######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0001123 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: إسماعيل بن عبد الغني بن ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي (المتوفى: 1246هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1246 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسالة التوحيد المسمى بـ تقوية الإيمان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: العقيدة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0001123 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-1123 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/1123 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 2003 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار وحي القلم - دمشق، سورية #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | كلمة المترجم # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وخاتم ~~النبيين، وإمام المتقين، قائد الغر المحجلين، محمد وآله وصحبه الغر ~~الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، من الأئمة المهديين، والدعاة ~~المصلحين، المجددين لهذا الدين، الذين لم يزالوا ينفون عنه تحريف الغالين، ~~وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين، أفضل ~~ما جزى العلماء الراسخين، النائبين عن الأنبياء والمرسلين. # أما بعد: فقد كنا نشعر بمسيس الحاجة منذ زمن طويل إلى نشر كتاب واضح ~~المنهج، صريح العبارة، مشرق الديباجة، سهل المتناول، ينم عن إخلاص مؤلفه، ~~وصدق لهجته، وتوجع قلبه مما يرى الناس عليه في عصره من الجهل لغاية الخلق، ~~وبعثة الأنبياء والرسل أجمعين، من إخلاص الدين لله، وإفراد العبادة له، ~~والخوف والرجاء منه، والاستغاثة به، والتضرع إليه، ولما كان يرى من انتشار ~~العقائد والعادات، التي جاءت الأديان السماوية لمحوها، وأنزلت الكتب وبعثت ~~الرسل لمحاربتها والتخليص منها، حتى أصبح الناس من ذلك في جاهلية جهلاء، ~~وفتنة عمياء، واحتاجوا إلى دعوة صارخة سافرة إلى الدين الخالص، والحنيفية ~~السمحة. # وقد شرح الله صدر الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في مدينة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم # PageV01P027 # في شهر ذي الحجة 1393 ه لنقل كتاب " تقوية الإيمان " للإمام المجاهد، ~~الداعي إلى الله، الشهيد في سبيل الله، الشيخ إسماعيل بن عبد الغني بن أحمد ~~ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي " ش 1246 ه "، فإنه كتاب أصبح شعارا ~~وعلما للدعوة إلى التوحيد، وبيان الحق الصريح، وقد نفع الله به خلائق في ~~شبه القارة الهندية لا يحصيهم إلا من أحصى رمل عالج وحصى البطحاء. # وقد صدر هذا الكتاب عن قلب جريح متقطع بمشاهدة ما كان عليه المسلمون من ~~بعد عن التعاليم الإسلامية، وخضوع للوثنية الهندية، وتمسك بالعادات ~~الجاهلية، وقد زاد في تأثيره وقبوله، دموع عين باكية على الإسلام، ودم زكي ~~أريق في سبيل إحياء هذا الدين، وتنقيته من الجاهلية، وتأسيس حكومة شرعية ~~تقوم على منهاج الكتاب والسنة، ويكون الدين كله لله. # وقد ms01 قرن رحمه الله الدعاء بالدعوة، والجهد بالجهاد، والشهادة للحق ~~بالشهادة في الحق، وذلك لباب التوحيد، وغاية الإخلاص، وكمال الصدق، وتمام ~~الوفاء، وصدق الله العظيم: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ~~فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} [الأحزاب: 23] ، فكان ~~لكتابه من القبول والتأثير، والذيوع والانتشار، ما لا يكون إلا لكتابات ~~كبار المخلصين، والعلماء العاملين، والدعاة المجددين. # وسر قوة الكتاب في صراحته وتشخيصه للأدواء، ومظاهر الشرك، ومواضع ~~الانزلاق، وأنه يضرب على الوتر الحساس، ويصيب ضعف الاعتقاد، وما فتن به ~~المسلمون في العهد الأخير، من الغلو والتقديس والتعظيم، وتقليد الأمم ~~الوثنية، والعادات الجاهلية، في صميمه، وقد اعتاد الناس أن لا يفزعوا ~~للمواعظ والخطب # PageV01P028 # التي تلقى على المنابر، أو البحوث العلمية التي تتناول موضوع التوحيد ~~والشرك بصفة إجمالية عامة، إذا لم تتعرض للأمراض التي يعانونها، والأخطاء ~~التي يرتكبونها، والعادات التي لا يمكنهم الفطام عنها، وللأشخاص والأماكن ~~والشعائر التي يغلون فيها، فيتجاهلون كل ذلك، ويتظاهرون بأن الواعظ أو ~~الكاتب لا يعنيهم، وإنما يعني المشركين القدامى، وعباد الأوثان في الجاهلية ~~الأولى، أما إذا تعرض هذا الكاتب أو الواعظ لواقع حياتهم، ووضع يده على ~~عللهم وأسقامهم، وحدد مواضع فتنتهم، لم يسعهم أن يتغافلوا عنه، فأعلنوا ~~الحرب عليه، ونادوا بعدائه، وهذا شأن الداعي المخلص الذي ملكته الفكرة، ~~واستحوذ عليه الشعور، وتذوق القرآن، ومنهج الأنبياء في دعوتهم تذوقا ~~حقيقيا، فإنه لا يبالي أرضي الناس أم سخطوا، إن همه الوحيد أن # يبلغ رسالة القرآن، ويرضي ربه، ويريح ضميره، ويبرئ ذمته. # ويحسن هنا أن أنقل ما كتبته في كتابي " رجال الفكر والدعوة في الإسلام " ~~وأنا أتكلم عن سر تأثير الإمام الحسن البصري في المجتمع الإسلامي في مستهل ~~القرن الثاني الهجري، ونفوذه في القلوب والعقول، وأن المجتمع لم يستطع أن ~~يتجاهله، وأن يمر به مر الكرام، قلت: " إنه ضرب على الوتر الحساس، ونزل في ~~أعماق المجتمع، ووصف أمراضه، وانتقده انتقاد الحكيم الرفيق، والناصح ~~الشفيق، لقد كان عصره يغص بالدعاة والوعاظ، ولكن المجتمع لم يخضع خضوعه ~~للحسن، ms02 لأنه كان يمس قلبه، وينزل في صميم الحياة، ويعارض التيار ". # لذلك كله وقع اختيارنا على نقل معاني هذا الكتاب، ومحتوياته إلى لغة ~~الضاد في أسلوب عصري رشيق، وتعبير سهل سائغ. # وقد طلب منا الشيخ الجليل محمد زكريا السابق ذكره، أن يكون بداية هذا ~~العمل في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد يسر الله ذلك في سلخ ذي ~~الحجة 1393 ه # PageV01P029 # في ساعة مباركة قبل زوال الشمس يوم الأربعاء، فكتبت السطور الأولى من ~~المقدمة في مكان بين باب الرحمة وباب جبرائيل، مكتظ بالحجاج الوافدين، ~~والمشتغلين بالذكر والتسبيح، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جو ~~من السكينة، والخشوع والحب، ونحمد الله أن كانت فاتحة هذا العمل في هذا ~~المسجد العظيم، الذي انبثق منه هذا النور وانطلقت موجة التوحيد، والدعوة ~~إلى الله إلى أنحاء العالم، فبددت الظلام، وغمرت القلوب بفيض من الإيمان، ~~ونور التوحيد، وطهرت النفوس، وأشرقت الأرض بنور ربها، وتمت نعمة الله على ~~عباده. # ويسر الله إتمام هذا العمل، والقيام به بقدر الطاقة في مدة قريبة، وأيام ~~معدودة، والحمد لله الذي بعزته وجلاله تتم الصالحات. # ورأينا أن نلحق بالكتاب ترجمة مؤلفه العلامة الشيخ إسماعيل بن عبد الغني ~~بن ولي الله الدهلوي، مقتبسة من المجلد السابع لكتاب (نزهة الخواطر وبهجة ~~المسامع والنواظر " للعلامة السيد عبد الحي الحسني، ليطلع القارئ على علو ~~كعب المؤلف في العلوم الدينية، ورسوخ قدمه في الدين، وحسن بلائه في ~~الإسلام، وغيرته على نقاء العقيدة وأصالتها، وقد أجاد من قال: " إن ترجمة ~~المؤلف نسب الكتاب " ولذلك أكثر المؤلفون في الإسلام من تأليف كتب الطبقات ~~والتراجم، والسير والأخبار، وأجادوا في ذلك وأفادوا، ووضعنا عناوين جانبية ~~للكتاب، وتناولنا بعض الكلمات والعادات المحلية، والأعلام التي تختص بالهند ~~بالشرح والإيضاح والتعريف، حتى يسهل على القارئ العربي الكريم، فهم الكتاب ~~والتذوق به. # PageV01P030 # ونقلنا بعض المقتطفات من كلام بعض أعلام هذه الأمة وأئمتها تأييدا لبعض ~~ما ورد في هذا الكتاب من تعبيرات وعبارات لم يألفها كثير من الناس لشيوع ~~الأساليب الإصلاحية في العهد ms03 الأخير، التي تعتمد على مجاراة العواطف، ~~ومسايرة المعروف المألوف، إيثارا لتوسيع الدعوة على تعميقها، وتبليغ ~~العقيدة على ترسيخها، وجلب المنفعة على دفع المضرة، # وتفاديا من وحشة الناس، وسخط العامة، ولكل وجهة هو موليها. # ويعرف القارئ العربي من خلال هذا الكتاب، وما ورد فيه من ذكر أنواع ~~الانحراف والضلال، وتقليد الأكثرية من سكان الهند، مدى تغلغل الحضارة ~~الهندية، والعادات الجاهلية والتقاليد الوطنية في أحشاء المجتمع الإسلامي ~~الهندي، وخضوع المسلمين في هذه البلاد، للفلسفة الهندية البرهمية، والهند - ~~كما يعرف المطلع على التاريخ القديم - من أعرق بلاد الله في الوثنية، فهي ~~فيها قديمة وأصيلة، إذ كانت في كثير من البلاد جديدة ودخيلة، وقد عجنت ~~فلسفتها وحضارتها، وآدابها، وعلم الفلك، والعلوم الرياضية، والتقويم، فضلا ~~عن الديانات، بهذه الوثنية، فهي أرض المؤلهين والمؤلهات، وأرض الأساطير ~~والروايات، وأرض الأعياد والمواسم، والمهرجانات والمآتم، تذكارا لحوادث ~~تاريخية دينية، وأبطال قومية خرافية، أثر كل ذلك في حياة المسلمين وعاداتهم ~~تأثيرا عميقا، وغم عليهم الأمر على مدى الأيام، والتبس الحق بالباطل بتهاون ~~الحكام والسلاطين، وقلة انتشار علم الحديث، وكتب السنة الصحيحة، ورواجها، ~~وشدة اختلاط المسلمين بجيرانهم في كل مدينة وقرية، وحي وزقاق، حتى قيض الله ~~للصدع بالدعوة، وتمييز الحق من الباطل، # والقشور من اللباب رجالا من علماء الدين، والدعاة المرشدين. # وكان ذلك من أقوى الأسباب التي حملت مؤلف هذا الكتاب - وقد نشأ في بيئة ~~هندية خالصة، وفي مركز هذه الحضارة - على أن يكون صريح العبارة، قوي ~~العارضة، مرهف الحس في هذا الموضوع، لا يحتفل بالنقد واللائمة، ولا يبالي # PageV01P031 # بسخط الخاصة والعامة، ولو طالت به الحياة، ووجد فرصة للدعوة والبقاء في ~~الهند، فربما أخذ الأمر بالتدريج، ومشى الهوينا، ولكنه كان مضطرا إلى ~~مغادرة الهند، وكأن حادي الشوق يحدو به إلى الجهاد، والشهادة في سبيل الله، ~~فألف هذا الكتاب إتماما للحجة، وبراءة للذمة، وجعلها كلمة باقية في عقبه ~~لعلهم يرجعون. # وليس الأمر مقصورا على الهند التي بعدت عن مهد الإسلام ومهبط الوحي، ~~ودخلها الإسلام عن طريق بلاد العجم، وقد فقد الشيء الكثير ms04 من قوته وجدته، ~~بل تبلبلت العقيدة الإسلامية، واختلطت بشيء كثير من البدع والضلالات في ~~العواصم الإسلامية وبلاد العرب، في القرن السابع والثامن الهجريين، بتأثير ~~الشعوب غير العربية التي دخلت في الإسلام جديدة، وحملت معها رواسب كثيرة من ~~دياناتها وعاداتها، واختلاط المسلمين مع غير المسلمين والعجم، ونفوذ ~~الحكومة الباطنية والإسماعيلية في مصر والشام وتأثيرهما، وانتشار تعليمات ~~بعض المتصوفين الجهلة، ومن قرأ كتابي شيخ الإسلام ابن تيمية " الرد على ~~البكري "، و " الرد على الأخنائي " عرف الشيء الكثير من غلو الجهال في ~~الأئمة والمشايخ والأولياء والصالحين، واعتقاداتهم الفاسدة، وعاداتهم ~~الجاهلية، ولا يزال لهذا الغلو والتعظيم بغير ما أمر الله به، وشرع ما لم ~~يأذن به الله، آثار باقية في بلاد المسلمين والعرب، تستوجب دعوة قوية ~~صريحة، وحكمة بليغة، لذلك ليست فائدة هذا الكتاب محدودة في الهند، بل تعم ~~جميع الأوساط التي استطاع الشيطان أن يتسرب إليها، وانتشر فيها من # العقائد والعادات ما لا يرضاها الإسلام، ولا يقرها الشرع، ولا يقبلها ~~ضمير المسلم الواعي. # وقد أسمينا هذه الترجمة ب " رسالة التوحيد للعلامة الشيخ إسماعيل الشهيد ~~" لأن هذا الاسم أدل على مسماه، وقد تولى المؤلف نقل كتابه الذي وضعه ~~بالعربية، وسماه ب " رد الإشراك " وقد طارت العنقاء بهذا الأصل العربي ~~وفقد، وتسميتنا أقرب إلى تسميته الأصلية. # والله نسأل أن ينفع بهذه الترجمة كما نفع بالأصل، ويشرح بها صدور ~~المؤمنين، وعلى الله قصد السبيل. # أبو الحسن علي الحسني الندوي # غرة ربيع الأول 1394 ه # PageV01P032 ### | ترجمة المؤلف # الشيخ العالم الكبير، العلامة المجاهد في سبيل الله، إسماعيل بن عبد ~~الغني بن ولي الله بن عبد الرحيم العمري الدهلوي، أحد أفراد الدنيا في ~~الذكاء، والفطنة، والشهامة، وقوة النفس، والصلابة في الدين. # ولد بدهلى لاثنتي عشرة من ربيع الثاني سنة ثلاث وتسعين ومائة وألف، وتوفي ~~والده في صباه، فتربى في مهد عمه الشيخ عبد القادر بن ولي الله الدهلوي، ~~وقرأ عليه الكتب الدرسية، واستفاد من عميه الشيخ رفيع الدين، والشيخ عبد ~~العزيز أيضا، ولازمهما مدة طويلة، وصار بحرا زاخرا في ms05 المعقول والمنقول، ثم ~~لازم السيد الإمام أحمد بن عرفان، وسافر معه إلى الحرمين # PageV01P033 # الشريفين سنة سبع وثلاثين ومائتين وألف، فحج وزار، ورجع معه إلى الهند، ~~وساح البلاد والقرى بأمره سنتين، فانتفع به خلق لا يحصون بحد وعد، ثم سافر ~~معه إلى الحدود سنة إحدى وأربعين ومائتين وألف، فجاهد معه في سبيل الله، ~~وكان كالوزير للإمام، يجهز الجيوش، ويقتحم المعارك العظيمة بنفسه حتى ~~استشهد في " بالاكوت " من أرض " ياغستان ". # وكان نادرة من نوادر الزمان، وبديعة من بدائعه الحسان، مقبلا على الله ~~بقلبه وقالبه، مشتغلا بالإفادة، والعبادة، مع تواضع وحسن أخلاق، وكرم ~~وعفاف، وشهامة نفس وصلابة دين، وحسن محاضرة، وقوة عارضة، وفصاحة ورجاحة، ~~فإذا جالسه منحرف الأخلاق أو من له في المسائل الدينية بعض شقاق، جاء من ~~سحر بيانه بما يؤلف بين الماء والنار، ويجمع بين الضب والنون، فلا يكاد ~~يفارقه إلا وهو عنه راض. # قال الشيخ محسن بن يحيى الترهتي في " اليانع # PageV01P034 # الجني ": إنه كان أشدهم في دين الله، وأحفظهم للسنة، يغضب لها، ويندب ~~إليها، ويشنع على البدع وأهلها. # وقال صديق بن الحسن القنوجي في " الحطة بذكر الصحاح الستة " في ذكر الشيخ ~~ولي الله بن عبد الرحيم الدهلوي: " إن ابن ابنه المولوي محمد إسماعيل ~~الشهيد، اقتفى أثر جده في قوله وفعله جميعا، وتمم ما ابتدأه جده، وأدى ما ~~كان عليه، وبقي ما كان له، والله تعالى مجازيه على صوالح الأعمال، وقواطع ~~الأقوال، وصحاح الأحوال، ولم يكن ليخترع طريقا جديدا في الإسلام، كما يزعم ~~الجهال، وقد قال الله تعالى: {ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم ~~والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما ~~كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} وهو رحمه الله تعالى أحيا كثيرا من ~~السنن المماتات، وأمات عظيما من الأشراك، والمحدثات، حتى نال درجة الشهادة ~~العليا، وفاز من بين أقرانه بالقدح المعلى، وبلغ منتهى أمله، وأقصى أجله. # مصنفاته: # وأما مصنفاته فهي عديدة، أحسنها كتابه " الصراط المستقيم " بالفارسي، جمع ~~فيه ما صح عن ms06 شيخه السيد الإمام قولا وفعلا، وفيه بابان من إنشاء صاحبه ~~الشيخ عبد الحي بن هبة الله الصديق البرهانوي، # PageV01P035 # ومنها " إيضاح الحق الصريح في أحكام الميت والضريح " في بيان حقيقة السنة ~~والبدعة، ومنها " منصب إمامة " في تحقيق منصب النبوة والإمامة، وهو مما لم ~~يسبق إليه، ومنها رسالة له في " مبحث إمكان النظير وامتناع النظير " كلها ~~بالفارسية، ومنها مختصر له بالعربية في أصول الفقه، ومنها رسالة له ~~بالعربية في " رد الإشراك والبدع " رتبها على بابين، ومنها " تنوير العينين ~~في إثبات رفع اليدين " بالعربية، ومنها " سلك نور " مزدوجة له بالهندية، ~~ومنها " تقوية الإيمان " كتاب مشهور له بالهندية، وهو ترجمة الباب الأول من ~~رسالة في " رد الإشراك " [ومنها كتاب " عبقات " في الفلسفة والحكمة، تجلى ~~فيها ذكاؤه، واقتداره على هذا العلم] (1) . # وقال أحمد بن محمد المتقي الدهلوي (2) في " آثار الصناديد ": (إن له ~~رسالة في المنطق، ادعى فيها أن الشكل الرابع من أجلى البديهيات، والشكل ~~الأول خلافه، وأقام على ذلك الادعاء من البراهين ما لم يندفع، ولم يجترئ ~~على دفعها أحد من معاصريه " (3) . PageV01P036 # والشيخ إسماعيل قتل في سبيل الله لست ليال بقين من ذي القعدة سنة ست ~~وأربعين ومائتين وألف بمعركة " بالاكوت ". # PageV01P037 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | مقدمة الكتاب ### | خطبة الكتاب # يا رب لك ألف ألف حمد وشكر على ما أنعمت به علينا من نعم لا تعد ولا ~~تحصى، وعلى ما هديتنا إلى الدين القويم، والصراط المستقيم، وأرشدتنا إلى ~~الدين الخالص، والتوحيد النقي، وخرطتنا في سلك أمة نبيك وحبيبك محمد صلى ~~الله عليه وسلم، وبعثت فينا رغبة في تعلم هديه، وألهمتنا حب خلفائه الذين ~~يقودون إلى مسالكه، ويهدون بالحق وبه كانوا يعدلون، اللهم فصل وسلم على ~~حبيبك، وآله وأصحابه، وخلفائه ألف ألف صلاة وسلام، وارحم أتباعهم، وأشركنا ~~معهم، وأحينا على طريقهم ما عشنا، وتوفنا عليه إذا أمتنا، واحشرنا في ~~زمرتهم إذا بعثتنا. # قوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان: # أما بعد: فاعلموا رحمكم الله، أن البشر كلهم عبيد لله، ووظيفة العبد ~~وقيمته أن يقوم بالعبادة، فالذي لا يقوم بالعبادة، ms07 ولا يؤدي وظيفته فقد ثار ~~على فطرته، وفقد قيمته، وقوام العبودية تصحيح العقيدة والإيمان، فمن تطرق ~~إلى عقيدته خلل، أو تعرض إيمانه لفساد لم تقبل منه عبادة، ولم يصح له عمل، ~~ومن صحت عقيدته، واستقام إيمانه # PageV01P045 # كان القليل من عمله كثيرا، ومن هنا وجب على كل إنسان أن لا يدخر وسعا في ~~تصحيح إيمانه، وأن يكون الحصول عليه، والاستيثاق منه غاية أمله، ونهاية ~~سؤله، لا يعدل به شيئا، ولا يتأخر فيه دقيقة. # وقد سلك الناس في هذا العصر في الدين طرائق قددا، وتشعبوا شعبا، فمنهم من ~~يتمسك بعادات الأولين وتقاليد السابقين، ويعض عليها بالنواجذ، ومنهم من ~~يحتج بحكايات الصالحين، وأساطير الأولين، ومنهم من يتشبث بكلام من تسمى ~~بالعلماء، وامتاز بتشدق اللسان وحدة الذهن، ومنهم من يركض ركائب العقل في ~~هذا الميدان، ويرخي لها العنان (1) . # وكان الأفضل الأعدل أن يرد الإنسان كل ذلك إلى الله ورسوله، فيصدر عما ~~ثبت عنهما، ويتحاكم إليه، ويتخذه بيانا شافيا، وحكما قاطعا، فيقبل من قصص ~~المشايخ والصالحين، ومن كلام العلماء والوعاظ والمذكرين، ما وافق الأصول ~~والنصوص، وينبذ من الكلام والأحاديث ومن العادات والتقاليد ما خالفها. ### | تسويلات الشيطان في الصد عن القرآن # وأما ما اشتهر في العوام أن كلام الله ورسوله من الغموض والدقة بمكان لا ~~يفهمه فيه الناس، ويحتاجون في فهمه إلى علم غزير، ولا قبل لنا بفهم القرآن ~~والحديث، أما العمل بمقتضاه وتطبيقه فلا ينوء به إلا خاصة الخاصة من الذين ~~سمت همتهم، وتزكت نفوسهم من الزهاد PageV01P046 # والعباد، ولا مطمع لنا في ذلك، وحسبنا أن نفهم كلام أمثالنا، ونهتدي ~~بهديهم، ونمضي على ما درج عليه آباؤنا، وعامة أهل بلادنا. # فيعرف الخبير أنه كلام لا نصيب له من الصحة، لأن الله سبحانه وتعالى يصف ~~كتابه المجيد بالبيان والوضوح (1) ، فلقد قال في سورة البقرة: {ولقد أنزلنا ~~إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون} [البقرة: 99] ، وقد ثبت من ذلك ~~أنه لا يتعسر فهم ما جاء في القرآن، وإنما يحتج بتعسره وغموضه من جمحت ~~نفسه، وقسا قلبه، فإن ms08 النفوس تعاف الانقياد وتتهرب من العمل والطاعة، وإنما ~~تريد أن يلقى حبلها على غاربها، وتترك لها حريتها وانطلاقتها. # ولا يتوقف فهم كلام الله ورسوله على علم غزير، وذكاء حاد، فإن الأنبياء ~~لم يبعثوا إلا لهداية الضلال، وتعليم الجهال، وقد قال الله تعالى في سورة ~~الجمعة: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [الجمعة: 2] ، وقد ~~من الله بذلك على عباده، فمن مضى بعد ذلك يقول: إنه لا سبيل لغير العالم ~~إلى فهم ما جاء به النبي، ولا طاقة لغير من سمت همتهم، وتزكت نفوسهم أن ~~يعمل بتعاليمه، ويسلك طريقه، فقد أنكر هذه الآية، وكفر بهذه النعمة، وحري ~~أن يقال إن القرآن يرتقي بالجهال إلى درجة العلماء، والضلال إلى مستوى ~~الصالحين والأصفياء، فرب PageV01P047 # جاهل لا يفقه شيئا بلغ بفهمه مبلغ العلماء الراسخين، ورب ضال تائه استنار ~~بنوره، واهتدى بهديه، وبلغ ذروة الصلاح والإخلاص. ### | أحوج الناس إلى الطبيب، المرضى: # إن مثل ذلك كمثل طبيب حاذق، كثر حوله المرضى، وانتشرت في أرضه الأمراض ~~والأوباء، فأشير على مريض اشتدت به العلة، وأضناه المرض، بالاستعانة بهذا ~~الطبيب وغشيانه، ولكنه تعلل بقوله: " أنا مريض، لج بي المرض، وإنما يأتيه ~~وينتفع به من سلم من الأمراض، واعتدلت صحته، وقويت بنيته " فماذا يقول ~~الناس عن عقل هذا الرجل وفطنته؟ ألا يرون أنه ينكر براعة الطبيب وحذقه، فإن ~~الأطباء لا يعنون إلا بالمرضى، والطبيب الذي لا يداوي إلا الأصحاء، ولا ~~ينتفع بدوائه إلا الأقوياء، أما المرضى فهم أشقى الناس بطبه وحذقه، فلا خير ~~في هذا الطبيب، إنه اسم بلا مسمى، ولفظ بلا معنى. # كذلك كل من أمعن في الجهالة كانت حاجة أشد إلى تفهم كلام الله ورسوله، ~~وكان حريا بأن يكون أحرص عليه من غيره، ومن كثرت ذنوبه وخطاياه، واشتد ظلمه ~~لنفسه، كان أجدر بالإقبال على كتاب الله، وهدي رسوله، حتى يصلح حياته، ~~وينقذ نفسه، كذلك يجب على كل طبقة من طبقات الناس، الخاصة منها والعامة، ms09 أن ~~تتفحص كلام الله ورسوله، وتتفهمه، وتسلكه في حياتها، وتزن إيمانها وعقيدتها ~~في ميزانه، وتحكه على محكه. # للإيمان جزءان: # وليعلم أن للإيمان جزأين، # PageV01P048 # الأول الإيمان بالله إلها وربا والثاني الإيمان بالرسول رسولا ونبيا. ~~فالإيمان بالله إلها وربا يعني أن لا يشرك به أحد، والإيمان بالرسول رسولا ~~ونبيا يعني أن لا يسلك طريق غيره، فيجب على كل أحد أن يتمسك بالتوحيد ~~واتباع السنة بقوة وعزم، ويبتعد عن الشرك والبدعة كل الابتعاد، فإن الشرك ~~والبدعة يؤثران في الإيمان، ويحدثان خللا فيه، أما سائر الذنوب والمعاصي ~~فهي تؤثر في الأعمال، وتحدث خللا فيها. # من يصلح للاقتداء؟! # ويجب أن لا يتخذ قدوة وإماما إلا من رسخت قدمه في التوحيد، واتباع السنة، ~~وكان بمعزل عن الشرك والبدعة، بعيدا عنهما كل البعد، لينتفع الناس بصحبته، ~~ويسري فيهم نور التوحيد وحب السنة. # موضوع الكتاب ونظامه: # لذلك ذكرنا في هذه الرسالة جملة من الآيات والأحاديث ذات صلة قوية ~~بالتوحيد واتباع السنة، وذم الشرك والبدعة ونبذهما، وآثرنا فيها السهولة ~~والوضوح، حتى ينتفع به الخاصة والعامة بطريق سواء، ويسلك من وفقه الله ~~الصراط المستقيم، ويتقرب به إلى الله من يدعو إلى ذلك، ويكون له وسيلة إلى ~~النجاة. # استفحال فتنة الشرك والجهالة في الناس: # اعلم أن الشرك قد شاع في الناس في هذا الزمان وانتشر، وأصبح # PageV01P049 # التوحيد الخالص غريبا، ولكن معظم الناس لا يعرفون معنى الشرك، ويدعون ~~الإيمان مع أنهم قد تورطوا في الشرك وتلوثوا به، فمن المهم قبل كل شيء أن ~~يفقه الناس معنى الشرك والتوحيد، ويعرفوا حكمهما في القرآن والحديث. ### | مظاهر الشرك وأشكاله المتنوعة # ومن المشاهد اليوم أن كثيرا من الناس يستعينون بالمشايخ والأنبياء، ~~والأئمة (1) والشهداء، والملائكة، والجنيات عند الشدائد، فينادونها، ~~ويصرخون بأسمائها، ويسألونها أو يطلبون منها قضاء الحاجات وتحقيق المطالب، ~~وينذرون لها، ويقربون لها قرابين لتسعفهم بحاجاتهم، وتقضي مآربهم، وقد ~~ينسبون إليها أبناءهم طمعا في رد البلاء، فيسمى بعضهم ابنه بعبد النبي ~~وبعضهم بعلي بخش، وحسين بخش، وبير بخش، ومدار بخش (2) ، وسالار PageV01P050 # بخش (1) ، وغلام محي الدين، وغلام معين ms10 الدين (2) ، ويرسل بعض الناس ~~ضفيرة في رأسه باسم ولي من الأولياء، وبعضهم يقلد ابنه قلادة باسم شيخ أو ~~ولي، وبعضهم يكسو ولده لباسا، وبعضهم يصفد ابنه بقيد في الرجل باسم أحد ~~المشايخ والأولياء، وبعضهم يذبح حيوانا بأسمائهم، وبعضهم يستغيث بهم عند ~~الشدة، وبعضهم يحلف في حديثه بأسمائهم. # تقليد جهال المسلمين للمشركين: # والحاصل أنه ما سلك عباد الأوثان في الهند طريقا مع آلهتهم، إلا وسلكه ~~الأدعياء من المسلمين مع الأنبياء والأولياء، والأئمة والشهداء والملائكة ~~والجنيات، واتبعوا سنن جيرانهم من المشركين شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وحذو ~~القذة بالقذة، والنعل بالنعل، فما أجرأهم على الله، وما أبعد الشقة بين ~~الاسم والمسمى، والحقيقة والدعوى. # وصدق الله العظيم، إذ قال في سورة يوسف: {وما يؤمن PageV01P051 # أكثرهم بالله إلا وهم مشركون} [يوسف: 106] ، فإذا عارضهم معارض، وقال: ~~أنتم تدعون الإيمان، وتباشرون أعمال الشرك، فكيف تجمعون بين الماء والنار، ~~وتؤلفون بين الضب والنون؟ قالوا: نحن لا نأتي بشيء من الشرك، إنما نبدي ما ~~نعتقده في الأنبياء والأولياء من الحب والتقدير، أما إذا عدلناهم بالله، ~~واعتقدنا أنهم والله جل وعلا بمنزلة سواء، كان ذلك شركا، لا شك فيه، ولكننا ~~لا نقول بذلك، بل نعتقد أنهم خلق الله وعبيده، أما ما نعتقده فيهم من ~~القدرة والتصرف في العالم، فهما مما أكرمهم الله وخصهم به، فلا يتصرفون في ~~العالم إلا بإذن منه ورضاه، فما كان نداؤنا لهم، واستعانتنا بهم إلا نداء ~~لله واستعانة به، ولهم عند الله دالة ومكانة ليست لغيرهم، قد أطلق أيديهم ~~في ملكه، وحكمهم في خلقه، يفعلون ما يشاءون، وينقضون ويبرمون، وهم شفعاؤنا ~~عند الله، ووكلاؤنا عنده، فمن حظي عندهم، ووقع عندهم بمكان، كانت له حظوة ~~ومنزلة عند الله، وكلما اشتدت معرفته بهم، اشتدت معرفته بالله، إلى غير ذلك ~~من التأويلات الكاسدة # ، والحجج الداحضة، التي ما أنزل الله بها من سلطان. # والسر في ذلك أن القوم قد نبذوا كلام الله وحديث رسوله وراءهم، وسمحوا ~~لعقولهم القاصرة أن تتدخل فيما ليس لها مجال فيه، وتشبثوا بالأساطير ~~والروايات الشائعة التي ms11 لا تستند إلى تاريخ ونقل صحيح، واحتجوا بتقاليد ~~خرافية. وعادات جاهلية، ولو كانوا عولوا على كلام الله ورسوله وعنوا ~~بتحقيقه، لعرفوا أنها نفس التأويلات، والحجج التي كان كفار العرب يتمسكون ~~بها في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، ويحاجونه بها، ولم # PageV01P052 # يقبلها الله منهم، بل كذبهم فيها، فقال في سورة يونس: {ويعبدون من دون ~~الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون ~~الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون} ~~[يونس: 18] . # وقد تبين من هذه الآية، أن من عبد أحدا من الخلق، اعتقادا بأنه شفيعه، ~~كان مشركا بالله، وقد قال الله تعالى في سورة الزمر: {والذين اتخذوا من ~~دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ~~ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 3] . # وقد نكب هؤلاء الجهال عن طريق الحق، وأعرضوا عن الله الذي هو أقرب إليهم ~~من كل أحد، وأقبلوا على غير الله، واتخذوه ظهيرا ونصيرا، ووليا من دون ~~الله، وحرموا نفوسهم النعمة الكبيرة، التي أنعم الله بها عليهم، فإنه يحقق ~~جميع المطالب، ويرد جميع الآفات من غير واسطة، فلم يشكروا هذه النعمة، ولم ~~يقدروها قدرها، وأقبلوا على خلقه يوسطونهم ويطلبون منهم قضاء الحاجات، ورفع ~~الآفات، فعسروا الميسور، وفضلوا ملتوي الطريق، وجاهدوا في غير جهاد، وبدلوا ~~نعمة الله كفرا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ويبتغون في ذلك عند الله قربا ~~وزلفى، ولكنهم لم ينالوا بذلك مطلوبهم، ولم يسعدوا بالقرب عند الله، بل ~~بالعكس من ذلك، كلما أمعنوا في هذا الطريق، واستمروا في هذا السلوك، ~~ازدادوا من الله بعدا، وقد وضح من # PageV01P053 # ذلك، أن من اتخذ وليا من دون الله، وإن كان ذلك على أساس أن عبادته تقربه ~~عند الله كان مشركا بالله، كاذبا، كافرا بنعمة الله. # وقال الله تعالى: {قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن ~~كنتم تعلمون} {سيقولون لله قل فأنى ms12 تسحرون} [المؤمنون: 88 - 89] . # وقد تبين من هذه الآية، أن الله سبحانه وتعالى لم يمنح أحدا من خلقه قدرة ~~التصرف في العالم، وأنه لا طاقة لأحد أن يدافع عن أحد. ### | حقيقة شرك أهل الجاهلية وضلالهم # وكذلك تبين أن الكفار الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم، لم ~~يكونوا يعدلون آلهتهم بالله، ويرونهم مع الله بمنزلة سواء، بل كانوا يقرون ~~بأنهم مخلوقون وعبيد، ولم يكونوا يعتقدون أبدا أن آلهتهم لا يقلون عن الله ~~قدرة وقوة، وهم، والله في كفة واحدة، فما كان كفرهم وشركهم إلا نداءهم ~~لألهتهم، والنذور التي كانوا ينذرون لها، والقرابين التي كانوا يقربونها ~~بأسمائهم، واتخاذهم لهم شفعاء، ووكلاء، فمن عامل أحدا بما عامل به الكفار ~~آلهتهم، وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد، كان هو وأبو جهل في الشرك بمنزلة ~~سواء. ### | خلال الشرك وأعماله # فاعلم أن الشرك لا يتوقف على أن يعدل الإنسان أحدا بالله، ويساوي بينهما، ~~فلا فرق، بل إن حقيقة الشرك أن يأتي الإنسان بخلال وأعمال (خصها الله بذاته ~~العلية، وجعلها شعارا للعبودية) ، لأحد من # PageV01P054 # الناس، كالسجود لأحد، والذبح باسمه، والنذر له، والاستغاثة به في الشدة، ~~واعتقاد أنه حاضر ناظر في كل مكان، وإثبات قدرة التصرف له، وكل ذلك يثبت به ~~الشرك، ويصبح الإنسان به مشركا، وإن كان يعتقد أن هذا الإنسان، أو الملك أو ~~الجني الذي يسجد له، أو يذبح، أو ينذر له، أو يستغيث به، أقل من الله شأنا، ~~وأصغر منه مكانا، وأن الله هو الخالق، وهذا عبده وخلقه، لا فرق في ذلك بين ~~الأولياء والأنبياء، والجن والشياطين، والعفاريت، والجنيات، فمن عاملها هذه ~~المعاملة كان مشركا، لذلك وصف الله اليهود والنصارى، الذين غلوا في أحبارهم ~~ورهبانهم، مثل ما غلا المشركون في آلهتهم بما وصف به عباد الأوثان ~~والمشركين، وغضب على هؤلاء الغلاة المنحرفين، كما غضب على غلاة المشركين، ~~فقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما ~~أمروا إلا # ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} [التوبة: 31] . # وقد ms13 ذكر أن جميع الخلق سواء كانوا علماء أو عبادا، حكاما أو ملوكا، كلهم ~~عبيد خاضعون، عاجزون ضعفاء، لا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، ولا يملكون ~~إذا بعثهم الله وطلبهم إلا أن يقفوا أمام ربهم خاضعين مستسلمين، طائعين ~~منقادين، يقول الله تعالى في سورة مريم: {إن كل من في السماوات والأرض إلا ~~آتي الرحمن عبدا} {لقد أحصاهم وعدهم عدا} {وكلهم آتيه يوم القيامة فردا} ~~[مريم: 93 - 95] ، فظهر أنه هو المتصرف وحده، وأنه لا يملك أحدا غيره في ~~ملكه، # PageV01P055 # ولا يمكنه فيه، وأن الناس يأتون ربهم فرادى لا يمنع أحد آخر، وقد تظافرت ~~الآيات على ذلك وكثرت. # ومن تأمل في آيتين، أو ثلاث من الآيات الكثيرة التي سردناها، والتي لم ~~يتسع المجال لذكرها، عرف الفرق بين الشرك والتوحيد، وتجلت له حقيقتهما، وقد ~~آن الأوان لأن نذكر الخلال والأعمال التي خصصها الله بذاته العلية، ولم ~~يأذن لغيره أن يكون له نصيب منها، وهي كثيرة يطول ذكرها، ولكن لا بد أن نخص ~~بالذكر منها ما يستطيع القارئ الفهم الذكي أن يقيس عليها، ويميز بين الحق ~~والباطل، والهدى والضلال. ### | 1 - # العلم المحيط الشامل من خصائص الله تعالى: # وفي مقدمة هذه الأمور: أنه من شأن الله وحده أن يكون ناظرا في كل مكان، ~~يعلم ما دق وجل، وبعد أو دنا، أو خفي أو ظهر، لا تخفى عليه خافية في أي ~~وقت، لا فرق في ذلك بين نور وظلمة، وبين سماوات وأرضين، وبين قمم الجبال، ~~وأغوار البحار، هذا العلم المحيط الشامل لكل زمان ومكان، الذي لا يعزب عنه ~~مثقال ذرة، صفة خاصة بالله تعالى، لا يشاركه فيها أحد، فمن كان يلهج باسم ~~أحد من الخلق، ويناديه قائما وقاعدا، وعن قرب وبعد، ويستصرخه ويستغيث به ~~عند نزول البلاء، ودفع الأعداء أو يختم ختمة باسمه، أو يراقبه، ويركز فكره ~~عليه، ويصرف همته إليه، متمثلا صورته كأنه يشاهده، ويعتقد أنه إذا ذكر اسمه ~~باللسان أو القلب، أو تمثل صورته، أو قبره، واستحضرهما، علم بذلك وعرفه، ~~وأنه لا يخفى عليه ms14 من # PageV01P056 # أمره شيء، وأنه مطلع على ما ينتابه من مرض وصحة، وعسر ويسر، وموت وحياة، ~~وحزن وسرور، ولا يتفوه بشيء من كلام، وتنطق به شفتاه، ولا يساوره هم من ~~الهموم، ولا يجول بخاطره معنى، إلا وعلم ذلك، واطلع عليه، كان بذلك مشركا، ~~وكل ذلك يدخل في الشرك. # ويسمى هذا النوع " الإشراك في العلم "، وهو إثبات صفة العلم المحيط لغير ~~الله، وإن كان هذا الإثبات لنبي أو ولي، أو شيخ أو شهيد، أو إمام (1) ، أو ~~سليل إمام، أو عفريت أو جنية (سواء اعتقد أنه يعلم من ذاته، أو أن علمه ~~منحة من الله، وعطاء منه) وقد استقل بهذا العلم، وأصبح له صفة لا تنفك عنه، ~~كل ذلك شرك. ### | 2 - # التصرف المطلق من خصائص الله تعالى: # والأمر الثاني: يجب أن يعتقد الإنسان، أن التصرف في العالم بالإرادة، ~~وإصدار الأمر والنهي، والإماتة والإحياء كما يشاء، والبسط والقبض في الرزق، ~~والإفاضة بالصحة والمرض، والفتح والهزيمة، وتسخير القضاء والقدر، وإنجاح ~~المطالب وتحقيق الأماني، ودفع البلايا، والإغاثة في الشدائد، وإلهاف ~~الملهوف، وإنهاض العاثر، هذه كلها من خصائص الله تعالى، لا يشاركه فيها أحد ~~من الأنبياء والأولياء، والشهداء والصالحين، والعفاريت والجنيات، فمن أثبت ~~هذا التصرف المطلق لأحد منهم، وطلب منه حاجاته، وقرب القرابين والنذر لأجل ~~ذلك، أو استصرخه في نازلة، كان مشركا، ويقال لهذا النوع " الإشراك في ~~التصرف " سواء PageV01P057 # اعتقد أنهم يقدرون على ذلك بأنفسهم، أو اعتقد أن الله سبحانه وتعالى ~~وهبهم هذه القدرة، وخلع عليهم هذه الكرامة. ### | 3 - # أعمال العبادة وشعائرها، خاصة بالله تعالى: # والأمر الثالث: أن الله سبحانه وتعالى خصص بعض أعمال التعظيم لنفسه، وهي ~~التي تسمى " عبادة " كالسجود والركوع، والوقوف بخشوع، وتواضع (مثلا يضع يده ~~اليمنى على اليسرى (1) وإنفاق المال باسم من يعتقد فيه الصلاح أو العظمة، ~~والصوم له، وقصد قبره من أنحاء بعيدة، وشد الرحل إليه بوجه يعرف كل من رآه ~~أنه يؤم قبره حاجا زائرا، والهتاف باسمه في الطريق كالتلبية، والتجنب من ~~الرفث والفسوق، والقنص وصيد الحيوانات، ويمضي بهذه الآداب والقيود، ويطوف ms15 ~~بالقبر ويسجد إليه، ويسوق الهدي إليه، وينذر النذور هناك، ويكسو ذلك القبر، ~~كما تكسى الكعبة، والوقوف على عتبته، والإقبال على الدعاء والاستغاثة، ~~والسؤال لتحقيق مطالب الدنيا والآخرة، وبلوغ الأماني، وتقبيل حجر من أحجار ~~هذا القبر والالتزام بجداره، والتمسك بأستاره، وإنارة السرج والمصابيح حوله ~~تعظيما وتعبدا، والاشتغال بسدانته، والقيام بجميع الأعمال التي يقوم بها ~~السدنة من كنس وإنارة، وفرش وسقاية، وتهيئة أسباب الوضوء والغسل، وشرب ماء ~~بئره تبركا، وصبه على الجسم، وتوزيعه على الناس، وحمله إلى من لم يحضر، ~~واحترام الغابة التي تحيط به، والتأدب معها، # فلا يقتل صيدها، ولا يعضد شجرها، ولا يختلى خلاها، ولا يرعى ماشية في ~~حماها. PageV01P058 # كل هذه الأعمال علمها رب العالمين عباده، وأفردها لنفسه، فمن أتى بها ~~لشيخ طريقة، أو نبي، أو جني، أو لقبر فحقق، أو مزور، أو لنصب، أو لمكان ~~عبادة، وعكف فيها أحد الصالحين على العبادة والذكر والرياضة، أو لبيت أو ~~لقبر، أو لأثر من آثار أحد الصالحين، يتبرك به، أو شعار يعرف به، أو يسجد ~~لتابوت أو يركع له، أو يصوم باسمه (1) أو يقف أمامه خاشعا متواضعا، واضعا ~~إحدى يديه على الأخرى، أو يقرب له حيوانا، أو يؤم بيتا [أو قبرا] ، من هذه ~~البيوت [أو القبور] من بعيد، فيشد إليه الرحل، أو يوقد السرج فيه تعظيما ~~وتعبدا، أو يكسوه بكسوة (كما تكسى الكعبة) أو يضع على ضريح ستورا (2) ، أو ~~يغرز علما، أو عودا باسمه (3) ، وإذا رجع رجع على PageV01P059 # أعقابه، أو يقبل القبر، أو يحرك المراوح عليه، ليذب الذباب، كما يفعل ~~الخدم مع أسيادهم الأحياء، أو ينصب عليه سرادقا، أو يقبل عتبته، أو يضع يده ~~اليمنى على اليسرى، ويتضرع إليه، أو يجلس على ضريح سادنا وقيما، ويتأدب مع ~~ما يحيط به من أشجار وآجام، وأعشاب، فلا يتعرض لها بإهانة أو إزالة، إلى ~~غير ذلك من الأعمال والالتزامات، فقد تحقق عليه الشرك، ويسمى " إشراكا في # العبادة " سواء اعتقد أن هذه الأشياء تستحق التعظيم بنفسها، وأنها جديرة ~~بذلك، أو اعتقد أن رضا الله في تعظيم ms16 هذه الأشياء، وأن الله يفرج الكرب ~~ببركة هذا التعظيم. ### | علامات التعظيم الدالة على العبودية والاستكانة، خاصة بالله تعالى: # والأمر الرابع: أن الله علم عباده طرقا يستقيم بها إيمانهم، وتنزل البركة ~~في حياتهم الدنيا، وتتحقق بها مطالبهم، منها النذر لله في الشدة، ونزول ~~البلاء، والنداء باسمه عند كربة وضيق، وافتتاح كل عمل باسمه، والذبح له حين ~~يرزقون ولدا شكرا لله تعالى، وتسميتهم بأسماء يتجلى فيها التوحيد ~~والعبودية، كعبد الله، وعبد الرحمن، وهبة الله، وجاد المولى، وعطاء الله، ~~وأمة الله، وعطية الرحمن (1) ، وتخصيص جزء من حواصل المزارع، وثمار ~~PageV01P060 # البساتين باسم الله تعالى، وتخصيص جزء من المال، والماشية، ونذره لله ~~تعالى، وتعظيم الهدي والقلائد لبيت الله، وامتثال أوامره، والانتهاء عن ~~نواهيه في المأكل، والمشرب، والملبس، واعتقاد أن كل ما يصيبه من خير وشر، ~~ومجاعة، ورخص وغلاء، وصحة وسقم، وفتح وعزيمة، وسعد وشقاء، ومساعدة الحظ ~~وتخلفه، وحزن وفرح، كله في قبضته، والإحالة إلى مشيئته قبل ذكر إرادته، ~~فيقول: سأعمل كذا إن شاء الله، وتعظيم اسمه تعظيما تتجلى فيه قدرة الله، ~~وعجز العبيد، فيقول مثلا ربي، وسيدي، وخالقي، وإذا أراد أن يحلف يحلف ~~باسمه، إلى غير ذلك من علامات التعظيم وشعائره، # فمن أتى بذلك للأنبياء والأولياء، والأئمة والشهداء، والعفاريت والجنيات، ~~مثلا ينذر لها إذا ألمت به كربة، أو نزلت به ضائقة أو ينادي بأسمائها عند ~~ملمة أو نازلة، أو يفتتح عمله بأسمائها، وإذا رزق ولدا، نذر لها نذورا، أو ~~سمى أولاده ب " عبد النبي " أو " إمام بخش " أو " بير بخش "، ويخصص جزءا من ~~الحبوب أو الثمرات لها، ويقدم لها مما أخرجته الأرض من زروع وأثمار، ثم ~~يستعمله في أغراضها، ويخصص من المال، وقطعان الأنعام، أموالا ودوابا، ثم ~~يتأدب معها، فلا يصرفها، ولا يزجرها عن العلف والتبن، ولا يضربها بعصا أو ~~حجر أدبا وتعظيما، ويتمسك بالعادات القديمة، والأعراف الشائعة في الأكل ~~والشرب، واللباس، ويتقيد بها كما يتقيد بأحكام الشريعة، فيحرم طعاما ولباسا ~~لأناس، ويحلهما لأناس، ويحظرهما على جنس (كالذكور والإناث) ، ويبيحهما ~~لآخر، فيقول: إن الطعام الفلاني ms17 لا يقربه الرجال (1) ، وإن PageV01P061 # الطعام الفلاني لا تقربه الجواري، ولا تقربه المرأة التي تزوجت بزوج ثان، ~~وإن الخبيص الذي يعد باسم الشيخ عبد الحق لا يأكله من يستعمل النارجيلة (1) ~~، وينسب ما يحدث من خير وشر، وما ينتاب من بؤس ورخاء، إلى هؤلاء # المشايخ والأولياء، فيقول: إن فلانا أدركته لعنة فلان، فجن، وفلان طرده ~~فلان فافتقر، وفلان أنعم عليه فلان فساعده الحظ، وحالفه الإقبال، وأصابت ~~الناس المجاعة بنوء كذا، ونوء كذا، وفلان بدأ عمله بيوم كذا، وفي ساعة كذا ~~فلم يوفق، ولم يتم، أو يقول: إن شاء الله ورسوله كان كذا، أو يقول: إن شاء ~~شيخي وقع كذا، أو يضفي على من يعظمه أسماء أو صفات تختص بالله، وهي من نعوت ~~العظمة والكبرياء، والغنى عن الخلق، والقدرة المطلقة، والجود الذي لا نهاية ~~له، أو القهر والجبروت، مثل المعبود، وأغنى الأغنياء، وإله الآلهة، ومالك ~~الملك، وملك الملوك، أو يحلف بالنبي، أو بعلي، أو بأحد أولاده (الذين ~~يسميهم الشيعة الأئمة الاثنى عشر أو بشيخ، أو بقبره، وكل ذلك يتحقق منه ~~الشرك ويسمى " الإشراك في العبادة " يعني أن يعظم غير الله في الأعمال التي ~~اعتادها تعظيما، لا يليق إلا بالله. # وهذه الأنواع الأربعة للشرك، قد جاء ذكرها صريحا في القرآن والحديث، لذلك ~~قسمنا هذا الباب في خمسة فصول، وهي كما يلي: PageV01P062 ### | الفصل الأول # في التحذير من الشرك # قال الله تعالى: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ~~ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 116] . ### | الفرق بين الشرك، وسائر الذنوب: # اعلم أن هنالك أنواعا من الذنوب والآثام، يقترفها الناس إذا جمحت بهم ~~النفوس، وغلبهم الهوى، فمنهم من لا يميز بين حلال وحرام، ومنهم من يقترف ~~سرقة، أو عملا من أعمال الفسوق، أو يترك الصلاة والصيام، أو لا يأتي بما ~~فرض الله عليه من حقوق الأهل والعيال، أو يسيء إلى والديه، ويغلظ القول ~~لهما، ولكن الذي تورط في الشرك فقد أسرف، وظلم نفسه ظلما مبينا، لأنه قد ~~جنى جناية ms18 لا يغفرها الله، أما الذنوب والآثام الأخرى، فربما يغفرها الله، ~~ويتجاوز عنها، ولكن الشرك، لا بد أن يوفى حسابه. ### | الشرك ظلم، ووضع للشيء في غير محله: # قال الله تعالى: {وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن ~~الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] ، # PageV01P089 # وقد هدت لقمان الحكمة العميقة التي أكرمه الله وخصه بها، إلى أن أفحش ~~الظلم أن يجود الإنسان على أحد بحق غيره، فمن أعطى حق الله لأحد خلقه فقد ~~عمد إلى حق أكبر كبير، فأعطاه أذل ذليل، وكان كرجل وضع تاج الملك على مفرق ~~إسكاف، وأي جور أكبر من هذا الجور وأي ظلم أفحش من هذا الظلم؟ . # وليعلم يقينا أن كل مخلوق كبيرا كان أو صغيرا هو أذل من إسكاف، أمام عظمة ~~الله وجلالته، وقد دلت الآية، وشهد به الشرع والعقل السليم، أن الشرك أقبح ~~العيوب، وما زال الناس يعتبرون إساءة الأدب مع كبرائهم وسادتهم أكبر عيب ~~وأعظم خرق، فلما كان تبارك وتعالى أكبر من كل كبير، كانت إساءة الأدب إليه، ~~والإشراك معه عيبا ليس فوقه عيب، وخرقا لا يفوقه خرق، وقد اتفقت جميع ~~الشرائع على المنع من الشرك، والأمر بالتوحيد، وهو الصراط المستقيم، وطريق ~~النجاة، وكل ما عداها من طرق وسبل، فهي طرق الضلال، والسبل المردية، قال ~~الله تعالى: {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون} [الأنبياء: 25] . ### | إن الله لا يقبل إلا خالصا، ليس لأحد فيه نصيب: # أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال ~~الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري، ~~تركته وشركه، وأنا منه بريء» . # PageV01P090 # وقد دل هذا الحديث على أن الله تعالى لا يقبل عملا أشرك فيه معه غيره، ~~فلا يقبل عبادة المشرك بل يتبرأ منها، وليس شأنه شأن الذين يأخذون نصيبهم ~~من الشيء المشترك بينهم وبين غيرهم، فإنه أغنى من كل غني، وأغير من كل ~~غيور، فلا يقبل إلا خالصا ms19 مخلصا، ليس لأحد فيه سهم أو نصيب. ### | عهد سبق في عالم الأرواح # أخرج أحمد عن أبي بن كعب رضي الله عنه في تفسير قول الله عز وجل. # {وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} [الأعراف: 172] ، قال جمعهم ~~فجعلهم أزواجا، صورهم، فاستنطقهم، فتكلموا، ثم أخذ عليهم العهد والميثاق، " ~~وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا بلى قال فإني أشهد عليكم السماوات ~~السبع، والأرضين السبع، وأشهد عليكم أباكم آدم {شهدنا أن تقولوا يوم ~~القيامة إنا كنا عن هذا غافلين} لم نعلم بهذا، اعلموا أنه لا إله غيري، ولا ~~رب غيري، ولا تشركوا بي شيئا، إني سأرسل إليكم رسلي يذكرونكم عهدي وميثاقي، ~~وأنزل عليكم كتبي، قالوا: شهدنا بأنك ربنا وإلهنا، لا رب لنا غيرك، ولا إله ~~لنا غيرك. # PageV01P091 # وقد فسر أبي بن كعب رضي الله عنه الآية تفسيرا واضحا، وذكر أن الله ~~سبحانه وتعالى قد صنف أولاد آدم أصنافا، فكانت طائفة من الأنبياء، وطائفة ~~من الأولياء، وطائفة من الشهداء، وطائفة من الصلحاء، وطائفة من المطيعين، ~~وطائفة من العصاة والفاسقين، وطائفة من الكفار كاليهود والنصارى، والمجوس ~~والمشركين، وأبرز هذه الطوائف في الصور والأجسام التي أراد خلقها، منها ~~الوسيم ومنها الدميم، ومنها الأصم، ومنها الأعور، ومنها الأعمى، ثم وهبها ~~النطق، ثم قال لها: ألست بربكم؟ فأقرت جميعا، وقالت: بلى! أنت ربنا، ثم أخذ ~~منها العهد والميثاق، أن لا تشرك في ملكه وحكمه أحدا، وأن لا تتخذ غيره ربا ~~وإلها، فقبلته جميعا وأعطت العهد والميثاق، وأشهد الله على ذلك السماوات ~~والأرض وأباهم آدم، وقال: سيبعث الأنبياء ليذكروا بهذا العهد والميثاق، ~~وسيحملون الكتب السماوية، وأقرت كل طائفة على حدة بالتوحيد، وتبرأت من ~~الشرك، فظهر من ذلك أنه لا مسوغ للاحتجاج بكلام عالم أو شيخ، أو كلام آباء ~~وأجداد، أو ملوك وسلاطين. # وإن قال قائل: لقد نسينا في هذه الحياة كل ما جرى في عالم الأرواح، فلا ~~معول على شيء منسي، ولا يصح الاحتجاج به، وهذا # PageV01P092 # لا يصح، لأن الإنسان كثيرا ما ينسى شيئا، ثم يؤمن به ms20 إذا أخبره به ~~الثقات، فكلنا ولد من بطن أمه، ولكنه لا يذكر هذه الساعة، ولا هذا الحادث، ~~فإنه كان لا يعي ذلك ولم يكن يعقل في ذلك الحين، ولكن لما استفاض ذلك ~~الخبر، وتواترت به الأنباء، وتناقلته الألسن، آمن به، ولم يشك في أمه أنها ~~له أم، وهو لها ابن، لا يعدل عنها عدولا، ولا يبغي لها بديلا، فمن عق أمه، ~~ولم يبر بها، واتخذ له أما أخرى، كثرت القالة فيه، وأصبح شامة في الناس، ~~فإن تعلل بأنه لا يذكر هذا الحادث، وأنه لا يعتمد على مجرد الإشاعة، ضعف ~~الناس عقله، وسفهوا حلمه، واعتبروه قليل الحياء، قليل الأدب، فإذا كان ~~الناس يعتمدون على حديث العامة، وآمنوا بسببه بحقائق، كان الأنبياء أولى ~~بهذه الثقة، وأجدر بالاحتجاج. # وقد تبين من هذا الحديث أنه قد سبق أمر الله بالتوحيد والنهي عن الشرك ~~لكل نسمة في عالم الأرواح، وما بعث الرسل، ونزلت الصحف إلا لتبين ذلك ~~وتؤكده، وقد تلخص كلام الأنبياء، وهو الاعتصام بالتوحيد، وإخلاص الدين لله، ~~والابتعاد عن الشرك، واتخاذ غير الله حاكما، يتصرف في الكون، واتخاذه ربا ~~يطلب منه تحقيق مطالبه وإسعاف حاجته. ### | الضن بعقيدة التوحيد والاستقامة عليها عند الفتنة والبلاء # وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تشرك بالله شيئا وإن قتلت وحرقت» . # PageV01P093 # فيجب على المسلم أن يصبر على ما يصيبه من الأذى، من الجن أو العفاريت، ~~كما يجب عليه أن يصبر على ما يصيبه من محنة أو مكروه من بشر في حياته ولا ~~ينبغي أن تحمله هذه الفتنة على وهن في الدين، أو فساد في العقيدة فيحبط ~~بذلك عمله، ويخسر بذلك دينه الذي هو ملاك أمره، ورأس ماله، فيجب عليه أن ~~يعتقد أن الأمر كله بيد الله، ولكنه قد يمتحن عباده، وينال الأخيار أذى من ~~الأشرار ليميز الله الخبيث من الطيب، ويميز بين المؤمن والمنافق، وكما أن ~~المسلمين يكونون عرضة لأذى الكفار والفساق، فلا يسعهم على ذلك إلا الصبر، ~~ولا يرضون ms21 أن يتطرق إلى دينهم وهن، أو يتسرب إلى عقيدتهم فساد، كذلك قد ~~يصيب بعض الصالحين مس من الجن، أو خبل من الشياطين، فلا يكون ذلك إلا بإذن ~~الله وعلمه فينبغي لهم أن يصبروا على ذلك الأذى، ولا يخضعوا لهذه القوى ~~بالاستسلام أو التعظيم. # وقد دل هذا الحديث على من مقت الشرك ونبذ الآلهة، وكره تقديم النذور، ~~والقرابين إليها؛، وحارب العادات الجاهلية، والتقاليد الباطلة فأصابته ~~خسارة في المال، أو رزية في الأولاد، أو آذاه الشيطان باسم شيخ أو شهيد، ~~يجب عليه أن يصبر على ذلك، ويستقيم على دينه، ويعتقد أن الله ممتحنه في ~~دينه، وكما أن الله قد يمهل الظالمين ولا يهملهم، ويخلص المظلومين منهم، ~~كذلك لا محالة هو معاقب للظلمة من الجن، ومخلص للصالحين من أذاهم. ### | إقبال المملوك على غير مالكه، وولي نعمه، قلة غيرة وعدم وفاء: # وأخرج الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: «قال رجل # PageV01P094 # يا رسول الله أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: " أن تدعو لله ندا وهو خلقك» ~~. # وقد دل هذا الحديث على أن إشراك العبد أحدا لله تعالى في علمه المحيط، ~~وقربه من كل أحد، وقدرته على كل شيء، فيستغيث به ويستصرخه أكبر الكبائر، ~~لأنه ليس في إمكان أحد أن يسعف بحاجته مثله، وأن يكون في كل مكان لا يغيب ~~عنه شيء. # ثم إنه إذا كان الواقع أن الله تعالى هو الذي خلقنا وهو ربنا - ونحن نقر ~~بذلك - وجب علينا أن لا ننادي إلا إياه، ولا نستعين إلا به، وما لنا ولغيره ~~(1) ؟ فمن كان من جملة عبيد ملك وصنائعه، انقطع إليه كليا، وأطبق عينه عن ~~كل ملك ورئيس، فضلا عن وضيع أو خسيس، أيجمل بنا أن نكون أقل غيرة، وأضعف ~~وفاء من المملوك لمولاه المجازي؟ . PageV01P095 ### | الموحد المذنب حري بأن يتوب، وتدركه رحمة الله ولطفه بخلاف المشرك العابد: # وأخرج الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله ~~تعالى: يا ابن آدم إنك لو لقيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا ms22 تشرك بي ~~شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» . # وقد دل هذا الحديث على أن الإنسان مهما أتى به من ذنوب، واقترف من آثام، ~~وإن كانت تعدل ذنوب أكبر العصاة والمجرمين كفرعون وهامان، ولكنه سلم عن ~~الإشراك بدل الله سيئاته حسنات، وآتاه بقراب هذه الذنوب مغفرة، فظهر أن ~~الذنوب تتضاءل أمام عقيدة التوحيد، وأن بركتها تغشى المذنب فتمحو خطاياه، ~~كما أن للشرك شؤما وظلمة تطغى على جميع الحسنات، وتحبط جميع العبادات، فإنه ~~إذا وقر في قلب المؤمن، واستقر أنه لا إله إلا هو، لا رب سواه، ولا ملجأ ~~ولا منجى منه إلا إليه، وأنه لا معقب لأمره، ولا راد لقضائه، وليس له وكيل ~~ولا شفيع إلا بإذنه، فقد تطهر من أوضاع الشرك، فما صدر عنه من ذنب، فهو من ~~مقتضى البشرية، ونتيجة النسيان، والسهو، ويستولي على قلبه الخوف من هذه ~~الذنوب، وينال منه كل منال، ومن الطبيعي أن يعاف هذه الذنوب ويستوحش منها، ~~حتى تضيق # PageV01P096 # عليه الأرض بما رحبت، وتضيق عليه نفسه، فلا تصفو له الحياة، ولا يطيب له ~~طعام وشراب، وكل من كان هذا شأنه أظلته رحمة الله ولطفه، وكلما أكثر من ~~الذنوب اشتدت به الكآبة وأحاطت به الوحشة، فمن رسخت، قدمه في التوحيد عملت ~~ذنوبه ما لا تعمل عبادة غيره، فكان # الفاسق الموحد خيرا من المتقي المشرك ألف مرة، كما أن الوفي المقصر من ~~الرعية كان خيرا من الثائر المتملق، لأن الأول نادم على تقصيره، والثاني ~~معجب بخديعته ونفاقه، مدل بنفسه، يحسب أنه يحسن صنعا. # PageV01P097 ### | الفصل الثاني # في رد الإشراك في العلم ### | الحواس الخمس الظاهرة، والعقل، منحة إلهية عامة للبشر # قال الله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} [الأنعام: 59] ، ~~اعلم أن الله تعالى قد وهب عباده قوى ووسائل للاطلاع على أمور ظاهرة، ~~فرزقهم العين ليبصروا، والأذن ليسمعوا، والأنف ليشموا، واللسان ليذوقوا، ~~واليد ليجسوا، والعقل ليفهموا ويتبصروا، وقد مكنهم من هذه الطرق والوسائل، ~~وملكهم إياها ليستخدموها في مآربهم وحاجاتهم، فكلما أراد الإنسان أن يبصر ~~فتح عينه وإلا أطبقها، وإذا أراد ms23 أن يتذوق شيئا وضعه في فمه، إن شاء فعل ~~وإن لم يشأ لم يفعل، فكأنما أعطاهم مفاتيح لاكتشاف هذه الأشياء والاطلاع ~~عليها، ومن كان عنده مفتاح كان القفل خاضعا له، تابعا لإرادته، إن شاء فتح، ~~وإن لم يشأ لم يفتح، فكان الاطلاع على الأمور الظاهرة في تصرف الناس، ~~وكانوا أحرارا فيه، يتصرفون فيه كما يشاءون. ### | علم الغيب خاص بالله تعالى، ووراء طور البشر: # وهذا شأن الاطلاع على الغيب فيما يختص بالله تعالى، فهو يملكه ويتصرف فيه ~~كما يشاء، وهي صفته الدائمة، ولم يجعل لولي أو نبي، # PageV01P101 # أو جني أو ملك، أو شيخ أو شهيد، أو إمام، أو سليل إمام، ولا لعفريت ولا ~~لجنية أن يطلعوا على الغيب متى شاءوا، إن الله قد يطلع من يشاء على ما يشاء ~~متى يشاء، لا يجاوز علمه ما أراد الله إطلاعه عليه مثقال ذرة، وكان ذلك ~~خاضعا لإرادة الله تعالى، لا لهواهم. # وقد وقع للنبي صلى الله عليه وسلم مرارا أنه رغب في الاطلاع على شيء فلم ~~يتيسر له ذلك، فلما أراد الله ذلك أطلعه عليه في طرفة عين. وقصة الإفك ~~مشهورة معلومة للجميع، وقد أشاع المنافقون عن سيدتنا عائشة ما هي منه ~~بريئة، وقد كبر ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وبلغ منه كل مبلغ، وقضى ~~أياما يفحص فيها الأمر فلم تنكشف له الحقيقة، وبقي أياما مشغول الخاطر، ~~فلما أراد الله أن تنجلي عنه هذه الغمة، وتنكشف له الحقيقة أخبره بأن ~~المنافقين هم الكاذبون، وأن عائشة رضي الله عنها بريئة من هذه التهمة، فعلم ~~من ذلك يقينا أن مفتاح الغيب بيد الله تعالى لم يمكن منه أحدا، ولم يملكه ~~إياه، وليس له خازن بل هو الذي يفتح هذا القفل بيده، فيهب من يشاء ما يشاء، ~~لا يمسك يده أحد، ولا يمنعه عن ذلك أحد. ### | من ادعى لنفسه، أو اعتقد في أحد علم الغيب بالاستقلال والدوام كان كاذبا آثما: # وقد تبين من هذه الآية أن من ادعى علما يعرف به الغيب متى شاء ms24 وأن ~~الاطلاع على الأمور المستقبلة ميسور له، وتحت تصرفه، كان كذابا، مدعيا ~~للألوهية، ومن اعتقد ذلك في نبي أو ولي، أو جني أو ملك، أو إمام أو ابن ~~إمام، أو شيخ أو شهيد، أو منجم أو رمال، أو جفار، أو من يبحث عن الفال في ~~كتاب (1) ، وغير ذلك، أو كاهن أو سادن، أو عفريت أو جنية كان مشركا، منكرا ~~لهذه الآية. # ومن وسوست له نفسه، وسول له الشيطان أنه قد يتحقق ما يخبر به منجم، أو ~~رمال، أو كاهن، أو محترف بالأخبار بالسعد والنحس، فيدل ذلك على علمه للغيب، ~~فكل ذلك باطل، فإن كثيرا ما تخطئ أخبارهم ويقع عكسها، فثبت من ذلك أنه لا ~~صلة له بعلم الغيب، وأنه ليس في تصرفهم، وإنما يتكلمون رجما بالغيب، وقد ~~يصيبون، وقد يخطئون، وهذا هو الشأن في الاستخارة والكشف، ومن يبحث عن الفال ~~في PageV01P102 # المصحف. # وبالعكس من ذلك فإنه لا خطأ في الوحي، والوحي لا يملكون من أمره شيئا، ~~وإنما ذلك إلى الله، إذا شاء أوحى إليهم بما شاء، وإذا لم يشأ لم يوح ~~إليهم، لا أثر لرغبتهم في ذلك، يقول الله تعالى: {قل لا يعلم من في ~~السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} [النمل: 65] ، ~~فعلم أنه لا سلطان لأحد على الغيب، ودليله أن جميع المؤمنين يؤمنون بأن ~~الساعة آتية لا ريب فيها، ولكنهم لا يعلمون موعدها بالتحديد، يقول الله ~~تعالى: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما # PageV01P103 # تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} ~~[لقمان: 34] . ### | الأمور المستقبلة التي لا تعلم بالقطع # فإذا كان هذا شأن الساعة التي هي من الأمور القطعية، ومن ضروريات الدين، ~~لا يعلمها أحد، فما ظنك بغيرها من الأخبار والحوادث كالفتح والهزيمة، ~~والمرض والصحة، فإنها لم تشتهر اشتهار القيامة، ولم تكن منزلتها من القطع ~~واليقين كمنزلة القيامة، كذلك لا يعرف أحد متى ينزل المطر، مع أن الفصول ~~معينة، وللأمطار فصل وإبان، تجيء فيه ms25 الأمطار في غالب الأحيان، أما الأشياء ~~التي ليس لها فصل معين، ولا يتفق الناس على الحاجة إليه، أو الرغبة فيه، ~~كأن يموت رجل أو يعيش، أو أن يرزق أحد ولدا، أو يغنى الإنسان أو يفتقر، أو ~~أن ينتصر أحد في حرب أو ينهزم أحد، فلا سبيل إلى علمها لأحد، وكذلك ما كان ~~في الأرحام من نطفة، فلا يعلم. ### | العلم بمكنونات الضمائر وهواجس الخواطر، ليس بميسور دائما: # وإذا كان هذا شأن أمور تظهر أماراتها، وتعرف مقدماتها، فكيف بما يضمره ~~الإنسان من أفكار وخواطر، وإرادات ونيات، وإيمان ونفاق، وهي في بطون ~~الضمائر، وطيات الصدور، وإذا لم يعلم أحد ما مصيره غدا، وما هو فاعله {وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا} فكيف يعلم # PageV01P104 # حال غيره؟ وإذا لم يعلم مكان موته {وما تدري نفس بأي أرض تموت} فكيف يعلم ~~أين يموت فلان ومتى يموت؟ ### | المدعون المحترفون بالإخبار عن الأمور الغيبية # وجملة القول: أن الذين يدعون الغيب، أو يدعون الكشف منهم من يستخرج ~~الأخبار من تقويم النجوم، أو الرمل، ومنهم من يطوف في الناس، فإنهم كلهم ~~كاذبون مزورون، ويجب على المسلم الصادق أن يبتعد عنهم، ولا يقع في شباكهم. ### | نداء الأموات من بعيد أو قريب للدعاء إشراك في العلم # وقال الله تعالى: {ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم ~~القيامة وهم عن دعائهم غافلون} [الأحقاف: 5] ، وقد دلت هذه الآية على أن ~~المشركين قد أمعنوا في السفاهة، فقد عدلوا عن الله القادر العليم، إلى أناس ~~لا يسمعون دعاءهم، وإن سمعوا ما استجابوا [لهم] ، وهم لا يقدرون على شيء، ~~فظهر من ذلك أن الذين يستغيثون ويظنون أنهم ما أشركوا، فإنهم ما طلبوا منهم ~~قضاء الحاجة، وإنما طلبوا منهم الدعاء، وإن لم يشركوا عن طريق طلب قضاء ~~الحاجة، فإنهم أشركوا عن طريق النداء، فقد ظنوا أنهم يسمعون نداءهم عن بعد، ~~كما يسمعون نداءهم عن قرب. # PageV01P105 ### | نفي القدرة المطلقة والاستقلال بعلم الغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم: # وقال الله تعالى: {قل لا ms26 أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو ~~كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير ~~لقوم يؤمنون} الأعراف. # وقد خاطب الله في هذه الآية سيد الأنبياء، ومنه تعلم الناس الدين، ~~وباتباعه واقتفاء آثاره نال من نال الشرف عند الناس، والمنزلة عند الله، ~~فأمره بأن يخبر الناس بخبره، حتى يقيس به الناس غيره، فإذا كان هو لا يقدر ~~على شيء ولا يعلم الغيب، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولو كان يعلم الغيب ~~لعرف عواقب الأمور، فإذا عرف عن أمر أنه يؤول إلى نجاح أقدم إليه، وأقبل ~~عليه، وإذا عرف أنه لا خير فيه، أمسك عنه وزهد فيه (1) . # وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه الشريفة القدرة المطلقة، ~~والعلم بالغيب، إنما أكرمه الله بالرسالة، وشرفه بالنبوة، والنبي مكلف ~~بالإنذار والتبشير لا غير، ينذر السيئات بسخط الله وعذابه، {ويبشر المؤمنين ~~الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا حسنا} ولا ينفع الإنذار والتبشير إلا ~~أهل الإيمان (2) ، وليس من شأن النبي أن يخلق الإيمان في قلوب الناس، إنما ~~هو خلق الله. PageV01P106 ### | سر شرف الأنبياء، وكرامة الأولياء ليس في التصرف المطلق، والعلم المستقل بالغيب: # وقد دلت هذه الآية على أن الأنبياء والأولياء، إنما شرفهم الله على ~~الخلق، وعلت منزلتهم عند الله، لأنهم يدعون الناس إلى الله، ويرشدون إلى ~~طرائق الحق، ولأنهم يعرفون ما هو صالح الأعمال، وما هو فاسدها، فيعلمون ~~الناس ذلك، وينفع الله بكلامهم، فينفذ في القلب، ويهتدي الناس إلى الصراط ~~المستقيم، وليس شرفهم، لأن الله سبحانه وتعالى منحهم قدرة التصرف في ~~العالم، فيميتون من يشاءون، أو يرزقون من يشاءون الأولاد، أو يفرجون الكرب، ~~ويكشفون الغم، ويحققون أماني الناس، ويقضون حاجاتهم، ويجعلون من يشاءون ~~منتصرا أو منهزما، أو غنيا أو فقيرا، أو ملكا أو أميرا، أو وزيرا، وينتزعون ~~ممن يشاءون ملكا أو إمارة، أو يخلقون في قلب من يشاءون الإيمان، أو ينزعونه ~~منه، أو يشفون المريض، أو يسلبون منه الصحة، قد تساوى في ذلك ms27 جميع العباد، ~~فكلهم عاجزون ضعفاء لا يقدرون على شيء. # وكذلك لا يمتازون عن الناس بأن الله سبحانه وتعالى مكنهم من علم الغيب، ~~وبسط لهم فيه، فيطلعون على خواطر النفوس متى شاءوا، ويطلعون على شؤون من ~~غاب إذا شاءوا، فيعرفون هل هو حي أم مات، وفي أي مدينة هو، وما تكتنفه من ~~أحوال، وما يتقلب فيه من نعيم أو بؤس، ويعرفون ما هو كائن غدا، فيعرفون أن ~~فلانا سيرزق ولدا، وفلانا لا يولد له، وفلانا يربح في التجارة أو يخسر، وهل ~~يقدر لفلان الانتصار في الحرب، أو سيلقى الهزيمة، فقد تساوى في ذلك جميع ~~العباد كبارهم وصغارهم، هم عن ذلك في عمى، إلا ما ينقل عن بعض # PageV01P107 # العقلاء شيء من الحدس، أو لتقدير مصدره القرائن أو العقل السليم، فيتفق ~~ذلك مع الواقع، كذلك هؤلاء السادة والعظماء قد يحكمون على شيء بعقل أو ~~قرينة، فيتحقق في بعض الأحيان، ويتخلف في بعض الأحيان، أما ما كان عن طريق ~~الوحي والإلهام، فهو لا يقاس على ذلك، ولا يتطرق إليه خطأ، ولا ترتقي إليه ~~شبهة. ### | استنكار النبي صلى الله عليه وسلم لنسبة علم الغيب إليه: # أخرج البخاري عن الربيع بنت معوذ بن عفراء، قالت: «جاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم فدخل حين بني علي، فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا ~~يضربن بالدف، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر، إذ قالت إحداهن: " وفينا نبي ~~يعلم ما في غد " فقال: " دعي هذه، وقولي بالذي كنت تقولين» . # وقد دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يعتقد الإنسان في نبي أو ولي، وإمام ~~أو شهيد، أنه يعلم الغيب، حتى لا يصح هذا الاعتقاد في حضرة الرسول صلوات ~~الله وسلامه عليه، ولا يصح أن يمدح بذلك في شعر أو كلام، أو خطبة، أما ما ~~اعتاده الشعراء من المبالغة والإسراف في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم أو ~~غيره من الأنبياء والأولياء، والصلحاء والمشايخ، أو الأساتذة، فتخطوا في ~~ذلك حدود الشرع، ونعتوهم في بعض الأحيان بما يليق ms28 بالله تعالى، فإذا عورضوا ~~قالوا: إن الشعر جماله المبالغة، وكل شعر تجرد عن المبالغة فهو بالنشر أشبه ~~منه بالشعر، ولكن # PageV01P108 # لا يصح هذا الاعتذار، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى جواري الأنصار عن ~~أن ينشدن شعرا نسب إليه في علم الغيب، فما ظنك بعاقل يقول مثل هذا الشعر أو ~~يستحسنه؟ # أخرج البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: «من أخبرك أن محمدا صلى الله ~~عليه وسلم يعلم الخمس التي قال الله تعالى: {إن الله عنده علم الساعة} ~~[لقمان: 34] ، فقد أعظم الفرية» . # وهذه الخمس هي التي ذكرها الله في آخر سورة لقمان، فقال: {إن الله عنده ~~علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] . # وأخرج البخاري عن أم العلاء قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«والله لا أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي ولا بكم» . # PageV01P109 ### | عقيدة أهل الجاهلية في الله وحقيقة شركهم: # وقد تحقق من هذه الآية الكريمة أن الكفار في عهد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم لم يكونوا يرون لله عديلا يساويه في الألوهية والقدرة، وفي الخلق، # PageV01P113 # ولكنهم كانوا يعتقدون أن آلهتهم والأصنام التي كانوا يعبدونها، هم ~~وكلاؤهم عند الله، وبذلك كفروا، فمن أثبت في عصرنا هذا لمخلوق التصرف في ~~العالم، واعتقد أنه وكيله عند الله، ثبت عليه الشرك، ولو لم يعدله بالله، ~~ولم يثبت له قدرة تساوي قدرة الله. ### | التحذير للمسلمين عن تقليد المشركين في نبيهم وأولياء أمته # قال الله تعالى: {قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا} {قل إني لن يجيرني من ~~الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا} [الجن: 21 - 22] . # وقد حذر الله في هذه الآية المسلمين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم من ~~أن تغرهم نفوسهم فيقولوا: " إن نبينا صلى الله عليه وسلم له دالة عند الله، ~~يضر وينفع، ويدفع ويمنع، ويفعل ما يشاء، ونحن في أمته، فنحن نأوي إلى ركن ~~شديد، وحرز ms29 حريز، فإن وكيلنا عند الله، وشفيعنا إليه، من الله بمكان ليس ~~لأحد، فلا خوف علينا ولا خطر، وبذلك يسترسلون في الخيال، ويتوسعون في ~~الأماني ويستخفون بالعمل، ولذلك أمر الله نبيه بأن يخبر الناس أنه لا يملك ~~لهم ضرا ولا رشدا، وأنه - وهو سيد الأنبياء - لن يجيره من الله أحد، فكيف ~~يستطيع أن يجيرهم من الله، ويمنعهم من عذاب الله وعقابه؟ . # وبذلك ظهر ضلال أولئك العامة، والغوغاء من الناس الذين ينسون الله، ~~ويستخفون بأحكامه، معتمدين على نصرة المشايخ والشهداء، فإذا كان نبي الله ~~يخاف الله، ولا يرى له ملجأ إلا رحمة الله، فكيف بمن دونه من أفراد أمته، ~~وأتباعه؟ . # PageV01P114 ### | عجز الأنبياء وخواص الأمة عن التصرف في العالم # وقال الله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات ~~والأرض شيئا ولا يستطيعون} [النحل: 73] . # يقول بعض العامة: إن الأنبياء، والأولياء، والأئمة، والشهداء يقدرون على ~~التصرف في العالم، ولكنهم راضون بقضاء الله وقدره، قد أدبوا نفوسهم ~~وألجموها، فتواضعوا لعظمة الله تعالى، وإلا إذا شاءوا قلبوا هذا العالم ~~رأسا على عقب، ولكنهم أمسكوا عن ذلك تعظيما للشرع، وأدبا معه، وقد نفت هذه ~~الآية هذا الزعم، فبينت عجزهم وضعفهم، وأنهم لا يملكون للناس رزقا من ~~السماوات والأرض، فليس لهم سلطان على الأمطار، ولا على السحاب والريح، وليس ~~لهم سلطان على الأرض فتخرج زهرتها، وتلفظ خزائنها، وإن كل ذلك في قدرة الله ~~وقبضته. # وقال الله تعالى: {ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت ~~فإنك إذا من الظالمين} [يونس: 106] . # ومن السفاهة والظلم أن يعطى الإنسان العاجز الضعيف ما كان من حق القادر ~~القوي، ويعاملهما معاملة سواء. ### | عادات الملوك والأمراء في قبول الشفاعة وأنواع الشفعاء، وأهل الوجاهة: # وقال الله تعالى: {قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة ~~في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من # PageV01P115 # ظهير} {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم ~~قالوا ms30 ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير} [سبأ: 22 - 23] . # قد جرت العادة أن من يقضي حاجة من يستصرخه، ويغيثه، إما يكون صاحب الأمر، ~~وإما شريكا له سلطان عليه، أو دالة عنده، فملوك الأرض ينزلون عند رغبة ~~أمرائهم، ويحققون طلبهم، فإنهم أعوانهم، ودعائم ملكهم، فإذا سخطوا أو حقدوا ~~عليهم تزلزل ملكهم، واضطرب أمرهم، وإما أن يشفع إلى الملك أحد المقربين ~~إليه، والذين لهم حظوة عنده، فيحقق رغبتهم طوعا وكرها، وقد يفعل ذلك من غير ~~رضى وطواعية نفس، شأن بنت الملك المدللة، أو إحدى زوجاته الحظيات، فلا ~~يستطيع الملك أن يرفض شفاعتها فيقبلها. # أما أولئك الذين يستغيث بهم هؤلاء الجهال، ويطلبون منهم قضاء حاجاتهم، ~~فلا يملكون حبة من شعير، ولا شيئا من نقير أو قطمير في السماوات والأرض، ~~وما لهم فيهما من شرك، وليسوا من دعائم ملك الله، ولا عضده الأيمن، تعالى ~~عن ذلك علوا كبيرا، حتى يقبل شفاعتهم اضطرارا واستسلاما، إنهم لا يملكون أن ~~يشفعوا إلا بإذنه، ولا يستطيعون أن يحققوا رغبات المستشفعين بقوة أو قهر، ~~بل بالعكس من ذلك قد بلغ بهم العجز والفقر إلى أنه إذا توجه إليهم أمر من ~~الله أخذتهم المهابة وفقدوا رشدهم، ويمنعهم الأدب والفزع عن مراجعة الله، # PageV01P116 # واستيضاح ما خوطبوا به وأمروا، بل أقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن ~~الحقيقة، فإذا تبين لهم الأمر، ما زادوا على أن يقولوا: آمنا وصدقنا، فضلا ~~عن معارضة الملك القاهر، وعن الدفاع عن أحد، أو الإدلاء بدليل أو برهان. ### | أنواع الشفاعة التي لا مجال لها عند الله: # وهنا يحسن التفطن لملاحظة دقيقة، والتأمل فيها، وهي أن كثيرا من الناس قد ~~اعتمدوا على شفاعة الأنبياء، والأولياء اعتمادا زائدا، وقد أساءوا فهم معنى ~~الشفاعة، فأدى ذلك إلى تناسي الله عز وجل، والتشاغل عنه بخلقه، فلتعرف ~~حقيقة الشفاعة في ضوء نصوص الكتاب والسنة، وما أثبتته الشريعة الإسلامية. # لقد تعود الملوك، والأمراء، ورجال الدنيا أنواعا من الشفاعة، يلجئون ~~إليها عند الضرورة لمصالحهم الشخصية، أو مصلحة من مصالح البلاد والرعية، ~~نذكرها أولا، حتى ms31 يعرف القارئ الفطن الفرق بين هذه الأنواع من الشفاعة، ~~وبين الشفاعة التي أثبتها القرآن، وبضدها تتبين الأشياء. # منها أن رجلا تحققت عليه السرقة، فشفع له أمير، أو وزير إلى الملك، ~~فأطلقه الملك وصفح عنه، ولذلك أسباب: # منها أن الملك يريد أن يعاقب السارق، والقانون يأمر بذلك، وهو يستحق ~~العقوبة، ولكن الملك عدل عن رغبته، وصفح عن جريمة هذا المجرم، لأن هذا ~~الأمير هو دعامة قوية من دعائم ملكه، فيعرف # PageV01P117 # الملك أن الأفضل في هذا المقام أن يملك نفسه ويقهر غضبه، ويصفح عن فرد ~~ارتكب جريمة السرقة، فإنه إذا أسخط هذا الأمير ورفض طلبه، اختلت الأمور، ~~واستشرى الفساد في مملكته، وفقدت الشيء الكثير من بهائها ومهابتها، وهذا ~~النوع من الشفاعة يسمى شفاعة الوجاهة، ومعلوم أنه لا مساغ لهذا النوع من ~~الشفاعة عند الله، ولا مجال له، فمن رجا من نبي أو ولي، أو إمام أو شهيد، ~~أو ملك أو شيخ مثل هذه الشفاعة، ونظر إليه كشفيع تقبل شفاعته لا محالة لعظم ~~جاهه، وعلو منزلته، فقد أوغل في الشرك والجهالة، فإنه لم يقدر الله حق ~~قدره، وما شم رائحة العلم والمعرفة، فإن الله هو رب الأرباب، وملك الملوك، ~~قد وسع كرسيه السماوات والأرض، وإنه يقدر أن يخلق بمجرد الأمر، بكلمة " كن ~~" آلافا مؤلفة من الأنبياء والأولياء، والجن والملائكة، كأول ملك، وأول ~~نبي، فلا أفضل في الملائكة من جبريل، ولا أفضل في الأنبياء من محمد صلى ~~الله عليه # وسلم، وإذا شاء قلب هذا العالم رأسا على عقب، من الثريا إلى الثرى، وأنشأ ~~عالما جديدا مكان هذا العالم، لأن كل شيء يظهر إلى الوجود بمجرد أمره، لا ~~يحتاج في إيجاد شيء، أو تحقيق أمر إلى الأسباب والوسائل، أو المواد ~~الأولية، وإذا كان جميع الخلق أولهم وآخرهم، وإنسهم وجنهم على قلب أفضل ~~ملك، أو أفضل نبي، ما زاد ذلك في ملكه، وإذا كانوا كلهم على هيئة شيطان، أو ~~دجال لم ينقص ذلك من بهاء ملكه، فهو في كل حال أعظم من كل عظيم. وقاهر ~~الملوك ms32 # PageV01P118 # والسلاطين، لا يصيبه أحد بنفع ولا ضرر، أو زيادة ونقص (1) . # والنوع الثاني أن يقوم أحد من أبناء الملك، أو زوجاته، أو من أولع بحبه، ~~بشفاعة لهذا السارق، فيضطر الملك إلى العفو عنه، بدافع من حب هذا الشافع ~~وغرامه، وهذا يسمى شفاعة المحبة، فإن هذا الملك رأى أن كظم الغيظ في هذا ~~المحل، والعفو عن مجرم واحد خير مما يصيبه من الكمد، والكآبة التي تحيط به، ~~وتكدر صفو حياته، إذا سخط عليه هذا المحبوب، أو الحظي، وعاتبه، وأعرض عنه. # ومن المعلوم أنه لا مجال لهذا النوع كذلك في حق الله، ومن ظن بأحد أنه ~~شفيع عند الله من هذا النوع، فقد أشبه الأول في الشرك والجهالة، فإن الله ~~سبحانه وتعالى مهما خص عبدا من عباده بنعمه وحبه، ووصف بعض الملائكة بأنه " ~~رسوله كريم " (2) ، و" مكين " (3) ، PageV01P119 # و" روح القدس " (1) ، أو " الروح الأمين " (2) ، ولكن السيد هو السيد، ~~والعبد هو العبد، ولا يستطيع عبد أن يتخطى العبودية، ويتعالى على ما قدر ~~له، ووسم به من ذل الرق، وسيما العبودية، فكما أنه يخضع لسيده طائعا ~~مسرورا، وهو يعطف عليه، ويغمره برحمته، كذلك ينخلع قلبه، وتنفطر مرارة كبده ~~من هيبته وجلاله. ### | الشفاعة الثابتة في الإسلام # والنوع الثالث: أن السارق تحققت عليه الجريمة، ولكنه لم يتخذ السرقة ~~ديدنا وحرفة، ولكنه ارتكب هذه الجريمة بنزوة من نزوات النفس، فهو نادم على ~~فعلته، وهو وجل خجل يجل قانون ملكه، ويعتبر نفسه مخطئا يستحق العقوبة، إنه ~~لا يلوذ بكنف أمير أو وزير هربا من الملك، ولا يدل بنصرة أحد، ولا يعتمد ~~عليها، إن عينه شاخصة إلى الملك، وإن آماله منوطة به لا غير، يتطلع إلى ما ~~يصدر من الملك في أمره، وإلى ما يأمر به، فلما رآه الملك بهذه الحال من ~~القلق، وانقطاع الآمال، والتقلب بين الخوف والرجاء رق له قلبه، ورثى لحاله، ~~ولكنه يعرف أنه إذا صفح عن جريمته من غير سبب، تطرق الوهن إلى قانونه، ~~ونظام مملكته، واستخف الناس بهذا القانون، وزالت عنهم مهابته، فأوعز إلى ~~أمير أو ms33 وزير فقام بشفاعته عنده، وأبدى الملك أنه يريد أن يكرم هذا الأمير ~~بقبول شفاعته، فعفا عن هذا السارق وبشفاعة الأمير، والظاهر أن هذا الأمير ~~لم يشفع لهذا السارق، لأنه يتصل به بنسب أو صداقة، أو أنه PageV01P120 # تكفل بنصرته، ولكنه شفع له لأنه اطلع على رغبة الملك، وهذا النوع من ~~الشفاعة يسمى " الشفاعة بالإذن ". # فليعلم أنها هي الشفاعة المأذونة الممكنة، وكل شفاعة يتحدث عنها القرآن ~~والحديث، فهي الشفاعة المأذون لها، فيجب على الإنسان أن يظل داعيا لله ~~تعالى، مشفقا منه، مستغيثا به، مقرا بذنوبه بين يديه، مؤمنا بأنه ربه ~~وناصره، لا يعرف له - إذا سرح طرفه، وأرسل خياله - ملجأ ولا ملاذا إلا ~~الله، فلا يعتمد على نصرة سواه، فإنه غفور رحيم، سيفرج الكرب، ويكشف الغم ~~بفضله، ويغفر الذنوب جميعا برحمته، ويأمر من يشاء بشفاعته، فكما أنه يجب أن ~~يكل إليه جميع حاجاته ومآربه، يتحتم عليه أن يكل إليه أمر نصرته وشفاعته، ~~يختار لها من يشاء، ويأمر بها من يشاء، عوضا عن أن يبحث له عن شفيع ومدافع، ~~فيعتمد عليه اعتمادا ينسيه الاعتماد على الله، ويشغله عنه، ويستهين بأحكام ~~الشريعة، ويتخذ ما يدعو إليه هذا الشفيع أو الوكيل من طريق، وما يسلكه من ~~سبيل، شرعة ومنهاجا، ويفضلها على دين الله، وشريعة رسوله، وسنة نبيه، فإنها ~~سبة، تبرأ منها جميع الأنبياء والأولياء، ومقتوها، وهم لا يشفعون لمن تلبس ~~بها، بل يسخطوا عليه ويعاندونه، لأن سر كرامتهم، ومناط شرفهم، أنهم كانوا ~~يريدون مرضاة الله على مرضاة # أزواجهم، وأولادهم، وتلاميذهم، وأتباعهم من عبيد وخدم، وأحبة وأصحاب، ~~فإذا عارض منهم أحد أمرا من أوامر الله تعالى، أو حارب الله ورسوله، عادوه ~~وحاربهم، وما ظنك بهؤلاء العامة الذين لا يتصلون بنسب أو صداقة، أو حب، حتى ~~يقوم هؤلاء بنصرتهم، ويحاجوا الله فيهم، ويكونوا للخائنين خصيما، بل الأمر ~~بالضد، فالحب لله، والبغض لله، قد أصبح شعارا ودثارا، فإذا قضى الله # PageV01P121 # بإدخال هؤلاء المجرمين في النار أطاعوا الله في أمره، وسعوا في سرعة ~~وصولهم إلى قعر جهنم، وتنافسوا في ms34 الإعانة على ذلك. ### | لا داعي إلى الاعتصام بغير الله: # أخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه، قال: «كنت خلف رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يوما، فقال: " يا غلام احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده ~~تجاهك، إذا سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو ~~اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو ~~اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت ~~الأقلام وجفت الصحف» . # ومعنى الحديث أن الله سبحانه وتعالى ملك الملوك، ليس شأنه شأن الملوك، ~~الذين يأخذهم السفه، ويميل بهم التيه، فلا يرقون لمملوك، ولا يعطفون عليه، ~~وإن بالغ في التضرع والاستغاثة، لذلك لجأ كثير من رعية الملوك، وأهل ~~مملكتهم إلى الأمراء، فتوسلوا بهم عند هؤلاء الملوك، وتمسكوا بأهدابهم، ~~ولاذوا بحماهم ليميلوا إليهم، ويشملوهم بعطفهم، ويعفوا عن خطاياهم، تحقيقا ~~لرغبة هؤلاء الشفعاء، أو وجاهة أولئك الأمراء والعظماء، بل هو في منتهى ~~الكرم والرحمة، لا ينسى أحدا، ولا يغفل عن أحد، شفع شفيع، أو لم # PageV01P122 # يشفع، وليس له مجلس كمجالس الملوك، والسلاطين. # بل إن الله أقرب إلى عبده من حبل الوريد، فمن أقبل عليه بقلبه، أقبل عليه ~~بعطفه، ووجده تجاه نفسه، ليس بينه وبين ربه حجاب إلا الغفلة والجهالة، فمن ~~بعد عنه بعد بغفلته، ومن حرم رحمته حرم بجهالته ومعصيته، وهو أقرب من كل ~~قريب، ألا يعرف من دعا شيخا، أو نبيا، وناداهما لنصرته، ليقرباه إلى الله ~~زلفى، أن الشيخ والنبي بعيدان عنه، والله قريب منه، ومثله مثل رجل جالس ~~وحده عند الملك، وقد أقبل عليه الملك يسمع طلبه، وما يبديه من حاجة أو ~~رغبة، فانصرف هذا الرجل الجاهل عن الملك، وبدأ ينادي أميرا أو وزيرا، وهما ~~بعيدان، وسألهما أن يبلغا حاجته إلى هذا الملك العظيم، وهو لا يخلو عن ~~حالين: إما أنه أعمى، وإما أنه مجنون. # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بأن العبد إذا سنحت له ~~حاجة اضطرته ms35 إلى السؤال فليسأل الله، وأنه إذا كان في حاجة إلى إعانة، أو ~~إغاثة فليستعن بالله، وأنه قد رفعت الأقلام، وجفت الصحف، فلا ماحي لما ~~أثبته الله، ولا مثبت لما محاه الله، وأن القضاء واقع، والأمر محتوم، وإن ~~اجتمع الناس كلهم صغيرهم وكبيرهم على أن ينفعوا أحدا، أو يضروه، لم يجاوز ~~ذلك قدر الله. ### | الصالحون من عباد الله لا يملكون إلا الدعاء والسؤال من الله: # وقد ثبت من هذا الحديث أن ما يعتقده كثير من الجهلة والغوغاء، # PageV01P123 # أن الله سبحانه وتعالى قد أذن للأولياء أن يغيروا قضاء الله وقدره، فرب ~~رجل لم يرزقه الله ولدا، يرزقه هؤلاء الأولياء أولادا، ورب رجل انتهى أجله، ~~وحضرته الوفاة، زادوا في عمره؟ وهذا كله باطل، إن الحقيقة أن الله قد يقبل ~~دعاء عبده، وقد لا يقبل، ويمتاز الأنبياء والأولياء عن عامة الناس بأن أكثر ~~دعواتهم مقبولة، وهم مستجابو الدعاء، ولكن التوفيق بيد الله فيلهمهم الدعاء ~~ويتقبل منهم، والدعاء والاستجابة كلاهما مقدران، قد جرى بهما قلم القضاء، ~~ولا يقع في العالم شيء إلا ومضى به علم الله، وجرى به القلم، فلا يخرج شيء ~~من دائرة القضاء والقدر، ولا يقدر أحد على عمل إلا ما قدر في علم الله، ولا ~~يملك نبي أو ولي، إلا أن يسأل الله ويدعوه، لا حيلة له ولا سبيل إلا هذا ~~السؤال والدعاء، وإذا شاء أجاب سؤله، وقضى حاجته، وإذا شاء منعه لحكمة ~~يعلمها. ### | المؤمن الموحد رابط الجأش ناعم البال، وضعيف العقيدة مشتت الفكر موزع النفس: # من المشاهد أن الإنسان إذا تعلق قلبه بشيء واستحوذ عليه، أو ألمت به ملمة ~~فلم تنفرج، تشتت فكره، وذهب في طلب الغوث كل مذهب، وهام في كل واد، وقد ~~تسول له نفسه أن يستصرخ النبي الفلاني، وقد تزين له أن ينادي فلانا من ~~الأئمة، وقد يجول بخاطره أن ينذر لفلان من المشايخ، وكذا من الشهداء، أو ~~يخضع لجنية فلانية، أو يرجع إلى المنجم الفلاني، أو الرمال الفلاني، وقد ~~تحدثه نفسه بأن يراجع سادنا، أو إماما من ms36 أئمة المساجد الذين اتخذوا هذه # PageV01P124 # الأمور حرفة، فيطلب منه أن يبحث عن الفال في كتاب، ومن هام في كل واد، ~~واتبع كل ناعق، صرف الله عنه عنايته وأخرجه من عباده الصادقين، وأخطأ طريق ~~التربية والهداية الربانية، وظل يهيم في هذه الأودية، ويتيه في مهامه ~~الأوهام والأحلام إلى أن يتلف ويهلك، فمنهم من تمذهب بمذهب الدهريين، ومنهم ~~من سلك مسلك الملحدين، ومنهم من دخل في غمار المشركين، ومنهم من ابتلي ~~بالسفسطة. # وأما من توكل على الله، ولم تتشعب به المذاهب عده الله وفتح الله عليه ~~طريق الهداية، وهدى قلبه، فأذاقه حلاوة الإيمان، وغشيته غاشية من السكينة، ~~ورزق من اجتماع الخاطر ورباطة الجأش، وبرد اليقين، وهدوء النفس ما لا سبيل ~~إليه لمن تثبت فكره، وتفرق هواه، ثم إنه لا يخطئه ما قدر له وقسم، ولكن ~~ضعيف العقيدة متشتت البال يعاني الحزن والقلق من غير جدوى، والمؤمن ~~المتوكل، الموحد ينعم بالهدوء، والطمأنينة والسكينة. # ومعنى ذلك أن الله عز وجل وعلا لا يقاس على ملوك الدنيا، فإنهم يباشرون ~~الأمور الخطيرة ويتولونها بأنفسهم، أما الأمور التافهة فيكلونها إلى الخدم ~~والموظفين، فيلجأ الناس إليهم في هذه الأمور التي ليست ذات خطر وشأن، وليس ~~الأمر كذلك فيما يختص بالله تعالى، فإنه هو القادر المطلق الذي يقدر على أن ~~يصلح ما دق وجل من الأمور، وإن كانت في عددها وانتشارها كنجوم السماء، ~~ورمال الدهناء، وليس لأحد تصرف في مملكته، فيحب أن يطلب منه الأمر التافه ~~كما يحب أن يطلب منه الأمر الجليل، والعطاء الجزيل، لأن أحدا لا يملك شيئا ~~سواء الصغير منه والكبير، والدقيق والجليل. # PageV01P125 ### | تحذير النبي صلى الله عليه وسلم لأهل قرابته من الاعتماد على نسبه إليه وقرابته منه # والاستغناء بهما عن العمل: # وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: لما نزلت: {وأنذر عشيرتك الأقربين} ~~[الشعراء: 214] ، دعا النبي صلى الله عليه وسلم قرابته، فعم وخص، فقال: «يا ~~بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا، أو ~~قال فإني لا أغني عنكم ms37 من الله شيئا ويا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من ~~النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من ~~النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من ~~النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من ~~النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم ~~من النار، فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، ويا فاطمة أنقذي نفسك من النار، ~~سليني ما شئت من مالي فإني لا أغني عنك من الله شيئا» . # ومن المشاهد المجرب أن الذين يتصلون بأحد الصالحين أو المشايخ بنسب ~~يعتمدون على نصرته، وقد يأمنون مكر الله ثقة بهذا النسب، وتيها ودلالا بهذه ~~الزلفى، لذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحذر من يتصل به بنسب أو ~~قرابة عن هذا الغرور، والاسترسال في الأماني والأحلام، وقد فعل # PageV01P126 # ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فعم وخص، ولم يترك في هذا التحذير بنته ~~التي هي بضعة منه، وأحب الخلق إليه، وقد أوضح صلى الله عليه وسلم أن ~~الإنسان يوفي حق قريبه، ويصله فيما يملكه فحكمهم في ماله، وخيرهم أن يسألوه ~~ما شاءوا، أما أمور الآخرة أو الحساب والكتاب فإنه لا يملك منها شيئا، ولا ~~يستطيع أن يدافع عن أحد، أو يحتج لأحد، فيجب على كل واحد أن يعنى بإصلاح ~~شئونه، ويسعى في الخلاص من النار، وقد دل هذا الحديث على أن القرابة أو ~~النسب لا يغنيان عن الإنسان شيئا، ولا ينفعان عند الله. # PageV01P127 ### | الفصل الرابع # في رد الإشراك في العبادة # (1) ### | الدعوة إلى التوحيد الخالص، ونبذ الشرك، قديمة ومتصلة: # قال الله تعالى: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين} {أن لا ~~تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} [هود: 25 - 26] . ~~PageV01P131 # فقد دلت هذه الآية على أن الصراع بين المسلمين والكفار بدأ من عهد نوح ~~عليه السلام فما زال الصادقون ms38 من عباد الله ينهون عن أن يعظم أحد من الخلق ~~تعظيما يليق بالله تعالى، وعن أن تصرف إليه أعمال تقصد منها غاية التعظيم، ~~والذل والتواضع، وهي مختصة بالله تعالى، وظلت الحرب قائمة بين الفريقين على ~~قدم وساق، لم تضع أوزارها. ### | السجود بجميع أنواعه لا يجوز إلا لله تعالى # وقال الله تعالى: {لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن ~~كنتم إياه تعبدون} [فصلت: 37] . # فقد دلت هذه الآية على أن السجدة من أعظم شعائر العبادة، وهي مختصة ~~بالخالق جل وعلا، فلا تجوز لمخلوق، وقد تساوى في هذه الصفة القمر والشمس، ~~والنبي والولي، ومن قال إنه قد جاز السجود في الأديان القديمة لبعض ~~المخلوقات، ونقل ذلك بالخبر الصحيح، فصح سجود الملائكة لآدم، وسجود يعقوب ~~ليوسف، فلا بأس أن نسجد لشيخ أو ولي، وهذا باطل (1) ، فقد جازت أشياء في ~~الأديان السابقة، وحرمت في ديننا، وقد أبيح النكاح بالأخوات الشقيقات في ~~عهد آدم، فهل يبيح هؤلاء المحتجون بهذه الدلائل أن يتزوج الإخوة أخواتهم؟ . # والأصل أن العبد مكلف بامتثال أمر ربه، فعليه أن يمتثل أمره عن رضا ~~وطواعية نفس، لا يجد في نفسه حرجا مما أمر به، ولا يحاج ولا يتشبث بأمور ~~الأولين وأخبارهم، لأن هذا يؤدي إلى الكفر، ومثل ذلك PageV01P132 # أن ملكا أصدر مرسوما في مملكته، وبقي هذا الأمر مدة، ثم نسخ، وأبدل ~~بمرسوم آخر، فمن قال: إني سأظل متمسكا بالمرسوم الأول، ولا أقبل المرسوم ~~الجديد، اعتبر خارجا على الملك محاربا له. ### | ضلال الناس فيمن يعتقدون فيهم الصلاح والفضل # وقال الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا} {وأنه لما ~~قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا} {قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به ~~أحدا} [الجن: 18 - 20] . # والعادة أن الإنسان إذا أخلص في الدعاء والنداء، وصح ما بينه وبين الله، ~~اعتقد الناس أنه بلغ في الولاية والروحانية منزلة يقدر فيها على أن يعطى من ~~شاء ما شاء، وينزع ممن شاء ما شاء، فيتهافتون عليه تهافت الفراش على النور، ~~ويكادون ms39 يكونون عليه لبدا، فينبغي لهذا العبد الصالح أن يبين الحقيقة، ~~ويميز الحق من الباطل، فينهى عن دعاء غير الله، وينفي عن الخلق القدرة على ~~النفع والضر، ويوضح أن من دعا غير الله، ورجا منه النفع، ودفع الضر فقد ~~أشرك، ويعلن أنه بريء من هذا الشرك، غير راض عن هذا العمل. # وقد دلت هذه الآية على أن المثول بغاية الأدب والتواضع - كما كان الشأن ~~في مجالس ملوك فارس، وكما هو الشأن في معابد الوثنيين عند الأصنام ~~والهياكل، والسدنة والكهان - أمام شيخ صالح، أو عظيم المنزلة في الروحانية ~~والربانية، كأنه في الصلاة، ونداؤه من قريب وبعيد، واللهج باسمه باستمرار، ~~كأنه اسم من أسماء الله الحسنى، من # PageV01P133 # الأعمال التي خصها الله لتعظيمه، ومن أشرك فيها غيره، فقد أشرك بالله. ### | المناسك ومظاهر التعظيم الأقصى وشعائر الحب والتفاني # ، خاصة بالبيت والحرم: # وقال الله تعالى: {وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين ~~من كل فج عميق} {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} {ثم ليقضوا ~~تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق} [الحج: 27 - 29] . # ومعنى ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد خصص أمكنة لتعظيمه، كالكعبة، وعرفات، ~~والمزدلفة، ومنى، والصفا والمروة، ومقام إبراهيم، والمسجد الحرام كله، ومكة ~~كلها، والحرم كله، وألهم الناس شوقا لزيارتها، والحنين إليها، فيتوجهون إلى ~~هذه الأمكنة رجالا وركبانا، ويأتون إليها من كل واد عميق، ومرمى سحيق، ~~ويتجشمون في سبيلها مشاق السفر، وعناء التنقل، يصلون إليها غبرا شعثا، ~~متبذلين في الثياب، زاهدين في الشارات والمظاهر، فيذبحون هنالك الأنعام لله ~~تعالى، ويوفون نذورهم، ويطوفون بالبيت، ويقضون لبانتهم من تعظيم الله ~~تعالى، الذي غمر نفوسهم وقلوبهم، ويرضون # PageV01P134 # هنالك عاطفة الحب والحنان، التي ملكتهم. # ويذهبون في ذلك مذاهب شتى، ويتفننون فيه، فمنهم من يستلم عتبة البيت ~~ويقبلها، ومنهم من يقف داعيا أمام الباب، ومنهم من يتضرع متشبثا بكسوة ~~الكعبة، ومنهم من يعتكف عنده، فيصل بياض النهار بسواد الليل عاكفا على ~~عبادة الله، ms40 منصرفا إلى ذكره، إلى غير ذلك من مظاهر التعظيم، وشعائر الحب ~~والتفاني، والله يرتضيها ويثيبهم عليها في الدين والدنيا، فلا تجوز هذه ~~الأعمال - المختصة بهذه الأمكنة - لتعظيم شيء آخر، شخصا كان أو قبرا، أو ~~مكان عبادة لرجل صالح، أو نصبا لصنم. ### | الحج وأعماله لا تجوز إلا للبيت # ومن الشرك أن يقصد الإنسان هذه الأمكنة من أنحاء بعيدة، ويشد إليها ~~الرحال، ويتجشم في سبيلها المشاق، والمصاعب، يصل إليها متبذلا متوسخا أغبر ~~أشعث، ويذبح هنالك الأنعام، ويوفي بالنذور، أو يطوف حول قبر أو بيت، ويتأدب ~~مع الغابة التي تحيط بهذا المكان، ولا يصطاد هناك صيدا، ولا يعضد شجرة، ولا ~~يقتطع عشبا، ويرجو من ذلك الثواب والنفع في الدنيا والآخرة (1) ، لأن هذه ~~الأعمال كلها مختصة بالخالق جل وعلا. PageV01P135 ### | تخصيص الحيوانات للصالحين، والتقرب باحترامها ونذرها وذبحها إليهم حرام: # قال الله تعالى: {أو فسقا أهل لغير الله به} [الأنعام: 145] . # والمراد به دابة أو حيوان خصص لغير الله، فلا يمس بسوء، ويعيش مدللا ~~محترما، وإذا ذبح ذبح إرضاء لمن خصص به، وتقربا إليه (1) ، فإنه حرام ونجس، ~~كالخنزير، والدم، والميتة، لا فرق بينها وبين هذا الحيوان، ولم تقيد الآية ~~بأن يذكر عليه اسم مخلوق عند الذبح (2) ، بل PageV01P136 # إنها اقتصرت على أن كل حيوان نسب إلى مخلوق واشتهر به حرام ونجس، كالبقرة ~~المنسوبة إلى السيد أحمد الكبير، أو التيس المنسوب للشيخ سدو (1) ، فكل ~~حيوان دجاجة كانت أو بعيرا نسب إلى مخلوق " تقربا إليه " واشتهر بهذه ~~النسبة، كان حراما ونجسا، سواء نسب إلى ولي أو نبي، أو أب أو جد، أو عفريت ~~أو جنية، ومن فعل ذلك، تحقق عليه الشرك. ### | شركاء متشاكسون، وأسماء من غير مسميات: # قال الله تعالى: {يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار} {ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله ~~بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [يوسف: 39 - 40] . # من المقرر أن العبد الذي كان ms41 فيه شركاء متشاكسون في نصب وعذاب، إن العبد ~~هو الذي كان له سيد قاهر يتكفل بقضاء حاجاته، وإصلاح شؤونه. # وبصرف النظر عن ذلك، فإنه لا وجود لهؤلاء السادة الأرباب الذين يشركهم ~~الجهال في ملك الله وملكوته، إنما هم من نسج الخيال، فمن الجهال من يتخيل ~~أن فلانا بيده إنزال الأمطار، وإرسال السحاب، وفلانا بيده الإنبات وإخراج ~~الحب، ومنهم من يرزق الأولاد، ومنهم من PageV01P137 # يمنح الصحة والشفاء، ثم يخرقون لها أسماء، فيسمون بعضها ببعض الأسماء ~~التي يخترعونها، ثم يعكفون عليها عبادة ودعاء، ونداء، ثم يمضي على ذلك زمان ~~فينتشر في الناس، ويتمسكون بهذه العقائد والعادات، وما هي إلا تخيلات، لا ~~وجوب لها في الحقيقة، فليس لهذه المسميات وجود في العالم (1) ، وإذا وجد ~~أحد بهذا الاسم فإنه لا سلطان له في هذا الكون، ومجاري الأمور، والذي يملك ~~أزمة الأمور، هو الله وحده، وليس من أسمائه محمد أو علي، أما الذين سموا ~~بهذه الأسماء، فهم لا يملكون من هذا العالم شيئا، أما الذي ينادى بمحمد أو ~~بعلي، ثم يملك هذا العالم، فلا وجود له البتة، إنما هي أسماء سماها الجهال، ~~وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان، ومن عارض أمر الله بأمره رفض ولم تكن ~~له قيمة، وقد نهى الله عن الاسترسال في أمثال هذه الأوهام والأحلام. وإن لب # الدين وجوهره هو أن يمتثل العبد أوامر الله، ويؤثرها على كل أمر، وعلى كل ~~ما شاع في الناس من الأساطير والتقاليد، ولكن أكثر الناس مع الأسف لا ~~يسلكون هذا الطريق، ويؤثرون تقاليد مشايخهم وأعرافهم على أمر الله تعالى. # وقد ظهر من هذه الآية أن التمسك بشرعة ومنهاج، واللجوء إلى أمر يستند ~~إليه، هو من الأمور التي خصصها الله لتعظيمه، فمن عامل PageV01P138 # مخلوقا بذلك تحقق عليه الشرك، ولا طريق للعباد للاهتداء إلى شريعة الله ~~وأحكامه إلا الرسول، فمن آثر كلام إمام أو مجتهد، أو " غوت " أو " قطب " ~~(1) ، أو عالم أو شيخ، أو أب أو جد، أو ملك أو وزير، أو قس أو سادن، ~~وطريقتهم على ms42 قول الرسول (2) ، واحتج بقول شيخ أو أستاذ معارضا لآية أو ~~حديث، أو اعتقد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه هو الشارع الأصلي، وأنه ~~كان يتكلم عن الهوى، وما توحي إليه نفسه، فيفرض ذلك على أمته، فقد أشرك، إن ~~الحكم إلا لله، والرسول هو المخبر الصادق، فما وافق إخباره من كلام الناس ~~قبل، وما خالفه رد. ### | غاية التعظيم في التذلل والخشوع من حق الله تعالى: # أخرج الترمذي عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره ~~أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار» . PageV01P139 # وهذا وعيد شديد لمن أحب أن يقف الناس أمامه واضعي أيمانهم على شمائلهم في ~~غاية الأدب والتواضع، كتماثيل لا تتحرك ولا تتكلم، ولا تنظر يمينا ولا ~~شمالا، وقد أوعده الرسول صلى الله عليه وسلم بجهنم، فإنه أحب أن يعظمه ~~الناس بما يعظمون به الله إذا وقفوا للصلاة واضعي يمناهم على يسراهم في أدب ~~وخشوع، فكأنه ادعى الألوهية وتشبه بالله، وقد ظهر من هذا الحديث أن المثول ~~أمام عظيم أو كبير في أدب وتواضع لا يقصد به إلا التعظيم من الأمور التي ~~خصصها الله تعالى لتعظيمه. ### | أتعبدون ما تنحتون # أخرج الترمذي عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم ~~الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي ~~الأوثان» . # ويفهم من هذا الحديث أن الشرك نوعان: النوع الأول: أن يجعل لأحد تمثال ثم ~~يعبد، ويقال له في اللغة العربية " صنم " والنوع الثاني: أن يخصص بيت أو ~~شجرة، أو حجر، أو خشب، أو قرطاس، وينسب إلى أحد ثم يعبد، ويجل ويعظم، ويقال ~~له في العربية " وثن " (1) ، ويدخل فيه القبر، ومكان جلس فيه أحد ~~PageV01P140 # الصالحين، واعتكف للأربعين، أو عكف على العبادة والرياضة، ويدخل فيه ~~اللحد، أو عود ينسب إلى أحد الصالحين والأولياء، أو ضريح مصنوع من القرطاس ~~منسوب إلى سيدنا حسين بن علي، والعلم، و" مينهدي " فيعظمون كل ذلك، ويقدمون ~~إليه النذور، والقرابين، ويصنعون لبعض الشهداء طاقا وعلما، ms43 ومدفعا، ويقربون ~~إليه الأنعام، ويحلفون به، ويدعونه. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن المسلمين الذين يصبحون فريسة الشرك ~~والوثنية عند دنو الساعة، وفي آخر الزمان، يكون شركهم من نوع العكوف على ~~أشياء تنسب إلى السابقين، فيعتقدون في هذه الأشياء النفع والضرر، ويغلون في ~~تقديسها وتعظيمها. ### | الذبح تقربا وتعظيما من حق الله تعالى: # أخرج مسلم عن أبي الطفيل أن عليا رضي الله عنه أخرج صحيفة # PageV01P141 # فيها: «لعن الله من ذبح لغير الله» . # وقد دل هذا الحديث على أن الذبح لغير الله من الأعمال التي خصصها الله ~~لتعظيمه، ومن ذبح لغير الله فقد أشرك. ### | عودة الجاهلية في آخر الزمان # أخرج مسلم عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا ~~يذهب الليل والنهار، حتى يعبد اللات والعزى، فقلت: يا رسول الله: إن كنت ~~لأظن حين أنزل الله: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: 33] . أن ذلك تام، قال: إنه سيكون من ~~ذلك ما شاء الله، ثم يبعث الله ريحا طيبة، فتقبض من كان في قلبه مثقال حبة ~~من خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه فيرجعون إلى دين آبائهم» . # وقد دل هذا الحديث على أن للشرك القديم، والوثنية البائدة عودة # PageV01P142 # وانتشارا في آخر الزمان، وقد تحقق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~فقد بدأ الشرك القديم - الذي ظن كثير من الناس أنه قد انقرض - ينتشر بجوار ~~ما يفعله المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم، والأولياء، والأئمة، ~~والشهداء من الأعمال الشركية، فمنهم من يؤمن بتماثيل الكفار فيقلدونهم في ~~عاداتهم وتقاليدهم، مثل السؤال من سدنة الهياكل، وبيوت الأصنام، واللجوء ~~إليهم في المعضلات والمبهمات، مثل " ديوالي " في الهند و" النورز " و " ~~المهرجان " من أيام الفرس والمجوس، والاعتقاد في القمر والعقرب تحت الشعاع، ~~وهذه كلها من عادات الهنادك والمجوس التي انتشرت في المسلمين، وقد تبين من ~~ذلك أن الشرك يتسرب إلى المسلمين، إذا هجروا القرآن والحديث، وتمسكوا ~~بعادات الآباء ms44 والأجداد، وتقاليدهم. ### | فتنة الشيطان في آخر الزمان # أخرج مسلم عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«يخرج الدجال فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه، ثم يرسل الله ريحا ~~باردة من قبل الشام، لا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان ~~إلا قبضته، فيبقى شرار الناس # PageV01P143 # في خفة الطير، وأحلام السباع لا يعرفون معروفا، ولا ينكرون منكرا، فيتمثل ~~لهم الشيطان، فيقول: ألا تستجيبون فيقولون ماذا تأمرنا؟ ، فيأمرهم بعبادة ~~الأوثان، وهم في ذلك دار رزقهم، حسن عيشهم» . # وقد دل هذا الحديث على أنه ينقرض الجيل المؤمن، الراسخ في العلم، ويخلفه ~~السفهاء الذين طاشت أحلامهم، وخفت أجسامهم، وقويت ضراوتهم، وأسفوا إلى ~~مستوى الحيوانات، وفقدوا صلاحية التمييز بين الخير والشر، فلا هم لهم إلا ~~ابتزاز الأموال، والتهام الحرام، فيأتيهم الشيطان، ويقول لهم: إنه من العار ~~أن يعيش الإنسان بلا دين وطريق، فيقبلون على الدين، ويبحثون عنه، ولكنهم لا ~~يصدرون عن كلام الله ورسوله، بل يحكمون عقولهم (الحيوانية الصبيانية) ~~فيخترعون طرقا في الدين، ويتردون في مستنقع الشرك، فيوسع لهم في الرزق، ~~ويطيب عيشهم، فيزدادون بذلك إيغالا في الشرك، وبعدا عن الهدى، اغترارا ~~بأنهم كلما ازدادوا هياما بهذه الأنصاب والأوثان، ازدادوا سعة في الرزق، ~~ونجاحا في المآرب. # فيجب أن يحذر الإنسان مكر الله، لأن العبد قد يكون مشركا، طالبا من غير ~~الله تحقيق أمانيه، وقضاء مآربه، فيقضي الله حاجاته، ويعطيه سؤله امتحانا ~~وإمهالا، ويحسب أنه يحسن صنعا، فلا يثق الإنسان بالنجاح ولا بالخيبة في ~~الأماني والرغبات ولا يجعلهما ميزانا لخير أو شر، # PageV01P144 # وحق أو باطل، ولا يترك دين الحق دين التوحيد، لعدم تحقق بعض الرغبات ~~والخيبة في بعض الآمال. # وقد دل الحديث على أن الإنسان مهما غاص في المعاصي، وطرح الحشمة والحياء، ~~ولم يقصر في أكل أموال الناس بالباطل، ولم يميز بين الخير والشر، كان أفضل ~~من المشرك، وممن يعبد غير الله، لأن الشيطان يرضى بأن يقلع الإنسان عن هذه ~~السيئات، ويكشف عن الذنوب، ويتمسك ms45 بالشرك. # وأخرج الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة» . # وقد دل هذا الحديث على حرمة الطواف حول كل بيت إلا حول البيت العتيق، ~~الذي هو بيت الله، وضع مباركا وهدى للناس. # PageV01P145 ### | تغيير خلق الله بأمر الشيطان: # وقد أعلن الشيطان أمام الله أنه لا بد أن يتخذ من عباده نصيبا # PageV01P149 # مفروضا، ويضلهم ويمنيهم، ويأمرهم، فيبتكون آذان الأنعام تقربا إليه، ~~ويدخل في ذلك كل إشعار لحيوان تقربا إلى إله أو إلهة، وقد وعدهم الشيطان ~~بأنه يأمرهم فيغيرون خلق الله بتغيير دينه بالشرك والابتداع. ### | جحد المشركين بنعمة الله، وتفننهم في تعظيم غير الله وشكره: # وقال الله تعالى. {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن ~~إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن ~~آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين} {فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما ~~آتاهما فتعالى الله عما يشركون} [الأعراف: 189 - 190] . # وقد دلت الآية على قلة وفاء الإنسان وكنوده، وكفره بالنعمة، فقد خلقه ~~الله، ورزقه زوجا يأنس بها، وجعل بينهما مودة ورحمة، فلما قرب المخاض، دعوا ~~الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فلما رزقا الولد، أقبلا ~~على غير الله بالخضوع والنذر، وتقديم القرابين، فمنهم من يأخذ الولد إلى ~~قبر، ومنهم من يحمله إلى نصب، أو الأولياء المقربين، ومنهم من يقلده قلادة، ~~ومنهم من يقيد رجله بقيد، ومنهم من يسمي ولده عبد النبي، والله غني عن ~~عبادتهم ونذورهم، فلا يضرونه، ولا ينقصون من ملكه شيئا، ولكن على أنفسهم ~~يجنون، ويستحقون سخط الله ولعنته. ### | تطفيف الكيل مع الله، وإيثار غيره عليه: # وقال الله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام # PageV01P150 # نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى ~~الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون} [الأنعام: 136] . # وهذا شأنهم في الزروع، فهم يطففون الكيل مع الله، ويكفرون نعمة الله، ms46 فهم ~~أكثر أدبا، وأشد دقة في استيفاء ما قسموا لشركائهم، فلا يتساهلون فيه، ولا ~~يسمحون بأن تعبث به يد، أو يعتدي عليه معتد، أما ما كان لله فمعرض للخطر ~~والتلف، والزيادة والنقصان، ينقص ولا يزداد، وما ضم منه إلى قسط الشركاء ~~فلا بأس به (1) . ### | شرع ما لم يشرع، والتزام ما لا يلزم: # وقال الله تعالى: {وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء ~~بزعمهم وأنعام حرمت ظهورها وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه ~~سيجزيهم بما كانوا يفترون} [الأنعام: 138] . # والمقصود أن الناس يشرعون شرائع، ويلتزمون التزامات، ليس مصدرها وحي أو ~~تشريع إلهي، إنما هي مجرد الأهواء والظنون، فيقولون: الطعام الفلاني محظور ~~مقدس يتناوله فلان، ولا يمسه فلان، وقد يسيبون أنعاما ويحرمون ظهورها، فلا ~~يركبها أحد، ولا يحمل عليها PageV01P151 # حمل، فإنها خصصت لفلان، وقصد بها التقرب إليه فيجب تعظيمها، وأنعام لا ~~يذكرون اسم الله عليها، وإنما ينوون بها التقرب إلى غير الله، والذبح ~~باسمه، ثم يعتقدون أنهم بذلك ينالون رضا الله، ويقضي الله بذلك حاجاتهم، ~~وكله افتراء سيلقون جزاءه. # وقال الله تعالى: {ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام} ~~(1) {ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: ~~103] . # وقد ذكر الله أن شيئا من ذلك لم يشرعه الله، إنما هو افتراء منهم، وقد ~~دلت الآية على أن تخصيص دابة باسم رجل ممن يعتقد فيهم " القدرة على النفع ~~والضرر، والحماية والنصر " وإشعارها بذلك، وتعيين أن لا يتقرب إلى فلان إلا ~~ببقرة، ولا إلى فلان إلا بشاة، ولا إلى فلان إلا بدجاجة، كلها تشريعات ~~باطلة، ما أنزل الله بها من سلطان، والتزامات ليس مصدرها إلا السفاهة، ~~والهذيان، ومعارضة أحكام الله وشريعته. # وقال الله تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام ~~لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون} [النحل: ~~116] . PageV01P152 # والمقصود النهي عن الاستبداد والافتيات، في التحليل والتحريم، والإباحة ~~والمنع، اعتمادا على الأهواء والأعراف، والتقاليد، والعادات، فإن ms47 هذا من ~~التشريع في الدين، والتشريع من حق الله سبحانه وحده. # أما ما يعتقده بعض الناس، أن من فعل كذا تحققت مطالبه، وإلا أصيب ~~بالإخفاق، وتطرق إليه الفساد، فهذا لا أصل له، فإنه لا يفلح المفتري على ~~الله. ### | اعتقاد التأثير في الأنواء والكواكب في العالم، إشراك بالله: # أخرج الشيخان عن زيد بن خالد الجهني، قال: «صلى بنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف ~~أقبل على الناس فقال: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، ~~قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ~~ورحمته، فذلك مؤمن بي، وكافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك ~~كافر بي، ومؤمن بالكواكب» . # PageV01P153 # ومغزى الحديث أن من اعتقد للنجوم تأثيرا في العالم، وما يحدث فيه من ~~الحوادث، كان عند الله ممن كفر به، وعبد النجوم، ومن عزا كل ما يحدث في ~~العالم من خير وشر، ومن حوادث وأمور إلى الله وحده كان عند الله من عباده ~~المقبولين، الذين تبرأوا من عبادة النجوم والكواكب. # وقد دل الحديث على أن الإيمان بأن من الساعات ما تأتي بالسعد ومنها ما ~~يأتي بالنحس، وسؤال المنجمين عن ساعة سعد ونحس، والاعتماد على ما يخبرون ~~به، من الشرك، فإن لها صلة بالنجوم، والإيمان بالنجوم وتأثيرها من خصائص ~~عبادته. ### | الاعتماد على العرافة والكهانة، والمخبرين بالمغيبات، كفر: # أخرج رزين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من اقتبس ~~بابا من علم النجوم بغير ما ذكر الله، فقد اقتبس شعبة من السحر، المنجم ~~كاهن، والكاهن ساحر، والساحر كافر» . # ومعلوم أن الله تبارك وتعالى قد ذكر النجوم والكواكب في كتابه، فإنها آية ~~من آيات الله، وتنطق بقدرته وحكمته، وقد زين الله بها السماوات الدنيا، وهي ~~رجوم للشياطين، ولم يذكر أن لها دخلا في ملكوت السماوات والأرض، أو صلة ~~بسعادة البشر وشقائهم، فمن عدل عما ذكره الله من فوائدها إلى ما ms48 لم تخلق له ~~هذه النجوم، ويستدل # PageV01P154 # بها على الغيب، وتودد إلى الجن، كما يفعل السحرة بالإيمان بهم وندائهم، ~~وتقديم النذور والقرابين إليهم، فهذا كله من الكفر. # أخرج مسلم عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم يقبل له صلاة أربعين يوما» ~~. # وقد عرفنا من هذا الحديث أن من أتى العراف الذي يدعي الإخبار بالغيب، لم ~~تقبل عبادته أربعين يوما، لأنه قد أشرك، والشرك يطمس نور العبادات كلها، ~~ويدخل في هذا الحكم المنجمون والرمالون، ومن يدعي الاطلاع على الغيب، ~~والإخبار به عن طريق الاستخارة بالقطع والبت. ### | مظاهر ضعف الاعتقاد والسخافة في أهل الجاهلية، ومقلديهم من المسلمين: # ويؤيد هذا الحديث أحاديث أخرى صحيحة، منها ما أخرج أبو داود، عن قبيصة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العيافة، والطرق، والطيرة، من الجبت» . # PageV01P155 # وما أخرج أبو داود عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك» . # وقد اعتاد العرب التطير، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ~~مرة بعد أخرى ليقلع الناس عن هذه العادة. # وقد اشتهر في جهال العرب أن من قتل ولم يؤخذ بثأره، خرج من هامته طائر، ~~يقال له الهامة، وهي كالبومة، فما تزال تستغيث، وتهيم على وجهها، حتى يؤخذ ~~بثأره، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه باطل، فمن زعم أن الإنسان ~~يتمثل بعد موته بحيوان، فقد كذب على الله، وكان من الاعتقادات الشائعة في ~~العرب أن بعض الأمراض، كالجرب والجذام، تتعدى، وتنتقل من إنسان إلى آخر، ~~وهي كلها اعتقادات باطلة، وشائعات لا أصل لها. # وقد اشتهر عندهم أن الأمر الفلاني لم يوافق فلانا، وأنه لم يوفق فيه، ولم ~~يكن النجاح حليفه، وإن كان لليمن والشؤم أصل، فهما في الدار، والفرس، ~~والمرأة، فقد تكون ميمونة مباركة، وقد تكون تعسة مشئومة، ولكن لسان النبوة ~~لم يحدد السبيل إلى معرفة ذلك، حتى يحكم ms49 الإنسان بيمنها وشؤمها، وما عينه ~~الناس من أمارات لذلك مثل الدار التي يصور الناس على بابها، وعلى ميزابها ~~فم الأسد، ومثل أن يكون على جبين الفرس مثل نجم، وأن تكون المرأة سوداء ~~اللسان، فهي مشئومة، فلا أصل له، بل يجب على المسلمين أن لا يحتفلوا # PageV01P156 # بأمثال هذه الترهات، ويجب عليهم إذا اشتروا بيتا جديدا، أو استأجروه أو ~~ظفروا بجواد، أو تزوجوا عقيلة أو جارية، أن يدعوا الله أن يقدر فيها الخير، ~~ويبارك فيها، ويتعوذوا بالله من شرها، وشر ما جبلت عليه، ولا يشغلوا نفوسهم ~~بالحكم على أمور قد مضت، فيقولوا وافقنا الأمر الفلاني، ولم يوافقنا الأمر ~~الفلاني. # أخرج البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~عدوى (1) ولا هامة ولا صفر» . # وقد اشتهر في الجهال أن الذي أصيب بالنهامة فيأكل ولا يشبع، ويسميه ~~الأطباء بجوع الكلب، والعامة بجوع البقر، فقد دخل في بطنه عفريت أو شيطان ~~يأكل كل ما يتناوله الإنسان فلا يشبع، وكانوا يسمونه PageV01P157 # بصفر (1) ، وهو الذي جاء نفيه في هذا الحديث. # ومعنى ذلك أن ما يعتقده الناس في بعض الأمراض أنها من تأثير الشياطين، ~~والعفاريت، وأنها من تصرفاتهم، باطل لا أصل له، مثل ما ذكرنا عن مرض الجدري ~~وغيره من الأمراض التي يربطها المشركون في الهند ببعض الآلهة، والقوى ~~المتصرفة في العالم - زعموا -. # وقد اشتهر في الجهال أن شهر صفر نحس، يجب أن يكف الناس فيه عن أعمال ذات ~~قيمة وخطر، مثل الزواج، والأسفار، والتجارات، والمعاملات (2) ، ويدخل في ~~ذلك ما يعتقده جهال الهند أن الأيام الثلاثة عشر الأولى من شهر صفر مشئومة ~~نحسة بصفة خاصة، ينزل فيها البلاء، ويسمونها " تيره تيزي " (3) فتفسد ~~الأعمال وتحبط المساعي، وكذلك يخصصون بعض الأيام من الشهر بالنحس، فيتوقفون ~~عن مباشرة بعض الأعمال المهمة فيها، بل يجب أن يكون جل الاعتماد على الله ~~تعالى، والإيمان بأنه هو الضار النافع، والمعطي المانع، والمؤثر الحقيقي في ~~الأشياء. # وقد أخرج ابن ماجه عن جابر «أن رسوله الله صلى الله عليه وسلم أخذ ms50 بيد ~~PageV01P158 # مجذوم فوضعها معه في القصعة، فقال: " كل ثقة بالله وتوكلا عليه» . ### | كل كلمة تدل على الجهل بالله وإساءة الأدب معه لا يحل السكوت عليها # أخرج أبو داود عن جبير بن مطعم قال: «أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أعرابي فقال: جهدت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق الله لنا، ~~فإنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " سبحان الله سبحان الله " فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ~~ثم قال: " ويحك، إنه لا يستشفع بالله على أحد، شأن الله أعظم من ذلك، ويحك ~~أتدري ما الله، إن عرشه على سماواته هكذا، وقال بأصابعه مثل القبة عليه، ~~وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب» . # وقد علمنا من هذا الحديث شدة استنكار النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي ~~الذي قال: إنا نستشفع بك على الله، ونستشفع بالله عليك، وكيف فزع لذلك، ~~واستشعر الخشية وهيبة الله، وجعل يسبح الله، ويكثر من التسبيح والتنزيه، ~~وتغيرت وجوه الناس من الهيبة والدهشة، وأوضح أن من يستشفع به على أحد يكون ~~عادة أحط شأنا من الذي يشفع عنده، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، فلا ~~يستشفع به عند أحد، وقد جرت # PageV01P159 # العادة أن يستشفع عند من يملك الأمر، ببعض خاصته، وأهل المنزلة عنده، ~~فيحقق الرغبة ويعطى السؤال إرضاء لهذا الشفيع، وتشريفا لقدره، والله هو ~~الذي يملك زمام الأمور، وغيره ضعيف عاجز، مفتقر إلى الله، فكيف يستشفع به ~~على أحد من خلقه، فجميع الأنبياء والأولياء إذا قيسوا بعظمة الله وجبروته، ~~كانوا أقل من ذرة، وإن العرش الذي أحاط بالسماوات والأرضين كالقبة، ليئط به ~~أطيط الرحل بالراكب، فليس في طاقة مخلوق أن يشرح عظمته أو أن يتخيلها، فمن ~~يجرؤ على أن يتدخل في مملكته، وينفذ فيها أمره، إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما ~~يريد، ولا يحتاج في ذلك إلى وزير أو مشير، يصرف أمورا لا يأتي عليها ~~الإحصاء، ولا # يبلغها الاستقصاء، في أقل من طرفة عين، فكيف يشفع عند غيره، ms51 ومن الذي ~~يستبد بالأمور دونه؟ . # يا للعجب إن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي شرفه الله على جميع خلقه لا ~~يكاد يسمع من أعرابي جلف كلمة تدل على جهله بالله، وقصور عقله، أن يملأه ~~الخوف أو المهابة، فيفيض في بيان عظمة الله التي ملأت العالم من العرش إلى ~~الفرش، وما بال أقوام طالت ألسنتهم، وحملهم الطيش والجرأة، فتشدقوا بكلام ~~تكاد السماوات يتفطرن منه، وتنشق الأرض، وتخر الجبال هدا، وبدأوا يتكلمون ~~عن الله جلت عظمته، كأن بينه وبينهم دالة أو قرابة، فقال بعضهم: إني اشتريت ~~ربي بدانق، ومنهم من يقول: أنا أكبر من ربي بسنتين، ويقول الثالث: إذا تجلى ~~ربي في صورة غير صورة شيخي، لم أرفع إليه بصري، ويقول شاعر: إني أحمل قلبا ~~قد جرح بحب محمد صلى الله عليه وسلم وعطفه، فأنا منافس لله تعالى أغار # PageV01P160 # منه على حبيبي، وقال بعضهم: قل عن الله ما شئت متفننا، واذهب في الجنون ~~مذاهب، ولكن إياك إياك أن تدخل في حمى محمد، وأن تغلب فيه على أمرك (1) ، ~~ويقول بعضهم: إن الحقيقة المحمدية أفضل من الحقيقة الإلهية، أعاذنا الله عن ~~أمثال هذه الشطحات، والافتراءات، وقد أحسن شاعر فارسي إذ قال: نسأل الله ~~التوفيق للأدب، فإن قليل الأدب بعيد # عن فضل الله. # وقد اعتاد بعض الناس إذا عرضت لهم حاجة، أو ألمت بهم ملمة، أن يقرأوا ورد ~~" يا شيخ عبد القادر جيلاني شيئا لله " (2) PageV01P161 # في عدد مخصوص، ومدة مخصوصة، ودل هذا الحديث على كراهة هذا التعبير ~~وشناعته، فإنه سؤال للشيخ عبد القادر الجيلاني، وتوسل بالله تعالى إليه، ~~والعكس أصح، فيجوز التوسل بدعاء الشيخ إلى الله، لا التوسل بالله إليه. # والحاصل أنه لا يجوز التلفظ بكلمة تشم منها رائحة الشرك، أو إساءة أدب مع ~~الله فإن الله هو المتعالى، الغني، القادر، الملك الجبار، لا يبالي بأحد، ~~إذا شاء بطش على شيء دق وصغر، وإذا شاء عفا عن كبير ولو كان مثل جبل، ولا ~~يصح أن يتكلم الإنسان بلفظ ظاهره إساءة الأدب، وباطنه الإجلال والتعظيم، ~~ويقول ms52 المتكلم تكلمت بالكلمة الفلانية وإنما أقصد غيرها، فإن الألغاز ~~والمعميات لها مجالات كثيرة، وهي لا تليق بالله تعالى، ولا نعرف عاقلا يهزأ ~~بملكه أو بأبيه، أو يستعمل معهما الصنائع البديعية، والكنايات الأدبية، ~~التي اخترعها الأدباء، بل يكون كلامه واضحا يصدر عن وعي ويدل على أدب، إن ~~مجال هذه الأساليب الأدبية هي مجالس الإخوان والنوادي الأدبية. # PageV01P162 ### | الحث على إظهار شعار التوحيد في الأسماء والتحذير من الكلام الموهم # أخرج مسلم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «إن أحب أسمائكم عبد الله وعبد الرحمن» . # ويدل هذا الحديث على أن أحب الأسماء إلى الله ما دلت دلالة واضحة على ~~عبودية العبد وذله، وعجزه أمام الله، وما كانت شعارا وعلما للتوحيد، ومنها ~~الأسماء التي ذكرت في هذا الحديث كنموذج، ويدخل فيها أسماء أخرى كعبد ~~القدوس، وعبد الجليل، وعبد الخالق، وهبة الله، وعطاء الله، وجاد المولى ~~وغيره (1) . # أخرج أبو داود والنسائي عن شريح بن هانئ عن أبيه، «أنه لما وفد إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع قومه سمعهم يكنونه بأبي الحكم فدعاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم فلم تكنى أبا ~~الحكم» . # وقد دل هذا الحديث على أن الكلمة التي لا تليق إلا بالله تعالى، والصفة ~~التي هي خاصة به، لا يجوز أن يوصف بها غيره ك " ملك الملوك " و " ملك ~~العالم " و " يفعل ما يشاء " و " أحكم الحاكمين " PageV01P163 # و " الحكيم المطلق " و " أغنى الأغنياء " (1) # ويؤيده ما أخرج في شرح السنة عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«لا تقولوا ما شاء الله، وشاء محمد، وقولوا ما شاء الله ثم شاء محمد» . # فقد جاء فيه تحريم إشراك مخلوق في فعل يختص بالله تعالى، ووصفه بصفة لا ~~تليق إلا بالله تعالى، مهما بلغ هذا المخلوق من جلالة الشأن وقرب المكان، ~~لأن الله وحده هو يملك هذا العالم ويتصرف فيه بما شاء، لا يشاركه في ذلك ~~الرسول، لأن الله ms53 وحده يعلم الغيب، أما إذا سئل أحد عن شيء في الدين، فلا ~~بأس أن يقول: الله ورسوله أعلم، أو PageV01P164 # يقول: إن الله ورسوله أمر بكذا، لأن الله قد أطلع رسوله على أمور الدين، ~~والله أمر عباده بطاعته. ### | الحلف بغير الله إشراك بالله: # أخرج الترمذي عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم يقول: ~~«من حلف بغير الله فقد أشرك» . # وأخرج مسلم عن عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ~~ليصمت» . # أخرج الشيخان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «من حلف ~~فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل لا إله إلا الله» . # PageV01P165 # وقد دلت هذه الأحاديث على أن الحلف يضر بالإيمان والعقيدة، فإذا صدر هذا ~~من مسلم، فليقل لا إله إلا الله. ### | لا يجوز النذر لغير الله ولا الذبح في مكان كان فيه وثن، # أو عيد من أعياد الجاهلية: # أخرج أبو داود عن ثابت بن ضحاك، قال: «نذر رجل على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل كان فيها وثن من أوثان ~~الجاهلية يعبد، قالوا: لا، قال: كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية ~~الله» . # وقد دل هذا الحديث على تحريم النذر لغير الله، فلا يحل هذا النذر ابتداء، ~~فإن أخطأ أحد لجهله للدين، فلا وفاء عليه، ولا يجوز التمادي في خطأ، أو ~~الإلحاح والتشبث بذنب، بل هو ذنب أكبر، وقد دل الحديث كذلك على أنه لا يجوز ~~سوق دابة تذبح لله إلى مكان، تقرب فيه القرابين لغير الله، أو يعبد فيه ~~غيره، ويجتمع الناس هناك على شرك وإن صحت النية وصلحت العقيدة. ### | النهي عن الإفراط والتفريط في تعظيم النبي صلى الله ms54 عليه وسلم: # أخرج أبو داود عن قيس بن سعد، قال: «أتيت # PageV01P166 # الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أحق أن يسجد له فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: إني رأيت ~~الحيرة، فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فأنت أحق أن نسجد لك، فقال لي: أرأيت ~~لو مررت بقبري أكنت تسجد له فقلت: لا، فقال: فلا تفعلوا» . # وقد نبه رسول الله صلى الله عليه وسلم قيس بن سعد رضي الله عنه، على أن ~~من كان مآله الموت، ومصيره إلى القبر، يموت فيدفن، لا يستحق السجدة، إن ~~السجود للحي الدائم الذي لا يموت.، وعرف من هذا أنه لا يجوز السجود لحي ولا ~~لميت، ولا لقبر، ولا لنصب، فإن كل نفس ذائقة الموت، والحي لا يتجرد عن ~~البشرية وخصائصها، فكيف يصير إلها يسجد له إذا فارق الحياة، فالعبد عبد حيا ~~وميتا. ### | التحذير عن الكلمات الموهمة للشرك # أخرج مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ~~يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله، ولا يقل ~~العبد لسيده مولاي، فإن مولاكم الله» . # دل هذا الحديث على أنه لا يصح أن يخاطب السيد عبده فيقول: يا عبدي، وأن ~~يضيف ذلك إلى نفسه، وإن كان في الحقيقة رقيقا له، أو # PageV01P167 # أن يقول أحد: فلان عبد لفلان، أو أن يقول العبد لسيده: مولاي، وهذا فيمن ~~كانوا عبيدا وسادة، فكيف بمن يدعى العبودية زورا، ويلقب نفسه بعبد النبي " ~~وعبد علي، وعبد صاحب الجلالة، والعبد الخاص، أما السخاء بألقاب " رب ~~الأرباب "، والجواد المطلق، فلا محل له البتة، ولا مبرر، وهو غاية في إساءة ~~الأدب مع الله، وما تعوده بعض الناس من أن يقولوا لبعض الناس: أنت تملك ~~حياتي ومالي، ونحن في تصرفك، تفعل ما تشاء فهو كذب ومين، وشرك. ### | النهي عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيه، وغلوهم فيه: # أخرج الشيخان عن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تطروني ~~كما أطرت النصارى عيسى ms55 ابن مريم، فإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله» . # ومقصود الحديث أن منصب الرسالة يتضمن جميع المحاسن، والفضائل التي أكرمني ~~الله بها، فإذا أطلقت على هذه الصفة، وقيل: " رسول الله " فلا مزيد على ذلك ~~" فإن الرسالة هي الغاية القصوى التي يصل إليها بشر وكل ما عدا ذلك من ~~المنازل فهو دونها، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فقولوا عبد ~~الله ورسوله» . # ولكن البشر إذا أكرم بالرسالة، لا يتجرد عن البشرية، وحسبه فخرا # PageV01P168 # أن يكون عبدا لله تعالى، لا يتلبس بذلك بالألوهية، فلا يحل القول بذلك ~~لعبد من عباد الله، وكفر النصارى بهذا الاعتقاد في المسيح عليه الصلاة ~~والسلام، وبعدوا عن الله تعالى، ولذلك نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمته عن تقليد النصارى في إطرائهم لنبيهم وغلوهم فيه، فاستحقوا غضب الله ~~ولعنه. # ولكن الغلاة من هذه الأمة، مع الأسف، لم يمتثلوا أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وقلدوا النصارى في أقاويلهم، وما زاد النصارى على أن قالوا: إن الله ~~سبحانه وتعالى قد ظهر في صورة عيسى ابن مريم وكسوته، فهو بشر من جهة وإله ~~من جهة أخرى. # وقد تطرف بعض من لا يخشون الله فنسبوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فزعموا أنه قال: " أنا أحمد بلا ميم " وقد زوروا عبارة عربية طويلة جمعوا ~~فيها خرافات كثيرة، وسموها بخطبة الافتخار وعزوها إلى سيدنا علي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه، سبحانك هذا بهتان عظيم، خذل الله الكذابين وفضحهم، وكما ~~أن النصارى يزعمون أن المسيح عليه السلام يملك الدنيا والآخرة، فيدبر الأمر ~~كما يشاء، فمن آمن به، وتضرع إليه لم يحتج إلى شيء من العبودية والعبادة، ~~وما ضره ذنب، ولا فرق له بين حلال وحرام، فيكون لله كسائبة حبلها على ~~غاربها، ويخلصه عيسى ابن مريم في الآخرة بشفاعته عن النار وعن العذاب. # ومثل هذا يعتقد بعض الجهلة المسلمين في النبي صلى الله عليه وسلم ~~وتنزلوا، فاعتقدوا في أئمة أهل البيت، وأولياء الأمة، بل وفي المشايخ مثل ~~هذا ms56 الاعتقاد، نسأل الله لنا ولهم الهداية. # أخرج أبو داود عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، قال: «انطلقت في # PageV01P169 # وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: أنت سيدنا، فقال: ~~السيد الله، فقلنا: وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم، أو ~~ببعض قولكم فلا يجترئنكم الشيطان» . # وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بالاقتصاد والتوسط، ~~وتحري الدقة، في مدح من يعتقد فيهم الفضل، وأن لا يتخطى في ذلك حدود ~~البشرية فيلحقه بالله، وأن لا يكون كفرس جموح لا يملكه فارس، ولا يضبطه ~~زمام، فيسيء بذلك الأدب مع الله ويتورط فيما لا يحمد عقباه. # وليعلم أن " السيد " له معنيان، فقد يراد به السيد الذي يملك الأمر ~~بالإطلاق، ولا يخضع لأحد، وهذا يختص بالله تعالى، فلا سيد بهذا المعنى إلا ~~الله، وقد يراد به رئيس قبيلة، أو عمدة قرية، أو مرزبان، وبهذا المعنى كل ~~نبي سيد في أمته، وكل إمام مقدم على أتباعه، وكل مجتهد قائد لمن يقتدي به، ~~بأنهم يقومون بامتثال أوامر الله تعالى في نفوسهم، ثم يعلمونها من دونهم، ~~وهكذا، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم هو سيد العالمين، ومنزلته عند الله ~~فوق كل منزلة، وهو أشد الناس امتثالا لأوامر الله تعالى، والخلق كلهم عيال ~~عليه، في الاهتداء إلى الله، ومعرفة أحكامه ومرضياته، وبهذا المعنى يصح أن ~~نسميه بسيد، بل يجب هذا الاعتقاد، أما بالمعنى الأول وهو السيطرة على ~~العالم، والتصرف بمطلق الإرادة، فلا يصح ولا يجوز، فإنه لا يتصرف في أضعف ~~مخلوق. # PageV01P170 ### | النهي عن تعظيم صور الصالحين # أخرج البخاري «عن عائشة رضي الله عنها أنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، ~~فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب ولم يدخل فعرفت في ~~وجهه الكراهة، قالت: قلت: يا رسول الله، أتوب إلى الله، وإلى رسوله، ماذا ~~أذنبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما بال هذه النمرقة، قلت: ~~اشتريتها لك لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن ms57 ~~أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم، وقال: إن ~~البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة» . # وقد دل هذا الحديث على أن ما يفعله بعض الجهال من تعظيم صور للأنبياء أو ~~الأئمة، أو الأولياء، أو المشايخ عندهم ليتبركوا بها ضلال محض، وإغراق في ~~الشرك، والنبي والملائكة منه براء. # بل يجب على المسلم أن يبعدها عن البيت، ويعتقد نجاستها، فينال بذلك رضا ~~الله والرسول صلى الله عليه وسلم وتدخل الملائكة هذا البيت، وتحل البركة ~~بدخولها. # عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس ~~عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا، أو قتله النبي، أو رجل يضل الناس بغير علم ~~أو مصور يصور التماثيل» . # PageV01P171 # وبذلك تعرف شناعة عمل التصوير، فإن فاعله قد قرن في هذا الحديث بقاتل ~~نبي. # أخرج الشيخان عن أبي هريرة، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: «قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ~~ليخلقوا حبة أو شعيرة» . ### | تأذي النبي صلى الله عليه وسلم بالغلو في شخصه، والزيادة على ما وصفه الله به: # وأخرج رزين عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا محمد عبد ~~الله ورسوله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل» رواه ~~النسائي. # ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يسره أن يبالغ فيه الناس ~~ويطروه شأن الأمراء والملوك الذين يحبون المبالغة والملق، فإنهم لا شأن لهم ~~بدين هؤلاء الندماء والشعراء، واعتقادهم، فلا عليهم إذا فسدت عقيدتهم، أو ~~باءوا بالإثم، أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد كان مربيا عطوفا على أمته: ~~{عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم} [التوبة: 128] ، وكانت ~~عنايته # PageV01P172 # مصروفة إلى إصلاح عقيدتهم وتقويم دينهم. # وقد جرت العادة أن المحبين يبالغون في مدح من يحبونهم، ويسرفون في ذلك ~~لينالوا رضاهم، ويدخلوا السرور عليهم، وقد عرف النبي صلى الله عليه وسلم أن ~~أمته من أشد الأمم ms58 حبا لنبيها، وامتنانا له، ومعرفة لفضله، وقد خاف أن ~~تبالغ أمته في مدحه بدافع هذا الحب فتتخطى الحدود وتسيء الأدب مع الله ~~أحيانا، فيتلف بذلك دينها وتهلك، وتعادي النبي وتؤذيه، لذلك صرح بأنه لا ~~يرضى بالمبالغة والغلو، وأن اسمه ما سماه به أهله، وناداه به ربه، ليس له ~~من أسماء الله شيء، وأنه ولد كما يولد سائر الناس من أب وأم، وحسبه فخرا أن ~~يكون عبدا لله، ولكنه يمتاز عن سائر عباد الله بالرسالة، والناس عنها في ~~جهل وغفلة، لا سبيل لهم إليها إلا عن طريقه، فليرجعوا إليه ويلوذوا به في ~~تعلم دين الله، وفي معرفة أحكامه وشرائعه. # اللهم فصل وسلم ألف صلاة وألف تسليم على هذا النبي الرحيم الكريم، واجزه ~~عنا على جهاده في تعليم الدين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، أفضل ما ~~تجزي نبيا عن أمته، وكافئه على ذلك أحسن مكافأة، فأنت تقدر على ذلك، ولا ~~نقدر، وتعلم ما لا يبلغه علمنا، ولا يستوفيه شكرنا. # والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت ~~رسل ربنا بالحق. PageV01P173 ms59