الفوائد: اللذات الحاصلة بالاعتياد لشئ إذا كان مما يعده العقلاء
~~لذة.
# ومنها: إصلاح البدن، كما ورد في مرسلة إسحاق بن عبد العزيز عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: إنا نكون في طريق مكة، فنريد الإحرام فنطلي، ولا
~~يكون معنا نخالة نتدلك بها من النورة فنتدلك بالدقيق، وقد دخلني بذلك ما
~~الله أعلم به، فقال عليه السلام: (أمخافة الإسراف؟) قلت: نعم، قال: (ليس
~~فيما أصلح البدن إسراف، إني ربما أمرت بالنقي، فيلت بالزيت، فأتدلك به،
~~إنما الإسراف فيما أفسد المال ms406 وأضر بالبدن) (1).
# ومن ذلك الحديث يعلم اعتناء الأوائل في امتثال الأحكام واجتناب المحرم،
~~بخلاف أهل هذه الأزمنة.
# ثم اعلم أن حرمة الإسراف عامة في جميع المصارف.
# وأما ما ورد في بعض الأخبار من أنه لا إسراف في الطيب (2)، أو الضوء (3)،
~~أو في الحج والعمرة (4)، أو في المأكول والمشروب (5)، فليس المراد نفي حرمة
~~الإسراف فيها، حتى أنه لو رش أحد فضاء بيته وسطوحه وباب داره بماء الورد،
~~أو يطلي أبواب بيته وجدرانه بالمسك والعنبر ولو كان فقيرا، جاز ذلك ولم يكن
~~مسرفا، وكذا إذا أسرج المشاعل في النهار أو نحوه، وكذا في البواقي.
# PageV00P636
# بل المراد: أن الإكثار في هذه الأمور مطلوب، والتجاوز عن الحد في الجملة
~~فيها معفو، مع أنه ورد: أن عدم الإسراف في المأكل لأنه لا يضيع، بل يأكله
~~الآكلون.
# ولو سلم، فإنما يكون من باب الاستثناء، والله سبحانه أعلم بحقائق أحكامه.
~~PageV00P637
# عائدة (62) في بيان قاعدة القرعة وشرعيتها من القواعد المقررة المعمول
~~عليها عند أصحابنا: القرعة. رجعوا إليها في كثير من الأبواب واتكلوا عليها
~~كثيرا في تمييز الخطأ والصواب.
# ولكن نرى كثيرا منهم غير سالكين فيها مسلكا منضبطا، فيرجعون إليها في
~~أمور مشتبهة، ولا يتعرضون لها في أمور اخر أولى بها مما رجعوا إليها.
# وبيان حالها ومقامها وكيفيتها، وما يتعلق بها، من الأمور المهمة، فاللازم
~~للفقيه: تأسيس أصل فيها ليكون مرجعا له.
# والكلام فيها إما في شرعيتها وتوقيفيتها، أو فيمن يشرع له القرعة وتنفذ
~~قرعته، أو في موردها ومحل إجرائها، أو في كيفيتها، أو في كونها عزيمة أو
~~رخصة، أو في لزوم العمل بمقتضاها أو جوازه.
# فها هنا ستة أبحاث:
# البحث الأول في شرعيتها وتوقيفيتها من الشارع.
# وبيانها إنما يكون بذكر الأدلة الدالة عليها، والأخبار الواردة فيها.
# PageV00P639
# أما الأول: فنقول: قد ثبتت شرعيتها بالكتاب، والسنة، والإجماع.
# أما الكتاب:
# فقال الله سبحانه في بيان أحوال يونس النبي على نبينا وآله عليه السلام:
~~(فساهم فكان من المدحضين) 1 أي: فقارع فصار من المغلوبين 2 بالقرعة، وأصل
~~الدحض: الزلق 3.
# روي أن يونس ms407 لما وعد قومه بالعذاب، خرج من بينهم قبل أن يأمره الله
~~تعالى، فركب في السفينة فوقفت السفينة، فقالوا: هنا عبد آبق من مولاه،
~~فأقرعوا، فخرجت القرعة على يونس، فرموه أو رمى بنفسه في الماء، فالتقمه
~~الحوت 4.
# وقد ورد احتجاج الإمام بهذه الآية على شرعية القرعة، كما يأتي 5.
# وقال سبحانه: (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) 6.
# وأما السنة:
# فكثيرة جدا، مذكورة في أبواب متفرقة، بل بالغة حد التواتر معنى.
# NoteV00P640N01 - منها: ما رواه الصدوق في الفقيه، والشيخ في التهذيب، عن
~~محمد بن حكيم، قال سألت أبا الحسن موسى عليه السلام عن شئ، فقال: (كل مجهول
~~ففيه القرعة)، قلت له: إن القرعة تخطئ وتصيب، فقال: (كل ما حكم الله به
~~فليس بمخطئ) 7.
# أقول: هذا الحديث يحتمل معنيين:
# PageV00P640
# أحدهما: أن حكم الله لا يخطئ في القرعة أبدا.
# والثاني: أن ما خرج بالقرعة فهو حكم الله وإن أخطأ القرعة، فإن الحكم ليس
~~بخطأ.
# NoteV00P641N02 - ومنها: مرسلة الفقيه عن الصادق عليه السلام، قال: (ما
~~تقارع قوم فوضوا أمرهم إلى الله إلا خرج سهم المحق).
# وقال: (أي قضية أعدل من القرعة إذا فوض الأمر إلى الله، أليس الله تعالى
~~يقول: (فساهم فكان من المدحضين)) 1.
# NoteV00P641N03 - ومنها: ما رواه في التهذيب صحيحا، عن جميل، قال: قال
~~الطيار لزرارة: ما تقول في المساهمة أليس حقا؟
# فقال زرارة: بل هي حق، فقال الطيار:
# أليس قد ورد أنه يخرج سهم المحق؟ قال: بلى، قال: تعال حتى أدعى أنا وأنت
~~شيئا، ثم نساهم عليه وننظر هكذا هو؟
# فقال زرارة: إنما جاء الحديث بأنه ليس قوم فوضوا أمرهم إلى الله ثم
~~اقرعوا إلا خرج سهم المحق، فأما على التجارب فلم يوضع على التجارب.
# فقال الطيار: أرأيت إن كانا جميعا مدعيين، ادعيا ما ليس لهما، من أين
~~يخرج سهم أحدهما؟ فقال زرارة: إذا كان كذلك جعل معه سهم مبيح، فإن كانا
~~ادعيا ما ليس لهما خرج سهم المبيح 2.
# NoteV00P641N04 - ومنها: مرسلة داود بن أبي يزيد العطار، المروية في
~~الكافي والتهذيب، ms408 عن أبي عبد الله عليه السلام: في رجل كانت له امرأة، فجاء
~~رجل بشهود فشهدوا أن هذه المرأة امرأة فلان، وجاء آخرون فشهدوا أنها امرأة
~~فلان، فاعتدل الشهود، وعدلوا، قال: (يقرع بين الشهود، فمن خرج سهمه فهو
~~المحق وهو أولى بها) 3.
# PageV00P641
# NoteV00P642N05 - ومنها: رواية زرارة، المروية فيهما أيضا، عن أبي جعفر
~~عليه السلام، قال:
# قلت له: رجل شهد له رجلان بأن له عند رجل خمسين درهما، وجاء آخران فشهدا
~~بأن له عنده مائة درهم، كلهم شهدوا في موقف، قال: (أقرع بينهم، ثم استحلف
~~الذين أصابهم القرع بالله أنهم يشهدون بالحق) 1.
# أقول: لعله أريد بقوله: عند رجل، أنه كان وديعة عنده، وكانت الشهود جميعا
~~حضورا عند الإيداع، وهذا معنى قوله: كلهم شهدوا في موقف، والمراد بالموقف
~~المكان الخاص والزمان الخاص والسبب الخاص، حتى يتناقض الشهادتان.
# NoteV00P642N06 - ومنها: موثقة سماعة، المروية في الفقيه، والتهذيب،
~~الاستبصار، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال (إن رجلين اختصما إلى علي
~~عليه السلام في دابة، فزعم كل واحد منهما أنها نتجت على مذوده، وأقام كل
~~واحد منهما بينة سواء في العدد، فأقرع بينهما سهمين، فعلم السهمين كل واحد
~~منهما بعلامة، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، ورب
~~العرش العظيم، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، أيهما كان صاحب الدابة
~~وهو أولى بها، فأسألك أن تخرج سهمه، فخرج سهم أحدهما، فقضى له بها) 2.
# NoteV00P642N07 - ومنها: رواية عبد الله بن سنان، المروية في التهذيب،
~~والاستبصار، و هي أيضا كسابقتها، إلا أنه قال في آخرها: (فأسألك أن تقرع
~~وتخرج اسمه، فخرج اسم أحدهما، فقضى له بها) 3.
# PageV00P642
# NoteV00P643N08 - ومنها: صحيحة الحلبي، المروية في التهذيب، والاستبصار،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام: في شاهدين شهدا على أمر واحد، وجاء آخران
~~فشهدا على غير الذي شهدا، واختلفوا، قال: (يقرع بينهم، فأيهم قرع فعليه
~~اليمين وهو أولى بالقضاء) 1. NoteV00P643N09 - ومنها: صحيحة داود بن سرحان،
~~المروية في الكتب الأربعة، عن أبي عبد الله عليه السلام، وهي أيضا مثل
~~سابقتها، إلا أن في ms409 آخرها قال: (أولى بالحق) مكان (أولى بالقضاء) 2.
# NoteV00P643N10 - ومنها: صحيحة البصري 3، المروية في الكتب الأربعة أيضا،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (كان علي عليه السلام إذا أتاه رجلان
~~يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء، أقرع بينهم على أيهم يصير اليمين،
~~قال: وكان يقول:
# اللهم رب السماوات السبع أيهم كان الحق له فأده إليه، ثم يجعل الحق للذي
~~يصير عليه اليمين إذا حلف) 4.
# NoteV00P643N11 - ومنها: رواية أبي بصير، المروية في الكافي، والتهذيب،
~~ورواها في الفقيه مرسلة عن أبي جعفر عليه السلام، والحديث طويل جدا، وارد
~~في قضية الشاب الذي خرج أبوه مع جماعة، ثم جاؤوا وشهدوا بموته، في حكم أمير
~~المؤمنين عليه السلام، وفيه قضية داود النبي عليه السلام، وفي آخره: (ثم إن
~~الفتى والقوم اختلفوا في مال الفتى كم كان، فأخذ أمير المؤمنين خاتمه وجميع
~~خواتيم من
# PageV00P643
# عنده، ثم قال: أجيلوا هذه السهام، فأيكم أخرج خاتمي فهو صادق في دعواه،
~~لأنه سهم الله وسهم الله لا يخيب) 1.
# NoteV00P644N12 - ومنها: رواية أصبغ بن نباتة، المروية في الكافي، وهي
~~أيضا طويلة واردة في قضية الشاب، وفى آخرها: (إن ادعى الغلام أن أباه خلف
~~مائة ألف أو أقل أو أكثر، وقال القوم: لا، بل عشرة آلاف أو أقل أو أكثر،
~~فلهؤلاء قول و لهذا قول، قال: فإني آخذ خاتمه وخواتيمهم فألقيها في مكان
~~واحد، ثم أقول:
# أجيلوا هذه السهام، فأيكم خرج سهمه فهو الصادق في دعواه، لأنه سهم الله و
~~سهم الله لا يخيب) 2. NoteV00P644N13 - ومنها: صحيحة محمد بن مسلم، المروية
~~في التهذيب، والفقيه، عن أبي جعفر عليه السلام، في الرجل يكون له المملوكون
~~فيوصي بعتق ثلثهم، قال: (كان علي عليه السلام يسهم بينهم) 3.
# أقول: قوله: (يسهم): أي يقرع.
# NoteV00P644N14 - ومنها: رواية أبي حمزة الثمالي، قال، قال: إن رجلا
~~حضرته الوفاة، فأوصى إلى ولده: غلامي يسار هو ابني فورثوه مثل ميراث أحدكم،
~~و غلامي يسار فأعتقوه فهو حر، فذهبوا يسألونه أيما يعتق وأيما يرث؟ فاعتقل
~~لسانه، قال: فسألوا الناس فلم يكن ms410 عند أحد جواب، حتى أتوا أبا عبد الله
~~عليه السلام، فعرضوا المسألة عليه، إلى أن قال: (ترون أعلمكم أمر الصغير؟)
~~قال: فجعل عشرة أسهم للولد وعشرة أسهم للعبد، قال: ثم أسهم عشر مرات قال:
# فوقعت على الصغير سهام الولد، قال: فقال: (أعتقوا هذا وورثوا هذا) 4.
# PageV00P644
# NoteV00P645N15 - ومنها: موثقة الحسين بن المختار، المروية في الكافي،
~~والفقيه، والتهذيب، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لأبي حنيفة: (يا أبا
~~حنيفة، ما تقول في بيت سقط على قوم وبقي منهم صبيان، أحدهما حر والآخر
~~مملوك لصاحبه، فلم يعرف الحر من المملوك؟)، فقال أبو حنيفة: يعتق نصف هذا
~~ونصف هذا، و يقسم المال بينهما.
# فقال أبو عبد الله عليه السلام: (ليس كذلك، ولكنه يقرع بينهما فمن أصابته
~~القرعة فهو الحر، ويعتق هذا، فيجعل مولى له) 1.
# NoteV00P645N16 - ومنها: صحيحة حريز المروية في التهذيب، عن أحدهما
~~عليهما السلام، قال: (قضى أمير المؤمنين عليه السلام باليمن في قوم انهدمت
~~عليهم دار لهم، فبقي منهم صبيان أحدهما مملوك والآخر حر، فأسهم بينهما،
~~فخرج السهم على أحدهما، فجعل المال له وأعتق الآخر) 2.
# NoteV00P645N17 - ومنها: صحيحة حماد بن عيسى، المروية في الكافي، عن
~~أحدهما عليهما السلام، وهي أيضا مثل سابقتها 3.
# NoteV00P645N18 - ومنها: مرسلة حريز، المروية في التهذيب، عن أبي جعفر
~~عليه السلام، و هي أيضا مثل السابقتين 4.
# NoteV00P645N19 - ومنها: رواية محمد بن مسلم، المروية في التهذيب، عن
~~أحدهما عليهما السلام، قال: قلت له: أمة وحرة سقط عليهما البيت، وقد ولدتا،
~~فمات الأمان وبقي الابنان، كيف يورثان؟ قال: فقال: (يسهم عليهما ثلاثا ولاء
~~-
# PageV00P645
# يعني: ثلاث مرات - فأيهما أصابه السهم ورث الآخر) 1.
# NoteV00P646N20 - ومنها: رواية محمد بن مسلم، المروية في التهذيب، عن
~~أحدهما عليهما السلام، قال: قلت: أمة وحرة وقع عليهما بيت، وقد ولدتا،
~~وماتا، كيف تورثان؟ قال: (يسهم عليهما ثلاث مرات ولاء، فأيهما أصابه السهم
~~ورث الآخر) 2.
# NoteV00P646N21 - ومنها: رواية العباس بن هلال، المروية في التهذيب، عن
~~أبي الحسن الرضا عليه السلام، قال: (ذكر أن ابن أبي ليلى وابن شبرمة دخلا ms411
~~المسجد الحرام، فأتيا محمد بن علي عليهما السلام، فقال لهما: بم تقضيان؟
~~قالا: بكتاب الله والسنة، فقال: فما لم تجداه في الكتاب والسنة؟ قالا:
~~نجتهد رأينا، قال: رأيكما أنتما؟! فما تقولان في امرأة وجاريتها كانتا
~~ترضعان صبيين في بيت، فسقط عليهما فماتتا وسلم الصبيان؟ قالا: القافة، قال:
~~القافة تلحقهما بهما، قالا:
# فأخبرنا، قال: لا.
# قال ابن داود، مولى له: جعلت فداك بلغني أن أمير المؤمنين عليه السلام
~~قال: مامن قوم فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل، وألقوا سهامهم، إلا خرج السهم
~~الأصوب، فسكت) 3.
# أقول: القافة: جمع القائف، وهو الذي يحكم في النسب بالقيافة والشبه،
~~ويلحق بذاك 4.
# NoteV00P646N22 - ومنها صحيحة الفضيل بن يسار، المروية في الكافي،
~~والتهذيب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مولود ليس له ما للرجال
~~ولا ما للنساء؟ قال: (يقرع
# PageV00P646
# الإمام أو المقرع، يكتب على سهم عبد الله وعلى سهم أمة الله، ثم يقول
~~الإمام أو المقرع: اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، عالم الغيب والشهادة،
~~أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، فبين لنا أمر هذا المولود كيف
~~يورث ما فرضت له في الكتاب، ثم يطرح السهمان في سهام مبهمة ثم يحال السهام،
~~على ما خرج ورث عليه) 1.
# NoteV00P647N23 - ومنها: صحيحة أخرى له، المروية في التهذيب، والفقيه، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، وهي أيضا مثل سابقتها 2.
# NoteV00P647N24 - ومنها: مرسلة ثعلبة، المروية في الكافي، والتهذيب، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن مولود ليس بذكر ولا أنثى، ليس له
~~إلا دبر، كيف يورث؟ قال: (يجلس الإمام ويجلس عنده ناس من المسلمين، فيدعون
~~الله، و تجال السهام عليه أي ميراث يورثه، أميراث الذكر، أو ميراث الأنثى،
~~فأي ذلك خرج عليه ورثه).
# ثم قال: (وأي قضية أعدل من قضية تجال عليه السهام، يقول الله: (فساهم
~~فكان من المدحضين) 3.
# قال: (وما من أمر يختلف فيه اثنان إلا وله أصل في كتاب الله ولكن لا
~~تبلغه عقول الرجال) 4.
# NoteV00P647N25 - ومنها: موثقة ابن مسكان، المروية في ms412 التهذيب، عن أبي
~~عبد الله عليه السلام، وهي مثل سابقتها إلى قوله (من المدحضين) 5.
# NoteV00P647N26 - ومنها: رواية اسحق الفزاري، المروية في التهذيب، عن أبي
# PageV00P647
# عبد الله عليه السلام، وهي أيضا مثل سابقتها 1.
# NoteV00P648N27 - ومنها: رواية السكوني، المروية في الكافي، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، و هي أيضا مثل سابقتها 2.
# NoteV00P648N28 - ومنها: صحيحة الحلبي، المروية في التهذيب، عن أبي عبد
~~الله عليه السلام، قال: (إذا وقع العبد والحر والمشرك بامرأة في طهر واحد،
~~فادعوا الولد، أقرع بينهم، فكان الولد للذي يخرج سهمه) 3.
# NoteV00P648N29 - ومنها: صحيحة محمد بن مسلم والحلبي، المروية في الكافي،
~~عن أبي عبد الله عليه السلام، وهي أيضا كسابقتها 4.
# NoteV00P648N30 - ومنها: صحيحة أبي بصير، المروية في الكتب الأربعة عن
~~أبي جعفر عليه السلام، قال: (بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا
~~عليه السلام إلى اليمن، فقال له حين قدم:
# حدثني بأعجب ما ورد عليك، قال: يا رسول الله، أتاني قوم قد تبايعوا جارية
~~فوطئوها جميعا في طهر واحد، فولدت غلاما، فاختلفوا فيه، كلهم يدعيه، فأسهمت
~~بينهم وجعلته للذي خرج سهمه وضمنته نصيبهم.
# فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ليس من قوم تنازعوا ثم فوضوا أمرهم
~~إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق) 5.
# NoteV00P648N31 - ومنها: مرسلة عاصم بن حميد، المروية في التهذيب،
~~والاستبصار، عن أبي جعفر عليه السلام، وهي مثل سابقتها 6.
# PageV00P648
# NoteV00P649N32 - ومنها: صحيحة معاوية بن عمار، المروية في الفقيه،
~~والتهذيب، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إذا وطئ رجلان أو ثلاثة
~~جارية في طهر واحد، فولدت، فادعوه جميعا، أقرع الوالي بينهم، فمن قرع كان
~~الولد ولده) 1، الحديث.
# NoteV00P649N33 - ومنها: صحيحة سليمان بن خالد، المروية في التهذيب، عن
~~أبي عبد الله عليه السلام، قال: (قضى علي عليه السلام في ثلاثة وقعوا على
~~امرأة في طهر واحد، وذلك في الجاهلية قبل أن يظهر الإسلام فأقرع بينهم وجعل
~~الولد لمن قرع، وجعل ثلثي الدية للآخرين، فضحك رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم حتى بدت نواجده، ms413 قال: وما أعلم فيها شيئا إلا ما قضى علي عليه
~~السلام) 2.
# NoteV00P649N34 - ومنها: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام، قال:
~~(إذا وقع المسلم واليهودي والنصراني على المرأة في طهر واحد، قرع بينهم،
~~وكان الولد للذي يصيبه القرعة) 3.
# NoteV00P649N35 - ومنها: رواية سيابة وإبراهيم بن عمر، المروية في
~~التهذيب، عن أبي عبد الله عليه السلام، في رجل قال: أول مملوك أملكه فهو
~~حر، فورث ثلاثة، قال (يقرع بينهم فمن أصابته القرعة أعتق) قال: (والقرعة
~~سنة) 4.
# NoteV00P649N36 - ومنها: صحيحة الحلبي عن الصادق عليه السلام، في رجل
~~قال: أول مملوك أملكه فهو حر، فورث سبعة جميعا، قال: (يقرع بينهم ويعتق
~~الذي خرج سهمه) 5.
# NoteV00P649N37 - ومنها: رواية محمد بن مروان، المروية في الكافي،
~~والتهذيب، عن
# PageV00P649
# أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن أبا جعفر عليه السلام مات وترك ستين
~~غلاما، وأعتق ثلثهم، فأقرعت بينهم وأخرجت عشرين فأعتقهم) 1.
# NoteV00P650N38 - ومنها: روايته أيضا عنه عليه السلام قال: (إن أبي ترك
~~ستين مملوكا، فأقرعت بينهم، فأخرجت عشرين فأعتقتهم) 2. NoteV00P650N39 -
~~ومنها: رواية أخرى مروية في التهذيب عنه عليه السلام، وهي أيضا قريبة من
~~سابقتها 3.
# NoteV00P650N40 - ومنها: صحيحة محمد بن عيسى، المروية في التهذيب، عن
~~الرجل عليه السلام، عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة، قال: (إن عرفها ذبحها
~~و أحرقها، وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها، فيذبح وتحرق،
~~وقد نجت سائرها) 4.
# NoteV00P650N41 - ومنها: مرسلة حماد، المروية في التهذيب، عن أحدهما
~~عليهما السلام، قال: (القرعة لا تكون إلا للإمام) 5.
# NoteV00P650N42 - ومنها: رواية يونس، المروية في الكافي، قال في رجل كان
~~له عدة من مماليك، فقال أيكم علمني آية من كتاب الله فهو حر، فعلمه واحد
~~منهم، ثم مات المولى ولم يدر أيهم الذي علمه الآية، هل يستخرج بالقرعة؟
~~قال: (نعم، ولا يجوز أن يستخرجه أحد إلا الإمام، فإن له كلاما وقت القرعة
~~ودعاءا لا يعلمه سواه، ولا يقتدر عليه غيره) 6.
# PageV00P650
# NoteV00P651N43 - ومنها: ما روي: أن رجلا من الأنصار أعتق ستة أعبد في
~~مرض ms414 موته ولا مال له غيرهم، فلما رفعت القضية إلى رسول الله صلى الله عليه
~~وآله وسلم، قسمهم بالتعديل و أقرع بينهم، وأعتق اثنين بالقرعة 1.
# NoteV00P651N44 - ومنها: ما روي أيضا: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
~~أقرع بالكتابة على الرقاع 2.
# NoteV00P651N45 - ومنها: ما روي أيضا: أنه صلى الله عليه وآله وسلم أقرع
~~في بعض الغنائم بالبعرة، وأنه أقرع مرة أخرى بالنوى 3.
# NoteV00P651N46 - ومنها: المروي في الفقه الرضوي في باب الشهادات وكل
~~مالا يتهيأ فيه الإشهاد عليه، قال: (الحق فيه أن يستعمل فيه القرعة) 4.
# وقد روى عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (فأي؟ قضية أعدل من
~~القرعة) 5.
# إلى غير ذلك من الأخبار التي يقف عليها المتتبع في الأبواب المتفرقة من
~~كتب الأخبار. وأما الإجماع فثبوته في مشروعية القرعة وكونها مرجعا للتميز
~~والمعرفة في الجملة مما لا شك فيه ولا شبهة تعتريه، كما يظهر لكل من تتبع
~~كلمات المتقدمين والمتأخرين في كثير من أبواب الفقه، فإنه يراهم مجمعين على
~~العمل بها، وبناء الأمر عليها طرا، وإن اختلفوا في بعض الموارد.
# وثبوت العلم بالإجماع من تتبع أقوالهم في الموارد المختلفة كثبوت العلم
~~بما تواتر معنى، فإن كل فرد فرد من الأخبار وإن لم يفد العلم، إلا أن
~~المتحصل من اجتماعها العلم القطعي، فإن أكثر موارد القرعة التي ذكروها وإن
~~وقع فيه
# PageV00P651
# الخلاف، إلا أنه يتحصل من اجتماعها: العلم بانعقاد الإجماع على
~~مشروعيتها.
# بل من الموارد أيضا: ما اتفقوا فيه على الإقراع وإن كان ما اختلفوا فيه
~~أيضا كثيرا. فلاحظ باب قسمة الأعيان المشتركة، وباب قسمة الليالي للزوجات.
# وذكر الشهيد في قواعده إقراع النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أزواجه
~~1، وباب تزاحم المدعيين عند القاضي، وباب تداعي رجلين أو أكثر ولدا، وباب
~~تعارض البينات، وباب توريث الخنثى المشكل، وباب توريث المشتبه تقدم موت
~~أحدهما، وباب الوصايا المتعددة، المشكوك تقدم ما تقدم منه، إذا لم يف الثلث
~~بالجميع، وباب ما إذا أوصى بعتق عبيده ولم يف الثلث بالجميع، وباب اشتباه
~~الشاة المنكوحة، ms415 ذكرها بعضهم في الشبهة المحصورة أيضا، وغير ذلك من أبواب
~~الفقه ومسائله.
# وجعل الشيخ أبو جعفر الطوسي - قدس سره - القرعة في تداعي الرجلين في ولد
~~من مقتضيات مذهبنا 2.
# وادعى في الخلاف الإجماع ظاهرا على أن القرعة في كل أمر مجهول، قال في
~~مسألة تقديم الأسبق ورودا من المدعيين: إن القرعة مذهبنا في كل أمر مجهول
~~3.
# وقال شيخنا الشهيد الأول - قدس سره - في قواعده: ثبت عندنا قولهم: (كل
~~أمر مجهول فيه القرعة).
# وهو أيضا ظاهر في دعوى الإجماع، قال: وذلك لأن فيها - عند تساوي الحقوق
~~والمصالح ووقوع التنازع - دفعا للضغائن والأحقاد، والرضا بما جرت به
~~الأقدار وقضاء الملك الجبار 4.
# انتهى.
# PageV00P652
# ونقل فيها أيضا: إجماع (التابعين) 1 على القرعة في تعيين ثلث العبيد
~~الموصى بعتقهم بالقرعة، ونسبه إلى الإمام زين العابدين عليه السلام، وعمر
~~بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد، وأبان بن عثمان، وابن سيرين، وغيرهم، قال:
~~ولم ينقل في عصرهم خلاف ذلك 2. انتهى.
# وقال محمد بن إدريس الحلي في السرائر في باب سماع البينات:
# وإجماعهم على أن كل أمر مشكل فيه القرعة.
# وقال أيضا في ذلك الباب: وكل أمر مشكل مجهول بسببه الحكم، فينبغي أن
~~تستعمل فيه القرعة، لما روي عن الأئمة عليهم السلام، وتواترت به الآثار،
~~وأجمعت عليه الشيعة الإمامية 3 - 4.
# وأسند بعض متأخري المتأخرين: أن القرعة في كل أمر مجهول، إلى رواية
~~أصحابنا 5، وهو ظاهر في اتفاقهم على روايته.
# وبالجملة: انعقاد الإجماع على مشروعية القرعة أظهر ظاهر للفقهاء، بل يمكن
~~ادعاء الضرورة المذهبية فيه أيضا. البحث الثاني في بيان أن القرعة هل تجوز
~~لكل أحد، أو هي وظيفة شخص خاص؟
# اعلم أن مقتضى الرواية الأربعين، والرواية الإحدى والأربعين 6 - وهما
~~مرسلة حماد، ورواية يونس - اختصاص جواز القرعة بالإمام وكونها من
# PageV00P653
# وظيفته، وعدم جوازها لغيره.
# إلا أن مقتضى الروايات: الثانية، والثالثة، والحادية والعشرين، والمتضمنة
~~لقوله عليه السلام: (ما يقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله)، و (ليس قوم
~~فوضوا أمرهم إلى الله ثم أقرعوا)، و (ما من قوم فوضوا أمرهم إلى ms416 الله عز
~~وجل وألقوا سهامهم) العموم لكل قوم.
# ويعضده إطلاق قوله: (تجال عليه السهام) في الروايات الرابعة والعشرين،
~~والخامسة والعشرين، والسادسة والعشرين، والسابعة والعشرين.
# والقول بأن مقتضى القاعدة تخصيص الروايات الأخيرة بالأوليين، فتختص بإمام
~~الأصل، مردود بأنه يوجب خروج الأكثر، وأي أكثر! ومثل ذلك لا يصح عند الأكثر
~~وعلى الأظهر. هذا.
# مع أن اختصاص الإمام بإمام الأصل في ذلك المقام غير معلوم، ولو سلم فهو
~~مخالف لإجماع أصحابنا، كما يظهر من تتبع أقوالهم في الأبواب المذكورة و
~~غيرها، ولا أقل من لشهرة بينهم، العظيمة، الجديدة والقديمة، ومثل ذلك الخبر
~~خارج عن حيز الحجية، مع أن رواية يونس ليست مسندة إلى إمام، بل الظاهر أنه
~~من قول يونس.
# ومع ذلك معارضتان بأخبار أخر، إما عامة للإمام أيضا، كالثانية و
~~الثلاثين، المتضمنة للفظ الوالي، أو ناصة على غير الإمام ومصرحة،
~~كالروايتين الثانية والعشرين، والثالثة والعشرين المتضمنتين لقوله عليه
~~السلام: (المقرع) عطفا على (الإمام). وكون أولاهما صحيحة بنفسها وعمن أجمعت
~~العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وكلتاهما مستندتان إلى الإمام.
# وكالروايتين الحادية عشر، والثانية عشر، المتضمنة لقوله: (أجيلوا هذه
~~السهام)، حيث أمر الإمام عليه السلام القوم بإجالة السهام والإخراج.
# ويؤيده قول الطيار في الرواية الثالثة: ثم نساهم عليه)، وجواب زرارة بما
~~PageV00P654
# أجاب، وأنه لم يقل المساهمة وظيفة الإمام.
# وكذا يؤيده قوله في الرواية الخامسة: (أقرع بينهم ثم استحلف) حيث أمر
~~السائل بالإقراع. وإنما جعلناها مؤيدة، لاحتمال أن يكون (أقرع واستحلف)
~~بصيغة المتكلم أو الماضي المجهول.
# وعلى هذا، فلو صلحت الروايتان المعارضة هذه، تتعارضان وتتساقطان، وتبقى
~~العمومات والإطلاقات بلا معارض، مع أنهما غير صالحتين للمعارضة كما عرفت.
# هذا إذا حملنا الروايتين على أنه لا يجوز مباشرة القرعة إلا للإمام
~~بنفسه، و أما إذا حملناهما على أنه ليس اختيار القرعة إلا للإمام، وأن
~~للقرعة نوع اختصاص به، كاختصاص منصب القضاء، كما ورد في روايات القضاء:
~~(جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي) 1، و (اتقوا الحكومة، فإنما هي
~~للإمام العادل بين المسلمين، لنبي أو ms417 وصي نبي) 2، والمراد: اختصاص اختياره
~~به.
# ولذا يجوز للنائب العام ارتكابه بإذنهم، وأذنوا لهم بقولهم: (فإني قد
~~جعلته حاكما أو قاضيا 3)، أو نحو ذلك، لتخرج الروايتان عن حيز الشذوذ.
# فإن جماعة من فقهائنا أو أكثرهم 4 يقولون باختصاص القرعة بالإمام أو
~~نائبه الخاص أو العام، ولا يعارضهما غير العمومات أو المطلقات المذكورة
~~أولا، لظهور اختصاص الوالي والمقرع بمن عينه الإمام لتوليه الأمر؟ ونصبه
~~للقرعة،
# PageV00P655
# وكذا ما أمر فيه الإمام بالقرعة وإجالة السهام.
# ولو قطع النظر عن ذلك وحملنا الروايتين على إرادة مباشرة إمام الأصل
~~بنفسه، فيكونان أعمين مما ذكر مطلقا، لأن مقتضاهما عدم كون القرعة وعدم
~~جوازها لأحد إلا الإمام. ومقتضى ما ذكر جوازها لمن ولاه مطلقا أو على
~~القرعة، أو أذن له بخصوصه أيضا، فيجب تخصيصهما بذلك.
# ولا ينافيه قوله في رواية يونس: (إن له كلاما ودعاء لا يعلمه غيره، ولا
~~يقتدر عليه غيره) 1، لأن المراد أنه لا يمكن كل دعاء وكلام، بل دعاء خاص لا
~~يعلمه ولا يقتدر على إنشائه غيره، فيختص به أو بمن علمه، ولذا ذكر الدعاء
~~للمقرع أيضا في رواية 2، وذكر الدعاء في روايات اخر أيضا 3.
# فإن قيل: هذا إنما يتم لو حمل المقرع على من نصب للقرعة، وأما لو أريد
~~منه مطلق من يقرع، فلا يتم ذلك.
# قلنا: المراد بالمقرع لا يمكن أن يكون من باشر القرعة حتى يكون موافقا
~~للمعنى اللغوي، إذ لم يباشرها بعد، بل يتهيأ القرعة، فالمراد منه: إما
~~المنصوب للقرعة، أو المتهيئ لها.
# والأول يقيني الدخول، فلا يخصص العام إلا بالمتيقن.
# ثم بعد تخصيص الروايتين بالإمام أو المأذون منه، وخروجهما عن حيز الشذوذ،
~~وعن لزوم تخصيص لا يجوز - لعدم خلو قوم غالبا عن فقيه في الصدر الأول، بل
~~كان على الإمام نصب الوالي على كل قوم - يجب تخصيص العمومات أو المطلقات
~~بذلك أيضا. مع أن أكثر العمومات أو جميعها واردة في مورد الترافع، الذي ليس
~~إلا من شأن النائب الخاص أو العام، فلا يكون المقرع فيه إلا هو.
# PageV00P656
# وظهر من ms418 ذلك: أن القرعة إنما هي وظيفة الإمام أو نائبه الخاص أو العام،
~~بمعنى أنه لا يترتب أثر على إقراع غيره، ويكون كحلفه وحكمه. وهل يحتاج إلى
~~الإذن في الإقراع بخصوصها، أو تكفي النيابة العامة؟
# الظاهر كفاية العامة وعدم الاحتياج إلى الإذن الخاص، لأن القرعة أيضا
~~كسماع البينة، والإحلاف، وإحضار الخصم والشهود، ونحوها من لوازم القضاء
~~والحكم، فالإذن في القضاء يستلزم الإذن فيها، كالإذن في أمثالها.
# مع أن قوله: (أقرع الوالي) 1 إذن عام للولاة في الاقتراع، بل تتحصل الإذن
~~من التوقيع الرفيع، المتضمن لقوله عليه السلام: (وأما الحوادث الواقعة
~~فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا) 2 أيضا، لأن ما فيه القرعة أيضا من
~~الحوادث الواقعة. بل لو قطع النظر عن ذلك أيضا نقول: إنه قد تقدم 3 في
~~العائدة المتكفلة لبيان ما للنائب العام الولاية عليه، ثبوت ولايته
~~واختياره في جميع ما كان للإمام، ومنه الإقراع، فيكون ثابتا له ولو لم يكن
~~مخصص للروايتين وكانا بإمام الأصل مخصوصين.
# ولا يخفى أن ما ذكرنا من اختصاص الإقراع بالنائب العام في زمان غيبة
~~الإمام، إنما هو من باب الأصل، وقد يخرج عنه بدليل دال على الإذن لغيره
~~أيضا، من إجماع أو غيره. كما في قرعة الشاة المنكوحة 4، أو إقراع المدرس
~~لتقديم بعض المتعلمين 5، أو الزوج للزوجات 6.
# PageV00P657
# وبالجملة: الأصل الاختصاص بالنايب العام إلا فيما ثبت جواز إقراع الغير
~~أيضا، هذا. ثم إن صاحب الوافي من متأخري المتأخرين 1 جمع بين ما دل على
~~اختصاص القرعة بالإمام وبين ما يدل على العموم، بحمل الأول على ما إذا كان
~~الأمر فيما يقرع عليه متعينا في الواقع، كما في قضية تعليم الآية، فإن
~~المعلم كان متعينا في الواقع، والثاني على ما إذا لم يكن متعينا وأريد
~~التعيين بالقرعة.
# ومنشأ هذا التفصيل تحصيل التوافق بين الأخبار.
# ولا يخفى ما فيه، لأنه جمع بلا شاهد، وكون الواقعة في رواية يونس من
~~القسم الأول يفيد الاختصاص، مع أن الوقايع في كثير من العمومات، بل مما صرح
~~فيه بمباشرة غير الإمام ms419 أيضا من ذلك القسم.
# البحث الثالث في بيان مورد القرعة ومحلها اعلم أن كلية موارد القرعة على
~~قسمين:
# أحدهما: ما كان الحق معينا في الواقع واشتبه علينا ظاهرا لعارض.
# وثانيهما: ما كان مرددا بين شيئين أو أكثر، ولم يكن معينا في الواقع
~~أيضا، ويطلب فيه التعيين.
# ومن هذا القسم: ما كان من الأمور المشتركة بين ذوي حقوق ولم يتراضوا بسهم
~~عينه بعضهم من غير معين.
# والقسم الأول: هو الذي يدل عليه قوله سبحانه: (فساهم فكان من المدحضين)
~~2.
# PageV00P658
# والثاني: ما يدل عليه قوله تعالى: (إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم) 1.
# ولا شك في شرعية القسمين في الجملة بدليل الإجماع، والكتاب، والسنة.
# وأما التفصيل فبيانه: أن مقتضى الرواية الأولى - المحكي الإجماع على
~~ثبوتها وعلى روايتها 2 - ثبوت القرعة وشرعيتها في كل أمر مجهول ومشتبه، بل
~~وكذا مقتضى كثير من العمومات المذكورة.
# إلا أنه قال الشيخ الحر - رحمه الله - في الفصول المهمة بعد نقل هذه
~~الرواية وبعض من العمومات المتقدمة: ومعلوم أن هذا العموم له مخصصات كثيرة
~~3.
# انتهى.
# وقيل بعد بنقل ذلك منه: ولو لم يكن كذلك لجاز له ترجيح الحكم في المسائل
~~الشرعية بالقرعة، ولكنه مما أخرجه الإجماع، لأنه مما لم يقل به أحد 4.
# وقال الشهيد في قواعده: ولا قرعة في الإمامة الكبرى، لأنها عندنا بالنص
~~5.
# ونقل فيه أيضا قولا، ولعله من بعض العامة: إن مورد القرعة ما يجوز
~~التراضي عليه، وأما ما لا يجوز ذلك، فلا قرعة فيه 6.
# وقد يقال: إن المراد بما يجوز التراضي عليه الموارد المالية.
# أقول: لا شك في انتفاء شرعية القرعة في كثير من الموارد، كالأحكام
~~الشرعية والوضعية، وكثير موضوعاتهما ومتعلقاتهما، ولكنها على قسمين:
# أحدهما: ما ثبت حكم له بخصوصه بدليل مقبول تام، من غير أن يدخل تحت عنوان
~~الجهل، ويجعل من أفراد المجهول.
# والحاصل: أن لا يكون موضوعه، المجهول مطلقا، أو مجهول خاص، نحو
# PageV00P659
# قوله عليه السلام: (اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه) 1، أو قولهم:
~~(الماء القليل ينجس بالملاقاة) 2، أو قولهم: (الكر ثلاثة أشبار ms420 في ثلاثة
~~أشبار) 3، أو (قتل الخطأ ديته على العاقلة) 4، ونحو ذلك، فإن موضوع الحكم
~~فيها بول ما لا يؤكل، والماء القليل، والكر، وقتل الخطأ، ونحوها.
# وثانيهما: ما كان موضوع الحكم فيه عنوان الجهل والمجهولية والمشكوكية
~~والاشتباه، ويكون من أفراد المجهول من حيث هو مجهول.
# فما كان من الأول، فانتفاء القرعة فيه ليس من باب التخصيص، بل هو من باب
~~خروج الموضوع عن تحت القرعة، وهو المجهول، لأنه ببيان حكمه يخرج عن كونه
~~مجهولا، إذ من البديهيات: أن معنى قولهم: (كل مجهول ففيه القرعة) 5 أنه كل
~~مجهول بعد الفحص اللائق عنه وعن حكمه.
# وما كان من القسم الثاني، فانتفاء القرعة فيه من باب التخصيص، وذلك نحو
~~قولهم: (لا ينقض اليقين بالشك) 6، أي كل مشكوك فيه يستصحب فيه، و قولهم:
~~(كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي) أي: كل مجهول إطلاقه أو تعلق نهى به فهو
~~مطلق، وقولهم: (الاناءان المشتبهان يجب الاجتناب عنهما) 8،
# PageV00P660
# وقولهم: (كل ما كان فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه)
~~1، وقولهم: (لا تكليف إلا بعد البيان) 2، ونحو ذلك.
# لأن الموضوعات فيها من أفراد المجهول الذي هو موضوع القرعة، وإنما خصصت
~~دليل القرعة لكونه أعم مطلقا من جميع ما ذكر.
# فإن موضوع الأول: كل مشكوك في زوال حالته السابقة المعلومة، و موضوع
~~الثاني: كل مجهول تعلق النهي به وعدمه، وهكذا، فموضوع الأخير:
# لا تكليف فيما جهل التكليف فيه وعدمه إلا بعد البيان.
# نعم لو كان هناك حديث هكذا: كل مجهول فأنت فيه على التخيير، يكون تعارضه
~~مع دليل القرعة بالتساوي، ولكن ليس مثل ذلك موجودا.
# لا يقال: إنه قد مر أن معنى (كل مجهول فيه القرعة): أنه كل مجهول بعد
~~الفحص التام، وليس شئ مما ذكر في القسم الثاني كذلك، لأن أحكامها معلومة
~~بعد الفحص، ولا تكون بعد الفحص مجهولة حتى تكون من باب التخصيص.
# لأنا نقول: إن هذا القيد بعينه معتبر في تلك الموضوعات أيضا، فمعنى قوله:
~~كل مشكوك في زوال حالته السابقة، أنه ms421 كل ما كان كذلك بعد الفحص.
# وقد تحصل مما ذكر: أن كل ما ثبت له بخصوصه حكم شرعي، أو وضعي، أو عرفي،
~~أو عقلي، أو لغوي، فيما يكون العرف أو العقل أو اللغة فيه حجة، فهو ليس من
~~مورد القرعة.
# وكذا كل مجهول أو مشكوك أو مشتبه له نوع خصوصية بالنسبة إلى مطلق المجهول
~~الذي هو موضوع حكم القرعة، وثبت له حكم خاص، فهو أيضا ليس من موردها. وكل
~~مجهول لم يكن كذلك فهو مورد القرعة.
# PageV00P661
# وظهر من ذلك أيضا: أنه ليس من باب الأصل، بل كل مجهول كان كذلك ففيه
~~القرعة ألبتة.
# نعم لو قلنا: إن في كل مجهول القرعة، يكون ذلك من باب الأصل، فيخرج منه
~~المجهول الذي ثبت له حكم خاص. وظهر مما ذكر أيضا: انتفاء القرعة في تعيين
~~الأحكام الشرعية والوضعية لموضوعاتها مطلقا، لأنها بكليتها إما له حكم
~~مخصوص فيتبع، أو لا فيرجع فيه إلى الأصل، أو الحالة السابقة، أو التخيير،
~~للأدلة الدالة عليها، الخاصة بالنسبة إلى دليل القرعة، كما أشير إليه، ولذا
~~لم يقل أحد فيها بالقرعة كما مر، وكذا في أدلة الأحكام المتعارضة.
# وإنما القرعة تكون في موضوعات الأحكام الشرعية أو الوضعية، أو متعلقات
~~أحدهما، إذا دخل فيه الجهل أو الشك ولم يتبين له حكم مخصوص، ولم يثبت
~~الترجيح فيه، هذا.
# ثم إن ما ذكر إنما هو فيما إذا كان من القسم الأول، وأما ما كان من
~~الثاني، فلا يصدق عليه المجهول، إذ لا مجهول فيه لغة ولا عرفا ولا شرعا،
~~وكذا لا محق فيه ولا مخطئ، فهو يخرج عن أكثر تلك الأخبار.
# نعم تدل عليه: الآية الثانية 1، وأخبار عتق ثلث العبيد بالقرعة 2، وعتق
~~أول المماليك 3، والأخبار الأخيرة الواردة في قسمة الغنائم 4، إلا أنه لا
~~عموم في تلك الأخبار بالنسبة إلى جميع موارد ذلك القسم.
# ولكن الظاهر عدم قول بالفصل، ويمكن إثبات العموم فيه بقوله عليه السلام
~~في الرواية الحادية والعشرين: (ما من قوم فوضوا أمرهم إلى الله فألقوا
~~سهامهم إلا
# PageV00P662
# خرج السهم الأصوب) ms422 1، وقوله في الرواية الرابعة والعشرين، والثلاثة
~~المتعقبة لها: (وأي قضية أعدل من قضية تجال عليه السهام) 2.
# ومنه يظهر أن الأصل أيضا شرعية القرعة في ذلك القسم، بمعنى جواز القرعة
~~فيه إذا كان المورد مما يجب أو يجوز فيه اختيار أحد الشقين 3.
# البحث الرابع قد ظهر في البحث الثالث شرعية القرعة في موردين:
# أحدهما: في كل أمر معين في الواقع مجهول عندنا، ولم يبين حكمه بدليل آخر.
# وثانيهما: في كل أمر مردد بين شيئين، أو شخصين، أو أكثر، غير معين في
~~الواقع، يطلب فيه التعيين. وقد ثبت جواز القرعة شرعا في كل من القسمين
~~ومشروعيته.
# بقي الكلام في أنها: هل هي عزيمة حتى يتعين بناء الأمر عليها أو رخصة حتى
~~يجوز العدول عنها إلى غيرها؟
# وتحقيق المقام: أن في كل مورد من القسمين يثبت أمر من الشارع فيه بخصوصه
~~بالقرعة، فلا كلام في كونه عزيمة فيه، كمسألة الشاة المنكوحة.
# وما لا أمر فيه بخصوصه، فإن كان من القسم الأول، فيجب أن ينظر فيه، فان
~~وجب تعيين المعين في الواقع في الظاهر أيضا، وتحتم العمل بواحد معين بدليل
~~موجب لذلك، ولو كان رفع التنازع الواجب، أو دفع الضرر كذلك، أو دفع كسر قلب
~~محرم، أو غير ذلك، ولم يكن طريق آخر إلى التعيين سوى القرعة، يجب فيه
~~القرعة، لتوقف الواجب عليه.
# PageV00P663
# فإن قيل: يمكن التعيين في مثل ذلك بالتخيير، لحكم العقل بأن كل ما يجب
~~العمل فيه بمعين ولا معين له يتخير فيه، فيتعين بالاختيار.
# قلنا: يحكم العقل به إذا لم يكن هناك طريق إلى التعيين، وبعد ثبوت شرعية
~~القرعة فيه لا يصدق سد طريق التعيين حتى يحكم العقل فيه بالتخيير.
# نعم لو دل دليل شرعي من نص أو إجماع أو إطلاق على التخيير، لا تجب
~~القرعة.
# فإن قيل: يمكن التعيين بالأصل.
# قلنا: ليس كل مورد مما يجري فيه الأصل، كمسألة الخنثى.
# وأيضا قد يتعارض فيه الأصلان، فلا يمكن العمل بشئ منهما.
# وإن لم يكن دليل على وجوب التعيين، فلا تجب القرعة، ms423 بل تجوز كما يجوز ترك
~~التعيين وإبقاؤه على إبهامه، أو اختيار أي واحد أراد.
# وإن كان من القسم الثاني: فإن وجب فيه التعيين ولم يكن مناص منه، كأن
~~يوصي أحد بعتق أربع رقاب من عشرين عبيده، فإنه لا يمكن عتق الأربع المبهمة
~~و لا خمس الكل مشاعا، لعدم صدق الرقبة على الجزء، بل يجب عتق المعين.
# فإن دل دليل شرعي على تخيير أحد في التعيين، كأن ينص الموصي على التخيير،
~~فيتخير هو بين تعيينه بالاختيار وبالقرعة.
# وإن لم يدل دليل على كونه مختارا في التعيين، تتعين القرعة، ولا يكفي في
~~إثبات تخييره وجوب التعيين وانسداد الطريق كما مر. فإن قيل: الأصل عدم وجوب
~~تعيين هذه الأربع وهذه الأربع إلى آخر الرقاب، وإذا لم يتعين يكون مخيرا.
# قلنا: لا نسلم أنه إذا لم يتعين ثبت التخيير، وإنما يثبت تخييره من جهة
~~انتفاء التكليف بما لا يطاق، وهذا إنما يكون لولا طريق شرعي إلى التعيين.
# والحاصل: أن ثبوت ذلك الاختيار إنما يكون باللا بدية، وهي هنا مفقودة.
# وبعبارة أخرى: التعيين إما بالاختيار أو القرعة، وثبوت كل منهما خلاف
~~PageV00P664
# الأصل يحتاج إلى دليل، وهو في القرعة موجود دون الاختيار، نعم لو لم تثبت
~~القرعة يثبت الاختيار بالانحصار.
# فإن قيل: الأصل جواز اختياره كل من أراد وعدم المنع فيه.
# قلنا: لا نسلم ذلك، بل الأصل عدم جواز التصرف في مال الغير إلا بالقدر
~~الثابت، ولم تثبت مشروعية ذلك التصرف له.
# نعم يصح ذلك فيما لم يكن عمله مخالفا للأصل، كما في تعيين المقدم من
~~المدعين، ومن الزوجات، ومن الطلبة الواجب تعليمهم، ونحو ذلك، لأن الحكم في
~~الأول، والقسمة في الثاني، والتعليم في الثالث، واجب، وهو على تقديم واحد
~~معين متوقف، وما يتوقف عليه الواجب واجب، فتعيين المقدم واجب.
# ويمكن التعيين بالاختيار والقرعة، والاختيار هنا موافق للأصل، لأن الأصل
~~عدم كونه ممنوعا من سماع دعوى ذلك المعين أولا، وعدم كونه ممنوعا من مضاجعة
~~تلك الزوجة أولا، وهكذا، إلا إذا كان سببا لمحرم، ككسر قلب و ms424 نحوه، فيكون
~~مخيرا بين التخيير والقرعة لو لم يكن دليل على نفى أحدهما في مورد، فتكون
~~القرعة واجبا مخيرا.
# ولا يتوهم جريان مثل ذلك في القسم الأول أيضا، لأن المطلوب فيه أمر معين
~~في الواقع، وتعيينه بالاختيار مخالف للأصل مطلقا.
# هذا كله إذا وجب التعيين شرعا.
# وإن لم يجب التعيين، كتقديم أحد المتعلمين في العلم الغير الواجب، أو
~~تقديم إحدى المتمتعتين في الليلة، فلا يجب القرعة أيضا لا معينا ولا مخيرا،
~~بل فيجوز له الأمران كما يجوز له تركهما.
# ثم إن كل ما ذكرنا من وجوب القرعة معينا أو مخيرا بينها وبين الاختيار،
~~أو جوازهما، إنما هو إذا وجب العمل بالمعين أو جاز. وأما إذا لم يجز، إما
~~لدليل على عدم جواز العمل، أو لعدم دليل على الجواز مع كون العمل مخالفا
~~PageV00P665
# للأصل، فلا يجوز العمل، ولا القرعة، ولا الاختيار.
# وذلك كما إذا حكم حاكمان متساويان في آن واحدا، متقارنين لمتداعيين،
~~بحكمين مختلفين، كل لواحد مع غيبوبة الآخر - على القول بجواز الحكم على
~~الغايب - وكون كل منهما مدعيا ومدعى عليه من جهتين، كادعاء الولد الأكبر
~~شيئا من باب الحبوة والأصغر حصة منه من باب الإرث، وكان ثبوت الحبوة في ذلك
~~الشئ مختلفا فيه، فلا يمكن التعيين حينئذ بالاختيار، وهو ظاهر، ولا
~~بالقرعة، إذ لم يثبت من أدلة نفوذ حكم الحاكم ووجوب إمضائه واتباعه نفوذ ما
~~تعارض فيه الحكمان المختلفان المتقارنان، أو نفوذ الحكمين معا محال، ونفوذ
~~أحدهما لكونه مخالفا للأصل يحتاج إلى الدليل، وأدلة نفوذ حكم الحاكم غير
~~جارية في كل منهما، لوجود المعارض له، وعدم ظهور أدلته في مثل ذلك، بخلاف
~~ما إذا كان أحدهما مقدما، فإن حكم المتأخر باطل، وإذا اشتبه المتقدم
~~والمتأخر، يرجع إلى القرعة، لأنها لكل أمر مجهول.
# لا يقال: الأصل عدم نفوذ مثل ذلك الحكم أيضا، أي ما اشتبه فيه المتقدم.
# قلنا: نعم إذا كان مشتبها بعد الفحص عنه والرجوع إلى أدلة تعيينه، ومن
~~أدلته القرعة، لأنها لكل أمر مجهول، وقولهم: (كل أمر مجهول يتعين ms425 بالقرعة)
~~1 فلا اشتباه هنا، بل هو في حكم المعلوم تعيينه.
# لا يقال: نفوذ حكم المتقدم بالقرعة موقوف على جواز القرعة فيه شرعا، و هو
~~هو أيضا فرع نفوذ حكم المتقدم بالقرعة، إذ لو لم ينفذ حكمه يكون العمل به
~~حراما.
# لأنا نقول: التوقف الأخير ممنوع، بل جواز القرعة فرع شمول دليل القرعة
~~لهذا المورد أيضا، وهو متحقق، ودليلها له شامل، لصدق المجهول عليه.
# وظهر من ذلك: أن هذا الذي ذكر أخيرا من اختصاص العمل بالقرعة و جوبا أو
~~جوازا، بما إذا لم يكن العمل مخالفا للأصل، مختص بالقسم الثاني دون
# PageV00P666
# الأول، لصدق المجهول الذي هو موضوع القرعة فيه مطلقا، فتأمل جدا.
# ولابد للفقيه في هذه الموارد من المهارة التامة، والنظر الدقيق، والله
~~سبحانه ولي التوفيق.
# البحث الخامس في بيان أن القرعة بعد وقوعها وتحققها في مواردها الواجبة
~~والجائزة، هل هي لازمة لا يجوز التخلف عن مقتضاها والعدول عنه بعد وقوعها،
~~إما مطلقا أو إلا برضى المتقارعين، أو جائزة؟.
# اعلم أن ما كان من القسم الأول، فلا ينبغي الريب في كونها لازمة لا يجوز
~~التخلف عن مقتضاها بعد وقوعها، لدلالة الأخبار المستفيضة المتقدمة على أن
~~ما يستخرج بالقرعة هو الحق، ويخرج بها سهم المحق، وأنه سهم الله، و سهم
~~الله لا يخيب، وأن القرعة حكم الله، وحكم الله لا يخطئ. وكيف يجوز ترك
~~الحق، وترك سهم المحق، وسهم الله، وحكم الله، والعدول إلى غيره؟.
# بل منها ما لا يجوز العدول عن مقتضاها ولو تراضى المتقارعين، كما إذا
~~كانت الدعوى في الولد وأما ما كان من القسم الثاني، فمقتضى الأصل فيه وإن
~~كان عدم اللزوم إلا أنه يمكن أن يقال: إن بعد إقراع الحاكم أو من تجوز
~~قرعته وتنفذ والحكم بمقتضاها، فلا شك في تعلق حق المحكوم له بما حكم له
~~وصيرورته حقا له، فلا يعدل عنه بمقتضى الاستصحاب إلا بمجوز للعدول، و لا
~~مجوز له.
# والحاصل: أن مقتضى الاستصحاب لزومها حينئذ أيضا، فتكون لازمة.
# بل يمكن إثبات أصالة اللزوم بمقتضى ms426 الاستصحاب بعد القرعة وقبل حكم الحاكم
~~أيضا، إذ لا شك أنه يحصل من جهة الإقراع وخروج سهم لأحد المتقارعين أو
~~لكليهما، نوع خصوصية وتعلق موجبة لوجوب حكم الحاكم أو PageV00P667
# جوازه لكل نصيب وسهم لكل شريك من الشركاء، إذ لولاها 1 لم يجز للحاكم
~~الحكم به له، فيجب استصحاب تلك الخصوصية والتعلق إلى أن يعلم المزيل،
~~فتدبر.
# البحث السادس في بيان كيفية القرعة اعلم أن القرعة مأخوذة من قارعة
~~القلوب، أي: ما يخوفها، لأن قلب كل من المتقارعين في الشدة والمخافة حتى
~~يخرج سهمه. أو من القرع، بمعنى الضرب، حيث إنه يضرب بالعلامة على الحصة 2.
# وفي عرف المتشرعة: عبارة عن العمل المعهود.
# والظاهر - كما صرح به جماعة من الفقهاء - 3 عدم انحصارها في أمر مخصوص.
~~ولذا ورد في الكتاب والسنة بالأقلام، كما في الآية الثانية 4: كانوا يلقون
~~الأقلام بالنهر، فمن علا سهمه - أي ارتفع - كان له الحظ. وبالكتابة على
~~السهم، كما ورد في الرواية الثانية والعشرين، والرواية الثالثة والعشرين 5.
~~و بخواتيم الحاكم والقوم، كما في الرواية الحادية 6 عشر.
# وبخواتيم الشركاء، كما في الثانية عشر 7.
# وبالكتابة على الرقاع، وبالبعرة والنوى، كما في الروايات الأخيرة 8.
# PageV00P668
# والمتداول بين الفقهاء: الإقراع بالكتابة على الرقاع، فيأخذون الرقاع
~~بعدد الشركاء أو بعدد السهام بالطريقين المعروفين.
# والكل جائز، لصدق القرعة عرفا، وأصالة عدم اشتراط نوع خاص، وإن كان
~~الأولى الاقتصار على ما ورد في الروايات، بل على ما تداول عند الفقهاء.
# ويستحب الدعاء لإراءة الحق بمطلق الدعاء، كما في الرواية الرابعة
~~والعشرين 1.
# والأفضل الدعاء بالمأثور في إحدى الروايات المتقدمة، وهي وإن كانت واردة
~~في مورد كان المطلوب تمييز الحق المتعين واقعا، ولكن الظاهر عدم اختصاصه
~~به.
# ثم تفصيل هذه المطالب يطلب في الموارد الجزئية من الكتب الفقهية، والله
~~العالم.
# PageV00P669
# عائدة (63) في بيان الإجماع اعلم أن المذكور في عبارات أصحابنا المتأخرين
~~- رضوان الله عليهم - أن الإجماع المحقق المعتبر عند الفرقة المحقة الناجية
~~- كثرهم الله تعالى - يطلق على معان ثلاثة:
# الأول: اتفاق جميع علماء الأمة، أو علماء الإمامية، الذين ms427 منهم إمام
~~العصر عليه السلام، إما مطلقا أو في عصر، على أمر.
# وذلك هو المراد من الإجماع عند أكثر قدماء أصحابنا، منهم الشيخ المفيد،
~~قال في تذكرة الأصول، على ما ذكره الكراجكي في مختصره، بعد حصر أصول
~~الأحكام في الكتاب والسنة النبوية والإمامية: وليس في إجماع الأمة حجة من
~~حيث كان إجماعا، ولكن من حيث كان فيها الإمام المعصوم. فإذا ثبت أنها كلها
~~على قول، فلا شبهة في أن ذلك القول هو قول المعصوم، إذ لو لم يكن كذلك كان
~~الخبر عنها بأنها مجمعة باطلا 1.
# وقال في أول كتاب المقالات على ما حكي عنه: إجماع الأمة حجة،
# PageV00P671
# لتضمنه قول الحجية 1.
# ومنهم السيد الأجل المرتضى، قال في جواب مسائل ابن التبان بعد ذكر كلام
~~طويل: فإذا كانت أقوال العلماء في كل مذهب مضبوطة، والإمام لا يكون إلا سيد
~~العلماء وأوحدهم، فلا بد من دخوله في جملتهم 2.
# وقال في الذريعة: قولنا: الإجماع: إما يكون واقعا على الأمة، أو على
~~المؤمنين، أو على العلماء، فيما يراعى فيه إجماعهم، وعلى كل الأقسام لابد
~~أن يكون قول الإمام المعصوم داخلا فيه، لأنه من الأمة، ومن أجل المؤمنين، و
~~أفضل العلماء 3.
# وقال في المسائل الرسية: فإذا قيل لنا: فلعل الإمام - لأنكم لا تعرفونه
~~بعينه - يخالف علماء الإمامية فيما اتفقوا عليه.
# قلنا: لو خالفهم لما علمنا ضرورة اتفاق علماء الإمامية الذين هو واحد
~~منهم على هذه المذاهب المخصوصة، وهل الإمام إلا أحد علماء الإمامية؟ 4.
# وقال في المسائل الموصليات الثالثة: وهنا طريق آخر يوصل به إلى العلم
~~بالحق والصحيح في أحكام الشريعة عند فقد ظهور الإمام وتميز شخصه، وهو إجماع
~~الفرقة المحقة، إذ قول الإمام - وإن كان غير متميز الشخص - داخل في أقوالها
~~غير خارج عنها، فإذا اجتمعوا على مذهب من المذاهب، علمنا أنه هو الحق
~~الواضح والحجة القاطعة، لأن قول الإمام، الذي هو الحجة، في جملة أقوالها،
~~وكأن الإمام قائله 5. وقال نحوا منه في المسائل الحلبيات 6.
# وقال في المسائل التبانيات: إذا كان الإمام أحد العلماء بل سيدهم، ms428 فقوله
# PageV00P672
# في جملة أقوال العلماء، فإذا علمنا في قول من الأقوال أنه مذهب لكل عالم
~~من الإمامية، فلا بد من أن يكون الإمام داخلا في هذه الجملة، كما لابد من
~~أن يكون كل عالم إمامي - وإن لم يكن إماما - داخلا في الجملة 1.
# ومنهم السيد الشريف الرسي الذي هو السائل من السيد المرتضى، قال فيما
~~سأله من السيد: إذا كان طريق معظم الأحكام الشرعية إجماع علماء الفرقة
~~المحقة، لكون الإمام المعصوم الذي لا يجوز عليه الخطأ واحدا من علمائهم 2.
~~إلى آخر ما قال.
# ومنهم الشيخ الجليل أبو جعفر الطوسي، قال في العدة: فمتى اجتمعت الأمة
~~على قول، فلا بد من كونه حجة لدخول الإمام المعصوم في جملتها. و متى قيل:
~~جاز أن يكون قول الإمام منفردا عن إجماعهم. قلنا: متى فرضنا انفراد الإمام
~~عن الإجماع، فإن ذلك لا يكون إجماعا 3.
# وقال في كتاب الغيبة: فإن قيل: إذا كان الإجماع عندكم إنما يكون حجة لكون
~~المعصوم فيه، فمن أين تعلمون أن قوله داخل في جملة أقوال الأمة؟ و بهذا جاز
~~أن يكون قوله منفردا عنهم، فلا تثقون بالإجماع.
# قلنا: المعصوم إذا كان من جملة علماء الأمة، فلابد من أن يكون قوله
~~موجودا في جملة أقوال العلماء.
# إلى أن قال: فإذا اعتبرنا أقوال الأمة، ووجدنا بعض العلماء يخالف فيه،
~~فإن كنا نعرفه ونعرف مولده ومنشأه، لم نعتد بقوله، لعلمنا بأنه ليس بإمام،
~~وإن شككنا في نسبه لم تكن المسألة إجماعا 4.
# ومنهم السيد ابن زهرة الحلبي، قال في أصول الغنية: فإن قيل: كيف
# PageV00P673
# يمكنكم القطع على أن قول الإمام الغائب في جملة أقوال الإمامية مع عدم
~~تميزه و عدم معرفته مع استتاره وغيبته؟.
# قلنا: قد بينا فيما مضى أن إمام الزمان عندنا موجود العين فينا، وبين
~~أظهرنا، نلقاه ويلقانا، وإن كنا لا نعرفه بعينه ولا نميزه عن غيره، ومعنى
~~قولنا إنه غائب:
# أنه مجهول العين، غير متميز الشخص، ولا نريد بذكر الغيبة أنه بحيث لا يرى
~~شخصه ولا يسمع كلامه، وما منزلته عندنا في ms429 حالة الغيبة إلا منزلة كل من لا
~~نعرفه بنسبه من جملة الإمامية.
# وإذا كنا نعرف إجماع المسلمين على مذهب الواحد ونقطع عليه، وأكثرهم لا
~~نعرفه ولا نلقاه ولا نشاهده، فما المنكر من معرفة إجماع الإمامية والإمام
~~من جملتهم على مذهب بعينه؟ وهل الإمام من جملة الإمامية إلا بمنزلة من لا
~~نعرفه من جملة المسلمين؟ 1.
# ومنهم الشيخ سديد الدين محمود الحمصي، قال في التعليق العراقي: إن الحجة
~~هو الإجماع المشتمل على قول المعصوم في الجملة من غير احتياج إلى العلم
~~بتعيينه.
# إلى أن قال: الاستدلال بالإجماع لا يصح إلا إذا علم قطعا إجماع جميع
~~علماء الإمامية على الحكم من غير استثناء أحد منهم، إلا من كان معلوم النسب
~~و كان غير الإمام، فلا يضر خروجه 2.
# ومنهم الشيخ محمد ابن إدريس الحلي، قال في السرائر: وجه كون الإجماع حجة
~~عندنا، دخول قول المعصوم عن الخطأ في الحكم بين القائلين بذلك، فإذا علمنا
~~في جماعة قائلين بقول، أن المعصوم ليس هو في جملتهم، لا نقطع على
# PageV00P674
# صحة قولهم إلا بدليل غير قولهم. وإذا تعين المخالف من أصحابنا باسمه
~~ونسبه، لم يؤثر خلافه في دلالة الإجماع.
# إلى أن قال: وبما ذكرناه يستدل المحصل من أصحابنا على المسألة بالإجماع،
~~وإن كان فيها خلاف بين من بعض أصحابنا المعروفين بالأسامي والأنساب 1.
# ومنهم الشيخ أبو الصلاح الحلبي، قال في الكافي: وإجماع العلماء من
~~الإمامية يقتضي دخول الحجة المعصوم في جملتهم، لكونه واحدا منهم دون من
~~عداهم 2.
# وقال في كتاب تقريب المعارف: وليس لأحد أن يقول: استدلالكم هذا مبني على
~~الإجماع وأنتم لا تجعلونه حجة، لأنا بحمد الله لا نخالف في كون الإجماع
~~حجة، وإنما نمنع من خالفنا من إثبات حجيته من الطرق التي يدعيها، والخلاف
~~في ذلك المذهب لا يقتضي إنكاره، فكيف يظن بناء ذلك مع العلم بإثباتنا في كل
~~عصر من جملة الفرق الإسلامية.
# إلى أن قال: فإن اعتبارنا دخول المعصوم في الإجماع كاعتبارهم دخول كل
~~عالم في كل إجماع 3.
# ومنهم الشيخ قطب الدين الراوندي، قال ms430 في فقه القرآن: في إجماع هذه
~~الطائفة حجة قاطعة ودلالة موجبة للعلم بكون المعصوم الذي لا يجوز عليه
~~الخطأ فيه 4.
# وقال في موضع آخر منه: إنما قلنا إن إجماعهم حجة، لأن في إجماعهم قول
~~الإمام 5.
# PageV00P675
# ومنهم الشهيد، قال في الذكرى: وجدواه - أي الإجماع - لا مع تعيين
~~المعصوم، فإنه يعلم به دخوله.
# والطريق إلى معرفة دخوله: أن يعلم إطباق الإمامية على مسألة 1.
# إلى غير ذلك من متقدمي الأصحاب ومتأخريهم ممن يطول المقال بذكر كلماتهم،
~~بل لعلة الإجماع عند جميع القدماء.
# ولا يخفى أن بناء هذه الطريقة على دخول الإمام الغائب في المجمعين،
~~والعلم بوفاقه لهم في زمان الغيبة، بناء على ما صرحوا به من كونه كأحد
~~العلماء يلقاهم ويلقونه، ويختلط معهم، ويتردد فيهم، ويراهم ويرونه، إلا
~~أنهم لا يعرفونه بنسبه، فلا فرق بينه وبين سائر العلماء إلا في ذلك.
# فإذا أمكن العلم باتفاق جميع علماء عصر غير الإمام، يمكن العلم باتفاق
~~جميعهم حتى الإمام أيضا، لأنه أيضا، كواحد منهم.
# ويدل على أن ذلك مرادهم من دخول الإمام في المجمعين: اشتراط وجود مجهول
~~النسب وعدم قدح خلاف معروف النسب، وقولهم كثيرا في مقام الاستدلال بالإجماع
~~مع وجود مخالف: إنه انقطع خلافه وانعقد الإجماع بعده، أو قبله وبعده، وغير
~~ذلك.
# ويدل عليه أيضا قول السيد - المتقدم - عن المسائل: الرسية: لأنكم لا
~~تعرفونه بعينه 2. وقوله في المسائل الموصلية: عند فقد ظهور الإمام. وقوله:
~~وإن كان غير متميز الشخص 3.
# وقول الشيخ - المتقدم - في كتاب الغيبة: فإن كنا نعرفه ونعرف مولده و
~~منشأه لم نعتد بقوله، لعلمنا بأنه ليس بإمام 4.
# PageV00P676
# وقول ابن زهرة - المتقدم -: على أن قول الإمام الغائب في فجملة أقوال
~~الإمامية 1.
# بل كلامه المتقدم إلى آخره صريح في ذلك. وكذا كلام الحمصي، و الحلي 2.
# وقول الحلبي - المتقدم - في التقريب: مع العلم بإثباتنا في كل عصر من
~~جملة الفرق الإسلامية 3.
# وقول المحقق في المعارج، قال: وثالثها: أن يفترقوا فرقتين ويعلم أن
~~الإمام ليس في أحدهما، ويجهل الأخرى، فيتعين الحق مع المجهولة 4.
# وقال فيه أيضا: وإن ms431 علم أن لا مخالف ثبت الإجماع قطعا، وإن علم المخالف
~~وتعين باسمه ونسبه، كان الحق في خلافه. وإن جهل نسبه، قدح ذلك في الإجماع،
~~لجواز أن يكون هو المعصوم 5.
# وقول الشهيد في الذكرى، قال: والطريق إلى معرفة دخوله: أن يعلم إطباق
~~الإمامية على مسألة معينة، أو قول جماعة فيهم من لا يعلم نسبه، بخلاف قول
~~من يعلم نسبه، فلو انتفى العلم بالنسب في الشطرين فالأولى التخيير.
# ثم أورد: بأنه يجوز في كل واحد من علماء الأمة المجهول النسب أن يكون هو
~~الإمام، فلم خصصتم بالإمامية؟
# وأجاب: بأنه لما قام البرهان العقلي والنقلي على تضليل من خالف أصول
~~الطائفة، امتنع كون الإمام منهم 6.
# وقول صاحب المعالم، حيث قال في الإجماع: ولابد في ذلك من وجود من لا يعلم
~~أصله ونسبه في جملتهم، إذ مع علم أصل الكل ونسبهم
# PageV00P677
# يقطع بخروجه عنهم.
# إلى أن قال: لا سبيل إلى العلم بقول الإمام، كيف؟ وهو موقوف على وجود
~~المجتهدين المجهولين ليدخل في جملتهم، ويكون قوله مستورا بين أقوالهم، وهذا
~~مما يقطع بانتفائه 1.
# إلى غير ذلك من كلماتهم الصريحة في ذلك.
# ولذا عنون بعض العلماء هذا الطريق بقوله: الطريق الأول أن يعلم قول
~~الإمام الغايب عليه السلام من وجود مجهول النسب في المجمعين. وقال: هذا
~~الطريق هو الطريق الذي اشتهر بين الأصحاب في كتب الأصول والفروع، وعليه
~~تعويل جماعة من محققيهم 2.
# ولذا رد هذا الطريق بعض آخر: بأن وجود قول معلوم لغير معلوم بحيث يعلم
~~انحصاره في الإمام الغايب متميزا، أو مختلطا بأقوال اخر معلومة لمجهولين،
~~من المحالات العادية، ولا سبيل لأحد إليه في مسألة واحدة فضلا عن مسائل
~~كثيرة 3.
# ورده آخر: بأنه لو بنيت الإجماعات المتداولة على ذلك، لزم أن تكون أقوال
~~الإمام في حال غيبته أكثر دورانا بين الناس من أكثر ممن عداه في حال
~~الظهور، و لزم أنه لا ينبغي حينئذ رد الأقوال المجهولة القائل بالشذوذ
~~وجهالة القائل كما هو المعروف بينهم، بل ينبغي أشدية الاعتناء بها، بل
~~يستلزم المصير إليها بعد ms432 ملاحظة ضعف أدلة ساير الأقوال 4.
# ورده ثالث: بأن الإمام معلوم الاسم والنسب، لكنه غير معلوم الشخص
~~والمذهب، فلا معنى على هذا الوجه لاعتبار جهالة الاسم والنسب. وبأن الإمام
~~إذا كان غائبا ولم يعلم مكانه هل هو في شرق أو غرب، بر أو بحر، سهل أو
# PageV00P678
# جبل، مخالط للناس أو منفرد عنهم، ولم تجر العادة بذكر أقواله في زمن
~~الغيبة على طول المدة، فجعله كأحد العلماء ودعوى العلم بقوله، مجازفة فاسدة
~~1.
# وصرح بما ذكر أيضا الشريف الرسي بعد ما تقدم نقله في سؤاله عن السيد
~~المرتضى، فقال بعد ما تقدم: ووجوب هذه القضية يوجب أحد أمور، كل منها لا
~~يمكن القول به: إما كون فتيا الإمام الغائب المرتفعة معرفته بعينه خارجة عن
~~إجماع العلماء الإمامية، وهذا يمنع الثقة بالإجماع. أو كون فتياه داخلة
~~فيهم، فهذا يوجب تعيينه، وهذا متعذرا الآن مع غيبته 2.
# وصرح به السيد أيضا في بعض ما أورده على نفسه، حيث قال: أتجوزون أن يكون
~~في جملة الإمامية عالم يخالف هذه الطائفة في بعض المسائل، لم ينته إليكم
~~خبره، لأنه ما اشتهر كاشتهار غيره، ولا له مصنفات سارت واشتهرت؟
# فإن أجزتم ذلك، فلعل الإمام هو ذلك العالم..... وإن منعتم من كون عالم من
~~علمائهم يخفى خبر خلافه لهم في بعض المذاهب، فقد كابرتم 3. انتهى.
# واعلم أن مرادنا مما ذكرنا: أن مبنى هذه الطريقة على دخول الإمام الغائب
~~في جملة المجمعين في الإجماعات المنعقدة في زمان الغيبة.
# وأما في زمان الحضور، فالمراد دخول إمام الزمان الحاضر في كل زمان، لا أن
~~هذه الطريقة منحصرة بإجماع زمان الغيبة ودخول الإمام الغائب فقط، كما يظهر
~~من بعض. ولذا ترى جمعا ممن تقدم رد تلك الطريقة في زمان الغيبة وقبلها في
~~الحضور 4. والثاني 5: إجماع علماء الرعية على أمر.
# PageV00P679
# قال بعض المتأخرين: علمنا بدخول قول المعصوم في الإجماع من جهة أن
~~الروايات الكثيرة دلت على أن الإمام يجب عليه رد الأمة لو اتفقوا على
~~البدعة، وإبطال قول المبطلين، وإخراج ما أدخل في الدين، فإذا ms433 لم يظهر
~~خلافهم علمنا أن اتفاقهم حق، وأنه راض، فدل الإجماع على رضاه 1. انتهى.
# دل قوله: فدل الإجماع على رضاه، أن الإجماع أمر وراء رضى الإمام، بل هو
~~كاشف عنه، وأنه اتفاق علماء الرعية. واشتهر نسبة ذلك الوجه إلى الشيخ
~~الطوسي، وهي ليست كذلك، فإنه قد مر كلامه من العدة وكتاب الغيبة، المصرح
~~بأنه يشترط في تحقق الإجماع دخول الإمام في المجمعين، وأنه إذا كان خارجا
~~عنهم لم يكن إجماعا 2.
# وقد مر أيضا من كتاب الغيبة، وذكر في من مواضع من العدة أيضا: اشتراط
~~وجود مجهول النسب، وعدم قدح مخالفة معلوم النسب 3.
# وذلك لا يتأتى على الوجه الثاني، كما لا يخفى.
# نعم يظهر من بعض كلماته في العدة وغيره: أنه إذا لم يردع الإمام الرعية
~~عن القول في المسألة، سواء كان اتفاقيا أو خلافيا، تعلم صحته مع الاتفاق
~~والتخيير مع الاختلاف 4.
# ولكن لا دلالة في ذلك على كونه إجماعا عنده، كما بينا ذلك في كتاب مناهج
~~الأحكام 5، وفي شرحنا على تجريد الأصول.
# وأما قول الشيخ في جملة من عباراته في العدة وغيره: من أنه لولا قولنا
~~بوجوب الرد على الإمام، لما صح لنا الاستدلال بإجماع الفرقة، إذ لا يعلم
# PageV00P680
# دخول قول الإمام ورضاه إلا بذلك 1.
# فلا دلالة فيه على أن مراده من الإجماع هو إجماع الرعية، وأن طريقته في
~~الإجماع غير الطريقة الأولى، لأنه يريد بذلك طريق معرفة الإجماع، فالإجماع
~~عنده هو اتفاق جميع علماء العصر الذين منهم الإمام، ولكن يقول: بأن معرفة
~~دخول الإمام إنما هو بوجوب الردع عن الباطل عليه.
# كما أن السيد أيضا يقول: بأن الإجماع هو اتفاق الكل، ولكنه يثبت دخول
~~الإمام فيهم بطريق آخر.
# بل كان السيد أولا أيضا يقول بذلك ثم رجع عنه، كما يظهر من كلام الشيخ في
~~العدة، وكتاب الغيبة، وغيرهما 2.
# ويظهر ارتضاء هذه الطريقة من كلام السيد في المسائل الطرابلسيات 3.
# بل كان هذه طريقة جمع من المشايخ المتقدمين على السيد، كما صرح به الشريف
~~الرسي فيما سأل عن السيد، حيث قال ms434 بعد ما نقلنا عنه أخيرا في تعداد وجوه
~~العلم بدخول الإمام في المجمعين: أو يقال: إن في إمساكه عن النكير دلالة
~~على رضاه بالفتيا، فهذه طريقة المتقدمين من شيوخنا، وقد رغبنا عنها، وصرحنا
~~بخلافها، لأن فيها الاعتراف بأن الإمساك يدل على الرضاء مع احتماله لغيره
~~من الخوف المعلوم حصوله للغائب 4. انتهى.
# وبالجملة، فمراد الشيخ من الإجماع هو بعينه مراد السيد، إلا أنه يخالفه
~~في طريق إدخال الإمام في المجمعين، لا أن يكون يريد بالإجماع إجماع علماء
~~الرعية.
# وجعل بوجه حجيته رضى الإمام، وإن كان اتفاق علماء الرعية أيضا حجة عنده
~~من جهة عدم الردع.
# PageV00P681
# الثالث: إجماع العلماء كلا أو بعضا، بحيث يكشف باتفاقهم دخول المعصوم
~~فيهم وكونه من جملتهم، سواء كان ذلك اتفاق جميع العلماء، أو جميع علماء
~~الرعية، أو بعضهم، وسواء كانوا جميعا معروفي النسب أولا 1.
# وهذا المعنى هو الذي ذكره أكثر المتأخرين من أصحابنا، واختاره المحققون
~~من مشايخنا 2.
# ونسبه بعض مشايخنا المحققين إلى معظم المحققين 3، بل يظهر من بعضهم: أن
~~هذه الطريقة هي الطريقة المتداولة بين القدماء وإن لم يصرحوا بها، ولأجلها
~~طرحوا أخبارا كثيرة صحيحة مخالفة لما وصل إليهم يدا بيد من فتاوى الأصحاب
~~4.
# ولا تحتاج هذه الطريقة إلى إثبات وجود الحجة المعصوم في كل زمان ولا
~~استكشاف رأي الإمام في غيبته، ولا إلى تقييد حد الإجماع بقولنا (في عصر)،
~~بل قد يكون القيد مخلا.
# بل لا تحتاج هذه الطريقة إلى إثبات دخول المعصوم في المجمعين، بل تكفي
~~موافقة قوله لأقوالهم وإن لم يدخل شخصه فيهم إذا كان في عصرهم، وتكفي في
~~انعقاد الإجماع في زمان الغيبة موافقته لقول أحد الأئمة الماضيين.
# ثم إن أحد هذه المعاني الثلاثة: هي المراد من الإجماع المعروف بين
~~أصحابنا، وقد ذكرناها بتحقيقها وتفصيلها، وبيان صحتها وسقمها، وإمكان ثبوته
~~وعدمه، وسائر ما يتعلق بها في كتبنا الأصولية، وليس مقصودنا هنا التعرض
~~لأمثال ذلك.
# PageV00P682
# ولما كان قد يذكر لبيان معرفة الإجماع وطرق كشف الاتفاق عن قول الإمام
~~ولمرادهم من الإجماع وجوه اخر، متجاوزة ms435 عن الخمسة عشر، فأردنا ذكرها هنا،
~~وبيان نسبتها مع هذه المعاني الثلاثة، وكونها من طرق الإجماع عندهم أم لا،
~~و كونها من الإجماع أم لا، من غير تعرض غالبا لتزييفها أو تصحيحها.
# فنقول: إنه قد يذكر في مقام تعداد وجوه الإجماع وطرق الكشف عن قول الحجة
~~المستند إلى اتفاق الأصحاب وجوه:
# الأول: إجماع جميع العلماء الذين منهم المعصوم في كل عصر، بحيث يعلم قول
~~المعصوم في جملة أقوال الغير المعروفين منهم في زمان الغيبة، و يكون الطريق
~~إلى معرفة قوله هو الطريق إلى معرفة أقوال سائر العلماء، من الحد المقتضي
~~للعلم الإجمالي باتفاق الجميع من جهة الأدلة ونحوها، أو قياس الغائب على
~~الشاهد والمجهول على المعلوم، أو التظافر والتسامع الوارد من كل جانب وعدم
~~الاختصاص ببعض دون بعض، أو عدم نقل الخلاف الدال على اتفاق الكل. أو من
~~جملة من هذه الوجوه، أو من جميعها.
# وينسب هذا الوجه إلى السيد المرتضى وجمع آخر 1. ويسمى ذلك الطريق
~~والطريقان الآتيان بعده بطريق دخول مجهول النسب.
# الثاني: إجماع جميع العلماء أيضا على النحو المذكور، إلا أنه يكون الطريق
~~إلى معرفة قوله وجوب ردعه عن الاتفاق على الباطل من جهة قاعدة اللطف.
# كما فيستكشف قول الإمام من اتفاق من عداه من العلماء على حكم وعدم ردعهم
~~عنه، نظرا إلى قاعدة وجوب اللطف.
# وتنسب هذه الطريقة إلى الشيخ، حيث استدل في جملة من كلماته على
# PageV00P683
# صحة ما أجمعوا عليه ودخول الإمام المعصوم في المجمعين بوجوب اللطف 1. و
~~قد تبعه على ذلك جمع آخر من القدماء 2. وقواه جملة من مشايخنا المعاصرين 3.
# الثالث: إجماع جميع العلماء أيضا على النحو المذكور، إلا أنه يكون الطريق
~~إلى معرفة قول الإمام وجوب ردعه إياهم عن الاتفاق على الباطل بالأدلة
~~السمعية من 4 الروايات المتقدم إليها الإشارة.
# وقد ينسب ذلك أيضا إلى الشيخ وجماعة 5.
# الرابع: إجماع جميع العلماء أيضا على النحو المذكور إلا أنه يكون الطريق
~~إلى معرفة قول الإمام وجوب ردعه عن الباطل بقاعدة التقرير. وسيأتي زيادة
~~بيان لها.
# وهذه ms436 الطريقة يحتملها كلام أبى الصلاح الحلبي، وظاهر الشريف الرسي 6، كما
~~تقدم نسبتها إلى مشايخنا المتقدمين.
# ويشترط في جميع هذه الوجوه الأربعة وجود مجهول النسب في المجمعين، ولا
~~تضر مخالفة معلوم النسب الشاذ، ويكون معنى الإجماع: اتفاق جميع العلماء
~~الذين منهم الإمام المعصوم، وتكون دلالة الإجماع على دخول المعصوم بالدلالة
~~التضمنية، وتكون حجية الإجماع من جهة بعض أجزائه.
# الخامس: إجماع جميع علماء الرعية، فلا يكون الإمام من أجزاء الإجماع.
~~ويراد من لفظ الإجماع: اتفاق علماء الرعية، وإنما يكون الإجماع
# PageV00P684
# حجة لكشفه عن رضى المعصوم، لوجوب ردعه عن الاتفاق على الباطل من جهة
~~قاعدة اللطف. وتنسب هذه الطريقة إلى الشيخ أيضا 1. وليس في كلامه ما يدل
~~على كون ذلك إجماعا وإن جعله حجة، بل الظاهر من كلماته: أن الإجماع هو
~~اتفاق جميع العلماء بحيث يكون الإمام من أجزائهم.
# ولا يشترط على هذا ذلك الطريق والطريقين المتعقبين له وجود مجهول النسب
~~في المجمعين، وتكون دلالة الإجماع على قول الإمام دلالة التزامية، وتكون
~~حجية الإجماع من جهة لازمه، ويكون معنى 2 الإجماع: اتفاق علماء الرعية
~~خاصة.
# السادس: إجماع جميع علماء الرعية على النحو المذكور، إلا أنه يكون الدليل
~~على رضى المعصوم بما أجمعوا عليه، الأدلة السمعية من الروايات الكثيرة، كما
~~مرت إليه الإشارة.
# وهذه الطريقة مما ارتضاها بعض علمائنا المتأخرين كما مر 3.
# السابع: إجماع جميع علماء الرعية على نحو المذكور، إلا أنه يكون الدليل
~~على رضى المعصوم بما أجمعوا عليه تقرير المعصوم، أي: يستكشف رأي الإمام على
~~هذه الطريقة من جهة دلالة التقرير الناشئة عن الإمساك عن النكير على إصابة
~~المجمعين. فإن تقرير المعصوم حجة إذا كانت الشيعة بمرأى من الإمام الغايب و
~~مسمع منه، يراهم ويلقاهم، معروضا عليه أعمالهم، منكشفة لديه أحوالهم،
~~متمكنا من إنكار باطلهم على عالمهم وجاهلهم.
# فحينئذ يكون عدم رده عليهم ما اتفقوا عليه تقريرا لهم عليه، وهو حجة، لأن
~~إنكار المنكر والنهي عنه - كتعليم الواجب والأمر به - واجب على كل أحد.
# وهذا الوجه مما ذكره بعض سادة مشايخنا المحققين، ms437 وعزاه أيضا إلى
# PageV00P685
# بعض المتأخرين.
# وقد شيده شيخنا المذكور وقال: إن تقرير المعصوم حجة في فعل الواحد فكيف
~~بالجمع الكثير. ولا تمنع منه الغيبة علمه بالحال والتمكن من الرد، فإنه و
~~إن غاب عنا إلا أنه بين أظهرنا، نراه ويرانا ونلقاه ويلقانا، وإن كنا لا
~~نعرفه بعينه، فإنه يعرفنا ويرعانا ويطلع على أحوالنا وتعرض عليه أعمالنا.
# قال: ولا يلزم من ذلك وجوب الإنكار مع الاختلاف، لوجوده من المحق، و لا
~~وجوبه في شأن العصاة، لجواز الاكتفاء فيه بوضوح الحق 1.
# ثم إنه قد أشرنا في كتاب المناهج إلى عدم تمامية هذه الطريقة لوجوه 2.
# وأيضا دلالة التقرير إنما هي لو علمنا فائدة في الإنكار على من صدر منه
~~المنكر، ولا يكون صدوره منه مستندا إلى ما لا ينجع 3 الإنكار معه، وعدم
~~رجوعه قبل الإنكار، وعدم تقدم الإنكار من غيره خصوصا أو عموما، وعدم حصوله
~~من الامام بالنسبة إلى أحد من المجمعين ولو خفيا، وعدم تقية ولا خوف.
# وأيضا يلزم تساوى دلالته في صورتي الاتفاق والاختلاف.
# والقول باكتفائه عند الاختلاف بإنكار المحق، فمع أنه يفيد لو فرض وجود
~~المحق دائما بين المختلفين 4، إنما يفيد مع علم المخطئ بكون المحق محقا.
# على أن المختلفين قد لا يقف بعضهم على قول بعض، وإنما حكم كل بما أدى
~~إليه نظره، وحدث لذلك 5 الاختلاف على سبيل الاتفاق، وعلمه غير المختلفين.
# PageV00P686
# وربما يقف المحق على قول المخطئ دون العكس.
# وربما لا يجمعهما عصر واحد.
# وأيضا لا يعلم أن اطلاع الإمام على رأي كل مجتهد في كل قطر من أقطار
~~العالم في عصر، واقع بهذا العلم المتعارف الذي هو مناط التكليف بالنهي عن
~~المنكر، وأن نهيه 1 بهذا الطريق كاف في حصول التكليف، فلا يمكن إثبات وجوبه
~~أصلا.
# وأيضا كون ما أدى إليه نظر المجتهد بعد استعماله القواعد المقررة المصححة
~~عنده في الاجتهاد منكرا، ممنوع جدا، إلى غير ذلك.
# الثامن: إجماع جمع من العلماء مطلقا، كاشف اتفاقهم عن دخول المعصوم فيهم
~~ووفاقه لهم، بأن يعلم من جهة ms438 اتفاقهم اتفاق الإمام معهم ودخوله فيهم، ويسمى
~~بطريقة التابعية والمتبوعية. ومحصله: أن يستكشف عادة وحدسا دخول الإمام -
~~لكونه المتبوع المطاع - من جهة اتفاق 2 الأصحاب والأتباع.
# وتقريره أن يقال: هذا ما ذهب إليه جميع علماء الرعية، أو أكثرهم، أو كثير
~~منهم ممن طريقتهم أن يصدروا عن رأي أحد من أئمتهم ورؤسائهم، ويمتنع عليهم
~~عادة الخطأ في مثل ذلك، وكل ما كان كذلك فهو مذهب أحد أئمتهم ورؤسائهم،
~~فهذا كذلك.
# ومبنى الكشف على ذلك: على مزيد التتبع والتطلع والتظافر والتسامع إلى أن
~~يصل 3 إلى أصحاب الأئمة ثم إليهم، بحيث يعلم يقينا أنهم الأصل والمرجع فيما
~~أجمعوا عليه.
# التاسع: إجماع جمع من العلماء على النحو المذكور، أي إجماع جمع
# PageV00P687
# كاشف اتفاقهم عن وجود الحجة العلمية القاطعة للعذر، الموافقة لرأي الحجة
~~عادة، فيقال: إن اتفاق العلماء الثقات الأعلام على حكم من الأحكام - مع
~~كونهم من الأزكياء الأتقياء، أرباب النفوس القدسية، الباذلين جهدهم طول
~~دهرهم في تحصيل المسائل الدينية ومعرفة الأحكام الشرعية، مع شدة اختلافهم
~~في الأصول والفروع، وتباين أنظارهم وأطوارهم في إدراكها واستنباطها، كثرة
~~تجديدهم النظر فيها، وادعاء كثير منهم عدم العمل إلا بما يوجب العلم
~~واليقين، وقرب عهد قدمائهم بأئمتهم وأصحابهم الآخذين أحكامهم فيهم، و زيادة
~~اطلاعهم على الأخبار - يوجب القطع بحكم العادة والحدس بأنه حكم الله
~~المأخوذ من الحجج، أو مستنبط من الأدلة القطعية الموافقة لرأيهم.
# وأنه ما دعاهم إلى الإجماع مع كثرة ما بينهم من الاختلاف والنزاع إلا
~~بلوغ الحكم ودليله من الظهور بحيث لا يقبل الارتياب.
# وقد تستتم هذه الطريقة بنظر ما يقال في الخبر المتواتر: من حصول الظن من
~~كل واحد واحد إلى أن ينتهي إلى القطع من تراكم الظنون واجتماعها.
# ولا يخفى أن هذه الطريقة بعينها الطريقة السابقة عليها، إلا أن مبنى
~~السابقة على إدخال المعصوم أو قوله في أقوال المجمعين، ومبنى هذه الطريقة
~~على أصول الحجة القاطعة.
# وهذا هو مراد من فرق بينهما، بأن مبنى هذه الطريقة على حكم الحدس والعادة
~~بسبب شدة الاهتمام ومزيد ms439 الفضل والورع وتباين الأنظار، ومبنى السابقة على
~~حكم الحدس والعادة بواسطة اتصال الأخذ والتناول واقتضاء التابعية
~~والمتبوعية إلى صاحب الشرع.
# ولذا يقال في تقرير الأولى: إن حصول العلم باتفاق الطبقة الأولى طريق إلى
~~حصوله بالنسبة إلى الثانية، وهكذا إلى أن يصل إلينا بتلقي المتأخر من
~~المتقدم، ووصوله من كل طبقة إلى ما بعدها، وأخذ اللاحق يدا بيد وخلفا عن
~~سلف. PageV00P688
# ولا يخفى أن كلا من البناءين يحتاج في إفادة العلم إلى ضم الآخر، فالطريق
~~الأول حقيقة مركبة من الجميع، ولا يصير بتفكيك بعض معاضداته عن بعض طرقا
~~متعددة.
# العاشر: الإجماع على النحو السابق، إلا أنه لا يعتبر على هذا استكشاف حجة
~~قطعية وعلمية. ولأجل ذلك قيل: تسلم هذه الطريقة من بعض ما يخدش به السابقة،
~~وتكون أقرب إلى الحصول والقبول منها.
# وهو أن يقال على وتيرة ما سبق في السابقة: إن اتفاقهم يكشف عن وجود مأخذ
~~معتبر ومدرك مقبول، سالم عن معارض يعتد به، بحيث لو وقفنا عليه كما وقف
~~عليه المجمعون، لحكمنا بما حكموا به ولم نتخط إلى غيره.
# فهذه أيضا كالسابقة، وبيان لوجه الكشف عن قول الحجة، إلا أن في السابقة
~~يكشف عن قوله الواقعي العلمي، وفي هذه عن الدليل المقبول ظاهرا، فلا يكون
~~الإجماع حينئذ كاشفا عن الحكم الواقعي.
# الحادي عشر: الإجماع على النحو السابق، إلا أنه يشترط في حصول الكشف كون
~~ذلك الجمع من العلماء جمعا مخصوصا. ومحصله: أن يستكشف وجود نص قاطع أو
~~دلالة قطعية من اتفاق جماعة من فضلاء أصحاب الأئمة وأضرابهم ممن لا يعتمد
~~إلا على النص القطعي كزرارة وابن مسلم وأضرابهما، أو الصدوقين، ومن يحذو
~~حذوهما - على الحكم بشئ، ولم يظهر فيه نص عندنا، أو الإفتاء برواية لم تثبت
~~صحتها، أو ثبت ضعف سندها المعلوم لنا، أو ترجيح رواية أخرى لم يظهر لنا وجه
~~رجحانها عليها.
# فإن اتفاقهم إذا سلم من خلاف يعادله، يكشف عادة عن وجود نص قاطع بلغهم
~~وخفي عنا، أو وقوفهم على ما يوجب صحة الرواية، أو عن ترجيح ms440 لإحدى
~~الروايتين.
# وقيل: اعتمد على ذلك الوجه الشريف أبو الحسن العاملي النجفي في
~~PageV00P689
# الفوائد الغروية 1، ونسب أيضا إلى صاحب الوافية وشارحها 2.
# واعتمده المحدث الاسترآبادي في الفوائد المدنية، قال: اعلم أن جمعا من
~~الأصحاب أطلقوا لفظ الإجماع على معنيين آخرين:
# الأول: اتفاق جمع من قدمائنا الأخباريين على الإفتاء برواية وترك الإفتاء
~~برواية واردة بخلافها. والإجماع بهذا المعنى معتبر عندي، لأنه قرينة على
~~ورود ما عملوا به من باب بيان الحق لا من باب التقية، وقد وقع التصريح بهذا
~~المعنى و بكونه معتبرا في مقبولة عمر بن حنظلة، لكن الاعتماد على الخبر
~~المحفوف بقبولهم، لا على اتفاق ظنونهم.
# الثاني: إفتاء جمع من الأخباريين - كالصدوق، والكليني، والشيخ الطوسي -
~~على حكم لم يظهر فيه نص عندنا، ولا خلاف يعادله. وهذا أيضا معتبر عندي،
~~لأنه فيه دلالة قطعية عادية على وصول نص إليهم، يقطع بذلك اللبيب المطلع
~~على أحوالهم 3.
# انتهى.
# ولا يخفى أن القسم الأول من هذه أيضا بعينها هي الطريقة السابقة، إلا أن
~~المعتمد على تلك الطريقة يخصص الجمع الكاشف اجتماعهم بجمع خاص.
# وظاهر أن مجرد ذلك لا يجعلها طريقة على حدة، إذ لا شك في أنه لابد
~~للجماعة الكاشف اتفاقهم من 4 خصوصية، تختلف تلك الخصوصية باختلاف الأحداس
~~والأنظار.
# وأما القسم الثاني فهو في الحقيقة ليس من أدلة الحكم، بل من شواهد صحة
~~الخبر أو رجحانه، فهو خارج عن محط الكلام فهو من القرائن لاعتبار
# PageV00P690
# الخبر ولا كشف فيه عن قول المعصوم، ولو جعل كاشفا عنه - كما يظهر من كلام
~~الاسترآبادي - فيرجع أيضا إلى الطريقة السابقة، كما لا يخفى.
# الثاني عشر: الطريق العاشر، إلا أن في العاشر كان يعلم اتفاق العلماء
~~الكاشف من التتبع والتظافر والفحص عن كلماتهم، ويعلم هنا من سيرة الناس، أو
~~يعلم نفس قول الإمام من السيرة.
# ومحصله: أن يستكشف قول المعصوم من السيرة المستمرة بين الأمة أو الإمامية
~~في الأعصار والأمصار.
# والمراد منها: عمل الناس من غير اشترط كونهم من العلماء، ولذا قيل:
# إنها تكشف عن إجماع العلماء الكاشف ms441 عن قول الحجة، أو تكشف عن قول أو فعل
~~أو تقرير من النبي أو أحد الأئمة عليه السلام.
# قيل: وعلى هذا مبنى السيرة التي تداول الاستناد إليها في كتب الاستدلال.
# ووجه عدم جعلها دليلا مستقلا في الأصول، أنها إن أقرنت مع إجماع العلماء،
~~فيستغنى به عنها. وإن أقرنت مع خلاف منهم أو وجود نص على خلافها، لم توجب
~~كشفا. وأما ما لم يقترن بشئ منهما، فشاذ نادر التحقق، و مثله لا يصلح لجعله
~~دليلا من أدلة الأحكام 1.
# أقول: لا يخفى أن السيرة لو كانت كاشفة فهي أيضا من شعب المعنى الثالث
~~للإجماع، إذ لم يقيد ذلك باتفاق العلماء، فلا يقال: إن الإجماع هو اتفاق
~~العلماء الكاشف، بل إنه الاتفاق الكاشف، فلا تكون طريقة على حدة.
# مع ما فيها من الخلل، لأنه إن أريد من السيرة طريقة الناس في عصر أو
~~أعصار متقاربة، من غير الصعود إلى أعصار الأئمة أو ما يقاربها أو معظم
~~الأعصار التي بعدهم، فلا كشف فيها عن قول الإمام ولا العلماء أصلا. وكم
~~للناس في الأعصار والأمصار من السير المعلوم فسادها؟ وكم من
# PageV00P691
# طريقة في الأمور الشرعية وغيرها بين الناس غير مستندة إلى مأخذ، أو
~~منتهية في الشرعيات إلى فتوى فقيه أو قول عالم وإن لم يكن من أهل الفتوى.
# ألا ترى إلى سيرتهم في ارتكاب غيبة الناس بعضهم لبعض، وحلفهم بغير الله
~~سبحانه من الآباء والأمهات والأصدقاء، وتكلم النساء مع الأجانب - سيما
~~الأقارب - وكشفهن عن وجوههن وشعورهن وأعناقهن وصدورهن لهم، واجتنابهم عن
~~المشي في الأرض حافيا وملامة من يفعل كذلك، وعن البول بلا ماء حتى يعدونه
~~من المعاصي، وعن الاستنجاء بالخرق والأحجار.
# وألا ترى سيرتهم في ترك النهي عن المنكر ونحو ذلك.
# وإن أريد سيرة الناس يدا بيد إلى زمان أصحاب الإمام وما يقاربه، فمن أين
~~يعلم ذلك؟.
# فإن العلم بأقوال العلماء وأفعالهم إنما هو لتداول نقلها وضبطها في الكتب
~~واعتناء المصنفين بها.
# وأما عمل سائر الناس وأقوالهم، فلا ينقل غالبا ولا يضبط، ولو نقل نادرا ms442
~~فليس إلا عن أهل عصر أو بعض، فكيف يمكن إثبات سيرة الناس كلا أو بقدر يكشف
~~عن عمل الحجة من دون توسيط أقوال العلماء وأفعالهم. وإن كانت هناك أقوال
~~العلماء واقعا لهم مضبوطة معلومة، فلا حاجة إلى السيرة.
# والحاصل: أن السيرة مع وجود مخالف من العلماء أو النص لا توجب كشفا أصلا،
~~ومع وفاق العلماء وعدم خلافهم لا حاجة إليها أبدا، ومع مسكوت العلماء فلا
~~تتحقق السيرة لكاشفة، وهي المتصلة إلى زمان أو أرباب العصمة ألبتة.
# بل يمكن أن يقال: إنه لو فرض العلم بسيرة الناس يدا بيد، ومع ذلك لم يكن
~~أقوال من العلماء موافقة لها، لا تكون كاشفة أصلا، فتأمل.
# الثالث عشر: الإجماع بالمعنى المذكور - أي الاتفاق الكاشف - إلا أنه يعلم
~~الاتفاق من تعدد الروايات بلا معارض، ثم ينكشف قول المعصوم باتفاقهم.
# ومحصله: أن يستكشف قول الحجة أو رأيه من تعدد الأخبار المتعددة
~~PageV00P692
# المتوافقة على حكم، فإنها إذا وجدت في الكتب المعتمدة التي كانت مرجعا
~~للشيعة، ومعولا بها في أحكام الشريعة، ولم يظهر لها راد، أو غير شاذ نادر،
~~علم من ذلك قبولهم لها واتفاقهم عليها، أو اتفاق غير النادر على وجه يحصل
~~القطع أو الظن المعتد به برأي المعصوم.
# ويختلف ذلك باختلاف المدرك صراحة وظهورا، وقد يتقوى بوجود معاضد له من
~~غيره، وربما يكتفى مع عدم وجود المعارض بوجود خبر واحد، لدلالة عدم الرد
~~على قبوله.
# ويدل على كون ذلك أحد طرق الإجماع قول الشيخ في العدة، حيث قال في الخبر
~~الواحد المحض المجرد عن القرينة: وإن كانت ما تضمنه ليس هناك ما يدل على
~~العمل بخلافه، ولا يعرف فتوى الطائفة فيه، نظر فإن كان هناك خبر آخر يعارضه
~~مما يجري مجراه، وجب ترجيح أحدهما على الآخر بالمرجحات المبينة في محلها.
~~وإن لم يكن هناك خبر آخر يخالفه وجب العمل به، لأن ذلك إجماع منهم على
~~نقله، وإذا أجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه، فينبغي أن
~~يكون العمل عليه مقطوعا به 1.
# وكذا قوله في ms443 كتاب الخلاف، حيث قال في كتاب الحج منه: إذا كان لولده مال،
~~روى أصحابنا أنه يجب عليه الحج، ويأخذ منه قدر كفايته ويحج به، وليس للابن
~~الامتناع منه.
# وخالف جميع الفقهاء في ذلك. دليلنا الأخبار المروية في هذا المعنى من جهة
~~الخاصة، وليس ما يخالفها، فدل على إجماعهم على ذلك 2.
# وقد ذكر الشهيد في الذكرى في توجيه ما ادعاه الشيخ والسيد وغيرهما من
~~الإجماع في مسائل كثيرة مع ظهور الخلاف في بعضها - حتى من جهة الناقل نفسه
~~- وجوها، خامسها: قصد إجماعهم على رواية الحكم 3.
# PageV00P693
# ومحصل ذلك الوجه: أن الأصحاب لما رووا ما في كتب الأخبار المعروفة
~~المعتمدة، وأجمعوا على العمل بالخبر الواحد الذي وجد فيها إن لم يعارضه
~~أقوى منه مطلقا، وكانت عادتهم جارية على التصريح برد ما لم يعتمدوه، وعدم
~~الإخلال بذكر المعارض إذا وجدوه، ولا سيما إذا كان أقوى مما أوردوه.
# فحاصل جميع ذلك: هو الإجماع على العمل بما لم يظهر له معارض أرجح منه،
~~فيحكم حينئذ بقولهم، ويستكشف منه قول المعصوم كما يستكشف في سائر ما قبلوه
~~وأجمعوا عليه بخصوصه، فهو وإن يكن مجمعا عليه بطريق الفتوى، فهو مجمع عليه
~~بطريق النقل الكاشف عن الفتوى، فهو مبني على إثبات أقوال العلماء بالدليل،
~~لا للدليل بالقول 1، كما هو مبنى الإجماع المعروف.
# ولا يخفى أن هذه الطريقة لو تمت لكانت استكشافا لإجماع جميع العلماء، أو
~~جميع علماء الرعية، أو جمع من العلماء الكاشف اتفاقهم عن قول المعصوم،
~~بواسطة ذكر الأخبار وعدم نقل المعارض.
# ثم استكشاف قول الحجة من ذلك الإجماع، فهو أيضا من شعب أحد المعاني
~~الثلاثة وليست معنى على حدة، مع أنها غير تامة، ولا كاشفة عن الاتفاق على
~~الفتوى، كما هو مبين في محله وظاهر.
# الرابع عشر: الثالث عشر، إلا أنه يعلم أقوال العلماء واتفاقهم الكاشف عن
~~رأي الإمام بواسطة القواعد المقررة.
# ومحصله: أن يستكشف قول المعصوم أو رأيه من تتبع قواعد العلماء في الأصول
~~أو الفقه، وإن لم ينص جميعهم على الحكم بالخصوص.
# وتقريره: أنه إذا ms444 ثبت عند فقيه إجماعهم مثلا على حجية ظواهر الكتاب و
# PageV00P694
# ظواهر السنة، وعلى كون الأمر في الشرع أو في اللغة أيضا حقيقة في الوجوب،
~~وكون ألفاظ العموم حقيقة فيه كذلك، وكون الأصل في الاستعمال الحقيقة، أو
~~غير ذلك من القواعد المقررة المتفق عليها أو المثبتة في نظر الفقيه على ما
~~يكون كذلك ولو بوسائط غير بعيدة، ثم وجد في الكتاب أو السنة المجمع على
~~حجيتها - على نحو ما ذكر - أمرا بشئ، أو لفظا عاما متعلقا بحكم مثلا، ولم
~~يجد بعد الفحص ما يصرفها عن ظاهرها، ووقع كلام في وجوب ذلك الشئ، أو حكم
~~بعض أفراد ذلك العام، فحينئذ يمكن في مقام الاستدلال - لا في مقام نقل
~~الأقوال كما قالوا - أن يستند في ذلك إلى الإجماع ويثبته به، لأن الإجماع
~~المنعقد على القاعدة التي هي الأصل إجماع في الحقيقة على أفرادها التي هي
~~فروعها. وكما أنه يجوز للمجمعين عليها أن يستندوا إليها جاز لغيرهم أيضا،
~~لإجماعهم عليها.
# فيقول: هذا الحكم مما ثبتت دلالة ظاهر الكتاب أو السنة المعتبرة عليه
~~بالإجماع، وكل ما كان كذلك فهو حق ثابت بالإجماع، فهذا حق ثابت بالإجماع.
~~فإنه لما كان الإجماع الذي هو طريق إلى معرفة الحكم دليلا شرعيا، يجب العمل
~~به على الكل، وكان الإجماع على الشئ مقتضيا للإجماع على كل ما يندرج تحته
~~أو يلزم منه وينتهي إليه، أو للحكم بثبوته تبعا لثبوته، فلذلك ثبت الحكم
~~المبتني عليه على سبيل الإطلاق بالإجماع، وصح الاستناد إليه باعتبار
~~الانتهاء إليه وإن لم يتعلق بنفس الحكم.
# وعلى هذه الطريقة يبنى قولهم: إن ظاهر الأصحاب، أو قضية المذهب، أو ظاهر
~~المذهب، أو نحو ذلك. كذا قيل.
# وقد شاع اعتبار هذا الوجه واستعماله في الفروع والأصول بين قدماء
~~الأصحاب. PageV00P695
# منها: ما حكاه الشيخ أبو طالب الطبرسي في الاحتجاج عن مؤمن الطاق 1 في
~~بحث جرى بينه وبين بعض المخالفين، إذ قال له: ما حجتك فيما ادعيت من إمامة
~~علي على السلام؟ قال: قوله عز وجل: (كونوا مع الصادقين) 2، ووجدنا ms445 عليا
~~بهذه الصفة في القرآن في قوله عز وجل: (والصابرين في البأساء والضراء و حين
~~البأس) يعني: في الحرب، (أولئك الذين صدقوا) 3، فوقع الإجماع من الأمة بأن
~~عليا أولى بهذا الأمر من غيره، لأنه لم يفر عن زحف قط، كما فر غيره في غير
~~موضع 4.
# ومنها: ما حكاه المفيد في كتاب الفصول عن الفضل بن شاذان أنه قيل له: ما
~~الدليل على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام؟ فقال: الدليل على ذلك من كتاب
~~الله سبحانه، وسنة نبيه، وإجماع المسلمين.
# إلى أن قال وأما الإجماع، فإن إمامته ثبتت من جهته من وجوه: ومن هذه
~~الوجوه أنهم قد أجمعوا جميعا على أن عليا عليه السلام قد كان إماما - ولو
~~يوما - و لم يختلف في ذلك أصناف أهل الملة، ثم اختلفوا فقالت طائفة: كان
~~إماما في وقت كذا دون كذا، وقالت طائفة: كان إماما بعد النبي صلى الله عليه
~~وآله وسلم في جميع أوقاته، و لم تجتمع الأمة على غيره أنه كان إماما في
~~الحقيقة طرفة عين، والإجماع أحق أن يتبع من الخلاف 5.
# ومنها: ما ذكره الصدوق في إكمال الدين في الاستدلال بآية: (إني جاعل
# PageV00P696
# في الأرض خليفة) 1،: وآية: (وعلم آدم الأسماء كلها) 2 على إمامة الأئمة،
~~فذكر وجه الاستدلال ثم قال: فحصل من ذلك ما قلنا بإجماع الأمة 3.
# ومنها: ما ذكره ابن زهرة في الغنية، حيث استدل على إمامة الأئمة بآيتين و
~~بين وجه الاستدلال، ثم قال: فحينئذ ثبت بوجوب التعبد بهما إلى يوم القيامة
~~إمامتهم بالإجماع 4.
# ومنها: ما ذكره المفيد أيضا في الفصول في الدليل على أن المطلق ثلاثا في
~~مجلس واحد يقع من طلاقه واحدة، فقال: الدلالة على ذلك من كتاب الله و سنة
~~نبيه وإجماع المسلمين.
# ثم ذكر وجه دلالة الكتاب والسنة، فقال: وأما إجماع الأمة فإنهم مطبقون
~~على أن ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل، وقد تقدم وصف خلاف طلاق الثلاث
~~للكتاب والسنة، فحصل الإجماع على إبطاله 5.
# ومنها: ما ذكره المحقق في المسائل المصرية، في جواز إزالة النجاسة ms446 بغير
~~الماء من المايعات، فقال: وأما قول السائل كيف أضاف السيد والمفيد ذلك إلى
~~مذهبنا، ولا نص فيه؟ فالجواب: أما علم الهدى، فإنه ذكر في الخلاف أنه أضاف
~~ذلك إلى مذهبنا، لأنه من أصلنا العمل بدليل الأصل ما لم يثبت الناقل، وليس
~~في الشرع ما يمنع من استعمال المايعات في الإزالة.
# إلى أن قال: وأما المفيد، فإنه ادعى في مسائل الخلاف: أن ذلك مروي عن
~~الأئمة 6.
# ومنها: ما ذكره الشيخ في الخلاف في حكم ما إذا حكم الحاكم بشهادة
# PageV00P697
# شاهدين في القتل ثم بان بعد القتل فسقهما قبله، حيث حكم بكون الدية من
~~بيت المال، قال دليلنا إجماع الفرقة، فإنهم رووا أن ما أخطأت القضاة من
~~الأحكام فعلى بيت المال 1. إلى غير ذلك.
# وقد أكثر إرادة ذلك الإجماع في المبسوط والخلاف، بل من استقصى مسائل
~~الناصريات، والانتصار، والخلاف، والمبسوط، الغنية، والسرائر، و غيرها من
~~كتب القدماء، ونظر في أدلتها، فربما وجد كثيرا من ذلك الباب.
# وقد أشار في رسالته الغرية إلى هذا الوجه، وبالغ في القدح فيه ومنعه، و
~~قال: إن الاتفاق على لفظ مطلق شامل لبعض أفراده الذي وقع فيه الكلام لا
~~يقتضي الإجماع عليه، لأن المذهب لا يصار إليه من إطلاق اللفظ ما لم يكن
~~معلوما من القصد، لأن الإجماع مأخوذ من قولهم: أجمع على كذا إذا عزم عليه،
~~فلا يدخل في الإجماع على الحكم إلا من علم منه القصد إليه، كما أنا لا نعلم
~~مذهب عشرة من الفقهاء الذين لم ينقل مذهبهم لدلالة عموم القرآن وإن كانوا
~~(تالين له) 2 - 3. انتهى.
# وما ذكره متين، فإنه يمكن عدم وقوف الجميع على مدرك الحكم، أو ذهولهم
~~عنه، أو وقوف جميعهم أو بعضهم على ما يعارضه عموما أو خصوصا، أو ما يصرف
~~الظاهر عن ظهوره وإن لم يكن دليلا مستقلا، بل لأجل ذلك أمكن أن يكونوا
~~أجمعوا على خلاف ما استند إليه، وأقصى ما للفقيه أن يستند في إثبات الحكم
~~الظاهري لنفسه إلى القاعدة المجمع عليها ولوازمها، لا أن يجعل ms447 الحكم
~~إجماعيا.
# ثم أقول: إن هذه الطريقة ليست معنى على حدة غير المعاني الثلاث في
~~الإجماع، أو في طريق الكشف، بل مبناه على إثبات أقوال العلماء على حكم
# PageV00P698
# بإجماعهم على قاعدة تقتضي ذلك الحكم فالمراد من الإجماع هو أحد المعاني،
~~وطريق الكشف هو أحد الطرق.
# نعم هذا وجه آخر لفهم اتفاق الكل.
# الخامس عشر: أن يكون المراد من الإجماع الكاشف: أن يكشف عن تصويب
~~المجمعين في الحكم الظاهري، فإنه إذا اتفق علماء الرعية على أمر، يستكشف
~~رأي الإمام بأنه راض بما أفتوا به وأجمعوا عليه، بناءا على أنه هو الحكم
~~الظاهري الذي هو واقعي ثانوي، ومرجعه إلى تصويب المجتهد ومقلديه في العمل
~~بما أدى إليه نظره، وأخذ منه غيره بعد استجماع الشرائط واستفراغ الوسع.
# ولا يخفى أن الكشف بهذا المعنى لا يختص بصورة الاتفاق، بل يجري في كل
~~واحد واحد.
# وأيضا لا يصير الإجماع حينئذ من الأدلة الشرعية، بحيث يكون حجة على
~~المجتهدين الذين لم يؤد نظرهم إلى ما حكم به المجمعون، لحرمة التقليد
~~عليهم، و احتمالهم تقصير المجمعين لعدم عصمتهم، واختلاف التكاليف باختلاف
~~اقتدارهم وتفاوت أنظارهم.
# وأيضا لا يكون الإجماع حينئذ إجماعا على الأحكام الجزئية، بل هو إجماع
~~على حكم كلي أصولي هو كون كل ما أدى إليه نظرهم حكما لهم.
# فهذا الوجه ليس من وجوه الإجماع الذي كلامنا فيه، ومعدود من الأدلة
~~الشرعية المثبتة لحقيقة الأحكام الجزئية بخصوصها.
# السادس عشر: أن يراد من الإجماع مجرد الشهرة، ومن الكشف الكشف الظني.
# ذكره الشهيد في بيان وجوه معنى الإجماع في كلمات القدماء، وبنى عليه
~~اختلافهم في دعوى الإجماع، وخلاف المدعى له في حكمه بنفسه 1.
# PageV00P699
# السابع عشر: أن يراد من الإجماع حصول العلم بقول الإمام الغائب بعينه
~~لبعض حملة أسراره بنقل أحد سفرائه وخدمته سرا على وجه يفيد اليقين، أو
~~بتوقيعه ومكاتبته كذلك، أو بسماعه منه مشافهة على وجه لا ينافي امتناع
~~الرؤية في زمان الغيبة فلا يسعه التصريح والإعلان بنسبة القول إليه، وليس
~~في ساير الأدلة الموجودة العلمية ما ينص ms448 بإثبات ذلك، ولا في غيرها أيضا من
~~الأدلة ما يقتضيه.
# فإذا كان الحال كما ذكر، ولم يكن مأمورا بإخفاء ما وقف عليه وكتمانه، أو
~~كان مأمورا بإظهاره بحيث لا تنكشف حقيقة الحال، فيبرزه لغيره في مقام
~~الاحتجاج بصورة الإجماع، خوفا من الضياع، وجمعا بين الامتثال بإظهار الحق
~~وكتمان السر، فيكون حجة على نفسه لكونه من السنة، وعلى غيره بعد إبرازه على
~~نحو ما ذكر، لكونه من الإجماع.
# قيل: وربما يكون هذا هو الأصل في كثير من الزيارات والاستخارات والأدعية
~~والآداب والأعمال المعروفة التي تداولت بين الإمامية، ولا مستند لها ظاهرا
~~من أخبارهم ولا من كتب قدمائهم الواقفين على آثار الأئمة وأسرارهم، ولا
~~أمارة تشهد بأن منشأها أخبار مطلقة أو وجوه اعتبارية مستحسنة، هي التي
~~دعتهم إلى إنشائها وترتيبها والاعتناء بجمعها وتدوينها، كما هو الظاهر في
~~جملة منها 1.
# وإلى هذا أشار بعض سادة مشايخنا المحققين، حيث قال: وربما يحصل لبعض حفظة
~~الأسرار من العلماء الأبرار العلم بقول الإمام بعينه على وجه لا ينافي
~~امتناع الرؤية في مدة الغنية، فلا يسعه التصريح بنسبة القول إليه، فيبرزه
~~في صورة الإجماع، جمعا بين الأمر بإظهار الحق والنهي عن إذاعة مثله بقول
~~مطلق 2. انتهى.
# PageV00P700
# هذه هي الوجوه التي ذكروها في بيان الإجماع ووجه حجيته وطريق كشفه عن قول
~~الحجة.
# ولا يخفى أن الثلاثة الأخيرة منها وإن كانت غير المعاني الثلاثة المعروفة
~~التي ذكرناها أولا، إلا أنها ليست من الإجماع الذي كلامنا فيه من شئ، وإنما
~~هي شئ آخر غير الإجماع المقصود، كما لا يخفى. وأما البواقي، فلا يخرج شئ
~~منها من الإجماع المعروف بالمعاني الثلاثة.
# فالأربعة الأول منها كلها من الإجماع بالمعنى الأول، أي إجماع جميع
~~العلماء أو إلا شاذ معروف النسب، غاية الأمر اختلاف الطرق الأربع في وجه
~~معرفة دخول الإمام في المجمعين ومعرفة قوله، وذلك لا يوجب اختلافا في معنى
~~الإجماع ولا في جهة حجيته.
# والثلاثة المعقبة لها كلها من الإجماع بالمعنى الثاني، أي إجماع جميع
~~علماء الرعية أو إلا شاذ مطلقا، والكل ms449 متفق في أن حجية ذلك الإجماع
~~لاستلزمه رضى المعصوم، والاختلاف إنما هو في وجه ذلك الاستلزام، ومجرد ذلك
~~لا يجعل كلا منها وجها على حدة.
# ولذا ترى أن جمعا آخر يستدلون على وجوب الردع على الإمام: بأنه لولاه لزم
~~سقوط التكليف، أو لزم القبيح، أو إزاحة العلة، ونحوها، كالشيخ أبى الفتح
~~الكراجكي 1، والشيخ علي بن أبي المجد الحلبي 2، والشيخ كمال الدين بن ميثم
~~البحريني 3، والشيخ أبي علي الطبرسي 4، والشيخ أبى الحسن الأربلي 5،
~~وغيرهم. ولا يعد كل واحد منها طريقا على حدة، ومع
# PageV00P701
# ذلك كل هذه الطرق مدخولة غير تامة، كما بين في موضعه.
# والستة المتعقبة لها كلها من الإجماع بالمعنى الثالث، أي الاتفاق الكاشف
~~عن قول الإمام المعصوم ورأيه.
# ويمكن إرجاع بعضها إلى الإجماع بأحد المعنيين الأولين أيضا، كما أشرنا
~~إليه في طي تعداد الوجوه.
# فإن المعنى الثالث: هو الاتفاق الكاشف بأي وجه علم اتفاق العلماء، وبأي
~~جهة حصل الكشف منه، وأي طائفة مخصوصة كان المتفقين.
# واختلاف هذه الوجوه إنما هو بواسطة اختلاف جهة العلم بالاتفاق بالحدس، أو
~~العادة، أو من جهة خصوصية الطائفة، أو من جهة وجه حصول الكشف.
# فتحصل مما ذكرنا: أن الإجماع عند أصحابنا لا يتعدى عن أحد المعاني
~~الثلاثة، أي: إجماع جميع العلماء أو إلا شاذ معروف النسب، وإجماع جميع
~~علماء الرعية أو إلا غير شاذ مطلقا، والاتفاق الكاشف عن قول الحجة.
# وسائر ما يذكر في وجوه الإجماع إما ليس بإجماع عندهم، أو من أحد أفراد
~~الوجوه الثلاثة.
# ثم إن بعض سادة مشايخنا المحققين قال: إن الإجماع عند أصحابنا الإمامية
~~معنى واحد، وهو الاتفاق الكاشف عن قول الحجة، والاختلاف إنما هو في تعيين
~~ذلك الاتفاق الكاشف 1.
# وهو عندي غير جيد، إذ المصرح به في كلام أرباب الاصطلاحين الأولين:
# أن الإجماع هو اتفاق كل العلماء، أو اتفاق كل علماء الرعية. وجعلوا وجه
~~حجيته كون ذلك كاشفا عن دخول الحجة أو رضاه.
# ولا يستلزم ذلك أن يجعلوا كل اتفاق كاشف إجماعا، فإن صريح قولهم:
# PageV00P702
# إن الإجماع هو اتفاق ms450 كل العلماء، أو كل علماء الرعية، وإن كل ما كان كذلك
~~فهو كاشف. ولا يلزم من ذلك أن يكون كل اتفاق كاشف إجماعا عندهم، فإنه لا
~~تصريح بذلك في كلماتهم، ولا شاهد ولا قرينة تدل على ذلك أيضا. وإن كان حجة
~~عندهم لو فرض حصول مثل ذلك الكشف لهم، فيحتمل أن يعدوه من السنة، أو لم
~~يصطلحوا على تسميته به، بناءا على عدم التفاتهم إليه، أو زعمهم عدم حصول
~~الكشف إلا من اتفاق أحد المجمعين 1. فتأمل.
# PageV00P703
# عائدة (64) في بيان قاعدة اللطف من القواعد المتداولة بين الطائفة
~~العدلية من المتكلمين والفقهاء وبنوا عليها كثيرا من المسائل الدينية:
~~قاعدة وجوب اللطف على الله سبحانه.
# أقول: مرادهم من اللطف: إما إعطاء كل ذي حق حقه، أي ما يستحقه، أو بيان
~~المصالح والمفاسد، أو مطلق الإحسان والإكرام والإنعام، أو بيان ما يقرب
~~العبد إليه وما يبعده عنه، أو ما يقرب أحد هذه المعاني.
# واللطف ببعض هذه المعاني مما لا ينبغي الريب في وجوبه عليه مطلقا،
~~كالمعنيين الأولين، وببعض آخر مما لا شك في وجوبه أيضا في الجملة، وإن لم
~~يجب عليه بجميع أنواعه وجميع ما يكون لطفا بذلك المعنى، كالثالث، وببعض آخر
~~مما يمكن الكلام في وجوبه، كالمعنى الأخير.
# وليس غرضنا هاهنا إثبات وجوبه وعدمه، أو بيان ما يجب عليه منه وما لا
~~يجب.
# بل المطلوب بيان عدم تمامية الاستناد إلى تلك القاعدة في المواضع التي
~~يستندون إليها، وذلك لوجوه:
# PageV00P705
# الأول: أن المراد بوجوب اللطف عليه سبحانه - بأي معنى اخذ - هل وجوب ما
~~هو كذلك في حاق الواقع ونفس الأمر - أو ما هو كذلك بحسب علمنا و إدراكنا؟.
# يعني أنه هل يجب عليه مثلا بيان ما هو مصلحة أو مفسدة في الواقع، أو ما
~~هو كذلك بحسب علمنا وما نعلمه مصلحة أو مفسدة واقعية، سواء طابق علمنا
~~للواقع أولا، وكذا في سائر المعاني.
# فإن أرادوا الأول، فنسلم وجوبه ولا كلام لنا معهم في إثباته.
# ولكن نقول: إن كل ما يريدون إثباته بتلك القاعدة ويستندون ms451 فيه إليها، من
~~أين يعلم أنه اللطف الواقعي النفس الأمري المطابق لعلمه سبحانه؟ وكيف
~~السبيل إلى علمنا به؟ وكل ما يذكرون لبيانه، فهو راجع إلى ذلك المعنى بحسب
~~علمنا، ويأتي الكلام فيه.
# وإن أرادوا الثاني، أي وجوب ما هو بذلك المعنى بحسب فهمنا ومدركنا
~~وعلمنا، فنقول: ما الدليل على وجوب ذلك على الله سبحانه، وما يقتضيه؟
# فإن قيل: لأنه ورد في الكتاب والسنة كونه سبحانه لطيفا، ويجب حمل الألفاظ
~~في الخطابات على متفاهم المخاطبين.
# قلنا: المراد من ذلك حمل الألفاظ على المعنى المتفاهم الواقعي لا المعنى
~~المتفاهم بحسب علم المخاطب، ولذا أجمعوا على أن الألفاظ موضوعة للمعاني
~~النفس الأمرية دون العلمية. فإذا كان المتفاهم من اللطف في عرف المخاطب
~~بيان المصلحة والمفسدة مثلا، يجب حمله على ذلك المعنى، أي بيان المصلحة
~~والمفسدة، ولكن المصلحة والمفسدة الواقعية دون العلمية.
# فإن قيل: إنهم صرحوا بأن الألفاظ وإن كانت للمعاني النفس الأمرية لكنها
~~مقيدة بالعلم في مقام التكاليف، ونحن مكلفون بإثبات كونه سبحانه لطيفا
~~شرعا، لوصفه سبحانه نفسه به.
# قلنا أولا: إنه من أين يعلم أن اللطف الواجب علينا إثباته له سبحانه بمثل
~~PageV00P706
# قوله: (إن الله لطيف بعباده) هو اللطف بهذا المعنى الذي يريدون إثبات
~~مطلبهم به؟ فإنه معنى مصطلح في علم الكلام، فلعله مرادف للرؤوف والحنان
~~ونحوهما.
# وثانيا: إنه يمكن أن يكون المراد بكونه لطيفا: أن كل ما نراه لطفا هو منه
~~سبحانه، لا أن كل ما نعلمه لطفا يجب عليه فعله، كما في الخالق والرازق
~~والطبيب والمنعم ونحوها.
# وثالثا: إن معنى حمل الألفاظ في مقام التكاليف على حسب علم المكلف:
# أنه إذا كان لنا تكليف في عمل متعلق به يقيد بالمعلوم لنا، أما في غيره
~~فلا، فإنه إذا قال الله سبحانه: الكافر مخلد في النار، يجب علينا تصديق
~~ذلك، ولكن نقول: إن الكافر النفس الأمري في النار سواء علمنا بكفره أولا،
~~لا أن من علمنا واعتقدنا أنه كافر مخلد في النار ألبتة، سواء طابق علمنا
~~للواقع أولا.
# وأما لو قال جل ms452 شأنه: الكافر نجس فاجتنبوه، فنقول: إن الكافر الواقعي
~~بحسب علمنا، أي من اعتقدنا أنه كافر واقعا، يجب علينا اجتنابه وإن لم يكن
~~كذلك واقعا، لأنا مكلفون بحسب علمنا.
# وليس تكليفنا في إثبات اللطف له سبحانه سوى وجوب اعتقاده لطيفا، ولا عمل
~~هنا لنا متعلق به 1 حتى يجب التقييد بعلمنا، وليس هو إلا ككونه سبحانه
~~قديما، وعزيزا، وذا الكبرياء والرحمة، وأهل التقوى والمغفرة، وقيوما،
~~ومهيمنا، ونحو ذلك.
# الوجه الثاني: أن مرادهم من وجوب اللطف عليه سبحانه بأي معنى أرادوه ولو
~~بحسب علمنا، فهل هو وجوبه عليه مطلقا، من غير اشتراطه بوجود المقتضي من
~~جانب القابل، أو عدم الموانع التي من جهة القابل، أو عدم الموانع الخارجية
~~عنه، أو يشترط بذلك؟.
# PageV00P707
# فإن أرادوا الأول، فهو بديهي الفساد، ضرورة اشتراط تحقق كل شئ بوجود
~~المقتضي ورفع الموانع.
# ولأنه أي دليل يدل على وجوب مثل ذلك عليه سبحانه؟
# بل مع عدم المقتضي أو وجود المانع لا يكون ذلك لطفا، مع أن هذا مما يكذبه
~~المشاهدة والعيان، فإن من الأمور ما يدعون القطع بكونه أو مثله لطفا، ومع
~~ذلك لم يقع ولم يتحقق في الخارج، ويسندون عدمه إلى المانع.
# ولذا قال المحقق الطوسي في التجريد: وجوده لطف، وتصرفه لطف آخر، وعدمه
~~منا 1.
# وإن أرادوا الثاني: أي يجب اللطف عليه بشرط وجود المقتضي في كل فعل،
~~وانتفاء الموانع الداخلية والخارجية، فلا تفيد هذه القاعدة لنا في مقام
~~أصلا، لأن الحكم بمقتضاها والاستناد إليها في كل مورد يراد موقوف على علمنا
~~بالمقتضيات وانتفاء جميع الموانع، وهو موقوف على إحاطتنا التامة بذوات
~~الأشياء والأفعال وحقائقها، وجميع الأمور الداخلية والخارجية، الحسية
~~والمعنوية، مع أنا نرى من المقتضيات والموانع مما لا يمكن دركه لنا، فإنا
~~نرى أنهم يقولون: إن التكليف لطف، ويثبتونه للذكر بتمام خمسة عشر عاما من
~~سنه، دون خمسة عشر إلا نصف يوم أو ساعة، فما الذي يدرك أنه مقتض لذلك اللطف
~~في تمام خمسة عشر ولا يقتضيه في نصف يوم قبله؟ أو ما المانع منه في ms453 الثاني
~~دون الأول وما المقتضى لهذا اللطف في الأنثى في تسع سنين دون الذكر، وما
~~المانع منه في الثاني دون الأول؟ وما المانع بعث خاتم الأنبياء في يوم قبل
~~يوم المبعث؟ إلى غير ذلك.
# وأيضا ذكروا: أن الله سبحانه يوجد الأكوان من الأعيان والأفعال بمقتضى
# PageV00P708
# العلم بالأصلح، وهو الموجب لتأخير إيجاد ما أخر إيجاده وتقديم ما قدم.
~~فقد يقتضي العلم بالأصلح تأخير ما أنت تعلمه لطفا، أو عدم إبرازه إلى ساحة
~~الوجود، وظاهر أنك لا تقول: إني أيضا أعلم ما هو الأصلح في جميع الأعيان
~~والأفعال كعلمه سبحانه! فإن اعترفت بأني لا أعلم، فما هذا الفضول الذي
~~ترتكبه من أنه يجب عليه فعل ذلك في هذا الوقت أولا يجب؟.
# غاية ما يجوز لك أن تقول: إن كان الواقع كما زعمته ولم يكن منه مانع، يجب
~~عليه ذلك، وإلا فلا.
# الوجه الثالث: أنه يقال إنه هل يمكن أن يتحقق لما نحن نزعمه لطفا أمر آخر
~~ينوب منابه، أم لا؟
# فإن قلت: نعم، قلنا: من أين علمت في كل مورد تريد إثبات شئ بقاعدة اللطف
~~أنه لم ينب منابه غيره؟.
# وإن قلت: لا، يكذبك الضرورة والإجماع القطعي، لأن الأحكام الواقعية كلها
~~مطابقة لألطاف الله سبحانه بالنسبة إلى عباده، ونابت منابها الأحكام
~~الظاهرية المختلفة بحسب أنظار المجتهدين.
# الوجه الرابع: أنا نرى في الأشياء والأفعال ما نقطع بكونه لطفا، بل لا
~~نرى فرقا بينه وبين سائر ما نقطع بلطفيته لتحققه، ومع ذلك لم يقع، كظهور
~~الإمام وتصرفه، فإنا نقطع بكونه لطفا، ولا نرى فرقا بين ظهوره في هذه
~~الأيام، ظاهر المقالة، منقذا من الضلالة، شاهر السيف، منصورا من الله
~~سبحانه، وبين ظهوره بعد ذلك، بل لا نرى فرقا بين مجرد ظهوره وظهور الإمام
~~الحادي عشر عليه السلام في زمانه. وكذا بعث النبي.
# بل حصول بعض الأمور المردعة عن المعاصي، المرغبة إلى الطاعات، لكل مكلف،
~~كبعض المنامات، أو استجابة بعض الدعوات ونحو ذلك، ومع ذلك لم يقع. وقد يقع
~~لبعض لا نرى فرقا بينه وبين ms454 بعض ما لم يقع أصلا.
# فإنا كيف ندرك أن إراءة البرهان - بأي معنى فسرت - لطف بالنسبة إلى يوسف
~~PageV00P709
# الصديق وليست لطفا لأمثالنا؟ فإن استندت عدم وقوع ما لم يقع إلى المانع
~~الغير المعلوم لنا، فلم لا يكون الأمر في سائر الموارد أيضا كذلك، والله
~~العالم. PageV00P710
# عائدة (65) في تحقيق معاقد الإجماعات المسألة التي وقع الاتفاق عليها:
~~إما مطلقة موضوعا ومحمولا ومتعلقا - أي محكوما له وحكما ومحكوما عليه - في
~~كلمات المجمعين كلا، أو مقيدة فيها كلا أو بعضا بالنسبة إلى أحدهما.
# فالأول، كأن يقول كل العلماء أو بقدر يحصل من اتفاقهم الإجماع: شهادة
~~الشاهدين مقبولة، أو خبر العدل حجة، أو السورة واجبة.
# والثاني، كأن يقول كل من ذكر أو بعضهم: شهادة الشاهدين المفيدة للظن أو
~~الشاهدين العدلين مقبولة، أو شهادة الشاهدين مقبولة في الأموال أو للحاكم،
~~أو خبر العدل المفيد للعلم أو الظن حجة، أو خبر العدل حجة للفقيه أو لمن
~~حصل له العلم أو الظن منه، أو السورة الفلانية واجبة أو واجبة على الإمام،
~~وهكذا.
# فإن كان من الثاني، فظاهر أنه لا يتحصل منه الإجماع على المطلق، بل يتحصل
~~على المقيد خاصة وإن كان دليلهم أجمع مقتضيا لثبوت الحكم مطلقا، كأن
~~يستدلوا لقبول شهادة الشاهدين في الأموال أو للفقيه - مثلا - بنص مطلق، أو
~~بقاعدة حمل أقوال المسلمين على الصدق.
# نعم إن كان ذلك الدليل المطلق حجة عند من يريد استخراج حكم المسألة، يجب
~~الحكم عليه بالإطلاق، ولكن لا للإجماع بل لإطلاق ذلك الدليل. PageV00P711
# وإن كان من الأول، فإن دل دليل على إرادة تقييد من ذلك الإطلاق، يعني على
~~أن مراده من اللفظ المطلق هو المقيد، فكالثاني أيضا، وإن كان ذلك الدليل هو
~~نفس علة الحكم مطلقا.
# كأن يستدل لإطلاق قبول شهادة الشاهدين أو خبر العدل بوجوب حمل قول المسلم
~~على الصدق، فإنه قرينة على إرادة الشاهدين المسلمين أو العدل المسلم، أو
~~يستدل له بأن المحسوس لا يحتمل الخطأ عادة، فإنه قرينة على إرادة الشهادة
~~في المحسوسات.
# ولو منع كونه قرينة، وجوز ms455 كونه استدلالا على بعض أفراد المطلق وإن كان
~~الحكم عاما، لم يفد أيضا، لتساوي الاحتمالين، فلا يعلم إرادته الإطلاق.
# ولو قيل: إن مقتضى أصالة الإطلاق وعدم التقييد لا يندفع بمجرد الاحتمال،
~~لم يكن بعيدا أيضا، فيحكم بالإطلاق إلا إذا ضمت معه شهادة حال أو فهم عرف
~~إرادة التقييد.
# وإن لم يدل دليل على ذلك، يعني على أن مراده عن ذلك اللفظ المطلق هو بعض
~~أفراده، فمع كون المصرحين بالحكم المطلق جمعا يحصل من اتفاقهم الإجماع،
~~يتحصل من تصريحهم الإجماع على المطلق، سواء لم يعلل أحد من المجمعين الحكم
~~بعلة، أو عللوه - كلا أو بعضا - بعلة تامة في نظر من يريد تحصيل الإجماع،
~~أو غير تامة عنده، متحققة في حقه أو غير متحققة.
# فالأول كأن يقول الكل: قول الشاهدين أو خبر العدل حجة واجب القبول، من
~~غير ذكر دليل له.
# والثاني، كأن يعللوه - كلا أو بعضا - بوجود نص صحيح صريح فيه، واصل إلى
~~متحصل الإجماع، حجة عنده.
# والثالث، كان يعللوه بعلة مستنبطة، أو رواية ضعيفة واصلة إلى مريد تحصيل
~~الإجماع، وكانت غير حجة عند المحصل.
# والرابع، كأن يعللوه - كلا أو بعضا - بنص صريح صحيح، ولم يصل النص
~~PageV00P712
# إلى المحصل.
# والخامس، أن يعللوه بعلة مستنبطة غير مدركة للمحصل.
# وذلك لأن المفروض أن المجمعين طائفة يحصل من اتفاقهم الإجماع، ويكشف
~~اجتماعهم عن قول الإمام، والمفروض اتفاقهم واجتماعهم على الحكم المطلق،
~~فيكون الإمام داخلا فيهم.
# أما على طريقة السيد، فلكون المجمعين حينئذ جميع العلماء الذين منهم
~~الإمام، فيكون المجمع عليه حقا لا محالة 1.
# وأما على الطريقة المنسوبة إلى الشيخ، فلكونهم جميع علماء الرعية، ويرضى
~~الإمام بما اجتمعوا عليه وإلا لردعهم 2.
# وأما على طريقة المتأخرين، فلأن المفروض كون المجمعين جمعا يكشف اتفاقهم
~~عن قول الإمام، وقد اتفقوا فيكشف.
# وقد يتوهم أن العلة التي استند الحكم إليها عند الكل أو البعض إذا كانت
~~غير متحققة في حق مريد تحصيل الإجماع، لا يثبت الإجماع على الحكم المطلق،
~~حتى يكون حكما في حقه أيضا.
# وهذا الذي يقال: إن ms456 اختلاف الجهة والعلة في الحكم يوجب عدم انعقاد
~~الإجماع على المطلق، استنادا إلى أن اختلاف الجهة موجب لتقييد الحكم، فإنه
~~إذا علل بعضهم الحكم بوجوب قبول خبر الشاهدين بأنه يفيد الظن، فلا فيكون
~~دالا على وجوب قبوله حتى بالنسبة إلى من لا يفيد قول الشاهدين له ظنا، وحتى
~~قول الشاهدين الذي لا يفيد الظن.
# وكذا إذا علل طائفة منهم وجوب العمل بالأخبار المودعة في الكتب المعتبرة
~~لأصحابنا أو أخبارا معينة منها بأنها معلوم الصحة أو الصدور أو الصدق، أو
# PageV00P713
# بأنها مفيدة للعلم، لا يدل على وجوبه بالنسبة إلى من ليست عنده كذلك،
~~وذلك لأن ذلك التعليل في قوة: أن قول الشاهدين إذا كان مفيدا للظن حجة، أو
~~لمن أفاد له الظن حجة، والأخبار المذكورة إذا كانت معلومة الصحة والصدق أو
~~مفيدة للعلم حجة، أو حجة لمن كانت كذلك بالنسبة إليه.
# وهذا توهم فاسد وخطأ فاحش، لأنه لو كان كذلك لسقط التمسك بالإجماع
~~بالمرة، ولا يكون هو واحدا من الأدلة الشرعية.
# بيان ذلك: أن العلماء الذين يحصل من اتفاقهم الإجماع على حكم بأي طريق من
~~الطرق المتقدمة، لا يخلو: إما يظهر مستند الجميع في الحكم الذي أجمعوا عليه
~~لمن يريد تحصيل الإجماع، أولا.
# فإن ظهر مستند الجميع، فإما يكون مستندهم كلا مقبولا عند مريد التحصل،
~~متحققا عنده، حجة لديه، أو لا يكون الكل كذلك.
# فإن كان الأول، فمع أنه لا يكاد يتحقق مثل ذلك في موارد الاحتجاج 1، لا
~~يكون حاجة إلى الإجماع أصلا، لكفاية ذلك المستند في إثبات الحكم.
# وإن كان الثاني، أي كان دليل الكل أو بعضهم غير تام عند المحصل للإجماع
~~أو غير متحقق، فعلى ما ذكره هذا المتوهم يكون الحكم مقيدا بالنسبة إلى من
~~كان ذلك الدليل تاما عنده متحققا لديه، فلا يثبت إجماع بالنسبة إليه أصلا.
# ومنه يظهر الحال فيما إذا كان دليل الكل غير مقبول عنده، ومنه يسري إلى
~~من لم يكن دليل الكل عنده معلوما، سواء كان دليل البعض معلوما أم لا، لجواز
~~كون دليل ms457 من لا يعلم دليله - كلا أو بعضا - غير مقبول أو غير متحقق عند
~~مريد التحصل، بل المظنون أنه كذلك، لأنه الغالب، فلا يتحصل الإجماع.
# مثلا: إذا أجمع العلماء على حكم، كوجوب قبول قول الشاهدين، واستدل بعضهم
~~له بالسماع من الإمام، وآخر بالإجماع، وثالث بالشهرة، ورابع بورود
# PageV00P714
# النص عليه، وخامس بالاستقراء، وهكذا.
# فهل يقيد الحكم في كلام الأول بوجوب قبوله على من سمع من الإمام، وفي
~~كلام الثاني بمن ثبت عنده الإجماع، وفي الثالث بمن ثبت عنده الشهرة ومع ذلك
~~قال بحجية الشهرة، وفي الرابع بمن وصل إليه النص وكان حجة عنده دالا على
~~الحكم، وفي الخامس بمن حصل له الاستقراء ويقول بحجيته، أم لا؟
# فإن قلت: نعم، فلا يتحصل إجماع إلا لمن اجتمع عنده جميع هذه القيود،
~~وحينئذ لا يحتاج إلى تحصيل إجماع.
# وإن قلت: لا، فهو مناقض لما توهمت.
# وما السبب في أنه إذا قال: الحكم كذا بالإجماع، لا يقيد بأنه كذا لمن ثبت
~~عنده الإجماع، وإذا قال: لأنه علم من المعصوم أو ظن، يقيد بأنه لمن علم أو
~~ظن؟!
# وكذا إذا قال: ذلك كذا للنص الدال عليه، لا يقيد بمن وصل إليه النص،
~~ويقيد في مقامات توهمك؟!
# والحاصل: أن موارد الإجماع لا تخلو عن ثلاثة: إما يظهر مستند الجميع
~~ويكون مستندا متحققا مقبولا عند من يريد تحصيل الإجماع، أو يظهر ويكون
~~مستندا لبعض، غير تام أو غير متحقق له، أو لا يظهر مستندا الكل.
# فعلى الأول لا حاجة إلى الإجماع، وعلى البواقي لا يتحصل الإجماع بالنسبة
~~إلى ذلك المتحصل، لدلالة تعليله على التقييد بمن يتم عنده ذلك الدليل على
~~زعم ذلك المتوهم.
# فإن قيل: من يقول: الحكم كذا بالإجماع المعلوم عندي، أو بقول الإمام الذي
~~سمعته منه، أو بالاستقراء الذي حصل لي، يريد أن الحكم كذلك لكل أحد بدلالة
~~الإجماع المعلوم عندي، أي فهمت من الإجماع أن الحكم كذلك لكل أحد فيكون
~~حكمه مطلقا.
# قلت: كذا من يقول: إن الخبر الفلاني حجة لأنه مفيد للعلم، أي فهمت
~~PageV00P715
# من ms458 العلم بصحته أنه يجب على الكل العمل به. وأي فرق بين علمه بالإجماع،
~~أو علمه بصحة الخبر، أو بين سماعه وبين علمه؟
# والحل: أن كل من يستدل بدليل على حكم مطلق، فهو يعلم أن العمل بهذا الحكم
~~مخصوص بمن ثبت عنده ذلك الدليل وتماميته من غير مقلديه، ولكنه يخبر العلماء
~~عن اعتقاده أو ظنه، وإن لم يفد ذلك لغيره وغير مقلديه إلا تنبيها أو
~~تأييدا، فيخبر أن اعتقادي أنه كذلك بالنسبة إلى كل أحد، وإن لم يكن اعتقادي
~~حجة لكل أحد، ثم ينبه بالاستدلال على طريق حصول اعتقاده، ويريد أن كل أحد
~~أيضا لو سلك هذا المسلك يحصل له ذلك الاعتقاد. وهذا هو السر في بيان
~~الأدلة، والأدلة على الأدلة، وهكذا.
# واعتقاده أن كل من نظر بالنظر الصواب من مبدأ الحكم إلى المآب، ورجع
~~قهقرى من الحكم إلى الدليل ومنه إلى دليله، وهكذا إلى ما اكتسب منه
~~النظريات من بديهياته، يكون كذلك، فحكمه إنما هو للجميع وإن لم يكن اتباع
~~حكمه واجبا على الجميع.
# ومن ذلك ظهر: أن اختلاف الجهة والعلة لا يقدح في تحقق الإجماع على الحكم
~~المطلق.
# نعم إذا كان أصل الحكم مقيدا، فيختص الإجماع بالمقيد.
# وإلى هذا ينظر من يقول: بأن اختلاف الحيثيات التقييدية يقدح في ثبوت
~~الإجماع على المطلق، دون الحيثيات التعليلية. PageV00P716
# عائدة (66) في بيان اعتبار كتاب الفقه الرضوي من كتب الأخبار المشتهرة في
~~تلك الأعصار المتأخرة كتاب الفقه المنسوب إلى سيدنا ومولانا أبى الحسن علي
~~بن موسى الرضا عليه آلاف التحية والثناء.
# وهو غير منصوص عليه في كلام قدماء الأصحاب، وإنما اشتهر في هذه الأزمنة
~~المتأخرة ولهذا التبس حاله على كثير من الأجلة، وتحقيق حاله من الأمور
~~المهمة.
# وبيانه: أنه لم يكن ذلك الكتاب متداولا بين الطبقة المتوسطة من الأصحاب
~~إلى زمان الفاضل التقي مولانا محمد تقي المجلسي - قدس سره - وهو أول من روج
~~هذا الكتاب.
# وبعده ولده العلامة ومروج الشريعة، المحدث مولانا محمد باقر المجلسي،
~~فإنه أورده في كتاب بحار الأنوار، ووزع عباراته على ms459 الأبواب، واستند إليها
~~في الآداب والأحكام المشهورة الخالية عن المستند ظاهرا، وفى الجمع بين
~~الأخبار المتعارضة.
# وذكر في البحار ما يوضح وجه اشتهاره، قال: كتاب فقه الرضا أخبرني به
~~السيد الفاضل المحدث القاضي أمير حسين - طاب ثراه - بعد ما ورد أصفهان.
~~PageV00P717
# قال: قد اتفق لي في بعض سني مجاورتي بيت الله الحرام أن أتاني جماعة من
~~أهل قم حاجين، وكان معهم كتاب قديم يوافق تاريخه عصر الرضا عليه السلام.
# وسمعت الوالد - رحمه الله - أنه قال: سمعت السيد يقول: كان عليه خطه
~~صلوات الله عليه، وكان عليه إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء. وقال السيد:
# حصل لي العلم بتلك القرائن أنه تأليف الإمام، فأخذت الكتاب وكتبته
~~وصححته. فأخذ والدي هذا الكتاب من السيد واستنسخه وصححه، وأكثر عباراته
~~موافق لما يذكره الصدوق أبو جعفر محمد بن بابويه في كتاب من لا يحضره
~~الفقيه [من غير سند] 1، وما يذكره والده في رسالته إليه، وكثير من الأحكام
~~التي ذكرها أصحابنا ولا يعلم مستندها مذكورة فيه 2. انتهى.
# وعن المولى المقدس التقي المجلسي - والد شيخنا صاحب البحار - أنه قال: من
~~فضل الله سبحانه أنه كان السيد الفاضل الثقة المحدث القاضي أمير حسين - طاب
~~ثراه - مجاورا عند بيت الله الحرام سنين كثيرة، وبعد ذلك جاء إلى هذه
~~البلاد يعني أصفهان، ولما تشرفت بخدمته وزيارته قال: إني جئتكم بهدية
~~نفيسة، وهي الفقه الرضوي.
# وقال: لما كنت في مكة المعظمة جاءني جماعة من أهل قم مع كتاب قديم كتب في
~~زمان أبى الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام، وكان في مواضع منه بخطه،
~~وكان على ذلك إجازات جماعة كثيرة من الفضلاء بحيث حصل لي العلم العادي أنه
~~من تأليفه عليه السلام، فانتسخت منه، وقابلته مع النسخة.
# ثم أعطاني إياه، واستنسخت منه نسخة أخذها بعض الفضلاء ليكتب عنها، ونسيت
~~الآخذ، ثم جاءني بها بعد إتمامي للشرح العربي على الفقيه، المسمى بروضة
~~المتقين، وقليل من الشرح الفارسي.
# PageV00P718
# ثم لما تفكرت فيه وظهر لي أن هذا الكتاب كان عند الصدوق وأبيه، وكل ms460 ما
~~ذكره علي بن بابويه في رسالته إلى ابنه فهو عبارته إلا نادرا، وكل ما يذكره
~~الصدوق بدون السند فهو أيضا عبارته، فرأيت أن أذكر في مواضعه أنه منه
~~لتندفع اعتراضات الأصحاب وشبهاتهم.
# والظاهر أن هذا الكتاب كان موجودا عند المفيد أيضا، وكان معلوما عندهم
~~أنه من تأليفه عليه السلام، ولذا قال الصدوق: أفتي به وأحكم بصحته، والحمد
~~لله رب العالمين، والصلاة على محمد وآله الأقدسين 1.
# وقد ذكر في اللوامع شرح الفقيه عند نقل الصدوق عبارة أبيه في رسالة إليه
~~في مسألة تخلل الحدث الأصغر في أثناء غسل الجنابة ما هذه ترجمته: الظاهر أن
~~علي بن بابويه أخذ هذه العبارة وساير عباراته في رسالته إلى ولده من كتاب
~~الفقه الرضوي، بل أكثر عبارات الفقيه، التي يفتي بمضمونها ولم يسندها إلى
~~الرواية، كأنها من هذا الكتاب، وهذا الكتاب ظهر في قم وهو عندنا.
# والثقة العدل القاضي أمير حسين استنسخ هذا الكتاب قبل هذا بنحو من عشر
~~سنين، وكان في عدة مواضع منه خط الإمام الرضا عليه السلام، وأنا أشرت ورسمت
~~صورة خطه على ما رسمه القاضي، ومن موافقة الكتاب لكتاب الفقيه يحصل الظن
~~القوي بأن علي بن بابويه ومحمد بن علي كانا عالمين بأن هذا الكتاب تصنيف
~~الإمام، وجعله الصدوق حجة بينه وبين ربه 2.
# وقال في كتاب الحج في شرح رواية إسحاق بن عمار فيمن ذكر في أثناء السعي
~~أنه ترك بعض الطواف: إن المشهور بين الأصحاب صحة الطواف والسعي إذا كان
~~المنسي من الطواف أقل من النصف، وهذا موافق لما في الفقه الرضوي.
# PageV00P719
# والمظنون أن الصدوق كان على يقين من كونه تأليف الإمام أبى الحسن الرضا
~~عليه السلام، وأنه كان يعمل به. وأن القدماء منهم من كان عنده ذلك، ومنهم
~~من يعتمد على فتاوى الصدوق، المأخوذة منه لجلالة قدره عندهم.
# ثم حكى عن شيخين فاضلين صالحين ثقتين أنهما قالا: إن هذه النسخة قد اتي
~~بها من قم إلى مكة المشرفة، وعليها خطوط العلماء وإجازاتهم وخط الإمام في
~~عدة مواضع. قال: ms461 والقاضي أمير حسين قد أخذ من تلك النسخة، وأتى بها إلى
~~بلدنا، واستنسخت نسخة من كتابه 1. وانتهى.
# وقال السيد الأستاذ المحقق - طاب ثراه - في بعض فوائده:
# والقاضي أمير حسين الذي حكى عنه الفاضلان المجلسيان: هو السيد أمير حسين
~~بن حيدر 2 العاملي الكركي، ابن بنت المحقق الشيخ علي بن عبد العالي الكركي،
~~وكان قاضي أصفهان والمفتي بها في الدولة الصفوية أيام السلطان العادل شاه
~~طهماسب الصفوي.
# وهو أحد الفقهاء المحققين والفضلاء المدققين، مصنف مجيد، طويل الباع،
~~كثير الاطلاع، وجدت له رسالة مبسوطة في نفي وجوب الجمعة في زمان الغيبة،
~~وكتاب النفحات القدسية في أجوبة المسائل الطبرسية، وكتاب دفع المناوات عن
~~التفضيل والمساواة، صنفه لبيان أفضلية أمير المؤمنين عليه السلام عن جميع
~~الأنبياء ومساواته لنبينا صلى الله عليه وآله إلا في النبوة، وهو كتاب جليل
~~ينبئ عن فضل مؤلفه النبيل. وله كتاب الإجازات، وفيه إجازة جم غفير من
~~العلماء المشاهير له، منهم [خاله] المحقق [المدقق] 3 الشيخ عبد العالي بن
~~المحقق الشيخ علي الكركي، وابن خالته السيد العماد الأمير محمد باقر
~~الداماد، والشيخ الفقيه الأوحد الشيخ بهاء
# PageV00P720
# الدين محمد العاملي، وقد وصفه جميعهم بالفقه والفضل والعلم.
# وفي إجازات شيخنا البهائي له بخطه: أجزت لسيدنا الأجل الأفضل، صاحب
~~المفاخر والنسب الطاهر، والتحقيق الفاتق، [والتدقيق] 1 الراتق، جامع محامد
~~الخصال ومحاسن الخلال 2، المتخلي عن ربقة التقليد، المتحلي بحلية
~~الاستدلال، شرفا للسيادة والنقابة والإفادة والإفاضة، أدام الله إفضاله
~~وكثر في علماء الفرقة الناجية أمثاله. وذكر غيره في إجازته نحو ذلك.
# نروي عن هذا السيد الأمجد والسند الأوحد ما صحت له روايته واتضحت له
~~درايته بطرقنا المتكثرة، عن شيخنا العلامة المجلسي، عن والده المقدس
~~المجلسي، برواية الثقات عنه: كونه عنده من قول الرضا عليه السلام، وهو ثقة
~~وقد أخبر بشئ ممكن، وادعى العلم، فتصدق تلك الدعوى.
# ثم قال شيخنا المحقق السيد - طاب ثراه -: وقد اتفق لي في سني مجاورتي في
~~المشهد المقدس الرضوي أني وجدت في نسخة من هذا الكتاب من الكتب الموقوفة
~~على الخزانة ms462 الرضوية: أن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام صنف هذا
~~الكتاب لمحمد بن سكين، وأن أصل النسخة في مكة المشرفة بخط الإمام وكان
~~بالخط الكوفي، فنقله المولى المقدس الآميرزا محمد - وكأنه صاحب الرجال -
~~إلى الخط المعروف.
# قال الشيخ السيد: ومحمد بن سكين في رجال الحديث رجل واحد، هو محمد بن
~~المسكين 3 بن عمار النخعي الجمال، ثقة له كتاب، روى أبوه عن أبي عبد الله
~~عليه السلام. قال النجاشي في كتابه 4.
# PageV00P721
# وفيه وفي الفهرست 1: الطريق إليه إبراهيم بن سليمان بن عبد الله بن حيان.
# والطبقة يلائم كونه من أصحاب الرضا عليه السلام.
# قيل: وروى عن ابن أبي عمير، وهو من أصحاب الرضا عليه السلام والجواد عليه
~~السلام، فيكون محمد بن سكين من أصحاب الرضا عليه السلام.
# وهذا النقل وإن لم نجده لأحد من المعتبرين، إلا أنه يلوح منه آثار الصدق
~~فيصلح للتأييد.
# قال: ومما يؤيده: أن الشيخ الجليل منتجب الدين - وهو الشيخ أبو الحسن علي
~~بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن الحسن بن الحسين بن علي بن بابويه
~~القمي - قال في رجاله الموضوع لذكر العلماء المتأخرين عن الشيخ الطوسي ما
~~هذا لفظه: السيد الجليل محمد بن أحمد بن محمد الحسيني صاحب كتاب الرضا عليه
~~السلام فاضل ثقة 2.
# كذا في نسخة عديدة مصححة من رجال المنتخب، وفي كتاب أمل الآمل نقلا عنه
~~3.
# والظاهر أن المراد بكتاب الرضا عليه السلام هو هذا الكتاب. وأما الرسالة
~~الذهبية، المعروفة بطب الرضا، فهي عدة أوراق في الطب صنفها للمأمون،
~~وإرادتها من هذه العبارة في غاية البعد.
# والمراد بكونه صاحب كتاب الرضا: وجود نسخة الأصل عنده وانتهاء إجازة
~~الكتاب إليه، لا أنه روى هذه الكتاب عن الإمام بلا واسطة، وأنه صنفه له،
~~فإنه من العلماء المتأخرين الذين لم يدركوا أعصار الأئمة عليهم السلام.
# ثم قال السيد الأستاذ: ومما يشهد باعتباره وصحة انتسابه إلى الإمام
# PageV00P722
# علي بن موسى الرضا عليه السلام مطابقة فتاوى الشيخين الجليلين الصدوقين
~~لذلك، حتى أنهما قدماه في كثير من المسائل ms463 على الروايات الصحيحة، وخالفا
~~لأجله من تقدمهما من الأصحاب، وعبرا في الغالب بنفس عباراته. ويلوح من
~~الشيخ المفيد الأخذ به، والعمل بما في من مواضع من المقنعة.
# ومعلوم أن هؤلاء الأعاظم، الذين هم أركان الشريعة، لا يستندون إلى غير
~~مستند، ولا يعتمدون على غير معتمد. وقد رجع إلى فتاويهم أصحابنا المتأخرون
~~عنهم، لاعتمادهم عليهم بأنهم أرباب النصوص، وأن فتواهم عين النص الثابت عن
~~الحجج.
# وقد ذكر الشهيد: أن الأصحاب كانوا يعملون بشرائع على بن بابويه 1، و مرجع
~~كتاب الشرائع ومأخذه هذا الكتاب، كما هو معلوم على من تتبعها وتفحص ما فيها
~~وعرض أحدهما على الآخر.
# ومن هنا يظهر عذر الصدوق في عد رسالة أبيه من الكتب التي إليها المرجع
~~وعليها المعول، لأن الرسالة مأخوذة من الفقه الرضوي، وهو حجة عنده، ولم يكن
~~الصدوق ليقلد أباه في ما أفتاه، حاشاه.
# وكذلك اعتماد الأصحاب على كتاب علي بن بابويه 2.
# وقال السيد الأستاذ: وربما ذهب بعضهم إلى أن هذا الكتاب تصنيف الشيخ علي
~~بن الحسين بن بابويه القمي الصدوق.
# ولا ريب في فساد هذا الوهم، فإن المغايرة بينه وبين رسالة علي بن بابويه
~~ظاهرة لا مرية فيها، وإن كان الشيخ وافقها في كثير من العبارات. وكتاب
~~الشرائع المنسوب إليه هو بعينه رسالته إلى ولده، كما نص عليه النجاشي 3،
~~وإن
# PageV00P723
# أوهم كلام الشيخ في الفهرست كونه غيرها 1، على أن مصنف هذا الكتاب قد
~~انتسب في أوله فقال: يقول عبد الله علي بن موسى الرضا. ثم نقل أربع عبارات
~~أخرى من ذلك الكتاب - تأتي في طي ما سنذكره - تدل على المغايرة، وكونه
~~تصنيف الإمام.
# ونقل عنه أيضا أنه قال في موضع آخر: ومما نداوم به نحن معاشر أهل البيت.
# ثم قال: فهو إما للإمام، أو شئ موضوع عليه، واحتمال الوضع فيه بعيد، لما
~~يلوح من هذا الكتاب من حقيقة الحق ورداء الصدق، ولأن ما اشتمل عليه من
~~الأصول والفروع والأخلاق مطابق مذهب الإمامية وما صح من الأئمة، ولا داعي
~~للوضع في مثله، فإن غرض الواضعين ms464 تزييف الحق وترويج الباطل، والغالب وقوعه
~~من الغلاة والمفوضة، والكتاب خال عما يوهم ذلك 2. انتهى كلامه رفع في درجات
~~الجنان مقامه.
# أقول: وممن روج ذلك الكتاب بعد الفاضلين المجلسيين، الفاضل الفقيه محمد
~~بن الحسن الأصفهاني، المعروف بالفاضل الهندي، فقد سلكه في كتابه كشف اللثام
~~شرح قواعد الأحكام في جملة الأخبار، وعدة رواية الرضا عليه السلام 3.
# وجرى على ذلك المنوال جماعة من مشايخنا الأعلام، وجمع من مشايخهم الكرام،
~~ومنهم من سكن إليه واعتمد 4.
# وأنكر جماعة وتوقف فيه 5. ولم ينقل عنه شيخنا المحدث الحر العاملي شيئا
# PageV00P724
# في الوسائل، وعده من الكتب المؤلفة في أمل الآمل 1.
# هذا بناء ما عندي وبناء من قبلي في ذلك الكتاب.
# ثم أقول: التحقيق أن الكلام إما في أن هذا الكتاب هل هو مندرج تحت كتب
~~الأحاديث والأخبار - أي ما يحكي قول المعصوم من حيث هو مع عدم ظن كذبه
~~ووضعه، أو مع احتمال صدقه - أو لا، بل هو إما من الكتب المؤلفة من العلماء،
~~أو من الاخبار الموضوعة، أو المظنون وضعها؟.
# أو الكلام في حجيته ولزوم العمل به، أي في أنه هل هو من الأحاديث الثابتة
~~حجيتها أم لا؟.
# فأن كان الكلام في الأول - وتظهر فائدته حينئذ لمن يعمل بمطلق الأخبار،
~~ولغيره في حجيته إذا انجبر بالعمل ووافق الشهرة بين الأصحاب، وفي الآداب
~~والسنن والمكروهات حيث يتسامح فيها ويعمل فيها بالأخبار الضعيفة، وفي
~~التأييد، ونحوها مما هو شأن الأخبار الضعيفة التي ليست بأنفسها حجة - فقد
~~عرفت أن الفاضلين المجلسيين 2، والفاضل الهندي 3، وجمعا من مشايخنا العظام،
~~ومنهم السيد السند الأستاذ 4، ومنهم شيخنا الشيخ يوسف البحراني صاحب
~~الحدائق الناضرة وهو من المصرين على ذلك، ويجعله حجة بنفسه 5، ومنهم شيخنا
~~الفاضل السيد علي الطباطبائي صاحب رياض المسائل شرح المختصر النافع 6،
~~ومنهم الوالد الماجد المحقق العلامة صاحب اللوامع والمعتمد 7 - برد الله
~~مضاجعهم الشريفة - وبعض من تقدم عليهم،
# PageV00P725
# كالفاضل الكاشاني 1 - آقا هادي - شارح المفاتيح: قد سلكوه في سلك
~~الأخبار، وأدرجوه في كتب أحاديث الأئمة الأطهار، ونقلوه في مؤلفاتهم بطريق
~~الروايات. ms465 ومنهم من عبر عنه بالرضوي.
# وإن بعضا آخر - كالشيخ الحر 2 - ينكره ويجعله من الكتب المؤلفة، أو يتوقف
~~فيه.
# ومنهم من يتوهم أنه رسالة الشيخ علي بن الحسين بن بابويه أو شرائعه 3.
# والتحقيق: أنه لا ينبغي الريب في اندراجه تحت كتب الأخبار، وكونه معدودا
~~من أحاديث الأطهار، لصدق حد الحديث، والخبر، وهو: ما يحكي قول المعصوم من
~~حيث هو لا من حيث إنه رأي المجتهد وظنه، ويحتمل الصدق، ولا يعلم كذبه أو
~~وضعه، بل لا يظن.
# أما كونه مما يحكي قول المعصوم فظاهر، فإنه صرح في ديباجة الكتاب بقوله:
~~(يقول عبد الله على بن موسى الرضا) 4 ثم يذكر إلى آخر الكتاب، وهذا عين
~~حكاية قول المعصوم من حيث هو، وهو ينفي كونه من الكتب المؤلفة لبعض
~~العلماء، أو رسالة الصدوق، أو شرائعه.
# ومما ينفي ذلك، أو كونه رسالة الصدوق ونحوها: تضمنه في مواضع عديدة
~~ومقامات متكثرة لما ينافي ذلك، ويدل على نسبته إلى الإمام.
# منها: ما مر في كلام شيخنا الأستاذ أن فيه قوله هذا: (ومما نداوم عليه
~~نحن معاشر أهل البيت) 5.
# ومنها: ما ذكره في باب الأغسال، قال: (ليلة تسعة عشر من شهر رمضان
# PageV00P726
# هي الليلة التي ضرب فيها جدنا أمير المؤمنين عليه السلام) 1.
# ومنها: ما ذكره في باب الصلاة، قال: (وكنت يوما عند العالم عليه السلام:
~~ورجل سأله عن رجل سهى فسلم في ركعتين من المكتوبة) 2.
# ومنها: ما قال أيضا في باب الصلاة، قال: (وقال العالم عليه السلام: قيام
~~رمضان بدعة، وصيامه مفروضة، فقلت: كيف أصلي في شهر رمضان؟ فقال: عشر
~~ركعات)، إلى أن قال: (وسألته عن القنوت يوم الجمعة إذا صليت وحدي أربعا،
~~فقال: نعم في الركعة الثانية خلف القراءة، فقلت: أجهر فيها بالقراءة؟ فقال:
# نعم) 3.
# ومنها: ما قال في باب غسل الميت: (وكتب أبى في وصيته أن أكفنه في ثلاثة
~~أثواب)، إلى أن قال: (وقلت لأبي: لم تكتب هذا؟ فقال: إني أخاف أن يغلبك
~~الناس، يقولون: كفنه بأربعة أثواب أو خمسة، فلا تقبل قولهم. وعصبته ms466 بعد
~~بعمامة، وشققنا له شقا من أجل أنه كان رجلا بدينا، وأمرني أن أجعل ارتفاع
~~قبره أربع أصابع مفرجات) 4.
# وظاهر أنه لولا أن أباه هو الإمام المعصوم، لم يكن في نقل قوله فائدة، بل
~~لم تكن وصيته وأمره ماضية، لأن التكفين ورفع القبر تكاليف لغيره بعد موته.
# ومنها: ما ذكره في باب غسل الميت أيضا، قال: (وأروي أن علي بن الحسين
~~عليهما السلام لما أن مات، قال أبو جعفر عليه السلام: لقد كنت أكره أن أنظر
~~إلى عورتك في حياتك، فما أنا بالذي أنظر إليها بعد موتك، فأدخل يده وغسل
~~جسده، ثم دعا بأم ولد له، فأدخلت يدها فغسلت مراقه، كذلك فعلت أنا بأبي) 5.
# PageV00P727
# وظاهر أنه لولا أنه هو المعصوم الذي فعله حجة لم تكن فائدة في قوله: (
~~وكذلك فعلت). بل ذكره بعد نقل فعل أبي جعفر عليه السلام بأبيه، أول شاهد
~~على أنه أيضا من أقرانه وأمثاله.
# ومنها: ما ذكره في باب الزكاة، قال: (وإني أروي عن أبي العالم في تقديم
~~الزكاة وتأخيرها أربعة أشهر أو ستة أشهر) 1.
# ومنها: ما ذكره في باب الصوم: قال: (وأما صوم السفر والمرض، فإن العامة
~~اختلفت في ذلك، فقال قوم: يصوم، وقال قوم: لا يصوم)، إلى أن قال: (ونحن
~~نقول: يفطر في الحالتين جميعا) 2.
# فإن قوله: (ونحن نقول) دال على أنه ممن هو قوله حجة.
# ومنها: ما ذكره في باب الربا والدين والغيبة بعد رواية متضمنة لجواز بيع
~~حبة لؤلؤة تقوم بألف درهم بعشرة آلاف درهم، أو بعشرين ألف، وقد أمرني أبي
~~ففعلت مثل هذا) 3. والتقريب ما مر.
# ومنها: ما قال في باب دية اللسان، قال: (سألت العالم عليه السلام عن رجل
~~طرف لغلام، فقطع بعض لسانه)، إلى أن قال: (فقلت: كيف ذلك؟) 4.
# ومنها: ما قال في باب فضل الدعاء: (أروي عن العالم عليه السلام أنه قال:
~~لكل داء دواء، سألته عن ذلك، فقال: لكل داء دعاء) 5.
# ومنها: ما ذكر في باب القدر والمنزلة بين المنزلتين، قال: (سألت العالم
~~عليه السلام:
# أجبر الله ms467 العباد؟ فقال: الله أعدل من ذلك، فقلت: ففوض إليهم؟ فقال: هو
~~أعز من ذلك، فقلت له: فصف لنا المنزلة بين المنزلتين) 6.
# PageV00P728
# ومنها: ما ذكره في باب الاستطاعة قال: (سألت العالم عليه السلام: أيكون
~~العبد في حال مستطيعا؟ قال: نعم أربع خصال: مخلى السرب، صحيح، [سليم] 1
~~مستطيع، فسألته عن تفسيره) 2 الخ.
# ومنها: ما ذكره في باب الزهد والتواضع، قال: (وسألت العالم عليه السلام
~~عن أزهد الناس قال) 3 الخ.
# ومنها: ما ذكره في باب المعروف، قال: (أروي عن العالم عليه السلام أنه
~~قال).
# إلى أن قال: (فقلت له: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإن كان
~~غنيا؟ فقال: وإن كان غنيا) 4.
# ومنها: ما ذكره في باب التفكر والاعتبار، وقال: (وأروي: فكر ساعة خير من
~~عبادة سنة، فسألت العالم عليه السلام عن ذلك، فقال: ثمر بالخربة) 5 إلى
~~آخره.
# ومنها: ما ذكره في باب البدع والرئاسة وكل ضلالة، قال في آخره: (و أروى
~~عن العالم عليه السلام، وسألته عن شئ من الصفات)، وقال في آخره أيضا:
# (وأما عيون البشر فلا تلحقه، لأنه لا يحد ولا يوصف، هذا ما نحن عليه
~~كلنا) 6.
# ومنها: ما ذكره في باب حديث النفس: (وسألت العالم عن عن الوسوسة وإن
~~كثرت)، وقال في آخره أيضا: (وأروي أن الله تبارك وتعالى أسقط عن المؤمن ما
~~لم يعلم وما لم يتعمد) إلى أن قال: (أقول ذلك) 7.
# ومنها: ما قال في آخر باب الرياء والنفاق والعجب: (وأروي أن رجلا سأله -
~~أي العالم عليه السلام - عما يجمع به خير الدنيا والآخرة، قال: لا تكذب.
~~وسألني
# PageV00P729
# رجل سني 1 عن ذلك، فقلت: خالف نفسك) 2.
# ومنها: ما ذكره في باب الآداب، وهو آخر الأبواب، قال: (فأبي روى عن أبي
~~عبد الله عليه السلام أنه قال) 3 إلى آخره.
# وظاهر أن هذه العبارات منها ما ينافي كون الكتاب من ابن بابويه وأمثاله
~~من العلماء.
# ومنها: ما هو ظاهر في كون القائل إماما معصوما.
# ومنها: ما هو صريح في كونه مدركا ms468 للإمام الكاظم العالم عليه السلام.
# ومنها: ما هو صريح في كونه ابنه.
# ومنها: ما هو صريح في كونه من أولاد أمير المؤمنين عليه السلام.
# وجميع ذلك شهادات ودلالات على أنه ليس مؤلفا للعلماء، بل هو منسوب إلى
~~الإمام.
# وأما كونه مما يحتمل الصدق فظاهر، إذ لا وجه لعدم احتماله، ولا أمارة على
~~كذبه.
# وأما توهمه 4 من جهة عدم تداوله بين العلماء المتأخرين، فهو وهم فاسد،
~~لما يشاهد مثله في الأصول الأربعمائة وأمثالها المتروكة بين العلماء، لأجل
~~ذكر ما فيها في كتب أحاديث أصحابنا وشرائعهم. فكذا ذلك حيث إن عباراته
~~الشريفة مأخوذة في رسالة ابن بابويه ومن لا يحضره الفقيه وغيرهما.
# مع أنه لولا صدقه فكان لأجل كونه موضوعا عليهم، وهو بعيد غاية البعد، كما
~~يظهر وجهه مما نقلناه عن السيد الأستاذ.
# هذا، مع أنه ربما يوجد له أمارات دالة على الصدق موجبة للظن له وإن كان
# PageV00P730
# ضعيفا، كما ذكرها السيد الأستاذ من الوجوه والأمارات، وادعاء علم بعض
~~الثقات.
# وقد وجدت أنا أيضا نسخة مصححة منه في خزانة كتب والدي العلامة - قدس سره
~~- وكان بعض مواضعه بياضا، وكتب في الحاشية: كان في النسخة التي بخطه الشريف
~~عليه السلام في موضع البياض أسطر قد محيت، وكانت في ظهره هذه العبارة: ما
~~على ظهر المنقول منه بخط الإمام عليه السلام: (صح) لأحمد بن جعفر بن محمد
~~بن زيد الشهيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ولأبيه جعفر، وأخيه
~~محمد، وأحمد - هو الملقب بالسكين -، وأكثر ما ورد هو أبو جعفر الزيدي، و
~~(صح) ليحيى بن الحسن الحسيني، وكتبه علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن
~~الحسين بن علي بن أبي طالب، القيت إليهم في محرم لسنة ثلاث ومائتين للهجرة
~~بمدينة مرو ولله الحمد 1. انتهى.
# أقول: قال العلامة في الخلاصة وقبله النجاشي في كتابه: يحيى بن الحسن بن
~~عبد الله بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو الحسين العالم الفاضل
~~الصدوق، روى عن الرضا عليه ms469 السلام 2. انتهى.
# وهذا التصريح بكونه من أصحاب الرضا عليه السلام مما يصلح أمارة على صدق
~~الإجازة المذكورة.
# وقال الميرزا محمد في رجاله الكبير: أبو الحسين العلوي، جليل، من أهل
~~نيشابور 3. انتهى.
# وكونه من أهل نيشابور أيضا من أمارات صدق الإجازة الصادرة في
# PageV00P731
# مدينة مرو.
# وبالجملة: لو لم نقل أنه مظنون الصدق، فلا شك في أنه محتمله، وبعد ذلك لا
~~يبقى مجال لعدم عده من الأخبار.
# وإن كان الكلام في الثاني، أي في حجيته وعدمها، فهذا أمر يختلف باختلاف
~~المذاهب والمسالك والآراء في الحجة من الأخبار الآحاد.
# فإن منهم: من يقول باختصاص الحجية بالمسانيد من الأخبار من الصحاح، أو مع
~~الحسان، أو الموثقات. ولا شك أن ذلك ليس منها، لعدم ثبوت الكتاب من الإمام
~~من جهة العلم واليقين، ولا بالنقل المتصل من الثقات المحدثين.
# ومنهم: من يقول باختصاص الحجية بأخبار الكتب الأربعة الدائرة. وهذا أيضا
~~كسابقه.
# ومنهم: من يقول بحجية كل خبر مظنون الصدق أو الصدور، وبعبارة أخرى: كل
~~خبر مفيد للظن. واللازم على ذلك ملاحظة ما نقلناه من الشواهد والأمارات،
~~فإن حصل له منها الظن فليقل بحجيته، وإلا فلا.
# ومنهم: من يقول بحجية كل خبر غير معلوم الكذب أو غير مظنونه. و لا شك أن
~~هذا الكتاب منه، فيكون حجة معمولا به عنده. والله أعلم بحقيقة الحال.
~~PageV00P732
# عائدة (67) في بيان قاعدة أخذ المفاهيم اعلم أن قاعدة أخذ المفاهيم على
~~ما هو المستفاد من العرف والمحاورات هو:
# التصرف في المحكوم به نفيا وإثباتا، وفيما له المفهوم وجودا وعدما، من
~~غير تصرف في شئ آخر أصلا.
# فإذا قيل: إن جاء زيد فأكرمه، يتصرف في المشروط وفي الإكرام، فيقال:
# مفهومه إن لم يجئ زيد فلا تكرمه.
# فتبدل وجود المشروط الذي له المفهوم بالعدم وإثبات الإكرام الذي هو
~~المحكوم به بالنفي، ولا يتبدل غيرهما، فلا يتبدل المجئ، ولا زيد، ولا نفس
~~الإكرام، ولا الضمير الراجع إلى زيد.
# وإذا قيل: أكرم الرجل العالم، فمفهومه الوصفي: لا تكرم الرجل الغير
~~العالم، أو الجاهل، وهو أيضا بمعنى ms470 غير العالم. وإذا قيل: يجب عليك الكون
~~في البيت إلى الغروب، فمفهوم غايته: أنه لا يجب الكون بعد الغروب.
# وعلى هذا إذا قيل: إن جائك الرجل العالم فأكرمه، فمفهومه الشرطي: إن لم
~~يجئك الرجل العالم فلا تكرمه، أي الرجل العالم لا مطلق الرجل، إذ لم يكن
~~الضمير في المنطوق لمطلق الرجل، بل لهذا الرجل المذكور في المنطوق، فكذا
~~PageV00P733
# في المفهوم.
# ومن ذلك يظهر فساد ما قد يقال في الاستدلال بمفهوم الشرط في آية النبأ
~~على عدم وجوب التبين في خبر العادل - بأن مفهومه الشرطي أنه إن لم يجئكم
~~فاسق بنبأ، فلا تتبينوا في خبره -: إن عدم مجئ الفاسق أعم من مجئ العادل،
~~فيدل بواسطة العموم: أنه إن جاء العادل، فلا تتبينوا في خبره.
# فإن المفهوم: أنه إن لم يجئ الفاسق فلا تتبينوا في خبره، أي خبر الفاسق،
~~إذ ليس غير الفاسق في الكلام حتى يصلح مرجعا للضمير، ولأنه مقتضى القاعدة
~~المذكورة.
# وكذا فيما ورد في رواية البصري 1: أنه كان علي عليه السلام إذا أتاه
~~رجلان يختصمان بشهود عدلهم سواء وعددهم سواء، يقرع بينهم 2.
# فإن مفهومه الشرطي: أنه إذا لم يأته رجلان يختصمان مع شهود كذائي، لم
~~يقرع بينهم، أي بين الشهود الكذائي.
# فلا يصح أن يقال: إن عدم إتيان الرجلين المذكورين مع الشهود الكذائية أعم
~~من أن يأتيا مع الشهود المختلفين في العدالة والعدد، فلا يقرع بين هذه
~~الشهود أيضا بمقتضى المفهوم، وعدم الإقراع فيهم يستلزم ترجيح الأعدل
~~والأكثر قطعا، لأن مرجع الضمير في لفظ (بينهم) في المفهوم هو الشهود
~~الموصوفين بالتساوي في العدل والعدد، أو هذه الشهود المخصوصين، وهو أيضا
~~بمعين المتساويين دون مطلق الشهود، لما ذكر، فيكون حكم الشهود المختلفين
~~مسكوتا عنه، وهكذا في جميع الموارد.
# PageV00P734
# عائدة (68) في بيان أن المدلول الالتزامي فرع المدلول المطابقي اعلم أن
~~من الأمور الواضحة: أن المدلول الالتزامي للفظ فرع مدلوله المطابقي وتابع
~~له. فإذا انتفى المطابقي ينتفي الالتزامي أيضا.
# ويتفرع على ذلك: أنه لو جاء خبر: إن من تزوج باكرة بإذن وليها ms471 خاصة ثبت
~~لها حق المضاجعة، فمدلوله المطابقي ثبوت حق المضاجعة للزوجة، ويدل
~~بالالتزام الشرعي على وجوب النفقة، ولمحقق الزوجية، وصحة النكاح، وغير ذلك.
# فلو جاء خبر يدل على عدم ثبوت حق المضاجعة لها أو لمطلق الزوجية، و ترجح
~~على الخبر الأول عند فقيه، ورد الخبر الأول لأجل تلك المعارضة، لا يمكنه
~~القول بثبوت الزوجية والنفقة المفهومين من الخبر الأول، حيث إن المعارض
~~مخصوص بحق المضاجعة، لأن الزوجية والنفقة كانتا تابعتين لثبوت حق المضاجعة،
~~فإذا لم يثبت فأين الدال على الزوجية والنفقة؟.
# ولها فروعات متكثرة، وقد يشتبه الأمر لأجل ذلك في بعض الموارد.
# كما إذا أقر أحد بزوجية امرأة له، وأنكرتها الزوجة، فقالوا بوجوب الإنفاق
~~عليه، وعدم ثبوت الزوجية له، مع أن الأول مدلول التزامي للثاني.
~~PageV00P735
# وقد أشرنا في بعض العوائد السالفة 1 إلى ما يرفع الاشتباه، ونقول هنا
~~أيضا: إن ها هنا أمرين: الإقرار بالزوجية، وثبوتها ظاهرا بحسب الشرع، و
~~وجوب الإنفاق لازم إقراره بها، لكونه إقرارا على نفسه، كما أنه لازم ثبوتها
~~أيضا، والمطابقي المنتفي هنا هو ثبوت الزوجية الظاهرية، وأما الإقرار
~~بالزوجية فلم ينتف أصلا، فيكون لازمه الذي هو وجوب الإنفاق عليه باقيا.
# PageV00P736
# عائدة (69) في بيان أن مقتضى اليد الملكية من القواعد الشرعية الكلية:
~~كون مقتضى اليد الملكية، ما لم تعارضه البينة أو نحوها.
# وهذه القاعدة ثابتة في الشريعة بلا خلاف فيها يوجد، وربما كانت إجماعية،
~~وصرح بعض شراح المفاتيح بالاتفاق عليها، بل صرح بعضهم بضروريتها 1.
# والنصوص بها مع ذلك مستفيضة، بل في المعنى متواترة.
# منها: الأخبار الواردة في حكم تعارض البينة 2.
# ومنها: خبر حفص بن غياث المروي في الكتب الثلاثة، وفيه: أرأيت إذا رأيت
~~في يد رجل شيئا أيجوز أن أشهد أنه له؟ فقال: (نعم)، قلت:
# فلعله لغيره، قال عليه السلام: (ومن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك
~~ثم تقول بعد الملك هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه
~~إليك من
# PageV00P737
# قبله؟)، ثم قال عليه السلام: (ولو لم يجز هذا ms472 ما قام للمسلمين سوق) 1.
# ومنها: الخبر المروي في الوسائل عن تفسير علي بن إبراهيم صحيحا، وعن
~~الاحتجاج مرسلا، عن مولانا الصادق عليه السلام في حديث فدك: (إن مولانا
~~أمير المؤمنين عليه السلام قال لأبي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى
~~في المسلمين؟
# قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت أنا فيه، من تسأل
~~البينة؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه، قال: فإذا كان في يدي شئ
~~فادعى فيه المسلمون، تسألني البينة على ما في يدي، وقد ملكته في حياة رسول
~~الله صلى الله عليه وآله وبعده، ولم تسأل المؤمنين علي ما ادعوا علي كما
~~سألتني البينة على ما ادعيت عليهم) 2 الخير.
# ومنها: موثقة يونس بن يعقوب: في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل قيل
~~المرأة، قال عليه السلام: (ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، وما كان من
~~متاع الرجل والنساء فهو بينهما، ومن استولى على شئ منه فهو له) 3.
# ولا شك أن الاستيلاء على الشئ يتحقق بكونه في يده والاختصاص بمتاع البيت
~~غير ضائر، لعدم الفاصل.
# ومنها: رواية مسعدة بن صدقة: (كل شئ هو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه،
~~فتدعه من قبل نفسك، وذلك مثل ثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو
~~المملوك عندك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك وهي
~~أختك أو رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو يقوم به
~~البينة) 4.
# PageV00P738
# ومنها: رواية حمزة بن حمران، أدخل السوق فأريد أن اشتري جارية تقول:
# إني حرة، فقال: (اشترها إلا أن يكون لها بينة) 1.
# وصحيحة العيص: عن مملوك ادعى أنه حر ولم يأت ببينة على ذلك، أشتريه؟
~~فقال: (نعم) 2.
# وبعض هذه الروايات وإن كان ضعيفا إلا أن جميعها معتبرة، لوجودها في
~~الأصول المعتبرة، ومع ذلك بعمل الأصحاب منجبرة، وبغير ما ذكر من الأخبار
~~معتضدة.
# فلا كلام في أصل القاعدة، وإنما المقصود التكلم في مواضع:
# الأول: في معنى اليد، ms473 فإنه قد يتصور أن لفظ اليد في هذا الكلام ليس على
~~حقيقته، بل المراد المعنى المجازي. ولعدم انحصاره في معنى خاص إما يدخله
~~الإجمال، أو يحمل على أقرب المجازات، وهو أيضا لا يخلو عن إبهام وإجمال.
# وفيه: أن اليد وإن كانت حقيقة في العضو المخصوص، إلا أنها في هذا التركيب
~~ليست مجازا، لأن هذا التركيب حقيقة في معنى خاص يعرفه أهل المحاورات بقرينة
~~التبادر وعدم صحة السلب، فيجب الحمل عليه.
# ولا شك في صدق الكون في اليد عرفا فيما كان تحت اختياره ويتصرف فيه
~~تصرفات ملكية، كالبيع والإجارة والإعارة ونحوها.
# وكذا فيما يستعمله وينتفع به ويتصرف فيه بالإفساد والإصلاح، كالركوب
~~والحمل في الدابة، والعمارة والتخريب في الدار، والغرس والزرع في الأرض،
~~وهكذا.
# ومن وجوه الاستعمال: وضع متاعه أو جنس آخر بل مطلق ماله فيه، للصدق
~~العرفي.
# PageV00P739
# وهل تصدق اليد على شئ بكونه في مكانه المختص به - ملكا أو استيجارا أو
~~عارية - كغلة في بيته، أو دابة في مذوده، أو متاع في دكته؟
# الظاهر: نعم، للصدق العرفي.
# وأما في كون ماله فيه من غير وضعه فيه، أو عدم ثبوت ذلك - كمذود فيه
~~دابته، أو دار فيها متاعه - يدا نظر.
# الظاهر: العدم ما لم يعلم أنه بنفسه وضعه، للشك في صدق الاسم.
# فلو كانت هناك دابة عليها حمله الذي حمله بنفسه عليها، تصدق اليد على
~~الدابة، بخلاف ما إذا كان عليها حمله ولم يثبت أنه حمله عليها، أو علم أنه
~~حمله غيره - الذي يدعي الدابة - عليها وبيده لجامها.
# وهل يكون إغلاق باب الدار ونحوها وكون مفتاحها في يده يدا؟.
# الظاهر: نعم لو كان هو الذي أغلق الباب وأخذ المفتاح.
# وقد تتعارض الأمور الموجبة لصدق اليد في مال، كما إذا كان متاع زيد في
~~الدار وأغلق عمرو بابها، أو تكون دابة في حصار وعليها حمل الغير، أو زمامها
~~في يد الغير، ونحو ذلك.
# ويجب الرجوع إلى العرف في الصدق في أمثاله.
# ومن صور التعارض: ما إذا كان طريق في دار زيد ويسلكه عمرو، ms474 فادعى ملكيته.
# والظاهر حينئذ ترجيح السالك.
# ومنه الدابة عليها حمل زيد وزمامها بيد عمرو، والترجيح لآخذ الزمام.
# ومن باب التعارض: ما اتفق في هذه الأيام في بلدتنا، فكان فيها دار فيها
~~طريق يعبر عنه عامة الناس، فسد مالك الدار الطريق، ولم ينازعه أحد من
~~العابرين إلا واحد، فزاحمه، وادعى الملكية الخاصة، متشبثا باليد الحاصلة من
~~العبور. فمنعنا صدق اليد عليه له، لعدم ثبوت ما كان ينتفع به منه أمرا
~~مخصوصا به يصدق لأجله كون يده عليه. PageV00P740
# ومنه يعلم أنه لو لم يكن ذلك الطريق في ملك شخص معلوم، فادعى أحد ملكيته،
~~ونازعه واحد من العابرين لأجل نفسه لا للعامة، لأجل يد العبور، لا تصلح
~~مزاحمته، لعدم كون ذلك يدا، وإن كان له مزاحمته لأجل كونه طريقا.
# ثم لا يتوهم أن ما ذكرنا من عدم توقف صدق اليد على التصرفات الملكية،
~~يخالف ما ذكره جماعة في بحث ما يصير به الشاهد شاهدا: من الإشكال في جواز
~~الشهادة بالملكية بدون مشاهدة التصرفات، كصاحب الكفاية 1 بل المحقق 2.
# بل قد يستشكل مع التصرفات أيضا، ونقل التردد فيه عن المبسوط 3، لأن اليد
~~شئ، والشهادة على الملكية شئ آخر.
# ولذا تراهم جميعا يقولون: اليد المنفردة في التصرف هل تصحح الشهادة على
~~الملكية أم لا؟ فيثبتون اليد، ويختلفون في الشهادة، بل قد يثبتون اليد (ثم
~~يضمون) 4 التصرف أيضا، فيقولون: اليد المنفردة في التصرف واليد المنضمة
~~معه.
# وكذا لا ينافي ما ذكروه مع ما سنذكره: من اقتضاء مطلق اليد أصالة
~~الملكية، (كما أن استصحاب الملكية) 5 أيضا يقتضي أصالتها، مع الاختلاف في
~~جواز الشهادة بالملكية الاستصحابية. ولذا اتفقوا على أن ما كان في يد مورث
~~شخص ولم يعلم حاله، يحكم بملكيته له، ويجوز شراؤه منه، ولو لم يجز له
~~الشهادة بملكية مورثه.
# الثاني: المراد بكون اليد ظاهرة في الملكية مقتضية لها: أنها الأصل فيها
~~لا أنها الدليل عليها. فلا تخرج عن مقتضاها بلا دليل مخرج، ولا تعارض دليلا
# PageV00P741
# أصلا، بل يرفع اليد عنه مع الدليل كما ms475 هو الشأن في الأصول.
# ولذا لولا أنه ورد من الشرع الحلف على المنكر لولا البينة، لما حكمنا به.
# والدليل على ذلك: الإجماع، وأخبار سؤال البينة عن المنازع والحكم بها،
~~وقوله في رواية مسعدة المتقدمة: (حتى يستبين لك غير ذلك) 1، وبها تقيد
~~الإطلاقات أيضا.
# الثالث: لا شك أنه يشترط في اقتضاء اليد أصالة الملكية عدم انضمام
~~اعترافه بعدم الملكية، بالإجماع، فإنه دليل مخرج عنها.
# وهل يشترط انضمام ادعائه الملكية أم لا؟
# الظاهر الثاني، لعموم صدور رواية حفص المتقدمة، الحاصل من ترك الاستفصال،
~~وموثقة يونس السابقة، بل لظاهر الإجماع، ولذا يحكم بملكية ما في يد الغائب،
~~وما كان في يد المتوفى له، ويحكم بكونه ميراثا منه ما لم يعلم خلافه.
# ويجوز الانتفاع بما في يد أحد مع إذنه من دون سؤال ادعائه الملكية وعدمه.
# نعم الظاهر اشتراط عدم انضمام ادعاء عدم العلم بملكيته أيضا، فلو قال ذو
~~اليد: إني لا أعلم أنه ملكي أم لا، لا يحكم بملكيته، لأن الثابت من اقتضاء
~~اليد الملكية غير ذلك المورد.
# أما الإجماع فظاهر.
# وأما أخبار طلب البينة من مدعيه، فكذلك أيضا.
# وأما الروايتان المتقدمتان، فلظهورهما في ذلك، بل قوله في الثانية
~~(يملكونه) صريح فيه، كما أن قوله في الأولى (صار ملكه إليك من قبله) ظاهر
~~فيه أيضا، وكذلك رواية مسعدة وما بعدها.
# وأما الموثقة، فلإمكان منع صدق
# PageV00P742
# الاستيلاء عليه في مثل ذلك الشئ.
# مضافا إلى رواية جميل بن صالح، الصحيحة، عن السراد: رجل وجد في بيته
~~دينارا، قال: (يدخل منزله غيره؟) قلت: نعم كثير، قال: (هذه لقطة) قلت:
# فوجد في صندوقه دينارا، قال: (يدخل أحد يده في صندوقه غيره، أو يضع فيه
~~شيئا؟) قلت: لا، قال: (فهو له) 1.
# فإنه حكم فيما هو في داره، الذي لا يعلم أنه له مع كونه في يده - على ما
~~مر - ومستوليا عليه: أنه ليس له، وأيضا علل كون ما وجد في الصندوق له بما
~~يفيد العلم بأنه ليس لغيره، من عدم إدخال غيره يده فيه.
# وإلى موثقة إسحاق بن ms476 عمار: عن رجل نزل في بعض بيوت مكة، فوجد فيها نحوا
~~من سبعين درهما مدفونة، فلم تزل معه ولم يذكرها حتى قدم الكوفة، كيف يصنع؟
~~قال: (يسأل عنها أهل المنزل لعلهم يعرفونها)، قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال:
~~(يتصدق بها) 2.
# فإنه لا شك أن الدراهم كانت في تصرف أهل المنزل على ما عرفت، ولو أنهم
~~قالوا: إنا لا نعلم أنها لنا أو لغيرنا، فيصدق أنهم لا يعرفونها، فلا يحكم
~~بملكيتها لهم.
# ومن ذلك يعلم أن اليد لا تكفي في حكم ذي اليد - لأجلها لنفسه إن لم يعلم
~~ملكيته.
# ولكن المراد بعدم علمه بالملكية: عدم علمه بالملكية الشرعية لا الواقعية،
~~فإن الغالب أن الوارث لا يعلم حال ما انتقل إليه من مال مورثه، والمشتري في
~~السوق لا يعلم أنه مال البائع أو سرقة أو غصب، فإن اليد الخالية عن اعتراف
~~المورث، و البائع بالعلم بعدم الملكية أو عدم العلم بالملكية الشرعية،
~~كافية في علم الوارث
# PageV00P743
# والمشتري بالملكية الشرعية.
# فلو كان متاع في دكة أحد ولم يعلم أنه مما ورثه أو اشتراه أو وضعه غيره،
~~لا يجوز له التصرف فيه.
# وكذا إذا كان فيما خلفه مورثه شئ اعترف المورث بأني لا أعلم أنه مني
~~أولا.
# وكذا لا يجوز شراء شئ عن شخص كان في يده ويقول: إني لا أعلم أنه مني
~~أموالي أو من الغير. بل يلزم على ذي اليد الفحص، فإن لم يتعين مالكه يكون
~~مجهول المالك. أما كونه مجهولا عند غير ذي اليد فظاهر، وأما عنده فكذلك
~~أيضا، لأجل أنه يعلم أنه لا يعلم.
# الرابع: كما أن مقتضى اليد أصالة الملكية فيما يملك، كذلك مقتضاها أصالة
~~الاختصاص بذي اليد فيما ليس ملكا، كالوقف.
# فلو كان شئ في يد أحد مدعيا وقفيته عليه، فادعاء غيره ولا بينة له، يقدم
~~قوله ذي اليد، لموثقة يونس بن يعقوب المتقدمة، بل الظاهر الإجماع أيضا.
# ومن هذا القبيل أيضا: ما إذا ادعى على غيره بكون ما في يده بادعاء
~~الإجارة من مالكه أنه الذي استأجره منه، ms477 فيقدم قول ذي اليد، وهكذا.
# الخامس: ما ذكر من تقديم قول ذي اليد لدلالة اليد على الملكية أو
~~الاختصاص، إنما هو إذا لم يعارض اليد أصل آخر.
# وأما إذا عارضه أصل أو استصحاب، ففي بعض موارده الخلاف، و في بعض آخر
~~يقدم الاستصحاب، كما إذا ادعى ذو اليد الانتقال إليه من مالكه السابق، أو
~~ثبتت مسبوقية يده بيد إجارة أو عارية أو نحوهما، و لم يعلم زوال اليد
~~الأولى، فلو ادعى مالك الأرض ملكيتها والمتشبث بها وقفيتها، أو المتشبث
~~الإجارة والمالك عدمها، أو المتشبث التحجير، وغيره أثبت تحجيره السابق، لا
~~يقدم قول ذي اليد كليا. وتحقيق كل مسألة مذكور PageV00P744
# في موضعها.
# السادس: هل يختص اقتضاء اليد الملكية أو الاختصاص في الأعيان، أم يجري في
~~المنافع أيضا؟ لم أعثر بعد على مصرح بأحد الطرفين.
# والظاهر: هو الأول للأصل، وعدم ثبوت الإجماع في غير الأعيان، و اختصاص
~~الأخبار بها. أما أخبار تعارض البينات والروايتان الأخيرتان، فظاهرة، لأن
~~مواردها في الأعيان.
# وأما رواية حفص بن غياث، فلأن لفظ (والأشياء كلها على هذا) منفردا، فإنما
~~يدل على الحلية دون تمام المطلوب.
# نعم، ظاهر حديث فدك العموم، إلا أنه يمكن دعوى اختصاص صدق اليد حقيقة
~~بالأعيان، فإنها المتبادرة عرفا من لفظ ما في اليد بل الاستيلاء، وصدقهما
~~على المنافع غير معلوم.
# بل هنا كلام آخر: وهو أن اليد والاستيلاء إنما هو في الأشياء الموجودة في
~~الخارج، القارة، وأما الأمور التدريجية الوجود، الغير القارة كالمنافع، فلو
~~سلم صدق اليد والاستيلاء عليها، فإنما هو فيما تحقق ومضى لا في المنافع
~~المستقبلة التي هي المراد هاهنا.
# ولا يتوهم أن ما ورد في خصوص الرحى الواقعة على نهر ماء الغير والمنع
~~PageV00P745
# عن سد الماء عنه 1، يثبت اقتضاء اليد في المنافع الملكية أيضا، وكذا ما
~~ذكره جماعة في الميزاب 2، لأن عدم اقتضاء اليد الملكية فيها لا ينافي المنع
~~عن سد منفعة مخصوصة بدليل 3 آخر، كالخبر أو الضرر، فيحتمل الحكم بمورده.
# وأما ما قد يدعى من ظهور اليد في الملكية، ms478 وهو حاصل في المنافع أيضا 4،
~~ففيه - بعد تسليم اليد فيها - منع حجية ذلك الظهور أولا، ومنع الظهور
~~ثانيا، فإنه لو سلم فإنما هو في الأعيان مع التصرفات الملكية 5، وأما في
~~المنافع التي أعيانها ملك الغير فلا، لشيوع مشاهدة الناس متصرفين في كثير
~~من المنافع من غير تحقق جهة اللزوم والملكية.
# فيحمل الجار على حائط جاره أو المشترك، وينصب الميازيب على داره أو ملكه،
~~ويطرح الثلج، ويضع خشب السقف على حائطه، ويجري الماء من داره إلى داره، أو
~~ماؤه إلى داره، ويستعمل المسلمون بشاهد الحال بعضهم ماء بعض، ويجرون مياههم
~~في دورهم، وقد يغيرون مواضع الجريان في كل عام، ويبنون الحياض الكبيرة
~~المجددة، إلى غير ذلك.
# بل يمكن ادعاء ظهور عدم 6 الملكية في أمثال ذلك، وابتناء الأمر أولا على
~~المسامحة أو شاهد الحال.
# السابع: ما ذكر من أن الاستيلاء يدل أصالة الاختصاص للمستولي، إنما هو
~~إذا لم يكن هناك مدع يثبت له جهة اختصاص آخر أيضا، فلو كان كذلك
# PageV00P746
# لا يفيد الاستيلاء شيئا، لأن جهة الاختصاص الثابتة بالاستيلاء غير معينة،
~~و إرجاعها إلى ما يدعيه المستولي لا دليل عليه بخصوصه حتى يحمل عليه.
~~والجهة الأخرى للغير ثابتة، فليس لها معارض معلوم ولا دافع كذلك.
# فلو ادعى أحد استئجار شئ في يد غيره مدعيا هو أيضا أنه استأجره، تطلب
~~البينة من المدعي، لأصالة الاختصاص بالمستولي، فإن جهة الاختصاص بينهما
~~واحدة. بخلاف ما لو ادعى المالك عدم الإجارة، لأن ملكيته مختصة به، والمدعي
~~يدعي الاختصاص الاستئجاري ولا دليل عليه.
# وكذا لو ادعى أحد اختصاصه بشئ في يده، ويستولي عليه من جهة استحقاق منفعة
~~بصلح أو نحوه، وادعى المالك عدمه، فلا يقدم قول المستولي، لثبوت جهة اختصاص
~~للمالك وعدم ثبوت الاختصاص النفعي للمستولي.
# فاحتفظ بذلك فإنه مفيد في كثير من المواضع.
# الثامن: يشترط في دلالة اليد على الملكية احتمال كونها ناشئة من السبب
~~المملك، فلو علم مبدؤها وعلم أنه ليس سببا مملكا، لا حكم لها، كيد الغاصب
~~والودعي. وكما إذا كان هناك شئ ms479 لم يحتمل وجها شرعيا مملكا، وكما إذا أخذه
~~المدعى بحضورنا وأثبت يده عليه، للإجماع، واختصاص الأدلة بغير ذلك.
# ومن ذلك القبيل ما تداول في أكثر قرى بلاد العجم: من أخذ ماء الغير كل
~~يوم في بعضه وإدخاله في حماماتهم مع عويل صاحب يوم الماء غالبا وعدم رضاه،
~~ولا يعتني أرباب الحمامات بعدم رضائه، فقد تصحح أعمالهم بثبوت يد رب الحمام
~~على الماء، مع أنه ليس له وقت معين على التحقيق من حيث المبدأ والمنتهى ولا
~~قدر معين من المجرى، فإنه يختلف ما يأخذونه بقلة الماء وكثرته و قدر احتياج
~~الحمام، ولا يدعي رب الحمام وقتا معينا ولا قدرا معينا، ولا يمكن تصحيح
~~ملكية ما يأخذونه للحمام مع هذه الإبهامات بوجه شرعي لا يشترك فيه غيره في
~~ذلك الوقت. PageV00P747
# ثم المراد باحتمال الاستناد إلى السبب المملك أيضا: الاحتمال المتحقق بعد
~~إعمال الأصول والقواعد الممهدة الثابتة.
# فلو كانت هناك يد لم يعلم منشؤها، ولكن علمت مسبوقيتها بيد عارية أو غصب،
~~ولم يعلم أن اليد الحالية هل هي تلك اليد، أو زالت الأولى وحصلت يد ثانية
~~من السبب المملك؟
# فمقتضى استصحاب اليد السابقة وأصالة عدم حدوث يد أخرى يجعلها هي اليد
~~الأولى، فلا يفيد ملكيته.
# وليس هذا من باب تعارض الاستصحاب والأصل مع اليد المقتضية للملكية، بل
~~تصير اليد بواسطة الأصل والاستصحاب غير اليد المقتضية.
# التاسع: لا يشترط في صدق اليد عرفا مباشرة ذي اليد بنفسه للتصرف، بل تكفي
~~مباشرة الوكيل والمستعير والأمين والمستأجر والغاصب منه بعد ثبوت أحد هذه
~~الأوصاف له في ذلك التصرف، للصدق العرفي. وكذا يد المقر أنها لزيد، فإنه
~~يقال معه: إنها في يد زيد، فتأمل.
# العاشر: يمكن أن يكون يدان أو أزيد على شئ واحد، بمعنى أن يكون يد كل
~~واحدة منهما بحيث لو كانت منفردة لصدق كون ذيها ذيها اليد بالنسبة إلى تمام
~~الشئ عرفا، كالدابة ركباها رديفين، والسراج الواحد يستضيئان به، واللحاف
~~يلتحفان به معا في كل ليلة والإناء يأكلان منه دفعة، والفراش يجلسان عليه.
# وحينئذ ms480 فيحكم بكونهما ذا اليد على ذلك الشئ، لا أن يد كل منهما على بعضه
~~المشاع، لإمكان كون شئ واحد في يد اثنين، فلا ضرورة إلى التبعيض.
# وليست اليد كالملكية التي لا يمكن تعلقها بتمام شئ بالنسبة إلى كل من
~~الشخصين، بل مثل القرابة لشخصين، والتوطن في بلدتين، والجوار لدارين، و
~~مصاحبة شخصين، ومؤانستهما، وهكذا.
# الحادي عشر: اقتضاء اليد للملكية التامة لذي اليد إنما هو إذا لم تعارضها
~~يد PageV00P748
# أخرى أيضا، أي كانت يدا منفردة، فلو كان شئ واحد في يد شخصين بحيث لم
~~يختص يد كل بالبعض عرفا، لا تدل على ملكيته لواحد منهما، للمعارض، و لا
~~لهما معا بأن يكون تمامه ملكا لهما، لعدم الإمكان.
# وهل يحكم حينئذ بالاشتراك في الملكية حتى يكون بينهما بالسوية - كما هو
~~مقتضى قاعدة الشركة مع عدم دليل على الاختلاف - أم لا بل يحكم بواسطة
~~اليدين على نفي ملكية غيرهما، وإن لم يحكم بملكيتهما أو أحدهما؟.
# ظاهر أكثر الأخبار المتقدمة وإن كان خاليا عن الدلالة على ذلك - لأن
~~الرواية الأولى مختصة باليد الواحدة، والعلة المذكورة فيها بقوله: (ومن أين
~~جاز لك) إلى آخره لا تدل على أنه إذا اشتراه من اثنين يجوز له أن يشهد أنه
~~لهما، بل تدل على أنه يجوز له أن يشهد: أنه ملك لهما، أو لأحدهما.
# والثانية وإن كانت أعم، إلا أنها لا تدل على الأزيد من طلب البينة من
~~الخارج منهما، المستلزم لاقتضاء نفي ملكية الغير وحصول الملكية في الجملة
~~الشاملة لملك هذا وهذا، وهما معا بالشركة، وأما الاشتراك مخصوصة فلا. و كذا
~~إطلاق الروايات الثلاث الأخيرة - إلا 1 أن مقتضى قوله في الموثقة: (ومن
~~استولى على شئ منه فهو له) أنه لو استوليا معا عليه كان لهما، وبمقتضى
~~قاعدة التساوي ى في الشركة المبهمة أنه بينهما نصفين، ومرجعه إلى أن اليدين
~~المشتركتين تقتضيان الملكية المشتركة.
# وتعضده الروايات الكثيرة الدالة على تنصيف ما يدعيه اثنان ويدهما عليه
~~بدون البينة لأحدهما أو مع البينة لهما 2.
# بل الظاهر أنه إجماعي أيضا، ms481 كما يظهر من حكمهم بالتنصيف في تداعي شخصين
~~ما في يدهما معا.
# PageV00P749
# الثاني عشر: لو أقر ذو اليد بملكية زيد ثم أقر بعده لعمرو، يحكم باليد
~~لزيد، لثبوتها بالاعتراف الأول، وعدم صدق اليد عرفا للثاني بعد الأول، فلا
~~يصلح الثاني لمعارضة الأول، فيبقى الأول بلا معارض ومستصحبا. PageV00P750
# عائدة (70) قد تحقيق اشتراط إفادة المطلق للعموم بأن لا يكون مذكورا
~~لبيان حكم آخر قد يذكر أن إفادة المطلق للعموم مشروط بأن لا يكون مذكور
~~البيان حكم آخر.
# قال بعض مشايخنا المحققين - قدس الله سره - في فوائده: المطلق يرجع إلى
~~العموم بشرطين:
# أحدهما: أن لا يكون بعض أفراده شائعا بحيث ينصرف الذهن إليه عند الإطلاق.
# إلى أن قال:
# والثاني: أن يكون ذكره لأجل بيان حكم نفسه من حيث يراد إثبات عمومه، لا
~~أن يكون مذكورا على سبيل التقريب لبيان حكم آخر، كقوله تعالى: (كلوا مما
~~أمسكن عليكم) 1، فإن ذكره لإظهار حد ما يصيده الكلب من حيث إنه صاده لا من
~~حيث الغسل وعدم الغسل منه، لأن رجوعه إلى العموم إنما هو لئلا يخلو الكلام
~~عن الفائدة، والفائدة هنا متحققة وإن لم يرجع إليه 2.
# انتهى كلامه
# PageV00P751
# رحمه الله.
# أقول: غرضه أن إفادة المطلق للعموم لما كانت لأجل الحكمة، فإنه لولاه
~~يخلو الكلام عن الفائدة، فيشترط في إفادته له عدم ترتب فائدة أخرى لبيان
~~الحكم عدا حكم نفس المطلق.
# فيقال، حينئذ: إنه لولا عموم الحكم لجميع أفراده خلا الكلام عن الفائدة،
~~لعدم إمكان إرجاعه إلى واحد معين ولا إلى واحد لا بعينه، ولا يتصور فائدة
~~أخرى، فليس إلا العموم.
# وذلك لا يتم إذا لم يعلم كون المطلوب بيان حكم نفس المطلق، بل كان الكلام
~~منساقا لبيان أمر آخر، كما أنه سبحانه بين حكم حلية صيد الكلب بقوله:
# (كلوا مما أمسكن)، ولم يرد بيان حكم الممسك حتى يعم جميع أفراده حتى غير
~~المغسول موضع عض الكلب منه لئلا يخلو الكلام عن الفائدة، بل أراد بيان حلية
~~صيد الكلب وهو يحتمل بحلية فرد من ممسكاته أيضا.
# بل ms482 مقتضى ذلك: عدم ثبوت العموم، مع احتمال كونه منساقا لبيان حكم آخر، بل
~~مع احتمال ترتب فائدة أخرى.
# والحاصل: أن إفادته للعموم إنما هو إذا علم أن المتكلم في بيان حكم
~~المطلق لا مطلقا.
# ولكن لا يخفى أن ذلك إنما يصح على القول بكون عموم المطلق لدليل الحكمة
~~وأنه لولاه لخلي الكلام عن الفائدة.
# وأما لو قلنا بأن عمومه لأجل تعليق الحكم على الطبيعة، وهي في ضمن جميع
~~الأفراد موجودة، فيجب تحقق الحكم في ضمن الجميع، فلا يتم ذلك.
# بل التحقيق حينئذ أنه يشترط عدم العلم بعدم 1 كون الكلام منساقا لبيان
~~حكم الطبيعة، وتعليق الحكم عليها، ولا يشترط العلم بكونه منساقا له، لأن
~~كونه
# PageV00P752
# منساقا لتعليق الحكم عليها مقتضى الأصل والحقيقة.
# نعم لو علم عدم ذلك لم يجر الدليل، إذ لا يكون حكم في الكلام معلقا على
~~الطبيعة واردا عليها. فإذا قال أحد: خذ الدراهم واشتر لي لحم الغنم، فذهب
~~المأمور واشترى به الخبز، فقال له الآمر: إني أمرتك باشتراء اللحم وأنت
~~اشتريت الخبز؟ لا يكون قوله: (باشتراء اللحم) مطلقا معارضا لقوله أولا:
~~(اشتر لحم الغنم)، لأن قرينة المقام دالة على أن مراده ليس بيان إرادة
~~طبيعة مطلق اللحم، بل أراد نفي إرادة الخبز، فلا يمكن الاستدلال به لثبوت
~~الحكم في جميع أفراد اللحم.
# والحاصل: أنه على ذلك يشترط انتفاء عمومه بالعلم بأن ذكر المطلق ليس إلا
~~لبيان حكم آخر غير بيان حكم الطبيعة.
# ثم إن ما ذكره من أنه يشترط في إفادته العموم: أن يكون ذكره لأجل بيان
~~حكم نفسه من حيث يراد إثبات عمومه، ومن قوله: من حيث إنه صاده لا من حيث
~~الغسل وعدم الغسل، أن عمومه أيضا مخصوص بحيثيته التي علق الحكم عليها من
~~هذه الحيثية فلا يسري إلى حيثيات اخر، وإذا حصل الشك فيه من حيثية أخرى لم
~~يجز التمسك بالعموم من الحيثية الأولى، ولم يكن عمومه من هذه الحيثية
~~منافيا لما ينفي الحكم عنه من حيثية أخرى.
# فإذا قال: الغنم حلال، يعم الحكم ms483 لجميع الأغنام من حيث إنه غنم، فلا يمكن
~~الاستدلال به على حلية الغنم المغصوب، أو الجلال، أو الميتة، أو غيرها.
# وهذا الكلام أيضا إنما يجري على دليل الحكمة، إذ حلية الغنم من حيث هو
~~غنم فائدته تامة وإن لم يعلم حال أفراده من حيثية أخرى.
# ولا يجري على المختار من كون عموم المطلق لوجود الطبيعة، لأنها موجودة في
~~ضمن كل فرد من أفرادها في جميع حالاتها، فيجب تحقق الحكم أيضا.
# هذا مع أن ما ذكروه من ملاحظة الحيثية المذكورة، إن أراد أنه لأجلها لا
~~يثبت الحكم في أفراد ذلك المطلق المحيثة بحيثيات اخر من جهة وجود حيثية
~~الحكم إذا PageV00P753
# شك في حكمها من جهة الحيثيات الاخر، لزم انتفاء التعارض بين المطلقات إلا
~~فيما إذا كان المتعارضان واردين على المطلق من حيثية واحدة، لا إذا تغايرت
~~الحيثيات.
# فلا يكون تعارض بين قوله: في الغنم الزكاة، وليس في الحيوان المعلوف
~~الزكاة، أو ليس في الحيوان الأسود أو الجلال الزكاة، لأن الإثبات راجع إلى
~~حيثية الغنمية والنفي إلى حيثية العلف أو السواد أو الجلل، فلا يثبت بالأول
~~ثبوت الزكاة في المعلوفة من جهة الغنمية.
# وإن أراد أن الحكم إنما هو من الحيثية الأولى أينما وجدت هذه الحيثية، و
~~يحصل التعارض فيما اجتمعت فيه الحيثيتان، فهو صحيح، ولكن الظاهر من قوله:
~~(لا من حيث الغسل وعدم الغسل) أنه لا يحكم لأجل تعليق الحكم على المطلق
~~بوجوده في غير المغسول أيضا، فلا ينافي حلية المطلق حرمة غير المغسول ويحكم
~~بحرمته ولا يلاحظ إطلاق الحل، وهذا غير صحيح، فتأمل. PageV00P754
# عائدة (71) في حمل الأمر والنهي على الاستحباب والكراهة عند تعذر حملهما
~~على الحقيقة قد ترى الفقهاء - كثيرا - أنهم عند تعذر حمل الأمر أو النهي
~~على ظاهرهما من الوجوب والحرمة يحملونهما على الاستحباب والكراهة، وقد
~~يطالب بالوجه فيه مع تعدد مجازاتهما.
# والتحقيق: أنه إذا تعدد مجاز اللفظ المصروف عن حقيقته ولم يقم دليل
~~بالخصوص على تعيين المراد منها، فقالوا: إن كان بعضها أقرب إلى الحقيقة
~~المصروف عنها يجب ms484 الحمل عليه، وإلا دخل فيه الإجمال.
# وجعلوا وجه القرب الموجب لذلك ثلاثة، كما صرح به بعض سادة مشايخنا
~~المحققين، فقال: اعلم أن المقتضي لتعيين المجاز مع تعذر الحقيقة أمور
~~ثلاثة:
# الأول: تبادر المعنى المجازي المعين من اللفظ المصروف عن حقيقته، كما في
~~قولك: رأيت أسدا في الحمام، فإن المفهوم من لفظ الأسد المقترن بقرينة الكون
~~في الحمام هو الرجل الشجاع.
# ومن المعلوم أن هذا الفهم غير مستند إلى دلالة لفظ الأسد ولا إلى القرينة
~~المذكورة، فإن الكون في الحمام يقتضي الصرف عن إرادة المعنى الحقيقي الذي
~~PageV00P755
# هو الحيوان المفترس، ولا دلالة فيه على تعيين الرجل الشجاع أصلا. فلولا
~~أنه مدلول لفظ الأسد المصروف عن حقيقته والمتبادر منه، لم يعقل فهمه في
~~الكلام، لانتفاء الحصر في المجاز.
# وتبادر المعنى المجازي من اللفظ المقترن بالقرينة لا ينافي مجازيته، لأن
~~التبادر الذي هو علامة الحقيقة هو فهم المعنى من نفس اللفظ مجردا عن
~~القرينة، وتبادر المجاز هو فهم المعنى مع القرينة.
# ثم التبادر في المجاز قد يحصل بمجرد القرينة الصارفة عن الحقيقة كما في
~~المثال، وقد لا يحصل بذلك وحده بل يتوقف على وجود الصارف عن بعض المجازات
~~أيضا، وذلك إذا كان مساويا للمجاز المقصود من اللفظ، كما في لفظ اليد التي
~~هي حقيقة في العضو المخصوص ومجاز في النعمة والقدرة، فإذا أريد استعمالها
~~في النعمة وجب ضم قرينة تصرفها عن إرادة القدرة، كأن يقول: لزيد يد عند
~~أوليائه - مثلا - ولم يجز الاكتفاء بالقرينة الصارفة عن الحقيقة، بل يجب
~~مجموع القرينتين الصارفتين عن الحقيقة والمجاز المساوي، لا لأن الصرف عن
~~الأمرين يقتضي تعيين المراد، لانتفاء الحصر، بل لأن المتبادر من اللفظ
~~المصروف هو ذلك.
# وأنت إذا تتبعت القرائن اللفظية وجدتها في الأكثر كذلك، إذ قلما يتفق في
~~الكلام قرينة معينة للمراد، صارفة عن الحقيقة وسائر المجازات المحتملة عدا
~~المعنى المقصود، بل الغالب أن قرينة المجاز إما صارفة عن خصوص الحقيقة، أو
~~عنها و عن شئ من المجازات، وأن التعيين إنما يستند إلى اللفظ ms485 المصروف عن
~~بعض معانيه. ولولا أن المعنى المراد هو المتبادر من اللفظ بعد الانصراف
~~لامتنعت الدلالة اللفظية في أكثر المجازات.
# الثاني: شهرة المجاز المعين وكثرة وقوعه في الكلام، وإنما الاشتهار سبب
~~للتعيين، لعدم انفكاكها عن التبادر الموجب له غالبا، أو لأن الظن يلحق الشئ
~~بالأعم الأغلب. PageV00P756
# الثالث قوة العلاقة في المجاز وشدة مناسبته مع الحقيقة: إما لأن شدة
~~المناسبة موجبة لأشهرية الاستعمال في الكلام وكثرة الدوران في المجاورات،
~~أو لأن قرب المعنى المجازي إلى الحقيقي بحيث لا أقرب منه مقتض للانتقال من
~~اللفظ إليه. أو لأن القرب من الحقيقة يقتضي ترجيح إرادته بنفسه، أي باعتبار
~~كونه قريبا لا لكونه مظنة للاشتهار أو مقتضيا للتبادر والانتقال، إذ لا ريب
~~في أن القرب من الحقيقة مما يرتفع به التساوي بين المعاني المحتملة،
~~وارتفاع المساواة لا يكون إلا بالترجيح 1. انتهى ملخصا.
# أقول: قد بينا في كتبنا الأصولية 2 اعتبار الوجه الأول من هذه الوجوه
~~الثلاثة، وكذا الأخيران حيثما أوجبا التبادر، وأما بدونه فلا. وقد أشار
~~السيد الأستاذ إلى ما في بعض الأخيرين أيضا لولا اعتبار إيجابهما للتبادر.
# وأما الوجه الأول فهو تام صحيح، وكما ذكره يرجع تعيين أكثر المجازات في
~~الكلمات إليه، ومتابعته شائعة في المحاورات، معتبرة عند أربابها.
# ومنه تعين صاحب الجمال من القمر أو البدر في قولك: رأيت قمرا أو بدرا في
~~بيت فلان، والبليد من قولك: فلان حمار، ونحو ذلك، وإن كان ذلك التبادر
~~مسببا في الغالب من اشتهار الاستعمال في ذلك المجاز، وقد يسبب عن عدم ظهور
~~علاقة بين المعنى الحقيقي وبين غير ذلك المجاز.
# ثم مما ذكر يظهر وجه حملهم الأمر والنهي المصروفين عن حقيقتيهما على
~~الندب والكراهة، لأنهما المتبادران عنهما عند تعذر الحقيقة، كما صرح به
~~السيد السند المذكور 3.
# مع أنه لو اعتبر الوجهان الأخيران أيضا لكانا جاريين هنا أيضا، لأن
~~استعمال
# PageV00P757
# الأمر والنهي في الندب والكراهة شائع كثير، حتى قيل: إن صيغتي الأمر
~~والنهي حقيقة فيهما أو مشتركة بينهما وبين الوجوب والتحريم 1.
# وعلاقة الندب والكراهة مع ms486 الوجوب والحرمة أقوى من علاقتهما مع سائر
~~المحتملات، وهما أشد مناسبة معهما من غيرهما.
# PageV00P758
# عائدة (72) في بيان الإجمال في حكايات الأحوال ترى الأصوليين والفقهاء
~~يقولون: إن حكايات الأحوال تلبس الألفاظ الواقعة فيها ثوب الإجمال ولا تفيد
~~عموما ولا إطلاقا، فيقولون: إنه قضية في واقعة، وهو كذلك كما هو في الأصول
~~مبين.
# ومع ذلك تراهم قد يستدلون في بعض الموارد بالحكايات بإطلاقها، وهو في
~~غاية الكثرة، كما في رواية إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن
~~رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين عليه السلام في دابة في أيديهما، وأقام كل
~~واحد منهما البينة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي عليه السلام، فحلف أحدهما
~~وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف) 1.
# فتمسكوا بها في إجراء هذا الحكم في كل واقعة كانت من جزئياتها من غير فرق
~~بين البينتين المتساويتين في العدد وفي العدالة، والمختلفتين فيهما أو في
~~أحدهما، ومن غير تفرقة بين أن يكون إباء الآخر عن الحلف تعنتا أو إجلالا
~~لله 2.
# وكما في رواية غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله عليه السلام: (إن أمير
~~المؤمنين عليه السلام
# PageV00P759
# اختصم إليه رجلان في دابة وكلاهما أقام البينة أنه أنتجها، فقضى بها للذي
~~في يده) 1.
# فأجروا الحكم في كل بينة أيضا تمسكا بها.
# وكذلك في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام، وفيها: وذكر (أن
~~عليا عليه السلام أتاه قوم يختصمون في بغلة، فقامت البينة لهؤلاء أنهم
~~أنتجوها على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، وأقام هؤلاء البينة أنهم أنتجوها
~~على مذودهم لم يبيعوا ولم يهبوا، فقضى بها لأكثرهم بينة) 2.
# فاستدلوا بها على الحكم المذكور من غير تفرقة بين كون البغلة في يد
~~أحدهما أو في يديهما، ولا بين البينتين المتساويتين عدالة والمختلفتين، ولا
~~بين المؤرختين وغير المؤرختين.
# وكذا في موثقة سماعة عن أبي عبد الله، قال (إن رجلين اختصما إلى علي عليه
~~السلام في دابة، فزعم كل واحد منهما أنها نتجت على مذوده وأقام كل واحد
~~منهما بينة سواء في ms487 العدد، فأقرع بينهما سهمين) 3.
# ويجعل بعض هذه الأخبار معارضا لبعض آخر في بعض أحكامهما، ولولا الحكم
~~فيها بالإطلاق أو العموم لما كان تعارض 4.
# وكما في رواية القاسم بن سليمان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام
~~يقول:
# (قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة رجل مع يمين الطالب في
~~الدين وحده) 5.
# PageV00P760
# فيستدلون بها على ثبوت الحكم في كل دين.
# وكما في رواية أبي ى مريم عن أبي جعفر عليه السلام: في بيان حكم امرأة
~~أتت أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: إني قد فجرت 1. إلى آخر الحديث، وهو
~~طويل.
# فاستدلوا بها على هذا الحكم بالإطلاق في كل واقعة يشملها إطلاقها لولا
~~أنها قضية في واقعة.
# وكما في موثقتي سماعة وأبي العباس، المتضمنتين لحد رسول الله صلى الله
~~عليه وآله وسلم المستسقي الذي زنى، بعرجون 2 فيه مائة شمراخ 3 مرة واحدة 4.
# فتكلموا فيها بمقتضى ظاهر الإطلاق.
# وكما في رواية شعيب العقرقوفي، قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل
~~تزوج امرأة لها زوج، قال: (يفرق بينهما)، قلت: فعليه ضرب؟ قال: (لا، ماله
~~يضرب؟!) فخرجت من عنده وأبو بصير بحيال الميزاب، فأخبرته بالمسألة والجواب،
~~فقال لي: أين أنا؟ قلت: بحيال الميزاب، قال: فرفع يده فقال: ورب هذا البيت
~~أو رب هذه الكعبة لسمعت جعفرا عليه السلام يقول: (إن عليا عليه السلام قضى
~~في الرجل تزوج امرأة لها زوج، فرجم المرأة وضرب الرجل الحد، ثم قال: لو
~~علمت أنك علمت لفضحت رأسك بالحجارة) ثم قال: ما أخوفني أن لا يكون أوتي
~~علمه 5.
# PageV00P761
# انظر إلى أبي بصير كيف فهم من حمل حكاية جعفر عليه السلام لقول علي عليه
~~السلام الإطلاق، ولذا جعله منافيا لقول أبي الحسن عليه السلام وقال ما قال،
~~مع أنه يمكن أن يكون عمل أمير المؤمنين عليه السلام لأمر هو أعلم، كأن يكون
~~الرجل وجب عليه الحد والمرأة الرجم لغير ذلك العمل، ونحو ذلك، إلى غير ذلك.
# ولعلك ترى كتب الاستدلال مشحونة بالاستدلال بحكايات الأحوال في أمثال هذا
~~المجال، ms488 فكيف الحال؟.
# أقول: غرضهم من قولهم: إنه قضية في واقعة فلا يصلح حجة لإطلاق أو عموم،
~~وإن حكاية الحال واردة مورد الإجمال، أنها من حيث هي هي كذلك، و لا ينافي
~~ذلك أن يفهم منها الإطلاق في مواضع باعتبار القرينة الخارجية المنضمة معها.
# ومن القرائن المفيدة للعموم أو الإطلاق: حكاية المعصوم لها بعد السؤال
~~منه عن حكم واقعة 1، لأنه وارد عن الإمام مورد الاستدلال، وهو مفهم قطعا،
~~لأنه لو كان في الألفاظ المطلقة المذكورة في الواقعة قيد له مدخلية في ذلك
~~الحكم، لوجب على الإمام ذكره ليتم الاستشهاد والاستدلال. بل المتبادر
~~المتفاهم عرفا من مثل ذلك عدم مدخلية قيد آخر في ذلك الحكم، وأنه لو كان
~~لكان الحاكي ذكره البتة.
# ولهذا يستدل الفقهاء في تلك المواقع باستشهاد الأئمة بحكايات 2 الأحوال و
~~يفهمون منه العموم أو الإطلاق.
# ثم إن ذلك فيما إذا كانت حكايته عليه السلام مسبوقة بسؤال عنه عن حكم
~~واقعة من أفراد ذلك المطلق، كما في رواية العقرقوفي في غاية الوضوح.
# وهل يكون كذلك لو لم تكن مسبوقة بالسؤال - كما في أكثر الروايات المتقدمة
~~- أم لا؟ فيه إشكال.
# PageV00P762
# والظاهر منه أيضا: الإطلاق أو العموم وعدم مدخلية قيد آخر في الحكم، لأن
~~الظاهر أن حكاية المعصوم لذلك ليس لمجرد الحكاية والقصة، وإنما هو لبيان
~~حكم الواقعة كما هو وظيفته عليه السلام، وعليه بناء أكثر كلماته الشريفة.
# ولأنه يعلم غالبا أن السامعين يجعلونها حجة في الوقائع ويفهمون الإطلاق،
~~فلو لا إرادته يلزم الإغراء بالجهل.
# بل لنا أن نقول: إنه لولا الإطلاق لكانت حكاية مجملة خالية عن الفائدة
~~المعتد بها، والظاهر أن المعصوم أجل من أن يتكلم به.
# ولأجل هذه الأمور يتبادر منه العموم أو الإطلاق، ولأجل ذلك التبادر استند
~~إليها الأصحاب في إثبات العموم ولو لم يسبق السؤال 1.
# وهل حكاية الراوي حالا عن الإمام يكون كذلك أيضا أم لا؟
# كما في رواية تميم بن طرفة: إن رجلين عرفا بعيرا فأقام كل واحد منهما
~~بينة، فجعله أمير المؤمنين عليه السلام بينهما ms489 2.
# الظاهر أن الراوي أراد الإطلاق أو العموم، سيما مع سبق السؤال عنه.
# ولكن الإشكال في حجيته، والظاهر عدم الحجية، لأنه ليس رواية الإطلاق
~~والعموم عن الإمام، لأن الواقعة لم تكن إلا جزئية حقيقية. فإن أراد الراوي
~~ذلك فهو مستند إلى استنباطه واجتهاده وهو ليس بحجة أصلا.
# ومن الأمور المنضمة مع تلك الحكايات المثبتة للعموم أو الإطلاق: عدم
~~القول بالفصل بين الأفراد، كما في الدابة في المذكورة، فإنها وإن كانت دابة
~~مخصوصة من بعير أو فرس أو بغلة أو حمار أو غيرها ولكن لا فرق بينها
~~بالإجماع المركب.
# ومنها: تنقيح المناط القطعي أو الأولوية حيثما وجدا.
# PageV00P763
# ولا فرق في حجية العموم أو الإطلاق الحاصلين من هذه الثلاثة لو جدت
~~مطلقا، سواء كانت الحكاية من الإمام أو الراوي، وسواء كانت مسبوقة بالسؤال
~~أو لم تكن، والله الموفق. PageV00P764
# عائدة (73) إذا قام دليل على أن سقوط التكليف عن بعض عبادة لا يستلزم
~~السقوط عن الباقي، فهل يجوز التمسك بإطلاق الأمر السابق على وجوب الباقي؟
# إذا قام دليل على أن سقوط التكليف عن بعض عبادة لا يستلزم السقوط عن
~~الباقي، بل يجب الإتيان به، كالوضوء، حيث إنه انعقد الإجماع على أنه لو
~~تعذر الإتيان ببعض أجزائه - كغسل إحدى اليدين لقطعها - يجب الإتيان
~~بالأجزاء الباقية.
# وحينئذ فهل يجوز التمسك بإطلاق الأمر السابق بالباقي، أولا؟
# وتظهر الفائدة فيما إذا اختلفوا في وجوب شئ على من يجب عليه الإتيان
~~بالباقي وعدمه.
# فإنه على الأول يجب اتباع ما دل عليه الأمر السابق من إطلاق أو تقييد أو
~~غيرهما.
# وعلى الثاني يجب فيه العمل بما تقتضيه الأصول الشرعية.
# فقيل بالثاني، لأن الأوامر إنما كانت متوجهة إلى القادر على الجميع، وبعد
~~حصول المانع ارتفعت، ووجوب الإتيان بالباقي إنما هو من جهة دليل آخر غير
~~تلك الخطابات، فيجب ملاحظة حاله، فالأوامر السابقة غير معتبرة أصلا و
~~PageV00P765
# لا يمكن الرجوع إليها في شئ من الأحكام 1.
# أقول: ما ذكره فيما إذا كان الأمر السابق أمرا واحدا منحلا إلى أجزاء -
~~كقوله: توضأ - وظاهر وموافق للأصل. ms490
# وأما إذا كان أو امر عديدة، كقوله سبحانه: (فاغسلوا وجوهكم و أيديكم...
~~وامسحوا برؤسكم وأرجلكم) 2 ففيه ليس بذلك الظهور وإن كان الأمر أيضا كذلك،
~~لدوران الأمر بين تخصيص الخطاب بأولي الأيدي والأرجل بقرينة قوله: (وأيديكم
~~وأرجلكم)، وبين تقييد قوله: (وأيديكم و أرجلكم) بمثل قوله: (إن كانت لكم
~~الأيدي والأرجل)، والظاهر عدم الترجيح، فلا يعلم شمول الخطاب لمقطوع اليدين
~~أو الرجلين.
# نعم لو كانت هناك خطابات متعددة بتعدد الأجزاء، يمكن التمسك في الأجزاء
~~الباقية بما يدل عليه خطاباتها. كما إذا قال: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم
~~إلى الصلاة فاغسلوا أيديكم، وهكذا إلى آخر أجزاء الوضوء، والوجه واضح.
# PageV00P766
# عائدة (74) في بيان اصطلاحات صاحب الوافي في الرجال المتكررة اعلم أنه قد
~~اصطلح المحدث الكاشاني، مؤلف كتاب الوافي، في أسماء الرجال المتكررة في
~~الأسانيد اصطلاحا خاصا بينه في ديباجة الكتاب 1.
# وربما لا تحضر الديباجة فيحتاج الناظر في الأحاديث إلى معرفتهم. وقد ذكره
~~ولده الفاضل محمد المدعو بعلم الهدى في فهرست يكتب كثيرا في ظهور مجلدات
~~الوافي، وربما لا يكون مكتوبا، فرأيت أن أذكر فهرسته هنا ليكون معينا
~~للطالب.
# قال ولده علم الهدى:
# هذا ما اصطلح عليه الوالد الأستاذ في كتاب الوافي من أسامي الرجال
~~المتكررة في الأسناد، أستضبطها في هذا الجدول تذكرة لمن أراد تناولها من
~~الأصحاب.
# ووزعتها ستة أقسام، واضعا لكل طائفة منها اشتركت في معنى عنوانا يخصها
~~بالانتساب. قال:
# المكتفى عن تعدادهم بالأعداد:
# الاثنان في أوائل السند: الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد.
# PageV00P767
# الاثنين في أواخر السند: هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة.
# الأربعة التامة: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني.
# الأربعة الناقصة: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز.
# الأربعة عن صفوان: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، وأبو علي
~~الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار.
# الثلاثة في أوائل السند: على بن إبراهيم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير.
# الحسين عن الثلاثة: الحسين بن سعيد، عن محمد بن أبي عمير، ms491 عن حماد، عن
~~الحلبي.
# الخمسة التامة: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن
~~الحلبي.
# الخمسة الناقصة: علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن
~~شاذان، جميعا عن ابن أبي عمير.
# سهل عن الثلاثة: سهل بن زياد، عن محمد بن الحسن بن شمون، عن عبد الله بن
~~عبد الرحمن الأصم، عن مسمع بن عبد الملك.
# الصفار عن الثلاثة: محمد بن الحسن الصفار، عن حسن بن موسى الخشاب، عن
~~غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمار.
# العدة عن ابن عيسى: محمد بن يحيى العطار، وعلي بن موسى الكميداني، وداود
~~بن كورة، وأحمد بن إدريس، وعلي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد بن عيسى.
# العدة عن البرقي: علي بن إبراهيم، وعلي بن محمد بن عبد الله بن أذينة، و
~~أحمد بن محمد بن أمية، وعلي بن حسن عن أحمد بن محمد البرقي 1.
# العدة عن سهل: علي بن محمد بن غلان، ومحمد بن أبي عبد الله، و
# PageV00P768
# محمد بن الحسن، ومحمد بن عقيل الكليني، عن سهل بن زياد.
# محمد عن الأربعة: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن
~~العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم.
# المكتفى عن أسمائهم بكلمات النسبة:
# الأزدي: بكر بن محمد الأزدي.
# الأشعري: جعفر بن محمد الأشعري.
# البجلي: عبد الرحمن بن الحجاج البجلي.
# البرقي: أحمد بن محمد بن خالد البرقي.
# البزنطي: أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي.
# البصري: عبد الرحمن بن أبي عبد الله البصري.
# والتلعكبري: أبو محمد هارون بن موسى التلعكبري.
# التميمي: عبد الرحمن بن أبي نجران التميمي.
# التيملي: علي بن الحسن بن علي بن فضال التيملي.
# الثمالي: أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار.
# الجعفري: سليمان بن جعفر الجعفري.
# الجوهري: القاسم بن محمد الجوهري.
# الحضرمي: أبو بكر الحضرمي.
# الخراساني: إبراهيم بن أبي محمود الخراساني.
# الديلمي: محمد بن سليمان الديلمي.
# الرازي أو الجاموراني: أبو عبد الله محمد بن أحمد الرازي الجاموراني.
# السياري: أحمد بن محمد السياري.
# الصهباني: ms492 محمد بن عبد الجبار الصهباني.
# الطاطري: علي بن الحسن الطاطري.
# الطيالسي: محمد بن خالد الطيالسي. PageV00P769
# العاصمي: أبو عبد الله أحمد بن محمد العاصمي.
# العبيدي: محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني.
# العجلي: بريد بن معاوية العجلي.
# العزرمي عبد الرحمن بن محمد العزرمي.
# العلوي: محمد بن أحمد العلوي.
# العقرقوفي: شعيب بن يعقوب العقرقوفي.
# العياشي: محمد بن مسعود العياشي.
# الغنوي: هارون بن حمزة الغنوي.
# الفطحية: أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن
~~موسى الساباطي.
# القاساني: علي بن محمد.
# القمي: أبو علي أحمد بن إدريس الأشعري.
# القميان: أبو علي الأشعري، عن محمد بن عبد الجبار.
# الكاهلي: عبد الله بن يحيى.
# الكرخي: إبراهيم بن أبي زياد.
# الكناني: إبراهيم بن نعيم أبو الصباح.
# الكوفي: الحسن بن علي.
# اللؤلؤي: الحسن بن الحسين.
# المروزي: سليمان بن حفص.
# المنقري: سليمان بن داود.
# الميثمي: أحمد بن الحسن.
# النخعي: أيوب بن نوح.
# النميري: موسى بن أكيل.
# النهدي: الهيثم بن أبي مسروق. PageV00P770
# النيسابوريان: محمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان.
# الهاشمي: إسماعيل بن الفضل.
# اليماني: إبراهيم بن عمر.
# المعبر عنهم بالأوصاف والألقاب:
# الأصم: عبد الله بن عبد الرحمن.
# برزج: منصور بن يونس.
# البقباق: أبو العباس الفضل بن عبد الملك.
# الحجال: عبد الله بن محمد.
# الحذاء: زياد بن عيسى أبو عبيدة.
# الخزاز: إبراهيم بن عيسى أبو أيوب.
# الخشاب: الحسن بن موسى.
# الدهقان: عبيد الله بن عبد الله.
# الرزاز: أبو العباس محمد بن جعفر.
# الزيات: محمد بن الحسين بن أبي الخطاب.
# السراد: الحسن بن محبوب.
# الشحام: أبو أسامة زيد بن يونس.
# شعر: يزيد بن إسحاق شعر.
# الصحاف: الحسين بن نعيم.
# الصفار: محمد بن الحسن.
# الصيقل: الحسن بن زياد.
# القداح: عبد الله بن ميمون.
# المشايخ: محمد بن نعمان، عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، عن أبيه
~~محمد.
# المفيد: أبو عبد الله محمد بن النعمان. PageV00P771
# مؤمن الطاق: أبو جعفر محمد بن النعمان الأحول.
# الوشاء: الحسن بن علي.
# المحذوف أسماء آبائهم:
# أبان: أبان بن عثمان.
# أحمد في ثواني ms493 أسانيد الكافي أو أوائلها: أحمد بن محمد.
# أحمد في أوايل أسانيد التهذيب: أحمد بن محمد.
# بنان: بنان بن محمد بن عيسى، وهو عبد الله أخو أحمد بن محمد بن عيسى.
# الحسين: الحسين بن سعيد الأهوازي.
# حسين: الحسين بن عثمان.
# حماد: حماد بن عثمان.
# حميد: عن ابن سماعة: حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد بن سماعة.
# درست: درست بن أبي منصور الواسطي.
# ذبيان: ذبيان بن حكيم الأودي.
# ذريح: ذريح بن محمد بن يزيد المحاربي.
# رفاعة: رفاعة بن موسى النحاس الأسدي.
# سعد: سعد بن عبد الله. سماعة: سماعة بن مهران الحضرمي.
# سهل في ثواني الأسانيد أو أوائلها: سهل بن زياد.
# صفوان: صفوان بن يحيى.
# عاصم عن محمد بقيس: عاصم بن حميد.
# عثمان: عثمان بن عيسى.
# العلاء: العلاء بن رزين.
# على في أوائل الأسانيد: علي بن إبراهيم بن هاشم.
# علي عن أبي بصير: علي بن أبي حمزة. PageV00P772
# علي الميثمي: علي بن إسماعيل.
# فضالة: فضالة بن أيوب.
# المحمدين في أواسط الأسانيد: محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضل.
# محمد في أواخر الأسانيد: محمد بن مسلم الثقفي.
# محمد في أوائل الأسانيد: محمد بن يحيى العطار.
# مسمع: أبو سيار مسمع بن عبد الملك الملقب بكردين.
# موسى في أوائل أسانيد التهذيب: موسى بن القاسم البجلي.
# النضر: النضر بن سويد.
# المنسوب إلى أجدادهم بحذف الأسماء:
# ابن أبان: الحسن بن الحسن بن أبان.
# ابن أبي حمزة: الحسن بن علي بن أبي حمزة.
# ابن أشيم: علي بن أحمد بن أشيم.
# ابن بزيع: محمد بن إسماعيل بن بزيع.
# ابن بندار: علي بن محمد بن بندار.
# ابن بقاح: الحسن بن علي بن يوسف بن بقاح.
# ابن رباط: علي بن الحسن بن رباط.
# ابن الزبير: علي بن محمد بن الزبير.
# ابن زرارة: محمد بن علي بن زرارة.
# ابن سماعة: الحسن بن محمد بن سماعة.
# ابن شمون: محمد بن الحسن بن شمون.
# ابن عقدة: أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة.
# ابن عيسى: أحمد بن محمد بن عيسى.
# ابن فضال: الحسن بن علي ms494 بن فضال.
# ابن قولويه: جعفر بن محمد بن قولويه. PageV00P773
# ابن محبوب: محمد بن علي بن محبوب.
# ابن هلال: محمد بن عبد الله بن هلال.
# ابن يقطين: الحسن بن علي بن يقطين.
# المنسوبون إلى آبائهم أو أحد أقربائهم بحذف الأسماء:
# ابن أبي يعفور: عبد الله بن أبي يعفور.
# ابن أسباط: على بن أسباط.
# ابن أسباط عن عمه: علي بن أسباط، عن يعقوب بن سالم الأحمر.
# ابن بكير: عبد الله بن بكير.
# ابن رئاب: علي بن رئاب.
# ابن عمار: معاوية بن عمار.
# ابن كلوب: غياث بن كلوب.
# ابن مرار إسماعيل بن مرار.
# ابن مسكان: عبد الله بن مسكان.
# ابن المغيرة: عبد الله بن المغيرة.
# ابن وهب: معاوية بن وهب.
# الحسن عن أخيه: الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين بن علي.
# الحسن عن أخيه عن أبيه: الحسن بن علي بن يقطين، عن أخيه الحسين، عن
~~أبيهما علي.
# علي عن عمه: علي بن حسان، عن عمه عبد الرحمن بن كثير الهاشمي.
# القاسم عن جده: القاسم بن يحيى، عن جده الحسن بن راشد. PageV00P774
# عائدة (75) في التمسك بالإجماع في مورد يعتقد مدعي الإجماع خروجه منه إذا
~~ادعى أحد الإجماع على أمر كلي، واختلف في كون بعض الأشياء من جزئياته،
~~ومدعي الإجماع يعتقد عدم كونه منها، فهل يحكم من يعتقد جزئيته و خطأ المدعي
~~في اعتقاد العدم بأنه داخل تحت المجمع عليه - أي الإجماع الادعائي - أولا؟
# كما إذا قال أحد: يجوز الدخول في صلاة الفريضة بالوضوء المندوب إجماعا،
~~واعتقد عدم استحباب الوضوء للتأهب أو لتلاوة القرآن، واعتقد آخر استحبابه
~~لهما.
# التحقيق: أنه إن علم أن مراده الإجماع على هذا العنوان، أي: عنوان الوضوء
~~المندوب، يدخل الوضوء المختلف فيه عند معتقد استحبابه في الإجماع المنقول.
# وإن علم أن مراده الأفراد دون العنوان لم يدخل.
# وإن لم يعلم الأمران يتوقف، والأصل عدم ورود نقل الإجماع عليه.
~~PageV00P775
# عائدة (76) في حمل المطلق على العموم البدلي أو الاستغراقي قال جماعة:
~~يشترط في حمل المطلق على العموم الاستغراقي أو البدلي أن ms495 تكون أفراد
~~الماهية متواطئة، فلا يكون بعضها أرجح بالشيوع والغلبة.
# ومرادهم ليس التواطؤ في نحو الأولوية والأقدمية، بل في الشيوع والغلبة،
~~بأن كان انصراف الإطلاق إليه 1.
# وشاع ذلك بين المتأخرين من أصحابنا.
# قيل: ولهذا يلزم حمل إطلاقات غسل الثوب والبدن على الغسل بالماء المطلق
~~2. وفي كون هذا الحمل لأجل ذلك نظر.
# وربما تظهر من السيد المرتضى - رحمه الله - المخالفة في ذلك وقال: لو كان
~~الأمر على ذلك لوجب أن لا يجوز غسل الثوب بماء الكبريت والنفط وغيرهما مما
~~لم تجر العادة بالغسل به 3. انتهى.
# ورد: بأن المراد الغلبة بحيث يتعارف عند أهل اللسان انصراف الإطلاق
# PageV00P777
# إليه 1، وهو لا يخلو عن شئ.
# أقول: الشيوع على قسمين: استعمالي، ووجودي.
# فإن كان الشيوع - استعماليا - كالدابة في ذوات الأربع - فلا شك في انصراف
~~المطلق إليه إن بلغ الشيوع حدا يوجب التبادر، لأنه موجب لحصول الوضع
~~التخصيصي، وأما إن لم يبلغ ذلك الحد ففيه نظر.
# وإن كان وجوديا - كالإنسان بالنسبة إلى ذي الرأسين - فينصرف المطلق إليه
~~فيما كان الشيوع قرينة صارفة عن الحقيقة، كما في: كان إنسان. وأما في غيره،
~~نحو: أكرم إنسانا، فلا 2.
# (والتحقيق: أنا إن قلنا بأن إفادة المطلق لأحد العمومين بواسطة دليل
~~الحكمة وانتفاء المرجع) 3 يمكن القول بالانصراف إلى الشائع الاستعمالي
~~والوجودي مطلقا.
# وإن قلنا: بأنها لأجل تعليق الحكم على الماهية، فلا ينصرف إلا في الصور
~~التي ذكرناها.
# وعلى ما ذكرنا لا فرق بين المطلق والعام الوضعي.
# وأما على ما قالوا فرقوا ما بينهما.
# قال: بعض مشايخنا المحققين - قدس سره -: العموم الوضعي متناول للأفراد
~~الشائعة والنادرة جميعا، بخلاف المطلق فإنه يختص بالأفراد الشائعة.
# إلى أن قال: فإن قيل: لا يخلو إما أن يكون تبادر البعض مقتضيا للحمل
~~عليه، باعتبار أن الخطابات الشرعية إنما يراد منها معانيها الظاهرة الشائعة
~~إلى الفهم، أو لا يكون كذلك، لأن المعتبر صدق اللفظ حقيقة، حصل التبادر أو
~~لم يحصل.
# فعلى الأول: يجب تخصيص العموم بالأفراد الشائعة كالإطلاق، وعلى
# PageV00P778
# الثاني: يعم المطلق كالعام، فلا وجه للفرق.
# قلنا: ms496 الوجه فيه ظاهر، لأن المطلق لم يوضع للعموم، وإنما يحمل عليه في
~~الخطابات الشرعية والمقامات الخطابية لتوقف الإفادة والاستفادة عليه في
~~الكلام المسوق للبيان دون الإبهام، والحمل على الأفراد الشائعة يكفي في
~~حصول هذا الغرض، ولا داعي له على الحمل على الاستغراق.
# وأما العموم الوضعي فمدلوله الاستغراق، فيجب الحمل عليه، والحمل على
~~الأفراد الشائعة تخصيص لا يرتكب إلا بدليل 1.
# انتهى.
# وما ذكره - قس سره - في وجه التفرقة صريح فيما ذكرنا، من أن بناء حملهم
~~على الشائع إنما هو باعتبار جعل دليل عموم المطلق الحكمة دون تعلق الحكم
~~بالطبيعة.
# ثم إن من القائلين بالفرق بين المطلق والعام من قال: بأن الأفراد النادرة
~~التي هي في غاية الندرة لا تنصرف إليها الألفاظ الموضوعة للعموم أيضا.
# ثم بما ذكرنا يظهر أن ما ليس دلالته على العموم بالوضع، بل بالقرينة
~~العقلية - نحو عموم ترك الاستفصال، وعموم المنزلة 2، وعموم التشبيه، لو
~~قلنا بعموم الأخيرين - ينصرف إلى الفرد الشائع البتة لو كان شيوعه موجبا
~~لظهور إرادته.
# ثم إن ما ذكروه من انصراف المطلق إلى الشائع، إنما هو إذا لم يقم قرينة
~~على إرادة العموم الشامل للفرد النادر منه، وأما معها فلا.
# ومن القرائن: استثناء بعض الأفراد النادرة، كقوله: أكرم الإنسان إلا ذا
~~أربعة أرجل، فإنه يشمل ذا الراسين أيضا. وقوله: الغسل مزيل للنجاسة إلا إذا
~~كان بماء الرمان.
# ومنها: الإتيان بقيد لإخراج بعض الأفراد النادرة، كقوله: الإنسان غير ذي
# PageV00P779
# أربعة أرجل واجب الإكرام.
# ومنها: الإتيان بحد المطلق - ولو بالخاصة - كأن يقول: الإنسان وهو
~~الحيوان الناطق واجب الإكرام، أو الغسل وهو إزالة العين بالمائع مطهر.
# ومنها: تعليق حكم المطلق على وصف يتحقق في النادر أيضا، كقولك:
# المؤمن يستحق الإحسان.
# وفي ذلك نظر، لأن التعليق لا يفيد أزيد من الإشعار الذي ليس بحجة.
~~PageV00P780
# عائدة (77) في اختلاف الإجماعات المنقولة إطلاقا وتقييدا قيل: إذا نقل
~~أحد الإجماع على وجوب شئ بقول مطلق - كما إذا قيل:
# يجب عتق الرقبة في كفارة الظهار إجماعا - وحكى آخر الإجماع على وجوب ذلك
~~مقيدا بقيد ms497 - كما إذا قيل: يجب عتق الرقبة المؤمنة في كفارة الظهار إجماعا
~~- لا يجب حمل المطلق على المقيد، إذ لا يصير كلام بعض قرينة لكلام بعض آخر،
~~نعم يجب العمل بالمقيد 1.
# أقول: حمل المطلق على المقيد في أخبار الأطهار أيضا ليس إلا كذلك، كما
~~حققنا في الأصول.
# PageV00P781
# عائدة (78) في ورود قيدين متضادين لمطلق قال الشهيد في قواعده على ما حكي
~~عنه: لو قيد المطلق بقيدين متضادين، نحو: أعتق في كفارة الظهار رقبة، وورد:
~~أعتق فيها رقبة مذكرة، وورد أيضا:
# أعتق فيها رقبة مؤنثة، وعلم عدم التعدد، تساقط القيدان وبقي المطلق على
~~إطلاقه، إلا أن يدل دليل على أحد المقيدين 1.
# أقول: الظاهر التخيير بين القيدين، لأنه الحكم عند تعارض الخبرين. و
~~مرجعه أيضا إلى ما يرجع إليه التساقط ولكن ليس تساقطا.
# ولكن ذلك إنما هو في الأحاديث أما في الأقارير والوصايا ونحوها، وإذا شهد
~~شاهدان بإطلاق، وآخران بالمقيد بقيد، وآخران بالمقيد بقيد مضاد للأول،
~~فالحكم التساقط، لعدم ثبوت حجية شهادة عدلين لها معارض مثلها.
# وهذا أيضا إذا ثبت أولا إطلاق.
# وأما لو لم يثبت، بأن يقول الشاهدان: قال بهذا المقيد، وآخران: إنه قال
~~بذلك، فليس من باب المطلق والمقيد، بل من باب تعارض الشهادتين، فإما
# PageV00P783
# يتساقطان ولا يثبت شئ، أو يقرع.
# وأما الأخذ بالقدر المشترك وهو المطلق، فلا دليل عليه. PageV00P784
# عائدة (79) في بيان معنى الركنية اعلم أن من الأحكام الوضعية الركنية ولم
~~يرد ذلك في الواجبات بالنسبة إلى جزء خاص في الروايات نعم ذكرها الفقهاء
~~ولكنهم اختلفوا في معناها وتفسيرها بعد اتفاقهم على أن الركن ما تبطل
~~الصلاة بتركه عمدا أو سهوا في أنه هل هو ذلك فقط أو ما تبطل به وبزيادته
~~كذلك فمن الأولين: العلامة في المنتهى، قال في كتاب الصلاة: ونعني بالركن
~~[هنا] ما لو أخل به المصلي عامدا أو ساهيا ثم ذكر بطلت صلاته (1).
# وفي الارشاد، قال في بحث تكبيرة الإحرام: وهي ركن تبطل بتركها عمدا أو
~~سهوا (2).
# والشهيد في الذكري، في البحث المذكورة: وهي ركن في الصلاة، ms498 بمعنى بطلان
~~الصلاة بتركها عمدا وسهوا، إجماعا، [وكذا] باقي أركان الصلاة (3).
# PageV00P785
# والفاضل المقداد في لتنقيح، قال: الجزء باصطلاح الفقهاء إما أن تبطل
~~الصلاة بتركه عمدا وسهوا، أولا، والأول يسمى عندهم ركنا، وما لا يكون كذلك
~~فسموه بالفعل (1).
# وصاحب المدارك، قال في بحث السجود: إنهما ركن في الصلاة، بمعنى أنها تبطل
~~بالإخلال بهما في كل ركعة عمدا وسهوا (2).
# وابن [أبي] جمهور اللحساوي (3)، قال في المسالك الجامعية: تكبيرة الإحرام
~~ركن في الصلاة، بمعنى بطلان الصلاة بتركها عمدا وسهوا، إجماعا، وكذا باقي
~~أركان الصلاة (4).
# وفي بعض شروح الجعفرية: وجزء الشئ مطلقا يسمى ركنا عند الأصوليين، وسهوا،
~~وهذا القسم عندهم يسمى ركنا، ومالا يكون كذلك سموه فعلا غير ركن (5).
# وقال بعض مشايخنا المعاصرين في شرحه على النافع: والمراد من الركن ما
~~تلتئم منه الماهية، مع بطلان الصلاة بتركه عمدا وسهوا، كالركوع، وربما قيد
~~بالأمور الوجودية المتلاحقة لتخرج التروك، كترك الحدث، فإنها لا تعد أركانا
~~عندهم، ويمكن أن يكون المراد بالركن ما تبطل الصلاة بتركه مطلقا، فيكون أعم
~~من الشرط. ولكنه بعيد، وخلاف المصطلح عليه بينهم 6.
# ومن الآخرين: الفاضل ابن فهد في المهذب البارع، قال: اعلم أن الفقهاء
# PageV00P786
# استقرؤوا أفعال الصلاة فوجدوا منها أفعالا تبطل الصلاة بتركها عمدا
~~وسهوا، و زيادتها كذلك، فسموها الركن. إلى أن قال: وما لا يكون كذلك سموه
~~بالفعل 1.
# والمحقق الشيخ علي في جامع المقاصد في شرح القواعد، قال: الركن في اللغة
~~هو الجزء الأقوى، وعند الفقهاء كذلك، إلا أن الركن في الصلاة عند أصحابنا
~~هو ما فتبطل بتركها عمدا وسهوا، وكذا بزيادتها 3. ولكنه في مقام آخر منه 4
~~قال نحو ما في الذكرى.
# والمقاصد العلية، وفيها: ركن الصلاة ما تبطل الصلاة بزيادته ونقصه إلا ما
~~استثني 5. وقال أيضا: بمنع الكلية القابلة بأن كل ركن تبطل الصلاة بزيادته
~~مطلقا 6.
# وفي شرح الألفية: الركن: ما تبطل الصلاة بزيادته ونقيصته عمدا وسهوا.
# ثم قال: وكما تبطل الصلاة بنقصان أحد الخمسة تبطل بزيادتها كما هي قاعدة
~~الركن، وقد استثني من هذه أمور عشرة 7.
# ويظهر ms499 من شرح الاثني عشرية لبعض الفضلاء، قال: اعلم أن بعض أصحابنا قسموا
~~أفعال الصلاة قسمين: منه ما تبطل الصلاة بتركه عمدا وسهوا و
# PageV00P787
# كذا بزيادته، ويسمى ذلك القسم ركنا 1.
# وفي شرح الاثني عشرية للنباطي: تكبيرة الافتتاح ركن، فتبطل الصلاة
~~بزيادتها عمدا وسهوا، كما هو شأن الركن 2.
# ويظهر ذلك أيضا من مقام آخر من الكتاب المذكور لابن [أبي] جمهور قال:
# إن القول بركنية القيام يستلزم بطلان الصلاة بتركه وبزيادته وإن كان
~~سهوا، لأن ذلك هو معنى الركن، مع إجماعهم على عدم ذلك، فكيف يتم القول
~~بركنيته.
# إلى أن قال: ولعل المراد بركنية عدم جواز إخلاء الصلاة منه بحيث لو صلى
~~المكلف غير قائم ناسيا، بطلت صلاته 3.
# وقال في آخر: لا خلاف في ركنية شئ منها إلا النية فإن بعضهم عدها شرطا،
~~إلا أنا عرفنا الركن بأنه ما تبطل الصلاة بتركه عمدا وسهوا 4. إلى غير ذلك
~~من كلمات الأصحاب.
# وقد ظهر مما ذكرنا أمور:
# الأول: أن تقسيم الأجزاء إلى الركن وغير الركن مخصوص بالصلاة، كما يستفاد
~~من كلام المنتهى، والتنقيح، وبعض شروح الجعفرية، وشرح النافع، والمهذب،
~~وجامع المقاصد، وشرح الألفية، وشرح الاثني عشرية.
# الثاني: أن ذلك التقسيم إنما هو مصطلح الفقهاء، وليس التسمية مستندة إلى
~~قول الشارع، كما يظهر من التنقيح، وشرح الجعفرية، والمذهب، وجامع المقاصد،
~~وشرح الاثني عشرية. ويظهر من الأخير أنه اصطلاح لبعض أصحابنا لا جميع
~~الفقهاء.
# PageV00P788
# الثالث: أن معنى الركن الاصطلاحي أيضا مختلف فيه عندهم، فمنهم من أخذ في
~~بيانه البطلان بالزيادة، ومنهم من لم يأخذه.
# الرابع: أنه على البناء على كون البطلان بالزيادة أيضا ليس ذلك كليا لا
~~يختلف، بل استثني فيه، كما صرح به في المقاصد العلية، وشرح الألفية.
# الخامس: أنه لم يتعلق بالركنية من الشارع حكم حتى يجب علينا تحقيق معناه
~~لأجل ذلك، ولا اهتمام بها معتد به، والمهتم به تعيين حكم كل فعل فعل
~~بخصوصه. PageV00P789
# عائدة (80) في بيان عدم اشتراط غير الواجب والحرام بالبلوغ لا خلاف بين
~~المسلمين في اشتراط التكليف بالواجب والحرام بالبلوغ، وأما ms500 بالمندوب
~~والمكروه فلم يظهر فيه إجماع، بل صرح جماعة بتكليف الطفل المميز بهما.
# قال صاحب المدارك بعد نقل استقراب تمرينية عبادة الصبي، وأن التكليف
~~مشروط بالبلوغ عن المختلف: ويمكن المناقشة في اعتبار هذا الشرط بإطلاقه،
~~فإن العقل لا يأبى توجه الخطاب إلى الصبي المميز، والشرع إنما [اقتضى] توقف
~~التكليف بالواجب والمحرم على البلوغ، لحديث رفع [القلم] ونحوه، وأما
~~التكليف بالمندوب وما في معناه، فلا مانع منه عقلا ولا شرعا.
# وبالجملة: فالخطاب بإطلاقه متناول له، والفهم الذي هو شرط التكليف حاصل،
~~كما هو المقدر، ومن ادعى اشتراط [ما زاد على] ذلك طولب بدليله.
# ويتفرع على ذلك وصف العبادة الصادرة [منه] بالصحة وعدمه، فإن قلنا: إنها
~~شرعية، جاز وصفها [بالصحة]، لأنها عبارة عن موافقة الأمر. PageV00P791
# وإن قلنا: إنها تمرينية، لم توصف بصحة ولا فساد 1. انتهى.
# قيل بعد نقل ذلك عنه: وهو جيد بحسب الأصل والقاعدة، ويعضده خبر طلحة بن
~~زيد عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: (إن أولاد المسلمين من موسومون 2
~~عند الله شافع ومشفع، فإذا بلغوا اثني عشرة كتبت لهم الحسنات، وإذا بلغوا
~~الحلم كتبت عليهم السيئات) 3 - 4.
# PageV00P792
# عائدة (81) في التسامح في أدلة السنن قد بينا في كتبنا الأصولية - كشرح
~~تجريد الأصول - والمناهج، وأساس الأحكام، ومفتاح الأحكام 1 - جواز التسامح
~~في أدلة السنن والمكروهات.
# ويتعلق به أمور نذكرها هنا:
# الأول: أنا ذكرنا في الكتب المذكورة أن التسامح مخصوص بما ذكر من
~~المستحبات والمكروهات، ولا يتعدى إلى غيرهما من القصص والوعظ والتعزية،
~~بمعنى الحكم بمدلول الأخبار الضعيفة فيها، كما يحكم بالمسائل الشرعية
~~المستحبة أو المكروهة.
# وصرح والدي العلامة 2 - قدس سره - بجواز التسامح التي في هذه الأمور أيضا
~~ما لم يعلم الكذب، وكذلك صاحب كتاب الرعاية على ما حكي عنه 3.
# وقد ذكرنا في موضعه: أن أدلة التسامح التي ذكروها من الأخبار لا تعم ذلك.
# PageV00P793
# وإن أريد مطلق حكاية الأخبار الضعيفة في هذه الأمور، فلا كلام فيه ما لم
~~يفهم الثبوت واقعا أو الإسناد إلى الشارع.
# وقد يستدل لجواز التسامح في ms501 هذه الأمور: بسيرة الأصحاب، وبعموم:
# (تعاونوا على البر والتقوى) 1، وعموم: (من أبكى وجبت له الجنة) 2 - 3.
# فإن أراد المستدل ما ذكرنا من رواية الأخبار الضعيفة، فيدل عليه ما ذكره،
~~مضافا إلى الأصل.
# وإن أراد بيان المدلول والحكم به والفتوى فيما كان فتوى، كأن يقول: من
~~يبكي يكون كفارة لذنب سنة مثلا، فلا يثبت مما ذكر، لمنع السيرة فيه، و حصول
~~التعاون والإبكاء بالرواية أيضا 4.
# الثاني: لا فرق في جواز التسامح بين العبادات، والمعاملات، والعقود،
~~والإيقاعات، والسياسات.
# ولا بين أن يكون مفاد الرواية الضعيفة عملا مستقلا، كصلاة، أو صوم، أو
~~دعاء، أو استحباب شئ في أثناء عبادة على وجه الجزئية أو الشرطية، أو على
~~وجه التقييد 5.
# نعم إذا احتمل منافاته للعبادة، لا يجوز التسامح حينئذ.
# قيل: الظاهر أنه لا خلاف في شئ مما ذكر بين القائلين بالتسامح 6.
# الثالث: هل يشترط في الرواية التي يتسامح بها أن تكون من طريقنا، أو تكون
~~مذكورة في كتاب من كتب أصحابنا، أولا، بل يجوز التسامح بكل رواية
# PageV00P794
# لا يعلم كذبها؟
# الظاهر: الثاني، لعمومات التسامح 1.
# ولا ينافيه الأخبار الناهية عن أخذ الأحكام من أخبار المخالفين 2. لأن
~~الظاهر منها النهي عن الاستناد إليها، وذلك ليس كذلك، بل استناد إلى روايات
~~أصحابنا.
# الرابع: هل يتوقف جواز التسامح للعامي على تقليد المجتهد أم لا، بل يجوز
~~ذلك له من غير تقليد؟
# حكي عن بعض مشايخنا المعاصرين: الأول 3. وهو كذلك، لأن التسامح في أدلة
~~السنن أيضا حكم شرعي مختلف فيه، فهو كسائر الأحكام الشرعية الفرعية، فإذا
~~قلد مجتهده في ذلك يتسامح تقليدا في الأعمال المستحبة.
# وليس تقليده أن يفتي له المجتهد في كل مسألة مسألة بما تسامح فيه
~~المجتهد، بل يجوز تقليده في أصل مسألة التسامح إذا أفتى بها مجتهده،
~~فيتسامح العامي أيضا ويفعل ما بلغ إليه ثوابه استحبابا.
# ثم لازم جواز بناء العامي على التسامح تقليدا في السنن والمكروهات، جواز
~~عمله فيها بما يراه في كتب الفقهاء الأموات، بل غير المجتهدين من العلماء،
~~على الكيفية التي ذكروها، وبما يسمعها ms502 من الواعظين، وبما يدل عليه خبر ضعيف
~~ولو لم يعلم حجيته ما لم يعلم أو يظن خلافه أو كذبه.
# وليس ذلك تقليدا له لمن ذكره كتقليد العامي للمجتهد الميت بتقليد الحي،
~~بل هو من قبيل اعتماده على أذان الثقة أو على قبول خبر العدل في الطهارة
~~والنجاسة ورؤية الهلال ونحوها.
# PageV00P795
# ثم المراد من التسامح الذي يقلد فيه: هو مجرد الإتيان بفعل ورد استحبابه
~~أو إعطاء ثواب عليه بمثل خبر غير معلوم الحجية، أو بوجوده في كتاب فقيه أو
~~عالم، أو سماع منه أو نحوها ما لم يعلم خلافه. وأما جواز تركه الذي هو أيضا
~~من أجزاء حقيقة المستحب، وهو مما لا يتسامح فيه ولا يجوز اتباع غير قول من
~~قوله حجة له فيه.
# فلو احتمل عند العامي وجود أمر وجد الثواب على فعله، أو استحبابه بدليل
~~يتسامح فيه، لم يجز له نفي الوجوب بذلك والدليل من جهة استحباب الفعل.
# وكذا لا يجوز له دفع حرمته المحتملة بالتسامح والدليل الذي يتسامح به 1.
# وعلى هذا فكل أمر يريد العامي أن يتسامح فيه، فإن لم يكن عنده محتملا
~~للوجوب أو الحرمة ولو لجهل ساذج فهو.
# وإلا فإن كان بناؤه بفتوى مجتهده على إجراء المقلد أصالة عدم الوجوب
~~والحرمة قبل الفحص عن المظان التي يكون شأن المقلد التفحص فيها، فيبني
~~فيهما على الأصل أولا ثم يتسامح لاستحبابه.
# وإلا فيتفحص فيه أولا عمن قوله له حجة شرعية عما يحتمله من الوجوب أو
~~الحرمة، ثم يعمل بالتسامح بعد انتفاء الوجوب أو الحرمة.
# وإن أفتى بأحدهما يبني الأمر عليه، لأن التسامح لا يثبت إلا إعطاء الثواب
~~على الفعل، وهو لا ينافي العقاب على الترك إذا أفتى مفتيه بالوجوب، ولأن
~~التسامح إنما يعمل به إذا لم يكن دليل على عدم جواز الفعل، وقول مفتيه دليل
~~لازم الاتباع له على الحرمة إذا أفتى بها.
# وإذا أفتى بعض المجتهدين الأحياء بأحد الأمرين دون البعض، فله الخيار في
~~تقليد أي الفريقين شاء في حكم الوجوب أو الحرمة أو عدمه، ثم بعد ms503 التقليد في
# PageV00P796
# نفي الوجوب أو الحرمة يعمل بالتسامح.
# وفي حكم الحرمة الكراهة، لأن قول مجتهده بالكراهة يعارض الدليل الذي
~~يتسامح به، والتسامح فرع عدم المعارض المقبول.
# وأما الإباحة بمعنى تساوي الطرفين، فهي أيضا نافية للثواب عن الفعل.
# فإن كان فتوى مجتهده عليها لدليل دال على التساوي فهو أيضا يعارض الدليل
~~الذي يتسامح به ويقدم عليه. وإن كان للأصل فلا يعارضه.
# وعلى هذا فعلى مجتهده بيان ذلك أيضا إذا سأله عن أمر يريد التسامح فيه.
# وهذا بعينه حكم أجزاء فعل أو كيفية، بمعنى أنه لو لم يحتمل في جزء من
~~أجزاء ما يريد أن يتسامح فيه أو كيفية مخالفة فيه، فيعمل بالتسامح. وإن
~~احتمله بأن يجوز حرمة جزء أو كيفية، أو كراهته أو إباحته، فالحكم فيه
~~كالحكم في أصل ذلك الأمر كما مر.
# وقد ظهر مما ذكر: أن جواز تسامح المقلد في كل أمر بالتقليد يتوقف على
~~انتفاء احتمال نفي استحبابه عند من قوله حجة له وعليه، احتمالا راجحا أو
~~مساويا، إما لعدم التفاته إلى ذلك، أو لعلمه بعدم المخالفة، أو ظنه به
~~بالفحص عنه.
# وأما مع الاحتمال الراجح أو المساوي بالمخالفة، فلا يتسامح إلا بعد الفحص
~~بالقدر اللازم في أداء تكليفه، وهو القدر المحصل للظن بعدم المخالفة.
# الخامس: هل الثابت من التسامح هو مجرد إعطاء الثواب فقط، أو يترتب عليه
~~ما يترتب على سائر المستحبات، الثابت استحبابها بالدليل المعتبر شرعا؟.
# ظاهر عبارة الذخيرة الأول، حيث قال: إن هذا الوجه إنما يفيد مجرد ترتب
~~الثواب على ذلك، لا أنه يرد شرعا عليه الأحكام الوضعية المترتبة على
~~المستحبات الواقعية 1. انتهى.
# PageV00P797
# فلو نذر فعل مستحب، أو أوصى أحد بصرف ماله في مستحب، لا يكفي ذلك.
# وفيه: أن المستحب الواقعي إن كان ما يترتب على فعله الثواب، فيصدق على
~~ذلك أيضا، وإن كان هو ما يرجح فعله شرعا أو طلب فعله من غير منع عن النقيض،
~~فذلك كذلك أيضا، إذ وعدة الثواب على الفعل من الشارع مرجح شرعي، ويدل على
~~الطلب التزاما، فالمعتمد هو ms504 الثاني.
# السادس: هل جواز التسامح مخصوص بالروايات الضعيفة، أو يلحق بها سائر
~~الظنون أيضا، كالإجماع المنقول، والشهرة، وفتوى الفقيه، والظن الحاصل من
~~القياس، ومن إلحاق الشئ بالأعم الأغلب؟
# ظاهرا المعالم الأول 1، وظاهر بعضهم الثاني 2، والحق التفصيل، فيجوز فيما
~~يصدق عليه بلوغ الثواب، كالثلاثة الأول، دون غيره، كالأخيرين ونحوهما.
# PageV00P798
# عائدة (82) في أنه هل الأصل القسيمية أو المعرفية إذا اعتبر الشارع أمرا
~~في تحقق حكم شرعي أو وضعي، وشرطه فيه وعلق الحكم عليه، ثم حكم بتحقق ذلك
~~الحكم أيضا في بعض الحالات التي لم يعلم فيه تحقق المعلق عليه، فهل الأصل
~~فيه كونه قسيما للأمر الأول في علية الحكم، يعني أن الحكم مترتب عليه أيضا
~~كما يترتب على الأمر الأول، أو المعرفية والكاشفية الشرعيتين عند الأمر
~~الأول؟
# وذلك كحلية الذبيحة، فإنها معلقة مشروطة بالتذكية، وثبت أيضا تحقق الحلية
~~إذا اخذ اللحم أو الجلد من يد المسلم أو سوق المسلمين، فهل الأخذ من المسلم
~~قسيم التذكية وليست التذكية شرطا على الإطلاق، أو معرف شرعي لحصول التذكية؟
~~كما أن الاستصحاب معرف لتحقق المستصحب، لا أن الوجود السابق يدل على الوجود
~~الحالي.
# وكقبول الشهادة، فإنها مشروطة بعدالة الشاهد، ويكتفى عند جماعة بظاهر
~~الإسلام، فهل ظاهر الإسلام قسم للعدالة وليست العدالة شرطا على الإطلاق، أو
~~معرف شرعي لها وكاشف عنها؟
# وكطهارة الثوب المشترطة في الصلاة، والنجاسة المانعة عنها، فإنه ثبت
~~PageV00P799
# كفاية الطهارة المعلومة سابقا، والنجاسة كذلك، فهل الطهارة والنجاسة
~~السابقتان قسمان لهما حال الصلاة، أو معرفتان شرعيتان لهما في الحال؟
# وكالملكية المعتبرة في جواز البيع والوقف والإجارة والإعارة، ويثبت كفاية
~~اليد في جواز هذه الأمور، فهل الأصل قسمية اليد للملكية، أو معرفيتها شرعا
~~لها؟ إلى غير ذلك.
# لا شك أن الأصل هو القسمية ما لم تكن قرينة على المعرفية، إذ المفروض أنه
~~لا ملازمة عقلية ولا عادية ولا شرعية بين ذلك الأمر والأمر الأول، فلو كان
~~معرفا له لكان بحسب الشرع، والمفروض عدم دليل على المعرفية، فتنتفي بالأصل.
# وأيضا ثبت بالدليل الشرعي كفاية الأمر الثاني أيضا ms505 في ثبوت الحكم، و كونه
~~لأجل كشفه عن الأول أمر زائد يحتاج الحكم به إلى الدليل.
# والحاصل: أن المعرفية الواقعية منتفية، والشرعية موقوفة على توقيف الشارع
~~والأصل عدمه.
# وعلى هذا فلا يحكم بالمعرفية إلا بدليل شرعي من نص - كأن يقول: المأخوذ
~~من يد المسلم مذكى أو محكوم عليه بالتذكية - أو إجماع أو قرينة.
# ومن القرائن المثبتة للمعرفية: اشتراط عدم العلم بانتفاء الأمر الأول في
~~ترتب الحكم على الأمر الثاني، فإن المتفاهم عرفا حينئذ كون الثاني معرفا
~~شرعيا للأول وأنه قسم وبدل على العلم بالأمر الأول.
# ولذا لم يقل أحد بعدم اشتراط التذكية، ولا الطهارة، ولا الملكية، ولا
~~العدالة، وكفاية سوق المسلم، والطهارة السابقة، واليد، وظاهر الإسلام في
~~الحلية، والطهارة الحالية، وجواز البيع، وقبول الشهادة.
# بل قالوا: بأن ما في السوق مذكى شرعا، والطاهر الاستصحابي طاهر شرعا، وما
~~في يد فلان ملكه شرعا، وظاهر الإسلام مقتض للعدالة.
# ولذا لو نذر أحد أن يأكل اللحم المذكى شرعا، وأن يجتنب عن غير المذكى
~~PageV00P800
# شرعا، يكفي أكل لحم سوق المسلمين ولا يجب عليه الاجتناب عن لحم السوق.
~~وكذا سائر الأمثلة.
# ومن القرائن: أن يضم الشارع مع الحكم بكفاية الأمر الثاني نحو قوله:
# أخذا بظاهر الحال، فإنه لو أراد أن ظاهر حال الأمر الثاني يقتضي تحقق
~~الأمر الأول، لم يكن لذلك القيد فائدة أصلا. ثم إنه تظهر الفائدة في نحو
~~الأقارير، والوصايا، والنذور، والأحكام الشرعية والوضعية المعلقة على الأمر
~~الأول. نحو: بعتك منا من اللحم المذكى شرعا، أو: أجرتك كل دار ملكتها، أو:
~~وقفت كذلك، فيحكم بوقفية ما كان في يده.
# وتظهر الفائدة أيضا في الإجماع، فإنه على المعرفية لا يكون القول بكفاية
~~الأمر الثاني في تحقق الحكم منافيا للإجماع على اشتراط الأول مطلقا، وعلى
~~القسيمية المحضة يكون منافيا له.
# وفي تعارض الأدلة، فإنه على المعرفية لا يعارض ما دل على ترتب الحكم على
~~الأمر الثاني ما دل على ترتبه على الأول، وعلى القسمية يحصل التعارض، فتأمل
~~جدا. PageV00P801
# عائدة (83) في أن الأصل في الوجوب هل ms506 هو العينية أو التخييرية قالوا:
~~الأصل في الوجوب هو المعين، والتخيير خلاف الأصل 1.
# وقد يقال: إن الأصل في الوجوب المستفاد من الأمر وغيره من الألفاظ التي
~~تدل عليه، المعين، وأما فيما يثبت بالإجماع واختلف في كونه معينا أو مخيرا،
~~فنسبة الأصل إليهما على السواء.
# وهذا الذي اخترته في كتاب منهج الأحكام 2.
# والدليل على أصالة المعين في الأول: أصالة عدم بدلية الغير، وعدم براءة
~~الذمة بالغير، وعدم تعلق الوجوب به، وعدم ملاحظته، إلى غير ذلك.
# وأقول: لا يخفى أنه يمكن أن يقال: إن فيما يثبت بالإجماع أيضا الأصل كونه
~~معينا، لا لأجل احتياج الشغل اليقيني إلى البراءة اليقينية، لأن القدر
~~المسلم الشغل بأحد الأمرين دون واحد معين.
# ولا لأصالة عدم تعلق الوجوب بالآخر، لأن الأصل عدم تعلق الوجوب
# PageV00P803
# التعيني بالمعين.
# بل لأن الإجماع هو الاتفاق الكاشف عن قول الإمام، فينكشف بالإجماع أنه
~~قال بوجوب شئ، ويعلم قطعا حكمه بوجوب الواحد المجمع على وجوبه، و إنما يشك
~~في قوله بوجوب الآخر أيضا، والأصل عدمه.
# والحاصل: أنه انكشف بالإجماع قوله بالوجوب، وبتعلقه بالواحد المجمع عليه،
~~والتشكيك إنما هو في الزائد.
# بل التحقيق في المقام أن يقال: قولهم (الأصل في الوجوب المعين أو المخير)
~~إن أريد منه أن الأصل في نفس الوجوب أو فيما يدل على الوجوب من حيث إنه يدل
~~على الوجوب ما هو؟
# فجوابه: أنه لا أصل فيه، ونسبة الأصل إلى المعين والمخير سواء سواء كان
~~ذلك باللفظ أو الإجماع.
# وإن أريد أن الأصل في وجوب شئ هل هو وجوبه معينا، أو يحتمل التخيير؟
~~فالأصل فيه التعيين، سواء كان ذلك باللفظ أو الإجماع، والوجه ظاهر.
# ثم إن هاهنا خلافا آخر: وهو أنه بعد ثبوت أن الأصل في الوجوب المعين، فهل
~~هو بالدلالة اللفظية، يعني أن معناه الحقيقي ذلك، وحقيقة الوجوب، العيني،
~~أو الدال على الوجوب يدل عليه في الجملة من غير دلالة على خصوصية المعين أو
~~المخير، وإنما يحكم بالمعين لنفي التخيير بالأصل، كما يحكم بنفي وجوب
~~الإكرام عن غير زيد إذا ms507 قال: أكرم زيدا، بالأصل لا بالمفهوم؟
# حكي عن جماعة من المتأخرين 1 الأول، لكون الوجوب حقيقة في العيني،
# PageV00P804
# فيكون مجازا في التخييري، وهو مصادرة.
# ولتبادر العيني، وفيه المنع.
# ولاقتضاء الأمر الإتيان بالمأمور به. وفيه: أن المأمور به في المخير أيضا
~~أحد الأمرين، ويجب الإتيان به أيضا.
# ولمنافاة قولك: أنت مخير بين ضرب زيد وعمرو، مع قوله أولا: اضرب زيدا.
~~وفيه: أن ذلك مستفاد من وحدة المفعول.
# ولعدم صحة سلب تعيين قتل زيد عن قوله: اقتل زيدا.
# وفيه ما مر في سابقه.
# ولأنه لو كان للأعم لما جاز حمل المطلق على المقيد، بل يحكم بالتخيير،
~~لأن الأول خلاف الأصل، ولا يكون الثاني على هذا كذلك.
# وفيه: أنه لا يجوز في حمل المطلق على المقيد أيضا على التحقيق.
# وحكي عن جماعة منهم العلامة في المختلف، والمحقق الثاني في شرح القواعد،
~~والشهيد الثاني في روض الجنان: الثاني، لئلا يلزم استعمال أمر (فاسعوا إلى
~~ذكر الله) 1 في الحقيقة والمجاز، للعينية على الحاضرين والتخييرية للغائبين
~~2.
# وفيه: أن خطاب المشافهة مخصوص بالحاضر.
# ولأنه لو كان للمعين، لدار الأمر في (اضرب زيدا وعمرا) بين التخيير
~~والتجوز في لفظة أو في معنى الحقيقة، ولا ترجيح، مع أنه ليس كذلك.
# وفيه: أن التجوز في الأمر أرجح، للتبادر مع القرينة.
# PageV00P805
# ولأنه لو قال: اضرب زيدا أو عمرا، لا يصح أن يقال: ما أوجب شيئا.
# وفيه: أنه لوجوب أحد الأمرين.
# والتحقيق أن يقال: إنه إن كان الكلام في نفس لفظ الوجوب ونفس ما يدل عليه
~~من غير ملاحظة الأمور الخارجية، فالحق هو الثاني. وإن كان النزاع في مجموع
~~الصيغة والمفعول، فالحق هو الأول، فإن المعنى التركيبي غير المعنى
~~الإفرادي، كما أن مدلول القائم حقيقة نسبة القيام إلى فاعل، ومدلول زيد
~~قائم نسبته حقيقة إلى خصوص زيد. PageV00P806
# عائدة (84) في بيان معنى قول (هو مولى) في الرجال كثيرا ما يذكر في كتب
~~الرجال: إن فلانا مولى فلان، أو: مولى على سبيل الإطلاق. وهو يطلق
~~باصطلاحهم على معان:
# الأول: المعتق بالكسر، فمن أعتق ms508 رجلا صار مولاه، ويقال لذلك: إنه المولى
~~من أعلى.
# والثاني: المعتق بالفتح، فإذا أعتقه رجل يصير مولى له، ويقال له: المولى
~~من أسفل، ويقال لهذين القسمين: المولى من الرق.
# والثالث: الحليف، ويقال له: المولى بالحلف بالكسر، وأصله المعاقدة
~~والمعاهدة على التعاضد والتساعد والإنفاق 1.
# ومنه الحديث: (حالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين
~~والأنصار مرتين) 2 أي:
# آخا بينهم، فإذا حالف أحد آخر صار كل منهما مولى الآخر بالحلف.
# والرابع: الملازم للشخص، فإنه يقال لمن يلازم غيره: إنه مولاه بالملازمة.
# PageV00P807
# كما قيل في مقسم مولى ابن عباس، للزومه إياه 1.
# والخامس: غير العربي الخالص، يقال: فلان مولى، وفلان عربي صريح.
# والسادس: المولى بالإسلام، فمن أسلم على يد آخر كان مولاه بالإسلام.
# ذكر هذه المعاني الثلاثة شيخنا الشهيد الثاني في شرح الدراية، وقال فيه:
~~والغالب مولى العتاقة. وقال أيضا: إن المولى بمعنى غير العربي الخالص أيضا
~~كثير 2.
# ونقل بعض مشايخ والدي - قدس سره - في تعليقته على منهج المقال أنه قال:
~~والأكثر في هذا الباب إرادة معنى الغير العربي الخالص 3.
# وهاهنا معنى سابع أيضا - ذكره في التعليقة أيضا 4 - قد يراد منه، وهو
~~النزيل، فيقال: مولى آل فلان، أي نزيلهم.
# PageV00P808
# عائدة (85) في بيان معنى قولهم (أسند عنه) (ولا بأس به) في الرجال كثيرا
~~ما يقول أرباب الرجال في حق شخص: أنه أسند عنه، ويقولون أيضا: لا بأس به،
~~وفي معناهما خفاء.
# أما الأول، فقيل: إن معناه: أنه سمع منه الحديث.
# وقيل: لعل المراد: سمع منه على سبيل الاستناد والاعتماد، وإلا فكثير ممن
~~سمع منه الحديث ليس ممن أسند عنه، أي لا يقولون ذلك في حقه.
# وحكي عن الفاضل المولى محمد تقي المجلسي: أن المراد أنه روى عنه الشيوخ
~~واعتمدوا عليه، قال: وهو كالتوثيق 1.
# أقول: ويمكن أن يكون المراد: أنه روي عنه الحديث مسندا إلى الغير، واسند
~~الحديث عنه وبواسطته إلى الغير، فكأنهم اعتمدوا على إسناده، فأسندوا إلى من
~~أسند هو عنه، ونسبت الرواية إليه.
# وأما الثاني، فقيل: معناه: أنه لا بأس ms509 بمذهبه.
# وقيل: إنه لا بأس برواياته.
# PageV00P809
# قيل: الأول أظهر إن ذكر مطلقا، والأظهر منه: أنه لا بأس به بوجه من
~~الوجوه 1.
# وكيف كان، فلا شك في إفادتها مدحا، كما هو المشهور على ما قيل 2.
# ويظهر من العلامة أنه يفيد مدحا معتدا به 3.
# وقيل: بإفادته التوثيق، واستقربه صاحب منهج المقال في رجاله الوسيط 4 على
~~ما حكي عنه.
# وربما قيل بعدم إفادته المدح أيضا 5، وهو ليس بجيد.
# PageV00P810
# عائدة (86) في أصالة حجية شهادة العدلين هل الأصل في شهادة العدلين وجوب
~~القبول والعمل بمقتضاها إلا ما أخرجه الدليل، أو عدمه؟
# ظاهر أكثر أصحابنا بل صريحهم - سيما المتأخرين منهم - الأول 1.
# بل ربما يظهر من بعضهم الإجماع عليه، وكون اعتبار قولهما ثابتا من
~~شريعتنا 2.
# والمحكي عن القاضي عبد العزيز ابن البراج الثاني 3. واختاره بعض
~~المتأخرين 4. وهو الظاهر من غير واحد من مشايخنا المعاصرين، حيث قالوا:
# بعدم ثبوت النجاسة بقول العدلين، لعدم دليل على اعتباره عموما 5.
# بل هو ظاهر السيد في الذريعة، والمحقق الأول في المعارج، والثاني في
# PageV00P811
# الجعفرية، وصاحب الواقية 1، حيث حكموا بعدم ثبوت الاجتهاد بشهادتهما،
~~لعدم دليل على اعتبارها.
# وكنت على ذلك منذ أعوام كثيرة، وعليه بنيت عدم قبول شهادتهما على تنجس
~~الطاهر وتطهير المتنجس في كتاب مستند الشيعة 2، وعدم قبولها على ثبوت
~~اجتهاد المجتهد في مناهج الأحكام 3.
# والحق هو الأول، لا لما ذكروه من ظاهر الإجماع، أو لحمل أقوال المسلمين
~~على الصدق، أو لقبولهما في كل مورد مع تعلق النزاع والمخاصمة فيه - كما إذا
~~نوزع في نجاسة الماء المبيع أو تطهيره 4، أو في نفوذ حكم مجتهد على شخص بعد
~~حكمه عليه، ونحو ذلك - والتعدي إلى سائر الموارد بعدم الفصل، لمنع الإجماع،
~~وعدم ثبوت قاعدة الحمل كما ذكرنا في ذلك الكتاب، ومنع ثبوت الإجماع المركب.
# بل كل من يمنع اعتبار شهادة العدلين في مورد يقبلها عند التنازع والترافع
~~فيه.
# بل لحسنة حريز، بإبراهيم بن هاشم، التي هي صحيحة على الأقوى، المذكورة في
~~الكافي، ونقلها في الوافي في باب من أدان ماله بغير بينة من ms510 كتاب المعايش
~~والمكاسب، وفيها بعد ما عاب أبو عبد الله عليه السلام ابنه إسماعيل في دفعه
~~دنانير له إلى رجل بلغه أنه شارب الخمر، فأتلفها، أنه: لم فعلت ذلك، ولا
~~أجر لك؟ فقال إسماعيل: يا أبت إني لم أره أنه يشرب الخمر، إنما سمعت الناس
~~يقولون، فقال:
# (يا بني إن الله عز وجل يقول في كتابه: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) 5
~~يقول:
# PageV00P812
# يصدق الله عز وجل ويصدق المؤمنين، فإذا شهد عندك المؤمنون فصدقهم) 1
~~الحديث.
# أمر عليه السلام بتصديق المؤمنين إذا شهدوا عنده، و (المؤمنون) وإن كان
~~جمعا معرفا ولكن عموم الجمع المعرف واستغراقه أفرادي لا جمعي، كما ثبت في
~~محله، فالمعنى: كل مؤمن شهد عندك فصدقه، خرج المؤمن الواحد بالدليل، كما
~~يأتي، فيبقى الباقي.
# مع أن إرادة العموم الجمعي هنا منتفية قطعا، لعدم إمكان شهادة جميع
~~المؤمنين عنده من بدو الإيمان إلى يوم القيامة، بل ولا جميع مؤمني عصر، بل
~~ولا نصفهم ولا ثلثهم، بل ولا عشرهم ولا واحد من ألف منهم.
# فالمراد: إما الاستغراق الأفرادي بالمعنى الذي ذكرناه، أو مطلق الجمع
~~الشامل للثلاثة فما فوقها، أو جميع أفراد الجموع الشاملة للثلاثة، المتعدي
~~حكمه إلى الاثنين أيضا بالإجماع المركب القطعي.
# وأيضا الحكم مفرع على قوله سبحانه: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين)، وتصديق
~~النبي لله عز وجل وللمؤمنين، وهو وارد في تصديق النبي صلى الله عليه وآله
~~وسلم لعبد الله بن نفيل، وهو كان واحدا.
# وأيضا ظاهر أن من أخبر إسماعيل بشرب الخمر ليس إلا اثنين أو ثلاثة.
# ويدل على المطلوب أيضا: الأخبار الغير المحصورة، المصرحة بجواز شهادة
~~المملوك ونفوذها قبل العتق وبعده، والمكاتب، والصبي بعد الكبر، واليهودي
~~والنصراني بعد الإسلام، والخصي، والأعمى، والأصم، والولد، والوالد، والوصي،
~~والشريك، والأجير، والصديق، والضيف، والمحدود إذا تاب، والعدل، والمولود
~~على الفطرة، وغير ذلك. وهي مما لا تحصى كثيرة، مدونة في أبواب متكثرة.
# PageV00P813
# وجه الدلالة: أنها تدل بإطلاقها بل عمومها - لمكان المفرد المضاف والمعرف
~~- على قبول كل شهادة كل من هؤلاء المذكورين، سواء كان في ms511 مقام الترافع
~~والتنازع أولا، وسواء كان كل منهم منفردا أو متعددا، اثنين أو أكثر، خرج
~~المنفرد بما يأتي، فبقي الاثنان فما زاد.
# ثم قبول شهادة شخص ونفوذها وإن كان أعم من أن يجعل علة تامة للحكم
~~بمقتضاها، أو علة ناقصة وجزء علة، إلا أنه ليس المراد كونها جزءا لما يفيد
~~العلم قطعا، إذ لا فرق في جزء ما يفيد العلم بين هؤلاء المذكورين وغيرهم.
# ولا معنى للتقييد بما قيد به أكثر هذه الموارد من معرفة الصلاح، أو
~~الخيرية، أو العدالة، أو العتق، أو الإسلام، أو البلوغ، أو انضمام الغير،
~~أو كونه مرضيا، أو تائبا، أو نحو ذلك.
# فيكون المراد: إما قبوله من حيث التمامية، أو الجزئية لغير العلم.
# وكل من يقول بصلاحيته لجزئية العلة الغير العلمية، لا يقول باشتراط
~~الأزيد من الاثنين في غير الزنا، فيحصل المطلوب بالإجماع المركب القطعي.
# فإن قيل: السائل والمسؤول عنه في جميع تلك الأخبار إنما هو في مقام بيان
~~حكم آخر دون إطلاق الحكم أو عمومه، فلا يفيد إلا قبول شهادة هؤلاء في
~~الجملة، ولا كلام فيه.
# قلنا: قد مر في بعض العوائد المتقدمة قريبا أن ذلك لا يضر في إطلاق اللفظ
~~المطلق أو العام على سبيل الإطلاق، وإنما هو في بعض الموارد الذي ليس هذا
~~منه.
# ويؤكد المطلوب أيضا: الأخبار المتكثرة الواردة في موارد مختلفة، ظاهرة
~~فيما لا تنازع فيه، أو مطلقة بالنسبة إليه وإلى غيره.
# كموثقة مسعدة: (كل شئ لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه من قبل نفسك،
~~وذلك مثل ثوب يكون عليك قد اشتريته وهو سرقة، أو المملوك عندك ولعله حر قد
~~باع نفسه، أو خدع فبيع أو قهر، أو امرأة تحتك وهي أختك أو PageV00P814
# رضيعتك، والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به
~~البينة) 1.
# والبينة وإن كانت حقيقة فيما يظهر ويعلم منه الشئ إلا أن المستعمل في
~~الأخبار إنما هو في الشاهد.
# والمروي في الكافي والتهذيب عن الصادق عليه السلام: كل شئ لك حلال حتى
~~يجيئك ms512 شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة) 2.
# وصحيحة الحلبي، وفيها: الخفاف عندنا في السوق نشتريها، فما ترى في الصلاة
~~فيها؟ قال: (صل فيها حتى يقال لك: إنها ميتة بعينها) 3.
# ومرسلة يونس عمن رواها، قال: (استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين
~~عدلين) 4 الحديث.
# والمروي في كتاب عرض المجالس للصدوق عن الصادق عليه السلام، وفيه: (فمن
~~لم تره بعينك يرتكب ذنبا، أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة
~~والستر) 5 الحديث.
# ومرسلة الفقيه، قال الصادق عليه السلام: (إذا شهد رجل على شهادة رجل فإن
~~شهادته تقبل، وهي نصف شهادة، وإن شهد رجلان عدلان على شهادة رجل فقد ثبت
~~شهادة رجل واحد) 6.
# والأخبار الواردة في الوصية، والنكاح، والطلاق، والحدود، والهلال،
~~وغيرها.
# والتأييد بهذه الأخبار: تارة بكل واحد منها منفردا، وجعله مؤيدا حينئذ
~~PageV00P815
# باعتبار احتمال اختصاصها بمواردها.
# وأخرى باحتمالها الموجب للاستغراء 1 الظني لا أقل منه، مع أنه يثبت من
~~هذه الأخبار حجيتها في معظم الموارد، كبواعث الحرمة كلها كما في الموثقة،
~~والحقوق برمتها كما في المرسلة، والذنوب بأجمعها كما في رواية المجالس،
~~وغير ذلك.
# ويمكن جعلها دليلا تاما أيضا بضميمة عدم الفصل في بعض مواردها.
# فوائد خمس:
# الأولى: الشهادة مأخوذة من شهد، وهي تارة بمعنى حضر، كما فسره به في
~~المحيط، والنهاية الأثيرية، والصحاح، والقاموس، ومجمع البحرين 2.
# ومنه: الشاهد يرى ما لا يراه الغائب 3، وقوله سبحانه: (وليشهد عذابهما
~~طائفة من المؤمنين) 4، وقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) 5.
# وعلم، ذكره في القاموس أيضا في تفسير: (أشهد أن لا إله إلا الله) وفي
~~تفسير: (شهد الله) 6.
# ومنه قوله سبحانه: (نشهد أنك لرسول الله) 7.
# وعاين، ذكره أيضا في القاموس، والمجمع، وقالوا: المشاهدة المعاينة 8.
# وأخرى بمعنى أخبر، ذكره في المجمع 9. ومنه قوله تعالى: (وما شهدنا إلا
~~بما
# PageV00P816
# علمنا) 1 أو أخبر عن يقين وعلم، نقله في المسالك 2.
# أو بمعنى أخبر عن يقين حاصل بالمشاهدة والمعاينة، قاله في النهاية
~~الأثيرية، وقال: الشهادة في الأصل: الإخبار عما شاهده وعاينه 3. انتهى.
# ولا يخفى أنه ليس المراد منها ms513 في هذه الأخبار أحد المعاني الثلاثة الأول،
~~وهو ظاهر، فهي تكون إما بمعنى أخبر، أو أخبر عن علم، أو أخبر عن مشاهدة
~~وحضور. والأخير قطعي، لدخوله في الأولين أيضا.
# فتدل تلك الأخبار على حجية ما أخبره العدلان عن مشاهدة وعيان.
# أما تخصيصه بالإخبار الجازم 4 عن لحق اللازم للغير - كما فسره به في
~~المسالك - شرعا، فلا دليل عليه أصلا، ولا يوافقه كثير من موارد الاستعمال
~~في كلمات الفقهاء وأخبار الآل، كما في الشهادة على الحرمة، والميتة،
~~والهلال، والذنوب، ولعل نظره في المراد من الشهادة في مقام الترافع
~~والتنازع.
# وكذا لا يشترط في صدق الشهادة على الخبر المذكور مقارنته، لما مر من عدم
~~دليل عليه، وعدم مساعدته لكثير من موارد الاستعمال.
# فالثابت من الأخبار: هو حجية إخبار العدلين عن مشاهدة وعيان، أي الشهادة
~~المستندة إلى إحدى الحواس الظاهرة، المعبر عنها بالشهادة الحسية.
# وأما مطلق إخبارهما ولو علميا، فلا دليل على حجيته ووجوب قبوله.
# الثانية: قد ظهر مما ذكر في الفائدة الأولى من معنى الشهادة: أن شهادة
~~العدلين الثابتة أصالة اعتبارها وحجيتها، غير مخصوصة بما كان إخبارا عن حق
~~لازم للغير، ولا بما كان عند الحاكم في محل الترافع والتنازع لإثبات حق أو
~~نفيه مطابقة أو التزاما.
# PageV00P817
# بل يعم كل خبر مستند إلى الحس والعيان من الروايات والإخبار عن الوقائع،
~~والصنائع، والقيم، والأحوال، والطهارات، والنجاسات، والمعاملات، والشهادات
~~في استخراج الحقوق، وطي الدعاوي، وغيرها، فيكون الكل مقبولا إلا ما أخرجه
~~الدليل.
# ثم المراد بالاستناد إلى الحس والإخبار عن الحس: هو ما كان كذلك عرفا،
~~سواء كان نفس المخبر عنه محسوسا، كقوله: رأيت أنه وضع النار على يد فلان
~~فأحرقه، أو: وضع السكين على حلقومه فقطعه، أو لازما لمحسوس بحيث يدل على
~~المحسوس بدلالة الالتزام، كقوله: رأيته أنه أحرق يد زيد بالنار، أو: رأيت
~~أنه قتله، فإن الإحراق والقتل وإن لم يكونا محسوسين، لكنهما يدلان التزاما
~~على إحساس أسبابهما الموجبة لهما.
# واحتمال الاشتباه في السببية بعد عدالة الشاهد غير مضر، كما لا يضر
~~احتمال ms514 الاشتباه في الوضع على الحلقوم، إلا إذا كان الخبر ممن يحتمل في حقه
~~الاشتباه في الأسباب، فتنتفي الدلالة الالتزامية، فيستفسر حينئذ عما رآه من
~~سبب القتل.
# وبالجملة: المعتبر إما الإخبار عن المحسوس، أو عما يدل عليه دلالة
~~التزامية.
# ولا يلزم في صدق الإخبار عن المحسوس، أو عما يدل عليه دلالة التزامية.
# ولا يلزم في صدق الإخبار عن الحس كون المخبر عنه بتمام أجزائه محسوسا، بل
~~هو غير ممكن غالبا أو دائما، فإن الإخبار عن رؤية زيد لا يخلو عن غير محسوس
~~أيضا، وهو درك أنه زيد، بل اللازم كونه محسوسا صرفا إن أمكن، أو متضمنا لما
~~يترتب وجدانه على المحسوس من غير احتمال اشتباه وخطأ فيه عادة، إما مطلقا
~~أو في حق ذلك المخبر بخصوصه، فإن الخبر حينئذ يستند إلى الحس عرفا.
# ويقال عرفا: إنه إخبار عن مشاهدة وحس فلو قال الشاعر الماهر: رأيت شعر
~~زيد موزونا، يقال عرفا: إنه إخبار عن المحسوس، وإن لم تكن الموزونية محسوسة
~~حقيقة بل هي أمر وجداني.
# ومثله ما إذا قال العربي العالم بالفارسي: سمعت إقرار زيد العجمي باشتغال
~~PageV00P818
# ذمته لعمرو، يقبل منه، مع أن المخبر عنه عربي والمسموع فارسي وفهم
~~المطابقة وجداني.
# ومن هذا القبيل: إخبار أهل الخبرة عن قيمة الأجناس إذا أخبر بالمحسوس،
~~فيقول: سمعت الناس أو رأيتهم يشترون هذا الجنس بهذه القيمة أو يرغبون في
~~شرائها، فإن المحسوس ليس إلا ما سمعه من الناس أو رأى من شراء مثل ذلك
~~الجنس. وأما قيمة ذلك الجنس بخصوصه فتعلم بالمقايسة التي هي ليست أمرا
~~محسوسا.
# ومنه أيضا: إخبار أرباب الصنائع عن الملكات، فيخبرون عن كون زيد خياطا أو
~~خطاطا أو نقاشا برؤيتهم أفعالهم مكررا.
# وإخبار المجتهد عن اجتهاد شخص آخر بمشاهدة ترجيحاته المتكررة الموافقة
~~للقواعد.
# وكل ذلك يعد في العرف والعادة إخبارا عن المحسوس بعد انضمامه إلى الخبر
~~عن مشاهدة الآثار.
# ومنه: إخبار الطبيب عن حذاقة غيره.
# ولا يقبل شئ من أمثال ذلك من غير أهل الصناعة، لإمكان الخطأ فيما يتعلق
~~بالوجدان.
# ومنه ms515 أيضا: شهادة الشاهد بأن الملك الفلاني كان في يد زيد وكان يتصرف فيه
~~التصرفات الملكية، فإن كون التصرفات ملكية أمر غير محسوس، ولكن يعد ذلك
~~وأمثاله إخبارا عن المحسوس عرفا.
# الثالثة: مقتضى عموم حسنة حريز، وإطلاق أكثر الأخبار الغير المحصورة
~~المشار إليها بعدها 1، وغير ذلك، شمول الحكم المذكور - أي أصالة وجوب
~~القبول والحجية - لشهادة الرجل الواحد أيضا، إلا أن الظاهر أنه مما لم يقل
~~به أحد إن
# PageV00P819
# جعلت الشهادة مغايرة للخبر، إما لتخصيص متعلقها بالمعين، أو لتخصيصها
~~باستخراج الحقوق مطلقا، أو في مقام التنازع والترافع.
# وإن جعلت هي أيضا من الأخبار، فربما يقال: بأصالة حجية إخبار الرجل
~~الواحد العدل ولو في غير أخبار الأحكام، وحينئذ فيستثنى منها الشهادة
~~مطلقا، أو بأحد المعاني المذكورة، إما لأجل العموم والإطلاق المذكورين،
~~بناءا على كون الشهادة مطلق الإخبار، أو الإخبار الجازم، أو الإخبار عن
~~الحس، ويخرج عنها ما خرج بالدليل، أو لأجل إطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة 1،
~~أو لأجل آية النبأ 2، أو بعض الأخبار، كقولهم عليهم السلام: (المؤمن وحده
~~حجة) 3.
# وكصحيحة هشام، وفيها (والوكالة ثابتة حتى يبلغه العزل عن الوكالة بثقة
~~يبلغه، أو يشافه العزل عن الوكالة) 4.
# وموثقة سماعة، قال: سألته عن رجل تزوج امرأة أو تمتع بها، فحدثه ثقة أو
~~غير ثقة، فقال: إن هذه امرأتي وليس لي بينة، قال: (إن كان ثقة فلا يقربها،
~~وإن كان غير ثقة يقبل منه) 5. وغير ذلك.
# أقول: أما عموم حسنة حريز، فلا شك أنه مخصوص بغير ما أخرجه الدليل، مثل
~~الشهادة في مقام المنازعات والمرافعات المشترط فيها التعدد بالإجماع
~~والنصوص.
# ومثل الشهادة على الذنوب، المخرجة برواية عرض المجالس المتقدمة 6،
~~والشهادة على الميتة، المخرجة بالمروية في الكافي والتهذيب المتقدمة 7.
# PageV00P820
# ومثل الشهادة على مطلق أسباب التحريم، الخارجة بموثقة مسعدة السابقة 1.
# حيث إن البينة إما معناها اللغوي، وهو ما ينكشف به الشئ ويبين، ولا شك
~~أنه لا يحصل بالشاهد الواحد، أو معناها المصطلح في الأخبار وهو الشاهد
~~المتعدد، كما يدل عليه توصيفها في رواية منصور عن الصادق عليه السلام
~~بالجمع، ms516 حيث قال: (وأقام البينة العدول) 2.
# وقيل جميع الحقوق، الخارجة بمرسلة يونس المذكورة 3.
# ومثل رؤية الهلال، الخارجة بالإجماع والأخبار.
# ومثل الشهادة على الشهادة، الخارجة بمرسلة ألفية المتقدمة 4، وبروايتي
~~غياث بن إبراهيم 5 وطلحة بن زيد 6: إن عليا عليه السلام كان لا يجيز شهادة
~~رجل على رجل، إلا شهادة رجلين على رجل.
# ومثل الطلاق المشترط فيه العدلان، بالإجماع والكتاب والسنة.
# ومثل الوصية التي هي أيضا كذلك.
# وعلى هذا فلابد من تخصيص عموم الحسنة، وهو يمكن أن يكون بارتكاب التخصيص
~~في إطلاق الشهادة وتخصيصها بغير ما ذكر وما لم يذكر من المستثنيات، وإبقاء
~~المؤمنين على العموم، أو يكون بارتكاب التخصيص في المؤمنين بإخراج المؤمن
~~الواحد منهم.
# ولو اغمض النظر عن أولوية الثاني بل تعينه - باعتبار لزوم الأول لإخراج
~~أكثر
# PageV00P821
# الافراد قطعا، إذ لا يبقى بعد إخراج المخرجات المذكورة ما يجب فيه تصديق
~~الشاهد إلا أقل - يكون الأول مساويا له، ولا يكون لأحدهما ترجيح، فلا يعلم
~~شمول العموم للشاهد الواحد.
# ولا يلزم مثل ذلك في الشاهدين، إذ لو قلنا بالتخصيص الأول يشمل الباقي
~~للشاهدين أيضا، ويثبت الحكم لهما في مواضع التخصيص بثبوت الحكم فيها
~~للشاهدين، بالإجماع والأخبار المتقدمة.
# ومما ذكرنا يظهر ما في إطلاق الأخبار المشار إليها بعد الحسنة.
# مضافا إلى أنها لا تدل إلا على كون شهادة الواحد جائزة، أو ممضاة، أو
~~مقبولة، وهي أعم من كونها جزء سبب الحكم أو تمامه، ولذا قال في مرسلة
~~الفقيه المتقدمة: (إن شهادة رجل على شهادة رجل مقبولة، وهي نصف شهادة) 1.
# وإلى معارضتها بأخبار أخر، كرواية السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهما
~~السلام: (إن شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيا ومعه شاهد آخر) 2،
~~وغيرها.
# وأما إطلاق صحيحة الحلبي 3، فهو مقيد بالمروي في الكافي وتذهيب 4 السابق
~~عليها قطعا، مع أنها مخصوصة بالميتة، فلا يثبت بها الأصل.
# وأما آية النبأ، فضعف دلالتها على حجية الخبر الواحد في مواضعه مبين.
# وأما (المؤمن وحده حجة)، فالرواية غير معلومة الاعتبار، وأيضا معنى
~~(المؤمن وحده): أي الغير المنضم مع غير ms517 المؤمن لا المؤمن الواحد، فلو دلت
~~لكانت بالإطلاق أو العموم المعلوم حالهما مما ذكر، وأيضا المراد من الحجية
~~غير معلوم، وإرادة حجية قوله أو خبره (ممنوعة) 5.
# PageV00P822
# وأما صحيحة هشام الواردة في عزل الوكيل 1، فهي مخصوصة بمورد خاص، إن
~~علمنا 2 بها تكون مخصوصة به، فلا تفيد للأصل أصلا.
# وأما موثقة سماعة، فغير صريحة في النهي عن قربها لمكان الجملة الخبرية،
~~فتكون للكراهة، احتياطا في أمر الفروج، مع أنها معارضة بموثقة مسعدة
~~الصريحة في أنه لا يقبل بدون البينة.
# وبالجملة: لم أعثر على دليل تام على حجية إخبار العادل الواحد على سبيل
~~الإطلاق ليكون أصلا مرجعا في الموارد الجزئية.
# الرابعة: ما ذكر كان حكم الرجل.
# وأما المرأة، فالأصل في الأربع منهن الحجية إلا ما أخرجه الدليل. وأما ما
~~دون الأربع، فالأصل عدم الحجية إلا في مواضع خاصة.
# أما الثاني، فللأصل وعدم الدليل.
# وأما الأول، فلرواية عبد الكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر عليه السلام،
~~قال: (تقبل شهادة المرأة والنسوة إذا كن مستورات، من أهل البيوتات، معروفات
~~بالستر والعفاف، مطيعات للأزواج، تاركات للبذاء والتبرج إلى الرجال في
~~أنديتهم) 3.
# وجه الاستدلال: أنها تدل على قبول مطلق 4 شهادة المرأة، ولكن القبول -
~~على ما عرفت - أعم من جعلها تمام السبب أو جزءه، ولكن السببية في الجملة
~~معلومة، وإذا انضم معها الإجماع المركب يتم المطلوب، لأن كل من يقول بحجية
~~خبر المرأة في موضع لا يقول باشتراط الزيادة عن الأربع.
# الخامسة: إذ قد ثبتت أصالة وجوب قبول شهادة العدلين، فاعلم: أن ذلك
# PageV00P823
# إنما يكون فيما يترتب عليها أثر، ويتبعها حكم لمن يشهدان عنده، أو لغيره،
~~وأما ما ليس كذلك فلا معنى لقبوله وحجيته.
# فلو شهد عدلان: بأنا أكلنا البارحة خبزا، أو رأينا ذئبا، أو كان الهواء
~~في القرية الفلانية باردا، أو خربت دار زيد، من غير أن يترتب على هذه
~~الأخبار أثر، لم يكن واجب القبول، ولا حجة، ولا معتبرا، إذ ليست تلك
~~الأخبار موارد لهذه الأوصاف، وإنما هي عارضة لما يترتب عليه أثر. ms518
# ثم ذلك الأثر المترتب على شهادتهما، إما أثر مخصوص بمن شهدا عنده وأثر في
~~حقه خاصة، أو مخصوص بغيره وأثر في حق الغير كذلك، أو أثر يعود إليه وإلى
~~غيره.
# فالأول: كأن يشهد عدلان عند أحد: أنك نذرت في العام الماضي أن تصوم شهرا
~~مثلا، ولم يكن المشهود عنده متذكرا له، أو يشهد طبيبان عدلان عنده: أن
~~علاجك منحصر في الخمر مثلا، أو أن الصوم يضرك.
# والثاني: كأن يشهدا عنده: بأن زيدا اعترف باشتغال ذمته لعمرو بالمبلغ
~~الفلاني، أو مات مورث فلان، أو علاج فلان منحصر بالخمر، أو يضره الصوم، أو
~~نذر أن يصوم، أو أن يعطي دينارا لزيد.
# والثالث: كأن يشهدا عنده برؤية الهلال، أو موت زوج المرأة الفلانية، فإن
~~أثره في حق المشهود له جواز تزويجه المرأة، وفي حق المرأة كونها مختارة
~~لنفسها، وفي حق ساير الرجال جواز تزويجهم إياها. أو أن ما في يد زيد مال
~~عمرو، وأثره في حق زيد وعمرو ظاهر، وفي حقه حرمة ابتياعه من زيد، إلى غير
~~ذلك.
# فما كان من الأول يترتب عليه تمام أثره، ويجب على المشهود له العمل بما
~~شهدا عنده إن كان مقتضاه واجبا، ويستحب إن كان مستحبا، وهكذا.
# وما كان من الثاني لا يترتب عليه إلا ثبوت المشهود به عند المشهود عنده
~~وصيرورته كمعلومه. وأما أثره المترتب عليه في حق الغير، فلا يترتب عليه
~~أصلا إلا إذا كان المشهود عنده ممن يكون الثبوت عنده ومعلومه حجة على
~~الغير، ويلزم PageV00P824
# على الغير اتباعه ومتابعة معلومه، إما مطلقا، أو في مورد خاص أو حالة
~~مخصوصة، فيترتب حينئذ عليه الأثر في حق الغير أيضا، لأن الأصل عدم حجية علم
~~أحد على غيره، فكيف بالثابت عنده بما لا يفيد غير الظن غالبا.
# وما كان من الثالث يترتب عليه أثره في حق المشهود عنده مطلقا، دون أثره
~~المترتب عليه في حق الغير، إلا مع ما ذكر من كون المشهود عنده واجب الاتباع
~~للغير، وكان حكمه نافذا عليه ملزما له، للأصل المذكور.
# فإن قيل: ms519 إذا كان الأثر المترتب في حق الغير معروفا له، أو منكرا، فيجب
~~على المشهود عنده حمل الغير على ذلك وإلزامه عليه من باب الأمر بالمعروف
~~والنهي عن المنكر، لأدلتهما.
# قلنا: بمجرد علم أحد بشئ أو ثبوته عنده لا يصير ذلك الشئ معروفا ولا
~~منكرا على الغير الذي لم يثبت ذلك عنده، فلا وجوب على العالم، ولا على
~~الغير شئ من ذلك الباب.
# فلو رأى أحد هلال شهر رمضان يجب عليه الصوم، ولا يجب على من لم يره حتى
~~يأمره الرائي بالصيام من باب الأمر بالمعروف ولو كان الرائي مجتهدا، إلا
~~إذا ثبت وجوب قبول حكم المجتهد في الرؤية أيضا.
# ثم إنه خرج من تحت الأصل المذكور الثبوت عند المجتهد في الحقوق المتعلقة
~~بالغير - ضررا ونفعا - في الدعاوي والخصومات والمنازعات عند ترافعهما إليه،
~~بالإجماع والكتاب والسنة، وكذا في الحدود والعقوبات، فيجب اتباع حكمه فيها
~~على كل أحد يقضى له أو عليه.
# وكذا في أحكام الله سبحانه، المستخرجة من أدلتها الشرعية، بالإجماع
~~والنصوص أيضا، فيجب اتباع فتواه على كل من يقلده، ويجب على المجتهد الفتوى
~~له من باب الإرشاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك في الخلافيات
~~والوفاقيات النظرية.
# وأما الإجماعيات الضرورية، فلا يختص وجوب إرشاده وأمره ونهيه PageV00P825
# بمقلديه، بل يجب عليه بالنسبة إلى كل مكلف بها.
# وأما غير هذه الأمور، فلم يدل دليل على وجوب اتباع المجتهد وثبوت ما يثبت
~~عنده على الغير أيضا وله، فلا يترتب أثر الأمر الثابت عنده في حق الغير،
~~سواء كان مخصوصا بذلك الغير، أو شاملا له ولمن 1 يثبت عنده.
# وعلى هذا، فلو شهد عدلان عند مجتهد بأن زيدا نذر صوم الغد وهو ناس له، لا
~~يجب على زيد صومه ما لم يشهدا عنده.
# ولا على المجتهد إلزامه بالصوم، بل لا يجوز له الإلزام.
# ولو شهدا بأنه نذر أن يعطي مائة دينار للفقراء أو لزيد، أقر باشتغال
~~الذمة لهم أو له بذلك، لا يجب عليه إلزامه، ولا يجب على المشهود عليه العمل
~~بقوله ما لم ms520 يكن نزاع ولو حسبيا.
# ولو شهدا عنده بانحصار علاج فلان من مرضه بالخمر، لا يجوز له أمره ولا
~~تجويزه له شربه، بل تشترط شهادتهما عند المريض.
# ولو شهدا عنده برؤية الهلال، يجب على نفسه الصيام أو الإفطار، ولا يجب
~~على غيره ممن لم يسمع شهادتهما، أو لم تثبت شهادتهما عنده باستفاضة أو
~~شهادة عدلين أو خبر محفوف بالقرائن، بل لا يجوز له الإفطار أو الصيام، ولا
~~يجب إلزام المجتهد غيره على أحدهما بل لا يجوز، بل لا يجوز تجويز أحدهما
~~له.
# ولو شهدا عنده بموت زيد، لم يجز له الحكم بجواز تزويج زوجته أو تقسيم
~~أمواله ما لم يشهدا عند الزوجة أو الوارث.
# وهل يجوز له تزويج زوجته لنفسه، أو اشتراء شئ من ماله من وارثه؟
# الظاهر: لا، لكونه إعانة على الإثم، حيث إنه غير جائز للزوجة والوارث.
# وكذا لو شهدا عنده ببلوغ الغائب المفقود خبره عمره الطبيعي.
# نعم لو شهدا عنده بشئ مما ذكر في مقام التنازع والترافع إليه فيما كانت
# PageV00P826
# الدعوى مسموعة، يجب اتباعه في هذه الواقعة بخصوصها، ويلزم حكمه على
~~المترافعين.
# فلو طلب أحد حقا له على غيره مؤجلا بأول رمضان، وادعى الطالب الحلول علما
~~أو ظنا أو احتمالا - بناءا على سماع الدعوى الظنية أو الاحتمالية، كما هو
~~الأظهر عندي - وشهد عدلان بالرؤية، يحكم على المديون بأداء المال، ويجب
~~عليه اتباعه، ولكن لا يجب عليه صيام ذلك اليوم، ولا على غير ذلك الشخص من
~~المديونين المؤجلين بهذا الأجل أداء ديونهم.
# ولو أراد أحد الورثة أخذ مال مورثه الذي عند غيره، وادعى علما أو ظنا أو
~~احتمالا موت مورثه وأثبته عند المجتهد بشاهدين، يجب على الغير أداء المال
~~بعد حكمه، ولكن لا يجوز لزوجته التزويج ما لم يثبت عندها الموت، وهكذا في
~~جميع الموارد.
# ومن لا يسمع الدعوى الظنية والاحتمالية لا يجوز له الحكم، ما لم تدع
~~الزوجة أو الوارث علما.
# وعلى ما ذكر، فلو جاءت امرأة عند مجتهد وقالت: أريد إثبات موت زوجي
~~بشهادة عدلين عندك لتحكم ms521 لي بجواز التزويج لم، لم يجز له الحكم بشهادتهما،
~~بل الوظيفة حينئذ أن يأمر الشاهدين بشهادتهما عند الزوجة، أو يرشد الزوجة
~~لاستماع شهادتهما ليحل لها التزويج، أو يأمرهما بالشهادة عند من يريد
~~تزويجها، أو عند عدلين آخرين ليبلغا شهادتهما لكل أحد أراد، أو يرشد بجعل
~~شهادتهما شائعة أو محفوفة بالقرائن ليعمل بها كل من يريد، وهكذا في غيرهما
~~من الأمثلة.
# ولو كانت الزوجة مدعية للعلم، وأرادت التزويج وإثبات الموت للغير، فكذلك
~~أيضا، إذ مجرد ادعائها من غير نزاع ومنازع لا يوجب نفوذ حكمه ووجوب اتباعه.
# فإن قيل: يمكن إثبات وجوب متابعة المجتهد وقبول قوله في أمثال ذلك بما دل
~~PageV00P827
# على وجوب تقليده.
# قلنا: العمدة في وجوب تقليده الإجماع والضرورة، والخلاف في أمثال ذلك بين
~~العلماء معروف.
# ثم النصوص، كمقبولة ابن حنظلة 1، والتوقيع الرفيع 2، ورواية مصباح
~~الشريعة 3، وأمثالها 4.
# والأولى متضمنة لوجوب متابعته في أحكام المعصومين، وكيف صار (زيد مات، أو
~~الهلال في الليلة الفلانية موجودة) من أحكامهم.
# والثانية أمرة بالرجوع إلى رواة الأحاديث، أي من حيث إنهم رواتهم،
~~وانتفاء الحيثية فيما نحن فيه ظاهر.
# والثالثة قائلة بأن للعوام أن يقلدوه، ولم يبين أن لهم تقليده في أي شئ
~~فيها، ولا عموم فيها ولا الاطلاق.
# فإن قيل: ثبت جواز حكم المجتهد في أمثال ذلك بمثل قولهم في الأحاديث
~~المستفيضة المذكورة في باب القضاء، المتضمنة لقولهم عليهم السلام: (اقض
~~بينهم بالبينات) 5، أو قولهم: (استخراج الحقوق بأربعة) 6 وعد منها شهادة
~~العدلين، ولا شك أن جواز ازدواج المرأة - مثلا - حق لها.
# قلنا: الأول متعقب لقوله عليه السلام: (وأضفهم إلى اسمي يحلفون به)
~~فيخصصها بالمنازعات، إذ هي التي فيها الحلف. والثاني لا يدل إلا على أنه
~~يستخرج الحق بالعدلين وهو مسلم، فإن الزوجة
# PageV00P828
# تستخرج حقها بشهادة العدلين، ولم يدل على عموم المستخرج.
# فإن قيل: سيرة الناس جارية على قبول حكم المجتهدين في أمثال هذه الأمور،
~~فإنا نرى العوام والنسوان في بيوتهم يصومون ويفطرون بمجرد حكم المجتهدين
~~بالرؤية مثلا.
# قلنا: ذلك توهم فاسد جدا، فإن السيرة ms522 أي حجية فيها ما لم تكشف عن قول
~~المعصوم؟ وكيف تكشف السيرة مع عدم العلم بحال أهل الصدر الأول في ذلك وما
~~يقربه، بل أهل أكثر الأعصار السالفة؟ فلعل بناء أهل عصر عليه لفتوى مجتهدهم
~~بذلك، وجريان طريقة العوام عليه بعدهم.
# مع أنه إن أريد سيرة الناس في عصر جميعا من العوام والخواص، فممنوعة.
# وإن أريد سيرة العوام، فبعد عدم العلم بحال الخواص أو العلم بمخالفتهم،
~~فأي حجية فيه؟
# مضافا إلى أن السيرة المدعاة هنا لا تختص بقبول قول المجتهد، بل لا يلتفت
~~العوام إلى جهة الاجتهاد، بل يصومون ويفطرون بحكم أئمة الجماعات، بل
~~المتصدين تغلب المنصب المرافعات. وفساده معلوم قطعا.
# فإن قيل: كيف يجب على العامي الشاك بين الثلاث والأربع في الركعات قبول
~~قول المجتهد: ابن علي الأربع، ولا يجب قبول قوله: اليوم أول الشهر، أو فلان
~~مات، وأي فرق بينهما؟
# قلنا: الفرق ظاهر، فإن المجتهد إذا رأى قول الإمام: (من شك بين الثلاث
~~والأربع فليبن على الأكثر) يعلم أنه حكم الإمام فيحكم به في جزئياته، ومنها
~~هذا السائل الشاك، لأنه فرد من أفراد من شك ومطابق له.
# ولم يقل الإمام: إن كل يوم شهد العدلان فيه بالرؤية هو يوم الصوم أو
~~الفطر لكل أحد، وكل شخص شهدا بموته فهو ميت، حتى يجري المجتهد الحكم في
~~جزئياته.
# بل قال: من شهد عنده العدلان فليفطر أو فليصدقه، ومن جزئياته المشهود
~~PageV00P829
# عنده لا غيره.
# وليس زيد مات، أو الهلال في هذه الليلة مرئي، من جزئيات حكم الإمام عليه
~~السلام، ولم يحكم بعام يكون ذلك من أفراده وينطبق عليه.
# بقي ها هنا شئ ينبغي التنبيه عليه، وهو: أنه قد مر ترتب أثر شهادة
~~العدلين المتعلق بحق الغير في المنازعات والدعاوي إذا كان المشهود عنده
~~مجتهدا، فهل ذلك مخصوص بصورة وقوع النزاع والتخاصم، والدعوى من المدعي
~~والجحود من المدعى عليه، أو لا؟ بل يجوز له الحكم بالبينة بمجرد ادعاء
~~المدعي وإقامته البينة - ولو لم يكن نزاع - لرفع نزاع فرضي، كما لو لباع
~~زيد ms523 داره لعمرو، وأقر به عند جمع ولم يكن منكرا، فأقام المشتري البينة عند
~~الحاكم ليثبت ذلك عنده، وأراد أن يحكم به احتياطا لوقوع النزاع، أو تسجيلا
~~المطلوب.
# ولو كان لزيد دين على عمرو، وهو في بلد آخر، فأراد زيد إقامة البينة
~~لذلك، ويثبته عند الحاكم ليصدر منه الحكم، حتى يجريه على عمرو لو فرض
~~جحوده، بل قد يتكلم في جواز إقامة البينة قبل التنازع.
# قال العلامة في القواعد، في البحث الرابع من المقصد الثامن في بقايا
~~مباحث الدعاوي: ولو أراد إقامة البينة قبل ادعاء من ينازعه للتسجيل،
~~فالأقرب الجواز 1.
# وقال ولده فخر المحققين: وجه القرب: أنه غرض مقصود، لأنه حافظا للحق على
~~تقدير موت الشهود، وهذا التقدير ممكن في كل وقت، فاقتضت الحكمة الإلهية جعل
~~طريق إلى إثبات الحق، ويحتمل العدم، لأنه ليس بغريم حقيقة، ولا تداع حقيقي
~~بينهما 2.
# وقال في الدروس: الأقرب سماع بينة الداخل للتسجيل وإن لم يكن خصم 3.
# وقال في التحرير: فإن قلنا بتقديم بينة ذي اليد - يعني في صورة التعارض -
# PageV00P830
# فهل تسمع دعواه وبينته للتسجيل قبل ادعاء الخصم؟ لا أعرف لأصحابنا نصا في
~~ذلك، ومنع أكثر الجمهور منه، إذ لا بينة إلا على الخصم، فطريقة أن ينصب
~~لنفسه خصما، والأقرب عندي سماع بينته لفائدة التسجيل 1. وقال في بحث القضاء
~~على الغائب منه: ولابد أن يكون معه - أي مع المدعي على الغائب - بينة،
~~ويدعي جحود الغائب، فلو أقر أنه معترف، لم تسمع بينته إلا لأخذ المال، ولو
~~لم يتعرض لجحوده احتمل السماع وعدمه، ولو اشترى شيئا فخرج مستحقا والبائع
~~غائب، سمعت بينته وإن لم يدع الجحود 2. انتهى.
# أقول: مرادهم من السماع الذي اختلفوا فيه ليس مجرد الإصغاء إلى إخبار
~~البينة، لأنه جائز البتة في كل حال للأصل.
# بل المراد: إما إجابة مريد إقامتها لترتب الأثر أو أصل ترتب الأثر، أي
~~ثبوت المشهود به، أو تعلق الأثر بالمشهود عليه، أي جواز الحكم بمقتضى
~~شهادتهم عليه ونفوذ الحكم عليه.
# فإن كان مرادهم ترتب الأثر وثبوت المشهود به، فيمكن أن ms524 يكون الاختلاف في
~~السماع وعدمه باعتبار الاختلاف في أصالة اعتبار شهادة العدلين وعدمها، فمن
~~يقول بالسماع فبناؤه على الأصالة، فيثبت المشهود به، وإن توقف الحكم
~~بمقتضاها ونفوذه على النزاع. ومن يقول بعدمه فبناؤه على أصالة عدم
~~الاعتبار، فلا تسمع إلا فيما ثبت اعتبارها فيه. ولم يثبت في بينة الداخل
~~ولا بينة من يعترف من عنده الحق له.
# ويمكن أن يكون بناء الكل على أصالة الاعتبار، ولكن من يقول بعدم السماع،
~~فلأجل خروج بينة الداخل ومن لا يجحد خصمه بالدليل. ومن يقول بالسماع، فيقول
~~بأن أدلة عدم سماع بينة الداخل وغير الجاحد خصمه لا تفيد أزيد من عدم جواز
~~الحكم بهذا الثبوت لعدم التوقيف.
# PageV00P831
# وإن كان مرادهم جواز الحكم وعدمه، فلعل مراد من يقول بالسماع: جواز الحكم
~~بهذه الشهادة بعد تحقق المخاصمة والجحود لا بالفعل، ومراد من يقول بالعدم:
~~يريد العدم فعلا، فيعود النزاع لفظيا.
# أو يكون نظر الثاني إلى عدم أصالة اعتبار قول العدلين، أو إلى خروج بينة
~~الداخل أو غير الجاحد خصمه بالدليل، فلا يجوز الحكم بينهما مطلقا، فيكون
~~النزاع معنويا.
# ثم أقول: إذ قد أثبتنا أصالة قبول شهادة العدلين، بمعنى وجوب قبولها على
~~المشهود عنده ولزوم تصديقه إياها، فيترتب عليه ذلك الأثر مطلقا ما لم يكن
~~لها معارض.
# وأما الأثر المتعلق بالغير - أي ترتب نفوذ الحكم على الغير وله عليها -
~~فقد عرفت ثبوته في المتنازعين المترافعين إلى المشهود عنده مع كونه أهلا
~~للحكم، ولكنه يختص بغير بينة الداخل عند الأكثر لاختصاص الإجماع بغير بينته
~~وخصوص النص الدال على ذلك.
# وكذا يختص بصورة كون الغير أحد المتنازعين، لعدم دليل على جواز الالتزام
~~1 والحكم بدون التنازع 2، بل هو المتبادر من القضاء على شخص وإلزامه والحكم
~~عليه.
# وكذا هو المتبادر من مثل قولهم: (اقض بينهم)، لأن الظاهر من القضاء بين
~~الشخصين وقوع التنازع بينهم، سيما مع تعقيبه بمثل: (وأضفهم إلى اسمي يحلفون
~~به).
# وكذا هو المتبادر من قولهم: (البينة على المدعي واليمين على من أنكر، أو
~~على المدعى عليه) 3 ms525 مع أن القضاء بالبينة أو كون البينة وظيفة المدعي لا
~~يدل إلا
# PageV00P832
# على القضاء بها في الجملة، فيمكن أن يكون بعد التنازع.
# وأما ما دل على قبول شهادة العدلين، فلا يفيد أزيد من تصديقهما أو لزوم
~~الحكم بهما فيما يثبت فيه لزوم الحكم.
# ولا يتوهم: أن قوله عليه السلام في صحيحة سليمان بن خالد: (احكم بينهم
~~بكتابي وأضفهم إلى اسمي يحلفون به) ثم قال: (هذا لمن لم تقم له بينة) 1 أنه
~~يدل بالمفهوم على أن من قامت له بينة يحكم له مطلقا.
# لأن المفهوم: أن من قامت له البينة لا حلف عليه، وأما أنه هل يحكم له
~~مطلقا أو بعد وقوع النزاع، فلا دلالة له.
# ويؤيد ذلك ما ذكروه: من عدم جواز القضاء على الحاضر الذي لم يسمع الدعوى
~~- لصمم أو اختلاف لغة أو نحوهما - ما لم يسأل عنه 2.
# وما ذكروه: من إلزام المدعى عليه الساكت على الجواب وعقوبته على ذلك من
~~غير تعرض للحكم عليه بالبينة إذا كانت 3.
# هذا مضافا إلى أن عدم النزاع: إما لعدم المنازع - أي عدم كون الواقعة بين
~~اثنين - فلم يثبت فيه أصل جواز الحكم والقضاء، بل المتبادر من القضاء هو ما
~~كان بين اثنين، مع أن أدلة القضاء متضمنة لقوله: (اقض بين الناس، أو بينهم)
~~وهو إنما يكون بين شخصين، أو ظاهر فيه. وتصور المخاصمة والمنازعة وفرض
~~المنازع لا يفيد.
# أو لعدم وقوع النزاع وإن كان بين اثنين، وحينئذ لا يجوز القضاء للمدعي
~~إلا مع السماع من الآخر، لرواية محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام،
~~قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا تقاضى إليك رجلان، فلا
~~تقض للأول حتى تسمع من الآخر،
# PageV00P833
# فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء) 1.
# ولا شك أن بعد السماع من الآخر إما يقر فلا حكم بالبينة حينئذ، أو ينكر
~~فيتحقق الجحود والنزاع.
# لا يقال: إن ذلك مخصوص بما إذا تقاضى رجلان لا رجل واحد.
# لأنا نقول: إن العلة المنصوصة تشمل القاضي لأحدهما ms526 أيضا.
# نعم خرج المدعى عليه الغائب بالنص الدال عليه، فيسمع البينة عليه ويقضى
~~بها مطلقا، خرجت صورة اعتراف المدعي باعترافه، إذ لا فائدة للحكم والإلزام
~~على الشخص بعد اعتراف المدعي بكونه معترفا.
# فتبقى سائر الصور، كصورة إطلاق المدعي، ولذا حكم في التحرير بسماع بينة
~~المدعي على الغائب في غير الصورة الأولى، بل يمكن الخدش في صورة الاعتراف
~~أيضا إذا أراد المدعي صدور الحكم احتياطا، فتأمل.
# فتحصل بما ذكر: عدم مشروعية القضاء والحكم، وعدم ترتب آثار الحكم، و 2
~~عدم جواز النقض 3 عليه، ما لم تكن منازعة فعلية بين اثنين إلا في الغائب.
# نعم لو أقام أحد بينة قبل النزاع، فيجوز استماعها للأصل، ويجب تصديقها
~~واعتقاد وقوع مقتضاها، والإخبار عن ثبوته وضبطه احتياطا لزمان وقوع
~~التنازع.
# وحينئذ يجوز بمقتضى الشهادة المتقدمة إذا كان المشهود عنده متذكرا لها،
~~أو تثبت 4 الشهادة عنده بما يثبتها، والله العالم.
# PageV00P834
# عائدة (87) في شأن اختلاف المتحاكمين لأجل اختلاف المجتهدين اعلم أنه
~~تشتبه كثيرا وظيفة الحاكم في الحكم بين المتنازعين إذا كانت الواقعة خلافية
~~وتنازع الخصمان فيها لأجل اختلاف المجتهدين في المسألة.
# والتحقيق في المقام: أنه إذا كان تنازع المتخاصمين المترافعين عند حاكم
~~في أمر لأجل اختلاف المجتهدين فيه - كأن يتنازع الولد الأكبر مع غيره في
~~أخذ الحبوة مجانا أو بحساب إرثه، أو فيما يحبى به. أو ادعى أحد الشركاء
~~الثلاثة الشفعة، وأنكرها الآخران. أو تنازع المتبايعان في نجاسة المبيع
~~وعدمها. أو تنازع البكر ووليها في الاستقلال في العقد وعدمه. أو تنازعا في
~~دية جناية اختلف العلماء في مقدارها، إلى غير ذلك - يجب على الحاكم
~~المترافع إليه الحكم في الواقعة بمقتضى رأيه وفتواه إجماعا، لأنه حكم الله
~~عنده في حقه وفي حق كل من يقلده أو يترافع إليه.
# ولا يفيد تقليد أحدهما مجتهدا آخر يخالف رأيه رأي ذلك المجتهد، أو كونه
~~مجتهدا مخالفا لذلك المجتهد، إذ لم يثبت من أدلة وجوب عمل المجتهد باجتهاده
~~أو المقلد باجتهاد مجتهده، الوجوب في ترتب الأثر حتى في موضع يزاحمه ms527 حق
~~غيره لو بنى ذلك الغير على اجتهاده مخالف لاجتهاده. PageV00P835
# والحاصل: أن الثابت ليس أزيد من ترتب آثار اجتهاده أو تقليده فيما هو حق
~~نفسه مما ليس له مزاحم من حقوق الغير، وإلا فلا دليل.
# ثم المراد برأيه وفتواه ليس هو فتواه في جميع أجزاء الواقعة المتنازع
~~فيها، فإنه قد تكون فتواه فيها وجوب البناء على فتوى غيره في جزء منها،
~~فيجب اتباعها.
# فإن فتوى كل مجتهد صحة عمل كل مجتهد آخر، أو مقلده إذا بناه على رأي ذلك
~~المجتهد الآخر وعمل به فيه، فيجب الحكم بمقتضاه لو كان كذلك.
# فقد تكون الواقعة بحيث لم يتحقق من أحد المتنازعين فيها بناء على أمر
~~بتقليد مجتهد، فيجب فيها الحكم في أصل الواقعة بمقتضى فتوى الحاكم ورأيه
~~فيها.
# وقد يتحقق فيها بناء على أمر بتقليد غيره، فيجب الحكم بمقتضى ذلك البناء،
~~لأن فتوى الحاكم أيضا على صحة ذلك الأمر حينئذ وترتب الأثر عليه.
# فإذا تنازع شخصان في أخذ الحبوة مجانا أو بإزاء إرثه ابتداء قبل بنائهما
~~فيها على تقليد مجتهد، يجب على الحاكم المفتي بالأخذ مجانا الحكم به.
# ولو كان المتنازعان مقلدين لمجتهد يعطيها بإزاء الإرث، فعملا بها في
~~الواقعة، وأخذ الكبير بإزاء إرثه بتقليد مجتهده، وأعطاه سائر الورثة بإزائه
~~أيضا بتقليده، ثم تنازعا فيها بعد ذلك عند الحاكم المذكور، يجب عليه الحكم
~~بكونها بإزاء الإرث، لا لأجل أنه فتواه مطلقا، بل لأجل أنهما قلد المجتهد
~~الآخر وعملا به، وانتقل المحبو بإزاء الإرث إلى المحبو له، وما بإزائه إلى
~~سائر الورثة، وفتوى الحاكم أيضا على الانتقال المذكور بالتقليد المذكور،
~~وتوقف رفع الانتقال إلى ناقل آخر، فيحكم بمقتضى هذه الفتوى وبإزاء الإرث.
# وكذا لو كان المتنازعان في الشفعة مقلدين لمن يرى الشفعة في الشركاء
~~الثلاثة، فلو تنازعا قبل بنائهما على أخذ الشفيع المشفوع بتقليد مجتهده،
~~وترافعا عند من لا يرى ثبوت الشفعة حينئذ، يحكم ذلك بسقوط الشفعة.
# ولو بينا الأمر على تقليد الأول وأخذ الشفيع المشفوع بتقليده ورضي به
~~PageV00P836
# الشريك تقليدا له أيضا، ms528 ثم تنازعا عنده 1 في الشفعة، يجب عليه الحكم بكون
~~المشفوع لآخذ الشفعة، لأنه أخذه بتقليد من يقول بثبوتها وأعطاه الشريك أيضا
~~بتقليده، فصار المشفوع ملكا للشفيع بفتوى ذلك المترافع إليه أيضا، فيحكم
~~بمقتضاه.
# وكذا لو باع شخص الصيد المقتول بالتفنك، لأجل كونه مذكى عنده بفتوى من
~~يرى حليته، واشتراء المشتري أيضا بتقليده، وأجريا العقد، ثم وقع التنازع
~~بينهما وترافعا عند من لا يرى حليته، يجب عليه الحكم بصحة البيع، لأن فتواه
~~صحة بيعه للمجتهد المفتي بحليته وطهارته ولمقلده، وقد وقع ذلك من
~~المتبايعين الكذائيين، فيكون صحيحا ممضى عنده أيضا، وهكذا في جميع الوقائع.
# نعم، يشترط في الحكم بالصحة في تلك الموارد عمل المتنازعين معا بمقتضى
~~فتوى المجتهد الآخر، ولا يكفي تقليد أحدهما، لما مر من عدم دليل على كفاية
~~تقليد أحدهما فيما يكون الأمر بين اثنين.
# نعم لو لم تكن الواقعة مما يكون الأثر المترتب على العمل بين المتنازعين،
~~فيكفي تقليد أحدهما، كمسألة عقد البكر أو الولي، فلو عقدت البكر نفسها لزوج
~~بتقليد مجتهد يرى استقلالها، وقبله الزوج بتقليده أيضا، ثم تنازع الولي عند
~~من يرى استقلاله، يجب الحكم بصحة العقد، إذ لا تعلق للولي في أثر العقد
~~الذي هو حلية البضع، ولا يحتاج تقليد البكر إلى رضى الولي أيضا.
# ولو كان الحاكم في الأمثلة المذكورة في المعاملات ممن لا يقول بلزوم
~~التقليد في المعاملات، بل يكتفي بالمطابقة لرأي مجتهد، فبنى المتنازعان
~~الأمر أولا على أحد الطرفين، يجب على هذا الحاكم الحكم بصحته بناء على رأيه
~~أيضا.
# وكذا لو اكتفى بالتقليد اللاحق على العمل، وقلدا بعد العمل أيضا، وهكذا.
# والمحصل: أنه يجب على الحاكم المترافع إليه أن يستخرج أولا فتواه في تلك
# PageV00P837
# الواقعة المتنازع فيها ويحكم بمقتضاها، سواء كانت مطابقة لفتواه في جزء
~~الواقعة أولا، فيرى أنه إذا سئل عنه:
# أن ما رأيك في الحبوة إذا تنازع فيها الورثة؟
# يفتي بأنها تعطى مجانا، فيحكم به في الواقعة إذا تنازعا قبل رضى الطرفين
~~وبنائهما على تقليد، إذ ليس للواقعة جزء ms529 آخر. ولو بنى المتنازعان فيها على
~~تقليد من لا يرى مجانا، فيزيد في الواقعة جزء آخر، لأن التنازع إنما هو في
~~الحبوة التي بنيا فيها الأمر على تقليد، ويرى أنه إذا سئل عنه: ما رأيك في
~~الحبوة التي أخذها الأكبر مجانا بتقليد من يراها كذلك، وأعطاها سائر الورثة
~~أيضا كذلك، فهل يصير مالا حلالا له؟ يفتي بأنها ماله، فيجب الحكم به في
~~المرافعة أيضا.
# ولو سئل أنه لو أخذها الأكبر بتقليد من يراه مجانا ولكن لم يرض به
~~الباقون، فيفتي بأنه لا يكفي تقليده فقط.
# ويرى أنه إذا سئل: ما فتواك في حق باكرة زوجت نفسها لشخص بتقليدهما لمن
~~يرى استقلالها؟ أنه يفتي بالصحة، فيجب عليه الحكم بها أيضا بعد وقوع العقد.
~~ولو فرض أن فتواه على عدم الصحة، فيحكم به أيضا.
# ولو تنازع الجاني والمجني عليه في قدر الدية المختلف فيها عند حاكم، فيجب
~~حكمه بمقتضى رأيه، ولا يفيد هنا بناء أحدهما أو كليهما على فتوى غيره، إلا
~~إذا عملا بها، وأعطى الجاني الدية بمقتضاها وأخذها المجني عليه كذلك.
# وبالجملة: اللازم على الحاكم في جميع الوقايع تصوير فتواه في كل الواقعة
~~إذا سئل عنه فيها والحكم بها.
# فرع لو ترافع المتنازعان في أمر قبل بنائهما على أحد الطرفين بالتراضي أو
~~إجراء عقد فيه، وحكم الحاكم بمقتضى رأيه، فهل يجوز للمتنازعين بعده البناء
~~على تقليد الآخر في هذه الواقعة لو رضيا، ويترتب عليه أثره، أم لا؟
# الظاهر الثاني، لاستقرار الأمر على ما حكم به فلا ينتقض. PageV00P838
# فلو حكم الحاكم بإحباء شئ للولد الأكبر، أو بكونه له مجانا بعد الترافع،
~~أو بسقوط الشفعة، فلو تراضيا بخلافه بعد ذلك لم يترتب عليه أثر، فلا يصير
~~الأخذ بالشفعة لازما، ولا الشئ المحبو لغير الكبير. بل لو أرادوا اللزوم
~~احتاج إلى عقد آخر ناقل شرعي، كبيع أو صلح أو هبة. PageV00P839
# عائدة (88) في تصحيح بعض أسماء الرجال وألقابهم وكناهم أذكر فيها تصحيح
~~بعض أسماء الرجال، وألقابهم، وكناهم، سيما المشهورين منهم، بحيث ما وصل إلي
~~من ms530 السلف الصالحين، لئلا يقع الفقيه فيه في الغلط، فإنه عليه وهن عظيم،
~~وموجب لسقوط مرتبته عن قلوب السامعين.
# ويشهد بذلك ما جرى لبعض علماء المتبحرين في محروسة أصفهان - صينت عن
~~الحدثان - في قريب من ذلك الأوان على ما حكاه والدي القمقام طاب ثراه.
# وأقتصر فيه غالبا على الذين يكثر ذكرهم في أسانيد الأخبار.
# وأبتدئ أولا بذكر الأسماء، ثم الكنى، ثم الأوصاف والألقاب، ثم النسب إلى
~~القبايل أو البلاد.
# وربما أذكر تصحيح الكنى والألقاب والنسب في طي تصحيح الأسماء. فإن وجد
~~فيه، وإلا فيطلب في طي الثلاثة إن كان فيه.
# ويطلب ما لم يذكر هنا من مظانه من كتب الرجال، كإيضاح الاشتباه، ومنهج
~~المقال، وغيرهما، والله الموفق في كل حال.
# وأكتب الراء المهملة بالهمزة، والزاي المعجمة بالياء، كما هو PageV00P841
# طريقة الأدباء.
# الأسماء:
# أبان بن تغلب الجريري: بالتاء المثناة فوقا المفتوحة، والغين المعجمة
~~الساكنة، واللام المكسورة، والباء الموحدة " منهج المقال " 1. وفي الصحاح
~~والمجمع:
# تغلب: كتضرب أبو قبيلة، والنسبة إليها تغلبي بفتح اللام، استيحاشا لتوالي
~~الكسرتين 2، وربما قالوه بالكسر، لأن فيه حرفين غير مكسورين 3. والجريري
~~بالجيم المضمومة والراء المفتوحة، ثم الياء المثناة تحتها، ثم الراء 4.
# إبراهيم بن أبي البلاد: بالباء الموحدة المكسورة، واللام المخففة، والدال
~~المهملة " خلاصة " 5.
# إبراهيم بن أبي سمال: بالسين المهملة واللام " خلاصة " 6، باللام وتخفيف
~~الميم، ومنهم من يشددها يفتح السين، والأول أصح " منهج المقال " 7.
# وفي الإيضاح: إبراهيم بن أبي بكر محمد بن الربيع، يكنى بأبي بكر بن أبي
~~سماك، بالسين المهملة المفتوحة والكاف أخيرا، وقيل: لام 8.
# انتهى. ويحتمل أن يكون هذا مع ما ذكر أولا واحدا.
# إبراهيم بن أبي الكرام: بفتح الكاف وتشديد الراء " خلاصة " 9.
# PageV00P842
# إبراهيم بن نصير: بضم النون وفتح الصاد المهملة، والياء المثناة تحتها،
~~والراء " خلاصة " 1.
# إبراهيم بن مهزم: بكسر الميم وإسكان الهاء، والزاي المفتوحة. يعرف: بابن
~~أبي بردة بضم الباء الموحدة 2.
# إبراهيم بن رجاء: بفتح الراء والجيم.
# إبراهيم بن ضمرة: بفتح الضاد المعجمة، وسكون الميم.
# إبراهيم بن عبدة: رأيت في بعض النسخ الموثوق به عبدة: بفتح العين ms531 والباء
~~3.
# أبان بن مرار: بفتح الميم وتشديد الراء، ثم الألف، ثم الراء.
# إبراهيم بن نعيم: مصغرا.
# أحمد بن أبي بشر: بكسر الباء الموحدة، وسكون الشين المعجمة.
# أحمد بن أبي عوف: بفتح العين.
# أحمد بن أصفهبذ: بفتح الهمزة، وإسكان الصاد المهملة، وفتح الفاء وإسكان
~~الهاء وفتح الباء الموحدة، والذال المعجمة " إيضاح " 4.
# أحمد بن حاتم بن ماهويه: بضم الهاء وفتح الواو وسكون الياء المثناة
~~تحتها.
# أحمد بن الحسن القزاز: بالقاف والزائين المعجمتين بينهما ألف.
# أحمد بن رباح: بالراء المهملة والباء الموحدة " إيضاح " 5.
# PageV00P843
# أحمد بن رزق الغمشاني: بضم الغين المعجمة، والشين المعجمة. ورزق:
# بالراء المهملة، ثم الزاي المعجمة، ثم القاف (إيضاح) 1.
# أحمد بن صبيح: بالصاد المهملة المفتوحة، والباء الموحدة، والياء المثناة
~~تحتها، والحاء المهملة (خلاصة) 2. وفي (رجال ابن داود) ومنهم من ضم الصاد
~~وفتح الباء، وليس بشئ 3.
# أحمد بن ميثم: بكسر الميم، والياء المثناة تحتها، وفتح المثلثة، كذا في
~~(الإيضاح) 4. وقال قبل ذلك بورقة: أحمد بن ميتم بكسر الميم وإسكان المثناة
~~تحتها، وفتح المثناة فوقها 5. انتهى. ولعلهما متغايران.
# أحمد بن عبدوس الخلنجي: بضم العين المهملة، وإسكان الباء الموحدة، وضم
~~الدال، ثم السين المهملة بعد الواو، والخاء المعجمة المضمومة، واللام
~~المفتوحة، والنون الساكنة والجيم.
# أحمد بن عايذ: بالياء المثناة تحتها والذال المعجمة.
# أحمد بن جلين: بضم الجيم، وتشديد اللام المكسورة، وإسكان الياء المثناة.
# الدوري: بالدال والراء المهملتين. وفي القاموس: الدور بالضم: قريتان بين
~~سر من رأى وتكريت 6.
# أحمد بن علوية: بفتح العين المهملة، وفتح اللام، وكسر الواو، وتشديد
~~الياء المثناة تحتها (إيضاح) 7.
# PageV00P844
# ح) أحمد بن علي الخضيب الأيادي الخضيب بالخاء المعجمة المفتوحة والضاد
~~المعجمة المكسورة، والياء المثناة تحتها (إيضاح) 1. وفي (الصحاح): إياد -
~~أي بكسر الهمزة - حي من معد 2.
# أحمد أبو علي الصولي بالصاد المهملة المضمومة.
# أحمد بن وهيب 3 الجريري: بالجيم والراء المهملة قبل الياء وبعدها.
# أحمد بن يحيى الأودي: بفتح الهمزة، وإسكان الواو بعدها دال مهملة (إيضاح)
~~4. وقيل: بفتح الهمزة والواو. والظاهر أن الواو عطف على الفتح دون الهمزة.
# أحمد بن محمد بن ms532 سيار: بالسين المهملة المفتوحة، والياء المثناة
~~التحتانية المشددة، والراء المهملة بعد الألف (إيضاح) 5.
# أحمد بن محمد بن مسلمة: بفتح الميم قبل السين المهملة، والهاء أخيرا
~~(إيضاح) 6.
# أحمد بن يحيى الخازمي: بالخاء والزاي المعجمتين، والميم (إيضاح) 7.
# أحمد بن علي الفايدي: بالفاء، والياء المنقطة تحتها نقطتين بعد الألف،
~~والدال المهملة (خلاصة) 8.
# أحمد بن بطة: بالباء الموحدة والطاء المهملة " خلاصة " 9. وفي " الإيضاح
~~"
# PageV00P845
# في محمد بن جعفر بن بطة: بضم الباء الموحدة، وتشديد الطاء المهملة 1.
# وعن فخر المحققين: بضم الباء الموحدة، وتشديد الطاء، وقال: روي الوجهان
~~عن والدي 2.
# أديم بن الحر: مصغرا " خلاصة وإيضاح " 3.
# إدريس الخولاني: بالخاء المعجمة والواو 4.
# أسامة: بفتح الهمزة " تقريب " 5، وفي القاموس: أسامة بضم الهمزة: علم
~~الأسد 6.
# أسد بن عفر: بالعين المهملة المضمومة " خلاصة " 7 ثم الفاء.
# إسحاق بن إبراهيم الحضيني: بالحاء المهملة المضمومة، والضاد المعجمة
~~المفتوحة بعدها ياء مثناة تحتانية، وبعدها نون " خلاصة " 8.
# إسحاق بن جرير: بالجيم المفتوحة، والرائين المهملتين بينهما ياء مثناة
~~تحتانية " إيضاح " 9.
# إسحاق بن أبي قرة: بالقاف المضمومة والراء، القناني 10، بالقاف المضمومة
~~والنون قبل الألف.
# إسماعيل بن إبراهيم بن بزة: بضم الباء، وفتح الزاي المعجمة،
# PageV00P846
# والهاء " خلاصة " 1. وفي " الإيضاح ": بالباء المفردة المفتوحة، والزاي
~~المخففة أي الزاي المعجمة 2. وفي " رجال ابن داود ": بفتح الباء المفردة،
~~وفتح الراء المهملة 3. وعن الشهيد: بفتح الباء الموحدة وتشديد المهملة.
~~وفي.
# نسخة أخرى: بضم الموحدة وتشديد المهملة 4. وأعربه في بعض النسخ - الصحيحة
~~ظاهرا - بضم الباء الموحدة وإسكان المعجمة بلا هاء، وفي بعض النسخ بضم
~~الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وبعدها هاء.
# إسماعيل بن بزيع: بالباء الموحدة، والزاي المعجمة المكسورة، والياء
~~المثناة تحتها.
# إسماعيل بن شعيب العريشي: بالعين المهملة المفتوحة، ثم الراء المهملة، ثم
~~الياء المثناة تحتها، ثم الشين المعجمة.
# أعين: بفتح الهمزة، والعين المهملة الساكنة، والياء المثناة المفتوحة،
~~والنون.
# إسماعيل بن علي العمي: بفتح العين المهملة وكسر الميم المخففة " خلاصة "
~~5.
# إسماعيل العبسي: بالمهملة، ثم الباء الموحدة، ثم السين المهملة.
# إسماعيل حقيبة: بالحاء المهملة المفتوحة، والقاف المكسورة، والياء
~~المثناة التحتانية، والباء الموحدة. وقيل: بالجيم ms533 المضمومة، والفاء
~~المفتوحة، والنون بعد الياء " خلاصة " 6.
# إسماعيل بن عبد الرحمن السدي: بضم السين المهملة، وتشديد
# PageV00P847
# الدال (تقريب التهذيب) 1.
# أصبغ بن نباته: بضم النون.
# برد الإسكاف: بضم الباء الموحدة.
# بطة: مر في أحمد بن بطة.
# البراء بن عازب: بالعين المهملة والزاي المعجمة " إيضاح " 2.
# بري: بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة، وإسكان الياء.
# بريد بن معاوية: بضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة " إيضاح " 3.
# بسطام: بكسر الباء الموحدة.
# بنان - الذي لعنه الصادق عليه السلام -: بضم الباء الموحدة، ثم النونان
~~بينهما الألف " خلاصة " 4. وفي منهج المقال: التحقيق أنه بالياء المثناة
~~تحتا بعد الباء الموحدة 5.
# بيان الجزري: بالباء الموحدة المفتوحة، والياء المثناة تحتها، والنون بعد
~~الألف. والجزري: بفتح الجيم، والزاي المعجمة " إيضاح " 6.
# بندار: بضم الباء الموحدة، ثم النون الساكنة، والدال المهملة، والراء
~~أخيرا.
# بريه: بضم الباء الموحدة، وفتح الراء، وإسكان الياء المثناة تحتا.
~~العبادي:
# بكسر العين المهملة، والدال بعد الألف. وفي " رجال ابن داود ": بضم الباء
~~الموحدة، وسكون الراء المهملة، وفتح الياء المثناة تحتها 7.
# بزيع: بفتح الباء الموحدة، وكسر الزاي المعجمة.
# PageV00P848
# بسام: بفتح الباء الموحدة، وتشديد السين المهملة " إيضاح " 1.
# بسر بن أرطاة: بضم الباء الموحدة، وإسكان السين المهملة.
# بزرج: بضم الباء الموحدة، وضم الزاي المعجمة، وإسكان الراء المهملة،
~~والجيم أخيرا " خلاصة " 2. وفى " الإيضاح ": بفتح الباء، وضم الزاي، وإسكان
~~الراء 3.
# بشار بن يسار الضبيعي: الأول بالباء الموحدة، والشين المعجمة المشددة،
~~والثاني بالياء المثناة التحتانية، والسين المهملة " إيضاح " 4. والضبيعي:
~~اختلف كلام العلامة في " الإيضاح " فضبطه بضم الضاد المعجمة في ترجمة بشار،
~~وبفتحها وضم الباء في ترجمة أخيه سعيد 5. وهو الذي ضبطه غيره، ومنهم
~~المنذري في " الإكمال " 6.
# بكر بن نعيم: مصغرا، الغاندي: بالغين المعجمة، والدال المهملة.
# بكر بن جناح: بالجيم المفتوحة.
# بشر بن مسلمة: بفتح الميم، وسكون السين المهملة.
# بسطام بن الحصين بالحاء المهملة المضمومة، والصاد المهملة المفتوحة،
~~والياء بعدها " إيضاح " 7.
# جندب: بالجيم المضمومة، والنون الساكنة، والدال المهملة المفتوحة، والباء
~~الموحدة " خلاصه " 8.
# PageV00P849
# جنادة: بالجيم المضمومة، والنون، والدال المهملة بعد الألف. وجندب بن
~~جنادة: هو أبو ذر الغفاري ms534 رضي الله عنه 1.
# جرير: بالجيم المفتوحة، والراء المهملة، والياء المثناة تحتها، ثم الراء
~~المهملة " إيضاح " 2.
# جهم: بالجيم المفتوحة، والهاء الساكنة بعدها " إيضاح " 3.
# جراح الرواسي: بالجيم المفتوحة، والراء المهملة المشددة، والحاء المهملة.
# وفى (التقريب): الرؤاس: بضم الراء بعدها واو بهمزة، وبعد الألف سين مهملة
~~4.
# جراح المدايني: بفتح الجيم، وتشديد الراء المهملة، والحاء بعد الألف،
~~وفتح الميم والدال المهملة، والياء المثناة تحتها بعد الألف، ثم النون.
# جحدر: بالجيم المفتوحة، والحاء المهملة الساكنة، والدال المهملة
~~المفتوحة، والراء المهملة " إيضاح " 5.
# جبلة: بالجيم والباء الموحدة واللام المفتوحات مع تخفيف اللام.
# جعفر بن بشير، فقحة العلم: بالفاء والقاف والحاء المهملة، وقيل: قفة
~~العلم: بالقاف المضمومة، والفاء المشددة، وقيل: نفحة العلم: بالنون والفاء
~~والحاء المهملة 6.
# جدعان: بالجيم المضمومة والدال المهملة الساكنة.
# جعفر بن محمد بن حكيم: بفتح الحاء المهملة " إيضاح " 7.
# PageV00P850
# جعفر بن محمد بن رباح: بالباء الموحدة (رجال ابن داود) 1.
# جلبة: بالجيم المضمومة، ثم اللام، ثم الباء المفردة.
# جميل بن دراج: بفتح الجيم، ودراج: بالدال المهملة، وتشديد الراء، والجيم
~~أخيرا.
# جلين: قد مر في أحمد بن جلين.
# جهيم: مصغرا.
# حارث بن غصين: بالغين المعجمة المضمومة، وفتح الصاد المهملة.
# حبة العرني: بفتح الحاء المهملة، ثم الباء الموحدة المشددة، والعرني: بضم
~~العين المهملة، وفتح الراء المهملة بعدها النون " منهج المقال " 3.
# حجر بن زايدة: بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم، والراء أخيرا " إيضاح "
~~3.
# حجر بن عدي: بضم الحاء المهملة.
# حبيش: بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة
~~تحتها، والشين المعجمة.
# حريز السجستاني: بالحاء المهملة المفتوحة، والراء المهملة، والياء
~~المثناة تحتها، والزاي المعجمة.
# الحسن بن خرزاذ: بالخاء المعجمة المضمومة، والراء المهملة المشددة،
~~والزاي والذال المعجمتين بينهما ألف " إيضاح " و " خلاصة " 4. وفي " رجال
~~ابن داود ": بالراء المهملة الساكنة بعد الخاء 5.
# الحسن بن الزبر قان: بالزاي المعجمة المكسورة، والباء الموحدة الساكنة،
# PageV00P851
# والراء المهملة المكسورة، والقاف، والنون أخيرا " إيضاح " 1.
# الحسن بن زيدان: بالزاي المعجمة المفتوحة " إيضاح " 2.
# الحسن بن السري: بالسين المهملة المفتوحة، والراء المهملة " إيضاح " 3.
# الحسن بن ظريف: بالظاء المعجمة " إيضاح " 4.
# الحسن بن ms535 محمد بن جمهور العمي: بفتح العين المهملة، والميم المشددة،
~~منسوب إلى بني العم من بني تميم.
# الحسن بن علي بن بقاح: بالباء الموحدة، والقاف المشددة، والحاء المهملة "
~~خلاصة " و " إيضاح " 5.
# الحسن بن علي بن سيرة: بفتح السين المهملة، وإسكان الباء الموحدة، والراء
~~المهملة المفتوحة " إيضاح " 6.
# الحسن بن قدامة: بضم القاف.
# الحسن بن متيل: بالميم المفتوحة، والتاء المثناء فوقا المشددة، والياء
~~المثناة التحتانية " إيضاح " و " خلاصة " 7. وفي " رجال ابن داود " بضم
~~الميم 8.
# الحسين بن إشكيب: بالهمزة المكسورة، والشين المعجمة الساكنة، والكاف،
~~والياء المثناة التحتانية، والباء الموحدة " إيضاح " 9.
# الحسين بن بشار: بالباء الموحدة، والشين المعجمة المشددة.
# PageV00P852
# الحسين بن نعيم: مصغرا " إيضاح " " خلاصة " 1.
# الحسين بن الحكم الحبري: بالحاء المهملة المكسورة، والباء الموحدة
~~المفتوحة، والراء المهملة " إيضاح " 2.
# الحسين بن السري: بالسين المهملة المفتوحة، والراء المهملة.
# الحسين بن فهم: بفتح الفاء وإسكان الهاء " إيضاح " 3.
# الحسين بن عبيد الله الغضايري: صاحب الرجال المشهور. الغضايري:
# بالفصل بين الألف والراء بالياء المثناة التحتانية، ولكن في " الإيضاح "
~~بفتح الغين المعجمة، والضاد المعجمة، والراء المهملة بعد الألف بلا فصل 4.
~~انتهى.
# فيكون (الغضاري).
# الحسين بن غندر: بضم الغين، وإسكان النون، وفتح الدال المهملة، والراء
~~المهملة أخيرا " إيضاح " 5.
# الحسين بن مياح: بالياء المثناة التحتانية المشددة بعد الميم المفتوحة،
~~والحاء المهملة أخيرا " خلاصة " 6.
# الحسين بن ظريف: بالظاء المعجمة " خلاصة " 7.
# الحسين بن متوية: بفتح الميم، وتشديد التاء المثناة فوقها، وإسكان الواو،
~~والياء المثناة التحتانية " إيضاح " 8.
# PageV00P853
# الحسين بن أحمد بن المغيرة: بضم الميم، وكسر الغين المعجمة " خلاصة " 1.
# حصين: بالمهملتين مصغرا " إيضاح " 2، وفي " الخلاصة ": بالحاء المهملة
~~والضاد المعجمة، في ترجمة محمد بن حمران 3. ابن المخارق: بالميم المضمومة،
~~والخاء المعجمة، والراء المهملة " خلاصة " 4.
# حفص بن سوقة: بضم السين المهملة، وإسكان الواو، وفتح القاف.
# حكم بن حكيم: مصغرا " خلاصة " " إيضاح " 5.
# حكم بن عتيبة: بالتاء المثناة الفوقانية، والياء المثناة التحتانية "
~~إيضاح " 6 وفي " الخلاصة ": بضم العين المهملة 7.
# حكم بن القيات: بفتح القاف، وتشديد الياء المثناة التحتانية، والتاء
~~المثناة الفوقانية " إيضاح " 8. وفي حواشي " المنهج " للمصنف: القتات: بفتح
~~القاف، وتشديد المثناة ms536 فوقا قبل الألف وبعدها 9.
# حمران بضم الحاء المهملة، ذكره في " الإيضاح " في ترجمة سعيد بن حمران،
~~ومحمد بن حمران 10.
# حماد بن ضمخة: بالضاد المعجمة المفتوحة، والخاء المعجمة بعد الميم
# PageV00P854
# " خلاصة " 1. وفي " رجال ابن داود ": صمحة: بالمهملة، وتسكين الميم،
~~والحاء المهملة 2.
# حمدان بن المعاف: بضم الميم، والعين المهملة، والفاء " إيضاح " 3.
# حميد بن المثنى: حميد مصغرا، بالثاء المثلثة، والنون بعدها المشددة "
~~خلاصة " 4. ورأيت في بعض حواشي " المنهج " منقولا عن " الإيضاح ":
# المتنى بالتاء المثناة الفوقانية بعد الميم المضمومة، ثم النون المشددة،
~~ولكني ما وجدته في نسخة " الإيضاح " التي كانت عندي 5.
# حنان بن سدير: بفتح الحاء المهملة، وتخفيف النون بعدها، وبعد الألف نون
~~أيضا. وسدير: بالسين المهملة المفتوحة والراء أخيرا.
# حيان السراج: بالحاء المهملة ثم الياء المثناة التحتانية.
# حنظلة: بالحاء المهملة المفتوحة، والنون، والظاء المعجمة المفتوحة.
# حوشب: بالحاء المهملة المفتوحة، والواو، والشين المعجمة، والباء الموحدة
~~" إيضاح " 6.
# خالد بن نجيح الجواز: بالنون المفتوحة، والجيم، والياء المثناة
~~التحتانية، والحاء المهملة. والجواز: بالجيم والزاي المعجمة، نقله الشهيد
~~الثاني عن كتاب الشيخ 7، كما في " المنهج " 8. وبالجيم والنون: بياع الجون
~~في 2 " رجال ابن داود "
# PageV00P855
# " إيضاح " 1، والواو مشددة على التقديرين " خلاصة " 2.
# خالد بن صبيح: بالصاد المهملة المفتوحة، والباء الموحدة المكسورة، والياء
~~الساكنة، والحاء المهملة.
# خالد بن طهمان: بالطاء المهملة المضمومة، والهاء الساكنة، والميم والنون
~~" إيضاح " 3.
# خزيمة بن ثابت: بالخاء المعجمة المضمومة، والزاي المعجمة المفتوحة "
~~خلاصة " 4.
# خطاب بن مسلمة: بالميم المفتوحة أولا، والسين الساكنة المهملة، والميم
~~بعد اللام " إيضاح " 5. خلاد السدي: بالخاء المعجمة واللام المشددة،
~~والسدي: بضم السين المهملة " إيضاح " 6.
# خيثمة: بالخاء المفتوحة المعجمة، والياء المثناة التحتانية الساكنة،
~~والثاء المثلثة، والميم والهاء " إيضاح " 7.
# خيران: بالخاء المعجمة المفتوحة، ثم الياء المثناة التحتانية الساكنة،
~~والراء المهملة، والألف والنون.
# خفاف بن إيماء: بضم الخاء المعجمة، ثم الفاء المخففة، ثم الألف ثم الفاء،
~~وإيماء: بكسر الهمزة بعدها تحتانية " تقريب " 8.
# PageV00P856
# خليد: بالخاء المعجمة مصغرا " إيضاح " 1.
# خالد بن يزيد بن جبل، وخالد بن بريد أبو بريد العكلي: الأول: يزيد بالزاء
~~المعجمة، والثاني بريد بالراء المهملة.
# دندان: ms537 بالدال المهملة المفتوحة، والنون الساكنة، والدال المهملة، لقب
~~أحمد بن الحسين.
# داود بن بلال بن أحيحة: بضم الهمزة، والحائين المهملتين بينهما ياء مثناة
~~تحتانية " منهج المقال " 2.
# داود بن زربي: بالزاي المعجمة المضمومة، والراء الساكنة بعدها، والباء
~~الموحدة " خلاصة " 3. وفي " " الإيضاح ": بالزاي المعجمة المكسورة 4.
# داود بن سليمان الحمار: بالحاء المهملة المفتوحة، والميم المشددة، والراء
~~المهملة بعد الألف.
# داود الرقي: بالراء المهملة، والقاف.
# داود بن الحصين: مصغرا.
# داود بن سرحان: بكسر السين المهملة، وإسكان الراء، والحاء المهملة،
~~والألف والنون " إيضاح " 5.
# داود بن كورة: بضم الكاف، وإسكان الواو، وفتح الراء " إيضاح " 6.
# داود بن فرقد: بفتح الفاء، وإسكان الراء بعدها القاف، ثم مهملة.
# داود بن مافنة: بالميم، ثم الألف، ثم الفاء، ثم النون المشددة.
# دارم بن قبيصة: بالراء بعد الألف، وبالقاف المفتوحة، وكسر الباء الموحدة،
# PageV00P857
# ثم ياء ساكنة، ثم صاد مهملة.
# دراج: مر في جميل بن دراج.
# درست: بالدال المهملة المضمومة، والراء المضمومة، والسين الساكنة، والتاء
~~المثناة فوقها " إيضاح " 1.
# دعبل: بكسر الدال المهملة، وإسكان العين المهملة، وكسر الباء الموحدة.
# دكين: بالدال المهملة مصغرا، ويأتي في الألقاب.
# دراج: بالدال المهملة أولا المفتوحة، وتشديد الراء والجيم أخيرا.
# دول: بضم الدال المهملة واللام بعد الواو.
# ذبيان: بضم الذال المعجمة، وإسكان الباء الموحدة، وفتح المثناة تحتها،
~~والنون أخيرا.
# ذريح: بالذال المعجمة المفتوحة، والراء المكسورة، والياء المثناة
~~التحتانية، والحاء المهملة، المحاربي: بفتح الميم، كما في " الإيضاح " 2.
# ربيع المسلي: بضم الميم، وفتح السين المهملة، وتشديد اللام المكسورة "
~~إيضاح " 3.
# رباط: بالراء المهملة المكسورة، والباء الموحدة، والطاء المهملة " إيضاح
~~" 4.
# ربعي: بكسر الراء المهملة، ثم الباء الموحدة، ثم العين المهملة. وفي "
~~جامع الأصول ": بكسر الراء، وسكون الباء الموحدة، وكسر العين، وتشديد الياء
~~5.
# ربيع بن خثيم: بالخاء المعجمة المضمومة، والثاء المثلثة قبل الياء
~~المثناة
# PageV00P858
# التحتانية، أحد الزهاد الثمانية، قاله الكشي عن علي بن محمد بن قتيبة عن
~~الفضل بن شاذان، كذا في " الخلاصة " 1.
# وفي بعض نسخ مجمع البحرين في مادة ربع: والربيع بن خثيم: بالخاء المعجمة
~~المضمومة، والثاء المثلثة بعد الياء المنقطة تحتها نقطتين، ms538 أحد الزهاد
~~الثمانية، قاله الكشي 2.
# ولا يخفى ما بين الكلامين من الاختلاف في تقديم المثلثة أو المثناة،
~~والظاهر: أنه اشتباه في نسخ المجمع.
# قال الشهيد الثاني في شرح الدراية: مثل خثيم وخثيم، كلاهما بالخاء
~~المعجمة، إلا أن أحدهما بضمها، وتقديم الثاء المثلثة، ثم الياء المثناة من
~~تحت، والآخر بفتحها، ثم المثناة ثم المثلثة، فالأول: أبو الربيع بن خثيم
~~أحد الزهاد الثمانية. والثاني: أبو سعيد بن خثيم الهلالي التابعي 3.
# رشيد الهجري: بضم الراء المهملة " خلاصة " 4، والهجري بفتح الهاء والجيم.
~~قال بعض العلماء: رأيت بعض أصحابنا قد ضبط (الهجري) بضم الجيم، وهو اشتباه
~~5. انتهى.
# رشيد: بفتح الراء المهملة " خلاصة " 6 وهو ابن زيد الجعفي.
# رفاعة: بكسر الراء المهملة، وبعدها الفاء، ثم العين المهملة بعد الألف "
~~خلاصة " 7.
# رقيم بن إلياس: ضبطه بعض العلماء بالراء المهملة المضمومة، والقاف
# PageV00P859
# المفتوحة 1.
# روح: بفتح الراء المهملة، والواو الساكنة، والحاء المهملة " إيضاح " 2.
# رزيق: أربعة: ابن دينار، وأبو العباس، وابن الزبير الخلقاني، وابن مرزوق.
# فالأولان منهم بتقديم الراء المهملة المضمومة، ثم الزاي المعجمة
~~المفتوحة، بلا خلاف يذكر. وذكرهما الشيخ في رجاله في أصحاب الصادق عليه
~~السلام في باب المهملة 3.
# والثالث ذكره الشيخ أيضا في الباب المذكور أيضا. وكذا حكي عن النجاشي 4.
~~وصرح في " الإيضاح " 5 أيضا بأنه بالمهملة المضمومة. وحكي عن " الفهرست "
~~أنه ذكره في باب المعجمة 6.
# والرابع ذكره في " الخلاصة " 7 في باب المهملة. وحكي عن النجاشي أنه ذكره
~~في باب المعجمة، نقله عن السيد جمال الدين بن طاوس 8. وقال في رجال ابن
~~داود: وبعض أصحابنا التبس عليه حاله، فتوهم أنه رزيق بتقديم المهملة،
~~وأثبته في باب الراء، وهو وهم. وقد أثبته الشيخ أبو جعفر في " الفهرست " في
~~باب الزاي 9.
# ريذويه: بالراء المهملة المكسورة، والياء المثناة التحتانية الساكنة،
~~والذال المعجمة المفتوحة، والواو الساكنة، والياء المثناة تحتها المفتوحة.
~~وفي
# PageV00P860
# " الإيضاح " 1 جعل الذال المعجمة مضمومة. ويحتمل كون الواو مفتوحة،
~~والياء بعدها ساكنة.
# رزين: بفتح الراء المهملة، ذكره في " الإيضاح " في ترجمة أسود بن رزين
~~وترجمة إسماعيل بن علي بن ms539 رزين 2. وذكر في " الخلاصة " في قسم الضعفاء،
~~رزين: رجلان 3، في باب المهملة.
# زكريا بن إدريس، أبو جرير: بضم الجيم " خلاصة " 4.
# زرارة: بضم الزاي المعجمة، ابن أعين: بفتح الياء المثناة التحتانية، ابن
~~سنسن: بالسينين المهملتين المضمومتين بينهما نون ساكنة وبعدهما نون أيضا "
~~خلاصة " 5.
# زحر: بفتح الزاي المعجمة، وإسكان الحاء المهملة، والراء المهملة أخيرا.
# زرعة: بالزاي المعجمة المضمومة، وبعدها راء وعين مهملتان " إيضاح " 6.
# وحكي عن السيد بن طاوس أنه ذكر في كتابه: أنه كلما كان من هذا الاسم -
~~أعني زرعة - فهو بفتح الزاي المعجمة.
# زمعة: بالزاي المعجمة، والميم، والعين المهملة، والثلاثة مفتوحة " إيضاح
~~" 7.
# زياد القندي: بالقاف، والنون، والدال المهملة " خلاصة " 8.
# زيدان: بفتح الزاي المعجمة، والألف والنون بعد الدال المهملة،
# PageV00P861
# والد الحسن والحسين، وقد مر في الحسن 1.
# زبرقان: بالزاي المعجمة المكسورة، والباء الموحدة الساكنة، والراء
~~المهملة المكسورة، والقاف والنون، وقد مر.
# زيد الرطاب: بتشديد الطاء المهملة بعد الراء المهملة، ثم الألف ثم الباء
~~الموحدة.
# زيد الأجري: بالجيم المضمومة، والراء المهملة المشددة، كذا أعربه بعض
~~العلماء 2.
# زيد الزراد: بالزاي المعجمة المفتوحة، ثم المشددة المهملة، ثم الألف، ثم
~~المهملة.
# سكين: بالسين المهملة المضمومة، والنون أخيرا " خلاصة " 3.
# سهل بن حنيف: بالحاء المهملة المضمومة " خلاصة " 4.
# سيف بن عميرة: بفتح العين المهملة " خلاصة " 5.
# سليم بن قيس: بضم السين المهملة ثم اللام المفتوحة " خلاصة " 6.
# سليمان بن سفيان بن داود المسترق: بضم الميم، وإسكان السين المهملة، وفتح
~~التاء المثناة الفوقانية، والراء المهملة، وهي مكسورة، كما صرح به في "
~~إيضاح " و " رجال ابن داود " 7.
# سعد الأحوص: بالحاء والصاد المهملتين بينهما واو " خلاصة " 8.
# PageV00P862
# سعيد بن جبير: بالجيم المضمومة " خلاصة " 1.
# سعيد الغراد: بالغين المعجمة والراء والدال المهملتين.
# سعيد بن بيان: بالباء الموحدة ثم الياء المثناة التحتانية.
# سعيد بن يسار: بالياء المثناة التحتانية، والسين المهملة المخففة " خلاصة
~~" 2.
# سالم بن مكرم: بضم الميم، وإسكان الكاف، وفتح الراء المهملة " خلاصة " 3.
# سعيد بن طريف وسعد بن طريف: بالطاء المهملة.
# سعيد بن خثيم: بالخاء المعجمة المفتوحة، ثم الياء المثناة التحتانية
~~الساكنة، ثم الثاء المثلثة " خلاصة " " رجال ابن داود ms540 " " شرح الدراية " 4.
# سلامة الأرزني: بالراء المهملة الساكنة، ثم الزاي المعجمة، ثم النون.
# سلمة بن كهيل: بضم الكاف " خلاصة " 5.
# سليمان بن قرم: بفتح القاف، وسكون الراء المهملة.
# سليمان بن مسهر: بكسر الميم وفتح الهاء.
# وسهل بن زاذويه: بالزاي المعجمة أولا، والذال المعجمة بعد الألف " خلاصة
~~" 6.
# سوقة: بضم السين المهملة، وإسكان الواو، وفتح القاف " إيضاح " 7.
# شبث بن ربعي: بالباء الموحدة. وفي " الترقيب " بفتح أوله، ثم الموحدة، ثم
# PageV00P863
# مثلثة، ابن ربعي 1.
# شتير: بضم الشين المعجمة، وفتح التاء المثناة الفوقانية، وسكون الياء،
~~كذا في " جامع الأصول " 2. وفى " الخلاصة " 3 وغيره: بالباء الموحدة بعد
~~الشين المعجمة.
# شرحبيل: بضم الشين المعجمة، وفتح الراء المهملة، وسكون الحاء المهملة،
~~والباء الموحدة، والياء المثناة تحتها، واللام أخيرا.
# شغر: بفتح الشين المعجمة، وفتح الغين المعجمة.
# شاذويه: بالشين المعجمة، والألف، ثم الذال المعجمة المضمومة، والياء
~~المثناة التحتانية بعد الواو " إيضاح " 4.
# أقول: الظاهر أنه مع ضم الذال تكون الواو مفتوحة والياء ساكنة.
# شبرمة: والد عبد الله، بالشين المعجمة، والباء الموحدة، والراء المهملة
~~والميم " خلاصة " 5.
# وفي " التقريب ": بضم المعجمة، وسكون الموحدة، وضم الراء 6.
# صوحان: والد صعصعة وزيد، بضم الصاد المهملة، وإسكان الواو قبل الحاء
~~المهملة، والنون بعد الألف " خلاصة " 7.
# صباح: بتشديد الباء الموحدة، صرح به بعض العلماء 8.
# صالح الجواري: بالجيم والواو والألف، والراء المهملة، والياء المثناة
~~التحتانية. وفى " رجال ابن داود " الجواربي: بإدخال الباء الموحدة بعد
~~الراء،
# PageV00P864
# والياء المثناة. وجعل الأول وهما 1.
# صبيح: بفتح الصاد، جماعة، منهم والد عيسى.
# صعصعة: بالصادين المهملتين المفتوحتين، والعينين المهملتين، أولهما ساكنة
~~والأخرى مفتوحة.
# ضريس: كزبير علم " القاموس " 2، وأعربه كذلك - أي مصغرا - بعض العلماء 3.
# طرخان: بفتح الطاء المهملة، وإسكان الراء المهملة، والخاء المعجمة،
~~والنون بعد الألف.
# طرماح: كسنمار، بالطاء والراء المهملتين المكسورتين، وتشديد الميم،
~~والحاء المهملة أخيرا.
# ظريف بن ناصح: بالظاء المعجمة.
# عاصم بن حميد: مصغرا.
# عبد الغفار بن الجازي: بالجيم والزاي المعجمة.
# عبد الله بن جبلة: بالجيم والباء الموحدة المفتوحتين، واللام المخففة "
~~خلاصة " 4.
# عبد الله بن مسكان: بالميم المضمومة، والسين المهملة الساكنة.
# عبد الله بن المغيرة: بضم ms541 الميم، وكسر الغين المعجمة، والياء المثناة
~~التحتانية.
# عثمان بن سعيد العمري: بفتح السين في سعيد، وفتح العين في العمري، من
~~نواب الصاحب عليه السلام.
# علي بن حزور: بالحاء المهملة والزاي المعجمة، المفتوحين، والواو
# PageV00P865
# المشددة، والراء المهملة " خلاصة " 1.
# عمرو بن حريث: بالحاء المهملة المضمومة، والراء المهملة، والياء المثناة
~~التحتانية، والثاء المثلثة.
# علي بن أحمد بن أبي جيد: بالجيم المكسورة، والمثناة التحتانية الساكنة،
~~والدال المهملة.
# عذافر: بالمهملة، المضمومة، ثم المعجمة، ثم الألف والفاء، والراء
~~المهملة.
# عبد الله بن وضاح: بتشديد الضاد المعجمة، والحاء المهملة أخيرا.
# عمران بن قطن: بفتح القاف، وفتح الطاء المهملة " إيضاح " 2.
# علي بن عقبة: يأتي في عقبة علي بن مهزيار: بالميم والهاء، ثم الزاي
~~المعجمة، ثم المثناة التحتانية، ثم الألف ثم الراء المهملة.
# عباس الخريزي: بالخاء المعجمة، ثم الراء المهملة، ثم الياء المثناة
~~التحتانية، ثم الزاي المعجمة " خلاصة " 3.
# عبد الله بن يزيد الخريزي: بالمعجمة، ثم المهملة، ثم المثناة، ثم
~~المعجمة.
# وفي " الإيضاح ": الخرزي بدون الياء 4.
# عبد الحميد بن عواض: بالضاد المعجمة " خلاصة " 5. وفي " رجال ابن داود ":
~~بالغين والضاد المعجمتين 6.
# عبد الرحمن بن أبي نجران: بالنون والجيم والراء المهملة.
# PageV00P866
# عبد الرحمن العرزمي 1: بالراء المهملة، ثم الزاي المعجمة.
# عبد الرحمن بن بديل: مصغرا.
# عبد الصمد العرامي: بضم العين المهملة " خلاصة " 2.
# عبد الله بن جريح: في حاشية " منهج المقال " من المصنف: جريح كأمير 3.
# وفي " رجال ابن داود ": جربج: بالضمتين وبالجيمين 4، يعني أن بعد الراء
~~المهملة باء موحدة مضمومة.
# عبد الله بن خباب: بالخاء المعجمة، والبائين الموحدتين بينهما ألف.
# وفي " رجال ابن داود " صرح بكون الباء الأولى مشددة 5.
# عبد الله بن بجير: بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، وإسكان الياء المثناة
~~تحتا، والراء المهملة.
# عبد الله بن خداش: بالخاء المعجمة، والدال المهملة، والشين المعجمة "
~~خلاصة " 6.
# عثيمة: بفتح العين المهملة، ثم الياء المثناة التحتانية، ثم الميم
~~المفتوحة (" إيضاح ") 7.
# عبد الله بن الصلت: بالصاد المهملة المفتوحة، والتاء المثناة الفوقانية.
# عبد الله بن يقطر: بالقاف الساكنة بعد الياء المثناة التحتانية، ثم الطاء
~~المهملة.
# عتبة: بضم العين المهملة، ms542 والتاء المثناة الفوقانية المفتوحة، ثم الباء
# PageV00P867
# الموحدة، اسم لجماعة منهم والد عبد الكريم وعبد الملك وعبد الرحمن
~~وغيرهم.
# عقبة: بضم العين وإسكان القاف، جماعة منهم ابن عمرو الأنصاري " خلاصة "
~~1، ووالد علي.
# عثمان بن حنيف: بالحاء المهملة المضمومة، والنون المفتوحة، والفاء بعد
~~الياء المثناة تحتها " خلاصة " 2.
# علبا: بالباء الموحدة " خلاصة " 3.
# علي بن أحمد بن أشيم: بفتح الهمزة، وسكون الشين المعجمة، وفتح الياء
~~المثناة التحتانية " خلاصة " " رجال ابن داود " 4. وفي نسخة: بضم الهمزة،
~~وفتح الشين المعجمة، وسكون المثناة التحتانية 5.
# علي بن شيرة: بكسر الشين المعجمة، والياء المثناة التحتانية، والراء
~~المهملة.
# عبيدة السلماني: بفتح العين المهملة، وكسر الباء الموحدة، وسكون الياء،
~~السلماني: بفتح السين المهملة.
# العلا بن رزين: بتقديم الراء المهملة المفتوحة على الزاي.
# علي بن أبي جهمة: بفتح الجيم.
# عبد الله بن سنان: بكسر السين.
# عمرو بن الحمق: بفتح الحاء المهملة وكسر الميم ك (كتف)، بمعنى خفيف
~~اللحية.
# عامر بن واثلة: بالثاء المثلثة بعد الألف قبل اللام.
# عبد الملك بن حكيم: بالحاء المهملة المفتوحة " إيضاح " 6.
# PageV00P868
# عامر بن جذاعة: بالجيم.
# علي بن حسكة: بالحاء والسين المهملتين " خلاصة " 1.
# عمر بن زيد بن دبيان: بالدال المهملة والنون أخيرا " خلاصة " 2.
# عيسى بن المستفاد: بالسين المهملة، والتاء المثناة الفوقانية، والفاء،
~~والدال المهملة.
# عبدوس: بضم العين المهملة، وإسكان الباء الموحدة، وضم الدال المهملة،
~~والسين المهملة بعد الواو " إيضاح " 3.
# عازب: بالعين المهملة والزاي المعجمة.
# عبدون: بضم العين المهملة، وإسكان الباء، والنون بعد الواو.
# عايذ: والد أحمد، بالياء المنقطة تحتها نقطتين، والذال المعجمة.
# علان: بفتح العين المهملة، وتشديد اللام، والنون أخيرا.
# عندر: بضم العين المهملة، وإسكان النون، وفتح الدال المهملة، والراء
~~أخيرا.
# علي بن رئاب: بهمز الياء بعد الراء المهملة " إيضاح " 4.
# علي بن محمد بن الجلقي: قيل: بالجيم المضمومة والقاف. وفي " رجال ابن
~~داود ": الجلقي: بفتحتين، قيل بالقاف، وقيل بالفاء، وبالخاء المعجمة فيهما
~~5. وفي نسخة من كتاب الشيخ: الحلفي بالحاء والفاء 6.
# PageV00P869
# عمرو بن توبة: بالمثناة فوقا، ثم الواو، ثم الموحدة.
# فضالة بن أيوب: بفتح الفاء " إيضاح " 1.
# فسانجس: بضم الفاء، والسينين ms543 المهملتين، والنون الساكنة بعد الألف،
~~والجيم المضمومة، عن الشهيد الثاني 2.
# قعقاع: بالقافين المفتوحتين بينهما عين مهملة.
# قتيبة: بضم القاف، وفتح التاء المثناة فوقا، ثم الباء الموحدة المفتوحة.
# قعين: بالقاف المضمومة، والعين المهملة الساكنة، والياء المثناة
~~التحتانية، والنون. كذا ضبطه في " الإيضاح " 3. وقال في ترجمة أحمد بن علي
~~بن أحمد:
# أسامة بن نصر بن قعين: بالقاف المضمومة، والعين المهملة المفتوحة، والياء
~~الساكنة، والنون أخيرا 4.
# قنبرة: بفتح القاف، والهاء أخيرا.
# قولويه: والد جعفر بن محمد بن قولويه، قال في " الإيضاح " بضم القاف،
~~وإسكان الواو الأول، وضم اللام، والواو بعدها 5 أقول: الظاهر - كما مر في
~~شاذويه - أن بعد اللام المضمومة الواو المفتوحة، ثم الباء الساكنة.
# قاسم بن محمد الخلقاني: بضم الخاء المعجمة، والقاف، والنون بعد الألف "
~~خلاصة " 6.
# كثير بن كاروند: بالراء المهملة والواو المفتوحين، والنون الساكنة،
~~والدال المهملة.
# PageV00P870
# كشمرد: بالكاف، ثم الشين المعجمة، والميم المفتوحة، والراء الساكنة،
~~والدال المهملة " إيضاح " 1.
# محسن بن أحمد: بتشديد الشين " إيضاح " 2.
# محمد بن أورمة: بضم الهمزة، وإسكان الواو، وفتح الراء والميم، وقد تقدم
~~الراء على الواو " خلاصة " 3.
# محمد بن الحصين: بالمهملتين، مصغرا.
# محمد بن عذافر: مر في عذافر.
# محمد بن الفرج الرخجي: بضم الراء المهملة، ثم الخاء المعجمة المفتوحة، ثم
~~الجيم، والرخج قرية بكرمان.
# محمد بن موسى: لقبه خورا 4، بالخاء المعجمة المضمومة، ثم الواو، ثم الراء
~~المهملة " خلاصة " 5.
# مخنف: في " جامع الأصول ": بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة، وفتح النون،
~~ثم الفاء 6. ابن سليم: مصغرا.
# مرازم: بضم الميم، ثم الراء المهملة قبل الألف، ثم الزاي المعجمة.
# مروك: بفتح الميم، وسكون الراء المهملة، وفتح الواو، ثم الكاف.
# مخول: بكسر الميم، وإسكان الخاء المعجمة، والواو المفتوحة، ثم اللام.
# مقرن: بضم الميم، وفتح القاف، وتشديد المهملة المكسورة، والنون.
# مشمعل: بضم الميم، وإسكان الشين المعجمة، وفتح الميم، وكسر العين
# PageV00P871
# المهملة، وتشديد اللام " منهج المقال " نقله عن الشهيد الثاني 1.
# معتب: بضم الميم، وفتح العين المهملة، وتشديد التاء المثناة الفوقانية
~~المكسورة، ثم الباء الموحدة.
# معروف بن خربوذ: بالخاء المعجمة المفتوحة، والراء المهملة المشددة،
~~والباء ms544 الموحدة، والذال المعجمة بعد الواو " خلاصة " 2.
# معلى بن خنيس: بالخاء المعجمة المضمومة، والنون المفتوحة، والسين المهملة
~~بعد المثناة التحتانية " خلاصة " 3.
# موسى بن أكيل: بضم الألف، وفتح الكاف، والمثناة التحتانية، ثم اللام.
# مياح: مر في الحسين بن مياح 4.
# متيل: مر في الحسن بن متيل 5.
# ميسر: قيل: بفتح الميم، وإسكان المثناة التحتانية. وقيل: بضم الميم، وفتح
~~المثناة، ثم السين المهملة المشددة، ثم الراء المهملة 6.
# مسلمة: بفتح الميم، ثم السين ثم الميم.
# مهزم: بكسر الميم، وبعدها هاء، ثم زاي مفتوحة.
# مهران: بكسر الميم، وبعدها هاء، ثم راء مهملة، والنون أخيرا.
# مرار: بفتح الميم، وتشديد الراء المهملة، والراء أخيرا.
# منهال: بكسر الميم، وإسكان النون، واللام أخيرا.
# ميثم: بكسر الميم، وإسكان الياء المثناة التحتانية، وفتح المثلثة. قال
~~بعض مشايخنا البحرانيين في كتابه المسمى بلؤلؤة البحرين: إن كلما وجد ميثم
~~فهو
# PageV00P872
# بكسر الميم الأولى، إلا ميثم البحريني والد ابن ميثم شارح الشروح الثلاثة
~~على نهج البلاغة 1. وقال بعض العلماء أيضا في ميثم التمار: بكسر الميم، ولم
~~يأت بالفتح إلا ميثم البحريني 2.
# وهو من المتأخرين.
# مصقلة: بفتح الميم، وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف.
# مسكان: بالميم المضمومة، والسين المهملة الساكنة، والنون بعد الألف.
# المغيرة: بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، والياء المثناة التحتانية.
# مابنداذ: بالميم قبل الألف، والباء الموحدة بعدها النون، والذال المعجمة
~~أخيرا " إيضاح " 3.
# مسمع بن كردين: بالراء بعد الكاف المكسورة، والدال المهملة المكسورة،
~~والياء المثناة تحتها قبل النون.
# ممويه: بفتح الميمين، ثم الواو، ثم الياء المثناة تحتها.
# محمد بن عبد الله الشخير: بالشين والخاء المعجمتين. وفي القاموس:
# الشخير كسكيت 4.
# محمد بن عبد الله المسلي: بالسين المهملة بعد الميم، واللام بعد السين.
# ومسلية: بضم الميم قبيلة من مذحج " خلاصة " 5. وفي " الإيضاح ": المسلي
~~بضم الميم وفتح السين 6.
# وفى " جامع الأصول ": بضم الميم وسكون السين 7.
# PageV00P873
# محمد بن أحمد الجريري: بالجيم، والراء قبل الياء وبعدها " خلاصة " 1.
# وفي " رجال ابن داود ": بالجيم المضمومة 2.
# محمد ثوابا: بالمثلثة، والواو، والباء الموحدة.
# محمد بن الحسن بن شمون: بالشين المعجمة والنون.
# محمد بن علي بن جاك: ms545 بالجيم والكاف " خلاصة " 3.
# محمد بن مسلم بن رباح: بفتح الراء المهملة، والباء الموحدة.
# محمد بن يونس تسنيم: بالمثناة فوقا، ثم السين المهملة، والنون، والمثناة
~~تحتا.
# محمد بن سوقة: بضم المهملة.
# محمد بن عبد الله الجلاب: بالجيم والباء الموحدة.
# محمد بن عبد الملك التبان: بالتاء المثناة فوقا، والباء الموحدة، والنون
~~بعد الألف.
# محمد بن فضيل بن غزوان: بفتح الغين المعجمة، وسكون الزاي المعجمة " تقريب
~~" 4.
# محمد بن ميسر: بالسين المهملة بعد الياء المثناة تحتها.
# محمد بن نصير: بالصاد المهملة مصغرا.
# محمد بن يزداذ: بالزاي المعجمة بعد الياء المثناة تحتا، والدال المهملة،
~~ثم الألف، ثم الذال المعجمة.
# محمد بن الحسن بن فروخ: بالفاء، ثم الراء المشددة، ثم الواو، ثم الخاء
~~المعجمة " إيضاح " 5.
# PageV00P874
# معاوية بن عمار الدهني: بضم الدال المهملة، وإسكان الهاء وفتحها، والنون
~~قبل الياء " خلاصة " 1.
# معمر: وهو قد يكون بضم الأول، وفتح العين المهملة، وتشديد الميم الثانية،
~~وهو معمر بن خلاد بالخاء المعجمة. وقد يكون بفتح الميمين، وإسكان العين،
~~وتخفيف الميم الثانية، وهو معمر بن يحيى، ذكره في " الإيضاح " 2.
# مسيب بن نجبة: بفتح النون والجيم، والموحدة " التقريب " 3.
# ماجيلويه: بالجيم المكسورة، والياء المثناة تحتها، ثم اللام المضمومة، ثم
~~الواو " إيضاح " 4.
# محمد بن وهبان: بفتح الواو، وإسكان الهاء، والباء الموحدة. الدبيلي:
# بالدال المهملة، والباء الموحدة المفتوحة، والياء المثناة من تحت.
# منبه: بالنون قبل الباء الموحدة.
# مفضل بن قيس بن رمانة: بضم الراء، وتشديد الميم، والنون بعد الألف.
# منصور بن حازم: بالحاء المهملة، والزاي المعجمة.
# المنخل: بالميم المضمومة، والنون المفتوحة، والخاء المعجمة المشددة،
~~واللام أخيرا.
# مندل: بفتح الميم، وإسكان النون، وفتح المهملة، وبعدها اللام. العتري:
# بالمهملة المفتوحة، والمثناة فوقا المفتوحة أيضا، والمهملة بعدها. وفي "
~~التقريب ": العنزي: بفتح النون وبعدها الزاي المعجمة 5. وفي " رجال ابن
~~داود ": بالعين المهملة والتاء المثناة الساكنة 6.
# PageV00P875
# موسى بن رنجويه: بالراء المهملة، ثم النون " خلاصة " 1. وفي " الإيضاح ":
# بالزاي المعجمة 2.
# نصر: جماعة، بعضهم بالصاد المهملة، وبعضهم بالمعجمة. قال ابن حجر في "
~~التقريب ": نصر جماعة، وكذلك النضر، والذي بالمهملة عار عن اللام، والذي
~~بالمعجمة ms546 ملازم لها 3. وصرح بذلك غيره أيضا.
# نوبخت: سيجيئ في بني نوبخت.
# وريزة: بالواو المفتوحة، والراء المهملة المكسورة، والياء المثناة تحتها،
~~والزاي المعجمة المفتوحة.
# الوليد بن صبيح: بفتح الصاد المهملة، والباء الموحدة قبل الياء المثناة.
# وندك: بالواو المفتوحة، وإسكان النون، وفتح الدال المهملة، والكاف.
# هارون بن خارجة: بالخاء المعجمة أولا، ثم الجيم بعد الراء المهملة
~~والألف.
# هاشم بن عتبة: بالعين المهملة المضمومة، والتاء المثناة فوقا، من أصحاب
~~أمير المؤمنين عليه السلام " خلاصة " 4.
# يحيى بن أكثم: من العامة، بالثاء المثلثة بعد الكاف.
# يونس بن ظبيان: بالظاء المعجمة المفتوحة، والباء الموحدة قبل الياء
~~المثناة التحتانية، والنون بعد الألف.
# يحيى بن عليم: بالعين المهملة مصغرا.
# يحيى بن وثاب: بالمثلثة المشددة، والباء الموحدة أخيرا.
# يحيى بن زاير: بالزاي المعجمة، ثم الألف، ثم الياء المثناة التحتانية
~~الساكنة،
# PageV00P876
# ثم الراء المهملة " إيضاح " 1.
# يزيد بن نويرة: بالنون المضمومة.
# يزيد الصايغ: بالصاد المهملة والغين المعجمة.
# يوسف بن السخت: بالسين المهملة، والخاء المعجمة، والخاء المعجمة، والتاء
~~المثناة فوقا " خلاصة " 2.
# يعقوب السكيت: بالسين المهملة المكسورة، والكاف المشددة المكسورة، ثم
~~الياء المثناة تحتا، ثم المثناة فوقا.
# باب الكنى أبو الأسود الديلي: بكسر الدال المهملة، وسكون الياء المثناة
~~التحتانية.
# ويقال: الدءلي بضم الدال بعدها همزة مفتوحة " تقريب " 3.
# ابن أذينة: بضم الهمزة، وفتح الذال المعجمة وإسكان الياء المثناة
~~التحتانية، وفتح النون.
# أبو برزة السلمي: وفتح الباء الموحدة، والراء المهملة، والزاي المعجمة.
# ابن مرار: بفتح الميم، وتشديد الراء المهملة، والراء أخيرا بعد الألف.
# ابن أخي ذبيان: بالذال المعجمة المضمومة، والياء المثناة تحتها، والنون
~~بعد الألف " إيضاح " 4.
# أبو مخنف: بالميم بالمكسورة، والخاء المعجمة الساكنة، وفتح النون.
# أبو الأعز: " منهج المقال "، الظاهر من النسخ أنه بالعين المهملة والزاي
# PageV00P877
# المعجمة. وربما قيل: واحتمل بالغين المعجمة، والراء المهملة 1. أبو
~~البختري: بفتح الموحدة والمثناة الفوقانية بينهما خاء معجمة ساكنة " تقريب
~~" 2.
# أبو جنادة: بضم الجيم، والنون بعده، والدال المهملة بعد الألف.
# ابن أبي نجران: بالنون والجيم، والراء المهملة، والنون " خلاصة "، 3 والد
~~عبد الرحمن.
# أبو ضمرة: بالضاد المعجمة المفتوحة.
# أبو بردة: ms547 بضم الموحدة، وإسكان الراء المهملة، وفتح الدال المهملة.
# ابن أبي هراسة: بكسر الهاء، وبعد الألف سين مهملة، يكنى به إبراهيم بن
~~رجاء.
# ابن أبي مليكة: بالميم المضمومة، واللام المفتوحة، والياء المثناة
~~الساكنة تحتا، والكاف المفتوحة، يكنى به إبراهيم بن خالد.
# ابن خانبة: بالخاء المعجمة، والنون المكسورة بعد الألف، والباء الموحدة
~~المفتوحة " إيضاح " 4. يكنى به أحمد بن عبد الله بن مهران.
# أبو خيثمة: بضم الخاء المعجمة، والياء المثناة تحتا الساكنة، ثم المثلثة
~~المفتوحة " إيضاح " 5. وهو جد بسطام بن الحصين.
# أبو سبرة: بفتح السين المهملة، وضم الباء الموحدة، وفتح الراء المهملة.
# أبو المغرا: بفتح الميم، وإسكان الغين المعجمة، وبعدها راء مهملة، ثم ألف
~~مقصور، وقيل ممدود " إيضاح " 6.
# PageV00P878
# أبو ولاد: بتشديد اللام.
# أبو خلاد: بالخاء المعجمة، واللام المشددة، يكنى به حكم به حكيم " إيضاح
~~" 1.
# أبو ناب: بالنون أولا، والباء الموحدة أخيرا، يكنى به الحسن بن عطية.
# ابن أبي فاختة: بالفاء أولا، والخاء المعجمة المكسورة بعد الألف، والتاء
~~المثناة فوقا.
# بني والبة: بكسر اللام وفتح الباء الموحدة " إيضاح " 2.
# أبو دجانة: بالدال المهملة المضمومة، والجيم، والنون بعد الألف " خلاصة "
~~3. ولده خالد بن أبي دجانة، هو المشهور بابن أبي دجانة من أصحاب الأمير
~~عليه السلام.
# ابن عبدون: بضم العين على وزن عبدون.
# أبو سعيد الخدري: بضم الخاء المعجمة، وسكون الدال المهملة، وكسر الراء
~~المهملة، والياء المثناة التحتانية.
# ابن قبة: بالقاف المكسورة، والباء الموحدة المفتوحة المخففة " خلاصة " 4.
# وقال السيد صفي الدين محمد بن معد الموسوي: محمد بن قبة: بالقاف المكسورة
~~والباء المنقطة تحتها نقطة، المخففة المفتوحة، ثم قال: وجدت في نسخة بضم
~~القاف وتشديد الباء. قال العلامة في " الإيضاح " بعد نقل ذلك: والذي سمعنا
# PageV00P879
# من مشايخنا الأول 1.
# بني نوبخت: بضم النون، وإسكان الواو، وضم الباء الموحدة، وإسكان الخاء
~~المعجمة، والتاء المثناة الفوقانية " إيضاح " 2.
# ابن قولويه: قد مر في اسم قولويه.
# ابن أبي داحة: بالدال والحاء المهملتين " خلاصة " 3.
# بني رزيق: بالراء المهملة المضمومة، والزاي المعجمة المفتوحة.
# ابن برنية: بالباء الموحدة، والراء المهملة، والنون المكسورة، والياء
~~المثناة التحتانية المشددة. ms548
# أبو الصباح الكناني: بفتح الصاد المهملة، وتشديد الباء الموحدة. وإنما
~~سمي بالكناني، لأن منزله في كنانة فعرف به. وكنانة بكسر الكاف وفتح النون
~~المخففة:
# قبيلة من مضر " خلاصة " 4.
# أبو إسحاق المذاري: بفتح الميم، والذال المعجمة، والراء المهملة.
# أبو بجير: بضم الباء الموحدة، وفتح الجيم، والراء المهملة أخيرا.
# بني ذخران: بالذال المعجمة المضمومة، والخاء المعجمة، والراء المهملة
~~بعدها، والنون بعد الألف " خلاصة " 5.
# ابن مابنداذ: مر في اسم مابنداذ.
# أبو خالد الذيال: بالذال المعجمة والياء المثناة من تحت.
# أبو داود المسترق. ذكر في " رجال ابن داود " و " الإيضاح ": أنه بكسر
~~الراء وتشديد القاف 6. وذكر بعض العلماء أن ما ذكروه في وجه التسمية يدل
~~على أنه
# PageV00P880
# بفتح الراء 1. أقول: في دلالته نظر.
# أبو عبد الله الجدلي: بفتح الجيم والدال.
# أبو الحسين العقرابي: بفتح العين المهملة، وإسكان القاف، وبعده راء
~~مهملة، وبعد الألف باء " إيضاح " 2. وقيل: أبو الحسين العقراني باقحام
~~النون بين الياء والألف 3.
# أبو الحسين الجرجراي: بالجيمين المفتوحتين، والرائين المهملتين، والألف،
~~والياء المثناة.
# أبو إبراهيم الغنوي: بفتح الغين المعجمة والنون.
# أبو شعيب المحاملي: بالميم المفتوحة والحاء المهملة.
# أبو الفرج القتاب: بالقاف، والمثناة الفوقانية بعدها الألف، ثم الموحدة "
~~إيضاح " 4.
# أبو عبد الله السياري: بالسين المهملة، والمثناة التحتانية المشددة.
# أبو سيف الوحاظي: بالوا، ثم المهملة، ثم الألف ثم المعجمة " إيضاح " 5.
# أبو سعيد عقيصان: بالعين المهملة، ثم القاف، ثم المثناة التحتانية، ثم
~~الصاد المهملة، ثم الألف والنون.
# أبو سمينة: بضم السين المهملة، والميم، والياء المثناة تحتها، والنون
~~المفتوحة " إيضاح " 6.
# أبو سليمان الحمار: بفتح الحاء المهملة، والميم المشددة.
# PageV00P881
# أبو العلاء بن سيابة: بالسين المهملة، والياء المثناة تحتا، والباء
~~الموحدة بعد الألف " خلاصة " 1.
# أبو عتاب: بالمهملة، ثم المثناة فوقا المشددة، ثم الألف، ثم الموحدة "
~~إيضاح " 2.
# أبو العباس الفامي: بالفاء، والميم بعد الألف.
# أبو حبيب النباجي: بالنون، والباء الموحدة، والجيم " إيضاح " 3.
# أبو زياد السملي: بضم السين المهملة " إيضاح " 4.
# ابن دول: مر في دول 5.
# أبو عيينة: بضم العين المهملة، واليائين المنقطة تحتها نقطتين، أولهما
~~مفتوحة وثانيهما ساكنة، ثم نون " إيضاح ms549 " 6.
# ابن مصقلة: بفتح الميم، وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف.
# ابن نهيك: بالنون المفتوحة، ثم الهاء، ثم المثناة التحتانية.
# الأوصاف والألقاب بيع الزطي: بضم الزاي المعجمة، وكسر الطاء المهملة
~~المخففة، وتشديد الياء. وسمعت السيد جمال الدين بن طاوس: بضم الزاي وفتح
~~الطاء المخففة، مقصورا 7.
# النخاس: بالنون والخاء المعجمة المشددة، والسين المهملة، وصف به
# PageV00P882
# آدم بن الحسين، وجارود بن المنذر، ورفاعة بن موسى النخاسي.
# الخزاز: وهو قد يكون بالخاء المعجمة، والزائين المعجمتين، أي بائع الخز،
~~وقد يكون بالخاء المعجمة، والراء المهملة، والزاي المعجمة، أي بائع الخرزة.
# فالأول: يلقب به أحمد بن النظر، والحسن بن علي بن زياد، والحسين بن جعفر
~~المخزومي، والحسين بن علي القمي، وإبراهيم بن سليمان النهمي، ومحمد بن
~~يحيى، ومحمد بن الوليد، وعلي بن الفضل، وعمر بن عثمان، وعلي بن عمران، وعلي
~~بن محمد بن علي، وعبد الكريم بن هليل وغيرهم.
# ومن الثاني: إبراهيم بن زياد، كما ذكره الشهيد الثاني في شرح الدراية 1.
# واختلف في إبراهيم بن عيسى المكنى بأبي أيوب، فقال العلامة في " الإيضاح
~~":
# إبراهيم بن عيسى أبو أيوب الخراز: بالخاء المعجمة والراء المهملة، والزاي
~~المعجمة بعد الألف 2. وقال في " الخلاصة ": ابن عيسى أبو أيوب الخراز:
~~بالخاء المعجمة، والزاي بعد الألف وقيل قبلها أيضا 3. ونقل الشهيد الثاني
~~في " شرح الدراية " عن ابن داود أنه قال:
# أبو أيوب الخراز بالراء المهملة والزاي المعجمة 4.
# القلاء: بالقاف واللام المشددة.
# الحلال: بالحاء المهملة، واللام المشددة، يبيع الحل يعني الشيرج، ويلقب
~~به أحمد بن عايد، وأحمد بن عمر.
# الحجال: بالحاء المهملة أولا، والجيم المشددة، يوصف به عبد الله بن
# PageV00P883
# محمد، وأحمد بن سليمان وغيرها " إيضاح " 1.
# فقاعة: بضم الفاء، وتشديد القاف، والعين المهملة، يوصف به أحمد فقاعة "
~~إيضاح " 2.
# الحناط: وهو قد يكون بالحاء المهملة، والنون المشددة، والطاء المهملة،
~~يوصف به أبو ولاد، وأيمن، والحسين بن موسى، والحسن بن عطية، وعاصم بن حميد.
~~وقد يكون بالخاء المعجمة، والياء المثناة تحتا، يوصف به عبد الله بن عثمان.
# القتات: بفتح القاف، وتشديد التاء المثناة فوقا، ثم الألف، ms550 ثم التاء
~~أيضا.
# وقد يقال: إن الأخيرة هي الباء الموحدة.
# الوشاء: بالشين المعجمة المشددة.
# القماط: بالقاف المفتوحة، والميم المشددة، والطاء المهملة " إيضاح " 3.
# زنكار: بالزاي المعجمة أولا، والنون بعده، والكاف بعد النون، والراء بعد
~~الألف.
# ببة: بالباء الموحدة المفتوحة، والباء الموحدة - أيضا - المشددة، يلقب به
~~عبد الله بن الفضل.
# القداح: بالقاف والدال المشددة.
# البقباق: بفتح الباء الموحدة، وسكون القاف، ثم الباء الموحدة، والقاف
~~أخيرا " خلاصة " 4.
# دندان: يلقب به أبو جعفر، وهو بالدال المهملة المفتوحة، والنون الساكنة
~~والدال المهملة، والنون بعد الألف.
# PageV00P884
# دكين: بالدال المهملة المضمومة، والكاف المفتوحة، ثم الباء المثناة
~~التحتانية، ثم النون، يلقب به أبو نعيم.
# النسب البجلي: وهو كما صرح به في " الصحاح " وغيره على قسمين: أحدهما
~~البجلي بفتح الباء الموحدة، وفتح الجيم، وكسر اللام. وثانيهما البجلي بفتح
~~الباء الموحدة وسكون الجيم، وكسر اللام.
# فالأول منسوب إلى بجيلة، وهو حي من العرب. وقيل: من اليمن.
# والثاني منسوب إلى بجلة، بطن من بني سليم 1.
# فكل من كان نسبته معلومة من كتب الرجال، فيكون لفظ النسبة معلوما، وكل من
~~لم يعلم يحتمل الأمران، فمن الأول: أبان بن عثمان الأحمر، ومنه:
# أبان بن محمد، على الأشهر، كما صرح به " النجاشي " 2.
# البزنطي: بالباء الموحدة المفتوحة، ثم الزاي المعجمة المفتوحة، ثم النون
~~الساكنة، ثم الطاء المهملة المكسورة.
# السبيعي: بفتح السين المهملة، وكسر الباء الموحدة، وإسكان الياء المثناة،
~~وكسر العين المهملة.
# الحميري: بالحاء المهملة المكسورة، والميم الساكنة، والياء المثناة تحتها
~~المفتوحة، والراء المهملة " إيضاح " 3، وإليه ينسب إسماعيل الشاعر.
# السلمي: يكون بضم السين المهملة، وإليه ينسب إسماعيل بن أبي زياد، ويكون
~~بفتح السين، وإليه ينسب أبو عاصم حفص.
# الجندي: بالجيم المضمومة، والنون الساكنة.
# PageV00P885
# الحماني: بالحاء المهملة والميم المشددة، والنون قبل الياء المثناة تحتا،
~~ينسب إليه أبو العباس.
# الثمالي: بضم الثاء المثلثة.
# المنقري: بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف، وكسر الراء المهملة.
# البختري: بالباء الموحدة المفتوحة، والخاء المعجمة الساكنة، والتاء
~~المثناة فوقا المفتوحة، والراء المكسورة " خلاصة " ذكره في ليث بن البختري
~~1.
# الكمنذاني: بضم الكاف وضم الميم، وإسكان ms551 النون، وفتح الذال المعجمة،
~~منسوب إلى الكمنذان قرية من قرى قم.
# الغزالي: المعروف، مؤلف كتاب إحياء العلوم، وغيره، قال ابن خلكان:
# إنه بتشديد الزاي المعجمة 2.
# وفي " المصباح المنير " إنه بتخفيف الزاي المعجمة، قال: غزالة قرية من
~~قرى طوس، وإليها ينسب الإمام أبو حامد الغزالي، أخبرني بذلك الشيخ مجد
~~الدين بن محمد بن محيي الدين محمد بن أبي طاهر شروان شاه بن أبي الفضائل
~~فخراور بن عبد الله بن ست النساء بنت أبي حامد الغزالي ببغداد سنة ست عشر
~~وسبعمائة، وقال لي: أخطأ الناس في تثقيل اسم جدنا، وإنما هو مخفف نسبته إلى
~~الغزالة القرية المشهورة 3.
# العرزمي: بفتح العين المهملة، وإسكان الراء المهملة، وفتح الزاي المعجمة
~~" إيضاح " 4.
# النوفلي: بفتح النون " إيضاح " ذكره في ترجمة الحسن بن محمد بن سهل 5.
# PageV00P886
# الهمداني: وهو إن كان بالدال المهملة، فهو منسوب إلى قبيلة همدان، وإن
~~كان بالذال المعجمة، فهو منسوب إلى بلدة معروفة في عراق العجم بناها همذان
~~بن الغلوج بن سام بن نوح 1.
# ومن الثاني أحمد بن زياد.
# الكناسي: منسوب إلى كناسة بضم الكاف، والنون، والسين المهملة " إيضاح "
~~2.
# الصرمي: بكسر الصاد المهملة، والميم بعد الراء المهملة الساكنة.
# الصيمري: بفتح الصاد المهملة، وإسكان الياء المثناة التحتانية بعدها ميم
~~مضمومة، ثم الراء المهملة " خلاصة " 3. وقال ابن داود: الحق أنها بفتح
~~الميم، ومنسوب إلى صيمرة بلد قريب دينور، وناحية بالبصرة 4.
# الجحدري: بفتح الجيم، وإسكان الحاء المهملة، وفتح الدال المهملة، والراء
~~المهملة المكسورة أخيرا.
# الجنبلاني: بضم الجيم، وإسكان النون، وضم الباء الموحدة، والياء المثناة
~~أخيرا بعد نون، ينسب به الحسين بن حمدان.
# البوشنجي: بضم الباء الموحدة، وفتح الشين المعجمة، وإسكان النون، وكسر
~~الجيم، ينسب به الحسين بن أحمد بن المغيرة.
# الخصيبي: بفتح الخاء المعجمة، وكسر الصاد المهملة، ثم الياء المثناة
~~تحتا، ثم الباء الموحدة، ينسب به الحسين بن حمدان أيضا " إيضاح " 5. وفي "
~~خلاصة " بضم الحاء المهملة، والضاد المعجمة، والنون بعد الياء وقبلها 6.
# الصبيحي: بفتح الصاد المهملة، والباء الموحدة المكسورة، والياء المثناة
~~تحتا
# PageV00P887
# والحاء المهملة، ينسب به أبو جعفر ms552 حمدان المعاف.
# الطفاوي: بضم الطاء المهملة، وبعدها فاء، والواو المكسورة بعد الألف،
~~ينسب به الحسين بن راشد.
# الدغشي: بالدال المهملة المضمومة، والغين والشين المعجمتين.
# الشغريري: بفتح الشين المعجمة، وكسر الغين المعجمة، والراء قبل الياء
~~المثناة وبعدها " إيضاح " 1.
# الطاطري: بفتح الطائين المهملتين " إيضاح " 2.
# السكوني: بفتح السين المهملة، وضم الكاف " إيضاح " 3.
# النرسي: بالنون المفتوحة، والراء والسين المهملتين.
# والنرس قرية بالعراق.
# العبرتايي: بالعين المهملة المفتوحة، والباء الموحدة، والراء المهملة،
~~والتاء المثناة فوقا، والياء المثناة تحتها بعد الألف، ثم ياء ثانية، ينسب
~~إليه أحمد بن هلال.
# العجلي: رأيت في بعض النسخ الصحيحة بخط بعض الفضلاء معربة بفتح العين
~~والجيم.
# النهمي: بكسر النون، والهاء المكسورة، والميم المكسورة " إيضاح " 4. وفي
~~" الخلاصة " بكسر النون، وإسكان الهاء. وكذا في رجال " ابن طاوس " و " ابن
~~داود " 5.
# الجعفي: في القاموس: ككرسي 6.
# الكليني: بضم الكاف وتخفيف اللام، منسوب إلى كلين قربة من قرى ري،
# PageV00P888
# ونحوه في بعض لغات الفرس. وحكي عن الشهيد الثاني: أنه ضبطه في إجازته
~~لعلي بن حارث الحايري، الكليني: بتشديد اللام 1. وفي القاموس: كلين كأمير:
# قرية بالري منها محمد بن يعقوب بن فقهاء الشيعة 2.
# أقول القرية موجودة الآن في الري في قرب الوادي المشهور بوادي الكرج،
~~وعبرت من قربه، ومشهورة عند أهلها وأهل تلك النواحي جميعا بكلين بضم الكاف
~~وفتح اللام المخففة. وفيها قبر الشيخ يعقوب والد محمد.
# السمري: وهو أبو الحسن علي بن محمد، من نواب صاحب الأمر عليه السلام،
~~بالسين المهملة المفتوحة، والميم المضمومة، والراء المهملة. وقيل: بالسين
~~المكسورة، والميم المكسورة المشددة " إيضاح " 3.
# الجلودي: قال في " الخلاصة " في أحمد الصولي: صحب الجلودي، بالجيم
~~المفتوحة، واللام الساكنة، والواو المفتوحة. وقيل: بضم اللام، وإسكان
~~الواو، والدال غير المعجمة 4.
# وفى " الإيضاح " باللام المضمومة، والواو الساكنة. وكذا في " رجال ابن
~~داود " 5.
# وقال في " الإيضاح " في أحمد الجلودي: بضم الجيم، وضم اللام، وإسكان
~~الواو 6.
# وفى " الصحاح ": الجلودي بفتح اللام، وهو منسوب إلى الجلود قرية من
# PageV00P889
# قرى إفريقية، ولا تقل الجلودي بالضم 1.
# وقال في القاموس: وكقبول قرية بالأندلس، وأما الجلودي راوية مسلم، ms553 فبالضم
~~لا غير، ووهم الجوهري في قوله: ولا تقل الجلودي أي بالضم 2.
# وفي " الإيضاح " أيضا: عبيد بن عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى
~~الجلودي بضم الجيم، وضم اللام، وإسكان الواو، والدال المهملة 3.
# البكائي: بفتح الباء الموحدة، وتخفيف الكاف، كذا في شرح ابن ميثم 4.
# وفى " التقريب " بكسر الموحدة 5.
# الغافقي: بالغين المعجمة، والفاء، والقاف.
# الغساني: بالغين المعجمة، والسين المهملة المشددة، والنون بعد الألف.
# الطبرناني: بالطاء المهملة، والباء الموحدة، والراء المهملة، والنون قبل
~~الألف وبعدها.
# النجاشي: ملك الحبشة، بفتح النون، وتشديد الجيم، والشين المعجمة، كذا في
~~" جامع الأصول " 6.
# النخعي: بالنون، والخاء المعجمة، والعين المهملة. وفى " القاموس " النخع
~~محركة: أبو قبيلة باليمن 7.
# الكندي: بكسر الكاف ثم النون الساكنة، منسوب إلى كندة، أبي حي من اليمن.
# الخثعمي: بالخاء المعجمة، والثاء المثلثة، منسوب إلى خثعم كجعفر.
# PageV00P890
# القتيبي: بضم القاف، وفتح المثناة الفوقانية، وإسكان المثناة التحتانية،
~~والباء الموحدة.
# الأحمسي: بالحاء والسين المهملتين.
# البراني: بضم الباء الموحدة، وبعدها راء مهملة، وبعد الألف نون.
# الكفرثوثي: في " الإيضاح " بفتح الكاف والفاء، وإسكان الراء، وضم
~~المثلثة، وكفرثوث قرية بخراسان 1.
# وفى " رجال ابن داود ": بالفاء المفتوحة. وقيل: الساكنة والراء، والمثناة
~~الفوقانية، ثم المثلثة، ومن أصحابنا من صحفه فتوهمه بالمثلثتين. والحق
~~الأول، قرية بخراسان 2.
# وفي كتاب " أدب المكاتب " لابن قتيبة: كفرتوثي، وساكنة الفاء ولا تفتح،
~~بالمثناة الفوقانية أولا، ثم المثلثة 3.
# النهدي: بالنون المفتوحة والدال المهملة.
# الحبري: بكسر الحاء.
# تستري: بالمثناتين من فوق، الأولى مضمومة والثانية مفتوحة بينهما سين
~~مهملة ساكنة. وتستر مدينة مشهورة بخوزستان.
# البترية: بالباء الموحدة أولا، أصحاب كثير النوى، قال لهم زيد بن علي:
# بترتم أمرنا بتركم الله 4.
# الضبيعي: بالضاد المعجمة، مصغرا.
# الجزري: بالجيم المفتوحة، ثم المعجمة، ثم المهملة.
# الجواني: بفتح الجيم، وتشديد الواو، ثم النون.
# PageV00P891
# المرعشي: فتح الميم وكسر العين المهملة.
# البزوفري: نسبة إلى بزوفر قرية بطبرستان.
# العنزي: بالمهملة المفتوحة، والنون المفتوحة، والمعجمة.
# الهذلي: بضم الهاء، وفتح الذال المعجمة، ذكره البهائي في أربعينه 1.
# القطر نبلي: بالقاف المضمومة، والنون المضمومة بعد الراء المهملة، وبعدها
~~الباء الموحدة، قرية بحد آمل، ms554 كذا في حاشية رجال الكبير 2.
# وفي القاموس:
# بالضم، وتشديد الباء الموحدة أو تخفيفها، وتشديد اللام 3.
# الغفاري: بكسر الغين المعجمة، وتخفيف الفاء.
# الأرجاني: بالراء والجيم، قال ابن خلكان: بفتح الهمزة وتشديد الراء، وفتح
~~الجيم، والنون بعد الألف 4. وأكثر الناس يقولون: إنها بالراء المخففة.
~~واستعملها المتنبي في شعره بالراء المخففة 5. وحكى في الصحاح بتشديد الراء
~~6.
# الرساني: بالراء والسين المهملة المشددة.
# النهيكي: بالنون قبل الهاء، والياء المثناة التحتانية.
# الأبلي: منسوب إلى أبلة بالضم، وتشديد اللام.
# الظفري: بالمعجمة والفاء المفتوحتين.
# شمشاطي: بالمعجمتين المفتوحتين.
# السوسنجزدي: بالمهملتين بينهما واو، والنون والجيم، والزاي المعجمة،
# PageV00P892
# والدال المهملة " خلاصة " 1. وفي " رجال ابن داود " الراء عوض الزاي 2.
# الجاموراني: بالجيم، والميم المضمومة، والراء المهملة.
# النعماني: بالنون المضمومة.
# الشلمغاني: بالشين والغين المعجمتين، يعرف بابن العزاقر، بالعين المهملة
~~والزاي المعجمة، والقاف والراء.
# PageV00P893 ms555