######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_006955 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الشوكاني #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن علي الشوكاني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1250 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أدب الطلب ومنتهى الأدب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب أخرى :: كتب الأخلاق والسلوك :: كتب متفرقة في الأخلاق والسلوك #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: أدب الطلب #META# 030.LibURI :: JK_006955 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد الله يحيى السريحي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ابن حزم #META# 044.EdPLACE :: لبنان / بيروت #META# 045.EdYEAR :: 1419هـ - 1998م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # @ 27 # | واجبات طالب العلم # # | إخلاص النية لله # # | قصد تحصيل علم الدين # # | تجنب التحيز والعصبية # # | تحرى الإنصاف # # | توطين النفس على الاجتهاد # # | تحرية الشوكاني مع الاجتهاد # PageV01P027 @ 28 # | واجبات طالب العلم # وإني أتصور الآن أن الكلام بمعونة الله ومشيئته لا بد أن يتعدى إلى فوائد ~~ومطالب ينتفع بها المنتهي كما ينتفع بها المبتدئ ويحتاج إليها الكامل كما ~~يحتاج إليها المقصر ويعدها المتحققون بالعرفان من أعظم الهدايا # | إخلاص النية لله # فأول ما على طالب العلم أن يحسن النية ويصلح طويته ويتصور أن هذا العمل ~~الذي قصد له والأمر الذي أراده هو الشريعة التي شرعها الله سبحانه لعباده ~~وبعث بها رسله وأنزل بها كتبه ويجرد نفسه عن أن يشوب ذلك بمقصد من مقاصد ~~الدنيا أو يخلطه بما يكدره من الإرادات التي ليست منه كمن يريد به الظفر ~~بشيء من المال أو يصل به إلى نوع من الشرف أو البلوغ إلى رئاسة من رئاسات ~~الدنيا أو جاه يحصله به # فإن العلم طيب لا يقبل غيره ولا يحتمل الشركة والروائح الخبيثة إذا لم ~~تغلب على الروائح الطيبة فأقل الأحوال أن تساويها وبمجرد هذه المساواة لا ~~تبقى للطيب رائحة والماء الصافي العذب الذي يستلذه شاربه كما يكدره الشيء ~~اليسير من الماء المالح فضلا عن غير الماء من القاذورات بل تنقص لذته مجرد ~~وجود القذاة فيه ووقوع الذباب عليه هذا على فرض أن مجرد تشريك العلم مع ~~غيره له حكم هذه المحسوسات وهيهات ذاك # فإن من أراد أن يجمع في طلبه العلم بين قصد الدنيا والآخرة فقد أراد ~~الشطط وغلط أقبح الغلط فإن طلب العلم من أشرف أنواع العبادة PageV01P028 @ ~~29 وأجلها وأعلاها وقد قال الله سبحانه ( ^ وما أمروا إلا ليعبدوا الله ~~مخلصين له الدين ) فقيد الأمر بالعبادة بالإخلاص الذي هو روحها # وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث إنما الأعمال بالنيات ولكل ~~امرئ ما نوى وهو ثابت في دواوين الإسلام كلها وقد تلقته الأمة بالقبول وإن ~~كان أحاديا أجمع جميع أهل الإسلام على ثبوته وصحته # وقد تقرر ms001 في علم البيان الأصول بأن إنما من صيغ الحصر وثبت القول بذلك عن ~~الصحابة روى عن ابن عباس أنه احتج على اختصاص الربا النسيئة بحديث الربا في ~~النسيئة ولم يخالفه الصحابة في فهمه وإنما خالفوه في الحكم مستدلين بأدلة ~~أخرى مصرحة بثبوت ربا الفضل # وكما أن هذا التركيب يفيد ما ذكرناه من الحصر كذلك لفظ الأعمال بالنية أو ~~بالنيات كما ورد في بعض ألفاظ الحديث الثابتة في الصحيح فإن الألف واللام ~~تفيد الاستغراق وهو يستلزم الحصر وهكذا ورد في بعض ألفاظ الحديث لا عمل إلا ~~بنية وهي أيضا من صيغ الحصر بل هي أقواها # والمراد بالأعمال هنا أفعال الجوارح حتى اللسان فتدخل الأقوال ومن نازع ~~في ذلك فقد أخطأ # ثم لا بد لقوله بالنيات من تقدير متخلق عام لعدم ورود دليل يدل على ~~PageV01P029 @ 30 التعلق الخاص فيقدر الوجود أو الكون أو الاستقرار أو ~~الثبوت أو ما يفيد مفاد ذلك فيكون التقدير إنما وجود الأعمال وكونها ~~واستقرارها أو ثبوتها بالنيات فلا وجود أو لا كون أو لا استقرار أو لا ثبوت ~~لما لم يكن كذلك وهو ما ليس فيه لا يقال أن تقدير الثبوت والوجود والكون ~~ونحوها يستلزم عدم وجود الذات أو عدم النية وقد وجدت في الخارج لأنا نقول ~~المراد الذات الشرعية وهي غير موجودة ولا اعتبار بوجودات غير شرعية ونفي ~~الذات هو المعنى الحقيقي فلا يعدل عنه إلى غيره إلا لصارف ولا صارف هنا على ~~أنه لو فرض وجود صارف إلى المغنى المجازى لم يكن المقدر هاهنا إلا الصحة أو ~~ما يفيد مفادها وهي مستلزمة لنفي الذات فتقرر بمجموع ما ذكرنا أن حصول ~~الأعمال وثبوتها لا يكون إلا بالنية فلا حصول أو لا ثبوت لما ليس كذلك فكل ~~طاعة من الطاعات وعبادة من العبادات إذا لم تصدر عن إخلاص نية وحسن طوية لا ~~اعتداد بها ولا التفات إليها بل هي إن لم تكن معصية فأقل الأحوال أن تكون ~~من أعمال العبث واللعب التي هي بما يصدر عن المجانين أشبه ms002 منها بما يصدر عن ~~العقلاء # | قصد تحصيل علم الدين # ومن أهم ما يجب على طالب العلم تصوره عنه الشروع واستحضاره عند المباشرة ~~بل وفي كل وقت من أقوات طلبه مبتدئا أو منتهيا متعلما وعالما أن يقر في ~~نفسه أن هذا العلم الذي هو بصدده هو تحصيل العلم الذي شرعه الله لعباده ~~والمعرفة لما تعبدهم في محكم كتابه وعلى لسان رسوله والوقوف على أسرار كلام ~~الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم # وأن هذا المطلب الذي هو بسبب تحصيله ليس هو من المطالب التي يقصدها من هو ~~طالب للجاه والمال والرئاسة بل هو مطلب يتأجر به الرب سبحانه PageV01P030 @ ~~31 # | تجنب التحيز والمعصية # وتكون غايته العلم بما بعث الله به رسوله وأنزل فيه كتبه وذلك سبب الظفر ~~بما عند الله من خير ومثل هذا لا مدخل فيه لعصبية ولا مجال عنده لحمية بل ~~هو شيء بين الله سبحانه وبين جميع عباده تعبدهم به تعبدا مطلقا أو مشروطا ~~بشروط وأنه لا يخرج عن ذلك فرد منهم بل أقدامهم متساوية في ذلك عالمهم ~~وجاهلهم وشريفهم ووضيعهم وقديمهم وحديثهم ليس لواحد منهم أن يدعي أنه غير ~~متعبد بما تعبد الله به عباده أو أنه خارج عن التكليف أو أنه غير محكوم ~~عليه بأحكام الشرع ومطلوب منه ما طلبه الله من سائر الناس فضلا عن أن يرتقي ~~إلى درجة التشريع وإثبات الأحكام الشرعية وتكليف عباد الله سبحانه بما يصدر ~~عنه من الرأي فإن هذا أمر لم يكن إلا لله سبحانه لا لغيره من البشر كائنا ~~من كان إلا فيما فوضه إلى رسله وليس لغير الرسل في هذا مدخل بل الرسل منهم ~~متعبدون بما تعبدهم الله به مكلفون بما كلفوا به مطالبون بما طلبه منهم # وتخصيصهم بأمور لا تكون لغيرهم لا يعني خروجهم عن كونهم كذلك بل هم من ~~جملة البشر ومن سائر العباد في التكليف بما جاؤوا به عن الله وقد أخبروا ~~بهذا وأخبر به الله عنهم كما في غير موضع من الكتاب العزيز ومن ms003 السنة ~~النبوية وكما وقفنا عليه في التوراة والإنجيل والزبور مكررا في كل واحد ~~منها # وإذا كان هذا حال الرسل عليهم الصلاة والسلام في التعبد بالأوامر الشرعية ~~والتوقف في التبليغ على ما أمرهم تعالى بتبليغه فلا يشرعون للناس إلا ما ~~أذن لهم به وأمرهم بإبلاغه وليس لهم من الأمر شيء إلا مجرد البلاغ عن الله ~~والتوسط بينه وبين عباده فيما شرعه لهم وتعبدهم به كما هو معنى الرسول ~~والرسالة لغة وشرعا عند من يعرف علم اللغة ومصطلح أهل الشرع # ولا ينافي هذا وقوع الخلاف بين أئمة الأصول في إثبات اجتهاد الأنبياء ~~PageV01P031 @ 32 ونفيه فإن الخلاف المحرر في هذه المسألة لفظي عند من أنصف ~~وحقن فكيف بحال غيرهم من عباد الله ممن ليس هو من أهل الرسالة ولا جعله ~~الله من أهل العصمة كالصحابة فالتابعين فتابعيهم من أئمة المذاهب فسائر ~~حملة العلم فإن من زعم أن لواحد من هؤلاء أن يحدث في شرع الله ما لم يكن ~~فيه أو يتعبد عباد الله بما هو خارج عن ما هو منه فقد أعظم على الله الفرية ~~وتقول على الله تعالى بما لم يقل وأوقع نفسه في هوة لا ينجو منها إلا طرحها ~~في مطرح سوء ووضعها في موضوع شر ونادى على نفسه بالجهل والجرأة على الله ~~تعالى والمخالفة لما جاءت به الشرائع وما أجمع عليه أهلها فإن هذه رتبة لم ~~تكن إلا لله ومنزلة لا ينزلها غيره ولا يدعيها سواه فمن ادعاها لغيره ~~تصريحا أو تلويحا فقد أدخل نفسه في باب من أبواب الشرك وكان ذلك هو الفائدة ~~التي استفادها من طلبه والربح الذي ربحه من تعبه ونصبه وصار اشتغاله بالعلم ~~جناية عليه ومحنة له ومصيبة أصاب بها نفسه وبلية قادها إليها ومعصية كان ~~عنها بالجهل وعدم الطلب في راحة # وهكذا من لم يحسن لنفسه الاختيار ولا سلك فيها مسالك الأبرار ولا اقتدى ~~بمن أمر الله الاقتداء به من أهل العلم الذين جعلهم محلا لذلك ومرجعا # | تحري الإنصاف # فإذا تقرر لك هذا وعلمت بما ms004 فيه من الضرر العظيم الذي يمحق بركة العلم ~~ويشوه وجهه ويصيره بعد أن كان من العبادات التي لا تشبهها طاعة ولا تماثلها ~~قربة معصية محضة وخطيئة خالصة تبين لك نفع ما أرشد إليه من تحري الإيمان ~~الذي من أعظم أركانه وأهم ما يحصله لك أن تكون منصفا لا متعصب في شيء من ~~هذه الشريعة فإنها وديعة الله عندك وأمانته لديك فلا تخنها وتمحق بركتها ~~بالتعصب لعالم من علماء الإسلام بأن تجعل ما يصدر عنه من الرأي ويروى له من ~~الاجتهاد حجة عليك وعلى سائر العباد PageV01P032 @ 33 # فإنك إن فعلت ذلك كنت قد جعلته شارعا لا متشرعا مكلفا لا مكلفا وتعبدا لا ~~متعبدا وفي هذا من الخطر علك والوبال لك ما قدمناه فإنه وإن فضلك بنوع من ~~أنواع العلم وفاق عليك بمدرك من مدارك الفهم فهو لم يخرج بذلك عن كونه ~~محكوما عليه متعبدا بما أنت متعبد فضلا عن أن يرتفع عن هذه الدرجة إلى درجة ~~يكون رأيه فيها حجة على العباد واجتهاده لديها لازما لهم # بل الواجب عليك أن تعترف له بالسبق وتقر له بعلو الدرجة اللائقة به في ~~العلم معتقدا أن ذلك الاجتهاد الذي اجتهده والاختيار الذي اختاره لنفسه بعد ~~إحاطته بما لا بد منه هو الذي لا يجب عليه غيره ولا يلزمه سواه لما ثبت في ~~= الصحيح = عنه صلى الله عليه وسلم من طرق أنه إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله ~~أجران وإن اجتهد فأخطأ فله أجر وفي خارج = الصحاح = في طرق أنه إذا أصاب ~~فله عشر أجور وقد صححه الحاكم في = المستدرك = وفضل الله واسع وعطاؤه جم # | توطين النفس على البحث والاجتهاد # وليس لك أن تعتقد أن صوابه صواب لك أو خطأه خطأ عليه بل عليك أن توطن ~~نفسك على الجد والاجتهاد والبحث بما يدخل من تحت طوقك وتحيط به قدرتك حتى ~~تبلغ إلى ما بلغ إليه من أخذ الأحكام الشرعية من ذلك المعدن الذي لا معدن ~~سواه والموطن الذي هو أول الفكر وآخر العمل فإن ظفرت به ms005 فقد تدرجت من هذه ~~البداية إلى تلك النهاية وإن قصرت عنه لم تكن ملوما بعد أن قررت عند نفسك ~~وأثبت في تصورك أنه لا حجة إلا لله ولا حكم إلا منه ولا شرع إلا ما شرعه ~~وإن اجتهادات PageV01P033 @ 34 المجتهدين ليست بحجة على أحد ولا هي من ~~الشريعة في شيء بل هي مختصة بمن صدرت عنه لا تتعداه إلى غيره ولا يجوز له ~~أن يحمل عليه أحدا من عباد الله ولا يحل لغيره أن يقبلها عنه ويجعلها حجة ~~عليه يدين الله بها فإن هذا شيء لم يأذن الله به وأمر لم يسوغه لأحد من ~~عباده # ولا يغرك ما استدل به القائلون بجواز التقليد فإنه لا دلالة في شيء مما ~~جاءوا به على محل النزاع وقد أوضحنا ذلك في مؤلف مستقل وهو القول المفيد في ~~حكم التقليد فارجع إليه إن بقي في صدرك حرج فإنك تقف فيه على ما يريحك ~~وينثلج به صدرك ويفرح عنده روعك # فإن قلت وكيف يقتدر على تصور ما أرشدت إلى تصوره ويتمكن من توطين نفسه ~~على ما دللت عليه من أراد الشروع في العلم بادئ بدء وهو إذ ذاك لا يدري ما ~~الشرع ولا يتعقل الحجة ولا يعرف الإنصاف ولا يهتدي إلى ما هديته إليه إلا ~~بعد أن يتمرن ويمارس ويكون له من العلم ما يفهم به ما تريد منه # قلت ما أرشدك إليه يعرف بمجرد العقل وسلامة الفطرة وعدم ورود ما يرد ~~عليها مما يغيرها وعلى فرض ورود شيء من المغيرات عليها كاعتقاد حقية ~~التقليد ونحوه فارتفاع ذلك يحصل بأدنى تنبيه فإن هذا أمر يقبله الطبع بأول ~~وهلة لمطابقته للواقع وحقيته وكل ما كان كذلك فهو مقبول والطبائع تنفعل له ~~انفعالا بأيسر عمل وأقل إرشاد وهذا أمر يعلمه كل أحد ويشترك في معرفته ~~أفراد الناس على اختلاف طبقاتهم ولهذا نبه عليه الشارع فقال كل مولود يولد ~~على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه وهو ثابت في = الصحيح = ~~PageV01P034 @ 35 # | تجربة الشوكاني مع الاجتهاد # وإني أخبرك أيها ms006 الطالب عن نفسي تحدثا بنعمة الله سبحانه ثم تقريبا لما ~~ذكرت لك من أن هذا الأمر كامن في طبائع الناس ثابت في غرائزهم وأنه من ~~الفطرة التي فطر الله الناس عليها # إني لما أردت الشروع في طلب العلم ولم أكن إذا ذاك قد عرفت شيئا منه حتى ~~ما يتعلق بالطهارة والصلاة إلا مجرد ما يتلقاه الصغير من تعليم الكبير ~~لكيفية الصلاة والطهارة ونحوهما فكان أول بحث طالعته بحث كون الفرجين من ~~أعضاء الوضوء في الأزهار وشرحه لأن الشيخ الذي أردت القراءة عليه والأخذ ~~عنه كان قد بلغ في تدريس تلامذته إلى هذا البحث فلما طالعت هذا البحث قبل ~~الحضور عند الشيخ رأيت اختلاف الأقوال فيه سألت والدي رحمه الله عن تلك ~~الأقوال أيها يكون العمل عليه # فقال يكون العمل على ما في الأزهار # فقلت صاحب الأزهار أكثر علما من هؤلاء # قال لا # قلت فكيف كان اتباع قوله دون أقوالهم لازما # فقال أصنع كما يصنع الناس فإن فتح الله عليك فستعرف ما يؤخذ به وما يترك # فسألت الله عند ذلك أن يفتح علي من معارفه ما يتميز لي به الراجح من ~~المرجوح وكان هذا في أول بحث نظرته وأول موضوع درسته وقعدت فيه بين يدي ~~العلم فاعتبر بهذا ولا تستبعد ما أرشدتك إليه فتحرم بركة العلم وتمحق ~~فائدته # ثم ما زلت بعد كما وصفت لك أنظر في مسائل الخلاف وأدرسها على الشيوخ ولا ~~أعتقد ما يعتقده أهل التقليد من حقية بعضهم بمجرد الإلف والعادة والاعتقاد ~~الفاسد والاقتداء بمن لا يقتدي به بل أسأل من عنده PageV01P035 @ 36 علم ~~بالأدلة على الراجح وأبحث في كتب الأدلة عن ماله تعلق بذلك أستروح إليه ~~وأتعلل به مع الجد في الطلب واستغراق الأوقات في العلم خصوصا علوم الاجتهاد ~~وما يلتحق بها فإني نشطت إليها نشاطا زائدا لما كنت أتصوره من الانتفاع بها ~~حتى فتح الله بما فتح ومنح ما منح فله الحمد كثيرا حمدا لا يحاط به ولا ~~يمكن الوقوف على كنهه # فإن وطنت نفسك أيها ms007 الطالب على الإنصاف وعدم التعصب لمذهب من المذاهب ولا ~~لعالم من العلماء بل جعلت الناس جميعا بمنزلة واحدة في كونهم منتمين إلى ~~الشريعة محكوما عليهم بما لا يجدوا لأنفسهم عنها مخرجا ولا يستطيعون تحولا ~~فضلا عن أن يرتقوا إلى واحد منهم أو يلزمه تقليده وقبوله قوله فقد فزت ~~بأعظم فوائد العلم وربحت بأنفس فرائده # ولأمر ما جعل صلى الله عليه وسلم المنصف أعلم الناس وإن كان مقصرا فإنه ~~أخرج الحاكم في = المستدرك = وصححه مرفوعا أعرف الناس أبصرهم بالحق إذا ~~اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن كان يزحف على أستة هكذا في حفظي ~~فليراجع = المستدرك = فانظر كيف جعل صلى الله عليه وسلم المنصف أعلم الناس ~~وجعل ذلك هو الخصلة الموجبة للأعلمية ولم يعتبر غيرها وإنما كان أبصر الناس ~~بالحق إذا اختلف الناس لأنه لم يكن لديه هوى ولا حمية ولا عصبية لمذهب من ~~المذاهب أو عالم من العلماء فصفت غريزته عن أن تتكدر بشيء من ذلك فلم يكن ~~له مأرب ولا مقصد إلا مجرد معرفة ما جاء عن الشارع فظفر بذلك بسهولة من غير ~~مشقة ولا تعب لأنه موجود إما في كتاب الله وهو بين أظهرنا في المصاحف ~~الشريفة مفسر بتفاسير العلماء الموثوق بهم وإما في سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وهي أيضا موجودة قد ألف أهل العلم في أدلة المسائل من السنة كتبا ~~متنوعة منها ما هو على أبواب الفقه ومنها ما هو على PageV01P036 @ 37 حروف ~~المعجم فكان تناوله يسيرا ثم قد تكلم الأئمة على صحتها وحسنها فجاؤوا بما ~~لا يحتاج الناظر معه إلى غيره ووضعوا في ذلك مؤلفات مشتملة على ذلك اشتمالا ~~على أحسن وجه وأبدع أسلوب ثم أوضحوا ما في السنة من الغريب بل جمعوا بين ~~المتعارضات ورجحوا ما هو راجح ولم يدعو شيئا تدعو إليه الحاجة فإذا وقف على ~~ذلك من قد تأهل للاجتهاد وظفر بعلومه أخذه أخذ غير أخذ من لم يكن كذلك وعمل ~~عليه مطمئنه به نفسه ساكنة إليه نافرة عن ms008 غيره هاربة منه PageV01P037 @ 38 ~~PageV01P038 @ 39 # | الأسباب التي تؤدي إلى البعد عن الحق والعصبية # # | النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين # # | حب الشرف والمال # # | الجدال والمراء وحب الظهور # # | حب القرابة والتعصب للأجداد # # | صعوبة الرجوع إلى الحق لقوله بخلافه # # | كون المنافس المتكلم بالحق صغير السن أو الشأن # # | آفات الشيوخ والتلاميذ # # | علاج التعصب # # | العواقب الوخيمة للتعصب والبعد عن الحق # # | عود إلى أسباب التعصب # # | الاستناد إلى قواعد ظنية # # | عدم الموضوعية في عرض حجج الخصوم # # | المنافسة بين الأقران # # | التباس ما هو من الرأي البحث بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد # PageV01P039 @ 40 # | الأسباب التي تؤدي إلى البعد عن الحق والتعصب # واعلم أن سبب الخروج عن دائرة الإنصاف والوقوع في موبقات التعصب كثيرة ~~جدا فمنها # | النشوء في بلد متمذهب بمذهب معين # وهو أكثرها وقوعا وأشدها بلاء أن ينشأ طالب العلم في بلد من البلدان التي ~~قد تمذهب أهلها بمذهب معين واقتدوا بعالم مخصوص وهذا الداء قد طبق في بلاد ~~الإسلام وعم أهلها ولم يخرج عنه إلا أفراد قد يوجد الواحد منهم في المدينة ~~الكبيرة وقد لا يوجد لأن هؤلاء الذين ألفوا هذه المذاهب قد صاروا يعتقدون ~~أنها هي الشريعة وأن ما خرج عنها خارج عن الدين مباين لسبيل المؤمنين ( ^ ~~كل حزب بما لديهم فرحون ) فأهل هذا المذهب يعتقدون أن الحق بأيديهم وأن ~~غيرهم على الخطأ والضلال والبدعة وأهل المذهب الآخر يقابلونهم بمثل ذلك ~~والسبب أنهم نشأوا فوجدوا آباءهم وسائر قراباتهم على ذلك ورثة الخلف عن ~~السلف والآخر عن الأول وانضم إلى ذلك قصورهم عن إدراك الحقائق بسبب التغيير ~~الذي ورد عليهم ممن وجدوه قبلهم # وإذا وجد فيهم من يعرف الحق فهو لا يستطيع أن ينطق بذلك مع أخص خواصه ~~وأقرب قرابته فضلا عن غيره لما يخافه على نفسه أو على ماله أو على جاهه ~~بحسب اختلاف المقاصد وتباين العزائم الدينية فيحصل من قصورهم مع تغير فطرهم ~~بمن أرشدهم إلى البقاء على ما هم عليه وأنه الحق وخلافه الباطل وسكوت من له ~~فطنة ولدينه عرفان وعنده إنصاف عن ms009 PageV01P040 @ 41 تعليمهم معالم الإنصاف ~~وهدايتهم إلى طرق الحق ما يوجب جمودهم على ما هم عليه واعتقادهم أن الحق ~~مقصور عليه منحصر فيه وأن غيره ليس من الدين ولا هو من الحق فإذا سمع عالما ~~من العلماء يفتى بخلافه أو يعمل على ما لا يوافقه اعتقد أنه من أهل الضلال ~~ومن الدعاة إلى البدعة وهذا إذا عجز عن إنزال الضرر به بيده أو لسانه فإن ~~تمكن من ذلك فعله معتقدا أنه من أعظم ما يتقرب به إلى الله ويدخره في صحائف ~~حسناته ويتأجر الله # وهذا معلوم لكل أحد وقد شاهدنا منه مالا يأتي عليه حصر ولا تحيط به عبارة ~~بل قد بلغ هذا المتعصب في معاداة من يخالفه إلى حد يجاوز به عدواته لليهود ~~والنصارى ولو علم المخدوع المغرور بأن سعيه ضلال وعمله وبال وأنه من ( ^ ~~الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون ~~صنعا ) لأقصر عن غوايته وأرعوى عن بعض جهله لكنه جهل قدر نفسه وخسران سعيه ~~وتحامي غيره من أهل المعرفة والفهم إرشاده إلى الحق وتنبيهه على فساد ما هو ~~فيه مخافة على نفسه منه وممن يشابهه في ذلك فتعاظم الأمر وعم البلاء وتفاقم ~~الأمر وعم الضرر # ولو نظر ذلك المتعصب بعين الإنصاف ورجع إلى عقله وما تقتضيه فطرته ~~الأصلية لكف عن فعله وأقصر عن غيه وجهله ولكنه قد حيل بينه وبين ذاك وفرغ ~~الشيطان منه إلا من عصم الله وقليل ما هم # وهكذا صاحب المعرفة وحامل الحجة وثاقب الفهم لو وطن نفسه على الإرشاد ~~وتكلم بكلمة الحق ونصر الله سبحانه ونصر دينه وقام في تبيين ما أمره الله ~~بتبيينه لحمد مسراه وشكر عاقبته وأراه الله سبحانه من بدائع صنعه وعجائب ~~وقايته وصدق ما وعد به من قوله ( ^ ولينصرن الله من ينصره ) ( ^ إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) ما يزيده PageV01P041 @ 42 ثباتا ويشد من عضده ~~ويقوى قلبه في نصرة الحق ومعاضدة أهله # ومن تأمل الأمر كما ينبغي عرف أن كل قائم بحجة الله إذا بينها ms010 للناس كما ~~أمره الله وصدع بالحق وضرب بالبدعة في وجه صاحبها وألقم المعتصب حجرا وأوضح ~~له ما شرعه الله لعباده وأنه في تمسكه بمحض الرأي مع وجود البرهان الثالث ~~عن صاحب الشرع كخابط عشواء وراكب العمياء فإن قبل منه ظفر بما وعده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من الأجر في حديث لأن يهدى الله بك رجلا الحديث ~~وإن لم يقبل منه كان قد فعل ما وجب الله عليه وخلص نفسه من كتم العلم الذي ~~أمره الله بإفشائه وخرج من ورطة أن يكون من الذين يكتمون ما أنزل الله من ~~البينات والهدى ودفع الله عنه ما سولته له نفسه الأمارة من الظنون الكاذبة ~~والأوهام الباطلة وانتهى حاله إلى أن يكون كعبه الأعلى وقوله الأرفع ولم ~~يزده ذلك إلا رفعة في الدنيا والآخرة وحظا عند عباد الله وظفرا بما وعد ~~الله به عبادة المتقين وهم وإن أرادوا أن يضعوه بكثرة الأقاويل وتزوير ~~المطاعن وتلفيق العيوب وتواعدوه بإيقاع المكروه به وإنزال الضرر عليه فذلك ~~كله ينتهي إلى خلاف ما قدروه وعكس ما ظنوه وكانت العاقبة للمتقين كما وعد ~~به عبادة المؤمنين ( ^ ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله ) # ولقد تتبعت أحوال كثير من القائمين بالحق المبلغين به كما أمر الله ~~المرشدين إلى الحق فوجدتهم ينالون من حسن الأحدوثة وبعد الصيت وقوة الشهرة ~~وانتشار العلم ونفاق المؤلفات وطيرانها وقبولها في الناس ما لا يبلغه غيرهم ~~ولا يناله من سواهم # وسأذكر لك هنا جماعة ممن اشتهرت مذاهبهم وانتشرت أقوالهم وطارت ~~PageV01P042 @ 43 مصنفاتهم بعدهم وما أصابهم من المحنة ما نالهم كإمام دار ~~الهجرة مالك بن أنس فإنه بلى بخصوم وعاداه ملوك فنشر الله مذهبه في الأقطار ~~واشتهر من أقواله ماملأ الأنجاد والأغوار # كذلك الإمام أحمد بن حنبل فإنه وقع له من المحن التي هي منح مما لا يخفى ~~على من له اطلاع وضرب بين يدي المعتصم العباسي ضربا مبرحا وهموا بقتله مرة ~~بعد مرة وسجنوه في الأمكنة المظلمة وكبلوه بالحديد ونوعوا له أنواع العذاب ~~فنشر الله ms011 من علومه ما لا يحتاج إلى بيان ولا يفتقر إلى إيضاح وكانت ~~العاقبة له فصار بعد ذلك إمام الدنيا غير مدافع ومرجع أهل العلم غير منازع ~~ودون الناس كلماته وانتفعوا بها وكان يتكلم بالكلمة فتطير في الآفاق فإذا ~~تكلم بالكلمة في رجل بجرح تبعه الناس وبطل علم المجروح وإن تكلم في رجل ~~بتعديل كان هو العدل الذي لا يحتاج بعد تعديله إلى غيره # ثم الإمام محمد بن إسماعيل البخاري أصابه من محمد بن يحيى الذهلي ~~PageV01P043 @ 44 وأتباعه من المحنة ما مات به كمدا ثم جعل الله تعالى ~~كتابه الجامع الصحيح كما ترى أصح كتاب في الدنيا وأشهر مؤلف في الحديث وأجل ~~دفتر من دفاتر الإسلام # ثم انظر أحوال من جاء بعد هؤلاء بدهر طويل كابن حزم المغربي فإنه أصيب ~~بمحن عظيمة بسبب ما أظهره من إرشاد الناس إلى الدليل والصدع بالحق وتضعيف ~~علم الرأي حتى أفضى ذلك إلى امتحان الملوك له وإيقاعهم به وتشريده من ~~مواطنه وتحريق مصنفاته ومع ذلك نشر الله من علومه ما صار عند كل فرقة وفي ~~كل بلاد المسلمين وبين ظهراني كل طائفة # ثم كذلك شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية أحمد بن عبد الحليم فإنه لما ~~أبان للناس فساد الرأي وأرشدهم إلى التمسك بالدليل وصدع بما أمره الله به ~~ولم يخف في الله لومة لائم قام عليه طوائف من المنتمين إلى العلم المنتحلين ~~له من أهل المناصب وغيرهم فمازالوا يحاولون ويصاولون ويسعون به إلى الملوك ~~ويعقدون له مجالس المناظرة ويفتون تارة بسفك دمه وتارة باعتقاله فنشر الله ~~من فوائده ما لم ينشر بعضه لأحد من معاصريه وترجمه أعداؤه فضلا عن أصدقائه ~~بتراجم لم يتيسر لهم مثلها ولا ما يقارنها لأحد من الذين يتعصبون لهم ~~ويدأبون في نشر فضائلهم PageV01P044 @ 45 ويطرؤون في إطرائهم وجعل الله له ~~من ارتفاع الصيت وبعد الشهرة ما لم يكن لأحد من أهل عصره حتى اختلف من جاء ~~بعد عصره في شأنه واشتغلوا بأمره فعاداه قوم وخالفهم آخرون والكل معترفون ~~بقدره معظمون ms012 له خاضعون لعلومه واشتهر هذا بينهم غاية الاشتهار حتى ذكره ~~المترجمون لهم في تراجمهم فيقولون وكان من المائلين إلى ابن تيمية أو ~~المائلين عنه # وهذه الإشارة إنما هي لقصد الإيضاح لك لتعلم بما يصنعه الله لعباده ~~وعلماء دينه وحملة حجته وفي كل عصر من هذا الجنس من تقوم به الحجة على ~~العباد # وانظر في أهل قطرنا فإنه لا يخفى عليك حالهم إن كنت ممن له اطلاع علي ~~أخبار الناس وبحث عن أحوالهم كالسيد الإمام محمد بن إبراهيم الوزير فإنه ~~قام داعيا إلى الدليل في ديارنا هذه في وقت غربة وزمان ميل من الناس إلى ~~التقليد وإعراض عن العمل بالبرهان فناله من أهل عصره من المحن ما اشتملت ~~عليه مصنفاته حتى ترسل عليه من ترسل من مشائخه برسالة حاصلها الإنكار عليه ~~لما هو فيه من العمل بالدليل وطرح التقليد وقام عليه كثير من الناس وثلبوه ~~بالنظم والثر ولم يضيره ذلك شيئا بل نشر الله من علومه وأظهر من معارفه ما ~~طار كل مطار # ثم جاء بعده مع طول فصل وبعد عهد السيد العلامة الحسن بن أحمد الجلال ~~والعلامة صالح بن مهدي المقبلي فنالا من المحن والعداوة من PageV01P045 @ ~~46 أهل عصرهما ما حمل الأول على استقراره في هجرة الجراف منعزلا عن الناس ~~وحمل الثاني على الارتحال إلى الحرم الشريف والاستقرار فيه حتى توفاه الله ~~فيه ومع هذا فنشر الله من علومهم وأظهر مؤلفاتهم ما لم يكن لأحد من أهل ~~عصرهما ما يقاربه فضلا عن أن يساويه # ثم كان في العصر الذي قبل عصرنا هذا السيد العلامة محمد بن إسماعيل ~~الأمير وله في القيام بحجة الله والإرشاد إليها وتنفير الناس عن العمل ~~بالرأي وترغيبهم إلى علم الرواية ما هو مشهور معروف فعاداه أهل عصره وسعوا ~~به إلى الملوك ولم يتركوا في السعي عليه بما يضره جهدا وطالت بينه وبينهم ~~المصاولة والمقاولة ولم يظفروا منه بطائل ولا نقصوه من جاه ولا مال ورفعه ~~الله عليهم وجعل كلمته العليا ونشر له من المصنفات المطولة والمختصرة ms013 ما هو ~~معلوم عند أهل هذه الديار ولم ينتشر لمعاصريه المؤذين له المبالغين في ضرره ~~بحث من المباحث العلمية فضلا عن رسالة فضلا عن مؤلف بسيط فهذه عادة الله في ~~عباده فأعلمها وتيقنها # وكان شيخنا السيد العلامة عبد القادر بن أحمد رحمه الله من أكثر الناس ~~نشرا للحق وإرشادا له وتلقينا له وهدما لما يخالفه فجعل الله علما ~~PageV01P046 @ 47 يقتدى به ومرجعا يأوى إليه أهل عصره وأخضع له كل مخالف له ~~واعترف له كل واحد بأنه إمام عصره وعالمه ومجتهده ولم يضره ما كان يناله به ~~المخالفون له من الغيبة التي هي غاية ما يقدرون عليه ونهاية ما يبلعون إليه # وإني أخبرك أيها الطالب عن نفسي وعن الحوادث الجارية بيني وبين أهل عصري ~~ليزداد يقينك وتكون على بصيرة فيما أرشدتك إليه اعلم أني كنت عند شروعي في ~~الطلب على الصفة التي ذكرتها لك سابقا ثم كنت بعد التمكن من البحث عن ~~الدليل والنظر في مجاميعه أذكر في مجالس شيوخي ومواقف تدريسهم وعند ~~الاجتماع بأهل العلم ما قد عرفته من ذلك لا سيما عند الكلام في شئ من الرأي ~~مخالف الدليل أو عند ورود قول عالم من أهل العلم قد تمسك بدليل ضعيف وترك ~~الدليل القوي أو أخذ بدليل عام وبعمل خاص أو بمطلق وطرح المقيد أو بمجمل ~~ولم يعرف المبين أو بمنسوخ ولم ينتبه للناسخ أو بأول ولم يعرف بآخر أو بمحض ~~رأي ولم يبلغه أن في تلك المسألة دليلا يتعين عليه العمل به فكنت إذا سمعت ~~بشيء من هذا لا سيما في مواقف المتعصبين ومجامع الجامدين تكلمت بما بلغت ~~إليه مقدرتي وأقل الأحوال أن أقول استدل هذا بكذا وفلان المخالف له بكذا ~~ودليل فلان أرجح لكذا فمازال أسراء التقليد يستنكرون ذلك ويستعظمونه لعدم ~~الفهم به وقبول طبائعهم له حتى ولد ذلك في قلوبهم من العداوة والبغضاء ما ~~الله به عليم # ثم كنت إذا فرغت من أخذ فن من الفنون أو مصنف من المصنفات على شيوخي أقبل ~~جماعة من الطلبة ms014 إلي وعولوا علي في تدريسهم في ذلك # فكان يأخذ أترابي شيئا من الحسد الذي لا يخلو عنه إلا القليل # ثم تكاثر الطلبة علي في علوم الاجتهاد وغيرها وأخذوا عني أخذا خاليا عن ~~التعصب سالما من الاعتساف فكنت أقرر لهم دليل كل مسألة وأوضح PageV01P047 @ ~~48 لهم الراجح فيها وأصرح لهم بوجوب المصير إلى ذلك وكانوا قد تمرنوا ~~وعرفوا علوم الاجتهاد وذهب عنهم ما تكدرت به فطرهم من المغيرات # فزاد ذلك المخالفين عداوة وشناعة وحسدا وبغضا وأطلقوا ألسنتهم بذلك وكان ~~مع ذلك ترد إلي أبحاث من جماعة من أهل العلم الساكنين بصنعاء وغيرهم من أهل ~~البلاد البعيدة والمدائن النائية فأحرر الجوابات عليهم في رسائل مستقلة ~~ويرغب تلامذتي لتحصيل ذلك وتنتشر في الناس فإذا وقف عليه المتعصبون ورأوه ~~يخالف ما يعتقدون استشاطوا غضبا وعرضوا ذلك على من يرجون منه الموافقة ~~والمساعدة فمن ثالب بلسانه ومعترض بقلمه وأنا مصمم على ما أنا فيه لا أنثني ~~عنه ولا أميل عن الطريقة التي أنا فيها وكثيرا ما يرفعون ذلك إلى من لا علم ~~عنده من رؤساء الدولة الذين لهم في الناس شهرة وصولة فكان في كل حين يبلغني ~~من ذلك العجب ويناصحني من يظهر لي المودة ومن لا تخفى عليه حقيقة ما أقوله ~~وحقيته مع اعترافهم بأن ما أسلكه هو ما أخذه الله على الذين حملوا الحجة ~~لكنهم يتعللون بأن الواجب يسقط بدون ذلك ويذكرون أحوال أهل الزمان وما هم ~~عليه وما يخشونه من العواقب فلا أرفع لذلك رأسا ولا أعول عليه # وكنت أتصور في نفسي أن هؤلاء الذين يتعصبون علي وتشغلون أنفسهم بذكري ~~والحط علي هم أحد رجلين # إما جاهل لا يدري أنه جاهل ولا يهتدي بالهداية ولا يعرف الصواب # وهذا لا يعبأ الله به # أو رجل متميز له حظ من علم وحصة من فهم لكنه قد أعمى بصيرته الحسد وذهب ~~بإنصافه حب الجاه وهذا لا ينجع فيه الدواء ولا تنفع عنده المحاسنة ولا يؤثر ~~فيه شئ # فمازلت على ذلك وأنا أجد المنفعة بما يصنعونه ms015 أكثر من المضرة والمصلحة ~~العائدة على ما أنا فيه بما هم فيه أكثر من المفسدة PageV01P048 @ 49 # ولقد اشتد بلاهم وتفاقمت محنتهم في بعض الواقعات فقاموا قومه شيطانية ~~وصالوا صولة جاهلية وذلك أنه ورد إلي سؤال في شأن ما يقع من كثير من ~~المقصرين من الذم لجماعة من الصحابة صانهم الله وغضب على من ينتهك أعراضهم ~~المصونة فأجبت برسالة ذكرت فيها ما كان عليه أئمة الزيدية من أهل البيت ~~وغيرهم ونقلت إجماعهم من طرق وذكرت كلمات قالها جماعة من أكابر الأئمة ~~وظننت أن نقل إجماع أهل العلم يرفع عنهم العماية ويردهم عن طرق الغواية ~~فقاموا بأجمعهم وحرروا جوابات زيادة على عشرين رسالة مشتملة على الشتم ~~والمعارضة بما لا ينفق إلا على بهيمة واشتغلوا بتحرير ذلك وأشاعوه بين ~~العامة ولم يجدوا عند الخاصة إلا الموافقة تقية لشرهم وفرارا من معرتهم ~~وزاد الشر وتفاقم حتى أبلغوا ذلك إلى أرباب الدولة والمخالطين لملوك من ~~الوزراء وغيرهم وأبلغوه إلى مقام خليفة العصر حفظه الله وعظم القضية عليه ~~جماعة ممن يتصل به فمنهم من يشير عليه بحبسى ومنهم من ينتصح له بأخراجي من ~~مواطني وهو ساكت لا يلتفت إلى شئ من ذلك وقاية من الله وحماية لأهل العلم ~~ومدافعة عن القائمين بالحجة في عباده # ولم تكن لي إذ ذاك مداخلة لأحد من أرباب الدولة ولا اتصال بهم # واشتد لهج الناس بهذه القضية وجعلوها حديثهم في مجامعهم وكان من بيني ~~وبينهم مودة يشيرون علي بالفرار أو الاستتار وأجمع رأيهم على أني إذا لم ~~أساعدهم على أحد الأمرين فلا أعود إلى مجالس التدريس التي كنت أدرس بها في ~~جامع صنعاء فنظرت ما عند تلامذتي فوجدت أنفسهم قوية ورغبتهم في التدريس ~~شديدة إلا القليل منهم فقد كادوا يستترون من PageV01P049 @ 50 الخوف ويفرون ~~من الفزع # فلم أجد لي رخصة في البعد عن مجالس التدريس # وعدت وكان أول درس عاودته عند وصولي إلى الجامع في أصول الفقه بين ~~العشائين فانقلب من بالجامع وتركوا ما هم فيه من الدرس والتدريس ووقفوا ~~ينظرون ms016 إلي متعجبين من الإقدام على ذلك لما قد تقرر عندهم من عظم الأمر ~~وكثرة التهويل والوعيد والترهيب حتى ظنوا أنه لا يكمن البقاء في صنعاء فضلا ~~عن المعاودة للتدريس ثم وصل وأنا في حال ذلك الدرس جماعة لم تجر لهم عادة ~~بالوصول إلى الجامع وهم متلفعون بثيابهم لا يعرفون وكانوا ينظرون إلي ~~ويقفون قليلا ثم يذهبون ويأتي آخرون حتى لم يبق شك مع أحد أنها إن لم تحصل ~~منهم فتنة في الحال وقعت مع خروجي من الجامع فخرجت من الجامع وهم واقفون ~~على مواضع من طريقي فما سمعت من أحدهم كلمة فضلا عن غير ذلك # وعاودت الدروس كلها وتكاثر الطلبة المتميزون زيادة على ما كانوا عليه من ~~كل فن وقد كانوا ظنوا أنه لا يستطيع أحد أن يقف بين يدي مخافة على أنفسهم ~~من الدولة والعامة فكان الأمر على خلاف ما ظنه وكنت أتعجب من ذلك وأقول في ~~نفسي هذا من صنع الله الحسن ولطفه الخفي لأن من كان الحامل له على ما وقع ~~الحسد والمنافسة لم ينجح كيده بل كان الأمر على خلاف ما يريد # ومن عجيب ما أشرحه لك أنه كان في درس بالجامع بعد صلاة العشاء الآخرة في ~~صحيح البخاري يحضره من أهل العلم الذين مقصدهم الرواية وإثبات السماع جماعة ~~ويحضره من عامة الناس جمع جم لقصد الاستفادة بالحضور # فسمع ذلك وزير رافضى من وزراء الدولة وكانت له صولة وقبول كلمة بحيث لا ~~يخالفه أحد وله تلعق بأمر الأجناد فحمله ذلك على أن PageV01P050 @ 51 ~~استدعى رجلا من المساعدين له في مذهبه فنصب له كرسيا في مسجد من مساجد ~~صنعاء ثم كان يسرج له الشمع الكثير في ذلك المسجد حتى يصير عجبا من العجب ~~فتسامع به الناس وقصدوا إليه من كل جانب لقصد الفرجة والنظر إلى ما لا عهد ~~به والرجل الذي على الكرسي يملي عليهم في كل وقت ما يتضمن الثلب لجماعة من ~~الصحابة صانهم الله # ثم لم يكتف ذلك الوزير بذلك حتى أغرى جماعة من الأجناد ms017 من العبيد وغيرهم ~~بالوصول إلي لقصد الفتنة فوصلوا وصلاة العشاء الآخرة قائمة ودخلوا الجامع ~~على هيئة منكرة وشاهدتهم عند وصولهم # فلما فرغت الصلاة قال لي جماعة من معارفي إنه يحسن ترك الإملاء تلك ~~الليلة في البخاري فلم تطب نفسي بذلك واستعنت بالله وتوكلت عليه وقعدت في ~~المكان المعتاد وقد حضر بعض التلاميذ وبعضهم لم يحضر تلك الليلة لما شاهد ~~وصول أولئك الأجناد # ولما عقدت الدرس وأخذت في الإملاء رأيت أولئك يدورون حول الحلقة من جانب ~~إلى جانب ويقعقعون بالسلاح ويضربون سلاح بعضهم في بعض ثم ذهبوا ولم يقع شئ ~~بمعونة الله تعالى وفضله ووقايته # ثم أن ذلك الوزير أكثر السعاية إلى المقام الإمامي هو ومن يوافقه على ~~هواه ويطابقه في اعتقاده من أعوان الدولة واستعانوا برسائل بعضها من علماء ~~السوء وبعضها من جماعة من المقصرين الذين يظنهم من لا خبرة له في عداد أهل ~~العلم # وحاصل ما في تلك الرسائل إني قدر أردت تبديل مذهب أهل البيت عليهم السلام ~~وأنه إذا لم يتدارك ذلك الخليفة بطل مذهب آبائه ونحو هذا من العبارات ~~المفتراه والكلمات الخشنة والأكاذيب الملفقة # ولقد وقفت على رسالة منها لبعض أهل العلم ممن جمعني وإياه طلب العلم ~~PageV01P051 @ 52 ونظمنا جميعا عقد المودة وسابق الإلفة فرأيته يقول فيها ~~مخاطبا لإمام العصر إن الذي ينبغي له ويجب عليه أن يأمر جماعة يكبسون منزلي ~~ويهجمون مسكني ويأخذون ما فيه من الكتب المتضمنة لما يوجب العقوبة من ~~الاجتهادات المخالفة للمذهب # فلما وقف على ذلك قضيت منه العجب ولولا أن تلك الرسالة بخطه المعروف لدي ~~لما صدقت وفيها من هذا الزور والبهت والكلمات الفظيعة شئ كثير وهي في نحو ~~ثلاثة كراريس # وعند تحرير هذه الأحرف قد انتقم الله منه فشرده إمام العصر إلى جزيرة من ~~جزائر البحر مقرونا في السلاسل بجماعة من السوقة وأهل الحرف الدنيئة وأهلكه ~~الله في تلك الجزيرة ( ^ ولا يظلم ربك أحدا ) وكان حدوث هذه الحادثة عليه ~~ونزول هذه الفاقرة به بمرأى ومسمع من ذلك الوزير الرافضي الذي ألف ms018 له تلك ~~الرسالة استجلابا لما عنده وطلبا للقرب إليه وتوددا له # ومن جملة ما وقفت عليه من الرسائل المؤلفة بعناية هذا الوزير رسالة لبعض ~~مشائخي الذين أخذت عنهم بعض العلوم الإلهية وفيها من الزور ومحض الكذب ما ~~لا يظن بمن هو دونه وما حمله على ذلك إلا الطمع في الوزير فعاقبه الله بقطع ~~ما كان يجرى عليه من الخليفة وأصيب بفقر مدقع وفاقة شديدة حتى صار عبرة من ~~العبر وكان يفد إلي يشكو حاله وما هو فيه من الجهد والبلاء فأبلغ جهدي فيم ~~منفعته وما يسد فاقته # وهكذا جماعة من المترسلين علي المبالغين في إنزال الضرر بي أرجعهم الله ~~إلي راغمين وأحوجهم لمعونتي مضطرين ولم أعاقب أحدا منهم بما أسلفه ولا ~~كافيته بما قدمته # فانظر صنع الله مع من عودى وأوذى لأجل تمسكه بالإنصاف ووقوفه عنه الحق ~~PageV01P052 @ 53 # اللهم إني أحمدك على جميل صنعك وجزيل فضلك وجميل طولك حمدا يتجدد بتجدد ~~الأوقات ويتعدد بعدد المعدودات وإني لم أكن أهلا لما أوليته فأنت له أهل ~~وبه حقيق لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك # ومما أسوقه إليك أيها الطالب وأعجبك منه أنه كان لي صديق بمدينة من مدائن ~~اليمن جمعني وإياه الطلب والإلفة والوداد وكان عالي القدر رفيع المنزلة في ~~العلم كبير السن بعيد الصيت مشهور الذكر ولعله كان يفيد الطلبة في الفقه ~~قبل مولدي وقرأ عليه بعض شيوخي ورحل إلى صنعاء وطلب علوم الاجتهاد في أيام ~~طلبي لها وكان بيني وبينه من المودة أمر عظيم وله معي مذاكرات ومباحثات ~~وترسلات في فوائد كثيرة هي في مجموع رسائلي # فلما حدث ما حدث من قيام ما قام علي من الخاصة والعامة وكان إذا ذاك قد ~~فارق صنعاء وعاد إلى مدينته وعكف عليه الطلبة واستفادوا به في الفنون ~~فقاموا عليه وقالوا إنه بلغ إلينا ما حدث من أليفك الذي تكثر الثناء عليه ~~والمذاكرة له من مخالفة المذهب والتظهر بالاجتهاد فإن كنت موافقا له قمنا ~~عليك كما قام عليه أهل صنعاء وإن ms019 كنت تخالفه فيما ظهر منه فترسل عليه # فوصلت منه رسالة في عدة كراريس وما حمله على ذلك إلا المداراة لهم ~~والتقية منهم وظاهرها المخالفة وباطنها الموافقة مع حسن عبارة وجودة مسلك ~~ولم أستنكر ذلك منه ولا أنبته عليه فإن الصدع بالحق والتظهر بما لا يوافق ~~الناس من الحق لا يستطيعه إلا الأفراد وقليل ما هم # ووصلت رسائل من جماعة آخرين من مدائن بعيدة من صنعاء فيها ما هو موافق لي ~~مقو لما ذهبت إليه وفيها ما هو مخالف لذلك ( ^ ولا يزالون مختلفين ) ~~PageV01P053 @ 54 # وليس بعجيب خذلان من خذلني ولم يقم بنصري ولم يصدع بالحق في أمري من ~~علماء صنعاء العارفين بالعلوم المتمسكين منها بجانب يفرقون به بين الحق ~~والباطل فثورة العامة يتقيها غالب الناس ولا سيما إذا حطبوا في جبل من ~~ينتمي إلى دولة ويتصل بملك ويتأيد بصولة ويأبى الله إلا أن يتم نوره وينصر ~~دينه ويؤيد شرعه # وبالجملة فالشرح لما حدث لي من الحوادث في هذا الشأن يطول ولو ذهبت ~~أسردها وأذكر ما تعقبها من ألطاف الله التي هي من أعظم العبر ومنحه التي لا ~~تبلغها الأفهام ولا تحيط بها الأوهام لم يف بذلك إلا مصنف مستقل # وليس المقصود ههنا إلا ما نحن بصدد من تنشيط طالب العلم وترغيبه في ~~التمسك بالإنصاف والتحلي بحلبة الحق والتلبس بلباس الصدق وتعريفه بأن قيامه ~~في هذا المقام كما أنه سبب الفوز بخير الآخرة هو أيضا سبب الوصول إلى ما ~~تطلبه أهل الدنيا من الدنيا وأن له الثأر على من خالفه والظهور على من ~~ناوأه في حياته وبعد موته وأنه بهذه الخصلة الشريفة التي هي الإنصاف ينشر ~~الله علومه ويظهر في الناس أمره ويرفعه إلى مقام لا يصل إلى أدنى مراتبه من ~~يتعصب في الدين ويطلب رضاء الناس بإسخاط رب العالمين # | حب الشرف والمال # ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف ويصدر عنها البعد عن الحق ~~وكتم الحجة وعدم ما أوجبه الله من البيان حب الشرف والمال اللذين هما أعدى ~~على الإنسان ms020 من ذئبين ضاريين كما وصف ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ~~هذا هو السبب الذي حرف به أهل الكتاب كتب الله المنزلة على رسله وكتموا ما ~~جاءهم فيها من البينات والهدى كما PageV01P054 @ 55 وقع من أحبار اليهود ~~وقد أخبرنا الله بذلك في كتابه العزيز وأخبرنا به رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الثابت عنه في الصحيح # وبهذا السبب بقى من بقى على الكفر من العرب وغيرهم بعد قيام الحجة عليهم ~~وظهور الحق لهم وبه نافق من نافق # ووقع في الإسلام من أهل العلم بذلك السبب عجائب مودعة بطون كتب التاريخ ~~وكم من عال قد مال إلى هوى ملك من الملوك فوافقه على ما يريد وحسن له ما ~~يخالف الشرع وتظهر له بما ينفق لديه من المذاهب # بل قد وضع بعض المحدثين للملوك أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كما وقع من وهب بن وهب أبو البخترى مع الرشيد ووقع من آخر في حديث لا سبق ~~إلا في خف أو حافر أو نصل فزاد في الحديث أو جناح موافقة للملك الذي رآه ~~يلعب بالحمام ويسابق بينها # ووضع جماعة مناقب لقوم وآخرون مثالب لآخرين لا حامل لهم على PageV01P055 ~~@ 56 ذلك إلا حب الدنيا والطمع في الحطام والتقرب إلى أهل الرئاسة بما ينفق ~~لديهم ويروح عليهم نسأل الله الهداية والحماية من الغواية # وكم قد سمعنا ورأينا في عصرنا من أهله فكثيرا ما نرى الرجل يعتقد في نفسه ~~اعتقادا يوافق الحق ويطابق الصواب فإذا تكلم عند من يخالفه في ذلك ويميل ~~إلى شئ من البدعة فضلا عن أن يكون من أهل الرئاسة وممن بيده من الدنيا فضلا ~~عن أن يكون من الملوك وافقه وساعده وسانده وعاضده وأقل الأحوال أن يكتم ما ~~يعتقده من الحق ويغمط ما قد تبين له من الصواب عند من لا يجوز منه ضررا ولا ~~يقدر منه نفعا فكيف ممن عداه # وهذا في الحقيقة من تأثير الدنيا على الدين والعاجلة على الآجلة وهو لو ~~أمعن نظره ms021 وتدبر ما وقع فيه لعلم أن ميله إلى هوى رجل أو رجلين أو ثلاثة أو ~~أكثر ممن يجاملهم في ذلك المجلس ويكتم الحق مطابقة لهم واستجلابا لمودتهم ~~واستبقاء لما لديهم وفرارا من نفورهم وهو من التقصير بجانب الحق والتعظيم ~~لجانب الباطل فلولا أن هؤلاء النفر لديه أعظم من الرب سبحانه لما مال إلى ~~هواهم وترك ما يعلم أنه مراد الله سبحانه ومطلبه من عباده # وكفاك بهذه الفاقرة العظيمة والداهية الجسيمة فإن رجلا يكون عنده فرد من ~~أفراد عباد الله أعظم قدرا من الله سبحانه ليس بعد تجرئه على الله شئ ~~أرشدنا الله إلى الحق بحوله وطوله # ومن غريب ما أحكيه لك من تأثر هوى الملوك والميل إلى ما يوافق ما ينفق ~~عندهم واقعة معي مشاهدة لي وإن كانت الوقائع في هذا الباب لا يأتي عليها ~~الحصر وهي مودعة بطون الدفاتر معروفة عند من له خبرة بأحوال من تقدم # وذلك أنه عقد خليفة العصر حفظه الله مجلسا جمع فيه وزراءه PageV01P056 @ ~~57 وأكابر أولاده وكثيرا من خواصه وحضر هذا المجلس من أهل العلم ثلاثة أنا ~~أحدهم وكان عقد هذا المجلس لطلب المشورة في فتنة حدثت بسبب بعض الملوك ~~ووصول جيوشه إلى بعض الأقطار الإمامية وتخاذل كثير من الرعايا واضطرابهم ~~وارتجاف اليمن بأسره بذلك السبب # فأشرت إلى الخليفة بأن أعظم ما يتوصل به إلى دفع هذه النازلة هو العدل في ~~الرعية والاقتصار في المأخوذ منهم على ما ورد به الشرع وعدم مجاوزته في شئ ~~وإخلاص النية في ذلك وإشعار الرعية في جميع الأقطار والعزم عليه على ~~الاستمرار فإن ذلك من الأسباب التي تدفع كل الدفع وتنجع أبلغ النجع فإن ~~اضطراب الرعايا ورفع رؤوسهم إلى الواصلين ليس إلا لما يبلغهم من اقتصارهم ~~على الحقوق الواجبة وليس ذلك لرغبة في شئ آخر # فلما فرغت من أداء النصيحة انبرى أحد الرجلين الآخرين وهو ممن حظى من ~~العلم بنصيب وافر ومن الشرف بمرتبة علية ومن السن بنحو ثمانين سنة وقال إن ~~الدولة لا تقوم بذلك ولا تتم ms022 إلا بما جرت به العادة من الجبايات ونحوها ثم ~~أطال في هذا بما يتحير عنده السامع ويشترك في العلم بمخالفته للشريعة ~~العالم والجاهل والمقصر والكامل وذكر أنه قد أخذ الجباية ونحوها من الرعية ~~فلان وفلان وعدد جماعة من أئمة العلم ممن لهم شهرة وللناس فيهم اعتقاد وهذا ~~مع كونه عنادا للشريعة وخلافا لما جاءت به وجرأة على الله نصبا للخلاف بينه ~~وبين من عصاه وخالف ما شرعه هو أيضا مجازفة بحتة في الرواية عن الذين سماهم ~~بل هو محض الكذب وإنما يروى على بعض المتأخرين ممن لم يمسه ذلك القائل وهذا ~~البعض الذي يروى عنه ذلك إنما فعله أياما يسيرة ثم طوى بساطه وعلم أنه خلاف ~~ما شرعه الله فتركه وإنما حمله على ذلك رأي رآه وتدبير دبره ثم تبين له ~~فساده # فانظر أرشدك الله ما مقدار ما قاله هذا القائل في ذلك الجمع الحافل الذي ~~شمل الإمام وجميع المباشرين للأعمال الدولية والناظرين في أمر الرعية ولم ~~PageV01P057 @ 58 ينتفع هذا القائل بمقالته لا من زيادة جاه ولا مال بل ~~غاية ما استفاده ونهاية ما وصل إليه اجتماع الألسن على ذمة واستعظام الناس ~~لما صدر منه # وهكذا جرت عادة الله في عباده فإنه لا ينال من أراد الدنيا بالدين إلا ~~وبالا وخسرانا عاجلا أم آجلا خصوصا من كان من الحاملين لحجة الله المأمورين ~~بإبلاغها إلى العباد فإن خيره في الدنيا والآخرة مربوط بوقوفه على حدود ~~الشريعة فإن زاغ عنها زاغ عنه وقد صرح الله سبحانه بما يفيد هذا في غير ~~موضع من كتابه العزيز # فأنت أيها الحامل للعلم لا تزال بخير ما دمت قائما بالحجة مرشدا إليها ~~ناشرا لها غير مستبدل بها عرضا من أعراض الدنيا أو مرضاة من أهلها # | الجدال والمراء وحب الانتصار والظهور # ومن جملة الأسباب التي يتسبب عنها ترك الإنصاف وكتم الحق وغمط الصواب ما ~~يقع بي أهل العلم من الجدال والمراء فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ~~ومعرفة بالحق ورغوب إليه فيخطئ في المناظرة ويحمله ms023 الهوى ومحبة الغلب وطلب ~~الظهور على التصميم على مقاله وتصحيح خطأه وتقويم معوجه بالجدال والمراء # وهذه الذريعة الإبليسية والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوي ~~من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة # وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضى منه العجب فإن بعض من يسلك هذا المسلك ~~قد يجاوز ذلك إلى الحلف بالإيمان على حقيقة ما قاله وصواب ما ذهب إليه ~~وكثيرا منهم يعترف بعد أن تذهب عنه سورة الغضب وتزول عنه نزوة الشيطان بأنه ~~فعل ذلك تعمدا مع علمه بأن الذي قاله غير صواب PageV01P058 @ 59 وقد وقع مع ~~جماعة من السلف من هذا الجنس مالا يأتي عليه الحصر وصار ذلك مذاهب تروى ~~وأقوال تحكى كما يعرف ذلك من يعرف # | حب القرابة والتعصب للأجداد # ومن الأسباب المقتضية للتعصب أن يكون بعض سلف المشتغل بالعلم قد قال بقول ~~ومال إلى رأى فيأتي هذا الذي جاء بعده فيحمله حب القرابة على الذهاب إلى ~~ذلك المذهب والقول بذلك القول وإن كان يعلم أنه خطأ # وأقل الأحوال إذا لم يذهب إليه أن يقول فيه إنه صحيح ويتطلب له الحجج ~~ويبحث عن ما يقويه وإن كان بمكان من الضعف ومحل من السقوط وليس له في هذا ~~حظ ولا معه فائدة إلا مجرد المباهاة لمن يعرفه والتزين لأصحابه بأنه في ~~العلم معرق وان بيته قديم فيه # ولهذا ترى كثيرا منهم يستكثر من قال جدنا قال والدنا واختار كذا صنع كذا ~~فعل كذا وهذا لا شك أن الطباع البشرية تميل إليه ولا سيما طبائع العرب فإن ~~الفخر بالأنساب والتحدث بما كان للسلف من الأحساب يجدون فيه من اللذة ما لا ~~يجدونه في تعدد مناقب أنفسهم ويزداد هذا بزيادة شرف النفس وكرم العنصر ~~ونبالة الآباء ولكن ليس من المحمود أن يبلغ بصاحبه إلى التعصب في الدين ~~وتأثير الباطل على الحق فإن اللذة التي يطلبها والشرف الذي يريده قد حصل له ~~بكون من سلفه ذلك العالم ولا يضيره أن يترك التعصب له ولا يمحق عليه ms024 شرفه ~~بل التعصب مع كونه مفسدا للحظ الأخروي يفسد عليه أيضا الحظ الدنيوي فإنه ~~إذا تعصب لسلفه بالباطل فلا بد أن يعرف كل من له فهم أنه متعصب وفي ذلك ~~عليه من هدم الرفعة التي يريدها والمزية التي يطلبها ما هو أعظم عليه وأشد ~~من الفائدة التي يطلبها بكون له قريب عالم فإنه لا ينفعه صلاح غيره مع فساد ~~نفسه وإذا لم يعتقد فيه السامع التعصب اعتقد بلاده الفهم PageV01P059 @ 60 ~~ونقصان الإدراك وضعف التحصيل لأن الميل إلى الأقوال الباطلة ليس من شأن أهل ~~التحقيق الذين لهم كمال إدراك وقوة فهم وفضل دراية وصحة رواية بل ذلك دأب ~~من ليست له بصيرة نافذة ولا معفرة نافعة فقد حصل عليه بما تلذذ به وارتاح ~~إليه من ذكر شرف السلف ما حقق عند سامعه بأنه من خلف الخلف # ولقد رأيت من أهل عصري في هذا عجبا فإن بعض من جمعني وإياه الطلب لعلوم ~~الاجتهاد يتعصب لبعض المصنفين من قرابته تعصبا مفرطا حتى أنه إذا سمع من ~~يعترض عليه أو يستبعد شيئا قاله اضطرب وتزيد وجهه وتغيرت أخلاقه سواء عليه ~~من اعترض بحق أو بباطل فإنه لا يقبل سمعه في هذا كلاما ولا يسمع من نصيح ~~ملاما # ومع هذا فهو بمحل من الإنصاف ومكان من العرفان قد تحصلت له علوم الاجتهاد ~~تحصلا قويا ونظر في الأدلة نظرا مشبعا # وكان صدور مثل هذا منه يحملني في سن الحداثة وشرخ الشباب على تحرير مباحث ~~انقض بها رسائل ومسائل من كلام قريبه قاصدا بذلك إيقاظه ورده إلى صواب ~~الصواب # وكنت إذا أردت إغضابه أو الانتصاف منه ذكرت بحثا من تلك الأبحاث أو مسألة ~~من تلك المسائل التي اعترضتها # وبهذا السبب تجد من كان له سلف على مذهب من المذاهب كان على مذهبه سواء ~~كان ذلك المذهب من مذاهب الحق أو الباطل # ثم تجد غالب العلوية شيعة وغالب الأموية عثمانية وكان تعظيم عثمان في ~~الدولة الأموية عظيما وأهل تلك الدولة مشغولون بحفظ مناقبه PageV01P060 @ ~~61 ونشرها وتعريف الناس إياها ms025 وكانوا إذ ذاك يثلبون من كانت بينه وبينه ~~عداوة أو منافسة # ثم لما جاءت الدولة العباسية عقبها كان العباس عند أهلها أعظم الصحابة ~~قدرا وأجلهم وكذلك ابنه عبد الله وتوصلت خلفاء بني العباس بكثير من شعراء ~~تلك الدولة إلى تفضيل العباس على علي ثم تفضيل أولاد العباس على أولاد علي ~~وكان الناس في أيامهم يعدونهم أهل البيت ويطبقون ما ورد من فضائل الآل ~~عليهم وأولاد علي إذ ذاك إنما هم عندهم خوارج لقيامهم عليهم ومنازعتهم لهم ~~في الملك # ولقد كان بنو أمية قبلهم هكذا يعتقد أهل دولتهم فيهم أنهم هم الآل ~~والقرابة وعصبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن العلوية والعباسية ليسوا ~~من ذلك في ورود ولا صدر بل أطبقوا هم وأهل دولتهم على لعن علي ولا يعرف ~~لديهم إلا بأبي تراب والمنتسب إليه والمعظم له ترابى لا يقام له وزن ولا ~~يعظم له جانب ولا ترعى له حرمة # ثم قامت الدولة العبيدية فانتسبوا إلى علي وسموا دولتهم الدولة العلوية ~~الفاطمية ثم أفرطوا في التشيع وغالوا في حب علي وبغض كثير من الصحابة ~~واشتغل الناس بفضائل علي ونشرها وبالغوا في ذلك حتى وضع لهم علماء السوء ~~أكاذيب مفتراة وقد جعل الله ذلك الإمام في غنى عنها بما ورد في فضائله # فالناشئ في دولة ينشأ على ما يتظهر به أهلها ويجد عليه سلفه فيظنه الدين ~~الحق والمذهب العدل ثم لا يجد من يرشده إلى خلافه إن كان قد تظهر أهله بشيء ~~من البدع وعلموا على خلاف الحق لأن الناس إما عامة وهم يعتقدون في تلك ~~البدع التي نشأوا عليها ووجدها بين ظهرانيهم إنما هي الدين الحق والسنة ~~القويمة والنحلة الصحيحة وإما PageV01P061 @ 62 خاصة ومنهم من يترك التكلم ~~بالحق والإرشاد إليه مخافة الضرر من تلك الدولة وأهلها بل وعامتها فإنه لو ~~تكلم بشئ خلاف ما قد علموا عليه ونشروه في الناس لخشى على نفسه وأهله وماله ~~وعرضه ومنهم من يترك التكلم بالحق محافظة على حظ قد ظفر به من تلك الدولة ms026 ~~من مال وجاه وقد يترك التكلم بالحق الذي هو خلاف ما عليه الناس استجلابا ~~لخواطر العوام ومخافة من نفورهم عنه وقد يترك التكلم بالحق لطمع يظنه ويرجو ~~حصوله من تلك الدولة أو من سائر الناس في مستقبل الزمان كمن يطمع في نيل ~~رئاسة من الرئاسات ومنصب من المناصب كائنا ما كان ويرجو حصول رزق من ~~السلطان أو أي فائدة فإنه يخاف أن تفوت عليه هذه الفائدة المظنونة والرئاسة ~~المطموع فها فيتظهر بما يوافق الناس ويتفق عندهم ويميلون إليه ليكون له ذلك ~~ذخيرة وبذا عندهم ينال بها عرض الدنيا الذي يرجوه # فكيف تجد ذلك الناشئ بين من كان كذلك من يرشده إلى الحق ويبين له الصواب ~~ويحول بينه وبين الباطل ويجنبه الغواية وهيهات ذاك فالدنيا مؤثرة والدين ~~تبع لها # ومن شك في هذا فليخبرنا من ذاك الذي يستطيع أن يصرخ بين ظهراني دولة من ~~تلك الدول بما يخالف اعتقاد أهلها وتألفه عامتها وخاصتها ووقوع مثل ذلك ~~نادرا إنما يقوم به أفراد من مخلصي العلماء ومنصفيهم وقليل ما هم فإنهم لا ~~يوجدون إلا على قلة وإعواز وهم حملة الحجة على الحقيقة والقائمون ببيان ما ~~أنزل الله والمترجمون للشريعة وهم العلماء حقا وأما غيرهم ممن يعلم كما ~~يعلمون ولا يتكلم كما يتكلمون بل يكتم ما أخذ الله عليه بيانه ويعمل بالجهل ~~مع كونه عالما بأنه جهل ويقول بالبدعة مع اعتقاده أنها بدعة فهذا ليس بأهل ~~لدخوله في مسمى العلم ولا يستأهل أن يوصف بوصف من أوصافه أو يدخل في عداد ~~أهله بل هو متظهر وأقواله وأفعاله وحركاته وسكناته بالجهل والبدعة مطابقة ~~لأهل الجهل والابتداع وتنفيفا لنفسه عليهم واستجلابا لقلوبهم ومداراة لهم ~~حتى يبقى عليه جاهه PageV01P062 @ 63 ويستمر له رزقه الجاري عليه من بيت ~~مال المسلمين أو وقفهم أو نحو ذلك # فهذا هو من البائعين عرض الدين بالدنيا المؤثرين العاجلة على الآجلة فضلا ~~عن أن يستحق الدخول في أهل العلم والوصول إلي هذا العلم # ومن شك فيما ذكرته أو تردد في بعض ما سقته ms027 فليمعن النظر في أهل عصره هل ~~يستطيع أحد من أهل العلم أن يخالف ما يهواه السلطان من المذاهب فضلا عن أن ~~يصرح للناس بخلافه هذا على فرض أن ذلك الذي يهواه الملك بدعة من البدع ~~الشنيعة التي لا خلاف في شناعتها ومخالفتها للشريعة كما تعتقده الخوارج ~~والروافض فإن السنة الصريحة المتواترة التي لا خلاف فيها قد جاءت بقبح ذلك ~~وذم فاعله وضلاله فانظر هداك الله وإياي من يتكلم من أهل العلم الساكنين في ~~أرض الخوارج كبلاد عمان ونحوها بما يخالف مذهب الخوارج أو ينكر ذلك عليهم ~~أو يرشد الناس إلى الحق وكذلك من كان ساكنا من أهل العلم ببلاد الروافض ~~كبلاد الأعاجم ونحوها هل تجد رجلا منهم يخالف ما هم عليه من الرفض فضلا عن ~~أن ينكره عليهم # بل قد تجد غالب من في بلاد أهل البدع من العلماء الذين لا تخفى عليهم ~~مناهج الحق وطرائق الرشد يتظهرون للملوك والعامة بما يناسب ما هم عليه ~~ويوهمونهم بأنهم يوافقونهم وأن تلك البدعة التي هم عليها ليست ببدعة بل هي ~~سنة وحق وشريعة ويعملون كعملهم ويدخلون في ضلالهم فيكونون ممن أضله الله ~~على علم PageV01P063 @ 64 # فمن كان من أهل العلم هكذا فهو لم ينتفع بعلمه فضلا عن أن ينتفع به غيره ~~فعلمه محنة له وبلاء عليه والجاهل خير منه بكثير فإنه فعل البدعة ووقع في ~~غير الحق معتقدا أن ما فعله هو الذي تعبده الله به وأراده منه # فيا من أخذ الله عليه البيان وعلمه السنة والقرآن إذا تجزئت على ربك بترك ~~طاعاته وطرح ما أمرك به فقف عند هذه المعصية وكفى بها وقس ما علمته كالعدم ~~لا عليك ولا لك ودع المجاورة لهذه المعصية إلى ما هو أشد منها وأقبح من ~~ترويج بدع المبتدعين والتحسين لها وإيهامهم أنهم على الحق # فإنك إذا فعلت ذلك كان علمك لا علمت بلاء على أهل تلك البدع بعد كونه ~~بلاء عليك لأنهم يفعلون تلك البدع على بصيرة ويتشددون فيها ولا تنجع فيهم ~~بعد ذلك من ms028 موعظة واعظ ولا نصيحة ناصح ولا إرشاد مرشد لاعتقادهم فيك لا كثر ~~الله في أهل العلم من أمثالك فإنك عالم محقق متقن قد عرفت علوم الكتاب ~~والسنة فلم يكن في علماء السوء شر منك ولا أشد ضررا على عباد الله # وقد جرت قاعدة أهل البدع في سابق الدهر ولاحقه بأنهم يفرحون بصدور الكلمة ~~الواحدة عن عالم من العلماء ويبالغون في إشهارها وإذاعتها فيما بينهم ~~ويجعلونها حجة لبدعتهم ويضربون بها وجه من أنكر عليهم كما تجده في كتب ~~الروافض من الروايات لكلمات وقعت من علماء الإسلام فيما يتعلق بما شجر بين ~~الصحابة وفي المناقب والمثالب فإنهم يطيرون عند ذلك فرحا ويجعلونه من أعظم ~~الذخائر والغنائم # فإن قلت لا شك فيما أرشدت إليه من وجوب الصدع بالحق والهداية إلى الإنصاف ~~وتأثير ما قام عليه الدليل الصحيح على محض الرأي وبيان PageV01P064 @ 65 ما ~~أنزله الله للناس وعدم كتمه لكن إذا فعل العالم ذلك وصرح بالحق في بلاد ~~البدع وأرشد إلى العمل بالدليل في مدائن التقليد قد لا يتأثر عن ذلك إلا ~~مجرد التنكيل به والهتك لحرمته وإنزال الضرر به # قلت إنما سألت هذا السؤال وجئت بهذا المقال ذهولا عما قدمته لك وأوضحته ~~وكررت من حفظ الله للمتكلمين بالحق ولطفه بالمرشدين لعباده إلى الإنصاف ~~وحمايته لهم عن ما يظنه من ضعف إيمانه وخارت قوته ووهت عزيمته فارجع النظر ~~فيما أسلفته وتدبر ما قدمته تعلم به صدق ما وعد الله به عباده المؤمنين من ~~أن العاقبة للمتقين # ثم هب صدق ما حدسته ووقوع ما قدرته وحصول المحنة عليك ونزول الضرر بك فهل ~~أنت كل العالم وجميع الناس أم تظن أنك مخلد في هذه الدار أم ماذا عسى يكون ~~إذا عملت بالعلم ومشيت على الطريقة التي أمرك الله بها فنهاية ما ينزل عليك ~~ويحل بك أن تكون قتيلا للحق وشهيدا للعلم فتظفر بالسعادة الأبدية وتكون ~~قدوة لأهل العلم إلى آخر الدهر وخزيا لأهل البدع وقاصمة لظهورهم وبلاء ~~مصوبا عليهم وعارا لهم ما داموا متمسكين بضلالهم سادرين ms029 في عمايتهم واقعين ~~في مزالقهم وكم قد سبقك من عباد الله إلى هذه الطريقة وظفر بهذه المنزلة ~~العلية وفيهم لك القدوة وبهم الأسوة # فانظر يا مسكين من قطعته السيوف ومزقته الرماح من عباد الله في الجهاد ~~فإنهم طلبوا الموت ورغبوا في الشهادة والبيض تغمد في الطلاء والرماح تغرز ~~في الكلأ والموت بمرأى منهم ومسمع يأتيهم من أمامهم وخلفهم ومن عن يمينهم ~~وشمالهم PageV01P065 @ 66 فأين أنت من هؤلاء ولست إلا قائما بين ظهراني ~~المسلمين تدعوهم إلى ما شرعه الله وترشدهم إلى تأثير كتاب الله وسنة رسوله ~~على محض الرأي والبدع فإن الذي نظن بمثلك ممن يقوم بمقامك إن لم تنجذب له ~~القلوب بادئ ذي بدء ويتبعه الناس بأول نداء أن يستنكر الناس ذلك عليه ~~ويستعظموه منه وينالوه بألسنتهم ويسيئوا القالة فيه فيكثروا الغيبة له فضلا ~~عن أن يبلغ ما يصدر منهم إلى الإضرار ببدنه أو ماله فضلا عن أن ينزل به ~~منهم ما نزل بأولئك وهب أنه ناله أعظم ما جوزه وأقبح ما قدره فليس هو بأعظم ~~مما أصيب به من قتل في سبيل الله # وها أنا أرشدك على ما تستعين به على القيام بحجة الله والبيان لما أنزله ~~وإرشاد الناس إليه على وجه لا تتعاظمه وتقدر فيه ما كنت تقدره من تلك ~~الأمور التي جبنت عند تصورها وفرقت بمجرد تخيلها وهو أنك لا تأتي الناس ~~بغتة وتصك وجهوهم مفاجئة ومجاهرة وتنعى عليهم ما هم فيه نعيا صراحا وتطلب ~~منهم مفارقة ما ألفوه طلبا مضيفا وتقتضيه اقتضاء حثيثا # بل أسلك معهم مسالك المتبصرين في جذب القلوب إلى ما يطلبه الله من عباده ~~ورغبهم في ثواب المنقادين إلى الشرع المؤثرين للدليل على الرأي وللحق على ~~الباطل # فإن كانوا عامة فهم أسرع الناس انقيادا لك وأقربهم امتثالا لما تطلبه ~~منهم ولست تحتاج معهم إلى كثير مؤنة بل اكتف معهم بترغيبهم في التعلم ~~لأحكام الله ثم علمهم ما علمك الله منها على الوجه الذي جاءت به الرواية ~~PageV01P066 @ 67 وصح في الدليل فهم يقبلون ذلك ms030 منك قبولا فطريا ويأخذونه ~~أخاذ خلقيا لأن فطرتهم لم تتغير بالتقليد ولا تكدرت بالممارسة لعلم الرأي ~~ما لم يتسلط عليه شيطان من شياطين الإنس قد مارس علم الرأي واعتقد أنه الحق ~~وأن غيره الباطل وأنه لا سبيل للعامة إلى الشريعة إلا بتقليد من هو مقلد له ~~واتباع من يتبعه فإنه إذا تسلط على العامة مثل هذا وسوس لهم كما يوسوس ~~الشيطان وبالغ في ذلك لأنه يعتقد ذلك من الدين ويقطع بأنه في فعله داع من ~~دعاة الحق وهاد من هداة الشرع وأن غيره على ضلالة # وهذا وأمثاله هم أشد الناس على من يريد إرشادهم إلى الحق ودفعهم عن البدع ~~لأن طبائعهم قد تكدرت وفطرهم قد تغيرت وبلغت في الكثافة والغلظة والعجرفة ~~إلى حد عظيم لا تؤثر فيه الرقى ولا تبلغ إليه المواعظ فلم تبق عندهم سلامة ~~طبائع العامة حتى ينقادوا إلى الحق بسرعة ولا قد بلغوا إلى ما بلغ إليه ~~الخاصة من رياضة أفهامهم وتلطيف طبائعهم بممارسة العلوم التي تتعقل بها ~~الحجج الشرعية ويعرف بها الصواب ويتميز بها الحق حتى صاروا إذا أرادوا ~~النظر في مسئلة من المسائل أمكنهم الوقوف على الحق والعثور على الصواب # وبالجملة فالخاصة إذا بقى فيهم شيء من العصبية كان إرجاعهم إلى الإنصاف ~~متيسر غير متعسر بإيراد الدليل الذي تقوم به الحجة لديهم فإنهم إذا سمعوا ~~الدليل عرفوا الحق وإذا حاولوا وكابروا فليس ذلك عن صميم اعتقاد ولا عن ~~خلوص نية # فرياضة الخاصة بإيراد الأدلة عليهم وإقامة حجج الله وإيضاح براهينه # وذلك يكفي فإنهم لما قد عرفوه من علوم الاجتهاد ومارسوه من الدقائق لا ~~يخفى عليهم الصواب ولا يلتبس عليهم الراجح بالمرجوح والصحيح بالسقيم والقوي ~~بالضعيف والخالص بالمغشوش # ورياضة العامة بإرشادهم إلى التعلم ثم بذل النفس لتعليمهم ما هو الحق في ~~اعتقاد ذلك المعلم بعد أن صار داعيا من دعاة الحق ومرشدا من مرشدي ~~PageV01P067 @ 68 المسلمين ثم ترغيبهم بما وعد الله به وإخبارهم بما يستحقه ~~من فعل كفعلهم من الجزاء والأجر ثم يجعل لهم من القدوة ms031 بأفعاله مثل ما ~~يجعله لهم من القدوة بأقواله أو زيادة فإن النفوس إلى الاقتداء بالفعال ~~أسرع منها إلى الاقتداء بالقوال # والعقبة الكؤود والطريق المستوعرة والخطب الجليل والعبء الثقيل إرشاد ~~طبقة متوسطة بين طبقة العامة والخاصة وهم قوم قلدوا الرجال وتلقوا علم ~~الرأي ومارسوه حتى ظنوا أنهم بذلك قد فارقوا طبقة العامة وتميزوا عنهم وهم ~~لم يتميزوا في الحقيقة عنهم ولا فارقوهم إلا بكون جهل العامة بسيطا وجهل ~~هؤلاء جهلا مركبا وأشد هؤلاء تغييرا لفطرته وتكديرا لخلقته أكثرهم ممارسة ~~لعلم الرأي وأثبتهم تمسكا بالتقليد وأعظمهم حرصا عليه فإن الدواء قد ينجع ~~في أحد هؤلاء في أوائل أمره وأما بعد طول العكوف على ذلك الشغف به والتحفظ ~~له فما أبعد التأثير وما أصعب القبول لأن طبائعهم ما زالت تزداد كثافة ~~بازدياد تحصيل ذلك وتستفيد غلظة وفظاظة باستفادة ذلك وبمقدار ولوعهم بما هم ~~فيه وشغفهم به تكون عدواتهم للحق ولعم الأدلة وللقائمين بالحجة # ولقد شاهدنا من هذه الطبقة مالوا سردنا بعضه لاستعظمه سامعه واستفظعه فإن ~~غالبهم لا يتصور بعد تمرنه فيما هو فيه إلا منصبا يثبت عليه أو يتيما ~~يشاركه في ماله أو أرملة يخادعها عن ملكها أو فرصة ينتهزها عند ملك أو قاض ~~فيبلغ بها إلى شيء من حطام الدنيا # ولا يبقى في طبائع هؤلاء شيء من نور العلم وهدى أهله وأخلاقهم بل هم أشبه ~~شيء بالجبابرة وأهل المباشرة للمظالم ومع هذا فهم أشد خلق الله تعصبا ~~وتعنتا وبعدا من الحق ورجوعهم إلى الحق من أبعد الأمور وأصعبها لأنه لم يبق ~~في أفهامهم فضلة لتعقل ذلك وتدبره بل قد صار بعضها مستغرقا بالرأي وبعضها ~~مستغرقا بالدنيا # فإن قلت فهل بقى مطمع في أهل هذه الطبقة وكيف الوصول إلى PageV01P068 @ ~~69 إرشادهم إلى الإنصاف وإخراجهم عن التعصب # قلت لا مطمع إلا بتوفيق الله وهدايته فإنه إذا أراد أمرا يسر أسبابه وسهل ~~طرائقه # وأحسن ما يستعمله العالم مع هؤلاء ترغيبهم في العلم وتعظيم أمره والإكثار ~~من مدح علوم الاجتهاد وأن بها يعرف أهل العلم الحق ms032 من الباطل ويميزون ~~الصواب من الخطأ وأن مجرد التقليد ليس من العلم الذي ينبغي عد صاحبه من ~~جملة أهل العلم لان كل مقلد يقر على نفسه بأنه لا يعقل حجج الله ولا يفهم ~~ما شرعه لعباده في كتابه وعلى لسان رسوله وأن من ظفر من طلبه وفاز من كده ~~ونصبه لمجرد اتباع فرد من أفراد علماء هذه الأمة وتقليده وقبول قوله دون ~~حجته فلم يظفر بطائل ولا نال حظا # فإن بقى في من كان من هذه الطبقة من علو الهمة وحظ من شرف النفس وقسط من ~~الرغبة في نيل ما هو أعلى مناقب الدنيا والآخرة فقد تميل نفسه إلى العلم ~~بعض الميل فيأخذ من علوم الاجتهاد بنصيب ويفهم بعض الفهم فيعرف أنه كان ~~معللا لنفسه بما لا يسمن ولا يغني من جوع ومشتغلا بما لا يرتقى به إلى شئ ~~من درجات العلم # فهذا الدواء لأهل هذه الطبقة من أنفع الأدوية وهو لا يؤثر بعض التأثير ~~إلا مع كون ذلك المخاطب له بعض استعداد للفهم وعنده إدراك وهو القليل # وأما من كان لا يفهم شيئا فيه من علوم الاجتهاد وإن أجهد نفسه وأطال ~~عناها وأعظم كدها كما هو الغالب على أهل هذه الطبقة فإنهم إذا استفرغوا ~~وسعهم في علم الرأي وأنفقوا في الاشتغال به شطرا من أعمارهم وسكنت أنفسهم ~~إلى التقليد سكونا تاما وقبلته قبولا كليا لم تبق بقية لفهم شئ من العلوم # وقد شاهدنا من هذا الجنس من لا يأتي عليه الحصر قد تقتضيه في بعض الأحوال ~~رغبة تجذبه إلى النظر في علم النحو فلا يفهمه قط فضلا عن سائر PageV01P069 ~~@ 70 علوم الاجتهاد التي يفتتحها الطلبة بهذا العلم # فمن كان على هذه الصفة وبهذه المنزلة لا يأتي إرشاده إلى تعلم علوم ~~الاجتهاد بفائدة وأحسن ما يستعمله معه من يريد تقليل تعصبه ودفع بعض ما قد ~~تغيرت به فطرته هو أن ينظر العالم من عمل بذلك الدليل الذي هو الحق من ~~قدماء المقلدين فيذكرهم أنه قد خالف إمامهم في تلك المسألة ms033 فلان وفلان ممن ~~هو في طبقته أو أعلا طبقة منه وليس هو بالحق أولى من المخالفين له فإن قبل ~~ذهنهم هذا فقد انفتح باب العلاج للطبيب لأنه ينتقل معهم من ذلك إلى ما ~~استدل به أمامهم وما استدل به من خالفه وينتقل منه إلى وجوه الترجيح مبتدئا ~~بما هو أقرب إلى قبول فهم ذلك العليل ثم ينقله من مرتبة إلى مرتبة حتى ~~يستعمل من الدواء ما يقلل تلك العلة فإنه إذا أدرك العليل ذهاب شئ منها حصل ~~له بعض نشاط يحمله على قبول ما يذهب بالبقية # ولكن ما أقل من يقبل شيئا من هذه الأدوية فإنه قد ارتكز في ذهن غالب ~~هؤلاء إن الصحة والسلامة لهم هي في نفس العلة التي قد تمكنت من أذهانهم ~~فسرت إلى قلوبهم وعقولهم وأشربوا من حبها زيادة على ما يجده الصحيح عن ~~العلة من محبة ما هو فيه من الصحة والعافية وسبب ذلك أنهم اعتقدوا أن ~~إمامهم الذي قلدوه ليس في علماء الأمة من يساويه أو يدانيه ثم قبلت عقولهم ~~هذا الإعتقاد الباطل وزاد بزيادة الأيام والليالي حتى بلغ إلى حد يتسبب عنه ~~أن جميع أقواله صحيحة جارية على وفق الشريعة ليس فيها خطأ ولا ضعف وأنه ~~أعلم الناس في الأدلة الواردة في الكتاب والسنة على وجه لا يفوت عليه منها ~~شئ ولا تخفى منها خافية فإذا أسمعوا دليلا في كتاب الله أو سنة رسوله قالوا ~~لا كان هذا راجحا على ما ذهب إليه إمامنا لذهب إليه ولم يتركه لكنه تركه ~~لما هو أرجح منه عنده فلا يرفعون لذلك رأسا ولا يرون بمخالفته بأسا وهذا ~~صنيع قد اشتهر عنهم وكاد أن يعمهم قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر على اختلاف ~~المذاهب وتباين النحل فإذا قال لهم القائل اعملوا بهذه الآية القرآنية أو ~~بهذا الحديث الصحيح قالوا لست أعلم من إمامنا حتى نتبعك ولو كان هذا كما ~~تقول لم يخالفه من قلدناه فهو PageV01P070 @ 71 لم يخالفه إلا ما أرجح منه # وقد ينظم إلى هذا من ms034 بعض أهل الجهل والسفه والوقاحة وصف ذلك الدليل الذي ~~جاء به المخاطب لهم بالبطلان والكذب إن كان من السنة ولو تمكنوا من تكذيب ~~ما في الكتاب العزيز إذا خالف ما قد قلدوا فيه لفعلوا # وأما في ديارنا هذه فقد لقنهم من هو مثلهم في القصور والبعد عن معرفة ~~الحق ذريعة إبليسية ولطيفة مشئومة هي أن دواوين الإسلام الصحيحين والسنن ~~الأربع وما يلتحق بها من المستندات والمجاميع المشتملة على السنة إنما ~~يشتغل بها ويتكرر درسها ويأخذ منها ما تدعو حاجته إليه من لم يكن من اتباع ~~أهل البيت لأن المؤلفين لها لم يكونوا من الشيعة # فيدفعون بهذه الذريعة الملعونة جميع السنة المطهرة لأن السنة الواردة عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هي ما في تلك المصنفات ولا سنة غير ما فيها ~~وهؤلاء وإن كانوا يعدون من أهل العلم لا يستحقون أن يذكروا مع أهله ولا ~~تنبغي الشغلة بنشر جهلهم وتدوين غباوتهم لكنهم لما كانوا قد تلبسوا بلباس ~~أهل العلم وحملوا دفاتره وقعدوا في المساجد والمدارس اعتقدتهم العامة من ~~أهل العلم وقبلوا ما يلقونه من هذه الفواقر فظلوا وأظلوا وعظمت بهم الفتنة ~~وحلت بسببهم الرزية فشاركوا سائر المقلدة في ذلك الإعتقاد في أئمتهم الذين ~~قد قلدوهم واختصموا من بينهم بهذه الخصلة الشنيعة والمقالة الفضيعة فإن أهل ~~التقليد من سائر المذاهب يعظمون كتب السنة ويعترفون بشرفها وأنها أقوال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأنها هي دواوين الإسلام وأمهات ~~الحديث وجوامعه التي عول عليها أهل العلم في سابق الدهر ولاحقه بخلاف أولئك ~~فإنها عندهم بالمنزلة التي ذكرناها فضموا إلى شنعة التقليد شنعة أخرى هي ~~أشنع منها وإلى بدعة التعصب بدعة أخرى هي أفضع منها # ولو كان لهم أقل حظ من علم وأحقر نصيب من فهم لم يخف عليهم أن هذه الكتب ~~لم يقصد مصنفوها إلا جمع ما بلغ إليهم من السنة بحسب PageV01P071 @ 72 ما ~~بلغت إليه مقدرتهم وانتهى إليه علمهم ولم يتعصبوا فيها لمذهب ولا اقتصروا ~~فيها على ما يطابق بعض ms035 المذاهب دون بعض بل جمعوا سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم لأمته ليأخذ كل عالم منها بقدر علمه وبحسب استعداده # ومن لم يفهم هذا فهو بهيمة لا يستحق أن يخاطب بما يخاطب به النوع ~~الإنساني وغاية ما ظفر به من الفائدة بمعاداة كتب السنة التسجيل على نفسه ~~بأنه مبتدع أشد ابتداع فإن أهل البدع لم ينكروا جميع السنة ولا عادوا كتبها ~~الموضوعة لجمعها بل حق عليهم اسم البدعة عند سائر المسلمين بمخالفة بعض ~~مسائل الشرع # فانظر أصلحك الله ما يصنع الجهل بأهله ويبلغ منهم حتى يوقعهم في هذه ~~الهوة فيعترفون على أنفسهم بما يقشعر له جلد الإسلام وتبكي منه عيون أهله # وليتهم نزلوا كتب السنة منزلة فن من الفنون التي يعتقدون أن أهله أعرف به ~~من غيرهم وأعلم ممن سواهم فإن هؤلاء المقلدة على اختلاف مذاهبهم وتباين ~~نحلهم إذا نظروا في مسألة من مسائل النحو بحثوا كتب النحاة وأخذوا بأقوال ~~أهله وأكابر أئمته كسيبويه والأخفش ونحوهما ولم يلتفتوا إلى ما قاله من ~~قلدوهم في تلك المسألة النحوية لأنهم يعلمون أن لهذا الفن أهلا هم المرجوع ~~إليهم فيه # فلو فرضنا أنه اختلف أحد المؤلفين في الفقه من أهل المذهب المأخوذ بقولهم ~~المرجوع إلى تقليدهم وسيبويه في مسألة نحوية لم يشك أحد أن سيبويه هو أولى ~~بالحق في تلك المسألة من ذلك الفقيه لأنه صاحب الفن وإمامه PageV01P072 @ ~~73 # وهكذا لو احتاج أحد من المقلدين أن ينظر في مسألة لغوية لرجع إلى كتب ~~اللغة وأخذ بقول أهلها ولم يلتفت في تلك المسألة إلى ما قاله من هو مقلد له ~~ولا عول عليه ولا سيما إذا عارض ما يقوله أقوال أئمة اللغة وخالف ما يوجد ~~في كتبها # وهكذا لو أراد أحدهم أن يبحث عن مسألة أصولية أو كلامية أو تفسير أو غير ~~ذلك من علوم العقل والنقل لم يرجع في كل فن إلا إلى أهله ولا يعول على ~~سواهم أنه قد عرف أن أهل تلك الفنون أخبر بها وأتقن لها وأعرف بدقائقها ~~وخفياتها ms036 وراجحها ومرجوحها وصحيحها وسقيمها بخلاف من يقلدونه فإنه وإن كان ~~في علم الفقه بارعا عارفا به لكنه في هذه الفنون لا يرتقي إلى أقل رتبة ~~وأحقرهم معرفة لا يرضى مقلدوه أن يعارضوا بقوله في هذه الفنون قول من هو من ~~أهلها # وإذا عرفت هذا من صنيعهم وتبينته فقل لهم ما بالكم تركتم خير الفنون نفعا ~~وأشرفه أهلا وأفضله واضعا وهو علم السنة فإنكم قد علمتم أن اشتغال أهل هذا ~~العلم به أعظم من اشتغال أهل سائر الفنون بفنونهم وتنقيحهم له وتهذيبه ~~والبحث عن صحيحه وسقيمه ومعرفة علله والإحاطة بأحوال رواته وإتعاب أنفسهم ~~في هذا الشأن مالا يتبعه أحد من أهل الفنون في فنونهم حتى صار طالب الحديث ~~في تلك العصور لا يكون طالبا إلا بعد أن يرحل إلى أقطار متباينة ويسمع من ~~شيوخ عدة ويعرف العالي والنازل والصحيح وغيره على وجه لا يخفى عليه مخرج ~~الحرف الواحد من الحديث الواحد فضلا عن زيادة على ذلك وفيهم من يحفظ مائة ~~ألف حديث إلى خمسمائة ألف حديث إلى ألف ألف حديث هي على ظهر قلبه لا تخفى ~~عليه منها خافية ولا يلتبس عليه فيها حرف واحد ومع هذا الحفظ والإتقان في ~~المتون كذلك يحفظون ويتقنون أسانيدهم على حد PageV01P073 @ 74 لا يخفى ~~عليهم من أحوال الرواة شيء ولا يلتبس عليهم ما كان فيه من خير وشر وجرح ~~وتعديل ويتركون من وجدوا في حفظه أدنى ضعف أو كان به أقل تساهل أو أحقر ما ~~يوجب الجرح # وبالجملة فمن عرف الفنون وأهلها معرفة صحيحة لم يبق عنده شك أن اشتغال ~~أهل الحديث بفنهم لا يساويه اشتغال سائر أهل الفنون بفنونهم ولا يقاربه بل ~~لا يعد بالنسبة إليه كثير شيء فإن طالب الحديث لا يكاد يبلغ من هذا الفن ~~بعض ما يريده إلا بعد أن يفنى صباه وشبابه وكهولته وشيخوخته فيه ويطوف ~~الأقطار ويستغرق بالسماع والكتب الليل والنهار ونحن نجد الرجل يشتغل بفن من ~~تلك الفنون العام والعامين والثلاثة فيكون معدودا من محققي أهله ومتقنيهم # فما ms037 بالكم أيها المقلدة إذا أردتم الرجوع إلى فن السنة لم تصنعوا فيه كما ~~تصنعونه في غيره من الرجوع إلى أهل الفن وعدم الاعتداد بغيرهم وهل هذا منكم ~~إلا التعصب البحت والتعسف الخالص والتحكم الصرف فهلا صنعتم في هذا الفن ~~الذي هو رأس الفنون وأشرفها كما صنعتم في غيره فرجعتم إلى أهله وتركتم ما ~~تجدونه مما يخالف ذلك في مؤلفات المشتغلين بالفقه الذين لا يفرقون بين أصح ~~الصحيح وأكذب الكذب كما يعرف ذلك من يعرف نصيبا من العلم وحظا من العرفان # ومن أراد الوقوف على حقيقة هذا فلينظر مؤلفات جماعة هم في الفقه بأعلى ~~رتبة مع التبحر في فنون كثيرة كالجويني والغزالي PageV01P074 @ 75 وأمثالها ~~فإنهم إذا أرادوا أن يتكلموا في الحديث جاءوا بما يضحك منه سامعه ويعجب ~~لأنهم يوردون الموضوعات فضلا عن الضعاف ولا يعرفون ذلك ولا يفطنون به ولا ~~يفرقون بينه وبين غيره وسبب ذلك عدم اشتغالهم بفن الحديث كما ينبغي فكانوا ~~عند التكلم فيه عبرة من العبر # وهكذا حال مثل هذين الرجلين وأشباههم من أهل طبقتهم مع تبحرهم في فنون ~~عديدة فما بالك بمن يتصدى للكلام في فن الحديث ويشتغل بإدخاله في مؤلفاته ~~وهو دون أولئك بمراحل لا تحصر # وهكذا تجد كثيرا من أئمة التفسير الذين لم يكن لهم كثير اشتغال بعلم ~~السنة كالزمخشري والفخر الرازي وغالب من جاء بعدهم فإنهم يوردون في ~~تفاسيرهم الموضوعات التي لا يشك من له أدنى اشتغال بعلم الحديث في كونه ~~موضعا مكذوبا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك المفسر قد أدخله في ~~تفسيره واستدل به على ما يقصده من تفسير كتاب الله سبحانه # وهكذا أئمة أصول الفقه فإن أكثر من يشتغل من الناس في هذا الزمان ~~بمؤلفاتهم لا يعرفون فن الحديث ولا يميزون شيئا منه بل يذكرون في مؤلفاتهم ~~الموضوعات ويبنون عليها القناطر # وبهذه الأسباب تلاعب الناس بهذا الفن الشريف وكذبوا على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أقبح كذب فصار من له تمييز يقضي من صنيعهم PageV01P075 @ 76 ~~العجب إذا وقف ms038 على مؤلفاتهم ومع ذلك فهم لا يشعرون بما هم فيه من الخطأ ~~والخطل والزلل وهم الموقعون لأنفسهم في هذه الورطة بعدم رجوعهم في هذا الفن ~~بخصوصه إلى أهله المشتغلين به كما يرجعون إلى أهل سائر الفنون عند احتياجهم ~~إلى مسألة من مسائله # ولست أظن سبب تخصيصهم لهذا الفن الشريف الجليل بعدم الرجوع إلى أهله دون ~~غيره إلا ما يجده الشيطان في تزيين مثل ذلك لهم من المحال في الدين وإثبات ~~الأحكام الشرعية بالأكاذيب المختلفة وإغفال كثير من مهمات الدين لعدم علم ~~المتكلمين في الفقه بأدلتها # وأنت لا يخفى علك بعد هذا أن إنصاف الرجل لا يتم حتى يأخذ كل فن عن أهله ~~كائنا ما كان فإنه لو ذهب العلم الذي قد تأهل للاجتهاد يأخذ مثلا الحديث عن ~~أهله ثم يريد أن يأخذ ما يتعلق بتفسيره في اللغة عنهم كان مخطئا في أخذ ~~المدلول اللغوي عنهم وهكذا أخذ المعنى الإعرابي عنهم فإنه خطأ بل يأخذ ~~الحديث عن أئمته بعد أن يكشف عن سنده وحال رواته ثم إذا احتاج إلى معرفة ما ~~يتعلق بذلك الحديث من الغريب رجع إلى الكتب المدونة في غريب الحديث وكذا ~~سائر كتب اللغة المدونة في الغريب وغيره # وإذا احتاج إلى معرفة بنية كلماته رجع إلى علم الصرف وإذا احتاج إلى ~~معرفة إعراب أواخر كلمة رجع إلى علم النحو وإذا أراد الاطلاع على ما في ذلك ~~الحديث من دقائق العربية وأسرارها رجع إلى علم المعاني والبيان وإذا أراد ~~أن يسلك طريقة الجمع والترجيح بينه وبين غيره رجع إلى علل أصول الفقه # فالعالم إذا صنع ظفر بالحق من أبوابه ودخل إلى الإنصاف بأقوى أسبابه # وأما أخذ العلم عن غير أهله ورجح ما يجده من الكلام لأهل العلم في فنون ~~ليسوا من أهلها وأعرض من كلام أهلها فإنه يخبط ويخلط ويأتي من الأقوال ~~والترجيحات بما هو في أبعد درجات الإتقان وهو حقيق بذلك فإن من ذهب يقلد ~~أهل علم الفقه فيما ينقلونه من أحاديث الأحكام ولم يعتد PageV01P076 @ 77 ~~بأئمة الحديث ms039 ولا أخذ عنهم واعتمد مؤلفاتهم كان حقيقا بأن يأخذ بأحاديث ~~موضوعة مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفرع عليه مسائل ليست من ~~الشريعة فيكون من المتقولين على الله بما لم يقل المكلفين عباده بما لم ~~يشرعه فيضل ويضل ولا بد أن يكون عليه نصيب من وزر العاملين بتلك المسائل ~~الباطلة إلى يوم القيامة فإنه قد سن لهم سننا سيئة ويصدق عليها قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أفتى بفتيا غير ثبت فإنما أثمه على الذي أفتاه أخرجه ~~أحمد في = المسند = وابن ماجه وفي لفظ من أفتى بفتيا بغير علم كان إثم ذلك ~~على الذي أفتاه أخرجه أحمد وأبو داود ورجال إسناده أئمة ثقات وليس هذا ~~بمجتهد حتى يقال إنه إن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر بل هذا مجازف ~~مجترئ على شريعة الله متلاعب بها لأنه عمد إلى من لا يعرف علم الشريعة ~~المتطهرة فرواها عنه وترك أهلها بمعزل فإن كان يعلم أن أخذ ما يستدل به من ~~الأحاديث عن غير أهل الفن فهو قد أتى ما أتاه من الاستدلال بالباطل وإثبات ~~المسائل التي ليست بشرع عن عمد وقصد فما أحقه أن يعاقب على ذلك فقد صح عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال من روى عني حديثا يرى أنه كذب فهو ~~أحد الكاذبين وفي رواية يظن أنه كذب والحديث ثابت في = صحيح مسلم = وغيره ~~وقد ثبت في = الصحيحين = وغيرهما من حديث جماعة من الصحابة أنه صلى الله ~~عليه وسلم قال من كذب علي متعمدا فليبوأ مقعده من النار PageV01P077 @ 78 # فهذا العامد إلى كتب ما لا يعرفون صحيح الأحاديث من باطلها ولا يميزونها ~~بوجه من وجوه التمييز كالمشتغلين بعلم الفقه والمشتغلين بعلم الأصول قد دخل ~~تحت حديث فهو أحد الكاذبين لأن من كان كذلك فهو مظنة للكذب على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عن عمد منه وقصد لأنه أقدم على رواية من لا ~~يدري أصحيح هو أم باطل ومن أقدم ms040 على ما هذا شأنه وقع في الكذب # وإما إذا كان الناقل من غير أهل الفن لا يدري أن من نقل عنه لا تمييز له ~~فهذا جاهل ليس بأهل لئن يتكلم على أحكام الله فاستحق العقوبة من الله ~~بإقدامه على الشريعة وهو بهذه المنزلة التي لا يستحق صاحبها أن يتكلم معها ~~على كلام فرد من أفراد أهل العلم فكيف على كلام الله ورسوله فبعدا وسحقا ~~للمتجرئين على الله وعلى شريعته بالإقدام على التأليفات للناس مع قصورهم ~~وعدم تأهلهم # وقد كثر هذا الصنع من جماعة يبرزون في معرفة مسائل الفقه التي هي مشوبة ~~بالرأي إن لم يكن هو الغالب عليها ويتصدرون لتعليم الطلبة لهذا العلم ثم ~~تكبر أنفسهم عندهم لما يجدونه من اجتماع الناس عليهم وأخذ العامة بأقوالهم ~~في دينهم فيظنون أنهم قد عرفوا ما عرفه الناس وظفروا بما ظفر به علماء ~~الشريعة المتصدرون للتأليف والكلام على مسائل الشريعة فيجمعون مؤلفات هي ~~مما قمشت وطن حبل الحاطب صنع من لا يدري لمن لا يفهم ثم يأخذها عنهم من هو ~~أجهل منهم وأقصر باعا في العلم فينشر في العالم وتظهر في الملة الإسلامية ~~فاقرة من الفواقر وقاصمة من القواصم وصاحبها لجهله يظن أنه قد تقرب إلى ~~الله بأعظم القرب وتاجره بأحسن PageV01P078 @ 79 متاجرة وهو فاسد الظن باطل ~~الإعتقاد مستحق لسخط الله وعقوبته لأنه أقدم في محل الإحجام وتحلى بما ليس ~~له ودخل في غير مدخله ووضع جهله على أشرف الأمور وأعلاها وأوالها بالعلم ~~والإتقان والتمييز وكمال الإدراك # فهذا هو بمنزلة القاضي الذي لا يعلم بالحق فهو في النار سواء حكم بالحق ~~أو بالباطل بل هذا الذي أقدم على تصنيف الكتب وتحرير المجلدات في الشريعة ~~الإسلامية مع قصوره وعدم بلوغه إلى ما لا يبد لمن يتكلم في هذا الشأن منه ~~أحق بالنار من ذلك القاضي الجاهل لأنه لم يصب بجهل القاضي الجاهل مثل ما ~~أصيب بمصنفات هذا المصنف المقصر # ومن فتح الله عليه من معارفه بما يعرف به الحق من الباطل والصواب من ~~الخطأ ms041 لا يخفى عليه ما في هذه المصنفات الكائنة بأيدي الناس في كل مذهب ~~فإنه يقف من ذلك على العجب ففي بعض المذاهب يرى أكثر ما يقف عليه في مصنف ~~من مصنفات الفقه خلاف الحق وفي بعضها يجد بعضه صوابا وبعضه خطأ وفي بعضها ~~يجد الصواب أكثر من الخطأ ثم يعثر على ما يحرره مصنفو تلك الكتب من الأدلة ~~لتلك المسائل التي قد دونوها فيجدوا في الصحيح والحسن والضعيف والموضوع وقد ~~جعلها المصنف شيئا واحدا وعمل بها جميعا من غير تمييز وعارض بين الصحيح ~~والموضوع وهو لا يدري ورجح الباطل على الصحيح وهو لا يعلم # فما كان أحق هذا المصنف لا كثر الله في أهل العلم من أمثاله بأن يؤخذ على ~~يده ويقال له اترك ما لا يعنيك ولا تشتغل بما ليس من شأنك ولا تدخل فيما لا ~~مدخل لك فيه # ثم إذا فات أهل عصره أن يأخذوا على يده فلا ينبغي أن يفوت من بعده أن ~~يأخذوا على أيدي الناس ويحولوا بينهم وبين هذا الكتاب الذي لا يفرق مؤلفه ~~بين الحق والباطل ولا يميز بين ما هو من الشريعة وما ليس منها فما أوجب هذا ~~عليهم فإن هذا المشئوم قد جنى على الشريعة وأهلها جناية PageV01P079 @ 80 ~~شديدة وفعل منكرا عظيما وهو يعتقد لجهله أنه قد نشر في الناس مسائل الدين ~~ويظن من اتبعه في الأخذ عنه أن هذا الذي جاء به هذا المصنف هو الشريعة ~~فانتشر بين الجاهلين أمر عظيم وفتنة شديدة # وهذا هو السبب الأعظم في اختلاط المعروف بالمنكر في كتب الفقه وغلبة علم ~~الرأي على علم الرواية # فإن المتصدر للتصنيف في كتب الفقه وإن بلغ في إتقانه وإتقان علم الأصول ~~وسائر الفنون الآلية إلى حد يتقاصر عنه الوصف إذ لم يتقن علم السنة ويعرفه ~~صحيحه من سقيمه ويعول على أهله في إصداره وإيراده كانت مصنفاته مبنية على ~~غير أساس لأن علم الفقه هو مأخوذ من علم السنة إلا القليل منه وهو ما قد ~~صرح بحكمه القرآن الكريم فما ms042 يصنع ذو الفنون بفنونه إذا لم يكن عالما بعلم ~~الحديث متقنا له معولا على المصنفات المدونة فيه # وبهذه العلة تجد المصنفين في علم الفقه يعولون في كثير من المسائل على ~~محض الرأي ويدونونه في مصنفاتهم وهم لا يشعرون أن في ذلك سنة صحيحة يعرفها ~~أقل طالب لعلم الحديث وقد كثر هذا جدا من المشتغلين بالفقه على تفاقم شره ~~وتعاظم ضرره وجنوا على أنفسهم وعلى الشريعة وعلى المسلمين # وإذا شككت في شئ من هذا فخذ أي كتاب شئت من الكتب المصنفة في الفقه ~~وطالعه تجد الكثير الواسع وكثيرا ما تجد في ذلك من المسائل التي لم تدع ~~إليها حاجة ولا قام عليها دليل بل مجرد الفرض والتقدير وما يدور في مناظرة ~~الطلبة ويسبق إليه أذهانهم فإن هذا يكون في الابتداء سؤالا ومناظرة ثم يجيب ~~عنه من هو من أهل الفقه وغالب من يتصدر منهم وينفق بينهم هو من لا التفات ~~له إلى سائر العلوم ولا اشتغال منه بها ولا يعرف الحجة ولا يعقلها فيدون ~~الطلبة جوابه ويصير حينئذ فقيها وعلما وهو كلام جاهل لا يستحق الخطاب ولا ~~يعول على مثله في جواب لو تكلم معه المتكلم في فن من فنون الاجتهاد لكان ~~ذلك عنده بمنزلة من يتكلم بالعجمية ويأتي بالمعميات ويتعمد الألغاز ~~PageV01P080 @ 81 # فيا هذا الجاهل لا كثر الله في أهل العلم من أمثالك ألا تعتصر على ما قد ~~عرفته من كلام من تقلده فإذا سألك سائل عن شيء منه نقلته له بنصه وإن سألك ~~عما لم يكن منه قلت لا أدري فما بالك والكلام برأيك وأنت جاهل لعلم الرأي ~~فضلا عن علم الرواية وعاطل عن كل معقول ومنقول لم تحط من علم الفقه الذي ~~ألفه أهل مذهبك إلا بمختصر من المختصرات فضلا عن مؤلفات غير أهل مذهبك في ~~الفقه فضلا عن المؤلفات في سائر العلوم فأنت من علامات القيامة ومن دلائل ~~رفع العلم وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنك وعن أمثالك وأبان ~~لنا أنه يتخذ الناس رؤوسا ms043 جهالا فيفتون بغير علم فيظلون ويضلون فأنت ممن ~~يفتي بغير علم ويعتمد الضلالة لنفسه والإضلال للناس فاربع على ظلعك وأقصر ~~من غوايتك واترك ما ليس من شأنك ودع مثل هذا لمن علمه الله الكتاب والسنة ~~وأطلعه على أسرارها بما فتح له من المعارف الموصلة إليهما فأنت وإن وكلت ~~الأمر إلى أهله وألقيت عنان هذا المركب إلى فارسه دخل إلى الشرع من أبوابه ~~ووصل إلى الحق من طريقه وحط عن عباد الله كثيرا من هذه التكاليف التي قد ~~كلفهم بها أمثالك من الجهال وأراحهم من غالب هذه الأكاذيب التي يسمونها ~~علما فإن ذلك شيء بالجهل خير منه # ولقد عظمت المحنة على الشرع وأهله بهذا الجنس من المقلدة حتى بطل كثير من ~~الشريعة الصحيحة التي لا خلاف بين المسلمين في ثبوتها لاشتهارها بين أهل ~~العلم ووجودها إما في محكم الكتاب العزيز أو في ما صح من دواوين السنة ~~المطهرة التي هي مشتهرة بين الناس اشتهارا على وجه لا يخفى على من ينسب إلى ~~العلم وإن كان قليل الحظ فيه # وسبب ذلك أن هؤلاء كما عرفت قد جعلوا غاية مطلبهم ونهاية مقصدهم ~~PageV01P081 @ 82 العلم بمختصر من مختصرات الفقه التي هي مشتملة على ما هو ~~من علم الرأي والرواية والرأي أغلب ولم يرفعوا إلى غير ذلك رأسا من جميع ~~أنواع العلوم فصاروا جاهلين بالكتاب والسنة وعلمهما جهلا شديدا لأنه قد ~~تقرر عندهم أن حكم الشريعة منحصر في ذلك المختصر وأن ما عداه فضلة أو فضول ~~فاشتد شغفهم به وتكالبهم عليه ورغبوا عما عداه وزهدوا فيه زهدا شديدا # فإذا سمعوا آية من كتاب الله أو حديثا من سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مصرحا بحكم من الأحكام الشرعية تصريحا يفهمه العامة من أهل طبقتهم كان ~~ذلك هينا عندهم كأنه لم يكن كلام الله أو كلام رسوله ويطرحونه لمجرد ~~مخالفته لحرف من حروف ذلك الكتاب بل مفهوم من مفاهيمه # وهذا لا ينكره من صنيعهم إلا من لا يعرفهم # وقد عرفت منهم من لو جمع له ms044 الجامع مصنفا مستقلا من أدلة الكتاب والسنة ~~يشتمل على أدلة قرآنية وحديثية ما يجاوز المئتين أو الألوف كلها مصرح بخلاف ~~حرف من حروف ذلك المختصر الذي قد عرفه من الفقه لم يلتفت إلى شيء من ذلك ~~ولو انضم إلى الكتاب والسنة المنقولة في ذلك المصنف إجماع الأمة سابقها ~~ولاحقها وكبيرها وصغيرها من كل من ينتسب إلى العلم على خلاف ما في ذلك ~~المختصر لم يرفع رأسه إلى شيء من ذلك # ولا أستبعد أنه لو جاءه نبي مرسل أو ملك مقرب يخبره أن الحق الذي شرعه ~~الله لعباده خلاف حرف من حروف ذلك المختصر لم يسمع منهما ولا صدقهما بل لو ~~انشقت السماء وصرخ منها ملك من الملائكة بصوت يسمعه جميع أهل الدنيا بأن ~~الحق على خلاف ذلك الحرف الذي في المختصر لم يصدقه ولا رجع إلى قوله # وأعظم من هذا أنك ترى الواحد منهم يعترف بأنه مقلد ثم يحفظ عن شيخه مسألة ~~يعترف أنها من أفكاره وأنه لم يسبق إليها مع اعترافه بأن ذلك الشيخ مقلد ~~واعترافه بأن تقليد المقلد لا يصح ثم يأخذ هذه المسألة عن PageV01P082 @ 83 ~~شيخه ويعمل بها قابلا لها قبولا تاما ساكنا إليها منثلج الخاطر بها مؤثر ~~لها على أدلة الكتاب والسنة وأنظار المبرزين من العلماء ولو أجمعوا جميعا ~~فإن إجماعهم ودليلهم لا يثني هذا الفدم الجافي الجلف عن كلام شيخه المقلد ~~الذي سمعه منه # وبالجملة فمن كان بهذه المنزلة فهو ممن طبع الله على قلبه وسلبه نور ~~التوفيق فعمى عن طريق الرشاد وضل عن سبيل الحق ومثل هذا لا يستحق توجيه ~~الخطاب إليه ولا يستأهل الاشتغال به فإنه وإن كان في مسلاخ إنسان وعلى شكل ~~بني آدم فهو بالدواب أشبه وإليها أقرب ويا ليته لو كان دابة ليسلم من معرته ~~عباد الله وشريعته ولكن هذا المخذول مع كونه حماري الفهم بهيمي الطبع قد ~~شغل نفسه بالحط على علماء الدين المبرزين المشتغلين بالكتاب والسنة وعلمهما ~~وما يوصل إليهما وعاداهم أشد العداوة وكافحهم بالمكروه مكافحة ونسبهم إلى ms045 ~~مخالفة الشرع ومباينة الحق بسبب عدم موافقتهم له على العمل بما تلقنه من ~~شيخه الجاهل # ولقد جاءت هذه الأزمة في ديارنا هذه بما لم يكن في حساب ولا خطر ببال ~~إبليس أن تكون له مثل هذه البطانة ولا ظن أنه ينجح كيده فيهم إلى هذا الحد ~~ويبلغون في طاعته هذا المبلغ فإن غالبهم قد ضم إلى ما قدمنا من أوصافه وصفا ~~أشد منها وأشنع وأقبح وهو أنه إذا سمع قائلا يقول قال رسول الله أو يملي ~~سندا فيقول حدثنا فلان عن فلان قامت قيامته وثار شيطانه واعتقد أن هذه صنع ~~أعداء أهل البيت المناصبين لهم بالعداوة المخالفين لهديهم # فانظر ما صنع هذا الشيطان فإن في نسبته للمشتغلين بالسنة المطهرة إلى ~~مخالفة أهل البيت طعنا عظيما على أهل البيت لأنه جعلهم في جانب والسنة في ~~جانب آخر وجعل بينهما عنادا وتخالفا فانظر هذا الشيعي المحب لأهل ~~PageV01P083 @ 84 البيت القائم في نشر مناقبهم كان أول ما قرره من مناقبهم ~~النداء في الناس بأن من عمل بالسنة المطهرة أو رواها أو أحبها فهو مخالف ~~لأهل البيت وحاشى لأهل البيت أن يكونوا كما قال فهم أحق الأمة باتباع سنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والاهتداء بهديه والاقتداء بكلامه # ولقد رأينا هؤلاء الذين يسخطون على السنة المطهرة ويعاون من اشتغل بها ~~وعكف عليها يسمع أحدهم في المساجد والمدارس علوم الفلسفة وسائر علوم غير ~~الشريعة يقرأها الطلبة على الشيوخ فلا ينكر ذلك ولا يرى به بأسا فإذا سمع ~~حدثنا فلان عن فلان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هذا أشد على ~~سمعه من علم أرسطو طاليس وأفلاطون وجالينوس بل أثقل على سمعه من فرعون ~~وهامان # فقبح الله أهل البدع وقلل عددهم وأراح منهم فإنهم أضر على الشريعة من كل ~~شيء قد شغلوا أنفسهم بمسائل معروفة هي رأس مذهبهم وأساسه وتركوا ما عدا ذلك ~~وعابوه وعادوا أهله # انظر الرافضة فإنك تجد أكثر ما لديهم وأعظم ما يشتغلون به ويكتبونه ~~ويحفظونه مثالب الصحابة رضي ms046 الله عنهم المكذوبة عليهم ليتوصلوا بذلك إلى ما ~~هو غاية ما لديهم من السب والثلب لهم صانهم الله وكبت مبغضيهم ثم يعتبرون ~~الناس جميعا بهذا المسألة فمن وافقهم فيما هو PageV01P084 @ 85 المسلم حقا ~~المحق وإن فعل ما فعل ومن خالفهم في هذه المسألة فهو المبطل المبتدع وإن ~~كان على جانب من الورع وحظ من التقوى لا يقادر قدرهما وقد يضمون إلى هذه ~~المسألة التظهر بجميع الصلوات وترك الجمع كما قلته في أبيات # ( تشيع الأقوام في عصرنا % منحصر في بدع تبتدع ) # ( عداوة السنة والثلب للأسلاف % والجمع وترك الجمع ) # وأما معيار التشيع في دارنا هذه عند جماعة من الزيدية لا عند جميعهم ~~فيزيدون على هذه الأربع خامسة وهي التظهر بترك بعض من سنن الصلاة كالرفع ~~والضم فإن أهل الطبقة التي ذكرنا لك أنها أصل الشر إذا رأوا من يفعل الرفع ~~والضم ونحوهما كالتوجه في الصلاة بعد التكبير والتورك في التشهد الأخير ~~والدعاء في الصلاة بغير ما قد عرفوه عادوه عداوة أشد من عداوتهم لليهود ~~النصارى وظنوا أنه على شريعة أخرى وعلى دين غير دين الإسلام وأوقعوا في ~~أذهان العوام أنه ناصبي فانتقوا من فعله لهذه السنن أو أحدها إلى النصب ~~الذي هو بغض علي وحكموا عليه به حكما جازما فانظر هذا الصنع الشنيع الذي هو ~~شبيه بلعب الصبيان # ومما أحكيه لك إني أدركت في أوائل أيام طلبي رجلا يقال له الفقيه صالح ~~النهمي قد اشتهر في الناس بالعلم والزهد وطلب علوم الاجتهاد طلبا قويا ~~فأدركها إدراكا جيدا فرفع يديه في بعض الصلوات ورآه يفعل ذلك بعض المدرسين ~~في علم الفقه المشهورين بالتحقيق فيه والإتقان له فقال اليوم ارتد الفقيه ~~صالح # فانظر هذه الكلمة من مثل هذا مع شهرته في الناس واجتماع كثير من طيلة علم ~~الفروع عليه في جامع صنعاء وشيبه الناصع وثيابه الحسنة كيف موقعها في قلوب ~~العامة وما تراهم يعتقدون في الفاعل لذلك بعد هذا # فأبعد الله هذا عالما وذهب بهذا علما وإن كان لا عالم ولا علم فإن من ms047 لا ~~يعقل الحجة ولا يفهم إلا مجرد الرأي لا الرواية ليس من العلم في شيء ~~PageV01P085 @ 86 # ولا يستحق الدخول في باب من أبوابه ولا ينبغي وصفه بشيء من صفاته # فيا هذا لا حياك الله أيكون فعل سنة الرفع التي اجتمع على روايتها عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العشرة المبشرة بالجنة ومعهم زيادة على ~~أربعين صحابيا ردة وكفرا وخروجا من الملة الإسلامية # أتدري ما صنعت بنفسك يا جاهل عمدت إلى سنة من السنن الثابتة ثبوتا ~~متواترا فتركتها ولم تقنع لمجرد إنكار ثبوتها بل جاوزت ذلك إلى أن جعلتها ~~ردة فجنيت على صاحب الشريعة أولا ثم على كل مسلم يفعل هذه السنة ثانيا ثم ~~على نفسك ثالثا فخبت وخسرت وخبطت خبطا ليس من شأن من هو مثلك من أسراء ~~التقليد واتباع التعصب وكفرت عالما من علماء المسلمين يفعل سنة من سنن سيد ~~المرسلين # فما بالك بهذا وأنت تعترف على نفسك أنك لا تعرف الحق ولا تعقل الصواب في ~~مسائل الطهارة والتخلي والوضوء والصلاة فكيف قمت هاهنا مقام تكفير المسلمين ~~والحكم عليهم بصريح الردة جازما بذلك متحدثا به مطمئنا إليه # فما أوجب إنكار مثل هذا المنكر على أئمة المسلمين وأولي الأمر منهم فإن ~~التنكيل بهذا المتكلم بمثل هذا الكلام بالحبس وسائر أنواع التعزير التي ~~تردعه وتردع أمثاله من أهل التعصب عن انتهاك أعراض المسلمين والتلاعب ~~بعلماء الدين من أعظم ما يتقرب به المتقربون وأفضل ما يفعله من ولاه الله ~~من أمر عباده شيئا فإن غالب ما يصدر من هؤلاء المتعصبة من تمزيق أعراض ~~علماء الدين المتمسكين بالسنن الصحيحة الثابتة في هذه الشريعة هو راجع إلى ~~الطعن على الشريعة والرد لما جاءت به وتقليب السنن بدعا والبدع سننا والأخذ ~~على أيدي هؤلاء حتى يدعوا ما ليس من شأنهم ويقلعوا عن غوايتهم ويقصروا عن ~~ضلالتهم واجب على كل PageV01P086 @ 87 مسلم وإذا لم تتناول أدلة الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر مثل هذا لم تتناول غيره # ومن هذا الجنس الذي يفعله أهل التعصب فرارهم عن ms048 علماء الإنصاف وطعنهم على ~~من اتصل بهم أو أخذ عنهم وتحذيرهم للعامة وللطلبة عن مجالسة من كان كذلك ~~وإخبارهم لهم بأن ذلك العالم سيضلهم ويخرجهم عما هم فيه من المذهب الذي هم ~~عليه # ثم يذكرون عند هذا التحذير والإنذار مطاعن يطعنون بها على ذلك العالم ~~لمجرد سماعها يثور غضب كل مسلم ويلتهب طبع من يسمع ذلك كائنا من كان ~~فيقولون مثلا لذلك العامي أو الطالب هذا العالم الذي تتصل به يبغض علي بن ~~أبي طالب ويبغض أهل البيت أو نحو هذه العبارات الفظيعة فعند سماع ذلك تقوم ~~قيامة هذا المسكين وليس بملوم فإنه جاهل جاء إليه من له ثياب أهل العلم ~~وسمتهم وشكلهم فقال له إن ذلك العالم يعتقد كذا أو يقول كذا فصدقه فالذئب ~~محمول على ذلك القائل ولا يكون إلا من أهل تلك الطبقة التي هي منشأ الشر ~~ومنبع الفتنة # وقد اشتهر على ألسن الناس في صنعاء وما يتصل بها أن العلماء المجتهدين ~~ومن يأخذ عنهم ويتصل بهم في هذه العصور يقال لهم سنية وهذا هو اللقب الذي ~~يتنافس فيه المتنافسون فإن نسبة الرجل إلى السنة تنادي أبلغ نداء وتشهد ~~أكمل شهادة بأنه متلبس بها ولكنه لما صار في اصطلاح هؤلاء المتعصبة يطلق ~~على من يعادي عليا ويوالي معاوية افتراء منهم على أهل العلم واجتراء على ~~المسلمين استصعب ذلك من استصعبه عند إطلاقه عليه في ألسن هؤلاء الذين هم ~~بالدواب أشبه # ولم أجد ملة من الملل ولا فرقة من الفرق الإسلامية أشد بهتا وأعظم كذبا ~~وأكثر افتراء من الرافضة فإنهم لا يبالون بما يقولون من الزور كائنا من كان ~~ومن كان مشاركا لهم في نوع من أنواع الرفض وإن قل كان فيه مشابهة لهم بقدر ~~ما يشاركهم فيه PageV01P087 @ 88 # فهذا الذي نجده في ديارنا هذه يختلف باختلاف المشاركة المذكورة فمن تلاعب ~~به الشيطان ولم يزل ينقله من درجة إلى درجة حتى وصل به إلى الرفض البحت كما ~~تشاهده في جماعة فلا مطمع في كفه عن الطعن والثلب لخير ms049 القرون فضلا عن أهل ~~عصره وليس يفلح من كان هكذا ولا يرجع إلى حق ولا ينزع عن باطل فإن تظاهر ~~بالإنصاف والإقلاع عن البدعة والتلبس بالسنة فالغالب أن ذلك يكون لجلب ~~مصلحة له دنيوية أو دفع مفسدة يخشى ضررها ولا يصح إلا في أندر الأحوال ~~فالهداية بيد الله يهدي من يشاء # وقد شاهدنا من خضوع هؤلاء لأطماع الدنيا وإن كانت حقيرة ما لا يمكن ~~التعبير عنه فإنه لو طلب منه بعض أهل الدنيا أن يخرج من مذهبه لكان سريع ~~الإجابة قريب الانفعال حتى ينال ذلك الغرض الدنيوي وهو لا محالة راجع إلى ~~ما كان فيه # ومن كان دون هذا فهو أقل ضررا منه للإسلام وأهله ولنفسه وأقرب إلى ~~الإنصاف ثم من كان أقل تلبسا بهذه البدعة كان أقل شرا وأخف ضرا وهو يرجع ~~عنها إذا طلب العلم ومارس فنونه وعكف على علم الحديث فإن لم يكن متأهلا ~~لطلب العلوم فليلزم أهله المتصفين بالإنصاف العارفين بالحق المهتدين بهدى ~~الدليل # وقد شاهدنا كثيرا فمن كان كذلك يقلع عنه وتنحل من عقد ما قد أصابه عقدة ~~بعد عقدة حتى تصفو وتذهب ما تكدرت به فطرته ويدخل إلى الحق من أبوابه بحسب ~~استعداده وبقدر فهمه # | صعوبة الرجوع إلى الحق الذي قال بخلافه # ومن آفات التعصب الماحقة لبركة العلم أن يكون طالب العلم قد قال بقول في ~~مسألة كما يصدر ممن يفتي أو يصنف أو يناظر غيره ويشتهر ذلك القول عنه فإنه ~~قد يصعب عليه الرجوع عنه إلى ما يخالفه وإن علم أنه PageV01P088 @ 89 الحق ~~وتبين له فساد ما قاله # ولا سبب لهذا الاستصعاب إلا تأثير الدنيا على الدين فإنه قد يسول له ~~الشيطان أو النفس الأمارة أن ذلك ينقصه ويحط من رتبته ويخدش في تحقيقه ويغض ~~من رئاسته # وهذا تخيل مختل وتسويل باطل فإن الرجوع إلى الحق يوجب له من الجلالة ~~والنبالة وحسن الثناء ما لا يكون في تصميمه على الباطل بل ليس في التصميم ~~على الباطل إلا محض النقص له والإزراء عليه والاستصغار ms050 لشأنه فإن منهج الحق ~~واضح المنار يفهمه أهل العلم ويعرفون براهينه ولا سيما عند المناظرة فإذا ~~زاغ عنه زائغ تعصبا لقول قد قاله أو رأي رآه فإنه لا محالة بكون عند من ~~يطلع على ذلك من أهل العلم أحد رجلين إما متعصب مجادل مكابر إن كان له من ~~الفهم والعلم ما يدرك به الحق ويتميز به الصواب أو جاهل فاسد الفهم باطل ~~التصور إن لم يكن له من العلم ما يتوصل به إلى معرفة بطلان ما صمم عليه ~~وجادل عنه وكلا هذين المطعنين فيه غاية الشين # وكثيرا ما تجد الرجلين المنصفين من أهل العلم قد تباريا في مسألة وتعارضا ~~في بحث فبحث كل واحد منهما عن أدلة ما ذهب إليه فجاءا بالمتردية والنطيحة ~~على علم منه بأن الحق في الجانب الآخر وأن ما جاء به لا يسمن ولا يغني من ~~جوع # وهذا نوع من التعصب دقيق جدا يقع فيه كثير من أهل الإنصاف ولا سيما إذا ~~كان بمحضر من الناس وأنه لا يرجع المبطل إلى الحق إلا في أندر الأحوال ~~وغالب وقوع هذا في مجالس الدرس ومجامع أهل العلم PageV01P089 @ 90 # | أن يكون المنافس المتكلم بالحق صغير السن أو الشأن # ومن الآفات المانعة عن الرجوع إلى الحق أن يكون المتكلم بالحق حدث السن ~~بالنسبة إلى من يناظره أو قليل العلم أم الشهرة في الناس والآخر بعكس ذلك ~~فإنه قد تحمله حمية الجاهلية والعصبية الشيطانية على التمسك بالباطل أنفة ~~من الرجوع إلى قول من هو أصغر منه سنا أو أقل منه علما أو أخفى شهرة ظنا ~~منه أن في ذلك عليه ما يحط منه وينقص ما هو فيه # وهذا الظن فاسد فإن الحط والنقص إنما هو في التصميم على الباطل والعلو ~~والشرف في الرجوع إلى الحق بيد من كان وعلى أي وجه حصل # | من آفات الشيخ والتلميذ # ومن الآفات ما يقع تارة من الشيوخ وأخرى من تلامذتهم فإن الشيخ قد يريد ~~التظهر لمن يأخذ عنه بأنه بمحل من التحقيق وبمكان من الإتقان ms051 فيحمله ذلك ~~على دفع الحق إذا سبق فهمه إلى الباطل لئلا يظن من يأخذ عنه أنه يخطئ ويغلط # وهو لو عرف ما عند ذلك الذي يأخذ عنه العلم أن رجوعه عن الخطأ إلى الصواب ~~أعظم في عينه وأجل عنده وزاده ذلك رغبة فيه ومحبة له وإذا استمر على الغلط ~~وصمم على الخطأ كان عنده دون منزلة الرجوع إلى الحق بمنازل # وهكذا التلميذ قد يخطر بباله التزين لشيخه والتجمل عنده بأنه قوي الفهم ~~سريع الإدراك صادق التصور فيحمله ذلك على الوقوف على ما قد سبق إلى ذهنه من ~~الخطأ والتشبث بما دفع له من الغلط PageV01P090 @ 91 # وبالجملة فالأسباب المانعة من الإنصاف لا تخفى على الفطن وفي بعضها دقة ~~تحتاج إلى تيقظ وتدبر وتتفق في كثير من الحالات لأهل العلم والفهم والإنصاف # | علاج التعصب # فالمعيار الذي لا يزيغ أن يكون طالب العلم مع الدليل في جميع موارده ~~ومصادره لا يثنيه عنه شيء ولا يحول بينه وبينه حائل # فإذا وجد في نفسه نزوعا إلى ما غير هو المدلول عليه بالدليل الصحيح وأدرك ~~منها رغبة للمخالفة وتأثيرا لغير ما هو الحق فليعلم عند ذلك أنه قد أصيب ~~بأحد الأسباب السابقة من حيث لا يشعر ووقع في محنة فإن عرفها بعد التدبر ~~فليجتنبها كما يجتنب العليل ما ورد عليه من الأمور التي كانت سببا لوقوعه ~~في المرض وإن خفيت عليه العلة التي حالت بينه وبين اتباع الحق فليسأل من له ~~ممارسة للعلم ومعرفة بأحوال أهله كما يسأل المريض الطبيب إذا لم يعرف علته ~~ولا اهتدى إليها فقد يكون دفع العلة بمجرد تجنب الأسباب الموقعة فيها ~~كالحمية التي يرشد إليها كثير من الأطباء إذا لم تكن العلة قد استحكمت وقد ~~يكون دفعها باستعمال الأدوية التي تقاوم المادة الكائنة في البدن وتدافعها ~~حتى تغلبها # وهكذا على التعصب فإنه إذا عرف سببه أمكن الخروج منه باجتنابه # وإن لم يعرف سأل أهل العلم المنصفين عن دواء ما أصابه من التعصب فإنه ~~سيجد عندهم من الأدوية ما هو أسرع كشفا ms052 وأقرب نفعا وأنجع برا مما يجده ~~العليل عند الأطباء PageV01P091 @ 92 # | العواقب الوخيمة للتعصب والبعد عن الحق # واعلم أنه كما يتسبب عن التعصب محق بركة العلم وذهاب رونقه وزوال ما ~~يترتب عليه من الثواب كذلك يترتب عليه من الفتن المفضية إلى سفك الدماء ~~وهتك الحرم وتمزيق الأعراض واستحلال ما هو في عصمة الشرع ما لا يخفى على ~~عاقل وقد لا يخلو عصر من العصور ولا قطر من الأقطار من وقوع ذلك لا سيما ~~إذا اجتمع في المدينة والقرية مذهبان أو أكثر وقد يقع من ذلك ما يفضي إلى ~~إحراق الديار وقتل النساء والصبيان كمثل ما كان يقع بين السنية والشيعة ~~ببغداد فإنهم كانوا يفعلون في كل عام فتنا ويهرقون الدماء ويستحلون من ~~بعضهم البعض ما لا يستحلونه من أهل الذمة بل قد لا يستحلونه من الكفار ~~الذين لا ذمة لهم ولا عهد # وهذا يعرفه كل من له خبرة بأحوال الناس ومن أراد الاطلاع على تفاصيل ما ~~كان يقع بينهم في بغداد بخصوصها فلينظر في مثل تاريخ ابن جرير وفي تواريخ ~~الذهبي وتاريخ ابن كثير ونحو ذلك فإنه يسجل في حوادث كل سنة شيئا من ذلك في ~~الغالب PageV01P092 @ 93 # وقد تنتهي بهم التعصبات والمناقضات إلى ما هو من أنواع الجنون والحماقات ~~القبيحة كما وقع في كتب التاريخ أن أهل السنة ببغداد أركبوا امرأة على جمل ~~وأركبوا رجلين آخرين وسموا المرأة عائشة والرجلين طلحة والزبير ومشوا معهم ~~وتحزبوا وتجمعوا فسمع بذلك الشيعة من أهل الكرخ فأقبلوا مشرعين بالسلاح ~~والكراع وقاتلوا أهل السنة قتالا شديدا وضربوا المرأة المسماة عائشة ~~والمسمى طلحة والزبير ضربا مبرحا # ومن غرائب مناقضاتهم أن الشيعة لما اجتمعوا لزيارة الحسين بن علي رضي ~~الله عنه في عاشوراء اجتمعت السنية وخرجوا يزورون مصعب بن الزبير وجعلوا ~~ذلك عادة لهم في عاشوراء فانظر ما في هذه المناقضة من الجهل فإن مصعبا ليس ~~بمستحق لذلك لأنه لم يكن معروفا بعلم ولا فضل بل أمير كبير ولى العراق من ~~أخيه عبد الله بن الزبير وسفك ms053 من الدماء ما لا يأتي عليه الحصر وبقي كذلك ~~حتى وقع الحرب بينه وبين عبد الملك بن مروان فخذله أهل العراق فقتل فانظر ~~أي فضيلة لمصعب يستحق بها أن يكون للسنية كالحسين للشيعة # وبالجملة فقد حدثت بسبب الاختلاف بين الطائفتين فواقر عظيمة لو لم يكن ~~منها إلا دخول التتر بغداد وقتلهم الخليفة والمسلمين فإن سبب ذلك الوزير ~~الرافضي ابن العلقمي كان بينه وبن الأمير مجاهد الدين الدويدار من العداوة ~~أمر عظيم وكان مجاهد الدين يتعصب على الشيعة PageV01P093 @ 94 تعصبا شديدا ~~حتى أفضى ذلك إلى نهب أهل الكرخ وإحراق بعض مساكنهم فغضب الوزير عضبا شديدا ~~ولم يستطع المكافأة إذا ذاك فحمله ذلك على مكاتبة التتر وترغيبهم في بغداد ~~وتسهيل الأمر عليهم فأقبل هولاكو ملك التتر ومعه جيش من التتر عظيم فوصلوا ~~بغداد وأحاطوا بها من جميع جوانبها وما زال الوزير يخدع الخليفة ويفرق ~~جيوشه ويحول بينه وبين الحزم حتى أعيته الحيلة وتمكن العدو فخرج عن ذلك ~~الوزير إلى التتر وقد تقدم بينهم من المكاتبة ما فيه حرمة وذمة وتكفل لهم ~~بإقاع الخليفة وأعيان المحل في أيديهم يقتلونهم كيف شاؤوا ثم دخلوهم بغداد ~~بعد ذلك ثم رجع إلى الخليفة وأخبره أن سلطان التتر لا يريد استئصاله ولا ~~نزع يده من الخلافة وليس له رغبة إلى ذلك بل مراده أن يكون متصرفا عن أمر ~~الخليفة كما كان يتصرف عن أمرهم الملوك الحمدانية والبويهية والسلجوقية ~~وأنه يريد أن يتزوج ابن الخليفة بابنته وما زال يخدع الخليفة ويفتل منه في ~~الذروة والغارب حتى أسعده ومال إلى مقاله وقال له يخرج هو وأعيان البلد ~~لعقد النكاح فخرج الخليفة وأخوته وأولاده وأعمامه وأمراؤه وأعيان بغداد من ~~كل طبقة من الطبقات التي تتصل بالخليفة وكان الذي عين الخارجين وسماهم هو ~~الوزير المذكور فلم يدع أحدا من أركان الدولة يخشى منه ولا سيما من كان ~~متعصبا على الشيعة كالأمير مجاهد الدين الدويدار فإنه جعلهم في أول ~~الخارجين لشهود العقد وقد كان أبرم هو وسلطان التتر أنه سيجعله وزيرا كما ms054 ~~كان مع الخليفة العباسي فلما خرج أولئك الأعيان والخليفة قتلهم التتر جميعا ~~ثم دخلوا بغداد فقتلوا من بها من الطائفتين لم يبقوا على شيعي ولا سني وكان ~~جملة القتلى كما نقله كثير من ثقات المؤرخين ثمانية عشر لكا عن ألف قتيل ~~وثماني مائة ألف قتيل PageV01P094 @ 95 فانظر هذه الفاقرة العظيمة التي ~~تسببت عن تعصب الوزير الرافضي لأصحابه من الرافضة لا رحمه الله وقد كان ~~يظهر التأسف والتندم ويقول إنه ما كان يظن أن الأمر يقع هكذا وأنه كان يظن ~~سلامة الشيعة وعدم وصول الأمر إليهم حسبما قدمه لنفسه ولهم ولم يصل إلى ما ~~شرطه لنفسه من الوزارة ولا غيرها وغاية ما ناله السلامة من القتل ومات بعد ~~أن اقترف هذه العظيمة بأيام يسيرة دون سنة وكان موته كمدا على ما جناه على ~~نفسه خصوصا وعلى إخوانه من الرافضة وسائر المسلمين وكان في بعض الأوقات ~~يظهر التجلد ويقول لا يبالي بمن قتل ولا بمن أصيب بعد أن شفى نفسه من ~~الدويدار # فانظر هذه الجاهلية التي تظاهر بها هذا الرافضي وانظر ما صنع بالمسلمين ~~وما جناه الخليفة على نفسه من استخلاصه للوزارة وأمانته على الأسرار ~~والركون إليه في تدبير الدولة # وهكذا من ألقى مقاليد أمره إلى رافضي وإن كان حقيرا فإنه لا أمانة لرافضي ~~قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض بل يستحل ماله ودمه عند أدنى ~~فرصة تلوح له لأنه عنده مباح الدم والمال وكل ما يظهره من المودة فهو تقيه ~~يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة # وقد جربنا هذا تجريبا كثيرا فلم نجد رافضيا يخلص المودة لغير رافضي وإن ~~آثره بجميع ما يملكه وكان له بمنزلة الخول وتودد إليه بكل ممكن # ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة ولا غيرها ما نجده عند هؤلاء من ~~العداوة لمن خالفهم ثم لم نجد عند أحد ما نجد عندهم من التجرئ على شتم ~~الأعراض المحترمة فإنه يلغن أقبح اللعن ويسب أفظع السب كل من تجري بينه ~~وبينه أدنى خصومة وأحقر جدال وأقل ms055 اختلاف ولعل سبب هذا والله أعلم أنه لما ~~تجرؤا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من PageV01P095 @ 96 عداهم ولا جرم ~~فكل شديد ذنب يهون ما دونه وقد يقع بعض شياطينهم في علي كرم الله وجهه حردا ~~عليه وغضبا له حيث ترك حقه بل قد يبلغ بعض ملاعينهم إلى ثلب العرض الشريف ~~النبوي صانه الله قائلا إنه كان عليه الإيضاح للناس وكشف أمر الخلافة ومن ~~الأقدم فيها والأحق بها # وأما تسرع هذه الطائفة إلى الكذب وإقدامهم عليه والتهاون بأمره فقد بلغ ~~من سلفهم وخلفهم إلى حد الكذب على الله وعلى رسوله وعلى كتابه وعلى صالحي ~~أمته ووقع منهم في ذلك ما يقشعر له الجلد وناهيك بقوم بلغ الخذلان بغلاتهم ~~إلى إنكار بعض كتاب الله وتحريف البعض الآخر وإنكار سنة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # وجاوز ذلك جماعة من زناديقهم إلى اعتقاد الألوهية في ملوكهم بل في شيوخ ~~بلدانهم # ولا غرو فاصل هذا المظهر الرافضي مظهر إلحاد وزندقة جعله من أراد كيدا ~~للإسلام سترا له فأظهر التشيع والمحبة لآل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~استجذابا لقلوب الناس لأن هذا أمر يرغب فيه كل مسلم وقصدا للتغرير عليهم ثم ~~أظهر للناس أنه لا يتم القيام بحق القرابة إلا بترك حق الصحابة ثم جاوز ذلك ~~إلى إخراجهم صانهم الله عن سبيل المؤمنين # ومعظم ما يقصده بهذا هو الطعن على الشريعة وإبطالها لأن الصحابة رضي الله ~~تعالى عنهم هم الذين رووا للمسلمين علم الشريعة من الكتاب والسنة فإذا تم ~~لهذا الزنديق باطنا الرافضي ظاهرا القدح في الصحابة وتكفيرهم والحكم عليه ~~بالردة بطلت الشريعة بأسرها لأن هؤلاء هم حملتها الراوون لها عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم # فهذا هو العلة الغائية لهم وجميع ما يتظهرون به من التشيع كذب وزور ومن ~~لم يفهم هذا فهو حقيق بأن يتهم نفسه ويلوم تقصيره ولهذا PageV01P096 @ 97 ~~تجده إذا تمكنوا وسارت لهم دولة يتظاهرون بهذا ويدعون الناس إليه كما وقع ~~من القرامطة والباطنية والإسماعلية وما نحا ms056 نحوه فإنهم لما تمكنوا أظهروا ~~صريح الكفر والزندقة وفعلوا تلك الأفاعيل من الاستهتار بمحارم الله وما ~~عظمه كنقلهم للحجر الأسود من الحرم إلى هجر وكقول رئيس القرامطة اللعين لما ~~سفك دماء الحجاج بالبيت الحرام وفعل به من المنكرات ما هو معروف # ( ولو كان هذا البيت لله ربنا % لصب علينا النار من فوقنا صبا ) # ( لأنا حججنا حجة جاهلية % محللة لم يبق شرقا ولا غربا ) # ثم قال لمن بقي في الحرم سالما من القتل يا حمير أنت تقولون ( ^ ومن دخله ~~كان آمنا ) # وقد كان أول هذه النحلة القرمطية التظهر بمحبة أهل البيت والتوجع لهم ~~والعداوة لأعدائهم ثم انتهى أمرهم إلى مثل هذا # وهكذا الباطنية فإن مذهبهم الذي يتظهرون به ويبدونه للناس هو التشيع ولا ~~يزال شياطينهم ينقلون من دخل معهم فيه من مرتبة إلى مرتبة حتى يقفوه على ~~باب الكفر وصراح الزندقة وإذا تمكن بعض طواغيتهم فعل كما فعل علي بن الفضل ~~الخارج باليمن من دعاء الناس إلى صريح الكفر ودعوى النبوة ثم الترقي إلى ~~دعوى الألوهية وكما فعله الحاكم العبيدي بمصر من PageV01P097 @ 98 أمر ~~الناس بالسجود له والقيام عند ذكره على صفة معروفة فكان إذا ذكره الخطيب ~~يوم الجمعة على المنبر قام جميع من بالمسجد ثم يخرون ساجدين ثم يقوم ~~بقيامهم من يتصل بالجامع من أهل الأسواق ثم يسري ذلك إلى قيام أهل مصر وما ~~كان يبديه من الأفعال المتناقضة والحماقات الباردة مقصوده من ذلك تجريب ~~أحوال الناس واختبار طاعتهم له في الأمور الباطلة وفي مخالفة الشريعة حتى ~~ينقلهم إلى ما يريده وكم نعدد لك من هذا # والجملة فإذا رأيت رجلا قد انتهى به الرفض إلى ذم السلف الصالح والوقيعة ~~فيهم وإن كان ينتمي إلى غير مذهب الإمامية فلا تشك في أنه مثلهم في ما ~~قدمنا لك # وجرب هذا إن كنت ممن يفهم فقد جربناه وجربه من قبلنا فلم يجدوا رجلا ~~رافضيا يتنزه عن شئ من محرمات الدين كائنا ما كان ولا تغتر بالظواهر فإن ~~الرجل قد يترك المعصية في الملأ ms057 ويكون أعف الناس عنها في الظاهر وهو إذا ~~أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف نارا ولا يرجو جنة # وقد رأيت من كان منهم مؤذنا ملازما للجماعات فانكشف سارقا # وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء وله سمت حسن وهدى عجيب وملازمة ~~للطاعة وكنت أكثر التعجب منهم كيف يكون مثله رافضيا ثم سمعت بعد ذلك عنه ~~بأمور تقشعر له الجلود وترجف منها القلوب # وكان لي صديق يكثر المجالسة لي والوصول إلي وفيه رفض يسير وهو متنزه عن ~~كل محظور ثم ما زال ذلك يزيد به الأسباب حتى صار يصنف في مثالب جماعة من ~~الصحابة ثم صار يمزق أعراض جماعة من أحياء أهل العلم PageV01P098 @ 99 ~~والأموات وينسبهم إلى النصب بمجرد كونهم لا يوافقونه على رفضه ثم صار يتصل ~~به جماعة ويأخذون عنه من الرفض ما لا يتظاهر بمثله أهل هذه الديار # وكنت أعرف منه في مبادئ أمره صلابة وعفة قلت إذا كان ولا بد من رافضي ~~عفيف فهذا ثم سمعت عنه بفواقر نسأل الله الستر والسلام # وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ~~ظلمه كائنا من كان فلا يحتاج إلى برهان بل يكفي مدعيه إحالة منكره على ~~الاستقرار والتتبع فإنه سيظهر عند ذلك بصحة ما ذكرناه # ولقد جربت أهل عصرى في هذه المادة تجريبا عظيما لتعلقي بما تتعلق به ~~الأطماع واختبار بالناس على اختلاف طبقاتهم ولا شك أن الدنيا مؤثرة وأن ~~الوثوب على مصالحها وتقديمها وانتهاز الفرص في ما يتعلق بها غير مختص ~~بهؤلاء بل هو عام لكل الفرق والزاهد فيها المؤثر للدين عليها هو الشاذ ~~النادر لكن هؤلاء لهم مزيد تكالب وعظيم تهافت وشدة تهالك مع عدم وقوف عند ~~حدود الشرع واقتصار على ما فيها من تحليل وتحريم # ومن أقرب حوادث الرفض في ديارنا هذه أنه كان جماعة من المتظهرين بالعلم ~~يملون على الناس في جامع صنعاء في شهر رمضان سنة ست عشرة ومائة بعد الألف ~~في كتب فضائل علي بن أبي طالب رضي الله ms058 عنه وكان نحو ثلاثة أو أربعة كل ~~واحد منهم قد اجتمع عليه جماعة كثيرة من العامة وكان أحدهم يملي على كرسي ~~مرتفع وتسرج حوله الشمع الكثير فيجتمع من الناس عدد كثير جدا لقصد الفرجة ~~كما يتفق في مثل هذا وكانوا يشوبون المناقب بذكر مثالب بعض الصحابة ويحطون ~~من بعضهم ويصرحون بسب البعض ويتوجعون من البعض # وكان ما يصدر من هؤلاء من هذه الأمور إنما هو مطابقة للوزير الرافضي الذي ~~قد قدمت لك ذكره ولا سيما صاحب الكرسي وهذا الوزير لم يكن رفضه لوازع ديني ~~كما يتفق لكثير من أهل الجهل المتعلقين بالرفض فهو أنذل من ذاك وأقل ولكنه ~~يفعل ذلك مساعدة لجماعة من شياطين المتفقهة PageV01P099 @ 100 المتعصبة ~~يدخلون إليه فيقولون إنه لم يبق من يحامي على هذا الأمر سواك وإنك ركن ~~التشيع وملجأ أهله ونحو هذه العبارات فيبالغ في التظهر بهذه الخصلة ويحب ~~نسبة ذلك إليه فكان الرفض مكملا لمثالبه متتما لمعايبه لأنه في كل باب من ~~أبواب القبائح قريع ظهره ونسيج وحده # فلما تكاثر ما يصدر من أولئك المشتغلين بما لا يعنيهم من ثلب السلف مع ما ~~ينضم إلى ذلك من إدخال الضغائن في قلوب العامة وإيمانهم أن الناس قد تركوا ~~مذهب أهل البيت وفعلوا وفعلوا وكل ذلك كذب فإن الناس هم في هذه الديار ~~زيدية وكثير منهم يجاوز ذلك فيصيروا رافضيا جلدا ولم يكن في هذه الديار على ~~خلاف ذلك إلا الشاذ النادر وهم أكابر العلماء ومن يقتد بهم فإنهم يعملون ~~بمقتضى الدليل ولا ينتمون إلى مذهب ولا يتعصبون لأحد فهؤلاء الذين يقصدهم ~~أولئك الرافضة بكل فاقرة ويرمونهم بالحجر والمدر ويسمونهم بميسم النصب # فلما تفاقم شر أولئك المدرسين وصار الجامع ملعبا لا متعبدا واشتغل ~~بأصواتهم المصلون عن صلاتهم والذاكرون عن ذكرهم رجع إمام العصر أعز الله به ~~الدين منع صاحب الكرسي من الإملاء في الجامع وأمره بالعود إلى المسجد الذي ~~كان يملي فيه # فحضر أولئك المستعمرون على عادتهم وكان الإملاء قبل صلاة العشاء فلما لم ~~يحضر شيخهم ذهب ms059 بعضهم ليجيء به من بيته فأخبرهم أن الإمام قد منعه وأمره ~~بالعود إلى حيث كان # فلم يعذروه ولا سمعوا منه ورجعوا إلى الجامع ثم ثاروا ثورة شيطانية ~~وقاموا قومة طاغوية فمنعوا من الصلاة في الجامع وما زال ينظم إليهم كل ~~رافضي ومن له رغبة في إثارة الفتنة حتى صاروا جمعا كثيرا ثم خرجوا فقصدوا ~~بيت المؤذن الذي أظهر عليهم الرأي الإمامي فرجموه حتى كادوا PageV01P100 @ ~~101 يهدمونه وفيه نساء وأطفال قد صاروا في أمر مريع # هذا وليس لذلك المؤذن المسكين سعي ولا له قدرة على شئ ولكنه أرسل بالرأي ~~الإمامي وإلى الأوقاف إليه ووالى الوقف أيضا ليس له سعي في ذلك ولكنه أرسله ~~إليه بعض من يتصل بالمقام الإمامي # ثم لما فرغوا من رجم بيت المؤذن ذهبوا ولهم صراخ عظيم وأصوات شديدة إلى ~~بيت والي الأوقاف وهو رجل من أهل العلم من آل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فرجموا بيته رجما شديدا حتى غشى على بعض من فيه من الشرائف فقال لهم قائل ~~إن هؤلاء الشرائف المرجومات هن بنات نبيكم وبنات علي بن أبي طالب ولم يكن ~~بنات معاوية ولا بنات عمر بن العاص وغيرهما ممن تعادونهم فما لكم ولهن فلم ~~يلتفتوا إلى ذلك واستمروا في الرجم ثم دخلوا إلى بعض البيت ونهبوا بعض ~~متاعه # وبلغهم أن والي الأوقاف وولده لمسجد قريب من بيته فحاصروا حيصة حمر الوحش ~~وصرخوا صرخة الحمر الأهلية وذهبوا إلى ذلك المسجد عازمين على قتله فأغلق ~~عليه بعض الناس مقصورة المسجد فسلم # ثم ذهبوا بصراخهم وجلبتهم إلى بيت بعض أهل العلم من أهل البيت النبوي ~~وكان يعظ الناس بالجامع ويتظهر ببعض من السنة فرجموا بيته رجما شديدا وفيه ~~شرائف وأطفال # ثم ثاروا إلى بيت بعض وزراء الخليفة لا لذنب إلا لكونه ينافسه ذلك الوزير ~~الرافضي وكونه ينتسب إلى بعض بطون قريش فرجموه رجما شديدا ثم كسروا بعض ~~أبوابه ودخلوا وكادوا يتصلون بمن فيه لولا أنه حماه جماعة بالرمي بالبنادق ~~وآخرون بالسلاح # ويتصل ببيت هذا الوزير المرجوم ms060 بيت وزير آخر من أهل العلم فرجموه ورجمهم ~~من في بيت الوزير حتى أصابوا جماعة منهم فتركوه وسبب رجمهم PageV01P101 @ ~~102 لبيت الوزير هذا أنه من جملة من يتظهر بعلم السنة ثم لما كاد ينقضى ~~الليل فارقوا ما هم فيه وقد أثاروا فتنة عظيمة ومحنة شديدة # ولما كان النهار جمع الخليفة أعوانه وطلبني واستشارني فأشرت عليه بأن ~~يحبس أولئك المدرسين الذين أثاروا الفتنة في الجامع بسبب ما يصدر منهم من ~~نكاية القلوب وإثارة العوام فحبسهم ثم أشرت عليه بأنه يأمر بتتبع أولئك ~~الذين رجموا البيوت وفعلوا تلك الأفاعيل ومن وجدوه حبسوه ويأمر بتتبع جماعة ~~من شياطين الفقهاء المثيرين للفتنة ففعل وحبسوا جميعا # ولكن لم ينصح وإلى مدينة صنعاء لموافقته للوزير الرافضي في الرفض ومهابته ~~له ووقوفه عندما يختاره ويرتضيه # وبعد أن اجتمع في الحبس جماعة كثيرة من هؤلاء أرسل الإمام حفظه الله ~~لجماعة من شياطينهم المباشرين للفتنة من الفقهاء فجئ بهم من الحبس إليه ~~وضربهم بالعصى تحت داره وهو ينظر ثم أرسل في اليوم الآخر لجماعة من أهل ~~السوق المباشرين للفتنة فصنع بهم ما صنع بأولئك ثم جعل جماعة من شياطين ~~الجميع في سلاسل وأرسل بهم إلى جزائر البحر على هيئة منكرة فسكنت الفتنة ~~سكونا تاما # ولقد شهدت من التعصبات في هذه الفتنة ما بهرني من الخاصة والعامة أما ~~الخاصة فإني رأيت من أهل بيت الخلافة من أولاد الإمام وغيرهم ومن الوزراء ~~والأمراء والقضاه وأهل العلم من ذلك ما يعجب منه فإني لما أشرت على الخليفة ~~بما أشرت خرجت من المكان الذي هو مستقر فيه إلى حجرته وفيها أكابر أولاده ~~وهم إذا ذاك أمراء الأجناد وعندهم جميع الوزراء وهم جميعا في أمر مريع فيهم ~~من يعظم عليه حبس أولئك المدرسين ويراه حطا في مرتبة الرفض ونقصا من ~~الرافضة وقد قتل منهم ذلك الوزير الرافضي في الذروة والغارب وأوهمهم أنها ~~ستثور فتنة من العامة والأجناد ومازال بعض أولاد الخليفة يردد علي ذلك ~~ويرغبني في الرجوع PageV01P102 @ 103 عن الشور الذي أشرت به على ms061 الخليفة ~~ويذكر ما قد ألقاه إليه الوزير الرافضي من خشية ثورة الأجناد والعامة ~~فمازلت أعرفه بالصواب وأذكر له أن هذه الفتنة لو لم تحسم يومنا هذا بحبس ~~المثيرين لها لهلك غالب الناس في الليلة الواصلة ونهبوا الأموال جهارا وأنه ~~سيصل الأمر إلى الخليفة وأولاده فضلا عن غيرهم وعرفته أنه ما سيثور بسبب ~~ذلك أجناد ولا غيرهم فإن هذا تسكين للفتنة لا إثارة لها # ولقد حمدوا هذه المشورة بعد حين وعرفوا أنها صواب وأن بها كان سكون تلك ~~الفتنة التي غلت مراجلها وكادت تعم جميع أهل صنعاء ثم تسرى بعد ذلك إلى ~~سائر الديار اليمنية # وأما العامة فلا يتسع المقام لسرد ما شوهد منهم من الصولة والجولة ~~والاشتغال بهذا الأمر ولقد كنت أرى كثيرا من المنسوبين إلى العلم يبكون ~~رحمة لإخوانهم المثيرين للفتنة لما حل بهم من العقوبة # ولقد تغيرت بهجة هذه المدينة العظيمة وتكدرت مشاربها العلمية وذهب رونق ~~معارفها بما يصنعه جماعة المقصرين المغيرين لفطرتهم السليمة بما حدث من علم ~~الروافض ودسائسهم التي هي أضر على المقصرين من السم القتال وأدوى على من لم ~~تستحكم معرفته وترسخ في العلوم قدمه من الداء العضال على كثرة من فيها من ~~العلماء المنصفين والطلبة المتميزين الأذكياء الماهرين فإنه قل أن يوجد ~~بمدينة من المدائن ما يوجد الآن في صنعاء من رجوع أهل العلم بها إلى ما صح ~~عن الشارع وعدم تعويلهم على الرأي وطرحهم للمذاهب عند قيام الدليل الناهض # فإن هذه مزية وفضيلة لا تكاد تعرف في سائر الأقطار إلا في الفرد الشاذ ~~البالغ من العلم إلى منزلة علية مع مراجعته لفطرته وتفكره في طروء ما طرأ ~~من المغيرات وتدبره لما قدمنا ذكره من الأسباب الموجبة للتعصب الحائلة بين ~~المتمذهبين وبين الإنصاف PageV01P103 @ 104 # وهذا النادر الشاذ يبالغ في الكتم ويستكثر من المجانبة لما يظنه الحق ~~مخافة من وثوب المقلدة عليه وهتكهم له لأنهم لا يقنعون من العالم وإن كان ~~في أعلى درجات الاجتهاد إلا بأن يكون مثلهم مقلدا بحتا مقتديا بالعالم الذي ~~يقلدونه ms062 هم وأسلافهم وإن كان هذا العالم الذي يريدون منه ذلك أغلا رتبة ~~وأجل قدرا وأكثر علما من عالمهم الذي يقلدونه كما يجده من له اطلاع على ~~كثير من أحوال الناس فإن في علماء المذاهب الأربعة من هو أوسع علما وأعلا ~~قدرا من أمامه الذي ينتمي إليه ويقف عند رأيه ويقتدي بما قاله في عبادته ~~ومعاملته وفي فتاويه وقضائه ويسرى ذلك إلى مصنفاته فيرجح فيها ما يرجحه ~~إمامه وإن كان دليلة ضعيفا أو موضوعا أو لا دليل بيده أصلا بل مجرد محض ~~الرأي ويدفع من الأدلة المخالفة له ما هو أوضح من شمس النهار تارة بالتأويل ~~المتعسف وحينا بالزور الملفق مع كونه بمكان من العلم لا يخفى عنده الصواب ~~ولا يلتبس معه الحق ولكنه يفعل ذلك مخافة على نفسه من تلك الطبقة المشومة ~~أو تأثيرا لما قد ظفر به من الدنيا والجاه الذي لا يستمر له إلا بالموافقة ~~لهم والسلوك فيما يرضيهم وقد يحمله على ذلك الحرص على نفاق مصنفه بينهم ~~واشتهاره عندهم وتداولهم له # وما كان أغناه عن هذه البلية التي وقع فيها والجناية التي جناها عل نفسه ~~في العاجلة والآجلة # أما في الآجلة فظاهر فإن اشتغاله بذلك التصنيف المشتمل على تأثير رأى فرد ~~من أفراد أهل العلم على ما شرعه الله في محكم كتابه وعلى لسان رسوله من ~~أعظم الذنوب التي تلقاه بين يدي الله فإنه ضال مضل مفتون فاتن محارب ~~للشريعة المطهرة معاند لها فعليه إثم بما سنة من هذه السنة السيئة وإثم من ~~عمل بها إلى يوم القيامة # وأما في العاجلة فإن مثل هؤلاء الصم البكم من المقلدة لا يفرح العاقل ~~PageV01P104 @ 105 بانتشار مصنفاته عندهم وشيوعها بينهم لأنهم لا يفهمون ~~العلم ولا يعرفون أهله ولا فرق بينهم وبين العامة البحت إلا مجرد الدعوة ~~والتلبس بلباس أهل العلم والقعود في مقاعد أهله فكما أن العاقل لا يفرح ~~بإقرار جماعة له من البدو والحراث أو السوقة من أهل الحياكة والحجامة وسقاط ~~أهل المهن الدنيئة والمعاشر الوضيعة كذلك لا ينبغي ms063 له أن يفرح بمثل ذلك من ~~المقلدة فإنهم كما قال القائل # ( فإن لم يكنها أو تكنه فإنه % أخوها غذته أمه بلبانها ) # ومع هذا فإنه يعرف نفسه بهذا التصنيف لاستقصار أهل العلم الذين هم أهله ~~وعليهم المعول فيه لغايته واستحقار ما جاء به والإزراء عليه من كل واحد ~~منهم في عصره ذلك وما بعده من العصور ما دام ذلك المصنف المشؤوم موجودا على ~~وجه الأرض كما هو معلوم فإن المحقق من أهل العلم إذا عثر على شئ من هذه ~~المصنفات المتعسفة الخارجة عن الحق انقبضت أنفسهم عنه واستبردوه وسقط مصنفه ~~عندهم ولم يعدوه من أهل العلم في ورد ولا صدر وألحقوه بالطبقة التي حملته ~~على ذلك الصنع الذي صنعه لهم وأحملوا ذكره في مصنافاتهم التي هي المصنفات ~~المعتبرة # وبالجملة فما صنع هذا المصنف لنفسه بذلك التصنيف إلا ما هو خزى له في ~~الدنيا والآخرة ووبال عليه في الآجلة والعاجلة # وقد يسلك بعض هؤلاء مسلكا هو أخس من ذلك المسلك وذلك بأن يورد الأقوال ~~ويحتج لكل واحد منها بما احتج به قائله ويستكثر من إيراد أدلة ما هو الحق ~~منها ويخرجه من مخارجه المقبولة ثم يذكر ما قيل من ضعف دليل ما قال به من ~~يعتقده أهل عصره وقطره وينسب ذلك التضعيف إلى من يعتد به من أهل العلم ثم ~~يعترض ذلك التضعيف باعتراض يعرف من هو من أهل العلم والإتقان سقوطه و ~~بطلانه ركونا منه على أن ذلك لا يخفى على من له قدم في العلم وزعما أنه قدر ~~من لهم إلى ما هو الحق بإيراد دليله الصحيح وإلى ما يخالفه بإيراد دليله ~~الضعيف وأنه لم يأت بما أتى به من الاعتراض PageV01P105 @ 106 الساقط ~~والتقوية للقول الفاسد إلا على وجه لا يخفى على أهل الإتقان ولا يلتبس عند ~~العارفين وهو في زعمه قد أرضى الخاصة والعامة وسلك مسلكا في غاية التحذلق ~~ونهاية التبصر وهو لا يشعر بأن الخاصة من أهل التحقيق في غنى عن رمزه وهمزه ~~وتحذلقه فإنهم يعرفون مسالك الحق ms064 بدون زعمه ويأخذون الصواب من معادنه فنفاق ~~ما جاء به لديهم غاية ما فيه أنهم لا يطعنون عليه بالجهل والقصور والبلادة ~~وبعد الإدراك ولكنه قد فتح للمقصرين أبواب الطعن على الأدلة الصحيحة وزادهم ~~إلى ما لديهم من البلايا الباطلة بلايا أخرى وجعل بينهم وبين الرجوع إلى ~~الحق ردما فوق الردم الذي قد كان معمورا ورفع أبنية الباطل وشيدها ولم يهدم ~~منها بتصنيفه حجرا ولا مدرا لأنه لقنهم المطاعن على الشرع وفتح لهم أبواب ~~المقال على الأدلة وهم لا يعرفون أن اعتراضهم فاسد وأنه لا ينفق ولا يصلح ~~لقصور أفهامهم عن إدراك ما هو صحيح أو باطل وضعف معارفهم عن البلوغ إلى ~~درجة التمييز فزادهم بما أفادهم شرا إلى شرهم وتعصبا إلى تعصبهم وبعدا عن ~~الحق إلى بعدهم ولم ينتفع الخاصة بشيء مما جاء به من الألغاز بل أنزل بهم ~~من الضرر ما لم يكن قبله فإن أهل التعصب يصولون عليهم باعتراضه ويجولون ~~ويدفعون به في وجه من قال بضعف دليل القول الذي قاله من يقلدونه ويجعلون ~~ذلك ذريعة لهم إلى الاغتباط بما هم فيه والتهالك على ما ألفوه ووجدوا عليه ~~آباهم # وإنما التصنيف الذي يستحق أن يقال له تصنيف والتأليف الذي ينبغي لأهل ~~العلم الذين أخذ الله عليهم بيانه وأقام لهم على وجوبه عليهم برهانه هو أن ~~ينصروا فيه الحق ويخذلوا به الباطل ويهدموا بحججه أركان البدع ويقطعوا به ~~حبائل التعصب ويوضحوا فيه للناس ما نزل إليهم من البينات والهدى ويبالغوا ~~في إرشاد العباد إلى الإنصاف ويحببوا إلى قلوبهم العمل بالكتاب السنة ~~وينفروهم من اتباع محض الرأي وزائف المقال وكاسد الاجتهاد ولا يمنعهم من ~~ذلك ما يخيله لهم الشيطان ويسوله من أن هذا التصنيف لا ينفق عند المقلدة أو ~~يكون سببا لجلب فتنة أو نزول مضرة أو PageV01P106 @ 107 ذهاب جاه أو مال أو ~~رئاسة فإن الله ناصر دينه ومتمم نوره وحافظ شرعه ومؤيد من يؤيده وجاعل لأله ~~الحق ودعاة الشرع والقائمين بالحجة سلطانا وأنصارا واتباعا وإن كانوا في ~~أرض قد ms065 انغمس أهلها في موجات البدع وتكسعوا في متراكم الضلال وقد قدمنا ~~الإرشاد إلى شئ من هذا # فإن قلت هؤلاء المتعصبة قد طبقوا جميع أقطار الأرض الإسلامية وصارت ~~المدارس والفتاوى والقضاء وجميع الأعمال الدينية بأيديهم فإن كل مملكة من ~~الممالك الإسلامية يعتزى أهلها إلى مذهب من المذاهب ونحلة من النحل وكل بلد ~~من البلاد وقطر من الأقطار كثرت أو قلت لا بد أن يكون أهلها مقلدين لميت من ~~الأموات يأخذون عنه ما يجدون في مؤلفاته ومؤلفات أتباعه المقلدين له حتى ~~صارت مسائل مذهبهم نصب أعينهم لا يتحولون عنها ولا يخالفونها ويعتقد من ~~تفاقم تعصبه من المقلدة أن الخروج عن ذلك الخروج من الدين بأسره وإن كانت ~~بقية المذاهب على خلافة في تلك المسألة كما نجده في كل مذهب من المذاهب ~~الأربعة وغيرها # فما عسى يغنى إرشاد فرد من أفراد العلم إلى الإنصاف واتباع نص الدليل في ~~قطر واسع من أقطار الأرض أو مدينة كبيرة من مدائنه فأنه بأول كلمة تخرج منه ~~وأيسر مخالفة يفوه بها يقوم عليه من المقلدة من ينغص عليه مشربه ويكدر عليه ~~حاله وأقل الأحوال أن يسعى به هؤلاء المقلدة إلى أمثالهم ممن بأيديهم الأمر ~~والنهي والدولة والصولة فيمنعونه من المعاودة ويتوعدونه بأبلغ توعد هذا إذا ~~لم يمنعوه من التدريس والإفتاء بمجرد ذلك ويحولون بينه وبين ما أردت منه ~~بكل حائل وما يصنع المسكين بين مئين من المقلدة كل واحد منهم أجل قدرا منه ~~وأنبل ذكرا وأحسن ثيابا وأفره مركوبا وأكثر اتباعا عند ألوف مؤلفة من ~~العامة الذين هم بين جند وسوقة وحراث وأهل حرف لا يفهمون خطابا ولا يعقلون ~~حقا فما ظنك بالعامة إذا بلغهم الخلاف بين فرد من أفراد العلم خامل الذكر ~~وبين جميع من PageV01P107 @ 108 يعدونه عالما من أهل بلدهم من المدرسين ~~والقضاة والمفتين وهم عدد جم ومقدار ضخم أتراهم يظنون الحق بيد ذلك الفرد ~~ويتبعونه ويقولون بقوله ويدعون من يخالفه من أهل مدينتهم قاطبة هذا ما لا ~~يكون فإنا نجد العامة في قديم الزمن ms066 وحديثه مع الكثرة ولا سيما من كان له ~~من أهل العلم نصيب من دولة كالقضاة فإن الواحد منهم يعدل عند العامة ألوفا ~~من أهل العلم الذين لا مناصب لهم ولا دولة فكيف إذا انضم إلى ذلك ما يلقيه ~~إليهم المقلدة من الكلمات التي تثير غضبهم وتستطير حميتهم كقولهم هذا الرجل ~~يخالف إمامكم ويدعو الناس إلى الخرج من مذهبه ويزرى عليه ويقول إنه جاء ~~بغير الحق وخالف الشرع فإنهم عند سماع هذا مع ما قد رسخ في عقائدهم وثبت في ~~عقولهم لا يبالون أي دم سفكوا وأي عرض انتهكوا يعلم هذا كل من له خبرة بهم ~~وممارسة له # قلت هذا السؤال الذي أوردته أيها الطالب للحق الراغب في الإنصاف قد ~~أفادنا أنك لم تفهم ما قدمته لك في هذا الكتاب حق الفهم ولم تتصوره كلية ~~التصور فقد كررت لك في مواضع منه ما تستفيد منه جواب ما أوردته هنا فعاود ~~النظر وكرر التدبر وأطل الفكر بعد أن تبالغ في تصفية الفطرة وتستكثر من ~~الاستعداد للقبول وهب أنه لم يتقدم ما يصلح أن يكون جوابا لما خطر ببالك ~~الآن من هذا السؤال فها أنا أجيب عليك بجوابين الأول جواب مجمل والآخر جواب ~~مفصل # أما الجواب المجمل فأقول لك بعد تسليم جميع ما أوردته في سؤالك هذا من أن ~~حامل العلم ومبلغ الحجة سيحال بينه وبين ما يريده بأول كلمة تخرج منه فيها ~~مخالفة لما ألفه الناس ولا يقدر بعدها عل شئ من الهداية إلى الحق والإرشاد ~~إلى الإنصاف لما قدرته من أنها ستقوم عليه القيامة وتأزف عليه الآزفة وتضيق ~~عنه دائرة الحق وتنبو عنه جميع المسامع وتؤخذ عليه كل وسيلة PageV01P108 @ ~~109 # فبعد هذا كله قد قام بما أوجب الله عليه وأراد ما طلبه الله منه من ~~الهداية ووفي بما أخذ عليه من العهد وامتثل ما ألزنه به من البيان وصار ~~بذلك من العلماء العاملين القائمين بنشر حجج الله وإبلاغ شرائعه # وهذا فرضه ليس عليه غيره ولا يجب على من سواه فهو لم ms067 يكتم ما علمه الله ~~ولا خان عهد الله ولا خالف أمره ولا اشترى به ثمنا قليلا ولا باعه بعرض من ~~أعراض الدنيا فله أجر من مكنه الله من ذلك وخلى بينه وبينه لأنه قد قام في ~~المقام الذي افترضه الله عليه وسلك الطريقة التي أمره بسلوكها فحال بينه ~~وبينه من لا يطيق دفعه ولا يقدر على مناهضته فكان ذلك قائم بعذره مسقطا ~~لفرضه موجبا لاستحقاقه لثواب ما قد عزم عليه وأجر ما أراده # فأي غنيمة أجل من غنيمته ونعمة أكبر من نعمته وأين منزلته عند الله من ~~منزلة من فتح الله عليه من أبواب معارفه ولطائف شريعته بما يفرق به بين ~~الحق والباطل ويعرف به صواب القول من خطأه فكتم الحجة وآثر على نشرها ما ~~يرجوه من استدرار خلف من أخلاف الدنيا ونيل جاه من الجاهات ورئاسة من ~~الرئاسات ومعيشة من المعائش فمضى عمره وانقضت حياته كاتما للحجة مخالفا ~~لأمر الله نابذا لعهده طارحا لما أخذه عليه # وأما الجواب المفصل فاعلم أني لم أرد بما أرشدت إليه في هذا الكتاب ما ~~خطر ببالك ولا لوم علي فقد كررت لك ما قصدته تكررا لا يخفى على الفطن فهل ~~طلبت من حامل الحجة أن يقوم بين ظهراني الناس قائلا اجتنبوا كذا من الرأي ~~اتبعوا كذا من الكتاب والسنة صارخا بذلك في المحافل ناطقا به في المشاهد مع ~~علمه بتراكم سحائب الجهل وتلاطم أمواج بحار التعصب وإظلام أفق الإنصاف ~~واكفهرارا وجه الاسترشاد # فإن هذا وإن كان مسقطا لما افترضه الله على من استخلصه من عباده لحمل ~~حجته وإبلاغ شريعته لكن لكل عالم قدوة بأنبياء الله وأسوة بمن أرسله ~~PageV01P109 @ 110 من رسله فقد كانوا صلى الله عليه وسلم يدبرون عباد الله ~~بتدبيرات فيها من الرفق واللطف وحسن المسلك ما لا يخفى على أهل العلم فإن ~~نبينا صلى الله عليه وسلم قد تألف رؤساء المشركين وهم إذ ذاك حديثو عهد ~~بجاهلية وترك المهاجرين والأنصار من الغنيمة وسيوفهم تقطر من دماء المؤلفين ~~واتباعهم ومن يشاكلهم فيما ms068 كانوا عليه وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه ترك ~~من كان منافقا على نفاقه وعصمهم بظاهر كلمة الإسلام ولم يكشفهم ويتلف مما ~~عندهم بعد أن ظهر منهم ما ظهر من النفاق كعبد الله بن أبي سلول رأس ~~المنافقين وقال لا يتحدث الناس أن محمد يقتل أصحابه وقد اشتمل الكتاب ~~والسنة على ما كان يقع من الأنبياء صلى الله عليه وسلم من تدبير أمرهم ~~والرفق بهم واغتنام الفرص في إرشادهم وإلقاء ما يحدوبهم إلى الحق في الوقت ~~بعد الوقت والحالة بعد الحالة على حسب ما تقبله عقولهم وتحتمله طبائعهم ~~وتفهمه أذهانهم # فالعالم الذي أعطاه الله الأمانة وحمله الحجة وأخذ عليه البيان يورد ~~الكلام مع كل أحد على حسب ما يقبله عقله وبقدر استعداده # فإن كان كلامه مع أهل العلم الذين يفهمون الحجة ويعقلون البرهان ويعلمون ~~أن الله سبحانه لم يتعبد عباده إلا بما أنزله في كتابه وعلى لسان رسوله ~~وحال بينهم وبين الالتفات إلى ذلك والرجوع إليه والعمل عليه ما تكدرت به ~~فطرهم وتشوشت عنده أفهامهم من اعتقاد حقية لتقليد أو استعظام الأموات من ~~أهل العلم أو استقصار أنفسهم عن معرفة الحق بنص الدليل فعليه أن يعتمد معهم ~~تسهيل ما تعاظموه من الوقوف على الحق قائلا # إن الله تعبد جميع هذه الأمة بما في الكتاب والسنة ولم يخص بفهم ذلك ~~PageV01P110 @ 111 من كان من السلف دون من تبعهم من الخلف ولا قصر فضله بما ~~شرعه لجميع عباده على أهل عصر دون عصر أو أهل قطر دون قطر أو أهل بطن دون ~~بطن فالفهم الذي خلقه للسلف خلق مثله للخلف والعقل الذي ركبه في الأموات ~~ركب مثله في الأحياء والكتاب والسنة موجودان في الأزمنة المتأخرة كما كانا ~~في الأزمنة المتقدمة والتعبد بهما لمن لحق كالتعبد لمن مضى وعلم لغة العرب ~~موجود في الدفاتر عند المتأخرين على وجه لا يشذ منه شئ بعد أن كان ~~المتقدمون بأخذونه عن الرواة حرفا حرفا ويستفيدون من أربابه كلمة كلمة ~~وكذلك تفسير الكتاب العزيز موجود في ms069 التفاسير التي دونها السلف للخلف بعد ~~أن كان الواحد منهم يرحل في تفسير آية من كتاب الله إلى الأقطار الشاسعة ~~وكذلك الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم موجودة في الدفاتر ~~التي جمعها الأول للآخر بعد أن كان الواحد منهم يرحل في طلب الحديث الواحد ~~إلى البلاد البعيدة وهكذا جميع العلوم التي يستعان بها على فهم الكتاب ~~والسنة # فالوقوف على الحق والاطلاع على ما شرعه الله لعباده قد سهله الله على ~~المتأخرين ويسره على وجه لا يحتاجون فيه من العناية والتعب إلا بعض ما كان ~~يحتاجه من قبلهم وقد قدمنا الإشارة إلى هذا المعنى # ثم أن هذا العالم يوضح لمن يأخذ عنه العلم في كل بحث ما يقتضيه الدليل ~~ويوجبه الإنصاف وهو وإن أبى ذلك في الابتداء فلا بد أن يؤثر ذلك البيان في ~~طبعه قبولا وفي فطرته انقيادا # ويحرص على أن تكون أوقاته مشغولة بتدريس الطلبة في كتب التفسير والحديث ~~وشروحه وفي كتب الفقه التي يتعرض مؤلفوها لذكر الأدلة والترجيح فإنه في ~~تدريس هذه المؤلفات يتيسر له من الإرشاد والهداية وتأسيس الحق وتقريب ~~الإنصاف ما لا يتيسر له في غيرها # وإن كان كلامه ومع من هو دون هذه الطبقة فأنفع ما يلقيه إليه هو ترغيبه ~~في علوم الاجتهاد وتعريفه أن المقصود بهذه العلوم هو الوصول إلى ما وصل ~~PageV01P111 @ 112 إليه علماء الإسلام فإذا جد في ذلك فقد انفتحت منه أبواب ~~الهداية ولاحت عليه أنوار التوفيق ثم إذا تأهل واستعد لفهم الحجة سلك معه ~~المسلك الأول # ومن كان لا يهتدي إلى طلب تلك العلوم بوجه من الوجوه فأقرب ما يسلكه ~~العالم معه هو أن ينظر إلى من قال من أهل العلم الذين يعتقدهم ذلك المقصر ~~بما قامت عليه الأدلة وأوجب سلوكه الإنصاف فيقول له إن قول العالم الفلاني ~~قوم راجح لقيام الأدلة عليه ثم يصنع معه هذا الصنع في المسائل التي يعتقدها ~~تقليدا ويجمد عليها قصورا فإن انتفع بذلك فهو المطلوب # وإن لم ينتفع فأقل الأحوال السلامة من ms070 معرته والخلوص من شره # وأما العامة الذين لم يتعلقوا بشيء من علم الرأي فهم أسرع الناس انقيادا ~~وأقربهم إلى القبول إن سلموا من بلايا ما يلقيه إليهم المتعصبون # وبالجملة فالعالم المتصدي للإرشاد المتصدي للهداية لا يخفى عليه ما يصلح ~~من الكلام مع من يتكلم معه # فهذا هو الذي أردته من نشر حجج الله وإرشاد العباد إليها وقد قدمته بأبسط ~~من هذا وإنما كررته هنا لقصد دفع ما سبق من السؤال # | عود إلى أسباب التعصب الاستناد إلى قواعد ظنية # ومن جملة أسباب التعصب التي لا يشعر بها كثير من المشتغلين بالعلوم ما ~~يذكره كثير من المصنفين من أنه يرد ما خالف القواعد المقررة # فإن من لا عناية له بالبحث يسمع هذه المقالة ويرى ما صنعه كثير من ~~المصنفين من رد الأدلة من الكتاب والسنة إذا خالف تلك القاعدة فيظن أنها في ~~اللوح المحفوظ فإذا كشفها وجدها في الغاب كلمة تكلم بها بعض من يعتقده ~~الناس من أهل العلم الذين قد صاروا تحت أطباق الثرى لا مستند لها إلا محض ~~الرأي وبحت ما يدعى من دلالة العقل PageV01P112 @ 113 # وكثيرا ما تجد في علم الكلام الذي يسمونه أصول الدين قاعدة قد تقررت ~~بينهم واشتهرت وتلقنها الآخر من الأول وخطوها جسرا يدفعون بها الآيات ~~القرآنية والأحاديث النبوية فإذا كشفت عنها وجدتها في الأصل كلمة قالها بعض ~~حكماء الكلام زاعما أنه يقتضي ذلك العقل ويستحسنه # وليس إلا مجرد الدعوى على العقل وهو عنه برئ فإنه لم يقض بذلك العقل الذي ~~خلقه الله في عباده بل قضى به عقل قد تدنس بالبدع وتكدر بالتعصب وابتلى ~~بالجهل بما جاء به الشرع وجاء بعده من هو أشد بلاء منه واسخف عقلا وأقل ~~علما وأبعد عن الشرع فجعل ذلك قاعدة عقلية ضرورية فدفع بها جميع ما جاء عن ~~الشارع عرف هذا من عرفه وجهله من جهله ومن لم يعرف هذا فليتهم نفسه فيا لله ~~العجيب من مزية يفتريها على العقل بعض من حرم علم الشرع ثم يأتي من بعده ms071 ~~فيجعلها أصولا مقررة وقواعد محررة ويؤثرها على قول الله عز وجل وقول ~~الأنبياء # وهكذا تجد في علم أصول الفقه قاعدة قد أخذها الآخر عن الأول وتلقنها ~~الخلف عن السلف وبنوا عليها القناطر وجعلوها إماما لأدلة الكتاب والسنة ~~يجيزون ما أجازته ويردون ما ردته وليست من قواعد اللغة الكلية ولا من ~~القوانين الشرعية بل لا يستند لها إلا الخيال المختل والظن الفاسد والرأي ~~البحت ومع هذا فهم يزعمون أن هذا العلم لا تقبل فيه إلا الأدلة القطعية ~~دعوى ظاهرة البطلان واضحة الفساد فإن غالبها لا يوجد عليه دليل من الآحاد ~~صحيح ولا حسن بل لا يوجد أحادي ضعيف وغالب ما يوجد الموضوعات التي لا يمترى ~~من له حظ من العلم في كذبها كاستدلالهم بمثل حكمي على الواحد حكمي على ~~الجماعة وبمثل نحن نحكم بالظاهر ونحو هذه الأكاذيب # فالمغرور من اغتر بهذه الدلس والمخدوع من خدع بها وترقى بها من ~~PageV01P113 @ 114 كونها موضوعة إلى كونها صحيحة ثم من كونها صحيحة إلى ~~كونها قطعية # فيا لله العجب من نفاق مثل هذه الأمور على كثير من أهل العلم وانقراض ~~القرن بعد القرن والعصر بعد العصر وهي عندهم مسائل قطعية وقواعد مقررة ~~والذنب لمن تكلم بها وذكرها في مؤلفاته ولم يقف حيث أوقفه الله من جهله بما ~~جاء في الشريعة # وهكذا ما وقع في كثير من أبواب الفقه من ذكر قواعد يطردونها في جميع ~~المسائل ويظنون أنها من قواعد الشرع الثابتة بقطعيات الشريعة ومن كشف عن ~~ذلك وجد أكثرها مبنيا عل محض الرأي الذي ليس عليه إثارة من علم ولا يرجع ~~إلى شئ من الشرع # ومن خفى عليه هذا فليعلم أن قصوره وعدم اشتغاله بالعلم هو الذي جنى عليه ~~وغره بما لا يغتر به من عض على العلم بناجذه وكشف عن الأمور كما ينبغي # فعلى من أراد الوصول إلى الحق والتمسك بشعار الإنصاف أن يكشف عن هذه ~~الأمور فإنه إذا فعل ذلك هان عليه الخطب ولم يحل بينه وبين الحق ما ليس من ~~الحق # | عدم ms072 الموضوعية في عرض حجج الخصوم # ومن أسباب الوقوع في غر الإنصاف والتمسك بذيل من الاعتساف أن يأخذ طالب ~~الحق أدلة المسائل من مجاميع الفقه التي يعتزى مؤلفها إلى مذهب من المذاهب ~~فإن من كان كذلك يبالغ في إيراد أدلة مذهبه ويطيل ذيل الكلام عليها ويصرح ~~تارة بأنها أدلة وتارة بأنها حجج وتارة بأنها صحيحة ثم يطفف لخصمه المخالف ~~فيورد أدلته بصيغة التمريض ويعنونها بلفظ الشبه وما يؤذي هذا المعنى # فإذا اقتصر طالب الحق على النظر في مثل هذه المؤلفات وقع في الباطل وهو ~~يظنه الحق وخالف الحق وهو يظنه الباطل والذي أوقعه في ذلك PageV01P114 @ ~~115 اقتصاره في البحث والنظر على ذلك الكتاب الذي ألفه ذلك المعتصب وإحسان ~~الظن به وغفوله عن أن مواطن الأدلة هي مجاميع الحديث كالأمهات وما يلتحق ~~بها وأن هؤلاء هم أهل العلم وأربابه الذين يعرفون صحيحة من فاسده كما قدمنا ~~الإشارة إلى هذا # ولا بأس بأن ينظر طالب الحق في كتب العلماء المشهورين بالإنصاف الذين لم ~~يتعصبوا لمذهب من المذاهب ولا انتسبوا إلى عالم من العلماء فإنه يستفيد ~~بمطالعة مؤلفات المصنفين كيفية العمل عند التعارض ويهتدي إلى مواقع الترجيح ~~ومواطن ما يحق الاجتهاد على الوجه المطابق # وهكذا كتب الكلام وأصول الفقه فإن كل طائفة تصنع هذا الصنع في الغالب ~~فتصف ما يوافق مذهبها بالحجج القواطع والأدلة الراجحة وتطفف للمخالف فتورد ~~له ما لا يعجزون عن جوابه ودفعه ويتركون ما لا يتمكنون من دفعه وقد يذكرونه ~~على وجه فيه مدخل للدفع ويلصقون به ما يفتح فيه أبواب المقال # فليحذر المصنف من الركون على ما يورده المتذهبون لأنفسهم ولخصومهم من ~~الحجج فإنه قد علق بكل طائفة من العداوة للأخرى ما يوجب عدم القبول من ~~بعضهم في بعض # وبالجملة فليبس المتعصب بأهل لأن يؤخذ الحق من مؤلفاته فإذا إذا لم ينتفع ~~بالعلم ويهتدي بما علف منه فكيف يهتدي به غيره أو يتوصل بما جمعه إلى ما هو ~~الحق فالمصاب بالعمى لا يقود الأعمى فإن فعل كانت ظلمات بعضها فوق ms073 بعضه ~~والمريض لا يداوي من هو مصاب مثل مرضه ولو كان صادقا فيما يزعمه من اقتدار ~~على المداواة كانت نفسه التي بين جنبيه أحق بذاك منه PageV01P115 @ 116 # | تقليد المتعصبين من علماء الجرح والتعديل # ومن جملة الأسباب المانعة من الإنصاف التقليد في علم الجرح والتعديل لمن ~~فيه عصبية من المصنفين فيه كما يجده اللبيب كثيرا فإنه إذا تصدى لذلك بعض ~~المصابين بالتقليد كان العدل عنده من يوافقه في مذهبه الذي يعتقده والمجروح ~~من خالفه كائنا من كان # ومن خفى عليه فلينظر ما في مصنفات الحفاظ بعد انتشار المذاهب وتقيد الناس ~~بها وكذلك ما في كتب المؤرخين # فإن الموافقة في المذهب حاملة على ترك التعرض لموجبات الجرح وكتم الأسباب ~~المقتضية لذلك فإن وقع التعرض لشئ منها نادرا أكثر المصنف من التأويلات ~~والمراوغات والتعسفات الموجبة لدفع كون ذلك الخارج خارجا # وإن كان الكلام على أحوال المخالفات كان الأمر بالعكس من ذلك فالفضائل ~~مغموطة والرذائل منشورة من غير تأويل ولا إحسان ظن # وبالجملة فالاهتمام في الموافق بذكر المناقب دون المثالب وفي المخالف ~~بالعكس من ذلك ولا أقول إنهم يتعمدون الكذب ويكتمون الحق فهم أعلى قدرا ~~وأشد تورعا من ذلك ولكن رسخ في قلوبهم حب مذاهبهم فأحسنوا الظن بأهلها ~~فتسبب عن ذلك ما ذكرنا ولم يشعروا بأن هذا الصنيع من أشد التعصب وأقبح ~~الظلم بل ظنوا أن ذلك من نصرة الدين ورفع منار المحقين ووضع أمر المبطلين ~~غفلة منهم وتقليدا # وقد يقع ذلك بين أهل المذهب الواحد مع اتفاقهم في التقليد لإمام واحد ~~واعتقادهم بمعتقد واحد فإذا تصدى أحدهم لتراجم أهل مذهبه أطال ذيل الكلام ~~عند ذكر شيوخه وتلامذته بكل ما يقدر عليه وكذلك يوسع نطاق المقام عند ~~ترجمته لمن عليه أي يد كانت فإذا ترجم غير شيوخه وتلامذته وأهل مودته طفف ~~لهم تطفيفا وأوسعهم ظلما وحيفا # وإذا كان هذا مع الاتفاق في المذهب والمعتقد فما ظنك بما يكون مع ~~PageV01P116 @ 117 الاختلاف في المذهب والاتفاق في التسمي باسم واحد إما ~~باعتبار الإعتقاد أو باعتبار أمر ms074 آخر كأهل المذاهب الأربعة فإنهم اختلفوا ~~في المذاهب مع اتفاقهم على أنهم أهل السنة واشتراك غالبهم في اعتقاد قول ~~الأشعري فإن دائرة الأهوية حينئذ تتسع ومحبة العصبية تكثر كما تراه كثيرا ~~في تراجم بعضهم لبعض خصوصا فيما بين الحنابلة ومن عداهم من أهل المذاهب ~~الأربعة وكذلك فيما بين الحنفية ومن عداهم ومن نظر في ذلك بعين الإنصاف علم ~~بالصواب # دع عنك ما يقع مع الاختلاف في المذاهب والمعتقدات فإنه يبلغ الأمر إلى ~~عداوة فوق عداوة أهل الملل المختلفة # فطالب بالإنصاف لا يلتفت إلى شيء مما يقع من الجرح والتعديل بالمذاهب ~~والنحل فيقبلون جميعا إلا أن يكون ما جاء به المتذهب مقويا لبدعته أو كان ~~على مذهب لا يرى بالكذب فيه بأسا كما هو عند غلاة الرافضة وأما ما عدى ~~الجرح والتعديل بالمذاهب والمعتقدات فإن كان المتكلم في ذلك بريئا عن ~~المتذهب والتعصب كما يروى عن السلف قبل انتشار المذاهب فاحرص عليه واعمل به ~~على اعتبار صحة الرواية وصدوره في الواقع وأما باعتبار كونه جارحا أو غير ~~جارح فذلك مفوض إلى نظر المجتهد # والذي ينبغي التعويل عليه أن القادح إن كان يرجع إلى أمر يتعلق بالرواية ~~كالكذب فيها وضعت الحفظ والمجازفة فهذا هو القادح المعتبر وإن كان يرجع إلى ~~شيء آخر فلا اعتداد به وإن كان المتكلم متلبسا بشيء من هذه المذاهب فهو ~~مقبول في جرح من يجرحه من الموافقين له وتزكية من يزكيه من المخالفين له ~~وأما ما جاء بما يقتضي تعديل الموافق وجرح المخالف فهذا مما ينبغي التوقف ~~فيه حتى يعرف من طريق غيره أو يشتهر اشتهارا يقبله سامعه PageV01P117 @ 118 # | المنافسة بين الأقران بلا تبصر # ومن الأسباب المانعة من الإنصاف ما يقع من المنافسة بين المتقاربين في ~~الفضائل أو في الرئاسة الدينية أو الدنيوية فإنه إذا نفخ الشيطان في أنفهما ~~وترقت المنافسة بلغت إلى حد يحمل كل واحد منهما على أن يرد ما جاء به الآخر ~~إذا تمكن من ذلك وإن كان صحيحا جاريا على منهج الصواب # وقد رأينا ms075 وسمعنا من هذا القبيل عجائب صنع فيها جماعة من أهل العلم صنيع ~~أهل الطاغوت وردوا ما جاء به بعضهم من الحق وقابلوه بالجدال الباطل والمراء ~~القاتل # وإني لأذكر أيام اشتغال الطلبة بالدرس علي في كثير من العلوم وكنت أجيب ~~عن مسائل ترد علي يحررها الطلبة ويحررها غيرهم من أهل العلم من أمكنة قريبة ~~وبعيدة فكان يتعصب على تلك الأجوبة جماعة من المشاركين لي في تدريس الطلبة ~~في علوم الاجتهاد وغيرها # وقد يسلكون مسلكا غير هذا فيقع منهم الإيهمام على العوام بمخالفة ذلك ~~الكلام لما يقوله من يعتقدون قوله من الأموات فينشأ عن ذلك فتن عظيمة ~~وحوادث جسيمة # وكان بعض نبلائهم يكتب على بعض ما أكتبه ثم يهديه إلى السائل وإن كان في ~~بلد بعيد من دون أن يقصده بسؤال ولا طلب منه تعقب ما أجبت به من المقال وقد ~~أقف على شيء من ذلك فأجده في غاية من الإعتساف فأتعقبه تعقبا فيه كشف عواره ~~وإيضاح بواره وقد ينضم إلى ذلك كلمات والاستشهاد بأبيات اقتضاها الشباب ~~والنشاط واشتعال الغضب لما أراه من التعصب والمنافسة على ما ليس فيه اختيار ~~فإن ورود سؤالات السائلين إلي من العامة والخاصة وانثيال المستفتين من كل ~~جهة لم يكن بسعي مني ولا احتيال وكذلك اجتماع نبلاء الطلبة لدي وأخذهم عني ~~وتعدد دروسهم عندي ليس لي فيه حيلة ولا هو من جهتي PageV01P118 @ 119 # فكان هذا الصنع منهم يحملني على مجاوبتهم بما لا يعجبني بعد الصحو من سكر ~~الحداثة والقيام من رقدة الشباب لا لكونه غير حق أو ليس بصواب بل لكون فيه ~~من سهام الملام وصوارم الخصام ما لا يناسب هذا المقام # فإذا كان هذا في المشتركين في التدريس والأفتى وهما خارجان عن مناصب ~~الدنيا لأنهما في ديارنا لا يقابلان بشيء من الدنيا لا من سلطان ولا من ~~غيره من نوع الإنسان فما بالك بالرئاسات التي لها مدخل في الدين والدنيا أو ~~التي هي خاصة بالدنيا متمحضة لها فإنه لا شك أن التنافس بين أهلها أهم من ms076 ~~الرئاسات الدينية المحضة التي لم تشب بشيء من شوائب الدنيا # فينبغي للمنصف أن لا يغفل عن هذا السبب فإن النفس قد تنقبض عن كلام من ~~كان منافسا في رتبة معارضا في فضيلة وإن كان حقا وقد يحصل مع الناظر فيه ~~زيادة على مجرد الانقباض فيتكلم بلسانه أو يحرر بقلمه ما فيه معارضة للحق ~~ودفع للصواب فيكون مؤثرا لحمية الجاهلية وعصبية الطاغوت على الشريعة ~~المطهرة وكفى بهذا فإنه من الخذلان البين نسأل الله الهداية إلى سبيل ~~الرشاد # | التباس ما هو من الرأي البحث بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد # ومن أسباب التعصب الحائلة بين من أصيب بها وبين المتمسك بالإنصاف التباس ~~ما هو من الرأي البحث بشيء من العلوم التي هي مواد الاجتهاد # وكثيرا ما يقع ذلك في أصول الفقه فإنه قد اختلط فيها المعروف بالمنكر ~~والصحيح بالفاسد والجيد بالرديء فربما يتكلم أهل العلم على مسائل من مسائل ~~الرأي ويحررونها ويقررونها وليست منه في شي ولا تعلق لها به بوجه فيأتي ~~الطالب لهذا العلم إلى تلك المسائل فيعتقد أنها منه فيرد PageV01P119 @ 120 ~~إليها المسائل الفروعية ويرجع إليها عند تعارض الأدلة ويعمل بها في كثير من ~~المباحث زاعما أنها من أصول الفقه ذاهلا عن كونها من علم الرأي ولو علم ~~بذلك لم يقع فيه ولا ركن إليه فيكون هذا وأمثاله قد وقعوا في التعصب ~~وفارقوا مسلك الإنصاف ورجعوا إلى علم الرأي وهم لا يشعرون بشيء من ذلك ولا ~~يفطنون به بل يعتقدون أنهم متشبثون بالحق متمسكون بالدليل واقفون على ~~الإنصاف خارجون عن التعصب # وقل من يسلم من هذه الدقيقة وينجو من غبار هذه الأعاصير بل هم أقل من ~~القليل وما أخطر ذلك وأعظم ضرره وأشد تأثيره وأكثر وقوعه وأسرع نفاقه على ~~أهل الإنصاف وأرباب الاجتهاد # فإن قلت إذا كان هذا السبب كما زعمت من الغموض والدقة ووقوع كثير من ~~المنصفين فيه وهم لا يشعرون فما أحقه بالبيان وأولاه بالإيضاح وأجرده ~~بالكشف حتى يتخلص عنه الواقعون فيه وينجوا منه المتهافتون إليه # قلت ms077 اعلم أن ما كان من أصول الفقه راجعا إلى لغة العرب رجوعا ظاهرا ~~مكشوفا كبناء العام على الخاص وحمل المطلق على المقيد ورد المجمل إلى ~~المبين وما يقتضيه الأمر والنهي ونحو هذه الأمور فالواجب على المجتهد أن ~~يبحث عن مواقع الألفاظ العربية وموارد كلام أهلها وما كانوا عليه في مثل ~~ذلك فما وافقه فهو الأحق بالقبول والأولى بالرجوع إليه # فإذا اختلف أهل الأصول في شيء من هذه المباحث كان الحق بيد من هو أسعد ~~بلغة العرب هذا على فرض عدم وجود دليل شرعي يدل على ذلك فإن وجد فهو المقدر ~~على كل شيء # وإذا أردت الزيادة في البيان والتكثر من الإيضاح بضرب من التمثيل وطرق من ~~التصوير فاعلم أنه قد وقع الخلاف في أنه هل يبنى العام على الخاص مطلقا أو ~~مشروطا بشرط أن يكون الخاص متأخرا PageV01P120 @ 121 ووقع الخلاف في أنه هل ~~يحمل المطلق على المقيد مع اختلاف السبب أم لا # ووقع الخلاف في معنى الأمر الحقيقي هل هو الوجوب أم غيره # ووقع الخلاف في معنى النهي الحقيقي هل هو التحريم أو غيره # فإذا أردت الوقوف على الحق في بحث من هذه الأبحاث فانظر في اللغة العربية ~~واعمل على ما هو موافق لها مطابق لما كان عليه أهلها واجتنب ما خالفها فإن ~~وجدت ما يدل على ذلك من أدلة الشرع كما تقف عليه في الأدلة الشرعية من كون ~~الأمر يفيد الوجوب والنهي يفيد التحريم فالمسألة أصولية لكونها قاعدة كلية ~~شرعية لكون دليلها شرعيا كما أن ما يستفاد من اللغة من القواعد الكلية ~~أصولية لغوية # فهذه المباحث وما يشابهها من مسائل النسخ ومسائل المفهوم والمنطوق ~~الراجعة إلى لغة العرب المستفادة منها على وجه يكون قاعدة كلية هي مسائل ~~الأصول والمرجع لها الذي يعرف به راجحها من مرجوحها هو العلم الذي هي ~~مستفادة منه مأخوذة من موارده ومصادره # وأما مباحث القياس فغالبها من بحث الرأي الذي لا يرجع إلى شيء مما تقوم ~~به الحجة وبيان ذلك أنهم جعلوا للعلة مسالك عشرة ms078 لا تقوم الحجة بشيء منها ~~إلا ما كان راجعا إلى الشرع كمسلك النص على العلة أو ما كان معلوما من لغة ~~العرب كالإلحاق بمسلك إلغاء الفارق وكذلك قياس الأولى المسمى عند البعض ~~بفحوى الخطاب # وأما المباحث التي يذكرها أهل الأصول في مقاصده كما فعلوه في مقصد الكتاب ~~ومقصد السنة والإجماع فما كان من تلك المباحث الكلية مستفادا من أدلة الشرع ~~فهو أصولي شرعي وما كان مستفادا من مباحث اللغة فهو أصولي لغوي وما كان ~~مستفادا من غير هذين فهو من علم الرأي الذي PageV01P121 @ 122 كررنا عليك ~~التحذير منه ومن المقاصد المذكورة في الكتب الأصولية التي هي من محض الرأي ~~الاستحسان والاستصحاب والتلازم # وأما المباحث المتعلقة بالاجتهاد والتقليد وشرع من قبلنا والكلام على ~~أقوال أصحابه فهي شرعية فما انتهض عليه دليل الشرع منها فهو حق وما خالفه ~~فباطل # وأما المباحث المتعلقة بالترجيح فإن كان المرجح مستفادا من الشرع فهو ~~شرعي وإن كان مستفادا من علم من العلوم المدونة فالاعتبار بذلك العلم فإن ~~كان له مدخل في الترجيح كعلم اللغة فإنه مقبول وإن كان لا مدخل له إلا ~~لمجرد الدعوى كعلم الرأي فإنه مردود # وإذا تقرر هذا ظهر لك منه فائدتان # الأولى إرشادك إلى أن بعض ما دون أهل الأصول في الكتب الأصولية ليس من ~~الأصول في شيء بل هو من علم الرأي الذي هو عن الشرع وما يتوصل إليه به من ~~العلوم بمعزل # الثانية إرشادك إلى العلوم التي تستمد منها المسائل المدونة في الأصول ~~لترجع إليها عند النظر في تلك المسائل حتى تكون على بصيرة ويصفو لك هذا ~~العلم ويخلص عن مشوب الكذب # فإن قلت إذا كان الأمر كما ذكرته فما تقول فيما يزعمه أهل الأصول من أنه ~~لا يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية # قلت هذه دعوى منهم يكذبها العمل ويدفعها ما دونوه في هذا العلم ~~PageV01P122 @ 123 من أدلة مسائله # فإن قلت إذا كان استمداد هذا العلم عندهم من الكلام والعربية والأحكام ~~كما صرحوا به فليس ذلك دعوى مجردة ms079 فإنهم قد صرحوا في علم الكلام بأنه لا ~~يقبل في إثبات مسائله إلا الأدلة القطعية وصرحوا في الكلام على نقل اللغة ~~أنها لا تثبت بالآحاد وإذا كان ما منه الاستمداد مثبتا ببراهين قطعية كان ~~ما استمد منه مثله في ذلك # قلت هذه دعوى على دعوى وظلمات بعضها فوق بعض أما علم الكلام فغالب مسائله ~~مبنية على مجرد الدعاوي على العقل التي هي كسراب بقيعة إذا جاءه طالب ~~الهداية لم يجد شيئا وقد قدمنا الإشارة إلى هذا وأما ما كان من مسائله ~~مأخوذا من الشرع فهي مسائل شرعية ولا فرق بين شرعي وشرعي من هذه الحيثية # وأما اللغة فقد وقع الخلاف بين أهل العلم هل يشترط في إثباتها أن يكون ~~النقل متواترا أم لا والحق بيد من لم يثبت هذا الشرط فإن سابق المشتغلين ~~بنقل علم اللغة ولاحقهم قد رأيناهم يثبتونها لمجرد وجود الحرف في بيت من ~~أبيات شعرائهم وكلمة من كلمات بلغائهم ومن أنكر هذا فهو مكابر لا يستحق ~~تطويل الكلام معه PageV01P123 @ 124 PageV01P124 @ 125 # | كيفية الوصول إلى مراتب العلم الختلفة # # | طبقات طلاب العلم # # | كيفية الوصول إلى المرتبة الأولى للعلم # # | كيفية الوصول إلى المرتبة الثانية # # | كيفية الوصول إلى المرتبة الثالثة # # | كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة # PageV01P125 @ 126 # | كيفية الوصول إلى مراتب العلم المختلفة # إذ قد انتهى بنا الكلام في بيان الأسباب المانعة من الإنصاف إلى هذه ~~الغاية وتغلغل بنا البحث إلى ذكر ما ذكرناه من تلك الدقائق التي ينبغي لكل ~~عالم ومتعلم أن تكون نصب عينيه في إقدامه وإحجامه وأن تكون ثابتة في تصوره ~~في جميع أحواله وما أحقها بذلك وأولاها بالحرص على ما هنالك فإنها فوائد لا ~~توجد في كتاب وفرائد لا يخلو أكثرها عن قوة كثير من المرشدين المحققين وإن ~~حال بينهم وبين إبرازها إلى الفعل حجاب # فلنتكلم الآن على ما ينبغي لطالب العلم أن يتعلمه من العلوم # | طبقات طلاب العلم # فأقول إنها لما كانت تتفاوت المطالب في هذا الشأن وتتباين المقاصد بتفاوت ~~همم الطالبين وأغراض القاصدين فقد ترتفع همة ms080 البعض منهم فيقصد البلوغ إلى ~~مرتبة في الطلب لعلم الشرع ومقدما لها يكون عند تحصيلها إماما مرجوعا إليه ~~مستفادا منه مأخوذا بقوله مدرسا مفتيا مصنفا # وقد تقصر همته عن هذه الغاية فتكون غاية مقصده ومعظم مطلبه ونهاية رغبته ~~أن يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه ~~بنفسه ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة ~~الأولى من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة ~~ونحارير هذه الأمة # وقد يكون نهاية ما يريده وغاية ما يطلبه أمرا دون أهل الطبقة الثانية ~~وذلك كما يكون من جماعة يرغبون إلى إصلاح ألسنتهم وتقويم أفهامهم بما ~~يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم تحريفه وتصحيفه ~~وتغيير إعرابه من دون قصد منهم إلى الاستقلال بل يعزمون PageV01P126 @ 127 ~~على التعويل على السؤال عند عروض التعارض والاحتياج إلى الترجيح # فهذه ثلاث طبقات للطلبة من المتشرعين الطالبين للاطلاع على ما جاء في ~~الكتاب والسنة إما كلا أو بعضا بحسب اختلاف المقاصد وتفاوت المطالب # وثم طبقة رابعة يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو علمين أو أكثر لغرض ~~من الأغراض الدينية والدنيوية من دون تصور الوصول إلى علم الشرع # فكانت الطبقات أربع # وينبغي لمن كان صادق الرغبة قوي الفهم ثاقب النظر عزيز النفس شهد الطبع ~~عالي الهمة سامي الغريزة أن لا يرضى لنفسه بالدون ولا يقنع بما دون الغاية ~~ولا يقعد عن الجد والاجتهاد المبلغين له إلى أعلى ما يراد وأرفع ما يستفاد ~~فإن النفوس الأبية والهمم العلية لا ترضى بدون الغاية في المطالب الدنيوية ~~من جاه أو مال أو رئاسة أو صناعة أو حرفة حتى قال قائلهم # ( إذا غامرت في شرف مدوم % فلا تقنع بما دون النجوم ) # ( فطعم الموت في أمر حقير % كطعم الموت في أمر عظيم ) # وقال آخر مشيرا إلى هذا المعنى # ( إذا لم تكن ملكا مطاعا % فكن عبدا لخالقه مطيعا ) # ( وإن لم تملك الدنيا جميعا % كما تهواه ms081 فاتركها جميعا ) # ( هما شيئان من ملك ونسك % ينيلان الفتى شرفا رفيعا ) # وقال آخر # ( فإما مكانا يضرب النجم دونه % سرادقه أو باكيا لحمام ) # وقد ورد هذا المعنى كثيرا في النظم والنثر وهو المطلب الذي تنشط إليه ~~الهمم الشريفة وتقبله النفوس العلية PageV01P127 @ 128 # وإذا كان هذا شأنهم في الأمور الدنيوية التي هي سريعة الزوال قريبة ~~الاضمحلال فكيف لا يكون ذلك من مطالب المتوجهين إلى ما هو أشرف مطلبا وأعلى ~~مكسبا وأربع مرادا وأجل خطرا وأعظم قدرا وأعود نفعا وأتم فائدة وهي المطالب ~~الدينية مع كون العلم أعلاها وأولاها بكل فضيلة وأجلها وأكملها في حصول ~~المقصود وهو الخير الأخروي فإن الله سبحانه قد قرن العلماء في كتابه بنفسه ~~وملائكته فقال ( ^ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ) # وقصر الخشية له التي هي سبب الفوز لديه عليهم فقال ( ^ إنما يخشى الله من ~~عباده العلماء ) # وأخبره عباده بأنه يرفع علماء أمته درجات فقال ( ^ يرفع الله الذين آمنوا ~~منكم والذين أوتوا العلم درجات ) # وأخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن العلماء ورثة الأنبياء # وناهيك بهذه المزية الجليلة والمنقبة النبيلة فأكرم بنفس تطلب غاية ~~المطالب في أشرف المكاسب وأحبب برجل أراد من الفضائل ما لا تدانيه فضيلة ~~ولا تساميه منقبة ولا تقاربه مكرمة فليس بعد ما يتصوره أهل الطبقة الأولى ~~متصور فإن نالوه على الوجه الذي تصوروه فقد ظفروا من خير العاجلة والآجلة ~~وشرف الدنيا والآخرة بما لا يظفر به إلا من صنع صنيعهم ونال نيلهم وبلغ ~~مبالغهم وإن اخترمهم دونه مخترم وحال بينهم وبينه حائل فقد أعذروا وليس على ~~من طلب جسميا ورام أمرا عظيما PageV01P128 @ 129 إن منعته عنه الموانع ~~وصرفته عنه الصوارف من بأس وما أحسن ما قاله الشريف الرضي الموسوي # ( لا بد أن أركبها صعبة % وقاحة تحت علام وقاح ) # ( اجهدها أو تنثني بالردا % دون الذي أملت أو بالنجاح ) # أما فتى نال المنى فاشتفي % أو بطل ذاق الردى فاستراح ) # وكنت في أيام الطلب وعصر الشباب قد نظمت قصيدة في هذا المعنى ms082 على هذا ~~النمط أذكر منها الآن أبياتا هي # ( قد أتعب السير رحالي وقد % آن لها بعد الوحى أن تراح ) # ( فما يهاب العتب من فاز من % غاية أمنيته بالنجاح ) # سعى فلما ظفرت بالمنى % يمينه ألقى العصى واستراح ) # فيا أيها العالم الصعلوك قد ظفرت برتبة أرفع من رتب الملوك ونلت من ~~المعالي أعلاها ومن المناقب والفضائل أولاها بالشرف وأولاها فإن كل المعالي ~~الدنيوية وإن تناهت فليست باعتبار المعالي العلمية والشرف الحاصل بها في ~~ورد ولا صدر # فإنه يحصل للعالم أولا وبالذات الفوز بالنعيم الأخروي الدائم السرمدي ~~الذي لا تعدل منه الدنيا بأسرها قيد شرط بل مقدار سوط # ويحصل له ثانيا وبالعرض من شرف الدنيا ما يصغر عنده كل شرف ويتقاصر دونه ~~كل مجد ويتضاءل لديه كل فخر وإن من فهم مقدار ما في العلوم من العلو كان ~~عند نفسه أعز قدرا وأعلى محلا وأجل رتبة من الملوك PageV01P129 @ 130 وإن ~~كان متضايق المعيشة يركب نعليه ويلبس طمريه وقلت في هذا المعنى من أبيات # ( قد كنت ذا طمرين أمرح في % العلا مرح الأغر بجانب الميدان ) # ( ما كنت مضطهدا فأطلب رفعة % أو خاملا فأريد شهرة شاني ) # فاحرص أيها الطالب على أن تكون من أهل الطبقة الأولى فإنك إذا ترقيت من ~~البداية التصورية إلى العلة الغائية التي هي أول الفكر وآخر العمل كنت فرد ~~العالم وواحد الدهر وقريع الناس وفخر العصر ورئيس القرن وأي شرف يسامي شرفك ~~أو فخر يداني فخرك وأنت تأخذ دينك عن الله وعن رسوله لا تقلد في ذلك أحدا ~~ولا تقتدي بقول رجل ولا تقف عند رأي ولا تخضع لغير الدليل ولا تعول على غير ~~النقد # هذه والله رتبة تسمو على السماء ومنزلة تتقاصر عندها النجوم فكيف بك إذا ~~كنت مع هذه المزية مرجعا في دين الله ملجأ لعباد الله مترجما لكتاب الله ~~وسنة رسول الله يدوم لك الأجر ويستمر لك النفع ويعود لك الخير وأنت بين ~~أطباق الثرى وفي عداد الموتى بعد مئتين من السنين # ولا يحول بينك وبين هذا المطلب ms083 الشريف ما تنازعك نفسك إليه من مطالب ~~الدنيا التي تروقها وتود الظفر بها فإنه حاصلة لك على الوجه الذي تحب ~~والسبيل الذي تريد بعد تحصيلك لما أرشدتك إليه من الرتبة العلمية وتكون إذ ~~ذاك مخطوبا لا خاطبا ومطلوبا لا طالبا # وعلى فرض أنها تكدي عليك المطالب وتعاند الأسباب فلست تعدم الكفاف الذي ~~لا بد لك منه فما رأينا عالما ولا متعلما مات جوعا ولا أعوزه الحال حتى ~~انكشفت عورته عريا أو لم يجد مكانا يكنه ومنزلا يسكنه وليس الدنيا إلا هذه ~~الأمور وما عداها فضلات مشغلة للأحياء مهلكة للأموات # ( أنا إن عشت لست أعدم قوتا % وإذا مت لست أعدم قبرا ) PageV01P130 @ 131 ~~وعلى العاقل أن يعلم أن لن يصيبه إلا ما كتبه الله له ولا يعدوه ما قدره له ~~وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له فلا العقود يصده ولا السعي ~~واتعاب النفس يوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله # وهذا معلوم من الشرع قد توافق عليه صريح الكتاب والسنة وتطابقت عليه ~~الشرائع وإذا كان الأمر هكذا فما أحق هذا النوع العاقل من الحيوان الذي ~~دارت رحى التكليف عليه ونيطت أسباب الخير والشر به أن يشتغل بطلب ما أمره ~~الله بطلبه وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله وهو الامتثال لما أمره به من طاعته ~~والانتهاء مما نهاه عنه من معاصيه # وإن أعظم ما يريده الله منه ويقربه إليه ويفوز به عنده أن يشغل نفسه ~~ويستغرق أوقاته في طلب معرفة هذه الشريعة التي شرعها الله لعباده وينفق ~~ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ~~ملائكته فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلا وآجلا وما وعدهم به من خير ~~وشر قد صار في هذه الشريعة # فأكرم برجل تاقت نفسه عن أن يكون عبد بطنه إلى أن يكون عبد دينه حتى ~~يناله على الوجه الأكمل ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه ويرشد إليه ~~من عباده من أراد له الرشاد ويهدي به من ms084 استحق الهداية فانظر أعزك الله كم ~~الفرق بين الرجلين وتأمل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين هذا يستغرق جميع ~~أوقاته وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه وملبسه وما لا بد منه قام أو ~~قعد سعى أو وقف وهذا يقابله بسعي غير هذا السعي وعمل غير ذلك العمل فينفق ~~ساعاته ويستغرق أوقاته في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله من التكاليف التي ~~كلف بها عباده وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم لينتفع ~~بذلك ثم ينفع به من يشاء الله من عباده ويبلغ إليهم حجة الله ويعرفهم ~~شرائعه # فلقد تعاظم الفرق بين النوعين وتفاوت تفاوتا بقصر التعبير عنه ويعجز ~~PageV01P131 @ 132 البيان له إلا على وجه الإجمال بأن يقال إن أحد النوعين ~~قد التحق بالدواب والآخر بالملائكة لأن كل واحد منهما قد سعى سعيا شابه من ~~التحق به فإن الدابة يستعملها مالكها في مصالحه ويقوم بطعامها وشرابها وما ~~يحتاج إليه # ومع هذا فمن نظر في الأمر بعين البصيرة وتأمله حق التأمل وجد عيش من شغل ~~نفسه بالطاعة وفرغها للعلم ولم يلتفت إلى ما تدعو إليه الحاجة من أمر دنياه ~~تجده أرفه وحاله أقوم وسروره أتم وتلك حكمة الله البالغة التي يتبين عندها ~~أنه لن يعدو المرء ما قدر له ولن يفوته ما كان يدركه # وكما أن هذا المعنى الذي ذكرناه ثابت في الشريعة مصرح به في غير موطن ~~منها قد أجراه الله على لسان الجبابرة من عباده وعتاة أمته حتى قال الحجاج ~~بن يوسف الثقفي في بعض خطبه ما معناه أيها الناس إن الله كفانا أمر الرزق ~~وأمرنا بالعبادة فسعينا لما كفيناه وتركنا السعي للذي أمرنا به فليتنا ~~أمرنا بطلب الرزق وكفينا العبادة حتى نكون كما أراده الله منا هذا معنى ~~كلامه لا لفظه فلما بلغ كلامه هذا بعض السلف المعاصرين له قال إن الله لا ~~يخرج الفاجر من هذه الديار وفي قلبه حكمة ينتفع بها العباد إلا أخرجها منه ~~وإن هذا ما أخرجه من الحجاج # فانظر هذا ms085 الجبار كيف لم يخف عليه هذا الأمر مع ما هو فيه من التجبر وسفك ~~الدماء وهتك الحرم والتجرؤ على الله وعلى عباده وتعدي حدوده فما أحقه بأن ~~لا يخفى على من هو ألين منه قلبا وأقل منه ظلما وأخف منه تجبرا وأقرب منه ~~من خير وأبعد منه من شر # وإن من تصور هذا الأمر حق التصور وتعقله كما ينبغي انتفع به انتفاعا ~~عظيما ونال به من الفوائد جسيما والهداية بيد الهادي جل جلاله وتقدست ~~أسماؤه PageV01P132 @ 133 وإن لحسن النية وإخلاص العمل تأثيرا عظيما في هذا ~~المعنى فمن تعكست عليه بعض أموره من طلبة العلم أو أكلف عليه مطالبه ~~وتضايقت مقاصده فليعلم أنه بذنبه أصيب وبعدم إخلاصه عوقب أو أنه أصيب بشيء ~~من ذلك محنة له وابتلاء واختبارا لينظر كيف صبره واحتماله ثم يفيض عليه بعد ~~ذلك من خزائن الخير ومخازن العطايا ما لم يكن بحسبان ولا يبلغ إليه تصوره ~~فليعض على العلم بناجذه ويشد عليه يده ويشرح به صدره فإنه لا محالة واصل ~~إلى المنزل الذي ذكرنا نائل للمرتبة التي بينا # وما أحسن ما حكاه بعض أهل العلم عن الحكيم أفلاطون فإنه قال الفضائل مرة ~~الأوائل حلوة العواقب والرذائل حلوة الأوائل مرة العواقب # وقد صدق فإن من شغل أوائل عمره وعنفوان شبابه بطلب الفضائل لا بد أن يفطم ~~نفسه عن بعض شهواتها ويحسبها عن الأمور التي يشتغل بها أترابه ومعارفه من ~~الملاهي ومجالس الراحة وشهوات الشباب فإذا انتهى إليه ما هم فيه من تلك ~~اللذات والخلاعات وجد في نفسه بحكم الشباب وحداثة السن وميل الطبع ما هناك ~~مرارة واحتاج إلى مجاهدة يرد بها جامع طبعه ومتفلت هواه ومتؤثب نشاطه ولا ~~يتم له ذلك إلا بإلجام شهوته بلجام الصبر ورباطها بمربط العفة # وكيف لا يجد مرارة الحبس للنفس من كان في زاوية من زوايا المساجد ومقصورة ~~من مقاصر المدارس لا ينظر إلا في دفتر ولا يتكلم إلا في فن من الفنون ولا ~~يتحدث إلا إلى عالم أو متعلم وأترابه ومعارفه من ms086 قرابته وجيرانه وذوي سنه ~~وأهل نشأته وبلده يتقبلون في رافه العيش ورائق القصف # وإذا انضم لذلك الطالب إلى هذه المرارة الحاصلة له بعزف النفس عن شهواتها ~~مرارة أخرى هي اعواز الحال وضيق المكسب وحقارة الدخل فإنه لا بد أن يجد من ~~المرارة المتضاعفة ما يعظم عنده موقعه لكنه يذهب عنه قليلا قليلا ~~PageV01P133 @ 134 # فأول عقدة تنحل عنه من عقد هذه المرارة عندما يتصور ما يؤول به الأمر ~~الأمر وينتهي إليه حاله من الوصول إلى ما قد وصل إليه من يجده في عصره من ~~العلماء # ثم تنحل عنه العقدة الثانية بفهم المباحث وحفظ المسائل وإدراك الدقائق ~~فإنه عند ذلك يجد من اللذة والحلاوة ما يذهب بكل مرارة # ثم إذا نال من المعارف حظا وأحرز منها نصيبا ودخل في عداد أهل العلم كان ~~متقلبا في اللذات النفسانية التي هي اللذات بالحقيقة ولا يعدم عند ذلك من ~~اللذات الجسمانية ما هو أفضل وأحلى من اللذات التي يتقلب فيها كل من كان من ~~أترابه # وهو إذا وازن بين نفسه الشريفة وبين فرد معارفه الذين لم يشتغلوا بما ~~اشتغل به اغتبط بنفسه غاية الاغتباط ووجد من السرور والحبور ما لا يقادر ~~قدره هذا باعتبار ما يجده من اللذة النفسانية عند أن يجد نفسه عالمة ونفس ~~معارفه جاهلة # ويزداد ذلك بما يحصل له من لوازم العلم من الجلالة والفخامة وبعد الصيت ~~وعظم الشهرة ونبالة الذكر ورفعة المحل والرجوع إليه في مسائل الدين وتقديمه ~~على غيره في مطالب الدنيا وخضوع من كان يزري عليه ويستخفف مكانه من بني ~~عصره فإذا جمعهم مجلس من الدنيا كانوا له بمنزلة الخدم وإن كان على غاية من ~~الإفلاس والعدم # ثم إذا تناهى حاله وبلغ من الحظ في العلم إلى مكان علي انثال عليه الطلبة ~~للعلوم وأقبل إليه المستفتون في أمر الدين واحتاج إليه ملوك الدنيا فضلا عن ~~غيره فيكون عند هذا عيشه حلوا محضا وعمره مغمورا باللذات النفسانية ~~والجسمانية ويرتفع أمره عن هذه الدرجة ارتفاع لا يقادر قدره إذا تصور ماله ms087 ~~عند الله من عظيم المنزلة وعلي الرتبة وعظيم الجزاء الذي هو المقصود أولا ~~وبالذات من علوم الدين PageV01P134 @ 135 # وكنت في أوائل أيام طلبي للعلم في سن البلوغ وبعدها بقليل تصورت ما ذكرت ~~هنا فقلت # ( سددت الأذن عن داعي % التصابي فلا داع لدي ولا مجيب ) # ( وأنفقت الشبيبة غير وان % لمجد الشيب فليهن المشيب ) # وقلت أحب رامز إلى هذا المعنى # ( وأبدي رغبة لنجود نجد % وشوقا لا نتشاقى منه ريحا ) # ( وما بسوى العقيق أقام قلبي % وأضحى بين أهليه طريحا ) # وأما كون الرذائل حلوة الأوائل مرة العواقب فصدق هذا غير خاف على ذي لب ~~فإن من أرسل عنان شبابه في البطالات وحل رباط نفسه فأجراها في ميادين ~~اللذات أدرك من اللذة الجسمانية من ذلك بحسب ما يتفق له منها ولا سيما إذا ~~كان ذا مال وجمال ولكنها تنقضي عنه اللذة وتفارقه هذه الحلاوة إذا تكامل ~~عقلها ورجح فهمه وقوي فكره فإنه لا يدري عند ذلك ما يدهمه من المرارات التي ~~منها الندامة على ما اقترفه من معاصي الله ثم الحسرة على ما فوته من العمر ~~في غير طائل ثم على ما أنفقه من المال في غير حله ولم يفز من الجميع بشيء ~~ولا ظفر من الكل بطائل # وتزداد حسرته وتتعاظم كربته إذا قاس نفسه بنفس من أشتغل بطلب المعالي من ~~أترابه في مقتبل شبابه فإنه لا يزال عند موازنة ذاته بذاته وصفاته بصفاته ~~في حسرات متجددة وزفرات متصاعدة ولا سيما إذا كان بيته في العلم طويل ~~الدعائم وسلفه من المتأهلين لتلك المعالي والمكارم فإنه حينئذ تذهب عنه ~~سكرة البطالة وتنقشع عنه عماية الجهالة بكروب طويلة وهموم ثقيلة وقد فاته ~~ما فات وحيل بين العير والنزوان وحال الجريض دون القريض وفي الصيف ضيعت ~~اللبن # فانظر أعزك الله أي الرجلين أربح صفقة وأكثر فائدة وأعظم عائدة فقد بين ~~الصبح لذي عينين وعند الصباح يحمد القوم السرى PageV01P135 @ 136 # ولنعد الآن إلى بيان ما يحتاج إليه أهل تلك الطبقات من العلوم وما ينبغي ~~له أن يشتغلوا به فنقول ms088 # | كيفية الوصول إلى المرتبة الأولى للعلم # أما أهل الطبقة الأولى التي هي في أرفع مكان وأعز محل يرتقي إليه علماء ~~الشريعة على حسب ما قدمنا بيانه فينبغي لمن تصور الوصول إليها وقصد الإدراك ~~لها # | علم النحو # أن يشرع بعلم النحو مبتدئا بالمختصرات كمنظومة الحريري المسماه بالملحة ~~وشروحها # فإذا فهم ذلك وأتقنه انتقل إلى = كافية ابن الحاجب = PageV01P136 @ 137 ~~وشروحها و = مغنى اللبيب = وشروحه # هذا باعتبار هذه الديار اليمنية إذا كان طالب العلم فيها لأنه يجد شيوخ ~~هذه المصنفات ولا يجد شيوخ غيرها من مصنفات النحو إلا باعتبار الوجادة لا ~~باعتبار السماع فإذا كان ناشئا في أرض يشتغلون فيها بغير هذه المصنفات ~~فعليه الاشتغال بما اشتغل به مشائخ تلك الأرض مبتدئا بما هو أقربها تناولا ~~منتهيا إلى ما هو النهاية للمشتغلين بذلك الفن وذلك القطر # فأعرف هذا وأعلم أن ما أسميه هاهنا إنما هو باعتبار ما يشتغل به الناس في ~~الديار اليمنية فمن كان في غيرها فليأخذ عن شيوخها في كل فن مقدارا يوافق ~~ما أذكره هنا # وأعلم أنه لا يستغني طالب العلم المتصور المتبحر في علم الشريعة العازم ~~على أن يكون من أهل الطبقة الأولى عن إتقان ما اشتمل عليه شرح الرضي على ~~الكافية من المباحث اللطيفة والفوائد الشريفة وكذلك ما في = مغنى اللبيب = ~~من المسائل الغريبة # ويكون اشتغاله بسماع شروح المختصرات بعد أن تكون هذه المختصرات ~~PageV01P137 @ 138 محفوظة له حفظا يمليه عن ظهر قلب ويبديه من طرف لسانه ~~وأقل الأحوال أن يحفظ مختصرا منها هو أكثرها مسائل وأنفعها فوائد # ولا يفوته النظر في مثل = الألفية = لابن مالك وشروحها = والتسهيل = ~~وشرحه و = المفضل = للزمخشري و = الكتاب = لسيبويه فإنه يجد في هذه الكتب ~~من لطائف المسائل النحوية ودقائق المباحث العربية ما لم يكن قد وجده في تلك # وينبغي للطالب المذكور أن يطلع على مختصرات المنطق ويأخذه عن شيوخه ويفهم ~~معانيه بعد أن يفهم النحو يفهم ما يبتدئ به من كتبه ليستعين بذلك على فهم ~~ما يورده المصنفون في مطولات كتب النحو ومتوسطاتها ms089 من المباحث النحوية # ويكفيه في ذلك مثل المختصر المعروف = بإيساغوجي = أو = تهذيب PageV01P138 ~~@ 139 السعد = وشرح من شروحهما وسيأتي بيان ما ينبغي الاشتغال به من فن ~~المنطق إن شاء الله وليس المراد هنا إلا الاستعانة بمعرفة مباحث التصورات ~~والتصديقات إجمالا لئلا يعثر على بحث من مباحث العربية من نحو أو صرف أو ~~بيان قد سلك فيه صاحب الكتاب مسلكا على النمط الذي سلكه أهل المنطق فلا ~~يفهمه كما يقع كثيرا من الحدود والإلزامات فإن أهل العربية يتكلمون بذلك ~~بكلام المناطقة فإذا كان الطالب عاطلا عن علم المنطق بالمرة فلم يفهم تلك ~~المباحث كما ينبغي # | علم الصرف # ثم بعد ثبوت الملكة له في النحو وإن لم يكن قد فرغ من سماع من سميناه ~~يشرع في الاشتغال في علم الصرف = كالشافية = وشرحها و = الريحانية ولامية ~~الأفعال = # ولا يكون عالما بعلم الصرف كما ينبغي إلا بعد أن تكون الشافية من ~~محفوظاته لانتشار مسائل فن الصرف وطول ذيل قواعده وتشعب أبوابه # ولا يفوته الاشتغال بشرح = الرضى = على الشافية بعد أن يشتغل بما هو ~~PageV01P139 @ 140 أخصر منه من شرحها = كشرح الجاربردي و = لطف الله الغياث ~~= فإن فيه من الفوائد الصرفيه ما لا يوجد في غيره # | علم المعاني والبيان # ثم ينبغي له بعد ثبوت الملكة له نحوا وصرفا وإن لم يكن قد فرغ من سماع ~~كتب الفنين أن يشرع في علم المعاني والبيان فيبتدئ بحفظ مختصر من مختصرات ~~الفن يشتمل على مهمات مسائله = كالتلخيص = و = شرح السعد = المختصر وما ~~عليه من الحواشي وشرحه المطول وحواشيه فإنه إذا حفظ هذا المختصر وحقق ~~الشرحين المذكورين وحواشيهما بلغ إلى مكان من الفن مكين فقد أحاطت هذه ~~الجملة بما في مؤلفات المتقدمين من شراح المفتاح ونحوه وإذا ظفر بشيء من ~~مؤلفات عبد القاهر الجرجاني والسكاكي في هذا الفن فليمعن النظر فيه فإنه ~~يقف في تلك المؤلفات على فوائد PageV01P140 @ 141 # | فن الوضع والمناظرة # وينبغي له حال الاشتغال بهذا الفن أن يشتغل بفنون مختصرة قريبة المأخذ ~~قليلة المباحث كفن الوضع وفن المناظرة ويكفيه ms090 في الأول رسالة الوضع وشرح من ~~شروحها وفي الثاني أدب البحث العضديه وشرح من شروحها # وقد تشعبت مسائل علم المناظرة في الأزمنة الأخيرة فوصل رجل من الأكراد من ~~طلبة العلم ومعه رسالة وشرحها يذكر أنها لبعض علماء الهند ولم يعرف اسمه ~~وفيها من الفوائد وشروحها والتفاصيل ما لا يوجد في الآداب العضدية وشروحها ~~إلا ما هو بالنسبة إليه كالرموز وقد نقلها الناس عنه وانتشرت بين علماء ~~صنعاء وهي في نحو ثلاثة كراريس مشتملة على مقدمة وتسعة مباحث ولا يستغني ~~طالب هذا الفن عن إمعان النظر فيها وقد اشتغلت بهذه الرسالة وقابلتها معه ~~على نسخته ولم يكن له من الفهم والاستعداد ما يبلغ به إلى أن تؤخذ عنه هذه ~~الرسالة وشرحها رواية ولا دراية مع كونه كان من أهل الصلاح والإكباب على ~~الطلب والرغبة في العلم # وكما تشعبت مباحث علم المناظرة فقد تشعبت أيضا عند المتأخرين مباحث علم ~~البديع فإن الموجود في كتب المتقدمين من أنواعه اللفظية والمعنوية دون ~~أربعين نوعا وعند أهل البديعيات زيادة على مائة وخمسين نوعا PageV01P141 @ ~~142 # وأخبرني الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الرئيس من علماء الحرم المكي عند وفوده ~~إلى صنعاء أنه قد أنهاها بعض المتأخرين إلى نحو سبع مائة نوع وأنه وقف على ~~رسالة أو منظومة الشك مني لبعض المتأخرين تشتمل على ذلك # وأنا بحمد الله قد استخرجت أنواعا من البديع وذكرت لها أسماء خارجة عن ~~الأسماء التي ذكرها أهل هذا العلم وذكرت أبياتا اشتملت على ذلك # | المؤلفات المشتملة على بيان مفردات اللغة عموما وخصوصا # ثم ينبغي له أن يكتب على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان مفرداتها = ~~كالصحاح = و = القاموس = و = شمس العلوم = و = ضياء الحلوم = PageV01P142 @ ~~143 و = ديوان الأدب = ونحو ذلك من المؤلفات المشتملة على بيان اللغة ~~العربية عموما أو خصوصا كالمؤلفات المختصة بغريب القرآن والحدث # | علم المنطق # ثم يشتغل بعد هذا بعلم المنطق فيحفظ مختصرا من مختصراته = كالتهذيب = أو ~~= الشمسية = ثم يأخذ في سماع شروحها على أهل الفن فإن العلم بهذا الفن على ~~الوجه ms091 الذي ينبغي يستفيد به الطالب مزيد إدراك وكمال استعداد عند ورود ~~الحجج العقلية عليه وأقل الأحوال أن يكون على بصيرة عند وقوفه على المباحث ~~التي يوردها المؤلفون في علوم الاجتهاد من المباحث المنطقية كما يفعله كثير ~~من المؤلفين في الأصول والبيان والنحو # | فن أصول الفقه # ثم يشتغل بفن أصول الفقه بعد أن يحفظ مختصرا من مختصراته المشتملة ~~PageV01P143 @ 144 على مهمات مسائله = كمختصر المنتهى = أو = جمع الجوامع = ~~أو = الغاية = # ثم يشتغل بسماع شروح هذه المختصرات كشرح العضد على = المختصر = وشرح ~~المحلى على = الجوامع = وشرح ابن الإمام على = الغاية = # وينبغي له أن يطول الباع في هذا الفن ويطلع على مؤلفات أهل المذاهب ~~المختلفة = كالتنقيح = و = التوضيح = و = التلويح = و = المنار = ~~PageV01P144 @ 145 وتحرير ابن الهمام وليس في هذه المؤلفات مثل التحرير ~~المذكور وشرحه # ومن أنفع ما يستعان به على بلوغ درجة التحقيق في هذا الفن الاكباب على ~~الحواشي التي ألفها المحققون على الشرح العضدي وعلى شرح الجمع # | علم الكلام أو أصول الدين # ثم ينبغي له بعد إتقان فن أصول الفقه وإن لم يكن قد فرغ من سماع مطولاته ~~أن يشتغل بفن الكلام المسمى بأصول الدين ويأخذ من مؤلفات الأشعرية بنصيب ~~ومن مؤلفات المعتزلة بنصيب ومن المؤلفات الماتريدية بنصيب ومن مؤلفات ~~المتوسطين بين هذه الفرق كالزيدية بنصيب # فإنه إذا فعل كل هذا عرف الاعتقادات كما ينبغي وأنصف كل فرقة بالترجيح أو ~~التجريح على بصيرة وقابل كل قول بالقبول أو الرد على حقيقة # ومن أحسن مؤلفات المعتزلة المجتبي ومن أحسن مؤلفات متأخري الأشعرية = ~~المواقف العضدية = وشرحها للشريف و = المقاصد السعدية = وشرحها له # وإياك أن يثنيك عن الاشتغال بهذا الفن ما تسمعه من كلمات بعض أهل العلم ~~في التنفير عنه والتزهيد فيه والتقليل لفائدته فإنك إن عملت على ذلك وقبلت ~~ما يقال في الفن قبل معرفته كنت مقلدا فيما لا يدري ما هو # _ _ _ _ _ _ _ والكون في الطبقة الأولية بل أعرفه حق معرفته وأنت بعد ذلك ~~مفوض فما تقوله من مدح ms092 أو قدح فإنه لا يقال لك حينئذ أنت تمدح ما لا تعرفه ~~أو تقدح فيما لا تدري ما هو PageV01P145 @ 146 على أنه يتعلق بذلك فائدة ~~وزيادة بصيرة في علوم أخرى كعلم التفسير وعلم تفسير الحديث فإنك إذا بلغت ~~إلى ذلك علمت ما في العلم بهذا الفن من الفائدة لا سيما عند قراءة = كشاف = ~~الزمخشري ومن سلك مسلكه فإن في مباحثهم من التدقيقات الراجعة إلى علم ~~الكلام ما لا يفهمها حق الفهم إلا من عرف الفن واطلع على مذاهب المعتزلة ~~والأشعرية وسائر الفرق # وإني أقول بعد هذا إنه لا ينبغي لعالم أن يدين بغير ما دان به السلف ~~الصالح من الصحابة والتابعين وتابعيهم من الوقوف على ما تقتضيه أدلة الكتاب ~~والسنة وإبراز الصفات كما جاءت ورد علم المتشابه إلى الله سبحانه وعدم ~~الاعتداد بشيء من تلك القواعد المدونة في هذا العلم المبنية على شفى جرف ~~هار من أدلة العقل التي لا تعقل ولا تثبت إلا بمجرد الدعاوي والافتراء على ~~العقل بما يطابق الهوى ولا سيما إذا كانت مخالفة لأدلة الشرع الثابتة في ~~الحديث والسنة فإنها حينئذ حديث خرافة ولعبة لاعب فلا سبيل للعباد يتوصلون ~~به إلى معرفة ما يتعلق بالرب سبحانه وبالوعد والوعيد والجنة والنار والمبدأ ~~والمعاد إلا ما جاءت به الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه عن الله سبحانه ~~وليس للمعقول وصول إلى تلك الأمور ومن زعم ذلك فقد كلف العقول ما أراحها ~~الله منه ولم يتعبدها به بل غاية ما تدركه وجل ما تصل إليه هو ثبوت الخالق ~~الباري وأن هذه المصنوعات لها صانع وهذه الموجودات لها موجد وما عدى ذلك من ~~التفاصيل التي جاءتنا في كتب الله عز وجل وعلى ألسن رسله فلا يستفاد من ~~العقل بل من ذلك النقل الذي منه جاءت وإلينا به وصلت # واعلم أني عند الاشتغال بعلم الكلام وممارسة تلك المذاهب والنحل لم أزدد ~~بها إلا حيرة ولا استفدت منها إلا العلم بأن تلك المقالات خزعبلات فقلت إذ ~~ذاك مشيرا إلى ما استفدته من هذا ms093 العلم # ( وغاية ما حصلته من مبحاثي % ومن نظري من بعد طول التدبر ) PageV01P146 ~~@ 147 # ( هو الوقف ما بين الطريقين حيرة % فما علم من لم يلق غير التحير ) # ( على أنني قد خضت منه غماره % وما قنعت نفسي بدون التبحر ) # وعند هذا رميت بتلك القواعد من حالق وطرحتها خلف الحائط ورجعت إلى ~~الطريقة المربوطة بأدلة الكتاب والسنة المعمودة بالأعمدة التي هي أوثق ما ~~يعتمد عليه عباد الله وهم الصحابة ومن جاء بعدهم من علماء الأمة المقتدين ~~بهم السالكين مسالكهم فطاحت الحيرة وانجابت ظلمة العماية وانقشعت وانكشفت ~~ستور الغواية ولله الحمد # على أني ولله الشكر لم أشتغل بهذا الفن إلا بعد رسوخ القدم في أدلة ~~الكتاب والسنة فكنت إذا عرضت مسألة من مسائله مبنية على غير أساس رجعت إلى ~~ما يدفعها من علم الشرع ويدمغ زائفها من أنوار الكتاب والسنة ولكنني كنت ~~أقدر في نفسي أنه لو لم يكن لدي إلا تلك القواعد والمقالات فلا أجد حينئذ ~~إلا حيرة ولا أمشي إلا في ظلمة ثم إذا ضربت بها وجه قائلها ودخلت إلى تلك ~~المسائل من الباب الذي أمر الله بالدخول منه كنت حينئذ في راحة من تلك ~~الحيرة وفي دعة من تلك الخزعبلات والحمد لله رب العالمين عدد ما حمده ~~الحامدون بكل لسان في كل زمان # | علم التفسير # ثم بعد إحراز هذه العلوم يشتغل بعلم التفسير فيأخذ عن الشيوخ ما يحتاج ~~مثله إلى الأخذ = كالكشاف = ويكب على كتب التفسير على اختلاف أنواعها ~~وتباين مقاديرها ويعتمد في تفسير كلام الله سبحانه ما ثبت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم عن الصحابة فإنهم مع كونهم أعلم من غيرهم بمقاصد الشارع ~~هم أيضا من أهل اللسان العربي فما وجده من تفاسير رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في الكتب المعتبرة = كالأمهات = وما يلتحق بها قدمه على غيره بل يتعين ~~عليه الأخذ به ولا يحل له PageV01P147 @ 148 مخالفته وأجمع مؤلف في ذلك ~~وأنفعه وأكثره فائدة = الدر المنثور = للسيوطي # وما ذكرنا من تقديم ما ورد عن الصحابة ms094 مقيد بما إذا لم يخالف ما يعلم من ~~لغة العرب ولم تكن تلك المخالفة لأجل معنى شرعي فإن كانت لمعنى شرعي فقد ~~تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على اللغوية # وينبغي له أن يطول الباع في هذا العلم ويطالع مطولات التفاسير = كمفاتيح ~~الغيب = للرازي فإن المعاني المأخوذة من كتاب الله سبحانه كثير العدد ~~يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده وقدر ملكته في العلوم # ولا يغتر بما يزعمه بعض أهل العلم من أنه يكفي الاطلاع على تفسير آيات ~~الكتاب العزيز كما وقع لكثير من التآليف في تفسير آيات مخصوصة مسميا لها = ~~بآيات الأحكام = كالموزعي وصاحب = الثمرات = فإن القرآن جميعه حتى قصصه ~~وأمثاله لا يخلو من فوائد متعلقة بالأحكام الشرعية ولطائف لا يأتي الحصر ~~عليها لها مدخل في الدين يعرف هذا من يعرفه ويجهله من يجهله # وينبغي أن يقدم على قراءة التفاسير الاطلاع على علوم الأداء وكل ما كان ~~PageV01P148 @ 149 له مدخل في التلاوة وسائر العلوم المتعلقة بالكتاب ~~العزيز وما أنفع الإتقان للسيوطي في مثل هذه الأمور # ثم لا يهمل النظر في الكتب المدونة في القراءات وما يتعلق بها = ~~كالشاطبية = وشرحها و = الطيبة = وشروحها # | علم السنة # إذا عرفت ما ينبغي لمن أراد أن يكون من أهل الطبقة الأولى فاعلم أن أعظم ~~العلوم فائدة وأكثرها نفعا وأوسعها قدرا وأجلها خطرا علم السنة المطهرة ~~فإنه الذي تكلفل ببيان الكتاب العزيز ثم استقل بما لا ينحصر من الأحكام # ولست أقول إن الطالب يشتغل به في وقت معين ولا أقول إنه يقدمه على هذه ~~العلوم المتقدمة أو يؤخره عنها بل أقول إنه ينبغي لطالب العلم بعد أن يقيم ~~لسانه بما يحتاج إليه من النحو أن يقبل على سماع الكتب التي جمع فيها أهل ~~العلم متون الأحاديث مقطوعة الأسانيد = كجامع الأصول = و = المشارق = و = ~~كنز العمال = و = المنتقى = لابن تيمية و = بلوغ PageV01P149 @ 150 المرام ~~= لابن حجر و = العمدة = # ثم يسمع الكتب التي فيها الأسانيد = كالأمهات الست = و = مسند أحمد = و = ~~صحيح = ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود و ms095 = سنن = الدارقطني والبيهقي # وبالجملة فما بلغت إليه قدرته ووجد في أهل عصره شيوخه من كتب السنة جد في ~~سماعه واجتهد بحسب ما يمكنه # ويكون هذا الاشتغال بهذا العلم الجليل مصاحبا لاشتغاله بجميع العلوم ~~المتقدمة من البداية إلى النهاية # فإذا قضى وطره من سماع كتب المتن والإسناد اشتغل بشروح هذه المؤلفات ~~فيسمع منها ما تيسر له سماعه ويطالع ما لم يتيسر له سماعه # ويستكثر من النظر في المؤلفات في علم الجرح والتعديل بل يتوسع في هذا ~~PageV01P150 @ 151 العلم بكل ممكن وأنفع ما ينتفع به مثل = النبلاء = و = ~~تاريخ الإسلام = و = تذكرة الحفاظ = و = الميزان = فإنه يجد في هذه ~~المؤلفات من الاختلاف في المترجم له وذكر أسباب الجرح والتعديل ما لا يجده ~~في غيرها = كتهذيب الكمال = وفروعه # | علم مصطلح الحديث # وهذا بعد أن يشتغل بشيء من علم اصطلاح أهل الحديث كمؤلفات = ابن الصلاح = ~~و = الألفية = للعراقي وشروحها ولا يستغني عن المطولات بالمختصرات لا سيما ~~إذا بالغ مؤلفوها في الاختصار = كالنخبة = وما هو مشابه لها # | علم التاريخ # وينبغي له أن يشتغل بمطالعة الكتب المصنعة في تاريخ الدول وحوادث ~~PageV01P151 @ 152 العالم في كل سنة كما فعله الطبري في = تاريخه = وابن ~~كثير في = كامله = وكما فعله كثير من المؤرخين على اختلاف مسالكهم في تخصيص ~~التصنيف بدولة من الدول أو طائفة من طوائف أهل العلم والأدب أو فرقة من فرق ~~أهل الرئاسات أو غير ذلك فإن للاطلاع على ذلك فائدة جليلة لا يعرفها إلا من ~~عرف أحوال العالم وأتقن أهل كل عصر منهم وعلم بأوقات موالدهم ووفياتهم # | مؤشر الوصول إلى المرتبة الأولى # فإذا أحاط الطالب بما ذكرناه من العلوم فقد صار حينئذ في الطبقة العالية ~~من طبقات المجتهدين وكملت له جميع أنواع علوم الدين وصار قادرا على استخراج ~~الأحكام من الأدلة متى شاء وكيف شاء # ولكنه ينبغي له أن يطلع على علوم أخرى ليكمل له ما قد حازه من الشرف ويتم ~~له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية # | علم الفقه # فمن ذلك علم الفقه وأقل ms096 الأحوال أن يعرف مختصرا في فقه كل مذهب من ~~المذاهب المشهورة فإن معرفة ما يذهب إليه أهل المذاهب الإسلامية قد يحتاجه ~~المجتهد لإفادة المتذهبين السائلين عن مذاهب أئمتهم وقد يحتاجه لدفع من ~~يشنع عليه في اجتهاده كما يقع ذلك كثيرا من أهل التعصب والتقصير ~~PageV01P152 @ 153 فإنه إذا قال له قد قال بهذه المقالة العالم الفلاني أو ~~عمل عليها أهل المذهب الفلاني كان ذلك دافعا لصولته كاسرا لسورته وقد وقعنا ~~في كثير من هذه الأمور مع المقصرين وتخلصنا عن شغبهم بحكاية ما أنكروه ~~علينا عن بعض من يعتقدونه من الأموات # وما أنفع الاطلاع على المؤلفات البسيطة في حكاية مذاهب السلف وأهل ~~المذاهب وحكاية أدلتهم وما دار بين المتناظرين منهم إما تحقيقا أو فرضا ~~كمؤلفات ابن المنذر وابن قدامة وابن حزم وابن تيمية ومن سلك مسالكهم # فإن المجتهد يزداد بذلك علما إلى علمه وبصيرة إلى بصيرته وقوة في ~~الاستدلال إلى قوته فإن تلك المؤلفات هي مطارح أنظار المحققين ومطامح أفكار ~~المجتهدين وكثيرا ما يحصل للعالم من النكت واللطائف الصالحة للاستدلال بها ~~ما لا يحصل للعالم الآخر وإن تقاربت معارفهما وتوازنت علومها بل قد يتيسر ~~لمن هو أقل علما ما لا يتيسر لمن هو أكثر علما من الاستدلال والجواب والنقض ~~والمعارضة وكما قيل # ( ورأيان أحزم من واحد % ورأي الثلاثة لا ينقض ) # وكما قيل PageV01P153 @ 154 # ( ولكن تأخذ الأفهام منه % على قدر القرائح والعلوم ) # ولا سيما مؤلفات أهل الإنصاف الذين لا يتعصبون لمذهب من المذاهب ولا ~~يقصدون إلا تقرير الحق وتبيين الصواب فإن المجتهد الطالب للحق ينتفع بها ~~ويستعين بأهلها فينظر فيما قد حرروه من الأدلة وقدروه من المباحث ويعمل ~~فكره في ذلك فيأخذ ما يرتضيه ويزيد عليه ما بلغت إليه قدرته ووصلت إليه ~~ملكته غير تارك للبحث عن تصحيح ما قد صححوه وتضعيف ما قد ضعفوه على الوجه ~~المعتبر # | من لوازم الإنصاف والاجتهاد # ومن حق الإنصاف ولازم الاجتهاد أن لا يحسن الظن أو يسيئه بفرد من أفراد ~~أهل العلم على وجه يوجب قبول ما ms097 جاء به أو رده من غير إعمال فكر وإمعان نظر ~~وكشف وبحث فإن هذا شأن المقلدين وصنيع المتعصبين وإن غرته نفسه بأنه من ~~المنصفين # وأن لا يغتر بالكثرة فإن المجتهد هو الذي لا ينظر إلى من قال بل إلى ما ~~قال فإن وجد نفسه تنازعه إلى الدخول في قول الأكثرين والخروج عن قول ~~الأقلين أو إلى متابعة من له جلالة قدر ونبالة ذكر وسعة دائرة علم لا لأمر ~~سوى ذلك فيعلم أنه قد بقي فيه عرق من عروق العصبية وشعبة من شعب التقليد ~~وأنه لم يوف الاجتهاد حقه # وبالجملة فالمجتهد على التحقيق وهو من يأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها ~~على الوجه الذي قدمناه ويفرض نفسه موجودا في زمن النبوة وعند نزول الوحي ~~وإن كان في آخر الزمان وكأنه لم يسبقه عالم ولا تقدمه مجتهد فإن الخطابات ~~الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق # وحينئذ يهون الخطب وتذهب الروعة التي نزلت بقلبه من الجمهور وتزول ~~PageV01P154 @ 155 الهيبة التي تداخل قلوب المقصرين # | أهمية الاطلاع على أشعار المبدعين # ومما يزيد من أراد هذه الطبقة العلية علوا ويفيده قوة إدراك وصحة فهم ~~وسيلان ذهن الإطلاع على أشعار فحول الشعراء ومجيديهم والمشهورين منهم ~~باستخراج لطائف المعنى ومطربات النكات مع ما تحصل له بذلك من الاقتدار على ~~النظم والتصرف في فنونه فقد يحتاج العالم إلى النظم لجواب ما يرد عليه من ~~الأسئلة المنظومة أو المطارحات الواردة إليه من أهل العلم وربما ينظم في فن ~~من الفنون لغرض من الأغراض الصحيحة فإن من كان بهذه المنزلة الرفيعة من ~~العلم إذا كان لا يقتدر على النظم كان ذلك خدشة في وجه محاسنه ونقصا في ~~كماله # | النظر في بلاغات مبدعي الإنشاء # وهكذا الاستكثار من النظر في بلاغات أهل الإنشاء المشهورين بالإجادة ~~والإحسان المتصرفين في رسالاتهم وحكاياتهم بأفصح لسان وأبين بيان فإنه ~~ينتفع بذلك إذا احتاج إلى الإنشاء أو جاوب صديقا أو كاتب حبيبا لأنه ينبغي ~~أن يكون كلامه على قدر علمه وهو إذا لم يمارس جيد النظم والنثر ms098 كان كلامه ~~ساقطا عن درجة الاعتبار عند أهل البلاغة والعلم شجرة ثمرتها الألفاظ وما ~~أقبح بالعالم المتبحر في كل فن أن يتلاعب به في النظم والنثر من لا يجاريه ~~في علم من علومه ويتضاحك منه من له أدنى إلمام بمستحسن الكلام ورائق النظام ~~PageV01P155 @ 156 # | علم العروض والقوافي # ويستعين على بلوغ ما يليق به ويطابق رتبته بمثل علم العروض والقوافي ~~وأنفع ما في ذلك منظومة الجزولي وشروحها وبمثل المؤلفات المدونة لذلك وأنفع ~~ما ينتفع به المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير # | أهمية الاطلاع على العلوم الفلسفية # ثم لا بأس على من رسخ قدمه في العلوم الشرعية أن يأخذ بطرف من فنون هي من ~~أعظم ما يصقل الأفكار ويصفي القرائح ويزيد القلب سرورا والنفس انشراحا ~~كالعلم الرياضي والطبيعي والهندسة والهيئة والطب # وبالجملة فالعلم بكل فن خير من الجهل به بكثير ولا سيما من رشح نفسه ~~للطبقة العلية والمنزلة الرفيعة # ودع عنك ما تسمعه من التشنيعات فإنها كما قدمنا لك شعبة من التقليد وأنت ~~بعد العلم بأي علم من العلوم حاكم عليه بما لديك من العلم غير محكوم عليك ~~واختر لنفسك ما يحلو وليس يخشى على من كان غير ثابت القدم في علوم الكتاب ~~والسنة فإنه ربما يتزلزل وتحول ثقته PageV01P156 @ 157 # فإذا قدمت العلم بما قدمنا لك من العلوم الشرعية فاشتغل بما شئت واستكثر ~~من الفنون ما أردت وتبحر في الدقائق ما استطعت وجاوب من خالفك وعذلك وشنع ~~عليك بقول القائل # ( أتانا أن سهلا ذم جهلا % علوما ليس يعرفهن سهل ) # ( علوما لو دراها ما قلاها % ولكن الرضى بالجهل سهل ) # وإني لأعجب من رجل يدعي الإنصاف والمحبة للعلم ويجري على لسانه الطعن في ~~علم من العلوم لا يدري به ولا يعرفه ولا يعرف موضوعه ولا غايته ولا فائدته ~~ولا يتصوره بوجه من الوجوه # وقد رأينا كثيرا ممن عاصرنا ورأيناه يشتغل بالعلم وينصف في مسائل الشرع ~~ويقتدي به بالدليل فإنه سمع مسألة من فن من الفنون التي لا يعرفها كعلم ~~المنطق والكلام والهيئة ms099 ونحو ذلك نفر منه طبعه ونفر عنه غيره وهو لا يدري ~~ما تلك المسألة ولا يعقلها قط ولا يفهم شيئا منها # فما أحق من كان هكذا بالسكوت والاعتراف بالقصور والوقوف حيث أوقفه الله ~~والتمسك في الجواب إذا سئل عن ذلك بقوله لا أدري # فإن كان ولا بد متكلما ومادحا أو قادحا فلا يكون متكلما بالجهل وعائبا ~~لما لا يفهمه بل يقدم بين يدي ذلك الاشتغال بذلك الفن حتى يعرفه حق المعرفة ~~ثم يقول بعد ذلك ما شاء # ولقد وجدنا لكثير من العلوم التي ليست من علم الشرع نفعا عظيما وفائدة ~~جليلة في دفع المبطلين والمتعصبين وأهل الرأي البحت ومن لا اشتغال له ~~بالدليل # فإنه إذا اشتغل من يشتغل منهم بفن من الفنون كالمشتغلين بعلم المنطق ~~PageV01P157 @ 158 جعلوا كلامهم ومذكراتهم في قواعد فنهم ويعتقدون لعدم ~~اشتغالهم بغيره أن من لا يجاريهم في مباحثه ليس من أهل العلم ولا هو معدود ~~منهم وإن كان بالمحل العالي من علوم الشرع فحينئذ لا يبالون بمقاله ويوردون ~~عليه ما لا يدري ما هو ويسخرون منه فيكون في ذلك من المهانة على علماء ~~الشريعة ما لا يقادر قدره # وأما إذا كان العالم المتشرع المتصدر للهداية إلى المسالك الشرعية ~~والمناهج الإنصافية عالما بذلك فإنه يجري معهم في فنهم فيكبر في عيونهم ثم ~~يعطف عليهم فيبن لهم بطلان ما يعتقدونه بمسلك من المسالك التي يعرفونها فإن ~~ذلك لا يصعب على مثله ثم بعد ذلك يوضح لهم أدلة الشرع فيقبلون منه أحسن ~~قبول ويقتدون به أتم قدوة # وأما العالم الذي لا يعرف ما يقولون فغاية ما يجري بينه وبينهم خصام ~~وسباب ومشاتمة هو يرميهم بالاشتغال بالعلوم الكفرية ولا يدري ما هي تلك ~~العلوم وهم يرمونه بالبلادة وعدم الفهم والجهل بعلم العقل ولا يدرون ما ~~لديه من علم الشرع # | أنصاف المثقفين في زمن الشوكاني # ولقد أهدت لها هذه الأيام ما لم يكن لنا في حساب من زعانف هم سقط المتاع ~~وفقعة القاع وأبناء الرعاع لابسوا طلبة العلم بعض الملابسة وشاركوهم ms100 بجامع ~~الخلطة والعشرة في مثل النظر في مختصرات النحو حتى صاروا ممن يتمكن من ~~إعراب أواخر الكلم ثم طاحت بهم الطوائح ورمت بهم الروامي إلى مطالعة تجريد ~~الطوسي وبعض شروحه وفهموا بعض PageV01P158 @ 159 مباحثه فظنوا أنهم قد ~~ظفروا بما لم يظفر به أرسطو طاليس ولا جالينوس دع مثل الكندي والفارابي ~~وابن سينا فإنهم عندهم في عداد المقصرين وأما مثل الرازي وطبقته فليسوا من ~~أهل العلم في ورد ولا صدر وأما سائر العلماء المتبحرين في علم الشرع وغيره ~~من أهل العصر وغيرهم فهم عند هؤلاء النوكاء الرقعاء لا يفهمون شيئا ولا ~~يعقلون # فقبح الله تلك الوجوه فإنها صارت عارا وشنارا على أهل العلم وصار ~~PageV01P159 @ 160 دخول مثل هؤلاء الذين دنسوا عرض العلم وجهموا وجهه ~~وأهانوا شرفه من أعظم المصائب التي أصابت أهله وأكبر المحن التي امتحن بها ~~حملته فإنه يسمعهم السامع يثلبون أعراض الأحياء والأموات من المشهورين ~~بالعلم الذين قد اشتهرت مصنفاتهم وانتشرت معارفهم فيزهد في العلم ويخاف من ~~أن يعرض نفسه للوقيعة من مثل هؤلاء الجهلة وعلى أنهم لا يعرفون شيئا إلا ما ~~ذكرت لك ولا يفهمون علما من العلوم لا بالكنة ولا بالوجه فما أحق هؤلاء ~~بالمنع لهم عن مجالس العلم والأخذ على أيديهم من الدخول في مداخل أهله ~~والتشبه بهم في شيء من الأمور وإلزامهم بملازمة حرف آبائهم وصناعات أهلهم ~~والوقوف في الأسواق لمباشرة الأعمال التي يباشرها سلفهم فليس في مفارقتهم ~~لها إلا ما جلبوه من الشر على العلم وأهله # ولكنهم قد تحذلقوا وجعلوا لأنفسهم حصنا حصينا وسورا منيعا فتظهروا بشيء ~~من الرفض وتلبسوا بثيابه فإذا أراد من له غيرة على العلم المعاقبة لهم ~~وإعزاز دين الإسلام بإهانتهم قالوا للعامة إنهم أصيبوا بسبب التشيع وأهينوا ~~بما اختاروه لأنفسهم من محبة أهل البيت رضي الله عنهم # وقد علم الله وكل من له فهم أنهم ليسوا من ذلك في قبيل ولا دبير بل ليس ~~عندهم إلا التهاون بالشريعة الإسلامية والتلاعب بالدين والطعن على الأنبياء ~~صلوات الله عليهم وسلامه فضلا عن ms101 غيرهم من المتمسكين بالشرع # وكل عارف إذا سمع كلامهم وتدبر أبحاثهم يتضوع له منها روائح الزندقة بل ~~قد يقف على ما هو صريح الكفر الذي لا يبقى معه ريب # ولقد كان القضاة من أهل المذاهب في البلاد الشامية والمصرية والرومية ~~والمغربية وغيرها يحكمون بإراقة دم من ظهر منه دون ما يظهر من هؤلاء حسبما ~~تحكيه كتب التاريخ وقد أصابوا أصاب الله بهم فإعزاز دين الله هو في ~~الانتقام من أعدائه المتنقصين به # وما يصنع العالم في مثل أرضنا هذه في مثل هؤلاء المخذولين فإنه إن قام ~~PageV01P160 @ 161 عليهم وأفتى بما يستحقونه ويوجبه عليهم الشرع حال بينه ~~وبينهم حوائل منها عدم اعتياد مثل هذه البلاد لمثل سفك دماء المتزندقين ~~ومنها عدم نفوذ أفهام المنفذين لأحكام الشرع حتى يعرفوا الدقائق الكفرية ~~الموجبة للخروج من الإسلام القاضية بسفك دم من صدرت عنه وكيف يفهم ذلك غالب ~~القضاة وهم يعجزون عن فهم شروط الوضوء وفرائضه وسننه بل يقصرون عن فهم ~~مباحث أبواب قضاء الحاجة فهل تراهم يفهمون ما يقوله لهم المفتي بسفك دم ~~المتزندق من أنه كفر بكذا استحق سفك دمه بكذا # هيهات هيهات فإنهم أبلد من ذاك وأسوأ فهما من البلوغ إليه # ومنها وهو أعظمها ما عرفناك به من تظهرهم بالرفض وادعائهم أنهم لم يصابوا ~~بذنب سواه ولا نالهم ما نالهم إلا بسببه فإن هذه الدعوى سريعة النفاق تدخل ~~إلى أذهان غالب الناس وتقبلها عقولهم بأيسر عمل للاشتراك في الجنس وإن لم ~~يكن على التواطئ بل على التشكيك وكفاك من شر سماعه # وبعد هذا فإني أرجو الله عز وجل أن يمكن منهم فتجري عليهم الأحكام ~~الشرعية وينفذ فيهم ما يقتضيه مر الحق ونص الدليل وقد علم الله سبحانه أني ~~أجد من الحسرة والتلهف ما لا يقادر قدره ولا يمكن التعبير عنه لأنه ليس ~~بتغاض عن مبتدع ولا بمجرد سكوت عن انتهاك حرمة من حرمات الشرع بل هو سكوت ~~عن الكفر وإغماض عن متظهر بالزندقة يتكلم فيما بملء فيه ويبدي منها ما تبكي ~~له ms102 عيون الإسلام وأهله فتارة يتهاون بالقرآن وتارة يتهاون بالأنبياء وتارة ~~يتهاون بحملة الدين وحينا يزري على علماء المسلمين ولكن بعبارات لا يفهمها ~~المقصرون ورموز لا يهتدي إليها المشتغلون بأبواب الفقه مع خلط تلك العبارات ~~بشيء من الرفض يفهمه المقصر والكامل فإذا نظره المقصرون في كلامهم لم ~~يفهموا منه إلا ما فيه من الرفض ولا يفهمون شيئا مما عداه # وإذا أخبرهم العالم بما اشتمل عليه ذلك الكلام من الكفر والزندقة لم ~~تقبله PageV01P161 @ 162 أفهامهم لأمرين # أحدهما الجهل بالعلوم التي يتوصلون بها إلى فهم ذلك # والثاني اعتقادهم أن ذلك المتكلم شيعي وأن هذا العالم الذي أنكره إنما ~~قام عليه لأجل الشيعة لكونهم يعتقدون في كل من اشتغل بعلوم الاجتهاد أنه ~~يخالف الشيعة طبيعة راسخة فيهم وأمر ورثوه عن أسلافهم وداء قبلوه من كل ~~مخذول ومحنة تعاظم بسببها البلاء على الشريعة وعلى أهلها # فبهذه الأسباب علمت أن قيامي عليهم لا يجدى إلا ثوران فتنة وظهور محنة ~~وقد يكون سببا لتظهرهم بزيادة على ما يتظهرون به من تلك الأمور الفظيعة ~~والكفريات الشنيعة # اللهم إني أشهدك وأنت خير الشاهدين أني أول حاكم بسفك دم من صدر منه ذلك ~~وأول مفت بقتل من فعل شيئا منه أو قال به عند أول بارقة من بوارق العدل وفي ~~إخفاء رائحة من روائح الإنصاف # ولست أقول أن جميع من أشرت إليهم هم على الصفة التي ذكرتها الموجبة ~~لإراقة الدم وإزهاق الروح بل يتظهر بذلك بعض مخذوليهم ويشتغل به أناس من ~~شياطينهم والبقية وإن كانوا بما يصدر منهم نقمة على العلم وأهله فإنهم ~~ينفرون الناس عن علم الشرع ويهونونه في صدورهم ويستصغرون علوم الدين بأسرها ~~ويجذبون من يطمعون فيه إلى جهالاتهم وضلالاتهم فهم مستحقون للحيلولة بينهم ~~وبين كل سبب يتوصلون به إلى العلم على كل تقدير كما أشرنا إليه سابقا مع ~~إنزال بعض ما فيه إهانة لهم بهم ومسهم بسوط إذلال ليكون في ذلك إعزاز للدين ~~ورفع لمناره وغسل لما قد لوثوا به أهله من القدر الذي يلقونه عليهم ~~وينجسونهم ms103 به # والله المرجو فعنده الخير كله وهو أغير على دينه وهو أكرم عليه من أن ~~يهان أو يضام أهله # وفيهم أفراد قليلون يصلحون بتعلم العلم ويتشبهون بأهله ويجرون على ~~PageV01P162 @ 163 نمط من يتعلمون منه ويأخذون عنه إن خيرا فخير وإن شر فشر ~~ولكن ما أقل من يكون هكذا منهم # | المؤهلون لتلقي العلم # فإن قلت وما هذه الأهلية التي يكون صاحبها محلا لوضع العلم فيه وتعليمه ~~إياه # قلت هي شرف المحتد وكرم النجار وظهور الحسب أو كون في سلف الطالب من له ~~تعلق بالعلم والصلاح ومعالم الدين أو بمعالي الأمور ورفيع الرتب # وقد أشار إلى هذا النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الثابت عنه في ~~الصحيح فقال الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في ~~الإسلام إذا فقهوا # فاعتبر صلى الله عليه وسلم الخيار في الجاهلية وليس ذلك لأمر يتعلق ~~بالدين فإنه لا دين لأهل الجاهلية بل المراد بخيار أهل من كان منهم من أهل ~~الشرف وفي البيوت الرفيعة فإن هذا أمر يجذب بطبع صاحبه إلى معالي الأمور ~~ويحول بيته وبين الرذائل ويوجب عليه إذا دخل في أمر أن يكون منه في أعلى ~~محل وأرفع رتبة فمتعلم العلم منهم يكون في أهله على أتم وصف وأحسن حال غير ~~شامخ بأنفه ولا متباه بما حصله ولا مترفع على الناس بما نال منه # وأما من كان من سقط المتاع وسفساف أهل المهن كأهل الحياكة PageV01P163 @ ~~164 العصارة والقضابة ونحو ذلك من المهن الدنية والحرف الوضيعة فإن نفسه لا ~~تفارق الدناءة ولا تجانب السقوط ولا تأبى المهانة ولا تنفر عن الضيم # فإذا اشتغل مشتغل منهم بطلب العلم ونال منه بعض النيل وقع في أمور منها ~~العجب والزهو والخيلاء لأنه يرى نفسه بعد أن كان في أوضع مكان وأخس رتبة ~~قاعدا في أعلا محل وأرفع موضع فإن منزلة العلم وأهله هي المنزلة التي لا ~~تساميها منزلة وإن علت ولا تساويها رتبة وإن ارتفعت # فبينما ذلك الطالب قاعد بين أهل حرفته من أهل الحياكة ms104 أو الحجامة أو ~~الجزارة أو نحوهم في أخس بقعة وأعظم مهانة إذ صار بين العلماء المتعلمين ~~الذين هم في أعلا منازل الدنيا والدين # فمبجرد ذلك يحصل له من العجب والتطاول على الناس والترفع عليهم ما يعظم ~~به الضرر على أهل العلم فضلا عن غيرهم ممن هو دونهم ومع ما ينضم إلى ذلك من ~~السخف الذي نشأ عليه وتلقاه من سلفه وسقوط النفس وضعف العقل ونذالة الهمة ~~ومثل تأمر الصبي لما ينشأ عليه من أخلاق آبائه لا ينكره أحد # ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم فيما صح عنه في = الصحيح = كل مولود يولد ~~على الفطرة ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه فإذا كان الصغير ينطبع ~~بطابع الكفر بسبب أبويه فما بالك بسائر الأخلاق التي يجدهما عليها ~~PageV01P164 @ 165 ومما يقع فيه هذا الطالب الناشئ بين أهل الوضاعة المرتضع ~~من ثدي الرقاعة أنه بحكم الطبع وألف المنشأ لا يرى في الناس إلا أهل حرفته ~~وبني مهنته فيعود من حيث بدا ويرجع من الباب الذي خرج منه فيكون في ذلك من ~~الإهانة للعلم والإزراء على أهله والوضع بجانبه ما لا يقادر قدره لأن هذا ~~يراه الناس تارة في المدارس قاعدا بين أيدي شيوخ العلم مشاركا للمتعلمين ~~وتارة يرونه في دكاكين الحجامين وحوانيت العطارين ومن جرى هذا المجرى من ~~المحترفين # ومما يقع فيه أنه بحكم الطبع الذي استفاده من المنشأ وتطبع به من أبويه ~~ومن يماثلهما وإن دخل في مداخل العلم وتزيا بزي أهله فهم أبغض الناس إليه ~~وأحقرهم لديه لا يقيموا له وزنا ولا يعترف لهم بفضيلة بل يكون ديدنه ~~وهجيراه ومعنى كلامه وفحواه هو التهاوم بهم وتحقير ما عظمه الله من أمرهم ~~والإغراء بين أماثلهم والتعرض للمفاضلة بين فضائلهم وإدخال الشحناء بينهم ~~بكل ممكن # ومن نكر هذا فعليه بالاستقراء والتتبع فإنه سيجد ما وجدناه ويقف على صحة ~~ما حكيناه ولا يخرج من هؤلاء إلا النادر القليل ولا يكون ذلك إلا لعرق ~~ينزعه إلى الشرف ويجذبه إلى الخير في سلفه القديم وإن جهله من لم ms105 يعرفه # وبالجملة فهذا ما تفيده التجربة وتشير إليه بعض الأدلة الشرعية وإذا صح ~~قوله صلى الله عليه وسلم واضع العلم في غير أهله كمقلد الخنازير الجوهر ~~ففيه أعظم عبرة للمعتبرين من الحاملين لعلوم الدين # وقد عزاه بعض أهل العلم إلى ابن ماجه ولا استحضره حال الرقم فيما هو في ~~حفظ من أحاديث كتاب = سنن ابن ماجه = فلينظر ثم كشفت عنه فوجدته في = سنن ~~ابن ماجه = عن أنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم PageV01P165 @ ~~166 طلبوا العلم فريضة على كل مسلم وواضع العلم عند غير أهله كمقلد ~~الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب وفي إسناده حفص بن سليمان البزاز وفيه مقال # وأما من كان أهلا للعم وفي مكان من الشرف فإنه يزداد بالعلم شرفا إلى ~~شرفه ويكتسب به من حسن السمت وجميل التواضع ورائق الوقار وبديع الأخلاق ما ~~يزيد عمله علوا وعرفانه تعظيما فيتخلق بأخلاق الأنبياء ومن يمشي على طريقهم ~~من عامل العلماء وصالح الأمة ويعرف للعلم حقه ويعظمه بما ينبغي من تعظيمه ~~فلا يكدره بالمطامع ولا يشوبه بالخضوع لأهل الدنيا ولا يجهمه بالتوصل به ~~إلى ما في يد الأغنياء فيكون عنده مخدوما لا خادما ومقصودا لا قاصدا # وبين هذه الطائفتين طائفة ثالثه ليست من هؤلاء ولا من هؤلاء جعل العلم ~~مكسبا من مكاسب الدنيا ومعيشة من معايش أهله لا غرض لهم فيه إلا إدراك منصب ~~من مناصب أسلافهم ونيل رئاسة من الرئاسات التي كانت لهم # كما نشاهده في غالب البيوت المعمورة بالقضاء أو الإفتاء أو الخطابة أو ~~الكتابة أو ما هو شبيه بهذه الأمور # فإن من كان طالبا للوصول إلى شئ من هذه الأمور ذهب إلى مدارس العلم يتعلم ~~ما يتأهل به لما يطلبه وهو لا يتصور البلوغ إلى الثمرة المستفادة من العلم ~~والغاية الحاصلة لطالبه فيكون ذهنه كليلا وفهمه عليلا ونفسه خائرة ونيته ~~خاسرة بل غاية تصوره ومعظم فكرته في اقتناص المنصب والوصول إليه فيخدم في ~~مدة طلبه واشتغاله أهل المناصب ومن يرجو منهم الإعانة على بلوغ مراده ms106 أكثر ~~مما يخدم العلم ويتردد إلى أبوابهم ويتعثر في مجالسهم ويذوق به من الإهانة ~~ما فيه أعظم مرارة ويتجرع من الغصص PageV01P166 @ 167 ما يصغر قدر الدنيا ~~بالنسبة إليه فإذا نال ذلك المنصب ضرب بالدفاتر وجه الحائط وألقاها خلف ~~الصور لعدم الباعث عليها من جهة نفسه والمنشط على العلم والمرغب فيه # فهذا هو شبيه بمن يتعلم مهنة من المهن ويتدرب في حرفة من الحرف فيقصد ~~أهلها حتى يدركها ويكون فيها أستاذا ثم يذهب إلى دكان من الدكاكين فيعتاش ~~بتلك الحرفة # وليس هو من أهل العلم في ورد ولا صدر ولا ينبغي أن يكون معدودا منهم وإن ~~ارتسم في ذهنه منه رسوم فهو من أزهد الناس فيها وأجفاهم لها وأقلهم احتفالا ~~بها ولا فائدة في تعلمه راجعة إلى الدين قط بل غاية ما استفاده منه العلم ~~وأهله تعريضه وتعريضهم للإهانة عند أهل الدنيا وإيقاعه وإيقاعهم في يد من ~~لا يعرف للعلم قدرا ولا يرفع له ذكرا ولا يقيم له وزنا كما يشاهد من ~~المتعلقين بالأعمال الدولية فإنهم يتلاعبون بطلبة المناصب الدنيوية غاية ~~التلاعب ويعرضونهم للإهانة مرة بعد أخرى ويتلذذون بذلك ويبتهجون لأنهم ~~يظنون أنها قد ارتفعت طبقتهم عن طبقات أهل العلم وحكموا تارة فيهم بالولاية ~~وتارة بالعزل وتمرغوا على عتابتهم مرة بعد مرة فبهذه الوسيلة دخل على أهل ~~العلم بما يصنعه هؤلاء من هذه الهنات الوضيعة والفعلات الشنيعة ما تبكي ~~عيون العلم وأهله وتقوم عليه النواعي ويغضب له كل من له حمية دينة وهمة ~~علية ولو علم أولئك المغرورون لم يبتهجوا بمن قصدهم من هؤلاء النوكاء فإنهم ~~ليسوا من أهل العلم ولا بينهم وبينهم علاقة ولا فرق بينهم وبين من يطلب ~~الأعمال الدولية التي لا تعلق لها بالعلم # ومن هذه الحيثية تنازل منصب العلم وتهاون الناس به لأنهم يرون رجلا قد ~~لبس لباس أهل العلم وتزين بزيهم وحضر مجالسهم ثم ذهب إلى مجالس أهل الدنيا ~~ومن لهم قدرة على إيصال أهل الأعمال الدنيوية إليها من وزير أو أمير فتصاغر ~~لهم وتذلل وتهاون ms107 وتحقر حتى يصير في عداد خدمهم PageV01P167 @ 168 ومن هو ~~في أبوابهم ثم أعطوه منصبا من المناصب فعمل ما يريدونه منهم وإن خالف الشرع ~~واعتمد على ما يرسمونه له وإن كان طاغوتا بحتا # فيظن من لا علم عنده بحقائق الأمور أن أهل العلم كلهم هكذا وأنهم ينسلخون ~~من العلم إذا ظفروا بمنصب من المناصب هذا الانسلاخ ويمسخون هذا المسخ ويعود ~~أمرهم إلى هذا المعاد فيزهد في العلم وأهله وتنفر عنه نفسه وتقل فيه رغبته ~~ويؤثر الحرف الدنيوية عليه ليربح السلامة من المهانة التي رآها نازلة بهذا ~~المشؤوم الجالب على نفسه وعلى أهل العلم ما جلب من الذل والصغار # وإذا كان ما جناه هؤلاء النكاء على العلم وأهله بالغا إلى هذا الحد عند ~~سائر الناس فما ظنك بما يعتقده فيهم من يطلبونه من المناصب بعد أن شاهد ~~منهم ما يشاهد من الخضوع والذلة والانسلاخ عن الشرع إلى ما يريدونه منه ~~وبذل الأموال لهم على ذلك ومهاداتهم بأفخر الهدايا والوقوف على ما يطلبونه ~~منه على أي صفة تراد منهم # وينظم إلى هذا خلوهم عن العلم وجهلهم لأهله الذين هم أهلهم فيظنون أن ~~هؤلاء الذين قصدوهم وتعثروا على أبوابهم هم رؤوس أهله لما يشاهدونه عليهم ~~من الهيئة واللباس الفاخر الذي لا يجدونه عند المشتغلين بالعلم # فهل تراهم بعد هذا يميلون إلى ما يقوله أهل العلم وينزجرون بما يوردونه ~~عليهم من الزواجر الشرعية المتضمنة لإنكار ما هو منكر والأمر بما هو معروف ~~والتخويف لهم عن مجاوزة حدود الله هيهات أن يصغوا لهذا سمعا أو يفتحوا له ~~طرفا فإلى الله المشتكى وعليه المعول فهذا أمر وقع فيه أهل العصور الأول ~~فألأول # وما أحق أهل العلم الحاملين لحجيج الله المرشدين لعباده إلى شرائعه أن ~~يطردوا هؤلاء عن مجالسهم ويبعدونهم عن مواطن تعليمهم وأن لا يبذلوا العلم ~~إلا لمن يقدره حق قدره وينزله منزلته ويطلبه لذاته ويرغب فيه PageV01P168 @ ~~169 لشرفه ويعتقد أنه أشرف مطلب من مطالب الدين والدنيا وأنه يصغر عنده ~~الملك فضلا عما هو دونه # | تولي أهل ms108 العلم للمناصب # ولا أقول إن أهل العلم العارفين به المطلعين على أسراره يمنعون أنفسهم من ~~المناصب الدينية # وكيف أقول بهذا وهذه المناصب إذا لم تربط بهم ضاعت وإذا لم يدخل فيها ~~الأخبار تتابع فيها الأشرار وإذا لم يقم بها أهل العلم قام بها أهل الجهل ~~وإذا أدبر عنها أهل الورع أقبل إليها أهل الجور # وكيف أقول هذا وأهل العلم هم المأمورون بالحكم بين الناس بالحق والعدل ~~والقسط وما أنزل الله وما أراهم الله القيام بين الناس بحججه والتبليغ ~~لأحكامه وتذكيرهم بما أمر الله بالتذكير به وإرشادهم إلى ما أرشدهم الله ~~إليه ولأهل القضاء والإفتاء ونحوها من هذه الأمور أوفر نصيب وأكبر حظ # ولكني أقول إنه ينبغي لطالب العلم أن يطلبه كما ينبغي ويتعلمه على الوجه ~~الذي يريده الله منه معتقدا أنه أعلى أمور الدين والدنيا راجيا أن ينفع به ~~عباد الله بعد الوصول إلى الفائدة منه ومن جملة النفع إذا احتاج إليه ~~الملوك وأهل الدنيا أن يلي منصبا من المناصب فطلبوا منه ذلك وعولوا عليه في ~~الإجابة معترفين بحق العلم منقادين إلى ما يوجبه الشرع معظمين لما أوجب ~~الله تعظيمه وكان قد بلغ إلى منزلة في العلم تصلح لذلك المنصب وشهد له أهل ~~العلم بكمال التأهيل وإحراز عدته فهذا إذا كان الحال هكذا لا يحل له أن ~~يمتنع من الإجابة أو يأتي من قبول ذلك فإنه إذا فعل ذلك كان تاركا لما ~~أوجبه الله عليه من القيام بحجته ونشر أحكامه وإرشاد عباده إلى PageV01P169 ~~@ 170 معالمه ونهيهم عن تجاوز حدوده ولا شك أن ذلك من أوجب الواجبات على ~~أهل العلم وأهم المهمات ولو جاز ذلك لمن طلب منهم وعول عليه لجاز لغيره من ~~أهل العلم أن يصنع كصنعه ويسلك مسلكه فتتعطل معاهد الشرع وتذهب رسومه ويتخذ ~~الناس رؤوسا جهالا يقضون بغير علم فيضلون ويضلون وذلك من علامات القيامة ~~وأشراط الساعة كما ورد به الخبر الصحيح # | كيفية الوصول إلى المرتبة الثانية للعلم # وإذا عرفت ما ينبغي لأهل الطبقة الأولى من العلوم فلنتكلم ms109 الآن على ما ~~ينبغي لأهل الطبقة الثانية من الطبقات المذكورة سابقا وهي طبقة من يريد أن ~~يعرف ما طلبه منه الشارع من أحكام التكليف والوضع على وجه يستقل فيه بنفسه ~~ولا يحتاج إلى غيره من دون أن يتصور البلوغ إلى ما تصوره أهل الطبقة الأولى ~~من تعدي فوائد معارفهم إلى غيرهم والقيام في مقام أكابر الأئمة المرجوع ~~إليهم كما يتصوره أهل الطبقة الأولى # فتقول صاحب هذه الطبقة الثانية هو من يطلب ما يصدق عليه مسمى الاجتهاد ~~ويسوغ به العمل بأدلة الشرع وهو يكفي بأن يأخذ من كل فن من فنون الاجتهاد ~~بنصيب يعلم به ذلك الفن علما يستغني به عن الحاجة إليه أو يهتدي به إلى ~~المكان الذي فيه ذلك البحث على وجه يفهم به ما يقف عليه منه # | علم النحو # فيشرع بتعلم علم النحو حتى تثبت له فيه ملكة يقتدر بها على معرفة أحوال ~~أواخر الكلم إعرابا وبناء وأقل ما يحصل له ذلك بحفظ مختصر من PageV01P170 @ ~~171 المختصرات المشتملة على مهمات مسائل النحو والمتضمنة لتقرير مباحثه على ~~الوجه المعتبر = كالكافية = لابن الحاجب وقراءة شرح من شروحها المختصرة ~~وأحسنها بالنسبة إلى الشروح المختصرة شرح الجامي فإنه ينتفع به الطالب ~~انتفاعا لا يجده في غيره من مختصرات الشروح # | علم الصرف # ثم يحفظ مختصرا في الصرف = كالشافية = لابن الحاجب وقراءة شرح من شروحها ~~المختصرة وأحسنها شرح الجاربردي # | علم المعاني والبيان # ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات علم المعاني والبيان = كالتلخيص = ~~للقزويني وقراءة شرح من شروحه المختصرة كشرح السعد المختصر # | علم أصول الفقه # ثم يشتغل بحفظ مختصر من مختصرات الأصول الفقهية وقراءة شرح من ~~PageV01P171 @ 172 شروحه وأنفع ما ينتفع به الطالب = الغاية = للحسين بن ~~القاسم وشرحها له فإنهما مع المبالغة في الاختصار قد اشتملا على ما حوته ~~غالب المطولات الكبار # | علم التفسير # ثم يشتغل بقراءة تفسير من التفاسير المختلفة كتفسير القاضي البيضاوي مع ~~مراجعة ما يمكنه مراجعته من التفاسير # | علم الحديث # ثم يشتغل بسماع ما لابد من سماعه من كتب الحديث وهي = الست ms110 الأمهات = فإن ~~عجز عن ذلك اشتغل بسماع ما هو مشتمل على ما فيها من المتون = كجامع الأصول ~~= ثم لا يدع البحث عن ما هو موجود من أحاديث الأحكام في غيرها بحسب ما تبلغ ~~إليه طاقته ويبحث عن الأحاديث الخارجة عن الصحيح في المواطن التي هي مظنة ~~للكلام عليها من الشروح والتخريجات # | علوم أخرى # ويكون مع هذا عند ممارسته لعلم اللغة على وجه يهتدي به في البحث عن ~~PageV01P172 @ 173 الألفاظ العربية واستخراجها من مواطنها وعنده من علم ~~إصلاح الحديث وعلم الجرح والتعديل ما يهتدي به إلى معرفة ما يتكلم به ~~الحفاظ على أسانيد الأحاديث ومتونها # | مؤشر الوصول إلى المرتبة الثانية # فمن علم بهذه العلوم علما متوسطا يوجب ثبوت مطلق الملكة في كل واحد منها ~~صار مجتهدا مستغنيا عن غيره ممنوعا من العمل بغير دليل # وعليه أن يبحث عند كل حادثة يحتاج إليها في دينه عن أقوال أهل العلم ~~وكيفية استدلالهم في تلك الحادثة وما قالوه وما رد عليهم به فإنه ينتفع ~~بذلك انتفاعا كاملا ويضم إلى علمه علوما وإلى فهمه فهوما # وهو وإن قصر عن أهل الطبقة الأولى فليس بمحتاج فيما يتعلق به من أمر ~~الدين إلى زيادة على هذا المقدار # ويختلف الانتفاع بالعلوم باختلاف القرائح والفهوم فقد ينتفع من هو كامل ~~الذكاء صادق الفهم قوي الإدراك بالقليل ما لا يقتدر على الانتفاع بما هو ~~أكثر منه كثير من جامد الفهم راكدي الفطنة # | كيفية الوصول إلى المرتبة الثالثة للعم # وأما أهل الطبقة الثالثة وهم الذين يرغبون في إصلاح ألسنتهم وتقويم ~~أفهامهم بما يقتدرون به على فهم معاني ما يحتاجون إليه من الشرع وعدم ~~تحريفه وتصحيفه وتغيير إعرابه من دون قصد منهم إلى الاستقلال بل ~~PageV01P173 @ 174 يعزمون على التعويل على السؤال عند عروض التعارض ~~والاحتياج إلى الترجيح # | علم الإعراب # فينبغي تعلم شيئا من علم الإعراب حتى يعرف به إعراب أواخر الكلمة # ويكفيه في مثل ذلك حفظ منظومة الحريري المسماة = الملحة = وقراءة شروحها ~~على أهل الفن وتدربه في إعراب ما يطلع عليه من ms111 الكلام المنظوم والمنثور ~~ويحفى السؤال عن إعراب ما أشكل عليه حتى تثبت له بمجموع ذلك ملكه يعرف بها ~~أحوال أواخر الكلم إعرابا وبناء وإلا لم يعلم بوجوده العلل النحوية ولا عرف ~~الحجج العربية # | علم مصطلح الحديث # ثم يتعلم اصطلاح علم الحديث ويكفيه في مثل ذلك مثل = النخبة = وشرحها # | علم السنة # ثم بعد هذا يكب على سماع المختصرات في الحديث مثل = بلوغ المرام = و = ~~العمدة = و = المنتقى = وإن تمكن من سماع = جامع الأصول = أو شئ من ~~مختصراته فعل # فإذا أشكل عليه معنى حديث نظرا في الشروح أو كتب اللغة وإن أشكل ~~PageV01P174 @ 175 عليه الراجحة من المتعارضات أو التبس عليه هل الحديث مما ~~يجوز العمل به أم لا شأن علماء هذا الشأن الموثوق بعرفانه وأنصافهم ويعمل ~~على ما يرشدونه إليه استفتاء وعملا بالدليل لا تقليدا وعملا بالرأي # | علم التفسير # ويشتغل بسماع تفسير من التفاسير التي لا يحتاج إلى تحقيق وتدقيق = كتفسير ~~البغوي = وتفسير السيوطي المسمى = الدر المنثور = # | ماذا يفعل الطالب عند حدوث إشكال أو صعوبة # وإذا أشكل عليه بحث من المبادئ أو تعارضت عليه التفاسير ولا يهتد إلى ~~الراجح أو التبس عليه أمر يرجع إلى تصحيح شئ مما يجده في كتب التفسير رجع ~~إلى أهل العلم لذلك الفن سائلا له عن الرواية لا عن الرأي # وقد كان من هذه الطبقة الصحابة والتابعين وتابعيه الذين يقولون فيهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ~~فإنهم كانوا يسألون أهل العلم منه عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون إليه في ~~معاشهم ومعادهم فيروون لهم في ذلك ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله صلى ~~الله عليه وسلم فيعلمون بروايتهم PageV01P175 @ 176 لا برأيهم من دون تقليد ~~ولا التزام رأي كما يعرف ذلك من يعرفه # وقد أوضحت هذا إيضاحا كثيرا في كتابي الذي سميته = القول المفيد في حكم ~~التقليد = فليرجع إليه # | كيفية الوصول إلى المرتبة الرابعة للعلم # وأما الطبقة الرابعة الذين يقصدون الوصول إلى علم من العلوم أو ms112 علمين أو ~~أكثر لغرض من الأغراض الدينة أو الدنيوية من دون تصور إلى علم الشرع كما ~~يفعله من يريد أن يكون مدركا لصناعة من الصناعات التي لها تعلق بالعلم وذلك ~~كمن يريد أن يكون شارعا ومنشئا أو حاسبا فإنه ينبغي له أن يتعلم ما يتوصل ~~به إلى ذلك المطلب # | كيف تصبح شاعرا # فمن أراد أن يكون شاعرا تعلم من علم النحو والمعاني والبيان ما يفهم به ~~مقاصد أهل هذه العلوم # ويستكثر من الاطلاع على علم البديع والإحاطة بأنواعه والبحث عن نكته ~~وأسراره وعلم العروض والقوافي # ويمارس أشعار العرب ويحفظ ما يمكنه حفظه منها ثم أشعار أهل الطبقة ~~PageV01P176 @ 177 الأولى من أهل الإسلام كجرير والفرزدق وطبقتهما # ثم أشعار مثل بشار بن برد وأبي نواس ومسلم بن الوليد # وأعيان من جاء بعدهم كأبي تمام والبحتري والمتنبي PageV01P177 @ 178 ثم ~~أشعار المشهورين بالجودة من أهل العصور المتأخرة ويستعين على فهم ما استعصب ~~عليه بكتب اللغة ويكب على الكتب المشتملة على تراجم أهل الأدب = كيتيمة ~~الدهر = وذيولها = وقلائد العقيان = وما هو على نمطه من مؤلفات أهل الأدب = ~~كالريحانة = و = النفحة = # | كيف تصبح منشئا # وكما يحتاج إلى ما ذكرناه من أراد أن يكون شاعرا فهو يحتاج إليه أيضا من ~~أراد أن يكون منشئا مع احتياجه إلى الإطلاع على = المثل السائر = لابن ~~الأثير و = الكامل = للمبرد و = الأمالي = للقالي ومجاميع PageV01P178 @ ~~179 خطب البلغاء ورسائلهم خصوصا مثل ما هو مدون من بلاغات الجاحظ والفاضل ~~والعماد وأمثالهم فإنه ينتفع بذلك أتم انتفاع # | كيف تصبح محاسبا # ومن أراد أن يكون محاسبا اشتغل بعلم الحساب ومؤلفاته معروفة # | كيف تصبح عالما بالفلسفة # وهكذا من أراد أن يطلع على علم الفلسفة فإنه يحتاج إلى معرفة العلم ~~الرياضي وهو علم يعرف به أحوال الكم المتصل والمنفصل والعلم الطبيعي وهو ~~العلم الباحث عن أحوال عالم الكون والفساد والعلم الإلهي وهو العلم الباحث ~~عن أحوال الموجود بما هو موجود مع ما يتعلق بذلك من أحوال المبدأ والمعاد ~~وهكذا علم الهندسة وهو العلم الباحث عن مقادير PageV01P179 @ 180 ms113 الأشياء ~~كما وكيفا ومبادئ الأشكال فمن جمع هذه العلوم الأربعة أعني الرياضي ~~والطبيعي والإلهي والهندسي صار فيلسوفا # والعلم بالعلوم الفلسفية لا ينافي علم الشرع بل يزيد المتشرع الذي قد ~~رسخت قدمه في علم الشرع غبطة بعلم الشرع ومحبة له لأنه يعلم أنه لا سبيل ~~للوقوف على ما حاول الفلاسفة الوقوف عليه إلا من جهة الشرع وأن كل باب غير ~~هذا الباب لا ينتهي بمن دخل إليه إلى غاية وفائدة # | كيف تصبح طبيبا # ومن كان مريدا لعلم الطب فعليه بمطالعة كتب جالينوس فإنها أنفع شئ في هذا ~~الفن باتفاق من جاء بعده من المشتغلين بهذه الصناعة إلا النادر القليل وقد ~~انتقى منها جماعة من المتأخرين ستة عشر كتابا وشرحوها شروحا مفيدة # فإن تعذر عليه ذلك فأكمل ما وقفت عليه من الكتب الجامعة بين المفردات ~~والمركبات والعلاجات كتاب = القانون = لابن سينا و = كامل الصناعة = ~~المشهور ب = الملكي = لعلي بن العباس PageV01P180 @ 181 # ومن أنفع المختصرات في هذا الفن = الذخيرة = لثابت بن قرة فإنها قد تضمنت ~~من العلاجات النافعة والأدوية المجربة مع اختصارها ما هو قائم مقام كثير من ~~المطرلات # ومن أنفع ما في هذا الفن باعتبار خواص الأدوية المفردة وبعض المركبات = ~~تذكرة الشيخ داود الأنطاكي = ولو كمل بالمعالجات لكان مغنيا عن غيره ولكنه ~~انقطع بعد أن شرع في الكلام على معالجات العلل على حروف أبجد فوصل إلى حرف ~~الطاء ثم انقطع الكتاب # ومن أنفع الكتب في هذا الفن = الموجز = وشروحه # وبالجملة فمن كان قاصدا إلى علم من العلوم كان عليه أن يتوصل إليه ~~بالمؤلفات المشهورة بنفع من اشتغل بها المحررة أحسن تحرير المهذبة أبلغ ~~تهذيب وقد قدمنا في كل فن ما فيه إرشاد إلى أحسن المؤلفات فيه # | كيف تكون عالما بمذهب من المذاهب # PageV01P181 @ 182 # وكثيرا ما يقصد الطالب الذي لم يتدرب بأخلاق المنصفين ويتهذب بإرشاد ~~المحققين الاطلاع على مذهب من المذاهب المشهورة ولم تكن له في غيره رغبة ~~ولا عنده لما سواه نشاط فأقرب الطريق إلى إدراك مقصده ونيل مأربه أن يبتدئ ~~بحفظ ms114 مختصر من مختصرات أهل ذلك المذهب = كالكنز = في مذهب الحنفية و = ~~المنهاج = في مذهب الشافعية فإذا صار ذلك المختصر محفوظا له متقنا على وجه ~~يستغني به عن حمل الكتاب شرع في تفهم معانيه وتدبر مسائله على شيخ من شيوخ ~~ذلك الفن حتى يكون جامعا بين حفظ ذلك المختصر وفهم معانيه مع كونه مكررا ~~لدرسه متدبرا لمعانيه الوقت بعد الوقت حتى يرسخ حفظه رسوخا يأمن معه من ~~التفلت # ثم يشتغل بدرس شرح مختصر من شروحه على شيخ من الشيوخ ثم يترقى إلى ما هو ~~أكثر منه فوائد وأكمل مسائل # ثم يكب على مطالعة مؤلفات المحققين من أهل ذلك الفن فيضم ما وجده من ~~المسائل خارجا عن ذلك المختصر قد صار محفوظا له إليه على وجه يستحضره عند ~~الحاجة إليه # ولكنه إذا لم يكن لديه من العلم إلا ما قد صار عنده من فقه ذلك المذهب ~~فلا ريب أنه يكون عامي الفهم سيء الإدراك عظيم البلادة غليظ الطبع ~~PageV01P182 @ 183 فعليه أن يبتدئ بتهذيب فهمه وتلقيح فكره بشيء من مختصرات ~~النحو ومجاميع الأدب حتى تثبت له الفقاهة الصورية وأما الفقاهة الحقيقية ~~فلا يتصف بها إلا المجتهد بلا خلاف بين المحققين PageV01P183 @ 184 ~~PageV01P184 @ 185 # | مباحث ضرورية لطالب الحق # # | جلب المصالح ودفع المفاسد # # | الدلائل العامة والكليات # # | أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرينة # # | التحايل على أحكام الشريعة # # | الإجماع - القياس # # | الاجتهاد - الاستحسان # # | مفاسد أصابت دين الإسلام # # | الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات # # | تعدد المذاهب # # | مفاسد بعض أدعياء التصوف # PageV01P185 @ 186 # وإذا عرفت ما ينبغي لكل طبقة من تلك الطبقات من المعارف العلمية فلنكمل ~~لك الفائدة بذكر مباحث ينتفع بها طالب الحق ومريد الإنصاف انتفاعا عاما ~~ويرتقي بها إلى مكان يستغني به عن كثير من الجزئيات # | جلب المصالح ودفع المفاسد # فمنها أن يعلم أن هذه الشريعة المطهرة السمحة مبنية على جلب المصالح ودفع ~~المفاسد ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء والقصص المحكية في كتب الله ~~المنزلة علم ذلك علما لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة # وقد ms115 وقع ذلك من نبيا صلى الله عليه وسلم وقوعا لا ينكره من له أدنى علم ~~بالشريعة المطهرة فإنه صلى الله عليه وسلم لما تبين له نفاق بعض المنافقين ~~واستحقاقه للقتل بحكم الشريعة قال لا يتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه # فترك قتله لجلب مصلحة هي أتم نفعا للإسلام وأكثر عائدة على أهله ودفع ~~مفسدة هي أعظم من المفسدة الكائنة بترك قتله # وبيان ذلك أنه إذا تحدث الناس بمثل هذا الحديث وشاع بينهم شيوعا لا يتبين ~~عنده السبب كان ذلك من أعظم المنفرات لأهل الشرك عن الدخول في الدين لأنه ~~يصد أسماعهم ذلك الحديث فيظنون عنده أن ما يعتقدونه من السلامة من القتل ~~بالدخول في الإسلام غير صحيح فيهربون منه هربا شديدا ويبعدون عنه بعدا ~~عظيما # وهكذا وقع منه صلى الله عليه وسلم التأثير لجماعة ممن لم تثبت قدمه في ~~الإسلام بغنائم حنين كأبي سفيان والأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فكان يعطي ~~الواحد من هؤلاء وأمثالهم المائة من الإبل وما يقوم مقام ذلك والمهاجرون ~~والأنصار الذين هم المقاتلة المستحقون للغنيمة ينظرون إلى التأثير ووقع في ~~أنفسهم ما وقع حتى قال قائلهم يرحم الله رسول الله PageV01P186 @ 187 يعطي ~~هؤلاء وسيوفنا تقطر من الدماء فلما علموا بما أراده صلى الله عليه وسلم من ~~المصلحة العائدة على الإسلام وأهله بتأليف مثل هؤلاء وتأثيرهم بالغنيمة ~~قبلوه أتم قبول وطابت أنفسهم أكمل طيبة # وهكذا وقع منه صلى الله عليه وسلم العزم على مصالحة الأحزاب بثلث ثمار ~~المدينة ظنا منه بأن في ذلك جلب مصلحة ودفع مفسدة فلما تبين له أن الترك ~~أجلب للمصلحة وأدفع للمفسدة صار إليه # وهكذا وقع منه صلى الله عليه وسلم النهي عن تلقيح النخل فلما تبين له ما ~~في ذلك من المصلحة لأهله أذن لهم به # وهكذا وقع منه الأذن بالعرايا لما شكى عليه الفقراء ما يلحقهم من المفسدة ~~بالمنع من شراء الرطب بالتمر مع عظم الخطر فيما هو مظنة بالربا # وكم يعد العاد من هذه الأمور # وبالجملة فكل ما وقع ms116 من النسخ والتخصيص والتقييد في هذه الشريعة المطهرة ~~فسببه جلب المصالح أو دفع المفاسد # فإن كل عالم بعلم أن نسخ الحكم بحكم آخر يخالفه لم يكن إلا لما في الناسخ ~~PageV01P187 @ 188 من جلب مصلحة أو دفع مفسدة زائدة على ما في الأولى من ~~النفع والدفع # وهكذا بالتقييد كما وقع في قوله تعالى ( ^ غير أولى الضرر ) وقوله عز وجل ~~( ^ من الفجر ) ونحو ذلك كثير جدا # وقد كان دينه صلى الله عليه وسلم وهجيره الإرشاد إلى التيسير دون التعسير ~~وإلى التبشير دون التنفير فكان يقول يسروا ولا تعسروا ولا تنفروا # وكان صلى الله عليه وسلم يرشد إلى الألفة واجتماع الأمر وينفر عن الفرقة ~~والاختلاف لما في الألفة والاجتماع من الجلب للمصالح والدفع للمفاسد وفي ~~الفرقة والاختلاف من عكس ذلك # فالعالم المرتاض بما جاءنا عن الشارع الذي بعثه الله تعالى متمما لمكارم ~~الأخلاق إذا أخذ نفسه في تعليم العباد وإرشادهم إلى الحق وجذبهم عن الباطل ~~ودفعهم عن البدع والأخذ بحجزهم عن كل مزلقة من المزالق مدحضة من المداحض ~~بالأخلاق النبوية والشمائل المصطفوية الواردة في الكتاب العزيز والسنة ~~المطهرة فيسر ولم يعسر وبشر ولم ينفر وأرشد إلى ائتلاف القلوب واجتماعها ~~ونهى عن التفرق والاختلاف وجعل غاية همه وأقصى رغبته جلب المصالح الدينية ~~للعباد ودفع المفاسد عنهم كان من أنفع دعاة المسلمين وأنجع الحاملين لحجج ~~رب العالمين وانجذبت له القلوب ومالت إليه الأنفس وتذلل له الصعب وتسهل ~~عليه الوعر وانقلب له المتعصب منصفا والمبتدع متسننا ورغب في الخير من لم ~~يكن يرغب فيه PageV01P188 @ 189 ومال إلى الكتاب والسنة من كان يميل عنهما ~~وتردى بأثواب الرواية من كان متجلببا بالرأي ومشى في رياض الاجتهاد واقتطف ~~من طيب ثمراته واستنشق من عابق رياحينه ما كان معتقلا في سجن التقليد مكبلا ~~بالقيل والقال مكتوفا بآراء الرجال # فإن قلت ما ذكرته من انبناء الشريعة المطهرة على جلب المصالح ودفع ~~المفاسد ماذا تريد به هل يلاحظ ذلك النفع والدفع مطلقا أو في حالة من ~~الحالات # قلت لا أريد ما قدمته ms117 إلا أن ما لم يرد فيه نص يخصه ولا اشتمل عليه عموم ~~ولا تناوله إطلاق فحق على العالم المرشد للعباد الطالب للحق أن يستحضر ذلك ~~ويرشد إليه ويهتم به ويدعو إليه # وأما مواقع النصوص وموارد أدلة الكتاب والسنة ومواطن قيام الحجج فلا جلب ~~نفع ولا دفع ضر أولى من ذلك وأقرب منه إلى الخير وأولى منه بالبركة فهو في ~~الحقيقة مصالح مجلوبة ومفاسد مدفوعة وإن قصرت بعض العقول عن إدراك ذلك ~~والإحاطة بكنهه والوقوف على حقيقته فمن قصورها أتيت ومن ضعف إدراكها دهيت # ومن تدبر ذلك كل التدبر وتأمله بحق التأمل لم يخف عليه فإن كل جزئي من ~~جزئيات الشريعة التي قام الدليل على طلبها والتعبد بها للكل أو البعض مطلقا ~~أو مقيدا لا بد أن يشتمل على جلب مصلحة أو مصالح عرفها من عرفها وجهلها من ~~جهلها وكل جزئي من جزئيات الشريعة الواردة بالنهي عن أمر أو أمور لا بد أن ~~يكون المنهي عنه مشتملا على مفسدة أو مفاسد تندفع بالنهي عنها # ولمزيد التتبع وكثرة التدبر في ذلك مدخلية جليلة لا سيما مع استحضار ~~الاستعانة بالله والتوكل عليه والتفويض إليه PageV01P189 @ 190 # | الدلائل العامة والكليات # ومما يستعين به طالب الحق ومريد الإنصاف على ما يريده من ربط المسائل ~~بالدلائل والخروج من آراء الرجال المتلاعبة بأهلها من يمين إلى شمال أن ~~يتدبر الدلائل العامة ويتفكر فيما يندرج تحتها من المسائل بوجه من وجوه ~~الدلالة المعتبرة فإنه إذا تمرن في ذلك وتدرب صار مستحضرا لدليل كل ما يسأل ~~عنه من الأحكام الشرعية كائنا ما كان وعرف معنى قوله عز وجل ( ^ ما فرطنا ~~في الكتاب من شيء ) # ومن أمعن النظر فيما وقع منه صلى الله عليه وسلم من استخراج الأحكام ~~الشرعية من كتاب الله تعالى زاده ذلك بصيرة كما ثبت عنه أنه لما سئل عن ~~الحمر الأهلية فقال لم أجد فيها إلا هذه الآية القائلة ( ^ من يعلم مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) فإن في هذا وأمثاله أعظم عبرة ms118 ~~للمعتبرين وأجل بصيرة للمتبصرين وأوضح قدرة للمعتدين من العلماء المجتهدين ~~وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمرو ابن العاص صليت بصحابك وأنت جنب يا ~~عمرو فقال سمعت الله يقول ( ^ ولا تقتلوا أنفسكم ) فقرره النبي صلى الله ~~عليه وسلم وضحك ولم يقل شيئا # وهذا باب واسع يطول تعداده # وهكذا التفكر في الكليات الصادرة عمن أعطى جوامع الكلم وأفصح PageV01P190 ~~@ 191 من نطق بالضاد كقوله صلى الله عليه وسلم إنما الأعمال بالنيات فإن ~~هذا اللفظ الموجز والعبارة المختصرة صالحة للاستدلال بها على كل جزء من ~~جزئيات الشرع فتدخل ما حصلت فيه النية في عداد الأعمال المقبولة ويخرج ما ~~لم تحصل فيه النية إلى حيز الأعمال المردودة وتصير بها المباحات قربات ~~وعبادات أقل أحوالها الاندراج تحت حقائق المندوبات ويبطل كثير من الصور ~~والحاكية لما هو من العبادات بعقد النية وعدم وجودها لا على الوجه المعتبر # وكقوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة ومن غشنا فليس منا و الحلال بين ~~والحرام بين وكل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد PageV01P191 @ 192 فإن كل فرد ~~من أفراد هذه العبارات وأمثالها صالح لجعله قضية كبرى للشكل الأول فلا يبقى ~~فرد من الأفراد إلا وأمكن إدراجه تحت هذه الكلية باجتلاب قضية صغرى سهلة ~~الحصول نقول مثلا هذا أمر ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكل أمر ~~ليس عليه أمره رد فهذا رد # فلا يبقى فعل ولا قول ولا اعتقاد لم يأت به الشرع إلا وأمكن الاستدلال ~~على رده بهذا الحديث الصحيح # وهكذا العمل في سائر الكليات والمتحلى بالمعارف العلمية يستغني بمجرد ~~الإشارة والإيقاظ لأن المواد قد حصلت له بما حصله من العلوم ومارسه من ~~المعارف فربما يغفل عن إخراج ما في القوة إلى الفعل فإذا نبه على ذلك تنبه ~~وكان العمل سهلا والانتفاع بالعلوم يسيرا # | أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز الانتقال عنه إلا لعلاقة أو قرابة # ومن جملة ما ينبغي تصوره ويعينه استحضاره أن يعلم أن هذه الشريعة ~~المباركة هي ما اشتمل عليه الكتاب والسنة ms119 من الأوامر والنواهي والترغيبات ~~والتنفيرات وسائر ماله مدخل في التكليف من غير قصد إلى التعمية والألغاز ~~ولا إرادة لغير ما يفيده الظاهر ويدل عليه التركيب ويفهمه أهل اللسان ~~العربي # فمن زعم أن حرفا من حروف الكتاب والسنة لا يراد به المعنى الحقيقي ~~والمدلول الواضح فقد زعم على الله ورسوله زعما يخالف اللفظ الذي جاءنا ~~عنهما فإن كان ذلك لمسوغ شرعي تتوقف عليه الصحة الشرعية أو PageV01P192 @ ~~193 العقلية التي يتفق العقلاء عليها لا مجرد ما يدعيه أهل المذاهب والنحل ~~على العقل مطابقا لما قد حببه إليهم التعصب فأدناه من عقولهم البعد عن ~~الإنصاف فلا بأس بذلك وإلا فدعوى التجوز مردوده مضروب بها في وجه صاحبها # فاحرص على هذا فإنه وإن وقع الاتفاق على أصالة المعنى الحقيقي وعدم جواز ~~الانتقال عنه إلا لعلاقة وقرينة كما صرح به في الأصول وغيرها فالعلم في كتب ~~التفسير والحديث والفقه يخالف هذا لمن تدبره وأعمل فكره ولم يغتر بالظواهر ~~ولا جمد على قبول ما يقال من دون بحث عن موارده ومصادره # وكثيرا ما يجد المتعصبين يحأمون عن مذاهبم ويؤثرونها على نصوص الكتاب ~~والسنة فإذا جاءهم نص لا يجدون عنه متحولا وأعياهم رده وأعجزهم دفعه أدعو ~~أنه مجاز واذكروا للتجوز علاقة هي من البعد بمكان وقرينة ليس لها في ذلك ~~المقام وجود ولا تدعو إليها حاجة وأعانهم على هذه الترهات استكثارهم من ~~تعداد أنواع القرائن والعلاقات حتى جعلوا من جملة ما هو من العلاقات ~~المسوغة للتجوز التضاد # فانظر هذا التلاعب وتدبر هذه الأبواب التي فتحوها على أدلة الكتاب والسنة ~~وقبلها عنهم من لم يمعن النظر ويطيل التدبر فجعلها علما وقبلها على كتاب ~~الله وسنة رسوله وأصلها دعوة افتراها على أهل اللغة متعصب قد آثر مذهبه على ~~الكتاب والسنة لم يستطع التصريح بترجيح المذهب على الدليل فدقق الفكر وأعمق ~~النظر عنادا الله تعالى وبغيا على شريعته وخداعا لعباده فقال هذا الدليل ~~وإن كان معناها الحقيقي يخالف ما نذهب إليه فهو هنا مجاز والعلاقة كذا ~~والقرينة كذا ولا علاقة ms120 ولا قرينة فيأتي بعد عصر هذا المتعصب من لا يبحث عن ~~المقاصد ولا يتدبر المسالك كما ينبغي فيجعل تلك العلاقة التي افتراها ذلك ~~المتعصب من جملة العلائق المسوغة للتجوز ولهذا صارت العلاقات قريبا من ~~ثلاثين علاقة ثم لما كان منه PageV01P193 @ 194 جملة أنواع القرائن العرفية ~~والعقلية افترى كل متعصب على العقل والعرف ما شاء وصنع في مواطن الخلاف ما ~~أرد والله المستعان # | التحايل على أحكام الشريعة # ومن جملة ما يستعين به على الحق ويأمن معه من الدخول في الباطل وهو لا ~~يشعر أن يقرر عند نفسه أن هذه الشريعة لما كانت من عند عالم الغيب والشهادة ~~الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ويعلم ما تكن الصدور وتخفيه ~~الضمائر ويحول بين المرء وقلبه كانت المخادعة بالحيل الباطلة والتخلص مما ~~طلبه بالوسائل الفاسدة من أعظم المعاصي له وأقبح التجرؤ عليه # وجميع هذه الحيل التي دونها أهل الرأي هي ضد لما شرعه وعناد له ومراوغة ~~لأحكامه ومجادلة باطلة لما جاء في كتابه وسنة رسوله # ومن تفكر في الأمر كما ينبغي وتدبره كما يجب اقشعر له جلده وقف عنده شعره ~~فإن هذا الذي وضع للعباد هذه الحيل كأنه يقول لهم هذا الحكم الذي أوجبه ~~الله عليكم أو حرمه قد وجدت لكم عنه مخلصا ومنه متحولا بذهني الدقيق وفكري ~~العميق هو كذا وكذا # فهذا المخذول قد بلغ من التجرؤ على الله تعالى مبلغا يتقاصر عنه الوصف ~~لأنه ذهب يعانده ويضاد ما تعبدنا به بمجرد رأيه الفايل وتخليه الباطل مقرا ~~على نفسه بقبيح صنعه وأنه جاء بما يريح العباد من الحكم الشرعي # فإن كان مع هذا معتقدا أن ذلك التحيل الذي جاء به يحلل الحرام ويحرم ~~الحلال فهو مع كذبه على الله وافترائه على شريعته قد ضم إلى ذلك ما يستلزم ~~أنه يدعي لنفسه أن يشرع للعباد من عند نفسه غير ما شرعه لهم وذلك لا يكون ~~إلا لله سبحانه فإن كان هذا المخذول يدعي لنفسه الإلوهية مع PageV01P194 @ ~~195 الله سبحانه فحسبك من شر ms121 سماعه # وإن كان لا يدعي لنفسه ذلك فيقال له ما بالك تصنع هذا الصنع وأي أمر ~~ألجأك إليه وأوقعك فيه # قال فإن رأيت الله عز وجل قد صنع مثل هذا في مثل قصة أيوب وصنعه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المريض الذي زنى # فيقال له ما أنت وهذا لأكثر الله في أهل العلم من أمثالك ومن أنت حتى ~~تجعل لنفسك ما جعله الله لنفسه فلو كان هذا الأمر الفظيع سائغا لأحد من ~~عباد الله لكان لهم أن يشرعوا كما شرع وينسخوا من أحكام الدين ما شاوا كما ~~نسخ # ثم أي جامع بين هذه أو بين ما شرعه الله من ذلك فإنه مجرد خروج من مأثم ~~وتحلل من يمين قد شرع الله تعالى فيها إتيان الذي هو خير كما تواترت بذلك ~~الأحاديث الصحيحة حتى ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حلف ~~على ذلك فقال والله لا أحلف على شئ فأرى غيره خيرا منه إلا أتيت الذي هو ~~خير وكفرت عن يميني # فأين هذا مما يصنعه أسراء التقليد من الكذب على الله تعالى وعلى شريعته ~~وعلى عباده PageV01P195 @ 196 أما الكذب على الله فلكونهم زعموا عليه أنه ~~أذن لهم وسوغه لهم وهو كذب بحت وزور محض وإن كانوا لا يعتقدون ذلك بل جعلوه ~~من عند أنفسهم جرأة وعنادا ومكرا وخداعا فالأمر أشد والقضية أعظم # وأما كذبهم على الشريعة فلكونهم جعلوا ما نصبوه من الحيل الملعونة ~~والذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية من جملة الشريعة ومن مسائلها ودونوه ~~في كتب العبادات والمعاملات # وأما الكذب على عباده فلكونهم ذهبوا إليهم فخدعوهم وماكروهم بأن ما أوجبه ~~الله من كذا ليس بواجب وما حرمه من كذا ليس بمحرم إذا فعلوا كذا أو قالوا ~~كذا # وما أشبه هذا بما كان يصنعه رؤساء الجاهلية لأهلها من التلاعب بهم كما ~~يتلاعب الصبيان والمجانين وكما يصنعه المجان وأهل الدعاية فإن تحريم ~~البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وكذلك ما كان يفعلونه من النسئ وما كانوا ~~عليه من الميسر والأنصاب ms122 والأزلام وما كانوا يعتمدونه من يطوف بالبيت ~~الحرام من تلك الأفعال التي هي أشبه بأفعال المجانين كالتعري وما يشاكله لا ~~مقصد لرؤساء الجاهلية بهذه الأمور التي كانوا يفعلونها ويأمرون العباد بها ~~إلا مجرد ارتفاع الذكر وإظهار اقتدارهم على تنفيذ ما يريدونه وقبول الناس ~~لما يأمرونهم به وإن كانت أمور متكررة وبلايا متعددة وأعمالا شاقة # فتدبر هذا وتأمله لتكون على حذر من نفاق ما جاءوا به من الحيل الباطلة ~~عندك وإلا كنت كالبهيمة التي لا تمنع ظهرها من راكب ولا تستعصى على مستعمل # وقد دلت أدلة الكتاب والسنة على هذا وكفاك بما قصة الله سبحانه علينا من ~~حيلة أهل السبت وقد أورد البخاري في = كتاب الحيل = من صحيحه PageV01P196 @ ~~197 ما يشفى ويكفى ولبعض المتأخرين في هذا مصنف حافل استوعب فيه جميع ~~الأدلة وهي معلومة لعلماء الكتاب والسنة # ولكننا اقتصرنا ههنا على بيان الأسباب التي تنشأ عنها الحيل والمفاسد ~~التي تتأثر عنها ليكون ذلك أوقع للمصنف وأوقع في نفسه كما هو دأبنا في هذا ~~المختصر فإنا نشير إلى القضية التي ينبغي اجتنابها بكلمات لا تنبو عنها ~~مسامع المنصفين ولا تنكرها قلوبهم ولا تبعد عنها أفهامهم وإذا حصل المقصود ~~بالاختصار لم تبق للتطويل حاجة وقد ينفع القليل نفعا لا يبلغه الكثير على ~~أنا لم نكن بصدد نشر الأدلة وإيراد ألفاظها فإنها معروفة مدونة بل نحن بصدد ~~الإرشاد إلى الإنصاف بعبارات تشتمل على معان قد تحتجب عن كثير من الأذهان ~~وتبعد عن غالب الأفهام PageV01P197 @ 198 # | عدم الاغترار بمجرد الاسم دون النظر في معاني المسميات وحقائقها # ومن جملة ما ينبغي له استحضاره أن لا يغتر بمجرد الاسم دون النظر في ~~معاني المسميات وحقائقها فقد يسمى الشئ باسم شرعي وهو ليس من الشرع في شئ ~~بل هو طاغوت بحت # وذلك كما يقع من بعض من نزعه عرق إلى ما كانت عليه الجاهلية من عدم توريث ~~الإناث فإنهم يخرجون أموالهم أو أكثرها أو أحسنها إلى الذكور من أولادهم ~~بصورة الهبة والنذر والوصية أو الوقف فيأتي من لا ms123 يبحث عن الحقائق فينزل ~~ذلك منزلة التصرفات الشرعية اغترارا منه بأن الشارع سوغ للناس الهبة والنذر ~~والوصية غير ملتفت إلى أن هذا لم يكن له من ذلك إلا مجرد الاسم الذي أحدثه ~~فاعله ولا اعتبار بالأسماء بل الاعتبار بالمسميات # فالهبة الشرعية هي التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله ~~بشير والد النعمان عن تخصيص ولده النعمان بشيء من مال وطلب منه أن يشهد على ~~ذلك فقال لا أشهد على جور ووقع منه الأمر بالتسوية بين الأولاد وهو حديث ~~صحيح له طرق متعددة # فالهبة المشتملة على التفصيل المخالف لفرائض الله ليست بهبة شرعية بل جور ~~مضاد لما شرعه الله فإطلاق اسم الهبة عليها مخادعة لله ولعباده فلا ينفذ من ~~ذلك شئ بل هو باطل رده لكونه ليس على أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P198 @ 199 # وهكذا من خصص بعض ورثته بنذر يخالف ما شرعه الله من الفرائض # فهذا ليس هو النذر الذي شرعه الله بل هو نذر طاغوتي فإن النذر الذي شرعه ~~الله سبحانه هو الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم النذر ما ابتغى به ~~وجه الله ويقول لا نذر في معصية الله كما هو ثابت في الصحيح # وهذا الناذر أخرج بعض ماله إلى بعض ورثته مخالفا لما فرضه الله تعالى من ~~المواريث ثم سمى ذلك البعض نذرا وهو لم يبتغ به وجه الله ولا أطاعه به بل ~~ابتغى به وجه الشيطان الذي وسوس له بأن يخالف الشرع وأطاعه بمعصية الله # وهكذا من أخرج بعض ماله على تلك الصفة بالوصية فإن هذه الوصية المتضمنة ~~للمفاضلة بين الورثة ليست الوصية التي شرعها الله تعالى لعباده بل وصية ~~طاغوتية فإن الوصية الشرعية هي التي يقول فيها النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~الله قد أعطى كل حق حقه ولا وصية لوارث # ويقول فيها الرب تبارك وتعالى ( ^ من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ~~) ويقول فيها ( ^ فمن خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح PageV01P199 @ 200 ~~بينهم فلا ms124 إثم عليه ) والمراد بالإصلاح إبطال ما جاء من الفساد في وصيته ~~وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الضرار في الوصية من أسباب النار ~~وأنه يحبط عبادة العمر كما أخرج ذلك جماعة وصححه من صححه # فمن جاءته من هذه الوصايا المشتملة عل الضرار بوجه من الوجوه فأنفذها من ~~الثلث مستدلا على ذلك بمثل حديث الثلث والثلث كثير وبمثل ما ورد من سائر ~~الآيات والأحاديث القاضية بالوصية على الإطلاق فقد غلط بينا فإن هذه الوصية ~~التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم الثلث والثلث كثير هي وصية قربة ~~كما في القصة المشهورة الثابتة في الأمهات أن سعد بن أبي وقاص استأذن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يتصدق بجميع ماله فمازال ينازله حتى قال له ~~الثلث والثلث كثير # وهكذا ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم إن الله جعل لكم ثلث أموالكم في ~~آخر أعماركم فإنه قيده بقوله في آخره زيادة في حسناتكم ولا يزيد في الحسنات ~~إلا ما كان قربة وأما وصايا الضرار المتضمنة لمخالفته ما شرعه الله فهي ~~زيادة في السيئات لا زيادة في الحسنات # فتبين لك أن هذه الوصية التي أذن بها النبي صلى الله عليه وسلم ~~PageV01P200 @ 201 ليست وصية الضرار فإن تلك قد أخرجها الله من عموم ~~مشروعية الوصية بقوله ( ^ غير مضار ) وأخرجها النبي صلى الله عليه وسلم بما ~~تقدم من الوعيد الشديد لمن يضار في وصيته ويمنع الوصية للوارث حتى ثبت في ~~بعض الروايات بلفظ لا تجوز وصية لوارث وقد أوضحته في أبحاث متعددة من ~~مصنفاتي وليس المراد ههنا إلا إرشاد طالب إنصاف إلى عدم الاغترار بما يفعله ~~المتلاعبون بأحكام الشرع من تسمية أمور تصدر عنهم من الطاغوت بأسماء شرعية ~~مخادعة لأنفسهم واستدراجا لمن لا فهم عنده ولا بحث عن الحقائق # وهذه الذريعة الشيطانية قد عمت وطمت خصوصا أهل البادية فإنه بقى في ~~أنفسهم ما كانت عليه الجاهلية الأولى من عدم توريث الإناث ومن لاحظ له ~~عندهم من الورثة وإن كانوا ms125 ذكورا فأرادوا الاقتداء بهم ولكنهم لما كانوا ~~مخبوطين بسوط الشرع مقهورين بسيفه نصبوا هذه الوسائل الملعونة فقالوا نذرنا ~~وهبنا أو وصينا وساعدهم على ذلك طائفة من المقصرين الذين لا يعقلون الصواب ~~ولا يفهمون ربط المسببات بأسبابها فحرروا لهم تحريرات على أبلغ ما يفيد ~~النفوذ والصحة طمعا فيما يتعجلونه من الحطام الذي هو من أقبح أنواع السحت ~~فإن ما يأخذونه على ذلك هو حرام كما ثبت عن الشارع من تحريم حلوان الكاهن ~~وأجر البغي وما يأخذه من يعلم كتاب الله ونحو ذلك من الأمور # ولا يشك من يفهم الحجج الشرعية أن سبب تحريم ذلك هو كونه على تحليل حرام ~~أو تحريم حلال وهذا الذي يكتب هذه المكاتيب الطاغوتية المتضمنة لمخالفة ما ~~شرعه الله من لعباده من المواريث وقدره لهم في كتابه وقيده بعدم الضرار هو ~~أولى بتحريم ما يأخذه من أولئك PageV01P201 @ 202 # وقد يقوم شيطان من شياطين المقلدة ومخذول من مخذولي المشتغلين بالرأي ~~فيجادل عن هذه الوصايا والنذر ورد الهبات ونحوها وينزلها منزلة الوصايا ~~والنذور والهبات الشرعية ويورد ما قاله من يقلده ممن يستعظم الناس كلامه ~~ويقتدون بمذهبه ويحكى لهم ما صرح به في هذه الأبواب ونحوها من مصنفاته غير ~~متعقل الفرق بين هذه الطواغيت وبين تلك الأمور الشرعية ولا فاهم للمغايرة ~~الكلية ولا متأمل للأسباب التي تصدر عنها تلك الأمور وأن أهل العلم بأسرهم ~~إنما تكلموا في مصنفاتهم على الأمور الشرعية لا الأمور الجاهلية وأن مجرد ~~الاسم لا يحلل الحرام ولا يحرم الحلال كما لو سميت الخمر ماء أو الماء خمرا ~~فإنه لو كان الحكم يدور على التسمية لكان الخمر المسمى ماء حلالا وكان ~~الماء المسمى خمرا حراما # وهذا خرق للشرع وهتك للدين ومن اغتر فليس من النوع الإنساني بل من النوع ~~البهيمي ولا ينبغي الكلام نعه بل يقال له هذا الذي فيه النزاع ليس هو ما ~~تكلم عليه من تقلده وتقتدي به بل هو شئ آخر يضاده ويخالفه لأن أهل الشرع ~~إنما يتكلمون على الأمور الشرعية وهذا ليس شرعي ms126 بل طاغوتي فإن فهم هذا ~~استراح منه وإن لم يفهمه ففي السكوت راحة من تحمل كرب مخاطبة السفهاء # ولقد وقعنا مع جماعة من مقصري القضاة والمفتين في هذه المسألة في أمور ~~عظيمة وخطوب جسيمة وفتن كبيرة لا يتسع المقام لبسطها والحق منصور والباطل ~~مخذول ولله الحمد # وأعظم ما يتمسكون به من التغرير على العوام والتزوير على الملوك ومن يقدر ~~على القيام بنصرهم استكثارهم من قولهم هذا خالف المذهب فعل كذا قال كذا ولم ~~يخالف في الواقع إلا الطاغوت ولا نصر إلا الشرع # فليحذر طالب العلم من الاغترار بمثل ذلك والروعة منه فإن العاقبة للمتقين ~~والله ناصر المحقين والأعمال بالنيات ولقد تلطف المحبون لهذه الطواغيت ~~والمساعدون لهم على كتبها لما صممت على إبطالها وأبطلها PageV01P202 @ 203 ~~كل من ترد عليه من فاض أو غيره بعد أن وقع بيني وبينهم ما أشرت إليه سابقا ~~فكان من جملة ما عدلوا إليه من الذرائع والوسائل الإقرار للذكور أو لمن ~~يحبون بديون ونفقات ومكتسبات ولم ينفق ذلك علي ولا التفت إليه بل كشفت عن ~~أصل كل إقرار فما كان صادرا عن هذه المقاصد الفاسدة أبطلته # ومن جملة ما تلطف به من له أولاد ذكورا وإناثا أن يعمدوا إلى أولاد ~~أولادهم الذكور فينذرون عليهم ويوصون لهم ويقولون إنهم فعلوا ذلك لغير وارث ~~ولم يفعلوا ذلك إلا لقصد تقليل نصيب بناتهم وتوفير نصيب الذكور # وقد تتبعت هذا فما وجدت أحدا يوصي لأولاده أولاده أو ينذر عليهم إلا ومعه ~~بنات أو له ميل إلى بعض الأولاد دون بعض ولا يفعلون ذلك لمقصد صالح إلا في ~~أندر الحالات وأقلها # ومن جملة هذه الوصايا الطاغوتية والنذور الشيطانية ما يفعله كثير من ~~الناس من النذور والوصايا على قبول الأموات فإنه لا مقصد لهم بذلك إلا ~~استجلاب الخير واستدفاع الشر من صاحب القبر وهو قد صار بين أطباق الثرى ~~يعجز عن نفع نفسه فضلا عن نفع غيره # فلا يصح شئ من ذلك بل يتوجه على أهل الولايات صرفه في مصالح المسلمين ~~ويعرفون الناس ms127 بقبح ما يصنعونه من ذلك وأنه من الأمور التي لا يحل اعتقادها ~~وأن الضر والنفع واستجلاب الخير واستدفاع الشر بيد الله عز وجل ليس لغيره ~~فيه حكم ولا له عليه اقتدار # فإن رجعوا عن ذلك وتابوا وإلا انتقل صاحب الولاية معهم إلى ما هو أشد من ~~ذلك ولا يدعهم حتى يتوبوا # وهكذا ما يقع من الأوقاف على القبور فإنها من الحبس الشيطانية والدلس ~~الطاغوتية ولا يحل تقرير شئ منها ولا السكوت عنه بل صرفها PageV01P203 @ ~~204 في مصالح المسلمين من أهم الأمور وأوجبها فإن في عدم إنكارها وإبطالها ~~مفسدة عظيمة تنشأ عنها الاعتقادات الباطلة المفضية بصاحبها إلى نوع من ~~أنواع الشرك وهو لا يشعر # | الإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان # ومن جملة ما ينبغي لطالب الحق أن يتصوره ويحذر من قبوله بدون كشف عنه ما ~~يجعله كثير من أهل العلم دليلا يستدلون به على إثبات الأحكام الشرعية على ~~العباد وهو الإجماع والقياس والاجتهاد والاستحسان # | الإجماع # فأما الإجماع فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي على فرض ~~إمكانه لعدم ورود دليل يدل على حجيته # وأوضحت انه ليس بممكن لاتساع البلاد الإسلامية وكثرة الحاملين للعلم ~~وخمول كثير منهم في كل عصر من الأعصار منذ قام الإسلام إلى هذه الغاية ~~وتعذر الاستقراء التام لما عند كل واحد منهم وأن الأعمار الطويلة لا تتسع ~~لذلك فضلا عن الأعمار القصيرة # فإن المدينة الواسعة قد يعجز من هو من أهلها أن يعرف ما عند كل فرد من ~~أفراد علمائها بل قد يعجز عن معرفة كل عالم فيها كما هو مشاهد محسوس معلوم ~~لكل فرد فكيف بالمدائن المتباينة فكيف بجميع الأقطار الإسلامية PageV01P204 ~~@ 205 بدوها وحضرها ومداينها وقراها # فقد يوجد في زاوية من الزوايا التي لا يؤبه لها ولا يرفع الرأس إليها من ~~يقل نظيره من المشاهير في الأمصار الواسعة ومع هذه فهذا المذاهب قد طبقت ~~الأقطار وصارت عند المنتمين إلى الإسلام قدوة يقتدون بها لا يخرج عنها ~~ويجتهد رأيه ويعمل بما قام عليه الدليل إلا الفرد بعد ms128 الفرد والواحد بعد ~~الواحد وهم على غاية الكتم لما عندهم والتستر بما لديهم خوفا من المتمذهبين ~~لأنهم قد جعلوا المذهب الذي هم عليه حجة شرعية على كل فرد من أفراد العباد ~~لا يخرج عنه خارج ولا يخالفه مخالف إلا مزقوا عرضه وأهانوه وأخافوه والدولة ~~في كل أرض معهم وفي أيديهم والملوك معهم لأنهم من جنسهم في القصور والبعد ~~عن الحقائق وإذا وجد النادر من الملوك والشاذ من السلاطين له من الإدراك ~~والفهم للحقائق ما يعرف به الحق والمحقين فهو تحت حكم المقلدة وطوع أمرهم ~~لأنهم جنده ورعيته # فإذا خالفهم خالفوه فيظن عند ذلك ذهاب ملكه وخروج الأمر من يده # وإذا كان الحال هكذا فكيف يمكن الوقوف على ما عند كل عالم من علماء ~~الإسلام هذا باعتبار الأحياء وهو في أهل العصور المنقرضة من الأموات أشد ~~بعدا وأعظم تعذرا فإنه لا سبيل إلى ذلك إلا ما يوجد في المصنفات وما كل من ~~يعتد به في الإجماع يشتغل بالتصنيف بل المشتغلون بذلك منهم هم القليل ~~النادر ومع هذا فمن اشتغل منهم بالتصنيف لا يحظى بانتشار مؤلفاته منهم إلا ~~أقلهم وهذا معلوم لكل أحد لا يكاد يلتبس # ولا شك أن من الملوك من يصر على أمر مخالف للشرع فلا يستطيع أحد من أهل ~~العلم أن ينكر عليه أو يظهر مخالفته تقية ومحاذرة ورغبة في السلامة وفرارا ~~من المحنة وبالجملة فالدنيا مؤثرة في كل عصر وإذا عجز الملك عن إظهار مذهبه ~~على فرض أنه من أهل الإدراك والحال أن بيده السيف والسوط فما ظنك بعالم ~~المستضعف لم يكن بيده إلا أقلامه ومحبرته PageV01P205 @ 206 # ومما أحكيه لك مما أدركته في أيام الحداثة ومن الصبا أن الإمام المهدي ~~العباس بن الحسين رحمه الله تعالى أحد ملوك اليمن ووالد إمامنا الإمام ~~المنصور حفظه الله كان له إدراك تام وفهم ثاقب واتصل بمقامه من أكابر ~~العلماء المنصفين العالمين بالأدلة جماعة فأظهر في الصلاة سنن كانت متروكة ~~لترك المتمذهبين لها فقامت قيامة جماعة من المتفيهقين المقلدين وأثاروا ~~حفائظ جماعة ms129 من شياطين البدوان الذين لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه ولا ~~يدرون من الدين إلا رسمه فتجمعوا في بواديهم وقالوا قد خرج الإمام من مذهب ~~الشيعة إلى مذهب السنة ومن الاقتداء بعلي بن أبي طالب إلى الاقتداء بمعاوية ~~كما لقنهم هذه المقالة شياطين المقلدة ثم خرجوا عليه في جند يعجز عن ~~مقاومتهم فما وسعه إلا مصانعتهم بالمال والإعلان بترك تلك السنن التي هي ~~أوضح من شمس النهار # وأحكي لك أيضا حادثة أشنع من هذه كائنة في عام تحرير هذه الأحرف هي أني ~~لم أزل منذ اتصلت بخليفة عصرنا حفظه الله مرغبا له في العدل في الرعية على ~~الوجه الذي ورد الشرع به ورفع المظالم المخالفة لقطعيات الشريعة كالمكس ~~ونحوه والاقتصار على ما ورد به الشرع وعدم مجاوزته في شيء فألهمه الله ~~سبحانه إلى الإجابة إلى ذلك بعد طول مداراة وترغيب # فجعلت مكتوبا محكيا عنه مضمونه أنه قد أمر عماله في العدل في الرعية ورفع ~~كل مظلمة والاقتصار على ما ورد به الشرع في كل شيء وأن من لم PageV01P206 @ ~~207 يمتثل هذا الأمر كان على القاضي في ذلك القطر أن ينهى أمره إلى حضرة ~~الإمام حتى يحل به من العقوبة ما يردعه ويردع أمثاله # وفي هذا المكتوب التشديد في الربا والسياسة الشيطانية والأخذ على قضاة ~~الأقطار أن يبعثوا من يعلم الناس أمر دينهم من الصلاة والصيام والحج ~~والزكاة والتوحيد على الوجه المطابق لمراد الله عز وجل # وقرر الإمام ذلك وأنفذه وأظهره في الناس فقامت شياطين المقلدة وفراعين ~~البدوان وخونة الوزراء في وجه هذا الأمر قياما يبكي له الإسلام ويموت كمدا ~~عنده الأعلام فجعلوا هذا المعروف منكرا وما كان الأمر السابق عليه من ~~المنكر معروفا # وليس العجب ممن له حظ في المظالم ونصيب من المكس وقسط من السحت فقد يفعل ~~ذلك من يؤثر الدنيا ويبيع الآجل بالعاجل ولكن العجب من جماعة لا حظ لهم في ~~شيء من ذلك ولهم حظ من العلم ونصيب من الورع متكئين على أرائكهم عاكفين على ~~دفاترهم صاروا ms130 ينكرون من هذا الأمر ما يعلمون أنه مخالفة لقطعيات الشريعة ~~مع علمهم بحكم من خالفها واعترافهم بأن هذا هو الحق الذي اتفقت عليه الكتب ~~المنزلة والرسل المرسلة لكنهم يتركون تدبير الشرع ويعودون لتدبير الدولة ~~وما يصلحهم ويصلح لهم حتى كأنهم من أهل الولايات ومن القابضين للجبايات ~~وظهر ما عندهم وتكلموا به للناس حتى اعتقد من لا حقيقة لديه من العامة ومن ~~يلتحق بهم ومن أصحاب الدولة ومن شابههم أني أرشدت إلى خطأ وأمرت بمنكر ~~فاجتمع من جميع ما قدمت ذكره تشوش خاطر الإمام ومن له رغبة في شرائع ~~الإسلام # فتوقف الأمر ولم ينفذه من يقدر على التنفيذ ممن له رغبة فيه ووجد أعداء ~~الله من الظلمة المجال فبالغوا في المخالفة والمدافعة والمحاولة والمصاولة # فاسمع هذه الأعجوبة واعتبر بها وأني لا أشك أن الله سبحانه منفذ ~~PageV01P207 @ 208 شرعه وناصر من نصره وخاذل من خذله ومتم نوره على رغم أنف ~~من أباه ولكن للباطل صولة وللشيطان جولة حتى يقر الحق في قراره ويتم من ~~العدل ورفع الظلم ما أمر الله به ومن رام أن ينصر باطلا أو يدفع حقا فهو ~~مركوس من غير فرق بين رئيس ومرؤوس وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل وعند ~~عزائم الرحمن يندفع كيد الشيطان # | القياس # وأما القياس فاعلم أنه قد رسمه أهل الأصول بأنه مساواة أصل للفرع في علة ~~حكمه ثم شرطوه بشروط وقيدوه بقيود هي معلومة عند من يعرف الفن لكنهم توسعوا ~~في هذه المساواة وأثبتوها بأمور هي مجرد خيال ليس على ثبوته إشارة من علم # وبيانه أنهم جعلوا مسالك العلة أنواعا فأكثر ما قيل أنها عشرة ثم جميع ~~هذه المسالك إلا القليل هي بحث الرأي ومحصل الدعاوي المجردة # فعليك أن تضع قدمك موضع المنع وتقوم في مقام الإنكار حتى يوجب عليك ~~المصير إلى شيء منها ما لا يقدر على دفعه ولا يشك في صحته كمسلك النص على ~~العلة ومسلك القطع بانتفاء الفارق ومثل هذا فحوى الخطاب وما شابه هذه ~~الأمور وإياك أن تثبت أحكام ms131 الله بخيالات تقع لك أو لعالم مثلك من سابق ~~الأمة أو لاحقها فإن عليك من الوزر والوبال ما قدمنا ذكره في هذا الكتاب # وبالجملة فالقياس الذي يذكره أهل الأصول ليس بدليل شرعي تقوم به الحجة ~~على أحد من عباد الله ولا جاء دليل شرعي يدل على حجيته وإن زعم ذلك من لا ~~خبرة له بالأدلة الشرعية ولا بكيفية الاستدلال بها يعرف هذا من يعرفه ~~وينكره من ينكره # وأما ما كانت العلة فيه منصوصة فالدليل هو ذلك النص على العلة لأن ~~PageV01P208 @ 209 الشارع كأنه صرح باعتبارها إذا وجدت في شيء من المسائل ~~من غير فرق بين كونه أصلا أو فرعا # وهكذا ما وقع القطع فيه بنفي الفارق فإنه بهذا اقدر قد صار الأمران ~~اللذان لا فارق بينهما شيئا واحدا ما دل على أحدهما دل على الآخر من دون ~~أصلا أو فرعا وهكذا ما وقع القطع فيه بنفي الفارق فأنه بهذا القدر قد صار ~~الأمران اللذان لا فارق بينهما شيئا واحدا ما دل على أحدهما دل على الآخر ~~من دون تعدية ولا اعتماد أصلية ولا فرعية # وأما فحوى الخطاب ولحنه فهذان هما راجعان إلى المفهوم والمنطوق وإن ~~سماهما بعض أهل العلم بقياس الفحوى وبحث العمل بالمفهوم خارج عما نحن بصدده ~~وقد جاءت لغة العرب الحاكية لما كانوا يفهمونه ويتحاورون به ويعملون عليه ~~أن مثل هذا المفهوم كان معتبرا لديهم مأخوذا به عندهم # ولهذا قال من قال من العلماء إنه منطوق لا مفهوم # ولقد تلاعب كثير من أهل الرأي بالكتاب والسنة تلاعبا لا يخفى إلا على من ~~لا يعرف الإنصاف بهذه الذريعة القياسية وعولوا على ما هو منه أوهن من بيت ~~العنكبوت وقدموه على آيات قرآنية وأحاديث نبوية # وما هذه بأول فاقرة جاء بها الشيطان وحسنها لنوع الإنسان وذاد بها عباد ~~الله عن شرائعه # ومن أنكر هذا فلينظر المصنفات في الفقه ويتتبع مسائلها المبنية على مجرد ~~القياس المبني على غير أساس مع وجود أدلة نيرة وبراهين مرضية # ومن هذا الباب دخل أهل الرأي ms132 وإليه خرجوا من أبواب الأدلة الثابتة في ~~كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم # ( فكن رجلا رجله في الثرى % وهامه همته في الثريا ) # وكل من له فهم لا يغرب عنه أن الله تعالى لم يتعبد عباده بمجرد قول عالم ~~من العلماء أنه قد أفاده مسلك تخريج المناط أو تنقيح الناط أو الشبه أو ~~الدوران أو نحو هذا الهذيان هذا على فرض أنه لم يوجد في الكتاب والسنة ~~PageV01P209 @ 210 ما يخالف هذا المسلك الذي لا يسلكه المتورعون ولا يمشي ~~عليه المتدينون فكيف إذا كان الدليل المخالف له واضح المنار ظاهر الاشتهار ~~قريب الديار لمن سافر إليه من أهل الاعتبار # والكلام في هذا البحث طويل الذيول وقد أفرده جماعة من أهل العلم بالتصنيف ~~وليس المراد هنا إلا مجرد التنبيه لطاب العلم وإني وإن حذرته عن العمل بهذا ~~القياس فلا أحذره عن العلم به وتطويل الباع في معرفته والإحاطة بما جاء به ~~المصنفون من أهل الأصول في مباحثه فإنه لا يعرف صحة ما قلته إلا من عرفه حق ~~معرفته وقد يعرف الشيء ليجتنب ويحذر ويعرف الشر لا للشر # | الاستحسان # وأما الاستحسان فاعلم أنهم رسموه بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد ويعسر ~~عله التعبير عنه # وأنت لا يخفى عليك إن بقي لك نصيب من فهم وحظ من إنصاف أن الله تبارك ~~وتعالى لم يتعبد أحدا من عباده بدليل يستدل به أحد من علماء الأمة ويمكنه ~~التعبير عنه وإبرازه من القول إلى الفعل إلا إذا كان صحيحا تقوم به الحجة ~~فكيف يتعبدهم بما انقدح في نفس فرد من أفرادهم على وجه لا يمكنه التعبير ~~عنه ولا إبرازه إلى الخارج # فإن هذا الذي انقدح في نفسه لا ندري ما هو ولا كيف هو فكيف يكون حجة على ~~أحد من الناس وقد عجز صاحبه عن بيانه وعسرت عليه ترجمته # فبالله العجب من هذا الهذيان وكيف استجاز قائله أن يحكم عليه وأنه دليل ~~شرعي ويفترى على الشرع ما ليس منه وعلى الله سبحانه ما لم يقله # وبالجملة ms133 تبيان فساد هذا لا يحتاج إلى إيضاح وإفهام البشر وإن بلغت في ~~الضعف أي مبلغ وقاربت أفهام الدواب فهي لا تطلب البرهان على بطلان ~~PageV01P210 @ 211 هذا الهذيان ولو احتاج محتاج إلى الاستدلال على بطلان ~~هذا الباطل لزمه أن يدفع فرية كل مفتر على الله ولله در الإمام الشافعي حيث ~~يقول من استحسن فقد شرع # | الاجتهاد # وأما الاجتهاد فقد رسموه بأنه استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن يحكم شرعي # ولا شك أن هذا الظن الكائن بعد الاستفراغ وإن تعبد الله به ذلك المستفرغ ~~لكونه فرضه عند فقد الدليل كما تقدم البحث عن هذا والاستدلال عليه لكن ~~الشأن في كون هذا الظن حجة على أحد من عباد الله ممن لم يقع له هذا الظن ~~ولا تقدم له استفراغ الوسع فإن الحجة الشرعية ليست ظنون بعض المكلفين ~~بالشرع المتعبدين به على البعض الآخر ولا جاء في الشريعة حرف واحد مما يفيد ~~هذا ويدل عليه بل صرح الكتاب العزيز بالنهي عن اتباع الظن وأنه لا يغني من ~~الحق شيئا وأن بعضه إثم وهذه الأدلة الكلية توجب على الإنسان أن لا يعمل ~~بظنه في شئ كائنا ما كان إلا ما خصصه الشرع فكيف بظن غيره # فيا معشر المقلدة اسمعوا وعوا فإنكم إنما تتبعون ظنونا خطرت لقوم الحجة ~~من الله بما في كتابه وسنة نبيه قائمة عليهم كما هي قائمة عليكم وهم ~~متعبدون بها كتعبدكم بها فما لكم ولهم وماذا عليكم من ظنونهم فقد أسفر ~~الصبح لذي عينين وارتفع ما على قلوب قوم من الرين إن بقي للهداية مجال ~~ولاستماع الصواب احتمال وقد كررت الكلام في المقام بما لا يحتاج معه إلى ~~التطويل هنا PageV01P211 @ 212 # | مفاسد أصابت دين الإسلام # وأعلم أن المفاسد الماحقة لبركة الله والمفرقة لكلمة المسلمين كثيرة جدا ~~والإحاطة بها تتعسر وقد ذكرنا هنا ما حضر عند التحرير وأعظم ما أصيب به دين ~~الإسلام من الدواهي الكبار والمفاسد التي لا يوقف لها في الضرر على مقدار ~~أمران # | تعدد المذاهب # أحدها هذه المذاهب التي ذهبت ببهجة ms134 الإسلام وغيرت رونقه وجهمت وجهه وقد ~~قدمنا في هذا ما يستغنى عن الزيادة إن بقي له فهم يرجع به إلى الحق ويخرج ~~به من الباطل # | الاعتقادات الفاسدة في بعض الأموات # والأمر الثاني هذه الاعتقادات التي حدثت لهذه الأمة في صالحي الأموات حتى ~~صار الرجل يقرن من يعتقده من الأموات بمن يقلده منهم # فيقول إمامه في المذهب فلان وشيخه في الإعتقاد والمحبة فلان # وهذا يقوله ظاهرا وهو لو كوشف ونطق بما في ضميره لقال وشيخه الذي يعول ~~عليه في زعمه عند الشدائد في قضاء حاجاته ونيل مطالبه فلان # وصمى صام من خلف وأمام فإن هذه الداهية الدهياء والمصيبة الصماء العمياء ~~فقد كان أوائل المقلدة يعتمدون على أئمتهم في المسائل الشرعية ويعولون على ~~آرائهم ويقفون عند اختياراتهم ويدعون نصوص الكتاب والسنة ولكنهم ا ينزلون ~~حوائجهم بغير الله عز وجل ولا يناجون سواه ولا يرجون غيره ولا يعولون إلا ~~عليه ولا يطلبون إلا منه # فهم وإن خلطوا صومهم وصلاتهم وحجهم وزكاتهم وسائر عباداتهم ومعاملاتهم ~~بآراء الرجال وقلدوا في كثير من تفاصيلها ما لم يأذن الله بتقليده ~~PageV01P212 @ 213 وأخذوا دينهم على الوجه الذي لم يأمر الله به ولا ارتضاه ~~لهم لكنهم لم يخلطوا في معنى لا إله إلا الله ولا تلاعبوا بالتوحيد ولا ~~دخلوا في أدوار الشرك ومضايق الجحود وبلايا الجاهلية وما كانوا عليه # وأما هؤلاء فعمدوا إلى جماعة من الأموات الذين لا يستطيعون توصية ولا إلى ~~أهلهم يرجعون فقصدوهم في المهمات وعكفوا على قبورهم ونذروا لهم النذور ~~ونحروا لهم النحاير وفزعوا إليهم عند المهمات # فتارة يطلبون منهم من الحاجات ما لا يقدر عليه إلا الله عز وجل وخصوهم ~~بالنداء وأفردوهم بالطلب وتارة ينادونهم مع الله عز وجل ويصرخون بأسمائهم ~~مع اسم الله سبحانه فيأتون بكلمات تقشعر لها جلود من يعلم معنى لا إله إلا ~~الله ويعرف مدلول قل هو الله أحد وتلاعب بهم الشيطان في ذلك ونقلهم من ~~مرتبة إلى مرتبة ومن منزلة إلى منزلة حتى استعظموا من جانب هؤلاء الأموات ~~الذي خلقهم ms135 الله ورزقهم وأحياهم وأماتهم ما لا يستعظمونه من جانب بارئ ~~البرية وخالق الخالق يستعظمون جل اسمه وتعالى قدره ولا إله غيره # وأفضى ذلك إلى أن أحدهم يحلف بالله تعالى فاجرا ولا يحلف بمن يعتقده من ~~الأموات ويقدم على المعصية في المساجد التي هي بيوت الله ولا يقدم عليها ~~عند قبر من يعتقده # وتزايد الشر وعظمت المحنة وتفاقمت المصيبة حتى صار كثير منهم ينسبون ما ~~أصابهم من الخير في الأنفس والأموال والأهل إلى ذلك الميت وما أصابهم من ~~الشر في ذلك إليه وقد صارت تحت أطباق الثرى وغيب عن أعين البشر وصار مشغولا ~~عاجزا عن جر نفع إليه أو دفع ضر عنه منتظرا لما ينتظر له مثله من الأموات ~~لا يدري ما نزل به من هؤلاء النوكاء ولا يشعر بما ألصقوه به ولو علم بذلك ~~لجالدهم بالسيف ودفعهم بما يقدر عليه PageV01P213 @ 214 # ومن أعظم الذرائع الشيطانية والوسائل الطاغوتية أنهم بالغوا في التأنق ~~فين عمارة قبور من يعتقدونه من الصالحين ونصبوا عليها القباب وجعلوا على ~~أبوابها الحجاب ووضعوا عليها من الستور العالية والآلات الرائعة ما يبهر ~~الناظر إليه ويدخل الروعة في قلبه ويدعوه إلى التعظيم كما جبلت عليه طبائع ~~العوام من دخول المهابة في قلوبهم والروعة في عقولهم بما يتعاطاه المريدون ~~لذلك كما يفعله غالب ملوك الدنيا من المبالغة في تزيين منازلهم وتعظيمها ~~والتألق في بنائها والاستكثار من الحجاب والخدم والصياح والجلبة وارتباط ~~الأسود ونحوها من الحيوانات ولبس فاخر الثياب قاصدين بذلك تربية المهابة ~~لهم والمخافة منهم وصنع هؤلاء القبوريون كصنعهم ففعلوا في الأموات من جوالب ~~التعظيم وأسباب الهيبة ما يكون له من التأثير في قلوب من يزورهم من العامة ~~ما لا يقادر قدره ثم يزيد ذلك قليلا قليلا حتى يحصل لهم من الإعتقاد في ~~أولئك الأموات ما يقدح في إسلامهم ويخدش في توحيدهم # ولو اتبع الناس ما أرشد إليه الشارع من تسوية القبور كما ثبت في = صحيح ~~مسلم = وغيره من حديث أبي الهياج قال قال لي علي بن أبي طالب ألا ms136 أبعثك على ~~ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع قبرا مشرفا إلا ~~سويته ولا تمثالا إلا طمسته فانظر كيف بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أميرا لهدم القبور المشرفة وطمس التماثيل هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه ثم بعث علي أيام خلافته أميرا على ذلك هو أبو الهياج # وأخرج أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم من حديث جابر أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم نهى أن يجصص القبور وأن يبني عليه PageV01P214 @ 215 وأن ~~يكتب عليه وأن يوطئ وأخرجه مسلم في صحيحه بدون ذكر الكتابة قال الحاكم ~~النهي عن الكتابة على شرط مسلم وهي صحيحة غريبة قال والعمل من أئمة ~~المسلمين من المشرق إلى المغرب على خلاف ذلك يعني يقررون كتابة الاسم من ~~دون إنكار انتهى # وأقول لا حجة في أحد خالف السنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كائنا من كان قل عددهم أو كثر فليس لهم أن يشرعوا للناس غير ما شرعه الله ~~بل يحملون على الخطأ وعدم العناية بأمر الشرع والتساهل في أمر الدين # وما هذا بأول باب من أبواب الشرع أهمله الناس وخالفوا فيه السنن الواضحة ~~والشرائع الثابتة ولا سميا بعد أن استعلى الجهل على العلم وغلبت آراء ~~الرجال ما جاء في الكتاب والسنة وصار التقليد والتمذهب هو المعروف عند ~~الجمهور وغيره المنكر # ولا اعتبار بسكوت أهل العلم الذين هم أهله فإنهم مغلوبون مكثورون مخبوطون ~~بسوط العامة الذين منهم السلاطين وجنودهم كما قدمنا الإشارة إلى ~~PageV01P215 @ 216 هذا وأطباق أهل المشرق والمغرب على الكتابة هو كأطباقهم ~~على رفع القبور وتجصيصها ووضع القباب عليها وجعلها مساجد فخالفوا ما تقدم ~~عنه صلى الله عليه وسلم مع مخالفتهم لما ثبت في الصحيح عنه ثبوتا لا يخالفه ~~فيه مخالف من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تجعلوا قبري مسجدا لا ~~تجعلوا قبرى وثنا لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا وكان هذا ~~القول من آخر ما قاله ms137 في مرض موته كما ثبت أن آخر ما قاله صلى الله عليه ~~وسلم الأمر بإخراج اليهود من جزيرة العرب وتنفيذ جيش أسامة ثم كان الواقع ~~من أمته بعد هذا التأكيد أنهم بنوا على قبره الشريف قبة ومازال ملوك ~~الإسلام يبالغون في تحسينها وتزيينها ورفع سمكها ووضعوا القباب ورفعوا ~~القبور وكانوا يفعلون هذا بأهل الصلاح ثم تزايد الشر وصاروا يفعلون ذلك لمن ~~له رئاسة دنيوية وإن كان من أفجر الفجرة وقد يوصي الميت في وصيته بذلك # وأعجب من هذا كله تصريح جماعة من أهل الفقه بأنه لا بأس بذلك إذا كان ~~الميت فاضلا ودونوه في مصنفاتهم التي هي مدارس الطلبة وضربوا ما ذكرناه من ~~الأدلة في وجه من جاء به ورموا بها خلف الحائط ولم يردعهم دين ولا وزعهم ~~حياء وقابلوا بما أسلفنا بقولهم أنه قد استحسن PageV01P216 @ 217 رفع هذه ~~القباب وتزيين هذه القبور بعض السلف # فلا كثر الله في أهل العلم من أمثال من استحسن مخالفة الشرع من السلف ~~الذين صرتم تقولون عليهم بما لم يقولوه فإنه إذا صح ما تزعمونه من أنه ~~استحسن ذلك بعض السلف فلا حجة في استحسان من استحسن مخالفة الشرع كائنا من ~~كان فإنه أو مبتدع ومخالف للشرع وعاص لله ولرسوله وللشريعة المطهرة # ولقد تزلزل بهذا السبب أقدام كثير من العباد عن الإسلام وذهب بهذه ~~الذريعة إيمان جماهير من الأنام فإنا لله وإنا إليه راجعون # فإنها لو كانت القبور على الصفة التي شرعها الله وعلمها الأمة رسول الله ~~لم يحدث من هذه الاعتقادات الفاسدة شئ ولا يشك عاقل أن أعظم ما أدخل فاسد ~~الإعتقاد في صدور كثير من العباد هو هذا الأمر مع سكوت العلماء عن البيان ~~الذي أمرهم الله به ومجاملتهم للعامة إما مع علمهم بما في هذا الأمر من ~~الخطر أو مع غلبة العادات الطارئة عليهم لما عندهم من العلم حتى ذهب ذلك ~~بما يعلمونه ومحق بركته وأبطل ثمرته # ومما أحكيه لك أنه كان يبلغني وأنا في الطلب للعلم والاشتغال به ما يصنعه ms138 ~~أهل القطر التهامي من الاجتماع لزيارة جمعة من المعتقدين لديهم وما يحدث ~~منهم عند ذلك من النهيق الذي لا يعود صاحبه إلى الإسلام سالما مع عدم إنكار ~~من بتلك الديار من العلماء بل كان الكثير منهم يحضرون تلك المجامع ويشهدون ~~تلك الزيارات فتكون المنكرات وما يحدث من أنواع الشرك بمرأى منهم ومسمع ~~فكتب رسالة إلى العلماء من أهل تلك الديار على يد رجل من أهل العلم ~~الراحلين إلى هنالك فلما عاد أخبرني بما حصل من الاستنكار منهم لما كتبته ~~إليهم وعدم الاعتداد به والالتفات إليه فقضيت من ذلك العجب # ثم لما ولى القضاء ببعض البيادر التهامية بعض علماء صنعاء الأكابر وشاهد ~~PageV01P217 @ 218 من هذه المنكرات ما حمله على أن يحرر إلي سؤالا فأجبته ~~برسالة مطولة سميتها الدر النضيد في إخلاص التوحيد وأمرته أن يكتب نسخا ~~ويرسلها إلى القضاة في تلك الديار ففعل ولم يؤثر ذلك شيئا بل كتب كثير من ~~علماء تلك الديار على رسالتي مناقشات واعتراضات # فلم تمض إلا أيام قلائل حتى نزل بهم السيف وهدم الله تلك الطواغيب وذهب ~~بتلك الاعتقادات الفاسدة فهي الآن صافية عن تلك الأمور التي كان يتلوث بها ~~أهلها فلا يقدر أحد منهم أن يستغيث بغير الله سبحانه أو ينادي ميتا من ~~الأموات أو يجري ذكره على لسانه ولكنه لم يغسل أدرانهم ويذيب بالكدورات ~~التي كانت تشوب صافي إسلامهم إلا السيف وهو الحكم العدل في من استحكمت عليه ~~نزعات الشيطان الرجيم ولم تردعه قوارع آيات الرحمن الرحيم # | مفاسد بعض أدعياء التصوف # ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما ولا ~~شموله كشمولهما وهو ما صار عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة # فقد كان أول هذا الأمر يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى ~~أعلا مبلغ ومشى على هدى الشريعة المطهرة وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها ولم ~~يغتر ببهجتها ثم حدث أقوام جعلوا هذا الأمر طريقا إلى الدنيا ومدرجا إلى ~~التلاعب بأحكام الشرع ومسلكا إلى أبواب اللهو والخلاعة ثم جعلوا ms139 لهم شيخا ~~يعلمهم كيفية السلوك فمنهم من يكون مقصده صالحا وطريقته حسنة فيلقن أتباعه ~~كلمات تباعدهم من الدنيا وتقربهم من الآخرة وينقلهم من رتبة إلى رتبة على ~~أعراف يتعارفوها ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع وخروج عن كثير من ~~آدابه PageV01P218 @ 219 # والخير كل الخير في الكتاب والسنة فما خرج عن ذلك فلا خير فيه وإن جاءنا ~~أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة وأتقاهم الله تعالى وأخشاهم له في ~~الظاهر فإنه لا زهد لمن يمش على الهدى النبوي ولا تقوى ولا خشية لمن لم ~~يسلك الصراط المستقيم فإن الأمور لا تكون طاعات بالتعب فيها والنصب ~~وإيقاعها على أبلغ الوجوه بل إنما تكون طاعات خالصة محضة مباركة نافعة ~~بموافقة الشرع والمشي على الطريقة المحمدية واعتبر بالخوارج فقد وصفهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم بما وصف من تلك العبادات والمجاهدات التي لا تبلغ ~~عبادتنا ولا مجاهدتنا إلى شئ منها ولا تعتبر بالنسبة إليها ومع هذا فقال ~~إنها لا تجاوز تراقيهم وقال إنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ~~وقال إنهم كلاب النار فانظر كيف كانت مجاهداتهم وعباداتهم وقيامهم الليل ~~وصيامهم النهار نقمة عليهم وبلية ومحنة لهم لم تعد عليه بنفع قط إلا ما ~~أصيبوا به من الخسار والنكال والوبال فكانت تلك الطاعات الصورية من صلاة ~~وصيام وتهجد وقيام هي نفس المعاصي الموجبة للنار # وهكذا كل من رام أن يطيع اله على غير الوجه الذي شرعه لعباده وارتضاه لهم ~~فإنه ربما يلحق بالخوارج بجامع وقوع ما أطاعوا الله به على غير ما شرعه لهم ~~في كتابه وعلى لسان رسوله # وإني أخشى أن يكون من هذا القبيل ما يقع من كثير من المتصوفة من تلك ~~الأقوال والأفعال التي ظاهرها التنفير عن الدنيا والبعد عن أهلها ~~PageV01P219 @ 220 والفرار عن زينتها مع تلك الوظائف التي يلازمونها من ~~التخشع والإنكسار والتلهب والتأسف والصراخ تارة والهدوء تارة أخرى ~~والرياضيات والمجاهدات ملازمة أذكار يذكرون بها لم ترد في الشرع على صفات ~~لم يأذن الله بها ms140 مع ملازمة تلك الثياب الخشنة الدرنة والقعود في تلك ~~المساطب القذرة وما ينضم إلى ذلك من ذلك الهيام والشطح والأحوال التي لو ~~كان فيها خير لكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هم خير ~~القرون # ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيب ~~الباطنة والأصنام المستورة عن الناس كالحسد والكبر والعجب والرياء ومحبة ~~الثناء والشرف والمال والجاه مبلغا عظيما وارتقى مرتقا جسيما # ولكني أكره له أن يتداوى بغير الكتاب والسنة وأن يتطبب بغير الطب الذي ~~اختاره الله لعباده فإن في القوارع القرآنية والزواجر المصطفوية ما يغسل كل ~~قذر ويرخص كل درن ويدمغ كل شهية ويدفع كل عارض من عوارض السوء # فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء فيعكف على تلاوة كتاب ~~الله متدبرا له متفهما لمعانيه باحثا عن مشكلاته سائلا عن معضلاته ويستكثر ~~من مطالعة السيرة النبوية ويتدبر ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في ليله ونهاره ويتفكر في أخلاقه وشمائله وهديه وسمته وما كان عليه ~~أصحابه وكيف كان هديهم في عبادتهم ومعاملاتهم # فإنه إذا تداوى بهذا الدواء ولاحظته العناية الربانية وجذبته الهداية ~~الإلهية فاز بكل خير مع ماله من الأجر الكثير والثواب الكبير في مباشرة هذه ~~الأسباب # وإذا حال بينه وبين الانتفاع بهذه الأمور حائل ومنعه من الظفر بما يترتب ~~عليها مانع فقد نال بتلك الأسباب التي باشرها أجرا عظيما لأنه طلب الخير ~~PageV01P220 @ 221 من معدنه ورام نيل الرشد من موطنه فكان له في تلك ~~الأشغال من الأجر ما لطلبة علم الشرع لأنه قد جهد نفسه في الأسباب ولم يفتح ~~له باب # فانظر كم بين هذين الأمرين من المسافة الطويلة فإن طالب الرشد بغير ~~الأسباب الشرعية لا يأمن على نفسه بعد الوصول إلى مطلوبه من أن يكون صنعه ~~كصنع الخوارج في خسرانهم بما ظنوه ربحا ووقوعهم في الظلمة وقد كانوا يظنون ~~أنهم يلاقون صبحا لأنهم خالفوا الطريقة التي أرشد الله إليها عباده وأمرهم ~~بسلوكها ms141 # وإذا كان هذا الأمر مجوزا في طلبة الخير من غير طريق الشرع كصلحاء ~~الصوفية اللذين لا رغبة لهم في غير تهذيب أخلاقهم على وجه يوجب زهدهم فيما ~~ترغب النفوس إليه وتتهالك الطبائع البشرية عليه فما ظنك بمن كان من متصوفة ~~الفلاسفة الذين يدورون بمرقعاتهم وأبدانهم القشفة وثيابهم الخشنة ووجوههم ~~المصفرة حول ما يقوله الفلاسفة من تلك المقالات التي هي ضد الشرع وخلاف له ~~وينهقون عند إدراك شئ من تلك المعارف الشيطانية نهيقا منكرا ويسمون ذلك ~~حالا وهو عند التحقيق حال حائل عن طريق الدين وخيال مائل عن سبيل المؤمنين # وللرد على هؤلاء جمعت الرسالة التي سميتها الصوارم الحداد هي من ~~المجموعات التي جمعتها في أيام الحداثة وأوائل الشباب # وبعد هذا كله فلست أجهل أن في رجال هذه الطائفة المسماة بالصوفية من جمع ~~الله له بين الملازمة لهذه الشريعة المطهرة والمشي على الطريقة المحمدية @ ~~222 والصراط الإسلامي مع كونه قد صار من تصفية باطنه من كدورات الكبر ~~والعجب والحسد والرياء ونحوها بمحل يتقاصر عنه غيره ويعجز عنه سواه # ولكني في هذا المصنف بسبب الإرشاد إلى العمل بالكتاب والسنة والتنفير عما ~~عداهما كائنا ما كان فلست أحب لمن أراد القرب إلى الله والفوز بما لديه ~~والظفر بما عنده أن يتسبب إلى ذلك بسبب خارج عنهما من رياضة أو مجاهدة أو ~~خلوة أو مراقبة أو يأخذ عن شيخ من شيوخ الطريقة الصوفية شيئا من الاصطلاحات ~~الموصلة إلى الله عندهم بل يطلب علم الكتاب والسنة ويأخذهما عن العلماء ~~المتقنين لهما المؤثرين لهما على غيرهما المتجنبين لعلم الرأي وما يوصل ~~إليه النافرين عن التقليد وما يحمل عليه فإنه إذا فعل ذلك سلك مسلك النبوة ~~وظفر بهدى الصحابة وسلم من البدع كائنة ما كانت فعند ذلك يحمد مسراه ويشكر ~~مسعاه ويفوز بخير أولاه وأخراه # تم بحمد الله PageV01P221 ms142