######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010895 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عبد العزيز بن حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر (المتوفى: 1244هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1244 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: منحة القريب المجيب في الرد على عباد الصليب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010895 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10895 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10895 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أرسل رسوله محمدا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ~~وكفى بالله شهيدا، فصدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وبددهم ~~تبديدا: {وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم ~~يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا} . # تفرد بالخلق والتصوير، ويبده الأمر والتدبير، وإليه القضاء والتقدير، فلا ~~يملك أحد من دونه قطميرا: {ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ~~وكان الكافر على ربه ظهيرا} . # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نظير له، ولا صاحبة له، ~~ولا ولد له، تعالى الملك الجبار: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار} . # تفرد بالربوبية في قدمه، وظهرت سمات العبودية على من سوى ذي الجلال ~~والإكرام: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام} . # PageV01P137 # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله على حين فترة من الرسل ودروس السبل، ~~وقد مقت أهل الأرض عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، فهدى به من ~~الضلالة، وعلم به من الجهالة، وبصر به من العمى، وأرشد به من الغي ~~والارتياب، ففتح برسالته أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا، فاستنارت ~~لها الطرق، وانفتحت الأبواب، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، ~~وجاهد في الله حق الجهاد، ففتح القلوب بالإيمان والقرآن. # وجاهد أعداء الله باليد والقلب واللسان، ودعا إلى الله على بصيرة جميع ~~العباد إلى أن أشرقت برسالته الأرض بعد ظلامها أي إشراق، وتألفت به القلوب ~~بعد شتاتها والافتراق، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار، وبلغ دينه القيم ~~ما بلغ الليل والنهار، واستجابت القلوب لدعوته الحق طوعا وإذعانا، وامتلأت ~~بعد خوفها وكفرها أمنا وإيمانا، فجزاه الله عن أمته خير الجزاء، وصلى الله ~~عليه صلاة تملأ أقطار الأرض والسماء، وعلى إخوانه من الرسل والأنبياء وعلى ~~آل كل، وأصحاب كل والأولياء. # وبعد: فقد سألني بعض الإخوان -أيدهم الله ms001 تعالى بروح منه، وكتب في قلوبهم ~~الإيمان والفهم عنه- أن أكتب جوابا عن أباطيل # PageV01P138 # الكتاب الذي صنفه بعض الضالين من النصارى الجهلة المغالين، وسماه " مفتاح ~~الخزائن ومصباح الدفائن "، وضمن بعض فصوله الرد على المسلمين والاعتراض على ~~نبوة سيد المرسلين، وقد بث منه النصارى نسخا كثيرة، ليلبسوا الأمر على ~~ضعفاء البصيرة، ويلقوا عليهم الشكوك والشبهات بما لفقوه من أباطيل الترهات: ~~{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره ~~الكافرون هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون} . # وقد وفى -سبحانه- بما وعد، وأظهر دينه على رغم من كفر وجحد، فأظهره ~~بالحجة والبيان، ونصره بالسيف والسنان، وأيد أهله على سواهم، ونصرهم بالحجة ~~على من ناوأهم، كما أظهرهم بالسيف على من كانوا له يحاربون، وذلك مصداق ~~قوله تعالى: {وإن جندنا لهم الغالبون} . # PageV01P139 # وأيد رسوله وأتباعه بالحجج الصحيحة العلمية، والبراهين القاطعة العقلية ~~والنقلية بما لم يبق بعده للمخالف إلا محض العناد، وحينئذ فالدواء الشافي ~~من هذا الداء سيف الجهاد، وكفى لمن جانب جانب الاعتساف، وسلك طريق العدل ~~والإنصاف ما تضمنه القرآن العربي المبين من البينات والحجج والبراهين، فهو ~~الشفاء النافع لمن استشفى، والكفاية التامة لمن به استكفى، وهو الهدى ~~والنور وشفاء وسوسة الصدور، وهو الكفيل بالانتصار على المبطلين لمن كان به ~~خبيرا. # كما قال تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} ، فلا ~~يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما يبطلها ويلقيها من شاهق كما قال ~~تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق} . # وفي الحديث الذي رواه الترمذي وغيره، عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ~~عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في # PageV01P140 # صفة القرآن: «فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، وهو الفصل ~~ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى من غيره أضله ~~الله، هو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو ~~الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس ms002 به الألسن، ولا تشبع منه العلماء، ولا ~~يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى ~~قالوا: {إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فآمنا به} ، من قال به صدق، ~~ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم» . # ولما كان الله -تعالى- قد أمر رسوله بإقامة الحجة على الكافرين بطريق ~~الجدال، وشرع ذلك في السور المكية والمدنية حتى بعد فرض القتال. # كما قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي ~~هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين} . # وقال تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا ~~منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له ~~مسلمون} . # PageV01P141 # وأمره بعد إقامة الحجة على النصارى بالمجادلة، أن يدعوهم إلى الملاعنة ~~والمباهلة، فقال تعالى: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة ~~الله على الكاذبين} . # فلم يزل صلى الله عليه وسلم في جدال الكفار على اختلاف مللهم، وتباين ~~نحلهم، إلى حين وفاته، وكذلك أصحابه من بعده ومن تبعهم من أئمة الدين ~~وحماته، وبهذا الأمر قام الدين واتضح منهاجه للعابدين، وإنما جعل السيف ~~ناصرا للحجة والبرهان مسهلا طريق البلاغ إلى المكلفين بالسنة والقرآن، ~~وأعدل السيوف سيف ينصر حجج الله وبيناته، وهو سيف رسوله وأتباعه الذين ~~بذلوا نفوسهم لله ابتغاء مرضاته. # فعند ذلك رأيت الإجابة إلى الجواب أولى، فاستعنت بالله، فنعم المعين، ~~ونعم المولى، رجاء الدخول في زمرة المجاهدين والانتظام في مسلك أنصار ~~الدين. # PageV01P142 # واعلم أن الكتاب الذي قصدنا الرد لباطله يشتمل على مقالتين: # المقالة الأولى منها تنقسم إلى قسمين: # الأول: في صحة الشريعة المسيحية. # الثاني: في إثبات صحة كتب العهد الجديد، يعني: الأناجيل التي يعتمدها أهل ~~النصرانية. # المقالة الثانية تنقسم -أيضا- إلى قسمين: # القسم الأول: في الرد على اليهود المكذبين. # القسم الثاني: في ms003 الرد على المسلمين، وهذا القسم -أرشدك الله لما يرضيه- ~~هو الذي قصدنا الرد عليه فيه. # وأما ما قبله من الأقسام فهو إما في صحة رسالة المسيح، وأن دينه دين ~~صحيح، وهذا متفق عليه بين المسلمين قبل التبديل والنسخ بشريعة خاتم ~~النبيين. # وإما في الرد على اليهود في كفرهم بالإنجيل، وقولهم بالزور في المسيح ابن ~~البتول. وهذا -أيضا- على الجملة صحيح مقبول. # PageV01P143 # لكن تلك الأقسام قد ضمنها النصراني -أيضا- باطلا كثيرا، ومزج بها بهتانا ~~وزورا، وسيمر عليك -إن شاء الله- الرد عليه في ذلك ضمن ما كتبناه. # وذلك القسم الذي نقضناه يشتمل على خمسة فصول من الكلام؛ فجعلنا الرد ~~عليها في خمسة مقامات، لكل فصل منها مقام، وسميته "منحة القريب المجيب في ~~الرد على عباد الصليب". ومن الله نستمد الإعانة على ما أردناه، والتوفيق ~~لإصابة الغرض بما أوردناه، فهو الذي يهدي إلى سواء السبيل، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. # PageV01P144 # المقام الأول # قال النصراني: # "فصل في ابتداء ظهور دين الإسلام: معلوم مشهور مما وجد مسطورا في كتب ~~التواريخ، وأخبار أحوال الزمان أن التقوى الصحيحة الخالصة التي شهرت أولا ~~في المسيحيين حين كانوا مبتلين بأشد البلايا، ومظلومين في غاية الظلم، قد ~~أخذت أن تنقص أولا فأول بعد أن كان بواسطة قسطنطين ومن بعده من الملوك، ~~وصار ذلك الاعتقاد ليس أمنا فقط بل ومكرا". # ثم ذكر أن سبب ذلك هو الاختلاف والفتن بين الأساقفة من أجل الرئاسة وعلو ~~المرتبة، إذ قدموا الافتخار بالعلم على تقوى الله، وجعلوا الدين حيلة، وأن ~~ذلك صار سبب اختلاف الأقوال والآراء. # قال: "وإذا رأى عامة الناس ذلك لم يدروا ما يختارون لأنفسهم، يلومون ~~الكتب المقدسة كأنها سبب تلك الفتنة، وينفرون عنها كأنها سم زعاف. # PageV01P145 # وأما فغالب الأمر قد بدا الدين أن يجعل ليس في طهارة النفس بل في ظاهر ~~السنن، كما صار في اليهودية وفي حفظ الأشياء التي مقصودها تهذيب الأبدان ~~أكثر من صلاح الأنفس بها، وفي السعي في إثبات الدعاوى التي اختاروها. # والذي آل الأمر إليه أنه قد وجد في جميع البلاد عدة ms004 من المسيحيين اسما، ~~وأقل من القليل حقا وفعلا ### | .... # " إلى آخر كلامه الآتي. # ونقول - وبالله التوفيق -: # حقيقة ما ذكره هو الاعتراف بتبديل النصارى دين المسيح -عليه السلام-، ~~وتغييرهم له، وتفريقهم فيه في تلك الأزمان القريبة من زمن المسيح -عليه ~~السلام-، فهو من الحجج على صحة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لأنها قد ~~مضت سنة الله في خلقه ببعثة الرسل عند خفاء الحق وظهور الضلال إعذارا ~~وإنذارا: {لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} ~~. # PageV01P146 # فأرسل -تبارك وتعالى- الرسل في بني آدم جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، كلما ~~درست رسالة رسول وخفيت آثارها بعث رسولا بتجديد الرسالة وإقامة الحجة، إلى ~~أن وصلت النبوة إلى بني إسرائيل، فبعث الله فيهم عبده ورسوله الكريم ونجيه ~~المقرب الكليم موسى بن عمران -عليه الصلاة والتسليم-، وأنزل عليه التوراة ~~فيها هدى ونور، يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون ~~والأحبار، فساسهم موسى -عليه السلام- بسياسة النبوة، وشرع لهم شرائع الدين، ~~وحد لهم حدوده. # ثم كانت فيهم الأنبياء بعده تسوسهم بأحكام التوراة وشريعة موسى، ثم حدثت ~~فيهم الأحداث، وتفرقوا في الدين، واتبعوا الأهواء، وتقطعوا أمرهم بينهم ~~زبرا، وأفسدوا في الأرض، وتعدوا حدود الله، وغيروا دينه، وقتلوا أنبياءه، ~~فسلط عليهم الأعداء مرة بعد أخرى، فجاسوا خلال ديارهم، وتبروا ما علوا ~~تتبيرا. # وفي كل ذلك يبعث الله فيهم الأنبياء ويجدون لهم ما درس من الدين ويقيمون ~~ما غيروا، إلى أن كان آخر أنبيائهم عبد الله ورسوله وكلمته عيسى ابن مريم ~~-عليهما السلام-، فجدد لهم الدين، وبين معالمه، ودعاهم إلى عبادة الله وحده ~~والتبري من الأحداث والآراء # PageV01P147 # الباطلة، فعادوه، وكذبوه، ورموه بالعظائم، وراموا قتله وصلبه فطهره الله، ~~ورفعه، فلم يصلوا إليه بسوء. كما سيأتي تفصيل القصة فيما بعد -إن شاء الله ~~تعالى-. # فلما رفع تفرق أتباعه شيعا، فمنهم من آمن بما بعثه الله به، وأنه عبد ~~الله ورسوله، وابن أمته، ومنهم من غلا فيه وتجاوز به حد العبودية إلى منزلة ~~الربوبية والإلهية، وقد حكى الله عنهم ms005 في كتابه ثلاث مقالات من الكفر، فقال ~~تعالى: # {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم} ... . # وقال تعالى: # {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} ... . # وقال تعالى: # {وقالت النصارى المسيح ابن الله} ### | .... # وقد اختلف العلماء في هذه المقالات الثلاث التي ذكرها الله عن النصارى: ~~هل هي مقالات لثلاث طوائف منهم؟ أو أنها مقالة لجميعهم؟ أعني: كفرت النصارى ~~على قولين. والتحقيق الثاني كما سيأتي إيضاحه -إن شاء الله تعالى-. # PageV01P148 # واعلم أن النصارى من أجهل الناس بالعلم الصحيح، وأضلهم في أصول دينهم ~~وفروعه، وهم وإن ادعوا أنهم على دين عيسى -عليه السلام -، وأنهم أتباعه، ~~وعلى شريعته، فقد كذبوا وضلوا ضلالا بعيدا، بل بدلوا دين عيسى وغيروه، ولم ~~يبق بأيديهم منه شيء، وإنما اتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ~~وضلوا عن سواء السبيل. # وسنذكر -بعون الله- ما ذكر علماؤنا الذين هم أهل العلم الصحيح، والعقل ~~الرجيح، والتمييز بين صحيح النقل وسقيمه ومقبوله ومردوده. ما نقل إليهم من ~~أمر هذه الأمة الضالة في ابتداء أمرها، ووصل إليهم علمه من ثقات المخبرين ~~من مؤرخي أهل الكتاب وغيرهم ممن له تمام المعرفة بأيامهم واجتماعهم ~~وافتراقهم. # ونبدأ بذكر حديث في ذلك عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تيمنا وتبركا، قال ~~الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي: حدثنا إسحاق ابن أبي حمزة ~~أبو يعقوب الرازي قال: حدثنا السري بن عبد ربه، حدثنا بكير بن معروف، عن ~~مقاتل بن حيان، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله ~~عنه- # PageV01P149 # قال: «قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يا ابن مسعود. قلت: لبيك ~~يا رسول الله، قال: علمت أن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين فرقة لم ~~ينج منها إلا ثلاث فرق، قامت بين الملوك والجبابرة بعد عيسى ابن مريم -عليه ~~السلام-، فدعت إلى دين الله، ودين عيسى ابن مريم، فقاتلت الجبابرة، فقتلت ~~وصبرت ونجت، ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، فقامت بين الملوك ~~والجبابرة تدعو إلى ms006 دين الله، ودين عيسى ابن مريم، فقتلت، وقطعت بالمناشير، ~~وحرقت بالنيران، فصبرت ونجت. ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لها قوة بالقتال، ~~ولم تطق القيام بالقسط، فلحقت بالجبال، فتعبدت، وترهبت، وهم الذين ذكرهم ~~الله -عز وجل- بقوله: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} » . # ورواه ابن جرير وأبو يعلى من طريق أخرى. # وقال ابن كثير: روي عن قتادة قال: "اجتمع بنو إسرائيل، فأخرجوا أربعة ~~نفر، أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع. # PageV01P150 # فقال بعضهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم ~~صعد إلى السماء، وهم اليعقوبية. فقال الثلاثة: كذبت، ثم قال الاثنان منهم ~~للثالث: قل أنت، قال: هو ابن الله، وهم النسطورية. فقال الاثنان: كذبت. ثم ~~قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه، قال: هو ثالث ثلاثة: الله إله، وهو إله، ~~وأمه إله، وهم الإسرائيلية ملوك النصارى. فقال الرابع: كذبت. هو عبد الله ~~ورسوله، وروحه، وكلمته، وهم المسلمون. فكان لكل رجل منهم أتباع على ما ~~قالوا، فاقتتلوا، فظهروا على المسلمين. # وذلك قوله تعالى: {ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} ### | .... # قال قتادة: وهم الذين قال الله فيهم: {فاختلف الأحزاب من بينهم} ### | .... # PageV01P151 # وروي عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن عروة بن الزبير عن بعض أهل العلم ~~قريبا من ذلك. # قال ابن كثير بعد أن ذكر مقالاتهم الثلاث: فاستمروا كذلك قريبا من ~~ثلاثمائة سنة. # ثم نبغ فيهم ملك من ملوك اليونان يقال له: قسطنطين، فدخل في دين ~~النصرانية، قيل: حيلة؛ ليفسده، فإنه كان فيلسوفا، وقيل: جهلا منه. إلا أنه ~~بدل دين المسيح، وحرفه، وزاد فيه ونقص، ووضعت له القوانين والأمانة ~~الكبيرة، بل هي الخيانة الحقيرة، وصلوا له إلى المشرق، # PageV01P152 # وصور لهم الصور، وبنى لهم الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم ~~عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح دين قسطنطين، ~~لأنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ~~ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، وتبعته طائفته الملكية منهم. # وأخرج النسائي في سننه ms007 وابن جرير في تفسيره عن ابن عباس -رضي الله عنهما- ~~قال: # PageV01P153 # كانت ملوك بعد عيسى -عليه السلام- بدلوا التوراة والإنجيل، وكان بينهم ~~مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل، فقيل لملوكهم: ما نجد شتما أشد من شتم ~~يشتمونا هؤلاء، إنهم يقرؤون: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون} . # مع ما يعيبونا به في أعمالنا في قراءتهم، فادعهم، فليقرؤوا كما نقرأ، ~~وليؤمنوا كما نؤمن. فدعاهم، فعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة ~~والإنجيل إلا ما بدلوا فيها، فقالوا: ما تريدون إلى ذلك، دعونا. # فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانا، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئا ~~نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم. # وقالت طائفة منهم: دعونا نسيح في الأرض، ونهيم ونشرب كما يشرب الوحش، فإن ~~قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. # PageV01P154 # وقالت طائفة: ابنوا لنا دورا في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحترث البقول، ~~ولا نرد عليكم، ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا وله فيهم حميم. ~~ففعلوا ذلك، فأنزل الله: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء ~~رضوان الله فما رعوها حق رعايتها} ... . # وآخرون قالوا: نتعبد كما تعبد فلان ونسيح كما ساح فلان، وهم على شركهم لا ~~علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم، فلما بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم ~~يبق منهم إلا القليل انحط رجل من صومعته، وجاء رجل من سياحته، وصاحب الدير ~~من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته} ، يعني: أجرين بإيمانهم بعيسى -عليه ~~السلام- وبالتوراة والإنجيل، وبإيمانهم بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ~~وتصديقهم {ويجعل لكم نورا تمشون به} القرآن واتباعهم النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- قال - {لئلا يعلم أهل الكتاب} الذين يتشبهون بكم: {ألا يقدرون على ~~شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} ~~. # PageV01P155 # وقد ذكر الإمام العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن القيم طرفا من ~~شرح هذه الجملة، وأن دين المسيح تناسخ واضمحل. قال: # ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء، بل ركبوا ms008 دينا بين دين المسيح ودين ~~الفلاسفة عباد الأصنام، وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوا في ~~النصرانية. # فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى الصور التي لا أصل لها، ونقلوهم من ~~السجود للشمس إلى السجود إلى جهة المشرق، ونقلوهم من القول باتحاد العاقل ~~والمعقول والعقل، إلى القول باتحاد الآب والابن وروح القدس. # هذا ومعهم بقايا من دين المسيح كالختان، والاغتسال من الجنابة، وتعظيم ~~السبت، وتحريم الخنزير، وتحريم ما حرمته التوراة إلا ما أحل لهم بنص ~~الإنجيل، ثم تناسخت الشريعة إلى أن استحلوا الخنزير، وأحلوا السبت، وعوضوا ~~منه يوم الأحد، وتركوا الختان والاغتسال من الجنابة. # PageV01P156 # وكان المسيح يصلي إلى بيت المقدس، فصلوا هم إلى المشرق، ولم يعظم المسيح ~~صليبا قط، فعظموا هم الصليب وعبدوه، ولم يصم المسيح صومهم هذا أبدا، ولا ~~شرعه، ولا أمر به ألبتة. # PageV01P157 # بل هم وضعوه على العدد ونقلوه إلى زمن الربيع، فجعلوا ما زادوا فيه من ~~العدد عوضا عن نقله من الشهور الهلالية إلى الشهور الرومية، وتعبدوا ~~بالنجاسات. # وكان المسيح في غاية الطهارة والطيب والنظافة، وأبعد الخلق عن النجاسة، ~~فقصدوا بذلك تغيير دين اليهود ومراغمتهم، فغيروا دين المسيح، وتقربوا إلى ~~الفلاسفة عباد الأصنام بأن وافقوهم في بعض الأمر، ليرضوهم به، وليستنصروا ~~بذلك على اليهود. # ولما أخذ دين المسيح في التغير والفساد اجتمعت النصارى عدة مجامع تزيد ~~على ثمانين مجمعا. ثم تفرقوا على الاختلاف والتلاعن يلعن بعضهم بعضا، حتى ~~قال فيهم بعض العقلاء: لو اجتمع عشرة من النصارى يتكلمون في حقيقة ما هم ~~عليه لتفرقوا عن أحد عشر مذهبا. # حتى جمعهم قسطنطين الملك آخر ذلك من الجزائر والبلاد وسائر الأقطار. # PageV01P158 # فجمع كل بترك وأسقف وعالم، فاختار منهم ثلاثمائة وثمانية عشر. فقال: أنتم ~~اليوم علماء النصرانية وأكابر النصارى، فاتفقوا على أمر تجتمع عليه كلمة ~~النصرانية، ومن خالفه لعنتموه، وحرمتموه. # فقاموا وقعدوا وفكروا وقدروا، واتفقوا على وضع الأمانة التي بأيديهم ~~اليوم، وذلك سنة خمس عشرة من ملك قسطنطين. # وكان سبب ذلك أن بطريق الإسكندرية منع أريوس من دخول الكنيسة ولعنه. فخرج ms009 ~~أريوس إلى قسطنطين الملك مستعديا عليه ومعه أسقفان، فشكوه إليه، وطلبوا منه ~~مناظرته بين يدي الملك. فاستحضر الملك، وقال لأريوس: اشرح مقالتك. # PageV01P159 # فقال أريوس: أقر أن الآب كان إذ لم يكن الابن، فكان له إلا أنه محدث ~~مخلوق، ثم فوض الأمر إلى ذلك الابن المسمى كلمة. فكان هو خالق السماوات ~~والأرض وما بينهما، كما قال في إنجيله إذ يقول: (وهب لي سلطانا على السماء ~~والأرض) فكان هو الخالق لهما بما أعطي من ذلك. ثم إن تلك الكلمة بعد اتحدت ~~من مريم العذراء ومن روح القدس، فصار ذلك مسيحا واحدا. فالمسيح إذن معنيان: ~~كلمة وجسد، إلا أنهما جميعا مخلوقان. # فقال بطريق الإسكندرية: خبرنا أيما أوجب علينا عندك: عبادة من خلقنا، أو ~~عبادة من لم يخلقنا؟. # فقال أريوس: بل عبادة من خلقنا. # فقال: فعبادة الابن الذي خلقنا وهو مخلوق أوجب من عبادة الآب الذي هو ليس ~~بمخلوق، بل تصير عبادة الآب الخالق كفرا، وعبادة الابن إيمانا. # فاستحسن الملك والحاضرون مقالته، وأمرهم الملك أن يلعنوا أريوس ومن يقول ~~بمقالته. # PageV01P160 # فلما انتصر البطريق، قال للملك: استحضر البطارقة والأساقفة حتى يكون لنا ~~مجمع، ونضع قصة نشرح فيها الدين، ونوضحه للناس، فحشرهم قسطنطين من سائر ~~الآفاق، فاجتمع عنده بعد سنة وشهرين ألفان وثمانية وأربعون أسقفا، وكانوا ~~مختلفي الآراء متباينين في أديانهم. # فلما اجتمعوا كثر اللغط بينهم، وارتفعت الأصوات، وعظم الاختلاف، فتعجب ~~الملك من شدة اختلافهم، فأجرى عليهم الأنزال، وأمرهم أن يتناظروا حتى يعلم ~~الدين الصحيح مع من منهم، فطالت المناظرة بينهم، فاتفق منهم ثلاثمائة ~~وثمانية عشر أسقفا على رأي واحد، فناظروا بقية الأساقفة، وظهروا عليهم. # فعقد الملك لهؤلاء الثلاثمائة مجلسا خاصا، وجلس في وسطه، وأخذ خاتمه ~~وسيفه وقضيبه، ودفعه إليهم، وقال لهم: (قد سلطتكم على المملكة، فاصنعوا ما ~~بدا لكم مما فيه قوام دينكم، وصلاح أمتكم) . # فباركوا عليه، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية وذد عنه. ~~ودفعوا إليه الأمانة التي اتفقوا على وضعها، فلا يكون عندهم نصرانيا من لم ~~يقر بها، ولا يتم له قربان ms010 إلا بها. # PageV01P161 # وهي هذه: (نؤمن بالله الواحد الآب، خالق كل شيء، صانع ما يرى وما لا يرى، ~~وبالرب الواحد يسوع المسيح ابنه الأحد بكر الخلائق كلها، الذي ولد من أبيه ~~قبل العوالم كلها، وليس بمصنوع، إله حق من إله حق من جوهر أبيه. وهو الذي ~~بيده أتقنت العوالم، وخلق كل شيء، الذي من أجلنا -معشر الناس- ومن أجل ~~خلاصنا نزل من السماء، وتجسد من روح القدس، وصار إنسانا، وحمل به، ثم ولد ~~من مريم البتول، وألم وشج، وقتل وصلب ودفن، وقام في اليوم الثالث، وصعد إلى ~~السماء، وجلس عن يمين أبيه، وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات ~~والأحياء. # ونؤمن بروح القدس الواحد، روح الحق الصادر من الآب والابن، الذي يتكلم ~~على ألسنة الأنبياء، وبمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا، وبكنيسة واحدة جامعة ~~رسولية، وبقيامة أبداننا والحياة الدائمة إلى أبد الآبدين) . # فهذا هو العقد الذي أجمع عليه الملكية، والنسطورية، واليعقوبية، وهذه ~~الأمانة هي الأمانة التي ألفها أولئك البتاركة والأساقفة والعلماء، وجعلوها ~~شعار النصرانية. # PageV01P162 # وكان رؤساء هذا المجمع: بترك الإسكندرية، وبترك أنطاكية، وبترك بيت ~~المقدس، فافترقوا عليها، وعلى لعن من خالفها، والتبري منه، وتكفيره. # ثم ذهب أريوس يدعو إلى مقالته، وينفر النصارى عن أولئك الثلاثمائة، فجمع ~~جمعا عظيما، وصار إلى بيت المقدس، وخالف بكثير من النصارى لأولئك المجمع، ~~فلما اجتمعوا قال أريوس: إن أولئك النفر تعدوا علي، وظلموني، ولم ينصفوني ~~في الحجاج، وحرموني ظلما وعدوانا. فوافقه كثير من الذين معه، وقالوا: صدق. ~~فوثبوا عليه، فضربوه حتى كاد أن يقتل لولا أن ابن أخت الملك خلصه. وافترقوا ~~على هذه الحال. # ثم كان لهم مجمع ثالث بعد ثمان وخمسين سنة من المجمع الأول اجتمع الوزراء ~~والقواد إلى الملك، وقالوا: إن مقالة الناس قد فسدت، وغلب عليهم مقالة ~~أريوس، فاكتب إلى جميع البتاركة والأساقفة أن يجتمعوا، ويوضحوا دين ~~النصرانية، فكتب الملك إلى # PageV01P163 # سائر بلاده، فاجتمع بقسطنطينية خمسمائة وخمسون أسقفا. # وكان مقدموهم بترك الإسكندرية وبترك أنطاكية وبترك بيت المقدس، فنظروا في ~~مقالة أريوس، وكان من مقالته: (أن ms011 روح القدس مخلوق، مصنوع، ليس بإله، وليس ~~روح الله) . # فقال بترك الإسكندرية: ليس لروح القدس عندنا معنى غير روح الله، وليس روح ~~الله شيئا غير حياته، فإن قلنا: إن روح الله مخلوقة، فقد قلنا: إن حياته ~~مخلوقة، فقد جعلناه غير حي، ومن جعله غير حي فقد كفر، ومن كفر فقد وجب عليه ~~اللعن. # فلعنوا بأجمعهم أريوس وأشياخه، وأتباعه، والبتاركة الذين قالوا بمقالته، ~~وبينوا أن روح القدس خالق غير مخلوق، إله حق من طبيعية الآب والابن، جوهر ~~واحد، وطبيعة واحدة، وزادوا في الأمانة التي وضعتها الثلاثمائة وثمانية ~~عشر: # (ونؤمن بروح القدس الرب المحيي الصادر من الآب والابن الذي يمجد ويعبد مع ~~الابن والآب) . # PageV01P164 # وكان في الأمانة الأولى: (بروح القدس) فقط. # وبينوا أن الآب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاثة وجوه، وثلاثة ~~خواص، وحدة في تثليث، وتثليث في وحدة. # وزادوا ونقصوا في الشريعة، وأطلق بترك الإسكندرية للرهبان والأساقفة ~~والبتاركة أكل اللحم. # وكانوا على مذهب (ماني) لا يرون أكل ذوات الأرواح، فانفض هذا المجمع وقد ~~لعنوا فيه أكثر أساقفهم وبتاركتهم، ومضوا على تلك الأمانة. # ثم كان لهم مجمع رابع، بعد إحدى وخمسين سنة من هذا المجمع على نسطورس، ~~وكان مذهبه: # (أن مريم ليست بوالدة الإله على الحقيقة، ولكن ثمة اثنان: الإله الذي هو ~~موجود من الآب، والآخر الإنسان الذي هو موجود من مريم، وأن هذا الإنسان ~~الذي نقول: إنه المسيح متوحد مع أب الإله، وابن # PageV01P165 # الإله ليس ابنا على الحقيقة، ولكن على سبيل الموهبة، والكرامة واتفاق ~~الاسمين) . # فبلغ ذلك بتاركة سائر البلاد، فجرت بينهم مراسلات، واتفقوا على تخطئته، ~~واجتمع منهم مائتا أسقف في مدينة "أفسس"، وأرسلوا إلى نسطورس للمناظرة، ~~فامتنع ثلاث مرات، فأوجبوا عليه الكفر، ولعنوه، ونفوه، وحرموه، وثبتوا: أن ~~مريم ولدت إلها، وأن المسيح إله حق، وإنسان معروف بطبيعتين، متوحد في ~~الأقنوم. # فلما لعنوا نسطورس غضب له بترك أنطاكية، فجمع أساقفته الذين قدموا معه، ~~وناظرهم، فقطعهم، فتقاتلوا، ووقع الحرب والشر بينهم، وتفاقم أمرهم، فلم يزل ~~الملك حتى أصلح بينهم، فكتب أولئك صحيفة ms012 ب (أن مريم القديسة ولدت إلها، هو ~~ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت) . ~~وأنفذوا لعن نسطورس. # فلما نفي نسطورس سار إلى أرض مصر، وأقام بأخميم سبع سنين، ومات بها، ~~ودرست مقالته، إلى أن أحياها ابن صرما -مطران نصيبين -، وبثها في بلاد ~~المشرق، فأكثر نصارى العراق والمشرق نسطورية. # PageV01P166 # وانفض ذلك المجمع -أيضا- على لعن نسطورس ومن قال بقوله. # وكل مجامعهم كانت تجتمع على الضلال، وتفترق على اللعن فلا ينفض المجمع ~~إلا وهم بين لاعن وملعون. # ثم كان لهم مجمع خامس. # وذلك أنه كان بقسطنطينية طبيب راهب يقال له: أوطيوس، يقول: (إن جسد ~~المسيح ليس هو مع أجسادنا في الطبيعة، وأن للمسيح قبل التجسد طبيعتين، وبعد ~~التجسد طبيعة واحدة) . # وهذه مقالة اليعقوبية، فرحل إليه أسقف دولته، فناظره، فقطعه، ودحض حجته. # ثم صار إلى قسطنطينية، فأخبر بتركها بالمناظرة، وبانقطاعه، فأرسل بترك ~~الإسكندرية إليه، فاستحضره، وجمع جمعا عظيما، وسأله عن قوله، فقال: # إن قلنا: إن المسيح طبيعتان فقد قلنا بقول نسطورس، ولكنا نقول: إن المسيح ~~طبيعة واحدة، وأقنوم واحد، لأنه من طبيعتين كانتا قبل التجسد، لما تجسد ~~زالت الاثنينية، وصار طبيعة واحدة، وأقنوما واحدا. # PageV01P167 # فقال له بترك القسطنطنية: إن كان المسيح طبيعة واحدة فالطبيعة القديمة هي ~~الطبيعة المحدثة، وإن كان القديم هو المحدث، فالذي لم يزل هو الذي لم يكن، ~~ولو جاز أن يكون القديم هو المحدث، لكان القائم هو القاعد، والحار هو ~~البارد. # فأبى أن يرجع عن مقالته فلعنوه، فاستعدى إلى الملك، وزعم أنهم ظلموه، ~~وسأله أن يكتب إلى جميع البتاركة للمناظرة، فاستحضر الملك البتاركة ~~والأساقفة من سائر البلاد إلى مدينة "أفسس"، فثبت بطريق الإسكندرية مقالة ~~أوطيوس، وقطع بتاركة الإسكندرية، وأنطاكية، وبيت المقدس، وسائر البتاركة ~~والأساقفة. # وكتب إلى بترك رومية، وإلى جميع البتاركة والأساقفة، فحرمهم ومنعهم من ~~القربان إن لم يقبلوا مقالة أوطيسوس، ففسدت الأمانة، وصارت المقالة مقالة ~~أوطيسوس، وخاصة في مصر والإسكندرية، وهو مذهب اليعقوبية. # فافترق هذا المجمع الخامس وهو بين لاعن وملعون، وضال ومضل، وقائل ms013 يقول: ~~الصواب مع اللاعنين، وقائل يقول: الحق مع الملعونين. # PageV01P168 # ثم كان لهم بعد ذلك مجمع سادس، في دولة مرقيون، فإنه اجتمع إليه الأساقفة ~~من سائر البلاد، فأعلموه ما كان من ظلم ذلك المجمع، وقلة الإنصاف، وأن ~~مقالة أوطيسوس قد غلبت على الناس، وأفسدت دين النصرانية، فأمر الملك ~~باستحضار سائر البطارقة والأساقفة إلى حضرته، فاجتمع عنده ست مائة وثلاثون ~~أسقفا، فنظروا في مقالة أوطيسوس وبترك الإسكندرية، التي قطعا بها جميع ~~البتاركة، فأفسدوا مقالتيهما، ولعنوهما، وأثبتوا (أن المسيح إله وإنسان، ~~فهو مع الله في اللاهوت، ومعنا في الناسوت، له طبيعتان تامتان، فهو تام ~~باللاهوت، تام بالناسوت، وهو مسيح واحد) . # وثبتوا أقوال الثلاث مائة وثمانية عشر أسقفا، وقبلوا قولهم ب (أن الابن ~~مع الله في المكان، وأنه إله حق من إله حق) . ولعنوا أريوس، وقالوا: (إن ~~روح القدس إله) ، وقالوا: (إن الآب، والابن، وروح # PageV01P169 # القدس واحد بطبيعة واحدة، وأقانيم ثلاثة) . وثبتوا أقوال أهل المجمع ~~الثالث. # وقالوا: (إن مريم العذراء ولدت إلها ربنا يسوع المسيح الذي هو مع الله في ~~الطبيعة، ومعنا في الناسوت) . وقالوا: (إن المسيح طبيعتان وأقنوم واحد) . # ولعنوا نسطورس وبترك الإسكندرية، فانفض هذا المجمع بين لاعن وملعون. # ثم كان لهم بعد هذا مجمع سابع في أيام أنسطاس الملك، ذلك أن سورس ~~القسطنطيني جاء إلى الملك فقال: إن أصحاب ذلك المجمع الست مائة والثلاثين ~~أخطؤوا. والصواب ما قاله أوطيسوس وبترك الإسكندرية، فلا تقبل ممن سواهما، ~~واكتب إلى جميع بلادك أن يلعنوا الست مائة والثلاثين، وأن يأخذوا الناس ~~بطبيعة واحدة ومشيئة واحدة وأقنوم واحد. # PageV01P170 # فأجاب الملك إلى ذلك. # فلما بلغ ذلك بترك بيت المقدس جمع الرهبان، فلعنوا أنسطاس الملك، وسورس، ~~ومن يقول بمقالتهما. # فبلغ ذلك الملك، فغضب، وبعث، فنفى البترك إلى أيلة، وبعث يوحنا بتركا على ~~بيت المقدس، لأنه كان قد ضمن للملك أن يلعن الستمائة والثلاثين. # فلما قدم إلى بيت المقدس اجتمع الرهبان، وقالوا: إياك أن تقبل من سورس، ~~ولكن اقبل من الستمائة والثلاثين، ونحن معك. ففعل وخالف الملك، فلما بلغه ~~أرسل ms014 قائدا، وأمره أن يأخذ يوحنا بلعنة أولئك. فإن لم يفعل أنزله عن ~~الكرسي، ونفاه. # فقدم القائد، وطرح يوحنا في الحبس، فصار إليه الرهبان في الحبس، وأشاروا ~~عليه بأن يضمن للقائد أن يفعل ذلك، فإذا حضر فليقر بلعنة كل من لعنه ~~الرهبان. # فاجتمع الرهبان فكانوا عشرة آلاف راهب، فلعنوا أوطيسوس، ونسطورس وسورس ~~ومن لا يقبل من أولئك الستمائة والثلاثين، ففزع رسول الملك من الرهبان. # وبلغ ذلك الملك فهم بنفي يوحنا، فاجتمع الرهبان والأساقفة، فكتبوا إلى ~~الملك أنهم لا يقبلون مقالة سورس ولو أريقت دماؤهم، وسألوه أن يكف أذاه ~~عنهم. # PageV01P171 # وكتب بترك رومية بقبح فعله وبلعنه، فانفض هذا المجمع على اللعنة أيضا. # وكان لسورس تلميذ يقال له يعقوب البراذعي، لأنه كان يلبس من قطع براذع ~~الدواب، ويرقع بعضها ببعض، وإليه تنسب اليعاقبة. فأفسد أمانة القوم. # ثم هلك أنسطاس. فولي بعده قسطنطين، فرد كل من نفاه أنسطاس إلى موضعه، ~~وكتب إلى بيت المقدس بأمانته، فاجتمع الرهبان، وأظهروا كتابه، وفرحوا به، ~~وأثبتوا قول الستمائة وثلاثين أسقفا، وغلبت اليعقوبية على الإسكندرية، ~~وقتلوا بتركا لهم -يقال له: بولس -، وكان ملكانيا، فولي الملك أسطيانوس، ~~فأرسل قائدا، ومعه عسكر عظيم إلى الإسكندرية، فدخل الكنيسة في ثياب البترك، ~~وتقدم، وقدس، فرموه بالحجارة حتى كادوا يقتلونه، فانصرف وتوارى عنهم، ثم ~~ظهر لهم بعد ثلاثة أيام، وأظهر لهم أنه أتاه كتاب الملك، وأمر الحراس أن ~~يجمعوا الناس لسماعه، فلم يبق أحد بالإسكندرية إلا حضر لسماعه. # PageV01P172 # وكان قد جعل بينه وبين جنده علامة إذا هو فعلها وضعوا السيوف في الناس، ~~فصعد المنبر، وقال: يا أهل الإسكندرية، إن رجعتم إلى الحق، وتركتم مقالة ~~اليعاقبة، وإلا لم تأمنوا أن تأمنوا أن يوجه الملك إليكم من يسفك دماءكم. # فرموه بالحجارة حتى خاف على نفسه، فأظهر العلامة، فوضعوا السيوف على من ~~بالكنيسة، فقتل خلق لا يحصيهم إلا الله، حتى خاض الجند في الدماء، وظهرت ~~مقالة الملكانية بالإسكندرية. # ثم كان لهم بعد ذلك مجمع ثامن. # وذلك أن أسقف منبج كان يقول بالتناسخ، وأنه ليس ثم قيامة، ولا ms015 بعث، وكان ~~أسقف الرهاء وأسقف المصيصة وأسقف ثالث يقولون: إن جسد المسيح خيال غير ~~حقيقة. # فحشرهم الملك إلى قسطنطينية، فقال لهم بتركها: إن كان جسده خيالا فيجب أن ~~يكون فعله خيالا وقوله خيالا، وكل جسد نعاينه لأحد من الناس أو فعل أو قول ~~فهو كذلك. # PageV01P173 # وقال له: إن المسيح قد قام من الأموات، وعلمنا أنه كذلك يقوم الناس يوم ~~الدين، واحتج بنصوص من الإنجيل كقوله: (إن كل من في القبور إذا سمعوا الله ~~سبحانه يحيون) . # فأوجب عليه اللعن، وأمر الملك أن يكون لهم مجمع يلعنون فيه، واستحضر ~~بتاركة البلاد، فاجتمع عنده مائة وأربعة وستون أسقفا، فلعنوا أسقف منبج، ~~وأسقف المصيصة، وأثبتوا على (أن جسد المسيح حقيقة لا خيال، وأنه إله تام ~~وإنسان تام، معروف بطبيعتين ومشيئتين وفعلين، أقنوم واحد، وأن الدنيا ~~زائلة، وأن القيامة كائنة، وأن المسيح يأتي بمجد عظيم، فيدين الأحياء ~~والأموات) . كما قال الثلاثمائة وثمانية عشر الأوائل، فتفرقوا على ذلك. # ثم كان لهم مجمع تاسع على عهد معاوية بن أبي سفيان تلاعنوا فيه. # PageV01P174 # وذلك أنه كان برومية راهب له تلميذان، فجاء إلى قسطا الوالي، فوبخه على ~~قبح مذهبه وشناعة كفره، فأمر به قسطا؛ فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، وفعل ~~بأحد التلميذين كذلك، وضرب الآخر بالسياط، ونفاه. # فبلغ ذلك ملك قسطنطينية، فأرسل إليه أن يوجه إليه من أفاضل الأساقفة، ~~ليعلم وجه هذه الشبهة، وما كان ابتداؤها، ويعلم من يستحق اللعن. # فبعث إليه مائة وأربعين أسقفا وثلاثمائة شماسا، فلما وصلوا إليه جمع ~~الملك مائة وثمانية وخمسين أسقفا، فصادروا مائتين وثمانية وتسعين، وأسقطوا ~~الشماسة. # وكان رئيس هذا المجمع بترك قسطنطينية وبترك أنطاكية. فلعنوا من تقدم من ~~القسيسين والبتاركة واحدا واحدا، وجلسوا، فلخصوا الأمانة، وزادوا فيها ~~ونقصوا. # فقالوا: (نؤمن أن الواحد من الناسوت الابن الوحيد الذي هو الكلمة ~~الأزلية، الدائم، المستوي مع الآب، الإله في الجوهر، الذي هو ربنا يسوع ~~المسيح بطبيعتين تامتين، وفعلين، ومشيئتين، في أقنوم واحد، ووجه واحد، تاما ~~بلاهوته، تامة بناسوته، وشهدت بأن الإله الابن في # PageV01P175 # آخر الأيام اتخذ ms016 من العذراء السيدة مريم القديسة جسدا إنسانا بنفس [ناطقة ~~عقلية وذلك برحمة الله -تعالى- محب البشر] ، ولم يلحقه اختلاط ولا فساد ~~[ولا فرقة ولا فصل] ، ولكن هو واحد يعمل بما يشبه الإنسان أن يعمله في ~~طبيعته، [وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته] الذي هو الابن الوحيد والكلمة ~~الأزلية المتجسدة، التي صارت في الحقيقة لحما كما يقول الإنجيل المقدس من ~~غير أن ينتقل من مجده الأزلي، وليست بمتغيرة، ولكنها بفعلين ومشيئتين ~~وطبيعتين: إلهي وإنسي، الذي بهما يكمل قول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين ~~تعمل مع شركة صاحبها مشيئتين غير مضادتين ولا متصارعتين، ولكن مع المشيئة ~~الإنسية المشيئة الإلهية القادرة على كل شيء) . # هذه أمانة هذا المجمع، فوضعوها، ولعنوا من لعنوه. وبين المجمع الخامس ~~الذي اجتمع فيه الستمائة والثلاثون وبين هذا المجمع مائة سنة. # PageV01P176 # ثم كان لهم بعد ذلك مجمع عاشر. # وذلك لما مات الملك، وولي ابنه بعده، اجتمع أهل المجمع السادس، وزعموا أن ~~اجتماعهم كان على الباطل، فجمع الملك مائة وثلاثين أسقفا، فثبتوا قول أهل ~~المجامع الخمسة، ولعنوا من لعنهم وخالفهم، وانصرفوا بين لاعن وملعون. # فهذه عشرة مجامع كبار من مجامعهم مشهورة، اشتملت على أكثر من أربعة عشر ~~ألفا من البتاركة والأساقفة والرهبان كلهم ما بين لاعن وملعون. # PageV01P177 # فهذه حال المتقدمين مع قرب زمانهم من أيام المسيح ووجود أخباره فيهم، ~~والدولة دولتهم، والكلمة كلمتهم، وعلماؤهم إذ ذاك أوفر ما كانوا، واهتمامهم ~~بأمر دينهم واحتفالهم به كما ترى. # وهم حيارى تائهون ضالون مضلون، لا يثبت لهم قدم، ولا يستقر لهم قول في ~~إلههم، بل كل منهم قد اتخذ إلهه هواه، وصرح بالكفر والتبري ممن اتبع سواه، ~~قد تفرقت بهم في نبيهم وإلههم الأقاويل، وهم كما قال الله تعالى: {قد ضلوا ~~من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} . # فلو سألت أهل البيت عن دينهم ومعتقدهم في ربهم ونبيهم لأجابك الرجل بجواب ~~وامرأته بجواب وابنه بجواب والخادم بجواب، فما ظنك بمن في عصرنا هذا؟ وهم ~~نخالة الماضين، وزبالة الغابرين، وثفالة المتحيرين، وقد طال ms017 عليهم الأمد، ~~وبعد عهدهم بالمسيح ودينه. # وهؤلاء هم الذين أوجبوا لأعداء الرسل من الفلاسفة والملاحدة أن يتمسكوا ~~بما هم عليه، فإنهم شرحوا لهم دينهم الذي جاء به المسيح على هذا الوجه. ولا ~~ريب أن هذا دين لا يقبله عاقل. # PageV01P178 # فتواصى أولئك بينهم أن يتمسكوا بما هم عليه، وساءت ظنونهم بالكتب والرسل، ~~ورأوا أن ما هم عليه من آراء أقرب إلى العقول من هذا الدين. # وقال لهم هؤلاء الحيارى الضلال: إن هذا هو الحق الذي جاء به المسيح، ~~فتركب من هذين الظنين الفاسدين إساءة الظن بالرسل، وإحسان الظن بما هم ~~عليه. # قلت: وهذا القدر قد اعترف به النصراني في هذا الفصل الذي نتكلم عليه، حيث ~~ذكر ما وقع من الاختلاف بين الأساقفة، وأن ذلك صار سبب وقوع عامة الناس في ~~الحيرة حتى لا يدرون ما يختارون لأنفسهم، وينفرون عن الكتب المقدسة كأنها ~~سم زعاف. # ومعلوم أنه لا يمكن أن يدعي أن النصارى صلحوا بعد أولئك الذين وصفهم من ~~أسلافهم الضلال التائهين، بل دينهم الذي هم عليه الآن هو دين أولئك ~~الحيارى، بل إنهم زادوا عليهم بالضلال الكثير، واتبعوا أهواءهم، وجادلوا في ~~الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير. فقد سجلوا على أنفسهم بمخالفة كتب ~~الله، واعترفوا بذنبهم، فسحقا لأصحاب السعير. # والمقصود أنهم كما خالفوا في دينهم منهج الرسل، فقد عاندوا -أيضا- صريح ~~العقل. # PageV01P179 # قال ابن القيم: # ولهذا قال بعض ملوك الهند وقد ذكرت له الملل الثلاث، فقال: أما النصارى ~~فإن كان محاربوهم من أهل الملل يحاربونهم بحكم شرعي، فإني أرى ذلك بحكم ~~عقلي، وإن كنا لا نرى بحكم عقولنا قتالا. ولكن أستثني هؤلاء القوم من بين ~~جميع العوالم، لأنهم قصدوا مضادة العقل، وناصبوه العداوة، وحلوا ببيت ~~الاستحالات، وحادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع، فشذوا عن ~~جميع مناهج العالم الصالحة العقلية والشرعية، واعتقدوا كل مستحيل ممكنا، ~~وبنوا على ذلك شريعة لا تؤدي ألبتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم، إلا أنها ~~تصير العاقل إذا تشرع بها أخرقا، والرشيد سفيها، ms018 والمحسن مسيئا، لأن من كان ~~أصل عقيدته التي نشأ عليها الإساءة إلى الخالق والنيل منه، ووصفه بضد صفاته ~~الحسنى، فأخلق به أن يستسهل الإساءة إلى المخلوق، مع ما بلغنا عنهم من ~~الجهل وضعف العقل وقلة الحياء وخساسة المهمة. # هذا وقد ظهر له من باطلهم وضلالهم غيض من فيض، وكانوا إذ ذاك أقرب عهدا ~~بالنبوة. # PageV01P180 # قال أفلاطون رئيس سدنة الهياكل بمصر، وليس بأفلاطون تلميذ سقراط؛ ذاك ~~أقدم من هذا: # لما ظهر محمد بتهامة، ورأينا أمره يعلو على الأمم المجاورة له، رأينا أن ~~نقصد أسقطر البابلي، لنعلم ما عنده، ونأخذ برأيه فلما اجتمعنا على الخروج ~~من مصر، رأينا أن نصير إلى أقراطيس معلمنا وحكيمنا، لنودعه، فلما دخلنا ~~عليه، ورأى جمعنا أيقن أن الهياكل قد خلت منا فغشي عليه حينا غشية ظننا أنه ~~فارق الحياة فيها، فبكينا، فأومأ إلينا أن كفوا عن البكاء، فتصبرنا جهدنا ~~حتى هدأ وفتح عينيه، فقال: هذا ما كنت أنهاكم عنه، وأحذركم منه، إنكم قوم ~~غيرتم، فغير بكم، أطعتم جهالا من ملوككم، فخلطوا عليكم في الأدعية، فقصدتكم ~~البشر من التعظيم بما هو للخالق [وحده، فكنتم في ذلك كمن أعطى القلم مدح ~~الكاتب، وإنما حركة القلم بالكاتب] ### | ..... # PageV01P181 # ومن المعلوم أن هذه الأمة ارتكبت محذورين عظيمين لا يرضى بهما ذو عقل ولا ~~معرفة: # أحدهما: # الغلو في المخلوق حتى جعلوه شريكا للخالق وجزءا منه، إلها آخر معه، ونفوا ~~أن يكون عبدا له. # والثاني: # تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أن الله -سبحانه وتعالى عن ~~قولهم علوا كبيرا- نزل من العرش وكرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة، وأقام ~~هناك تسعة أشهر، يتخبط بين البول والدم والنجو قد علته أطباق المشيمة ~~والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل رضيعا صغيرا يمص الثدي، ولف في القمط، ~~وأودع السرير يبكي، ويجوع، ويعطش، ويبول، ويتغوط، ويحمل على الأيدي ~~والعواتق!. # ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه، وصفعوا ~~قفاه، وصلبوه جهرا بين لصين، وألبسوه إكليلا من الشوك، وسمروا يديه ورجليه، ~~وجرعوه أعظم الآلام!. ms019 # هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم، وهو المعبود المسجود له!!. # PageV01P182 # ولعمر الله، إن هذه مسبة لله -سبحانه- ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا ~~بعدهم، كما قال -تعالى- فيما حكاه عنه رسوله الذي نزهه، ونزه أخاه المسيح ~~عن هذا الباطل الذي تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض، وتخر الجبال ~~هدا، فقال: «شتمني ابن آدم وما ينبغي له ذلك، وكذبني ابن آدم وما ينبغي له ~~ذلك: # أما شتمه إياي فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم ~~أولد ولم يكن لي كفوا أحد. # وأما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون من ~~إعادته» . # وقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في هذه الأمة: "أهينوهم ولا تظلموهم، ~~فقد سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر". # ولعمر الله، إن عباد الأصنام -مع أنهم أعداء الله على الحقيقة وأعداء ~~رسله وأشد الكفار كفرا- يأنفون أن يصفوا آلهتهم التي يعبدونها من دون الله، ~~وهي من الحجارة والحديد والخشب بمثل ما وصفت هذه الأمة رب العالمين، وإله ~~السماوات والأرضين، وكان الله في قلوبهم أجل وأعظم من أن يصفوه بذلك بما ~~يقاربه، وإنما شرك القوم أنهم عبدوا من دونه آلهة مخلوقة مربوبة محدثة، ~~زعموا أنها # PageV01P183 # تقربهم إليه زلفى، لم يجعلوا شيئا من آلهتهم كفوا له، ولا نظيرا، ولا ~~ولدا، ولم ينالوا من الرب -تعالى- ما نالت منه هذه الأمة. # وعذرهم في ذلك أقبح من قولهم، فإن أصل معتقدهم أن أرواح الأنبياء كانت في ~~الجحيم في سجن إبليس من عهد آدم إلى زمن المسيح، فكان إبراهيم وموسى ونوح ~~وصالح وهود معذبين مسجونين في النار بسبب خطيئة آدم وأكله من الشجرة، وكان ~~كلما مات واحد من بني آدم أخذه إبليس، وسجنه بذنب أبيه، ثم إن الله ~~-سبحانه- لما أراد رحمتهم وخلاصهم من العذاب تحيل على إبليس بحيلة، فنزل عن ~~كرسي عظمته، والتحم ببطن مريم حتى ولد، وكبر، وصار رجلا، فمكن أعداءه ~~اليهود من نفسه، حتى صلبوه، وسمروه، وتوجوه بالشوك على رأسه، فخلص أنبياءه ms020 ~~ورسله، وفداهم بنفسه ودمه، فهرق دمه في مرضاة جميع ولد آدم، إذ كان ذنبه ~~باقيا في أعناق جميعهم، فخلصهم منه بأن مكن أعداءه من صلبه وتسميره وصفعه ~~إلا من أنكر صلبه أو شك فيه. # وقال: إن الإله يجل عن ذلك، فهو في سجن إبليس معذب حتى يقر بذلك، وأن ~~إلهه صلب وصفع وسمر، فنسبوا الإله الحق -سبحانه- إلى ما يأنف أسقط الناس أن ~~ينسبه إليه مملوكه وعبده، وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن تنسب إليه أوثانهم. # وكذبوا الله -سبحانه- في كونه تاب على آدم، وغفر له خطيئته، ونسبوه إلى ~~أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه # PageV01P184 # في الجحيم بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية النقص، حيث سلط أعداءه على ~~نفسه وابنه، ففعلوا ما فعلوا. # وبالجملة، فلا نعلم أمة من الأمم سبت ربها ومعبودها وإلهها بما سبه به ~~هذه الأمة، كما قال عمر: "إنهم سبوا الله مسبة ما سبه إياها أحد من البشر". # وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى نصرانيا أغمض عينه عنه، وقال: "لا أستطيع ~~أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده أقبح السب". # ولهذا قال عقلاء الملوك: "إن جهاد هؤلاء واجب شرعا وعقلا، فإنهم عار على ~~بني آدم مفسدون للعقول والشرائع". انتهى. # وسيأتي شرح مذهبهم في التثليث فيما بعد -إن شاء الله تعالى-. # PageV01P185 # فصل # قال النصراني: # "والذي آل إليه أنه قد وجد في جميع البلاد عدة من المسيحيين اسما وأقل من ~~القليل حقا وفعلا، ولكن الله لم يكن يتغافل عن هذه الخطايا في قومه بل من ~~أقصى أطراف أفاض كالطوفان جنودا لا تحصى عددا إلى بلاد النصارى. # وإذا لم يتعظ الباقون بما لقوا من هؤلاء من القتل والشدائد، ولم يعودوا ~~للحق أذن بعدله أن يظهر محمد، ويدعو الناس إلى الشريعة الجديدة، التي مع ~~أنها مخالفة لدين المسيح، مضادة له، لكنها في ظاهر الألفاظ كانت تحاكي سيرة ~~كثيرين من النصارى. # وكان أول المدعوين إلى هذه الشريعة العرب الذين على أيديهم فتحت -في مدة ~~يسيرة من الزمان- بلاد العرب والشام ومصر وبلاد الفرس، ms021 ثم ملكت المغرب ~~والأندلس أيضا. # وأما دولة العرب فقد انتقلت إلى غيرهم من الأمم، وبالخصوص إلى الأتراك ~~الذين هم أمة ذات بأس وقوة في الحرب، وهم بعد طول محاربة المسلمين دعوا إلى ~~العهد، وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع، ونقلوا حكم الدولة ~~لأنفسهم. # ثم فتحت على أيديهم بلاد الروم وبإقبال سعادتهم في الحروب وصلوا إلى حدود ~~بلاد النمسا أيضا" انتهى. # PageV01P187 # ونقول وبالله التوفيق: # إن ما ذكره من قلة الدين قبل ظهور محمد -صلى الله عليه وسلم- دليل ظاهر، ~~وحجة واضحة، وبرهان قاطع على نبوته، وصحة رسالته كما أشرنا إليه فيما تقدم، ~~وذلك أن سنة الله في أوقات فترات الرسالة، وإعراض الناس عما جاءت به الرسل ~~إعذارا منه -تعالى- إلى الخلق، ورحمة بمن أراد به خيرا. # فلما كانت الشرائع قد اندرست قبل مبعث - محمد صلى الله عليه وسلم-، ~~لتقادم عهدها، وطول زمانها، واختلط بسبب ذلك الحق بالباطل والهدى بالضلال، ~~والصدق بالكذب، وصار ذلك سببا لإعراض الخلق عن العبادات، وأن يقولوا: يا ~~إلهنا قد عرفنا أنه لا بد من عبادتك، ولكنا لا نعرف كيف عبادتك. فلا بد أن ~~يزيح الله عذرهم ببعثة الرسل إليهم. # ولهذا قال -تعالى- في كتابه العزيز: {ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين ~~لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ~~ونذير والله على كل شيء قدير} . # فخاطب -سبحانه- أهل الكتاب من اليهود والنصارى في هذه الآية بأنه بعث ~~إليهم رسوله محمدا -صلى الله عليه وسلم- على حين # PageV01P188 # فترة من الرسل، ودروس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان ~~والنيران والصلبان، فكانت النعمة به أتم، والحاجة إليه أعم. # فإن الفساد قد عم البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا ~~قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين من بعض أحبار اليهود، ~~وعباد النصارى والصابئين. # وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده، ومسلم في صحيحه، والنسائي في سننه من غير ~~وجه عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عياض بن حمار المجاشعي -رضي الله ~~عنه-: ms022 أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب ذات يوم، فقال في خطبته: «» # PageV01P189 # «إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا، كل مال أنحلته ~~عبادي حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن ~~دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به ~~سلطانا، وإن الله -سبحانه- نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم إلا ~~بقايا من بني إسرائيل، وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك، وأنزلت عليك ~~كتابا لا يغسله الماء، تقرؤه نائما ويقظانا. ثم إن الله أمرني أن أحرق ~~قريشا، فقلت: يا رب، إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة، فقال: استخرجهم كما ~~استخرجوك، واغزهم نغزك، وأنفق فسننفق عليك، وابعث جندا نبعث خمسة أمثاله، ~~وقاتل بمن أطاعك من عصاك. # وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب بكل ~~ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف فقير ذو عيال. # وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون ~~أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، والرجل لا ~~يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعكم عن أهلك ومالك، وذكر البخل والكذب، والشنظير ~~الفاحش» . # والمقصود من إيراد هذا الحديث قوله: «إن الله نظر إلى أهل الأرض، فمقتهم ~~عربهم وعجمهم إلا بقايا من بني إسرائيل» . وفي # PageV01P190 # لفظ مسلم: «إلا بقايا من أهل الكتاب» فكان الدين قد التبس على أهل الأرض ~~كلهم حتى بعث الله رسوله محمدا، خاتم النبيين الذي لا نبي بعده، بل هو ~~المعقب لجميعهم، فهدى الخلائق، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وتركهم على ~~المحجة البيضاء والشريعة الغراء. # ولهذا قال تعالى: {أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير} أي: بشير بالخير ~~ونذير عن الشر {فقد جاءكم بشير ونذير} يعني: محمدا -صلى الله عليه وسلم- ~~{والله على كل شيء قدير} . # فثبت بمقتضى هذه المقدمة التي قررناها، واعترف الخصم بصحة معناها، وهو ~~حصول غربة الدين قبل ظهور محمد -صلى الله عليه وسلم - حتى عند النصارى، ms023 ~~الذين هم أقرب الناس عهدا بالكتب والرسل، أن بعثة محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- كانت رحمة من الله لخلقه، هداهم الله بها بعد الضلالة، وبصرهم بها ~~بعد العمى، وأرشدهم بها بعد الغي، وأخرجهم بها من الظلمات إلى النور. # وهذا هو اللائق بحكمته، ورحمته، وما مضى في خلقه من سابق سنته، لا ما ~~يقول أعداؤه الكاذبون عليه، المكذبون رسوله، الزاعمون أنه كاذب عليه متقول ~~على الله ما لم ينزل إليه، فإنه لا يليق بحكمة الرب الحكيم، ورحمة الملك ~~القادر الرحيم، أن يؤيد من هذا شأنه أعظم التأييد، ويمكن له في الأرض غاية ~~التمكين، بل كان اللائق به أن يأخذه ويجعله نكالا وعبرة للمعتبرين، كما قال ~~-سبحانه وتعالى-: # PageV01P191 # {ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين ~~فما منكم من أحد عنه حاجزين} فأقام -سبحانه- في هذه الآية البرهان القاطع ~~على صدق رسوله، وأنه لم يتقول عليه فيما قاله، وأنه لو تقول عليه لما أقره، ~~ولعاجله بالإهلاك، فإن كمال علمه وقدرته وحكمته تأبى أن يقر من تقول عليه، ~~وافترى، وأضل عباده، واستباح دماء من كذبه وحريمهم وأموالهم، وأظهر في ~~الأرض الفساد والجور والكذب وخلاف الحق. # فكيف يليق بأحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، وأقدر القادرين أن يقدره على ~~ذلك؟ !. بل كيف يليق به أن يؤيده وينصره ويعليه ويظهره، ويظفره، بأهل الحق ~~يسفك دماءهم ويستبيح أموالهم وأولادهم ونساءهم قائلا: إن الله أمرني بذلك، ~~وأباحه لي؟. بل كيف يليق به أن يصدقه بأنواع التصديق كلها، فيصدقه بإقراره، ~~وبالآيات المستلزمة لصدقه التي دلالتها على التصديق كدلالة التصديق بالقول ~~أو أظهر، ثم يصدقه بأنواعها كلها على اختلافها، فكل آية على انفرادها مصدقة ~~له، ثم يحصل باجتماع تلك الآيات تصديق فوق كل آية على انفرادها، ثم يعجز ~~الخلق عن معارضته، ثم يصدقه بكلامه وقوله، ثم يقيم الدلالة القاطعة على أن ~~هذا قوله وكلامه، فيشهد له بإقراره وفعله وقوله؟. فمن أعظم المحال وأبطل ~~الباطل وأبين البهتان أن يجوز على # PageV01P192 # أحكم الحاكمين ورب العالمين أن يفعل ذلك بالكاذب المفتري عليه ms024 الذي هو شر ~~الخلق على الإطلاق. # فمن جوز ذلك، على الله أن يفعل هذا بشر خلقه وأكذبهم عليه فما آمن بالله ~~قطعا، ولا عرف الله وأنه رب العالمين، ولا يحسن نسبة ذلك إلى من له مسكة من ~~عقل وحكمة وحجا. ومن فعل ذلك فقد أزرى على نفسه، ونادى على جهله. # وقد ذكر الإمام أبو عبد الله ابن القيم مناظرة جرت له مع بعض علماء أهل ~~الكتاب تتعلق بهذا المقام، قال: # قلت له بعد أن أفضى في نبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن قلت له: ~~إنكار نبوته يتضمن القدح في رب العالمين وتنقصه بأقبح التنقص، فكان الكلام ~~معكم في الرسول والكلام الآن في تنزيه الرب -تعالى-. # فقال: كيف تقول مثال هذا الكلام؟ # فقلت له: بيانه علي فاسمع الآن: أنتم تزعمون أنه لم يكن رسولا، وإنما كان ~~ملكا قاهرا قهر الناس بسيفه حتى دانوا له، ومكث ثلاثا وعشرين سنة يكذب على ~~الله، ويقول: أوحي إلي، ولم يوح إليه، وأمرني، ولم يأمره، ونهاني، ولم ~~ينهه، وقال الله كذا، ولم يقل ذلك، وأحل كذا، وحرم كذا، وأوجب كذا، وكره ~~كذا، ولم يحل ذلك ولا حرمه ولا أوجبه ولا كرهه، بل هو فعل ذلك من تلقاء ~~نفسه كاذبا مفتريا على الله وعلى أنبيائه وعلى رسله وملائكته. # PageV01P193 # ثم مكث على ذلك عشر سنين يستعرض عباده، يسفك دماءهم، ويأخذ أموالهم، ~~ويسترق نساءهم وأبناءهم، ولا ذنب لهم إلا الرد عليه ومخالفته، وهو في ذلك ~~كله يقول: الله أمرني بذلك ولم يأمره، ومع ذلك فهو ساع في تبديل أديان ~~الرسل، ونسخ شرائعهم، وحل نواميسهم، فهذه حاله عندكم. # فلا يخلو: إما أن يكون الرب -تعالى- عالما بذلك مطلعا عليه من حالة يراه ~~ويشاهده أو لا. # فإن قلتم: إن ذلك جميعه غائب عن الله لم يعلمه قدحتم في الرب -تعالى-، ~~ونسبتموه إلى الجهل المفرط، إذ لم يطلع على هذا الحادث العظيم، ولا علمه، ~~ولا رآه. # وإن قلتم: بل كان بعلمه واطلاعه ومشاهدته، قيل لكم: فهل كان قادرا على أن ~~يغير ذلك، ms025 ويأخذ على يده ويحول بينه وبينه أم لا؟ # فإن قلتم: ليس قادرا على ذلك، نسبتموه إلى العجز المنافي للربوبية، وكان ~~هذا الإنسان هو وأتباعه أقدر منه على تنفيذ إرادتهم. # وإن قلتم: بل كان قادرا، ولكن مكنه ونصره وسلطه على الخلق، ولم ينصر ~~أولياءه وأتباع رسله نسبتموه إلى أعظم السفه والظلم والإخلال بالحكمة. # هذا لو كان مخليا بينه وبين ما فعله، فكيف وهو في ذلك كله ناصره ومؤيده، ~~ومجيب دعواته ومهلك من خالفه وكذبه، ومصدقه بأنواع التصديق كلها، ومظهر ~~الآيات على يديه التي لو اجتمع أهل الأرض كلهم على أن يأتوا بواحدة منها ~~لما أمكنهم، ولعجزوا عن ذلك، وكل وقت من الأوقات يحدث له من أسباب النصر ~~والتمكين والظهور والعلو وكثرة الأتباع أمرا خارجا عن العادة؟ !. # PageV01P194 # فظهر أن من أنكر كونه رسولا نبيا فقد سب الله -تعالى-، وقدح فيه، ونسبه ~~إلى الجهل والعجز والسفه. # قلت له: ولا ينتقض هذا بالملوك الظلمة الذين مكنهم في الأرض وقتا ما ثم ~~قطع دابرهم، وأبطل سنتهم، ومحا آثارهم ووجودهم، فإن أولئك لم يدعوا شيئا من ~~هذا، ولا أيدوا، ونصروا، وظهرت على أيديهم الآيات، ولا صدقهم الرب -تعالى- ~~بإقراره ولا بفعله، ولا بقوله. بل كان أمرهم بالضد من دين الرسول كفرعون ~~ونمرود وأضرابهما. # ولا ينتقض هذا بمن ادعى النبوة من الكذابين، فإن حاله كانت بضد حال ~~الرسول، ومن حكمة الله -سبحانه- أن أخرج مثل هؤلاء في الوجود ليعلم حال ~~الكذابين، وحال الصادقين، فكان ظهورهم من أبين الأدلة على صدق الرسل والفرق ~~بين هؤلاء وبينهم ( # فبضدها تتبين الأشياء # ) ، ( # والضد يظهر حسنه الضد # ) . # فمعرفة أدلة الباطل وشبهه من أنواع أدلة الحق وبراهينه. # PageV01P195 # فلما سمع مني ذلك قال: معاذ الله، لا نقول: إنه ملك ظالم، بل نبي كريم، ~~من اتبعه فهو من السعداء، وكذلك من اتبع موسى فهو كمن اتبع محمدا. # قلت له: بطل كل ما تموهون به بعد هذا، فإنكم إذا أقررتم بأنه نبي صادق ~~فلا بد من تصديقه في جميع ما أخبر به، وقد علم أتباعه وأعداؤه بالضرورة أنه ms026 ~~دعا الناس كلهم إلى الإيمان به، وأخبر أن من لم يؤمن به فهو مخلد في النار، ~~وقاتل من لم يؤمن به من أهل الكتاب، واستباح دماءهم ونساءهم وأبناءهم. # فإن كان ذلك عدوانا منه وجورا لم يكن نبيا، وعاد الأمر إلى القدح في الرب ~~-تعالى-، وإن كان ذلك بأمر الله ووحيه لم يسع مخالفته وترك اتباعه، ولزم ~~تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. انتهى. # وأما قول النصراني: # " إنها - يعني: شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- مخالفة لدين المسيح ~~مضادة له ". # فهذا الإطلاق والعموم باطل، فإن دين المسيح، بل وجميع أديان الرسل من ~~أولهم إلى آخرهم خاتمهم محمد -صلى الله عليه وسلم - متفقة في قواعد الدين ~~وأصول الإيمان: من توحيد الله -تعالى-، ونفي الشريك له، وتنزيهه عن النقائص ~~المتضمن لنفي الصاحبة والولد، # PageV01P196 # وعلى إفراده -سبحانه- بالعبادة، وتصديق جميع رسله، والإيمان بملائكته، ~~وكتبه، والإيمان باليوم الآخر، والجنة والنار، وغير ذلك من أصول الإيمان ~~وقواعد الدين. # كما قال -تعالى- في كتابه: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي ~~أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا ~~فيه} ### | .... # وقال -تعالى-: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا ~~الطاغوت} ### | .... # وقال -تعالى-: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا ~~أنا فاعبدون} . # وفي صحيح البخاري وغيره عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: «نحن - معشر الأنبياء - إخوة العلات، ديننا واحد» ~~... ، يعني: ذلك التوحيد الذي بعث الله به كل رسول أرسله، وضمنه كل كتاب ~~أنزله. # PageV01P197 # وأما الشرائع فمختلفة في الأوامر والنواهي، فقد يكون الشيء في هذه ~~الشريعة حراما، ثم يحل في الشريعة الأخرى وبالعكس، وخفيفا فيزاد بالشدة في ~~هذه دون هذه، وذلك لما لله -تعالى- في ذلك من الحكمة البالغة والحجة ~~الدامغة. # قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة في قول الله -تعالى-: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} يقول: " السنن مختلفة: في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، ~~وفي القرآن شريعة، يحل ms027 فيها ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ليعلم من يطيعه ممن ~~يعصيه. # والدين الذي لا يقبل غيره: التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل ". # والمقصود: أن شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- موافقة لدين المسيح في ~~التوحيد وأصول الديانات، وإن خالفته في بعض ما دون ذلك من الشرائع، لكنها ~~مخالفة لما ابتدعه ضلال النصارى، واخترعوه من قبل أنفسهم، وبدلوا به دين ~~المسيح، من الغلو في المخلوق حتى أنزلوه منزلة الخالق، وادعوا أنه الله، ~~وأنه ابن الله - تعالى الله، وتقدس، وتنزه عن قولهم علوا كبيرا -، وكذا ما ~~بدلوه من فروع # PageV01P198 # دين المسيح -عليه السلام- كاستحلال الميتة والخنزير، وإحداث البدع في ~~العبادات مما نسخوا به دين المسيح -عليه السلام-، فبعث الله رسوله محمدا ~~-صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى عبادة الله من عبادة العباد، وإلى متابعة ~~عبده ورسوله المسيح عيسى ابن مريم وتصديقه في بشارته بخاتم الرسل، وسيدهم ~~في الدنيا والآخرة - الذي هو أولى الناس به، كما ثبت عن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- أنه قال: # «أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، ~~والأنبياء إخوة أبناء علات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد» . أخرجه البخاري ~~ومسلم. # (وإخوة العلات: أبناء أمهات شتى من رجل واحد) . # أما ما ذكره النصراني من وقوع الفتوحات على أيدي العرب، ثم انتقال الدولة ~~إلى غيرهم، ففي ضمنه دليلان من أدلة الرسالة المحمدية، وعلمان من أعلامها: # الأول: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بتلك الفتوحات، وبلوغ دينه ~~إلى المشارق والمغارب، وظهور أمته على فارس والروم، فوقع ذلك على وفق ما ~~أخبر، كما سيأتي ذكر الأحاديث بذلك -إن شاء الله تعالى-، فكان ذلك دليلا ~~على صدقه. # PageV01P199 # الثاني: أنه -صلى الله عليه وسلم- أنذر بانتقال الأمر من قريش الذين هم ~~السادة العرب وقادتها إذا وقع منهم الخلل في إقامة الدين، كما أخرج البخاري ~~في صحيحه، وغيره عن معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- قال: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله ~~على وجهه في ms028 النار ما أقاموا الدين» . # وهذا يدل على أنهم إذا لم يقيموا الدين يخرج الأمر عنهم. # وأخرج الطبراني عن علي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~قال: «ألا إن الأمراء من قريش ما أقاموا ثلاثا» ### | .... # الحديث. # PageV01P200 # وأخرج الطيالسي والبزار والبخاري في التاريخ من طريق سعد بن إبراهيم عن ~~أنس بلفظ: ### | .... # «ما إذا حكموا فعدلوا» ### | .... # الحديث، وله طرق متعددة. # وأخرج الإمام أحمد بن حنبل وأبو يعلى الموصلي من حديث عبد الله بن مسعود ~~-رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: # PageV01P201 # «يا معشر قريش، إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث الله ~~عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب» . # قال الحافظ ابن حجر: "ورجاله ثقات". # وأخرج الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء بن يسار يرفعه إلى ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال لقريش: «أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما ~~كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه، فتلحون كما تلحى هذه الجريدة» . # فقد دلت هذه الأحاديث وما ورد في معناها من منطوق أو مفهوم على خروج ~~الأمر عن قريش الذين هم أئمة العرب والعرب لهم تبع، وأن ذلك إنما يكون إذا ~~وقع منهم التغيير، ولم يستقيموا على السنن القويم، وأنه يتقدم ذلك ما هددوا ~~به من تسليط من يؤذيهم عليهم. # PageV01P202 # قال ابن حجر: "فوجد ذلك في الدولة العباسية، بغلبة مواليهم بحيث صاروا ~~معهم كالصبي المحجور عليه، يتمتع بلذاته، ويباشر الأمور غيره. # ثم اشتد الخطب، فغلب عليهم الديلم، فضايقوهم في كل شيء حتى لم يبق ~~للخليفة إلا الخطبة، واقتسم المتغلبون الممالك في جميع الأقاليم، ثم طرأ ~~عليهم طائفة بعد طائفة حتى انتزع الأمر منهم في جميع الأقطار، ولم يبق ~~للخليفة إلا مجرد الاسم في بعض الأمصار". انتهى. # وهذا، لأن الذي نالته العرب من العز والظهور والغلبة إنما حصل لهم ببركة ~~اتباع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وطاعتهم له كما قال تعالى: {وعد الله ~~الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من ~~قبلهم وليمكنن لهم ms029 دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ~~يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} . # PageV01P203 # وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما صح عنه: # «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون» . # فلما كانت الخلفاء على الاستقامة والسداد في أمر الدين كان لهم في الأرض ~~غاية التمكين تصديقا لما أخبر به الصادق الأمين. # فلما غيروا بمخالفته بعض أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وقع بهم ما ~~هددوا به، حيث كانت نعم الله عليهم أعظم منها على غيرهم، وكان الواجب عليهم ~~من شكرها بحسب ما خصوا به منها. # فكان في أول الأمر وآخره براهين ساطعة وأدلة قاطعة على أن محمدا رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم - من جهة وقوع ما أخبر به مطابقا لخبره، ومن جهة ~~اقتران العز والظهور والسعادة باتباع سنته، واقتران الذل والخذلان بترك ~~أمره ومخالفته، فقد تضافرت حجج الله وبيناته على صدق هذا الرسول الكريم في ~~كل عصر على ممر الدهور والأزمان. # ثم إن الفتوحات التي حصلت على أيدي غير العرب من الأمم الذين دخلوا في ~~الإسلام، وانتموا إلى الملة وقاموا بجهاد الأعداء المضادين لها هي من آثار ~~الوعد الصادق من التمكين لهذه الأمة # PageV01P204 # الإسلامية في الأرض، وظهور دينهم على غيره من الأديان، وانتصارهم على ~~عبدة الأوثان والصلبان، فليس في خروج الأمر عن العرب في بعض الأزمان وبعض ~~الأقطار إلى غيرهم من هذه الأمة ما يقتضي نقصا في الدين ووهنا في الملة، ~~فإن كل خير حصل لهذه الأمة من العرب وغير العرب، فهو من بركة اتباع النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- والانتماء إلى ملته. # PageV01P205 # فصل # وأما قول النصراني: # " وهم - يعني الأتراك - بعد طول محاربة للمسلمين، دعوا إلى العهد وقبلوا ~~الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع، ونقلوا حكم الدولة لأنفسهم ### | ..... # " إلى آخره. # فهذا فيه نوعان من الخطأ: # الأول منهما: # ما دل عليه كلامه من أن الأتراك الذين حاربوا المسلمين أولا هم الذين ~~كانت لهم الولة آخرا. # وهذا باطل وجهل بالدول وأخبارها، فإن الأتراك الذين ms030 حاربوا المسلمين في ~~الحوادث المشهورة هم التتار الذين خرجوا من أطراف بادية الصين، فأفسدوا في ~~الأرض، وأبادوا البلاد والعباد، وكانت منهم الحادثة العظمى على بغداد سنة ~~654 ه، وبها زالت دولة بني العباس # PageV01P207 # من بغداد وكان رئيسهم (جنكيزخان) ، ثم (هولاكو) بعده، ووصلوا إلى حلب ~~وأطراف الشام، فالتقوا هناك بالعسكر المصري، فهزمهم الله -تعالى- شر هزيمة ~~في سنة ثمان وخمسين وستمائة، قال السخاوي المؤرخ: " ثم لم يزل لهم بقايا ~~يخرجون إلى أن كان آخرهم تيمور لنك الأعرج، الذي خرج سنة ثلاث وسبعين وسبع ~~مائة. وبالجملة فلم يبق لهم على المسلمين سلطنة، ولم تستقر لهم دولة ". # PageV01P208 # وأما الأتراك الذين كانت لهم سلطنة على المسلمين فهم طوائف، وأول حدوثهم ~~في دول الإسلام أيام المعتصم العباسي لكون السبي كثر فيهم إذ ذاك، فاستكثر ~~المعتصم منهم المماليك، حتى كان أكثر عسكره منهم. ثم غلبوا على الملك - كما ~~أشرنا إليه قريبا - حتى قتلوا ابن سيدهم المتوكل ابن المعتصم، ثم خالطت ~~المملكة بنو بويه ملوك الديلم، ثم كانت الملوك السامانية من الترك أيضا، ثم ~~غلب على الممالك آل سبكتكين غلام معز الدولة ابن بويه الديلمي، ثم آل ~~سلجوق، فامتدت مملكتهم من خراسان إلى العراق والشام والروم، ثم كانت حادثة # PageV01P209 # التتار التي زالت بها الخلافة من بغداد. ثم كانت بقايا أتباع آل سلجوق ~~بالشام، ثم كان أتباع آل زنكي - بنو أيوب اكراد -، فاستكثر بنو أيوب من ~~المماليك الأتراك، فغلبوهم بالديار المصرية والشامية. وكان من هؤلاء ~~الأتراك السلطان الملك المظفر قطز الذي خرج بالعساكر المصرية إلى ملاقاة ~~التتار بالشام في الواقعة التي أشرنا إليها، ثم كانت بعدهم الدولة ~~الجاركسية، وكانوا مماليك للأتراك المذكورين، استكثروا منهم، ثم غلبوهم على ~~المملكة، وهم الذين أخرجهم السلطان الغوري، وكانوا أيضا من الأتراك. # PageV01P210 # فهذه دولة الأتراك المشهورة في الإسلام، لم يكن ملكهم ودولتهم إلا ~~بالطريق الذي ذكرناها. # وأما التتار فهم - وإن كان قد دخل في الإسلام منهم من شاء الله - فلم يبق ~~لهم على المسلمين دولة، ولم يستقر لهم سلطنة، بل كان آخر أمرهم الدمار ms031 ~~والبوار. # ومنشأ غلط النصراني هو من جهة ما يقال: إن سلاطين بني عثمان كانوا في ~~الأصل من التتار، كما هو أحد الأقوال في نسبهم، وهذا وإن كان هو الأصح في ~~نسبهم عند البعض، لكن دولتهم لم تنشأ من جهة التتار ولا كان لهم بها تعلق، ~~وإنما كان ابتداؤها في أطراف الروم مما يلي الشام. # PageV01P211 # وسبب ذلك أن السلطان عثمان - وهو الذي ينسبون إليه - كان هو وأبوه في ~~خدمة السلطان علاء الدين السلجوقي - ملك تلك الناحية - فترقت بهم الأحوال ~~في خدمته، فتوفي السلطان السلجوقي -، وعثمان في خدمته، ومن أعيان دولته -، ~~ولم يكن بعد السلطان من أهل بيته من يقوم مقامه، فاتفق العسكر على تولية ~~عثمان وتقديمه، فتم له الأمر ولأولاده من بعده، فافتتحوا الديار الرومية، ~~واستقرت بها سلطنتهم، ثم أخذوا ممالك الشام ومصر والحرمين من الجراكسة فيما ~~بعد العشرين وتسعمائة. # PageV01P212 # النوع الثاني: # قوله: " وقبلوا الشريعة الموافقة لأخلاقهم بغير امتناع ". # فتحت هذا الكلام تمويه باطل، وهو خطأ ظاهر، ثم هو مناقض لما يأتي من ~~كلامه: " أن الشريعة الإسلامية متعلقة بالكلية بالسيف والقتال ". # ولكنه لما سمع بدخول من دخل في الإسلام من التتار بغير إكراه ولا قتال، ~~حاول أن يجعل ذلك ليس من باب الاختيار الذي دعاهم إليه ما عرفوه بعقولهم من ~~صحة دين الإسلام وشرفه، حتى اختاروه على دينهم، وعلى اليهودية والنصرانية، ~~فأحال ذلك على موافقة أخلاقهم. # ومن المعلوم أن من نشأ على دين وجد عليه آباءه وأسلافه والمعظمين عنده، ~~فإنه لا يدعه ويؤثر غيره عليه إلا أن يحمله على ذلك رغبة أو رهبة، أو يدله ~~العقل على فضيلة ما اختاره، فأما خلقه الموافق لهواه فإنه لا يدعوه إلى ~~اختيار دين غير آبائه لا سيما والدين الذي اختاره يتضمن من التكاليف الشاقة ~~على الأنفس ما هو مضاد لهوى النفس. # ولا ريب أن الذين دخلوا في الإسلام من أولئك التتار - وقد كانوا أهل شوكة ~~ودولة - لم يكن لهم داع إلى ذلك من رغبة ولا رهبة، وإنما دخلوا في الإسلام ~~لما رأوا من شرفه ms032 وفضله بعد مخالطة المسلمين. # وهذا يدل على معنى ما أشرنا إليه فيما تقدم، ويأتي إيضاحه فيما بعد - إن ~~شاء الله - من أن من الحكمة في شرع الجهاد ليس # PageV01P213 # إجبار الناس على الدخول في الإسلام بالظاهر دون الباطن، وإنما سيف الجهاد ~~منفذ للشريعة موصل لها إلى أسماع المكلفين؛ حتى يصغوا إليها، فيعلموا أنها ~~الحق، فيعملوا بها باطنا وظاهرا. # ولما كان هؤلاء القوم خالطوا المسلمين، وسمعوا القرآن، ورأوا محاسن ~~الإسلام دعتهم عقولهم إلى استحسانه من غير داع آخر، ولا رغبة ولا رهبة، مع ~~أن إسلام أكثرهم ضعيف من جهة تساهلهم في فعل المأمورات، وترك المحظورات، ~~كما ذكر العلماء بأحوالهم. # واعلم أن السنة النبوية قد أشارت إلى قتال الترك وفتنتهم، فهو من الأعلام ~~الظاهرة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- ~~قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا ~~قوما نعالهم الشعر، وحتى تقاتلوا قوما كأن وجوههم المجان المطرقة، صغار ~~الأعين، ذلف الأنوف» . أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. # وفي رواية: «حتى تقاتلوا الترك صغار الأعين، حمر الوجوه، فطس الأنوف، كأن ~~وجوههم المجان المطرقة» . # PageV01P214 # وفي رواية للبخاري: «لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا خوزا وكرمان من الأعاجم، ~~حمر الوجوه، فطس الأنوف، صغار الأعين، وجوههم كالمجان المطرقة، نعالهم ~~الشعر» . وفي لفظ: عراض الوجوه. # وجاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه أخبر: «بأن الترك ستغلب على العرب حتى ~~تلحقها بمنابت الشيح والقيصوم» ، وورد عنه في حديثه: «اتركوا الترك ما ~~تركوكم، فإن أول من يسلب أمتي ملكها بنو قنطوراء» . # فقد ظهر مصداق ما أخبر به -صلى الله عليه وسلم- في هذه الواقعة كغيرها من ~~الغيوب التي أطلعه الله عليها فوقعت على وفق ما أخبر. # PageV01P215 # المقام الثاني # قال النصراني: # " فصل في الرد على المسلمين بحجة مأخوذة من الكتب المقدسة التي لليهود ~~والنصارى، وأنهم لم تتغير. # من المشهور المجتمع عليه عند المسلمين، وما قد شهد له محمد أن الله بعث ~~موسى، ويشوع، الذي اسمه في العربية عيسى. # وأن الذين دعوا الناس في أول الأمر ms033 إلى قبول شريعة يشوع كانوا من أهل ~~الصلاح، ولكن مع ذلك توجد في القرآن أخبار عدة مخالفة لما أتى به موسى ~~وتلاميذ يشوع. # ومن جملة تلك الأخبار نقتصر على ما أوتي به من أمر يشوع: # فأما الذي حقق رسله وتلاميذه بإجماع منهم كلهم أنه صلب، ومات، وفي اليوم ~~الثالث قام من بين الأموات وشاهده عدة من الناس، وأما المسلمون يزعمون ~~بخلاف ذلك، أنه رفع إلى السماء خفية، وأن المصلوب هو الشخص المشبه به ظنه ~~اليهود أنه هو، وأما يشوع فلم يصلب، ولم يقتل. # ولا سبيل إلى فك هذا الاعتراض إلا أن يقولوا - وهو قولهم -: إن كتب موسى ~~وتلاميذ يشوع لم تبق على ما كانت عليه أولا، إنها تغيرت. وقولهم هذا مما ~~أبطلناه فيما تقدم. # وإنما لو قال أحد: " إن القرآن قد تغير " لأنكر المسلمون ذلك. # PageV01P217 # وقالوا: إن في إنكارهم ذلك ما يكفي ردا على من يقول: " إنه بدل " ما لم ~~يكن له حجة يستدل بها على صحة قوله. مع أنهم لا يمكنهم أن يستدلوا على صحة ~~كتابهم بما يعادل دلالتنا على صحة كتابنا من حيث انتشار عدة نسخ منذ أول ~~الأمر في جميع الآفاق، لا كحال كتابهم بلسان واحد، بل بلغات عدة، وأنها ~~محفوظة عند الفرق المختلفة. هذا كلامه. # والجواب عنه من وجوه: # الأول: # أن هذا الاعتراض وأمثاله نظير اعتراض اليهود على نبوة عيسى -عليه السلام- ~~واحتجاجهم بأشياء من التوراة التي بأيديهم. # كاعتراضهم في إحلال السبت بأن في التوراة الأمر بالتمسك بالسبت ما دامت ~~السماوات والأرض. # وكاعتراضهم بما في التوراة من وصف زمن المسيح مثل: أنه سيسكن الذئب مع ~~الجمل، والنمر مع الجدي، والأسد مع الضأن وأن الطفل يلاعب الحية، وأن جبل ~~الله سيعلو على سائر الجبال، وأن غير اليهود من الأمم سيأتون ويسجدون لله ~~فيه ... ، إلى غير ذلك من اعتراضات اليهود على نبوة عيسى -عليه السلام -. # وليس عند النصارى جواب عن اعتراضهم إلا وعند المسلمين من # PageV01P218 # الأجوبة عن اعتراض الطائفتين ما هو أظهر وأوضح، كما سيأتي ما يتيسر من ~~ذلك ms034 مما يتعلق بغرضنا - إن شاء الله -. # الوجه الثاني: # أن المعجزات الظاهرة والأدلة القاطعة قد قامت على نبوة محمد -صلى الله ~~عليه وسلم- وبعد ثبوت المعجزات فلا التفات إلى مثل هذه الاعتراضات. # كما قد أجاب به النصراني عن شبهات اليهود فلا يبقى إلا التسليم لخبر من ~~قامت المعجزة على صدقه. فلما ثبت بالأدلة القاطعة صدق محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- في خبره عن الله علم قطعا كذب كل خبر يخالف ما جاء به. # يوضح ذلك الوجه الثالث: # وهو أن دعوى النصارى قتل المسيح، وصلبه مستندة إلى أخبار من وضع الكتب ~~التي بأيدي النصارى، وهي غير موثوق بها، لما سنبينه من أمرها، ولأنها كانت ~~في أول الأمر بأيدي عدد قليل لا يستبعد تواطؤهم على الكذب والتبديل ~~والتغيير، فلا يعارض بها خبر من جاء بالمعجزات التي لا مرية معها أنه أخبر ~~بما أخبر به عن وحي من الله. # PageV01P219 # وقد قال الله -تعالى- في الكتاب الذي أنزل عليه فيما ذم به اليهود: ~~{وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن ~~مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه ~~لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا بل رفعه الله ~~إليه وكان الله عزيزا حكيما} . # وكان من خبر اليهود أنهم لما بعث الله عيسى بالبينات والهدى حسدوه على ما ~~آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات التي منها: أنه يبرئ الأكمه ~~والأبرص، ويحيي الموتى - بإذن الله -، ويصور من الطين طائرا، ثم ينفخ فيه، ~~فيكون طائرا يشاهد طيرانه - بإذن الله عز وجل - ... ، إلى غير ذلك من ~~المعجزات التي أكرمه الله بها، فأجراها على يديه. # ومع هذا كذبوه وخالفوه ورموه بالعظائم كما قال -تعالى- في الآية: {وقولهم ~~على مريم بهتانا عظيما} . # قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس:" إنهم رموها بالزنا ". # PageV01P220 # وكذا قال غير واحد من السلف، وهو ظاهر من الآية، فجعلوها زانية قد حملت ~~بولدها من ذلك. زاد بعضهم: وهي حائض {وقولهم إنا قتلنا المسيح ms035 عيسى ابن ~~مريم رسول الله} . # أي: هذا الذي يدعي لنفسه هذا المنصب وقد قتلناه، وهذا من باب التهكم ~~والاستهزاء كقول المشركين: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} أي: ~~يا ذا الذي يدعي لنفسه ذلك، إنك لمجنون. # والمقصود أن اليهود آذوا نبي الله -عليه السلام- بكل ممكن حتى جعل لا ~~يساكنهم في بلد، بل كان يكثر السياحة هو وأمه - عليهما السلام - حتى كان ~~آخر ذلك أن سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان، وكان رجلا مشركا من عبدة ~~الكواكب من اليونان، وأنهوا إليه أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس، ويضلهم، ~~ويفسد على الملك رعاياه، فغضب الملك، وكتب إلى نائب بيت المقدس: " أن يحتاط ~~على هذا المذكور، ويصلبه، ويضع الشوك على رأسه، ويكف أذاه عن الناس ". ~~فامتثل والي بيت المقدس ذلك. # وذهب هو وطائفة من اليهود إلى المنزل الذي فيه عيسى -عليه السلام - وهو ~~في جماعة: اثنا عشر، أو ثلاثة عشر، وقيل: سبعة # PageV01P221 # عشر نفرا، وكان ذلك يوم الجمعة بعد العصر إقبال السبت فحصروه، فلما أحس ~~بهم، وأنه لا محالة من دخولهم إليه، أو خروجه إليهم قال لأصحابه: أيكم يلقى ~~عليه شبهي وهو رفيقي في الجنة؟ # فابتدر لذلك شاب منهم، فاستصغره عن ذلك، فأعادها ثانية، فكل ذلك لا ينتدب ~~إلا ذلك الشاب، فقال: أنت هو، وألقي عليه شبه عيسى حتى كأنه هو، وفتحت ~~روزنة في سقف الباب، وأخذت عيسى -عليه السلام- سنة من النوم، فرفع إلى ~~السماء، وهو كذلك كما قال -تعالى-: {إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا} ... . # فلما دخل أولئك النفر ورأوا ذلك الشاب ظنوا أنه عيسى -عليه السلام-؛ ~~فأخذوه في الليل، وصلبوه، ووضعوا الشوك على رأسه، وأظهر اليهود أنهم قتلوه، ~~وتبجحوا بذلك، وسلم لهم طوائف من النصارى، ذلك بجهلهم وقلة عقلهم ما عدا من ~~كان في بيت المسيح؛ فإنهم شاهدوا رفعه، وأما الباقون فإنهم ظنوا كما ظن ~~اليهود أن المصلوب هو المسيح ابن مريم، حتى ذكروا أن مريم جلست تحت ذلك ~~المصلوب وبكت. ويقال: إنه خاطبها. والله أعلم. ms036 # وهذا كله امتحان من الله لعباده لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وقد ~~وضح الله الأمر، وجلاه، وبينه، وأظهره في القرآن الذي # PageV01P222 # أنزله على رسوله المؤيد بالمعجزات، والبينات، والدلائل الواضحات، فقال ~~-تعالى- وهو أصدق القائلين، ورب العالمين المطلع على السرائر والضمائر الذي ~~يعلم السر في السماوات والأرض، العالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان ~~كيف يكون: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} أي: رأوا شبهه؛ فظنوا أنه ~~إياه {وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن} ~~يعني: من ادعى قتله من اليهود ومن سلمه لهم من جهلة النصارى كلهم في شك من ~~ذلك وحيرة وضلال. # قال ابن أبي حاتم: # حدثنا أحمد بن سنان، ثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن ~~سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: " لما أراد # PageV01P223 # الله أن يرفع عيسى إلى السماء خرج عيسى على أصحابه وفي البيت اثنا عشر ~~رجلا من الحواريين - يعني فخرج عليهم - من عين في البيت ورأسه يقطر ماء، ~~فقال: إن منكم من يكفر بي اثنتي عشرة مرة. # ثم قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب ~~من أحدثهم سنا فقال: أنا، فقال له: اجلس. ثم أعاد عليهم، فقام الشاب فقال: ~~أنا، فقال أنت هو ذاك، فألقى عليه شبه عيسى، ورفع عيسى من روزتة في البيت ~~إلى السماء، وجاء الطلب من اليهود، فأخذوا الشبيه، فقتلوه، ثم صلبوه، فكفر ~~به بعضهم اثنتي عشرة مرة من بعد أن آمن به، وافترقوا ثلاث فرق: # فقالت طائفة: كان الله فينا ما شاء، ثم صعد إلى السماء. وهؤلاء ~~اليعقوبية. # وقالت فرقة: كان عبد الله ورسوله، ثم رفعه إليه، وهؤلاء المسلمون. # وقالت طائفة: هو ابن الله، كان فينا ما شاء، ثم رفعه إليه، فتظاهرت ~~الكافرتان على المسلمة فقتلوها، فلم يزل الإسلام طامسا حتى بعث الله محمدا ~~-صلى الله عليه وسلم- ". وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس، قاله الحافظ ابن ~~كثير. # قال ms037 " ورواه النسائي عن أبي كريب عن أبي معاوية بنحوه ". # PageV01P224 # وكذا ذكر غير واحد من السلف أنه قال: أيكم يلقى عليه شبهي؛ فيقتل مكاني ~~وهو رفيقي في الجنة؟. وللقصة طرق كثيرة ملخص الصحيح منها ما قدمنا. # ثم قال تعالى: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة ~~يكون عليهم شهيدا} . # قال ابن عباس في قوله: {قبل موته} قال: " قبل موت عيسى ". # قال العوفي عنه: " عند نزول عيسى لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا آمن به ~~"، وقيل: " قبل موت الكتابي ". والصحيح القول الأول؛ لأن المقصود من سياق ~~الآية كما قال ابن كثير: تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، ~~وتسليم من سلم لهم ذلك من النصارى. # فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم، فقتلوا الشبيه، # PageV01P225 # وأنه رفعه إليه، وأنه باق حي، وأنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه ~~الأحاديث المتواترة، فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ~~ويضع الجزية؛ أي: لا يقبلها من أحد، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف. # وأخبرت هذه الآية الكريمة أنه يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف ~~عن التصديق به واحد منهم، ولهذا قال تعالى: {ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا} أي: بأعمالهم التي شاهدها منهم قبل رفعه وبعد نزوله إلى الأرض. # وفي الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: «والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل عيسى ابن مريم حكما عدلا، فيكسر ~~الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويفيض المال حتى تكون السجدة خيرا من ~~الدنيا وما فيها. # ثم قال أبو هريرة اقرؤوا: {وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ~~ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا} » . # PageV01P226 # وروى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه وغيرهما عن أبي هريرة أن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: # «الأنبياء إخوة العلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد، وإني أولى الناس بعيسى ~~ابن مريم، لأنه لم يكن نبي بيني وبينه، وإنه نازل فإذا رأيتموه فاعرفوه، ~~رجل ms038 مربوع إلى الحمرة والبياض، عليه ثوبان مخضران، كأن رأسه يقطر وإن لم ~~يصبه بلل، فيقذف الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى ~~الإسلام، ويهلك في زمانه المسيح الدجال، ثم تقع الأمنة في الأرض، ثم ترتع ~~الأسود مع الإبل، والنمار مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان ~~بالحيات، لا تضرهم، فيمكث في الأرض أربعين سنة، فيتوفى، ويصلي عليه ~~المسلمون» . # والأحاديث في هذا المعنى والأخبار بنزول عيسى كثيرة مقطوع بها، وهذا كله ~~معلوم من نعته عند أهل الكتاب. # لكن النصارى ظنوا أن نزوله ومجيئه مرة أخرى إنما يكون يوم القيامة، ~~فغلطوا في مجيئه الثاني، كما غلطوا في مجيئه الأول حيث ظنوا أنه الله. # واليهود أنكروا مجيئه الأول وظنوا أنه غير المبشر به، وصاروا ينتظرون ~~غيره، وإنما بعث إليهم أولا، فكذبوه، فجاء القرآن بالحق من # PageV01P227 # أمره وبقاء حياته في السماء، وأنه سينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة، ~~ليكذب هؤلاء وهؤلاء من اليهود والنصارى الذين تباينت فيه أقوالهم، وخرجوا ~~عن الحق، فتنقصه اليهود، ورموه بالعظائم، وأطراه النصارى، فادعوا فيه ~~الربوبية - تعالى الله عن قول هؤلاء وقول هؤلاء علوا كبيرا -. # والنصارى لم يؤمنوا بنزوله قبل يوم القيامة لم ينفصلوا عن شبهة اليهود ~~المأخوذة من نعت زمان المسيح المذكور في التوراة - كما أشرنا إليه قريبا -، ~~واضطروا إلى تأويل ذلك الوصف على المجاز البعيد الذي يعلم كل أحد أنه غير ~~مراد. # قال شيخ الإسلام أبو العباس: # والمسلمون واليهود والنصارى متفقون على أن الأنبياء أنذرت بالمسيح ~~الدجال، وعلى أن الأنبياء بشروا بالمسيح من ولد داود، ومتفقون على أن مسيح ~~الضلالة له آيات، وعلى أن مسيح الهدى سيأتي أيضا. # ثم المسلمون والنصارى متفقون على أنه عيسى، واليهود تنكر ذلك مع إقرارهم ~~أنه من ولد داود. قالوا: لأنه تؤمن به الأمم كلها، والنصارى مقرون بأنه ~~بعث، وأنه سيأتي، لكن يقولون: يوم القيامة، ليجزي الناس بأعمالهم. # PageV01P228 # وأما المسلمون فآمنوا بما أخبرت به الأنبياء على وجهه. وهو موافق لما ~~أخبر به خاتم الرسل في الأحاديث المشار إليها. # الوجه الرابع: # ما اعترف ms039 به النصراني في المقالة الأولى من كتابه من حصول الاختلاف بين ~~النصارى في صحة بعض هذه الكتب التي هي عمدتهم في الدين - بزعمهم -، وأنهم ~~في أول الأمر شاكون فيها، كرسالة بطرس الثانية، ورسالتي يعقوب ويهوذا، ~~والرسالتان المنسوبتان إلى يوحنا، أي: الرؤيا والرسالة إلى العبرانيين. # ولم يجب النصراني عن هذا الإيراد إلا بأنها كانت مقبولة في بعض الكنائس، ~~ثم بعد ذلك حصل اتفاق النصارى عليها. # PageV01P229 # ولا ريب عند كل ذي لب صحيح أن هذا يمنع الثقة بشيء من كتبهم، حيث قبلوا ~~ما كان مشكوكا فيه عند أوائلهم أو مردودا مكذوبا، ثم عمدوا إليه، فألحقوه ~~بإنجيل المسيح الذي زعموا أنه لم يغير، ولم يبدل، فإن مثل هذا لا يرتضيه ~~ثقات المؤرخين أن يضعوا في كتبهم ما يكون مستندا إلى الشك وعدم الثقة، فكيف ~~بكتب الشريعة المنسوبة إلى الأنبياء المجعولة عمدة في الدين؟ # فهذا أوضح دليل وأظهر برهان على جهالة الأمة الضالة بالعلم الصحيح ~~الموروث عن المسيح -عليه السلام-، بل قد التبس عليهم الصدق بالكذب، والصحيح ~~بالسقيم، لأنه ليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عن دين الله تحريف ~~الغالين وانتحال المبطلين، كما لهذه الأمة الإسلامية من الأئمة العلماء ~~والسادة الأتقياء، والبررة النجباء، من الجهابذة النقاد، والحفاظ الجياد ~~الذين دونوا الحديث، وحرروه، وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه ومنكره # PageV01P230 # ومتروكه ومكذوبه، وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين، وغير ذلك من ~~أصناف الرجال. # كل ذلك صيانة للجناب النبوي، والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر -صلى ~~الله عليه وسلم- أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس عنه. فضلا عن ~~عنايتهم بنقل القرآن وحفظه حتى لا يشك في حرف من حروفه أنه من عند الله، ~~فرضي الله عنهم، وأرضاهم، وجعل جنة الفردوس مأواهم، وقد فعل. # الوجه الخامس: # أن هذه الكتب كما يدل عليه صريح كلام النصراني لم تتلق إلا من صحف وجدت ~~بأيدي النصارى، لا كحال المسلمين في تلقي القرآن من أفواه الثقات المتقنين ~~قرنا بعد قرن، حتى لم يقع اختلاف بينهم في حرف واحد أنه من ms040 القرآن. # PageV01P231 # ولا كنقلهم لحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأخباره وسيرته وسيرة ~~أصحابه، حيث رووا ذلك كله بالأسانيد الصحيحة الموثوق برجالها، المعروفين ~~بالصدق والأمانة وتمام الثقة، وميزوا الصحيح من المعلول والمجروح من ~~المقبول كما قال أبو العباس الدغولي: " سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: ~~إن الله -تعالى- قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من ~~الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد، إنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم ~~أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل، وبين ما ألحقوه ~~بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات. # وهذه الأمة الشريفة - زادها الله شرفا بنبيها - إنما تنص الحديث عن الثقة ~~المعروف في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون ~~أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول فالأطول ~~مجالسة لمن فوقه ممن هو أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث الواحد من عشرين ~~وجها فأكثر، حتى هذبوه من الغلط والزلل، وضبطوا حروفه، وعدوه عدا ". # PageV01P232 # فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستودع الله -تعالى- شكر هذه النعمة ~~وغيرها من نعمه. # قال أبو حاتم الرازي: # " لم يكن في أمة من الأمم - منذ خلق الله آدم - أئمة يحفظون آثار الرسل ~~إلا في هذه الأمة فقال له رجل: يا أبا حاتم ربما رووا حديثا لا أصل له؟ ~~فقال: علماؤهم يعرفون الصحيح من السقيم ". # الوجه السادس: # أن الاختلاف والتناقض والإخبار بأشياء على غير ما هي عليه واقع في هذه ~~الكتب، فكان ذلك دليلا على التغيير والتبديل، فإن ما كان من عند الله لا ~~يكون فيه اختلاف ولا تناقض. # ومن أمثلة ذلك ما وقع في " إنجيل متى "، وهو عند النصارى أصح الأناجيل ~~وعمدتها، فإنه بعد أن ذكر فيه أن الذي دل اليهود على عيسى بما بذلوا له من ~~الفضة ندم وطرح الفضة في الهيكل عند اليهود ومضى، وخنق نفسه، وأن اليهود ~~قالوا: هذه الفضة لا تحل لنا، فابتاعوا بها حقل الفخاري مقبرة للغرباء. # PageV01P233 # قال: (حينئذ ثم قيل في أرميا النبي ms041 القائل: وأخذوا الثلاثين فضة ثمن ~~المثمن الذي أثمنوه من بني إسرائيل، وجعلوها لحقل الفخاري كما أمرني به ~~الرب) . انتهى. # وهذا المذكور لا وجود له في " صحيفة أرميا " التي بأيدي اليهود، كما حقق ~~ذلك من له خبرة بكتبهم. وحينئذ فلا يخلو: إما أن يكون هذا الكلام لا وجود ~~له في " صحيفة أرميا " أصلا، فتكون نسبته إليها من الزيادة في " إنجيل متى ~~". أو أن يكون قد نقص وحذف من " صحيفة أرميا "، فيكون من تحريف النقصان. # فقد ثبت التحريف إما في العهد العتيق بالنقصان أو في الجديد بالزيادة، ~~وهو المطلوب. # وعندهم مما يدل على التحريف أشياء كثيرة، ولم ينفصلوا عن هذا الإيراد إلا ~~باحتمال أن يكون ذلك من غلط الكاتب، وحينئذ فنقول: إذا احتمل أن يكون من ~~غلط الكاتب، ولم يكن في النصارى إذ ذاك من يبين الغلط، وينفي التحريف، ~~ويصلح التصحيف دل على أنهم قبلوا من ذلك الكاتب ما ألقاه إليهم من هذه ~~الكتب من غير علم بصحتها عمن نسبت إليه، فسقطت الثقة بها. # يقرر ذلك الوجه السابع: # وهو أن هذه الكتب لما لم تتلق إلا من الصحف التي وصفناها كما اعترف به ~~الخصم، وليست بيد من هو معلوم الثقة والأمانة، ولم تنقل # PageV01P234 # من طريق أهل التواتر، الذي ينفي عنها تطرق التهمة، لم يصح أن يستند إليها ~~في دين الله وشرعه، فكيف يعارض بها ما جاء به صاحب المعجزات القاطعة الذي ~~ظهرت أدلة صدقة أعظم من ظهور الشمس، فقد علم يقينا أن كل ما خالف خبر من ~~دلت المعجزة على صدقه فهو كذب مردود. # وأما ما احتج به النصراني من انتشار نسخ هذه الكتب في الآفاق، فهو غير ~~مفيد للعلم بصحة أصلها، لأنا نقول: لما خالف بعض ما فيها خبر صاحب المعجزة، ~~علمنا أن التغيير قد حصل فيها قبل الانتشار المانع من حصول التواطؤ على ~~الكذب. # وهذا بخلاف ما وقع في نقل القرآن العزيز، فإن الله - تعالى، وله الحمد - ~~قيض له من أسباب الحفظ والضبط ما لم يقع نظيره لغيره من الكتب، ms042 حتى حصل ~~تمام اليقين الذي لا يخالجه شك، ولا يرد عليه شبهة أن القرآن الذي تضمنه ~~المصحف هو القرآن الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهذا مما يعترف ~~به الموافق والمخالف. # والقول بخلاف ذلك قدح في الضروريات، لأنه من المعلوم بالتواتر الذي لا ~~مرية فيه أن الصحابة تلقوه عن نبيهم، وكتبوه في الصحف في حياته، وإن لم يكن ~~إذ ذاك مجموعا في مصحف واحد. # PageV01P235 # وأيضا فقد حفظه كله عن ظهر قلب جماعة من الصحابة تلقوه من فم محمد -صلى ~~الله عليه وسلم- من أوله إلى آخره، وتوفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وأصحابه متوافرون، فألهم الله خليفة رسوله أبا بكر الصديق أن يجمع القرآن ~~في المصحف حداثة العهد بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ~~متوافرون، فجمعوه بحضور علمائهم، وسباقهم من المهاجرين والأنصار الذين ~~عرفوا كل آية منه، وكل سورة متى نزلت، وفي أي شيء نزلت، وتلقوه غضا طريا عن ~~نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، وأتقنوه علما وعملا. # كما قال الأعمش: عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: كان الرجل منا ~~إذا تعلم عشر آيات لم يتجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن. # وقال أبو عبد الرحمن السلمي: # حدثنا الذين كانوا يقرئوننا أنهم كانوا يستقرئون من رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم-، وكانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يخلفوهن # PageV01P236 # حتى يعملوا بما فيها من العلم قال: فتعلمنا القرآن والعمل جميعا. # والمقصود أن القرآن نقل بالتواتر عن محمد -صلى الله عليه وسلم- من أول ~~الأمر حتى لا يتطرق الشك إلى حرف واحد منه أنه من القرآن. # ولم يقيض لمن قبلنا من حفظ الكتب وضبطها ما يقارب ذلك، فإنا قد دللنا على ~~وقوع التحريف والتصحيف في كتب النصارى بما لا يمكنهم دفعه، فضلا عما ~~اعترفوا به من الشك في بعضها من أصله. # وأما كتابنا فإن أحدا لو حاول أن يغير حرفا أو نقطة منه لقال له أهل ~~الدنيا: هذا كذاب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه ms043 لقال ~~الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا. # ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب العزيز الذي صانه الله عن ~~التحريف، وحفظه عن التغيير والتصحيف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى ~~متوافرة على إفساده وإبطاله، وانقضى الآن ما ينيف على ألف ومائتين وأربعين ~~سنة من أول نزوله وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ. # PageV01P237 # الوجه الثامن أن دعوى النصارى قتل المسيح وصلبه يناقض دعواهم ربوبيته، ~~حتى صاروا ضحكة للسفهاء، ومثلة عند العقلاء في جمعهم بين النقيضين. وقد قال ~~أبو العلاء المعري: # عجبا للمسيح بين النصارى ... وإلى أي والد نسبوه! # أسلموه إلى اليهود وقالوا: ... إنهم بعد قتله صلبوه # فإن كان ما يقولون حقا ... فسلوهم في اين كان أبوه؟ # فإن كان ساخطا بأذاهم ... فاعبدوهم لأنهم غلبوه! # هذا وقد زعموا أن كتابهم الذي بأيديهم تضمن هذين الأمرين الباطلين، ~~واجتماعهما أفسد شيء ببديهة العقل، مع أن كلا منهما باطل وضلال. # فبحيث زعموا أن كتابهم تضمن هذا المحال علمنا قطعا وقوع التغيير والتبديل ~~فيه، وأيضا فدعوى إلهية المخلوق محال في العقل على انفرادها. # وأما عدم قتله وصلبه فإنما علمناه بالسمع. # PageV01P238 # الوجه التاسع: # أن القرآن جاء بموافقة التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الأنبياء في ~~الخبر عن الله -تعالى- وعن اليوم الآخر، وزاد ذلك تفصيلا وبيانا، وبين ~~الأدلة والبراهين على ذلك، وقرر نبوة الأنبياء كلهم ورسالة المرسلين، وقرر ~~الشرائع الكلية التي بعثت بها الرسل كلهم، وجادل المكذبين بالكتب والرسل ~~بأنواع الحجج والبراهين، وبين عقوبات الله لهم، ونصره لأهل الكتب المتبعين ~~لها. # وهذا معنى كون القرآن مصدقا لما بين يديه من الكتاب كما قال -تعالى-: ~~{وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه} .. ~~. # وقال -تعالى-: {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} . # والآيات في هذا المعنى كثيرة، وذلك برهان عظيم على أنه من عند الله، وأن ~~الرسول الذي جاء به صادق. # فإنه لما جاء يطابق ما جاء به ms044 من قبله من الرسل مع تباعد الزمان وشهادة ~~أعدائه، وإقرارهم بأنه لم يتلقه من بشر. # PageV01P239 # ولهذا يمتحنونه بأشياء كانوا يعلمون أنه لا يخبر بها إلا نبي أو من قد ~~أخذ عنه، وهم يعلمون أنه لم يأخذ عن أحد البتة، ولو كان ذلك لوجد أعداؤه ~~السبيل إلى الطعن عليه ومعارضته بمثل ما جاء به، إذ من الممكن أن لو كان ما ~~جاء به مأخوذا عن بشر أن يأخذوا هم عن ذلك البشر أو عن نظيره، فيعارضوا ما ~~جاء به. # وسيأتي مزيد لهذا المعنى فيما بعد -إن شاء الله تعالى-. # والمقصود أنه لما طابق الكتب المتقدمة وصدقها وشهد بصحة ما أنزل الله ~~فيها من غير مواطأة ولا اقتباس منها، دل على أن الذي جاء به رسول صادق، كما ~~أن الذي جاء به كذلك، وأن مخرجها من مشكاة واحدة. # كما قال النجاشي - ملك الحبشة وأحد علماء النصارى - حين قرئ عليه القرآن: ~~" هذا والذي جاء به موسى يخرج من مشكاة واحدة "، يعني فإذا كان موسى صادقا ~~وكتابه حقا فهذا كذلك. # PageV01P240 # حيث أخبر بما أخبر به من غير مواطأة ولا تساعد ولا تلقي عمن أخذ عنه، ~~ويكون ذلك دليلا على صدق الرسول الأول أيضا. # ونظير هذا أن يشهد رجل بشهادة فيخبر فيها بما يقطع معه بأنه صادق في ~~شهادته صدقا لا تتطرق إليه شبهة، فيجيء آخر من بلاد أخرى لم يجتمع بالأول ~~ولم يتواطأ معه، فيخبر بمثل تلك الشهادة سواء، مع القطع بأنه لم يجتمع به ~~ولا تلقاها من أحد اجتمع به. # فهذا يكفي في صدقه إذا تجرد الإخبار، فكيف إذا اقترن بأدلة قطع بها بأنه ~~صادق أعظم من الدلالة التي اقترنت بخبر الأول، فكيف إذا بشر به الأول، فكيف ~~إذا اقترن بالثاني من البراهين الدالة على صدقه نظير ما اقترن بالأول وأقوى ~~منها؟ # وكثيرا ما يتكرر هذا المعنى في القرآن، إذ في ضمنه الاحتجاج على أهل ~~الكتابين على صحة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذا الطريق. # وهو حجة -أيضا- على غيرهم بطريق اللزوم، لأنه لما ms045 جاء بمثل ما جاءوا به ~~من غير أن يتعلم منهم حرفا واحدا دل على أنه من عند الله، وحتى لو أنكروا ~~رسالة من تقدم لكان في مجيئه بمثل ما جاءوا به إثبات لرسالته ورسالة من ~~تقدمه، ودليل على صحة الكتابين، وصدق الرسولين، لا سيما والكتاب الثاني جاء ~~على يد أمي لم يقرأ كتابا، ولا خطه بيمينه، ولا عاشر أحدا من أهل الكتاب، ~~بل نشأ بين قوم أميين يشاهدون حاله حضرا وسفرا وإقامة. # PageV01P241 # فهذا من أكبر الأدلة على أن ما جاء به ليس من عند البشر، ولا في قدرتهم ~~فهو برهان أبين من الشمس، فقد تضمن ما جاء به تصديق من تقدمه، وتصديق من ~~تقدمت البشارة به، فتطابقت حجج الله به وبيناته على أيد أنبيائه ورسله، ~~وانقطعت المعذرة، وثبت الحق، وقامت الحجة، فلم يبق إلا العناد المحض، ~~والإعراض والصد. # وأما مخالفة القرآن بعض ما تضمنته بعض تلك الكتب فهو غير قادح في الدليل، ~~فإنه لما جاء القرآن بما فيها من أصول دين الأنبياء والشرائع الكلية، وغير ~~ذلك من سائر ما تضمنته من حجج الله وبيناته كان ذلك دليلا على وقوع التغيير ~~فيها والتبديل، وعلمنا قطعا أن ذلك واقع في الجزء الذي خالف ما جاء به ~~القرآن، إما بزيادة ونقصان في الألفاظ، وإما بتحريف التأويل وإخراج اللفظ ~~عن مدلوله: إما في أصل لفظ لغة ذلك الكتاب، أو في الترجمة باللغة التي نقل ~~إليها. فالقرآن هو المهيمن على تلك الكتب الشاهد بصدقها وكذب ما حرف فيها. # الوجه العاشر: # أن أهل الكتاب قد مزجوا أخبارهم بكتب أنبيائهم، كما هو مشاهد في الإنجيل ~~الذي بيد النصارى، كقصة اليهود مع المسيح، وما زعمه النصارى من قتله وصلبه ~~ودفنه، ثم قيامه من بين الأموات وغير ذلك من الأخبار التي إنما هي محكية عن ~~تلاميذ عيسى وأتباعه، وقد خلطوها مع كتاب الله من غير تمييز بين ما هو عن ~~الأنبياء - عليهم السلام -، وبين غيره. # PageV01P242 # وأما كتابنا الذي تكفل الله بحفظه بقوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له ms046 لحافظون} ، فلم يقع فيه زيادة ولا نقص، ولم يختلط كتاب الله بغيره ~~بما قيض الله له من أسباب الحفظ على أيدي نقلته العلماء الأبرار والأتقياء ~~الأخيار؛ فقد كان من تمام اعتنائهم بحفظه أنهم تركوا تدوين أحاديث السنة ~~وكتابتها حذر اختلاط شيء منها بالقرآن حتى انقرض العصر الأول وأمن هذا ~~المحذور. # وإذا أردت أن تعلم سخافة علم النصارى وقلة معرفتهم، فانظر إلى ما أورده ~~هذا النصراني من الانتصار لصحة كتبهم كقوله عند ذكر قتل المسيح وصلبه: " ~~وحيث إنا نصدق المؤرخين فيما أخبروا به عن الأمور التي جرت في زمان طويل ~~قبل ميلادهم معتمدين على اجتهادهم في البحث عنها؛ فبالحري أن يصدق هذا الذي ~~يدعي أنه أخذ جميع ما قال من الذين شاهدوه عيانا ". انتهى. # فانظر إلى سخافة هذا الانتصار لتصحيح الكتب التي جعلوها عمدة للدين أن ~~جعلها أسوة كتب المؤرخين التي يكتب مؤلفوها ما سمعوه من صحيح وسقيم!، فإن ~~العلم الحاصل بذلك لا يفيد يقينا، وإنما يقبل من المؤرخين ما أخبروا به ~~لكون ذلك لا يتعلق به حكم ديني، فتتلقى عنهم تلك الكتب للاطلاع على أحوال ~~الزمان، لا لإثبات قواعد الدين وتصحيح عقائد الملة وأحكام الشريعة. # وبمثل هذه الحجة الواهية احتج على قبول الكتب التي هي من أناجيلهم لم ~~تنسب إلى شخص معين حين قال: # PageV01P243 # " ولأجل هذا نقبل عدة من كتب التواريخ من حيث إننا ننظر أن مؤلفيها مع ~~أنا نجهل أسماءهم، قد عاشوا في ذلك الزمان، وشاهدوا الأمور التي أتوا ~~بذكرها في كتابهم، وكذلك إن الذين ألفوا الكتب التي نتكلم عنها ادعوا ~~لأنفسهم أنهم عاشوا في الأزمنة الأولى، وأنهم منحوا من الله المواهب ~~الرسولية، فيجب أن يقتنع بهذا " انتهى. # وله في الاحتجاج على صحة كتبهم من هذا النمط من الحجج الواهية ما يكفي ~~سماعه عن الاشتغال برده. وهو من أكبر الحجج عليهم في ضد ما قصدوه، وقد ~~نبهنا على مقاصدها في هذا الفصل بما فيه مقنع لذوي الألباب. # والمقصود من هذا كله أن كتب اليهود والنصارى وما عندهم من العلم ms047 قد اختلط ~~فيه الحق بالباطل، والصدق بالكذب فلا نقبل منه إلا ما وافق الحق الذي ~~بأيدينا عمن شهدت بصدقه المعجزات، والأدلة القاطعات، فما وافقه فهو الحق، ~~وما خالفه فهو الباطل، وما أخبروا به مما لم يشهد له بصدق ولا كذب فهذا لا ~~يقدم على تكذيبه؛ لأنه قد يكون حقا، ولا على تصديقه؛ فلعله يكون باطلا، ~~ولكن يؤمن به إيمانا مجملا معلقا على شرط، وهو أن يكون منزلا لا مبدلا. # وقد أخرج البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة قال: " «كان أهل الكتاب يقرؤون ~~التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل» # PageV01P244 # «الإسلام فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تصدقوا أهل الكتاب، ~~ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له ~~مسلمون» . # وفي حديث آخر عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا حدثكم أهل الكتاب فلا ~~تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالله وكتبه ورسله، فإن كان حقا لم ~~تكذبوهم، وإن كان باطلا لم تصدقوهم» . أخرجه الإمام أحمد. # وروى ابن جرير عن عبد الله بن مسعود قال: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء؛ ~~فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا، إما أن تكذبوا بحق، أو تصدقوا بباطل» . # وروى البخاري عن ابن عباس قال: " كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء وكتابكم ~~الذي أنزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدث تقرؤونه محضا لم يشب، ~~وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه وكتبوا بأيديهم الكتاب، ~~وقالوا: هو من عند الله؛ ليشتروا به ثمنا قليلا. ألا ينهاكم ما جاءكم من ~~العلم عن مساءلتهم؟ ! لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل ~~عليكم ". # PageV01P245 # فصل # قال النصراني: # " وأما المسلمون فإنهم يدعون أن في الفصل الرابع عشر من إنجيل يوحنا الذي ~~فيه يوعد بإرسال فرقليط قد كان مسطورا ما وصف به نبيهم، وأن النصارى محوه ~~وبدلوه. # ويا ليت شعري، هذا التعبير وقع فيما بعد ظهور نبيهم أو قبل ظهوره: # أما بعد ظهوره فما أمكن تغييره، إذ وجدت - إذ ذاك - عدة نسخ في جميع آفاق ~~الأرض ms048 باللغات المختلفة، وهذه النسخ كلها يوافق بعضها بعضا في ذلك الفصل لا ~~خلاف بينها فيه. وأما قبل ظهوره فلا كان لهم ما يدعوهم إلى التغيير ~~والتبديل؛ إذ لم يمكنهم - بسابق علمهم - أن يعرفوا ما كان محمد مزمعا أن ~~يأتي به ". # الجواب - وبالله نستعين -: # اعلم أن في الفصل المذكور مما هو موجود بأيدي النصارى الآن من الدلالة ~~على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، والبشارة به ما هو من أوضح الأدلة. ~~كما سنذكره إن شاء الله -تعالى-. # PageV01P247 # وقبل ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في معنى التحريف الذي ذكر الله عن أهل ~~الكتاب، فقيل: إنهم كانوا يحرفون اللفظ بلفظ آخر بدليل قوله -تعالى-: {فويل ~~للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا ~~قليلا} . # قال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد -صلى ~~الله عليه وسلم-، فحرفوه عن مواضعه. وتقدم قريبا من كلام ابن عباس من رواية ~~البخاري. # وروى ابن جرير عن كنانة العدوي عن عثمان بن عفان «عن رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- في قوله: {فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من ~~عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم} الآية. # PageV01P248 # «قال: الويل جبل في النار وهو الذي أنزل في اليهود، وهم الذين حرفوا ~~التوراة؛ زادوا فيها ما أحبوا، ومحوا منها ما يكرهون، ومحوا اسم محمد من ~~التوراة. ولذلك غضب الله عليهم ورفع بعض التوراة، وقال: {فويل لهم مما كتبت ~~أيديهم} » . # قال ابن كثير: " وهذا غريب جدا ". وقال السدي: كان أناس من اليهود كتبوا ~~كتابا عندهم يبيعونه من العرب، ويحدثونهم أنه من عند الله فيأخذون به ثمنا ~~قليلا. وكلام السدي هذا يدل على أن ذلك في قوم مخصوصين كما قال تعالى في ~~موضع آخر: {وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما ~~هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله ~~الكذب وهم يعلمون} . # قال مجاهد والشعبي والحسن ms049 وقتادة والربيع بن # PageV01P249 # أنس {يلوون ألسنتهم بالكتاب} يحرفونه. # وقيل: إن التحريف الذي ذكر الله عنهم هو تحريف المعنى بإلقاء الشبه ~~الباطلة، والتأويلات الفاسدة، وجر اللفظ من معناه الحق إلى الباطل بوجوده ~~من الحيل اللفظية، كما يفعله أهل الأهواء والبدع من هذه الأمة بالآيات ~~المخالفة لمذاهبهم، وذلك أن النصوص التي فيها نعت النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- ليست ظاهرة لكل أحد، بل هي مما يحتاج إلى التفسير والبيان من أهل ~~العلم الذين هم أهل الخبرة بالكتاب ومعانيه. # قال وهب بن منبه: "إن التوراة والإنجيل كما أنزلهما الله لم يغير منهما ~~حرف؛ ولكنهم يضلون بالتحريف والتأويل، وكتب كانوا يكتبونها من عند أنفسهم، ~~ويقولون: هو من عند الله، وما هو من عند الله، وأما كتب الله فإنها محفوظة ~~لا تحول". رواه ابن أبي حاتم. # PageV01P250 # قال ابن كثير: "إن عنى وهب ما بأيديهم من ذلك، فلا شك أنه قد دخلها ~~التبديل، والتحريف، والزيادة، والنقص، وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ~~ففيه خطأ كبير، وزيادات كثيرة، ووهم فاحش، وفهم كثير منهم، بل أكثرهم بل ~~جميعهم فاسد، وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه عنده فتلك -كما قال- ~~محفوظة لم يدخلها شيء". انتهى. # قلت: لا يخفى أن كلام وهب لا ينفي وقوع الزيادة فيها، كما لا ينفي ~~التفسير في التراجم باللغات التي نقلت إليها، وإنما يدل على عدم تغيير ~~ألفاظها الأصلية التي بها نزلت. والله أعلم. # إذا عرفت ذلك فلا يلزم من وقوع التغيير في بعض ألفاظ نصوص الإنجيل قبل ~~ظهور نبينا -صلى الله عليه وسلم- أن يكون المغير قد علم ما يكون منه؛ إذ ~~يمكن أن يقع ذلك جهلا ممن أبرز هذه الكتب إلى النصارى، فإنه كما علمنا ~~يقينا أنهم زادوا فيها، فلا يستبعد أن يكونوا نقصوا منها، وإن لم يكن ذلك ~~منهم عن تعمد؛ حيث غلب عليهم الجهل والضلال، وعدم التمييز بين الصحيح ~~والكذب، وأما بعد مبعث نبينا -صلى الله عليه وسلم- فالتغيير ممكن أيضا؛ حيث ~~إن أمة الضلال قد بنوا دينهم على ما تهوى أنفسهم. # PageV01P251 # وكلهم متفقون ms050 على الكفر بخاتم الرسل - إلا من هدى الله منهم من خيارهم ~~الذين أسلموا - فيمكن أن يكونوا غيروا نعت محمد - صلى الله عليه وسلم -، لا ~~سيما وكتابهم ليس انتشاره كانتشار القرآن حتى يستحيل الاتفاق على تغييره، ~~فيحتمل أن يكون في تلك الأعصار عند جماعة محصورين؛ فيمكن اتفاقهم على الكذب ~~والتبديل. # ثم إن فيما بأيديهم من نعوته - صلى الله عليه وسلم -، ونعوت أمته مما ~~يذكر بعضه - إن شاء الله - ما يكفي حجة على المعاند فإنها أدلة قاطعة لا ~~محيد عنها. # وقد قال الله -تعالى- في كتابه الذي أنزله على هذا النبي الكريم: {ورحمتي ~~وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ~~الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} . # ولا ريب أنه لو لم يكن مكتوبا عندهم لكان ذكر هذا الكلام من أعظم ~~المنفرات لليهود والنصارى عن قبوله قوله؛ لأن الإصرار على الكذب والبهتان ~~من أعظم المنفرات، والعاقل لا يسعى فيما يوجب # PageV01P252 # نقصان حاله، وينفر الناس عن مقاله، فلما قال لهم -عليه السلام- هذا دل ~~على أن ذلك النعت كان مذكورا في التوراة والإنجيل، وذلك من أعظم الدلائل ~~على صحة نبوته. # ولكن أهل الكتاب كما قال الله -تعالى-: {ليكتمون الحق وهم يعلمون} و ~~{يحرفون الكلم عن مواضعه} وإلا فهم - قاتلهم الله - قد عرفوا محمدا -صلى ~~الله عليه وسلم- كما يعرفون أبناءهم، ووجدوه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل، لكنهم حرفوها وبدلوها، ليطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله ~~إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. # قال شيخ الإسلام أبو العباس: وقد ناظرنا غير واحد من أهل الكتاب، وبينا ~~لهم تلك الدلائل، فأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل ~~دينهم، ويبينون لهم ما عندهم من الدلائل على نبوة محمد -صلى الله عليه ~~وسلم- وهذا من الحكمة في إبقاء أهل ms051 الكتاب بالجزية؛ إذ هم من الشواهد ~~والدلائل على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم -، وعندهم من الشواهد على ما ~~أخبر به من الإيمان بالله واليوم الآخر ما يبين أن محمدا -صلى الله عليه ~~وسلم- جاء بالدين الذي بعث الله به الرسل قبله. # PageV01P253 # وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن حمزة بن عبد الله بن سلام عن ~~جده عبد الله بن سلام - رضي الله عنه - «أنه لما سمع بمخرج النبي -صلى الله ~~عليه وسلم- من مكة خرج فلقيه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنت ~~ابن سلام عالم يثرب؟ قال: نعم، قال: ناشدتك بالله الذي أنزل التوراة على ~~موسى، هل تجد صفتي في كتاب الله؟ قال: انسب ربك، يا محمد. فارتج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال له جبرئيل: {قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ~~ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد} . # قال له ابن سلام: أشهد أنك رسول الله، وأن الله مظهرك، ومظهر دينك على ~~الأديان، وإني لأجد صفتك في كتاب الله» # PageV01P254 # « {يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} : أنت عبدي ورسولي ~~سميتك المتوكل، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة ~~مثلها، ولكن يعفو، ويصفح، ولن يقبضه الله حتى تستقيم به الملة المعوجة، حتى ~~يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» . # وأخرج البيهقي وأبو نعيم «عن أم الدرداء امرأة أبي الدرداء -رضي الله ~~عنهما- قالت: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ~~التوراة؟ # قال: كنا نجده موصوفا فيها، محمد رسول الله، اسمه المتوكل ليس بفظ، ولا ~~غليظ، ولا صخاب في الأسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عورا، ~~ويسمع به آذانا صما، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهدوا: أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، يعين المظلوم، ويمنعه من أن يستضعف» .. . # PageV01P255 # وفي صحيح البخاري عن عطاء بن يسار، قال: " لقيت عبد الله بن عمرو بن ~~العاص فقلت أخبرني عن صفة رسول ms052 الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: أجل ~~والله، إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: {يا أيها النبي إنا ~~أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك ~~المتوكل. ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ~~ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: ~~لا إله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا ". # وفي أثر رواه ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه اليماني: " أن الله أوحى إلى ~~نبي من أنبياء بني إسرائيل يقال له: (شعيا) أن قم في قومك بني إسرائيل؛ ~~فإني منطق لسانك بوحي أو نعت أميا من أميين أبعثه، ليس بفظ، ولا غليظ، ولا ~~صخاب # PageV01P256 # في الأسواق، أبعثه مبشرا ونذيرا، لا يقول الخنا، أفتح به أعينا كمها، ~~وآذانا صما، وقلوبا غلفا، أسدده لكل أمر جميل، وأهب له كل خلق كريم، وأجعل ~~السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة منطقه، والصدق طبيعته، ~~والعفو والمعروف خلقه، والحق شريعته، والعدل سيرته، والهدى إمامه، والإسلام ~~ملته، وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به ~~بعد الخمالة، وأعرف به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد ~~العيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين أمم متفرقة، وقلوب مختلفة، ~~وأهواء متشتتة، أستنقذ به فئاما من الناس عظيمة من المهلكة، وأجعل أمته خير ~~أمة أخرجت للناس ". # وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: # «قدم الجارود فأسلم، وقال: والذي بعثك بالحق، لقد وجدت وصفك في الإنجيل، ~~ولقد بشر بك ابن البتول» . أخرجه البيهقي. # PageV01P257 # ولنذكر من نصوص التوراة والإنجيل مما هو الآن موجود بأيدي اليهود ~~والنصارى، مما يدل على نبوة نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ونعوته، وصفاته ما ~~هو دليل على ما وراءه، ومصداق ما تقدم ذكرنا له. # فمن الدلائل في " الإنجيل " على ذلك ما ورد في الفصل الذي أشار إليه ~~النصراني وهو الفصل الرابع عشر من " إنجيل يوحنا " الذي يرويه عن المسيح ~~-عليه السلام- قال فيه: ms053 " إن كنتم تحبوني فحافظوا على كلامي، وأنا ألتمس ~~الآب فيرسل إليكم فارقليط آخر؛ ليمكث معكم إلى أبد الآبدين ". # فهذا من الأدلة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم -، فإنه يدل على أن ~~الله سيبعث إليهم من يقوم مقامه، وينوب عنه في تبليغ رسالة ربه وسياسة خلقه ~~منابه، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا. فهل هذا إلا محمد -صلى الله عليه ~~وسلم-؟ !. # وقد اختلف النصارى في تفسير " الفارقليط "، فقيل: هو الحامد، وقيل: ~~المخلص. # فإن وافقناهم على أنه المخلص اقتضى أن المخلص رسول يأتي # PageV01P258 # لخلاص العالم، وذلك من غرضنا؛ لأن كل نبي مخلص لأمته من الكفر، ويشهد له ~~قول المسيح -عليه السلام- في الإنجيل: " إني جئت بخلاص العالم ". # فإذا ثبت أن المسيح هو الذي وصف نفسه بأنه مخلص العالم، وهو الذي سأل لهم ~~فارقليط آخر، ففي مقتضى اللفظ ما يدل على أنه قد تقدم فارقليط أول حتى يأتي ~~فارقليط آخر. # وإن وافقناهم على القول بأنه الحامد، فأي لفظ أقرب إلى أحمد ومحمد من ~~هذا. وهو موافق لقوله تعالى: {وإذ قال عيسى ابن مريم يابني إسرائيل إني ~~رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي ~~اسمه أحمد} . # قال أبو ظفر: " وفي الإنجيل مما ترجموه ما يدل على أن " الفارقليط " ~~الرسول، فإنه قال: إن الكلام الذي تسمعونه ليس هو لي، بل الآب الذي أرسلني ~~بهذا الكلام لكم، وأما الفارقليط روح القدس الذي يرسله أبي باسمي فهو ~~يعلمكم كل شيء، وهو يذكركم كل ما قلته لكم ". # فهل بعد هذا البيان؟ أليس هذا صريحا في أن الفارقليط رسول يرسله الله، ~~وهو روح القدس، وهو يصدق بالمسيح، ويظهر اسمه أنه # PageV01P259 # رسول حق من الله، وليس بإله، وهو يعلم الخلق كل شيء، ويذكرهم كل ما قاله ~~المسيح -عليه السلام- لهم، وكل ما أمرهم به من توحيد الله. # وأما قوله: "أبي" فهذه اللفظة مبدلة محرفة، وليست منكرة الاستعمال عند ~~أهل الكتابين إشارة إلى الرب -سبحانه وتعالى-؛ لأنها عندهم لفظة تعظيم ~~يخاطب بها المتعلم معلمه الذي يستمد ms054 منه العلم. # ومن المشهور مخاطبة النصارى عظماء دينهم بالآباء الروحانية، ولم يزل بنو ~~إسرائيل وبنو عيصو يقولون: نحن أبناء الله؛ لسوء فهمهم عن الله -تعالى-. # وأما قوله: "يرسله أبي باسمي" فهو إشارة إلى شهادة المصطفى -صلى الله ~~عليه وسلم- له بالصدق والرسالة، وما تضمنه القرآن من مدحه وتبرئته مما ~~افتري في أمره. # قال في المواهب: "وفي ترجمة أخرى للإنجيل في وصف الفارقليط: إذا جاء وبخ ~~العالم على الخطيئة، ولا يقول من تلقاء نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع يكلمهم ~~به، ويسوسهم بالحق، ويخبرهم # PageV01P260 # بالحوادث". وهو عند ابن ظفر بلفظ: "فإذا جاء روح القدس ليس ينطق من عنده، ~~بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي، وهو يمجدني". # فقوله: "ليس ينطق من عنده"، وفي الرواية الأخرى: "ولا يقول من تلقاء ~~نفسه، بل يتكلم بكل ما يسمع، ويخبركم بكل ما يأتي"؛ أي: من الله الذي ~~أرسله. وهذا كما قال الله -تعالى- في حقه -صلى الله عليه وسلم-: {وما ينطق ~~عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} . # وقوله: "وهو يمجدني" فلم يمجده حق تمجيده إلا محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ~~لأنه وصفه بأنه رسول الله، وبرأه، وبرأ أمه -عليهما السلام- مما نسب ~~إليهما. # قال ابن ظفر: "ومن الذي وبخ العلماء على كتمان الحق، وتحريف الكلم عن ~~مواضعه، وبيع الدين بالثمن البخس، ومن الذي أنذر بالحوادث، وأخبر بالغيوب ~~إلا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ " انتهى. # و"روح القدس" من أسمائه -عليه الصلاة والسلام - وبكل منهما جاء الإنجيل. ~~وكذلك "روح الحق" كما ذكره صاحب المواهب. # PageV01P261 # وقد سمى الله -سبحانه- الكتاب الذي أنزله عليه روحا، فقال: {وكذلك أوحينا ~~إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا ~~نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم} . # وقد قيل في تفسير (الفارقليط) : معناه روح الحق. # وفي نهاية ابن الأثير في صفته - عليه الصلاة والسلام -: " أن اسمه في ~~الكتب السالفة (فارقليط) ؛ أي: يفرق بين الحق والباطل قال: ومنه الحديث: " ~~محمد فرق بين الناس "؛ أي يفرق ms055 بين المؤمنين والكافرين بتصديقه وتكذيبه ". # وللنصارى في تفسير روح القدس من الكلام الباطل ما هو مقتضى كفرهم بالله ~~وشركهم به - تعالى الله عما يشركون -. # فقد عرفت بما ذكرناه من النص الذي بأيديهم في ذكر (الفارقليط) أنه من ~~أدلة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- لا يحتمل وجها آخر. وبذلك تعلم أن ~~إحالة النصراني صفته -صلى الله عليه وسلم- التي ادعاها المسلمون في الفصل ~~الذي ذكره على ما قد محاه النصارى # PageV01P262 # مغالطة وتعمية عن الدلالة التي قررناها، وهذا من تمويههم على ضعفاء ~~العقول، كما هو دأبهم في كل نص في صفته -صلى الله عليه وسلم-. # ومن الأدلة في الإنجيل ما ورد في الفصل الثالث من أخبار الرسل وهو أحد ~~الأناجيل التي بأيدي النصارى مما يرونه عن المسيح -عليه السلام-، ولفظه: أن ~~موسى قال: " إن الرب إلهكم يقيم لكم نبيا من إخوتكم مثلي، له تسمعون في كل ~~ما يكلمكم به، وتكون كل نفس لا تسمع ذلك النبي تستأصل من بين القوم ". # وهذا النص أيضا في " سفر الاستثناء " من التوراة، وهو صريح في الدلالة ~~على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد حرفه اليهود والنصارى، وتأولوه ~~على غير تأويله، فزعمت اليهود أن المراد به يوشع بن نون، وزعمت النصارى أن ~~المراد به المسيح. # ودعوى الكل واضحة البطلان؛ فإنه قال: " من إخوتكم " والخطاب لبني ~~إسرائيل، ولو كان المراد يوشع أو عيسى لكان من أنفسهم؛ لأنهم من بني إسحاق، ~~فدل على أن هذا النبي الموعود به ليس من أنفسهم، بل من إخوتهم، وهو من بني ~~إسماعيل. # وأيضا فقد وصف هذا النبي بقوله: " مثلي " ولفظ هذا النص في التوراة مما ~~ترجموه: " أن الله -تعالى- قال لموسى: " وسأقيم لهم نبيا " وأيضا فقد وصف ~~هذا النبي بقوله: " مثلي " ولفظ هذا النص في التوراة مما ترجموه: " أن الله ~~-تعالى- قال لموسى: " وسأقيم لهم نبيا # PageV01P263 # مثلك من إخوتهم، وأجعل كلامي في فمه، فيقول لهم كل ما أمرت به "، فهو ~~صريح في أن النبي الموعود به مثل موسى. # وقد قال في التوراة: " لا يقوم في ms056 بني إسرائيل أحد مثل موسى أبدا ". # فتعين أن يكون المراد به محمدا -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنه كفء موسى - ~~عليه السلام؛ فإنه ماثله في منصب الدعوة، والتحدي بالمعجزة، وشرع الأحكام، ~~وإجراء النسخ على الشرائع السالفة. # وقوله -تعالى-: " وأجعل كلامي في فمه " صريح في أن المقصود به محمد -صلى ~~الله عليه وسلم-؛ لأن معناه أوحي إليه بكلامي، فينطق به على نحو ما سمعه، ~~ولا أنزل عليه صحفا ولا ألواحا؛ لأنه لا يحسن أن يقرأ المكتوب. # ويدل على فساد تأويل اليهود -أيضا- أن (يوشع) ليس كفؤا لموسى - عليهما ~~السلام - بل كان خادما له في حياته، ومؤكدا لدعوته بعد وفاته. فكيف يصح أن ~~يوصف بأنه مثل موسى؟ !. # وعلى فساد تأويل النصارى قوله: " كل نفس لا تسمع ذلك النبي تستأصل من بين ~~القوم "؛ فإن الذي عليه النصارى ألا يتعرض # PageV01P264 # للنصراني إذا انتقل عن دينه إلى غيره سواء إلى الإسلام أو اليهودية أو ~~غير ذلك. وكذلك المرأة إذا زنت لا يتعرضون لها، ويزعمون أن شريعة المسيح ~~ليس فيها إقامة الحدود، والجهاد ليس مشروعا في ملتهم، بل هم به عصاة. # وهذا كله مناقض لهذا النص، فدل على بطلان كون المراد به المسيح، بل هو ~~مطابق لصفة محمد -صلى الله عليه وسلم- وشريعته، فإن مخالفة بعض أوامره يوجب ~~سفك الدم، وإزهاق النفوس؛ فتعين أنه هو المراد. # ومن ذلك ما ورد في " رسالة يهوذا " من الإنجيل، وهو في " صحيفة زكريا " ~~من كتب العهد العتيق الذي عند اليهود، قال: " إن الرب قد جاء أو سيجيء ~~بربوات مقدسة؛ ليقضي على جميع الناس، ويوبخ المنافقين لجميع أعمالهم التي ~~نافقوا بها، وجميع الأقوال الصعبة التي تكلم بها عليه الخاطئون ". # وهذا من الأدلة الواضحة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم - وزعمت ~~النصارى أن المراد به المسيح. وهو زعم باطل، فإنه لا دلالة فيه على المسيح ~~بوجه؛ لأن هذا المنصوص عليه بالإتيان بالربوات المقدسة، والقضاء على جميع ~~الناس، وتوبيخ المنافقين ينبغي أن يقوم بحد الحديد والبأس الشديد، ولا ~~دلالة في شيء من هذه الصفات على ms057 المسيح -عليه السلام-؛ لأنه لم يأت إلا في ~~زي يخالف هذا الوصف، ولم يشرع له الجهاد في ملته. # PageV01P265 # وأما دلالته على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- فواضحة لا تحتاج إلى ~~مزيد تأمل، فإنه هو المتصف بهذه الصفات، كما في الحديث عن عبد الله بن عمر ~~أن: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بعثت بالسيف بين يدي الساعة حتى ~~يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على ~~من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم» . أخرجه الإمام أحمد في المسند. # وهو الذي وثب بربوات العرب، وقضى على جميع الناس بعموم رسالته، ووبخ ~~المنافقين - والله أعلم - يشمل توبيخه المنافقين من أتباعه، ويشمل -أيضا- ~~توبيخه لليهود والنصارى؛ فإنهم يدعون أنهم يؤمنون بالكتب التي بأيديهم، ~~ويتبعون أنبياءهم، وقد كذبوا في ذلك، بل نقضوا العهود والمواثيق، وكذبوا ~~بالحق المصدق لما في أيديهم، فجاء القرآن بتوبيخهم وعيبهم بالغضب والضلال ~~واللعن: {فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين} . # ومن ذلك ما ورد في الفصل الحادي والعشرين من "إنجيل متى " وهو -أيضا- في ~~إنجيل مرقس " قال: " ثم طفق يضرب لهم الأمثال ويقول: اغترس رجل كرما، وحوطه ~~بحائط، وبحث فيه معصرة، وبني يرجا، وأجره للفلاحين، وسافر، ولما جاء الموسم ~~أرسل إلى الفلاحين خادما؛ لينال من ثمرة الكرم، شيئا فأخذوه، وضربوه، وردوه ~~خائبا، فأرسل إليهم # PageV01P266 # خادما ثانيا، فرجموه، وشجوه، وردوه محقرا، ثم أرسل ثالثا فقتلوه، وكثيرين ~~آخرين ضربوا بعضهم وقتلوا بعضا، وكان قد بقي له ابن وحيد هو محبوبه، فأرسله ~~إليهم آخر الأمر. وقال: إنهم سيكرمون ابني، فقال الفلاحون فيما بينهم: إن ~~هذا الوارث؛ فهلموا بنا نقتله، فيصير الميراث لنا، فأخذوه، وقتلوه، وأخرجوه ~~خارج الكرم. فماذا يفعل رب الكرم؟ نعم، إنه سيأتي، ويهلك الفلاحين، ويسلم ~~الكرم إلى آخرين. ألم تقرؤوا هذا المرقوم؟. قوله: إن الحجرة التي رفض ~~البناؤون صارت رأس الزاوية. هذا ما وقع عند الرب، وهو في نظركم عجيب ". # فسياق هذا المثل من أظهر الأمثال المضروبة في الإنجيل لنبوة محمد -صلى ~~الله عليه وسلم ms058 - وهو أول الفصل في إنجيل مرقس ". # وتقرير دلالته أن الغارس هو الباري -تعالى-، والمغرسة الدنيا، والكرم بنو ~~آدم، والحائط الناموس الذي جاءت به الرسل، والمعصرة الأحكام الناموسية، ~~والفلاحون الذين بلغتهم الدعوة. فالذي ضرب به المثل بالخادم الأول يناسب ~~حال موسى -عليه السلام-، والثاني يناسب حال يوشع بن نون، والثالث يناسب حال ~~بعض أكابر الأنبياء بعده، والمجهولون هم المتوسطون من موسى إلى زمان عيسى - ~~عليهم السلام -، والابن الوحيد يناسب حال عيسى -عليه السلام-، لأنه آخر ~~أنبياء بني إسرائيل، والآخرون الذين يسلم إليهم الكرم هم العرب الذين بعث ~~فيهم محمد -صلى الله عليه وسلم-. # وفي قوله: " ويسلم الكرم إلى آخرين " فضيلة عظيمة لهذه الأمة توافق قول ~~الله -تعالى-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} . # PageV01P267 # وكما في مسند الإمام أحمد وجامع الترمذي وسنن ابن ماجه ومستدرك الحاكم من ~~رواية حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه، قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: " «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله عز وجل» ". # وأخرج الترمذي من حديث معاذ وأبي سعيد نحوه، يوضح # PageV01P268 # المعنى الذي قررناه ما ختم به المثل من قوله: " ألم تقرؤوا هذا المرقوم ~~... " إلى آخره، فإنه إشارة إلى ما ورد في الفصل الثامن والعشرين من " ~~صحيفة إشعيا " -عليه السلام-. ولفظه كما في بعض التراجم: " أن تلك الحجرة ~~التي رفض البناؤون صارت رأس الزاوية، هذا هو عمل الرب، وهو في أعيننا عجيب ~~". # وقد ذهب النصارى إلى تأويل هذا النص في شأن المسيح -عليه السلام-، وهي ~~دعوى باطلة؛ فإن سياق الكلام يأباه، والوصف يخالفه؛ فإن المسيح لم يكن في ~~بني إسرائيل محتقرا ولا مرفوضا من حيث كونه من بني إسرائيل، وإنما يدل ~~دلالة ظاهرة على محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي هو من بني إسماعيل، وهم ~~كانوا مرفوضين عند بني إسرائيل مع كونهم إخوتهم، ولا يرونهم أهلا للفضائل. # وسياق الكلام يدل على أن تلك الحجرة كانت مرفوضة في زمان موسى والأنبياء ~~بعده، والنصارى لا يدعون هذه الصفة في المسيح؛ فدل على ما قلناه. # وقيل: ms059 ما عبر عنه بالحجرة المرفوضة من أجل ما جرى لسارة مع إبراهيم - ~~عليهما السلام - في شأن إسماعيل وأمه من أجل غيرة سارة؛ فنقلهما بأمر الله ~~-تعالى- إلى مكة. فالله أعلم. # PageV01P269 # و "رأس الزاوية" هو ملتقى الخطين فيكون هو الخاتم؛ لأن الخطين يذهبان إلى ~~حيثما يذهبان إليه، فيكون ملتقاهما هو منتهاهما. وهذا هو محمد -صلى الله ~~عليه وسلم- الذي ختم الله به رسله. # وفي معنى هذا المثل ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه ~~وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون ~~له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة!، فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» . ~~أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما. # وقوله: "هذا ما وقع عند الرب، وهو في نظركم عجيب"، وفي بعض التراجم "هذا ~~هو عمل الرب" جواب سؤال مقدر تقديره: هل يمكن أن تستقر الحجرة المرفوضة في ~~رأس الزاوية؟ أو هل يجوز أن يقوم من أولاد الجارية هاجر نبي؟. فيكون ~~الجواب: هذا هو عمل الرب. # ومما يزيد ذلك بيانا ما جاء في التوراة من بيان ما عهد الله به إلى ~~إبراهيم -عليه السلام- في ابنه إسماعيل كما جاء في "سفر التكوين"، قال فيه: ~~"وأما إسماعيل فإني قد سمعت دعاءك له، وها أنا ذا قد باركت فيه، وجعلته ~~مثمرا، وسأكثره تكثيرا، وسيلد اثني عشر ملكا، وسأصيرهم أمة عظيمة". # PageV01P270 # وقد ذهب اليهود والنصارى إلى أن المراد بالملوك الاثني عشر أولاد إسماعيل ~~الاثني عشر وهو باطل؛ لأنهم لم يتملكوا، ولم يدعوا الملكية. # ولكن هذا مطابق لما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر بن سمرة أن رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني ~~عشر خليفة كلهم من قريش» . # ولا ريب أن بني إسماعيل إنما صاروا أمة عظيمة بحيث ارتفع شأنهم بين ~~الأمم، وظهرت فيهم الفضائل التي هي ثمرة البركة الموعودة من الله -تعالى- ~~لإبراهيم، إنما حصل ذلك ببعثة محمد -صلى الله ms060 عليه وسلم-. # وأيضا فلو كان كما يدعي اليهود والنصارى -لعنهم الله- من أن العرب تابعوا ~~متقولا على الله كاذبا عليه، وحاربوا أولياء الله وأتباع رسله، وانتهكوا ~~حرماتهم هذه القرون المتطاولة، لكان ذلك مناقضا # PageV01P271 # لذلك الوعد الجميل من الله لإبراهيم -عليه السلام- فقد ظهر أن هذا النص ~~من أوضح الأدلة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم -. # ومن الأدلة في الإنجيل -أيضا- ما جاء في "رسالة بولس إلى أهل رومية"، ~~وهو- أيضا - في "صحيفة إشعيا " من العهد العتيق، قال: "سأدعو الذين ليسوا ~~من شيعتي لي شيعة، والتي ليست بمحبوبتي لي محبوبة". # وقد ادعى النصارى أن ذلك في شأن أتباع المسيح، وادعوا أن رسالته عامة، ~~وهو خلاف ما تواتر عليه نص الإنجيل. # كما ورد في الفصل الخامس عشر من "إنجيل متى"، قال: "إني لم أرسل إلا لغنم ~~بني إسرائيل الضالة". # وفي الفصل العاشر منه -أيضا- أن المسيح لما أرسل الحواريين للدعوة قال: ~~"سيروا إلى غنم بني إسرائيل الضالة". # إلى غير ذلك مما دل على أن رسالته مختصة ببني إسرائيل، وهو موافق لما صح ~~عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «وكان النبي يبعث إلى قومه ~~خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» . # PageV01P272 # إذ عرفت هذا فلا ريب أن ذلك الوصف إنما ينطبق على العرب، فإنهم كانوا قبل ~~مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- من أجهل الخلق بالله، وبما جاءت به الرسل، ~~لا يعرفون كتابا، ولا يؤمنون بالرسل، ولا يصدقون بالبعث، فمقتضى هذا النص ~~أن هؤلاء الغافلين الجهال بالله، وما جاءت به رسله سيجعلهم الرب تعالى من ~~شيعة الحق، ويجعلهم له أهلا، وينقلهم إلى القرب منه، ويكونون له أحبابا. # ومما يوافق هذا النص ويوضح دلالته ما ورد في الفصل العاشر من " رسالة ~~بولس إلى أهل رومية "، قال: " إني سأعيركم بأمة أخرى، وأغيظكم بأمة لا فهم ~~لها ". انتهى. # وهذا النص -أيضا- في " سفر الاستثناء " من التوراة، وقد ساقه بولس في ~~جملة ما وعظ به اليهود حتى يرتدعوا عما كانوا عليه، ويذكروا يوم يعيرهم ~~الله بأمة أخرى، ويغيظهم بأمة لا فهم لها. # وهذا ms061 الوصف لا ينطبق على غير العرب البتة، وإن حمله النصارى على من دخل ~~في النصرانية من اليونان والروم فهو باطل. # فإن عند أولئك علوما كثيرة وأفهاما قوية، بل هم أعلم من اليهود في جميع ~~العلوم العقلية بكثير، وفيهم الحكماء الذين استنبطوا فنونا كثيرة ودونوها، ~~وعرفت عنهم. # وأما العرب فما كانوا قبل مبعث محمد -صلى الله عليه وسلم- يتعاطون شيئا ~~من العلوم العقلية أو النقلية، وغاية ما عندهم علم # PageV01P273 # الشعر والبلاغة، وإن كانوا قد منحوا من صحة الأذهان، وقوة العقول في أصل ~~الجبلة ما فاقوا به غيرهم، لكن غلبت عليهم الغفلة، فاستولى عليهم الجهل، ~~فدل على أنهم المعنيون بهذا النص. # ومن هذا المعنى في صفة هذه الأمة ما جاء من حديث أبي الدرداء -رضي الله ~~عنه- قال: سمعت أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن الله -تعالى- ~~قال لعيسى ابن مريم: إني باعث بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، ~~وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال: يا رب كيف ولا ~~حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» . أخرجه البزار في مسنده وغيره. # وأيضا فلم يغظ اليهود أمة كما أغاظهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته. # ومن ذلك ما ورد في الفصل العاشر من رسالة بولس إلى أهل رومية من كتب ~~النصارى، وهو -أيضا- في " صحيفة إشعياء " من كتب اليهود. " إني وجدت عند من ~~لم يطلبني، وظهرت عند من لم يسأل عني ". # PageV01P274 # وقد تأول النصارى هذا النص في اليونانيين الذين دخلوا في النصرانية زمن ~~الفترة، وهو من جنس تحريفهم للنص قبله، وإلا فهو صريح في حق العرب كما ~~أشرنا في الذي قبله. # وأيضا فاليونان لهم من الكلام في الإلهيات والبحث عنها ما هو مشهور، لكن ~~بالطرق العقلية، لم يأخذوا ذلك من جهة الأنبياء. # وأما العرب فكانوا في غفلة عن ذلك سوى ما بقي في فطرهم من الإقرار بالله، ~~وأنه خالق كل شيء. # ومما يوضح دلالة هذا النص سياقه في " صحيفة إشعياء "، ولفظه: " إني أصبت ~~عند من لم يسأل عني، ووجدت ms062 عند من لم يطلبني، وقلت لأمة لم تدع باسمي: ~~انظري إلي، لأني قد أظهرت يدي طول النهار إلى فئة طاغية سالكة في سبيل سيئ ~~ممتثلة لأهوائها. وفئة أي فئة تغيظني أمام وجهي، وتقرب قرابينها في ~~البساتين، وتبخر في مباخر الشياطين التي تسكن المقابر، وتأكل لحم الخنازير، ~~ومرق النجاسة في أوانيها ". # فمن قوله: " أصبت " إلى قوله: " انظري إلي " إشارة إلى صفة العرب وبعثه ~~محمد -صلى الله عليه وسلم- فيهم بالهدى ودين الحق. # ومن قوله: " لأني " إلى قوله: " ممتثلة لأهوائها " إشارة إلى اليهود، وقد ~~جاء القرآن من وصفهم بما يوافق هذا كوصفهم باتباع الأهواء، وتركهم الحق على ~~علم، وغير ذلك من أخلاقهم الذميمة. # PageV01P275 # ومن قوله: " وفئة " إلى قوله: " في أوانيها " إشارة ظاهرة في حق النصارى ~~متضمنة وصفهم بالضلال والجهل بما هو طبق صفتهم في القرآن. # فقد تضمن هذا النص وصف الأمم الثلاث بمثل ما وصفهم القرآن، وجاء به محمد ~~-صلى الله عليه وسلم-، فكان دليلا من أدلة نبوته كما هو دليل على صدق من ~~قبله حيث تطابق الوصفان من غير تواطؤ ولا اقتباس. # ومن ذلك ما ورد في الفصل الثالث عشر من " إنجيل متى " والثامن من " إنجيل ~~لوقا ": " انظروا إلى زارع خرج للزرع، وبينما هو يزرع سقط بعض البذر في ~~الطريق، فجاءت الطيور فلقطته، وسقط بعضه على الصخر حيث لم يكن التراب ~~كثيرا، وفي ساعته نبت، لأنه لم يكن له في الأرض عمق، ولما طلعت الشمس ~~احترق، ويبس، لأنه لم يكن له أصل، وسقط بعضه في الشوك، فنما الشوك وخنقه، ~~وسقط بعضه في الأرض الطيبة، فأثمر مائة ضعف وبعضه ستين وبعضه ثلاثين، فمن ~~كانت له أذن سامعة فليسمع ". # وهذا المثل - والله أعلم - يتضمن وصف الأمم الثلاث بما يظهر للمتأمل. # والمقصود منه قوله: " وسقط بعضه في الأرض الطيبة ... " إلى آخره، فإنه ~~موافق لما أخبر الله به في صفة أصحاب النبي - صلى الله # PageV01P276 # عليه وسلم - في قوله -تعالى-: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على ~~الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ms063 ورضوانا سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج ~~شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما} . # فذكر صفاتهم في التوراة والإنجيل فكان في هذا أعظم البراهين على صدق ما ~~جاء بالتوراة والإنجيل والقرآن، وأن هؤلاء هم المذكورون في الكتب المتقدمة ~~بهذه الصفات المشهورة فيهم، لا كما يقول الكفار عنهم إنهم متغلبون طالبو ~~ملك ودنيا. # ولهذا لما رآهم نصارى الشام، وشاهدوا هديهم وسيرتهم وعدلهم، وعملهم ~~ورحمتهم، وزهدهم في الدنيا، ورغبتهم في الآخرة قالوا: " ما الذين صحبوا ~~المسيح بأفضل من هؤلاء ". # PageV01P277 # فكان هؤلاء النصارى أعرف بالصحابة وفضلهم من الرافضة أعدائهم، والرافضة ~~تصفهم بضد ما وصفهم الله به في هذه الآية وغيرها!. # فهذه عدة أدلة مما جاء به الإنجيل في البشارة بمحمد -صلى الله عليه وسلم- ~~وذكر صفته وصفة أمته. # وقد ذكر العلماء كثيرا في هذا المعنى، اقتصرنا منها على ما قدمناه إيثارا ~~للاختصار. # PageV01P278 # فصل # ومن الأدلة الواردة في التوراة: # ما ذكره غير واحد من العلماء منهم ابن قتيبة في " أعلام النبوة ": " تجلى ~~الله - وفي رواية: جاء الله - من طور سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من ~~جبال فاران ". # فسينا: هو الجبل الذي كلم الله فيه موسى -عليه السلام-. وساعير: هو الجبل ~~الذي أرسل الله فيه عيسى -عليه السلام-، وظهرت فيه نبوته. # وجبال فاران: هو اسم عبراني، وليس ألفه الأولى همزة، وهي جبال بني هاشم ~~التي كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتحنث في أحدها، وفيه فاتحة ~~الوحي. # قال ابن قتيبة: " وليس بعد هذا غموض، لأن مجيء الله من سينا إنزاله ~~التوراة على موسى -عليه السلام- بطور سيناء، فيجب أن يكون إشراقه من ساعير ~~إنزاله الإنجيل على المسيح -عليه السلام-، والمسيح يسكن من ساعير أرض ~~الخليل بقرية تدعى (ناصرة) ، وباسمها سمي من اتبعه " نصارى ". # PageV01P279 # وكما وجب أن يكون إشراقه من ساعير إنزاله الإنجيل على عيسى -عليه ~~السلام-، فكذلك يجب أن يكون استعلانه من فاران بإنزاله ms064 القرآن على محمد ~~-صلى الله عليه وسلم-، وهي جبال مكة. # وليس بين المسلمين وأهل الكتاب اختلاف أن فاران هي مكة، وإن ادعى مدع ~~أنها غير مكة. قلنا: أليس في التوراة أن الله أسكن هاجر وإسماعيل فاران، ~~وقلنا: دلونا على الموضع الذي استعلن الله منه، واسمه فاران، والنبي الذي ~~أنزل عليه كتابا بعد المسيح -عليه السلام-! ". # قال شيخ الإسلام أبو العباس: # وهذه الكتب نور الله، وهداه، ففي الأول جاء، والثاني أشرق والثالث ~~استعلن، فمجيء التوراة كطلوع الفجر، والإنجيل مثل إشراق الشمس، والقرآن ~~بمنزلة ظهور الشمس في السماء، فظهر به نور الله في المشارق والمغارب أعظم ~~مما ظهر بالكتابين، ولهذا سماه الله تعالى سراجا منيرا، وسمى الشمس سراجا ~~وهاجا، والخلق محتاجون إلى الأول أعظم من الثاني. # وهذه الثلاثة أقسم الله بها في قوله: {والتين والزيتون وطور سينين وهذا ~~البلد الأمين} . # PageV01P280 # فالأول الأرض المقدسة التي ينبت فيها ذلك -ومنها بعث المسيح -، والثاني ~~الجبل الذي كلم الله عليه موسى، والبلد الأمين مكة. # ولما كان ما في التوراة خبرا عنها أخبر بها على الترتيب الزماني، وأما ~~القرآن فأقسم بها تعظيما لشأنها، فأتى بها على وجه التدريج درجة بعد درجة، ~~فهو من باب الترقي إلى الأعلى مما دونه. # ومن ذلك ما جاء في زبور داود -عليه السلام - في مزمور أربعة وأربعين: ~~"فاضت النعمة من شفتيك، من أجل هذا بارك الله لك إلى آخر الأبد. تقلد أيها ~~الجبار بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك وسهامك مسنونة، وجميع ~~الأمم يخرون تحتك". # فهذا من أظهر الأدلة على نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فالنعمة التي ~~فاضت من شفتيه هو القول الذي يقوله، وهو الكتاب الذي أنزل عليه والسنة التي ~~سنها، وليس يتقلد بالسيف من الأنبياء بعد داود إلا محمدا -صلى الله عليه ~~وسلم-، وقرنت شرائعه بالهيبة كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «نصرت بالرعب» . # وهو صريح أنه صاحب شريعة وسنة، وأنها تقوم بسيفه. # PageV01P281 # وخاطبه بلفظ " الجبار " إشارة إلى قوته وقهره لأعداء الله، وأنه يجبر ~~الخلق بالسيف على الحق، ويصرفهم ms065 عن الكفر جبرا - بخلاف المستضعف -، فهو نبي ~~الرحمة، ونبي الملحمة، وأمته أشداء على الكفار رحماء بينهم. بخلاف من كان ~~ذليلا للطائفتين من النصارى أو عزيزا على المؤمنين من اليهود، بل مستكبر. # وجاء في الزبور -أيضا- في صفاتهم: " يكبرون الله بأصوات مرتفعة، ويسبحونه ~~على مضاجعهم بأيديهم سيوف ذات شفرتين ". # قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية: # وهذه الصفات إنما تنطبق على محمد -صلى الله عليه وسلم- وأمته، فهم الذين ~~يكبرون الله بأصوات مرتفعة، في أذانهم، وعلى الأماكن العالية، كما قال ~~جابر: «كنا إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سبحنا، فوضعت الصلاة على ذلك» . # وهم يكبرون بأصوات مرتفعة، في أعيادهم، وفي أيام منى، وعقيب الصلوات، ~~وعلى قرابينهم، وعلى الصفا والمروة وغير ذلك. # PageV01P282 # وليس هذا لغيرهم، فإن موسى يجمعهم بالبوق، والنصارى لهم ناقوس، والسيوف ~~ذات الشفرتين هي العربية التي فتح بها الصحابة وأتباعهم البلاد. # وقوله: " يسبحون على مضاجعهم: أي: يذكرون الله حتى في هذه الحال، ويصلون ~~في البيوت على المضاجع - بخلاف أهل الكتاب -، والصلاة أعظم التسبيح. # واليهود لا يكبرون بأصوات مرتفعة، ولا بأيديهم سيوف ذات شفرتين، بل هم ~~مغلوبون مع الأمم، والنصارى تعيب من يقاتل الكفار، وفيهم من يجعله من معايب ~~محمد وأمته. # ومن ذلك ما جاء في كتاب إشعياء -عليه السلام- من البشارة به -صلى الله ~~عليه وسلم - يفتح العيون العور، والآذان الصم، ويحيي القلوب الغلف، وما ~~أعطيه لا يعطى أحد، مشفح يحمد الله حمدا جديدا ". # فمشمح: محمد بغير شك، كما قال ابن القيم، قال: " واعتباره أنهم يقولون: ~~شفحا لا ها، إذا أرادوا أن يقولوا: الحمد لله، وإذا كان الحمد شفحا، فمشفح ~~محمد ". # PageV01P283 # والأدلة على نبوته -صلى الله عليه وسلم- من الكتب التي بأيدي اليهود ~~والنصارى أكثر مما ذكرناه، فلو أنهم تركوا الهوى، واتبعوا الهدى، وصدقوا ~~كتب الله لعرفوا أن محمدا رسول الله، وأن نعوته وصفاته وصفات أمته مسطرة في ~~الكتب التي بأيديهم، وأنه لا عذر لهم في إصرارهم على الكفر به ومخالفته: ~~{من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا} . # على أنا ms066 لو لم نأت بهذه الأنباء والقصص من كتبهم، ألم يك فيما أودع الله ~~- عز وجل - القرآن دليل على ذلك؟، وفي تركهم جحد ذلك وإنكاره وهو يقرعهم به ~~دليل على اعترافهم له فإنه يقول: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي ~~يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} . # ويقول حكاية عن المسيح -عليه السلام-: {إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد} . # ويقول: {ياأهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون} ~~. # PageV01P284 # ويقول: {الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} . # وكما قد كان -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى اتباعه وتصديقه فكيف يجوز ~~أن يحتج بباطل من الحجج، ثم يحيل ذلك على ما عندهم وما في أيديهم، ويقول: ~~من علامة نبوتي وصدقي أنكم تجدوني عندكم مكتوبا، وهم لا يجدونه كما ذكر؟ !، ~~أوليس ذلك مما يزيدهم عنه بعدا، وقد كان غنيا عن أن يدعوهم بما ينفرهم، ~~ويستميلهم بما يوحشهم؟ !. ولو أنهم وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم ~~من إتلاف النفوس والأموال، وتخريب الديار!. # وكم أسلم من علمائهم، كعبد الله بن سلام، وابني سعنة، وابن يامين، ~~ومخيريق، وكعب الأحبار، وأشباههم من علماء # PageV01P285 # اليهود، وبحيرى، ونسطور، وصاحب بصرى، وأسقف الشام، والجارود العبدي، ~~وسلمان الفارسي، ونصارى الحبشة، وأساقف نجران، وغيرهم ممن أسلم من علماء ~~النصارى، وكلهم قد وقفوا منه على مثل هذه الدعاوى. # فلولا أنهم يعلمون صدقه فيما قال، ويجدون صفته في الكتب التي بأيديهم، ~~وإلا لكان ذلك مما ينفرهم، ويبعدهم عنه. # وقد اعترف بنبوته هرقل، وصاحب دومة عالما النصارى # PageV01P286 # ورئيساهم، والمقوقس صاحب مصر، وابن صورى، وابن أخطب، وأخوه، وكعب بن أسد، ~~والزبير بن باطيا، وغيرهم من علماء أهل الكتاب ممن حمله حب الرئاسة أو ~~الحسد والنفاسة على البقاء على الشقاء. # والأخبار في هذا كثيرة لا تنحصر. # PageV01P287 # وقد قال الحارث بن عوف لعيينة بن حصن - ورآه جادا في عداوة رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم- ولم يحصل على شيء -: " ألم أقل لك إنك توضع في غير ~~شيء، والله، ms067 ليظهرن محمد على ما بين المشرق والمغرب، يهود كانوا يخبروننا ~~بهذا، أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا نحسد محمدا على ~~النبوة، حيث خرجت من بني هارون، وهو نبي مرسل، ويهود لا تطاوعني على هذا، ~~ولنا منه ذبحان: واحد بيثرب وآخر بخيابر. # قال الحارث قلت لسلام: يملك الأرض جميعا؟ قال: نعم، والتوراة التي أنزلت ~~على موسى، وما أحب أن تعلم بقولي فيه ". ومن هذا استفتاح اليهود على ~~مخالفيهم عند القتال بمجيئه كما قال تعالى: {ولما جاءهم كتاب من عند الله ~~مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا ~~كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما ~~أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباءوا بغضب على ~~غضب وللكافرين عذاب مهين} . # PageV01P288 # قال محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة الأنصاري عن أشياخ منهم ~~قالوا: " فينا - والله - وفيهم - يعني: اليهود الذي كانوا جيرانهم - نزلت ~~هذه القصة: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} إلى قوله: {فلما ~~جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} . # قالوا: كنا قد علوناهم دهرا في الجاهلية، وكنا أهل شرك، وهم أهل الكتاب، ~~فكانوا يقولون: إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه، فنقتلكم معه قتل ~~عاد وإرم، فلما بعث الله رسوله من قريش واتبعناه كفروا به، يقول الله، ~~تعالى -: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} ". # وقال ابن اسحاق: # PageV01P289 # أخبرني محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن يهود ~~كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبل ~~مبعثه، فلما بعثه الله من العرب كفروا به، وجحدوا ما كانوا يقولون فيه، ~~فقال لهم معاذ بن جبل، وبشر بن البراء بن معرور، وداود بن سلمة: يا معشر ~~يهود، اتقوا الله، وأسلموا، فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل شرك، ~~وتخبروننا بأنه مبعوث، ms068 وتصفونه بصفته، فقال بشر بن مشكم - أخو بني النضير ~~-: ما جاءنا بشيء نعرفه، وما هو بالذي كنا نذكره، فأنزل الله في ذلك حين ~~قولهم: {ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم} الآية. # PageV01P290 # إذا عرف ذلك فهو من أوضح الأدلة وأكبر الحجج على نبوة محمد -صلى الله ~~عليه وسلم -، لأنهم ما كانوا يستفتحون به إلا لما يعلمون من نعته وصفاته ~~وزمانه، فلما ظهر -صلى الله عليه وسلم- كفروا به حسدا وبغيا، وجحدوا نبوته. # ولا ريب أن استفتاحهم به وجحد نبوته لا يجتمعان، فإن كان استفتاحهم به؛ ~~لأنه نبي كان جحد نبوته محالا، وإن كان جحد نبوته - كما يزعمون - حقا كان ~~استفتاحهم به باطلا. # وهذا مما لا جواب لأعداء الله عنه البتة، سوى أن يقولوا: إن هذا الموجود ~~ليس بالذي كنا نستفتح به. وهذا من أعظم الجحد والعناد، فإن الصفات ~~والعلامات التي فيه طابقت ما كان عندهم مطابقة المعلوم لعلمه، فإنكارهم أن ~~يكون هو هذا جحد باللسان مع أن القلب يعرفه معرفة تامة. # ولهذا قال -تعالى-: {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على ~~الكافرين} . # ثم قال -تعالى-: {بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا ~~أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده} . # قال السدي: " {بئسما اشتروا به أنفسهم} يقول: بئسما باعوه به أنفسهم، ~~يقول: بئسما اعتاضوا لأنفسهم، ورضوا به، وعدلوا # PageV01P291 # إليه من الكفر بما أنزل الله على محمد من تصديقه ومؤازرته ونصرته. وإنما ~~حملهم على ذلك البغي والحسد والكراهية أن ينزل الله من فضله على من يشاء من ~~عباده، ولا حسد أعظم من هذا {فباءوا بغضب على غضب} ". # قال ابن عباس: غضب بما كانوا ضيعوا من التوراة وهي معهم، وغضب بكفرهم ~~بهذا النبي الذي أحدث الله إليهم. ثم قال: {وللكافرين عذاب مهين} لما كان ~~كفرهم سببه البغي - ومنشأ ذلك الكبر - قوبلوا بالإهانة، والصغار في الدنيا ~~والآخرة. # ثم قال تعالى: {وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل ~~علينا ويكفرون بما وراءه ms069 وهو الحق مصدقا لما معهم قل فلم تقتلون أنبياء ~~الله من قبل إن كنتم مؤمنين} . # قال أبو عبد الله ابن القيم في هذه الآية: # " هذه حكاية مناظرة بين الرسول وبين اليهود لما قال لهم: آمنوا بما أنزل ~~الله، فأجابوه بأن قالوا: نؤمن بما أنزل علينا. ومرادهم التخصيص، أي: نؤمن ~~بالمنزل علينا غيره، فظهرت عليهم الحجة بقولهم هذا من وجهين: # PageV01P292 # أحدهما: # أنه إن كان إيمانكم به لأنه حق فقد وجب عليكم أن تؤمنوا بما أنزل على ~~محمد، لأنه حق مصدق لما معكم، وحكم الحق الإيمان به أين كان، ومع من كان، ~~فلزمكم الإيمان بالحقين جميعا أو الكفر الصريح، ففي ضمن هذا الشهادة عليهم ~~بأنهم لم يؤمنوا بالحق الأول، ولا بالثاني. # وهذا الحكم في كل من فرق الحق، فآمن ببعضه، وكفر ببعضه، كمن آمن ببعض ~~الكتاب، وكفر ببعض، وكمن آمن ببعض الأنبياء، وكفر ببعض، لم ينفعه إيمانه ~~حتى يؤمن بالجميع. # ونظير هذا التفريق تفريق من يرد آيات الصفات وأخبارها، ويقبل آيات ~~الأوامر والنواهي، فإن ذلك لا ينفعه، لأنه آمن ببعض الرسالة، وكفر ببعض، ~~فإن كانت الشبهة التي عرضت لمن كفر ببعض الأنبياء غير نافعة، فالشبهة التي ~~عرضت لمن رد بعض ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم- أولى ألا تكون ~~نافعة، وإن كانت هذه عذرا فشبهة من كذب ببعض الأنبياء مثلها. # وكما أنه لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع الأنبياء، ومن كفر بنبي من ~~الأنبياء فهو كمن كفر بجميعهم، فكذلك لا يكون مؤمنا حتى يؤمن بجميع ما جاء ~~به الرسول، فإذا آمن ببعضه ورد بعضه فهو كمن كفر به كله. # PageV01P293 # فتأمل هذا الموضع، واعتبر به الناس على اختلاف طرائقهم يتبين لك أن أكثر ~~من يدعي الإيمان بريء من الإيمان -ولا حول ولا قوة إلا بالله-. # الوجه الثاني من النقض: # قوله: {فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين} . # ووجه النقض أنكم تزعمون أنكم تؤمنون بما أنزل إليكم وبالأنبياء الذين ~~بعثوا فيكم، فلم قتلتموهم، وفيما أنزل إليكم الإيمان بهم وتصديقهم؟ فلا ~~آمنتم ms070 بما أنزل إليكم، ولا ما أنزل على محمد. # ثم كأنه توقع منهم الجواب بأنا لم نقتل من ثبتت نبوته، ولم نكذبه، ~~فأجيبوا على تقدير هذا الجواب الباطل منهم بأن موسى قد جاءكم بالبينات وما ~~لا ريب معه في صحة نبوته، ثم عبدتم العجل بعد غيبته عنكم، وأشركتم بالله، ~~وكفرتم به، وقد علمتم نبوة موسى وقيام البراهين على صدقه، فقال: {ولقد ~~جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون} . # فهكذا تكون الحجج، والبراهين، ومناظرة الأنبياء لخصومهم ". انتهى. # PageV01P294 # قال محمد بن إسحاق: # "حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد -أخي عبد ~~الأشهل - عن سلمة بن سلامة بن وقش -وكان سلمة من أصحاب بدر-، قال: كان لنا ~~جار من يهود في بني عبد الأشهل، قال: فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على ~~بني عبد الأشهل، قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيهم سنا، فذكر القيامة، ~~والبعث والحساب، والميزان، والجنة، والنار، قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك ~~وأصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت، فقالوا له: ويحك -يا فلان- ~~أوتراها كائنة أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار، ويجزون ~~فيها بأعمالهم؟ قال: نعم، والذي يحلف به، ولود أن له بحظه من تلك النار ~~أعظم تنور في الدنيا # PageV01P295 # يحمونه، ثم يدخلونه إياه، فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا. ~~قالوا له: ويحك -يا فلان- فما آية ذلك؟ # قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد -وأشار بيده إلى مكة واليمن-. قالوا: ~~ومتى نراه؟ # قال: فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا، فقال: إن يستنفد هذا الغلام عمره ~~يدركه. # قال سلمة: فوالله، ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله رسوله، وهو حي بين ~~أظهرنا فآمنا به، وكفر به بغيا وحسدا. # قال: فقلنا له: ويحك -يا فلان- ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت؟ قال: بلى، ~~ولكن ليس به". # وأخرج ابن إسحاق أيضا قصة ابن الهيبان، وهو رجل من أهل الشام من اليهود، ~~قدم المدينة على بني ms071 قريظة في الجاهلية، ووصف الراوي من فضله، وأنهم كانوا ~~يستسقون به المطر. # قال: ثم حضرته الوفاة عندنا، فلما عرف أنه ميت قال: يا معشر اليهود، ما ~~ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ # قال: فقلنا: أنت أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة أتوكف خروج نبي قد ~~أظل زمانه وهذه البلدة مهاجره، وكنت أرجو أن يبعث # PageV01P296 # فأتبعه، وقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه، يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك ~~الدماء وبسبي الذراري ممن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. # فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحاصر بني قريظة قال هؤلاء ~~الفتية، وهم ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعنة وأسد بن عبيد - وكانوا شبابا ~~أحداثا -: يا بني قريظة، والله، إنه للنبي الذي كان عهد إليكم ابن الهيبان. ~~قالوا: ليس به. قالوا: بلى والله، إنه لهو بصفته، فنزلوا، فأسلموا، فأحرزوا ~~دماءهم وأموالهم وأهليهم. # وأخرج الحاكم - صاحب المستدرك -، والبيهقي في " دلائل النبوة " من طريقه ~~بسند لا بأس به كما قال ابن كثير، عن # PageV01P297 # أبي أمامة الباهلي عن هشام بن العاص الأموي قال: بعثت أنا ورجل آخر إلى ~~هرقل - صاحب الروم -، ندعوه إلى الإسلام. فذكر الحديث. وأنه أرسل إليهما ~~ليلا. # قال: فدخلنا عليه، فدعا بشيء كهيئة الربعة العظيمة مذهبة، فيها بيوت صغار ~~عليها أبواب، ففتح، واستخراج حريرة سوداء، فنشرها، فإذا صورة حمراء، وإذا ~~رجل ضخم العينين عظيم الإليتين لم أر مثل طول عنقه، وإذا له ضفيرتان أحسن ~~ما خلق الله. قال: أتعرفون هذا؟ # قلنا: لا. قال: هذا آدم -عليه السلام-. # ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه حريرة سوداء فإذا فيها صورة بيضاء، وإذا ~~رجل أحمر العينين ضخم الهامة حسن اللحية. فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. ~~قال: هذا نوح -عليه السلام-. # قال: ثم فتح بابا آخر، وأخرج حريرة فيه صورة بيضاء وإذا فيها - والله - ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قال: أتعرفون هذا؟ قلنا: الله ورسوله ~~أعلم، محمد رسول الله، وبكينا. قال: والله إنه # PageV01P298 # قام قائما، ثم جلس، وقال: إنه لهو. قلنا: ms072 نعم، إنه لهو كأنك تنظر إليه. ~~فأمسك ساعة ينظر إليها، ثم قال: أما والله إنه آخر البيوت، ولكني عجلته ~~لأنظر ما عندكم ### | .... # الحديث، وفيه ذكر صور الأنبياء إبراهيم، وموسى، وعيسى، وسليمان، وغيرهم. # قال: فقلنا له: من أين هذه الصور؟ قال: إن آدم سأل ربه أن يريه الأنبياء ~~من ولده، فأنزل عليه صورهم. فكان في خزانة آدم -عليه السلام- عند مغرب ~~الشمس، فاستخرجها ذو القرنين من مغرب الشمس، فدفعها إلى دانيال. # ثم قال: أما والله إن نفسي طابت بالخروج من ملكي، وإني كنت عبدا لأشركم، ~~ملكه حتى أموت. # ثم أجازنا، فأحسن جوائزنا، فسرحنا. فلما أتينا أبا بكر الصديق فحدثنا بما ~~رأينا وبما قال لنا وبما أجازنا، قال: فبكى أبو بكر، وقال: مسكين، لو أراد ~~الله به خيرا لفعل. # ثم قال: أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم واليهود يجدون نعت ~~محمد -صلى الله عليه وسلم- عندهم. # وبالجملة، فالأخبار باعتراف كثير من اليهود، والنصارى بنبوته والإقرار ~~بصدقه ممن قدمنا ذكرهم، وغيرهم كثيرة مشهورة في كتب الأحاديث والسير. تركنا ~~إيرادها قصد الاختصار. # PageV01P299 # المقام الثالث # قال النصراني: # " فصل في الترجيح بين المسيح ومحمد. # ولنقيس الآن الخصال، والأحوال المتعلقة بالشريعتين، لننظر أيهما أشرف، ~~وأولى بأن تتبع. # ووجه امتحان ذلك هو اعتبار كمال ذلك الشخص، وتعقب أفعاله، وتأمل سيرته، ~~وأكبر علاماتك اطراح اللذات البدنية، والتهاون بها. فإن هذا أول درجات أهل ~~العلم، فناهيك الأنبياء، وبخاصة التي هي عار علينا كما ذكر أرسطو، ولا سيما ~~قذارة النكاح. # ولذلك فضح الله بها كل مدع، ليتبين الحق للمحقين، ولا يضلوا، ولا يغلطوا. # وإنما يشوع فهو على ما يعترف به المسلمون المسيح الموعود به في التوراة ~~وكتب الأنبياء، ويسميه محمد بكلمة الله وروحه، ويقول: # PageV01P301 # إنه لم يكن له أب من البشر، وأما محمد فهو مولود على الطريق المعتاد به ~~في الطبيعة. # وكان يشوع ذا صلاح تام في سيرته، حتى لم يطعن في عرضه بشيء. أما محمد فهو ~~صاحب الغزاة والقتال، مغرما بالنساء، كثير النكاح. وكان يشوع قد ارتفع إلى ~~السماء. وأما محمد ms073 فهو بقي محبوسا في القبر. # فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى بأن يتبع ". هذا كلامه. # فنقول - وبالله التوفيق -: # لا ريب أن النظر في التفضيل إنما يكون بين شيئين متقاربين في الفضل مع ~~ثبوت الفضل في كل منهما، فيكون النظر حينئذ نظر ترجيح، بحسب كثرة الفضائل ~~والمحاسن في أحد الشقين. # ومعلوم أنه لا نسبة بوجه من الوجوه بين أنبياء الله ورسله وبين الكذبة ~~على الله المتقولين، ولا بين الشرائع التي شرعها -تعالى-، وفرض فرائضها ~~وحدودها على أكمل وجوه الحكمة والمصلحة، وبين مخترعات المخلوقين ~~ومبتدعاتهم، إلا عند أهل الضلالة والجهالة، كهؤلاء النصارى الذين اتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل. # PageV01P302 # والمقصود أن نصبه الترجيح بين محمد والمسيح -عليهما الصلاة والسلام- ~~وشريعتيهما دليل على اعترافه بفضل محمد -صلى الله عليه وسلم- وشريعته، وهذا ~~يلزم منه أن محمدا حق، ودينه حق، وإلا فأين النسبة بين الحق والباطل، ~~والصدق والكذب؟ !. # فهذا الطريق في الترجيح إنما يتوجه مع الاعتراف بحقية كل من الشريعتين، ~~كأن يرجح المسلمون ما هو الحق من أفضلية محمد -صلى الله عليه وسلم- على من ~~سواه من الرسل، وشريعته على ما عداها من شرائع الأنبياء، مع الإيمان بأن ~~كلا منهما من عند الله، وأن الله -تعالى- هو الذي فضل من شاء بما شاء، ورفع ~~بعض الرسل فوق بعض درجات. # ولكنه لما كانت شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم- شريعة باهرة، وفضائلها ~~ظاهرة، لم يمكن الخصوم إلا الاعتراف بفضلها، وفضل من جاء بها، لما بهرهم من ~~أنوار النبوة، وبهتهم من عظمة نواميس هذه الشريعة الكاملة التي اختارها ~~الله لخيرته من خلقه ولأمته -خير أمة أخرجت للناس-، وجعلها حجة باقية إلى ~~قيام الساعة، لا يتطرق إليها النسخ، ولا يعتريها التبديل والتغيير الذي وقع ~~في الشرائع قبلها، فلا تجتمع هذه الأمة على ضلالة، بل لا تزال فيها طائفة ~~على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم ~~على ذلك. # PageV01P303 # ولهذا المعنى الذي ذكرناه، كان كل عاقل من اليهود ms074 والنصارى -كما قال شيخ ~~الإسلام أبو العباس - يعترف بأن دين الإسلام حق، وأن محمدا رسول الله، وأن ~~من أطاعه منهم دخل الجنة، بل كثير منهم يعترفون أن دين الإسلام خير من ~~دينهم. كما أطبقت على ذلك الفلاسفة، كما قال ابن سينا وغيره: أجمع فلاسفة ~~العالم على أنه لم يطرق العالم ناموس أعظم من هذا الناموس. انتهى. # إذا عرف هذا فالله -سبحانه وتعالى- اختار الأنبياء من ولد آدم وهم مائة ~~ألف وأربعة وعشرون ألفا. # واختار الرسل منهم، وهم ثلاث مائة وثلاثة عشر، على ما دل عليه من عددهم ~~حديث أبي ذر الذي رواه الإمام أحمد وابن # PageV01P304 # حبان في صحيحه. # ثم اختار منهم أولي العزم الخمسة، وهم المذكورون في قوله تعالى: {وإذ ~~أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم} ~~وذكرهم -أيضا- في سورة الشورى. # ثم اختار منهم الخليلين: إبراهيم، ومحمدا - صلى الله عليهما وسلم -. # واختار منهما محمدا -صلى الله عليه وسلم-. # وهو سيد ولد آدم، وهو إمام الأنبياء إذا اجتمعوا، وخطيبهم إذا وفدوا، ~~وصاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون، وصاحب لواء الحمد، ~~وصاحب الحوض المورود، وشفيع الخلائق يوم القيامة، وصاحب الوسيلة والفضيلة ~~الذي بعثه الله بأفضل كتبه، وشرع له أفضل شرائع دينه، وجعل أمته خير أمة ~~أخرجت للناس، وجمع له ولأمته من الفضائل والمحاسن ما فرقه فيمن قبلهم، وهم ~~آخر الأمم خلقا، وأولهم بعثا، فهم كما قال -صلى الله عليه وسلم- في # PageV01P305 # الحديث الصحيح: «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة. بيد أنهم أوتوا ~~الكتاب من قبلنا، وأوتيناه من بعدهم. فهذا - يعني يوم الجمعة - يومهم الذي ~~اختلفوا فيه فهدانا الله له، فالناس فيه تبع، غدا لليهود وبعد غد للنصارى» ~~. # وقال -صلى الله عليه وسلم-: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» . # وقال: «آتي باب الجنة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، ~~فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك» . # وفضائله وفضائل أمته كثيرة دل عليها خبر صاحب المعجزات الذي لا ينطق عن ~~الهوى، إن هو إلا وحي يوحى. # ونطقت بها الكتب ms075 السالفة، وأخبر بها الأنبياء الأقدمون، ودل عليها ~~استقراء سيرهم وأخبارهم. # وهذه الجملة مجمع عليها بين المسلمين، وهي أن الله فضل بعض الرسل على ~~بعض، وفضل على الجميع محمدا -صلى الله عليه وسلم-، كما قال تعالى: {تلك ~~الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ~~ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس} . # PageV01P306 # وكذلك أجمعوا على محبتهم وموالاتهم، والإيمان بهم كلهم، لا يفرقون بين ~~أحد منهم، فيؤمنون ببعض، ويكفرون ببعض كحال أهل الكتاب الذين يدعون الإيمان ~~ببعض الرسل، ويكفرون ببعض، ويعظمون بعضهم حتى يجعلوهم آلهة مع الله، ~~ويتنقصون بعضهم، كما فعل هذا النصراني فيما تقدم من كتابه. # حيث لم يقتصر على الطعن في سيد المرسلين، إذ كفره سابق على ذلك. # بل اعترض -أيضا- على موسى - كليم الرحمن -، ونسبه إلى الشك فيما جاءه من ~~الحق، وارتكاب ما يستحق عليه اللوم، مع اعترافه بأنه رسول الله. # فليعتبر الموقن بالله أي الفريقين أولى بالله وبرسله. # وقد أجمع المسلمون على أن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - معصومون ~~فيما يخبرون به عن الله وفي تبليغ رسالاته، لا خلاف بينهم في ذلك، وإن وقع ~~خلاف فيما دونه. # والذي عليه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين أنهم معصومون -أيضا- من ~~الإقرار على الذنوب مطلقا، والمسألة طويلة الأذيال فلا نطيل بذكرها. # والمقصود أن الله -تعالى- كما اختار الأنبياء على من سواهم اصطفى لهم من ~~الأخلاق أزكاها، واختار لهم أفضلها وأولاها، وجمع الفضائل التي فرقها فيهم ~~لخاتمهم وسيدهم وأفضلهم محمد # PageV01P307 # - صلى الله عليه وسلم -، كما قال -تعالى- في خطابه له: {وإنك لعلى خلق ~~عظيم} . # قال ابن عباس وغيره: أي على دين عظيم، وسمى الدين خلقا، لأن الخلق هيئة ~~مركبة من علوم صادقة، وإرادة زاكية، وأعمال ظاهرة وباطنة، موافقة للعدل ~~والحكمة والمصلحة، وأقوال مطابقة للحق، تصدر تلك الأقوال والأعمال عن تلك ~~العلوم والإرادات، فتكتسب النفس بها أخلاقا هي أزكى الأخلاق وأشرفها ~~وأفضلها. # وهذه كانت أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- المقتبسة من القرآن، وهذا من أعظم ~~آيات نبوته، وأدلة رسالته. # «ولما سئلت عائشة أم المؤمنين ms076 - رضي الله عنها - عن ### | خلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- # قالت: كان خلقه القرآن، أما تقرأ: {وإنك لعلى خلق عظيم} » . # فكان كلامه مطابقا للقرآن تفصيلا وتبيينا، علومه علوم القرآن، وإرادته ~~وأعماله ما أوجبه وندب إليه القرآن، وإعراضه وتركه لما منع منه القرآن، ~~ورغبته فيما رغب فيه، وزهده فيما زهد فيه، وكراهته لما كرهه، ومحبته لما ~~أحبه، وسعيه في تنفيذ أوامره. # PageV01P308 # فترجمت أم المؤمنين لكمال معرفتها بالقرآن وبالرسول، وحسن تعبيرها عن هذا ~~كله بقولها: «كان خلقه القرآن» . وفهم السائل عنها هذا المعنى، فاكتفى به، ~~واشتفى. # فهو -صلى الله عليه وسلم- في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة ~~التي لم ينلها بشر سواه، لا من الأولين ولا من الآخرين. # وقد خرج الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة أن رسول لله -صلى الله ~~عليه وسلم- قال: «بعثت لأتمم صالح الأخلاق» . # واعلم أن خصال الفضل والكمال في البشر نوعان، كما قال بعض العلماء: # أحدهما: ضروري دنيوي، اقتضته الجبلة وضرورة الحياة الدنيا. # والثاني: مكتسب ديني، وهو ما يحمد فاعله ويقرب إلى الله زلفى. # ثم هي على قسمين: # منها ما يتخلص لأحد الوصفين. # ومنها ما يتداخل ويتمازج. # فأما الضروري المحض فما ليس للمرء فيه اختيار، ولا اكتساب ككمال الخلقة، ~~وجمال الصورة، وقوة العقل، وصحة الفهم، وفصاحة اللسان، وقوة الحواس ~~والأعضاء، واعتدال الحركات، وشرف النسب، وعزة العشيرة، وكرم الأرض. # PageV01P309 # ويلحق بذلك ما تدعو ضرورة الحياة إليه من غذائه، ونومه، وملبسه، وسكنه، ~~ومنكحه، وماله، وجاهه. # وقد تلحق هذه الخصال الآخرة بالأخروية إذا قصد بها التقوى، ومعونة البدن ~~على طريقها، وكانت على قوانين الشريعة. # وأما الخصال المكتسبة الأخروية فسائر الأخلاق العلية، والآداب الشرعية من ~~الدين، والعلم، والحلم، والصبر، والشكر، والعدل، والزهد، والتواضع، والعفو، ~~والعفة، والجود، والشجاعة، والحياء، والمروءة، والصمت، والتؤدة، والوقار، ~~والرحمة، وحسن الأدب والمعاشرة، ونحوها من الخصال التي جماعها حسن الخلق. # وتكون هذه الأخلاق دنيوية إذا لم يرد بها وجه الله والدار الآخرة، ولكنها ~~كلها محاسن وفضائل باتفاق أصحاب العقول السليمة. # وإذا نظرت في جميع هذه الخصال بنوعيها ms077 وجدت نبينا محمدا -صلى الله عليه ~~وسلم- حائزا لجميعها محيطا بشتات محاسنها من غير خلاف بين نقلة الأخبار بل ~~قد بلغ مبلغ القطع من طرق التواتر الذي لا يمكن القدح فيه. # كما نقلت -أيضا- معجزاته -صلى الله عليه وسلم- النقل المتواتر الذي هو ~~الطريق الذي علمت به نبوة موسى وعيسى ومعجزاتهما، وما كان من أخبارهما. # فالذي عند المسلمين من العلم بنبيهم -صلى الله عليه وسلم-، # PageV01P310 # وشمائله ومعجزاته وسيرته قد حصل عندهم من طريق القطع، فلا يمكن المعارض ~~أن يقدح في ذلك إلا بالقدح في جميع ما جاء عن الأنبياء عليهم السلام. # وأما ما فضله الله به من الفضائل التي لا تنال بالاكتساب، ولا تحصل إلا ~~بتخصص منزل الكتاب من فضيلة ختم الأنبياء، ومن الخلة، والمحبة، والاصطفاء، ~~والإسراء، والرؤية، والقرب، والدنو، والوحي والشفاعة، والوسيلة، والفضيلة، ~~والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق والمعراج، والبعث إلى الأحمر ~~والأسود، والصلاة بالأنبياء، والشهادة بين الأنبياء والأمم، وسيادة ولد ~~آدم، ولواء الحمد، والبشارة، والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والأمانة، ~~والهداية، وكونه رحمة للعالمين، وإعطاء الرضى والسؤال والكوثر، وسماع ~~القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر، ~~والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة والسبع المثاني والقرآن العظيم، ~~وتزكية الأمة، والدعاء إلى الله، وصلاة الله والملائكة، والحكم بين الناس ~~بما أراده الله، ووضع الإصر والأغلال عنهم ... # إلى ما لا يحويه كتاب، ولا يحيط به إلا مانحه ذلك ومفضله به - لا إله ~~غيره -، إلى ما أعد له في الدار الآخرة من منازل الكرامة ودرجات القدس ~~ومراتب السعادة والحسنى والزيادة. # فكل ذلك إنما علمناه من طريقه، حيث بلغه عن الله مخبرا ومؤديا لأمانته لا ~~مفتخرا. # PageV01P311 # وطريق إثباته أدلة الرسالة وأعلام النبوة، إذ هو من علم الغيب الذي لا ~~يعلم إلا من طريق الوحي على ألسنة الرسل. # ولولا خوف الإطالة لذكرنا من تفاصيل ما أجملناه من أخلاقه الزاكية ما ~~تنشرح به صدور أهل الإيمان، وترغم به أنوف عبدة الصلبان. # ولكنا قد بنينا هذا الكتاب على الاختصار، وقصدنا به تحصيل المراد من غير ~~إكثار، ms078 فمن أراد التفصيل لهذه الخصال السنية فعليه بمظانها من كتب الشمائل ~~والسير النبوية. # ولكنا نذكر من ذلك ما يختص وما تدعو ضرورة الحياة إليه مما يقال: إنه من ~~باب اللذات البدنية، ليتبين أنه -صلى الله عليه وسلم- في هذا الباب - كما ~~هو في غيره - على وفق الكمال البشري المرضي من جميع الوجوه. # فاعلم أن الذي تدعو ضرورة الحياة إليه مما أشرنا إليه قبل ثلاثة أقسام: # قسم الفضل في قلته. # وقسم الفضل في كثرته. # وقسم تختلف الأحوال فيه. # فاما ما المدح والكمال في قلته اتفاقا عادة وشريعة، كالغذاء، # PageV01P312 # والنوم، فلم تزل العلماء والحكماء والعرب تتمادح بقلتهما، وتذم بكثرتهما، ~~لأن كثرة الأكل والشرب دليل على النهم والحرص والشره وغلبة الشهوة، وسبب ~~لمضار في الدنيا والدين. وقلته دليل على القناعة وملك النفس، وقمع الشهوة ~~سبب لحفظ الصحة، وصفاء الخاطر وحدة الذهن. # كما أن كثرة النوم دليل على الضعف، وقلة الذكاء والفطنة، سبب للكسل ~~والعجز، وتضييع العمر في غير نفع، وقساوة القلب وغفلته وموته. # وكان نبينا -صلى الله عليه وسلم - قد أخذ من هذين الفنين بالأقل. # هذا ما لا يدفع من سيرته وهو الذي أمر به، وحض عليه، وعلى ذلك كان أصحابه ~~- رضي الله عنهم - والصدر الأول من أمته. # ولهذا قال العلماء: " إن الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول، وقد وصف النبي ~~-صلى الله عليه وسلم- الخلف بعد القرون الفاضلة من أمته بأنه يظهر فيهم ~~السمن ". # PageV01P313 # وروى الإمام أحمد والنسائي والترمذي، وصححه الحاكم، من حديث المقدام بن ~~معد يكرب أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرا ~~من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه. فإن كان فاعلا لا محالة: فثلث ~~لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» . وقال الترمذي: " حديث حسن ". # قال القرطبي: " لو سمع بقراط بهذه القسمة لعجب من هذه الحكمة ". # PageV01P314 # وروى الطبراني عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أكثر ~~الناس شبعا في الدنيا أطولهم جوعا في الآخرة» . # وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما شبع آل ms079 محمد من طعام ثلاثة أيام ~~تباعا حتى قبض» . رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما. # وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: «كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه ~~نارا، إنما هو التمر والماء. إلا أن نؤتى باللحيم» . # أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. # وفي رواية: «ما شبع آل محمد من خبز البر ثلاثا حتى مضى لسبيله» . # PageV01P315 # وفي أخرى: «ما أكل آل محمد أكلتين في يوم واحد إلا إحداهما تمر» . # وعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: «ذكر عمر ما أصاب الناس من ~~الدنيا، قال: لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يظل اليوم يلتوي من ~~الجوع، ما يجد من الدقل ما يملاء بطنه» . أخرجه مسلم. # وعن أنس -رضي الله عنه- قال: «مشيت إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~بخبز شعير وإهالة سنخة. ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر، ولا ~~صاع حب، وإن عنده يومئذ» # PageV01P316 # «لتسع نسوة» أخرجه البخاري والنسائي والترمذي. # وفي الصحيحين عن عروة عن عائشة قالت: «إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ~~ثم الهلال وما أوقدت في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نار. قال: ~~فقلت: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء» . # وقال أنس - خادمه -: «ما أعلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رأى ~~رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا رأى شاة سميطا بعينه حتى لحق بالله» . رواه ~~البخاري. # وعن عائشة - أم المؤمنين - قالت: «توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ~~وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف» # PageV01P317 # «لي فأكلت منه حتى طال علي، فكلته ففني» . رواه البخاري ومسلم. # ولهما أيضا عنها، قالت: «توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودرعه ~~مرهونة عند يهودي في ثلاثين صاعا من شعير» . # والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا، وهي تدل دلالة واضحة على تقلله -صلى ~~الله عليه وسلم- من تناول الطعام سوى ما تدعو إليه ضرورة البشرية. # وكذلك نومه -صلى الله عليه وسلم - كان قليلا، شهدت بذلك الآثار الصحيحة. # PageV01P318 # وكان -صلى الله عليه وسلم- ينام أول الليل، ويستيقظ في ms080 أول النصف الثاني، ~~فيقوم ويتوضأ. # ولم يكن يأخذ من النوم فوق القدر المحتاج إليه، ولا يمنع نفسه من القدر ~~المحتاج إليه منه تشريعا للأمة، ليقتدوا به، ولا يكلفوا من العمل ما لا ~~يطيقونه، أو يشق عليهم مشقة تحملهم على السآمة من العمل. # وكان يحب من العمل ما داوم عليه صاحبه وإن قل، وعلى ذلك حث أمته. # وكان ينهاهم عن التشديد على أنفسهم. # وفي السنن والمساند عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «بعثت بالحنيفية ~~السمحة» . # وكان يقول: «يسروا ولا تعسروا» . # وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «إنكم أمة أريد بكم» # PageV01P319 # «اليسر» . أخرجه الإمام أحمد. وقال الله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر} . # «وقد أنكر النبي -صلى الله عليه وسلم- على من عزم على التبتل، والاختصاء، ~~وقيام الليل، وصيام النهار، وقراءة القرآن كل ليلة، كعبد الله بن عمرو بن ~~العاص، وعثمان بن مظعون، والمقداد وغيرهم. # وقال: لكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي ~~فليس مني» . # وأما لباسه -صلى الله عليه وسلم- فهو كما قال القاضي عياض: "كان قد اقتصر ~~منه ما تدعو ضرورته إليه، وزهد فيما سواه. فكان يلبس ما وجد، فيلبس في غالب ~~أحواله الشملة # PageV01P320 # والكساء والأردية والإزار، ويقسم على من حضره أقبية الديباج المخوصة ~~بالذهب، ويرفع لمن لم يحضر. # إذ المباهاة في الملابس والتزين بها ليست من خصال الشرف والجلالة، بل هي ~~من سمات النساء. # والمحمود منها نقاوة الثوب، والمتوسط في جنسه، وكون لبس مثله غير مسقط ~~لمروءة جنسه". انتهى. # وكان -صلى الله عليه وسلم- ينام على الفراش تارة، وعلى النطع تارة، وعلى ~~الحصير تارة، وعلى الأرض تارة. # وفي الصحيحين: «أنه كان فراشه أدما حشوه ليف» . # وفي الصحيح: «أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- دخل» # PageV01P321 # «على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تلك المشربة، فرآه متوسدا مضطجعا ~~على رمال حصير وليس في البيت إلا صبرة من قرظ واهية معلقة، فابتدرت عينا ~~عمر بالبكاء. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما يبكيك؟ فقال: يا ~~رسول ms081 الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه!. فقال: ~~أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا» ~~. # فكان -صلى الله عليه وسلم- أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها ينفقها ~~هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئا لغد. # وخرج الترمذي وصححه عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: «دخلت على رسول ~~الله -صلى الله عليه وسلم- وقد نام على رمال حصير وقد أثر في جنبه، فقلت: ~~يا رسول الله: لو اتخذنا لك وطاء» # PageV01P322 # «تجعله بينك وبين الحصير يقيك منه؟ فقال ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا ~~إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها» . # «ولما بنى -صلى الله عليه وسلم- مسجده ومساكن أزواجه، قالوا: ألا تسقفه؟ ~~فقال: عريشا كعريش موسى خشبات، تمام الأمر أعجل من ذلك» . # فكان حاله -صلى الله عليه وسلم- في مأكله ومشربه ولباسه ومساكنه حال ~~مسافر يقنع في مدة سفره بمثل زاد الراكب من الدنيا، ولا يلتفت إلى فضولها. # وحسبك من تقلله منها وإعراضه عن زهرتها وقد سيقت إليه بحذافيرها وترادفت ~~عليه فتوحها أن «توفي -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي في نفقة ~~عياله» كما تقدم الحديث بذلك، وتقدم -أيضا- قول عائشة - رضي الله عنها -: ~~«لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد ~~إلا شطر شعير في رف لي» . وقالت أيضا: «ما ترك رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- دينارا ولا درهما ولا شاة ولا بعيرا» . # PageV01P323 # القسم الثاني: # ما اتفق على التمدح بكثرته والفخر بوفوره كالنكاح والجاه. # أما النكاح فمتفق عليه شرعا وعادة، فإنه دليل الكمال، وصحة الذكورية. ولم ~~يزل التفاخر عادة معروفة، والتمادح به سيرة ماضية. # وأما في الشرع فسنة مأثورة من سنن المرسلين، معلومة من سيرتهم عند ~~المتقدمين والمتأخرين من الموافقين والمخالفين. # وله مصالح عديدة لأجلها شرعه الله -تعالى-، ومقاصده الأصلية ثلاثة: # أحدها: حفظ النسل، ودوام النوع الإنساني إلى أن تتكامل المدة التي قدر ~~الله تعالى - بروزها إلى هذا العالم. # وهذه مصلحة عظيمة ms082 دالة على فضيلة النكاح، والشرائع جاءت بتحصيل المصالح. # الثاني: إخراج الماء الذي يضر احتقانه واحتباسه بجملة البدن وهذا فيه من ~~حفظ الصحة ما تقتضي الحكمة مشروعيته، واستحسانه من أجله. # الثالث: قضاء الوطر، ونيل اللذة، والتمتع بالنعمة. # وهذه هي الفائدة التي في الجنة؛ إذ لا تناسل هناك يستفرغه الإنزال. # لكن النصارى ينكرون النعيم الجسماني في الجنة، وما أخبرت به الأنبياء من ~~المآكل والمشارب والملابس والمناكح. # PageV01P324 # فحقيقة قولهم إنكار المعاد الذي أخبرت به الرسل، فقد كفروا بالله وبرسله ~~وباليوم الآخر. # والمقصود: التنبيه على فضيلة النكاح، وكان فضلاء الأطباء يرون أن الجماع ~~أحد أسباب حفظ الصحة، وقد قالوا: إن المني إذا دام احتقانه أحدث أمراضا ~~رديئة، منها: الوسواس، والجنون، والصرع وغير ذلك، وقد يبرئ استعماله من هذه ~~الأمراض كثيرا، فإنه إذا طال احتباسه فسد، واستحال إلى كيفية رديئة توجب ~~أمراضا رديئة، ولذلك تدفعه الطبيعة إذا كثر عندها من غير جماع. # وقال محمد بن زكريا: # " من ترك الجماع مدة طويلة ضعفت قوى أعصابه، واستدت مجاريها، وتقلص ذكره ~~"، قال: " ورأيت جماعة تركوه لنوع من التقشف، فبردت أبدانهم، وعسرت ~~حركاتهم، ووقعت عليهم كآبة بلا سبب، وقلت شهواتهم وهضمهم " انتهى. # ومن منافعه غض البصر، وكف النفس، والقدرة على العفة عن الحرام، وتحصيل ~~ذلك للمرأة، فهو ينفع نفسه في دنياه وآخرته، # PageV01P325 # وينفع المرأة، فمشروعيته للأنبياء ومحبتهم له يحمل المقتدي بهم على ~~تحصيله، فيترتب عليه ما ذكرنا من المصالح وغيرها. # فقد ظهر بما قررناه أن النكاح فضيلة يرغب فيها الأفاضل، ولا يقدح في فضله ~~إلا غبي جاهل، ولذلك كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتعاهده، ويحبه، ~~ويقول: «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» . # وحث على التزويج أمته فقال: «تزوجوا، فإني مكاثر بكم الأمم» . # «وأنكر على النفر من أصحابه الذين قال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدا، ~~وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر، ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا أعتزل النساء، ~~ولا أتزوج أبدا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إني لأخشاكم لله، ~~وأتقاكم له، ولكني ms083 أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن ~~سنتي فليس مني» . أخرجه البخاري ومسلم. # «وقال لعثمان بن مظعون: أرغبة عن سنتي؟ قال: لا والله، يا رسول» # PageV01P326 # «الله، ولكن سنتك أطلب، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: فإني أنام ~~وأصلي، وأصوم، وأفطر، وأنكح النساء، فاتق الله يا عثمان، فإن لأهلك عليك ~~حقا، وإن لضيفك عليك حقا، وإن لنفسك عليك حقا، فصم وأفطر، وصل ونم» . أخرجه ~~أبو داود. # فحب النساء والنكاح من كمال الإنسان، ولو كان نقيصة أو قدحا في الفضيلة ~~لصان الله عنه أنبياءه ورسله الذين اصطفاهم على العالمين. # هذا خليل الله إبراهيم - إمام الحنفاء - كانت عنده سارة أجمل نساء ~~العالمين، وأحب هاجر، وتسرى بها. # وهذا داود -عليه السلام- على زهده وأكله من عمل يده - كان عنده تسع ~~وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة، وتزوج بها، فكمل المائة. # PageV01P327 # وهذا سليمان ابنه -عليه السلام- كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة. # قال ابن عباس: " كان في ظهر سليمان مائة مائة رجل، وكان له ثلاث مائة ~~امرأة وثلاث مائة سرية ". # وحكى النقاش وغيره: " سبع مائة امرأة وثلاث مائة سرية ". ذكره القاضي. # ولكون النكاح بهذه المثابة من الفضيلة، وقال بعض العلماء: إن ثناء الله ~~على يحيى -عليه السلام- بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبا، لا ~~ذكر معه. # قال عياض: " أنكر هذا حذاق المفسرين، ونقاد العلماء، وقالوا: هذه نقيصة ~~وعيب، ولا تليق بالأنبياء. وإنما معناه أنه معصوم # PageV01P328 # من الذنوب، أي: لا يأتيها، كأنه حصر عنها. وقيل: مانعا نفسه من الشهوات، ~~وقيل: ليس له شهوة في النساء ". انتهى. # وأما ما أشار إليه النصراني من ترك عيسى -عليه السلام- للتزويج فليس فيه ~~دلالة على أن ذلك أفضل، لأنا قد بينا بالأدلة الواضحة شرعا وعقلا أفضلية ~~التزويج، وأن عدم القدرة على النكاح ليس فضيلة، فالفضل في كونها موجودة. # ثم يختلف حال الشخص فمن يتسع وقته للقيام بحقوق الزوجية فقمع نفسه إما ~~بالمجاهدة كعيسى -عليه السلام- أو بكفاية من الله -تعالى- كيحيى بن زكريا - ~~عليهما السلام - فذلك فضيلة من هذا الوجه، لكون ms084 التزويج شاغلا في كثير من ~~الأوقات حاطا إلى الدنيا، أو معرضا لتضييع الحقوق الواجبة فيه. # ثم هو في حق من قدر عليه وقام بالواجب فيه ولم يشغله عن ربه درجة عليها ~~وهي درجة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم تشغله كثرة النساء عن ~~عبادة ربه - عز وجل -، بل زاده ذلك عبادة لتحصينهن، وقيامه بحقوقهن، ~~واكتسابه لهن، وهدايته إياهن، ونقلهن للأمة محاسنه الباطنة، بل صرح أنها ~~ليست من حظوظ دنياه هو وإن كانت من حظوظ دنيا غيره، فقال: # PageV01P329 # «حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة» . # فدل على أن حبه للنساء والطيب اللذين هما من أمور دنيا غيره، واستعماله ~~لذلك ليس لدنياه بل لآخرته، للفوائد التي ذكرناها في التزويج، وللقاء ~~الملائكة في الطيب، ولغير ذلك. # وكان حبه الحقيقي المختص بذاته في مشاهدة جبروت مولاه، ومناجاته، ولذلك ~~ميز بين الحبين، وفصل بين الحالتين، فقال: «وجعلت قرة عيني في الصلاة» . ~~فقد ساوى يحيى وعيسى في كفايته فتنتهن، وزاد فضيلة في القيام بهن. # وأما الجاه - فهو كما قال القاضي أبو الفضل - " محمود عند العقلاء عادة، ~~وبقدر جاهه تكون عظمته في القلوب، لكن آفاته كثيرة، فهو مضر لبعض الناس ~~لعقبى الآخرة، فلذلك ذمه من ذمه، ومدح ضده، وورد في الشرع مدح الخمول، وذم ~~العلو في الأرض. # وكان -صلى الله عليه وسلم- قد رزق من الحشمة والمكانة في القلوب والعظمة ~~قبل النبوة عند أهل الجاهلية وبعدها، وهم يكذبونه # PageV01P330 # ويؤذون أصحابه، ويقصدون أذاه في نفسه خفية، حتى إذا واجههم أعظموا أمره ~~وقضوا حاجته، وأخباره في ذلك معروفة. # وقد كان يبهت، ويفرق لرؤيته من لم يره، كما «روي عن قيلة أنها لما رأته ~~أرعدت من الفرق، فقال: يا مسكينة، عليك السكينة» . # وفي حديث ابن مسعود: «أن رجلا قام بين يديه فأرعد، فقال -صلى الله عليه ~~وسلم-: هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد» ~~. # وأما عظيم قدره بالنبوة، وشريف منزلته بالرسالة، وأنافة رتبته بالاصطفاء ~~والكرامة في الدنيا، فأمر هو مبلغ ms085 النهاية، ثم هو في الآخرة سيد ولد آدم ". ~~انتهى. # PageV01P331 # وكان -صلى الله عليه وسلم- على ما أعطاه الله من الجاه العريض، ونفوذ ~~الكلمة، وعلو المنصب، ورفعة الرتبة في غاية التواضع لربه -تعالى-. # وكن ينهى أصحابه أن يقوموا له، ويقول: «لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم ~~بعضها بعضا» . # وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما ~~يجلس العبد» . # وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، ويعود المساكين، ويجالس الفقراء، ويجيب ~~دعوة العبد، ويجلس بين أصحابه مختلطا بهم، حيثما انتهى به المجلس جلس. # وعن عائشة والحسن وأبي سعيد وغيرهم في صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ~~وبعضهم يزيد على بعض: # PageV01P332 # " «كان في بيته في مهنة أهله: يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويرقع ثوبه، ويخصف ~~نعله، ويخدم نفسه، ويعلف ناضحه، ويقم البيت، ويعقل البعير، ويأكل مع ~~الخادم، ويحمل بضاعته من السوق» ". # وستأتي الإشارة إلى حمله واحتماله، وعفوه بعد القدرة - فيما بعد إن شاء ~~الله -. # القسم الثالث: # وهو ما تختلف الحال في التمدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله. # ككثرة المال: فمتى كان صاحبه منفقا له في مهماته، مشتريا به المعالي ~~والثناء الحسن والمنزلة في القلوب، كان فضيلة في صاحبه عند أهل الدنيا. # وإذا صرفه في وجوه البر وقصد به وجه الله والدار الآخرة كان فضيلة عند ~~الكل. # ومتى كان صاحبه ممسكا له عاد كثره كالعدم، وكان منقصة في صاحبه، يشبه ~~خازن المال ولا مال له. # PageV01P333 # فانظر سيرة نبينا -صلى الله عليه وسلم- في المال تجده قد أوتي خزائن ~~الأرض ومفاتيح البلاد، وأحلت له الغنائم، وفتح عليه -صلى الله عليه وسلم- ~~بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق، ~~وجبي إليه من جزيتها وأخماسها وصدقاتها ما لا يجبى للملوك إلا بعضه، وهادته ~~جماعة من ملوك الأقاليم فما استأثر بشيء منه، ولا أمسك منه درهما، بل صرفه ~~في مصارفه، وأغنى به غيره، وقوى به المسلمين. # وقال -عليه الصلاة والسلام-: «ما يسرني أن لي أحدا ذهبا يبيت عندي منه ~~دينار إلا دينارا أرصده لدين» ms086 . # «وأتته دنانير فقسمها، وبقيت منها ستة، فدفعها لبعض نسوته، فلم يأخذه نوم ~~حتى قام وقسمها، وقال: الآن استرحت» . # وبالجملة، فتفاصيل أخلاقه الكريمة وأوصافه العظيمة تقصر دونها الأفهام، ~~وتكل عن تدوينها الأقلام، وإنما أثبتنا في هذا الفصل ما اقتضاه الحال على ~~سبيل الاختصار في المقال جوابا عن قول المعترض: "وأكبر علاماتك اطراح ~~اللذات البدنية" بما فيه مقنع لذوي الفطن والعقول الزكية. # PageV01P334 # فصل # وأما قول النصراني: "إن يشوع هو على ما يعترف به المسلمون المسيح الموعود ~~به في التوراة وكتب الأنبياء، ويسميه محمد بكلمة الله وروحه، ويقول: إنه لم ~~يكن له أب من البشر، وأما محمد فهو مولود على الطريق المعتاد في الطبيعة". # فالجواب عنه -ومن الله التأييد- أن نقول: # أما الثناء على عيسى -عليه السلام- وتنزيهه وتنزيه أمه -عليهما السلام- ~~عن فرية المفترين وكذب الكاذبين فقد جاء بذلك نبينا -صلى الله عليه وسلم-، ~~وذلك تصديق نص الإنجيل الذي قدمنا ذكره في وصف الفارقليط، حيث قال: "وهو ~~يمجدني". # فلم يمجده تمجيده الحق إلا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فإنه جاء بتنزيه ~~أخيه المسيح عن فرية المكذبين له وفرية المغالين فيه، وأتى فيه بالقول الحق ~~والمذهب الوسط بين غلو النصارى وإطرائهم، وبين تكذيب اليهود وجفائهم. # قال الله -تعالى- في كتابه: {إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ~~ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين قالت رب أنى يكون لي ولد ولم ~~يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن ~~فيكون} . # PageV01P335 # وقال -تعالى-: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا ~~الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ~~فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد ~~سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا لن ~~يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون} . # وقال -تعالى-: ms087 {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبني إسرائيل} ~~والآيات في هذا المعنى كثيرة معلومة. # وفي الصحيحين عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم-: «من شهد أن لا إله» # PageV01P336 # «إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ~~ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله ~~الله الجنة على ما كان من العمل» . # فهذا ما يعترف به المسلمون من أمر المسيح -عليه السلام -. # وأما كون ذلك يقتضي تفضيله على خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم فكلا ولما. ~~ولكنه آية من آيات الله الدالة على قدرته على ما يشاء، حيث أوجده من أم بلا ~~أب، بل خلقه بكلمة "كن" كما قال -تعالى-: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم ~~خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} . # فالله -تعالى- خلق البشر على أربعة أنواع من الخلق: فخلق آدم -عليه ~~السلام- من تراب من غير أب ولا أم، وخلق حواء من أب لا أم، حيث خلقها من ~~ضلع آدم، وخلق عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب، وخلق سائر البشر من بين ~~الأم والأب -فتبارك الله أحسن الخالقين-. # وهذا التنويع في الخلق دال على قدرة الخلاق وكمال ربوبيته، وأنه ما شاء ~~كان، وأنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وألا يجعل له ند من خلقه ~~-تعالى الله عما يشركون-. # وليس في خلق عيسى -عليه السلام- من أم بلا أب ما يقتضي # PageV01P337 # تفضيله على إبراهيم -إمام الحنفاء وخليل الرحمن-، ولا على موسى -كليم ~~الله ونجيه-، فضلا عن أن يدل على تفضيله على خاتم الأنبياء وسيد الخلق في ~~الدنيا والآخرة. # وكما أن تخصيص آدم من تراب لا يقتضي تفضيله على غيره، فكذلك عيسى -عليه ~~السلام-. # وأيضا فخلق حواء - عليها السلام - من غير أم لا يقتضي تفضيلها على مريم ~~بنت عمران، وفاطمة بنت محمد، وأمها خديجة، # PageV01P338 # وعائشة، وآسية امرأة فرعون، فقد جاءت الأحاديث بفضلهن على سائر النساء. # فعرفت أنه ليس في ولادة ms088 محمد -صلى الله عليه وسلم- على الطريق المعتاد في ~~الطبيعة ما يحط رتبته أو يقدح في فضيلته أو يقتضي تفضيل مخلوق عليه، فإن ~~الكل اشتركوا في أن الله -تعالى- أوجدهم من العدم، وخلقهم بعد أن لم يكونوا ~~على ما اقتضته حكمته، ثم اختص من شاء منهم بما شاء، وفضل بعضهم على بعض، ~~ورفع بعضهم فوق بعض درجات على وفق ما قضاه في الأزل، وجرى به قلم التقدير، ~~واقتضاه اختيار الرب -تعالى- اصطفاءه. كما قال -تعالى-: {وربك يخلق ما يشاء ~~ويختار} . # وأيضا فعيسى -عليه السلام- حملت به أمه، وتقلب في رحمها، ووضعته على ~~الطريق المعتاد في حمل النساء وولادتهن، فهل كان ذلك نقصا في حقه وحطا ~~لرتبته؟ !. # وإذا لم يكن كذلك تحقق أن ميلاد محمد -صلى الله عليه وسلم- بين أبوين لا ~~نقص فيه، إذ خصائص البشرية من خلقته من ضعف، ثم حاجته إلى الطعام والشراب ~~أمر لا ينفك منه بشر. # PageV01P339 # وهذا برهان قاطع على بطلان ربوبية المسيح وأمه، كما نبه -تعالى- على ذلك ~~في قوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} . # فليس من تعظيم الأنبياء الغلو فيهم ومجاوزة الحد برفعهم عن منزلة ~~العبودية إلى منزلة الألوهية والربوبية، كما هو مذهب النصارى، فإنهم ~~تجاوزوا الحد في عيسى، حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، بل ~~غلوا في أتباعه، وادعوا فيهم العصمة، اتبعوهم في كل ما قالوه سواء كان حقا ~~أو باطلا، أو ضلالا أو رشادا، أو صدقا أو كذبا، ولهذا قال -تعالى-: {اتخذوا ~~أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ~~ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} . # وفسر النبي -صلى الله عليه وسلم- لعدي بن حاتم عبادتهم # PageV01P340 # إياهم: بأنهم كانوا يحلون لهم ما حرم الله فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما ~~أحل الله فيحرمونه. # وقال الله -تعالى-: {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله ~~إلا الحق إنما المسيح عيسى ms089 ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم} ~~الآية. # وقال -تعالى-: {قل ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا ~~أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} . # ومعنى الآية: لا تجاوزوا الحد في اتباع الحق، ولا تطروا ابن مريم حتى ~~تبالغوا في تعظيمه، حتى تخرجوه من حيز النبوة إلى مقام الإلهية، وهو نبي من ~~الأنبياء فجعلتموه إلها من دون الله، وما ذاك إلا لاقتدائكم بشيوخ الضلال ~~الذين هم سلفكم ممن ضل قديما، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل، أي: ~~وخرجوا عن طريق الاستقامة والاعتدال إلى طريق الغواية والضلال. # PageV01P341 # وقد حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من الغلو، وأن يصنعوا مثل ~~صنيعهم، ففي مسند الإمام أحمد وصحيح البخاري عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب ~~-رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تطروني كما ~~أطرت النصارى عيسى ابن مريم، فإنما أنا عبد الله ورسوله» . # ولفظ البخاري: «فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . # وقال الإمام أحمد: ثنا حسن بن موسى، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت ~~البناني، عن أنس: «أن رجلا قال: يا محمد،» # PageV01P342 # «يا سيدنا وابن سيدنا، وخيرنا وابن خيرنا. فقال رسوله الله -صلى الله ~~عليه وسلم-: # يا أيها الناس، عليكم بقولكم، ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد ~~الله، عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني ~~الله عز وجل» . # PageV01P343 # فصل # وأما ما وصف الله به المسيح في قوله تعالى: {إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} فمعناه: إنما هو عبد من عباد ~~الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فيكون، فكان رسولا من رسله. # ومعنى قوله: {وكلمته ألقاها إلى مريم} أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها ~~جبرئيل -عليه السلام-، فنفخ فيها من روحه بإذن ربه -عز وجل-، وكانت تلك ~~النفخة التي نفخها في جيب درعها، فنزلت حتى ولجت الفرج، فكانت بمنزلة لقاح ~~الأب والأم، والجميع مخلوق لله -عز ms090 وجل-. # ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله وروح منه، لأنه لم يكن له أب تولد منه، ~~إنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال الله بها: كن، فكان، والروح التي أرسل بها ~~جبرئيل. # قال تعالى: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن ~~فيكون} . # PageV01P345 # وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: {وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه} هو ~~قوله: "كن" فكان. # وعن بعض السلف قال: "ليست الكلمة صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى ". # قال ابن كثير: "وهذا أحسن مما ادعاه ابن جرير في قوله: {ألقاها إلى مريم} ~~أي: علمها بها، كما زعمه في قوله: {إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك ~~بكلمة منه} ، أي: يعلمك بكلمة منه، ويجعل ذلك كقوله: {وما كنت ترجو أن يلقى ~~إليك الكتاب} بل الصحيح أنها الكلمة التي جاء بها جبرئيل إلى مريم، فنفخ ~~فيها بإذن الله، فكان عيسى -عليه السلام-" انتهى. # PageV01P346 # فإن قيل: الكون بكلمة "كن" ليس مختصا بعيسى، بل هو عام في كل مخلوق، كما ~~قال تعالى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} . # أجيب بأنه لما كان السبب المتعارف مفقودا في حق عيسى -وهو الأب- كان ~~اتصاف حدوثه بالكلمة أكمل وأتم، فجعل بهذا التأويل كأنه نفس الكلمة. # كما أن من ظهر عليه الجود والكرم والإقبال يقال فيه على سبيل المبالغة: ~~إنه نفس الجود، ومحض الكرم، وصريح الإقبال، فكذا هاهنا. # وأما "من": في قوله {وروح منه} فليست للتبعيض كما تقوله النصارى، بل ~~لابتداء الغاية، كما في قوله: {وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا ~~منه} ، أي: من خلقه ومن عنده، فهو مخلوق من روح مخلوق. # وأضيفت الروح إلى الله -عز وجل- على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة ~~والبيت إلى الله في قوله: {هذه ناقة الله} ، وفي قوله: {وطهر بيتي ~~للطائفين} . # PageV01P347 # وكما في الحديث الصحيح: «وأدخل على ربي في داره» ، أضافها إليه إضافة ~~تشريف لها. # وهذا كله من قبيل واحد ونمط واحد، قاله ابن كثير. # وقال غيره: ms091 قد جرت عادة الناس أنهم إذا وصفوا شيئا بغاية الطهارة ~~والنظافة قالوا: إنه روح، فلما كان عيسى لم يتكون عن نطفة الأب، وإنما تكون ~~عن نفخة جبرئيل، لا جرم وصف بأنه روح. # وقيل: صف بأنه روح؛ لأنه كان سببا لإحياء الخلق في أديانهم، ومن كان كذلك ~~وصف بأنه روح، كما قال -تعالى- في صفة القرآن: {وكذلك أوحينا إليك روحا من ~~أمرنا} . # وقيل: روح منه، أي: رحمة منه، كما قيل في تفسير قوله -تعالى-: {وأيدهم ~~بروح منه} ، أي: رحمة منه، وفي الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ~~«إنما أنا رحمة مهداة» . # فلما كان عيسى -عليه السلام- رحمة من الله على الخلق من حيث إنه كان ~~يرشدهم إلى مصالحهم في دينهم ودنياهم لا جرم سماه روحا منه. # PageV01P348 # قال ابن كثير: والأول أظهر، يعني أنه مخلوق من روح مخلوق، وأن الإضافة ~~للتشريف، وتقدمت شواهده. # فهذا مذهب الحق واعتقاد المسلمين في وصف المسيح بأنه كلمة الله وروح منه. # وأما مذهب النصارى المبدلين فقد حكى الله عنهم في كتابه ثلاث مقالات من ~~الكفر. # فقال: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح ~~يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه ~~الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين ~~كفروا منهم عذاب أليم} . # وقال -تعالى- في خطاب أهل الكتاب: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم ~~إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد} . # وقال -تعالى-: {وقالت النصارى المسيح ابن الله} في آيات معلومة في هذا ~~المعنى. # PageV01P349 # قال شيخ الإسلام أبو العباس: # واعلم أن من الناس من يزعم أن هذه الأقوال الثلاثة التي ذكرها الله ~~-تعالى- عن النصارى هي قول الأصناف الثلاثة: # " اليعقوبية " - وهم شرهم - وهم السودان من الحبشة والقبط. # ثم " الملكية " وهم أهل الشمال من الشام والروم. # ثم " النسطورية " وهم نشؤوا في دولة الإسلام في زمن المأمون وهم ms092 قليل. # فاليعقوبية تزعم أن اللاهوت والناسوت اتحدا، وامتزجا كامتزاج الماء ~~واللبن، فهما جوهر واحد، وأقنوم واحد، وطبيعة واحدة، فصار عين الناسوت عين ~~اللاهوت، وأن المصلوب هو عين اللاهوت. # PageV01P350 # والملكية تزعم أنهما صارا جوهرا واحدا، له أقنومان، وقيل: أقنوم واحد، له ~~جوهران. # والنسطورية يقولون: هما جوهران أقنومان، وإنما اتحدا في المشيئة، وهذا ~~قول من يقول بالاتحاد. # وأما القول بالحلول فمن المتكلمين كأبي المعالي من يذكر الخلاف فيه عن ~~فرقهم الثلاث. # وذكر طوائف من المتكلمين كابن الزاغوني عنهم أنهم جميعا يقولون بالاتحاد ~~والحلول، لكن الاتحاد بالمسيح، والحلول في مريم، فقالوا: اتفقت طوائف ~~النصارى على أن الله جوهر واحد، له ثلاثة أقانيم، وأن كل واحد من الأقانيم ~~جوهر خاص يجمعها الجوهر العام، وذكروا اختلافا بينهم. ثم ذكروا اليعقوبية ~~والنسطورية والملكية. # قال الناقلون عنهم: واختلفوا في الكلمة الملقاة إلى مريم، فقالت طائفة ~~منهم: إن الكلمة حلت في مريم حلول الممازجة، كما يحل الماء # PageV01P351 # في اللبن، فيمازجه، ويخالطه، وقالت طائفة منهم: إنما حلت في مريم من غير ~~ممازجة، كما أن شخص الإنسان يحل في المرآة وفي الأجسام الصقيلة من غير ~~ممازجة. # وزعمت طائفة أن اللاهوت مع الناسوت كمثل الخاتم مع الشمع يؤثر فيه ~~بالنقش، ثم لا يبقى فيه شيء إلا أثر فيه. ثم ذكر هؤلاء عنهم في الاتحاد نحو ~~ما حكى الأولون، فقالوا: قد اختلف قولهم في الاتحاد اختلافا متباينا: # فزعم قوم منهم أن الاتحاد هو أن الكلمة التي هي الابن حلت جسد المسيح ~~وهذا قول الأكثرين منهم. # وزعم قوم منهم أن الاتحاد هو الاختلاط والامتزاج. # وقال قوم من اليعقوبية: هو أن كلمة الله انقلبت لحما ودما بالاتحاد. # وقال كثير من اليعقوبية والنسطورية: الاتحاد هو أن الكلمة والناسوت ~~اختلطا فامتزجا كاختلاط الماء بالخمر. # وقال قوم منهم: إن الكلمة اتحدت بجسد المسيح على معنى أنها حلته من غير ~~مماسة ولا ممازجة، كما نقول: إن الله في السماء وعلى العرش من غير مماسة ~~ولا ممازجة. # PageV01P352 # وقالت الملكية: الاتحاد هو الاثنين صارا واحدا، وصارت الكثرة قلة. # فزعم بعض ms093 الناس أن الذين قالوا: هو المسيح ابن مريم هم الذين قالوا: ~~اتحدا حتى صارا شيئا واحدا، والذين قالوا: هما جوهر واحد له طبيعتان ~~يقولون: هو وولده بمنزلة الشعاع المتولد عن الشمس، والذين قالوا: بجوهرين ~~وطبيعتين وأقنومين مع الرب قالوا: ثالث ثلاثة. # وهذا الذي قاله هؤلاء ليس بشيء، فإن الله أخبر أن النصارى يقولون: إنه ~~ثالث ثلاثة، وأنهم يقولون: إنه الله، وأنهم يقولون: إنه ابن الله. وقال ~~لهم: لا تقولوا ثلاثة. # مع إخباره أن النصارى افترقوا، وألقى بينهم العداوة والبغضاء بقوله: {ومن ~~الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} . # وقد ذكر هذا إخبارا بتفرقهم إلى هذه الأصناف الثلاثة وغير ذلك. # وقد أخبر -سبحانه- عقب قولهم: ثالث ثلاثة بما يقتضي أن هؤلاء اتخذوا له ~~ولدا، فقال: {ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه ~~أن يكون له ولد} . # PageV01P353 # وقد ذكر - أيضا - ما يقتضي أن قولهم: إن الله هو المسيح ابن مريم من ~~الشرك، فقال -تعالى-: {لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم ~~وقال المسيح يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد ~~حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار} . # فهذا يقتضي أن هذا القول من الشرك، وذلك لأنهم مع قولهم: إن الله هو ~~المسيح ابن مريم لا يخصونه بالمسيح، بل يثبتون أن له موجدا وهو الأب، وليس ~~هو الكلمة التي في المسيح، فعبادتهم إياه معه إشراك، وذلك مضموم إلى قولهم: ~~إنه ولده. # وقد نزه الله -تعالى- نفسه عن هذا وهذا في غير موضع من القرآن، كما قال ~~-تعالى- {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا الذي له ~~ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء ~~فقدره تقديرا} . # وأيضا فهذه الأقوال لا تنطبق على ما ذكر فإن الذين يقولون: إنهما اتحدوا ~~وصارا شيئا واحدا يقولون أيضا: إنما اتحد به الكلمة التي هي الابن. والذين ms094 ~~يقولون: هما جوهر واحد له طبيعتان يقولون: إن المسيح إله وأنه الله، والذين ~~يقولون: إنه حل فيه يقولون: حلت فيه الكلمة التي هي الابن وهي الله -أيضا- ~~بوجه آخر كما سنذكره. # وأيضا فقولهم: ثالث ثلاثة ليس المراد به الله، واللاهوت الذي في # PageV01P354 # المسيح، وجسد المسيح، فإن أحدا من النصارى لا يجعل لاهوت المسيح وناسوته ~~إلهين، ويفصل الناسوت عن اللاهوت، بل سواء قال بالاتحاد أو بالحلول فهو ~~تابع للاهوت. # وأيضا فقوله -تعالى- عن النصارى: {ولا تقولوا ثلاثة} ، و {لقد كفر الذين ~~قالوا إن الله ثالث ثلاثة} . # قد قيل: إن المراد به قول النصارى: باسم الأب والابن وروح القدس إله ~~واحد، وهو قولهم بالجوهر الواحد الذي له ثلاثة أقانيم، أي ثلاث صفات وخواص. # وقولهم: إنه هو الله، وابن الله، هو الاتحاد والحلول. # فعلى هذا تكون تلك الآية على قولهم بتثليث الأقانيم، وهاتان في قولهم ~~بالحلول والاتحاد. # فالقرآن على هذا القول رد في كل آية بعض قولهم: كما أنه على القول رد في ~~كل آية على صنف منهم. # وقيل: إن المراد بذلك جعلهم المسيح إلها وأمه إلها مع الله كما ذكر الله ~~ذلك في قوله: {وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي ~~إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت ~~قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ~~ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا} . # PageV01P355 # ويدل على ذلك قوله -تعالى-: {لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما ~~من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب ~~أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام} ### | .... # فقوله: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} ~~عقب قوله: {لقد ms095 كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة} يدل على أن التثليث ~~الذي ذكره الله عنهم اتخاذ المسيح ومريم إلهين. # وهذا واضح على قول من حكى عن النصارى أنهم يقولون بالحلول في مريم ~~والاتحاد بالمسيح، وهو أقرب إلى تحقيق مذهبهم. # وعلى هذا فتكون كل آية مما ذكره الله في أقوالهم تعم جميع طوائفهم، وتعم ~~-أيضا- قولهم بتثليث الأقانيم، والاتحاد والحلول، فتعم أصنافهم وأصناف ~~كفرهم، ليس يختص كل آية بصنف، كما قال من يزعم ذلك. # ولا تختص آية بتثليث الأقانيم، وآية بالحلول والاتحاد، بل هو -سبحانه- ~~ذكر في كل آية كفرهم المشترك، ولكن وصف كفرهم بثلاث صفات، وكل صفة تستلزم ~~الأخرى، إنهم يقولون: # PageV01P356 # المسيح هو الله، ويقولون: هو ابن الله، ويقولون: إن الله ثالث ثلاثة، حيث ~~اتخذوا المسيح وأمه إلهين من دون الله، هذا بالاتحاد، وهذا بالحلول. # ويبين بذلك إثبات ثلاثة آلهة منفصلة غير الأقانيم، وذلك يتضمن جميع كفر ~~النصارى، وذلك أنهم يقولون: الإله جوهر واحد له ثلاثة أقانيم. # وهذه الأقانيم يجعلونها تارة جواهر وأشخاصا وتارة صفات وخواص، فيقولون: ~~الوجود الذي هو الآب، والابن الذي هو العلم، وروح القدس التي هي الحياة عند ~~متقدميهم، والقدرة عند متأخريهم. لكن يقولون - أيضا -: إن الوجود الذي هو ~~الآب جوهر، والكلمة التي هي الابن جوهر، وروح القدس - أيضا - جوهر، وأن ~~المتحد بالمسيح هو جوهر الكلمة دون جوهر الأب وروح القدس، وهذا مما لا نزاع ~~بينهم فيه. # قلت: وبيان هذا الاعتقاد بعبارة أخرى من كرم بعض المحققين أن النصارى ~~اعتقدوا أن معبودهم جوهر - أي: أصل للأقانيم -، وذلك أن له عندهم ثلاثة ~~أقانيم: # أقنوم الوجود، ويعبرون عنه بالآب. # وأقنوم العلم، ويعبرون عنه بالابن والكلمة. # وأقنوم الحياة، ويعبرون عنه بالروح القدس. # ثم قالوا: مجموع الثلاثة إله واحد. # والأقنوم: كلمة يونانية، والمراد بها في تلك اللغة أصل الشيء، ويعني بها ~~النصارى: الأصل الذي كانت عليه حقيقة إلههم. # PageV01P357 # وقد طولبوا في دليل الحصر في الثلاثة، فقالوا: لأن الخلق والإبداع لا ~~يتأتى إلا بها، فقيل لهم: والإرادة، والقدرة لا يتأتى الخلق إلا بهما، ~~فيلزم ms096 الحكم بأن الأقانيم خمسة، وهو باطل، فكذا التثليث ... والله أعلم. # قال أبو العباس: ومن هاهنا قالوا كلهم: المسيح هو الله، وقالوا كلهم: هو ~~ابن الله، لأنه من حيث إن الآب والابن وروح القدس إله واحد، وقد اتحد ~~بالمسيح كان المسيح هو الله، ومن حيث إن الأب جوهر والابن جوهر وروح القدس ~~جوهر، والذي اتحد به هو جوهر الابن الذي هو الكلمة كان المسيح هو ابن الله ~~عندهم. # ولا ريب أن هذين القولين وإن كان كل منهما متضمنا لكفرهم - كما ذكره الله ~~- فإنهما متناقضان، إذ كونه هو ينافي كونه ابنه، لكن النصارى يقولون هذا ~~كلهم، ويقولون هذا كلهم، كما ذكر الله ذلك عنهم، ولهذا كان قولهم معلوم ~~التناقض في بديهة العقول عند كل من تصوره، فإن الأقانيم إذا كانت صفات أو ~~خواص، وقدر أن الموصوف له بكل صفة اسم كما مثلوه بقولهم: زيد الطبيب، وزيد ~~الحاسب، وزيد الكاتب، لكن لا يمكن أن بعض هذه الصفات يتحد بشيء دون الجوهر، ~~ولا أن بعض هذه يفارق بعضا، فلا يتصور مفارقة بعضها بعضا، ولا مفارقة شيء ~~منها للموصوف، حتى يقال: # PageV01P358 # المتحد بالمسيح بعض هذه الصفات، وهم لا يقولون ذلك - أيضا -، بل هم ~~متفقون على أن المتحد به جوهر قائم لنفسه: فإن لم يكن جوهرا إلا جوهر الآب ~~كان جوهر الآب هو المتحد، وإن كان جوهر الابن غيره فهما جوهران منفصلان، ~~وهم لا يقولون بذلك. # والموصوف -أيضا- لا يفارق صفاته كما لا تفارقه فلا يمكن أن يقال: اتحد ~~الجوهر بالمسيح بأقنوم العلم دون الحياة، إذ العلم والحياة لا زمان للذات ~~لا يتصور أن تفارقهما الذات، ولا أن يفارقها واحد منهما، ومن هنا قيل: ~~النصارى غلطوا في أول مسألة من الحساب الذي يعلمه كل أحد، وهو قولهم: ~~الواحد ثلاثة. # وأما قول بعضهم: " أحدي الذات ثلاثي الصفات " فهم لا يكتفون بذلك كما ~~تقدم، بل يقولون: الثلاثة جواهر، والمتحد بالمسيح واحد منها دون الآخر. # وبهذا يتبين أن كل من أراد أن يذكر قولهم على وجه يعقل فقد قال الباطل ms097 ~~كقول المتكايسين منهم: هذا كما تقول: زيد الطبيب، وزيد الحاسب، وزيد ~~الكاتب، فهم ثلاثة رجال باعتبار الصفات، وهم رجل واحد باعتبار الذات. فإنه ~~يقال: من يقول هذا لا يقول بأن زيدا الطبيب فعل كذا أو اتحد بكذا، أو حل به ~~دون زيد الحاسب والكاتب، بل أي شيء فعله أو وصف به زيد الطبيب في هذا ~~المثال فهو الموصوف به زيد الحاسب الكاتب. # PageV01P359 # قلت: ونظير هذا المثل ما قاله بعضهم: إنك إذا فرضت مثلثا متساوي الأضلاع، ~~كانت الأضلاع ثلاثة والمثلث واحد، وكان للمثلث الواحد ثلاثة أضلاع. # وهذا من نمط ما قبله في الفساد، وذلك أن كل واحد من الأضلاع على انفراده ~~ليس هو المثلث المفروض، بل إن اعتبرت الأضلاع الثلاثة شيئا واحدا انتفى ~~التثليث، لأن الواحد لا يكون ثلاثة، وإن اعتبر أحد الأضلاع على انفراد ~~انتفت الوحدة، فالجمع بينهما جمع بين النقيضين. والله أعلم. # قال: والنصارى يثبتون هذا المثلث في الأقانيم مع قولهم: إن المتحد هو ~~الواحد، فيجعلون المسيح هو الله، لأنهم يقولون الموصوف اتحد به، ويجعلون ~~المسيح هو ابن الله، لأنهم يقولون: إنما اتحد به الجوهر الذي هو الكلمة، أو ~~إنما اتحد به الكلمة دون الآب الذي هو الوجود، ودون روح القدس، وهما -أيضا- ~~جوهران. # فقد تبين أن قول النصارى بهذا وبهذا جمع بين النقيضين، وهو من أفسد شيء ~~في بداية العقول وكل منهما كفر، كما كفرهم الله. # وأما قولهم: " ثالث ثلاثة " فإنهم مع ذلك يعبدون الأم التي هي والدة ~~الإله عندهم، وهذا كفر آخر مستقل بنفسه غير تثليث الأقانيم والاتحاد ~~بالمسيح. فالقرآن يتناول جميع أصناف كفرهم في هذا الباب تناولا تاما. ~~انتهى. # PageV01P360 # فصل # وقد أقام الله -تعالى- أنواع الأدلة والبراهين على بطلان دعوى هؤلاء ~~الجهلة الضلال واعتقادهم في المسيح، وبين ذلك في كتابه العزيز في مواضع ~~كثيرة بطرق عقلية، وحجج واضحة جلية، فنذكر منها أنموذجا يدل على ما وراءه. # فمن ذلك قوله -تعالى-: {وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في ~~السماوات والأرض كل له قانتون بديع السماوات والأرض وإذا ms098 قضى أمرا فإنما ~~يقول له كن فيكون} . # فاشتملت هاتان الآيتان على الرد عليهم دعواهم الولد له، ونزه نفسه عنه، ~~فقال: سبحانه أي: تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك، ثم ذكر عدة حجج على استحالة ~~اتخاذه الولد: # إحداها: # كون ما في السماوات والأرض ملكا له، وهذا ينافي أن يكون فيهما ولد له، ~~لأن الولد بعض الوالد وشريكه، فلا يكون مخلوقا له مملوكا، لأن المملوك ~~مربوب عبد من العبيد، والابن نظير الأب، فكيف يكون عبده ومخلوقه ومملوكه ~~بعضه ونظيره؟ فهذا من أبطل الباطل. # وأكد مضمون هذه الحجة بقوله: {كل له قانتون} ، فهذا تقرير # PageV01P361 # لعبوديتهم له، وأنهم مملوكين مربوبون، ليس فيهم شريك ولا نظير ولا ولد، ~~فإثبات الولد له من أعظم الإشراك به. # فإن المشرك به جعل له شريكا من مخلوقاته مع اعترافه بأنه مملوكه، كما كان ~~المشركون من العرب يقولون في تلبيتهم: " لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك إلا ~~شريكا هو لك تملكه وما ملك ". فكانوا يجعلون ما أشركوا به مملوكا له عبدا ~~مخلوقا. # والنصارى جعلوا له شريكا هو نظير وجزء من أجزائه، كما جعل بعض المشركين ~~الملائكة بناته، فقال -تعالى-: {وجعلوا له من عباده جزءا} ، فإذا كان له ما ~~في السماوات وما في الأرض وهم عبيده قانتون مملوكون استحال أن يكون له منهم ~~شريكا. # وكل من أقر بأن لله ما في السماوات وما في الأرض يلزمه أن يقر بالتوحيد ~~ولا بد. # الحجة الثانية: # قوله: {بديع السماوات والأرض} ، وهذه من أبلغ الحجج على استحالة نسبة ~~الولد إليه، ولهذا قال في سورة الأنعام: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ~~ولد} # PageV01P362 # أي: من أين يكون لبديع السماوات والأرض ولد؟ ! # ووجه هذه الحجة أن من اخترع السماوات والأرض مع عظمهما وآياتهما وفطرهما ~~وابتداعهما، فهو قادر على اختراع ما هو دونهما ولا نسبة له إليهما البتة. # فكيف يخرجون هذا الشخص عن قدرته وإبداعه، ويجعلونه نظيرا وشريكا وجزءا من ~~الله بديع العالم العلوي والسفلي فاطره ومخترعه وباريه!!، فكيف يعجزه أن ~~يوجد هذا الشخص من غير أب حتى يقولوا: ms099 إنه ولده؟ # فمن نسب الولد لله فما عرف الرب ولا آمن به ولا عبده. # فظهر أن هذه الحجة من أبلغ الحجج على استحالة نسبة الولد إليه. وبهذا ~~الوجه قرر الاستدلال بهذه الحجة غير واحد من المفسرين، قال ابن القيم: # وإن شئت تقرير الاستدلال بوجه آخر، وهو أن يقال: إذا كان نسبة السماوات ~~والأرض وما فيهما إليه إنما هي بالاختراع والخلق والإبداع، أنشأ ذلك وأبدعه ~~من العدم إلى الوجود. فكيف يصح نسبة شيء من ذلك إليه بالنبوة، وقدرته على ~~اختراع العالم وما فيه لم يزل، ولم يحتج فيه إلى معاون ولا صاحب ولا شريك؟ ~~! # PageV01P363 # وإن شئت أن تقريرها بوجه آخر، فتقول: النسبة إليه بالنبوة مستلزمة حاجته ~~وفقره إلى محل الولادة، وذلك ينافي غناه وإفراده بإبداع السماوات والأرض. # وقد أشار -تعالى- إلى هذا المعنى بقوله: {قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو ~~الغني له ما في السماوات وما في الأرض} . # فكمال قدرته وكمال غناه وكمال ربوبيته يحيل نسبة الولد إليه، ونسبته إليه ~~يقدح في كمال ربوبيته، وكمال غناه، وكمال قدرته. # ولهذا كان نسبة الولد إليه مسبة له -تبارك وتعالى- كما في الحديث الصحيح ~~عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «قال الله -تعالى-: كذبني ابن آدم ولم ~~يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك؛ فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن ~~أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: إن لي ولدا، فسبحاني أن أتخذ صاحبة ~~أو ولدا» . أخرجه في الصحيحين، واللفظ للبخاري. # PageV01P364 # وقال عمر بن الخطاب في النصارى: " أذلوهم، ولا تظلموهم؛ فلقد سبوا الله ~~مسبة ما سبه إياه أحد من البشر ". # وقال -تعالى-: {وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا ~~لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا} . # وأخبر -تعالى- أن السماوات كادت تنفطر من قولهم، وتنشق الأرض منه، وتخر ~~الجبال هدا، وما ذاك إلا لتضمنه شتم الرب -تعالى- والتنقص به، ونسبة ما ~~يمنع كمال ربوبيته وقدرته وغناه إليه. # الحجة الثالثة: # قوله: {وإذا قضى أمرا فإنما يقول له ms100 كن فيكون} . # وتفسير هذه الحجة: أن من كانت قدرته كافية في الإيجاد بمجرد أمره وقوله: ~~" كن " فأي حاجة به إلى وهو لا يتكثر به من قلة، ولا يتعزز به من ذلة، ولا ~~يستعين به من عجز، وإنما يحتاج إلى الولد من لا يخلق، ولا إذا أراد شيئا ~~يقول له: كن فيكون، وهو المخلوق العاجز المحتاج الذي لا يقدر على تكوين ما ~~أراد. # ومن ذلك قوله تعالى: {بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له ~~صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} . # PageV01P365 # ففي هذه الآية أربع حجج تدل على استحالة نسبة الولد إليه، ومنافاتها ~~كماله المقدس. # الحجة الأولى: # ما تضمنه قوله: {بديع السماوات والأرض} ، وتقدم تقريرها قريبا. # الثانية: # قوله: {ولم تكن له صاحبة} ، والمعنى أنه يلزم من نسبة الولد إليه نسبة ~~الصاحبة إليه -أيضا-، وهو محال؛ فنسبة الولد كذلك. # ووجه التلازم ظاهر؛ لأن الولد إنما يتولد من أصلين: فاعل، ومحل قابل، ~~يتصلان اتصالا خاصا، فينفصل عن أحدهما جزء في الآخر يكون منه الولد. والله ~~-تعالى- ليس له صاحبة، فكيف يكون له ولد؟ # قال ابن القيم: ولذلك لما فهم عوام النصارى أن الابن يستلزم الصاحبة لم ~~يستنكفوا من دعوى كون مريم إلها، وأنها والدة الإله عيسى، فيقول عوامهم: يا ~~والدة الإله، اغفري لي، ويصرح بعضهم بأنها زوجة الرب. ولا ريب أن القول ~~بالإيلاد يستلزم ذلك إثبات إيلاد لا يعقل، ولا يتوهم محال. # فخواص النصارى في حيرة وضلال، وعوامهم لا يستنكفون أن يقولوا بالزوجة ~~والإيلاد، تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # PageV01P366 # والقوم في هذا المذهب الخبيث أضل خلق الله، فهم كما وصفهم الله بأنهم قد ~~ضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا، وضلوا عن سواء السبيل. # وقال غيره: إن النصارى يقولون: إن الآب ولدت منه الكلمة، ومريم ولد منها ~~الناسوت، فاتحد الناسوت باللاهوت، فكان المسيح. # فالمسيح عندهم إله تام، وإنسان تام، فلاهوته من الله وناسوته من مريم، ~~فهو من أصلين لاهوت وناسوت، فإذا كان أحد الأصلين أباه، والآخر أمه؛ فلم لا ~~تكون أمه ms101 زوجة أبيه؟، وإذا اتحد اللاهوت بناسوت المسيح مدة طويلة فلماذا ~~يمتنع أن يجتمع اللاهوت بناسوت مريم مدة قصيرة؟، وإذا جعل الناسوت الذي ~~ولدته ابنا للاهوت فلأي شيء لا تجعل صاحبة وزوجة للاهوت!. # تعالى الله عما يقول الكافرون علوا كبيرا. # الحجة الثالثة: # قوله -تعالى-: {وخلق كل شيء} ، وتقرير الحجة أنه قد ثبت بالبراهين ~~القاطعة أنه -تعالى- خلق كل شيء، فنسبة الولد إليه تنافي عموم خلقه، فإنه ~~لو كان له ولد لم يكن مخلوقا له، بل جزءا منه. وهذا ينافي كونه خالق كل ~~شيء. # وبهذا يعلم أن الفلاسفة الذين قالوا بتولد العقول والنفوس عنه بواسطة أو ~~بغير واسطة شر من النصارى. # PageV01P367 # وأن من زعم أن العالم قديم فقد أخرجه عن كونه مخلوقا لله. والنصارى لم ~~يصل كفرهم إلى هذا الحد، قاله ابن القيم. # الحجة الرابعة: # قوله تعالى: {وهو بكل شيء عليم} ، وتقرير الدلالة أنه -تعالى- لا يعلم له ~~ولدا، فيستحيل نسبته إليه، فإنه لو كان له ولد لعلمه، لأنه بكل شيء عليم، ~~ونظير هذا قوله -تعالى-: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ~~ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ~~ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} . # فهذا نفي لما ادعوه من الشفعاء ينفي علم الرب بهم المستلزم لنفي المعلوم. # ومن ذلك قوله -تعالى-: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله ~~الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى ~~يؤفكون قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو ~~السميع العليم} . # وهاتان الآيتان ذكرهما الله -تعالى- بعد إكفاره النصارى في # PageV01P368 # قولهم: {إن الله هو المسيح ابن مريم} ، وقولهم: {إن الله ثالث ثلاثة} . # وأبطل فيهما قولهم بعدة من الأدلة: # الأول: التنبيه على أن المسيح -عليه السلام- رسول الله من جنس الرسل ~~الذين خلوا من قبل، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها، فإن الذي أبرأ ~~الأكمة والأبرص، وأحيا الموتى على يده هو الذي هو الذي ms102 أحيا العصا، وجعلها ~~حية تسعى، وفلق البحر على يد موسى، إلى غير ذلك من آياته، وهو الذي أخرج ~~الناقة لصالح من صخرة صماء. # والذي خلق المسيح من غير ذكر هو الذي خلق آدم من غير ذكر ولا أنثى، فكما ~~لم يكن إتيانهم بالآيات دالا على آلهتهم فكذلك عيسى. # الثاني: أن من له أم فقد حدث بعد أن لم يكن، وكل من كان كذلك كان مخلوقا، ~~والمخلوق لا يكون إلها. # الثالث: أنهما كانا محتاجين، لأنهما كانا يحتاجان إلى الطعام والشراب أشد ~~الحاجة. والإله هو الذي يكون غنيا عن جميع الأشياء، فكيف يعقل أن يكون ~~المسيح إلها مع حاجته؟. # الرابع: قال بعض العلماء إن قوله: {كانا يأكلان الطعام} كناية عن الحدث، ~~لأن من أكل الطعام فلا بد أن يحدث، فهذا أبلغ في إبطال إلهيته. # PageV01P369 # الخامس: أن الإله لا بد أن يكون قادرا على الخلق والإيجاد، فلو كان ~~المسيح إلها لقدر على دفع الجوع عن نفسه بغير الطعام، فلما لم يقدر على دفع ~~الضرر عن نفسه كيف يعقل أن يكون إلها للعالمين؟. # ولما كانت هذه الحجج في غاية الجلاء ونهاية الظهور قال -تعالى-: {انظر ~~كيف نبين لهم الآيات} ، أي: نظهرها {ثم انظر أنى يؤفكون} ، أي: ثم انظر بعد ~~هذا البيان والوضوح والجلاء أين يذهبون وبأي شيء يتمسكون؟. # السادس: أن اليهود كانوا يعادون المسيح، ويقصدونه بالسوء، فما قدر على ~~الإضرار بهم، وكان أنصاره يحتاجون إلى النفع، فما قدر على إيصال نفع من ~~منافع الدنيا إليهم، والعاجز عن الضر والنفع كيف يجوز أن يكون إلها؟. # ولهذا قال -تعالى-: {قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا ~~نفعا} . # السابع: أن مذهب النصارى أن اليهود صلبوه، ومزقوا أضلاعه ### | .... # إلى غير ذلك من زعمهم. ومن كان في الضعف هكذا كيف يعقل أن يكون إلها؟ !. # الثامن: إن إله العالم يجب أن يكون غنيا عن كل ما سواه، وكل ما # PageV01P370 # سواه يكون محتاجا إليه، فلو كان إلها لامتنع أن يكون مشغولا بعبادة الله، ~~لأن الإله لا يعبد ms103 شيئا، إنما العبد هو الذي يعبد الإله. # فلما عرف بالتواتر كون عيسى مواظبا على الطاعات والعبادات، دل على أنه ~~إنما كان يفعلها لكونه محتاجا إلى تحصيل المنافع ودفع المضار، وإذا كان ~~كذلك كان عبدا كسائر العبيد. # ثم قال تعالى: {والله هو السميع العليم} ، أي: فلم عدلتم عن السميع ~~لأقوال العباد العليم بكل شيء إلى عبادة عبد من العباد لا يملك لنفسه ولا ~~لغيره ضرا ولا نفعا؟ !. # وقد كان المسيح -عليه السلام- لم يسمع أقوال الذين تمالؤوا عليه، ولم ~~يعلم بهم حتى وصلوا إليه فكيف تجعلونه إلها مع الله - تعالى الله عما ~~يشركون؟ -. # ومن ذلك ما تضمنه صدر سورة آل عمران فإنه كان سبب نزوله في وفد نجران ~~النصارى حين قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجعلوا يحاجون في ~~عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله -تعالى- صدر ~~السورة إلى آية المباهلة # PageV01P371 # ردا عليهم، كما ذكره الإمام محمد بن إسحاق بن يسار وغيره، فنذكر طرفا من ~~قصتهم، ثم نتبعه ببعض ما تضمنه صدر السورة من الحجة -إن شاء الله تعالى-. # قال ابن إسحاق في سيرته المشهورة وغيره: # وقدم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفد نصارى نجران ستون راكبا، ~~فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، في الأربعة عشر منهم ثلاثة نفر إليهم يؤول ~~أمرهم: العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم، الذي لا يصدرون إلا عن ~~رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم ومجتمعهم، واسمه ~~الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة - أحد بني بكر بن وائل -، أسقفهم وحبرهم ~~وإمامهم وصاحب مدارسهم. # وكان أبو حارثة قد شرف فيهم ودرس كتبهم، حتى حسن عمله في دينهم، فكانت ~~ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرفوه، ومولوه، وأخدموه، وبنوا له الكنائس، ~~وبسطوا له الكرامات، لما يبلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما وجهوا ~~إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من نجران جلس أبو حارثة على بغلة له ~~موجها، وإلى جنبه أخ # PageV01P372 # له - يقال له: كوز بن علقمة -، فعثرت بغلة أبي حارثة، ms104 فقال كوز: تعس ~~الأبعد - يريد رسوا الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو حارثة: بل أنت ~~تعست. قال: ولم يا أخي؟ قال: والله، إنه للنبي الذي كنا ننتظر. # فقال له كوز: وما منعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: ما صنع بنا هؤلاء القوم، ~~شرفونا، ومولونا، وأكرمونا، وقد أبوا إلا خلافه، فلو فعلت نزعوا منا عوامنا ~~كما ترى، فأضمر عليها منه أخوه كوز بن علقمة حتى أسلم بعد ذلك. فهو كان ~~يحدث عنه هذا الحديث فيما بلغني. # قال: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: قدموا على رسول الله -صلى الله ~~عليه وسلم- المدينة، فدخلوا عليه في مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب ~~الحبرات: جبب وأردية، في جمال رجال بني الحارث بن كعب. # قال: يقول بعض من رآهم من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يومئذ ما ~~رأينا بعدهم وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا في مسجد رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- يصلون، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " دعوهم "، ~~فصلوا إلى المشرق. # PageV01P373 # قال ابن إسحاق: وكان من دين النصرانية على دين الملك مع الاختلاف من ~~أمرهم: يقولون: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، ~~وكذلك قول النصرانية. فهم يحتجون في قولهم: هو الله بأنه كان يحيي الموتى، ~~ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه ~~فيكون طائرا، وذلك كله بأمر الله - تبارك وتعالى -، وليجعله آية للناس. # ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنهم يقولون: إنه لم يكن له أب يعلم، ~~وقد تكلم في المهد، وهذا شيء لم يصنعه أحد من ولد آدم قبله. # ويحتجون في قولهم: إنه ثالث ثلاثة بقول الله: فعلنا، وأمرنا وقضينا، ~~فيقولون: لو كان واحدا ما قال إلا فعلت وأمرت وقضيت وخلقت. ولكنه هو عيسى ~~ومريم. ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن. # «فلما كلمه الحبران قال لهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أسلما، ~~قالا: قد أسلمنا. قال: إنكما لم تسلما، فأسلما، قالا: بلى قد أسلمنا قبلك. ~~قال: كذبتما، ms105 يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، ~~وأكلكما الخنزير، قالا: فمن أبوه يا محمد؟ فصمت رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- عنهما، فلم يجبهما. فأنزل الله في ذلك من قولهم واختلاف أمرهم كله ~~صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها» . # PageV01P374 # ثم تكلم ابن إسحاق على تفسيرها، إلى أن قال: # «فلما أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من الله - عز وجل -، ~~والفصل من القضاء بينه وبينهم، وأمر بما أمر به من ملاعنتهم إن ردوا ذلك ~~عليه دعاهم إلى ذلك. فقالوا: يا أبا القاسم، دعنا ننظر في أمرنا، ثم نأتيك ~~بما تريد أن نفعل فيما دعوتنا إليه. # ثم انصرفوا عنه، وخلوا بالعاقب وكان ذا رأيهم، فقالوا: يا عبد المسيح، ما ~~ترى؟ فقال: والله - يا معشر النصارى -، لقد عرفتم أن محمدا لنبي مرسل، ولقد ~~جاءكم بالفصل من خبر صاحبكم، ولقد علمتم ما لاعن قوم نبيا قط، فنما كبيرهم، ~~ولا نبت صغيرهم، وإنه للاستئصال منكم إن فعلتم. فإن أبيتم إلا إلف دينكم ~~والإقامة على ما أنتم عليه من القول في صاحبكم، فواعدوا الرجل، ثم انصرفوا ~~إلى بلادكم. # فأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا يا أبا القاسم، قد رأينا ~~ألا نلاعنك، ونتركك على دينك، ونرجع على ديننا. ولكن ابعث معنا رجلا من ~~أصحابك ترضاه لنا يحكم بيننا في أشياء اختلفنا فيها من أموالنا، فإنكم ~~عندنا رضا. # قال محمد بن جعفر: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ائتوني العشية، ~~أبعث معكم القوي الأمين. # PageV01P375 # «قال: فكان عمر بن الخطاب يقول: ما أحببت الإمارة قط حبي إياها يومئذ، ~~رجاء أن أكون صاحبها، فرحت إلى الظهر مهجرا، فلما صلى بنا رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- الظهر سلم، ثم نظر عن يمينه ويساره، فجعلت أتطاول له، ~~ليراني، فلم يزل يلتمس ببصره حتى رأى أبا عبيدة بن الجراح، فدعاه، فقال: ~~اخرج معهم، فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه. قال عمر: فذهب بها أبو ~~عبيدة» . # وقد رويت هذه القصة بالأسانيد من وجوه أخر بأطول من هذا السياق، ms106 أضربنا ~~عن ذكرها خوف الإطالة. # وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن حذيفة -رضي الله عنه- قال: «جاء ~~العاقب والسيد - صاحبا نجران - إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يريدان ~~أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله، إن كان نبيا ~~فلاعناه لا نفلح نحن ولا عقبنا» # PageV01P376 # «من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، فقال: ~~لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ~~-صلى الله عليه وسلم-: هذا أمين هذه الأمة» . # وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: لو خرج الذين يباهلون رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- لرجعوا لا يجدون أهلا ولا مالا. رواه أحمد في مسنده ~~والبخاري في صحيحه. # رجعنا إلى ما وعدنا من التنبيه على بعض ما في صدر سورة آل عمران من الحجة ~~على بطلان قول النصارى، وما في ضمنه من تقرير نبوة محمد -صلى الله عليه ~~وسلم - مما استنبطه العلماء من بعض أسرار هذه الآيات وما فيها من العلم. # وبسط الكلام على المواضع الدالة يستدعي طولا، فلنقتصر على بعض ما في ~~فاتحة السورة وخاتمة القصة. # PageV01P377 # قال الله -تعالى-: {الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب ~~بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس وأنزل ~~الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام إن ~~الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشاء لا إله إلا هو العزيز الحكيم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات ~~محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما ~~تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله ~~والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو ~~الألباب} . # ففي مطلع هذه السورة الكريمة من إقامة البرهان على وحدانية الله ms107 -تعالى- ~~ونفي الولد عنه، وعلى بطلان ربوبية المسيح، وعلى تحقيق نبوة محمد -صلى الله ~~عليه وسلم- ما هو من الحجج القواطع لشبه المبطلين والأدلة المنادية بجهالة ~~المجادلين، وذلك أن أولئك النصارى الذين جادلوا رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم- كأنه قيل لهم: إما أن تجادلوه في معرفة الإله أو في النبوة: # PageV01P378 # فإن كان النزاع في معرفة الإله، وتقولون: إن المسيح ابن الله، وتقولون: ~~إنه الله، وتقولون: إن الله ثالث فالحق معه بالدلائل القطعية، فإنه قد ثبت ~~بالبرهان أنه حي قيوم، والحي القيوم يستحيل نسبة الولد والشريك إليه، لأن ~~ذلك يقدح في حياته وقيوميته. # وإن كان النزاع في النبوة فهذا -أيضا- باطل، لأن الطريق الذي عرفتم به أن ~~الله أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى هو بعينه قائم في محمد -صلى ~~الله عليه وسلم-. # وما ذاك إلا ما اقترن به من الدلائل والمعجزات، وهو حاصل هاهنا، فكيف ~~يمكن منازعته في صحة نبوته؟! # والحاصل أن هذه الآيات الكريمات تضمنت إقامة الحجة في أصلين: # الأول: في الإلهيات. # والثاني: في النبوات. # وتقرير الأول: أنه حي قيوم، وما كان حيا قيوما يمتنع أن يكون له ولد أو ~~مشارك، لأن الحي القيوم هو واجب الوجود لذاته، وحياته وقيوميته لا ابتداء ~~لها ولا انتهاء، فهو الأول فلا شيء قبله، والآخر فلا شيء بعده. # PageV01P379 # وأما ما عداه فإنه ممكن الوجود لذاته، حدث بتخليق الحي القيوم وإيجاده ~~وتكوينه، وما كان محدثا مخلوقا لا يكون إلها. # وأيضا فنسبة الولد إليه تنافي كمال حياته وقيوميته، وذلك لأن الولد جزء ~~الوالد، وفرع عنه، والولد حادث بعد أن لم يكن، لأنه -بالضرورة- لا بد أن ~~يكون مسبوقا بالأب، فيلزم من ذلك حدوث الأب -أيضا- بالضرورة، للارتباط الذي ~~بين الأب والابن من المشابهة، وهذا هو التعطيل الصرف، فثبت أن دعوى الولد ~~لله تنافي ربوبيته للعالمين. # وأيضا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيا قيوما، وثبت أن عيسى لم يكن حيا ~~قيوما، لأنه ولد، وكان يأكل، ويشرب، ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وصلب، ~~وما قدر على الدفع عن نفسه، فثبت ms108 أنه ما كان حيا قيوما، وذلك يقتضي القطع ~~والجزم بأنه ما كان إلها. # فهذه الكلمة، وهي قوله -تعالى-: {الحي القيوم} جامعة لجميع وجوه الدلائل ~~على بطلان قول النصارى بالتثليث. # وأما الأصل الثاني: وهو إثبات النبوة، فقد ذكر الله -تعالى- تقريره هاهنا ~~في غاية الحسن ونهاية الجودة، وذلك أنه قال: {أنزل عليك الكتاب} ، وهذا ~~يجري مجرى الدعوى، ثم إنه -تعالى- أتبع ذلك بأدلة تدل على صحتها. # PageV01P380 # الدليل الأول: # ما دل عليه قوله: {بالحق} ، وقد قال المفسرون فيه أقوالا، كلها مطابقة ~~لوصف القرآن دالة على المقصود. # فقيل: وصفه بقوله بالحق، لأنه يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في ~~العقائد والأعمال، ويمنعه عن سلوك طريق الباطل. # وقيل: لأنه قول فصل، وليس بالهزل. # وقيل: لأنه -تعالى- أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية وشكر ~~النعمة وإظهار الخضوع، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في ~~المعاملات، ولأنه أنزله يصدق بعضه بعضا، ولا يتناقض. كما قال -تعالى-: ~~{الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا} وقال: {ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} . # وهذا كله من صفات القرآن فدل على أنه من عند الله. # الدليل الثاني: # قوله تعالى: {مصدقا لما بين يديه} ، والمعنى أنه مصدق لكتب # PageV01P381 # الأنبياء -عليهم السلام- فيما أخبروا به عن الله -تعالى-، فدل على أنه من ~~عند الله من وجهين: # الأول الذي جاء به رجل أمي لم يقرأ شيئا من الكتب، ولا أخذ عن أحد من ~~العلماء، ومع ذلك جاءت أخباره مطابقة لأخبار الأنبياء فيما تضمنه من القصص، ~~ومن الخبر عن الله، وهذا برهان قاطع على أنه لم يعلم ذلك إلا بوحي من الله ~~-تعالى-. # الوجه الثاني: # أن الله -تعالى- لم يبعث نبيا قط إلا بدعوة إلى توحيده، والإيمان به، ~~وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح ~~كل زمان. # والقرآن جاء بهذه المطالب على أكمل الوجوه وأحسنها، فهو مصدق لتلك الكتب ~~في كل ذلك، فدل على أنه من عند الله. # الدليل الثالث: # قوله ms109 -تعالى-: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس} وتقرير الدلالة ~~أن يقال: وافقتمونا - أيها اليهود والنصارى - على أنه -تعالى- أنزل التوراة ~~والإنجيل كتابين إلهيين، وأنه -تعالى- قرن بإنزالهما المعجزة والدلالات ~~الدالة على الفرق بينهما وبين أقوال الكاذبين، فإنه لولا المعجزة لما حصل ~~الفرق بين قول المحق وقول المبطل. # PageV01P382 # التثليث بقوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} أتبع ذلك بإبطال شبههم. # فالشبهة الأولى - تتعلق بالعلم: # وهو أن المسيح -عليه السلام- كان يخبر بالغيوب، قالوا: فوجب أن يكون ~~إلها، فأجاب الله -تعالى- عنه بقوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ~~ولا في السماء} . # وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالما ببعض المغيبات أن يكون إلها، ~~لأن ذلك إنما كان بوحي من الله إليه وإطلاعه على ذلك دلالة على نبوته، لكن ~~عدم إحاطته ببعض المغيبات دليل قاطع على أنه ليس بإله، لأن الإله هو الذي ~~لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. # فإن الإله هو الذي يكون خالقا، والخالق لا بد أن يكون عالما بمخلوقه، وما ~~ذاك إلا الله وحده، كما قال -تعالى-: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير} ~~. # ومن المعلوم -بالضرورة- أن عيسى ما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات، ~~كيف والنصارى يزعمون أنه أظهر الجزع من الموت، فلو كان عالما بالغيب كله ~~لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله، وأنه يتأذى بذلك، ويتألم، وكان يفر منهم ~~قبل وصولهم، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالما بجميع المعلومات ~~والمغيبات. # PageV01P384 # والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات، فوجب القطع بأن عيسى ما ~~كان إلها. # الشبهة الثانية: # قالوا: لما ثبت أنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من ~~الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طيرا وجب أن يكون إلها. # فأجاب الله -تعالى- عنها بقوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء} ~~والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قول عيسى في بعض الأحوال لا يدل ~~على كونه إلها، لأنا نقول إن ذلك وقع بإذن الله -تعالى- معجزة دالة على ms110 ~~نبوته، لكن عجزه عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم إلهيته. # وذلك أن الإله هو الذي يكون قادرا على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة ~~من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى -عليه ~~السلام- ما كان قادرا على خلق الإحياء والإماتة على هذا الوجه. # كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين زعم النصارى أنهم أخذوه، وقتلوه، ~~فظهر أن حصول الإحياء والإماتة في بعض الصور على وفق قوله لا يدل على كونه ~~إلها # PageV01P385 # وأيضا فعيسى -عليه السلام- صور في الأرحام، وتقلب فيها كسنة الله في غيره ~~من ذرية آدم، فعلم أنه معلوم كسائر الخليقة، فبطل أن يكون إلها. # الشبهة الثالثة: # أن النصارى يقولون إنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من ~~البشر، فوجب أن يكون ابنا لله -تعالى عن قولهم علوا كبيرا-. # فأجاب الله -تعالى- عنها أيضا بقوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء} لأن هذا التصوير لما كان من الله -تعالى-: فإن شاء صوره من نطفة ~~الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب. كيف وقد خلق -تعالى- آدم من تراب ~~من غير أب ولا أم، فلما كان مقتدرا على ما شاء من التصوير بطل ما تعلقوا به ~~في ذلك. # الشبهة الرابعة: # أنه ورد في بعض الروايات أن أولئك النصارى قالوا للرسول -صلى الله عليه ~~وسلم-: ألست تقول: إن عيسى كلمة الله وروحه؟، فهذا يدل على أنه ابن الله، ~~وفي بعض الروايات: أنهم احتجوا على التثليث بقول الله -تعالى-: قضينا، ~~وأمرنا ونحوه. فأجاب الله # PageV01P386 # -تعالى- بقوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب ~~وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء ~~الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله} . # والمعنى -كما قال محمد بن إسحاق - {منه آيات محكمات} فيهن حجة الرب وعصمة ~~العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه {وأخر ~~متشابهات} لهن تصريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد، كما ابتلاهم في ms111 الحلال ~~والحرام أن لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق. # يقول الله -عز وجل-: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} أي: ميل عن الحق إلى ~~الهوى {فيتبعون ما تشابه منه} أي: ما تصرف ليصدقوا به ما ابتدعوا وأحدثوا ~~ليكون لهم حجة ولهم على ما قالوا شبهة {ابتغاء الفتنة} أي: اللبس {وابتغاء ~~تأويله} على ما ركبوا من الضلالة في قوله: خلقن وقضينا. يقول الله -تعالى-: ~~{وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ~~ربنا} فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد؟ !. # ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمات التي لا تأويل ~~لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق # PageV01P387 # بعضه بعضا، فنفذت به الحجة، وظهر به العذر، وانزاح به الباطل، ودمغ به ~~الكفر، يقول الله -تعالى-: {وما يذكر إلا أولو الألباب} . # وهذا الكلام من ابن إسحاق من أحسن ما قيل في الآية وأبينه. # وحاصل الجواب عن الشبهة أن النصارى تعلقوا بظاهر لفظ من القرآن يحتمل عدة ~~معان من الحقيقة والمجاز، فهو من المتشابه الذي يجب رده إلى المحكم الذي لا ~~يحتمل غير معناه الظاهر لكل أحد، فتعلقوا بقوله: {وكلمته ألقاها إلى مريم ~~وروح منه} ، وغفلوا عن قوله في عيسى: {إن هو إلا عبد أنعمنا عليه} ، وقوله: ~~{قال إني عبد الله} ، وقوله: {أن اعبدوا الله ربي وربكم} . # فأخبر الله -تعالى- أن ذلك لما في قلوبهم من الزيغ. # وهكذا من شابههم من هذه الأمة، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عائشة عن ~~النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه # PageV01P388 # الآية قال: «فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله ~~فاحذروهم» . هذا لفظ البخاري. # وقد كان الذين أنكروا الحلول والاتحاد من النصارى الذين يصدقون بلفظ الآب ~~والابن وروح القدس، وأن تلك العبارة مأخوذة عن إنجيل المسيح يقولون -مع ~~ذلك-: إن المسيح عبد مرسل كسائر الرسل، فوافقوهم على اللفظ، ولم يفسروا ذلك ~~بما يقوله منازعوهم من الحلول والاتحاد. # كما أن النسطورية يوافقونهم -أيضا- على ms112 هذا اللفظ، وينازعونهم في الاتحاد ~~الذي يقوله اليعقوبية والملكية. # فلما كانوا متفقين على اللفظ، متنازعين في معناه علم أنهم صدقوا باللفظ ~~أولا لأجل اعتقادهم مجيء الشرع، ثم تنازعوا بعد ذلك في تفسيره، كما يختلفون ~~هم وسائر أهل الملل في تفسير بعض الكلام الذي يعتقدون أنه منقول عن ~~الأنبياء -عليهم السلام-. # وكل ما صح عنهم أنهم قالوه فهو حق، لأنهم لا يقولون إلا الحق، ولا بد له ~~-إذا كان صحيحا عنهم- من معنى صحيح يوافق اللفظ المحكم الذي لا يحتمل غير ~~معناه الظاهر لكل أحد. # فظهر بما قرر من قوله: {الحي القيوم} إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس ~~بإله، ولا ابن للإله، وأن قوله: {لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء} ~~. # PageV01P389 # جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم، وقوله: {هو الذي يصوركم في الأرحام كيف ~~يشاء} جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة، وعن تمسكهم بأنه ما كان ~~له أب من البشر، فيجب أن يكون ابنا لله، وأن قوله: {هو الذي أنزل عليك ~~الكتاب منه آيات محكمات} الآية جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن من ~~الألفاظ المحتملة لعدة من المعاني. # ومن تأمل ما ذكرناه علم أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا ~~جواب إلا وقد اشتملت عليه هذه الآيات، فالحمد لله الذي أغنى عباده المؤمنين ~~بكتابه، وما أودعه من حججه، وبيناته عن شقائق المتكلمين، وهذيانات ~~المنهوكين، فلقد عظمت نعمة الله على عبد أغناه بفهم كتابه عن الفقر إلى ~~غيره: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة ~~وذكرى لقوم يؤمنون} ، {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك ~~رحمة إنك أنت الوهاب} . # ثم ذكر -تعالى- أنواعا من الحجج، وشرح قصة مريم وعيسى - # PageV01P390 # عليهما السلام - شرحا جليا متضمنا لأنواع من الأدلة على بطلان قول ~~النصارى بما لا يتسع هذا المختصر لشرحه إلى أن قال -تعالى-: {إن مثل عيسى ~~عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} ، وفي ms113 هذه الآية إبطال ~~شبهة النصارى في قولهم: لما لم يكن له أب من البشر وجب أن يكون أبوه هو ~~الله -تعالى -. # فبين -تعالى- أنه خلق آدم من تراب، ولم يكن له أب ولا أم، ولم يلزم من ~~ذلك أن يكون ابنا لله، فكذا القول في عيسى. # وأيضا فلما جاز أن يخلق الله آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من ~~دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في ~~رحم المرأة أقرب من تولده من التراب اليابس. # ولكن الرب - جل جلاله - أراد أن يظهر قدرته لخلقه في تنويع التخليق، ~~فيعلموا أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما. # وبعد أن بين -تعالى- أنواع الأدلة القاطعة في صدر السورة، وأجاب عن شبه ~~النصارى على أكمل الوجوه وأحسنها، وكان من أنصف وطلب الحق علم أن البيان قد ~~بلغ الغاية القصوى لا جرم، قال -تعالى- بعد ذلك -: {فمن حاجك فيه من بعد ما ~~جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا ~~وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} . # PageV01P391 # يعني فبعد هذه الدلائل الواضحة والجوابات اللائحة فاقطع الجواب معهم ~~وعاملهم بها بما يعامل به المعاند، وهو أن تدعوهم إلى الملاعنة، وقد فعل ~~رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعاهم إليها، فنكصوا، ورجعوا إلى الصلح، ~~وأقروا بالصغار، وبذلوا الجزية، كما تقدم في القصة. فكان ذلك دليلا على ~~نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم - من وجهين: # أحدهما: # أنه -عليه الصلاة والسلام- خوفهم بنزول العذاب. فلو لم يكن واثقا بذلك ~~لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه، لأنه بتقدير أن يرغبوا في المباهلة، ~~ثم لا ينزل العذاب يكون ذلك تكذيبا له. # ومعلوم أنه كان -صلى الله عليه وسلم- من أعقل الناس، بل هو أعقلهم على ~~الإطلاق، ولا يليق بالعاقل أن يعمل عملا يفضي إلى ظهور كذبه، فلما أصر على ~~ذلك علمنا أنه إنما أصر عليه لكونه واثقا بنزول العذاب عليهم لو فعلوا. # الثاني: # أن ms114 القوم تركوا المباهلة، وأعطوا الصغار من أنفسهم. فلولا أنهم علموا من ~~التوراة والإنجيل ما يدل على نبوته لما أحجموا عن مباهلته ورضوا لأنفسهم ~~بالذل والصغار، بل قد تقدم في القصة ما يدل صريحا على معرفتهم به، وأنه ~~النبي المبشر به في كتب الأنبياء. # PageV01P392 # فصل # ولا بأس بذكر ### | مناظرة حكاها بعض العلماء جرت بينه وبين بعض النصارى # ممن يدعي التحقيق والتعمق في مذهبه. # قال: قال لي النصراني: ما الدليل على نبوة محمد؟ # فقلت له: كما نقل إلينا ظهور الخوارق على يد موسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء نقل إلينا ظهور الخوارق على يد محمد -صلى الله عليه وسلم-[فإن ~~رددنا التواتر أو قبلناه، لكن قلنا: إن المعجزة لا تدل على الصدق فحينئذ ~~تبطل نبوة سائر الأنبياء، وإن اعترفنا بصحة التواتر، واعترفنا بدلالة ~~المعجزة على الصدق، ثم إنهما حاصلان في حق محمد -صلى الله عليه وسلم- وجب ~~الاعتراف قطعا بنبوته ضرورة أن عند الاستواء في الدليل لا بد من الاستواء ~~في حصول المدلول] . # فقال النصراني: # إني لا أقول في عيسى: إنه كان نبيا، بل أقول: كان إلها. # PageV01P393 # فقلت له: # هذا الذي تقوله باطل، لأن الإله هو واجب الوجود لذاته، وعيسى هو هذا ~~الشخص البشري الذي وجد بعد أن كان معدوما، قتل -على قولك- بعد أن كان حيا، ~~فكان أولا طفلا، ثم صار مترعرعا، ثم صار شابا، وكان يأكل ويشرب ويحدث وينام ~~ويستيقظ. # وقد تقرر في بداية العقول أن المحدث لا يكون قديما، والمحتاج لا يكون ~~غنيا، والممكن لا يكون واجبا، والمتغير لا يكون دائما. # هذا وجه. # والوجه الثاني: # في إبطال هذه المقالة: أنكم معترفون بأن اليهود أخذوه، وصلبوه، وتركوه ~~حيا على الخشبة، وفعلوا معه من الإهانة والأذى ما تدعونه، وأنه كان يحتال ~~في الهرب منهم وفي الاختفاء عنهم، وحين عاملوه بتلك المعاملات أظهر الجزع ~~الشديد. فلو كان إلها، أو كان الإله حالا فيه، أو كان جزءا من الإله حالا ~~فيه فلم لم يدفعهم عن نفسه؟ ولم يهلكهم بالكلية؟ وأي حاجة به إلى إظهار ~~الجزع والاحتيال في ms115 الفرار منهم؟. # الوجه الثالث: # وهو أنه إما أن يقال بأن الإله هو هذا الشخص الجسماني المشاهد، أو يقال ~~حل الإله بكليته فيه، أو حل بعض الإله وجزء منه فيه. # والأقسام الثلاثة باطلة: # PageV01P394 # أما الأول - فلأن إله العالم لو كان هو ذلك الجسم فحين قتلته اليهود كان ~~ذلك قولا بأن اليهود قتلوا إله العالم فكيف بقي العالم بعد ذلك بغير إله؟. # ثم إن أشد الناس ذلا ودناءة اليهود، فالإله الذي يقتله اليهود إله في ~~غاية العجز!. # وأما الثاني - وهو أن الإله بكليته حل في هذا الجسم - فهو -أيضا- فاسد، ~~لأن الإله إن لم يكن جسما ولا عرضا امتنع حلوله في الجسم. # وإن كان جسما فحينئذ يكون حلوله في الجسم عبارة عن اختلاط أجزائه بأجزاء ~~ذلك الجسم. وذلك يوجب وقوع التفرق في أجزاء ذلك الإله. # وإن كان عرضا كان محتاجا إلى غيره. وذلك محال في حق الإله. # وأما الثالث - وهو أنه حل فيه بعض من أبعاض الإله وجزء من أجزائه - فذلك ~~-أيضا- محال، لأن ذلك الجزء إن كان معتبرا في الإلهية فعند انفصاله عن ~~الإله وجب أن لا يبقى الإله إلها، وإن لم يكن معتبرا في تحقيق الإلهية لم ~~يكن جزءا من الإله. # فثبت فساد هذه الأقسام، فكان قول النصارى باطلا. # PageV01P395 # الوجه الرابع: # في بطلان قول النصارى ما ثبت بالتواتر أن عيسى -عليه السلام- كان عظيم ~~الرغبة في العبادة والطاعة لله -تعالى-. فلو كان إلها لاستحال ذلك، لأن ~~الإله لا يعبد نفسه. # فهذه وجوه في غاية الجلاء والظهور دالة على فساد قولهم. انتهى. # وبالجملة، فالأمر كما قال أبو عبد الله ابن القيم: إن دين الأمة الصليبية ~~بعد أن بعث الله محمدا -صلى الله عليه وسلم-، بل قبله بنحو من ثلاثمائة سنة ~~مبني على معاندة العقول والشرائع وتنقص إله العالمين ورميه بالعظائم، فكل ~~نصراني لا يأخذ بحظه من هذه البلية فليس بنصراني على الحقيقة. # أفليس هو الدين الذي أسسه أصحاب المجامع المتلاعنين على أن الواحد ثلاثة، ~~والثلاثة واحد؟ # فيا عجبا! كيف يرضى العاقل أن يكون هذا ms116 مبلغ علمه ومنتهى عقله؟ أترى لم ~~يكن في هذه الأمة من يرجع إلى عقله وفطرته، ويعلم أن هذا عين المحال، وإن ~~ضربوا له الأمثال، واستخرجوا له الأشباه، فلا يذكرون مثالا ولا شبها إلا ~~وفيه بيان خطئهم وضلالهم كتشبيه # PageV01P396 # بعضهم اتحاد اللاهوت بالناسوت، وامتزاجه به باتحاد النار والحديد، وتمثيل ~~بعضهم ذلك باختلاط الماء باللبن، وتشبيه آخرين ذلك بامتزاج الغذاء واختلاطه ~~بأعضاء البدن ... إلى غير ذلك من الأمثال والمقاييس التي تتضمن امتزاج ~~حقيقتين واختلاطهما حتى صارتا حقيقة أخرى، تعالى الله عن كذبهم وإفكهم. # ولم يقنعهم هذا القول في رب السماوات والأرض حتى اتفقوا بأسرهم على أن ~~اليهود أخذوه، وساقوه بينهم ذليلا مقهورا، وهو يحمل خشبته التي صلبوه ~~عليها، وأن اليهود يبصقون في وجهه، ويضربونه، ثم صلبوه، وطعنوه بالحربة حتى ~~مات، وتركوه مصلوبا حتى التصق شعره بجلده لما يبس دمه بحرارة الشمس، ثم ~~دفن، وأقام تحت التراب ثلاثة أيام، ثم قام بلاهوتيته من قبره. # هذا قول جميعهم ليس فيهم من ينكر منه شيئا فيا للعقول! كيف كان حال هذا ~~العالم الأعلى والأسفل في هذه الأيام الثلاثة؟ ومن كان يدبر السماوات ~~والأرض؟ ومن الذي خلف الرب -سبحانه- في هذه المدة، ومن كان الذي يمسك ~~السماء أن تقع على الأرض وهو مدفون في قبره؟. # ويا عجبا! هل دفنت الكلمة معه بعد أن قتلت وصلبت أم فارقته وخذلته أحوج ~~ما كان إلى نصرها له كما خذله أبوه وقومه؟، فإن # PageV01P397 # كانت فارقته وتجرد منها فليس هو حينئذ المسيح، وإنما هو كغيره من آحاد ~~الناس، وكيف يصح مفارقتها له بعد أن اتحدت به، ومازجت لحمه ودمه؟ ! وأين ~~ذهب الاتحاد والامتزاج؟، وإن كانت لم تفارقه وقتلت وصلبت ودفنت معه فكيف ~~وصل المخلوق إلى قتل الإله وصلبه ودفنه؟. # ويا عجبا! أي قبر يسع إله السماوات والأرض؟. # هذا وهو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، ~~سبحان الله عما يشركون!. # أعباد المسيح لنا سؤال ... نريد جوابه ممن وعاه # إذا مات الإله بفعل قوم ... أماتوه فما هذا الإله؟ # وهل أرضاه ما نالوه ms117 منه ... فبشراهم إذا نالوا رضاه # وإن سخط الذي فعلوه فيه ... فقوتهم إذا أوهت قواه # وهل بقي الوجود بلا إله ... سميع يستجيب لمن دعاه؟ # وهل خلت الطباق السبع لما ... ثوى تحت التراب وقد علاه # وهل خلت العوالم من إله ... يدبرها وقد شدت يداه؟ # وكيف تخلت الأملاك عنه ... بنصرهم وقد سمعوا بكاه؟ # وكيف أطاقت الأخشاب حمل ... إله الحق مشدودا قفاه؟ # PageV01P398 # وكيف دنا الحديد إليه حتى ... يخالطه ويلحقه أذاه؟ # وكيف تمكنت أيدي عداه ... وطالت حيث قد صفعوا قفاه؟ # وهل عاد المسيح إلى حياة ... أم المحيي له رب سواه؟ # ويا عجبا لقبر ضم ربا ... وأعجب منه بطن قد حواه! # أقام هناك تسعا من شهور ... لدى الظلمات من حيض غذاه # وشق الفرج مولودا صغيرا ... ضعيفا فاتحا للثدي فاه # ويأكل ثم يشرب ثم يأتي ... بلازم ذاك هل هذا إله؟ # تعالى الله عن إفك النصارى ... سيسأل كلهم عما افتراه # فيا عبد المسيح أفق فهذي ... بدايته وهذا منتهاه # PageV01P399 # فصل # وأما قول النصراني: # "وكان يشوع ذا صلاح تام في سيرته حتى لم يطعن في عرضه بشيء. # أما محمد فهو صاحب الغزاة والقتال، مغرما بالنساء، وكثير النكاح ". # فالجواب -وبالله التوفيق-: # أما عيسى -عليه السلام- فهو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح ~~منه، وهو أحد الخمسة أولي العزم من الرسل، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ~~وعيسى، ومحمد -صلى الله عليهم وسلم تسليما-. # وحاشا رسل الله وأنبيائه أن يطعن عليهم في أعراضهم بشيء، كيف وهم الذين ~~اصطفاهم الله لرسالاته، وجعلهم سفراء بينه وبين عباده، فاعتقاد المسلمين في ~~المسيح كغيره من الرسل هو ما جاء به نبيهم -صلى الله عليه وسلم-، وهو ~~إنزالهم المنزلة التي أنزلهم الله إياها، فلا يغلون غلو النصارى، ولا يجفون ~~جفاء اليهود. ف # كلا طرفي قصد الأمور ذميم # PageV01P401 # وأما فضائل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وصلاح سيرته وعظم أخلاقه ~~وزهادته في الدنيا وإعراضه عن زهرتها فقد قدمنا إشارة يسيرة إلى ذلك، وهو ~~غيض من فيض، ونقطة من بحر، لأنا قد بنينا كتابنا هذا على الاختصار، ~~والتنبيه على مقاصده ms118 بأدنى إشارة، فلو تتبعت فضائله، وفصلت شمائله، وشرحت ~~أخلاقه لكان ذلك في مجلدات كثيرة -فصلى الله وملائكته وأنبياؤه ورسله ~~وعباده المؤمنون عليه دائما إلى يوم الدين وأبد الآبدين-. # وقوله: "فهو صاحب الغزاة ... " إلى آخره. # جوابه: أما النكاح ومحبة النساء فقد قدمنا فيها ما يكفي، وبينا أن ذلك من ~~الفضائل لا من الرذائل، ومن المناقب لا من المثالب، وأنه من سنن الأنبياء ~~والمرسلين، ومن طريق عباد الله الصالحين، فلا يتأتى الطعن بالنكاح وملابسة ~~النساء إلا بتنقص الأنبياء والمرسلين كنوح، وإبراهيم، وإسماعيل، وإسحاق، ~~ويعقوب، وموسى، وهارون، وداود، وسليمان، وغيرهم من أنبياء الله ورسله، وكفى ~~بذلك عماية قلب وسخافة عقل وسمة ضلالة وقبيح جهالة. # PageV01P402 # وأما اعتراضه بالغزو والقتال فهو اعتراض باطل من وجوه: # الأول: # أن الغزو والقتال للأعداء فضيلة متنافس فيها على الجملة، دالة على شرف ~~النفس، وعلو الهمة، ولم يزل التمادح به مشهورا في القديم والحديث. # وإنما يذم ما كان منه ظلما وعدوانا، وليس كذلك قتال نبينا -صلى الله عليه ~~وسلم - لما نبينه في الوجه الثاني. # وهو أن قتاله -صلى الله عليه وسلم- إنما هو عن أمر الله -تعالى- وشرعه ~~لإقامة دين لله وإبطال عبادة من سواه من الأنداد والأصنام. # وهذا من أعظم الفضائل، وأكبر المناقب، وأرفع الرتب، وهو قتال الأنبياء ~~وأتباعهم، ولنبينا -صلى الله عليه وسلم- وأتباعه من هذه الفضيلة أوفر حظ، ~~وأكمل نصيب. # الوجه الثالث: # أن قتاله -صلى الله عليه وسلم- من أعلام نبوته، وأدلة رسالته، لأنه مطابق ~~لما جاء من نعته في كتب الأنبياء - عليهم السلام - كما قدمنا من نص الزبور ~~في قوله: # (تقلد - أيها الجبار - بالسيف، فإن شريعتك وسنتك مقرونة بهيبة يمينك ~~وسهامك مسنونة) . # PageV01P403 # وفي النص الآخر في صفته -صلى الله عليه وسلم-، وصفة أمته: (بأيديهم سيوف ~~ذات شفرتين) . # إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على أنه يبعث بالسيف والقتال. # وتقدم في قصة ابن الهيبان الحبر في وصيته لليهود باتباعهم محمدا -صلى ~~الله عليه وسلم- قوله: (لا تسبقن عليه يا معشر اليهود، فإنه يبعث بسفك ~~الدماء، وبسبي الذراري والنساء ممن خالفه، فلا يمنعكم ms119 ذلك منه) . # الوجه الرابع: # أن القتال ليس مختصا بشريعته - صلى الله عليه وسلم -، فقد قاتل كثير من ~~الأنبياء -عليه السلام- بإذن الله لهم في ذلك وأمره، وقد أمر الله بني ~~إسرائيل بقتال الجبارين، ودخول الأرض المقدسة مع موسى -عليه السلام-. فلما ~~عصوا أمر الله عاقبهم بالتيه أربعين سنة، وبعد خروجهم منه توجهوا لقتال ~~الجبارين مع يوشع بن نون -عليه السلام-، ففتح الله عليهم، ولم يزل الجهاد ~~والقتال مشهورا في بني إسرائيل، ومعهم الأنبياء، كما قال الله -تعالى-: # PageV01P404 # {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله ~~وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين} . # وأما كون القتال غير مشروع لعيسى -عليه السلام- فذلك لا يدل على أن تركه ~~أفضل مطلقا، بل هذا من اختلاف الشرائع، كما قال -تعالى-: {لكل جعلنا منكم ~~شرعة ومنهاجا} . # الوجه الخامس: # أن في الجهاد من المصالح العظيمة، والحكم الباهرة فيما يتعلق بأمر الدنيا ~~والآخرة ما لا يحصى: # فمنها ما يترتب عليه من إعلاء كلمة الله، وإقامة دينه، وعزة أنصاره، ~~وإنفاذ أحكامه، وقد حصل به من ذلك على يد محمد -صلى الله عليه وسلم- ~~وأصحابه وأتباعه ما شتت شمل الكفر وفرق كلمة الإشراك، وأرغم أنف الشيطان ~~اللعين. # ومنها: إنقاذ الهالكين في الكفر، والضلالة، وعبادة الأصنام، والأنداد، ~~وإخراجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن طريق النار إلى سبيل الجنان، ~~ومن رق الشيطان إلى عبادة الرحمن. # وقد أنقذ بهذه الأمة، وجهادها من شاء الله من الأمم الهالكين. # PageV01P405 # وفي هذا المعنى ما رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ~~في قول الله -تعالى-: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} قال: خير الناس للناس ~~تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم، حتى يدخلوا في الإسلام. # ومنها ابتلاء الله -تعالى- عباده، واختبارهم بتكليفهم القتال، وبذلهم - ~~في طاعته - النفوس والأموال، كما قال تعالى: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ~~منكم والصابرين ونبلو أخباركم} وقال -تعالى-: {ولو يشاء الله لانتصر منهم ~~ولكن ليبلو بعضكم ببعض} ، وقال -تعالى-: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ~~وأنزلنا معهم الكتاب ms120 والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس ~~شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز} . # ومنها ما يترتب على ذلك من عظيم المثوبات ورفعة الدرجات بما بذلوا من ~~مهجهم وأموالهم في طاعة الله ونصرة دينه، فالمجاهدون أرفع الناس درجة في ~~الدنيا والآخرة. # PageV01P406 # الوجه السادس: # أنه إذا كان قتاله -صلى الله عليه وسلم- عن أمر الله لثبوت رسالته، ~~فالاعتراض عليه في شيء من أمره اعتراض على الله، لأنه الذي شرع وأمر. # وهذا نظير اعتراض من يعترض من المكذبين للرسل على ذبح الحيوان للأكل بأن ~~هذا تعذيب للحيوان لا يأذن الله فيه. # وإذا كانت شرائع الأنبياء جاءت بذبح بعض الحيوانات للأكل وقتل بعضها دفعا ~~للأذى، مع أنه لا تكليف عليها ولا ذنب لها، فكيف يكون الأمر في قتال أعداء ~~الله الكافرين به المكذبين رسله العابدين معه آلهة أخرى؟. لا جرم أن قتالهم ~~وغزوهم وجهادهم حتى يؤمنوا بالله، ويتابعوا رسوله لفي غاية الصلاح ونهاية ~~السداد وتمام الحكمة. # وبالجملة، ففضائل الجهاد في سبيل الله أكثر من أن يأتي عليها الوصف، وما ~~كان هذا شأنه فلا شك أن المتصف به قد حاز فضلا عظيما، واقتنى خيرا كثيرا، ~~وأن مشروعيته في هذه الملة من محاسنها ومحاسن من جاء بها، وفضائل أتباعه ~~الذين هم خير أمة أخرجت للناس. # PageV01P407 # فصل # وأما قول النصراني: # " وكان يشوع قد ارتفع إلى السماء، وأما محمد فهو بقي محبوسا في القبر ". # فجوابه أن الله -تعالى- خص من شاء من رسله بما شاء من الخصائص، وخص نبينا ~~محمدا -صلى الله عليه وسلم- بخصائص كثيرة لم يشاركه فيها أحد من الأنبياء، ~~وشارك الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - في خصائص كثيرة. بل قال بعض ~~العلماء: " إنه ما خص نبي بشيء إلا كان لنبينا -صلى الله عليه وسلم- مثله ~~زيادة ما اختص به عن جميعهم ". # وقد بسط العلماء ذلك بما يبين للمتأمل صحته، ولسنا بصدد تفصيل ذلك خوف ~~الإطالة، فمن ذلك ما ذكر من رفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء، فإن نبينا ~~-صلى الله عليه وسلم- قد أعطى ms121 ذلك ليلة المعراج إلى السماوات، وزاد في ~~الترقي لمزيد الدرجات، وحظي بسماع المناجات، ومشاهدة الكبرى من الآيات، ~~والوصول إلى # PageV01P409 # ذلك المقام الذي سمع فيه صريف الأقلام، وفرضت عليه هناك الصلوات، وخلعت ~~عليه خلع الكرامات. # وهذه فضيلة لم تجئ لأحد من الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-. وأيضا فلو ~~لم تجئ هذه الفضيلة لنبينا -صلى الله عليه وسلم- لم يكن عدمها دالا على ~~تفضيل عيسى -عليه السلام- عليه، لأن لنبينا -صلى الله عليه وسلم- من ~~الفضائل والخصائص ما هو مقتضى سيادته لولد آدم، فتخصيص المفضول بخصيصة ليست ~~للفاضل أمر معلوم، كما خص داود -عليه السلام- بإلانة الحديد، وتأويب الجبال ~~والطير معه، وسليمان بتسخير الجن والشياطين، وتسخير الريح، غدوها شهر، ~~ورواحها شهر، والملك الذي لا ينبغي لأحد من بعده، وكرفع إدريس -عليه ~~السلام- إلى السماء. وأمثال ذلك، وكل هذا لا يدل على تفضيل هؤلاء الأنبياء ~~-عليهم السلام- على الخمسة أولي العزم الذين هم أفضل الرسل، وإن لم تكن لهم ~~تلك الخصائص، فإن الذي أوتوه من الفضائل والخصائص من وجوه أخر أعظم وأفضل. # وقد روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال: «وأعطيت خمسا لم يعطهن أحد من قبلي، كان كل نبي يبعث إلى ~~قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد من ~~قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدا» # PageV01P410 # «وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان، ونصرت بالرعب ~~مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة» ... أخرجه البخاري وغيره. وفي رواية: ... ~~«وبعثت إلى الناس كافة» . # وليس المراد حصر خصائصه -صلى الله عليه وسلم - في هذه الخمس المذكورة، ~~فقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه ~~قال: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وجعلت لي ~~الأرض مسجدا وطهورا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون» . فذكر الخمس ~~المذكورة في حديث جابر، وزاد خصلتين، وهما: «أعطيت جوامع الكلم، وختم بي ~~النبيون» . # وله -صلى الله عليه وسلم- من مشاهير الخصائص غير هذا كتخصيص أمته بوضع ~~الآصار، وحط ms122 الأثقال التي كانت على من قبلهم، ورفع تحميلهم ما لا يطاق، ~~ورفع الخطأ والنسيان عنهم، وتسميته -صلى الله عليه وسلم- أحمد، وإعطائه ~~مفاتيح خزائن الأرض، وجعل أمته خير الأمم، وغفران ذنبه ما تقدم وما تأخر، ~~وبقاء معجزة القرآن الذي أنزل عليه إلى يوم القيامة، وإعطائه الكوثر، ~~وإعطائه لواء الحمد يوم القيامة، وأن آدم ومن دونه تحت لوائه. # PageV01P411 # وبعض العلماء عد خصائصه ستين خصلة، وليس غرضنا استقصاء ذلك؛ فاكتفينا ~~بالتنبيه عليه ردا لكلام المبطل، ونقضا لاعتراضه، وطريق إثبات هذه الخصائص ~~هو طريق إثبات المعجزات كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-. # PageV01P412 # فصل # وأما قول النصراني: # " فمن ذا الذي لا ينظر أيهما أولى أن يتبع ". # فالجواب: # أن من نظر لنفسه، ونصحها، ونظر بعين البصيرة والعقل الصحيح - في دلائل ~~نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- وكثرة فضائله وظهور معجزاته، وشواهد نبوته، ~~وشهادة الله له بالصدق، بما أيده به من عظيم الآيات - لا يعتريه شك، ولا ~~يخالجه ريب، ولا يقف أدنى وقفة في وجوب اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، ~~والدخول في دينه، والسلوك على منهاجه، وذلك هو حقيقة اتباع المسيح -عليه ~~السلام-، والإيمان به، لأنه بشر به، وعهد إلى اتباعه بالإيمان به ونصرته، ~~كما أخذ الميثاق بذلك على النبيين، كما قال تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق ~~النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ~~ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا ~~معكم من الشاهدين فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون} . # PageV01P413 # قال علي بن أبي طالب، وابن عمه عبد الله بن العباس: " ما بعث الله نبيا ~~من الأنبياء إلا أخذ الله عليه الميثاق: لئن بعث محمدا وهو حي ليؤمنن به، ~~ولينصرنه ". # وأيضا فالنظر في أيهما أولى أن يتبع فاسد بعد ظهور دلائل نبوة محمد -صلى ~~الله عليه وسلم- ظهورا أظهر من شمس الظهيرة. # وقد دعا الناس جميعا إلى اتباعه، وأخبر أنه رسول الله إليهم جميعا، وأن ~~شرائع الأنبياء منسوخة بشرعه، وأن من سمع به من هذه الأمة ms123 يهودي أو نصراني ~~ثم لم يؤمن به فهو من أهل النار. # وقد قال الله -تعالى-: {وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا} فأجيبوا عن ~~هذه الدعوى بقوله: {قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} وهذا ~~الجواب مع اختصاره قد تضمن المنع والمعارضة: # أما المنع فما تضمنه حرف " بل " من الإضراب، أي: ليس الأمر كما قالوا. # وأما المعارضة ففي قوله: {ملة إبراهيم حنيفا} ، أي: نتبع أو اتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا. # PageV01P414 # وفي ضمن هذه المعارضة إقامة الحجة على أنها أولى بالصواب مما دعوتم إليه ~~من اليهودية أو النصرانية، لأن وصف صاحب الملة بأنه حنيف غير مشرك، ومن ~~كانت ملته الحنيفية والتوحيد فهو أولى بأن يتبع ممن ملته اليهودية أو ~~النصرانية، فإن الحنيفية والتوحيد دين جميع الرسل الذي لا يقبل الله من أحد ~~دينا سواه، وهو الفطرة التي فطر الله عليها عباده، فمن كان عليها فهو ~~المهتدي لا من كان يهوديا أو نصرانيا، فإن الحنيفية تتضمن الإقبال على الله ~~بالعبادة، والإجلال، والتعظيم، والمحبة، والذل. والتوحيد يتضمن إفراده بهذا ~~الإقبال دون غيره، فيعبد وحده، ويحب وحده، ويطاع وحده، ولا يجعل معه إله ~~آخر، فمن أولى بالهداية؟ صاحب هذه الملة أو ملة اليهودية والنصرانية؟ ولم ~~يبق بعد هذا للخصوم إلا أن يقولوا: فنحن على ملته -أيضا- لم نخرج عنها، ~~وإبراهيم وبنوه كانوا هودا أو نصارى. فأجيبوا عن هذا السؤال بأنهم كاذبون ~~فيه، وأن الله -تعالى- قد علم أنه لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، فقال: {أم ~~تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل ~~أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل ~~عما تعملون} . # وقرر -تعالى- هذا الجواب في سورة آل عمران في قوله: {ما كان إبراهيم ~~يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} ~~. # PageV01P415 # أو أن يقولوا: نحن وإن انتحلنا هذا الاسم فنحن على ملته، فأجيبوا عن هذا ~~بقوله: {قولوا ms124 آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا ~~نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} ، فهذه للمؤمنين. # ثم قال -تعالى-: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا} أي: فإن أتوا ~~من الإيمان بمثل ما أتيتم به فهم على ملة إبراهيم، وهم مهتدون، وإن لم ~~يأتوا بإيمان مثل إيمانكم فليسوا من إبراهيم وملته في شيء، وإنما هم في ~~شقاق وعداوة، لأن ملة إبراهيم الإيمان بالله وكتبه ورسله، وألا يفرق بين ~~أحد منهم، فيؤمن ببعضهم، ويكفر ببعضهم، فإذا لم يأت بهذا الإيمان فهم ~~بريئون من ملة إبراهيم مشاقون لمن هو على ملته. # ثم قال: {فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم} ، فهذا من أعلام نبوته -صلى ~~الله عليه وسلم -، فإنه أخبر بكفاية الله له شقاق اليهود والنصارى ~~وعداوتهم، فوقع كما أخبر، ومكنه الله من ديارهم وأموالهم حتى صاروا أذلاء ~~تحت أمره وأمر أتباعه، فلله الحمد كما هو أهله. # PageV01P416 # فصل # قال النصراني: # " ولنقيس أيضا أفعال كل منهما، فإن يشوع قد أبرأ الأكمه والأبرص، وأنهض ~~المقعدين، وأحيا الموتى، وأما محمد فهو لم يأت بالمعجزات، بل بالسيف، ولكن ~~نقلت عنه المعجزات - أيضا - ولكنها أي معجزات، وإنما كانت إما مما أمكن ~~فعله بحيلة مما تقوم به القوة البشرية، أو مما لم يكن عليه شهود، أو من ~~المحال، يستفظعه العقل، مثل: ما حكي عن انشقاق القمر، وهي كلها على حالة لا ~~يعتمد عليها. # وإذ قد أشكل الأمر فالواجب أن يفزع إلى الشريعة التي شهاداتها المدلة على ~~أنها مرضاة لله أقوى في باب اليقين ". # الجواب - وبالله نستعين -: # ليس الأمر مشكلا، بل هو بحمد الله واضح جلي، ودلائل نبوة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ومعجزاته، وشواهد رسالته أظهر من كل دلالة وأوضح من كل معجزة، ~~وأكثر من كل شاهد اقترن برسالة غيره من المرسلين. # PageV02P419 # فقول النصراني: " إنه لم يأت بالمعجزات " جحد عناد اقتضاه الكفر واتباع ~~الهوى، وإلا فقد علموا أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى ms125 بالمعجزات، والأدلة ~~القاطعات التي لا عذر لأحد في الإعراض بعدها، هذا ما يجدونه مكتوبا عندهم ~~من صفته في التوراة، والإنجيل ... {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا ~~منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون} . # ثم هذا النصراني حين أنكر الحق والرسالة بقي في الحيرة والضلالة، وزعم أن ~~الأمر مشكل، فصار منتهى قصده، ونهاية رشده أن وقف حيران في ظلمة الإشكال، ~~وسقط في هوة الجهالة والضلال. ### | .... # {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين} . # وأهل الأرض كلهم في ظلمات الجهل والغي إلا من أشرق عليه نور النبوة، كما ~~في مسند الإمام أحمد وغيره من حديث ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال:. # " «إن الله خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك ~~النور شيء اهتدى، ومن أخطأه ضل» ". # PageV02P420 # فلهذا أقول: جف القلم على علم الله. ولذلك بعث الله رسله ليخرجوا الناس ~~من الظلمات إلى النور، فمن أجابهم خرج إلى الفضاء والنور، ومن لم يجبهم بقي ~~في الضيق والظلمة التي خلق فيها، وهي: ظلمة الطبع، وظلمة الجهل، وظلمة ~~الهوى، وظلمة الغفلة عن نفسه وكمالها وما تسعد به في معاشها ومعادها، فهذه ~~كلها ظلمات خلق فيها العبد، فبعث الله رسله لإخراجه منها إلى نور العلم، ~~والمعرفة، والإيمان، والهدى الذي لا سعادة للنفس - ألبتة - إلا به. # فمن أخطأه هذا النور أخطأه حظه، وكماله، وسعادته، وصار يتقلب في ظلمات ~~بعضها فوق بعض: ... {ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور} . # واعلم أن الله - تعالى - أيد الأنبياء بالمعجزات دلالة على صدقهم في دعوى ~~الرسالة، فيجب تصديقهم في جميع ما جاؤوا به، لأن المعجزة مع التحدي من ~~النبي قائم مقام قول الله - تعالى -: صدق عبدي فأطيعوه، واتبعوه، وشاهد على ~~صدقه فيما يقوله. # ولما كان كلامنا مع من يثبت معجزات الأنبياء، وأنها تدل على صدقهم ~~اكتفينا بهذه الإشارة في هذا المقام. # PageV02P421 # وليست أدلة الرسالة منحصرة في المعجزة، بل لها أدلة كثيرة، يعرف بها صدق ~~الرسول غير المعجزات، كما سيأتي إيضاحه، إن ms126 شاء الله تعالى. # واعلم أن المعجزة على قسمين: # قسم هو من نوع قدرة البشر، فعجزوا عنه، فتعجيزهم عنه فعل الله دال على ~~صدق نبيه، كصرفهم عن تمني الموت، وتعجيزهم عن الإتيان بمثل القرآن على قول ~~من قال بالصرفة، وهو قول مرجوح - كما سيأتي - أن القرآن في نفسه معجز لا ~~يستطيعه البشر. # وقسم هو خارج عن قدرتهم، فلم يقدروا على الإتيان بمثله، كإحياء الموتى، ~~وقلب العصا حية، وإخراج ناقة من صخرة، وكلام شجرة ونبع الماء من بين ~~الأصابع، وانشقاق القمر ... مما لا يمكن أن يفعله أحد إلا الله تعالى. # وكانت معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته وبراهين صدقه من ~~هذين النوعين معا، سوى ما اقترن بهما من أدلة أخر. # PageV02P422 # وبالجملة، فمعجزاته وأدلة رسالته لا يحيط بها ضبط، فإن القرآن - وهو ~~معجزة من معجزاته - قد احتوى من الإعجاز على ما لا يحصى كثرة، حتى بلغها ~~العلماء إلى ألوف كثيرة. # قالوا: وأقصر السور: {إنا أعطيناك الكوثر} فكل آية أو آيات منه بعددها ~~وقدرها معجزة، ثم فيها نفسها معجزات، وقد فصلوا ذلك وبينوه. # PageV02P423 # فصل # ومعجزة القرآن هي المعجزة العظيمة، والآية الباقية ما بقيت الدنيا، ولا ~~يشك الموافق والمخالف في مجيء محمد - صلى الله عليه وسلم - به وظهوره من ~~قبله، وإن أنكر هذا معاند جاحد فهو كإنكار وجود محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- في الدنيا. # وإنما جاء اعتراض الجاحدين في إعجازه وظهور الحجة به. # ومن المعلوم بالضرورة أنه - صلى الله عليه وسلم - تحدى العرب بما فيه من ~~الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته، وأن يأتوا بسورة من مثله، فعجزوا عن معارضته، ~~وأحجموا عن مساجلته، وهم - كما قال بعض العلماء في وصفهم - كانوا أرباب هذا ~~الشأن، وفرسان الكلام، قد خصوا من البلاغة والحكم ما لا يخص به غيرهم من ~~الأمم، وأوتوا من ذرابة اللسان ما لم يؤت إنسان، يأتون من ذلك على البديهة ~~بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بدهيا في المقامات، وشدة الخطب، ~~ويرتجزون به بين الطعن والضرب، ويمدحون، ويقدحون، ويتوسلون، ويتوصلون، ~~ويرفعون، ويضعون، ms127 فيأتون من ذلك بالسحر الحلال، ويطوقون من أوصافهم أجمل ~~سمط اللآل، # PageV02P425 # فيخدعون الألباب، ويذللون الصعاب، لا يشكون أن الكلام طوع مرادهم، ~~والبلاغة ملك قيادهم، قد حووا فنونها، واستنبطوا عيونها. # فما راعهم إلا رسول كريم بكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من ~~خلفه تنزيل من حكيم حميد، أحكمت آياته، وفصلت كلماته، وبهرت بلاغته العقول، ~~وظهرت فصاحته على كل مقول. وهم أفسح ما كانوا في هذا الباب مجالا، وأشهر في ~~الخطابة رجالا، صارخا بهم في كل حين، ومقرعا لهم بضعة وعشرين عاما على رؤوس ~~الملأ أجمعين: {أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من ~~دون الله إن كنتم صادقين} . # {وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا ~~شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} ... . # {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} . # ... {قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن ~~كنتم صادقين} . # فلم يزل - صلى الله عليه وسلم - يقرعهم أشد التقريع، ويوبخهم غاية ~~التوبيخ، ويسفه أحلامهم، ويحط أعلاهم، ويشتت نظامهم، # PageV02P426 # ويذم آلهتهم وآباءهم، ويستبيح أرضهم وديارهم وأموالهم، وهم في كل هذا ~~ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، مخادعون أنفسهم بالتشغيب بالتكذيب ~~والاغتراء بالافتراء. # وقولهم: ... {إن هذا إلا سحر يؤثر} و ... {سحر مستمر} و ... {إفك افتراه} ~~... و {أساطير الأولين} ... . # والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم: ... {قلوبنا غلف} ... ، و ... {في ~~أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب} ... . و ... ~~{لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون} . # والادعاء مع العجز بقولهم ... {لو نشاء لقلنا مثل هذا} ... . وقد قال ~~الله: ... {ولن تفعلوا} ... . فما فعلوا، وما قدروا، # PageV02P427 # ومن تعاطى ذلك من سخفائهم كمسيلمة، كشف عواره لجميعهم، وسلبهم الله ما ~~ألفوه من فصيح كلامهم، وإلا فلم يخف على أهل الميز منهم أنه ليس من نمط ~~فصاحتهم ولا جنس بلاغتهم. انتهى ملخصا. # وقد جاء في ms128 الأخبار من اعتراف عقلائهم وفصحائهم بالعجز عن معارضته عند ~~سماعه جمل كثيرة. # «ففي قصة عتبة بن ربيعة حين قرأ عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -: حم. ~~فصلت، ورجع عتبة إلى قريش، وقال لهم: # " إني - والله - قد سمعت قولا، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو ~~بالشعر، ولا السحر، ولا الكهانة. # يا معشر قريش، أطيعوني، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ~~ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، أجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ~~ولا كهانة، إنه قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم» # PageV02P428 # « {حم تنزيل من الرحمن الرحيم} ، حتى بلغ: {فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود} ، فأمسكت، وناشدته الرحم أن يكف. # وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب، فخفت أن ينزل عليكم العذاب» ". ~~رواه البيهقي وغيره في خبر طويل. # وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسا، فقال: # " والله ما سمعت بأشر من أخي أنيس، لقد ناقض اثني عشر شاعرا في الجاهلية، ~~أنا أحدهم، وأنه انطلق إلى مكة، وجاء إلى أبي ذر بخبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. قال: قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون: شاعر، كاهن، ساحر. ~~لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر فلم يلتئم، ~~ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون ". رواه ~~مسلم والبيهقي. # PageV02P429 # «وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة - وكان زعيم قريش في الفصاحة - أنه ~~قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اقرأ علي. فقرأ عليه: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون} . قال: أعد. فأعاد - صلى الله عليه وسلم - فقال: " والله إن ~~له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وما يقول ~~هذا بشر ". # ثم قال لقومه: " والله، ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني ولا بأشعار الجن، ~~والله ما يشبه الذي يقول شيئا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، ~~وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، ms129 مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى» ". # وفي خبره الآخر حين جمع قريشا عند حضور الموسم، وقال: إن وفود العرب ترد ~~فأجمعوا فيه رأيا لا يكذب بعضكم بعضا. فقالوا: نقول: كاهن. فقال: والله ما ~~هو بزمزمته # PageV02P430 # ولا سجعه. قالوا: فنقول: مجنون. قال: والله ما هو بمجنون، ولا بخنقه، ولا ~~بوسوسته. قالوا: فنقول: شاعر. قال: ما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله، رجزه ~~وهزجه، وقريضه، ومبسوطه، ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول: ساحر. قال: ~~ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده. قالوا: فما نقول؟ قال: ما أنتم قائلون من ~~هذا شيئا إلا وأنا أعرف أنه باطل ... إلى آخر القصة. رواه ابن إسحاق ~~والبيهقي. # وما أحسن ما قيل: إن هذا القرآن لو وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض، ~~ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السليمة أنه منزل من عند الله، وأن ~~االبشر لا قدرة لهم على تاليف ذلك. فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق، ~~وأبرهم، وأتقاهم، وقال: إنه كلام الله، وتحدى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من ~~مثله، فعجزوا؟ فكيف يبقى مع هذا شك؟ !. # PageV02P431 # واعلم أن وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة، وبينها بعض العلماء بما حاصله ~~أنه ينحصر مقصود إعجازه في أمور أربعة، وعدها بعضهم أكثر من ذلك، وهو يرجع ~~إلى ما قلناه. # الأول: # ما فيه من الإيجاز والبلاغة وحسن التركيب، بحيث وصل في كل منها إلى ~~الرتبة العليا لفظا ومعنى، ولهذا اعترف عقلاؤهم وفصحاؤهم أنه لا يقوله بشر. ~~وذكر أبو عبيد أن أعرابيا سمع رجلا يقرأ: {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين} فسجد، وقال: سجدت لفصاحته. # وسمع آخر رجلا يقررأ: {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا} ... ، فقال: أشهد ~~أن مخلوقا لا يقدر على مثل هذا الكلام. # والأخبار عنهم بمثل هذا كثيرة. # ولما سمع نصراني قوله - تعالى -: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه ~~فأولئك هم الفائزون} . قال: جمعت هذه الآية ما أنزل # PageV02P432 # على عيسى من أمر الدنيا والآخرة. # ولقد رام بعض سخفاء العقول محاكاة بعض قصار المفصل، فأتى من ms130 الهذيان ~~بالعجب العجاب، كقول مسيلمة الكذاب اللعين: " يا ضفدع كم تنقين، أعلاك في ~~الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين ". فلما سمع ~~أبو بكر الصديق هذا الكلام قال: " إنه كلام لم يخرج من إل ". قيل: " الإل " ~~بالكسر هو الله - تعالى - وقيل: " الإل " بالأصل: الجيد. أي لم يجئ من ~~الأصل الذي جاء منه القرآن. # ولما سمع مسيلمة والنازعات قال: " والزارعات زرعا، والحاصدات حصدا، ~~والذاريات قمحا، والطاحنات طحنا، والخابزات خبزا، # PageV02P433 # والثاردات ثردا، واللاقمات لقما، لقد فضلتم علي أهل الوبر، وما سبقكم أهل ~~المدر ". # وقال معارضا لسورة الكوثر: " إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وجاهر، إن ~~مبغضك رجل كافر ". # وكقول الآخر: " ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج منها نسمة تسعى، من بين ~~شراسيف وحشا ". # وقال آخر: " الفيل وما الفيل وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، وشفر ~~طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل ". # وهذا كلام فيه من السخافة ما لا خفاء به على من لا يعلم، فضلا عمن يعلم. # ثم جاء جماعة من المتأخرين ممن انتهت إليهم الرياسة في الفصاحة، # PageV02P434 # فتعرضوا لمعارضته، كابن المقفع والمعري والمتنبي، ونظراء لهم، فلم يأتوا ~~إلا بما تمجه الأسماع، وتنبو عنه الطباع، ونادى عليهم بالخزي والانقطاع، ~~وصيرهم مثلة وسخرية وضحكة إلى أن تاب أكثرهم، وأظهر ندمه ونسكه. # والثاني: # أنه مع كونه من جنس كلام العرب قد جاء في نظمه وأسلوبه مخالفا لسائر ~~فنونه من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع؛ فحير عقولهم، حتى لم ~~يهتدوا إلى مثل شيء منه؛ إذ لا مثال له يحتذى عليه، ولا إمام يرجع عند ~~الاشتباه إليه، وقد حكي عن غير واحد ممن تصدى لمعارضته أنه اعترته روعة ~~وهيبة كفته عن ذلك. # كما حكي عن يحيى بن حكم الغزال - وكان بليغ الأندلس في زمانه - أنه قد ~~رام شيئا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو # PageV02P435 # على مثالها، وينسج بزعمه على منوالها، فاعترته منه خشية حملته على التوبة ~~والإنابة. # وحكي أيضا أن ابن المقفع - وكان أفصح أهل زمانه - طلب ذلك ورامه، ms131 ونظم ~~كلاما، وجعله مفصلا، وسماه سورا، فاجتاز يوما بصبي يقرأ في مكتب: {وقيل ~~ياأرض ابلعي ماءك ويا سماء أقلعي وغيض الماء وقضي الأمر واستوت على الجودي ~~وقيل بعدا للقوم الظالمين} . # فرجع، ومحا ما عمل، وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدا، وما هو من كلام ~~البشر. # الثالث: # تأثيره في النفوس والقلوب، بحيث تجد من اللذة والحلاوة عند سماعه ما لا ~~تجد عند سماع غيره، ولذلك كان قارئه لا يمله، وسامعه لا يمجه، بل الإكباب ~~على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة. # PageV02P436 # قال القاضي عياض: # وأما غيره من الكلام - ولو بلغ من الحسن والبلاغة ما بلغ - يمل مع ~~الترديد، ويعادى إذا عيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات، ويؤنس بتلاوته في ~~الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك حتى أحدث لها أصحابها لحونا ~~وطرقا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها. # ولهذا وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - القرآن: بأنه " «لا يخلق على ~~كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل وليس بالهزل، لا ~~تشبع منه العلماء، ولا تزيغ به الأهواء» ". # الرابع: # ما فيه من الإحاطة بعلوم الأولين والآخرين، والإخبار بالغيوب الماضية ~~والآتية، وجمعه لعلوم كثيرة لم تتعاط العرب الكلام فيها، # PageV02P437 # ففيه من الإخبار بالغيوب الآتية شيء كثير، فوقع على ما أخبر كقوله: ... ~~{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ... . وقوله: ... {وهم من بعد ~~غلبهم سيغلبون} # . وقوله ... {ليظهره على الدين كله} ... . والآيات في هذا كثيرة. # وفيه - أيضا - من أخبار الأمم السالفة والقرون الخالية مما لم يكن يعلم ~~القصة الواحدة منه إلا الفرد من أحبار أهل الكتاب، فيأتي به على وجهه، ~~ويعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، كقصص الأنبياء مع قومهم، وخبر موسى ~~والخضر، ويوسف وإخوته، وأصحاب الكهف، وذي القرنين، ولقمان، وأشباه ذلك من ~~الأنبياء. # قال القاضي عياض: # " ولم يحك عن واحد من اليهود والنصارى على شدة عداوتهم له، وحرصهم على ~~تكذيبه، وطول احتجاجه عليهم بما في كتبهم، وكثرة سؤالهم له - عليه الصلاة ~~والسلام - وتعنتهم إياه عن أخبار أنبيائهم، وأسرار ms132 علومهم وإعلامه لهم ~~بمكتوم شرائعهم، مثل: سؤالهم عن الروح، وذي القرنين، وأصحاب الكهف، وعيسى، ~~وحكم الرجم، وما حرم إسرائيل على نفسه، وغير ذلك من أمورهم # PageV02P438 # التي نزل القرآن، فأجابهم بما أوحي إليه من ذلك - أنه أنكر ذلك أو كذبه، ~~بل أكثرهم صرح بصدق نبوته، وصدق مقالته، واعترف بعناده وحسدهم إياه كأهل ~~نجران وابن صوريا وابني أخطب وغيرهم ". انتهى. # ولا يرد على هذا ما قدمناه من خبر عيسى، وما في القرآن من مخالفة ما عند ~~النصارى، وفي أنه ما قتل وما صلب؛ لأن الذي عندهم من خبر قتله وصلبه لا ~~يدعون أنه من أخبار الأنبياء، وإنما يعزونه إلى تلاميذ عيسى، وأنهم نقلوا ~~ذلك عمن شاهده، وهم ليسوا بأنبياء، ولا معصومين عن الخطأ. # هذا لو صح أن هذه الكتب محفوظة عنهم، وأنى يعلم ذلك؟ بل فيها من الكذب ~~والتغيير ما أقمنا برهانه فيما تقدم، ولله الحمد. # وأما ما في القرآن من العلوم والمعارف - سوى ما تقدم - مما لم تعهده ~~العرب عامة، ولا سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - خاصة قبل نبوته، فشيء ~~هو مبلغ النهاية، كما قال الله - تعالى - ... {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا ~~لكل شيء} ... . وقال عز # PageV02P439 # من قائل: ... {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ... وقال: {ولقد ضربنا للناس ~~في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون} . # قال شيخ الإسلام ابن تيمية: # ومن تأمل ما تكلم به الأولون والآخرون في أصول الدين، والعلوم الإلهية، ~~وأمور المعاد، والنبوات، والأخلاق، والسياسات، والعبادات، وسائر ما فيه ~~كمال النفوس، وصلاحها وسعادتها ونجاتها، لم يجد عن الأولين والآخرين من أهل ~~النبوات، ومن أهل الرأي كالمتفلسفة وغيرهم إلا بعض ما جاء به القرآن. # ولهذا لم تحتج الأمة مع رسولها وكتابها إلى نبي آخر وكتاب آخر، فضلا عن ~~أن تحتاج إلى المحدثين المهلمين، أو إلى أرباب النظر والقياس الذين لا ~~يعتصمون مع ذلك بكتاب منزل من السماء؛ ولهذا قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الحديث الصحيح: # " «إنه كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» ms133 "، فعلق ~~ذلك تعليقا في أمته، مع جزمه به فيمن تقدم؛ لأن # PageV02P440 # الأمم قبلنا كانوا محتاجين إلى المحدث، كما كانوا محتاجين إلى نبي بعد ~~نبي، وأما أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - فأغناهم الله برسولهم وكتابهم ~~عن كل ما سواه، حتى إن المحدث منهم كعمر إنما يؤخذ عنه ما وافق الكتاب ~~والسنة، وإذا حدث شيء في قلبه لم يكن له أن يقبله حتى يعرضه على الكتاب ~~والسنة، فلا يقبله إلا إذا وافقهما. # وهذا باب واسع في فضائل القرآن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~على ما سواه. # هذا وهو - صلى الله عليه وسلم - رجل أمي لا يخط كتابا، ولا يقرؤه، ولد في ~~قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس به عالم يعرف أخبار الماضين، ولا ~~خرج في سفر ضاربا إلى عالم، فيعكف عنده، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل، ~~وعلم الأولين والآخرين، والسابقين واللاحقين. # وهذا أدل دليل على أنه أمر جاءه من عند الله؛ ولهذا احتج عليهم بذلك في ~~قوله تعالى: # {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون} . ~~وقال تعالى: {قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم ~~عمرا من قبله أفلا تعقلون} . # PageV02P441 # وهذا من أبلغ الحجج وأظهرها؛ أي: هذا الكلام ليس من قبلي، ولا من عندي، ~~ولا أقدر أن أفتريه على الله، ولو كان ذلك مقدورا لي لكان مقدورا لمن هو من ~~أهل العلم والكتابة ومخالطة العلماء والتعلم منهم. # ولكن الله بعثني به، ولو شاء - سبحانه - لم ينزله علي، ولم ييسره بلساني، ~~ولا لسان غيري، ولكنه أوحاه إلي، وأذن لي في تلاوته عليكم، ولا أدراكم به ~~بعد أن لم تكونوا دارين به، فلو كان كذبا وافتراء - كما تقولون - لأمكن ~~غيري أن يتلوه عليكم، وتدرون به من جهته؛ لأن الكذب لا يعجز عنه البشر. ~~وأنتم لم تدروا بهذا، ولم تسمعوه إلا مني، ولم تسمعوه من بشر غيري. # ثم أجاب عن سؤال مقدر، وهو أنه تعلمه من غيره، وافتراه من ms134 تلقاء نفسه، ~~فقال: ... {فقد لبثت فيكم عمرا من قبله} ... أي: تعلمون حالي، ولا تخفى ~~عليكم سيرتي ومدخلي ومخرجي وصدقي وأمانتي، وتعلمون أني ما طالعت كتابا، ولا ~~تتلمذت لأستاذ، ولا تعلمت من أحد، ثم بعد انقراض أربعين سنة من عمري جئتكم ~~بهذا الكتاب العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة في الأصول والأحكام، ولطائف ~~علم الأخلاق، وأسرار قصص الأولين، وقد عجز عن معارضته الفصحاء والبلغاء ~~والعلماء. # PageV02P442 # فكل ذي عقل سليم يعرف أن هذا لا يحصل إلا بالوحي من الله تعالى. # ولما كان علم ذلك ضروريا، وكان إنكار المعلوم بالضرورة يقدح في صحة العقل ~~قال تعالى: ... {أفلا تعقلون} . # فتأمل صحة هذا الدليل، وحسن تأليفه، وظهور دلالته. # قال القاضي أبو الفضل: # " كون القرآن من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه أتى به، معلوم ~~ضرورة، وكونه متحديا به معلوم ضرورة، وعجز العرب عن الإتيان بمثله معلوم ~~ضرورة، وكونه في فصاحته خارقا للعادة معلوم ضرورة للعالمين بالفصاحة ووجوة ~~البلاغة، وسبيل من ليس من أهلها علم ذلك بعجز المنكرين من أهلها عن ~~معارضته، واعتراف المقرين بإعجاز بلاغته ". انتهى. # فعجز العرب عن معارضته حجة قاطعة، ومحجة ساطعة، ومحال أن يلبثوا ثلاثا ~~وعشرين سنة على السكوت عن معارضة آية منه، تستلزم تلك المعارضة نقض أمره، ~~وتفريق أتباعه، وزوال شوكته، وحيازة مرتبته، مع قدرتهم عليها، وطلبها منهم، ~~وقتل أكابرهم، وسبي ذراريهم، وهو لا يزداد إلا تقريعا لهم بعجزهم عن ~~المعارضة، ويقول لهم: إن زعمتم أني افتريته لعلمي بأخبار الأمم فأتوا ~~بمفترى مثله. # PageV02P443 # فلم يرم ذلك خطيب، ولا طمع فيه شاعر، ولا تكلفه مصقع، وإلا لظهر ووجد من ~~يستجيده، ويحامي عليه، ويزعم بمجرد الدعوى أنه عارض وناقض، فلما لم يوجد ~~ذلك - مع أن كثيرا منهم هجاه وعارض شعراء أصحابه وخطباء أمته - قطع بعجزهم ~~وتحيرهم وانقطاعهم. # قال أبو سليمان الخطابي: # " وقد كان - صلى الله عليه وسلم - أعقل خلق الله، وقد قطع القول بأن ما ~~أتى به من عند ربه، وأنهم لا يأتون بمثل أقصر سورة منه. فلولا أنه على بينة ~~واضحة من ms135 ربه - علام الغيوب - وأنه لا يقع فيما أخبر به خلف، وإلا لم يأذن ~~له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يمكن أن يكون ". انتهى. # قال بعض العلماء: # إن الذي أورده - صلى الله عليه وسلم - على العرب من الكلام الذي أعجزهم ~~عن الإتيان بمثله أعجب في الآية وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى، وإبراء ~~الأكمه والأبرص؛ لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب البيان والتقدم في اللسن ~~بكلام مفهم المعنى عندهم، فكان عجزهم عنه # PageV02P444 # أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون ~~فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص، ولا يتعاطون علمه. وقريش كانت تتعاطى ~~الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة، فدل أن العجز عنه إنما كان ليكون علما ~~على رسالته وصحة نبوته. # واعلم أن جمهور العلماء وأهل السنة على أن القرآن معجز بذاته، لا يصح أن ~~يكون مقدورا للبشر، وأنه من باب الخوارق الممتنعة عن اقتدار الخلق عليها ~~كإحياء الموتى، وقلب العصا، وتسبيح الحصى. # ومن قال: إنه مما تمكن مماثلته، وأنه لا يمتنع أن تأتي به القوة البشرية ~~فهو يقول: أن الله - تعالى - صرف الناس عن معارضته، فالإعجاز في هذا ظاهر - ~~أيضا - لأن الله - تعالى - لما دعا أهل الخطابة والفصاحة الذين يهيمون في ~~كل واد من المعاني بسلاطة لسانهم، إلى معارضة القرآن، فعجزوا عن الإتيان ~~بمثله، لم يخف على أولي الألباب أن صارفا إلهيا صرفهم عن ذلك. # وعلى الطرفين فعجز العرب عنه ثابت، فالإعجاز به حاصل. # ولكن الصحيح هو الأول. # {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ~~ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا} . # PageV02P445 # فصل # ومن وجوه إعجازه كونه آية باقية ما بقيت الدنيا، محفوظا من التغيير ~~والتبديل الواقعين في الكتب قبله، كما قال - تعالى -: {إنا نحن نزلنا الذكر ~~وإنا له لحافظون} . وقال: {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه} . # وسائر معجزات الأنبياء انقضت بانقضاء أوقاتها، ولم يبق إلا خبرها. ~~والقرآن العزيز، الباهرة آياته، الظاهرة معجزاته، الذي هو أعظم ms136 من كل ~~معجزة، وأبهر من كل آية باق على ما كان، غضا طريا لم يتغير منه شيء، بل ~~كأنه منزل الآن، وجميع وجوه إعجازه التي ذكرناها ثابتة إلى يوم القيامة، ~~بينة الحجة لكل أمة تأتي. # لا يخفى وجه ذلك على من نظر إليه، وتأمل وجوه إعجازه. # وما أخبر به من الغيوب يقع كل وقت على الوجه الذي أخبر به، حتى كأنه ~~يشاهد عيانا، فيتجدد الإيمان، ويتظاهر البرهان، وليس الخبر كالعيان. # والنفس أشد طمأنينة إلى عين اليقين منها إلى علم اليقين، وإن كان كل ~~عندها حقا. # PageV02P447 # وإلى هذا المعنى - كما قال القاضي عياض - أشار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فيما ثبت عنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: " «ما من الأنبياء نبي إلا قد أعطى ~~من الآيات ما آمن على مثله البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيه أوحاه الله ~~إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» ". وهذا لفظ مسلم. # ومما يلحق بإعجازه إخباره بتعجيز قوم في قضايا، وإعلامهم أنهم لا ~~يفعلونها، فما فعلوا، ولا قدروا على ذلك، كقوله لليهود: {قل إن كانت لكم ~~الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين ولن ~~يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} . # والإعجاز في هذا من وجهين: # من جهة إخباره بأنه لا يكون أبدا، فلم يكن. وهذا أدخل في باب الإخبار ~~بالغيب. # ومن جهة صرف دواعيهم. # PageV02P448 # وهذا من أعجب الخوارق، أنهم مع حرصهم على تكذيبه لم تنبعث دواعيهم لإظهار ~~تكذيبه بالتمني، بل صرفهم الله عن تمنيه، ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي ~~إليه. # قال أبو محمد الأصيلي: # من أعجب أمرهم أنه لا توجد منهم جماعة ولا واحد من يوم أمر الله بذلك ~~نبيه - عليه السلام - يقدم عليه، ولا يجيب إليه، وهذا موجود مشاهد لمن أراد ~~أن يمتحنه منهم. # وكذلك آية المباهلة التي نزلت في قصة وفد نجران، حيث نكلوا عن المباهلة، ~~ورجعوا إلى الصلح، وبذلوا الجزية. ms137 # وكذلك قوله - تعالى -: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} ### | .... # ، فما فعلوا، ولا قدروا، ولا يفعلون أبدا. # واعلم أن آية التمني - على ما قرره الحافظ ابن كثير - هي من باب ~~المباهلة، على معنى أنها تضمنت الدعاء بالموت على أي الفريقين أكذب: من ~~اليهود، ومن المسلمين، فقال: # " قال ابن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة، أو سعيد # PageV02P449 # بن جبير عن ابن عباس يقول لله لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: {قل إن كانت ~~لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم ~~صادقين} ، أي: اعوا بالموت على أي الفريقين أكذب، فأبوا ذلك على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # {ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين} ، أي: لعلمهم ~~بما عندهم من العلم بك والكفر بذلك، ولو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على ~~وجه الأرض يهودي إلا مات. # قال ابن كثير: وهذا في الآية هو المتعين، وهو الدعاء على أي الفريقين ~~أكذب. ونقله ابن جرير عن قتادة، وأبي العالية، والربيع بن أنس، رحمهم الله ~~تعالى. # والمعنى: إن كنتم تعتقدون أنكم أولياء وأحباؤه من دون الناس، وأنكم أهل ~~الجنة ومن عداكم من أهل النار، فباهلوا على ذلك، وادعو على الكاذبين منكم ~~أو من غيركم، واعلموا أن المباهلة لتستأصل الكاذب لا محالة. # فلما تيقنوا ذلك، وعرفوا صدقه نكلوا عن المباهلة، لما يعلمون من كذبهم، ~~وافترائهم، وكتمانهم الحق من صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونعته، وهم ~~يعرفونه كما يعرفون أبنائهم. # PageV02P450 # فعلم كل أحد باطلهم وخزيهم وضلالهم وعنادهم، عليهم لعائن الله المتتابعة ~~إلى يوم القيامة. # وسميت هذه المباهلة تمنيا، لأن كل محق يتمنى لو أهلك الله المبطل المناظر ~~له، ولا سيما إذا كان في ذلك حجة له في بيان حقه وظهوره. انتهى. # واعلم أن النصراني - فيما تقدم من كلامه - قسم معجزات نبينا - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى ثلاثة أقسام: قسم زعم أنه مما أمكن فعله بحيلة مما تقوم به ~~القوة البشرية، وأراد أن القرآن من ذلك. # وقسم زعم ms138 أنه من المحال كانشقاق القمر. # وقسم زعم أنه ليس عليه شهود. # وقد عرفت بما قدمناه الجواب عن القسم الأول، وأن البراهين القوية، ~~والأدلة الصحيحة العقلية شاهدة أن القرآن غير مقدور للبشر، وأنه مما لا ~~يمكن الإتيان به إلا بالوحي من الله عز وجل. # وعلى التنزل إلى أنه مما يمكن البشر الإتيان به فقد ثبت عجزهم عنه وظهر ~~انقطاعهم، ويكون ذلك على هذا القول بصرف الله إياهم عن معارضته، كما صرف ~~اليهود عن تمني الموت تصديقا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في إخباره أنهم ~~لن يتمنوه أبدا. وكما صرف النصارى عن المباهلة، فقامت الحجة، وانقطعت ~~المعذرة، وجاء الحق، وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا. # PageV02P451 # فصل # وأما معجزة ### | انشقاق القمر # فهي - كما قال الخطابي - آية عظيمة لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، ~~وذلك أنه ظهر في ملكوت السموات خارجا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب ~~من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به ~~أظهر. انتهى. # وهذه المعجزة دل عليها القرآن، قال الله - تعالى -: {اقتربت الساعة وانشق ~~القمر} والمراد وقوع انشقاقه. ويؤيده قوله - تعالى - بعد ذلك: {وإن يروا ~~آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر} ، فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: (انشق) ~~وقوع انشقاقه، لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة، فدل على أن المراد ~~بالآية وقوع انشقاقه في الدنيا، كما دل عليه صريح الأحاديث الآتية. # وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجل نبينا - صلى الله عليه وسلم ~~- فإن كفار قريش لما كذبوه، ولم يصدقوه أعطاه الله - تعالى - هذه الآية ~~العظيمة المتضمنة لثلاث حكم: # الأولى: دلالتها على وحدانية الله - تعالى - وأنه المتفرد بالربوبية # PageV02P453 # والإلهية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها من دونه باطلة، لا تنفع ولا تضر، ~~وأن العبادة إنما تكون لله وحده. # وهذا على طريق القرآن من الاستدلال بتفرده - تعالى - بالخلق والتدبير على ~~أنه هو المعبود وحده. # الثانية: دلالتها على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وصحة رسالته حيث ~~أراهم هذه الآية جوابا لاقتراحهم. # الثالثة: ms139 أنها دلت على ما أخبرت به الأنبياء من انشقاق السموات يوم ~~القيامة. # قال بعض الأئمة: وجعل الآية فيه دون الشمس والنجوم، لأنه أقرب إلى الأرض، ~~وكان فيه دون سائر أجزاء الفلك، إذ هو الجسم المستدير الذي فيه الانشقاق، ~~فقبول محله أولى. # وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة - رضي ~~الله عنهم - منهم: أنس بن مالك، وعبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عباس، ~~وعلي بن أبي طالب، وحذيفة بن اليمان، وجبير بن مطعم، وعبد الله بن عمر، ~~وغيرهم. # PageV02P454 # ففي الصحيحين من حديث أنس: " «أن أهل مكة سألوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء ~~بينهما» ". # وفي الصحيحين - أيضا - من حديث ابن مسعود قال: " «انشق القمر على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرقتين: فرقة فوق الجبل، وفرقة دونه، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اشهدوا» ". # وروى الإمام أحمد من حديث جبير بن مطعم، قال: " «انشق القمر على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، ~~فقالوا: سحرنا محمد. فقالوا: إن سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس» ". # PageV02P455 # وعند أبي داود الطيالسي عن ابن مسعود في حديثه قال: " «فقالوا: انظروا ما ~~يأتيكم به السفار "، فإن محمدا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء ~~السفار، فأخبروهم بذلك» ". # وبالجملة، فالروايات بهذه الواقعة متعددة، وطرقها متعددة، وعلى وقوعها ~~أجمع علماء الأمة وحفاظها، وتلقاه الخلف عن السلف. قال ابن عبد البر: # " قد روي هذا الحديث - يعني حديث الانشقاق - عن جماعة كثيرة من الصحابة، ~~وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير إلى أن انتهى ~~إلينا، وتأيد بالآية الكريمة ". # وقال غيره: إن لهذا الحديث طرقا شتى بحيث لا يمترى في تواتره. # وأما قول النصراني: " ... إنه من المحال يستفظعه العقل ... " فجوابه أن ~~العقل الصحيح المؤيد بنور الإيمان بالله، ورسوله، وأن الله على كل شيء ~~قدير، لا يحيل ذلك، ولا يستبعده، فإن ms140 الله - تعالى - هو الذي خلق القمر ~~وجميع المخلوقات، وهي في قبضته وتحت تصرفه، # PageV02P456 # أوجدها من العدم، وسيعيدها إليه، فلا يستبعد أن يخرق العادة فيها معجزة ~~لرسوله، ودلالة على صدقه، كما جعل العصا حية، وأخرج الناقة من صخرة. # واعلم أن شبهة القائلين باستحالة الانشقاق دعواهم أن الأجرام العلوية لا ~~يتهيأ فيها الانخراق والالتئام. وكذا قالوه في إنكارهم فتح أبواب السماء ~~لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ليلة المعراج. وما ذكرناه من عموم قدرة الله ~~- تعالى - على جميع الممكنات دليل على عدم الإحالة. # وبمثل هذا أجاب العلماء، كقول أبي إسحاق الزجاج - وهو من متقدمي العلماء ~~-: أنكر بعض المبتدعة - الموافقين لمخالفي الملة - انشقاق القمر، ولا إنكار ~~للعقل فيه، لأن القمر مخلوق لله، يفعل فيه ما يشاء، كما يكون يوم القيامة، ~~ويفنيه. انتهى. # ويكفي في الحجة على النصارى في ذلك رفع عيسى - عليه السلام - إلى السماء، ~~فإنهم يعترفون أنه رفع بجسمه فقد حصل برفعه الانخراق والالتئام الذي ~~أنكروه، فبطل قولهم في إحالة الانشقاق، وبقي ثبوته من جهة النقل. # PageV02P457 # وقد قدمنا أنه بلغ مبلغ التواتر الذي لا يشك فيه، وإن أنكره أهل الكفر ~~والعناد. # وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا لنقل متواترا، واشترك أهل الأرض كلهم ~~في معرفته، ولم يختص به أهل مكة، لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه ~~شركاء، والدواعي متوافرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد. ولو كان لذلك ~~أصل لخلد في كتب السير والتنجيم، إذ لا يجوز إطباقهم على تركه، وإغفاله، مع ~~جلالة شأنه ووضوح أمره. # فأجاب عنه الخطابي وغيره بأن هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها، لأنه ~~شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلا، لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن ~~الليل أن يكون الناس فسه نياما ومستكنين في الأبنية، والبارز منهم بالصحراء ~~- إن كان يقظانا - يحتمل أنه اتفق أنه كان في ذلك الوقت مشغولا بما يلهيه ~~من سمر وغيره. # ومن المستبعد أن يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، ~~فيجوز أنه وقع ms141 ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما رآه من تصدى لرؤيته ممن اقترح ~~وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر. # وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي يظهر لبعض الآفاق # PageV02P458 # دون بعض. كما يكون ظاهرا لقوم غائبا عن قوم كما يجد الكسوف أهل بلد دون ~~أهل بلد آخر. # وكثيرا ما يحدث الثقات بعجائب يشاهدونها من أنوار ونجوم طوالع عظام، تظهر ~~في الأحيان بالليل في السماء، ولا علم عند أحد منها. # PageV02P459 # فصل # وأما ما عدا ما تقدم من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - ودلائل نبوته ~~فكثيرة جدا، وبسطها يحتمل مجلدات، ولكننا نذكر من عيونها ومشهورها ما هو ~~اللائق بما قصدناه من الاختصار. # فمن ذلك ما أخبر به من المغيبات المستقبلة في القرآن، من ذلك شيء كثير ~~كقوله: # {الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} . # وقوله - تعالى -: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا} ### | .... # الآية. # وقوله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو ~~كره المشركون} . # وقوله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا ~~يأتون بمثله} ### | .... # الآية. # PageV02P461 # وقال: {فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا} ... الآية. # وقال للمسيح: ### | .... # {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} . # وقال: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} . # وقال: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار} ### | .... # وقال: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به ~~فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ### | .... # وقال في اليهود: ### | .... # {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم ~~العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله} ### | .... # الآية. # وقال: {لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون ضربت ~~عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس} ... الآية. # PageV02P462 # وقال: {قل ms142 إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا ~~الموت إن كنتم صادقين ولن يتمنوه أبدا} ... الآية. وتقدمت القصة. # وقال في الوليد بن المغيرة: {ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا ~~وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا ~~سأرهقه صعودا} ... إلى قوله: {سأصليه سقر} . وقال عن أبي لهب: {تبت يدا أبي ~~لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب} ### | .... # . فماتا كافرين. # وقال - تعالى -: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} ### | .... # وقال: ... {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين} ### | .... # PageV02P463 # وقال: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم ~~أو يسلمون} ... . # وهذا كله وقع، وحصلت الغنائم الكثيرة، ودخلوا المسجد آمنين ودعيت الأعراب ~~إلى قتال الروم وفارس. # وقال: {إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا ~~فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا} . # وكان ذلك إخبارا من الله لرسوله باقتراب أجله حينئذ، وكذلك وقع، فما مات ~~- صلى الله عليه وسلم - حتى دخل الناس في دين الله أفواجا، ولم يبق في بلاد ~~العرب موضع لم يدخله الإسلام. # وقال عن المنافقين في أمرهم مع اليهود فيما وعدهم به من أنفسهم: {لئن ~~أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم} ### | .... # الآية. وكذلك كان. # وضرب الله لهم المثل بالشيطان: ... {إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال ~~إني بريء منك} ... . وقصتهم مشهورة في التفاسير والسير. # وفي الأحاديث الصحيحة مما أخبر بوقوعه فكان ما لا يحصى كثرة. # PageV02P464 # كما في صحيح البخاري عن عدي بن حاتم - رضي الله عنه - قال: " «بينما أنا ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ أتاه رجل، فشكى إليه الفاقة، ثم ~~أتاه آخر، فشكى إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي، هل رأيت الحيرة؟ قلت: لم ~~أرها وقد أنبئت عنها. فقال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة ~~حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله - قلت في نفسي: فأين ذعار طي الذين ~~سعروا ms143 البلاد - ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى. قلت: كنوز كسرى بن ~~هرمز؟ ! قال: كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه ~~ذهبا أو فضة يطلب من يقبله منه، فلا يجد أحدا يقبله منه ". قال عدي: " ~~فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت ~~فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز. ولئن طالت بكم حياة لترون ما قال أبو القاسم ~~- صلى الله عليه وسلم - يخرج الرجل ملء كفه ذهبا أو فضة فلا يجد من يقبله ~~منه» ". # PageV02P465 # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: " «وستفتحون مصر وهي أرض يسمى فيها القيراط، فاستوصوا بأهلها، ~~فإن لهم ذمة ورحما» ". # وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: " «إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ~~ومغاربها، وإن أمتى سيبلغ ملكها ما زوى لي منها، وأعطيت الكنزين، الأحمر ~~والأبيض، وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من ~~سوى» # PageV02P466 # «أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وأن ربي قال: يا محمد، إذا قضيت قضاء فإنه لا ~~يرد، وإني أعطيتك لأمتك أني لا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من ~~سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم ~~يهلك بعضا» ". # وهذا أخبر به - صلى الله عليه وسلم - في أول الأمر وأصحابه في غاية القلة ~~قبل فتح مكة، فكان كما أخبر، فإن ملكهم انتشر في المشرق والمغرب ما بين أرض ~~الهند - أقصى المشرق - إلى بحر طنجة في المغرب، حيث لا عمارة وراءه. # وذلك ما لم تملكه أمة من الأمم، ولم ينتشر في الجنوب والشمال كانتشاره في ~~المشرق والمغرب. # قال بعض العلماء: # لما كانت أمته أعدل الأمم انتشرت دعوته في الأقاليم التي هي وسط المعمور ~~من الأرض. # وفي حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«إذا هلك كسرى فلا كسرى ms144 بعده، وإذا هلك قيصر» # PageV02P467 # «فلا قيصر بعده، والذي نفسي بيده لينفقن كنوزهما في سبيل الله» ". أخرجاه ~~في الصحيحين. # وملك كسرى وقيصر أعز ملك في الأرض، فلم يبق للفرس ملك، وهلك قيصر الذي ~~بالشام وغيرها، فلم يبق من وقت الفتوح العمرية من هو ملك على الشام ولا مصر ~~ولا الجزيرة من النصارى، وهو الذي يدعى قيصر. # وقال في قيصر: " «ثبت الله ملكه» "، فثبت ببلاد الروم، وفي كسرى: " «مزق ~~الله ملكه» "، فلم يبق له ملك. # وهذا كله يصدق بعضه بعضا. # وفي الصحيحين عنه - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تزال طائفة من أمتي على ~~الحق ظاهرين» ... " الحديث. # وهذا أخبر به حين كانت أمته أقل الأمم، ثم انتشرت في المشارق والمغارب، ~~وكان كما أخبر، فإنه - ولله الحمد - لم تزل فينا # PageV02P468 # طائفة ظاهرة بالعلم والدين والسيف، فلم يصب هذه الأمة ما أصاب من قبلها ~~من بني إسرائيل وغيرها، حيث كانوا مقهورين مع الأعداء، بل إن غلبت في قطر ~~كان في قطر آخر طائفة ظاهرة لم يسلط على مجموعها عدو من غيرهم، ولكن وقع ~~بينهم اختلاف وفتن. # وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " «لا ~~تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» "، ~~فظهرت نار عظيمة على نحو مرحلة من المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، ودامت ~~نحو أربعة وأربعين يوما، وكانت تحرق الحجر، ولا تنضج اللحم، ورؤيت منها ~~أعناق الإبل ببصرى. # وقد أطال المؤرخون في أخبارها بما لا يتسع له هذا الموضع. # وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه أخبر بموت النجاشي يوم موته بالحبشة، ~~وصلى عليه بأصحابه. # PageV02P469 # وأنه وأبا بكر وعمر وعثمان صعدوا أحدا، فتحرك الجبل، فضربه برجله، وقال ~~له: " «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيد» "، فاستشهدوا. # وأنه قال لسراقة بن جعشم: " «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» ". فألبسهما ~~عمر له لما زال ملك كسرى في زمنه. # وأخبر بأن ابنته فاطمة - رضي الله عنها - أول أهله لحوقا به، فكان كذلك. # وأخبر بأن أشقى الأولين ms145 عاقر الناقة، والآخرين قاتل علي يضربه في يافوخة، ~~فتبتل من دمها لحيته. فضربه الشقي ابن ملجم ضربة كذلك، فمات منها، رضي الله ~~عنه. # PageV02P470 # وبأن عثمان يقتل ظلما، وبأن المدينة ستغزى، فكانت وقعة الحرة المشهورة ~~على أهل المدينة من جيش يزيد بن معاوية. # وأخبر بوقعة الجمل، وصفين، وقتال عائشة والزبير لعلي - رضي الله عنهم - ~~ولذلك «قال علي للزبير لما برز له يومئذ: أنشدك الله، هل سمعت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: " إنك تقاتله وأنت له ظالم "؟. فانصرف الزبير، ~~وقال: " بلى، ولكني نسيت» ". # PageV02P471 # وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الحسن - رضي الله عنه -: «إن ~~ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ". فكان كذلك ~~يوم التقى مع معاوية. # وأخبر بقتل الحسين - رضي الله عنه - وأخبر ابن عمر أنه سيعمى لما رأى ~~جبرائيل معه في صورة رجل، وأخبر بالخوارج الذين خرجوا على علي، وأن فيهم ~~رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، فقاتلهم علي - رضي الله عنه - وأخرج ذلك ~~الرجل من بين القتلى حتى رآه الناس بالوصف الذي وصفه صلى الله عليه وسلم. # PageV02P472 # وأخبر بالرافضة وبالقدرية، وبأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، ~~وبأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهم الذين على ما كان عليه هو ~~وأصحابه صلى الله عليه وسلم. # PageV02P473 # وأخبر أنه ستكون لهم أنماط ويغدو أحدهم في حلة، ويروح في أخرى، وتوضع بين ~~يديه صحفة، وترفع أخرى، ويسترون بيوتهم كما تستر الكعبة، ثم قال في آخر ~~الحديث: " «وأنتم اليوم خير منكم يومئذ» ". # وقال: " «يكون في ثقيف كذاب ومبير» ". فرأوهما: المختار بن أبي عبيد الذي ~~ادعى أنه يوحى إليه، والحجاج بن يوسف. # PageV02P474 # وأنذر بالردة التي وقعت بعد موته. # وبأن الخلافة بعده ثلاثون سنة ثم تكون ملكا. فكانت كذلك بمدة الحسن بن ~~علي. # وقال: " «إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون عضوضا، ثم تكون عتوا ~~وجبروتا وفسادا في الأمة» ". # وأخبر بشأن أويس القرني، وأنه في أمداد اهل اليمن، وأن له أما هو بار ~~بها، ms146 وأخبر عمر بصفته، وقال له: " «إن استطعت أن يستغفر لك فافعل» "، وأخبر ~~بأنه مجاب الدعوة. # PageV02P475 # وأخبر بأمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، وبأنه سيكون في أمته ثلاثون كذابا ~~يدعون النبوة. # وعنه - صلى الله عليه وسلم -: " «لو كان الدين بالثريا لتناوله رجال من ~~أبناء فارس» ". # وأنه أخبر بالموتان الذي يكون بعد فتح بيت المقدس، وما وعد من سكنى ~~البصرة، وأن أمته يغزون في البحر كالملوك على الأسرة. # PageV02P476 # وقال لسعد: " لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام، ويضر بك آخرون ". # وأخبر أبا ذر بتطريده، فكان كما كان، وبموته وحده، وأنه يشهد جنازته ~~طائفة من المسلمين. # وقال لعمر في سهيل بن عمرو: " «عسى أن يقوم مقاما يسرك،» # PageV02P477 # «يا عمر» ". فكان كذلك، قام بمكة مقام أبي بكر يوم بلغه موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وخطب بنحو خطبته، وثبتهم، وقوى بصائرهم. # وأخبر - صلى الله عليه وسلم - بأشياء كثيرة وقعت في زمانه، كقوله في ~~الرجل الذي أبلى مع المسلمين في الجهاد: " «إنه من أهل النار» ". فقتل ~~نفسه. # وقال في حنظلة الغسيل: " «سلوا زوجته عنه، فإني رأيت الملائكة تغسله» ". ~~فسألوها، فقالت: إنه خرج جنبا، وأعجله الحال عن الغسل. # وأخبر بالذي غل خرزا من خرز اليهود، فوجدت في رحله، # PageV02P478 # وبالذي غل الشملة، وبشأن كتاب حاطب إلى أهل مكة، وبقضية عمير مع صفوان ~~حين ساره، وشارطه على قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما جاء عمير إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قاصدا لقتله، وأطلعه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على السر أسلم. # PageV02P479 # وأخبر بالمال الذي تركه العباس عند أم الفضل بعد أن كتمه، فقال: ما علمه ~~غيري وغيرها. فأسلم. # وأخبر بأنه سيقتل أبي بن خلف، فقتله. # PageV02P480 # وفي عتبة بن أبي لهب أنه يأكله كلب الله. # وعن مصارع أهل بدر. فكان كما قال. # وأخبر بقتل أهل مؤتة يوم قتلوا، وبينهم مسيرة شهر فأكثر. # وقال لخالد لما وجهه لأكيدر: إنك تجده يصيد البقر. # PageV02P481 # وأخبر بكثير من أسرار المنافقين وكفرهم وقولهم فيه وفي المؤمنين، حتى إن ~~كان بعضهم ليقول لصاحبه: ms147 اسكت، فوالله لو لم يكن عنده من يخبره لأخبرته ~~حجارة البطحاء. # وأعلم بصفة السحر الذي سحره لبيد بن الأعصم، وكونه في مشط ومشاطة في جف ~~طلع نخلة ذكر، وأنه ألقي في بئر ذروان. فكان كما قال صلى الله عليه وسلم. # ووصف لكفار قريش بيت المقدس حين كذبوه في خبر الإسراء. ونعته لهم نعت من ~~عرفه، وأعلمهم بعيرهم التي مر عليها في طريقه، وأخبرهم بوقت وصولها. فكان ~~ذلك كله كما قال. # وأما ما أخبر به - صلى الله عليه وسلم - مما لم يقع إلى الآن فكثير جدا، ~~وبحسب هذا النوع من معجزاته - صلى الله عليه وسلم - أن يكون المروي فيه ~~ديوانا مفردا يشتمل على عدة أجزاء. # وفيما اشرنا إليه من نكت الأحاديث التي ذكرناها كفاية، وأكثرها في ~~الصحيحين والسنن والمسانيد المشهورة. # PageV02P482 # وقد روى البخارى ومسلم وأبو داود عن حذيفة - رضى الله عنه - قال: " «قام ~~فينا رسول - صلى الله عليه وسلم - مقاما، فما ترك شيئا يكون من مقامه ذلك ~~إلى قيام الساعة إلا حدثه، حفظه من حفظه ونسيه من نسيه، وقد علمه أصحابي ~~هؤلاء، وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته، فأراه فأذكره، كما يذكر الرجل وجه ~~الرجل إذا غاب عنه ثم رآه» ". # وأخرج مسلم عن أبي زيد عمرو بن أخطب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: " ~~«صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما الفجر، وصعد المنبر، ~~فخطبنا حتى حضرت الظهر، فنزل، وصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ~~فنزل، وصلى، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى غربت الشمس، فأخبرنا بما هو كائن ~~إلى يوم القيامة، فأعلمنا أحفظنا» ". # PageV02P483 # ومن آياته كلام الشجر له، وسلامها عليه، وطواعيتها له، وشهادتها له ~~بالرسالة. # أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: «لما أوحى الله إلي جعلت لا أمر بحجر ولا شجر ~~إلا قال: السلام عليك يا رسول الله» ". # وعن علي - رضي الله عنه - قال: " «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، ms148 فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: ~~السلام عليك يا رسول الله» ". رواه الترمذي، وقال: " حسن غريب ". # وأخرج الحاكم في مستدركه بإسناد جيد «عن ابن عمر، قال: " كنا مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في سفر، فأقبل أعرابي، فلما دنا منه قال له رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: أين تريد؟ قال: # PageV02P484 # «إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. قال: هل من شاهد على ما ~~تقول؟ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هذه الشجرة. فدعاها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - وهي على شاطئ الوادي، فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت ~~بين يديه، فاستشهدها ثلاثا، فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها» ... الحديث ". رواه ~~الدارمي - أيضا - بنحوه. # وفي حديث جابر بن عبد الله قال: " «سرنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى نزلنا بواد أفيح، فذهب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقضي ~~حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~ير شيئا يستتر به، فإذا شجرتان في شاطئ الوادي، فانطلق رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي علي ~~بإذن الله. فانقادت معه كالبعير المخشوش الذي يصانع قائده. ثم» # PageV02P485 # «فعل بالأخرى كذلك. حتى إذا كان بالمنصف بينهما قال: التئما علي بإذن ~~الله - تعالى - فالتأمتا» ". الحديث رواه مسلم. # ومن آياته وعجائب معجزاته حنين الجذع شوقا إليه - صلى الله عليه وسلم -. ~~وقد روي عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوعه. # فأخرج البخاري من طرق عن جابر - رضي الله عنه - " «أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من ~~الأنصار: ألا نجعل لك منبرا. قال: إن شئتم. فجعلوا له منبرا. فلما كان يوم ~~الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وضمها إليه، فجعلت تئن أنين ms149 الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت ~~تسمع من الذكر عندها» ". # قال القاضي: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، خرجه أهل ~~الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: # PageV02P486 # أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد ~~الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد # PageV02P487 # الخدري، وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة. # وقال البيهقي: " قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن ~~السلف ". # وقال الشافعي فيما نقله عنه ابن أبي حاتم في مناقبه: " ما أعطى الله نبيا ~~ما أعطى نبينا محمدا - عليه أفضل الصلاة والسلام -. فقيل له: أعطي عيسى ~~إحياء الموتى، قال: أعطي محمد حنين الجذع حتى سمع صوته فهو أكبر من ذلك ". # PageV02P488 # ومن آياته ### | كلام الحيوانات وطاعتها له - صلى الله عليه وسلم - # فمن ذلك سجود الجمل، وشكواه إليه. # أخرج الإمام أحمد والنسائي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: " «كان ~~أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم، ومنعهم ظهره، ~~وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنه كان ~~لنا جمل نسني عليه، وأنه استصعب علينا، ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: قوموا. فقاموا، فدخل ~~الحائط والجمل في ناحية، فمشى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه، ~~فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكلب، وإنا نخاف عليك ~~صولته. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ليس علي منه بأس، فلما نظر ~~الجمل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل نحوه، حتى خر ساجدا بين ~~يديه، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بناصيته أذل ما كان قط،» # PageV02P489 # «حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل ~~تسجد لك؟ ونحن نعقل فنحن أحق أن نسجد لك. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر ms150 أن يسجد لبشر لأمرت ~~المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها» ". # وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث من طرق تدل على تعدد القصة. # ومن ذلك قصة الذئب. # أخرج الإمام أحمد بسند جيد عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: ~~«عدا الذئب على شاة، فأخذها، فطلبه الراعي فأخذها منه، فأقعى الذئب على ~~ذنبه، وقال: ألا تتقي الله، تنزع مني رزقا ساقه الله إلي. فقال الراعي: يا ~~عجبا! ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب ~~من ذلك؟ محمد بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق ~~غنمه، حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فأخبره» ... الحديث. # PageV02P490 # واعلم أن قصة كلام الذئب جاءت من عدة طرق - أيضا - من حديث أبي هريرة، ~~وأنس، وابن عمر، وجاءت أحاديث - أيضا - في كلام الحمار وكلام الضب وكلام ~~الغزالة، ولكن لا تخلو أسانيدها عن مقال. # ومن آياته نبع الماء من بين أصابعه، صلى الله عليه وسلم. # قال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت في عدة مواطن في ~~مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من ~~التواتر المعنوي، ولم يسمع بمثل هذه المعجزة عن غير نبينا - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه - صلى ~~الله عليه وسلم - أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى ~~بالعصا، فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود، بخلاف خروج ~~الماء من بين اللحم والدم ". انتهى. # وقد روي حديث نبع الماء عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس، وجابر، وابن ~~مسعود. # PageV02P491 # ففي الصحيحين عن أنس قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحانت ~~صلاة العصر، والتمس الناس الوضوء، فلم يجدوه، فأتي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بوضوء، فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضؤوا منه، ~~فرأيت الماء ينبع ms151 من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم» . # وفي البخاري أنهم ثمانين رجلا. وفي اللفظ: " «فجعل الماء ينبع من بين ~~أصابعه حتى توضأ القوم. قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة» . # وفي الصحيحين أيضا عن جابر - رضي الله عنه - قال: «عطش الناس يوم ~~الحديبية فأتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين يديه ركوة، فقالوا: ~~ليس عندنا ما نتوضأ به، ولا نشرب إلا ما في ركوتك. فوضع - صلى الله عليه ~~وسلم - يده في الركوة، فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون، ~~فتوضأنا، وشربنا. قيل لجابر: كم كنتم يومئذ؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، ~~كنا خمس عشرة مائة» . # PageV02P492 # وفي صحيح مسلم عن جابر قصة نبع الماء في غزوة بواط - أيضا - وفيه قال: " ~~«فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة، واستدارت، حتى امتلأت، ~~وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا» ... " الحديث. # وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: " «بينما نحن مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر وليس معنا معنا ماء، فقال لنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: اطلبوا من معه فضل ماء، فأتي بماء، فصبه في إناء، ثم وضع كفه ~~فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولقد ~~كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل» ". أخرجه البخاري والترمذي والنسائي. # ومما يشبه ذلك تفجير الماء ببركته وانبعاثه بمسه ودعوته. # وروى مسلم في صحيحه «عن معاذ - رضي الله عنه - قصة عين» # PageV02P493 # «تبوك أنهم جاؤوها وهي تبض بشيء من ماء مثل الشراك. # قال: " ثم غرفوا من العين قليلا قليلا، حتى اجتمع في شيء، ثم غسل وجهه ~~ويديه، ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس» ". # وعن ابن اسحاق: " «فانخرق من الماء ما له حس كحس الصواعق» ". # وفي صحيح البخاري في غزوة الحديبية من حديث المسور بن مخرمة، ومروان: " ~~«أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء، يتبرضه الناس تبرضا، فلم ~~يلبثه الناس حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه ms152 وسلم - العطش، ~~فانتزع سهما من كنانته، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش بالري، ~~جتى صدرواعنه» ". # PageV02P494 # وفي رواية: " «أنه - صلى الله عليه وسلم - توضأ، ومج في بئر الحديبية من ~~فمه، فجاشت بالماء كذلك» ". # وفي بعض الطرق عند غير البخاري: " «أنه توضأ في الدلو ومضمض فاه، ثم مج ~~فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهما من كنانته، فألقاه في البئر، ودعا ~~الله، ففارت بالماء، حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفتها» ~~". فجمع بين الأمرين. # وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع، «مما رواه البخاري في قصة الحديبية، ~~وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروي خمسين شاة، فنزحناها، فلم نترك فيها ~~قطرة، فقعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جباها. قال البراء: وأتي ~~بدلو منها، فبصق، ودعا - وقال سلمة: فإما دعا، وإما بصق فيها - فجاشت، ~~فأرووا أنفسهم وركابهم» . # PageV02P495 # وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: " «كنا مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل ودعا فلانا، ودعا عليا، ~~وقال: اذهبا، فاسقيا الماء، فانطلقا، فتلقيا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين ~~من ماء، فجاءا بها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاستنزلوها عن ~~بعيرها، ودعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بإناء، ففرغ فيه من أفواه ~~المزادتين أو السطيحتين، وأوكى أفواههما، وأطلق العزالى، ونودي في الناس: ~~اسقوا، واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء. وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل ~~بها، وأيم الله، لقد أقلع عنها وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملأة منها حين ~~ابتدأ فيها» ### | .... # " الحديث. # وفيه: " «أنها لما أتت إلى قومها قالت: والله، إنه لأسحر الناس كلهم، أو ~~إنه رسول الله، وقالت لهم: فهل لكم في الإسلام؟» ### | .... # " الحديث. # PageV02P496 # وعن أنس قال: " «أصاب الناس سنة على عهد رسول - صلى الله عليه وسلم - ~~فبينما النبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب في يوم الجمعة قام أعرابي، فقال: ~~يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع لنا. فرفع يديده وما نرى في ~~السماء قزعة، فوالذي ms153 نفسي بيده، ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم ~~لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. فمطرنا يومنا ذلك، ومن ~~الغد، وبعد الغد حتى الجمعة الأخرى. وقام ذلك الأعرابي أو غيره، فقال: يا ~~رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا. فرفع يديه وقال: اللهم ~~حوالينا ولا علينا. فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت ~~المدينة في مثل الجوبة، وسال وادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحيته إلا ~~حدث بالجود» ". رواه البخاري ومسلم. # ومن آياته - صلى الله عليه وسلم - تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه. # PageV02P497 # في الصحيحين عن جابر في حديثه في غزوة الخندق قال: " «فانكفأت إلى ~~أمرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - خمصا ~~شديدا، فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها، وطحنت ~~الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فساررته، فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنا صاعا من شعير، فتعال ~~أنت ونفر معك، فصاح النبي - صلى الله عليه وسلم -: يا أهل الخندق إن جابرا ~~صنع سؤرا فحي هلا بكم. وقال - صلى الله عليه وسلم -: لا تنزلن برمتكم، ولا ~~تخبزن عجينكم حتى آتي، فأخرجت له عجينا. فبصق فيه، وبارك، ثم عمد إلى ~~برمتنا فبصق، وبارك وثم قال: ادع خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم، ولا ~~تنزلوها. وهم ألف. # PageV02P498 # «فأقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن ~~عجيننا ليخبز كما هو» ". # وفي الصحيحين - أيضا - قصة إطعام النبي - صلى الله عليه وسلم - القوم ~~الذين كانوا سبعين أو ثمانين رجلا من أقراص شعير أرسلت بها أم سليم تحت يد ~~أنس، وأنهم كلوا حتى شبعوا. # وجاءت روايات عدة عن أنس في هذا المعنى تدل على تعدد القصة. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: " «لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، ~~فقال عمر: يا رسول الله، ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم بالبركة، ~~فقال: نعم. ms154 فدعا بنطع، فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف» # PageV02P499 # «ذرة، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع من ذلك يسير، فدعا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم. فأخذوا في أوعيتهم حتى ~~ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول ~~الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجب عن الجنة» . # وفي الصحيحين عن أنس قصة إطعام النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه، ~~وكانوا زهاء ثلاثمائة رجل، من حيس أرسلت به أم سليم مع أنس، وأنهم أكلوا ~~عشرة عشرة حتى شبعوا. قال أنس: " فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت؟ ~~". # وعن سمرة بن جندب، قال: " «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - نتداول ~~من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة، ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ ~~قال: من أي شيء يعجب؟ ما كانت تمد إلا من ههنا. وأشار بيده إلى السماء» ". ~~رواه # PageV02P500 # الترمذي والدارمي. # وعنه قال: " «أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بقصعة فيها لحم، ~~فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم، ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل ~~كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا من ههنا. وأشار إلى السماء» ". رواه ~~الدارمي، وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي، وصححوه، وأبو نعيم. # وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: " «كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثين ومائة، وذكر الحديث، وأنه عجن صاع،» # PageV02P501 # «وصنعت شاة، فشوي سواد بطنها، قال: فما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له ~~من سواد بطنها. ثم جعل منها قصعتين، فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين، ~~فحملته على البعير» ". رواه البخاري. # والأحاديث في مثل هذه كثيرة. # ومن آياته إجابة دعائه - صلى الله عليه وسلم - وهذا باب واسع جدا، وإجابة ~~دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - لجماعة بما دعا لهم متواتر على الجملة، ~~معلوم ضرورة. # وقد جاء في حديث حذيفة: " «كان ms155 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا دعا ~~لرجل أدركت الدعوة ولده وولد ولده» ". # وأخرج البخاري عن أنس قال: " «قالت أمي: يا رسول الله، خادمك أنس، ادع ~~الله له. قال: اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيما آتيته» ". # PageV02P502 # وفي رواية: قال أنس: " فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليعادون ~~اليوم على نحو المائة ". وفي رواية: " وما أعلم أحدا أصاب من رخاء العيش ما ~~أصبت، ولقد دفنت بيدي هاتين مئة من ولدي، لا أقول: سقط، ولا ولد ولد ". # قال القاضي أبو الفضل: ومن هذا دعاؤه لمعاوية بالتمكين في البلاد، فنال ~~الخلافة. ولسعد بن أبي وقاص أن يجيب الله دعوته، فما دعا على أحد إلا ~~استجيب له، ودعا بعز الإسلام بعمر أو بأبي جهل، فاستجيب له في عمر. قال ابن ~~مسعود: " ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر ". # وأصاب الناس في بعض مغازيه عطش، فسأله عمر الدعاء، فجاءت سحابة، فسقتهم ~~حاجتهم، ثم أقلعت. # PageV02P503 # ودعا في الاستسقاء، فسقوا، ثم شكوا إليه ضرر المطر، فدعا، فصحوا. # وقال للنابغة: " «لا يفضض الله فاك» " فما سقطت له سن. وفي رواية: " ~~«فكان أحسن الناس ثغرا، إذا سقطت له سن نبتت له أخرى» ". وعاش عشرين ومائة، ~~وقيل أكثر من هذا. # ودعا لابن عباس: " «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» ". فسمي بعد ~~الحبر وترجمان القرآن. # PageV02P504 # ودعا لعبد الله بن جعفر بالبركة في صفقة يمينه، فما اشترى شيئا إلا ربح ~~فيه. # ودعا للمقداد بالبركة، فكان عنده غرائر من المال. # ودعا بمثله لعروة بن أبي الجعد فقال: " لقد كنت أقوم بالكناسة، فما أرجع ~~حتى أربح أربعين ألفا ". # وقال البخاري في حديثه: " فكان لو اشترى التراب ربح فيه ". # ودعا لأم أبي هريرة، فأسلمت. # PageV02P505 # ودعا لعلي - رضي الله عنه - أن يكفى الحر والقر، فكان يلبس في الشتاء ~~ثياب الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء، ولا يصيبه حر، ولا برد. # وسأله الطفيل بن عمرو آيه لقومه لما ذهب إليهم يدعوهم إلى الإسلام، فقال: ~~" «اللهم، نور له» " فسطع له نور بين عينيه، فقال: يا رب ms156 أخاف أن يقولوا ~~مثلة. فتحول إلى طرف سوطه، فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسمي ذا النور. # ودعا على مضر، فأقحطوا حتى استعطفته قريش، فدعا لهم، فسقوا. # PageV02P506 # ودعا على كسرى حين مزق كتابه أن يمزق الله ملكه، فلم تبق له باقية. # قال القاضي: " ولم يبق لفارس رياسة في أقطار الدنيا ". # ودعا على صبي قطع عليه الصلاة أن يقطع الله أثره، فأقعد. # وقال لعتبة بن أبي لهب: " «اللهم سلط عليه كلبا من كلابك» ". فأكله ~~الأسد. # وحديثه المشهور في الصحيحين من رواية ابن مسعود في دعائه على قريش حين ~~وضعوا السلى على رقبته وهو ساجد، وسماهم، قال: " «فوالذي بعث محمدا بالحق، ~~لقد رأيت الذي سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر» ". # ومنها إبراء ذوي العاهات. # PageV02P507 # أخرج الإمام عثمان بن سعيد الدارمي عن ابن عباس - رضي الله عنه - " «أن ~~امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول ~~الله، إن ابني به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا. فمسح رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - صدره فتع تعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى» ". # وفي حديث أبي سعيد في غزوة خيبر أنه قال: " «قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه. ~~قال: فأرسل إليه، فأتي به، فبصق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~عينيه، ودعا له فبرئ، حتى كأن لم يكن به وجع» ". أخرجه البخاري. # وفي رواية مسلم عن طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: " «فأرسلني رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه، فبرئ» ~~". # PageV02P508 # «وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " يا رسول الله إن لي امرأة أحبها، ~~وأخشى إن رأتني تقذرني، فأخذها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، ~~وردها إلى موضعها، وقال: اللهم اكسه جمالا. فكانت أحسن عينيه وأحدهما ms157 نظرا، ~~وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى» ". # وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته، فسأله عمر: من أنت؟ فقال: # أبونا الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد # عادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين وياحسن ما خد # PageV02P509 # فوصله عمر، وأحسن جائزته. # فال السهيلي: وفي رواية: " «أصيبت عيناي يوم أحد، فسقطتا على وجنتي، ~~فأتيت بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعادهما مكانهما، وبصق فيهما، ~~فعادتا تبرقان» ". # قال الدارقطني: هذا حديث غريب، وتفرد به عمار بن نصر عن مالك، وهو ثقة. ~~ويجمع بين الروايتين بأن أحد الرواة ظن أن الساقطة واحدة. وبعضهم - إن صحت ~~الرواية عنه - علم أنها ثنتان. ومن قواعدهم أن زيادة الثقة مقبولة. # PageV02P510 # وأصيب سلمة يوم خيبر بضربة في ساقه، فنفث فيها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ثلاث نفثات، فما اشتكاها قط. رواه البخارى. # والأخبار في هذا المعنى أكثر مما ذكرناه. # ومن آياته - صلى الله عليه وسلم - عصمته من الناس وكفاية أذاهم، على شدة ~~العداوة، ومع وحدته وقلة عضده وناصره، وكان - صلى الله عليه وسلم - يدعو ~~إلى الإيمان بالله وحده. وينادي عليهم في أنديتهم بتسفيه أحلامهم، وسب ~~آلهتهم، ورميها بكل عيب وسوء، فيبالغون - حتى أقرب أقاربه كعمه أبي لهب - ~~في إيذائه والتجري عليه، لكثرتهم ووحدته - صلى الله عليه وسلم - وهو مع ذلك ~~محروس بحراسة الله -تعالى- مكلوء بكلاءته، محفوظ بحفظه، متماد على ما هو ~~عليه، غير ملتفت إلى أذاهم، إلى أن مكنه الله من نواصي أعدائه، فأذاق من ~~بقي منهم على كفره الهوان. # فروى مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " «قال أبو جهل: ~~هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزى، لئن رأيته ~~يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرن» # PageV02P511 # «وجهه في التراب. ثم إنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يصلي؛ ~~ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيده، ~~فقيل له: ما لك؟ قال: إن بيني وبينه ms158 خندقا من نار وهولا وأجنحة. فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوا عضوا» ". # وعن جابر قال: " «غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد، ~~فأدركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في واد كثير العضاة، فنزل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تحت شجرة، فعلق سيفه بغصن من أغصانها، وتفرق ~~الناس بالوادي يستظلون بالشجر، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن ~~رجلا أتاني وأنا نائم، فأخذ السيف، فاستيقظت وهو قائم على رأسي، والسيف في ~~يده صلتا، فقال: ما يمنعك مني؟ قلت: الله. فشام السيف، وها هو ذا جالس. # ثم لم يعرض له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان ملك قومه، فانصرف ~~حين عفا عنه، وقال: والله لا أكون في قوم هم حرب لك» ". أخرجه البخاري ~~ومسلم. # PageV02P512 # ومن هذا الباب العبرة المشهورة والكفاية التامة عندما أجمعت قريش على ~~قتله وبيتوه لما أراد الهجرة، فخرج عليهم من بيته، فقام على رؤوسهم وقد ضرب ~~الله على أبصارهم، وذرى التراب على رؤوسهم، وخلص منهم. # ثم حمايته إذ هو وأبو بكر في الغار وقد وقف الكفار على بابه، بما هيأ ~~الله من الآيات، ومن العنكبوت الذي نسج عليه، حتى قال أمية بن خلف حين ~~قالوا: ندخل الغار: ما إربكم فيه، وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه قبل ~~يولد محمد؟ !. # ووقفت حمامتان على فم الغار، فقالت قريش: لو كان فيه أحد لما كانت هناك ~~الحمام. # ثم قصة سراقة بن مالك بن جعشم حين اتبعه على فرسه؛ ليأسره لقريش حيث ~~جعلوا عليه الجعائل، فلما قرب منه دعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فساخت قوائم فرسه، ثم دعاه وأبا بكر بالأمان، وقال: ما أصبت إلا من جهتكم، ~~ووقع في نفسه ظهور النبي # PageV02P513 # - صلى الله عليه وسلم - فطلب منه أن يكتب له أمانا. فأمر أبا بكر فكتب ~~له، فانصرف يقول للناس: كفيتم ما هنا. # ومن مشهور ذلك خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس حين وفدا على النبي ms159 - صلى ~~الله عليه وسلم - وكان عامر قال له: أنا أشغل عنك وجه محمد فاضربه أنت، فلم ~~يره فعل شيئا. فلما كلمه في ذلك قال له: والله ما هممت أن أضربه إلا وجدتك ~~بيني وبينه، أفأضربك؟ !. # وعن فضالة بن عمرو قال: أردت قتل النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح ~~وهو يطوف بالبيت، فلما دنوت منه قال: فضالة؟ قلت: نعم. قال: ما كنت تحدث به ~~نفسك؟ قلت: لا شيء # PageV02P514 # فضحك واستغفر لي، ووضع يده على صدري فسكن قلبي. فوالله ما رفعها حتى ما ~~خلق الله أحب إلي منه. # والأحاديث والأخبار في معجزات نبينا - صلى الله عليه وسلم - كثيرة جدا، ~~قد أفردت بالمصنفات الكبارعند المتقدمين والمتأخرين، وإنما ذكرنا من صحيحها ~~ومشهورها ما هو كالأنموذج الدال على ما وراءه. # وبالله التوفيق. # PageV02P515 # فصل # في بيان أن هذه الأخبار تفيد العلم؛ ليعرف بطلان قول النصراني: " إن هذه ~~المعجزات مما لم يكن عليه شهود ". # فنقول: هذه المعجزات منها ما هو في القرآن. وقد علم بالضرورة عند الموافق ~~والمخالف إتيانه من قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - كما قدمنا الإشارة إلى ~~ذلك. # ومنها ما هو متواتر، كنبع الماء من بين أصابعه، وحنين الجذع، وتكثير ~~الطعام. فما من طبقة من طبقات الأمة إلا وهذه المعجزات منقولة عنده، ~~وتواترها أعظم من تواتر كثير من الأحكام. # فهو أعظم من تواتر سجود السهو؛ فإن سجود السهو متواتر مقطوع به، مع أنه ~~إنما كان مرات قليلة ولا يحضره إلا المصلون خلفه لتلك الصلاة. # وكذلك حكمه - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة فيما لم يقسم. # وكذلك نقلهم لنصب الزكاة، فإنه مع كونه متواترا مقطوعا به فلم يسمعه منه ~~إلا طائفة قليلة. # وأمثال ذلك كثيرة، إنما سمعها طائفة من الأمة هم أقل بكثير ممن شاهد ~~آياته. # PageV02P517 # قال بعض الأئمة: # ومن المعلوم بالضرورة أنه قد جرى على يديه - عليه الصلاة والسلام - آيات، ~~وخوارق عادات، إن لم يبلغ واحد منها معينا القطع فيبلغه جميعها، فلا مرية ~~في جريان معانيها على يديه. # ولا يختلف مؤمن ولا كافر أنه ms160 جرت على يديه عجائب، وإنما خلاف المعاند في ~~كونها من قبل الله. # وقد قدمنا إيضاح الدلالة على كونها من قبل الله، وأن ذلك بمثابة قوله: ~~صدق عبدي؛ فأطيعوه. # فهذا أحد الوجوه في إثبات هذه المعجزات وهو التواتر العام. # الوجه الثاني: التواتر الخاص. # وذلك في كثير من أفراد هذه المعجزات. فإن الأخبار قد تستفيض وتتواتر عند ~~قوم دون قوم بحسب طلبهم لها، وعلمهم بمن أخبر بها، وما دل من الدلائل على ~~صدقهم. # وأهل العلم بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم من العلم بهذا ما ليس ~~عند غيرهم. # كما أن أصحاب مالك والشافعي وغيرهما، عند كل كل طائفة من أقوال متبوعيهم ~~وأخباره ما يقطعون به، وإن كان غيرهم لا يعرفه. # والأطباء عندهم من كلام بقراط وأمثاله كذلك. # PageV02P518 # وأهل العلم بأيام الإسلام يعلمون من سيرة الخلفاء ومغازيهم ما يقطعون به، ~~وإن كان غيرهم لا يعرفه. # بل أهل العلم بالرجال يعلمون من حال آحاد الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما ~~لا يعلمه غيرهم. # والنحاة يعلمون من حال سيبويه وأمثاله ما لا يعلمه غيرهم. # فكيف بمن هو عند أتباعه أعلى قدرا من كل عالم، وأرفع منزلة من كل ملك، ~~وهم أرغب الخلق في معرفة أحواله، وأعظم الناس تحريا للصدق فيها، ولرد الكذب ~~منها، حتى صنفوا الكتب الكثيرة في أخبار جميع من روى شيئا من أخباره، ~~وذكروا من الجرح والتعديل، ووقعوا في ذلك، وبالغوا مبالغة لا يوجد مثلها ~~لأحد من الأمم، ولا لأحد من هذه الأمة إلا لأهل الحديث، وميزوا في ~~المنقولات بين الصدق والكذب، فيردون الكذب وإن كان فيه من فضائل نبيهم ~~وأعلام نبوته ما هو أعظم مما يقبلون، ويقبلون الصدق وإن كان فيه شبهة يحتج ~~بها المنازع. # PageV02P519 # قال عبد الرحمن بن مهدي: أهل العلم يثبتون ما لهم وعليهم، وأهل البدع لا ~~يثبتون إلا ما لهم. # فإذا كان أولئك فيما ينقلونه عن متبوعهم جازمين به لا يكون إلا صدقا. ~~فهؤلاء مع جزمهم بالصدق واتفاقهم على التصديق أولى. # قال شيخ الإسلام أبو العباس: " وعامة أخبار الصحيحين ms161 مما اتفق أهل الحديث ~~على التصديق بها، وجزموا بذلك ". # الوجه الثالث في تصحيح هذه المعجزات: التواتر المعنوي. # وهذا مما اتفق عليه عامة الطوائف، فإن الناس يسمعون أخبارا متفرقة تتضمن ~~شجاعة علي، وعمر، وأمثالهما، وسخاء حاتم ومعن # PageV02P520 # وأمثالهما، وحلم الأحنف ومعاوية وأمثالهما، فيحصل علم ضروري بأن الشخص ~~موصوف بهذا وإن كان كل خبر لو تجرد لم يفد العلم. # فهذه الأحاديث وأضعاف أضعافها هي أضعاف أضعاف ما نقل عن الواحد من هؤلاء، ~~ونقلتها أجل وأكبر، وعلم المسلمين بها أعظم من علم أهل الكتب بآيات موسى ~~وعيسى، فما يذكرون من حجة في صحة نقلها إلا وحجة المسلمين فيما ينقلونه عن ~~نبيهم وأصحابه أظهر وأقوى. # الوجه الرابع: # أنها تكون بمحضر من الخلق الكثير، كتكثير الطعام يوم الخندق، ونبع الماء ~~من بين أصابعه يوم الحديبية، وفيضان البئر بها، وكلهم صالحون لا يعرف فيهم ~~من تعمد كذبة واحدة. # وكان بعضهم ينقلها قدام آخرين ممن حضرها، فيذهب أولئك، فيخبرون بها ~~أولئك، فيصدق بعضهم بعضا، ويحكي هذا مثل ما حكى هذا، من غير تواطؤ. وأدنى ~~أحواله أن يقرره، ولا ينكره. # PageV02P521 # ونعلم بموجب العادة الفطرية، وبما كان عليه السلف من تحري الصدق، وشدة ~~توقيهم الكذب على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وروايتهم عنه التحذير من ~~الكذب عليه وتعظيم الوعيد على ذلك، كما في الحديث المتواتر عنه: " ... «من ~~كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» " أنهم لم يكونوا يقرون من يعلمون ~~أنه يكذب عليه، بل نعلم أنه لو كان ما سمعوه منكرا عندهم وغير معروف لديهم ~~لأنكروه. كما أنكر بعضهم على بعض أشياء رواها في السنن والسير وغير ذلك. ~~وخطأ بعضهم بعضا ووهمه في ذلك في قضايا معلومة. # ومن تعقل ما ذكرناه علم قطعا أنهم متفقون على نقل تلك المعجزات. كما ~~اتفقوا على نقل القرآن. # ومما يبين ذلك أن ما أنكره بعضهم على الآخر، وإن كانوا متأخرين عن ~~الصحابة أوجب التنازع في حكم ذلك كتنازعهم: هل كان يجهر بالبسملة في الصلاة ~~الجهرية؟ أو يداوم على القنوت في الفجر. # وهو من ms162 أهون الأمور؛ إذ كلهم متفقون على صحة صلاة من فعل أو ترك. # PageV02P522 # ولكن لما تنازعوا في فعله تنازعوا في الحكم، فعلم أن ما كان مشهورا في ~~الأمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ينكره أحد من علمائها كانت ~~الأمة متفقة على نقله. # وكذلك حجة؛ فإنهم متفقون على ما تواتر عنه من أنه لم يحج بعد الهجرة إلا ~~حجة واحدة، وأنه عاش بعدها نحو ثلاثة أشهر. # قال أبو العباس: # " واتفقوا على أنه لما حج أمر أصحابه إلا من ساق الهدي إذا طاف وسعى أن ~~يحل، وأنه لم يعتمر هو وأصحابه الذين حجوا معه بعد الحج إلا عائشة، وأنه لم ~~يحل، ولا من ساق الهدي معه. # وإنما اشتبه على بعضهم بعض ألفاظه، أو بعض الأمور التي تخفى على كثير من ~~الناس. # وكان الصحابة ينقلون تمتعه، ومرادهم أنه قرن بين العمرة والحج، وبعضهم ~~قال: أفرد الحج، فظن بعض الناس أنه اعتمر بعد الحج. # وقال بعضهم: قرن، فظن بعض الناس أنه طاف طوافين، وسعى سعيين. # ومن أسباب الغلط أن الصحابة يستعملون تلك الألفاظ في غير المعاني التي ~~استعملها من بعدهم ". # PageV02P523 # قال: "ومن تدبر هذا أفاده علما يقينا بصحة هذه المعجزات عنه ". # الوجه الخامس: # إن كل طائفة من العلماء ممن صنف في علوم الأثر قد تواتر عندهم من هذه ~~الآيات ما فيه كفاية، فكتب التفسير متواتر فيها. وكذلك كتب الحديث، وكذلك ~~كتب السير، وإن لم يكن هذا مقصودا منها. # وإنما المقصود ما أصوله تلك الكتب من الأحكام وغيرها، فنقل كل طائفة يفيد ~~العلم اليقيني، فكيف بنقل الكل!. # وهذه الأوجه التي ذكرناها يستدل بها تارة على تواتر الجنس العام. # وهذا أقل ما يكون، وعلى تواتر جنس جنس، منها كتكثير الطعام والطهور، وعلى ~~نوع نوع، كنبع الماء من بين أصابعه، وعلى تواتر شخص شخص، كحنين الجذع. # وكلما أمعن الإنسان في ذلك النظر واعتبره بأمثاله وأعطاه حقه من النظر ~~والاستدلال ازداد به علما ويقينا، وتبين له أن العلم بذلك أظهر من جميع ما ~~يطلبه بالأخبار المتواترة. # فليس ms163 في الدنيا علم مطلوب بالأخبار المتواترة إلا والعلم بآيات الرسول ~~وشرائع دينه أظهر من ذلك. # PageV02P524 # وما من حال أحد من الأنبياء والملوك والعلماء وأقواله وأفعاله وسيرته إلا ~~والعلم بأحوال محمد - صلى الله عليه وسلم - أظهر. # وما من علم يعلم بالتواتر مما هو موجود الآن، كالعلم بالبلاد البعيدة، ~~إلا والعلم بحال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وما هم عليه من الدين، ~~وما ينقلونه عن نبيهم من آياته وشرائع دينه أظهر؛ تحقيقا لقوله - تعالى -: ~~{هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله ~~شهيدا} . # وظهوره على الدين كله بالعلم والحجة والبيان، إنما هو بما يظهره من ~~آياته، وذلك إنما يتم بما ينقل عن محمد - صلى الله عليه وسلم - من آياته ~~التي هي الأدلة، وشرائعه التي هي المدلول المقصود بالأدلة. # فهذا قد أظهره الله علما وحجة وبيانا على كل دين. # كما أظهره قوة ونصرا وتأييدا على كل دين، والحمد لله رب العالمين. # وكل واحد من هذه الأوجه الخمسة التي ذكرناها يفيد العلم بصحة هذه ~~المعجزات، فكيف وهي كلها متظاهرة متضافرة!. # وهذه غير البراهين المستفادة من القرآن، فإن تلك قد تجرد لها طوائف ذكروا ~~من أنواعها وصفاتها كثيرا، حتى بينوا أن ما في القرآن من الآيات يزيد على ~~عشرات الألوف. # PageV02P525 # وقد أشرنا فيما تقدم إلى مجامع ذلك وأصوله التي يرجع إليها. # وهذان غير ما في كتب أهل الكتاب من الإخبار به مما قدمنا بعضه. # وهذه الثلاثة غير ما في شريعته، وغير صفات أمته، وغير ما يدل على نبوته ~~من المعرفة بسيرته وأخلاقه. # وهذا كله غير نصر الله له، وإكرامه لمن آمن به، وعقوبته لمن كفر به. # فإن تعداد أعيان دلائل النبوة لا يمكن بشرا الإحاطة به، وذلك أنه لما كان ~~الإيمان به واجبا على كل أحد بين الله لكل قوم - بل لكل شخص - ما لا يبين ~~لآخرين. # كما أن دلائل الربوبية أعظم وأكبر من كل مدلول، ولكل قوم بل لكل إنسان من ~~الدلائل التي يريد الله إياها في نفسه وفي ms164 الآفاق ما لا يعرف أعيانها قوم ~~آخرون، قال الله - تعالى -: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق} . # والضمير عائد على القرآن عند المفسرين. # كما دل عليه قوله - تعالى -: {قل أرأيتم إن كان من عند الله ثم كفرتم به ~~من أضل ممن هو في شقاق بعيد} . # PageV02P526 # ثم قال: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ~~أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} . # فأخبر - تعالى - أنه سيري الناس في أنفسهم، وفي الآفاق من الآيات ~~العيانية ما يبين لهم أن الآيات المسموعة حق، فيتطابق العقل والسمع، ويتفق ~~العيان والقرآن، وتصدق المعاينة الخبر. قاله شيخ الإسلام أبو العباس. # وإذ عرف ما قررناه تبين بطلان قول النصراني: " إن هذه المعجزات مما لم ~~يكن عليه شهود "، وقامت الحجة، وانقطعت المعذرة. # واعلم أنه لم يبق للمخالف ما يتعلل به سوى العناد المحض والكفر الصراح. # وما أحسن ما قال الإمام أبو عبد الله ابن القيم: # " إنه لا يمكن ألبتة أن يؤمن يهودي بنبوة موسى إن لم يؤمن بنبوة محمد - ~~عليهما الصلاة والسلام - ولا يمكن نصرانيا أن يقر بنبوة المسيح إلا بعد ~~إقراره بنبوة محمد عليهما الصلاة والسلام. # وبيان ذلك أن يقال لهاتين الأمتين: أنتم لم تشاهدوا هذين # PageV02P527 # الرسولين، ولا شاهدتم آياتهما، وبراهين نبوتهما، فكيف يسع عاقلا أن يكذب ~~نبيا ذا دعوة شائعة وكلمة قائمة وآيات باهرة، ويصدق من ليس مثله ولا قريبا ~~منه في ذلك؛ لأنه لم ير أحد النبيين ولا شاهد معجزاته؟. # فإذا كذب بنبوة أحدهما لزمه التكذيب بنبوتهما، وإن صدق أحدهما لزمه ~~التصديق بنبوتهما. # فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بالأنبياء كلهم، ولم ينفعه إيمانه. # قال الله - تعالى -: {إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين ~~الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ~~أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا والذين آمنوا بالله ~~ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم وكان الله غفورا ~~رحيما} . # وقال - تعالى ms165 -: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} ... . # فنقول للمغضوب عليه: هل رأيت موسى وعاينت معجزاته؟ فبالضرورة يقول: لا. # PageV02P528 # فنقول له: بأي شيء عرفت نبوته وصدقه؟ # فله جوابان: # أحدهما: أن يقول: أبي عرفني ذلك، وأخبرني به. # الثاني: أن يقول: التواتر، وشهادات الأمم حقق ذلك عندي، كما حقق خبرهم ~~وشهادتهم وجود البلاد النائية، والبحار، والأنهارالبعيدة، وإن لم أشاهدها. # فإن اختار الجواب الأول، وقال: إن شهادة أبي وإخباره إياي بنبوة موسى كان ~~سبب تصديقي نبوته. # فيقال له: فلم كان أبوك عندك صادقا، وكلامه معصوما عن الكذب وأنت ترى ~~الكفار يعلمهم آباؤهم ما هو كفر عندك؟ فإذا كنت ترى الأديان الباطلة، ~~والمذاهب الفاسدة قد أخذها أربابها عن آبائهم كأخذك مذهبك عن أبيك، وأنت ~~تعلم أن الذي هم عليه ضلال؛ فيلزمك أن تبحث عما أخذته عن أبيك خوفا أن تكون ~~هذه حاله. # فإن قال: إن الذي أخذته عن أبي أصح من الذي أخذه الناس عن آبائهم، كفاه ~~معارضة غيره له بمثل قوله. # فإن قال: أبي أصدق من آبائهم، وأعرف، وأفضل، عارضه سائر الناس في آبائهم ~~بنظير ذلك. # فإن قال: أنا أعرف حال أبي، ولا أعرف حال غيره. # قيل له: فما يؤمنك أن يكون غير أبيك أصدق من أبيك، وأفضل وأعرف؟ # PageV02P529 # وبكل حال فإن كان تقليده لأبيه حجة صحيحة كان تقليد غيره لأبيه كذلك. # وإن كان ذلك باطلا كان تقليده لأبيه باطلا. # فإن رجع عن هذا الجواب، واختار الجواب الثاني، وقال: إنما علمت نبوة موسى ~~بالتواتر قرنا بعد قرن، فإنهم أخبروا بظهوره ومعجزاته وآياته وبراهين ~~نبوته، التي تضطر إلى تصديقه. # فيقال له: لا ينفعك هذا الجواب؛ لأنك قد أبطلت ما شهد به التواتر من نبوة ~~المسيح ومحمد، عليهما الصلاة والسلام. # فإن قال: تواتر ظهور موسى ومعجزاته وآياته، ولم يتواتر ذلك في المسيح ~~ومحمد. # قيل: هذا هو اللائق ببهت الأمة الغضبية، فإن الأمم جميعهم قد عرفوا أنهم ~~قوم بهت. وإلا فمن المعلوم أن الناقلين ms166 لمعجزات المسيح ومحمد - عليهما ~~الصلاة والسلام - أضعاف أضعافكم بكثير، والمعجزات التي شاهدها أوائلهم لا ~~تنقص عن المعجزات التي أتى بها موسى - عليه السلام - وقد نقلها عنهم أهل ~~التواتر جيلا بعد جيل وقرنا بعد قرن، وأنت لا تقبل خبر التواتر في ذلك، ~~وترده، فيلزمك ألا تقبله في أمر موسى. # ومن المعلوم بالضروة أن من أثبت شيئا ونفى نظيره فقد تناقض. وإذا اشتهر ~~النبي في عصره، وصحت نبوته في ذلك بالآيات التي ظهرت معه لأهل عصره، ووصل ~~خبره إلى أهل عصر آخر وجب عليهم تصديقه والإيمان به، وموسى والمسيح ومحمد ~~في هذا سواء. # PageV02P530 # ولعل تواتر الشهادات بنبوة موسى أضعف من تواتر الشهادة بنبوة عيسى، لأن ~~الأمة الغضبية قد مزقها الله كل ممزق، وقطعها في الأرض، وسلبها ملكها ~~وعزها، فلا عيش لها إلا تحت قهر سواها من الأمم لها. # بخلاف أمة عيسى - عليه السلام - فإنها قد انتشرت في الأرض، وفيهم الملوك، ~~ولهم الممالك. # وأما الحنفاء فممالكهم قد طبقت مشارق الأرض ومغاربها وملؤوا الدنيا سهلا ~~وجبلا، فكيف يكون نقلهم لما نقلوه كذبا، ونقل الأمة الغضبية الجاهلية ~~القليلة الذليلة صدقا؟ !. # فثبت أنه لا يمكن يهوديا على وجه الأرض يصدق بنبوة موسى إلا بتصديقه ~~وإقراره بنبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ولا يمكن نصرانيا ألبتة الإيمان ~~بالمسيح إلا بعد الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم. # ولا ينفع هاتين الأمتين شهادة المسلمين بنبوة موسى والمسيح لأنهم إنما ~~آمنوا بهما على يد محمد صلى الله عليه وسلم. # فكان إيمانهم بهما من الإيمان بمحمد وما جاء به، فلولاه ما عرفنا نبوتهما ~~ولا آمنا بهما. # ولا سيما فإن أمة الغضب والضلال ليس بأيديهم عن أنبيائهم ما يوجب الإيمان ~~بهم، فلولا القرآن ومحمد - صلى الله عليه وسلم - ما عرفنا شيئا من آيات ~~الأنبياء المتقدمين؛ فمحمد - صلى الله عليه وسلم - وكتابه هو الذي قرر نبوة ~~موسى ونبوة المسيح، لا اليهود والنصارى. # PageV02P531 # بل كان نفس ظهوره ومجيئه تصديقا لنبوتهما؛ فإنهما أخبرا به، وبشرا ~~بظهوره. فلما بعث كان بعثه تصديقا لهما، وهذا أحد المعنيين ms167 في قوله - تعالى ~~-: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} . أي: مجيؤه تصديق لهم من جهتين: # من جهة إخبارهم بمجيئه ومبعثه. # ومن جهة إخباره بمثل ما أخبروا به ومطابقة ما جاء به لما جاءوا به. # فإن الرسول الأول إذا أتى بأمر لا يعلم إلا بالوحي، ثم جاء نبي آخر لم ~~يقارنه في الزمان ولا المكان ولا تلقى عنه، بمثل ما جاء به سواء، دل ذلك ~~على صدق الرسولين الأول والآخر. # وكان ذلك بمنزلة رجلين أخبر أحدهما بخبر عن عيان، ثم جاء آخر من غير بلده ~~وناحيته بحيث يعلم أنه لم يجتمع به، ولا تلقى عنه، ولا عمن تلقى عنه، فأخبر ~~بمثل ما أخبر به الأول سواء، فإنه يضطر السامع إلى تصديق الأول والثاني. # فالمعنى أنه لم يأت مكذبا لمن قبله من الأنبياء مزريا عليهم، كما يفعل ~~الملوك المتغلبة على الناس بمن تقدمهم من الملوك. بل جاء مصدقا لهم شاهدا ~~بنبوتهم. # ولو كان كاذبا متقولا منشئا من عنده شيئا مما جاء به لم يصدق من قبله، بل ~~كان يزري بهم، ويطعن عليهم كما يفعل أعداء الأنبياء ". انتهى. # PageV02P532 # فصل # واعلم أن آيات النبوة ومعجزاتها لا تختص بحال التحدي أو حال دعوى النبوة، ~~كما ظنه بعض أهل الكلام، بل تكون في حياة الرسول وقبل مولده وبعد وفاته. # لكن لا بد من آيات في حياته تقوم بها الحجة كما قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: " «ما من الأنبياء نبي إلا أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر» ". ~~وكما قال الله - تعالى -: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد ~~وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات} ### | .... # الآيات، وقال - تعالى -: {وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا} ، ~~فأخبر - سبحانه - أنه ضرب الأمثال لجميعهم وأهلكهم بعد إقامة الحجة عليهم. # والآيات في هذا كثيرة. # وكانت آيات نبينا - صلى الله عليه وسلم - غير مختصة بما بعد البعثة، بل ~~ظهرت آياته قبل مولده وعند مولده وحال نشأته، ثم ظهرت الآيات الكبار بعد ~~بعثته. # PageV02P533 # منها ما وقع ms168 مقارنا للتحدي، ومنها غير ذلك. # ثم استمرت آياته ومعجزاته بعد وفاته، وعلى مر السنين وتعاقب الدهور من ~~وقوع ما أخبر به من الغيوب ومن ظهور دينه على الدين كله، واقتران العز ~~والظهور بطاعته واتباع شريعته، والذل والصغار بإضاعة أمره ومخالفته، مما ~~يبين ذلك للمتوسمين في عموم الناس، وفي خاصة أنفسهم. # وأكبر ذلك وأعظمه معجزة القرآن المستمرة على مر السنين، وبقاؤه محفوظا ~~كما أنزل غضا طريا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. # قال بعض أئمتنا: # ومما ينبغي أن يعلم أن الله إذا أرسل نبيا، وأتى بآية دالة على صدقه، ~~قامت بها الحجة وظهرت بها المحجة، فمن طالب بآية ثانية لم تجب إجابته، بل ~~وقد لا تنبغي، لأنه إذا جاء بثانية طولب بثالثة، فإذا جاء بها طولب برابعة، ~~وطلب المتعنتين لا أمد له. # ومعلوم أن من قامت عليه الحجة في مسألة أو في حق من حقوق العباد التي ~~يتخاصمون فيها، لو قال: أنا لا أقبل حتى تقوم علي حجة ثانية وثالثة، كان ~~ظالما، ولم تجب إجابته، ولا يمكن الحكام الخصوم من ذلك، فحق الله الذي أوجب ~~على عباده من توحيده والإيمان به وبرسله أولى. # PageV02P534 # ثم قد يكون في تتابع الآيات حكمة، فتتابع، كآيات محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - لعموم دعوته، فإن الأدلة كلما كثرت كان أظهر، فقد يعرف دلالة أحد ~~الأدلة من لا يعرف دلالة الآخر، وقد يبلغ هذا ما لا يبلغ هذا، وقد يرسل ~~الأنبياء بآيات متتابعة، ويقسي قلوب الكفار عن الإيمان، لينتشر ذلك ويظهر، ~~ويبلغ ذلك قوما آخرين، فيصير سببا لإيمانهم. # كما في التوراة: " أنه يقسي قلب فرعون، ليظهر عجائبه وآياته ". # وكما صد المكذبين بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حتى يسعوا في معارضته، ~~والقدح في آياته، فيظهر بذلك عجزهم عن معارضة القرآن وغيره من آياته. # بخلاف ما لو اتبع ابتداء بدون ذلك، فإنه قد كان يظن أنهم قادرون على ~~معارضته. # وكذلك - أيضا - يكون في ذلك من صبره وجهاده ويقينه وصبر أصحابه وأتباعه ~~وجهادهم ما ينالون به ms169 عظيم الدرجات في الدنيا والآخرة. # وقد تقتضي الحكمة ألا يرسل بالآيات التي توجب عذاب الاستئصال، كما ذكره ~~في كتابه العزيز، وكان الكفار يقترحون. # PageV02P535 # فتارة يجيبهم، لما فيه من الحكمة، وتارة لا يجيبهم، لما فيه من المضرة. # وربما طلب الرسول تلك الآيات رغبة في إيمانهم، فيجاب بأنها لا تسلتزم ~~الهدى، بل تستلزم إقامة الحجة، وتوجب عذاب الاستئصال لمن كذب بها. # وقد بين الله - تعالى - أنه لا يظهرها لانتفاء المصلحة أو لوجود المفسدة. # قال - تعالى -: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل ~~إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم ~~وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا ~~نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ~~ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} . # وقال تعالى: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون وآتينا ~~ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها وما نرسل بالآيات إلا تخويفا} . # PageV02P536 # وهذا المعنى مذكور في عامة كتب التفسير والحديث وغيرها. # كما ذكروا «عن ابن عباس قال: سأله أهل مكة أن يحول لهم الصفا ذهبا، وأن ~~ينحي عنهم الجبال، حتى يزرعوا، فقيل: إن شئت تستأني بهم، وإن شئت أن نؤتيهم ~~الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلك من قبلهم، قال: بل أستأني بهم. فأنزل ~~الله هذه الآية: # {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} . الآية. # » وروى ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية قال: رحمة لكم أيتها الأمة، إنا ~~لو أرسلنا الآيات، فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم، وقد كانت الآيات ~~تأتيه - صلى الله عليه وسلم - آية بعد آية فلا يؤمنون بها. # قال تعالى: {وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد ~~كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون ألم يروا كم ~~أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء ~~عليهم مدرارا ms170 وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من ~~بعدهم قرنا آخرين ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين ~~كفروا إن هذا إلا سحر مبين وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي ~~الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون ~~ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون قل ~~سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين} . # PageV02P537 # أخبر - سبحانه - أن الآيات تأتيهم فيكذبون بالحق، وأنهم سوف يرون صدق ما ~~جاء به الرسول، كما أهلك من كان قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسول، فإن ~~الله يقول: # {وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما ~~كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} . # وأخبر بشدة كفرهم بأنه لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا: إن هذا إلا سحر مبين. # ويبين - سبحانه - أنه لو جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا ~~لا يطيقون أن يروا الملائكة في صورهم، وحينئذ فكان اللبس يقع لظنهم أنه بشر ~~لا ملك. # PageV02P538 # وقال تعالى: {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا أو تكون لك ~~جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت ~~علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى ~~في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت ~~إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث ~~الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من ~~السماء ملكا رسولا} . # وهذه الآيات التي اقترحوا لو أجيبوا بها ثم لم يؤمنوا، أتاهم عذاب ~~الاستئصال. وأيضا هي مما لا يصلح، فإن تفجير الينبوع بمكة يصيرها واديا ذا ~~زرع، والله - تعالى - من حكمته جعل بيته بذلك الوادي، لئلا يكون عنده ما ~~ترغب النفوس ms171 فيه من الدنيا، فيكون حجه للدنيا لا لله. # وإذا كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - جنة كذلك كان فيه من التوسع في ~~الدنيا ما ينقص درجته. # وكذلك إذا كان له بيت من زخرف - وهو الذهب - وإسقاط السماء لا يكون إلا ~~يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أنه لا يكون إلا يوم القيامة. # فقولهم - كما زعمت - كذب منهم، إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس ~~فاسدا. # PageV02P539 # وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا، فلما سأل قوم موسى ما هو دونه ~~أخذتهم الصاعقة. # وأما إنزال الكتاب فقد قال - تعالى -: # {يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ~~ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ~~ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا ورفعنا فوقهم ~~الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون ~~إلا قليلا وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} . الآيات. # بين - سبحانه - أن المشركين سألوه إنزال الكتاب، وأن أهل الكتاب سألوه ~~ذلك، وبين أن الطائفتين لم يؤمنوا إذ جاءهم ذلك، وإنما سألوه تعنتا. # فقال عن المشركين: {ولو نزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين} . # PageV02P540 # وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك، وأنهم مع ذلك نقضوا ~~الميثاق، وكفرو بآيات الله، وقتلوا النبيين، إلى أمثال ذلك، وأنه بسبب ~~ظلمهم وصدهم عن سبيل الله حرم عليهم طيبات. # ففيه من الاعتبار لهذه الأمة أن الأمة المكذبة إذا جاءتهم الآيات ~~المقترحة لم يكن فيها منفعة لهم، بل توجب عقوبة الاستئصال، فكان ألا تنزل ~~أعظم رحمة وحكمة. # وقد عرض الله - تعالى - على محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يهلك قومه ~~لما كذبوه، فقال: " «بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد ~~الله لا يشرك ms172 به شيئا» ". # كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: " «قلت: يا رسول الله، هل أتى ~~عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت ~~منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني ~~إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن ~~الثعالب، فرفعت» # PageV02P541 # «رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت، فإذا فيها جبريل - عليه السلام ~~- فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوه عليك، وقد بعث إليك ~~ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، وسلم علي، وقال: يا ~~محمد، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك، لتأمرني ~~بأمرك فيما شئت، فإن شئت أطبقت عليهم الأخشبين. فقال - صلى الله عليه وسلم ~~-: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا» ". ~~أخرجه البخاري ومسلم. والأخشبان: جبلا مكة المحيطان بها. # ولما طلبت من المسيح المائدة كانت من الآيات الموجبة لمن كفر بها عذابا ~~لم يعذبه أحدا. # فكان قبل نزول التوراة يهلك الله المكذبين للرسل بعذاب الاستئصال. # وأظهر - تعالى - آيات كثيرة لما أرسل موسى، ليبقى ذكرها في الأرض، إذ كان ~~بعد نزول التوراة لم يعذب أحدا بعذاب الاستئصال. # PageV02P542 # بل قال - تعالى -: {ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون ~~الأولى} ... . # فكان بنو إسرائيل لما كانوا يفعلون ما يفعلون من الكفر والمعاصي يعذب ~~بعضهم ويبقي بعضهم، إذ كانوا لم يتفقوا على الكفر. # ولهذا لم يزل في الأرض أمة من بني إسرائيل باقية على الحق. # قال - تعالى -: {وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك} ~~... . # وقال - تعالى -: ### | .... # {من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله} ... الآيتين. # وكان من حكمته ورحمته - سبحانه وتعالى - لما أرسل محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - ألا يهلك قومه بعذاب الاستئصال، بل عذب بعضهم بأنواع العذاب، كالذين ~~قال فيهم: {إنا كفيناك المستهزئين} . # والذي دعا عليه أن ms173 يسلط عليه كلبا، وأمثال ذلك. # PageV02P543 # قال - تعالى -: {قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن ~~يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا} ... . # فأخبر أنه معذبهم تارة بأيدي المؤمنين، وتارة بعذاب غير ذلك. # فكان ذلك مما يوجب إيمان أكثرهم، كما جرى لقريش وغيرهم، فإنه لو أهلكهم ~~كالذين قبلهم لبادوا، وانقطعت المنفعة عنهم، ولم يبق لهم ذرية تؤمن، بخلاف ~~الأول، فإن فيه من إذلالهم وقهرهم ما يوجب عجزهم. # والنفوس إذا قدرت لا تكاد تنصرف عن مرادها، بخلاف ما إذا عجزت عن كمال ~~أغراضها، فإنه يدعوها إلى التوبة، كما قيل: من العصمة ألا تقدر. # ولهذا آمن عامتهم، ولم يقتل منهم إلا القليل، وهم صناديد الكفر الذين كان ~~أحدهم في هذه الأمة كفرعون في تلك الأمة. # كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال عن أبي جهل: " هذا ~~فرعون هذه الأمة» ". # وفي التوراة: (أني أقسي قلب فرعون، لتظهر آياتي وعجائبي) . # PageV02P544 # بين أن فيه من الحكمة انتشار آياته الدالة على صدق أنبيائه في الأرض، إذ ~~كان موسى قد أخبر بتكليم الله له، وبكتابة التوراة له. فأظهر الله له من ~~الآيات ما يبقي ذكرها في الأرض. # وكان في ضمن ذلك من تقسية قلب فرعون ما أوجب أن أهلكه وقومه أجمعين. # وفرعون كان منكرا لله جاحدا لربوبيته لا يقر به، فلذلك أوتي من الآيات ما ~~يناسب حاله. # وأما بنو إسرائيل مع المسيح فهم مقرون بالكتاب الأول، فلم يحتاجوا إلى ~~مثل ما احتاج إليه موسى عليه السلام. # ومحمد - صلى الله عليه وسلم - لم يكن محتاجا إلى تقرير جنس النبوة، إذ ~~كانت الرسل قبله جاءت بما يثبت ذلك. وقومه كانوا مقرين بالله، وإنما الحاجة ~~إلى تثبيت نبوته. # ومع هذا فأظهر الله على يديه من الآيات مثل آيات من قبله وأعظم. # ومع هذا فلم يأت بآيات الاستئصال التي يستحق مكذبها العذاب العام العاجل. # فلهذا بين الله - تعالى - أنها إذا جاءت لا تنفعهم، إذ كانوا لا يؤمنون ~~بها، ولكن تضرهم، ومع وجود المانع وعدم المقتضي لا ms174 يصلح الفعل. # PageV02P545 # قال - تعالى -: {وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون} ... ~~الآية. # فهو يعلم أن قلوب هؤلاء كقلوب أولئك، قال - تعالى -: {كذلك ما أتى الذين ~~من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} . # وقال: {أكفاركم خير من أولئكم} ... ذكره في السورة التي ذكر فيها انشقاق ~~القمر، وإعراضهم عن الآيات، وقولهم: سحر مستمر، وتكذبيهم، واتباعهم أهواهم، ~~وفيها: {ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر} ، أي: من أنباء الغيب ما يزجر ~~عن الكفر، إذ كان في تلك الآيات بيان صدق الرسول، والإنذار لمن كذبه ~~بالعذاب، كما عذب المتقدمين. # ولهذا يقول عقيب القصة: {فكيف كان عذابي ونذر} ، أي: كيف كان عذابي لمن ~~كذب رسلي، وكيف كان إنذاري بذلك قبل مجيئه!. # وفيها: {كذبوا بآياتنا كلها} ### | .... # في قصة آل فرعون، لأنهم # PageV02P546 # كذبوا بجميع آيات موسى وجميع آيات الأنبياء قبله، وكذبوا بجميع الآيات ~~الدالة على وجود الرب - تعالى - وقدرته ومشيئته. # ثم قال: ### | .... # {أكفاركم} ### | .... # أي: أيتها الأمة ... {خير من أولئكم} ... الذين كذبوا نوحا، ومن بعده ... ~~{أم لكم براءة في الزبر} . وذلك كونكم لا تعذبون مثلهم، إما لكونكم خيرا ~~منهم لا تستحقون ما استحقوا، أو يكون الله أخبر أنه لا يعذبكم، فإن ما ~~يفعله الله تارة يعلم بخبره، وتارة يعلم بمشيئته، وحكمته وعدله، فإما أن ~~تكونوا علمتم هذا من هذا الوجه، أو من هذا الوجه. # هذا إن نظر إلى فعل الله الذي لا طاقة للبشر به. # وإن نظر إلى قوة الرسول، فيقولون: {نحن جميع منتصر} ، فإنهم أكثر وأقوى، ~~فقال - تعالى -: {سيهزم الجمع ويولون الدبر} . # وهذا أخبر به وهو بمكة في قلة الأتباع، ولا يظن أحد بالعادة المعروفة أن ~~أمره يعلو قبل أن يهاجر ويقاتل، فكان كما أخبر، فإنهم يوم بدر وغيرها ~~هزموا، وتلك سنة الله في المؤمنين والكافرين. # وحيث ظهر الكفار فلذنوب المسلمين التي نقصت إيمانهم. # PageV02P547 # ثم إذا تابوا بتكميل إيمانهم نصرهم الله، كما قال - تعالى -: {ولا تهنوا ~~ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} . # وقال: {أولما أصابتكم ms175 مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند ~~أنفسكم إن الله على كل شيء قدير} . # فإذا كان من تمام الحكمة والرحمة ألا يهلكهم هلاك الاستئصال كالذين قبلهم ~~كان ألا يأتي بموجب ذلك، مع إتيانه - سبحانه - بما يقيم الحجة، ويوضح ~~المحجة أكمل في الحكمة والرحمة. # إذ كان ما أتى به من الآيات حصل به كمال الخير والمصلحة والهدى، والبيان ~~والحجة على من كفر. # وما امتنع منه دفع به من العذاب العام ما أوجب بقاء جمهور الأمة حتى ~~يهتدوا. # وكان في إرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - لما كان خاتم الرسل من المنن ~~السابقة ما لم يكن في رسالة رسول غيره صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. # PageV02P548 # فصل # قال شيخ الإسلام أبو العباس: ### | الكلام في النبوة من جنس الكلام في الخبر # ، فقول القائل: (إني رسول الله إليكم) خبر من الأخبار، والخبر تارة يكون ~~مطابقا لمخبره كالصدق المعلوم أنه صدق، وتارة لا يكون كالكذب المعلوم أنه ~~كذب ". # فإن لم يقم دليل صدقه أو كذبه بقي ما لا نصدقه ولا نكذبه، ولهذا قال - ~~تعالى -: ... {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} ... . # فأمر بذلك، لأنه قد يصدق، فدل على أنه لا يجوز تصديقه بمجرد إخباره، ولا ~~يجوز - أيضا - تكذيبه قبل أن يعرف أنه كذب. # وفي صحيح البخاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «إذا حدثكم أهل ~~الكتاب فلا تصدقوهم، ولا تكذبوهم، وقولوا: آمنا بالذي أنزل إلينا، وأنزل ~~إليكم، وإلهنا وإلهكم واحد، ونحن له مسلمون» ". # وهذا مأثور عن غيره من الأنبياء، كما جاء عن المسيح - عليه # PageV02P549 # السلام - أنه قال: " الأمور ثلاثة: أمر تبين رشده فاتبعوه، وأمر تبين غيه ~~فاجتنبوه، وأمر اشتبه عليكم فكلوه إلى عالمه ". # وعامة عقلاء بني آدم على هذا، وهو مما يجب معرفته. # فإن كثيرا من الناس لا يميز بين ما ينفيه لقيام الدليل على نفيه، وبين ما ~~لم يثبته لعدم دليل إثباته، فينفي ما ليس له به علم. ... {وتقولون بأفواهكم ~~ما ليس لكم به علم} ... . # وكثير من الناس يعلم بالاستدلال والنظر صدق شخص ms176 معين. # كما أن كثيرا منهم يعلم بالأخبار والنقل والاستدلال بذلك أمورا كثيرة، ~~ومن لم يشاركهم فيما سمعوه، وفيما عرفوه من أحوال المخبرين، وأحوال المخبر ~~به لا يعلم ما علموه. # فلهذا كان لأهل النظر العقلي طرق لا يعرفها أهل الأخبار. # ولأهل الأخبارالسمعية طرق لا تعرف بمجرد العقول. # ولهذا كان لهؤلاء من الطرق الدالة على صدق الرسول ونبوته، والاستدلال على ~~ذلك أمور كثيرة لا يعرفها أهل الأخبار. # وعند أهل الأخبار من الأحاديث المتواترة عندهم، والآيات المستبينة ما ~~يعرفون به صدق الرسول، وإن كان أولئك لا يعرفونها. # PageV02P550 # والناس قد يعلمون أن الخبر الواحد قد يقوم الدليل على كذبه، فيعلم أنه ~~كذب وإن أخبر به ألوف، إذا كان خبرهم عن غير علم أو عن تواطؤ. # مثل أخبار أهل الاعتقادات الباطلة بها. # وأما إذا أخبروا عن علم منهم فهم صادقون في نفس الأمر. # ويعلم صدقهم تارة بتواتر أخبارهم من غير مواطأة، ولو كانا اثنين. # فإن الاثنين إذا أخبرا بخبر طويل أسنداه إلى علم، وقد علم أنهما لم ~~يتواطآ عليه، ولا هو مما يتفق في العادة تماثلها فيه في الكذب أو الغلط، ~~علم أنه صدق. # وقد يعلم صدق الخبر الواحد بأنواع من الدلائل وبقرائن تقترن به تكون صفات ~~في المخبر من علمه ودينه وتحريه الصدق، أو تكون صفات في المخبر به مختصة ~~بذلك الخبر أو بنوعه، كحاجب الأمير إذا قال بحضرته لعسكره: إن الأمير قد ~~أذن لكم في الانصراف، وأمركم أن تركبوا غدا، أو أمر عليكم فلانا، ونحو ذلك. # فإن العادة كما قد تمنع التواطؤ على الكذب، فإنها قد تمنع التواطؤ على ~~الكتمان وإقرار الكذب، فما توفرت الهمم والدواعي على ذكره يمتنع أن يتواطأ ~~أهل المكان على كتمانه. # PageV02P551 # كما يمتنع في العادة أن تحدث حادثة عظيمة تتوافر الهمم والدواعي على ~~نقلها في الحج أو المجامع أو العسكر. # وإذا امتنع السكوت عن إظهارها، فالسكوت عن تكذيب الكاذب فيها أشد ~~امتناعا. # وقد تكون الدلائل صفات في المخبر تقترن بخبره. # فإن الإنسان قد ترى حمرة وجهه، فيميز بين حمرته ms177 من الخجل والحياء وبين ~~حمرته من الحمى وزيادة الدم، وبين حمرته من الحمام وبين حمرته من الغضب. # وكذلك يميز بين صفرته من الفزع وصفرته من الحزن وصفرته من المرض. # حتى إن الأطباء الحذاق يعلمون حال المريض بمجرد رؤيته لا يحتاجون مع ذلك ~~إلى نبض وقارورة. # وكذلك تعرف أحواله النفسانية هل هو فرح أو محزون، وهل هو محب مريد للخير ~~أو مبغض مريد للشر؟ # PageV02P552 # كما قيل: # تحدثني العينان ما القلب كاتم ... من الغل والبغضاء بالنظر الشزر # وكما قيل: # والعين تنظر من عيني محدثها ... هل كان من حزبها أو من أعاديها # ثم إذا تكلم مع ذلك دل كلامه على أبلغ مما تدل عليه سيما وجهه. # وقد روي عن عثمان - رضي الله عنه - أنه قال: " ما أسر أحد سريرة إلا ~~أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه ". # وقال عمر بن الخطاب للعابث في صلاته: " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ". # PageV02P553 # والرجل الصادق البر يظهر على وجهه من نور صدقه وبهجة وجهه سيما يعرف بها، ~~وكذلك الكاذب الفاجر. # وكلما طال عمر الإنسان ظهر هذا فيه، حتى إن الرجل في صغره يكون جميل ~~الوجه، فيظهر في آخر عمره من قبح وجهه ما أثره باطنه وبالعكس. # وروي عن ابن عباس أنه قال: " إن للحسنة نورا في القلب وضياء في الوجه، ~~وقوة في البدن، وسعة في الرزق، ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة ظلمة في ~~القلب، وسوادا في الوجه، ووهنا في البدن، وبغضة في قلوب الخلق ". # وقد يكون الرجل ممن لا يتعمد الكذب، لكن يعتقد اعتقادات باطلة في الله ~~ورسله ودينه وعباده الصالحين، ويكون له زهادة وعبادة واجتهاد مع ذلك، فيؤثر ~~ذلك الذي ظنه صدقا وتوابعه في باطنه، ويظهر ذلك على وجهه، فيعلوه من القترة ~~والسواد ما يناسب حاله. كما قال بعض السلف: # " لو ادهن صاحب البدعة كل يوم بدهان فإن سواد البدعة لفي وجهه ". # PageV02P554 # وهذه تظهر يوم القيامة ظهورا تاما، قال - تعالى -: {ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة} ... الآيتين. # وقال - تعالى -: {يوم تبيض ms178 وجوه وتسود وجوه} ... الآيتين. # والمقصود أن ما في القلب من قصد الصدق والمحبة والبر ونحو ذلك قد يظهر ~~على الوجه، حتى يعلم ذلك علما ضروريا من أبلغ العلوم الضرورية، وكذلك ~~العكس. # وإذا كان كذلك؛ فمن نبأه الله واصطفاه لرسالته كان قلبه من أفضل القلوب ~~صدقا وبرا. # ومن افترى على الله الكذب كان قلبه من أشر القلوب كذبا وفجورا. # كما قال ابن مسعود: # " إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه ~~لرسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب ~~العباد، فاتخذهم الله لصحبة نبيه. فما رآه المؤمنون حسنا فهو عند الله حسن، ~~وما رآه المؤمنون سيئا فهو عند الله سيئ ". # PageV02P555 # وإذا كان من أعظم زمانه صدقا وبرا فلا بد أن يظهر على لسانه وعلى صفحات ~~وجهه ما يناسب ذلك. # كما أن الكاذب الكافر لابد أن يظهر عليه ما يناسبه. # وهذا يكون تارة حين إخباره، وتارة في غير تلك الحال. # فإن الرجل إذا جاء، وقال: إن الأمير أرسلني إليكم بكذا، فقد يقترن ~~بإخباره من كيفيته وحاله ما يعلم به أنه صادق أو كاذب. # وإن كان معروفا قبل ذلك بالصدق أو الكذب، كان ذلك دلالة أخرى. # وقد يكون ممن يكذب، ولكن يعرف أنه صادق في ذلك الخبر. # دع من يستمر على عادة واحدة بضعا وعشرين سنة مع أصناف الناس واختلاف ~~أحوالهم. # والمقصود أن العلم بصدق الصادق، وكذب الكاذب كغيرهما من المعلومات، قد ~~يكون ضروريا، وقد يكون نظريا. # وهو ليس من الضروريات الكلية، كالعلم بأن الواحد نصف الاثنين. # بل من العلم بالأمور الغيبية، كالعلم بحمرة الخجل، وصفرة الوجل، وعدل ~~العادل، وظلم الظالم، مما يعرفه الخبير به علما ضروريا، وإن كان استدلاليا. # PageV02P556 # وإذا كان القائل: إني رسول الله، إما أن يكون من خيار الناس وأصدقهم ~~وأبرهم وأفضلهم، وإما أن يكون من شرار الناس وأكذبهم وأفجرهم، فالفرق بين ~~هذين يكون من وجوه كثيرة لا تكاد تنضبط. # وقد تحصل المعرفة عند سماع خبر هذا ورؤية وجهه ms179 وسماع كلامه، وما يلزم ~~ذلك، ويقترن به من بهجة الصدق ونوره، ومن ظلمة الكذب وسواده وقبحه. # فتبين بذلك أن كثيرا من الناس إذا رأوا الكاذب وسمعوا كلامه، تبين لهم ~~كذبه، تارة بعلم ضروري، وتارة باستدلالي، وتارة بظن قوي. # وكذلك النبي الصادق إذا رأوه وسمعوا كلامه، تبين لهم صدقه بعلم ضروري أو ~~نظري قبل أن يروا خارقا. # وقد يكون أولا بظن قوي، ثم يقوى حتى يصير يقينا، كما في المعلوم بالأخبار ~~المتواترة والتجارب. # قال أبو العباس: # وهذه الطريقة سلكها طوائف، منهم القاضي عياض، فقال: " إذا تأمل المنصف ~~أحوال نبينا - صلى الله عليه وسلم - من جميل أثره، وحميد سيرته، وبراعة ~~علمه، ورجاحة عقله، وحلمه، وكماله، وشاهد حاله وصواب مقاله لم يمتر في صحة ~~نبوته وصدق دعوته ". # PageV02P557 # قال: وقد كفى هذا غير واحد في إسلامه والإيمان به، فروينا عن الترمذي ~~وابن قانع وغيرهما بأسانيدهم أن عبد الله بن سلام قال: # " «لما قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة جئت لأنظر إليه، ~~فلما استبنت وجهه عرفت أنه ليس وجه كذاب» ". رواه غير واحد عن عوف الأعرابي ~~عن زرارة بن أوفى عن عبد الله بن سلام. # وعن أبي رمثة قال: " «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي» # PageV02P558 # «ابن لي، فلما رأيته قلت: هذا نبي الله» ". # وفي صحيح مسلم «أن ضمادا لما قدم مكة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع أن ~~محمدا مجنون قال: " فأتيته، فقلت: إني أرقى من هذه الريح، وإن الله شفى على ~~يدي من شفى، فهل لك؟ فقال: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا ~~مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد. فقال: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن ~~ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت بقول الكهنة والسحرة والشعراء، فما سمعت مثل ~~كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر، هات يدك؛ أبايعك على الإسلام، ~~فبايعه، فقال: وعلى قومك؟ قال: وعلى قومي» ". # PageV02P559 # وعن جامع بن شداد قال: ms180 " «كان رجل منا أخبر أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بالمدينة. فقال: هل معكم شيء تبيعونه؟ قلنا: هذا البعير. قال: ~~بكم؟ قلنا: بكذا وكذا وسقا من تمر، فأخذ بخطامه، وسار إلى المدينة. فقلنا: ~~بعنا من رجل لا ندري من هو. ومعنا ظعينة، فقالت: أنا ضامنة لثمن البعير، ~~رأيت وجه رجل مثل القمر ليلة البدر؛ لا يخيس بكم، فأصبحنا، فجاء رجل بتمر، ~~فقال: أنا رسول رسول الله إليكم؛ يأمركم أن تأكلوا من هذا التمر، وتكتالوا ~~حتى تستوفوا، ففعلنا» ". # وفي خبر الجلندي - ملك عمان - لما بلغه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يدعوه إلى الإسلام. # PageV02P560 # قال الجلندي: " والله لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه لا يأمر بخير إلا ~~كان أول آخذ به، ولا ينهى عن شر إلا كان أول تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ~~ويغلب فلا يضجر، ويفي بالعهد، وينجز الموعود، وأشهد أنه نبي ". # وقال نفطويه في قوله - تعالى -: ... {يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار} ~~... : " هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم - يقول: يكاد ~~منظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنا، كما قال ابن رواحة: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... لكان منظره ينبيك بالخبر # انتهى. # PageV02P561 # وقد كان إيمان خديجة وأبي بكر وغيرهما من السابقين الأولين قبل انشقاق ~~القمر، وإخباره بالغيوب، وتحديه بالقرآن. # لكن كان بعد سماعهم القرآن الذي هو نفسه آية، ونفس إخباره أنه رسول الله، ~~لما يعرف من أحواله المستلزمة لصدقه، إلى غير ذلك من آيات الصدق. # كما قالت خديجة - رضي الله عنها - لما قال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: " «لقد خشيت على نفسي» " وذلك أول ما جاءه الملك: أبشر، فو الله لا ~~يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب ~~المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق ". # PageV02P562 # فاستدلت بما فيه من الأخلاق والصفات الفاضلة والشيم الكريمة على أن من ~~كان كذلك لا يخزى أبدا. # فعلمت بكمال عقلها وفطرتها أن الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة والشيم ~~الشريفة ms181 تناسب أشكالها من كرامة الله وتأييده وإحسانه، لا تناسب الخزي ~~والخذلان، وإنما يناسبه أضدادها، فلذلك بادرت إلى الإيمان والتصديق. # وأبو بكر كان من أعقل الناس وأخبرهم، فلما تبين له حاله علم علما ضروريا ~~أنه نبي صادق. # وكان أتم أهل الأرض يقينا، علما وحالا. # وكذلك هرقل لما سأل أبا سفيان عن تلك المسائل في أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأجابه أبو سفيان، استدل بذلك على نبوته. # والحديث في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدثني أبو ~~سفيان بن حرب، قال: " انطلقت في المدة التي كانت # PageV02P563 # بيني وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الشام، فبينما أنا بها ~~إذ جيء بكتاب من النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل، جاء به دحية ~~الكلبي، فدفعه إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى عظيم الروم هرقل. # فقال هرقل: هل ههنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ # فقالوا: نعم، فدعيت في نفر من قريش، فدخلنا عليه، فأجلسنا بين يديه. # فقال: أيكم أقرب نسبا منه؟ فقلت: أنا. فأجلسني بين يديه وأصحابي خلفي، ثم ~~دعا ترجمانه. # فقال: قل لهؤلاء: إني سائل هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني ~~فكذبوه. # قال أبو سفيان: وأيم الله، لولا أن يؤثروا علي الكذب لكذبته. # PageV02P564 # ثم قال لترجمانه: سله كيف حسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو حسب. # فقال: هل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. # قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. # قال: فهل يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. # قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون. # قال: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ قلت: لا. # قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم. # قال: كيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، يصيب منا، ونصيب ~~منه. # قال: فهل يغدر؟ قلت: لا. ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. # قال أبو سفيان: فوالله ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه. ms182 # PageV02P565 # قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت: لا. # فقال لترجمانه: قل له: # إني سألتك عن حسبه فيكم، فزعمت أنه فيكم ذو حسب، وكذلك الرسل تبعث في ~~أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك فزعمت أن لا. فقلت: لو كان في ~~آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه. # وسألتك عن أتباعه: أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. وهم أتباع ~~الرسل. # وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا. فعرفت ~~أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ويكذب على الله. # وسألتك: هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه سخطة له؟ فزعمت أن لا. ~~فكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب. # وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم. # وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قاتلتموه، فتكون الحرب بينكم وبينه ~~سجالا؛ ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لهم العاقبة. # PageV02P566 # وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر. وكذلك الرسل لا تغدر. # وسألتك: هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول ~~أحد قبله قلت: رجل ائتم بقول قيل قبله. # ثم قال: بم يأمركم؟ قلنا: بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. # فقال: إن يك ما تقول حقا فإنه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظنه ~~منكم، ولو أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه. # ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي. # ثم دعا بكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقرأه، فإذا فيه: " «بسم ~~الله الرحمن الرحيم. # من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. # أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام: أسلم تسلم؛ يؤتك الله أجرك مرتين، ~~فإن توليت فإن عليك إثم الإريسيين، و {قل ياأهل الكتاب تعالوا إلى كلمة ~~سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا ~~أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} . # PageV02P567 # «فلما فرغ ms183 من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده، وكثر اللغط، فأمر بنا، ~~فأخرجنا. # فقلت لأصحابي: لقد أمر أمر # ابن أبي كبشة؛ أنه ليخافه ملك بني الأصفر. فمازلت موقنا بأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام» ". # PageV02P568 # المقام الرابع # قال النصراني: # " فصل في تمييز الأسباب التي بواسطتها انتشرت كلتا الشريعتين، قد قلنا في ~~شأن الشريعة المسيحية: إنها انتشرت بواسطة الآيات والمعجزات التي صدرت، لا ~~عن المسيح وحده، بل وعن تلاميذه، وبواسطة الصبر على الشدائد وأنواع العذاب ~~في طاعة الله. أما الذين نشروا دين محمد فإنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات، ~~ولم يقاسوا شيئا من البلايا الشديدة، ولا من أنواع القتل الشنيعة من أجل ~~اعتقادهم، بل تبعت الشريعة حيث سهل السيف طريقها قدامها، فإنها متعلقة ~~بالكلية بالسيف والقتال ". # الجواب - والله الموفق -: # هذا الكلام يدل إما على الجهل المفرط، وإما على العناد والمكابرة في ~~إنكار ما استفاضت به الأخبار، وتضمنته كتب السيرة، وتلقاه الخلف عن السلف ~~من شدة ما عاناه المؤمنون من أذى المشركين، إذ كانوا بمكة مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وما قاسوه من الضيق والبلاء، تارة بالضرب الشديد، وتارة ~~بالقتل الشنيع، وتارة بالحصار وقطع الميرة عنهم، وعدم اتصال أحد بنافعة ~~إليهم، إلى غير ذلك من إخراجهم من ديارهم وإزعاجهم من أوطانهم. # وهم في كل ذلك صابرون على دينهم متابعون نبيهم - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يبالون بما أصابهم في ذات الله. # قال الإمام محمد بن إسحاق في السيرة: # PageV02P569 # " إنهم - يعني المشركين - عدوا على أسلم وبايع واتبع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من أصحابه، فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين، ~~فجعلوا يحبسونهم، ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد ~~الحر. # فمن استضعفوا منهم يفتنونهم عن دينهم، فمنهم من يفتتن من شدة البلاء الذي ~~يصيبه، ومنهم من يصبر، ويعصمه الله منهم. # فكان بلال - مولى أبي بكر - لبعض بني جمح، مولدا من مولديهم، وكان صادق ~~الإسلام طاهر القلب. # فكان أمية بن خلف يخرجه إذا حميت ms184 الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ~~ثم يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا والله، لا تزال ~~هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. # فيقول - وهو في ذلك البلاء -: أحد أحد. حتى مر به أبو بكر الصديق يوما ~~وهم يصنعون ذلك به، فاشتراه، وأعتقه ". # PageV02P570 # قال ابن إسحاق: "ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست ~~رقاب ... # منهم زبيرة، فأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا ~~اللات والعزى. فقالت: كذبوا، ما تضر اللات والعزى وما ينفعان. فرد الله ~~إليها بصرها. # ومر بجارية لبني عدي، وكان عمر بن الخطاب يعذبها، لتترك الإسلام - وهو ~~يومئذ مشرك - وهو يضربها، حتى إذا مل، قال: إني أعتذر إليك أني لم أتركك ~~إلا ملالة، فابتاعها أبو بكر، فأعتقها. # وكان بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه - # PageV02P571 # وكانوا بيت إسلام - إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة ". # قال ابن إسحاق: # " فيمر بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيقول فيما بلغني: " «صبرا ~~آل ياسر، موعدكم الجنة» ". فأما أمه فقتلوها وهي تأبى إلا الإسلام. # وكان أبو جهل الذي يغري بهم في رجال من قريش، إذا سمع بالرجل قد أسلم له ~~شرف ومنعة أنبه وخزاه، فقال: تركت دين أبيك وهو خير منك، لنسفهن حلمك، ~~ولنضعن شرفك. وإن كان تاجرا قال: والله لنكسدن تجارتك، ولنهلكن مالك. وإن ~~كان ضعيفا ضربه وأغرى به ". # قال: " وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس: ~~أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من العذاب ~~ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ~~ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي كان ~~به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ". # فلما رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يصيب أصحابه # PageV02P572 # من البلاء، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من ذلك قال لهم: ms185 " «لو ~~خرجتم إلى إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، حتى يجعل الله ~~لكم فرجا ومخرجا مما أنتم فيه» ". # فخرج إليها كثير منهم ممن لم يطق المقام بمكة، وصبروا على الجلاء ومفارقة ~~الأوطان والعشائر والإقامة في دار البغضاء البعداء، حتى أنجز الله لهم ما ~~وعدهم. # ثم حصرت قريش رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن معه من المؤمنين في ~~شعب أبي طالب، ومعهم أبو طالب ومن تابعه على النصرة من مشركي بني هاشم وبني ~~المطلب. # وتعاقدت قريش على أن لا يجالسوهم، ولا يبايعوهم، ولا يتركوا أحدا يصل ~~إليهم بنافعة، حتى يسلموا إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتد ~~الأمر عليهم، ودام ذلك ثلاث سنين حتى نقض الله ما عقدوه، وأعز رسوله وحزبه. # فهذا بعض حال المهاجرين من أهل مكة. # وأما الأنصار فإن الذي دعاهم إلى الدخول في الإسلام واتباع محمد - صلى ~~الله عليه وسلم - بعد عناية الله بهم وسابقة الحسنى أن # PageV02P573 # اليهود كانوا جيرانهم بالمدينة، وكانت تقع بينهم الحروب في الجاهلية. ~~فكانت اليهود تستفتح عليهم، وتقول: هذا زمان نبي يبعث، فنتبعه، فنقتلكم معه ~~قتل عاد. فقدم طائفة منهم مكة في بعض المواسم، وسمعوا ما يدعو إليه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - من محاسن الشريعة وما يتلوه من القرآن الذي ~~دلتهم عقولهم أنه ليس من قول البشر، وعلموا أنه رسول الله، وأنه الذي كانت ~~توعدهم به اليهود، فآمنوا به، وصدقوه، وبايعوه على الإيمان والنصرة. # ولما أرادوا بيعته ليلة العقبة - وكانوا سبعين رجلا - قال لهم أسعد بن ~~زرارة - وهو أحد ساداتهم - وقد أخذ بيد النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول ~~الله، وإن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف، ~~فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وجزاؤكم على الله، وإما أنتم تخافون من ~~أنفسكم خيفة فذروه، فهو أعذر لكم عند الله. # فقالوا: يا أسعد، انقل عنا يدك، فو الله لا ندع ms186 هذه البيعة، ولا ~~نستقيلها. فبايعوه، وأعطاهم بذلك الجنة ". # PageV02P574 # ومن المعلوم أن ما تحملوه من ذلك هو من أعظم ما يشق على النفوس؛ فإنهم ~~نابذوا العرب قاطبة، بل الخلق كلهم، وقاطعوا من لم يدخل معهم في ذلك من ~~أهليهم وعشائرهم، وقطعوا الحبال بينهم وبين الناس. # وهكذا المهاجرون من غير أهل مكة، قد أسلم منهم كثير، وهجروا أوطانهم ~~وعشائرهم، وهاجروا إليه في المدينة وصبروا على ما كابدوه من الجوع والعري ~~والشدة ومفارقة المألوفات قبل أن يقوم الجهاد. # وإنما دخلوا بالدعوة والقرآن، وإلا فلم يكن له - صلى الله عليه وسلم - ما ~~يستميل به القلوب من مال، فيطمع فيه، ولا قوة يقهر بها الرجال، ولا أعوان ~~على الأمر الذي أظهروه، والدين الذي دعا إليه. # وكانوا حين دعاهم مجتمعين على عبادة الأصنام وتعظيم الأزلام، مقيمين على ~~ما هم عليه من عبية الجاهلية في العصبية والحمية والتمادي والتباغي وسفك ~~الدماء وشن الغارات. # لا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم عن سوء أفعالهم نظر في عاقبة ولا خوف ~~عقوبة ولا لائمة، فألف الله بنبيه - صلى الله عليه وسلم - بين قلوبهم، وجمع ~~كلمتهم، حتى اتفقت الآراء، وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي. # فصاروا إلبا واحدا في نصرته، وعنقا واحدا إلى طاعته، # PageV02P575 # وهجروا أوطانهم وبلادهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم ~~وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا ~~بسطها عليهم، ولا أموال أفاضها إليهم، ولا عوض في العاجل أطمعهم في نيله ~~يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه. # بل كان من شأنه - صلى الله عليه وسلم - أن يجعل الغني فقيرا والشريف أسوة ~~الوضيع. # فهل تلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد؟. # وهذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبر الفكري، لا والذي بعثه ~~بالحق، وسخر له هذه الأمور لا يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر ~~إلهي، وشيء غالب سمائي، ناقض للعادات ويعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر ~~عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين. # وبهذا يتبين أن قيام ms187 دينه - صلى الله عليه وسلم - إنما كان بالحجة. ولكنه ~~شرع الجهاد لتبليغ الأدلة، وإيصال الحجة، وإنفاذ البيان إلى المخاطبين. ومن ~~أجل ذلك كان أكثر الداخلين بالسيف لما سمعوا القرآن وعرفوا الإسلام انفتحت ~~بصائرهم، وصلحت عقائدهم، واستبصروا فيما كانوا عنه من قبل ذلك عمين. # ولهذا المعنى لما وقعت الهدنة التي عقدها النبي - صلى الله عليه # PageV02P576 # وسلم - بينه وبين المشركين يوم الحديبية، وأمن الناس بعضهم بعضا، واختلط ~~المسلمون بالكفار، وبادؤوهم بالدعوة، وأسمعوهم القرآن وخلى كل بأهله ~~وأصدقائه، وأخبروهم بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعجزاته وأعلام ~~نبوته وحسن سيرته وجميل طريقته، وعاينوا بأنفسهم كثيرا من ذلك، دخل في ~~الإسلام في مدة هذه الهدنة كثير من الناس، ولهذا سماه الله فتحا مبينا. # والمقصود التنبيه على ما نال المسلمين من الشدائد، وما كانوا عليه من ~~الصبر في طاعة الله ورسوله ونصرة دينه، وأن ذلك إنما كان باليقين الذي ~~اقتضاه ما شاهدوه من آيات النبوة، وأعلام الرسالة، وأن دين الإسلام اشتهر ~~وانتشر في القبائل بالدعوة والبيان قبل أن يفرض الجهاد. وسيأتي تتمة لهذا ~~المعنى إن شاء الله تعالى. # PageV02P577 # فصل # وأما قول النصراني: # " لأنهم لم يظهروا شيئا من المعجزات ". # فجوابه: # أن معجزات نبيهم - صلى الله عليه وسلم - غنية عن غيرها فإنه قد حصل بها ~~قيام الحجة والدلالة على أنه رسول الله، فلا حاجة بعد ذلك إلى ظهور الخوارق ~~على يد أصحابه وأتباعه. # ومع ذلك فقد ظهر على أيديهم من الخوارق والآيات الدالة على أن متبوعهم ~~رسول الله ما لا يحصى. # واعلم أن كثيرا من أهل الكلام لا يسمي معجزا إلا ما كان للأنبياء فقط. ~~وأما ما يجري على يد الولي فيسمونه كرامة. # ونقل عن السلف أنهم كانوا يسمون هذا معجزا، وذكر ذلك عن الإمام أحمد. # ثم ما يجري على يد غير النبي من الخوارق، إن ظهر على يد صالح متبع للسنة ~~قائم على قدم العبودية المرضية فهو المسمى كرامة. # وإن كانت حال من ظهرت له الخوارق بضد ذلك فهو استدراج، وخيال شيطاني، ~~وليس من حال أولياء ms188 الله وكرامتهم. # PageV02P579 # قال بعض الأئمة: # "اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء، ومشى على الماء لم ~~يغتر به حتى تنظر متابعته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموافقته ~~لأمره ونهيه". # فأولياء الله المتقون هم المهتدون المقتدون بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فيفعلون ما أمر، وينتهون عما عنه زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه ~~فيه، فيؤيدهم الله - تعالى - بملائكته، وروح منه، ويقذف في قلوبهم من ~~أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين. # وخيار أولياء الله تكون كراماتهم لحجة في الدين أو لحاجة بالمسلمين مثل ~~ما كانت معجزات نبيهم كذلك. # فكرامات أولياء الله إنما حصلت ببركة اتباعهم رسوله، فهي في الحقيقة تدخل ~~في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم. # إذا عرفت هذا، فاعلم أن الكرامات والخوارق والمعجزات المنقولة عن الصحابة ~~والتابعين ومن بعدهم من صلحاء الأمة وعلمائها كثيرة جدا. # مثل ما كان لسفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين انكسرت ~~سفينة في البحر هو فيها، فركب لوحا منها، فطرحه في الساحل بأرض فيها أسد، ~~قال: فخرج إلي الأسد يريدني، فقلت: # PageV02P580 # يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتقدم، ودلني ~~على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه يودعني، ورجع. # وكان أسيد بن حضير وعباد بن بشر تحدثا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في حاجة لهما حتى ذهب بعض الليل. # ثم خرجا من عنده وكانت ليلة شديدة الظلمة وفي يد كل واحد منهما عصا، ~~فأضاءت عصا أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، فلما فرق بينهما الطريق أضاءت ~~للآخر عصاه، حتى بلغ منزله. والقصة في صحيح البخاري وغيره. # ومن ذلك قصة أبي بكر الصديق - وهي في الصحيحين - لما ذهب # PageV02P581 # بثلاثة أضياف معه إلى بيته، وجعل لا يأكل لقمة إلا ربا أسفلها أكثر منها، ~~فشبعوا، وصارت أكثر مما كانت عليه قبل ذلك. # فنظر إليها أبو بكر وامرأته، فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وجاء إليه أقوام ms189 كثيرون، فأكلوا منها. # وكان خبيب بن عدي أسيرا عند المشركين بمكة، فكانوا يرون عنده العنب وما ~~على وجه الأرض يومئذ عنب. # وعامر بن فهيرة من شهداء بئر معونة التمسوا جسده فلم يقدروا عليه، وكان ~~لما قتل رفع فرآه عامر بن الطفيل وقد رفع. # قال عروة: فيرون أن الملائكة رفعته. # PageV02P582 # وخرجت أم أيمن مهاجرة، وليس معها زاد ولا ماء، فكادت تموت من العطش، فلما ~~كان وقت الفطر - وكانت صائمة - سمعت حسا على رأسها، فرفعته فإذا دلو برشاء ~~أبيض معلق، فشربت منه حتى رويت، فما عطشت بقية عمرها. # والبراء بن مالك كان إذا أقسم على الله أبر قسمه. فكانت الحرب إذا اشتدت ~~على المسلمين في الجهاد يقولون: يا براء، أقسم على ربك، فيقول: يا رب أقسمت ~~عليك لما منحتنا أكتافهم. فيهزم العدو. # فلما كان يوم اليمامة قال: يا رب أقسمت عليك لما منحتنا أكتافهم، وجعلتني ~~أول شهيد، فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدا. # وخالد بن الوليد حاصر حصنا، فقالوا: لا نسلم حتى تشرب السم. فشربه فلم ~~يضره. # PageV02P583 # وسعد بن أبي وقاص كان مستجاب الدعوة، ما دعاه قط إلا استجيب له، وهو الذي ~~هزم جنود كسرى وفتح العراق. # وعمر بن الخطاب ظهرت له الكرامات الكثيرة. # منها أنه أرسل جيشا، وأمر عليهم رجلا يدعى سارية. فبينما عمر يخطب إذ جعل ~~يصيح وهو على المنبر: " يا سارية، الجبل، يا سارية، الجبل ". فقدم رسول ذلك ~~الجيش، فسأله عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، لقينا عدونا فهزمونا، فإذا ~~بصائح: يا سارية، الجبل، يا سارية الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل، فهزمهم ~~الله. # ودعا سعيد بن زيد على أروى، حين كذبت عليه، فقال: " اللهم إن كانت كاذبة ~~فأعم بصرها، واقتلها في أرضها ". فعميت، ووقعت في حفرة من أرضها، فماتت. # والعلاء بن الحضرمي كان عامل النبي - صلى الله عليه وسلم - # PageV02P584 # على البحرين، وكان يقول في دعائه: " يا عليم ويا حليم يا علي يا عظيم " ~~فيستجاب له. # دعا الله بأن يسقوا فيتوضؤوا لما عدموا الماء، ولا يبقى الماء بعدهم، ~~فأجيب. # ودعا الله لما اعترضهم ms190 البحر، ولم يقدروا على المرور، فمروا كلهم هو ~~والعسكر بخيولهم على الماء، ولم تبتل سروج خيولهم. # ودعا الله ألا يروا جسده إذا مات، فلم يوجد جسده في اللحد. # وجرى مثل ذلك لأبي مسلم الخولاني الذي ألقي في النار، فإنه مشى هو ومن ~~معه من العسكر على دجلة وهي في قوة مدها، ثم التفت إلى أصحابه، فقال: هل ~~تفقدون من متاعكم شيئا حتى أدعو الله فيه؟ فقال بعضهم: فقدت مخلاة. فقال: ~~اتبعني، فاتبعه، فوجدها قد تعلقت بشيء، فأخذها. # PageV02P585 # وطلبه الأسود العنسي لما ادعى النبوة، فقال له: أتشهد أني رسول الله؟ ~~فقال: ما أسمع. قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. فأمر بنار، فألقي ~~فيها، فوجدوه قائما يصلي فيها، وقد صارت عليه بردا وسلاما. # وقدم المدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأجلسه عمر بينه وبين ~~أبي بكر، وقال: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني من أمة محمد من فعل به ~~كما فعل بإبراهيم خليل الله. # ووضعت له جاريته السم في طعامه، فأكله، فلم يضره، وخببت عليه امرأة ~~زوجته، فدعا عليها، فعميت، فجاءت إليه وتابت، فدعا الله، فرد عليها بصرها. # وكان عامر بن عبد قيس يأخذ عطاءه في كمه ألفي درهم، وما يلقاه سائل إلا ~~أعطاه بغير عدد، ثم يجيء إلى بيته، فلم يتغير عددها أو وزنها. # PageV02P586 # ومر بقافلة وقد حبسهم الأسد، فجاء حتى مس بثيابه فم الأسد، ووضع رجله على ~~عنقه، وقال: إنما أنت كلب من كلب الرحمن، وإني أستحي من الله أن أخاف شيئا ~~غيره. ومرت القافلة. # ودعا الله أن يهون عليه الطهور في الشتاء، فكان يؤتى بالماء له بخار. ~~ودعا ربه أن يمنع قلبه من الشيطان، فلم يقدر عليه. # وتغيب الحسن البصري عن الحجاج، فدخلوا عليه ست مرات، فدعا الله ألا يروه؛ ~~فلم يروه. # ودعا على بعض الخوارج، وكان يؤذيه؛ فخر ميتا. # وصلة بن أشيم مات فرسه وهو في الغزو، فقال: اللهم لا تجعل لمخلوق علي ~~منة، ودعا الله فأحياه له. فلما وصلوا إلى بيته قال ms191 لابنه: يا بني، خذ سرج ~~الفرس؛ فإنه عارية، فأخذ سرجه، فمات. # وجاع مرة بالأهواز فدعا الله واستطعمه، فوقعت خلفه دوخلة رطب في ثوب ~~حرير، فأكل، وبقي الثوب عند زوجته زمانا. # PageV02P587 # وجاءه الأسد وهو يصلي في غيضة بالليل، فلما سلم قال له: اطلب الرزق من ~~غير هذا الموضع. فولى الأسد وله زئير. # ورجل من النخع كان له حمار، فمات في الطريق، فقال أصحابه: هلم نتوزع ~~متاعك، فقال: أمهلوا هنيئة، ثم توضأ، فأحسن الوضوء، وصلى ركعتين، ودعا ~~الله، فأحيا له حماره، فحمل عليه متاعه. # ولما مات أويس القرني وجدوا في ثيابه أكعانا لم تكن معه قبل، ووجدوا له ~~قبرا محفورا فيه لحد من صخرة، فدفنوه فيه، وكفنوه في تلك الأثواب. # وكان عمرو بن عتبة بن فرقد يصلي يوما في شدة الحر، فأظلته غمامة. # وكان السبع يحميه، وهو يرعى ركاب أصحابه؛ لأنه كان يشترط على أصحابه في ~~الغزو أن يخدمهم. # وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير إذا دخل بيته سبحت معه آنيته. وكان هو ~~وصاحب له يسيران بالليل، فأضاء لهما طرف السوط. # PageV02P588 # ولما مات الأحنف بن قيس وقعت قلنسوة رجل في قبره، فأهوى ليأخذها، فوجد ~~القبر قد فسح فيه مد البصر. # وكان إبراهيم التيمي يقيم الشهر والشهرين لا يأكل شيئا. # وخرج يمتار لأهله طعاما، فلم يقدر عليه، فمر بسهلة حمراء، فأخذ منها، ثم ~~رجع إلى أهله، ففتحوها، فإذا هي حنطة حمراء. # فكان اذا زرع منها تخرج السنبلة من أصلها إلى فرعها حبا متراكبا. # وكان عتبة الغلام سأل ربه ثلاث خصال: صوتا حسنا، ودمعا غزيرا، وطعاما من ~~غير تكليف. فكان إذا قرأ بكى، وأبكى، ودموعه جارية دهره، وكان يأوي إلى ~~منزله، فيصيب فيه قوته، ولا يدري من أين يأتيه. # وكان عبد الواحد بن زيد أصابه الفالج، فسأل ربه أن يطلق # PageV02P589 # له أعضاءه وقت الوضوء، فكان وقت الوضوء تطلق له أعضاؤه، ثم تعود بعده. # وهذا باب واسع جدا لا يمكن أن يؤتى منه في هذا الموضع بأكثر مما ذكرناه. # وكلها قضايا عامتها مشهورة في ms192 كتب الحديث والأثر، وقد سقناها كما ساقها ~~شيخ الإسلام أبو العباس. # ثم قال: " ومما ينبغي أن يعرف أن الكرامات قد تكون بحسب حاجة الرجل، إذا ~~احتاج إليها الضعيف الإيمان، أو المحتاج، آتاه منها ما يقوي إيمانه، ويسد ~~حاجته، ويكون من هو أكمل ولاية لله منه مستغنيا عن ذلك، فلا يأتيه مثل ذلك ~~لعلو درجته وغناه عنها، لا لنقص ولايته. # ولهذا كانت هذه الأمور في التابعين أكثر منها في الصحابة، بخلاف من تجري ~~على يديه الخوارق لهداية الخلق أو لحاجاتهم، فهؤلاء أعظم درجة ". # وهذا بخلاف الأحوال الشيطانيه كأحوال الكهان الذين يكون لأحدهم القرين من ~~الشياطين، يخبره بكثير من المغيبات، مما يسترقه من السمع، وكانوا يخلطون ~~الصدق بالكذب، كما دل على ذلك # PageV02P590 # الحديث الصحيح الذي رواه البخاري، وغيره. # وكان للأسود العنسي الذي ادعى النبوة من الشياطين من يخبره ببعض الأمور ~~الغائبة. # فلما قاتله المسلمون كانوا يخافون أن تخبره الشياطين بما يقولون فيه حتى ~~أعانتهم عليه امرأته لما تبين لها كفره، فقتلوه. # وكذلك مسيلمة الكذاب، كان معه من الشياطين من يخبره بالمغيبات، ويعينه ~~على بعض الأمور. # وأمثال هؤلاء كثيرون، مثل: الحارث الدمشقي الذي خرج بالشام زمن عبد الملك ~~بن مروان، وادعى النبوة. # وكانت الشياطين تخرج رجله من القيد وتمنع السلاح أن ينفذ فيه. # PageV02P591 # وكان يري الناس بجبل قاسيون رجالا ركبانا على خيل في الهواء، ويقول: هي ~~الملائكة. وإنما كانوا جنا. # ولما أمسكه المساك ليقتلوه، طعنه الطاعن بالرمح، فلم ينفذ فيه، فقال له ~~عبد الملك: إنك لم تسم الله؛ فسم الله. وطعنه، فقتله. # وهكذا أهل الأحوال الشيطانية تنصرف عنهم شياطينهم إذا ذكر عندهم ما ~~يطردها مثل: آية الكرسي. # والمقصود عند ذكر هذه الخوارق التنبيه على الفرق بين كرامات الأولياء ~~وبين ما يشبهها من الأحوال الشيطانية؛ فإن بينهما فروقا متعددة. # منها: أن كرامات أولياء الله سببها الإيمان والتقوى، والأحوال الشيطانية ~~يكون سببها ما نهى الله ورسوله عنه، ويستعان بها على ما نهى الله عنه ~~ورسوله. # وتجد كثيرا ممن ضعفت بصيرته، وقل علمه بالكتاب والسنة وأحوال ms193 السلف ~~الصالح يكون عمدته في اعتقاده في شخص كونه وليا لله، أنه قد صدر عنه مكاشفة ~~في بعض الأمور أو بعض الخوارق للعادة. # مثل: أن يشير إلى شخص فيموت، أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، وأن ~~يمشي على الماء أحيانا، أو يملأ إبريقا من الهواء، أو ينفق بعض الأوقات من ~~الغيب، أو أن أحدا استغاث به وهو غائب أو ميت # PageV02P592 # فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما يسرق لهم أو بحال غائب لهم أو ~~مريض، أو نحو ذلك من الأمور. # وليس في شيء من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي الله، بل قد اتفق ~~أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ~~ينظر متابعته لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وموافقته لأمره ونهيه. # وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور. # وهذه الأمور وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله، فإن هذه ~~الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين، وأهل الكتاب والمنافقين، وتكون ~~لأهل البدع، فتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان فيه شيء من ~~هذه الأمور يكون وليا لله. # بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب ~~والسنة ويعرفون بنور الإيمان والإقرار بحقائق الإيمان الباطنة وشرائع ~~الإسلام الظاهرة. # ومثال ذلك أن هذه الأمور المذكوره وأمثالها قد توجد في أشخاص، ويكون ~~أحدهم لا يتوضأ، ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات، ~~معاشرا للكلاب، يأوي إلى الحمامات والمزابل التي هي مأوى الشياطين، ولا ~~يتطهر الطهارة الشرعية، ولا يتنظف. # وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " «لا تدخل الملائكه بيتا فيه كلب ~~ولا جنب» ". # PageV02P593 # وقال عن الأخلية: " «إن هذه الحشوش محتضرة» " أي: يحضرها الشياطين. # وقال: " «من أكل من هاتين الشجرتين فلا يقربن مسجدنا؛ فإن الملائكة تتأذى ~~مما يتأذى منه بنو آدم» ". # وقال: " «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا» ". # وقال: " «إن الله نظيف يحب النظافة» ". # وقال الله - تعالى ms194 -: ... {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ~~ويؤتون الزكاة} ... إلى قوله: ... {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ~~... الآية. # فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث التي تحبها الشياطين، يأوي إلى ~~الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين. # أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق. # PageV02P594 # أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي تحبها الشياطين. # أو يدعو غير الله، فيستغيث بالمخلوقات، ويتوجه إليها. # أو يسجد إلى ناحية قبر الشيخ، ولا يخلص الدين لرب العالمين. # أو يلابس الكلاب، أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة. # أو يأوي إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى أو المشركين. # أو يكره سماع القرآن، وينفر عنه، ويقدم على سماع الأغاني، والأشعار، فهذه ~~علامات أولياء الشيطان لا علامات أولياء الرحمن. # قال ابن مسعود: " ولا يسأل أحد عن نفسه إلا القرآن، فإن كان يحب القرآن ~~فهو يحب الله، وإن كان يبغض القرآن فهو يبغض الله ". # وقال عثمان بن عفان: " لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله ". # فإذا كان الرجل خبيرا بحقائق الإيمان الباطنة فارقا بين الأحوال ~~الشيطانية والأحوال الرحمانية، قد قذف الله في قلبه نوره. # كما قال - تعالى -: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم ~~كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به} ... . # ففرق بين حال أولياء الرحمن وحال أولياء الشيطان، كما يفرق # PageV02P595 # الصيرفي بين الدرهم الجيد والدرهم الزائف. وكما يفرق من يعرف الخيل بين ~~الفرس الجيد والفرس الرديء. # وكما أنه يجب الفرق بين النبي الصادق والمتنبي الكاذب. # ففرق بين محمد الصادق رسول رب العالمين، وموسى والمسيح وغيرهم. # وبين مسيلمة الكذاب والأسود العنسي وطليحة الأسدي والحارث الدمشقي، ~~ونحوهم من الكذابين. # فكذلك يجب الفرق بين أولياء الله المتقين وأولياء الشياطين الظالمين، ~~وبسط ذلك لا يتسع له هذا الموضع. # ولشيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية في ذلك مصنف سماه: " الفرقان بين ~~أولياء الرحمن وأولياء الشيطان " أتى فيه بالعجب العجاب، فجزاه الله خير ~~الجزاء، وأثابه خير الثواب. # PageV02P596 # فصل # قال النصراني: # " وإنما تستدل علماؤهم على صحتها - يعني الشريعة - بكثرة الغلبات ~~والفتوحات، ms195 وعظم الملك، وهذا مما ليس شيء أقل يقينا منه، فإن مع أن عبادات ~~الوثنيين في غاية الشناعة ترى كم من البلاد فتحت على أيدي الفرس ~~واليونانيين والروم، حتى اتسعت ممالكهم في الأرض ". # الجواب - ومن الله التأييد -: # إن استدلال علمائنا على صحة الشريعة ليس محصورا في هذا الدليل - كما ~~اقتضاه كلامه - فإن طرق الأدلة على صحتها لا تنحصر. # فإن الله - تعالى - جعل لمحمد - صلى الله عليه وسلم - الآيات البينات قبل ~~مبعثه، وفي حياته وموته، إلى هذه الساعة، وإلى قيام الساعة. # فإن ذكره، وذكر البشارة به موجود في الكتب المتقدمة، كما قدمنا بعض ذلك. # ولما ولد اقترن بمولده من الآيات ما هو معروف في كتب الأخبار والسير، ~~كارتجاس إيوان كسرى، وسقوط شرافات منه وانصداعه. # PageV02P597 # وما اقترن به من رؤيا الموبذان، التي أولها سطيح الكاهن بخمود نار فارس ~~التي يعبدونها، ولم تخمد قبل ذلك بألف سنة، وغيض بحيرة ساوة. # وحفظ السماء بالشهب رجوما للشياطين المسترقة للسمع، وجرى ذلك العام قصة ~~أصحاب الفيل. # وكل ذلك إرهاص بين مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى ما كان يحصل في ~~مدة نشأته من الآيات والدلائل مثل ما حصل لمرضعته لما كان عندها، ومثل ما ~~شوهد منه في صغره من شق # PageV02P598 # صدره، وتظليل الغمامة له، ومعرفه جماعة له بعلاماته، كما في قصة بحيرى ~~الراهب. # وأما ما في أيام نبوته فظاهر، كما تقدم ذكر بعضه. وأما بعد موته فمثل نصر ~~أتباعه، وإهلاك أعدائه، وإعلاء ذكره، ونشر لسان الصدق له، وإظهار دينه على ~~كل دين باليد واللسان، والدليل والبرهان. وهذا مما يطول وصف تفصيله. # وهكذا آيات غيره من الأنبياء متنوعة قبل المبعث، وحين المبعث، وبعد ~~موتهم، لكن آيات نبينا - صلى الله عليه وسلم - أكثر، وبراهين نبوته أظهر، ~~ثم إن غير الفتوحات من آياته أبلغ في الدلالة وأبهر في المعجزة، وأكبر في ~~البرهان من التمكين في الأرض ووراثتها من # PageV02P599 # أيدي الأمم الذين عصوه وخالفوا أمره، مع أن هذا - أيضا - دليل ظاهر ~~وبرهان قاطع. # وللاستدلال به طرق: # الطريق الأول: # ما تقدمت ms196 الإشارة إليه من إخباره - صلى الله عليه وسلم - بذلك، ثم وقوعه ~~على وفق ما أخبر، قال الله - تعالى -: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدا} . # وقال - تعالى -: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ~~وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا} ... الآية. # ووردت الأحاديث الصحيحة بهذا الوعد - كما قدمنا ذكر بعضها - وقد وقع ذلك ~~كله كما أخبر، فإن الله - تعالى - أظهر دينه على سائر الأديان بحيث أنه لم ~~يبق أهل دين يخالف الإسلام إلا وقد قهرهم المسلمون، فظهروا عليهم، وإن لم ~~يكن ذلك في كل المواضع، وفي جميع الأزمان. # فقد قهروا اليهود، وأخرجوهم من بلاد العرب، وغلبوا النصارى على بلاد مصر ~~والشام وما والاها إلى ناحية الروم، إلى ما ورائها، وغلبوا # PageV02P600 # أهل المغرب، وغلبوا المجوس على ملكهم، وغلبوا كثيرا من عباد الأصنام على ~~كثير من بلادهم، مما يلي الترك والهند، وذلك سائر الأديان، فثبت أن الذي ~~أخبر الله به في قوله: ... {ليظهره على الدين كله} ### | .... # قد وقع. # وقيل في معنى الظهور المذكور في الآية: إنه الظهور بالحجة. # والكل حق. فإن الله أظهر دين الإسلام بالاعتبارين على أكمل الوجوه، فجعل ~~لأهله الظهور بالحجة والبيان، والسيف والسنان، وقد وقع ما وعدهم من ~~الاستخلاف في الأرض وتمكين الدين، وتبديل الخوف بالأمن، وبلوغ ملك هذه ~~الأمة مشارق الأرض ومغاربها، وقد أخبر بذلك - وهو خبر عن الغيب - وأصحابه ~~في غاية القلة، فوقع كما أخبر، فكان معجزا. # الطريق الثاني: # أن الفتوحات الإسلامية وقعت خارقة للعادة، بحيث لم يقع قبلها ولا بعدها ~~نظيرها، وهذا يدل على عناية الرب - تعالى - بذلك، وعلى تأييده لمن جاء بهذه ~~الشريعة بأمر سمائي، لا من قبيل قوة البشر وتغلبات الملوك. # وذلك يعرف بوجوه: # منها قلة من قام به في أول الأمر، وضعفهم وقوة عدوهم وكونهم في غاية ~~الكثرة ونهاية الحنق عليهم والبغض لهم، والجد في عداوتهم بكل ممكن، ms197 فأيدهم ~~الله عليهم وأظهرهم، فدل على أن هذا النصر من السماء. # PageV02P601 # ومنها: أن أعداءه مع كون حالهم ما وصفناه، كانوا على أديان وجدوا عليها ~~آباءهم، ونشأوا عليها، وألفتها طباعهم، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يدعوهم إلى تركها، وأن يتبعوا ما جاء به من الشريعة والمنهاج. وكان أول من ~~دعا إلى ذلك العرب الذين هم أقوى الناس نفوسا، وأقساهم قلوبا، وأشدهم ~~توحشا، وأمنعهم جانبا، وأحبهم لأن يغلبوا، ولا يغلبوا، وأعسرهم انقيادا ~~للملوك، وأجفاهم أخلاقا، وأقلهم احتمالا للضيم والذلة، فما كانوا ليجيبوا ~~إلى ما طلبه منهم إلا لما رأوه من الآيات وشاهدوه من المعجزات الدالة على ~~أنه رسول الله، أو بأمر خارق للعادة، ليس من صنع البشر، فكان معجزا، فدل ~~على أنه من عند الله. # ومنها: أن تلك الفتوحات وقعت في مدة قريبة، ففتحت على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جزيرة العرب كلها إلى ما يليها من أرض الشام في مدة عشر ~~سنين، فدخلوا في طاعته، والتزموا دينه، وتركوا أديانهم، سوى من قبلت منه ~~الجزية والصغار، وهذا ما لم يعهد له نظير. # وكذلك الفتوحات الواقعة في أيام خلفائه الراشدين في المشارق والمغارب، ~~كان ذلك في أقرب مدة، وكانت أعداؤهم في غاية الكثرة والشجاعة، والقوة ~~والنجدة، ولم يكن للمسلمين إذ ذاك من العدد والعدة والقوة ما يكون له نسبة ~~بجنب ما عند أعدائهم من ذلك، فكيف بما كافأتهم؟ فلا يرتاب عاقل أن ما أعطوه ~~من الظهور والغلبة ليس إلا بالنصر الإلهي والتأييد السمائي، الخارق ~~للعوائد، الدال على صدق من جاء بهذه الشريعة، وأنها مرضية لله. # PageV02P602 # الطريق الثالث: # ما أشرنا إليه فيما تقدم، بما حاصله أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - قام ~~بهذه الشريعة ناسخا شرائع الأنبياء قبله، مستحلا دماء من خالفه من أهل ~~الكتاب وغيرهم، وأموالهم ونسائهم، قائلا: إن الله أمرني بذلك. ومع ذلك أيده ~~الله - تعالى - بأنواع التأييد، وصدقه بأكمل انواع التصديق، ومكنه في ~~الأرض، وأظهر دينه على كل الأديان، وجعل لأمته من التميكن في الأرض ما لم ~~يكن لغيرهم، ms198 فدل ذلك على أنه رسول الله، وأنه إنما فعل ذلك عن أمر الله له ~~بذلك، وإلا لكان ذلك طعنا في الرب - تعالى - حيث زعم أعداؤه أنه سلط جبارا ~~كاذبا عليه، وعلى أوليائه وأتباع رسله، ويمكن له غاية التمكين، ويؤيده أعظم ~~التأييد. فمن آمن بربوبية الله لهذا الخلق، ورأى ما ذكرنا لم يرتب في صدق ~~محمد - صلى الله عليه وسلم - وأنه رسول الله، وأن ما أعطاه من النصر ~~والتأييد هو من آيات نبوته، كما كان من آيات الأنبياء إهلاك الله مكذبيهم ~~ونصرة المؤمنين بهم، كإغراق قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم. # وقد ذكر الله قصصهم في القرآن في غير موضع، وبين أنها من آيات الأنبياء، ~~كما في سورة الشعراء، يختم كل قصة من تلك القصص بقوله: {إن في ذلك لآية وما ~~كان أكثرهم مؤمنين} . # PageV02P603 # ومن ذلك ما جعله من اللعنة التابعة لمن كذبهم، ومن لسان الصدق والثناء ~~والدعاء لهم ولمن آمن بهم، كما قال في قصة نوح: {وتركنا عليه في الآخرين ~~سلام على نوح في العالمين} ، وكذلك في قصة إبراهيم، أي: تركنا هذا القول ~~يقوله المتأخرون. وكذلك في قصة موسى وهارون وإلياس. # وقال في قصة فرعون وقومه: {وأتبعوا في هذه لعنة} . وقال في عاد: ~~{وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة} ... . # ولهذا قال - تعالى -: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال: ... ~~{فاصبر إن العاقبة للمتقين} . # وكل واحد من هذه الطرق التي ذكرناها كاف في الدلالة على صحة الشريعة، ~~وصدق من جاء بها، فكيف وهي كلها متفقة متظاهرة على ذلك، مضافة إلى ما لا ~~يحصى من الأدلة والبراهين التي هي أظهر من شمس الظهيرة لأولي الألباب ~~والبصيرة. # وأما اعتراض النصراني بتمكين من مكن في بعض البلاد من الوثنيين ونحوهم من ~~ملوك الكفار، فهو اعتراض فاسد، فإن أولئك لا يشبهون # PageV02P604 # المسلمين فيما ذكرناه من قوة التمكين في مثل هذه المدة اليسيرة، ولم يحصل ~~لهم ما حصل لهم، ولا ما قاربه، ولم يدع أحد منهم أن ذلك عن أمر الله له ~~بذلك، ولم يشرع شريعة يحمل ms199 الناس عليها مدعيا أنها من عند الله. # فإن سنة الله في المتنبئين الكذبة على الله أن يهتك أستارهم، ويظهر ~~للخلائق عارهم، ويهزم أنصارهم، ويدمر ديارهم. كما جرى لمسيلمة والأسود ~~وطليحة وأضرابهم من الكذبة. فإن الله أظهر لخلقه من الدلالة على صدق رسله - ~~بما جرى لهم وما عرف من أحوالهم وسيرهم الباطلة، وتدمير الله إياهم - ما هو ~~من الحكم الباهرة والمصالح العظيمة، فإن الضد يظهر حسنه الضد. # وكذلك من سبر أحوال ملوك الكفار رأى العبرة في هذا الباب. فإنهم وإن ~~انتصروا على أتباع الرسل - أحيانا - فإن أولئك لا يقول مطاعهم: إنه نبي. ~~ولا يقاتلون أتباع الأنبياء على دين، ولا يطالبون منهم أن يتبعوهم على ~~دينهم، بل يصرحون: إنا نصرنا عليكم بذنوبكم، وإنكم لو اتبعتم دينكم لم ننصر ~~عليكم. # وأيضا فلا عاقبة لهم، بل الله يهلك الظالم بالظالم، ثم يهلك الظالمين ~~جميعا. # PageV02P605 # وليس قتيلهم يطلب بقتله سعادة بعد الموت. # فهذا وأمثاله مما يظهر به الفرق، ويبين أن ظهور محمد - صلى الله عليه ~~وسلم - وأمته على أهل الكتاب من جنس ظهورهم على عبدة الأوثان، فإن من أهل ~~الكتاب من يقول: سلطتهم علينا بذنوبنا مع صحة ديننا، كبخت نصر. # وهذا قياس فاسد، فإن ذلك من جنس خرق العادات المقترن بدعوى النبوة. وهذا ~~من جنس خرق العادات التي لم تقترن بدعوى النبوة وما لم يقترن بدعوى النبوة ~~لا يكون دليلا عليها، وقد يغرق في البحر أمم كثيرة فلا يدل على نبوة نبي، ~~بخلاف غرق فرعون وقومه. # وهذا موافق لما أخبر به موسى - عليه السلام -: " إن الكذاب لا يتم أمره ~~"، وذلك أن الله حكيم لا يليق به تأييد الكاذب على كذبه، من غير أن يبين ~~كذبه. # ولهذا إن أعظم الفتن (الدجال) لما اقترن بدعواه خوارق كان معها ما يدل ~~على كذبه، كدعوى الإلهية، وهو أعور مكتوب بين عينيه " كافر "، يقرؤه كل ~~مؤمن، والله لا يراه أحد حتى يموت. # PageV02P606 # وقد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه العلامات الثلاث في الأحاديث ~~الصحيحة. # فأما تأييد الكاذب دائما فهذا ms200 لم يقع قط، فمن يستدل على ما يفعله الرب - ~~تعالى - بالعادة والسنة، فهذا هو الواقع، ومن يستدل بالحكمة فحكمته تناقض ~~أن يفعل ذلك. # PageV02P607 # فصل # قال النصراني: # " ثم إنه لم يكن للمسلمين النصر والغلبة دائما، فإن من المشهور أنهم ~~انهزموا عدة مرات في البر والبحر، وأنهم طردوا عن جميع بلاد الأندلس وغيرها ~~من البلاد، ولا يمكن الأمر الذي هو كثير الانقلاب من حال إلى حال، والذي ~~يشترك فيه أهل الصلاح والطلاح أن يكون دليلا على صحة الدين ". # الجواب - والله الهادي إلى سواء السبيل -: # أن انهزام المسلمين في بعض المواطن غير قادح في صحة الدليل لوجوه: # الأول: أن ذلك لم يمنع حصول الظهور على الأعداء وتمام الوعد الذي وعد به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بل مع وقوع ذلك في بعض المواطن كان الظهور ~~للمسلمين على جميع أهل الملل، ولما كان الأمر كذلك بطل الاعتراض. # الوجه الثاني: أن سنة الله - تعالى - في رسله وأتباعهم أن يدالوا مرة، ~~ويدال عليهم مرة أخرى، ثم تكون العاقبة لهم. # PageV02P609 # وبهذا أجاب هرقل أبا سفيان في حديثه الذي قدمناه، حيث قال له هرقل: كيف ~~الحرب بينكم وبينه؟ قال: سجالا، يدال علينا المرة، وندال عليه الأخرى. فقال ~~هرقل: كذلك الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. فصار هذا من أعلام الرسل، ~~فهو دليل لنا لا علينا، ولله الحمد والمنة. # فإن قيل: ففي الأنبياء من قتل، كما أخبر الله أن بني إسرائيل يقتلون ~~النبيين بغير حق، وفي أهل الفجور من يؤتي سلطانا، ويسلط على قوم مؤمنين ~~كبخت نصر. أجيب بأن من قتل من الأ نبياء فهو كمن يقتل من المؤمنين في ~~الجهاد، كما قال -تعالى-: {وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما ~~أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان ~~قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا ~~وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ~~والله يحب المحسنين} . # ومعلوم أن حال هؤلاء أكمل ms201 من حال من يموت من المؤمنين حتف أنفه. كما قال ~~- تعالى -: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون} الآية. # PageV02P610 # ثم الدين الذي قاتل عليه الشهيد ينتصر ويظهر، فتكون لطائفته السعادة في ~~الدنيا والآخرة، ومن قتل منهم كان شهيدا. # وهذا غاية ما يكون من النصر، إذ كان الموت لا بد منه، بخلاف من يهلك هو ~~وطائفته فلا يفوز لا هو ولا هم بمطلوبهم، لا في الدنيا ولا في الآخرة. # والشهداء قاتلوا باختيارهم، وفعلوا الأسباب التي بها قتلوا، فهم اختاروا ~~الموت، إما أنهم قصدوه، وإما قصدوا ما به يصيرون شهداء، عالمين بأن لهم ~~السعادة في الآخرة وفي الدنيا بالانتصار لطائفتهم، وبقاء لسان الصدق لهم ~~ثناء ودعاء. # بخلاف غيرهم، فإنهم هلكوا بغير اختيارهم هلاكا لا يرجون معه سعادة ~~الآخرة، ولم يحصل لهم ولا لطائفتهم شيء من سعادة الدنيا، بل أتبعوا في هذه ~~الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين، وقد أخبر الله -تعالى- أن كثيرا ~~من الأنبياء قتل معه ربيون كثير، أى: ألوف كثيرة - كما هو أحد الأقوال في ~~الآية - وأنهم ما استكانوا لما أصابهم، بل استغفروا من ذنوبهم التي كانت ~~سبب ظهور العدو، وأن الله آتاهم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة. # فإذا كان هذا قتل المؤمنين، فما الظن بقتل الأنبياء، ففيه لهم ولأتباعهم ~~من سعادة الدنيا والآخرة ما هو أعظم الفلاح. # الوجه الثالث: # أن في وقوع الهزيمة والكسر على المسلمين في بعض المواطن مصالح عظيمة، ~~وحكما باهرة كثيرة، فمع عناية الله بهم وإرادته # PageV02P611 # ظهورهم وكرامتهم، ابتلاهم بذلك في بعض الأوقات، لتتم المصلحة، وتنفذ ~~الحكمة، فيعود المكروه محبوبا. # وقد أشار - سبحانه - في سورة آل عمران في سياق قصة أحد إلى أصول المصالح، ~~والحكم في ذلك. # منها: تمييز المؤمن الصادق من المنافق الكاذب، فإنهم لو انتصروا دائما ~~دخل معهم المؤمنون وغيرهم، ولم يتميز الصادق من الكاذب، فاقتضت حكمة الرب - ~~تعالى - أن يبتليهم بذلك ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق الذي جاءوا به، ممن ~~لا يتبعهم إلا على الظهور والغلبة خاصة، ms202 ولم يجعل الغلبة على المؤمنين ~~دائما، لأن ذلك يمنع حصول مقصود البعثة، فاقتضت حكمته - تعالى - أن يجمع ~~لهم بين الأمرين، لتتم المصلحة، ثم يجعل العاقبة لهم. # ومنها: تعريفهم عاقبة المعصية، فإنه - تعالى - أخبر أن ما يصيبهم فهو ~~بسبب ذنوبهم، فيكون ذلك تنبيها على شؤم عاقبة الذنب، ليحتروزا منه. # ومنها: أنه لو نصرهم دائما وأظفرهم بعدوهم في كل موطن، # PageV02P612 # وجعل لهم التمكن والقهر لأعدائهم أبدا لطغت نفوسهم، وشمخت أنوفهم، كما ~~يكونون لو بسط لهم الرزق، فلا يصلح عباده إلا السراء والضراء، والشدة ~~والرخاء، والقبض والبسط، فهو المدبر لأمر عباده، كما يليق بحكمته، إنه بهم ~~خبير بصير. # ومنها: أنه - سبحانه - هيأ لعباده منازل في دار كرامته لم تبلغها ~~أعمالهم، ولم يكونوا بالغيها إلا بالبلاء والمحنة، فقيض لهم الأسباب التي ~~توصلهم إليها من ابتلائه وامتحانه. # ومنها: أن الشهادة عند الله من أعلى المراتب، والشهداء هم خواصه المقربون ~~من عباده، ولا سبيل إلى نيل هذه الدرجة إلا بتسلط العدو. # إلى غير ذلك من الحكم، والمصالح التي تفوت الوصف. # فإذا كان في إدالة العدو على المؤمنين في بعض المراتب ما فيه من المصالح ~~والغايات المحمودة، كان إلى الدلالة على صحة الشريعة أقرب منه إلى العكس، ~~ولم يكن ناقضا للاستدلال؛ إذ هذا يكون لأمر عارض، ومقتض طارئ، ثم تكون ~~العاقبة والنصر للمؤمنين. # بل قد قدمنا أن مثل هذه الأدلة من أعلام الرسل. # ومما يزيد ذلك بيانا ما أشرنا إليه من أن ظهور الكفار على المؤمنين - ~~أحيانا - هو سبب ذنوب المسلمين كيوم أحد. # فإذا تابوا انتصروا، كما قد جرى للمسلمين في عامة ملاحمهم مع الكفار. # PageV02P613 # فهذا من آيات النبوة؛ فإن النبي إذا قاموا بوصاياه نصروا، وإذا ضيعوها ~~ظهر أولئك عليهم. # فمدار النصر والظهور مع متابعة النبي وجودا وعدما من غير سبب يزاحم ذلك، ~~ودوران الحكم مع الوصف وجودا من غير مزاحمة وصف آخر يوجب العلم بأن المدار ~~عليه. # ومن المعلوم بالاستقراء والتتبع أن نصر الله سببه اتباع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو يدل على أن الله ms203 - سبحانه - يريد إعلاء كلمته ونصره ونصر ~~أتباعه. فهذا يوجب العلم بنبوته. # ومن هذ ظهور بخت نصر، إنما كان لما غيرت بنو إسرائيل عهود موسى - عليه ~~السلام - فإذا اتبعوها كانوا منصورين، كما كان في زمن داود وسليمان ~~وغيرهما. # قال الله - تعالى -: " {وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في ~~الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا ~~أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا إن أحسنتم أحسنتم ~~لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا ~~المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا عسى ربكم أن يرحمكم وإن ~~عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا} . # PageV02P614 # فكان ظهور بني إسرائيل تارة وظهور عدوهم تارة من دلائل نبوة موسى صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد قال - تعالى -: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ~~وليا ولا نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} ~~فأخبر - تعالى - أن سنته التي لا تبديل لها نصر المؤمنين على الكافرين، ~~والإيمان المستلزم لذلك يتضمن طاعة الله ورسوله، فإذا نقص بالمعاصي كان ~~الأمر بحسبه، كيوم أحد. فهذه عادته المعلومة. # والكاذب الفاجر وإن أعطي دولة فلا بد من زوالها، ولا بد من بقاء لسان ~~السوء له في العالم، وهو وإن ظهر سريعا فإنه يزول سريعا. # وأما الأنبياء فإنهم يبتلون كثيرا؛ ليمحصوا بالبلاء، فإن الله - تعالى - ~~إنما يمكن العبد إذا ابتلاه، ويظهر أمرهم شيئا فشيئا كالزرع. # قال الله - تعالى -: {محمد رسول الله والذين معه} ... إلى قوله: {كزرع ~~أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه} ... الآية. # PageV02P615 # ولهذا كان أول من يتبعهم ضعفاء الناس، أشار إليه بعض الأئمة. # فاعتبار هذه الأمور، وسنة الله في أوليائه وأعدائه مما يوجب الفرق بين ~~النوعين وبين دلائل هذا ودلائل هذا. # وأما قول النصراني: " إنهم - يعني المسلمين - طردوا عن بلاد الأندلس ~~وغيرها من البلاد " فهذا من قبيل ما تقدم مما ms204 يبتلي الله - تعالى - به ~~عباده، وهو مما جاءت به الأنذار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه أخبر ~~بإدالة العدو على المسلمين، حتى يأخذوا بعض ما في أيديهم إذا أضاعوا أمر ~~الله، وفرطوا فيما أوجبه عليهم من طاعة نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فهو ~~من أدلة الرسالة من وجهين: # من جهة إخباره بذلك، فوقع كما أخبر. ومن جهة الاعتبار في ترتب ذلك على ~~معصية الرسول صلى الله عليه وسلم. # ثم إنه وإن أخذت من أيدي المسلمين بعض البلاد التي كانت في أيديهم فقد ~~غلبوا على بلاد كثيرة بعد غلبهم على ما غلبوا عليه، فإنه قد حصل للمسلمين ~~الغلبة في بلاد الروم وما والاها بعد خروج الأندلس عن أيديهم بما أكبر ~~بكثير مما غلبوا عليه. # ولا تزال طائفة من هذه الأمة المحمدية على الحق ظاهرين، لا يضرهم من ~~خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة. # PageV02P616 # فظهر بما قررناه الفرق بين الفتوحات الإسلامية وصحة الاستدلال بها على ~~صحة الشريعة، وبين محاربات الملوك المبطلين. # وتبين أن الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح من بعض الوجوه مع ظهور ~~الفروق الصورية والمعنوية من وجوه أخرى غير قادح في صحة الدليل. # كما أن دخول كثير من الناس في الأديان الباطلة بمجرد الدعوة إليها وإلقاء ~~الشبهات غير مقتض صحة ذلك الباطل، ولا قادح في صحة حجج الأنبياء وأتباعهم، ~~حيث استجاب لهم كثير من الناس بمجرد الدعوة. فهذا اشتراك في صورة الاستجابة ~~بالدعوة. # ولما لم يكن هذا الاشتراك الصوري بين أهل الصلاح والطلاح قادحا في صحة ~~دين الحق ولا مضعفا حجة أهله، فكذلك ما نحن فيه. # PageV02P617 # فصل # قال النصراني: # " لا سيما حيث إن أكثر حروب الملوك بغير عدل، إذ يقاتلون أمما من غير ~~الظالمين لهم، وليس لهم ما يتعللون به على محاربتهم سوى الاختلاف في الدين، ~~وهذا ما هو إلا غاية عدم الدين، إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن ~~إرادة النفس. # وأما الإرادة فهي تنقاد بالتعليم والإقناع، لا بالتهديد والقهر. # ومن اضطر لتصديق الدعوى من ms205 غير إرادة منه، فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط ~~أنه يصدقها هربا من الشدائد. # ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب له، فهو بفعله هذا يدل على عدم ~~ما يستدل به على صحة دعواه ". # الجواب - وبالله التوفيق -: # أما حروب ملوك المسلمين بعضهم لبعض في طلب الملك فليس مما نحن فيه، إذ هو ~~من قتال الفتنة الذي نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وحذر منه، وهو ~~قتال على الدنيا. # وأما القتال الشرعي فهو القتال في سبيل الله لإعلاء كلمة الله وإعزاز ~~دينه. # PageV02P619 # ولا ريب عند الموافق والمخالف، أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - جاء بشرع ~~الجهاد، وتضمن الأمر به القرآن الذي أنزل عليه. وإنما شرع في المدينة بعد ~~الهجرة إلى المدينة حين اجتمع بها المهاجرون والأنصار. # وعند ذلك علم أعداؤه من العرب واليهود أنها كانت لهم دار منعة، فخافوا ~~منهم ما كانوا يحذرون، فرموهم عن قوس واحد، وشمروا لهم عن ساق العداوة ~~والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، وكان الله يأمرهم بالصبر والعفو والصفح. # ثم إنه - تعالى - بحكمته أذن لهم في القتال، ولم يفرضه عليهم، فقال - ~~تعالى -: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين ~~أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله} ### | .... # ثم فرض عليهم القتال لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم، فقال - تعالى -: ~~{وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} ... . # ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة، فقال - تعالى -: ... {وقاتلوا المشركين ~~كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين} . # فكان محرما، ثم مأذونا فيه، ثم مأمورا به لمن بدأهم بالقتال، ثم مأمورا ~~به لجميع المشركين. # وإذ كان القتال عن أمر الله وشرعه، كان القيام به من أكبر # PageV02P620 # الفضائل، وأعظم الوسائل، لما فيه من بذل النفوس والأموال في مرضاة الله ~~وما كان عن أمر الله فهو على وفق الحكمة والعدل، لأنه صدر عن أمر الحكيم ~~الخبير، وقد قامت البراهين واتضحت الدلائل، وظهرت المعجزات على أن محمدا ~~رسول الله، فبطل أن يكون قتال المسلمين لمن خالف ms206 الملة قتالا بغير عدل. # وقد ذكرنا فيما تقدم إشارة إلى بعض ما في شرع الجهاد من الحكم والغايات ~~المحمودة. # وأما قتال المسلمين أمما من غير الظالمين لهم، وأن السبب إنما هو ~~الاختلاف في الدين، فهذا أوضح حجة على أنه على مقتضى العدل، لأنهم إنما ~~يقاتلون المشركين بالله الكافرين به وبرسله، كما كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا بعث سرية، قال: ### | .... # «اغزوا بسم الله، قاتلوا من كفر بالله» ... . فأعظم الظلم وأكبر الذنوب ~~الشرك بالله والكفر به. # فشرع الله الجهاد ليكون الدين كله له كما قال تعالى: # PageV02P621 # {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا ~~على الظالمين} . # وإذا كان قتالك من ظلمك واعتدى عليك، حتى يكف عن ظلمه واعتدائه لا يكون ~~ظلما ولا قبيحا، فكيف يكون قتال الكافر بالله، المكذب لرسوله وكتابه، الآتي ~~بأعظم الظلم وأكبر الذنب، يقال فيه: إنه بغير عدل؟ ! ما هذا إلا جهل عظيم، ~~كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون. # وقوله: " إذ لا تكون عبادة الله إلا ما يصدر عن إرادة النفس " إلى قوله: ~~" فهو لا يصدقها، بل يظهر فقط أنه يصدقها، هربا من الشدائد ". # جوابه: # أن هذا وإن وجد في آحاد من الناس فليس على العموم، فلا تنتقض به الحكمة ~~في مشروعية الجهاد، فإنه قد دخل في الإسلام فئام من الناس بالقتال، وافتتحت ~~ديارهم بالسيف، فدخلوا وكثير منهم كارهون، فلما خالطوا المسلمين، وسمعوا ~~القرآن، وبلغتهم معجزات النبوة وآيات الرسالة صلحت عقائدهم، وانفتحت ~~بصائرهم، وعلموا أنه الحق، ودانوا به باطنا وظاهرا، وعلموا أبناءهم ~~ونساءهم، وبذلوا يه نفوسهم وأموالهم. # هذا ما لا يرتاب فيه ذو عقل صحيح. # PageV02P622 # وهل يستجيز من له أدنى مسكة من عقل أن يقول: إن من دخل في الإسلام بعد ~~قيام الجهاد من العرب وغيرهم من أصناف الأمم أنهم إنما يصدقون بالإسلام ~~ظاهرا فقط؟ # هذا مما يعلم فساده ببديهة العقل فإن الله قد خص هذه الأمة بما وهبها من ~~الإيمان بالله ورسوله، وتمام الانقياد لما جاء به الرسول، منشرحة ms207 بذلك ~~صدورهم، مصدقة به قلوبهم، ما لم يعط غيرهم من الأمم، وذلك لما أيد به نبيهم ~~- صلى الله عليه وسلم - من المعجزات، وأنواع الأدلة والآيات، ولهذا كان ~~أكثر الأنبياء تابعا يوم القيامة، وكان أمته خير الأمم، وأكثر أهل الجنة، ~~وأول الناس سبقا إلى الجنة كما قال - صلى الله عليه وسلم -: " «نحن الآخرون ~~السابقون يوم القيامة» ". # ولا ينتقض ما ذكرناه بالمنافقين والزنادقة، فإنهم مقهورون مغمورون في ~~المؤمنين، بل في وجودهم بين المؤمنين مع كونهم أعداء لهم في صورة أولياء، ~~واجتهادهم في الإضرار بدينهم ودنياهم وسعيهم في ذلك بكل ما أمكنهم، ثم لم ~~يظفروا بمطلوبهم، ولم يحصلوا على مرادهم دليل على صحة الشريعة وأنها من عند ~~الله عز وجل. # والمقصود أن الله نصب الأدلة والبراهين على صدق رسوله وصحة # PageV02P623 # ما جاء من النبوة والكتاب، وشرع الجهاد وسيلة إلى إبلاغ الحجة وإيصال ~~الدليل إلى المكلفين، فإن من كان على دين وجد عليه آباءه وأسلافه، وأشربه ~~قلبه، وألفته نفسه لا يختار دينا غيره، ولا يلتفت إلى سواه، فلا يصغي إلى ~~حجج الحق وبراهينه. # فكان من رحمة الله بعباده أن أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالجهاد، ~~لتبلغ الحجة مبلغها، فينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين. # وأما قول النصراني: " ومن يلزم غيره بالتسليم له بوساطة التعذيب أو ~~التخويف ... إلى آخره " فهو كلام ساقط، فإن الأنبياء - عليهم السلام - ~~جاؤوا بالرسالة إلى الأمم مقرونة بالتخويف بالعذاب للمكذبين والإنذار ~~للمخالفين، كما جاءت بالبشارة للمؤمنين والرجاء للمصدقين، ومنهم من جاء ~~بالقتال. # وبنو إسرائيل لما امتنعوا من التزام أحكام التوراة - لثقلها عليهم - رفع ~~الله جبلا فوق رؤوسهم، وقيل لهم: التزموا وإلا وقع عليكم الجبل. # كما قال - تعالى -: {وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم ~~خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون} . # وقال - تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} ### | .... # PageV02P624 # وأيضا فالشرائع جاءت بالحدود وإيقاع العقوبة بالعصاة، ليرتدعوا عن ~~المعاصي والمخالفات، وكل هذا إلزام بالأحكام بوساطة التعذيب أو التخويف، ~~أفكان ذلك دليلا على عدم البرهان فيما ms208 دعا إليه الأنبياء عليهم السلام؟ ! ~~وإذا لم يكن كذلك بطل هذا التمويه. # PageV02P625 # فصل # قال النصراني: # " ثم إن ما يجعلونه علة للقتال من الاختلاف في الدين فينقضه فعلهم، حيث ~~يتركون من ينخضع لهم، ويتدين بأي دين أراد. # وقولهم - أيضا -: إن للنصارى في شريعتهم ما يكفي لهم خلاصا ". # الجواب - وبالله التوفيق -: # مراده بتركهم من يخضع لهم إقرار أهل الكتاب ونحوهم بالجزية. # وهذا ليس على العموم في أهل كل دين، فإطلاقه باطل، فإنها لما نزلت آية ~~الجزية، وهي قول الله - تعالى -: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا ~~الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} . # أخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - من ثلاث طوائف: اليهود، والنصارى، ~~والمجوس، ولم يأخذها من عباد الأصنام. # PageV02P627 # فاختلف العلماء ههنا، فقيل: لا يجوز أخذها من كافر غير هؤلاء ومن دان ~~بدينهم، اقتداء بأخذه وتركه. وقيل: بل تؤخذ - أيضا - من عبدة الأصنام من ~~العجم دون العرب. # والأول قول الشافعي وأحمد في رواية عنه. # والثاني قول أبي حنيفة وأحمد في روايته الأخرى. # وعلى القول الأول فإنما أخذها النبي - صلى الله عليه وسلم - من المجوس، ~~لأن لهم شبهة كتاب، لما ورد في بعض الأحاديث أنه كان لهم كتاب ثم رفع. # وجاء عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في المجوس: " «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب» ". # PageV02P628 # وليس المراد بسط هذه المسألة، وإنما المقصود أن أخذ الجزية ممن بذلها ~~للمسلمين ليس على العموم في حق كل كافر. # وإذا عرف هذا فليس في إقرار من يقر بالجزية من الكفار ما يكون قدحا في ~~حكمة الشريعة وكمالها، فإن أحكام الشريعة جاءت في كل باب على وفق الحكمة ~~والمصلحة، والذي شرعها هو الرب - سبحانه وتعالى - وهو أحكم الحاكمين. # وقد قامت الأدلة القاطعة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأن ~~القرآن كلام الله - تعالى - ورسالته إلى خلقه، وشرعه هو ما تضمنه كتابه ~~وحكمة رسوله، والحكم والغايات في أحكامه لا يحيط بها ms209 إلا هو، فما علمناه ~~منها قلنا به، وما جهلناه وكلناه إلى عالمه. # وقد ذكر العلماء من الحكمة في إقرارهم بالجزية وجوها: # فمنها: أنهم أقروا بذلك، ولم يعاملوا معاملة غيرهم من الكفار لحرمة ~~الكتاب الذي ينتمون إليه. # ومنها: أن ذلك لحرمة آبائهم الذين انقرضوا على الحق من شريعة التوراة ~~والإنجيل. # ومنها: أن إقرارهم بذلك لأنهم أهل الكتاب وبأيديهم التوراة والإنجيل، ~~وفيها صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - فربما يتفكرون ويعلمون صدق محمد - ~~صلى الله عليه وسلم - فيتبعون الحق، فأمهلوا لهذا المعنى. # PageV02P629 # ومنها: أن إبقاءهم كذلك من الشواهد والدلائل على نبوة محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - لأن في الكتب التي بأيديهم ما يدل على أنهم بدلوا، وفيها ما ~~يدل على أن شريعتهم ستنسخ بغيرها، كما قدمنا الإشاره إلى بعض ذلك. # وفيها من صفة محمد - صلى الله عليه وسلم - وأدلة نبوته ما قدمنا بعضه. ~~وفيها من التناقض والاختلاف ما يبين - أيضا - وقوع التبديل. # قال شيخ الإسلام أبو العباس: # " وعند أهل الكتاب ما يدل على هذه المطالب، وقد ناظرنا غير واحد منهم، ~~وبينا لهم ذلك، وأسلم من علمائهم وخيارهم طوائف، وصاروا يناظرون أهل دينهم، ~~ويتبينون ما عندهم من الشواهد والدلائل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # قال: وهذا من الحكمة في إبقاء أهل الكتاب بالجزية، إذ عندهم من الشواهد ~~والدلائل على نبوته، وعندهم من الشواهد على ما أخبر به من الإيمان بالله ~~واليوم الآخر ما يبين أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - جاء بالدين الذي بعث ~~الله به الرسل قبله، وأخبر من توحيد الله ومن صفاته بمثل ما أخبرت به ~~الأنبياء قبله. # قال الله - تعالى -: {قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد ~~من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} . # PageV02P630 # وقال: {قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب} . انتهى. # وأما قول النصراني: " وقولهم - يعني المسلمين -: إن للنصارى في شريعتهم ~~ما يكفي لهم خلاصا " فهو كلام باطل، وكذب صريح، فإن المسلمين متفقون ms210 على ~~مقالة واحدة لا اختلاف بينهم، أن من بلغته رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم ~~- فلا خلاص له ولا نجاة إلا باتباعه والإيمان به، سواء في ذلك اليهود ~~والنصارى وعباد الأصنام وغيرهم من طوائف بني آدم. # وقد علم من دينه بالضرورة أنه دعا الناس كافة إلى اتباعه، وأنه جاهد أهل ~~الكتاب، كما جاهد المشركين، فجرى له مع يهود المدينة وغيرهم ما هو معلوم. # وغزا النصارى عام تبوك بنفسه وسراياه، وضرب الجزية على نصارى نجران. # وكذلك خلفاؤه الراشدون بعده جاهدوا أهل الكتاب يهودهم ونصاراهم، وقاتلوا ~~من قاتلهم، وضربوا الجزية على من أعطاها منهم عن يد وهم صاغرون. # وهذا الكتاب الذي يعرف كل أحد أنه الكتاب الذي جاء به مملوء من دعوة أهل ~~الكتاب إلى اتباعه، ويكفر من لم يتبعه منهم، ويذمه، ويلعنه. # PageV02P631 # قال الله تعالى: {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا} . # وقال - تعالى -: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} ... . # وقال - تعالى -: ... {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن ~~أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد} . # وقال - تعالى -: {تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا} ~~. # وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " ~~«والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم ~~يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار» ". # وقال - صلى الله عليه وسلم -: " «بعثت إلى الأحمر والأسود» ". # وقال: " «وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» ". # إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على هذا الأصل الذي لا يرتاب فيه ~~مسلم. # PageV02P632 # المقام الخامس # قال النصراني: # " فصل: في الترجيح بين الشريعتين من جهة الوصايا ". # ونقول قبل إيراد كلامه في هذا الفصل: # إنا قد بينا - فيما تقدم - أن النظر في الترجيح بين الشريعتين ساقط بعد ~~ثبوت نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وعموم رسالته، وأنه لا يبقى لطالب ~~النجاة والسعادة إلا الإيمان به واتباعه مع الإيمان بجميع أنبياء الله ms211 ~~ورسله، وألا يفرق بين أحد منهم. # ثم إذا نظرنا إلى كمال الشرائع وحكمتها وعظمة وصاياها، وجدنا شريعة محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - خير الشرائع وأفضلها من كل طريق من طرق التفضيل. # كما أن الذي جاء بها أفضل المرسلين وسيدهم في الدنيا والآخرة. # وكما أن ما جاء به من المعجزات أعظم مما جاء به موسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء - عليهم السلام - فالذي جاء به من الدين والشريعة كذلك، فما جاء ~~به من النوعين أعظم مما جاء به موسى وعيسى، وقد جمع الله له محاسن ما في ~~التوراه والإنجيل. # ولهذا يقال: " إن موسى - عليه السلام - بعث بشريعة الجلال، والمسيح - ~~عليه السلام - بعث بشريعة الجمال، ومحمد - صلى الله # PageV02P633 # وأما نبينا - صلى الله عليه وسلم - فكان في مظهر الكمال الجامع بين القوة ~~والعدل والشدة في الله وبين اللين والرأفة والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، ~~وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي ~~شريعته بالعدل إيجابا له وفرضا، وبالفضل ندبا إليه واستحبابا، وبالشدة في ~~موضع الشدة وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه. # فيذكر الظلم فيحرمه، والعدل فيأمر به، والفضل فيندب إليه في بعض آيه. ~~كقوله - تعالى -: {وجزاء سيئة سيئة مثلها} ### | .... # فهذا عدل، ... {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} ### | .... # فهذا فضل، ... {إنه لا يحب الظالمين} فهذا تحريم الظلم. # وقوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} فهذا إيجاب للعدل، وتحريم ~~للظلم، ### | .... # {ولئن صبرتم لهو خير للصابرين} فهذا ندب إلى الفضل. # وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة كان صيانة وحماية لهم، حرم عليهم كل ~~خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى غيرهم لم يخل ~~من عقوبة. # PageV02P635 # وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، ووهب لهم من علمه وحلمه، ~~وجعلهم خير أمة أخرجت للناس. # وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما ~~فرقه في الأنبياء قبله، وكمل في كتابه من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله. # وكذلك في شريعته، فهذه الأمة ms212 هم المجتبون، كما قال إلههم: ... {هو ~~اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج} ... . # وجعلهم شهداء على الناس وقال - تعالى -: ... {ليكون الرسول شهيدا عليكم ~~وتكونوا شهداء على الناس} ... فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على ~~أممهم " انتهى. # ولا ريب أن حنس أهل الكتاب أكمل في العلوم النافعة والأعمال الصالحة ممن ~~لا كتاب لهم. وأن هذه الأمة أكمل من أهل الكتابين وأعدل، فليس عند أهل ~~الكتاب فضيلة علمية وعملية إلا وأمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أكمل منهم ~~فيها. # كما قال شيخ الإسلام أبو العباس: # من نظر بعقله حتى في هذا الوقت إلى ما عند المسلمين من العلم # PageV02P636 # النافع والعمل الصالح، وما عند اليهود والنصارى، علم أن بينهما من الفرق ~~أعظم مما بين القدم والفرق. # فإن الذي عند المسلمين من توحيد الله ومعرفة أسمائه وصفاته وملائكته ~~وأنبيائه ورسله، ومعرفة اليوم الآخر، وصفة الجنة والنار، والثواب والعقاب، ~~والوعد والوعيد، أعظم وأجل مما عند اليهود والنصارى. # وما عند المسلمين من العبادات الظاهرة والباطنة مثل الصلوات الخمس وغيرها ~~من الصلاة والأذكار والدعوات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب. # وما عندهم من الشريعة في المعاملات والمناكحات والأحكام والحدود ~~والعقوبات أعظم وأجل مما عند أهل الكتاب. # فالمسلمون فوقهم في كل علم نافع وعمل صالح. وهذا يظهر لكل أحد بأدنى نظر، ~~لا يحتاج إلى كثير سعي. # والمسلمون متفقون على أن كل هدى وخير حصل لهم فإنما حصل بنبيهم - صلى ~~الله عليه وسلم - " انتهى. # فأما العلوم فالمسلمون أحذق من جميع الأمم، حتى العلوم التي ليست بدينية ~~كعلم الحساب والطب ونحو ذلك هم فيها أحذق، ومصنفاتهم فيها أكمل، وهم أحسن ~~علما وبيانا لها من الأولين الذين كانت هي غاية علمهم. # PageV02P637 # وقد يكون الحاذق فيها من هو عند المسلمين مرمي بنفاق، ولا قدر له عندهم، ~~لكن حصل له بما تعلمه من المسلمين من العقل والبيان ما أعانه على الحذق في ~~تلك العلوم، فصار حثالة المسلمين أحسن معرفة وبيانا لها. # وأما العلوم الإلهية فكل من نظر في كلام المسلمين وأهل الكتاب ms213 وجد كلام ~~المسلمين فيها أكمل وأتم، ومعلوم أن أهل الكتاب فيها أتم من غيرهم. # وأما العبادات فالناس مختلفون في صفاتها: # فمنهم من يظن أن الأشق هو الأفضل. وهذا مذهب كثير من مشركي الهند وغيرهم ~~وكثير من مبتدعة المسلمين. # ومنهم من يقول: الأفضل ما كان أدعى إلى تحصيل الواجبات العقلية. # ومنهم من يقول: الأفضل لا علة له، بل يرجع إلى محض المشيئة. # والرابع - وهو الصواب -: أن أفضلها ما كان لله أطوع، وللعبد أنفع. # وعلى كل قول فعبادات المسلمين أكمل. # أما الأولون فيقال لهم: الجهاد أعظم مشقة من الجوع والسهر وغير ذلك. # PageV02P638 # وأما على القول الثاني فلا ريب أن عبادات المسلمين أدعى إلى العدل الذي ~~هو جماع الواجبات العقلية من عبادات غيرهم، فإنها متضمنة للظلم المنافي ~~للعدل. # وأما على قول النفاة فمن تكون عباداته تابعة لأمر الله - تعالى - خير ممن ~~عباداته قد ابتدعها أكابرهم. # وأما على القول الرابع فما علم أن الله أمر به يتضمن طاعته دون ما ابتدع، ~~وأما انتفاع العباد بها فهذا يعرف بثمراتها، ومن ذلك آثارها في صلاح ~~القلوب، فليتدبر العاقل عقول المسلمين وأخلاقهم وعدلهم، يظهر له الفرق. # فالصلاة فيها من الكمال والاعتدال كالطهارة والاصطفاف، والركوع والسجود، ~~واستقبال بيت إبراهيم والإمساك عن الكلام، وما فيها من الخشوع وتلاوة ~~القرآن واستماعه الذي يظهر الفرق بينه وبين غيره لكل متدبر منصف. # إلى أمثال ذلك مما يظهر به فضل عبادات المسلمين. # وأما حكمهم في الحدود والحقوق فلا تخفى على عاقل، حتى إن النصارى في ~~طائفة من بلادهم ينصبون من يقضي بينهم بشرع المسلمين، وهذه جمل يطول ~~تفصيلها. # وبما ذكرناه يعلم الجواب عن كلام النصراني في هذا الفصل على وجه الإجمال، ~~ويتبين به أفضلية شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - على غيرها من شرائع ~~الأنبياء عليهم السلام، كما أنه خيرهم وسيدهم في الدنيا والآخرة. # PageV02P639 # فصل # وأما شريعة الضلال التي بدل بها النصارى دين المسيح - عليه السلام - فتلك ~~ضلالة استخفهم بها الشيطان فأطاعوه، ودعاهم إليها فأجابوه، وتلاعب بهم فيها ~~كل التلاعب حتى خرجوا عن ms214 مقتضى العقول والشرائع في أصول دينهم وفروعه. # كما أشرنا إلى بعض ذلك فيما سبق، فتلاعب بهم الشيطان في شأن الملك ~~المعبود - سبحانه وتعالى - وتلاعب بهم في أمر المسيح، وتلاعب بهم في شأن ~~الصليب وعبادته، وتلاعب بهم في تصوير الصور في الكنائس. # فلا تجد كنيسة من كنائسهم تخلو من صورة مريم والمسيح وجرجيس وبطرس وغيرهم ~~من القديسين والشهداء، وأكثرهم يسجد للصور، ويدعونها من دون الله. # حتى لقد كتب بطريق الإسكندرية إلى ملك الروم كتابا يحتج فيه بالسجود ~~للصور، وأن الله أمر موسى أن يصور صورة الساروس، # PageV02P641 # وبأن سليمان بن داود لما عمل الهيكل عمل صورة الساروس من ذهب ونصبها داخل ~~الهيكل. # قال في كتابه: " وإنما مثال هذا مثال الملك يكتب إلى بعض عماله كتابا، ~~فيأخذه العامل ويقبله، ويضعه بين عينيه، ويقوم لا تعظيما للقرطاس والمداد، ~~بل تعظيما للملك. كذلك السجود للصور تعظيما لاسم هذا المصور لا للأصباغ ~~والألوان ". # قال ابن القيم: " وبهذا المثال بعينه عبدت الأصنام. وما ذكر هذا المشرك ~~عن موسى وسليمان لو صح لم يكن فيه دليل على السجود للصور، وغايته أن يكون ~~بمثابة ما يذكر عن داود: أنه نقش خطيئته في كفه، لئلا ينساها. # فأين هذا مما يفعله هؤلاء المشركون من التذلل والخضوع والسجود بين تلك ~~الصور؟ !. # وإنما المثال المطابق لما يفعله هؤلاء المشركون مثال خادم من خدام الملك ~~دخل على رجل، فوثب من مجلسه، وسجد له وعبده، وفعل به ما لا يصلح أن يفعل ~~إلا مع الملك. # PageV02P642 # فكل عاقل يستجهله ويستحمقه في فعله، إذ قد فعل مع عبد الملك ما كان ينبغي ~~أن يختص به الملك دون عبيده من الإكرام والخضوع والتذلل. ومعلوم أن هذا إلى ~~مقت الملك وسقوطه من عينه أقرب منه إلى إكرامه له، ورفع منزلته. # كذلك حال من سجد لمخلوق ولصورة مخلوق، لأنه عمد إلى السجود الذي هو غاية ~~ما يتوسل به العبد إلى رضا ربه، ولا يصلح إلا له، ففعله لصورة عبد من ~~عبيده، وسوى بين الله وبين عبده في ذلك، وليس وراء ms215 هذا في القبح والظلم ~~شيء، ولهذا قال تعالى: ... {إن الشرك لظلم عظيم} . # وقد فطر الله -سبحانه- عباده على استقباح معاملة عبيد الملك وخدمه ~~بالتعظيم والإجلال والخضوع والذل الذي يعامل به الملك، فكيف بحال من فعل ~~ذلك بأعداء الملك؟ فإن الشيطان عدو الله، والمشرك إنما يشرك به لا يوالي ~~الله ورسوله، بل الله ورسوله وأولياؤه بريئون ممن أشرك بهم، معادون لهم، ~~وهم أشد الناس مقتا لهم في نفس الأمر، إنما أشركوا بأعداء الله، وسووا ~~بينهم وبين الله في العبادة والتعظيم والسجود والذل. # ولهذا كان بطلان الشرك وقبحه معلوما في الفطرة السليمة والعقل الصحيح، ~~والعلم بقبحه أظهر من العلم بسائر القبائح ". # PageV02P643 # والمقصود ذكر تلاعب الشيطان بالأمة الضالة في أصول دينهم وفروعه، وأنهم ~~ليسوا على شيء من دين المسيح ألبتة. # فمن ذلك تلاعبه بهم في صلاتهم، وذلك من وجوه: # أحدها: أن طوائف منهم كثيرين يصلون بالنجاسة والجنابة، ويقوم أحدهم ~~فيتغوط، ويقوم بأثر البول والغائط إلى صلاته بتلك الرائحة، ويحدث من يليه ~~بأنواع الحديث، كذبا كان أو فجورا، أو غيبة، أو سبا أو شتما، ويخبره بسعر ~~الخمر ولحم الخنزير وما شاكل ذلك، ولا يضر ذلك الصلاة، ولا يبطلها، وإن ~~دعته الحاجة إلى البول في الصلاة بال وهو يصلي، ولا يضر ذلك صلاته. # والمسيح - عليه السلام - بريء من هذه الصلاة، وسبحان الله، أن يتقرب إليه ~~بمثل هذه الصلاة! فقدره أعلى وشأنه أجل من ذلك. # ومنها: صلاتهم إلى مشرق الشمس، وهم يعلمون أن المسيح لم يصل إلى المشرق ~~أصلا، بل قد نقل مؤرخوهم أن ذلك حدث بعد المسيح بثلاثمائة سنة. # PageV02P644 # وإلا فالمسيح إنما كان يصلي إلى قبلة بيت المقدس، وهي قبلة الأنبياء ~~قبله، وإليها كان يصلي نبينا - صلى الله عليه وسلم - مدة مقامه بمكة، وبعد ~~هجرته ثمانية عشر شهرا، ثم نقله الله إلى قبلة أبيه إبراهيم. # ومنها تصليبهم على وجوههم عند الدخول في الصلاة، والمسيح بريء من ذلك. # فصلاة مفتاحها النجاسة، وتحريمها التصليب على الوجه، وقبلتها الشرق، ~~وشعارها الشرك، كيف يخفى على العاقل أنها لا تأتي بها ms216 شريعة من الشرائع ~~ألبتة؟. # ولما علمت الرهبان والمطارنة والأساققة أن مثل هذا الدين تنفر عنه العقول ~~أعظم نفرة، زينوه بالحيل والصور في الحيطان بالذهب واللازورد، والزنجفر، ~~وبالأعياد المحدثة، ونحو ذلك مما يروج على السفهاء وضعفاء العقول والبصائر. # PageV02P645 # ومن ذلك: تلاعبه بهم في صيامهم، فإن أكثر صومهم لا أصل له في شرع المسيح، ~~بل هو مختلق مبتدع، فمن ذلك أنهم زادوا جمعة في بدء صومهم يصومونها لهرقل ~~ملك بيت المقدس. # وذلك أن الفرس لما ملكوا بيت المقدس، وقتلوا النصارى، وهدموا الكنائس ~~أعانهم اليهود على ذلك، وكانوا أكثر قتلا وفتكا في النصارى من الفرس. # فلما سار هرقل إليها استقبله اليهود بالهدايا، وسألوه أن يكتب لهم عهدا. ~~ففعل، فلما دخل بيت المقدس شكا إليه من فيه من النصارى ما كان اليهود صنعوه ~~بهم. فقال لهم هرقل: وما تريدون مني؟ قالوا: تقتلهم. # قال: كيف أقتلهم وقد كتبت لهم عهدا بالأمان، وأنتم تعلمون ما يجب على ~~ناقض العهد؟ # قال: إنك حين أعطيتهم الأمان لم تدر ما فعلوا من قتل النصارى # PageV02P646 # وهدم الكنائس، ونحن نحتمل عنك هذا الذنب، ونكفره، ونسأل المسيح ألا ~~يؤاخذك به، ونجعل لك جمعة كاملة في بدء الصوم نصومها لك، ونترك فيها أكل ~~اللحم ما دامت النصرانية، ونكتب به إلى جميع الآفاق غفرانا لما سألناك. # فأجابهم، وقتل اليهود لما لا يحصى كثرة، فصيروا أول جمعة من الصوم الذي ~~تترك فيه الملكية أكل اللحم يصومونها لهرقل الملك غفرانا لنقضه العهد، وقتل ~~اليهود، وكتبوا بذلك إلى الآفاق. # وكذلك لما أرادوا نقل ذلك الصوم إلى فصل الربيع المعتدل، وتغيير شريعة ~~المسيح، زادوا فيه عشرة أيام عوضا وكفارة لنقلهم له. # ومن ذلك ما أحدثوه من الأعياد الباطلة المخترعة، فإن أعيادهم كلها مختلقة ~~محدثة بآرائهم واستحسانهم، فمن ذلك عيد ميكائيل، وسببه أنه كان بالإسكندرية ~~صنم، وكان جميع من بمصر والإسكندرية يعيدون له عيدا عظيما، ويذبحون له ~~الذبائح، فولي بتركة الإسكندرية واحد منهم، فأراد أن يكسره، ويبطل الذبائح، ~~فامتنعوا عليه، فاحتال عليهم، فقال: إن هذا الصنم لا ينفع ولا ms217 يضر، فلو ~~جعلتم هذا العيد لميكائيل ملك الله، وجعلتم هذه الذبائح له كان يشفع لكم ~~عند الله، وكان خيرا لكم من هذا الصنم، فأجابوه إلى ذلك، فكسر الصنم وصيره ~~صلبانا، وسمى الكنيسة كنيسة ميكائيل. # PageV02P647 # ثم احترقت الكنيسة وخربت، وصيروا العيد والذبائح لميكائيل، فنقلهم من كفر ~~إلى كفر، ومن شرك إلى شرك، فكانوا في ذلك كمجوسي أسلم فصار رافضيا، فدخل ~~عليه الناس يهنئونه، ودخل عليه رجل، وقال: إنك إنما انتقلت من زاوية من ~~النار إلى زاوية أخرى. # ومن ذلك عيد الصليب. وهو مما اختلقوه وابتدعوه، فإن ظهور الصليب إنما كان ~~بعد المسيح بزمن كثير، وكان الذين أظهروه زورا وكذبا أخبرهم به بعض اليهود ~~أن هذا هو الصليب الذي صلب عليه إلههم وربهم. # فنظروا إلى هذا السند، وهذا الخبر. # فاتخذوا ذلك الوقت الذي ظهر فيه عيدا، وسموه عيد الصليب. # ولو أنهم فعلوا ما فعل أشباههم من الرافضة، حيث اتخذوا وقت مقتل الحسين ~~مأتما وحزنا لكان أقرب إلى العقول. قال ابن القيم: # " وكان من حديث الصليب أنه لما صلب المسيح - على زعمهم الكاذب - وقتل ~~ودفن، ورفع من القبر إلى السماء، كان التلاميذ كل يوم يصيرون إلى القبر ~~وإلى موضع الصليب، ويصلون. # PageV02P648 # فقالت اليهود: إن هذا الموضع لا يخفى، وسيكون له نبأ، وإذا رأى الناس ~~القبر خاليا آمنوا به، فطرحوا عليه التراب والزبل، حتى صار مزبلة عظيمة. # فلما كان في أيام قسطنطين الملك جاءت زوجته إلى بيت المقدس تطلب الصليب، ~~فجمعت من اليهود الساكنين ببيت المقدس والخليل مائة رجل، واختارت منهم ~~عشرة، واختارت من العشرة ثلاثة: اسم أحدهم يهودا، فسألتهم أن يدلوها على ~~الموضع، فامتنعوا، وقالوا: لا علم لنا بالموضع، فطرحتهم في الحبس في جب لا ~~ماء فيه، فأقاموا سبعة أيام لا يطعمون ولا يسقون. # فقال يهودا لصاحبيه: إن أباه عرفه بالموضع الذي تطلب. فصاح الاثنان، ~~فأخرجوهما، فأخبراها بما قال يهودا، فأمرت بضربه بالسياط، فأقر، وخرج إلى ~~الموضع الذي فيه المقبرة، وكان مزبلة عظيمة، فصلى، وقال: اللهم، أسألك إن ~~كان في هذا الموضع أن ms218 يتزلزل، ويخرج منه دخان، فتزلزل الموضع، وخرج منه ~~دخان. # فأمرت الملكة بكنس الموضع من التراب، فخرجت المقبرة وأصابوا ثلاثة صلبان، ~~فقالت الملكة: كيف لنا أن نعلم صليب سيدنا المسيح؟ # PageV02P649 # وكان بالقرب منهم عليل شديد العلة قد أيس منه، فوضع الصليب الأول عليه، ~~ثم الثاني، ثم الثالث، فأفاق عند الثالث واستراح من علته، فعلمت أنه صليب ~~المسيح، فجعلته في غلاف من ذهب، وحملته إلى قسطنطين. وكان من ميلاد المسيح ~~إلى ظهور هذا الصليب ثلاثمائة وثلاثا وعشرين سنة. # هذا كله نقله سعيد بن بطريق النصراني في تاريخه. # والمقصود أنهم ابتدعوا هذا العيد بنقل علمائهم بعد المسيح بهذه المدة. # وبعد، فسند هذه الحكاية من بين يهودي ونصراني مع انقطاعها وظهور الكذب ~~فيها لمن له عقل من وجوه كثيرة. # ويكفي في كذبها وبيان اختلاقها أن ذلك الصليب الذي شفى العليل كان أولى ~~ألا يميت الإله الرب المحيي المميت. # ومنها: أنه إذا بقي تحت التراب خشب ثلاثمائة وثمان وعشرين سنة فإنه ينخر ~~ويبلى لدون هذه المدة. # PageV02P650 # فإن قال عباد الصليب: إنه لما مس جسم المسيح حصل له الثبات والقوة ~~والبقاء، قيل لهم: فما بال الصليبين الباقيين لم يتفتتا واشتبها به؟ فلعلهم ~~يقولون: لما مست صليبه مسهما البقاء والثبات. # وجهل القوم وحمقهم أعظم من ذلك. # والرب - سبحانه - لما تجلى للجبل تدكدك الجبل وساخ في الأرض، ولم يثبت ~~لتجليه، فكيف تثبت الخشبة لركوبه عليها في تلك الحال؟ ! # ولقد صدق القائل: إن هذه الأمة عار على بني آدم أن يكونوا منهم. # فإن كانت هذه الحكاية صحيحة فما أقربها من حيل اليهود التي تخلصوا بها من ~~الحبس والهلاك. # وحيل بني آدم تصل إلى أكثر من ذلك بكثير، ولا سيما لما علم اليهود أن ~~ملكة دين النصرانية قاصدة إلى بيت المقدس، وأنها تعاقبهم حتى يدلوها على ~~موضع القتل والصلب، وعلموا أنهم إن لم يفعلوا لم يتخلصوا من عقوبتها. # ومنها: أن عباد الصليب يقولون: إن المسيح لما قتل غار دمه، ولو وقع قطرة ~~على الأرض ليبست ولم تنبت. # فيا عجبا، كيف ms219 يحيي الميت، ويبرئ العليل بالخشبة التي # PageV02P651 # صلب عليها، وسمر. هذا كله من بركتها وفرحها به، وهو مشدود عليها يبكي ~~ويستغيث؟ ! # ولقد كان الأليق أن يتفتت الصليب ويضمحل لهيبة من صلب عليه، وتخسف الأرض ~~بالحاضرين عند صلبه والمتمالئين عليه، بل تفطر السموات والأرض، وتخر الجبال ~~هدا. # ثم يقال لعباد الصليب: لا يخلو أن يكون المصلوب الناسوت وحده أو مع ~~اللاهوت. فإن كان المصلوب هو الناسوت وحده فقد فارقته الكلمة، وبطل اتحادها ~~به، وكان المصلوب جسدا من الأجساد ليس بإله ولا فيه شيء من الإلهية ~~والربوبية ألبتة. # وإن قلتم: إن الصلب وقع على اللاهوت والناسوت معا، فقد أقررتم بصلب إلإله ~~وقتله وموته، وقدرة الخلق على أذاه. وهذا أبطل الباطل، وأمحل المحال، فبطل ~~تعلقكم بالصليب من كل وجه عقلا وشرعا ". # ومن العجب أنهم يقرؤون في التوراة: " ملعون من تعلق بالصليب ". وهم قد ~~جعلوا شعار دينهم ما يلعنون عليه. # ولو كان لهم أدنى مسكة من عقل لكان الأولى أن يحرقوا الصليب # PageV02P652 # حيث وجدوه، ويكسروه، ويلطخوه بالنجاسة، فإنه قد صلب عليه إلههم ومعبودهم ~~بزعمهم، وأهين عليه وفضح. # فيا للعجب! بأي وجه بعد هذا يستحق الصليب التعظيم لولا أن القوم أضل من ~~الأنعام، فلو عقلوا لكان ينبغي ألا يحملوا صليبا، ولا يمسوه بأيديهم، ولا ~~يذكروه بألسنتهم، وإذا ذكر لهم سدوا مسامعهم من ذكره. # ولقد صدق القائل: " عدو عاقل خير من صديق أحمق "، لأنهم بحمقهم قصدوا ~~تعظيم المسيح، فاجتهدوا في ذمه، وتنقصه، والازدراء به والطعن عليه. # وكان مقصودهم بذلك التشنيع على اليهود، وتنفير الناس عنهم وإغراقهم بهم، ~~فنفروا الأمم عن النصرانية وعن المسيح ودينه أعظم تنفير. # وقد قال بعض عقلائهم: " إن تعظمينا للصليب جار مجرى تعظيم قبور الأنبياء، ~~فإنه كان قبر المسيح إذ هو عليه، ثم لما دفن صار قبره في الأرض ". # وليس وراء هذا الحمق والجهل حمق، فإن السجود إلى قبور الأنبياء وعبادتها ~~شرك، بل من أعظم الشرك. وقد لعن إمام الحنفاء وخاتم الأنبياء اليهود ~~والنصارى، حيث اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. # PageV02P653 # وأصل الشرك وعبادة الأصنام من ms220 العكوف على القبور واتخاذها، ثم يقال: ~~فأنتم تعظمون كل صليب لا تخصون التعظيم بذلك الصليب بعينه. # فإن قلت الصليب من حيث هو يذكر بالصليب الذي صلب عليه إلهنا. # قيل: وكذلك الحفر تذكر بحفرته، فعظموا كل حفرة، واسجدوا لها، لأنها ~~كحفرته - أيضا - بل أولى، لأن خشبة الصليب لم يستقر عليها استقراره في ~~الحفرة. # ثم يقال: اليد التي مسته أولى أن تعظم من الصليب، فعظموا أيدي اليهود ~~لمسهم إياه، وإمساكهم له، ثم انقلوا ذلك التعظيم إلى سائر الأيدي. # فإن قلتم: منع من ذلك مانع العداوة. قلنا: فعندكم أنه هو الذي رضي بذلك ~~واختاره، ولو لم يرض به لم يصلوا إليه. # فعلى هذا فينبغي لكم أن تشكروهم وتحمدوهم، إذ فعلوا موجب رضاه واختياره ~~الذي كان سبب خلاص جميع الأنبياء والمؤمنين والقديسين من الجحيم ومن سجن ~~إبليس. # فما أعظم منة اليهود عليكم وعلى آبائكم وعلى سائر النبيين من لدن آدم إلى ~~زمن المسيح! !. # والمقصود أن هذه الأمة جمعت بين الشرك وعيب الإله وتنقصه، وتنقص نبيهم ~~وعيبه، ومفارقة دينه بالكلية، فلم يتمسكوا بشيء كان عليه المسيح، لا في ~~صلاتهم، ولا صيامهم، ولا أعيادهم. بل هم في # PageV02P654 # ذلك أتباع كل ناعق، مستجيبون لكل ممخرق ومبطل، إذ أدخلوا في الشريعة ما ~~ليس فيها، وتركوا ما أتت به. # وإذ شئت أن ترى العبر في دينهم فانظر ما أشرنا إليه من صيامهم الذي وضعوه ~~لملوكهم وعظمائهم، فلهم صيام للحواريين، وصيام لمارمريم، وصيام لمارجرجس، ~~وصيام الميلاد. # وتركهم أكل اللحم في صيامهم مما أدخلوه في دين المسيح، وإلا فهم يعلمون ~~أن المسيح كان يأكل اللحم، ولم يمنعهم منه في صوم ولا فطر. # واصل ذلك أن المانوية كانوا لا يأكلون ذا روح، فلما دخلوا في النصرانية ~~خافوا أن يتركوا أكل اللحم، فيقتلوا، فشرعوا لأنفسهم صياما للميلاد ~~والحواريين ومارمريم، وتركوا في هذا الصوم أكل # PageV02P655 # اللحم محافظة على ما اعتادوه من مذهب ماني، فلما طال الزمان تبعهم على ~~ذلك النسطورية واليعقوبية، فصارت سنة متعارفة بينهم، ثم تبعهم على ذلك ~~الملكانية. # قال ابن القيم: # ثم ms221 إنك إذا كشفت عن حالهم وجدت أئمة دينهم قد نصبوا حبائل الحيل، ~~ليقتنصوا بها عقول العوالم، ويتوصلوا بالتمويه والتلبيس إلى استمالتهم ~~وانقيادهم لهم واستدرار أموالهم، وذلك أشهر وأكثر من أن يذكر. # فمن ذلك ما يعتمدونه في العيد الذي يسمونه عيد النور - ومحله ببيت المقدس ~~- فيجتمعون من سائر النواحي في ذلك اليوم، ويأتون إلى بيت فيه قنديل معلق، ~~لا نار فيه، فيتلو أحبارهم الإنجيل، ويرفعون أصواتهم، ويبتهلون في الدعاء. ~~فبينما هم كذلك، وإذا نار قد نزلت من سقف البيت، فتقع على ذبالة القنديل، ~~فيشرق، ويضيء ويشعل، فيصيحون صيحة واحدة، ويصلبون على وجوههم، ويأخذون في ~~البكاء والشهيق. # PageV02P656 # قال أبو بكر الطرطوشي: # " كنت ببيت المقدس، وكان واليها إذ ذاك رجلا يقال له: سقمان، فلما انتهى ~~إليه خبر هذا العيد أنفذ إلى بتاركهم، وقال: أنا نازل إليكم في هذا اليوم، ~~لأكشف عن حقيقة ما تقولون فإن كان حقا ولم يتضح لي وجه الحيلة أقررتكم ~~عليه، وعظمته معكم، وإن كان مخرفة على عوامكم أوقعت بكم ما تكرهون. # فصعب ذلك عليهم جدا وسألوه ألا يفعل، فأبى وألح في ذلك، فحملوا له مالا ~~عظيما فأعرض عنهم ". # قال الطرطوشي: ثم اجتمعت بأبي محمد بن الأقدم بالإسكندرية، فحدثني أنهم ~~يأخذون خيطا دقيقا من نحاس - وهو الشريط - ويجعلونه في وسط قبة البيت إلى ~~رأس الفتيلة التي في القنديل، ويدهنونه بدهن البلسان، والبيت مظلم، بحيث لا ~~يدرك الناظرون الخيط النحاس. # PageV02P657 # وقد عظموا ذلك البيت، فلا يمكنون أحدا من دخوله. وفي رأس القبة رجل، فإذا ~~قسسوا ودعوا ألقى على ذلك الخيط النحاس شيئا من نار النفط، فتجري النار مع ~~دهن البلسان إلى آخر الخيط النحاس، فيلقى الفتيلة فيتعلق بها. # فلو نصح أحد منهم نفسه، وفتش على نجاته لتتبع ذلك، وطلب الخيط النحاس، ~~وفتش رأس القبة، ليرى الرجل والنفط، ويرى أن منبع ذلك النور من ذلك الممخرق ~~الملبس. # وأنه لو نزل من السماء لظهر من فوق، ولم يكن ظهوره من الفتيلة!. # ومن حيلهم - أيضا - أنه كان بأرض الروم في زمن المتوكل كنيسة، إذا ms222 كان ~~يوم عيدها يحج الناس إليها، ويجتمعون عند صنم فيها، فيشاهدون ثدي ذلك الصنم ~~في ذلك اليوم يخرج منه اللبن، فكان يجتمع للسادن في ذلك اليوم مال عظيم. # فبحث الملك عنها، فانكشف له أمرها، فوجد القيم قد ثقب من وراء الحائط ~~ثقبا إلى ثدي الصنم، وجعل فيه أنبوبة من نحاس، وأصلحها باللجين، ليخفى ~~أمرها. # PageV02P658 # فإذا كان يوم العيد فتحها، وصب فيها اللبن، فيجري إلى الثدي، فيقطر منه، ~~فيعتقد الجهال أن هذا سر في الصنم، وأنه علامة من الله لقبول قربانهم ~~وتعظيمهم له. # فلما انكشف له ذلك أمر بضرب عنق السادن ومحو الصور من الكنائس، وقال: إن ~~هذه الصور مقام الأصنام، فمن سجد للصور فهو كمن سجد للأصنام. # ولقد كان من الواجب على ملوك الإسلام أن يمنعوا هؤلاء من هذا وأمثاله، ~~لما فيه الإعانة على الكفر وتعظيم شعائره، فالمساعد على ذلك والمعين عليه ~~شريك للفاعل، ولكن لما هان دين الإسلام، وكان السحت الذي يأخذونه أحب إليهم ~~من الله ورسوله أقروهم على ذلك، ومكنوهم منه. # والمقصود أن رهبان النصارى وأساقفتهم لما علموا أن دينهم مما تنفر منه ~~العقول أعظم نفرة، وضعوا لهم من الحيل والمخارق ما روجوا به على السفهاء ~~وضعفاء البصائر، واستمالوا به الجهلة إلى التمسك بالنصرانية. # وساعدهم ما عليه اليهود من القسوة والغلظة والمكر والكذب والبهت، وما ~~عليه كثير من المسلمين من الظلم والفواحش والفجور والبدع # PageV02P659 # والغلو في المخلوق، حتى يتخذ إلها من دون الله. واعتقاد كثير من الجهال ~~أن هؤلاء من خواص المسلمين وصالحيهم. # فتركب من هذا وأمثاله تمسك القوم بما هم عليه من رؤيتهم أنه خير من كثير ~~مما عليه المنتسبون إلى الإسلام من البدع والفجور والشرك والفواحش. # ولو أنهم تمسكوا بسنة محمد - صلى الله عليه وسلم - واقتفوا آثاره، وتركوا ~~البدع والمحدثات، واقتدوا بالسلف الصالح من هذه الأمة، لكان ذلك من أعظم ~~الدواعي إلى الدخول في الإسلام. # ولهذا لما رأى النصارى الصحابة وما هم عليه آمن أكثرهم اختيارا وطوعا، ~~وقالوا: ما الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء. # قال ms223 ابن القيم: # " ولقد دعونا نحن وغيرنا كثيرا من أهل الكتاب إلى الإسلام، فأخبروا أن ~~المانع لهم ما يرون عليه المنتسبين إلى الإسلام من البدع والظلم والفجور ~~والمكر والاحتيال، ونسبة ذلك إلى الشرع، فساء ظنهم بالشرع وبما جاء به، ~~فالله طليب قطاع الطريق وحسيبهم ". # فهذه إشارة يسيرة جدا إلى تلاعب الشيطان بالأمة الصليبية تدل على ما ~~بعدها، ويعتبر بها العاقل من وجوه: # PageV02P660 # منها: ظهور شرف دين الإسلام الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~فيعلم ذو العقل السليم أنه الحق من ربنا، لا ما ابتدعه الضلال، واخترعوه من ~~الباطل والمحال إذ من عرف الباطل وما اشتمل عليه من القبائح ظهرت له فضيلة ~~الحق، وما فيه من المحاسن (فبضدها تتبين الأشياء) . # ومنها: أن يعلم الموقن بالله وربوبيته لهذا العالم أنه لا يدع الخلق في ~~هذه الضلالات، وارتكابهم لأقبح الجهالات من غير إقامة الحجة ببعثة الرسول، ~~وبلوغ الإنذار. # فكان هذا من أعظم الأدلة على صحة رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم - حيث ~~جاء بالدين القويم والصراط المستقيم. كما قال الله - تعالى -: ### | .... # {قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير ~~قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} ### | .... # وإذا عرف ما قدمناه فنذكر الجواب على أفراد المسائل التي ذكرها النصراني. # PageV02P661 # فصل # قال النصراني: # " إنما المسيحيون قد أمروا بالصبر والإحسان حتى للمبغضين لهم. أما ~~المسلمون أمروا بالقصاص وأخذ الثأر ". # الجواب - وبالله التوفيق -: # إن الذي شرعه الله للمسلمين في هذا الباب أكمل وأجل مما عند غيرهم، فإنه ~~- تعالى - أذن لهم في القصاص من المعتدي، وجعله حقا واجبا للمظلوم، وشرع ~~التمكين له من أخذ حقه. ولم يوجب ذلك عليه، بل ندبه إلى الفضل والصبر. # فقال - تعالى -: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله} ... . # وقال - تعالى -: {وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~إنه لا يحب الظالمين ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل إنما ~~السبيل على ms224 الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب ~~أليم ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} ### | .... # فشرع - تعالى - العدل، وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو، ووعد عليه ~~الأجر. # PageV02P663 # ولهذا قال: ... {فمن عفا وأصلح فأجره على الله} ... ، أي: لا يضيع ذلك ~~عنده. # وقال تعالى: ... {وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله ~~غفور رحيم} ### | .... # وفي الحديث الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «ما زاد ~~الله عبدا بعفوا إلا عزا» " في أحاديث كثيرة في الترغيب في العفو والحث ~~عليه. # وكان - صلى الله عليه وسلم - أول متصف بهذا الوصف الجميل. # ولا خفاء عند نقلة أخباره بما يؤثر من حلمه واحتماله وعفوه. # كما عفا - صلى الله عليه وسلم - عن أولئك النفر الثمانين الذين قصدوه عام ~~الحديبية، ونزلوا من جبل ليقتلوه، فلما قدر عليهم عفا عنهم مع قدرته على ~~الانتقام. # PageV02P664 # وكذلك عفوه عن غورث بن الحارث، الذي أراد الفتك به حين اخترط سيفه وهو ~~نائم، فاستيقظ - صلى الله عليه وسلم - وهو في يده صلتا، فقال: من يمنعك ~~مني؟ قال: الله. فسقط السيف من يده، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: ومن يمنعك مني؟ فقال: كن خير آخذ. فتركه، وعفا عنه، فأتى قومه، وقال: ~~جئتكم من عند خير الناس. # وعفا - أيضا - عن لبيد بن الأعصم اليهودي الذي سحره، ولم يعرض له، ولا ~~عاتبه مع قدرته عليه. # وكذلك عفوه عن المرأة اليهودية، وهي زينب أخت مرحب اليهودي - # PageV02P665 # التي سمت الذراع يوم خبير، فأخبره الذراع بذلك، فدعاها، فاعترفت، فقال: ~~ما حملك على ذلك؟ قالت: أردت إن كنت نبيا لم يضرك، وإن لم تكن نبيا استرحنا ~~منك. # ولكن لما مات بشر بن البراء من أكله تلك الشاة المسمومة قتلها به. # والأخبار بحلمه واحتماله وعفوه كثيرة جدا. # PageV02P666 # فصل # قال النصراني: # " وأمر المسيحيون بإثبات عقدة التزويج واحتمال الزوجين أخلاق بعضهما ~~بعضا. أما المسلمون أجيز لهم نقضها بالطلاق ". # ونقول: # لا ريب أن الذي شرع الله للمسلمين من ذلك أكمل وأليق بالحكمة، فإن ms225 تحريم ~~الطلاق يفضي كثيرا إلى ضرر الزوجين، فإنه قد لا يلائم خلقها خلقه، فتقع ~~النفرة بينهما، والبغض من كل منهما للآخر، ويحصل الشقاق، فيبقيان عمرهما في ~~نكد العيش. # ففي إباحة الطلاق الخلاص من هذا الضرر، وأيضا فإنه وإن لم يحصل شقاق فقد ~~يحتاج إلى فراقها لمصلحة الاستبدال بأوفق منها، أو لكونها عاقرا لا تلد، ~~فيستبدل بها ولودا، ويعرض لها ما يمنع مقصود الاستمتاع، بحيث لو منع ~~الاستبدال بغيرها فات مقصود النكاح ومصالحه، إلى غير ذلك من الأسباب ~~المقتضية لفراق الزوجة. # فأباح الله - تعالى - للزوج طلاقها تحصيلا للمصلحة الراجحة له، وتبقى هي ~~مباحة للأزواج، فتتم المصلحة لكل منهما. # PageV02P667 # وهذا هو اللائق برحمة الله بخلقه، وحكمته في شرعه وأمره، وقد قال - تعالى ~~-: {وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته وكان الله واسعا حكيما} . # فإن لم يكن حاجة إلى الطلاق فهو مكروه، لما فيه من تفويت المصالح ~~المترتبة على النكاح من غير سبب يدعو إليه. # وجاء الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «أبغض الحلال ~~إلى الله الطلاق» ". رواه الدارقطني. # PageV02P668 # فصل # قال النصراني: # " والمسيحيون، فعندهم يجب على الرجل أن يفعل لامرأته ما يريد أن تفعل له، ~~ويصير لها أسوة في الاقتصار على حبه وحده. # وأما المسلمون أحل لهم تكثير النساء الذي يزداد فيه الشره في النكاح ". # الجواب - وبالله التوفيق -: # أن نقول: ما شرعه الله - تعالى - للمسلمين في عدد الزوجات مطابق للحكمة، ~~فإنه جاء وسطا بين الإكثار منهن المفضي إلى تفويت الحقوق الواجبة لهن، ~~وتحمل الرجل ما لا طاقة له به من أعباء حقوق الزوجية، وبين الإقلال الذي قد ~~تفوت معه مصلحة كمال الاستمتاع، وكثرة الأولاد، والتمتع بنعمة الله التي ~~امتن بها على عباده. # فأباح - تعالى - للرجل أن ينكح أربعا إن قدر على القيام بحقوقهن والعدل ~~فيهن، وأمره بالاقتصار على واحدة إن خاف ألا يعدل، فقال - تعالى -: ### | .... # {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا} . # PageV02P669 # والمقصود أن في ms226 إباحة العدد من الزوجات حكما عظيمة ومصالح جمة. # فمنها: أن الرجل قد لا تكفيه الواحدة، لفضل ما أعطي من القوة على النكاح، ~~أو لما يترتب له على التعدد من المصالح المطلوبة، فأبيح له العدد المذكور ~~من الزوجات، وما شاء من السراري، إتماما لنعمة الله عليه، وتحصينا لفرجه. # ومنها: أنه قد يعرض للمرأة ما يمنع استمتاعه بها من حيض أونفاس أو مرض أو ~~غيبتها عنه لعذر أو سفره عنها، فأبيح له التعدد، لتحصيل المصلحة، وإتمام ~~الإحصان. # ومنها: أن المرأة قد تكون عاقرا لا تحبل، أو يعرض لها ما يقطع الحبل من ~~كبر أو مرض، وهو يؤثر إمساكها، وألا يفارقها، فلو اقتصر عليها فاته الولد، ~~وهم من النعم العظيمة، وفيه تكثير الأمة. وقد قال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - " «تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم» ". # ومنها: أن في إباحة العدد مصلحة تعود على جنس النساء، فإنهن غالبا أكثر ~~من الرجال، ففي إباحة التعدد من مصلحة إحصانهن والقيام عليهن ما يفوت كثير ~~منه لو منع التعدد. # PageV02P670 # وأما ما يحصل للمرأة من مشقة الغيرة بتزويج غيرها فذلك لا يوازي تلك ~~المصالح ولا يقارب. # وأيضا فإن للرجال مزيد فضل على النساء بتفضيل الله لهم، وبما أوجب عليهم ~~في أموالهم من الإنفاق على النساء، والقيام بهن، فناسب ذلك، وإن قصرت عليه ~~أن يوسع له في قضاء وطره بغيرها إذا أحب ذلك، ولم يقصر عليها. # وأما كون كثرة النساء يزداد فيه الشره في النكاح فقد قدمنا الكلام على ~~فضيلة النكاح بما أغنى عن إعادته. وما ترتب عليه الزيادة في الفضيلة فهو ~~فضيلة، ولهذا استكثر النبي - صلى الله عليه وسلم - منهن، وأبيح له من العدد ~~ما لم يبح للأمة. # وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: " خير هذه الأمة أكثرها نساء ". # وبالجملة، إذا اعتبرت ما شرعه الله - تعالى - لهذه الأمة في هذا الباب ~~وجدته على أحسن وجوه الحكمة وأكمل طرائق المصلحة، كما هو كذلك في كل باب، ~~فلله الحمد. # PageV02P671 # فصل # قال النصراني: # " وعند المسيحيين أصل الدين موضوع في ms227 القلب، أن يصلح، ويثمر بما ينتفع به ~~أبناء الجنس كلهم. وأما عند المسلمين فمعظمه في الختانة والوضوء وغيرهما من ~~الأشياء التي من ذواتها لا تنفع ولا تضر ". هذا كلامه. # لعمر الله، إنه كلام في غاية السخافة والجهالة والكذب، فإن مبنى دين ~~الإسلام على ما فيه غاية صلاح القلب، وفلاحه، وحياته، وهو إخلاص العبودية ~~لله، وصدق المحبة له، وتحقيق التوكل عليه، والخوف منه، والرجاء له، ~~والاستعانة به، والرضا عنه، والصبر والتفويض، وغير ذلك من منازل العبودية. # وكذلك الإيمان بالأصول التي جاءت بها الرسل، واتفقت عليها ملل الأنبياء، ~~بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والإيمان بالقدر خيره وشره. # وغير ذلك من أصول الإيمان الثابتة في القلب، والأعمال الباطنة التي لا ~~تنفع الأعمال الظاهرة بدونها. # قال الله - تعالى -: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم} . # PageV02P673 # وقال - تعالى -: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} . # وقال - تعالى -: {الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إليك ~~وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم ~~المفلحون} . # وقال - تعالى -: {ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم ~~الفائزون} . # إلى غير ذلك من نصوص القرآن في الوصية بهذه الأصول، والحث عليها، ومدح من ~~اتصف بها، إلى ما يتبع أعمال القلب من الأعمال الظاهرة التي مقصودها صلاح ~~القلب ورعاية حياته وإيقاعها على وجهها من ثمرات صلاحه. # PageV02P674 # فافترض - تعالى - الصلوات الخمس المشتملة على توحيد الله - تعالى - ~~والتأله إليه، والخضوع ms228 له رهبة منه، والابتهال إليه رغبة فيه. # ولهذا جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " «إذا ~~قام أحدكم إلى صلاته فإنما يناجي ربه، فلينظر أحدكم بم يناجيه؟» ". # وجعل من شروطها رفع الحدث، وإزالة النجاسة، لتتم النظافة للقاء ربه، ~~والطهارة لأداء فرضه. # ثم ضمنها تلاوة كتابة المنزل، ليتدبر ما فيه من أوامره ونواهيه، ويعتبر ~~إعجاز ألفاظه ومعانيه. # ثم علقها بأوقات راتبة، وأزمان مترادفة، ليكون ترادف زمانها وتتابع ~~أوقاتها سببا لاستدامة الخضوع والابتهال إليه، وألا تنقطع الرهبة منه ولا ~~الرغبة فيه. # وبهذا تنفتح أبواب المعارف في القلب، ويحصل له غاية الصلاح ونهاية ~~الفلاح. # وكذلك فريضة الزكاة والنفقات من الأموال، ففيه من تمرين النفس على ~~السماحة المحمودة، ومجانبة الشح المذموم، ومواساة الفقراء، ومعونة ذوي ~~الحاجات، وظهور إيثار المنفق رضا مولاه ببذل ما يحبه من المال. # PageV02P675 # وكذلك الصيام الذي فيه رياضة النفس وصفاء القلب، وهو سر بين العبد وبين ~~ربه، وفيه حث على رحمة الفقراء، وإطعامهم، وسد جوعتهم، لما قد عاناه الصائم ~~من شدة المجاعة في صومه، وفيه من قهر النفس وإذلالها وكسر الشهوة المستولية ~~عليها وإشعار النفس ما هي عليه من الحاجة إلى الطعام والشراب ما هو من أعظم ~~صلاح القلب ومعرفته بربه وفاطره، الغني بذاته عن كل ما سواه، وكل ما سواه ~~فقير إليه. # ولهذا احتج الله - تعالى - على من اتخذ عيسى وأمه إلهين من دونه بقوله - ~~تعالى -: {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة ~~كانا يأكلان الطعام} ### | .... # ، فجعل حاجتهما إلى الطعام نقصا فيهما عن أن يكون إلهين. # وكذلك الحج، وما فيه من تحمل المشاق امتثالا للأمر في قضاء المناسك في ~~تلك المواطن الفاضلة. # وفيه تذكير بيوم الحشر في مفارقة المال والأهل، وخضوع العزيز والذليل بين ~~يدي الله، واجتماع المطيع والعاصي في الرهبة منه والرغبة إليه، وإقلاع أهل ~~المعاصي عما اجترحوه، وندم المذنبين على ما أسلفوه. # كما قال بعض العلماء: " قل من حج إلا أحدث توبة من ذنب، وإقلاعا عن معصية ~~". # ولذلك ms229 قيل: " من علامة الحجة المبرورة أن يكون صاحبها بعدها خيرا من ~~قبلها ". # PageV02P676 # ثم نبه بما يعانيه من مشاق السفر المؤدي إليه على مواضع النعمة برفاهة ~~الإقامة، ونسيه الأوطان، ليحنو بما سلف من هذه النعمة على أبناء السبيل. # ثم علم بمشاهدة حرم الله الذي أنشأ منه دينه، وبعث منه رسوله، ثم بمشاهدة ~~دار الهجرة، التي أعز الله بها أهل طاعته، وأذل بنصرة نبيه بها أهل معصيته، ~~حتى خضع له عظماء المتكبرين، وتذلل له زعماء المتجبرين، أنه لم ينتشر عن ~~ذلك المكان المنقطع، ولا قوي بعد الضعف البين حتى طبق الأرض شرقا وغربا إلا ~~بمعجزة ظاهرة ونصر عزيز، يدل على عناية الله بهذه الشريعة وأنها من عنده. # وكذلك الجهاد، وما فيه من بذل النفس وإنفاق النفيس طاعة لله وامتثالا ~~لأمره. # وكذلك أنواع العدل والإحسان والبر والصلة. # وكذلك الأقوال الطيبة من تلاوة كتاب الله، وإكثار ذكره واستغفاره، وتحصيل ~~التوبة التي هي أحب شيء إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ~~ذلك من الأعمال الباطنة والظاهرة التي مقصودها صلاح القلب وصفاؤه، ونماء ~~الإيمان والمعرفة فيه، فإن أصل الدين في الحقيقة هي الأمور الباطنة من ~~العلوم والأعمال، فلا تنفع الأعمال الظاهرة بدونها. كما قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحديث الذي رواه أحمد في مسنده: " «الإسلام علانية، ~~والإيمان في القلب» ". # ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المتفق عليه: # PageV02P677 # " «الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من ~~الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في ~~الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ~~ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، ~~وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» ". # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: " القلب ملك، والأعضاء جنوده، فإذا ~~خبث الملك خبثت جنوده ". # وإذا كان الأمر ما ذكرنا بعض وصفه، فكيف يقال: إن معظم دين الإسلام في ~~الختانة ms230 والوضوء ونحوهما؟ وما هذه الوقاحة والجرأة بالكذب البحت والجهل ~~الصرف؟ # وليس هذا بكثير على من فسد عقله وانتكست فطرته حتى سب خالقه وفاطره أعظم ~~مسبة، وتنقصه أسوأ تنقص، بالشرك به، ودعوى الولد له، وكفر برسله وأنبيائه: ~~{فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى ~~للكافرين} . # PageV02P678 # وأما الختان والوضوء وتطهير النجاسات ورفع الأحداث فهو من محاسن الشريعة، ~~فإن بالتوحيد وتوابعه طهارة الباطن، وبالوضوء ونحوه طهارة الظاهر. # فيجمع العبد في عبادة ربه بين الطهارتين، ويقوم بين يديه على أحسن ~~الهيئات وأكمل الأحوال. # وكان كا جاءت به الشريعة المحمدية من ذلك وسطا بين جفاء النصارى وغلو ~~اليهود، كما تقدمت الإشارة إليه. # وقد أخرج الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " «ما منكم من أحد يتوضأ، ~~فيسبغ الوضوء، فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء» ~~". # PageV02P679 # فهذا فيه الإتيان بالشهادتين المتضمنتين طهارة القلب بعد الوضوء الذي هو ~~طهارة الظاهر، لتتم له الطهارتان الظاهرة والباطنة. وهذا غاية الكمال. # وفي الختان من الطهارة والنظافة ما هو اللائق بحكمة الله في شرعه، فإن ~~الأقلف يحمل النجاسة، ولا يمكنه الاستبراء من البول، فشرع الختان تحصيلا ~~للطهارة، وتكميلا للعبادة، وتعظيما للمعبود. # وهو من الحنفية ملة إبراهيم، وجاءت التوراة بتقريره والأمر به، ولم تنسخه ~~شريعة الإنجيل، وإنما إبطاله من تغيير الأمة الضالة لدين المسيح في زمن ~~قسطنطين، كما قدمنا ذكره. # وقد اعترف هذا النصراني أن المسيح - عليه السلام - اختتن على سنة ~~التوراة. # وليس معهم في إبطال الختان حجة ألبتة، بل قد ذكر هو نص # PageV02P680 # التوراة من الفصل السابع عشر من السفر الأول منها: أن الله قد قال ~~لإبراهيم: " أعطي لك ولنسلك بعدك بلدة سكناك وهي جميع أرض كنعان حوزا ~~مؤبدا، وأكون لكم إلها، وأنت عهدي، تحفظ أنت ونسلك بعدك لأجيالهم، هذا عهدي ~~الذي تحفظونه ms231 بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك أن يختتن كل ذكر منكم ". # فما معنى هذا النص؟ أليس صريحا في أن شرع الختان ثابت على ذرية إبراهيم ~~وأتباعه؟ # فكيف يجعلون من شريعة المسيح إبطال الختان، وقد حتم عليهم وأبد حكمه؟ ! ~~وإنما حملهم على ذلك متابعة دين قسطنطين وأضرابه من المبدلين {أفحكم ~~الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} . # PageV02P681 # فصل # قال النصراني: # " والمسيحيون أحل لهم استعمال المأكل وشرب الخمر على وجه الاعتدال. # أما المسلمون قد حرم عليهم أكل لحم الخنزير وشرب الخمر، مع أنه نعمة ~~عظيمة من الله ينتفع بها النفس والجسم لمن يستعمله بالاعتدال ". # الجواب - وبالله التوفيق -: # قد تقدم أن ما حرم الله على المسلمين فمصدره من رحمة الله بهم وحمايته ~~لهم، فإنه - تعالى - أحل لنا الطيبات، وحرم علينا الخبائث. كما قال - تعالى ~~- في صفة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ### | .... # {ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث} ### | .... # والطيب والخبيث وصف قائم بالأعيان، ليس المراد به مجرد التذاذ الأكل ~~وعدمه، أو التذاذ طائفة من الأمم لا من العرب ولا غيرهم على القول الصحيح. # فالخبث القائم بالعين هو علة التحريم، فحرم الله - تعالى - أكل الخبائث ~~صيانة لعباده عن ملابسة الخبيث والاغتذاء به. # PageV02P683 # قال أهل العلم: " لأن الغذاء يصير جزءا من جوهر المغتذي، ولا بد وأن يحصل ~~للمغتذي أخلاق وصفات من جنس ما كان حاصلا في الغذاء ". # كما حرم الله - تعالى - الدم المسفوح، لأنه مجمع قوى النفس الشهوانية ~~الغضبية، فيكتسب به المغتذي به كيفية توجب طغيان هذه القوى، وهو مجرى ~~الشيطان من البدن. كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان يجري ~~من ابن آدم مجرى الدم» . # وكما حرم النبي - صلى الله عليه وسلم - كل ذي ناب من السباع ومخلب من ~~الطير، لأنها عادية باغية، فإذا أكلها الناس صار في أخلاقهم شوب من أخلاق ~~هذه البهائم، وهو البغي والعدوان، وهكذا سائر المحرمات. # ومن ذلك الخنزير، فإنه مطبوع على أخلاق ذميمة، وصفات قبيحة، فحرم أكله ~~على الإنسان صيانة له وحماية له عن أن يتكيف ms232 بتلك الكيفية. # PageV02P684 # واستحلال النصارى لها من إحداثهم في دين المسيح وتبديلهم له. # وقد قال الإمام الحافظ عبد الرحمن بن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسن حدثنا ~~نعيم بن حماد ثنا ابن الفضيل عن الوليد بن جميع عن أبي الطفيل، قال: " نزل ~~آدم بتحريم أربع: الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به. وإن ~~هذه الأربعة الأشياء لم تحل قط، ولم تزل حراما منذ خلق الله السموات ~~والأرض، فلما بعث الله عيسى ابن مريم جاء الأمر الذي نزل به آدم - عليه ~~السلام - وأحل لهم ما سوى ذلك، فكذبوه، وعصوه ". # PageV02P685 # قال الحافظ ابن كثير: " وهذا أثر غريب ". # وأما الخمر فهي أم الخبائث ومنبع الرذائل، مفسدة للدين والعقل، فتحريمها ~~من محاسن الشريعة. # وليس يوازي ما فيها من المنافع ما اشتملت عليه من المفاسد، لأن المنافع ~~التي فيها تعود إلى البدن، والمفاسد تعود إلى الدين والعقل، وهما أعظم نعم ~~الله على عباده، فلهذا قال - تعالى -: {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما ~~إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما} ### | .... # فهذه الشريعة الزاكية جاءت بتحصيل المصالح، وتكميلها، وتعطيل المفاسد، ~~وتقليلها. # فإذا تعارضت المصلحة والمفسدة روعي أكبرهما، فعطلت المفسدة الكبرى، ولو ~~بإهمال مصلحة لا توازي تلك المفسدة. # وهذا من حكمة الله في شرعه وأمره، وهو الحكيم العليم. # وقد قال - تعالى -: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء ~~في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} . # PageV02P686 # فذكر - تعالى - نوعين من المفسدة في الخمر: # الأول: يتعلق بالدنيا، وضرره - أيضا - عائد على الدين، وهو العداوة ~~والبغضاء. # وذلك أن الغالب على من يشرب الخمر أن يشربها مع جماعة ويكون من غرضه في ~~ذلك الشرب أن يستأنس برفقائه، ويفرح بمحادثتهم ومكالمتهم. # فكان من غرضه في ذلك الاجتماع تأكيد المحبة والألفة، ولكنه ينقلب في ~~الأغلب إلى الضد، لأن الخمر تزيل العقل، وإذا زال العقل استولت الشهوة ~~والغضب من غير مدافعة العقل، وعند استيلائهما تحصل المنازعة بين أولئك ~~الأصحاب، وربما آلت إلى الضرب والقتل والمشافهة بالفحش، وذلك ms233 يورث العداوة ~~والبغضاء. # والشيطان سول لهم أن الاجتماع على الشرب يوجب تأكيد المحبة والألفة، ~~فينقلب الأمر إلى نهاية العداوة والبغضاء المفضيين غالبا إلى الهرج والمرج ~~والفتنة، وكل ذلك مضاد لصلاح العالم. # النوع الثاني: # المفاسد المتعلقة بالدين، وذلك في قوله: ### | .... # {ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة} ... . # وكون الخمر مانعة عن ذكر الله وعن الصلاة ظاهر، لأن شرب الخمر يورث السكر ~~واللذة والطرب في الجسم، فيمنعه ذلك من أداء العبادة، ويحول بينه وبين ~~أسباب السعادة. # PageV02P687 # وأيضا فالنفس إذا استغرقت في اللذات الجسمانية غفلت عن ذكر الله، ومالت ~~إلى العاجلة. # ومن الدليل على قبح الخمر وخساستها أن عقل الإنسان أشرف صفاته، والخمر ~~عدو للعقل ومفسد له، وذلك أن الإنسان إذا دعاه طبعه إلى فعل القبيح كان ~~عقله مانعا له من الإقدام عليه، فإذا شرب الخمر بقي الطبع الداعي إلى فعل ~~القبائح خاليا عن العقل المانع منها. # ولهذا امتنع من شربها جماعة في الجاهلية صيانة لعقولهم. قيل للعباس بن ~~مرداس - في الجاهلية -: لم لا تشرب الخمر، فإنها تزيد في جراءتك؟ فقال: ما ~~كنت لآخذ الجهل بيدي، فأدخله جوفي. ولا أرضى أن أصبح سيد قومي، فأمسي ~~سفيههم. # وأيضا فإن من خواص الخمر - كما قال بعض العلماء - أن الإنسان كلما كان ~~اشتغاله بها أكثر، ومواظبته عليها أتم كان الميل إليها أكثر، وقوة الإقدام ~~عليها أوفر. بخلاف سائر المعاصي كالزنا مثلا، فإنه إذا واقعه مرة واحدة قلت ~~رغبته فيه، وكلما كثر فعله لذلك العمل كان فتوره عنه أكثر. # بخلاف الشرب فإنه كلما كان إقدامه عليه أكثر كان نشاطه إليه أكثر، ورغبته ~~فيه أتم. # PageV02P688 # فإذا واظب الإنسان عليه صار غريقا في اللذات البدنية معرضا عن تذكر ~~الآخرة والمعاد، حتى يكون من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم. # وبالجملة، فالخمر يزيل العقل، فإذا زال العقل حصلت الخبائث بأسرها. # فظهر بما قررناه أن تحريم الخمر والخنزير من محاسن الشريعة، ومن أدلة ~~أنها من عند الله، وأنها أكمل الشرائع وأزكاها، فلله الحمد والمنة. # PageV02P689 # فصل # قال النصراني: # " وأما قبل أن وضعت الشريعة التي ms234 هي في غاية الكمال كما هي حال شريعة ~~المسيح، فلا عجب أن تقدم ما يشبه الأصول التي تصلح لتعليم الصبيان، بل بعد ~~إظهار الشريعة التي هي على تلك الحال فالرجوع بعد إلى الرموز والإشارات فهو ~~أمر غير مستقيم، ولا يمكن أن يؤتى بمعنى يدل على أنه يليق - بعد إظهار ~~شريعة المسيح التي هي في غاية الصلاح - أن يؤتى بغيرها ". # هذا كلامه، وهو يتضمن أمرين: # الأول: دعواه أن شريعة المسيح أكمل من شريعة محمد عليهما الصلاة والسلام. # والثاني: ما اقتضاه كلامه من أن المسيح خاتم الرسل، كما صرح به هو - أعني ~~هذا النصراني - في أول كتابه. # والجواب عن الأول من وجوه: # الأول: أن نقول: لا ريب أن إثبات الكمال كغيره من المعلومات ليس بمجرد ~~الدعوى، وإنما يعرف بالدلائل والبينات. # PageV02P691 # فالدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء # وقد دللنا فيما تقدم على أن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - في نهاية ~~الكمال وتمام المصلحة ومقتضى الحكمة، بما فيه مقنع لذوي الإنصاف، وإن كانت ~~الأدلة على ذلك تفوت الإحصاء، ولا يبلغها الحصر، فإن الحكم والمصالح في شرع ~~الله وأمره لا يحيط بها إلا هو، فما ظهر لنا من ذلك قلنا به، وما لم يظهر ~~لنا وكلناه إلى عالمه. # الوجه الثاني: أن الله - سبحانه - شرع لعباده الشرائع على وفق الحكمة ~~والمصلحة، وخص كل أمة بشريعة اقتضتها حكمته، ولكنه - سبحانه - فضل الشرائع ~~بعضها على بعض، كما فضل الرسل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات. # فالكمال حاصل في كل شرع شرعه الله، ولكن حصول الكامل لا يمنع وجود ما هو ~~أكمل منه. # فكمال شريعة موسى وعيسى - عليهما السلام - ليس مانعا من ظهور شرع أكمل ~~منهما. # PageV02P692 # كما أن فضل السابق في الزمان من الأنبياء والرسل لا يمنع وجود أفضل منه، ~~إذ الكمال في أمر الله وشرعه غير متناه. # وإذا اعتبر ذو البصيرة ما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - من الهدى ~~ودين الحق، علم أنه جاء بالكمال الذي لم يتقدم نظيره في الشرائع ms235 السالفة. # ولا عجب، فإنه الذي جاء به أفضل الخلق وسيد المرسلين وخاتمهم صلوات الله ~~وسلامه عليه وعليهم أجمعين. # الوجه الثالث: أن دعواه أن شريعة المسيح لا يمكن نسخها دعوى مجردة عن ~~الدليل، وكذب محض على شريعة من جاء بالإنجيل، شبيهة بدعوى اليهود عدم جواز ~~النسخ في الشرائع. # وهذا النصراني قد رد على اليهود في إنكارهم النسخ، فما باله رجع يدعي ~~كدعواهم بغير برهان عقلي ولا دليل شرعي؟. # فقد حجر على الله في شرعه بمجرد هوى النفس {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه ~~وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من ~~بعد الله أفلا تذكرون} . # ثم يقال: أي فرق بين طرو النسخ على شريعة موسى وما قبلها من الشرائع، ~~وبين طروه على شريعة المسيح؟ # PageV02P693 # فإنه لا يمكن أن يؤتى بفرق صحيح عقلي، فقد خالفوا العقل والشرع في هذه ~~الدعوى الباطلة. # فلا حجر على الله في شرعه وأمره، كما لا اعتراض عليه في خلقه. ... {ألا ~~له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين} . # واعلم أن الشرائع نوعان: # منها: ما يعرف بضرورة العقل والفطرة نفعه معاشا ومعادا. # فهذا يمتنع طرو النسخ عليه، لعبادة الله وحده لا شريك له، وطاعته أبدا. # ومجامع هذه الشرائع أمران: التعظيم لله، والشفقة على خلق الله. وهذه لا ~~تختلف فيها شرائع الأنبياء. # ومنها: ما لا يعرف إلا بالسمع مما يكون تابعا للمصلحة، وذلك يختلف ~~باختلاف الزمان والمكان والحال. # فهذا يمكن طرو النسخ عليه وتبديله، فيكون الشيء الواحد حراما في ملة دون ~~ملة، وفي وقت دون وقت، وفي مكان دون مكان، وفي حال دون حال. # وهذا معلوم بالاضطرار من الشرائع، ولا يليق بحكمة أحكم الحاكمين غير ذلك. # ألا ترى أن تحريم السبت لو كان لعينه لكان على إبراهيم ونوح وسائر ~~النبيين. # PageV02P694 # وكذلك ما حرمته التوراة من المطاعم والمناكح وغيرها، لو كان حراما لعينه ~~وذاته لكان حراما على كل نبي وفي كل شريعة. # والأدلة على هذا كثيرة جدا، وهي تبطل شبهة أمة الغضب في دعوى عدم ms236 النسخ، ~~ليس هذا موضع بسطها، لأن ذلك ليس من غرضنا في هذا الكتاب، إذ الكلام فيه مع ~~الأمة الضالة، وهم يوافقوننا على جواز وقوع النسخ في الشرائع. # فإذا كان الرب - تعالى - لا حجر عليه، بل يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، ~~ويبتلي عباده بما شاء، ويحكم ولا يحكم عليه، وينسخ من أمره ما يشاء ويثبت، ~~لا معقب لحكمه، فما الذي يحيل عليه أن ينزل شريعة بعد شريعة المسيح تكون ~~أكمل منها وأفضل؟ !. # وهل هذا إلا ما ادعته اليهود؟ فإن كان ذلك صحيحا، وأنه يمتنع أن يؤتى ~~بشريعة بعد شريعة المسيح لزم منه صحة دعوى اليهود، إذ لا فرق، فعاد الطعن ~~في نبوة المسيح. # وإذا كانت دعوى اليهود واضحة البطلاان فدعوى هذا الضال أبطل وأبطل. # قال بعض العلماء: " وحكمة النسخ فيما يجوز نسخه وتبديله أن الأعمال ~~البدنية إذا واظب عليها الخلف عن السلف صارت كالعادة، وظن أنها مطلوبة ~~لذاتها، فيمتنع الوصول بها إلى ما هو المقصود من معرفة الله وتمجيده، بخلاف ~~ما إذا تغيرت تلك الطرائق ". # PageV02P695 # وقال غيره: " حكمته أن الخلق طبعوا على الملالة من الشيء، فوضع لهم في ~~عصر كل رسول شريعة جديدة، لينشطوا في أدائها ". # ومن الحكمة إظهار شرف نبينا - صلى الله عليه وسلم - فإنه نسخ بشريعته ~~شرائعهم، وشريعته لا ناسخ لها. # ومن حكم النسخ - أيضا - ما فيه من حفظ مصالح العباد، كطبيب يأمر بدواء في ~~يوم، وبآخر في يوم ثان، وهكذا بحسب المصلحة، وإن كان الثاني أفضل. انتهى. # والجواب عن الأمر الثاني - وهو دعواه أن المسيح خاتم الرسل - من وجوه، ~~تعلم مما تقدم: # الأول: أنها دعوى مجردة عن البرهان، وعارية عن الدليل والدعاوى التي لا ~~دليل عليها مطروحة، وهم لا يستندون في ذلك إلى دليل ألبتة. # وليس في الأناجيل التي بأيديهم ما يدل على ما زعمه، بل قد تقدم فيما ~~أوردناه من نصوص الإنجيل الدلالة على نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - ما ~~يبطل هذا الزعم. # الوجه الثاني: أن أدلة الرساله المحمدية ومعجزاتها، وبراهينها، التي هي ~~أظهر من ms237 شمس الظهيرة لا يحتاج بعدها إلى تنويع الرد في إبطال هذه الدعوى ~~الكاذبة الخاطئة. # PageV02P696 # الوجه الثالث: أن هذا القول من مخترعاتهم المحدثة من بعض متأخريهم، إما ~~من هذا المصنف، أو أمثاله من الضالين. # وهذا كما رام بعض إخوانهم في الكفر من أنصار اليهودية أن يدعي أن موسى ~~خاتم الرسل، وأنه عهد إليهم أن لا نبي بعده. # فدعوى هذا الضال أن المسيح خاتم الرسل، وأن شريعته خاتمة الشرائع لا نعلم ~~به قائلا قبله من النصارى. # بل قد قال الإمام العلامة أبو عبد الله ابن القيم - وهو الإمام المحيط ~~بأقاويل الناس-: " أهل الكتاب مجمعون على أن نبيا يخرج في آخر الزمان، ولا ~~يشك علماؤهم أنه محمد بن عبد الله، وإنما يمنعهم من الدخول في الإسلام ~~رياستهم على قومهم وخضوعهم لهم، وما ينالون منهم من المال والجاه ". انتهى. # وقول النصراني: " ولا يمكن أن يؤتي بمعنى يدل على أنه يليق - بعد إظهار ~~شريعة المسيح التي هي في غاية الصلاح - أن يؤتى بغيرها " يعلم جوابه مما ~~تقدم من بيان أفضلية شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - التي اقتضت حكمة ~~الرب - تعالى - أن جعلها خاتمة الشرائع، ففضلها على غيرها، كما فضل من جاء ~~بها على سائر الأنبياء، وفضل أمته على جميع الأمم. # PageV02P697 # وأيضا فالأصل الذي اتفقت عليه شرائع الأنبياء، ودعا إليه جميع الرسل هو: ~~إخلاص العبودية لله - تعالى - وخلع الأنداد التي تعبد من دونه. # ولا ريب أن الذي جاءت به شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم - في تشييد هذا ~~المقام وحماية هذا الباب أعظم مما جاء به غيره، فإنه قد جاء من تحقيق ~~التوحيد، وسد طرق الشرك، والتحذير من دقيقه وجليله، وظاهره وخفيه، ما فضلت ~~به شريعته على سائر الشرائع. # كما جاء في الخبر عن الله، وعن اليوم الآخر، وتقرير نبوة الأنبياء، ~~وتصديق ما تضمنته التوراة والإنجيل مع زيادة البيان والتفصيل مما تضمنه ~~القرآن وحكمة الرسول ما حصل به للمؤمنين من العلوم النافعة ما فاقوا به على ~~جميع الأمم. # فأي معنى يليق ببعثة الرسول أعظم من ms238 هذا؟ # وأيضا فقد قدمنا في المقام الأول بيان اعتراف النصراني بخفاء الحق وظهور ~~الضلال قبل مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بما يكفي في إبطال كلامه ~~ههنا، ويعلم به أن الخلق محتاجون إلى بعثته - صلى الله عليه وسلم - أعظم من ~~كل حاجة، ومضطرون إليه غاية الضرورة. # كما قال الله - تعالى -: {ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على ~~فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير ~~والله على كل شيء قدير} . # PageV02P698 # وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~«إن الله اطلع على أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل ~~الكتاب» ". # وأيضا فإن النصارى - عليهم لعائن الله - قد أشركوا بالله أعظم الشرك، ~~وافتروا عليه أعظم الفرية، فقالوا: إن الله ثالث ثلاثة، وادعوا له ولدا، ~~تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا. # فلو لم يكن في بعثة الرسول من الحكمة سوى النهي عن هذا الكفر الشنيع ~~والشرك الفظيع من أمة يدعون اتباع رسول الله، والإيمان بكتابه، وهم إذ ذاك ~~أقرب الناس عهدا بالكتب والرسل، لكان ذلك كافيا في الحكمة، ولائقا بالمعنى ~~الذي مضت به سنة الله في خلقه من بعثة الرسول عند الحاجة إليه. {قل ~~أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له ~~مخلصون} . # هذا ما يسره الله - تعالى - من كتاب " منحة القريب المجيب في الرد على ~~عباد الصليب ". # وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. PageV02P699 ms239